هل المسيح وحده هو ابن الله أم نحن أيضًا أبناء الله؟
الرد على شبهة يوحنا 1: 18 ويوحنا 1: 12 حول بنوة المسيح وبنوة المؤمنين

تُثار شبهة حول لقب «ابن الله» في الكتاب المقدس. ففي يوحنا 1: 18 يُقال عن المسيح إنه «الابن الوحيد»، وفي مواضع أخرى يُعلن الكتاب أن المؤمنين يصيرون «أولاد الله» بالإيمان. فكيف يكون المسيح هو ابن الله الوحيد، بينما المؤمنون أيضًا يُدعون أبناء الله؟ هل يوجد تناقض؟ وهل بنوة المسيح لله مثل بنوة المؤمنين؟
الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض، لأن بنوة المسيح لله تختلف اختلافًا جوهريًا عن بنوة المؤمنين. المسيح هو ابن الله بالطبيعة، أزلي، غير مخلوق، خالق، واحد مع الآب في الجوهر. أما المؤمنون فهم أبناء الله بالتبني والنعمة، لهم بداية، مخلوقون، وليسوا آلهة بالطبيعة. نحن نصير أبناء الله في المسيح، أما المسيح فهو الابن الأزلي الوحيد بطبيعته الإلهية.
موضع الإشكال
يقول يوحنا في افتتاحية إنجيله:
«اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.»
يوحنا 1: 18
لكن قبل ذلك بقليل يقول يوحنا عن الذين يقبلون المسيح ويؤمنون باسمه:
«وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.»
يوحنا 1: 12
فالشبهة تقول: إذا كان المؤمنون يصيرون أولاد الله، فكيف يكون المسيح هو «الابن الوحيد»؟ أليس هذا تناقضًا؟
أولًا: كلمة “ابن الله” لا تُستخدم دائمًا بنفس المعنى
ينبغي أن نبدأ بقاعدة مهمة: نفس اللفظ قد يُستخدم في الكتاب المقدس بأكثر من معنى بحسب السياق. فليس كل من يُدعى «ابن الله» يكون ابنًا بنفس الدرجة أو بنفس الطبيعة.
المسيح يُدعى ابن الله بمعنى فريد وأزلي ولاهوتي. أما المؤمنون فيُدعون أبناء الله بمعنى التبني والخلاص والشركة بالنعمة. لذلك لا يوجد تناقض في أن يكون المسيح هو الابن الوحيد بالطبيعة، وأن يصير المؤمنون أبناء الله بالتبني.
ثانيًا: المسيح هو الابن الوحيد الفريد
عندما يقول يوحنا إن المسيح هو «الابن الوحيد»، فهو لا يقصد أن الله ليس له مؤمنون يُدعون أبناء بالنعمة، بل يقصد أن المسيح له بنوة فريدة لا يشاركه فيها أحد. هو الابن الذي في حضن الآب، والذي وحده يعلن الآب إعلانًا كاملًا:
«اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.»
يوحنا 1: 18
هذا التعبير لا يقال عن المؤمنين. لا أحد من المؤمنين هو «في حضن الآب» بهذا المعنى الأزلي الفريد، ولا أحد منهم يعلن الله كما يعلنه الابن الوحيد. بنوة المسيح ليست بنوة نعمة مكتسبة، بل بنوة أزلية من جهة علاقته بالآب في الثالوث القدوس.
ثالثًا: المؤمنون يصيرون أولاد الله ولا يولدون كذلك بالطبيعة الإلهية
يوحنا 1: 12 يقول إن الذين قبلوا المسيح أُعطوا سلطانًا «أن يصيروا» أولاد الله. هذا التعبير مهم جدًا، لأنه يدل على عطية ونقلة وخلاص، لا على بنوة أزلية بالطبيعة.
فالمؤمن لم يكن ابنًا لله بالطبيعة الإلهية، ثم ظهر ذلك، بل صار ابنًا لله بالإيمان بالمسيح وبالولادة من الله. لذلك يقول يوحنا بعد ذلك:
«اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ.»
يوحنا 1: 13
إذن بنوة المؤمنين عطية خلاصية، أما بنوة المسيح فهي بنوة أزلية فريدة.
رابعًا: المسيح ابن بالطبيعة، ونحن أبناء بالتبني
الرسول بولس يشرح أن المؤمنين نالوا روح التبني:
«إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ.»
