فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)

فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)

فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)

فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)

يُعد تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب ملطي (من تفسير الآباء الأولين) من أهم المراجع التفسيرية المتاحة للقرّاء الناطقين بالعربية والمهتمين بدراسة العهد الجديد وفق شروحات الآباء.

ويهدف التفسير إلى توفير كيفية فهم بعض الآباء لنصوص العهد الجديد، ويهدف إلى تفقديم تفسير عميق للنصوص الكتابية وتأكيد أهمية وقيمة العهد الجديد في حياة المؤمنين.

يستخدم القمص تادرس يعقوب ملطي الأساليب والمنهجيات التي تسهم في توضيح مضمون الكتاب المقدس وتطبيقه في الحياة. اليومية.

 

اسم السفر

التفسير مقسم لأصحاحات

1- تفسير إنجيل متى

المقدمة12345678910111213141516171819202122232425262728

2- تفسير إنجيل مرقس

المقدمة12345678910111213141516

3- تفسير إنجيل لوقا

المقدمة123456789101112131415161718192021222324

4- تفسير إنجيل يوحنا

المقدمة123456789101112131415161718192021

5- تفسير سفر أعمال الرسل

المقدمة – 1 – 2 – 3 – 4 – 5 – 6 – 7 – 8 – 9 – 10 – 11 – 12 – 13 – 14 – 15 – 16 – 17 – 18 – 19 – 20 – 21 – 22 – 23 – 24 – 25 – 26 – 27 – 28

6- تفسير رسالة رومية

المقدمة12345678910111213141516

7- تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس

المقدمة12345678910111213141516

8- تفسير الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس

المقدمة12345678910111213

9- تفسير الرسالة إلى أهل غلاطية

المقدمة123456

10- تفسير الرسالة إلى أهل أفسس

المقدمة123456

11- تفسير الرسالة إلى أهل فيلبى

المقدمة1234

12- تفسير الرسالة إلى أهل كولوسي

المقدمة1234

13- تفسير الرسالة الأولي إلى أهل تسالونيكي

المقدمة12345

14- تفسير الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي

المقدمة123

15- تفسير الرسالة الأولى إلى تيموثاوس

المقدمة123456

16- تفسير الرسالة الثانية إلى تيموثاوس

المقدمة1234

17- تفسير الرسالة إلى تيطس

المقدمة123

18- تفسير الرسالة إلى فليمون

1

19- تفسير الرسالة إلى العبرانيين

المقدمة12345678910111213

20- تفسير رسالة يعقوب الرسول

المقدمة12 345

21- تفسير رسالة بطرس الأولى

12345

22- تفسير رسالة بطرس الثانية

المقدمة123

23- تفسير رسالة يوحنا الأولى

المقدمة12345

24- تفسير رسالة يوحنا الثانية

1

25- تفسير رسالة يوحنا الثالثة

1

26- تفسير رسالة يهوذا

1

26- تفسير سفر الرؤيا

12345678910111213141516171819202122

 

تفسير إنجيل متى – تفسير إنجيل مرقس – تفسير إنجيل لوقا – تفسير إنجيل يوحنا

تفسير سفر أعمال الرسل

تفسير رسالة رومية – تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس – تفسير الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس – تفسير الرسالة إلى أهل غلاطية – تفسير الرسالة إلى أهل أفسس – تفسير الرسالة إلى أهل فيلبى – تفسير الرسالة إلى أهل كولوسي – تفسير الرسالة الأولي إلى أهل تسالونيكي – تفسير الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي – تفسير الرسالة الأولى إلى تيموثاوس – تفسير الرسالة الثانية إلى تيموثاوس – تفسير الرسالة إلى تيطس – تفسير الرسالة إلى فليمون – تفسير الرسالة إلى العبرانيين

تفسير رسالة يعقوب الرسول – تفسير رسالة بطرس الأولى – تفسير رسالة بطرس الثانية – تفسير رسالة يوحنا الأولى – تفسير رسالة يوحنا الثانية – تفسير رسالة يوحنا الثالثة – تفسير رسالة يهوذا

تفسير سفر الرؤيا

فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)

جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

جمعة ختام الصوم

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

(العظة 100 من تفسير إنجيل لوقا)

الرب يفضح الفريسيين

لوقا 30:13ـ35

   ” في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له ، أخرج وأذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك ، فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب ، هاأنا أخرج شياطين وأشفى اليوم وغدًا وفى اليوم الثالث أًكمَّل ، بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن أورشليم . يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا ، والحق أقول لكم إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب ” .

         إن جماعة الفريسيين كانوا أشرارًا ومصممين ومتلهفين إلى الخداع والغش، ويصرون بأسنانهم على المسيح وتشتعل قلوبهم بنيران الحسد حينما يرون الناس يبدون إعجابهم به، مع أن واجبهم كان بالأولى ـ بصفتهم قادة للشعب ويرأسون جموع العامة ـ هو أن يقودوهم إلى الاعتراف بمجد المسيح، لأن هذا كان هو الغرض من سن الشريعة وكرازة الأنبياء القديسين، ولكنهم في شرهم العظيم لم يتصرفوا هكذا، بل بالعكس فإنهم بكل طريقة، أثاروا سخطه باستمرار، ولذلك قال المسيح لهم: ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم” (انظر لو52:11). لأنه يمكن للمرء أن يرى أنهم قد سقطوا في حالة الخبث هذه، وفى وضع مُضاد تمامًا لمحبة الله، حتى أنهم لم يكونوا يرغبون أن يقيم في أورشليم خوفًا من أن يفيد الناس، سواء بملئهم بالدهشة بسبب معجزاته الإلهية أو بإنارتهم بنور الرؤية الصحيحة لله بواسطة تعليم الحقائق التي هي أعلى من تعاليم الناموس. هذه هي الأفكار التي تقودنا إليها الدروس الموضوعة أمامنا الآن إذ يقول النص: ” في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له: اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك” .

          تعالوا لنثبّت عين الذهن الفاحصة على ما قالوه هنا، لنفحص بتدقيق لكي نرى هل الذين قالوا هذا الكلام هم من بين الذين يحبونه أم هم ضمن من يقاومونه. ولكن كما هو واضح فمن السهل أن ندرك أنهم كانوا يقاومونه بشدة. فمثلاً أقام المسيح الميت من القبر مستخدمًا في ذلك قوة هي قوة الله، لأنه صرخ: ” لعازر هلم خارجًا” (يو43:11)، وقال لابن الأرملة: ” أيها الشاب لك أقول قم” (لو14:7)، أما هم فقد جعلوا المعجزة وقودًا لحسدهم، بل إنهم قالوا حين اجتمعوا معًا: ” ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا. فقال لهم واحد وهو قيافا ـ الذي كان يخطط لقتله ـ أنتم لستم تعرفون شيئًا، ولا تفكرون أنه خيرٌ لنا أن يموت إنسان واحد ولا تهلك الأمة كلها ” (أنظر يو47:11ـ50).

          وهم قاوموه أيضًا بطرق أخرى، أحيانًا بمعاملته بازدراء والاستهزاء بقوته المعجزية، بل والتجاسر على سلطانه الإلهي قائلين إن كل ما يعمله هو بواسطة بعلزبول، بل وسعوا في مرة أخرى إلى تسليمه إلى سلطات القيصر، فلكي يتهموه أنه يمنع الإسرائيليين من دفع الجزية لقيصر، اقتربوا منه بخبث ومكر قائلين: ” أيجوز أن تُعطى جزية لقيصر أم لا ؟” (لو22:20). فهل يمكن إذًا لكل من وضعوا له أنواع الفخاخ هذه، الذين في وقاحتهم وقساوتهم لم يتورعوا حتى عن القتل، الذين لكونهم بارعين في الشر، هاجموه بعنف شديد القسوة، ومارسوا باجتهاد كل هذه الحيل لأنهم يكرهونه كراهية  مُطلقة، هل يمكن أن نعتبرهم ضمن من أحبوه ؟

          فلماذا إذًا تقدموا إليه قائلين: ” اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك؟”، وما هو غرضهم من هذا الكلام ؟

          إن البشير يخبرنا عن هذا بقوله: “ في ذلك اليوم (تلك الساعة) تقدم إليه“، وما معنى هذه اللهجة المدققة ؟ لماذا كان هذا الإتقان (في التحديد)؟ أو أي يوم (حرفيًا ساعة) يقصد أن الفريسيين قالوا فيه هذا الكلام ليسوع؟ كان يسوع مُنشغلاً في تعليم جموع اليهود، عندما سأله أحدهم إن كان كثيرون هم الذين يخلصون، ولكنه عبر على السؤال كأمر غير مفيد، واتجه إلى ما كان مناسبًا أن يخبرهم به إذ أخبرهم عن الطريق الذي ينبغي للناس أن يسيروا فيه ليصيروا ورثة لملكوت السموات إذ قال: ” اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق” وأخبرهم أنهم لو رفضوا أن يفعلوا هذا، فإنهم “سيرون إبراهيم واسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله وهم يُطرحون خارجًا” وأضاف بعد ذلك قوله: ” حيث إنهم كانوا أولين، فسيصيرون آخرين” بسبب دعوة الوثنيين .

          أثارت هذه الملاحظات غضب الفريسيين إذ رأوا الجموع تتوب بالفعل، وتقبل الإيمان به بحماس، وأنهم لم يعودوا يحتاجون سوى قليل من التعليم أيضًا ليعرفوا مجده وعظمة سر تجسده الذيٍ يستحق السجود، لذلك إذ كان من المحتمل أن يفقد (الفريسيون) وظيفتهم كرؤساء للشعب، بل وإذ كانوا قد سقطوا بالفعل وطُردوا من سلطانهم على الشعب، وحُرموا من المنافع التي يجنونها منه، لأنهم كانوا محبين للمال وجشعين وباعوا أنفسهم للربح الحرام ـ نراهم وقد تظاهروا بالمحبة له، فتقدموا إليه قائلين: ” اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك” .

 

          لكن أيها الفريسي صاحب القلب الحجري، لو كنت حكيمًا، لو كنت على دراية حسنة بشريعة موسى الحكيم جدًا، لو أنك ثبّت ذهنك على إعلانات الأنبياء القديسين، لمَا غاب عنك أنه مادام ذهنك مملوءًا مرارةً وحقدًا، فلابد أن تنكشف مشاعرك الكاذبة. إنه لم يكن مجرد إنسان وواحد من الذين يشبهوننا حتى يكون بذلك مُعرضًا للخداع، بل هو الله في شبهنا، هو الله الذي يفهم كل شئ، كما هو مكتوب: ” يعرف الأسرار وفاحص القلوب والكلى” (مز21:43س، مز 1:7)، وهو الذي ” كل شئ عريان ومكشوف له” (عب13:4)، والذي لا يُخفى عليه شئ، لكنك لم تعرف هذا السر الثمين والعظيم، وظننت أنه يُمكنك أن تخدع حتى ذلك الذي قال:” من الذي يُخفى عنى فكره ويُغلق على الكلمات في قلبه ويظن أنه أخفاها عنى؟” (أي 2:38س).

          فكيف أجاب المسيح عن هذه الأشياء ؟

          إنه أجابهم برفق وبمعنى خفي كما هي عادته، إذ قال: ” امضوا وقولوا لهذا الثعلب“.

         

          أصغوا بانتباه إلى قوة التعبير، لأنه يبدو أن الكلمات المستخدمة كانت موجهة لشخص هيرودس، لكنها بالحرى تشير أيضًا إلى دهاء الفريسيين، لأنه بينما كان من الطبيعي أن يقول: ” قولوا لذلك  الثعلب“، فإنه لم يفعل هكذا، بل استخدم بمهارة فائقة نوعًا وسيطًا من التعبير، وأشار إلى الفريسي الذي كان بالقرب منه وقال: ” هذا الثعلب“، وهو يقارن الإنسان بثعلب، لأنه من الثابت أنه حيوان ماكر جدًا، ولو كان لي أن أقول، فهو خبيث تمامًا كما كان الفريسيون، لكن ماذا أوصاهم أن يقولوا (لهيرودس)؟: ” هاأنا أخرج شياطين وأشفى اليوم وغدًا وفى اليوم الثالث أُكمَّل“. أنتم ترون أنه يُعلن قصده في أن يعمل ما يعرف أنه سيُحزن معشر الفريسيين، الذين يريدون طرده من أورشليم لئلا بعمل الآيات يربح كثيرين إلى الإيمان به، لكن حيث إن هدفهم هنا لم يُخفَ عليه لكونه الله، فإنه يعلن قصده في عمل ما يبغضونه ويقول إنه: ” سينتهر الأرواح النجسة ويخلص المرضى من أتعابهم وأنه سيُكمَّل، والتي تعنى أنه بمشيئته سوف يحتمل الآلام على الصليب لأجل خلاص العالم. لذلك كما يبدو، فإنه عرف كيف ومتى سيحتمل الموت بالجسد .

 

          لكن الفريسيين تخيلوا أن سلطان هيرودس سيرعبه، وسوف يخضعه للمخاوف رغم أنه رب القوات الذي يولد فينا شجاعة روحية بكلماته التي تقول:” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت28:10)، وأوضح أنه لا يضع اعتبارًا لعنف الناس، بقوله: ” بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه“. وبقوله: ” ينبغي لي” فإنه لا يعني بأنها ضرورة حتمية ـ قد وُضعت عليه، بل بالحرى تعنى أنه بسلطان مشيئته الخاصة، وبحرية وبدون تعرض للخطر فإنه سيمضى إلى حيث أراد أن يمضى ويجتاز اليهودية دون أن يقاومه أحد أو يتآمر ضده، إلى أن يقبل نهايته بإرادته الخاصة بالموت على الصليب الثمين.

          لذلك فليمتنع قتلة الرب هؤلاء عن التباهي بأنفسهم أو أن يتشامخوا بعجرفة عليه. أنت أيها الفريسي، لم تحرز النصرة على شخص هارب من الألم، أنت لم تمسكه رغمًا عنه، ولم تبسط سيطرتك على من رفض أن يُضبط في شِباك مكرك، بل هو الذي بمحض إرادته ارتضى أن يتألم لأنه متيقن جدًا أنه بموت جسده سيلاشى الموت ويعود ثانية إلى الحياة، فإنه قام من الأموات وقد أقام معه الطبيعة الإنسانية كلها وأعاد صياغتها من جديد إلى حياة لا تفسد.

