هل خاف المسيح من الموت؟ يوحنا 7: 1
هل تجنّب المسيح الموت بينما أوصى تلاميذه ألا يخافوا ممن يقتلون الجسد؟

يقول القديس يوحنا الإنجيلي عن الرب يسوع:
«وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هذَا فِي الْجَلِيلِ، لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ» (يوحنا 7: 1).
وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان المسيح قد تجنّب الذهاب إلى اليهودية لأن اليهود كانوا يطلبون قتله، فهل معنى ذلك أنه كان يخاف من الموت؟ وكيف يتفق هذا مع قوله لتلاميذه:
«وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ يَا أَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ» (لوقا 12: 4).
فهل يوجد تناقض بين سلوك المسيح في يوحنا 7: 1 وتعليمه لتلاميذه في لوقا 12: 4؟
الإجابة المختصرة
لم يكن المسيح خائفًا من الموت، بل كان يتجنب الموت قبل الوقت المعيّن. فالرب يسوع لم يهرب من الصليب، ولم يتراجع عن غاية مجيئه، لكنه كان يتحرك بحسب التدبير الإلهي، لأن موته كان يجب أن يتم في الساعة المعينة، وبالطريقة التي سبق الله فأعلنها في النبوات. لذلك كان يتجنب محاولات قتله قبل أوانها، لا خوفًا من الموت، بل إتمامًا للمشيئة الإلهية.
الفكرة الأساسية: تجنّب الموت قبل الموعد ليس خوفًا من الموت، بل طاعة للتدبير الإلهي حتى يتم الصليب في «الساعة» التي عيّنها الآب.
الاعتراض
يعرض يوحنا 7: 1 أن المسيح لم يكن يريد أن يتردد في اليهودية لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه. وقد يُفهم من ذلك، بحسب الاعتراض، أن يسوع كان يخاف من الموت.
لكن المسيح نفسه علّم تلاميذه ألا يخافوا من الذين يقتلون الجسد، فقال:
«لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ» (لوقا 12: 4).
فكيف يوصي تلاميذه بعدم الخوف من الموت، بينما هو نفسه يتجنب مكانًا لأن فيه خطرًا على حياته؟
الحل: المسيح لم يخف من الموت، بل رفض الموت قبل أوانه
الرد أن المسيح لم يكن يخاف من الموت، لكنه كان يتجنب أن يموت قبل الموعد المعين. فحياة المسيح لم تكن خاضعة للمصادفة أو لقرارات أعدائه، بل كانت خاضعة لتدبير الآب. لذلك نرى في إنجيل يوحنا تعبيرًا متكررًا هو: «ساعتي لم تأتِ بعد».
«قَالَ لَهَا يَسُوعُ: مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ» (يوحنا 2: 4).
«هذَا الْكَلاَمُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي الْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ. وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ، لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ» (يوحنا 8: 20).
إذن، لم يكن المسيح يهرب من الموت في ذاته، بل كان يرفض أن يُقتل قبل اكتمال الساعة التي عيّنها الله.
عندما جاءت الساعة، واجه المسيح الموت بشجاعة
حين جاءت الساعة المعينة، لم يتراجع المسيح ولم يهرب. بل قال:
«وَأَمَّا يَسُوعُ فَأَجَابَهُمَا قِائِلًا: قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ» (يوحنا 12: 23).
فالمسيح كان يعرف أن الصليب هو طريق مجده الخلاصي، وأن ساعة آلامه لم تكن فشلًا أو اضطرارًا، بل غاية مجيئه إلى العالم.
ومن الناحية الإنسانية الحقيقية، اشمأزت نفس المسيح من هول الصليب وآلامه، لأن ناسوت المسيح ناسوت حقيقي كامل، لا تمثيل فيه ولا خيال. ومع ذلك، لم يكن هذا خوفًا جبانًا أو تراجعًا عن الخلاص، بل تعبيرًا عن حقيقة الألم الذي سيحمله بإرادته.
«اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟ وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ» (يوحنا 12: 27).
فالمسيح يطرح السؤال: «أيها الآب نجني من هذه الساعة؟» ثم يرفض هذا الطلب عمليًا بقوله: «ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة». أي أنه لم يأتِ ليتهرب من الصليب، بل ليتممه.