رومية 8: 15
هذا النص يوضح أن بنوة المؤمنين لله هي بنوة تبنٍّ. الله يقبلنا في المسيح، ويجعلنا أبناء له بالنعمة. أما المسيح فلا يصير ابنًا بالتبني، ولا يُمنح البنوة كعطية، بل هو الابن بالطبيعة ومنذ الأزل.
الفرق هنا جوهري: المسيح ابن الله لأنه من طبيعة الله، أما نحن فنصير أبناء الله لأن الله يتبنانا في المسيح ويجعلنا شركاء في نعمته.
خامسًا: المسيح لا بداية له، أما نحن فلنا بداية
المسيح ليس مخلوقًا ولا له بداية، بل هو الكلمة الأزلي. يقول يوحنا:
«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.»
يوحنا 1: 1
أما البشر فلهم بداية، وهم مخلوقون. فالكتاب يقول إن الله خلق الإنسان على صورته:
«فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.»
تكوين 1: 27
إذن لا يمكن مساواة بنوة المسيح ببنوة المؤمنين. المسيح أزلي، ونحن مخلوقون. هو الابن بلا بداية، ونحن صرنا أبناء الله بالنعمة بعد أن كنا خطاة محتاجين إلى الخلاص.
سادسًا: المسيح خالق، أما نحن فمخلوقون
من أقوى الفروق بين المسيح والمؤمنين أن المسيح خالق كل شيء، أما نحن فمن ضمن الخليقة. يقول يوحنا عن الكلمة:
«كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.»
يوحنا 1: 3
ويقول بولس عن المسيح:
«فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ.»
كولوسي 1: 16
فالمسيح ليس ابنًا مثلنا، لأنه ليس مخلوقًا مثلنا. هو الخالق الأزلي الذي به وله خُلق كل شيء. أما نحن فمخلوقون ومفتدون ومتبنون بنعمته.
سابعًا: المسيح هو الله بالطبيعة، أما نحن فلسنا آلهة بالطبيعة
يوحنا يعلن بوضوح أن الكلمة هو الله:
«وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.»
يوحنا 1: 1
أما البشر فليسوا آلهة بالطبيعة. حتى عندما نصير أبناء الله، لا نتحول إلى كائنات إلهية بالجوهر، ولا نصير غير محدودين أو أزليين أو مستحقين للعبادة. نحن ننال نعمة الشركة مع الله، لكننا لا نصير الله.
لهذا ينبغي التمييز بين بنوة المسيح الإلهية وبنوتنا بالتبني. المسيح هو الله بطبيعته. نحن أبناء الله لأننا ننال خلاصه وحياته ونعمته في المسيح.
ثامنًا: المؤمنون يشتركون في الطبيعة الإلهية بالنعمة لا بالجوهر
قد يستشهد البعض بقول بطرس إننا نصير «شركاء الطبيعة الإلهية»، لكن هذا لا يعني أننا نصير آلهة بالجوهر. يقول بطرس:
«اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.»
2 بطرس 1: 4
المقصود هنا هو الشركة في حياة الله الأخلاقية والروحية بالنعمة: القداسة، المحبة، الطهارة، الهروب من الفساد. وليس المقصود أننا نصير غير مخلوقين، أو أزليين، أو غير محدودين، أو مستحقين للعبادة.
نحن نشترك في صفات الله الأدبية التي يمنحنا أن نتشبه بها، مثل القداسة والمحبة والبر، لا في صفاته غير القابلة للمشاركة مثل الأزلية واللامحدودية والوجود الذاتي.
تاسعًا: صورة الله في الإنسان ليست مساواة بالله
الإنسان مخلوق على صورة الله، وهذا يمنحه كرامة عظيمة. لكنه لا يجعله الله بالطبيعة. يقول سفر التكوين:
«فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ.»
تكوين 1: 27
وبالخلاص، تتجدد هذه الصورة في المؤمن. يقول بولس:
«وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ.»
كولوسي 3: 10
لكن الصورة ليست الجوهر. الإنسان يعكس الله، لكنه لا يصير الله. أما المسيح فهو «صورة الله غير المنظور» بمعنى فريد، لأنه يعلن الآب ويشارك في الطبيعة الإلهية ذاتها.
عاشرًا: “بكر كل خليقة” لا يعني أن المسيح مخلوق
يقول بولس عن المسيح:
«الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.»