          لكنه يُظهِر أن أورشليم ملوثة بدماء كثير من القديسين فيقول: ” لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن أورشليم” وما الذي ينتج من هذا؟ ينتج من هذا أنهم كانوا على وشك أن يسقطوا من عضويتهم في عائلة الله الروحية، وأنهم كانوا على وشك أن يُرفضوا من رجاء القديسين ويُحرَموا تمامًا من ميراث تلك البركات المُذخرة لمن قد خَلصوا بالإيمان. أما عن كونهم كانوا ناسين تمامًا لعطايا الله وجامحين ومتكاسلين من جهة كل شئ يمكن أن ينفعهم، فهذا أظهره بقوله: “ يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا” (لو34:13ـ35). لأن الله علّمهم بواسطة موسى الحكيم جدًا ورتب لهم ناموسًا ليوجههم في سلوكهم ويكون قائدهم ومرشدهم في حياة جديرة بالإعجاب، والذي رغم أنه ليس سوى ظلال لكنه كان يحوى رمز العبادة الحقيقية. فالله قد نصحهم بواسطة الأنبياء القديسين، وكان سيجعلهم تحت الحماية أي تحت سلطانه، لكنهم فقدوا هذه البركات الثمينة بكونهم أردياء في دوافعهم وغير شاكرين ومستهزئين.

          ثم يقول الرب: ” إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب” (تابع لو35:13) .

          فماذا يعنى هذا أيضًا ؟ الرب ينسحب من أورشليم، ويترك أولئك الذين قالوا له اخرج واذهب من ههنا، لأنهم غير مستحقين لحضوره بينهم. وبعد ذلك إذ اجتاز اليهودية وخلّص كثيرين، وأجرى معجزات كثيرة يعجز الكلام عن وصفها بدقة، عاد ثانية إلى أورشليم، هذا حدث عندما دخل جالسًا على أتان وجحش ابن أتان، بينما الجموع المحتشدة والأطفال يحملون في أيديهم سعف النخيل وساروا أمامه وهم يسبحونه قائلين:       ” أوصانا لابن داود، مبارك الآتي باسم الرب” (مت9:21). لذلك إذ قد تركهم بسبب أنهم غير مستحقين، يقول إنهم لن يروه إلاّ حينما يكون وقت آلامه قد حل، لأنه مضى أيضًا إلى أورشليم ودخلها وسط التهليل، وفى تلك المرة ذاتها كابد آلامه المُخلِّصة نيابة عنا، لكي بالآلام يُخلص ويجدد ـ إلى عدم فساد ـ سكان الأرض. لأن الله قد خلصنا بالمسيح، الذي به وله مع الآب والروح القدس التسبيح والسلطان إلى دهر الدهور. آمين .

 

جمعة ختام الصوم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 59، 60) ” وَقَالَ لآخَرَ: اتْبَعْنِي. فَقَالَ:يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ “.

 

          المسيح هو لنا أصل ومُعلِّم كل فضيلة، لأننا ” نحن متعلمون من الله” كما يُعلن إشعياء النبي (إش54: 13 س). وأيضًا يشهد الحكيم بولس قائلا ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ” (عب1:1، 2). فبماذا كلَّمنا خلال ابنه، فمن الواضح أن رسالة الإنجيل ترشدنا بنجاح إلى كل أنواع الفضائل، وبها نتقدم في الطريق الممدوح والرائع، طريق الحياة الأفضل، لكي باقتفائنا خطواته، نربح كنز مواهبه. والدرس الموضوع أمامنا الآن يُعلِّمنا بوضوح الطريق التي بها نتبعه ونُحسب مستحقين لهذه الأمجاد الفائقة الكاملة التي مُنحت أولاً للرسل لأن الإنجيل يخبرنا أنه: ” قال لآخر اتبعني” (لو9: 59).

فأول نقطة يجب أن نلاحظها الآن هي هذه: أننا في الفقرة السابقة تعلمنا أن واحدًا اقترب منه وقال له: ” يا معلم أتبعك أينما تمضى“. لكن المسيح رفضه، لأنه أولاً: يدعو نفسه ويقحمها في الأمجاد التي يهبها الله لمن يستحقها، فالمسيح يُتوِّج المشهود لهم بكل الخصائص الممتازة والحاذقين في ممارسة الأعمال الصالحة، ويدرجون ضمن جماعة المعلمين القديسين. وإذ لم يكن له هذا الميل، فقد وبَّخه المسيح، لأن عقله كان مسكنًا للأرواح الشريرة، ومملوءًا بكل نجاسة. فالمخلِّص لَمَس حالته بطريقة غير مباشرة فقال له: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يُسنِد رأسه“.

ففي اجتماعنا الأخير ناقشنا الطريقة التي بها فهمنا هذا بصورة كافية. وأما الآن فالذي أمامنا لم يدعُ نفسه بنفسه، وليس هو متقدمًا بوقاحة ليقوم بأعمال ممدوحة، بل على العكس، فهو شخص دعاه المسيح إلى الرسولية كمَن هو لائق لها، لأنه قد نال الكرامة بواسطة القرار الإلهي، إذ هو بلا شك مقدَّس، ومكرَّم، وقادر أن يُشكِّل نفسه ليطابق قصد رسالة الإنجيل. ولكنه لم يكن يعرف بعد بوضوح بأي طريق يجب عليه أن يسلك في هذا الأمر العظيم، فربما كان له أب قد أحنته السنون، وقد ظن في نفسه أنه بتصرفه هذا يرضي الله جدًّا بإظهاره العطف والحب المناسب من نحو والده. فلقد عرف بالطبع مِن كُتُب الناموس أن إله الكل قد أعطى وصية بهذا قائلا: ” أكرم أباك وأمك ليكون لك خير ولكي تطول أيامك على الأرض” (خر20: 12س). لذلك حينما دُعيَ لهذه الخدمة المقدسة ولمهمة الكرازة برسالة الإنجيل ـ كما يتضح من أمر المسيح له أن يتبعه ـ فقد أعياه فهمه البشرى، وطلب مهلة ليجد الوقت الكافي كي يرعى والده في شيخوخته، لأنه يقول: ” ائذن لي أن أمضي أولاً وأدفن أبي“. فما نقوله عنه، ليس أنه طلب إذنًا ليدفن أباه، لكونه قد مات فعلاً، ولم يُدفن بعد ـ لأن المسيح لم يكن ليمنع ذلك ـ وإنما استخدم كلمة ” أدفن ” بدلاً مِن “أن أرعاه في شيخوخته حتى دفنه”.

فماذا كانت إجابة المخلِّص إذن؟ “دع الموتى يدفنون موتاهم، وأما أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله”. فليس هناك من شك أن ثمة أقرباء ومعارف آخرين لأبيه، ولكن اعتبرهم أمواتًا، لأنهم لم يكونوا قد آمنوا بالمسيح بعد، ولم يستطيعوا أن يقبلوا الميلاد الجديد للحياة غير الفانية بواسطة المعمودية المقدسة. فالمسيح يقول: ” دعهم يدفنون موتاهم” لأن لهم في داخلهم عقل ميت، ولم يحيوا بعد مع هؤلاء الذين لهم الحياة التي في المسيح. فمن هنا إذن نتعلم أن مخافة الله يجب أن تسبق الاحترام والحب الواجبين للوالدين، لأن ناموس موسى أيضًا بينما يأمرنا أولاً أن ” تحب الرب إلهك من كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل قلبك” (تث6: 5)، يضع بعدها في المرتبة الثانية تكريم الوالدين قائلا: ” أكرم أباك وأمك“.

والآن هيا لنفحص الأمر ونبحث لماذا نعتبر التكريم والحب الواجبين للوالدين شيئًا لا ينبغي إهماله، بل على العكس يجب أن يراعَى باهتمام، وحينئذ ربما يقول واحد: إن هذا يرجع إلى أننا ننال وجودنا بواسطتهم، ولكن إله الكل هو الذي أوجدنا حينما كنا غير موجودين على الإطلاق. فالله هو خالق وصانع الكل، وهو الأصل والجوهر الأساسي لكل الأشياء. لأن وجود أي شيء إنما هو عطيته. فالأب والأم إذن كانا هما الوسيلة التي بواسطتها أتى نسلهما إلى العالم. أليس علينا إذن أن نُحب الموجِد الأول أكثر من الثاني أو التابع؟ أليس الله هو معطينا النعم الثمينة التي تستوجب منا الإكرام الأعظم له؟ فمساعينا إذن لإرضاء والدينا يجب أن تخضع لحبنا لله، والواجبات الإلهية. وقد علَّمنا المخلِّص نفسه هذا عندما قال: ” من أحب أبًا وأمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني” (مت10: 37).

وهو لا يقول إنهم يدانون لأنهم ببساطة أحبوا، ولكن لأنهم أحبوهم ” أكثر مني“. فهو إذن يسمح للأبناء والبنات أن يحبوا آبائهم لكن ليس أكثر من حبهم له. لذلك عندما يلزم أن تفعل أي شيء يتعلق بمجد الله، فلا تدع أي عقبة تقف في الطريق، دع حماسك يكن بغير تعطل، اجعل جهودك الغيورة مشتعلة وغير قابلة للكبت. لذلك هيا حالاً ودع عنك الاهتمام بأبيك وأمك وأولادك، واجعل قوة العاطفة الطبيعية نحوهم تتوقف واجعل الغلبة لحب المسيح.

هكذا عاش إبراهيم المثلث الطوبى، لذلك فقد تبرر ودعِيَ ” خليل الله “، وحُسب أهلاً للكرامات الفائقة، فأي شيء يساوى كونه خليل الله؟ وماذا يستطيع العالم أن يقدم ما يمكن مقارنته بنعمة مجيدة وبديعة جدًّا؟ فقد كان له وحيد محبوب، أعطاه الله له بعد تأخير طويل وذلك في شيخوخته، ووضع فيه إبراهيم كل رجائه من جهة النسل، إذ قيل له: ” لأنه بإسحق يُدعَى لك نسل” (تك21: 12). لكن كما يقول الكتاب المقدس إن الله امتحن إبراهيم قائلاً: ” خذ ابنك حبيبك الذي تحبه إسحق واذهب إلى الأرض المرتفعة وأصعِده هناك محرَقَة على أحد الجبال الذي أقول لك” (تك22: 2 س). هل كان الله يمتحن إبراهيم، وكأنه لم يكن يَعلم مسبقًا ما سيحدث. وينتظر النتيجة؟ ولكن كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ لأن الله يعرف كل الأشياء قبل أن تحدث، فلماذا إذن امتحن إبراهيم؟ وذلك لكي يمكننا بهذا الأمر أن نَعلَم أن الله جعله غير مستعد لهذا العمل لينال البطريرك تقديرًا جديرًا بالإعجاب، لكونه لم يُفضِّل أي شيء على إرادة ربه. فلم يقل له الله ببساطة خذ إسحق بل قال ” ابنك وحيدك الذي تُحبه“، فهذا يُقوِّي حركة العاطفة الطبيعية تجاه ابنه. آه ! يا له من اهتياج عنيف لأفكار مُرَّة ثارت في نفس الشيخ، فقوة العاطفة الفطرية الطبيعية تدعوه أن يحنو على ابنه. لقد تمنى أن يكون أبًا، إذ شكى عقمه لله عندما وعده الله أن يهبه كل الأرض التي أخبره بها، ” فقال أبرام أيها السيد الرب ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيمًا” (تك15: 2) ـ فقانون العاطفة الطبيعية إذن يحثه أن يُنقذ الصبي، بينما قوة حبه لله تدعوه للطاعة المتأهبة. فقد كان أشبه بالشجرة التي يُحركها عنف الرياح للأمام وللخلف، أو كسفينة في بحر تتمايل وتترنح بضربات الأمواج… لكن ثمة فكرة واحدة صحيحة وقوية تمسَّك بها إبراهيم بشِدَّة،    ” لأنه آمن أن الله قادر على الإقامة من الأموات” (عب11: 19) حتى لو ذبح الصبي وراح ضحية النيران كمحرقة مرضية لله.

فإبراهيم إذن قد تعلَّم الكثير من هذه التجربة، فقد تعلم أولاً: أن الطاعة المستعِدَّة تؤدِّي إلى كل بركة، وهى الطريق المؤدِّي إلى التبرير، وعربون صداقة مع الله، وثانيًا: أن الله قادر على الإقامة من الأموات. وأكثر من ذلك فقد تعلم ما هو أهم وأكثر استحقاقًا للتقدير، أعني سر المسيح: إنه لأجل خلاص وحياة العالم فالله الآب سيُقدِّم ابنه الوحيد ذبيحة، الذي هو المحبوب بالطبيعة،  أي المسيح. والمبارَك بولس يؤكد لنا ذلك بقوله عن الله ” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين” (رو8: 32).

فإبراهيم البطريرك تعلَّم إذن مدى عظم عدم اشفاقه على ابنه الوحيد الذي يحبه، لذلك فقد تبرر لأنه لم يُفضِّل أي شيء آخر على الأشياء التي تُرضي الله. فالمسيح يطلب منا أن نكون كذلك لكي نُحب ونُقدِّر كل ما يتعلق بمجده أكثر جدًّا من روابط قرابتنا الجسدية، ومرَّة أخرى لننظر إلى الأمر في ضوء آخر، فمن الصواب أن قوة حبنا لله يجب أن تفوق حتى حبنا لمن ولدونا بالجسد. لقد أعطانا الله نفسه كأب لأنه قال: “ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض. لأن أباكم واحد، الذي في السموات. وأنتم جميعا إخوة ” (مت23: 9و8). وعنه يقول يوحنا الحكيم: ” إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يو1: 11، 12). لذلك هل كان على هؤلاء الذين يعترفون به أنه الآب رب السماء والأرض، الذي يعلو كل المخلوقات، الذي يقف حوله الشاروبيم المقتدرون، والذي يفوق كل العروش والربوبيات، والرئاسات، والقوات، أقول هل كان من الضروري أن يسقط هؤلاء في هذا الحمق العظيم بألاَّ يجعلوه فوق كل قرابة طبيعية؟ فهل يمكن أن نكون مذنبين عندما نهمل التكريم الواجب لوالدينا والأولاد والإخوة، لكننا نتحرر من الذنب إذا لم نقدِّم الإكرام الواجب لرب الكل؟ فلنسمع ما يقوله الله لنا بوضوح ” الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فان كنتُ أنا أبًا فأين كرامتي وإن كنتُ سيدًا فأين هيبتي، قال رب الجنود” (ملا1: 16).

