تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الباب الخامس

 

 

آلام السيد المسيح وقيامته

ص 14_ ص 16

 

الأصحاح الرابع عشر

الإعداد للصليب

في الأصحاح السابق جلس السيد المسيح على جبل الزيتون ليعلن لأربعة من تلاميذه علامات المنتهى، ساحبًا قلوبهم إلى سماواته، مؤكدًا لهم أنه يرعى مختاريه بالرغم مما يجتازونه من ضيقات خاصة في أواخر الدهور. وجاء الأصحاح الذي بين أيدينا يقدم لنا صورة للبشرية التي لا تطيق السيد المسيح فتريد أن تطرده. اجتمع رؤساء الكهنة مع الكتبة يطلبون قتله لكنهم خافوا الشعب؛ ووجد يهوذا التلميذ الفرصة سانحة لتسليم سيده من أجل قليل من الفضة. هكذا بينما يفتح السيد سماواته مشتاقًا أن يجمع الكل فيها، إذا بالقيادات الدينية حتى بين تلاميذه من يسلمه للموت.

لكن وسط هذه الصورة المؤلمة وُجدت امرأة محبة تسكب الطيب كثير الثمن على رأس السيد ليمتلئ بيت سمعان الأبرص برائحته الذكية، ومع هذا لم تسلم هذه المرأة من النقد اللاذع.

على أي الأحوال إذ اقترب الفصح كانت الأمور تجري نحو الصليب لذبح الفصح الحقيقي، القادر أن يعبر بنا خلال آلامه وموته إلى قوة قيامته:

  1. تدبير رؤساء الكهنة والكتبة قتله 1- 2.
  2. كسر قارورة الطيب 3-9.
  3. خيانة يهوذا 10-11.
  4. وليمة الفصح 12-16.
  5. إعلان عن الخيانة 17-21.
  6. تأسيس الأفخارستيا 22-26.
  7. إعلان عن شك التلاميذ فيه 27-31.
  8. ذهابه إلى جثيسيماني 32-42.
  9. القبض عليه 43-52.

10.محاكمته دينيًا                        53-65.

11.إنكار بطرس                          66-72.

  1. تدبير رؤساء الكهنة والكتبة قتله

“وكان الفصح وأيام الفطير بعد يومين،

وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه.

لكنهم قالوا ليس في العيد، لئلا يكون شغب في الشعب” [1-2].

يميز العهد القديم بين عيد الفصح وعيد الفطير، فكان خروف الفصح يُذبح في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول في المساء، ويبدأ عيد الفطير في الخامس عشر لمدة أسبوع. لكن ارتبط العيدان معًا في ذهن اليهود وكأنهما صارا عيدًا واحدًا، لهذا يُستخدم تعبير “عيد الفطير” ليشمل الفصح أيضًا، كما يطلق اسم “الفصح” على عيد الفطير أيضًا.

لقد اتفق رؤساء الكهنة والكتبة على تدبير خطة لقتل السيد المسيح بعد العيد خوفًا من الجماهير، ولم يدركوا أن السيد المسيح قد جاء فصحًا عن العالم، بل هو الفصح الحقيقي ذُبح في العيد. كان رب المجد يتمم خطته الخلاصية بفرح وسرور مستهينًا بالخزي ليقبل كل نفس إليه، وكان قادة الفكر اليهودي يتممون خطتهم للخلاص منه وطرده لا من أورشليم، بل من الأرض كلها، بقتله!

مساكين هم رؤساء الكهنة والكتبة، فقد التهبت قلوبهم بالحسد، فلم ينشغلوا بالإعداد الروحي لعيد الفصح. إذ كان يليق بهم أن يرشوا الكتاب المقدس بالدم وأيضًا قوائم أفكارهم، ويضعوا الخيط القرمزي على باب صلواتهم ويربطوه على قلوبهم، فيدركوا أن السيد المسيح الذي ظهر في أيامهم هو الفصح الحقيقي.

خلال حسدهم الشرير لم يتعرفوا على الحمل الحقيقي، ولا فهموا الذبيحة الرمزية التي بين أيديهم بكل أسرارها، هذه التي أدركها الآباء وعاشوها. ففي نص منسوب للقديس جيروم جاء [لقد رُمز لآلام المسيح وخلاص الشعب من الجحيم بذبيحة الحمل وعبور الشعب البحر منطلقين من مصر. لقد افتقدنا (في عيد الفصح) حين كان القمر في كماله إذ لم يكن في المسيح أي نصيب للظلمة. لنأكل جسد الحمل الذي بلا عيب، هذا الذي ينزع خطايا العالم، لنأكله في بيت واحد، أي في الكنيسة الجامعة المرشوشة بالحب والحاملة سلاح الفضيلة.]

كان رؤساء الكهنة والكتبة يدبرون قتله ولم يدركوا أنهم حتى في شرهم يتممون خطة السيد المسيح الذي حدد بنفسه يوم آلامه ليصلب في عيد الفصح!

  1. كسر قارورة الطيب

“وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ

جاءت امرأة معها قارورة طيب نادرين خالص كثير الثمن،

فكسرت القارورة وسكبته على رأسه” [3].

كان السيد في بيت عنيا، أي في بيت العناء أو الألم، عيناه تنظران إلى الصليب بسرور، كقول الرسول بولس: الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي” (عب 12: 2). وكان يرى التحركات الضخمة والسريعة بين جميع القيادات اليهودية المتضاربة، تعمل معًا لأول مرة بهدف واحد، هو الخلاص منه! وسط هذا الجو المّر وُجدت امرأة استطاعت أن تلتقي به في بيت سمعان الأبرص لتقدم حبها الخالص وإيمانها الحيّ العملي، لتتقبل من السيد مديحًا ومجدًا أبديًا!