كولوسي 1: 15
قد يسيء البعض فهم عبارة «بكر كل خليقة» ويظن أنها تعني أن المسيح أول مخلوق. لكن السياق يرفض ذلك فورًا، لأنه يقول بعدها مباشرة:
«فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ.»
كولوسي 1: 16
فهو ليس أول مخلوق، بل صاحب السيادة والوراثة والمقام الأول على كل الخليقة، لأنه خالقها. لذلك فبنوة المسيح لها حق الوراثة والسيادة بالطبيعة، لا التبني كالمؤمنين.
الفرق بين المسيح ابن الله والمؤمنين أبناء الله
يمكن تلخيص الفارق بين بنوة المسيح وبنوة المؤمنين كما يلي:
| المسيح ابن الله | البشر أبناء الله |
|---|---|
| ابن بالطبيعة | أبناء بالتبني |
| بلا بداية | لهم بداية |
| الخالق | مخلوقون |
| الله بالطبيعة | ليسوا آلهة بالطبيعة |
هذا الجدول يوضح أن الاشتراك في لفظ «ابن» أو «أولاد» لا يعني الاشتراك في نفس المعنى أو نفس الطبيعة. بنوة المسيح فريدة وأزلية ولاهوتية، أما بنوة المؤمنين فهي عطية خلاصية بالتبني والنعمة.
أحد عشر: لقب “الابن الوحيد” لا يلغي بنوة المؤمنين بالتبني
حين يدعو يوحنا المسيح «الابن الوحيد»، فهو لا ينكر أن المؤمنين يصيرون أبناء الله. بل يميز بين نوعين من البنوة. المسيح هو الابن الوحيد بمعنى أنه وحده ابن الله بالطبيعة. أما المؤمنون فهم أبناء الله لأنهم اتحدوا بالمسيح بالإيمان ونالوا التبني فيه.
بعبارة أخرى: نحن أبناء الله لأننا في الابن، أما المسيح فهو الابن بذاته. نحن ننال البنوة كنعمة، أما هو فله البنوة كحق أزلي.
اثنا عشر: هذا الفرق يحفظ لاهوت المسيح ونعمة الخلاص معًا
إذا جعلنا بنوة المسيح مثل بنوتنا تمامًا، نكون قد أنقصنا من لاهوته. وإذا أنكرنا بنوة المؤمنين، نكون قد أنكرنا نعمة التبني التي يعطيها الله لنا في المسيح. التعليم الكتابي يحفظ الاثنين معًا: المسيح هو الابن الوحيد بالطبيعة، والمؤمنون أبناء الله بالتبني.
وهذا يجعل الخلاص أعظم، لا أقل. فنحن لا نصير أبناء الله لأننا نملك طبيعة إلهية في ذواتنا، بل لأن الابن الأزلي أخذ ناسوتنا وفتح لنا باب التبني والشركة مع الآب.
هل يوجد تناقض حقيقي؟
لا يوجد تناقض بين يوحنا 1: 18 ويوحنا 1: 12. فالأول يتكلم عن المسيح باعتباره الابن الوحيد، ابن الله بالطبيعة والأزلية واللاهوت. والثاني يتكلم عن المؤمنين الذين يُعطون سلطانًا أن يصيروا أولاد الله بالإيمان بالمسيح.
التناقض كان سيحدث لو كان النصان يستخدمان البنوة بنفس المعنى وبنفس الدرجة. لكن هذا غير صحيح. بنوة المسيح فريدة، وبنوتنا مشتقة منه وممنوحة لنا بالنعمة.
الخلاصة
المسيح وحده هو ابن الله الوحيد بالطبيعة. هو الابن الأزلي، بلا بداية، الخالق، الله بالطبيعة، الذي في حضن الآب ويعلن الآب. أما المؤمنون، فهم يصيرون أبناء الله بالإيمان والتبني والنعمة، ولهم بداية، وهم مخلوقون، وليسوا آلهة بالطبيعة.
لذلك لا يوجد أي تناقض بين أن يكون المسيح هو الابن الوحيد، وأن يصير المؤمنون أولاد الله. المسيح هو الابن بذاته، ونحن أبناء في الابن. هو ابن بالطبيعة، ونحن أبناء بالتبني. وهذا الفرق جوهري لحفظ لاهوت المسيح وفهم نعمة الخلاص فهمًا صحيحًا.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 404. Victor Books: Wheaton, Ill.