القائمة إغلاق

لماذا أوصى المسيح تلاميذه ألا يقولوا لأحد إنه هو المسيح؟ هل يتعارض أمر المسيح بالصمت المؤقت مع الإرسالية العظمى إلى جميع الأمم؟

لماذا أوصى المسيح تلاميذه ألا يقولوا لأحد إنه هو المسيح؟

هل يتعارض أمر المسيح بالصمت المؤقت مع الإرسالية العظمى إلى جميع الأمم؟

لماذا أوصى المسيح تلاميذه ألا يقولوا لأحد إنه هو المسيح؟ هل يتعارض أمر المسيح بالصمت المؤقت مع الإرسالية العظمى إلى جميع الأمم؟
لماذا أوصى المسيح تلاميذه ألا يقولوا لأحد إنه هو المسيح؟ هل يتعارض أمر المسيح بالصمت المؤقت مع الإرسالية العظمى إلى جميع الأمم؟

الإشكال

أعطى المسيح تلاميذه بعد قيامته إرسالية واضحة إلى العالم كله، إذ قال:

«فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى ٢٨: ١٩).

لكننا نجد في مواضع كثيرة أثناء خدمته الأرضية أن المسيح كان يأمر بعض الأشخاص أو تلاميذه ألا يعلنوا عنه. فبعد اعتراف بطرس، يقول متى:

«حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» (متى ١٦: ٢٠).

ونجد أوامر مشابهة في مواضع أخرى، مثل قوله للأبرص بعد شفائه:

«فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ، بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى، شَهَادَةً لَهُمْ» (متى ٨: ٤).

فكيف يأمر المسيح أحيانًا بالصمت، ثم يأمر بعد القيامة بالكرازة لجميع الأمم؟ أليس هذا تناقضًا بين «لا تقولوا لأحد» و«اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم»؟

الحل

لا يوجد تناقض، لأن أوامر المسيح بالصمت كانت مؤقتة ومرتبطة بسياقات محددة أثناء خدمته الأرضية، بينما الإرسالية العظمى جاءت بعد موته وقيامته، حين صار إعلان شخصه وعمله الخلاصي هو محور كرازة الكنيسة للعالم كله.

المسيح لم يكن يرفض أن يُعرف كالمسيا، لكنه كان يضبط توقيت إعلان هذه الحقيقة وطريقته، حتى لا تُفهم رسالته فهمًا سياسيًا أو شعبيًا خاطئًا، وحتى لا تعيق الجموع خدمته قبل إتمام الصليب والقيامة.

شرح النقاط المهمة

١. بعض أوامر الصمت كانت مشروطة بزمن محدد

في بعض المواضع يوضح النص نفسه أن الصمت المطلوب لم يكن دائمًا، بل إلى حين إتمام حدث معين. بعد التجلي، قال المسيح لتلاميذه:

«وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلًا: لاَ تُعْلِمُوا أَحَدًا بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ» (متى ١٧: ٩).

ومرقس يذكر نفس المعنى:

«وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُحَدِّثُوا أَحَدًا بِمَا أَبْصَرُوا، إِلاَّ مَتَى قَامَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ» (مرقس ٩: ٩).

إذن، لم يكن الأمر: لا تخبروا أحدًا أبدًا. بل: لا تخبروا الآن، حتى تكتمل القيامة. وبعد القيامة جاء الأمر العلني بالكرازة.

٢. الإرسالية العظمى جاءت بعد الصليب والقيامة

قبل الصليب، كان كثيرون لا يفهمون معنى كون يسوع هو المسيح. كانوا ينتظرون مسيا سياسيًا يحررهم من الرومان، لا مخلصًا يتألم ويموت ويقوم لأجل خطايا العالم.

لذلك كان إعلان المسيح قبل الصليب، إذا فُهم خارج إطار موته وقيامته، معرضًا لسوء الفهم. أما بعد القيامة، صار التلاميذ يعلنون المسيح في ضوء عمله الخلاصي الكامل: موته، وقيامته، وسلطانه على السماء والأرض.

ولهذا بدأ المسيح الإرسالية العظمى بقوله:

«دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ» (متى ٢٨: ١٨).

ثم قال:

«فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ» (متى ٢٨: ١٩).

فالأمر بالكرازة العامة جاء بعد أن اكتمل العمل الخلاصي، لا قبله.

٣. المسيح أحيانًا أراد تقليل ضغط الجموع

في بعض الحالات، كان المسيح يأمر بعدم الإعلان حتى لا تزدحم الجموع حوله بطريقة تعيق خدمته أو تحولها إلى مجرد طلب للمعجزات.

يقول مرقس عن إحدى المعجزات:

«فَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ. وَلكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا أَوْصَاهُمْ، كَانُوا يُنَادُونَ أَكْثَرَ كَثِيرًا» (مرقس ٧: ٣٦).