التقت بالسيد في بيت سمعان الأبرص، وقد دُعي هكذا لأنه كان أبرصًا وطهره السيد، وقد حمل هذا الاسم تذكارًا لما كان عليه ليمجد السيد المسيح الذي طهّره.

ولعل بيت سمعان الأبرص يشير إلى الكنيسة التي ضمت في داخلها من الشعوب والأمم أولئك الذين سبقوا فتنجسوا ببرص الخطية وقد طهرههم السيد بدمه المبارك! في هذه الكنيسة توجد امرأة، لم يذكر الإنجيلي اسمها ولا مركزها إذ هي تشير إلى كل نفس صادقة في لقائها مع السيد.

تشير قارورة الطيب الناردين الخالص كثير الثمن إلى الحب الداخلي، حب النفس لمخلصها، هذا الذي رائحته تملا الكنيسة كلها وترتفع إلى السماوات عينها، إن كسرت القارورة، أي احتمل الإنسان الألم وقبل الموت اليومي من أجل المصلوب.

إن كان اسم السيد المسيح دهن مهراق (1: 2)، فاحت رائحته الذكية حين أُهرق دمه مجتازًا المعصرة وحده، فإن الكنيسة بدورها تقدم حياتها مبذولة كقارورة طيب منكسرة لتعلن رائحة محبتها الداخلية.

أما عن سكب الطيب على رأس السيد، ففي نص منسوب للقديس جيروم قيل أن المرأة سكبت الطيب من القدمين حتى بلغت الرأس، لكن الإنجيلي حسبها سكبته على رأسه. ولعل ذلك يشير إلى نظرة السيد المسيح إلى أعمال المحبة أنها جميعًا تقدم لحسابه. فما قدمه للفقراء والمساكين والمرضى والمسجونين والمتضايقين والحزانى من أعمال محبة إنما يتقبله السيد المسيح نفسه كرأسٍ الكل. بمعنى آخر نحن نسكب الطيب على الأعضاء فيُنسب هذا العمل إلى الرأس، ويحسبنا سكبناه عليه.

لم يطق يهوذا محب الفضة  هذا العمل الكنسي المفرح، إذ كان يود أن يُقدم ثمن القارورة له ليضعه في الخزانة لحساب الفقراء فينهبه. لهذا أثار تبرمًا وسط المحيطين به، إذ يقول الإنجيلي: “وكان قوم مغتاظين في أنفسهم، فقالوا: لماذا كان تلف الطيب هذا؟ لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بأكثر من ثلاث مئة دينار ويعطى للفقراء وكانوا يؤنبونها” [5].

لم يهتم يهوذا أنه يفقد حياته كلها وخلاصه الأبدي، لكنه أثار نفوس التلاميذ لأجل ما يراه فقدانًا بالنسبة لأكثر من ثلاثمائة دينار!

في نص منسوب للقديس جيروم ورد التفسير للقصة بمفهوم رمزي، إذ قيل:

[سمعان الأبرص يعني العالم الذي كان دنسًا (أبرصًا بعدم الإيمان) لكنه تحوّل إلى الإِيمان. المرأة بقارورة الطيب إيمان الكنيسة القائلة: أفاح نارديني رائحته (نش 1: 12). دُعي ناردين خالص بكونه الإِيمان الثمين. البيت الذي امتلأ من رائحته هو السماء والأرض. أما كسر القارورة فهو كسر الشهوات الجسدية عند الرأس الذي به تشكّل الجسد كله، فقد تنازل الرأس وأخلى ذاته حتى يستطيع الخاطيء أن يبلغ إليه. هكذا انطلقت المرأة من القدمين إلى الرأس، ونزلت من الرأس إلى القدمين، أي بلغت بالإِيمان إلى المسيح وأعضائه.]

لقد حسب يهوذا هذا الطيب خسارة، لأن يساوي أكثر من ثلاثمائة دينار، ولم يدرك أن ما قد حسبه خسارة هو ربح في عيني الرب الذي يشتاق أن يتقبل من كل إنسان ذات الطيب. فان رقم 300 يشير إلى تقديس الإنسان تقديسًا كاملاً خلال الطاعة لوصية الله في الداخل والخارج فإن كان رقم 300 هو محصلة (10×10×3)، فإن رقم 10 الأولى تشير إلى طاعة الوصية (الوصايا العشر)، ورقم 10 الثاني يشير إلى تقديس الحواس الخفية (خمسة حواس) والظاهرة، ورقم 3 يشير إلى تقديس النفس والجسد والروح بالتمتع بالحياة المقامة التي في المسيح يسوع الذي قام في اليوم الثالث، كما يشير رقم 3 إلى تقديس النفس والجسد والروح خلال الإيمان بالثالوث القدوس.

على أي الأحوال إن كانت هذه المرأة قد انتقدها الناس لكنها تمتعت بمديح الرب نفسه الذي أعلن ارتباط قصتها بالكرازة بإنجيله في العالم كله!