المسيح كان يعلم منذ البداية أنه جاء ليموت
لم يكن موت المسيح مفاجأة له، ولم يكن نتيجة لمؤامرة خرجت عن السيطرة. فمنذ بداية خدمته كان يتكلم عن موته وقيامته.
«أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ. فَقَالَ الْيَهُودُ: فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟» (يوحنا 2: 19-20).
وقد أوضح يوحنا بعد ذلك أن المسيح كان يتكلم عن هيكل جسده. كما قال الرب نفسه عن غاية مجيئه:
«أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ. أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ» (يوحنا 10: 10-11).
وقال أيضًا:
«لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (مرقس 10: 45).
إذن، المسيح لم يتردد في هدفه الثابت أن يبذل حياته فدية عن كثيرين. لكنه كان يسير نحو هذه الغاية بحسب الموعد والطريقة التي سبق الله فعيّنها.
تمييز مهم: الشجاعة لا تعني التهور. والمسيح لم يعلّم تلاميذه أن يلقوا أنفسهم في الموت بلا حكمة، بل علّمهم ألا يخافوا من الموت عندما تأتي ساعة الشهادة بحسب مشيئة الله.
كان يجب أن يموت المسيح بالطريقة التي أعلنتها النبوات
كان على المسيح أن ينتبه لمحاولات قتله قبل الوقت والطريقة المعينين، لأن موته لم يكن مجرد موت، بل إتمامًا للنبوات. فقد كان ينبغي أن يُصلب، لا أن يُرجم أو يُقتل بطريقة أخرى قبل أوان الصليب.
وقد أشار العهد القديم إلى آلام الصلب بطريقة نبوية، مثل قول المزمور:
«لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ» (مزمور 22: 16).
وكذلك قال زكريا النبي:
«فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ» (زكريا 12: 10).
لكن اليهود في بعض المواقف حاولوا أن يرجموه:
«فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ» (يوحنا 10: 31).
«أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا» (يوحنا 10: 33).
فلو قُتل المسيح رجمًا قبل الموعد، لما تم الأمر بحسب الصورة التي أعلنتها النبوات وبحسب التدبير الخلاصي. لذلك كان تجنبه لمحاولات القتل المبكرة جزءًا من طاعته للمشيئة الإلهية، لا علامة خوف.
هل يناقض هذا وصيته لتلاميذه ألا يخافوا؟
لا يوجد تناقض. فالمسيح عندما قال لتلاميذه: «لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد» لم يكن يدعوهم إلى التهور أو إلغاء الحكمة، بل كان يعلّمهم ألا يجعلوا خوف الموت سببًا لإنكار الحق أو ترك الشهادة.
أما في يوحنا 7: 1، فالمسيح لم يكن ينكر الحق، ولم يكن يتراجع عن الصليب، بل كان يتحرك بحكمة إلهية حتى تتم الساعة المعينة. فالخوف المرفوض هو خوف الإنسان الذي يترك الطاعة بسبب تهديد البشر. أما تجنب الخطر قبل الموعد المعين، فهو حكمة واتساق مع خطة الله.
الرد المختصر على الشبهة
لم يخف المسيح من الموت، بل تجنب الموت السابق لأوانه. وعندما جاءت الساعة، واجه الصليب بإرادة حرة وشجاعة كاملة. كان يعلم أنه جاء ليبذل نفسه فدية عن كثيرين، لكنه كان يجب أن يتمم هذا الموت في الوقت والطريقة التي عيّنها الله وأعلنتها النبوات.
الخلاصة
يوحنا 7: 1 لا يقول إن المسيح كان يخاف من الموت، بل يعلن أن المسيح لم يكن يسمح لأعدائه أن يفرضوا توقيت موته أو طريقته. فهو لم يمت حين أرادوا هم، بل حين جاءت ساعته. ولم يمت رجمًا أو قبل الأوان، بل صُلب كما سبق فأعلنت النبوات. ولذلك فلا تناقض بين تجنبه للقتل قبل الوقت وبين وصيته لتلاميذه ألا يخافوا من الذين يقتلون الجسد.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 413). Victor Books: Wheaton, Illinois.