لذلك فالمسيح، جعل المدعو للرسولية على دراية بالسلوك الرسولي والرجولة الروحية التي تتطلَّبها الدعوة إذ يقول ” دع الموتى يدفنون موتاهم، وأما أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله“. فخُدَّام الرسالة الإلهية يجب أن يكونوا كذلك. فلنلتصق إذن بتعاليمه الحكيمة في كل شيء متقدِّمين نحو المسيح الذي بواسطته ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

(لو9: 61، 62) ” وَقَالَ آخَرُ أَيْضًا: أَتْبَعُكَ يَا سَيِّدُ، وَلكِنِ ائْذَنْ لِي أَوَّلاً أَنْ أُوَدِّعَ الَّذِينَ فِي بَيْتِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ “.

إننا نقول عن الغيرة في مساعينا الفاضلة، إنها تستحق كل مدح، لكن أولئك الذين قد وصلوا إلى هذه الحالة الذهنية يجب أن يكونوا أقوياء في تصميمهم، وليسوا ضعيفي العزم في صبرهم نحو الهدف الموضوع أمامهم. بل بالحري يجب أن يكون لهم ذهن غير متذبذب ولا ينثني، لأنهم بذلك سوف يبلغون الهدف، ويفوزون بالنصر، ويضفرون حول رؤوسهم إكليل المنتصر. ومخلِّص الكل يُشجِّعنا على هذا الإخلاص للهدف بوصفه خاصية تستحق الاقتناء، إذ يقول ” ومن منكم وهو يريد أن يبنى برجًا لا يجلس أولا ويحسب النفقة هل عنده ما يكفى لتكميله، لئلا يضع الأساس ولا يقدر أن يكمل، فيبدأ جميع الناظرين يهزأون به قائلين هذا الإنسان لم يقدر أن يكمل” (لو14: 28ـ30). فمن يتصرف هكذا لا يصبح إلاَّ موضوعًا للسخرية، لأن كل مسعى مُكرَّم وفاضل له خاتمة لائقة يجب أن تعقبه. وناموس موسى كي يُعلِم هذا الحق، أمر أولئك الذين كانوا يبنون بيتًا أن يقيموا فوقه حائطًا للسطح (انظر تث22: 8)، لأن من هو ليس كاملاً في الصلاح لا يخلو من اللوم. فكما كان البيت الذي ليس له حوائط سطح، يوصَم بالعار، هكذا فالفقرة التي قُرِئَت علينا من الإنجيل الآن تُعلِّمنا درسًا مشابهًا، لأن واحدًا اقترب قائلاً: ” أتبعك يا سيد ولكن ائذن لي أولاً أن أُودِّع الذين في بيتي“. فالوعد الذي تعهد به، إذن، يستحق التمثل به، وهو مملوء بكل مدح، ولكن حقيقة رغبته في توديع الذين في بيته تُوضِّح أنه منقسم على نفسه، وأيضًا أنه لم يدخل بعد الطريق بذهن غير مُقيَّد، فانظر كيف أنَّه مثل مُهر متحفِّز للسباق، هناك ما يعوقه كأن به لجام، هكذا فإن تيار الأمور العالمية، ورغبته في الاهتمام بمشاغل هذا العالم تعوقه بالمِثل، لأن ليس هناك أحد يمنعه من الإسراع إلى الهدف المشتهى إذا أراد وفقًا لميول عقله الحرة. ولكن الرغبة نفسها في استشارة أقاربه وجعلهم مستشارين له وهم لا يضمرون مشاعر مشابهة له، ولا يشاركونه مطلقًا في قراره، فتلك الرغبة تكشف وبصورة كافية أنه ضعيف ومتردِّد للوصول للهدف، والفوز بالنصر ونوال إكليل المنتصر، وليس له الاستعداد الكامل بعد ليتصرف وفقًا لرغبته في اتِّباع المسيح.

ولكن المسيح، وكأنه يستعمل توبيخات رقيقة، أصلحه، وعلَّمه أن يكون له غيرة أكثر تصميمًا قائلاً: ” ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله“. وتمامًا مثل الفلاح الذي قد بدأ في حرث أرضه بالمحراث، إذا تعب وترك عمله بعد إنجاز نصفه، فلن يرى حقله مملوء بسنابل القمح، ولا أرضه التي يدرسها مليئة بالحِزَم، وسيعاني بالطبع من الخسارة التي هي نتيجة طبيعية للتكاسل، وغياب المحصول، وما يتبعه من فقر، وأيضًا يجلب على نفسه سخرية أولئك الذين ينظرونه. لذلك فمن يرغب في الالتصاق بالمسيح، دون أن يُودِّع العالم، ويهجر كل حب للجسد، وينكر حتى أقربائه الأرضيين (إذ بفعله هذا يبلغ الشجاعة المصممة في كل المساعي الممدوحة)، فهو لا يصلح لملكوت الله. فمن لا يستطيع الوصول إلى هذا القرار، لأن عقله مقيَّد بالتكاسل: فليس بمقبول لدى المسيح، ولا هو لائق لصحبته، وبالضرورة لا يُصرِّح له أن يكون معه.

فعن هؤلاء تكلَّم المسيح عندما صاغ ذلك المثل في الأناجيل، لأنه قال: ” إنسان غني صنع عرسًا لابنه، أرسل عبيده ليدعوا المدعُوِّين، قائلاً ثيراني ومسمَّناتي قد ذبحت وكل شيء مُعَد” (مت22: 2). لكنهم كما يخبرنا الإنجيل لم يأتوا، لكن واحدًا قال لقد اشتريت حقلاً ولا أستطيع الذهاب. وقال ثان لقد اشتريت زوج بقر، وآخر لقد تزوجت بامرأة فاعذرني. فأنت ترى أنهم جميعا دُعُوا، وبينما كان في استطاعتهم أن يشاركوا في الحفل اعتذروا، وصاروا مستعبدين وبلا قيد لهذه الأمور الأرضية الوقتية،  التي سرعان ما تضمحل، و التي لابد أن نتخلَّى عن ملكيتها سريعًا. ولكن كان بالتأكيد من واجبهم أن يدركوا أن الزوجة والأراضي والممتلكات الأخرى ما هي إلاَّ لذَّات زائلة، قصيرة الوقت، وتضمحل كالظلال، وهى كأنها مرارة ممزوجة بشهد. ولكن أن يكونوا أعضاءً في كنيسة الله، تلك التي هربوا منها بغباء، وبطريقة لا أعرفها، فهذا كان سيسبب لهم فرحًا أبديًّا غير متغير. فأي شخص يتبع المسيح، دعهُ يكن ثابتًا تمامًا، هادفًا فقط إلى تلك الغاية، ولا يكن منقسمًا، ولا يستولى عليه الجهل أو الكسل، دعهُ يكن متحررًا من كل شهوة جسدانية، ولا يُفضِّل أي شيء على حبِّه له، فإذا لم يكن له مثل هذا الميل، أو ليس له هذا الإتجاه في إرادته، فحتى إذا اقترب، فسوف لا يُقبَل.

وناموس موسى قد علَّمنا أيضًا شيئًا مِن هذا القبيل بطريقة رمزية غير مباشرة، فإن بني إسرائيل حينما كانت تطرأ عليهم طوارئ، كانوا يخرجون ليحاربوا أعدائهم، وقبل أن يشتبكوا في القتال، كان المنادي ينادي فيهم قائلاً: ” الرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها، فليرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيأخذها رجل آخر. والرجل الذي قد بنى بيتًا جديدًا ولم يدشِّنه، فليرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيدشِّنه رجل آخر. فأي رجل خائف وضعيف القلب، ليرجع لئلا تذوب قلوب إخوته من الخوف مثل قلبه ” (تث20: 7و5و8) فأنت ترى أن الرجل الذي يُحب العالم أو الثروة والمملوء بالاعتذارات، ليس في مكانه، ولكنَّنا سنجد أن الرسل القديسين مختلفين تمامًا عن أمثال هؤلاء.

فعندما سمعوا المسيح يقول: ” هلم ورائي، تصيران صيادي الناس، فللوقت تركا السفينة وأباهم وتبعاه” (مر1: 17). وأيضًا الحكيم بولس يكتب “ ولكن لما سَرَّ الله أن يعلن ابنه فيَّ، للوقت لم أستشر لحما ودما” (غل1: 15). فأنت ترى أن العقل الشجاع والهدف القلبي الشجاع غير خاضع لرباطات الكسل، لكن يفوق كل جبن وكل شهوة جسديَّة، فهكذا ينبغي أن يكون أولئك الذين يتبعون المسيح، لا ينظرون إلى الوراء، لا يرجعون ولا يُحوِّلون وجوهم عن تلك الفضيلة الرجولية التي تليق بالقديسين ويعفون أنفسهم من واجب الجهد، غير محبِّين للأمور الوقتية، فهم ليسوا ذوى رأيين، ولكنهم يسرعون للأمام بالغيرة الكاملة إلى ما يرضى المسيح جدًّا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسيادة والكرامة مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 57، 58) ” وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: يَا سَيِّدُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ “.

 

إنَّ اشتهاء المواهب النازلة من فوق من الله هو في الواقع أمر يستحق أن نسعى إليه، وهذا يجعلنا نربح كل خير. ولكن رغم أن رب الكل هو مُعطي سخي وكريم، إلاَّ أنه لا يعطي كل الناس هكذا ببساطة دون تمييز، بل يعطي بالحري لمن هم مستحقين لسخائه، لأنه كما أن أولئك المتوشِّحين بمجد الملوكية يمنحون كرامتهم، ووظائف الدولة المتنوعة ليس لأناس أجلاف وجُهال، الذين ليس عندهم شيئًا جديرًا بالإعجاب، بل بالحري يكرمون أولئك الذين يملكون نبلاً وراثيًّا، وقد أثبتوا بالاختبار أنهم جديرون بالقبول، ومن المتوقع أن يكونوا ناجحين في تأدية واجباتهم. هكذا الله أيضًا، الذي يعرف كل الأشياء فانه لا يمنح نصيبًا في عطاياه للنفوس المهمِلة التي تسعى للذة، بل للذين هم في حالة مناسبة لنوال هذه العطايا. إذن فأي واحد يريد أن يُحسب مستحقًّا لهذه الكرامات العظيمة، وأن يكون مقبولاً من الله، فدعه أولاً يُنقِّى نفسه من أدناس الشر، وخطية عدم المبالاة، لأنه هكذا يصير قادرًا على نوال هذه العطايا، ولكن إن لم يكن هذا اتجاه تفكيره فدعه يرحل بعيدًا.

 

وهذا هو المعنى الذي تعلمنا إياه آيات الإنجيل التي وُضعت أمامنا الآن، لأن إنسانًا ما اقترب من المسيح مخلِّصنا جميعًا وقال له: “ يا سيد أتبعك أينما تمضى“. ولكنه رفض هذا الإنسان وقال له ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما هو فليس له أن يُسنِد رأسه“. ومع ذلك فربما يسأل أحدهم ويقول: (إن ذلك الذي وعد أن يتبعه قد وصل إلى اشتهاء ما هو مكرَّم، وصالح، ونافع، لأن أي شيء يمكن مقارنته بالوجود مع المسيح واتِّبَاعه ؟ أو كيف لا تساعد هذه الشهوة على خلاصه ؟ فلماذا إذن يرفض المخلِّص مَن يرغب باشتياق أن يتبعه باستمرار؟ لأن المرء يمكن أن يتعلَّم من كلماته الخاصة     (أي المسيح)، أن اتِّبَاعه يؤدى إلى كل بركة، لأنه قال ” من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة” (يو8: 12). فما هو الأمر غير اللائق في أن يعد بأن يتبعه، لكي يربح نور الحياة؟)

 

إذن فما هي إجابتنا على هذا؟ إجابتنا أن هذا لم يكن هو هدفه. كيف يمكن أن يكون له هذا الهدف؟ لأنه من السهل على أي واحد يفحص هذه الأمور بدقة أن يرى، أولا: أن طريقة اقترابه من المسيح كانت مملوءة بجهالة عظيمة، ثانيا: إنها كانت مملوءة باجتراء زائد جدًّا. لأن رغبته لم تكن مجرد أن يتبع المسيح كما فعل كثيرون آخرون من الجمع اليهودي، بل بالحري أن يقحم نفسه على الكرامات الرسولية. هذا هو إذن الإتَّباع الذي كان يسعى لأجله، إذ أنه دعا نفسه، بينما بولس المبارك يكتب “ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضًا” (عب5: 4). لأن هرون لم يدخل إلى الكهنوت من نفسه، بل بالعكس فقد كان مدعوًّا من الله، وهكذا نجد أن كل واحد من الرسل القديسين لم يرفع نفسه إلى الرسولية، بل بالحري نال الكرامة من المسيح، لأنه قال، ” هلم ورائي فأجعلكما تصيران صيادَيِ الناس” (مر1: 17) وأما هذا الإنسان ـ كما قلت ـ فإنه بجسارة يتخذ لنفسه مواهب كريمة بهذا المقدار، ورغم أن أحدًا لم يدعُهُ، فإنه يقحم نفسه إلى ما هو فوق رتبته. والآن، لو أن أي واحد اقترب من ملك أرضي وقال: ” سوف أرفع نفسي إلى هذه الكرامة أو تلك، حتى ولو لم تمنحني إياها، أيًّا كانت هذه الكرامة” فإن هذا يكون عملاً خطيرًا، بل قد يؤدي به إلى أن يفقد حتى حياته نفسها. ومَن يستطيع أن يشك أن هذه هي النتيجة بالتأكيد؟ لأننا في كل أمر، يجب أن ننتظر قرار ذلك الذي يملك السُّلطة المهيمِنة. فكيف إذن يكون مناسبًا لهذا الإنسان أن يُعيِّن نفسه بين التلاميذ، ويتوج نفسه بالسلطات الرسولية بدون أن يكون مدعوًّا إليها بالمَرَّة من المسيح؟

 

وهناك سبب آخر جعل المسيح يرفضه بصواب، ويحسبه غير مستحق لكرامة بارزة مثل هذه. لأن اتِّبَاع المسيح بحماس شديد هو بلا شك أمر نافع للخلاص، ولكن من يرغب أن يُحسب مستحقًّا لمجد عظيم مثل هذا، ينبغي أن يحمل صليبه ـ وما معنى أن يحمل الصليب؟ معناه أن يموت بالنسبة إلى العالم، بأن يتنكَّر لارتباكاته الفارغة، ويتخلَّى برجولة عن الحياة الجسمانية المُحِبَّة للذة، فإنه مكتوب: لا تحبوا العالم ولا الأشياء  التي في العالم، لأن كل ما في العالم هو شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة” (1يو2: 15). وأيضًا ” ألستم تعلمون أن محبة العالم هي عداوة لله ؟ لذلك فمن أراد أن يكون محبًّا للعالم فقد صار عدوًّا لله” (يع4: 4). لذلك فالإنسان الذي اختار أن يكون مع المسيح يحب ما هو جدير بالإعجاب وما هو نافع للخلاص، ولكنه يجب أن ينصت لكلماتنا: ابتعد بنفسك عن الشهوات الجسدية، تطهَّر من أدناس الشر، تنقَّ من البقع الناتجة عن الحب الدنيء للذة، لأن هذه تجعلك بعيدًا، ولا تسمح لك أن تكون مع المسيح. انزع عنك ما يفصلك، حطِّم العداوة، أُنقض الحاجز المتوسط، فإنك حينئذ تكون مع المسيح. أما إن كان الحاجز الذي يبعدك عن الشركة معه لم يهدم بعد، فبأي طريقة تستطيع أن تتبعه؟