أخيرًا فان قصة سكب الطيب على السيد المسيح وردت في الأناجيل الأربعة (مت 26: 6؛ مر 14: 3؛ لو 7: 21؛ يو 12: 3). وواضح من الأناجيل أن سكب الطيب تكرر أكثر من مرة، وقد اختلفت الآراء في تحديد شخصيات هؤلاء النسوة اللواتي سكبن الطيب، غير أن الرأي السائد هو:

أولاً: المرأة المذكورة في إنجيل يوحنا هي مريم أخت لعازر.

ثانيًا: المرأة المذكورة في إنجيل لوقا هي خاطئة قامت بهذا العمل إثناء خدمة السيد.

ثالثًا: المرأة المذكورة في إنجيلي متى ومرقس سكبت الطيب في أيام البصخة، يرى البعض أنها غير الخاطئة، ويرى آخرون أنها هي بعينها الخاطئة سكبته وهي خاطئة تطلب بدموع المغفرة وأخرى تقدمه طيب حب وشكر أثناء البصخة، بل ويرى آخرون أنها مريم أخت لعازر ومرثا.

  1. خيانة يهوذا

“ثم أن يهوذا الإسخريوطى واحدًا من الإثنى عشر

مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم.

ولما سمعوا فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضة،

وكان يطلب كيف يسلمه في فرصة موافقة[10-11].

إن كانت الكنيسة تضم امرأة بسيطة تكسر القارورة لتسكب الطيب ناردين كثير الثمن على رأس السيد فيمتلئ البيت من رائحته الذكية، فإنه يختفي حتى من بين التلاميذ من يسلمه في أيدي الأعداء. فالكنيسة تضم في داخلها قديسين هم أعضاء حقيقيون في جسد المسيح، كما تضم من لهم اسم المسيح في الخارج أما قلوبهم فمنحلة عنه تمامًا. هؤلاء بالحقيقة ليسوا أعضاء بل هم مفروزون منها حتى ولو لم يفرزهم أحد!

والعجيب أن الخائن يحمل اسم يهوذا، وهو اسم ذات السبط الذي خرج منه السيد المسيح بالجسد، فبينما يقدم لنا يهوذا الأسد الخارج ليحطم عدو الخير الأسد الذي يجول زائرًا يلتمس من يبتلعه (1 بط 5: 8)، إذا بالشيطان يقتنص تلميذًا يحمل ذات الاسم ليكون أداة لتسليم الرب.

إن كان اسم “يهوذا” معناه “يحمد” أو “يعترف”، فإن يهوذا هذا يمثل الذين يحملون اسم المسيح، كهنة أو شعبًا، يحمدون الرب بلسانهم ويعترفون بالإيمان بشفاههم أما قلوبهم وأعمالهم فأداة للتحطيم. إنهم كعدو الخير الذي قيل أنه يؤمن ويرتعب (يع 2: 19)، لكنه لا يحمل في قلبه حبًا بل عداوة وبغضة. مثل هؤلاء أخطر من الأعداء الخارجين، فإنه ما كان يمكن لرؤساء الكهنة أن يقبضوا على السيد بدون يهوذا! أقول هذا لكي نحذر لا الآخرين بل أنفسنا، فإنه لا يستطيع عدو الخير الخارجي (إبليس) أن يأسر مسيحنا الداخلي أو يصلبه ويشهر به ما لم نسلمه نحن له. لهذا يحذرنا السيد المسيح: أعداء الإنسان أهل بيته (مت 10: 36)، أي حياته الداخلية وإرادته الشريرة.

حين يفسد “يهوذنا” أي “إيماننا” بانحلاله عن الحب، يُسلم القلب للعدو، ويصلب السيد المسيح مرة أخرى ويشَّهر به… أما ثمن هذا فقليل من الفضة الغاشة يعده بها العدو.

يا للعجب يسلم القلب الخائن مسيحه، كلمة الله، الفضة المصفاة سبع مرات (مز 12: 6) مقابل فضة غاشة من أيدٍ شريرة! يُقدم السماوي أسيرًا، لينعم بقليل من الأرضيات يعود فيتركها ويشنق نفسه!

فيما يلي بعض تعليقات الآباء على قصة خيانة يهوذا:

  • لماذا تخبرني عنه “الإسخريوطي”؟… لأنه يوجد تلميذ آخر يدعى يهوذا الغيور، أخ يعقوب، خشي (الإنجيلي) لئلا يحدث خلط بينهما، فميّز الواحد عن الآخر. لكنه لم يقل عنه “يهوذا الخائن” حتى يعلمنا إلا نندد بأحد، بل نتجنب اتهام الآخرين. على أي الأحوال بقوله “واحد من الإثني عشر” أبرز بشاعة جريمة الخائن، إذ وجد سبعون آخرون لم يمتثل أحدهم به ولا اشترك معه في تصرف كهذا. أما هؤلاء الإثنا عشر الذين اختارهم السيد كانوا الجماعة الملوكية خرج منها هذا الخائن الشرير.
  • يا للجنون! نعم فإن محبة المال التي للخائن وطمعه جلبا كل هذا الشر.

محبة المال تستولي على النفوس التي تتقبلها، وتقودها إلى كل طريق عندما تقيدها، وتنسى النفوس كل شيء وتجعل أذهانها في حالة جنون!

         لقد أُسر يهوذا مجنون محبة المال هذا، فنسى المحادثات ومائدة المسيح وتلمذته وتحذيرات المسيح وتأكيداته[1].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • كان واحدًا من الإثنى عشر في العدد، في الاستحقاق حسب الجسد لا الروح!

ذهب إلى رئيس الكهنة بعد أن خرج ودخله الشيطان. كل كائن يتحد بمثاله!

