الصلاة العلنية أم الرياء – هل منع المسيح الصلاة العلنية أم الرياء بها؟ متى 6: 6

متى 6: 6 — إذا قال المسيح إن الصلاة تكون في الخفاء، فلماذا يمدح الكتاب الصلاة العلنية؟
الإشكال
قال الرب يسوع:
«وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ، فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.»
متى 6: 6 — ترجمة سميث وفاندايك
فهل معنى ذلك أن الصلاة يجب أن تكون دائمًا في مكان خاص، وأن الصلاة العلنية مرفوضة؟
الإشكال يظهر لأن الكتاب نفسه يذكر صلوات علنية أو ظاهرة في مواضع أخرى. فدانيال كان يصلي ونوافذه مفتوحة نحو أورشليم:
«فَلَمَّا عَلِمَ دَانِيآلُ بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ، ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمِدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ.»
دانيال 6: 10 — ترجمة سميث وفاندايك
وسليمان صلّى علانية عند تدشين الهيكل:
«وَوَقَفَ سُلَيْمَانُ أَمَامَ مَذْبَحِ الرَّبِّ تُجَاهَ كُلِّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ، وَبَسَطَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ.»
1 ملوك 8: 22 — ترجمة سميث وفاندايك
كما يطلب بولس الرسول صلاة علنية من الرجال في كل مكان:
«فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً، بِدُونِ غَضَبٍ وَلاَ جِدَال.»
1 تيموثاوس 2: 8 — ترجمة سميث وفاندايك
فكيف يأمر المسيح بالصلاة في الخفاء، بينما نجد الكتاب يذكر ويقبل الصلاة العلنية؟
الحل
المسيح لم يرفض الصلاة العلنية في ذاتها، بل رفض الصلاة الاستعراضية. المشكلة ليست في مكان الصلاة، بل في دافع الصلاة.
السياق يوضح ذلك. فالرب يسوع قال قبل كلامه عن الصلاة في المخدع:
«وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ.»
متى 6: 5 — ترجمة سميث وفاندايك
إذن، المسيح لا يهاجم الصلاة في المجامع أو أمام الناس لمجرد أنها ظاهرة، بل يهاجم الدافع الخاطئ: «لكي يظهروا للناس».
المشكلة ليست العلانية بل الاستعراض
هناك فرق كبير بين صلاة علنية صادقة، وصلاة استعراضية هدفها لفت الانتباه. دانيال لم يفتح نوافذه لكي يستعرض تقواه أمام الناس، بل كان يصلي كما اعتاد، بأمانة أمام الله، حتى في وقت الخطر. وسليمان لم يصلِّ أمام الشعب طلبًا للمجد الشخصي، بل كان يقود شعب الله في صلاة تدشين الهيكل. وبولس لا يطلب صلاة علنية للظهور، بل صلاة مقدسة بأيدٍ طاهرة، بلا غضب ولا جدال.
أما الذين وبّخهم المسيح، فكانوا يستخدمون الصلاة كوسيلة لصناعة صورة دينية أمام الناس. صلاتهم لم تكن موجهة أولًا إلى الله، بل إلى أعين الجمهور.
الصلاة في الخفاء تكشف نقاء الدافع
حين يقول المسيح: «ادخل إلى مخدعك»، فهو يوجّه القلب إلى الصلاة أمام الله لا أمام الناس. فالصلاة الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور لكي تكون صادقة، ولا تستمد قيمتها من إعجاب الآخرين، بل من حضور الله الذي يرى في الخفاء.
لذلك، الصلاة في الخفاء ليست نفيًا لكل صلاة جماعية أو علنية، بل هي علاج للرياء الديني. إنها تذكير بأن جوهر الصلاة هو العلاقة مع الآب، لا صناعة الانطباع أمام الناس.
الصلاة العلنية مقبولة عندما يكون هدفها الله
الصلاة العلنية يمكن أن تكون صحيحة ومباركة عندما تكون في سياق مناسب، وبهدف صحيح. فالكتاب يشهد لصلوات علنية في العبادة، والتدشين، والاجتماع، والضيق، والتعليم، والشركة. لكن هذه الصلوات تكون مقبولة عندما لا يكون هدفها مدح الناس، بل تمجيد الله والاتحاد معه.
لذلك لا يوجد تناقض بين متى 6: 6 وبين دانيال 6: 10 أو 1 ملوك 8: 22 أو 1 تيموثاوس 2: 8. المسيح لا يمنع الصلاة أمام الناس، بل يمنع أن نصلي من أجل أن يرانا الناس.
الخلاصة
المسيح لم يقل إن كل صلاة علنية مرفوضة. هو رفض الصلاة المرائية التي تُمارس بهدف الظهور أمام الناس. الفرق الجوهري ليس بين صلاة في غرفة وصلاة في مكان عام، بل بين صلاة موجّهة إلى الله وصلاة موجّهة إلى إعجاب البشر.
الصلاة في الخفاء تحفظ القلب من الرياء، والصلاة العلنية تكون مقبولة عندما تصدر من قلب طاهر وتهدف إلى الله. لذلك لا يوجد تعارض بين تعليم المسيح عن الصلاة في المخدع وبين أمثلة الصلاة العلنية في الكتاب.
المصدر:
Norman L. Geisler & Thomas A. Howe, When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, Victor Books, 1992, p. 333.
تنبيهات
النقطة الأساسية في الرد هي أن المسيح لا يدين مكان الصلاة بل قصد الصلاة. الصلاة العلنية ليست خطأ، لكن الصلاة من أجل الظهور أمام الناس هي ما رفضه المسيح.