 

وهو يوضح أن هذا هو الحال مع الإنسان الذي أمامنا، بالتوبيخ غير المباشر الذي أعطاه له، لا لكي يؤنبه، بل بالحري لأجل إصلاحه، لكي ينمو إلى الأفضل من تلقاء ذاته، ويصير مجتهدًا في اتِّبَاع طريق الفضيلة. لذلك يقول: ” للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه“. والمعنى البسيط والقريب لهذا المقطع هو كالآتي: إن الوحوش والطيور لها جحور ومساكن، أما أنا فليس عندي شيء لأقدمه من هذه الأشياء التي يسعى وراءها عموم الناس، إذ ليس لي مكان لنفسي لأسكن فيه وأستريح، وأسند رأسي. وأما المعنى الداخلي السِرِّي لهذا المقطع فيمكن الوصول إليه بواسطة أفكار أكثر عمقًا. لأنه يبدو أنه يقصد بالثعالب وطيور السماء تلك القوات الشريرة، والخبيثة، والنجسة، أي قطعان الشياطين، لأنهم يُلقَّبون هكذا في مواضع كثيرة في الكتب الموحَى بها. لأن المرنم المبارك يقول عن بعض الناس: “يكونون أنصبة للثعالب” (مز63: 10)، وفى نشيد الأناشيد مكتوب أيضًا ” خذوا لنا الثعالب، الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم” (نش2: 15). والمسيح نفسه يقول في موضع ما عن هيرودس، الذي كان إنسانًا شرِّيرًا وماكرا في شرِّه،  ” قولوا لذلك الثعلب” (لو13: 32). وفى موضع آخر قال عن البذار التي سقطت على الطريق، ” جاءت طيور السماء وأكلتها” (لو8: 5) وهذا، نحن نؤكده أنه قال هذا ليس عن الطيور المادية المنظورة، بل بالحري عن تلك الأرواح النجسة الشريرة التي أحيانًا كثيرة، حينما تقع البذار السماوية على قلوب الناس فإنهم ينتزعونها وكما لو كان يحملونها بعيدًا لكي لا تأتي بأي ثمر. لذلك، فكما أن الثعالب والطيور لها أوجرة وأوكار فينا، فكيف يستطيع المسيح أن يدخل؟ أين يمكنه أن يستريح؟ فَأَي شركة هناك بين المسيح وبليعال؟ لأنه يستريح في القديسين، ويسكن في أولئك الذين يحبونه، ولكنه يبتعد عن النجسين وغير الأنقياء. فاطرد الوحوش، وامسك الثعالب، وشتِّت الطيور بعيدًا، وطهِّر قلبك من نجاستهم، لكي ما يجد ابن الإنسان مكانًا في داخلك ليسند فيه رأسه، أي الذي هو كلمة الله الذي تجسد وصار إنسانًا.لأن النور ليس له توافق مع الظلمة ولا النجس له توافق مع المقدَّس. إنَّه أمر لا يُصدق أن تختزن العطر والرائحة الكريهة في زجاجة واحدة، إنَّه من المستحيل على أي إنسان أن يتوشَّح بالكرامة الرسولية ويكون بارزًا بسبب فضائله وكل صفات صالحة ورجولية إن لم يكن قد قَبِل المسيح في داخله. وهكذا قد علَّمنا بولس الحكيم جدًّا قائلاً: ” هل تطلبون برهان المسيح فينا؟” (2كو13: 3) ولكن ذلك الذي يسكن فيه المسيح هو هيكل، ليس لواحد من تلك الآلهة الكاذبة، بل هيكل للذي هو بالطبيعة وبالحقيقة، الله. لأننا قد تعلَّمنا أن نقول ” إننا هيكل الله الحي” (2كو6: 16). أمَّا الهيكل الإلهي فيليق به البخور، الذي يكون من أطيب رائحة، وكل فضيلة هي بخور عقلي، مقبول تمامًا عند إله الكل.

 

لذلك، ” فلنُطهِّر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح” (2كو7: 1). “ ولنُمِت تلك الأعضاء التي على الأرض” (كو3: 5) دعونا نغلق المنافذ أمام الأرواح النجسة. ولا نَدَع الطيور المرفوضة والشريرة أن تسكن داخلنا. وليكن قلبنا مُقدَّسًا وغير مدنس، بأقصى ما هو مستطاع وممكن. لأننا هكذا نتبع المسيح، بحسب النعمة التي يعطيها لنا، وهو سيسكن فينا بفرح، لأنه حينئذٍ سيكون له أين يسند رأسه. ويستريح فينا كقديسين. لأنه مكتوب ” كونوا قديسين لأني أنا قدوس” (لا11: 45) وإذ نكرس أنفسنا لهذه المساعي الهامة جدًّا، فإننا سنصل إلى المدينة التي فوق بعون المسيح نفسه، الذي بواسطته ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 51ـ56) ” وَحِينَ تَمَّتِ الأَيَّامُ لارْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً، فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهًا نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: يَارَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟ فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ. فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى“.

          أولئك الذين وُهِبَ لهم بوفرة غنى كثير، ويفتخرون بثرواتهم الوافرة، يجمعون أشخاصا مناسبين لولائمهم، ويضعون أمامهم مائدة مجهزة بسخاء وبواسطة أنواع مختلفة من الأطباق والتوابل يمتعونهم بلذة تفوق مجرد الإشباع من الجوع. ولكن لا فائدة تنشأ من هذا، بل بالحري ضرر كبير للآكلين، لأن ما يزيد عن الكفاية بعد إشباع نداءات الجوع هو دائمًا مؤذى.

 

أما أولئك الذين يملكون الغنى السماوي، ويعرفون التعاليم المقدسة، وقد استناروا بالنور الإلهي، فإنهم يُغذون أنفسهم بالاستمتاع بالأحاديث المنيرة، لكي يصيروا مثمرين نحو الله، كما أنهم يصيرون ماهرين في الطريق إلى كل فضيلة، وجادِّين في تكميل تلك الأمور التي بواسطتها يصل الإنسان إلى نهاية سعيدة. ولذلك فالكلمة المقدسة تدعونا إلى هذه المائدة العقلية والمقدسة، لأنها تقول: ” كلوا واشربوا، واسكروا يا أصدقائي” (نش5: 1). ولكن أصدقاء مَنْ؟ واضح أنهم أصدقاء الله: وجدير بالملاحظة أننا سنسكر بهذه الأمور، وأننا لا يمكننا أبدًا أن نشبع بما هو لأجل بنياننا. دعونا نرى إذن، أي نوع من المنفعة يقدمه أمامنا، درس الإنجيل في هذه الفرصة.

 

لأنه يقول: ” حين تمت الأيام لارتفاعه، ثبَّت وجهه لينطلق إلى أورشليم“. وهذا يعنى أنه بما أنه قد جاء الآن الوقت الذي يحمل لنا آلامه المخلِّصة ويصعد بعده إلى السماء ويقيم مع الله الآب، فإنه قرر أن يذهب إلى أورشليم. لأني أظن أن هذا هو معنى ” ثبَّت وجهه“. لذلك فهو يرسل رسلاً ليعدُّوا مسكنًا له ولرفاقه. وحينما جاءوا إلى قرية للسامريين، لم يقبلوهم. وهذا جعل التلاميذ المبارَكين ساخطين، ليس لأجلهم هم أساسًا، بل بالأكثر بسبب أنهم لم يكرموه وهو المخلِّص ورب الكل. وماذا بعد ذلك؟ أنهم دمدموا بشدة، ولأن جلاله وقوَّته لم تكن غير معروفة لديهم، قالوا: ” يا رب أتريد أن تنزل نار من السماء فتفنيهم؟” ولكن المسيح انتهرهم لأنهم تكلموا هكذا. وفى هذه الكلمات الأخيرة يكمن مغزى الدرس، ولذلك دعونا نفحص المقطع كله بدقة. لأنه مكتوب ” اعصر اللبن، وهو يصير زبدًا” (أم30: 33).

 

إذن سيكون أمرًا غير صحيح أن يؤكد أحد أن مخلِّصنا لم يعرف ما كان على وشك أن يحدث، فلأنه يعرف كل الأشياء، فقد عرف طبعًا، أن السامريين لن يقبلوا رسله. لا يمكن أن يكون هناك شك في ذلك. إذن فلماذا أمرهم أن يسبقوه؟ السبب في هذا أن عادته كانت أن يفيد الرسل القديسين بكل طريقة ممكنة: ولأجل هذا الهدف فقد كان أحيانا يعمل على أن يضعهم موضع الاختبار. كما حدث مثلاً، حينما كان في السفينة مرة على بحيرة طبرية مع التلاميذ، فأثناء ذلك نام عن قصد: وهبت ريح عاتية على البحارة، وبدأت عاصفة قوية غير عادية تثور، وكانت السفينة في خطر، وانزعج البحارة جدًّا. لأنه سمح عن قصد للريح وغضب العاصفة أن تثور ضد السفينة، لكي يمتحن إيمان التلاميذ ولكي تظهر عظمة قدرته. وهذه أيضًا كانت النتيجة، لأنهم في قلة إيمانهم قالوا: ” يا سيد نجنا، فإننا نهلك“. فقام في الحال وأظهر أنه رب العناصر، لأنه انتهر البحر والرياح، فصار هدوء عظيم. وهكذا أيضًا في هذه المناسبة، فإنه كان يعرف أن أولئك الذين ذهبوا أمامه لكي يعلنوا عن إقامته بينهم، لن يقبلهم السامريون، ولكنه سمح لهم أن يذهبوا لكي يكون هذا أيضًا وسيلة لفائدة الرسل القديسين.

فما هو إذن الغرض من هذا الحادث؟ لقد كان صاعدا إلى أورشليم، إذ أن وقت آلامه كان يقترب. كان على وشك أن يحتمل احتقار اليهود، وكان على وشك أن يتعرض للإعدام على يد الكتبة والفريسيين، وأن يحتمل تلك الأشياء التي أصابوه بها حينما تقدموا لكي يكملوا كل عنف وكل تهور شرير. لذلك، فلكي لا ينزعجوا حينما يرونه متألمًا، إذ يفهمون أنه يريدهم هم أيضًا أن يكونوا صابرين، وألاَّ يتذمروا كثيرًا، حتى لو عاملهم الناس بازدراء، فهو، كما لو كان قد جعل الاحتقار الذي تعرضوا له من السامريين، تدريبًا تمهيديًا في هذا المجال. فالسامريون لم يقبلوا الرسل. وكان من واجب التلاميذ، باقتفائهم آثار خطوات سيدهم، أن يحتملوا ذلك بصبر كما يليق بقديسين، وألاَّ يقولوا عنهم أي شيء بغضب ولكنهم لم يكونوا بعد مستعدين لهذا، ولكن إذ تملكهم سخط شديد، فإنهم كانوا يريدون أن يطلبوا نزول نارًا من السماء عليهم. ولكن المسيح انتهرهم لأنهم تكلموا هكذا.

 

فأرجو أن تنظروا هنا، ما أعظم الفرق بيننا وبين الله، لأن المسافة لا يمكن قياسها. فهو بطيء الغضب وطويل الأناة، ولطفه ومحبته لجنس البشر لا تضاهَى، أما نحن أبناء الأرض فنسرع إلى الغضب، فينفذ صبرنا سريعًا، ونرفض بسخط أن يديننا الآخرون حينما نرتكب  أي فعل خاطئ، بينما نحن نسرع إلى انتقاد الآخرين. لذلك فان الله رب الكل يؤكد قائلا: ” لأن أفكاري ليست أفكارهم، ولا طرقكم طرقي، لأنه كما عَلَت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم” (إش55: 8، 9) هكذا، هو إذن، الذي هو رب الكل، أما نحن، كما قلت، فإذ نغتاظ بسهولة، وننقاد بسرعة إلى الغضب، فإننا نَقدم على انتقام فظيع لا يُحتمل ضد أولئك الذين قد تسبَّبوا لنا في إزعاج تافه، ورغم أننا قد أُمِرنا أن نعيش بحسب الإنجيل، إلا أننا نعجز عن السلوك الذي أمر به الناموس. لأن الناموس في الواقع يقول: ” عين بعين وسن بسن ويد بيد” (خر21: 24)، وأمر أن العقوبة المساوية تكفى، أما نحن، فكما قلت، رغم أننا ربما نكون قد عانينا فقط من خطأ تافه، إلا أننا ننتقم بقسوة، غير متذكرين المسيح، الذي قال: ” ليس التلميذ أفضل من معلمه، ولا العبد أفضل من سيده” (مت10: 24)، الذي أيضًا ” إذ شُتم لم يكن يَشتم عوضًا وإذ تألم لم يكن يُهدد بل كان يُسلم لمن يقضى بعدل” (1بط2: 32). وأيوب الصابر كثيرًا هو أيضًا موضع إعجاب بحق بسيره في هذا الطريق، إذ كُتب عنه، أي إنسان كأيوب يشرب الهزء كالماء؟” ( أي 34ـ7).

 

لذلك، فقد انتهر الرب التلاميذ لأجل منفعتهم، كابحًا جماح غضبهم بلطف، ولم يسمح لهم أن يتذمروا بشدة ضد أولئك الذين أخطأوا، بل حثهم بالحري أن يكونوا طويلي الأناة، وأن يحتفظوا بقلب غير متحرك بواسطة أي شيء من هذا القبيل.