  • لقد وعد أن يخون السيد كما سبق فقال الشيطان لسيده: لك أعطي هذا السلطان (لو 4: 6)…

هم وعدوه بالمال، فخسروا حياتهم التي خسرها هو أيضًا باستلامه المال[2].

 نص منسوب للقديس جيروم

  • يقول: “واحد من الاثني عشر“. هذا أمر غاية في الأهمية إذ يوضح خطية الخيانة بأكثر جلاء، فإن الذي كرّمه مساويًا إياه بالبقية وزينه بالكرامات الرسولية، وجعله محبوبًا، وضمه للمائدة المقدسة… صار طريقًا ووسيلة لقتل المسيح[3].

 القديس كيرلس الكبير

  1. وليمة الفصح

كما اهتم السيد المسيح بدخوله أورشليم، فأرسل تلميذين يحضران له الأتان والجحش، نجده هنا في اليوم الأول من الفطير، إذ كانوا يذبحون الفصح أرسل اثنين من تلاميذه إلى المدينة، فيلاقيهما إنسان حامل جرة ماء، غالبًا هو القديس مرقس كما جاء في التقليد القبطي، يتبعاه وحيثما يدخل يطلبان رب البيت أن يريهما العلية التي يعداها ليأكل السيد الفصح مع تلاميذه. هذه العلية الكبيرة هي علية القديسة مريم والدة القديس مرقس، وقد صارت أول كنيسة مسيحية في العالم، حيث أقام فيها السيد المسيح بنفسه سرّ الإفخارستيا، وفيها كان يجتمع التلاميذ، وقد حّل علليهم الروح القدس في يوم الخمسين في ذات الموضع.

يلاحظ في النص الذي بين أيدينا الآتي:

أولاً: اهتم التلاميذ بالتمتع بوليمة الفصح مع معلمهم، إذ قالوا له: “أين تريد أن نمضي ونعد الفصح؟” [12]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بينما كان يهوذا يخطط كيف يسلمه، كان بقية التلاميذ يهتمون بإعداد الفصح.] وقد كشف لنا هذا السؤال ليس فقط أن السيد لم يكن له مسكن يقيم فيه ليعد فيه الفصح بل حتى تلاميذه لم يكن لهم مساكن يستقرون فيها، بل وجدوا استقرارهم وراحتهم في معلمهم ربنا يسوع المسيح.

لم يستأذن التلاميذ المعلم لكي يذهب كل واحدٍ إلى عائلته يشترك معها في وليمة الفصح، إنما أدركوا أنهم قد صاروا به عائلة واحدة حتى وإن كانوا من أسباط متنوعة، يلتقون معًا فيه لينعموا بالفصح الواحد؛ هكذا ارتبطوا في وحدة حقه أساسها الاتحاد مع مخلصهم بالحب، رفعتهم إلى ما هو أعظم من وحدة الرباط الدموي.

في سؤال التلاميذ أيضًا تسليم كامل للمخلص، يسألونه في كل صغيرة وكبيرة، ليست لهم شهوة أن يذهبوا إلى موضع معين يقترحونه عليه، لكن شهوتهم الوحيدة أن يوجدوا معه على الدوام.

ثانيًا: أرسل السيد اثنين من تلاميذه ليعدوا الفصح، هما بطرس ويوحنا (لو 22: 8). فإن كان رقم 2 يشير إلى الحب، فإننا لا نستطيع أن نقدم للسيد المسيح قلبنا عُلية يقيم فيها ذبيحة صليبه بدون الحب. هذا وإن كان بطرس يمثل الإيمان ويوحنا يمثل المحبة فإن السيد أرسل الإيمان العامل بالمحبة ليهيئ كل قلب بسيط كعلية يجتمع فيها بنفسه مع تلاميذه، يقيم فيها مذبحة الخفي، ويتقدم هو كرئيس يعلن صليبه ويؤسس فيها ملكوته الروحي.

ثالثًا: لم يخبرهما السيد المسيح عن اسم صاحب العلية، إذ كان معروفًا لهم، ألا وهو والد القديس مرقس الرسول. لكنه اكتفى بتقديم علامة، قائلاً: “اذهبا إلى المدينة فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء. اتبعاه. وحيثما يدخل فقولا لرب البيت: إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي” [13-14]. فلماذا اكتفى السيد بتقديم هذه العلامة:

أ. يرى القديس كيرلس الكبير أن الشيطان قد دخل قلب يهوذا وكانت جريمة قتل مخلصنا المسيح قد ثارت فيه، لذلك أخفى السيد اسم صاحب العلية حتى لا يخطط يهوذا لتسليم السيد وهو في العلية[4].

ب. يقدم القديس كيرلس الكبير تفسيرًا آخر، بقوله: [ربما تكلم بهذا ليعني سرًا ضروريًا: وهو حيث يوجد الماء في المعمودية المقدسة يقيم المسيح. كيف وبأي وسيلة؟ بكونها تحررنا من كل نجاسة ، فنغتسل بها من أدناس الخطية، فنصير هيكل الله المقدس ونشاركه طبيعته الإلهية بواسطة شركة الروح القدس. فلكي يستريح المسيح فينا ويقطن داخلنا لنتقبل المياه المخلصة، معترفين بالإيمان الذي يبرر الأشرار، ويرفعنا إلى أعلى حتى نحسب نحن “علية”. فإن الذين يسكنهم المسيح بالإيمان لهم فكر عالٍ مرتفع، لا يرغبون في الزحف على التراب، أقول ويرفضون البقاء على الأرض طالبين على الدوام السمو في الفضيلة. قيل: “أقوياء الله برتفعون على الأرض”، لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة (عب 13: 14)، فبينما يسيرون على الأرض إذا بأفكارهم تستقر في العلويات، ويكون مسكنهم في السماويات (في 3: 20)[5].]

