هل الله غير عادل حين يعطي من له ويأخذ ممن ليس له؟
كيف نفهم قول المسيح: «من له سيُعطى ويُزاد، وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه»؟

الإشكال
يقدم الكتاب المقدس الله على أنه عادل ولا يحابي الوجوه. فالرسول بولس يقول:
«لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ» (رومية ٢: ١١).
وقال إبراهيم في حديثه مع الله:
«أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلًا؟» (تكوين ١٨: ٢٥).
والمسيح، بوصفه الله الكلمة المتجسد، هو المثال الكامل في القداسة والبر، إذ يقول عنه الكتاب:
«لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» (عبرانيين ٤: ١٥).
لكن المسيح قال في إنجيل متى:
«فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ» (متى ١٣: ١٢).
فكيف يكون هذا عادلًا؟ أليس من الظلم أن يُعطى من عنده، ويُؤخذ ممن ليس عنده؟ وهل يعلم المسيح هنا مبدأ غير عادل؟
الحل
قول المسيح: «من له سيُعطى، ومن ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه» هو قول مثلي أو حكمة موجزة، ولا يقصد به ظلم الفقير أو محاباة الغني. السياق لا يتكلم عن المال أو الممتلكات، بل عن الاستجابة لكلمة الله وفهم أسرار ملكوت السماوات.
المسيح قال هذا الكلام في سياق حديثه عن سبب تعليمه بالأمثال. فعندما سأله التلاميذ:
«فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال؟» (متى ١٣: ١٠).
أجابهم:
«لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولئِكَ فَلَمْ يُعْطَ» (متى ١٣: ١١).
إذن، القضية ليست توزيعًا ظالمًا للعطايا، بل موقف الإنسان من نور الحق الذي أُعلن له. من يقبل كلمة المسيح يتسع فهمه ويُزاد له، أما من يرفض النور الذي عنده، فإنه يفقد حتى الفهم الظاهري الذي كان يظن أنه يمتلكه.
شرح النقاط المهمة
١. النص يتكلم عن الفهم الروحي لا عن المال
من الخطأ اقتطاع العبارة من سياقها وفهمها وكأن المسيح يتكلم عن شخص غني يُعطى المزيد، وشخص فقير يُسلب منه ما تبقى له. السياق كله يتكلم عن الأمثال، وعن معرفة أسرار ملكوت السماوات، وعن موقف السامعين من كلمة المسيح.
فالذي «له» هو الذي قبل النور واستجاب للحق، لذلك يُزاد له فهمًا وإدراكًا. أما الذي «ليس له» فهو الذي رفض النور، ولذلك يفقد حتى ما كان يظن أنه فهمه.
٢. الأمثال كشفت القلوب لا لأنها كانت ظالمة
لم يستخدم المسيح الأمثال لكي يمنع الحق عن الصادقين، بل لكي يكشف الفرق بين من يطلب الحق بتواضع، ومن يسمع بسطحية أو مقاومة.
لذلك قال المسيح:
«مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال، لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ» (متى ١٣: ١٣).
فالإنسان الذي يرفض الحق لا يبقى محايدًا. رفضه للنور يجعله أكثر ظلمة واضطرابًا، حتى تصير الأمثال بالنسبة له سبب حيرة لا سبب فهم.
٣. الذين ظنوا أنهم أصحاب بصيرة صاروا أكثر ارتباكًا
القادة الدينيون وكثير من السامعين كانوا يظنون أنهم يملكون فهمًا كافيًا عن الملكوت. لكنهم رفضوا المسيح وكلمته، لذلك صار ما عندهم من معرفة ظاهرية لا يقودهم إلى النور، بل إلى مزيد من العمى الروحي.
وهذا ينسجم مع ما قاله المسيح عن الذين يسمعون ولا يفهمون. فالمشكلة ليست أن الله ظلمهم، بل أن عدم إيمانهم جعلهم عاجزين عن قبول المعنى الحقيقي.
٤. الذين قبلوا كلمة المسيح أُعطوا فهمًا أعمق
في المقابل، التلاميذ لم يكونوا كاملين في الفهم منذ البداية، لكنهم قبلوا المسيح وتبعوه وسألوه. لذلك أعطاهم فهمًا أعمق لأسرار الملكوت.
فمن يقبل كلمة الله بتواضع يُعطى مزيدًا من النور. وهذا ليس ظلمًا، بل هو مبدأ روحي واضح: النور المقبول يفتح الباب لنور أكثر، والنور المرفوض يجعل القلب أصلب وأعمى.
٥. لا يوجد في النص محاباة من الله
الله لا يحابي الوجوه، ولا يظلم من لا يملك شيئًا. لكن الإنسان مسؤول عن استجابته للحق الذي يسمعه. فإذا رفض الإنسان كلمة الله، فلا يكون الله ظالمًا عندما يتركه لنتيجة اختياره.
المشكلة ليست أن الله يمنع الفهم عن قلب طالب للحق، بل أن الإنسان الرافض يظن أنه يرى، بينما هو لا يريد أن يخضع للنور.
٦. العبارة تعلن قانونًا روحيًا لا ظلمًا أخلاقيًا
المبدأ الذي يعلنه المسيح هو أن الاستجابة للحق تزيد القدرة على فهم الحق، ورفض الحق يضعف القدرة على فهمه. فالنعمة لا تُعامل باستهانة. من يستخدم ما أُعطي له من نور، يُزاد له. ومن يرفض النور، يفقد ثمرة هذا النور في داخله.
وهذا يشبه إنسانًا يسمع تعليمًا صحيحًا ويقبله، فينمو إدراكه أكثر. وآخر يسمع نفس التعليم لكنه يقاومه، فيزداد اضطرابه، لا لأن التعليم ظالم، بل لأن موقف قلبه الرافض جعله يعجز عن الانتفاع به.
الخلاصة
قول المسيح: «من له سيُعطى ويُزاد، وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه» لا يعني أن الله غير عادل، ولا أنه يعطي أصحاب الامتيازات ويظلم المحتاجين. النص لا يتكلم عن المال، بل عن فهم أسرار الملكوت والاستجابة لكلمة المسيح.
الذي يقبل كلمة المسيح يُعطى مزيدًا من الفهم والنور. أما الذي يرفضها، فإنه يفقد حتى الفهم الظاهري الذي كان يظن أنه يمتلكه. لذلك فالمسألة ليست محاباة، بل نتيجة روحية لموقف الإنسان من الحق.
الله عادل، والمسيح كامل القداسة. لكن الحق الإلهي لا يترك الإنسان كما هو: من يقبله ينمو في النور، ومن يرفضه يزداد عمى وحيرة.
تنبيهات لاهوتية
لا ينبغي استخدام هذا النص لتصوير الله كمن يظلم الضعيف أو يسلب الفقير. السياق لا يسمح بهذا الفهم، لأن الحديث عن الأمثال ومعرفة أسرار الملكوت، لا عن المال أو المكانة الاجتماعية.
كما يجب الانتباه إلى أن رفض النور له نتائج روحية حقيقية. فالله لا يجبر الإنسان على قبول الحق، لكنه أيضًا لا يجعل رفض الحق بلا أثر. من يقاوم النور يفقد حساسيته له، ومن يقبله يزداد فهمًا وثباتًا.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 345). Victor Books: Wheaton, Ill.