هل يسكن الله في الظلام أم في النور؟ 1 تيموثاوس 6: 16
النور والظلام يعلنان عدم إدراك الله الكامل، لا تناقضًا في طبيعته

يقول الرسول بولس إن الله «ساكن في نور لا يُدنى منه»، بينما تذكر نصوص أخرى أن الله يسكن في الظلام أو يجعل الظلمة ستره. فهل الكتاب يصف الله بوصفين متناقضين؟ أم أن النور والظلمة هنا تعبيران يشرحان عظمة الله التي تعلو على إدراك الإنسان؟
لا يوجد تناقض. فالنور والظلام يمكن أن يكونا تعبيرين مجازيين عن عظمة الله وعدم إمكانية إدراكه بالكامل. وحتى لو فُهما حرفيًا، فليس بينهما تناقض؛ لأن ما هو نور بالنسبة لله قد يكون ظلمة بالنسبة لإدراكنا المحدود.
الشبهة
يقول بولس عن الله:
«الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ.»
1 تيموثاوس 6: 16
لكن سليمان قال عند تدشين الهيكل:
«قَالَ الرَّبُّ إِنَّهُ يَسْكُنُ فِي الضَّبَابِ.»
1 ملوك 8: 12
ويقول المزمور:
«جَعَلَ الظُّلْمَةَ سِتْرَهُ، حَوْلَهُ مِظَلَّتَهُ، ظُلْمَةَ مِيَاهٍ، سَحَابَ الْجَوِّ.»
مزمور 18: 11
فأيهما الصحيح؟ هل الله ساكن في نور لا يُدنى منه، أم في الضباب والظلام؟
الخطأ هو التعامل مع النور والظلام كأنهما وصفان ماديان بسيطان يجب أن يتناقضا. لكن الكتاب يستخدمهما أحيانًا كتعبيرين عن جلال الله واستعلانه واحتجابه عن الإدراك البشري الكامل.
أولًا: النور والظلام قد يكونان تعبيرين مجازيين
في كثير من النصوص الكتابية، لا يُستخدم النور والظلام بالضرورة بمعنى مادي حرفي، بل كصور بلاغية. فالنور يعبّر عن مجد الله وقداسته وسموه، والظلام أو الضباب يعبّر عن احتجابه وعدم قدرة الإنسان على فحصه وإدراكه بالكامل.
لذلك لا يجب أن نفترض تلقائيًا أن النصوص تتكلم عن مكان مادي يسكنه الله كما يسكن الإنسان في بيت. فالله غير محدود، ولا يُحصر في مكان.
ثانيًا: كلا التعبيرين يعلنان عدم إدراك الله الكامل
النور الذي «لا يُدنى منه» لا يعني مجرد ضوء عادي، بل مجد إلهي لا يقدر الإنسان المحدود أن يحتمله أو يحيط به. والظلام أو الضباب لا يعني أن الله ظلمة أخلاقية، بل أنه مستتر عن الفحص البشري الكامل.
وهذا ينسجم مع قول بولس:
«يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!»
رومية 11: 33
فالمعنى المشترك بين الصورتين هو أن الله أعظم من أن يُدركه الإنسان إدراكًا كاملًا.
ثالثًا: ما هو نور لله قد يكون ظلمة لنا
حتى إذا أخذنا النور والظلام بمعنى قريب من الحرفية، فلا يلزم وجود تناقض. فقد يكون النور شديدًا جدًا حتى يصير بالنسبة لعيني الإنسان عجزًا عن الرؤية. فالنور الباهر يمكن أن يُعمي، وبذلك يخلق نوعًا من الظلمة بالنسبة للإنسان المحدود.
يمكن تشبيه الأمر بأن نور الفجر يكون مناسبًا لطائر يرى في النهار، لكنه لا يناسب كائنًا اعتاد الظلمة. فالاختلاف ليس في حقيقة النور، بل في قدرة المتلقي على احتماله.
رابعًا: الظلام لا يعني نقصًا في الله
عندما يقول الكتاب إن الله يسكن في الضباب أو يجعل الظلمة ستره، لا يعني ذلك أن الله مظلم أو ناقص أو غير قدوس. بل يعني أن مجده محجوب عن الإدراك البشري، وأن الإنسان لا يستطيع أن يقتحم سر الله أو يفحص جوهره كما يفحص الأشياء المخلوقة.
فالظلام هنا لا يصف طبيعة الله الأخلاقية، بل حدود إدراك الإنسان أمام مجد الله.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين القول إن الله يسكن في نور لا يُدنى منه، والقول إنه يسكن في الضباب أو يجعل الظلمة ستره. فالنور يعلن مجده وقداسته، والظلام يعلن استتاره وعدم إمكانية إدراكه بالكامل. وكلاهما يضع الإنسان أمام الحقيقة نفسها: الله غير محدود، والإنسان محدود.
النور والظلام ليسا وصفين متناقضين لله، بل صورتان تكشفان سموه. الله نور لا يُدنى منه في مجده، وهو مستتر عن الفحص الكامل بسبب عظمته التي تتجاوز إدراكنا.
خلاصة دفاعية
الشبهة تقوم على قراءة سطحية للصور الكتابية. فالنور والظلام في هذه النصوص لا يصفان تناقضًا في الله، بل يصفان عجز الإنسان عن الإحاطة به. الله يعلن نفسه في مجد ونور، لكنه في الوقت نفسه يظل غير محدود ولا يُدرك بالكامل. لذلك فالنصوص لا تتعارض، بل تتكامل في إعلان عظمة الله وسرّه.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 501. Victor Books: Wheaton, Ill.