يتحدث الأب ثيؤفلاكتيوس عن جرة الماء هذه فيقول: [من يعتمد يحمل جرة ماء، ومن يحمل معمودية علية يستريح إن عاش بتعقل، ينال راحة كمن يدخل في بيت.]

لكي ننعم بفصح المسيح يلزمنا أن ننعم بمياه المعمودية فترفعنا إلى علية الروح عوض الحرف القائل، وكما يقول الآب ثيؤفلاكتيوس: [رب البيت هو العقل الذي يشير إلى العلية الكبيرة أي إلى الأفكار العلوية، التي بالرغم من علوها لكنها لا تحمل كبرياءً ولا مجدًا باطلاً، بل تعد وتُهيأ خلال التواضع. هناك، في فكر كهذا يُعد فصح المسيح بواسطة بطرس ويوحنا أي خلال العمل والتأمل.]

أيضًا يقول القديس أمبروسيوس [ليت الرب يسمح لي أنا أيضًا أن أحمل جرة الماء كما فعل رب البيت صاحب العلية المفروشة‍! ماذا أقول عن الماء؟ كان روح الرب يرف على وجه المياه (تك 1: 2). أيتها المياه التي علت فوق الكون الذي تدنس بالدم البشري وكنتِ رمزًا للمعمودية العلوية! أيتها المياه التي وُهبت أن يكون لها سرّ المسيح فتغسل الكل!… أنت تبتدئين ثم تكملين الأسرار، فيكِ البداية وأيضًا النهاية[6]!]

رابعًا: يكمل السيد حديثه قائلاً: “فهو يريكما علية كبيرة مفروشة مُعدة، هناك أعد لنا” [15]. يقول القديس أمبروسيوس: [العلية المفروشة تشير إلى عظم استحقاق صاحبها، حتى أن الرب نفسه مع تلاميذه يستطيعون أن يستريحوا فيها، أو تشير إلى زينة فضائله العالية[7].]

  1. إعلانه عن الخيانة

“ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر.

وفيما هم متكئون يأكلون قال يسوع:

الحق أقول لكم أن واحدًا منكم يسلمني، الآكل معي.

فابتدأوا يحزنون ويقولون له واحدًا فواحدًا. هل أنا؟ وآخر هل أنا.

فأجاب وقال لهم: هو واحد من الاثني عشر الذي يغمس معي في الصحفة.

إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه،

ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلم ابن الإنسان.

كان خير لذلك الرجل لو لم يولد” [17-21].

إذ سبق فأعلن السيد المسيح أكثر من مرة عن تسليمه وموته وقيامته ليسند تلاميذه عندما يواجهون الأحداث نراه الآن يعلن عن “الخيانة” ليعطي مسلمه فرصة التوبة والرجوع إن أراد. حقًا لقد سبق الكتاب فأنبأ عن الخائن، لكن لم يلزم الله يهوذا أن يخون، ولا يمكن له أن يحتج بأن فيه تحققت النبوة عن الخيانة، فإن سابق معرفة الله للأمر لا تلزمه بالتنفيذ ولا تعفيه من المسئولية. ولو أن قلب يهوذا تحرك بالتوبة لتمت أحداث الصليب بطريقة أو أخرى يخططها الرب دون هلاك يهوذا.

في إعلان السيد المسيح عن الخيانة لم يذكر اسم الخائن حتى لا يحرج مشاعره وأحاسيسه لعله يرجع عن رأيه، وفي نفس الوقت أعطى علامة عندما ابتدأ التلاميذ يحزنون حتى لا يسقطوا في اليأس. كان السيد لطيفًا ورقيقًا حتى مع الخائن، لكنه أيضًا حازمًا وصريحًا معه، مستخدمًا كل أسلوب للحث على التوبة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [واضح أنه لم يعلن عنه صراحة حتى لا يجعله في عارٍ أشد، وفي نفس الوقت لم يصمت تمامًا لئلا يظن أن أمره غير مكشوف، فيسرع بالأكثر لعمل الخيانة بجسارة[8].]

إذ أعلن السيد عن هذه الخيانة المُرة ابتدأ كل تلميذ يسأل المعلم: هل أنا؟ فمع ثقتهم في أنفسهم أنهم لن يخونوا السيد، لكن ثقتهم في كلمات الرب أعظم من ثقتهم في أنفسهم، فتشكك كل واحد في نفسه وخشي لئلا يسقط في هذا العمل الشرير.

قدم لهم السيد الإشارة “الذي يغمس في الصحفة”، ثم أعلن في حزم عن مصير هذا الخائن المسكين. يقول القديس كيرلس الكبير: [وبُخ يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه بالكلمات التي قالها المسيح… لعله في فقدانه التام للحس، أو بالحري إذ امتلأ بكبرياء إبليس، حسب أنه قادر على خداع المسيح بالرغم من كونه الله. ولكن كما قلت كان مقتنعًا بكونه شريرًا تمامًا ومبغضًا لله وخائنًا ومع ذلك فمن قبيل اللطف انضم إلى المائدة وحُسب كأنه مستحق للطف الإلهي حتى النهاية، بهذا صارت دينونة أعظم. فقد قال المسيح في موضع آخر خلال المرتل: لأنه ليس عدوي يعيرني فأحتمل، ليس مبغضي تعظّم علىّ فأختبئ منه، بل أنت إنسان عديلي أليفي وصديقي، الذي معه كانت تحلو لنا العشرة إلى بيت الله كنا نذهب في الجمهور (اتفاق) (مز 55: 12-14)” [9].]