 

وهذا أفادهم أيضًا بطريقة أخرى. فهم كانوا سيصيرون معلِّمي العالم كله، ويتجولون في المدن والقرى مُبشِّرين بأخبار الخلاص السارة في كل مكان. ولذلك، فإنهم أثناء سعيهم لتتميم إرساليتهم، بالضرورة يلتقون مصادفة مع أناس أشرار، يرفضون الأخبار الإلهية، وكما لو كانوا، لا يقبلون يسوع ليسكن معهم. لذلك، فلو أن المسيح مدحهم لرغبتهم أن تنزل نار على السامريين ويأتي عليهم مثل هذا العذاب المؤلم ليصيبهم، لكانوا قد تصرفوا بطريقة مشابهة في مناسبات أخرى كثيرة، وحينما يحدث أن يتجاهل الناس الرسالة المقدسة فإنهم ينطقون بالدينونة عليهم، ويطلبون أن تنزل نار عليهم من السماء. وماذا تكون النتيجة عندئذ من مثل هذا السلوك؟ إن المتألمين يصيرون كثيرون جدًّا بلا عدد، ولا يعود التلاميذ يكونون أطباء فيما بعد، بل بالحري معذِّبين، ويصيرون غير محتَمَلين من الناس في كل مكان. لذلك، فلأجل خيرهم الخاص، انتهرهم الرب، حينما ثاروا أكثر من الحد بسبب احتقار السامريين، وذلك لكي يتعلموا، أنهم كمعلمين للأخبار الإلهية، ينبغي بالحري أن يكونوا مملوئين من طول الأناة واللطف، ولا يكونوا منتقمين ولا يستسلموا للغضب، ولا يهاجموا بقسوة أولئك الذين يسيئون إليهم.

 

ويعلِّمنا القديس بولس أن خُدام رسالة الله كانوا طويلي الأناة، إذ يقول: ” فإني أرى أن الله أبرزنا نحن الرسل آخِرين كأننا محكوم علينا بالموت، لأننا صرنا منظرًا للعالم للملائكة والناس… نُشتم فنبارِك، يُفترى علينا فنعظ، صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شيء إلى الآن” (1كو4: 9ـ12). وكتب أيضًا إلى آخرين، أو بالحري إلى كل الذين لم يكونوا بعد قد قبلوا المسيح في داخلهم بل كما لو كانوا، لا يزالون مصابين بكبرياء السامريين، ” نطلب عن المسيح، تصالحوا مع الله” (2كو5: 20).

 

لذلك، عظيم هو نفع دروس الإنجيل لأولئك الذين هم كاملون في العقل بحق. وليتنا نحن أيضًا، إذ نتخذ هذه الدروس لأنفسنا، ننفع نفوسنا، مسبِّحين المسيح مخلِّص الكل دائمًا إلى الأبد، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 49ـ50) ” فَأجَابَ يُوحَنَّا وَقَالَ: يَا مُعَلِّمُ، رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِكَ فَمَنَعْنَاهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُ مَعَنَا. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ تَمْنَعُوهُ، لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا “.

 بولس يطلب منا أن ” نمتحن كل شيء” ويقول: ” كونوا حكماء” (1تس5: 21) ولكن المعرفة المضبوطة والمدققة لكل أمر بذاته، لا يمكننا أن نحصل عليها من أي مصدر آخر سوى مِن الكتب الموحى بها من الله. لأن داود، كما لو كان يخاطب المسيح مخلِّص الكل، في المزامير، يُعلن: ” سراج لرجلي شريعتك ونور لسبيلي” (مز118: 105س) وسليمان أيضًا يكتب: ” الوصية مصباح والشريعة نور” (أم6: 23). لأنه كما أن هذا النور المحسوس الذي في هذا العالم، حينما يسقط على عيوننا الجسدية يطرد الظلمة، هكذا أيضًا شريعة الله، حينما تدخل إلى ذهن الإنسان وقلبه فإنها تنيره كُليَّة، ولا تدعه يتعثر بعثرات الجهل، ولا أن تمسكه الخطية بشرورها.

   وأقول هذا من إعجابي بالمهارة التي تظهر في الدروس المأخوذة من الإنجيل الموضوع أمامنا الآن، والمعنى الذي تريدون بلا شك أن تعرفوه، وأنا أراكم قد اجتمعتم هنا بسبب محبتكم للتعاليم المقدسة، وقد كوَّنتم هذا الاجتماع الحاضر باشتياق كثير. لذلك، فما الذي يقوله التلاميذ الحكماء، أو ما الذي يرغبون أن يتعلموه من ذلك الذي يمنحهم كل حكمة، ويعلن لهم فهم كل عمل صالح؟ ” يا معلم، رأينا واحدًا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه” فهل لدغة الحسد أزعجت التلاميذ ؟ هل هم يحسدون أولئك الذين أنعم عليهم؟ هل هم أدخلوا داخل نفوسهم شهوة رديئة جدًّا ومكروهة جدًّا من الله؟ فهم يقولون: ” رأينا واحد يخرج الشياطين باسمك فمنعناه“. أخبرني، هل أنت تمنع واحدًا يزعج الشيطان باسم المسيح، ويسحق الأرواح الشريرة؟ كيف لا يكون مِن واجبك أن تفكر أنه ليس هو فاعل هذه العجائب، بل إن النعمة التي فيه صنعت المعجزة بقوة المسيح؟ لذلك كيف تمنع الذي بالمسيح يربح النصرة؟ يقول: “نعم لأنه ليس يتبع معنا” آه، يا للكلام الأعمى! لأنه ماذا إن لم يكن معدودًا بين الرسل القديسين، ذلك الذي كُلل بنعمة المسيح، ومع ذلك فهو مُزين بالسلطات الرسولية بالتساوي معكم. فهناك أنواع كثيرة من مواهب المسيح، كما يُعلِّم بولس المبارك، قائلاً: ” فإنه لواحد يعطى كلام حكمة، ولآخر كلام عِلم، ولآخَر إيمان، ولآخر مواهب شفاء” (1كو12: 8، 9).

   إذن، فما هو معنى هذه العبارة: ” ليس يسير معنا”، أو ما هي قوة هذا التعبير؟ انظروا إذن، فإني سأخبركم بأفضل ما أستطيع. فقد أعطى المخلِّص للرسل القديسين سلطانًا على الأرواح النجسة، ليخرجوها، وليشفوا كل مرض وكل ضعف في الشعب (مت10: 1)، وهكذا فعلوا، ولم تكن النعمة المعطاة لهم غير فعالة. لأنهم رجعوا فرحين قائلين: ” يا رب، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك” (لو10: 17). لذلك، فهم قد تخيلوا، أنه لم يمنح الإذن لأي شخص آخر غيرهم وحدهم، أن يتوشَّح بالسلطان الذي منحه لهم. ولهذا السبب فإنهم يقتربون، ويريدون أن يتعلَّموا، إن كان آخرون أيضًا ربما يمارسونه، حتى إن لم يكونوا قد اختيروا للرسولية، ولا حتى لوظيفة معلِّم.

          ونجد شيئًا مثل ذلك أيضًا في الكتب المقدسة القديمة. لأن الله قال مرة لموسى “معلِّم المقدَّسات” (Hierophant) ” اختر أنت سبعين رجلا من شيوخ إسرائيل…، وأنا آخذ من الروح الذي عليك وأعطي لهم” (عد11: 16، 17). وحينما اجتمع أولئك الذين اختيروا، عند الخيمة ـ فيما عدا اثنين فقط قد بقيا في المحلة ـ وحلَّ روح النبوة عليهم، فليس فقط الذين اجتمعوا في الخيمة المقدسة تنبأوا، بل أولئك أيضًا الذين بقوا في المحلة. فيقول إن: ” يشوع خادم موسى قال: ألداد وميداد يتنبآن في المحلة. يا سيدى موسى اردعهما. فقال موسى ليشوع هل تغار أنت لي؟ يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذ جعل الرب روحه عليهم” (عد11: 27ـ29). والمسيح هو الذي جعل موسى “معلم المقدَّسات” (Hierophant) يتكلم هكذا في ذلك الوقت، بالروح القدس، وهو هنا الآن أيضًا بشخصه يقول للرسل القديسين ” لا تمنعوه” أي الذي يسحق الشيطان باسمه، ” لأنه ليس عليكم، لأن من ليس عليكم فهو معكم”، لأن كل الذين يريدون أن يعملوا لمجد المسيح، هم معنا نحن الذين نحبه، وهم مكلَّلون بنعمته، وهذا قانون بالنسبة للكنائس مستمر حتى هذا اليوم. لأننا نكرِّم فقط أولئك الذين يرفعون أيادي مقدسة، وبطهارة وبلا عيب ولا لوم، وينتهرون الأرواح النجسة باسم المسيح وينقذون الجموع من أمراض متنوعة لأننا نعلم أن المسيح هو الذي يعمل فيهم.

   ومع ذلك، ينبغي أن نفحص مثل هذه الأمور بعناية، فإن هناك أشخاص، هم في الحقيقة لم يُحسبوا مستحقين لنعمة المسيح، ولكنهم جعلوا من سمعة أنهم قديسين ومُكرَّمين، فرصة للربح. ويمكننا أن نقول عن هؤلاء إنهم مراؤون جسورون ولا يخجلون، الذين يقتنصون الكرامات لأنفسهم، رغم أن الله لم يَدعُهُم إليها، وهم يمدحون أنفسهم ويقلِّدون الأعمال الجسورة للأنبياء الكذبة في القديم، الذين قال الله عنهم: ” أنا لم أرسل الأنبياء، بل هم جروا، أنا لم أتكلم إليهم، بل هم تنبأوا” (إر23: 21 س). وهكذا أيضًا يمكن أن يقول عن هؤلاء: أنا لم أقدِّسهم، ولكنهم ينسبون الموهبة لأنفسهم كذبًا، فهم لم يُحسبوا مستحقين لنعمتي، ولكنهم بخبث يقتنصون تلك الأمور التي أمنحها لأولئك الذين هم وحدهم مستحقين لنوالها. فهؤلاء، إذ يصنعون مظهرًا للصوم يمشون بحزن وعيونهم ساقطة إلى أسفل، بينما هم مملوئون خداعًا ودناءةً، وكثيرا ما يفتخرون بأنهم لا يُقلِّمون أظافرهم وهم مغرمون بنوع خاص بأن تكون وجوهم شاحبة، ورغم أن أحدًا لم يجبرهم، فإنهم يحتملون مثل ذلك البؤس الذي يحتمله المسجونون، فيعلِّقون أطواقًا على رقابهم، وأحيانًا يضعون قيودًا في أيديهم وأقدامهم. مثل هؤلاء الأشخاص، قد أوصانا المخلِّص أن نتجنبهم، قائلاً: “ احترزوا من الأنبياء الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة” (مت7: 15).

   ومع ذلك، ربما يعترض أحد على ذلك، ويقول: ” ولكن، يا رب من هو الذي يعرف قلب الإنسان؟ من هو الذي يرى ما هو خفي في داخلنا، إلاَّ أنت وحدك، أنت الذي خلقت قلوبنا بنفسك، والذي تمتحن القلوب والكلى؟” نعم يقول: ” من ثمارهم تعرفونهم” (مت7: 20)، وليس بالمظاهر، ليس بالشكل الخارجي، بل بالثمار. لأنه ما هو هدف ريائهم؟ واضح تمامًا أنهم يسعون إلى محبة الربح. لأنهم يحدقون في أيدي الذين يزورونهم، فإن رأوها فارغة يحزنون حزنًا عظيمًا ويلدغهم الانزعاج، لأن التقوى عندهم تجارة. فإن كنت تحب الغِنى، وتطمع في الربح القبيح، وقد أعطيت مكانًا في قلبك لتلك الشهوة الدنيئة جدًّا ـ أي محبة المال ـ فاخلع عنك جِلد الحملان، لماذا تتعب نفسك باطلاً، بالتظاهر بحياة متقشفة غير عالمية؟ تخلَّى عن هذه القسوة الزائدة في الحياة، وبدلاً من ذلك اطلب أن تكون شخصًا مكتفيًا بالقليل. اطلب هذا من الله، وانظر بِرَّه: ” ألق على الرب همَّك، فهو يعولك” (مز54: 22 س).
          بل هناك بعض الناس الذين يستعملون ـ من وقت إلى آخر ـ تعازيم وغمغمات معيَّنة كريهة، وبخبث يعملون تبخيرات[1] معيَّنة ويوصون باستعمال التمائم. ويقول واحد من الذين اشتركوا في هذه الممارسات بدون تفكير ” ولكنهم في تعزيمهم يستعملون اسم رب الصباؤوت“. فهل نبرئهم إذن من اللوم، لأنهم يطلقون على شيطان خبيث نجس تعبير يليق بالله وحده، ويسمُّون الشيطان الشرير رب الصباؤوت، طالبين منه ـ كمكافأة على التجديف ـ معونة في الأمور التي يسألونه إيَّاها؟ ليس أنه يساعدهم حقيقة، إذ هو بلا قوة، بل بالحري هو يُحدر أولئك الذين يدعونه إلى هوة الهلاك، لأن الرب لا يتكلم بغير الحق حيث يقول إن الشيطان لا يخرج شيطانا.
   لذلك فمن الضروري لخلاصنا، كما أنه أمر مرضي لله، أن نهرب بعيدًا من كل أمر مثل هذا، ولكن حينما ترى واحدًا قد تربَّى ونشأ في الكنيسة، وهو طاهر، وبسيط وبدون رياء، وطريقة حياته جديرة بالاقتداء، وهو معروف من كثيرين كصديق للرهبان القديسين، ويهرب من ملاهي المدينة، وهو مغرَم بالمناطق الصحراوية، ولا يحب الربح، ولا الانشقاقات، والى جوار كل هذا له إيمان صحيح، وبواسطة فعل الروح القدس يصير مكرَّمًا بواسطة نعمة المسيح[2]، ليكون قادرًا أن يعمل تلك الأمور التي هي بواسطة المسيح، إلى مثل هذا اقترب بثقة: فهو سيصلِّى لأجلك بنقاوة، ونعمته ستساعدك، لأن المخلِّص ورب الكل يستجيب لتوسلات الذين يسألونه، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والمُلك مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] توجد ملاحظة في هامش المخطوط تشرح هذه العبارة بأنهم يصنعون دخانًا (بخورًا) مثل “أشخاص يحرقون أطيابًا”.

8 ليكون قادرًا أن يعمل تلك الأمور التي هى بواسطة المسيح.

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو46:9ـ49) ” وَدَاخَلَهُمْ فِكْرٌ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ فِيهِمْ؟ فَعَلِمَ يَسُوعُ فِكْرَ قَلْبِهِمْ، وَأَخَذَ وَلَدًا وَأَقَامَهُ عِنْدَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ قَبِلَ هذَا الْوَلَدَ بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، لأَنَّ الأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعًا هُوَ يَكُونُ عَظِيمًا “.

