هل يجب تعليم المنحرف أم طرده من الكنيسة؟ تيطس 3: 10
التأديب الكنسي يبدأ بالإرشاد، وقد يصل إلى العزل إذا استمر الإنسان بلا توبة

قد يبدو أن هناك تعارضًا بين نصوص تدعو إلى تصحيح المخالفين بوداعة، ونصوص أخرى تأمر برفض المبتدع أو عزل من يعيش في خطية علنية. فهل الكنيسة مطالبة أن تحتمل المنحرف وتعلّمه دائمًا، أم أن عليها أن تطرده؟ الجواب الكتابي يفرّق بين الشخص التائب القابل للتقويم، وبين من يستمر في الخطأ بعد الإنذار.
لا يوجد تناقض. الكنيسة تبدأ بالتعليم والتقويم والإنذار، لكن إذا أصر الشخص على الخطأ أو عاش في خطية علنية بلا توبة، فالتأديب قد يصل إلى العزل. والهدف من التأديب ليس الانتقام أو الرفض النهائي، بل الإصلاح والحفاظ على الكنيسة من تأثير الخطية.
الشبهة
يقول بولس لتيطس:
«الرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ أَعْرِضْ عَنْهُ.»
تيطس 3: 10
وفي 1 كورنثوس 5 نرى أن الشخص الذي عاش في خطية زنا علنية عُزل من الجماعة:
«أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ.»
1 كورنثوس 5: 5
لكن بولس نفسه يقول في موضع آخر:
«مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ.»
2 تيموثاوس 2: 25
فهل ينبغي تقويم المنحرفين بوداعة، أم رفضهم وعزلهم من الكنيسة؟
الفرق الأساسي هو حالة الشخص واستجابته للتقويم. من يقبل التوبة يُقوَّم ويُستعاد، أما من يصر على الخطأ بعد الإنذار، خصوصًا إذا كان خطؤه مفسدًا للكنيسة، فقد يلزم عزله.
أولًا: التأديب يتدرج بحسب خطورة الخطية
ليست كل الحالات متساوية. فالخطية العلنية أو التعليم المنحرف الذي يفسد الكنيسة أخطر من ضعف فردي قابل للتقويم. لذلك تختلف شدة الإجراء بحسب خطورة الخطأ وتأثيره على الآخرين.
في 1 كورنثوس 5، لم تكن المشكلة مجرد سقوط خاص، بل خطية علنية تُترك بلا معالجة داخل الكنيسة، حتى شبّهها بولس بالخميرة التي تؤثر في العجين كله:
«أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟»
1 كورنثوس 5: 6
لذلك كان العزل هنا ضروريًا لحماية الكنيسة، ولإيقاظ الخاطئ نفسه من خطر حالته.
ثانيًا: الرفض في تيطس 3 يأتي بعد الإنذار
لا يقول بولس إن الشخص المخالف يُرفض فورًا دون تعليم أو إنذار. بل يقول: «بعد الإنذار مرة ومرتين». أي إن هناك محاولة للتقويم أولًا، ثم إذا استمر الشخص في موقفه، يصبح الإعراض عنه ضروريًا.
فالنص لا يلغي التعليم والتقويم، بل يضع حدًا للمماطلة مع شخص يرفض الإصلاح ويستمر في الانقسام أو الانحراف.
ثالثًا: الهدف من التأديب هو الإصلاح لا الرفض النهائي
حتى عندما يكون التأديب شديدًا، فغايته ليست الانتقام، بل الإصلاح. لذلك يقول بولس في حالة الشخص الذي عُزل في كورنثوس، بعد أن ظهر أثر التأديب:
«مِثْلُ هذَا يَكْفِيهِ هذَا الْقِصَاصُ الَّذِي مِنَ الأَكْثَرِينَ، حَتَّى تَكُونُوا بِالْعَكْسِ تُسَامِحُونَهُ بِالْحَرِيِّ وَتُعَزُّونَهُ، لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ.»
2 كورنثوس 2: 6-7
هذا يوضح أن العزل لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة تأديبية لكي يتوب الشخص ويُرد إلى الشركة.
رابعًا: التوبة تغيّر طريقة التعامل
الفرق الأهم في شدة التأديب هو وجود التوبة أو غيابها. فإذا تاب الشخص، ينبغي أن يُقبل ويُعزى ويُستعاد إلى الشركة. أما إذا أصر على الخطأ بعد الإنذار، فالإعراض عنه يصبح إجراءً كتابيًا.
| حالة الشخص | التعامل الكتابي |
|---|---|
| مقاوم يحتاج إلى إرشاد | يُصحَّح بوداعة ورجاء أن يعطيه الله توبة |
| مخطئ يقبل الإنذار ويتوب | يُغفر له ويُستعاد إلى الشركة |
| مصرّ على الخطأ بعد إنذارين | يُرفض أو يُعرض عنه بحسب تيطس 3: 10 |
| صاحب خطية علنية مفسدة للكنيسة | قد يُعزل لحماية الكنيسة ودفعه إلى التوبة |
خامسًا: الكنيسة تحمي الشخص والجماعة معًا
التأديب الكنسي له جانبان: حماية الجماعة من انتشار الخطأ، وحماية الخاطئ نفسه من الاستمرار في طريق الهلاك. لذلك لا يكون التأديب محبة حقيقية إذا تجاهل الخطية، ولا يكون كتابيًا إذا فقد روح الإصلاح والرحمة.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين تيطس 3: 10 و2 تيموثاوس 2: 25. فالنص الأول يتكلم عن شخص أُعطي فرصة وإنذارًا ورفض التقويم، أما النص الثاني فيتكلم عن أسلوب التعامل مع المقاومين في محاولة إرشادهم إلى التوبة. التعليم والتقويم يأتيان أولًا، أما الرفض أو العزل فيأتي بعد الإصرار بلا توبة.
الكنيسة لا تطرد كل من يخطئ فورًا، ولا تترك الخطية بلا علاج. بل تبدأ بالتعليم والإنذار، فإن وُجدت توبة حدثت الاستعادة، وإن وُجد إصرار بلا توبة جاء التأديب الأشد.
خلاصة دفاعية
التعليم الكتابي عن التأديب الكنسي متوازن. فالمخالف يُصحَّح بوداعة، لكن المصرّ على الخطأ بعد الإنذار لا يُترك ليهدم نفسه والكنيسة. والهدف النهائي ليس رفض الإنسان، بل إصلاحه واستعادته. لذلك لا تعارض بين التقويم الوديع والعزل التأديبي؛ فكل منهما له موضعه بحسب حالة الشخص وخطورة الخطية ووجود التوبة أو غيابها.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 508. Victor Books: Wheaton, Ill.