  1. تأسيس الإفخارستيا

كانت أحداث الصلب تجري حول السيد المسيح، هذه التي أعلن عنها بكونها طريق الخلاص الذي يقدمه السيد نفسه، فقد قدم لكنيسته عبر الأجيال جسده المصلوب القائم من الأموات ودمه المبذول عفرانًا للخطايا. قدم لكنيسته ذبيحة الصليب الواحدة غير المتكررة خلال سرّ الإفخارستيا، مائدة الرب واهبة الحياة.

“وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزًا وبارك وكسر وأعطاهم،

وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي.

ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم فشربوا منها كلهم.

وقال لهم: هذا هو دمي الذي للعهد الجديد،

الذي يسفك من أجل كثيرين” [22-24].

ماذا يعني بقوله فيما يأكلون إلا أنه بعدما أكلوا الفصح اليهودي قدم الفصح الجديد، وقد سبق الرمز المرموز إليه. قدم أولاً الفصح الناموسي حتى لا يُحسب كسرًا للناموس، ثم انطلق بهم إلى الفصح الحق: جسده ودمه المبذولين من أجل العالم كله!

يقول الأب ميليتو من ساردس: [وتحقق سرّ الفصح في جسد الرب… فقد أُقتيد كحمل، وذبح كشاه، مخلصًا إيانا من عبودية العالم (مصر)، ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون خاتمًا نفوسنا بروحه، وأعضاءنا الجسدية بدمه… إنه ذاك الواحد الذي خلصنا من العبودية إلى الحرية ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة ومن الطغيان إلى الملكوت الأبدي… إنه ذاك الذي هو (الفصح) عبور خلاصنا… هو الحمل الصامت الذي أخذ من القطيع وأُقتيد للذبح في المساء، ودُفن بالليل… من أجل ذلك كان عيد الفطير مرًا، كما يقول كتابكم المقدس: تأكلون فطيرًا بأعشاب مرة، مّرة لكم هي المسامير التي استخدمت، مّر هو اللسان الذي جدف، مّرة هي الشهادة الباطلة التي نطقتم بها ضده[10].]

قدم السيد جسده ودمه المبذولين لتلاميذه معلنًا لهم أنه مُقبل على الصليب بإرادته، وبخطته الإلهية ليهب مؤمنيه غفران الخطايا والإتحاد معه… هذه العطية هبة قائمة عبر العصور تتمتع بها كنيسة المسيح، وتتقبلها من يدّي المخلص نفسه. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى الآن المسيح الملاصق لنا الذي أعد المائدة هو بنفسه يقدسها. فإنه ليس إنسان يحول القرابين إلى جسده ودمه، بل المسيح نفسه الذي صُلب عنا. ينطق الكاهن بالكلمات، لكن التقديس يتم بقوة الله ونعمته. بالكلمة التي نطق بها: “هذا هو جسدي” تتقدس القرابين[11].]

ويقول القديس أمبروسيوس: [المسيح هو بعينه الذي يعلن خلال الكاهن هذا هو جسدي[12].]

إذ سلمهم السيد هذا السرّ العظيم قال لهم: “الحق أقول لكم أني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديدًا في ملكوت الله” [25]. وقد سبق لنا تفسير هذه العبارة في دراستنا لسفر اللاويين (10: 9) حيث رأينا السيد يشرب نتاج الكرمة أي يفرح حين يكمل المختارون في ملكوت الله.

يختم الإنجيلي حديثه عن سرّ الإفخارستيا بقوله:

“ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون” [26].

إذ قدم السيد المسيح جسده ودمه مبذولين عن خلاص الآخرين، ذبيحة حب فريدة، سبح مع تلاميذه ربما بتسابيح الفصح المفرحة، معلنًا أن العلية قد امتلأت فرحًا وحمد‌ًا لله. أقول إن عليتنا الداخلية تمتلئ بالفرح الإلهي وبالتسابيح الفائقة إن قبلت في داخلها مسيحها المصلوب، وإن حملت سماته فيها. بمعنى آخر كلما قدم حياته الداخلية مبذولة بالحب من أجل الآخرين في المسيح يسوع، امتلأت حياته تسبيحًا لا بالفم واللسان فحسب، وإنما تتحول كل أعضاء جسده وأحاسيسه وأعماق نفسه إلى قيثارة في يدي الروح القدس، ينشد عليها ربنا يسوع نفسه تسابيح فصحه وصليبه، يتقبلها الآب سيمفونية سماوية مبهجة. وعلى العكس كلما تقوقع الإنسان حول ذاته يطلب ما لنفسه. مهما حفظ من تسابيح ونطق بترانيم يملأ الضيق نفسه ويحطم اليأس رجاءه.

الآن إذ قدم السيد جسده ودمه المبذولين لتلاميذه ليحملوا حياته المبذولة فيهم ويسلكوا حاملين صليبه، وهبهم أن يسبحوا بفرحه ويبتهجوا بخلاصه، ثم انطلق بهم “إلى جبل الزيتون”.

