من الذي طلب من المسيح الجلوس عن يمينه ويساره: أم يعقوب ويوحنا أم هما؟
كيف نوفق بين رواية متى ورواية مرقس في طلب ابني زبدي؟

الإشكال
يذكر إنجيل متى أن أم ابني زبدي جاءت إلى المسيح ومعها ابناها، وسألته طلبًا خاصًا:
«حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا، وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا» (متى ٢٠: ٢٠).
ثم قالت له:
«قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ، وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَلَكُوتِكَ» (متى ٢٠: ٢١).
لكن إنجيل مرقس يذكر أن يعقوب ويوحنا نفسيهما هما اللذان اقتربا من المسيح وطلبا هذا الطلب:
«وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ: يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا» (مرقس ١٠: ٣٥).
فمن الذي جاء إلى المسيح فعلًا؟ هل كانت الأم هي التي طلبت؟ أم كان يعقوب ويوحنا؟ وهل يوجد تناقض بين متى ومرقس؟
الحل
لا يوجد تناقض بين الروايتين، لأن النص في متى نفسه يوضح أن الأم جاءت إلى المسيح «مع ابنيها». أي إن المشهد لم يكن فيه الأم وحدها ولا الابنان وحدهما، بل كانوا جميعًا حاضرين في نفس الموقف.
يقول متى بوضوح:
«تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا» (متى ٢٠: ٢٠).
إذن، من الممكن جدًا أن تكون الأم قد تكلمت أولًا بالطلب، بينما كان يعقوب ويوحنا موافقين على الطلب ومشاركين فيه، أو قاما بتكراره وتأكيده. لذلك نسب متى الكلام إلى الأم التي بدأت الطلب، بينما نسب مرقس الطلب إلى يعقوب ويوحنا باعتبار أنهما صاحبا المصلحة الحقيقيان فيه.
والدليل الأقوى أن المسيح، بعد كلام الأم، وجّه جوابه إلى الابنين، لا إلى الأم فقط، وقال:
«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا؟ قَالاَ لَهُ: نَسْتَطِيعُ» (متى ٢٠: ٢٢).
لاحظ أن المسيح قال: «لستما تعلمان» و«أتستطيعان»، ثم أجاب الابنان: «نستطيع». وهذا يؤكد أن يعقوب ويوحنا كانا داخلين في الطلب، لا مجرد حاضرين صامتين.
شرح النقاط المهمة
١. متى لا يقول إن الأم جاءت وحدها
الاعتراض يضع رواية متى وكأنها تقول إن الأم وحدها جاءت إلى المسيح، لكن النص لا يقول ذلك. متى يقول إن الأم جاءت «مع ابنيها».
«تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا» (متى ٢٠: ٢٠).
فالرواية نفسها تذكر حضور يعقوب ويوحنا في نفس المشهد. لذلك، مرقس لا يضيف أشخاصًا غائبين، بل يركز على الابنين الحاضرين بالفعل.
٢. متى يركز على المتكلمة الأولى، ومرقس يركز على أصحاب الطلب
من الطبيعي في الروايات التاريخية أن ينسب أحد الكتّاب الطلب إلى الشخص الذي نطق به أولًا، بينما ينسبه كاتب آخر إلى الأشخاص الذين كانوا وراء الطلب أو الذين يخصهم الطلب مباشرة.
في متى، الأم هي التي تقدمت وسجدت وبدأت الكلام. لذلك يذكر متى دورها بوضوح. أما في مرقس، فالتركيز على يعقوب ويوحنا لأن الطلب كان يخصهما هما: أن يجلس أحدهما عن يمين المسيح والآخر عن يساره في مجده.
وبهذا لا توجد روايتان متعارضتان، بل روايتان متكاملتان: الأم تكلمت، والابنان كانا معها وموافقين على الطلب.
٣. جواب المسيح يثبت مشاركة يعقوب ويوحنا في الطلب
بعد أن نطقت الأم بالطلب في متى، لم يوجه المسيح جوابه إليها وحدها، بل توجه إلى الابنين بصيغة المثنى:
«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ» (متى ٢٠: ٢٢).
ثم سألهما:
«أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا؟» (متى ٢٠: ٢٢).
فأجابا:
«نَسْتَطِيعُ» (متى ٢٠: ٢٢).
هذا يوضح أن الابنين لم يكونا مجرد مرافقين بلا علاقة بالطلب، بل كانا مشاركين فيه، ولذلك تعامل المسيح معهما كمسؤولين عن الطلب.