 

أنتم الذين تغارون للحذق الروحي، وتعطشون لمعرفة التعاليم المقدسة، تنالون مرة أخرى الأمور التي تحبونها. والذي يقودكم إلى الغنيمة المربحة ليس معلِّمًا أرضيًّا، ولا واحد مثلنا نحن الذين نرشدكم، بل هو كلمة الله، الذي نزل من فوق،  أي من السماء، وهو النور الحقيقي للسموات والأرض، لأن كل الخليقة العاقلة تستنير بواسطته، إذ هو واهب كل حكمة وفهم، ونحن ننال منه كل معرفة الفضيلة، والقدرة الكاملة على ممارسة الأعمال الصالحة كما يليق بالقديسين. لأنه، كما يقول الكتاب: ” نحن متعلمون من الله” (يو45:6، إش13:54س) والمقطع الموضوع أمامنا يشهد أيضًا لما قد قلته. إذ يقول: ” دَاخلهم ـ أي بين الرسل القديسين ـ من هو أعظم فيهم”.

 

والآن فالذي يظن أن يسوع كان مجرد إنسان، دعوه يعرف أنه على خطأ وأنه ضل بعيدًا عن الحق. مثل هذا فليعرف، أنه رغم أن كلمة الله صار جسدًا، إلا أنه لم يكن ممكنًا بالنسبة إليه أن يكف عن أن يكون ما كان عليه، وأنه استمر إلهًا كما كان. فأن يكون قادرًا أن يفحص القلوب والكلى، ويعرف أسرارها، هذه هي صفة الإله العلى وحده، وليست صفة أي كائن غيره مهما كان. ولكن ها هو المسيح يفحص أفكار الرسل القديسين، ويثبت عين اللاهوت على مشاعرهم الخفية. إذن فهو الله لكونه مكلل بالكرامات المجيدة جدًّا والإلهية.

 

ولكن دعونا الآن نبحث هذا السؤال، هل كان التلاميذ قد أصيبوا معًا بهذا المرض؟ وهل هذا الفكر دخل فيهم جميعًا مرة واحدة؟ في رأيي، إنه أمر لا يصدق بالمرة أن نفترض أنهم جميعًا صاروا فريسة مشتركة لنفس المرض في نفس اللحظة، ولكن، كما أتصور، حينما صار أحدهم فريسة للمرض، فإن الإنجيلي الحكيم لكي لا يُصوِّب اتهامًا لواحد بعينه بين زملاءه التلاميذ، لذلك يعبر بشكل غير محدد قائلاً: ” وداخلهم فكر من هو أعظم فيهم” وبهذا يُتاح لنا أن نرى كيف أن الشيطان ماكر في شرِّه. لأن هذه الحية هي متلوِّنة جدًّا ومملوءة بكل حيلة للأذى، متآمرًا بطرق متنوعة ضد أولئك الذين يثبتون أشواقهم نحو حياة مكرَّمة، والذين يسعون باجتهاد وراء الفضائل الممتازة. وإن كان يستطيع بواسطة اللذات الجسدية أن يسيطر على عقل أي واحد، فإنه يصنع هجومه بوحشية، ويجعل مهماز الشهوانية حادًّا، وبوقاحة هجماته، يذل حتى العقل الثابت إلى حقارة الشهوات الوضيعة. أما الذي يكون شجاعًا ويهرب من هذه الفخاخ، فحينئذِ يستعمل معه حِيَل أخرى ويخترع إغراءات ليجربه بأفكار مريضة، لأنه يزرع نوعًا أو آخر من البذار التي لا ترضى الله: وأولئك الذين فيهم شيئًا نبيلاً، ويُمدحون لحياتهم الممتازة، يثير فيهم شهوة المجد الباطل، محركًا إياهم قليلاً نحو عجرفة بغيضة. لأنه كما أن أولئك الذين يتهيئون بالزِّي الحربي لمحاربة الغزاة، يستعملون ضدهم حيلاً كثيرة، إمَّا بِلَوي الأقواس التي تطلق السهام، أو بقذف الحجارة من القلاع، أو بأن يهجموا عليهم برجولة بسيوف مسلولة، هكذا الشيطان يستعمل كل حيلة في محاربة القديسين بواسطة خطايا متنوعة.

 

لذلك، فإن ألم وشهوة المجد الباطل قد هجم على واحد من الرسل القديسين، لأن مجرد المجادلة في مَن هو أعظم بينهم، هو علامة على شخص طموح، متلهف أن يكون رئيسًا للباقين. ولكن الذي يعرف أن يخلِّص، أي المسيح، لم ينم، فقد رأي هذا الفكر في عقل التلميذ ـ يطلع، بحسب كلمات الكتاب، مثل نبات مُر (انظر عب15:12)، لقد رأى الزوان، عمل الزارع الشرير، وقبل أن ينمو عاليًا، قبل أن يصير قويًّا ويمتلك القلب، فإنه ينتزع الشر من جذوره. لقد رأي سهم البربري (أى الشيطان) الذي قد وجد مدخلاً، وقبل أن يسود ويخترق العقل، فإنه أعطى الدواء. لأن الشهوات حينما تكون في بدايتها، وكما لو كانت في طفولتها، ولم يكتمل نموها بعد ولا صارت لها جذور راسخة، يكون من السهل التغلب عليها. ولكن حينما تكون قد زادت ونمت، وصارت قوية، فمن الصعب خلعها أو اقتلاعها. لهذا السبب قال الحكيم: ” إن صعدَتْ عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك، لأن الهدوء يشفى خطايا كثيرة” (جا4:10).

 

بأي طريقة إذن، يبتر طبيب النفوس مرض المجد الباطل؟ كيف يخلِّص التلميذ المحبوب من أن يكون فريسة للعدو، ومن أمر ممقوت من الله والإنسان؟ يقول الكتاب: ” أخذ ولدًا وأقامه عنده” وجعل هذا الحديث وسيلة لمنفعة الرسل القديسين أنفسهم، ولمنفعتنا نحن خلفائهم، لأن هذا المرض ـ كقاعدة عامة ـ يؤذى كل أولئك الذين هم في وضع أعلى من غيرهم من الناس من أي ناحية.

 

ولكن الولد الذي قد أخذه، لأي شيء جعله مثالاً ورسمًا؟ لقد كان مثالاً لحياة بريئة غير طامعة، لأن عقل الطفل خال من الخداع، وقلبه مُخلِص وأفكاره بسيطة، وهو لا يطمع في الدرجات، ولا يعرف معنى أن يكون إنسان أعلى من آخر في المركز، وهو ليس عنده عدم ترحيب بأن يُحسب أقل من غيره، وهو لا يضع نفسه فوق أي شخص آخر مهما كان. وحتى إن كان من عائلة شريفة فإنه لا يتشاجر بسبب الكرامة حتى مع عبد، حتى لو كان والداه غنيين، فهو لا يعرف أي فرق بينه وبين الأطفال الفقراء، بل على العكس فهو يحب أن يكون معهم، ويتحدث ويضحك معهم بلا أي تمييز… وفى قلبه وعقله توجد صراحة كبيرة ناشئة من البساطة والبراءة. والمخلص نفسه قال مرَّة للرسل القديسين، أو بالحري لكل الذين يحبونه: ” الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله“. (متى3:18).

 

وفى مرة أخرى، حينما أحضرت النساء أطفالهن إليه، ومنعهم التلاميذ، قال:        ” دعوا الأولاد يأتوا إليَّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات” (لو16:18). وأيضًا بولس الحكيم جدًّا يريد أن أولئك الذين يؤمنون بالمسيح ينبغي أن يكونوا رجالاً ناضجين في الفهم، ” ولكن أطفالاً في الشر” (انظر 1كو20:14)، وأحد الرسل القديسين الآخرين قال: ” كأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي عديم الغش لكي تنموا به للخلاص، إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح” (1بط2:2).

 

وكما سبق أن قلت، فإن المسيح أحضر الولد كنموذج للبساطة والبراءة، ” وأقامه عنده”، مبينًا بذلك ـ كما في رسم توضيحي ـ أنه يقبل الذين مثل هذا الولد ويحبهم، ويحسبهم مستحقين أن يقفوا إلى جواره، لكونهم يفكرون مثله ويتوقون للسير في خطواته. لأنه قال: ” تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب” (متى29:11). وإن كان الذي هو فوق الكل، والمُكلَّل بتلك الأمجاد الفائقة، متواضع القلب، فكيف لا تنطبق على أمثالنا تهمة الجنون المطبق، إن كنا لا نتصرف باتضاع نحو الفقراء، ونعرف ما هي طبيعتنا، بل نحب أن ننتفخ بأنفسنا فوق مقياسنا!

 

ويقول بعد ذلك: ” من قبل هذا الولد باسمي يقبلني، ومن قبلني يقبل الذي أرسلني“. حيث إن مكافأة أولئك الذين يكرمون القديسين هي نفس المكافأة الواحدة، سواء كان الذي يكرمونه من رتبة متواضعة أو من مركز عالي وكرامة كبيرة ـ لأنهم يقبلون المسيح، وبواسطته وفيه يقبلون الآب ـ فكيف لا يكون أمرًا شديد الحماقة منهم أن يتشاجروا فيما بينهم، ويسعون للترأُّس، ويكونون غير راغبين أن يحسبوا أقل من الآخرين، في حين أنهم سيُقبَلون من الآخرين على أساس متساوي!

 

ولكنه يجعل معنى هذا الإعلان أكثر وضوحًا بقوله: ” لأن الأصغر فيكم جميعًا هو يكون أعظم“. وكيف يكون المعتبر أصغر هو الأعظم؟ هل المقارنة من جهة الفضيلة؟ ولكن كيف يكون هذا؟ أي بأية طريقة يكون الأصغر هو الأعظم؟ إنه ربما يدعو الذي يُسر بالأمور المتواضعة، بالأصغر، وهو الذي ـ بسبب تواضعه ـ لا يفكر تفكيرًا عاليًا عن نفسه. مثل هذا يرضى المسيح، لأنه مكتوب: ” الذي يرفع نفسه سوف يوضع، والذي يضع نفسه سوف يرفع” (لو11:14). والمسيح نفسه يقول في أحد المواضع: ” طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات” (مت3:5). لذلك فإن زينة النفس التي تتقدس هي الفكر المسكين المتواضع، أما الرغبة في النظر إلى النفس نظرة عالية، والنزاع مع الإخوة بسبب الكرامة والمركز، والشجار معهم بحماقة، فهذا في المقابل هو عار عظيم. مثل هذا السلوك يُفرِّق الأصدقاء، ويجعل ذوي الميول المتشابهة أعداء. هذا السلوك يتغلب على قانون الطبيعة، ويقلب المحبة الفطرية التي نُكنها لإخوتنا. إنه يقسم المحبين أحيانًا، ويجعل حتى المولودين من رحم واحد، أعداء بعضهم لبعض. إنه يحارب بركات السلام ويقاومها. إنه بؤس عظيم ومرض اخترعه شر الشيطان. لأنه أي شيء هناك أكثر خداعًا من المجد الباطل؟ إنه يتلاشى مثل الدخان، مثل سحابة يزول، ومثل منظر الحلم يتحول إلى لا شيء، وبالكاد يساوى العشب في احتماله، ويذبل كالحشائش، لأنه مكتوب: ” كل جسد كعشب، وكل مجد إنسان كزهر عشب” (1بط24:1). لذلك فهو ضعف وهو محتقر في وسطنا، ويُحسب من أعظم الشرور. لأن مَن الذي لا يعتبر الإنسان المحب للمجد الباطل، والمنتفخ بكبرياء فارغة مزعجًا؟ مَن الذي لا ينظر باحتقار، ويعطى اسم “المتفاخر” لذلك الذي يرفض أن يكون على قدم المساواة مع الآخرين، ويقحِم نفسه في المقدمة كمَن يدًّعي أنه يحسب رئيسًا لهم؟ إذن، فليكن مرض محبة المجد الباطل بعيدًا عن أولئك الذين يحبون المسيح، ولنعتبر رفقاءنا بالحري أفضل من أنفسنا، ولنكن تَوَّاقِين أن نُزَيِّن أنفسنا بتواضع العقل ـ الذي يسر الله جدًّا. لأننا إذ نكون هكذا بسطاء الفكر، كما يليق بالقديسين، فإننا سنكون مع المسيح، الذي يكرم البساطة، الذي به ومعه، لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو43:9ـ45) ” وَإِذْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَ يَسُوعُ، قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: ضَعُوا أَنْتُمْ هذَا الْكَلاَمَ فِي آذَانِكُمْ: إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا هذَا الْقَوْلَ، وَكَانَ مُخْفىً عَنْهُمْ لِكَيْ لاَ يَفْهَمُوهُ، وَخَافُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ هذَا الْقَوْلِ “.

 

          عميق وعظيم هو بالحقيقة سر التقوى، بحسب تعبير بولس الحكيم (1تى16:3)، ولكن الله الآب يعلنه لمن يستحقون نواله. لأن المخلِّص نفسه أيضًا حينما كان يكلِّم اليهود قال: ” لا تتذمروا فيما بينكم، لا يقدر أحد أن يأتي إلىَّ، إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني” (يو43:6). فحينما حُسب بطرس المبارك أهلاً لنعمة مجيدة هكذا وعجيبة، إذ كان في نواحي قيصرية فيلبس، فإنه صنع اعترافًا بالإيمان به صحيحًا وبلا عيب قائلاً: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” وماذا كانت المكافأة التي حُسب مستحقًا لها؟ المكافأة هى أن يسمع المسيح يقول: ” طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحمًا ودمًا لم يُعلن لك لكن أبى الذي في السموات” (مت16: 17،16)، ثم بعد ذلك نال كرامات فائقة، لأن المسيح ائتمنه على مفاتيح ملكوت السموات، وصار اعترافه بالإيمان هو الأساس الراسخ للكنيسة. إذ قال له: ” أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها“.

 

          لذلك، فلكي يعرف أولئك الذين سيعلِّمون العالم كله سرَّه بالضبط، فإنه يشرحه لهم مسبقًا بطريقة نافعة، وبوضوح، قائلاً: ” ضعوا أنتم هذا الكلام في قلوبكم[1]، إن ابن الإنسان سوف يُسلَّم إلى أيدي الناس“. وأظن أن السبب الذي جعل المسيح يتكلم هكذا، هو موضوع نافع كما أنه يستحق التفكير.