لعله أخرجهم إلى جبل الزيتون، الجبل الذي قلنا قبلاً قد ارتبط بالمسيا، إذ هو ممسوح لا بزيت بل بروحه القدوس لخلاصنا. حملهم إلى جبل ليشاركوه عمله، خاصة في أمور ثلاثة:

أولاً: في بكائه على أورشليم وتنهده من أجلها حين جلس على جبل الزيتون متطلعًا إلى المدينة وهو يقول “يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها ولم تريدوا”. إنه يطلبنا أن نجلس معه نتأمل البشرية الساقطة لنئن بالدموع من أجل كل نفس لعلها ترجع وتقبل احتضان الرب بصليبه.

ثانيًا: في جبل الزيتون في ضيعة جثسيماني [32] دخل السيد كما في لقاء مع الآب يتسلم كأس الصليب من يديه مع مرارته الشديدة. وكأن السيد يريدنا لا أن نقف عند التنهدات والصرخات، وإنما يلزم أن نحني رؤوسنا معه لنحمل صليبنا العملي من يدي الآب، فيكون لنا دورنا الإيجابي في خدمة الملكوت خلال الصليب.

ثالثًا: على جبل الزيتون جلس السيد المسيح مع بعض تلاميذه حين أروه الأبنية العظيمة التي للهيكل (مت 24: 13) فأعلن لهم أنه لا يُترك حجر على حجر إلا وينقض، محدثًا إياهم عن علامات مجيئه، وكأنه أراد أن يسحب قلوبهم من الخدمة الظاهرية إلى خدمة اللقاء مع ربنا يسوع. وبالفعل على ذات الجبل أخذ تلاميذه، وهناك باركهم وصعد، وجاء الملاك يبشرهم أنه كما صعد هكذا من المشارق أيضًا يعود من المشارق.

نستطيع أن نقول أن خروجنا مع ربنا يسوع المسيح على جبل الزيتون، إنما لكي نمارس معه محبته لشعبه، ونمد يدنا للعمل الإيجابي لحساب ملكوته، ونترقب على الدوام هدم هيكل إنساننا القديم والتمتع بالهيكل الأبدي، أو حلول السيد المسيح المستمر حتى يأتي على السحاب ليحمل الكنيسة كلها معه عروسًا له.

  1. إعلانه عن شك التلاميذ فيه

إذ قدم السيد المسيح جسده ودمه المبذولين لتلاميذه وأعلن لهم عن موته وعن خيانة واحدٍ منهم له لم يخلق جوًا من الكآبة والضيق، بل فتح ألسنتهم للتسبيح معه، وكأنه يستقبل أحداث آلامه وصلبه بفرح. وها هو ينطلق بهم إلى البستان معه ليحمل بمفرده كأس الآلام عن البشرية كلها. وقبل وصوله إلى ضيعة جثسيماني صارح تلاميذه: “كلكم تشكون في هذه الليلة” [27].

يصعب جدًا أن نسجل ما آلت إليه نفسية تلاميذه بعد هذا الإعلان الإلهي، فإنه خبر كفيل بتحطيمهم تمامًا، لكن السيد المسيح لم يتركهم يسترسلون في أفكارهم حتى لا ينهاروا تحت ثقل اليأس، لكنه قدم لهم عونًا، فمن جانب أبرز لهم شدة الموقف حيث تنبأ عنهم زكريا النبي (13: 7) لأنه مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد الرعية، كما كشف لهم عن رجوعهم إليه وعن لقائهم مرة أخرى بعد قيامته: “لكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل” [28]. لقد أعلن لهم أن ما يحدث هو بتدبيرٍ إلهيٍ، فمن جهة يضرب الآب الابن الذي حمل خطايانا وقبل الموت في جسده عوضًا عنا، يضربه بسقوطه تحت الحكم الذي كان ضدنا، فلا يحتمل التلاميذ هذا المنظر، لكنه يقوم فيجتذب مؤمنيه في الجليل.

يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [يقول الآب: “أضرب الراعي” إذ سمح له أن يُضرب. وقد دُعى التلاميذ رعية (غنمًا) بسبب براءتهم، وأنهم لا يرتكبون جريمة. وأخيرًا يعزيهم بقوله: “بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل”.]

في إنجيل معلمنا لوقا (22: 31) أبرز السيد شدة الحرب التي تواجه التلاميذ وهم لا يدرون، إذ قال “سمعان، سمعان، هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك”. أما بطرس فحسب أنه قادر أن يثبت إن شك الجميع في المعلم، إذ قال: “وإن شك الجميع فأنا لا أشك. فقال له يسوع: الحق أقول لك أنك في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات. فقال له بأكثر تشديد: ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك. وهكذا قال أيضًا الجميع” [29-31].

بلا شك ظن بطرس الرسول في محبته الشديدة للرب وغيرته أنه قادر أن يقف معه حتى الموت، ولكن ما لم يعرفه بطرس عن نفسه يعرفه الرب عنه. فإن بطرس مع محبته وغيرته ضعيف، ويحتاج لا أن يشهد عن نفسه أنه قوي، بل في تواضع يطلب معونة الله كي تسنده. يقول القديس كيرلس الكبير: [قدم بطرس في حرارة غيرته إقرارًا بالثبات والاحتمال حتى النهاية، قائلاً أنه يقابل أهوال الموت بشجاعة ولا يبالي بالقيود، لكنه في هذا أخطأ عن الصواب. كان يليق به إذ أخبره المخلص أنه سيضعف شاكًا فيه ألا يعترض هكذا علانية، إذ لا يكذب “الحق”، بل بالحري كان يليق أن يطلب منه القوة لينزع هذا الألم أو يخلصه سريعًا من السقطة… ليتنا إذن لا نفكر في أنفسنا بطريقة متكبرة حتى أن رأينا في أنفسنا أننا نتميز بالفضائل، بل بالحري لنقدم للمسيح تسابيح الشكر، لأنه يخلصنا ويهبنا حتى الرغبة للعمل الصالح[13].]