٤. مرقس يختصر المشهد دون أن ينفي دور الأم
مرقس لا يقول إن الأم لم تكن موجودة، ولا يقول إن يعقوب ويوحنا جاءا وحدهما دون أحد. هو فقط يذكر أن يعقوب ويوحنا تقدما إلى المسيح بالطلب:
«وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ…» (مرقس ١٠: ٣٥).
وهذا لا يتعارض مع متى، لأن يعقوب ويوحنا كانا موجودين فعلًا في رواية متى، وكانا صاحبي الطلب. مرقس يختصر دور الأم ويركز على الابنين، بينما متى يذكر التفاصيل الأوسع للمشهد.
٥. لا يوجد تناقض بين «تكلمت الأم» و«طلب الابنان»
لو أن أمًا ذهبت مع ابنيها إلى شخص مسؤول وطلبت لهما منصبين معينين، فمن الصحيح أن نقول: «الأم طلبت»، ومن الصحيح أيضًا أن نقول: «الابنان طلبا»، لأن الطلب صدر في النهاية لمصلحتهما وبحضورهما وموافقتهما.
هذا النوع من النسبة شائع في الكلام اليومي والتاريخي. فقد يُنسب الكلام إلى المتحدث المباشر، أو إلى الجماعة التي يمثلها المتحدث، أو إلى أصحاب المصلحة في الطلب. ولا يعد ذلك تناقضًا.
٦. غضب التلاميذ العشرة كان موجّهًا إلى الابنين
الدليل الآخر على أن يعقوب ويوحنا كانا مسؤولين عن الطلب أن بقية التلاميذ غضبوا منهما، لا من أمهما فقط. يقول متى:
«فَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ، اغْتَاظُوا مِنْ أَجْلِ الأَخَوَيْنِ» (متى ٢٠: ٢٤).
ويقول مرقس:
«وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ، ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا» (مرقس ١٠: ٤١).
فلو كان الطلب صادرًا من الأم وحدها دون مشاركة الابنين أو موافقتهما، لما كان غضب العشرة موجّهًا إلى يعقوب ويوحنا. لكن غضبهم منهما يثبت أنهما كانا طرفًا أساسيًا في الطلب.
٧. القضية الحقيقية في النص ليست من تكلم أولًا فقط، بل معنى الخدمة
بعد هذا الطلب، لم يكتفِ المسيح بتصحيح تفاصيل الموقف، بل علّم التلاميذ مبدأ عميقًا عن العظمة في ملكوت الله. قال لهم:
«أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا» (متى ٢٠: ٢٥–٢٦).
ثم أضاف:
«وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا. كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (متى ٢٠: ٢٧–٢٨).
إذن، النص لا يهدف فقط إلى بيان من نطق بالطلب، بل إلى تصحيح مفهوم التلاميذ عن المجد والسلطان. فطريق الملكوت ليس طلب المراكز، بل طريق الخدمة والبذل.
الخلاصة
لا يوجد تناقض بين متى ومرقس. متى يذكر أن أم يعقوب ويوحنا جاءت إلى المسيح «مع ابنيها» وبدأت الطلب، بينما مرقس يركز على يعقوب ويوحنا باعتبارهما صاحبي الطلب والمستفيدين منه والموافقين عليه.
كما أن جواب المسيح في متى جاء بصيغة المثنى: «لستما تعلمان» و«أتستطيعان»، ثم أجاب الابنان: «نستطيع»، مما يثبت أنهما كانا طرفين حقيقيين في الطلب. وكذلك غضب العشرة كان من أجل الأخوين، لا من أجل الأم فقط.
إذن، الروايتان متناغمتان: الأم تكلمت، والابنان كانا معها ومشاركين في الطلب. ولا يوجد تعارض حقيقي، بل اختلاف في زاوية التركيز بين البشيرين.
تنبيهات لاهوتية
ينبغي الانتباه إلى أن اختلاف زاوية السرد بين الأناجيل لا يعني وجود تناقض. فقد يذكر إنجيل المتكلم المباشر، ويذكر إنجيل آخر أصحاب الطلب أو المسؤولين عنه. وهذا من طبيعة الرواية التاريخية المختصرة.
كما أن القصد الروحي الأعمق للنص هو كشف خطورة طلب المجد دون فهم طريق الصليب. فالمسيح يعلّم أن العظمة الحقيقية في ملكوته لا تقوم على المراكز، بل على الخدمة، والاتضاع، والبذل.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 352). Victor Books: Wheaton, Ill.