وكذلك بعد شفاء الأبرص، أمره المسيح ألا يقول لأحد، لكن الخبر انتشر أكثر:

«وَأَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وَابْتَدَأَ يُنَادِي كَثِيرًا وَيُذِيعُ الْخَبَرَ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةً ظَاهِرًا، بَلْ كَانَ خَارِجًا فِي مَوَاضِعَ خَالِيَةٍ. وَكَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ» (مرقس ١: ٤٥).

ولوقا يذكر نفس المبدأ:

«فَذَاعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَكْثَرَ. فَاجْتَمَعَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيُشْفَوْا بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ. وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي الْبَرَارِي وَيُصَلِّي» (لوقا ٥: ١٥–١٦).

فالمسيح لم يكن يريد دعاية غير منضبطة تعيق خدمته، أو تجعل الناس يطلبونه فقط لأجل المعجزات، لا لأجل التوبة والإيمان.

٤. المسيح لم يرد إعلانًا مسيانيًا سياسيًا خاطئًا

كان لدى كثير من اليهود في ذلك الوقت تصور خاطئ عن المسيا. كانوا ينتظرون مخلصًا سياسيًا يحررهم من سلطة الرومان، ويقيم ملكًا أرضيًا مباشرًا. لذلك كان إعلان يسوع كالمسيح قبل الصليب يمكن أن يُفهم بطريقة سياسية بعيدة عن هدف مجيئه.

نرى هذا بوضوح في يوحنا، بعد إشباع الجموع:

«فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الآيَةَ الَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ قَالُوا: إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ» (يوحنا ٦: ١٤–١٥).

هذا النص يوضح أن بعض الناس أرادوا أن يجعلوا المسيح ملكًا بالقوة، بناءً على فهم سياسي للمعجزات والمسيا. لكن المسيح رفض هذا المسار، لأن ملكوته لا يقوم بهذه الطريقة.

٥. هدف المسيح كان الصليب لا الاستعراض الشعبي

لم يأتِ المسيح ليجمع حماسًا جماهيريًا سياسيًا، بل ليبذل نفسه فدية عن كثيرين. قال:

«لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (مرقس ١٠: ٤٥).

وقال أيضًا عن نفسه كالراعي الصالح:

«أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ» (يوحنا ١٠: ١١).

وقال:

«وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ» (يوحنا ١٠: ١٥).

إذن، صمت المسيح المؤقت كان مرتبطًا بحماية الهدف الصحيح لخدمته: أن يُفهم كالمسيا المتألم والفادي، لا كزعيم سياسي أو صانع معجزات شعبي.

٦. لا تناقض بين الصمت المؤقت والإعلان اللاحق

الأمر بالصمت قبل القيامة كان محدودًا بسياقه وزمنه. أما الأمر بالكرازة بعد القيامة فكان عامًا وممتدًا إلى كل الأمم. لذلك لا يوجد تناقض بين الأمرين.

يمكن تلخيص الفرق هكذا: قبل الصليب والقيامة، كان الإعلان الكامل عن هوية المسيح قد يُساء فهمه ويُستغل سياسيًا أو جماهيريًا. أما بعد الصليب والقيامة، صار الإعلان عن المسيح يقوم على المعنى الصحيح: أنه المصلوب القائم، مخلص العالم ورب الجميع.

الخلاصة

لم يكن المسيح يناقض نفسه عندما أوصى تلاميذه ألا يقولوا لأحد إنه هو المسيح، ثم أمرهم بعد القيامة أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم.

أوامر الصمت كانت مؤقتة ومحددة بسياقات معينة: أحيانًا إلى ما بعد القيامة، وأحيانًا لتقليل ضغط الجموع، وأحيانًا لمنع الفهم السياسي الخاطئ للمسيا. أما الإرسالية العظمى فجاءت بعد اكتمال الصليب والقيامة، حين صار التلاميذ يعلنون المسيح في ضوء عمله الخلاصي الكامل.

إذن، المسيح لم يمنع الكرازة به من حيث المبدأ، بل ضبط توقيت الإعلان وطريقته، حتى لا يُشوَّه معنى مسيانيته. وبعد قيامته، صار الأمر واضحًا: إعلان المسيح لجميع الأمم.

تنبيهات لاهوتية

ينبغي التمييز بين الإعلان غير المنضبط قبل اكتمال الصليب والقيامة، وبين الكرازة الرسولية بعد القيامة. فالمسيح لا يريد مجرد شهرة أو حماس جماهيري، بل إيمانًا صحيحًا بشخصه وعمله.

كما يجب الانتباه إلى أن المسيح ليس مسيا سياسيًا جاء ليحرر شعبًا من قوة أرضية فقط، بل هو الفادي الذي جاء ليبذل نفسه عن الخطاة، ثم يرسل كنيسته لتعلن الإنجيل لكل الأمم.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 348). Victor Books: Wheaton, Ill.

لماذا أوصى المسيح تلاميذه ألا يقولوا لأحد إنه هو المسيح؟ هل يتعارض أمر المسيح بالصمت المؤقت مع الإرسالية العظمى إلى جميع الأمم؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة