تخطى إلى المحتوى

هل يجب على المسيحي تجنب الغنى أم الاحتفاظ به؟ 1 تيموثاوس 6: 17-18

  • بواسطة

هل يجب على المسيحي تجنب الغنى أم الاحتفاظ به؟ 1 تيموثاوس 6: 17-18

المشكلة ليست في امتلاك المال، بل في أن يمتلك المال قلب الإنسان

هل يجب على المسيحي تجنب الغنى أم الاحتفاظ به؟ 1 تيموثاوس 6: 17-18 المشكلة ليست في امتلاك المال، بل في أن يمتلك المال قلب الإنسان
هل يجب على المسيحي تجنب الغنى أم الاحتفاظ به؟ 1 تيموثاوس 6: 17-18 المشكلة ليست في امتلاك المال، بل في أن يمتلك المال قلب الإنسان

قد يبدو أن الكتاب المقدس يقدّم تعليمين متعارضين عن الغنى. فالرب يسوع طلب من الشاب الغني أن يبيع كل ما له ويعطي الفقراء، وتلاميذ الكنيسة الأولى باعوا ممتلكات ووضعوا أثمانها عند أرجل الرسل، وبولس حذّر من محبة المال. لكن في المقابل، نرى الله يبارك إبراهيم وأيوب بغنى عظيم، ونرى بولس لا يأمر الأغنياء أن يتركوا كل أموالهم، بل أن لا يتكلوا عليها، وأن يستخدموها في الخير.

الإجابة المختصرة
لا يعلّم الكتاب أن الغنى شر في ذاته، ولا أن كل غني يجب أن يتخلى عن كل ما يملك. الشر ليس في امتلاك المال، بل في محبة المال والاتكال عليه. فالمؤمن يستطيع أن يمتلك مالًا، لكن عليه أن لا يكون مملوكًا للمال، بل يستخدمه في الخير والعطاء وخدمة المحتاجين.

الشبهة

قال الرب يسوع للشاب الغني:

«إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي.»
متى 19: 21

ونقرأ عن الكنيسة الأولى:

«إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ.»
أعمال 4: 34-35

كما يقول بولس:

«لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ.»
1 تيموثاوس 6: 10

لكن بولس نفسه يقول للأغنياء:

«أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ أَنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا، وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَيِّ الَّذِي يَمْنَحُنَا كُلَّ شَيْءٍ بِغِنًى لِلْتَمَتُّعِ. وَأَنْ يَصْنَعُوا صَلاَحًا، وَأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيعِ.»
1 تيموثاوس 6: 17-18

فهل يريد الكتاب من المؤمن أن يتجنب الغنى تمامًا، أم أن يحتفظ به ويستخدمه؟

مفتاح فهم الشبهة
الالتباس ناتج عن الخلط بين امتلاك المال وعبادة المال. الكتاب لا يدين الغنى في ذاته، بل يدين محبة المال والاتكال عليه واستخدامه بأنانية.

أولًا: وصية المسيح للشاب الغني كانت علاجًا لحالة خاصة

عندما قال الرب يسوع للشاب الغني: «بع أملاكك وأعط الفقراء»، لم يكن يضع قانونًا عامًا لكل مؤمن في كل زمان، بل كان يكشف مشكلة هذا الشاب تحديدًا. كان المال قد صار إلهه الحقيقي، لذلك لمس المسيح موضع المرض في قلبه.

فالهدف لم يكن إعلان أن كل امتلاك خطية، بل فضح العبودية للمال. لذلك يمكن تلخيص الفكرة هكذا: لا خطأ في أن يمتلك الإنسان مالًا، لكن الخطأ أن يمتلك المال الإنسان.

ثانيًا: الكنيسة الأولى لم تُجبَر على بيع كل الممتلكات

ما حدث في أعمال الرسل كان تعبيرًا عن محبة وسخاء لسد احتياجات المؤمنين، لا نظامًا دائمًا يلغي الملكية الخاصة. النص يقول إن أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعون ويعطون، لكن لا يقول إن كل مؤمن أُمر أن يبيع كل شيء، ولا يقول إنهم باعوا مساكنهم الأساسية بالضرورة.

قد تكون الممتلكات المبيعة أراضي أو ممتلكات إضافية، وقد كان الهدف العملي هو أن «لا يكون فيهم أحد محتاجًا». إذن التركيز على المحبة والسخاء وسد الاحتياج، لا على فرض الفقر كقانون كنسي دائم.