          فقد أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد إلى الجبل وتجلَّى أمامهم، وأضاء وجهه كالشمس، وأراهم مجده الذي سيرتفع به فوق العالم في الوقت المناسب. لأنه سيأتي ليس في حقارة مثل حقارتنا، ولا في وضاعة حالة الإنسان، بل في جلال اللاهوت وعظمته، وفى مجد فائق، وأيضًا حينما نزل من الجبل، فإنه أنقذ إنسانًا من الروح الشرير العنيف، ومع ذلك فقد كان مزمعًا بالتأكيد أن يحمل آلامه الخلاصية لأجلنا، ويحتمل خبث اليهود، وكما يقول خادم أسراره: ” يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل إنسان” (عب9:2). ولكن حينما حدث هذا، ليس هناك ما سيمنع الافتراض أن تلاميذه سينزعجون، وربما يقولون في أفكارهم الخفية: ” الذي  له كل هذا المجد، الذي  أقام الموتى بقوته الإلهية، الذي  انتهر البحر والرياح، الذي  سحق الشيطان بكلمة، كيف يُقبض عليه الآن كسجين، ويُمسك به في فخاخ القتلة؟ فهل كنا مخطئين حينئذ في تفكيرنا عنه أنه هو الله؟

 

          وهل سقطنا من المعرفة الحقيقية عنه؟ لأن كون أولئك الذين لم يعرفوا “السر”، أن ربنا يسوع المسيح سوف يحتمل الصليب والموت، سيجدون فرصة للتعثر، هذا أمر سهل أن ندركه، حتى مما قاله له بطرس المبارك. لأنه رغم أنه لم يكن قد شاهد آلامه بعد، ولكنه سمع فقط مسبقًا أن هذه الآلام ستحدث له، فإنه قاطعه، قائلاً: ” حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا” (مت22:16).

 

          لذلك، فلكي يعرفوا ما سوف يحدث بالتأكيد، فهو ـ كأنه ـ يدعوهم أن يحتفظوا بالسر في عقلهم. لأنه يقول: ” ضعوا أنتم هذا في قلوبكم“. وكلمة “أنتم” تُميِّز بينهم وبين كل الآخرين. لأنه أراد في الحقيقة أنهم هم أنفسهم ينبغي أن يتعلموا فقط عن آلامه المقبلة، ولكن من الأفضل جدًّا، أن يقتنعوا في نفس الوقت بأنه سيقوم من القبر بقوة إلهية وأنه سيبيد الموت، وهكذا يتحاشى تعرضهم للعثرة. لذلك، فهو يقول، حينما يأتي الوقت الذي ينبغي أن أتألم فيه، فلا تسألوا، كيف أن واحدًا له كل هذا المجد، والذي صنع كل هذه الآيات، قد سقط كواحد منا، على حين غرة، في أيدي أعدائه، ولكن بالعكس، تأكدوا، حينما تتأملون في التدبير، أنني لا أنقاد بإجبار من الناس، بل أمضى إلى الآلام بإرادتي. لأن ما الذي يعوق ذلك الذي يعرف مسبقًا ما سوف يحدث ويعلنه بوضوح، أن يرفض أن يتألم إذا أراد ذلك؟ ولكن أنا أخضع للآلام، لكي أفدى كل الذين تحت السماء. لأن هذا هو ما يعلمه لنا بوضوح في موضع آخر، قائلاً:     ” ليس أحد يأخذ حياتي منى، بل أضعها أنا بإرادتي. لي سلطان أن أضعها، ولى سلطان أن آخذها أيضًا” (يو18:10).

 

          ولكنه يقول: ” أما هم فلم يفهموا هذا القول وكان مُخفى عنهم لكي لا يفهموه” والآن من الطبيعي أن يتعجب أي واحد، حينما يتأمل مع نفسه، كيف أن التلاميذ لم يعرفوا سر المسيح، فرغم أنهم ينتمون إلى جماعات اليهود، إلا أنهم لم يكونوا كسالى أو مزدرين، بل على العكس جادين جدًّا ومجتهدين. فرغم أنهم يعتبرون عمالاً يدويين، إذ كانت مهنتهم الصيد في البحيرة، إلا أنهم ـ كما قلت ـ كانوا متعلمين وعقلاء، ولم يكونوا يجهلون كتب موسى، لأنه لهذا السبب قد اختارهم المسيح، فكيف كانوا إذن يجهلون سر المسيح، حينما كان قد أُشير لهم عنه كظل في مواضع مختلفة بواسطة الناموس، وسبق التنبؤ به بطريقة جميلة في رموزه كما في رسم، ولكي أوضح ما أقصد بمثال، فإنهم لم يستطيعوا أن يهربوا من عبودية مصر، ولا أن يفلتوا من اليد التي اضطهدتهم، إلا عندما ذبحوا حملاً حسب ناموس موسى، وحينما أكلوا لحمه فإنهم مسحوا العتاب العليا بدمه، وهكذا انتصروا على المهلك. فالرموز تتمخض بالحق، وعملهم هذا، كان كما قلت، تنبؤًا، بواسطة ما تم في ظلال، عن الفاعلية الخلاصية لموت المسيح وعن إبطال الهلاك بواسطة دمه، وهو الذي يطرد أيضًا الطاغية القاسي، الشيطان، وينقذ من سيطرة الأرواح النجسة، أولئك الذين كانوا قد استُعبدوا، والذين، مثل الإسرائيليين الذين سخروا في عمل الطوب والبناء، قد صاروا ضحايا الاهتمامات الأرضية والشهوات الجسدية الدنسة، وارتباكات هذا العالم غير النافعة.

 

إن سر الآلام يمكن أن يُرى في أمر آخر، فإنه حسب ناموس موسى، كان يقدَّم تيسان، لا يختلفان في شيء أحدهما عن الآخر، بل هما متماثلان في الحجم والشكل. واحد من هذين التيسين كان يسمى ” للرب”، فإنه يُقدم ذبيحة، والآخَر “المُرسَل بعيدًا”. وحينما تخرج القُرعة على التيس الذي يُسمَّى: “للرب”، فإنَّه يُقدَّم ذبيحة بينما الآخر كان يُرسل بعيدًا عن الذبح، ولذلك كان يُسمى “المرسل بعيدًا”. ومن هو المُشار إليه بهذا؟ إنه “الكلمة”، الذي رغم أنه الله، فقد صار مثلنا، وأخذ شكلنا نحن الخطاة فيما يختص بطبيعة الجسد. ولكن كان الموت هو ما نستحقه نحن، إذ أننا بالخطية قد سقطنا تحت اللعنة الإلهية، ولكن حينما حمل مخلص الكل نفسه العبء، فإنه نقل الدين الذي كان علينا إلى نفسه، ووضع حياته لأجلنا، لكي نطلق نحن بعيدًا عن الموت والهلاك.

 

          لذلك فالسر سبق أن أُعلن بشكل غامض لليهود بواسطة ما أشير به كالظل في الناموس، لو أنهم كانوا فقط عارفين الكتب المقدسة. ولكن، كما كتب بولس المبارك “ إن العَمَى قد حصل جزئيًا لإسرائيل” (رو25:11)، ” وحتى اليوم حين يُقرأ موسى، البرقع موضوع على قلبهم، وهو لا ينكشف، لأنه يبطل في المسيح” (2كو14:3ـ15).

 

          فهم في الواقع يفتخرون بالناموس، ولكن هدفه مُخفى تمامًا عنهم، إذ أن هدفه أن يقودنا إلى سر المسيح. ولكن مخلِّصنا يوضح أنهم بلا فهم إذ يقول: ”  فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهى التي تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياة” (يو39:5و40). لأن الكتب الموحَى بها تقود الإنسان الذي له فهم إلى معرفة دقيقة لتعاليم الحق، ولكنها لا تنفع عديمي الحكمة والجهّال والمهملين. ليس لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا هذا، بل بسبب أن ضعف ذهنهم يجعلهم غير قادرين على استقبال النور الذي تعطيه الكتب المقدسة. لأنه كما أن نور شعاع الشمس غير نافع لأولئك المحرومين من البصر، ليس لأنه لا يستطيع أن يضئ، بل بسبب أن عيونهم غير قادرة على رؤية النور واستقباله. هكذا الكتب المقدسة، فرغم أنها موحى بها من الله، فهي لا تنفع الجهَّال والأغبياء شيئًا.

لذلك فواجبنا، هو أن نقترب إلى الله ونقول: ” افتح عينيَّ لكي أبصر عجائب من ناموسك” (مز18:118 السبعينية)، وهكذا فسوف يعلن لنا المسيح سره، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

[1] في نص الإنجيل الوارد في بداية العظة يستعمل القديس كيرلس” آذانكم” ولكن أثناء الشرح يستعمل كلمة “قلوبكم” بدلاً منها، ربما عن غير قصد، ولكنها تُبيِّن فهمه لكلمة آذان.

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو37:9ـ43) ” وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي إِذْ نَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ، اسْتَقْبَلَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ. وَإِذَا رَجُلٌ مِنَ الْجَمْعِ صَرَخَ قِائِلاً: يَا مُعَلِّمُ، أَطْلُبُ إِلَيْكَ. اُنْظُرْ إِلَى ابْنِي، فَإِنَّهُ وَحِيدٌ لِي. وَهَا رُوحٌ يَأْخُذُهُ فَيَصْرُخُ بَغْتَةً، فَيَصْرَعُهُ مُزْبِدًا، وَبِالْجَهْدِ يُفَارِقُهُ مُرَضِّضًا إِيَّاهُ. وَطَلَبْتُ مِنْ تَلاَمِيذِكَ أَنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُلْتَوِي إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ وَأَحْتَمِلُكُمْ؟ قَدِّمِ ابْنَكَ إِلَى هُنَا!. وَبَيْنَمَا هُوَ آتٍ مَزَّقَهُ الشَّيْطَانُ وَصَرَعَهُ، فَانْتَهَرَ يَسُوعُ الرُّوحَ النَّجِسَ، وَشَفَى الصَّبِيَّ وَسَلَّمَهُ إِلَى أَبِيهِ. فَبُهِتَ الْجَمِيعُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ.

 

          كل الكتاب هو مُوحى به من الله ونافع، ولكن بنوع خاص الأناجيل المقدسة، لأن ذلك الذي ـ في القديم ـ تكلم بالناموس للإسرائيليين بواسطة خدمة الملائكة، قد تكلم بشخصه إلينا، حينما أخذ شكلنا وظهر على الأرض وتجوَّل بين الناس. لأن بولس الحكيم جدًّا يكتب: ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عب1:1). ويقول هو نفسه في موضع آخر بواسطة أحد أنبيائه القديسين ” أنا هو المتكلم قريب مثل البرق على الجبال، مثل قدمي المُبشِّر بالسلام، المُبشِّر بالخيرات” (إش6:52 سبعينية). لأنه ها هو يحررنا من طغيان العدو، لكيما نتبعه بنقاوة. وإذ قد أبطل ” ولاة العالم على ظلمة الدهر” (أف12:6)،  أي الأرواح الشريرة، فإنه يُقدِّمنا محفوظين بلا أذى إلى الله الآب.

          لأننا قد حصلنا بواسطته على الخلاص من سلطان الأرواح النجسة كما يتضح من هذا الفصل، لأننا سمعنا في القراءة أن رجلاً جرى نحوه من وسط الجمع وأخبره بمرض ابنه غير المحتمل، وقال الرجل إن روحًا شريرًا كان يمزق ابنه بقسوة ويصرعه بتشنجات عنيفة، ولكن طريقة حديثه لم تكن خالية من اللوم، لأنه اشتكى ضد صحبة الرسل القديسين قائلاً إنهم لم يستطيعوا أن ينتهروا الشيطان، بينما كان من المناسب أكثر أن يكرِّم يسوع وهو يسأل مساعدته ويطلب نعمته. لأن الرب يمنحنا سؤالنا حينما نكرمه ونثق فيه أنه هو بالحقيقة رب القوات، ولا يستطيع أحد أن يقاوم مشيئته، بل بالحري، فإن كل واحد قابـِل للحصول على أية قوة إنما يحصل منه على إمكانية وجوده كلية. لأنه كما أنه هو نفسه النور الحقيقي، فإنه يشرق بنوره على أولئك الذين لهم قابلية أن يستنيروا. وبنفس الطريقة كما أنه هو نفسه الحكمة والفهم الكامل، فهو الذي يمنح الحكمة لأولئك الذين يقبلونها. وهكذا أيضًا فكما أنه هو القوة، فهو يمنح القوة لأولئك الذين لهم قابلية لنوالها. لذلك فحينما نحتقر مجده بعدم إيماننا، ونزدري بعظمته الفائقة، فإننا لا نستطيع أن ننال منه شيئًا، لأننا ينبغي ” أن نطلب بإيمان غير مرتابين البتة“، كما يقول تلميذه (انظر يع6:1).

          ويمكننا أن ندرك أن هذا القول صحيح مما يحدث بيننا. لأن الذين يقدمون الالتماسات لأولئك الذين يترأسون الأعمال على الأرض ويحكمون العروش العظيمة، يوجِّهون طلباتهم بعبارات تكريم مناسبة، ويعترفون بسلطانهم الشامل وبعظمتهم، ويفتتحون خطابهم الذي يقدمونه هكذا: ” إلى سادة الأرض، والبحر، وكل شعب وجنس وسط البشر”، وبعد ذلك يضيفون موجزًا لما يطلبونه. لذلك، فوالد الصبي الذي به الروح الشرير، كان خشنًا وغير لطيف، لأنه لم يطلب ببساطة شفاء الولد، ويتوِّج الشافي بالمديح والشكر، بل بالعكس، تكلم باحتقار عن التلاميذ، ويعيب على النعمة المعطاة لهم إذ يقول: ” وطلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا“. ومع ذلك فإنه بسبب نقص إيمانه فإن النعمة لم تعمل. لا يدرك هو أنه هو نفسه كان السبب في عدم إنقاذ الولد من مرضه الخطير؟

          لذلك، ينبغي أن يكون لنا إيمان حينما نقترب من المسيح، ومن أي واحد قد حصل منه على نعمة الشفاء، وهو يعلِّمنا هذا بنفسه بأن يطلب إيمانًا من أولئك الذين يقتربون منه راغبين أن يحسبوا مستحقين لأي عطية من عطاياه. فمثلاً، مات لعازر في بيت عنيا، ووعد المسيح أن يقيمه، وحينما شكَّت إحدى أختيه في هذا، ولم تكن تتوقع أن تحدث المعجزة، قال المسيح: ” أنا هو القيامة الحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو25:11). ونجد حادثًا مشابهًا في موضع آخر، لأن يايرس رئيس مجمع اليهود، حينما كانت ابنته تلفظ أنفاسها الأخيرة، وقد أمسكت في شباك الموت، توسل إلى يسوع أن ينقذ الصبية مما حدث لها، وبناءً على ذلك وعد المسيح أن يفعل ذلك عند وصوله إلى بيت السائل. ولكن بينما كان في الطريق، جاء رجل من أقرباء رئيس المجمع قائلاً، “ قد ماتت ابنتك، لا تُتعب المعلم” (لو49:8). فماذا كان جواب المسيح؟   ” آمن فقط، وهى ستحيا” (لو50:8).

 

          لذلك، كان من الواجب على والد الصبي أن يلقى باللوم على عدم إيمانه، بدلاً من أن يلقيه على الرسل القديسين. لهذا السبب قال المسيح بحق، ” أيها الجيل غير المؤمن والملتوي، إلى متى أكون معكم وأحتملكم؟” لذلك، فهو بحق يدعو ذلك الرجل نفسه وأولئك الذين على شاكلته “جيل غير مؤمن”. لأنه مرض رديء، وكل من يمسك به، فهو يكون ملتويًا، ولا معرفة عنده لكي يسلك باستقامة. لذلك فالكتب المقدسة تقول عن مثل هؤلاء الأشخاص: ” إن طرقهم معوجة وهم ملتوون في سبلهم” (أم15:2). وقد هرب داود الإلهي من هذا المرض، ولكي ينفعنا أيضًا، فهو يعلن لنا هدفه من هذا الهروب قائلاً: ” لم يلصق بي قلب معوج” (مز4:101)، أي أن ذلك الإنسان لا يستطيع أن يسلك باستقامة.

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

          وإلى مثل هؤلاء صرخ المعمدان المبارك، كسابق للمخلص قائلاً: ” أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة” لذلك فالرجل كان، على وجه العموم، غير مؤمن، وملتوي، ورافضًا للطرق المستقيمة، ويضل عن الصواب، وينحرف عن السبل الصحيحة. والمسيح لا يتنازل ليتعامل مع هؤلاء الذين سقطوا إلى هذا الشر، وإذا تكلَّمنا بطريقة بشرية، فإنه يتعب ويسأم منهم وهذا هو ما قاله: ” إلى متى أكون معكم وأحتملكم؟” لأن ذلك الذي  يقول، إن أولئك الذين نالوا القوة بمشيئة المسيح أن يُخرجوا الأرواح الشريرة، ليس لهم قوة أن يطردوا هذه الأرواح، فهو يعيب على النعمة نفسها بالحري لا على الذين نالوا النعمة. لذلك فقد كان تجديفًا رديئًا، لأنه إن كانت النعمة بلا قوة، فلا يكون العيب أو اللوم عليهم هم الذين نالوها، بل بالحري يكون على النعمة نفسها. لأن أي واحد يريد أن يدرك يمكنه أن يرى أن النعمة التي عملت فيهم كانت نعمة المسيح. فمثلاً، الرجل المقعد الذي كان على باب الهيكل الجميل قد قام وصار صحيحًا، ولكن بطرس نسب المعجزة للمسيح قائلاً لليهود: ” لأن الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات، بذاك وقف هذا الإنسان أمامكم صحيحًا، وبواسطته أعطاه هذه الصحة” (أع10:4، 16:3). وفى موضع آخر فإن بطرس المبارك أعلن لأحد الذين شفاهم قائلاً: ” يا إينياس يشفيك يسوع المسيح” (أع34:9). لذلك، فواضح من كل ناحية أن الرجل وجَّه اللوم إلى قوة المسيح، بقوله عن الرسل القديسين، ” لم يستطيعوا أن يخرجوه“.

          وأكثر من ذلك، فإن المسيح يغضب حينما يُساء إلى المبشرين القديسين الذين اؤتُمنوا على كلمة إنجيله، واختارهم ليعلِّموها لكل الذين تحت السماء، إذ يشهد لهم بنعمته، أنهم تلاميذه وأنهم أناروا بنور معرفة الله الحقيقية على أولئك الذين اقتنعوا بتعاليمهم وبالمعجزات العجيبة التي أجروها في كل مكان. لأن المعجزة تقود إلى الإيمان. لذلك، فلو أن والد الصبي مضى خائب الأمل وقد مُنعت عنه العطية السخية، لكان مستحقًا لذلك، ولكن لكي لا يتصور أحد أن المسيح أيضًا كان غير قادر أن يصنع المعجزة، لذلك فقد انتهر الروح النجس، وهكذا أنقذ الصبي من هذا المرض وسلمه لأبيه. لأنه قبل ذلك لم يكن ملكًا لأبيه بل كان ملكًا للروح الذي  يتسلط عليه، أما الآن ـ إذ قد أُنقذ من يده القاسية، فقد أصبح مرة أخرى مِلكًا لأبيه، كهبة من المسيح، الذي  أعطى أيضًا للرسل القديسين أن يصنعوا معجزات إلهية، وينتهروا الأرواح النجسة بقدرة لا تُقاوم، ويسحقون الشيطان.

          ويقول البشير، إن الجموع بُهتوا من عظمة الله. إذن، فحينما يصنع المسيح معجزات، فإن الله هو الذي يتمجد، الله فقط والله وحده. لأنه هو الله بالطبيعة، وعظمته لا تُقارن، وعلوه لا منافس له وهو يشع بمجد الربوبية الكاملة التي لله الآب. لذلك يليق به أن نمجده بتسابيح، ولنقل له: ” أيها الرب إله القوات مَن مثلك؟ أنت قوي أيها الرب، وحقك من حولك” (مز8:88 سبعينية). لأن كل شيء مُستطاع لديه، وسهل عليه أن يتممه، وليس شيء عسير عليه أو عاليًا عنه، الذي به ومعه، لله الآب التسبيح والملك، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

 

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا25:2ـ35) وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ. وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ “.

يقول إشعياء النبي، ” ما أجمل أقدام المبشِّرين بالخيرات” (إش7:52). وهل هناك شيء أحلى من أن تتعلَّم أن الله خلَّص العالم بواسطة ابنه وذلك بأن صار إنسانًا مثلنا؟ كما هو مكتوب ” يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجلنا” (1تي2: 5و6).. لأنه من تلقاء نفسه نزل إلى فقرنا لكي يجعلنا أغنياء بحصولنا على ما هو له.

انظروه إذن، كإنسان مثلنا وهو يُقدَّم إلى الآب، انظروه وهو يطيع ظلال الناموس ويقدَّم ذبيحة بحسب ما كانت العادة حينئذ، رغم أن هذه الأمور قد تمَّت بواسطة والدته حسب الجسد. فهل لم يتعرف عليه أحد بالمرَّة في أورشليم في ذلك الوقت؟ وهل لم يعرفه أحد من سكانها؟ كيف يمكن أن يكون هذا؟ فإن الله الآب قد سبق وأعلن بواسطة الأنبياء القديسين أن الابن سيظهر في الوقت المعيَّن ليخلِّص الذين هلكوا ولينير على الذين كانوا في الظلمة. وقد قال بواسطة أحد الأنبياء القديسين ” برِّى يأتي سريعًا ورحمتي تُعلن وخلاصي يـتَّقد كمصباح” (إش62: 1). ولكن الرحمة والبر هما المسيح، لأننا به حصلنا على الرحمة والبر، إذ قد غُسِلنا من شرورنا الدنسة بالإيمان به. وكما يضئ المصباح أمام أولئك الذين يسيرون في الليل والظلمة هكذا صار المسيح لأولئك الذين في الكآبة والظلمة العقلية، غارسًا فيهم النور الإلهي. ولأجل هذا السبب أيضًا صلَّى الأنبياء لكي يصيروا شركاء نعمته العظيمة قائلين: “ أرنا يا رب رحمتك وأعطنا خلاصك” (مز7:85).

حُمِلَ المسيح إذن إلى الهيكل وهو بعد طفل رضيع على صدر أمه، وسمعان المبارك إذ كان قد مُنِح نعمة النبوة أخذه على ذراعيه، وبارك الله وهو ممتلئ بأعظم فرح قائلاً: ” الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام حسب قولك لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام وجه جميع الشعوب، نور إعلان للأمم، ومجدًا لشعبك إسرائيل“.

لأن سر المسيح قد أُعدَّ من قَبْل تأسيس العالم، ولكنه أُظهر في الأزمنة الأخيرة، وصار نورًا لأولئك الذين في الظلمة والضلال بسقوطهم تحت يد إبليس. هؤلاء هم الذين كانوا يعبدون ” المخلوق بدلاً من الخالق” (رو25:1)، عابدين التنِّين مصدر الشر والشياطين النجسة التي يُقدِّمون لها الكرامة اللائقة بالله، ومع ذلك فقد دُعوا الآن من الله الآب ليعرفوا الابن الذي هو النور الحقيقى. وبإشفاق قال عنهم بصوت النبي: ” سوف أصنع لهم آيات، وأقبلهم لأني سأفديهم، ويكثرون كما كثروا، وسأزرعهم بين الشعوب. والذين هم بعيدون سيذكرونني” (زك10: 9،8س).

فكثيرون هم الذين كانوا بعيدين، ولكنهم قد دُعوا بواسطة المسيح. وأيضًا هم كثيرون كما كانوا من قبل. لأنهم قد قُبِلوا وافتُدوا، إذ قد حصلوا من الله الآب على التبنِّي في عائلته وعلى النعمة التي بالإيمان بيسوع المسيح، وذلك كعلامة للسلام. والتلاميذ الإلهيون قد زُرعوا باتساع بين الشعوب. وماذا كانت النتيجة؟ إن أولئك الذين كانوا بعيدين من الله قد صاروا قريبين. والذين يُرسل إليهم بولس الإلهي رسالة قائلاً: ” أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” (أف13:2). وإذ قد جُعلوا قريبين فإنهم يجعلون المسيح هو فخرهم ومجدهم. ولأن الله الآب قد قال عنهم أيضًا ” سأُقوِّيهم بالرب إلههم فيفتخرون باسمه يقول الرب” (زك12:10 سبعينية). وهذا أيضًا ما يعلنه المرنم المبارك كما لو كان يتحدث إلى المسيح مخلِّص الجميع فيقول: ” يا رب في نور وجهك سيسلكون وباسمك سيبتهجون اليوم كله، وبيدك سيرتفعون لأنك فخر قوَّتهم” (مز89: 16،15). ونجد إرميا النبي يدعو الله قائلاً: ” يا رب قوَّتي وعوني وملجإي في يوم الضيق، إليك تأتي الأمم من أطراف الأرض ويقولون، آباؤنا اتخذوا لأنفسهم آلهة كاذبة لا يوجد فيها عون” (إر19:16).

لذلك فالمسيح صار نورَ إعلانٍ للأمم، ولكنه صار أيضًا مجدًا لإسرائيل. لأنه رغم أن البعض منهم تغطرسوا وعصوا وكانت لهم عقول لا تفهم، إلا أنه كانت هناك بقية قد خلُصْت وأُدخِلتْ إلى المجد بالمسيح، وباكورة هؤلاء البقية هم التلاميذ الإلهيون الذين أشرق نور شهرتهم لينير العالم كله.

وهناك معنى آخر لكون المسيح “مجدًا لإسرائيل”، وذلك أنه جاء منهم حسب الجسد رغم أنه هو ” الكائن فوق الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين” (رو5:9).

وسمعان الشيخ بارك العذراء كخادمة للمشورة الإلهية، وأداة للولادة التى لا تخضع لقوانين الطبيعة البشرية. فقد ولدت وهي عذراء وذلك بدون رجل، بل بحلول قوة الروح القدس عليها.

وماذا يقول سمعان النبي عن المسيح؟ ” ها إن هذا الطفل قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تُقاوَم“. لأن عمانوئيل قد وُضع من الله الآب لأجل أساسات صهيون. إذ هو ” حجر زاوية مختار كريم” (1بط6:2)، والذين وثقوا به لم يخزوا. ولكن أولئك الذين لم يؤمنوا ولم يستطيعوا أن يعرفوا السر الخاص به سقطوا وتهشَّموا. لأن الله الآب قال أيضًا في موضع آخر ” ها أنا ذا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة والذي يؤمن به لن يخزى” (إش16:28 سبعينية). ولكن ” كل مَن يسقط عليه هذا الحجر فإنه يسحقه” (لو18:20) ولكن النبى يدعو الإسرائيليين ليكونوا آمنين بقوله: ” قدِّسوا الرب نفسه وهو يكون خوفكم، وإن وثقتم به يكون هو تقديسكم، ولن تصطدموا به كما بحجر صدمة وصخرة عثرة” (إش8: 14،13س). ولكن لأن إسرائيل لم يقدسِّوا عمانوئيل الذي هو الرب وهو الله، ولم يريدوا أن يؤمنوا به فإنهم اصطدموا كما بحجر بسبب عدم الإيمان. وهكذا تهشَّم إسرائيل وسقط. ولكن كثيرين من بينهم قاموا ثانية، وأقصد بهم الذين آمنوا به. هؤلاء تحوَّلوا من عبادة ناموسية إلى عبادة روحية، تغيَّروا من روح العبودية الذي فيهم واغتنوا بذلك الروح الذي يجعل الإنسان حرًّا، أي الروح القدس. وقد صاروا شركاء الطبيعة الإلهية وحُسبوا أهلاً أن يكونوا أبناء بالتبنِّي، ويحيوا على رجاء الحصول على المدينة العليا. أي أن يكونوا مواطنين في ملكوت السموات.

أمَّا “العلامة التي تُقاوم” فيقصد بها الصليب الثمين الذي يقول عنه بولس الحكيم جدًا إنه ” عثرة لليهود وجهالة لليونانيين” (1كو23:1). وأيضًا يقول عن كلمة الصليب إنها “ للهالكين جهالة، أما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله” (1كو18:1). لذلك فالعلامة التي تُقاوم تبدو جهالة بالنسبة لأولئك الهالكين بينما هي خلاص وحياة للذين يعرفون قوة الصليب.

ويقول سمعان بعد ذلك للعذراء القديسة: ” وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيف“، ويقصد بالسيف الألم الذي ستعانيه لأجل المسيح حينما تراه مصلوبًا، وهي لا تعرف أنه سيكون أقوى جدًا من الموت، ويقوم من القبر. ولا تتعجبوا أن العذراء لا تعرف هذا، فإننا سنجد أن الرسل القديسين أنفسهم لم يكونوا مؤمنين بهذا في البداية، بل وتوما بعد القيامة لو لم يضع يديه في جنبه، ويتحسَّس آثار المسامير في يديه لم يكن ليصدق التلاميذ الآخرين حينما أخبروه أن المسيح قد قام وأنه قد أظهر نفسه لهم.

ولذلك فإن البشير الحكيم جدًّا ـ يُعلِّمنا ـ من أجل منفعتنا كل الأمور التى احتملها الابن من أجلنا ونيابة عنا، حينما صار إنسانًا وقَبِل أن يحمل فقرنا، وذلك كي نمجده كفادينا، وكسيدنا وكمخلصنا، وكإلهنا، الذي له مع الآب والروح القدس المجد والقوة إلى دهر الدهور آمين.

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version