ثالثًا: بولس لا يقول إن المال شر، بل محبة المال

النص لا يقول: «المال أصل لكل الشرور»، بل يقول:

«لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ…»
1 تيموثاوس 6: 10

وهذا فرق كبير. فالمال في ذاته أداة يمكن استخدامها للخير أو للشر. يمكن أن يصير وسيلة للعطاء، أو وسيلة للطمع. يمكن أن يخدم الأسرة والمحتاجين والكنيسة، أو أن يصير صنمًا يسيطر على القلب.

رابعًا: الله أعطى بعض الأبرار غنى ولم يدنهم لأجل غناهم

الكتاب يذكر شخصيات باركها الله بغنى، مثل إبراهيم وأيوب. ولم يكن الغنى في ذاته دليل شر أو رفض إلهي. فالاختبار الحقيقي ليس: هل عند الإنسان مال؟ بل: أين قلبه؟ وعلى ماذا يتكل؟ وكيف يستخدم ما لديه؟

لذلك يوجّه بولس الأغنياء، لا إلى التخلي الإجباري عن كل ما لديهم، بل إلى عدم الاستكبار، وعدم الاتكال على الغنى غير اليقيني، بل الاتكال على الله الحي.

خامسًا: بولس يأمر الأغنياء باستخدام المال في الخير

في 1 تيموثاوس 6: 17-18 لا يقول بولس للأغنياء: تخلصوا من كل أموالكم. بل يقول لهم:

  • لا تستكبروا.
  • لا تضعوا رجاءكم على الغنى.
  • ضعوا رجاءكم على الله.
  • اصنعوا صلاحًا.
  • كونوا أغنياء في الأعمال الصالحة.
  • كونوا أسخياء في العطاء.
  • كونوا كرماء في التوزيع.

إذن الحل الكتابي ليس مجرد التخلص من المال، بل تقديس استخدامه. الغنى يصير خطرًا عندما يتحول إلى رجاء وهوية وسيد، لكنه يصير أداة نافعة عندما يُستخدم في الخير وخدمة الآخرين.

سادسًا: التمتع بعطايا الله لا يعني الاتكال عليها

يقول بولس إن الله:

«يَمْنَحُنَا كُلَّ شَيْءٍ بِغِنًى لِلْتَمَتُّعِ.»
1 تيموثاوس 6: 17

لكنه في نفس الآية يحذر من الاتكال على «غير يقينية الغنى». فالمسيحية لا تدعو إلى احتقار عطايا الله، لكنها ترفض أن تتحول العطايا إلى إله بديل. يمكن للمؤمن أن يشكر الله على عطاياه ويتمتع بها، بشرط أن يبقى قلبه متعلقًا بالله لا بالأشياء.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين كلام المسيح للشاب الغني وبين تعليم بولس للأغنياء. فالمسيح عالج حالة إنسان صار المال إلهه، أما بولس فيعطي تعليمًا عامًا للأغنياء المؤمنين: لا تتكلوا على الغنى، بل استخدموه في الصلاح والعطاء. كلا النصين يوجهان القلب بعيدًا عن عبودية المال ونحو الله.

خلاصة الفكرة
الغنى ليس شرًا في ذاته، لكن محبة المال والاتكال عليه شر عظيم. لذلك لا يطلب الكتاب من كل مؤمن أن يترك كل ممتلكاته، بل يطلب منه أن يضع رجاءه في الله، وأن يستخدم ما لديه في الخير والعطاء ومساعدة المحتاجين.

خلاصة دفاعية

تعليم الكتاب عن المال متوازن: المال ليس إلهًا، وليس شرًا في ذاته. الخطر هو أن يطلب الإنسان الغنى لذاته، أو يتكل عليه، أو يسمح له أن يملك قلبه. أما استخدام المال في العطاء، ومساندة المحتاجين، والقيام بأعمال صالحة، فهو أمر كتابي. لذلك فالمؤمن لا يُدعى إلى عبادة الفقر أو عبادة الغنى، بل إلى عبادة الله واستخدام كل ما لديه تحت سلطانه.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 502. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل يجب على المسيحي تجنب الغنى أم الاحتفاظ به؟ 1 تيموثاوس 6: 17-18