أما بالنسبة لصياح الديك فلم يذكر الإنجيلي متى عدد مرات صياحه، إنما ذكر الإنجيل مرقس أنه قبل أن يصيح الديك مرتين ينكره بطرس ثلاث مرات. لذلك يرى كثير من الدارسين أن بطرس أنكر مرة ثم صاح الديك، وأنكر مرتين أخريين فصاح الديك للمرة الثانية.

ما هو هذا الديك الذي صاح مرتين؟ ولماذا أنكر بطرس ثلاث مرات؟ لعل الديك يشير إلى الروح القدس الذي “يبكت العالم على الخطية” (يو 16: 8)، صاح في العهد القديم ولم يستجب أحد لصيحته، وصاح في العهد الجديد فبكت شعوبًا وأممًا لترجع إلى الرب الذي أنكرته. أما إنكار بطرس ثلاث مرات فعلامة ما فعله العالم بالله، إذ جحده ثلاث مرات، أي جحود بالفكر كما بالقول والعمل، جحودًا عن إصرار ومعرفة، ومع ذلك يستطيع الروح القدس أن يرده عن جحوده، ويلتقي به مع نظرات السيد المسيح، فينسحق القلب في الداخل ليبكي الإنسان مع بطرس بكاءً مرًا.

في نص منسوب للقديس جيروم: [من هو هذا الديك الذي يبشر بقدوم النهار إلا الروح القدس، فبصوته في النبوة وفي الرسل قمنا من إنكارنا لله الثلاثي، نبكي بمرارة على سقوطنا، إذ فكرنا شرًا في الرب، وتحدثنا بالشر على أقربائنا، وفعلنا شرًا لأنفسنا![14]]

إن كنا قد جحدنا الرب ثلاث مرات بالفكر والقول والعمل، جحدناه ثلاث مرات إذ أخطأنا في حقه الإلهي وحق أقربائنا وحق أنفسنا، ليت روح الله يصيح في آذاننا مرتين بإعلاناته لنا خلال الأنبياء والرسل حاملاً إيانا ربنا يسوع المصلوب، نبكي على خطايانا ونعلن صدق توبتنا وشوقنا للرجوع إليه والثبات فيه أبديًا!

  1. ذهابه إلى جثسيماني

إذ أعلن السيد المسيح لتلاميذه عن كل شيء انطلق بهم إلى البستان يحمل كأس الألم، إذ يقول الإنجيلي:

“وجاءوا إلى ضيعة اسمها جثسيماني،

فقال لتلاميذه: اجلسوا ههنا حتى أصلي.

ثم أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا،

وابتدأ يدهش ويكتئب.

فقال لهم: نفس حزينة جدًا حتى الموت.

امكثوا هنا واسهروا” [32-34].

“جثسيماني” كلمة أرامية تعني “معصرة الزيت” (مت 26: 36)، كانت بستانًا فيه أشجار الزيتون ومعصرة لعصره، يقع البستان شرق أورشليم على السفح الغربي من جبل الزيتون (لو 22: 39) وبينه وبين أورشليم وادي قدرون (يو 18: 1)، “وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع، لأن يسوع اجتمع هناك كثيرًا مع تلاميذه” (يو 18: 2؛ لو 22: 39).

إن كانت البشرية قد فقدت سرّ حياتها وبهجتها وسلامها خلال عصيان آدم الأول في البستان، ففي البستان دخل آدم الثاني كما إلى معصرة زيت (جثيسماني)، ليعتصر بالألم من أجل البشرية، ويرد بطاعته للآب حتى الموت ما سبق ففقدته.

أخذ معه تلاميذه الثلاثة الذين كانوا معه في لحظات التجلي، حتى إذ يروه يدهش ويكتئب، ودموعه تتقاطر كالدم، يدركوا حقيقة تأنسه ودخوله تحت الآلام دون أن يتعثروا، فقد رأوه في تجليه ومجده.

دخل بتلاميذه إلى البستان ليقدم نفسه مثلاً حيًا عمليًا عن حياة الصلاة والسهر خلال الضيق، لذلك قال لهم: “اجلسوا ههنا حتى أصلي”، كما أوصاهم “امكثوا هنا واسهروا”. كما علمنا مجابهة الموت بلا خوف، والتسليم الكامل بين يدي الآب السماوي، إذ يقول الإنجيلي:

“ثم تقدم قليلاً، وخرّ على الأرض،

وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن.

وقال: يا أبّا الآب كل شيء مستطاع لك،

فأعبر عني هذه الكأس،

ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت” [35-36].

كتب القديس يوحنا الذهبي الفم مقالاً عن “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس” سبق لي ترجمته ونشره[15]، جاء فيه:

أولاً: لا يمكن القول بأن السيد المسيح كان يجهل إن كان ممكنًا أن تعبر عنه الكأس أم لا، بقوله “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. [المعرفة الخاصة بآلامه ليست أعظم من المعرفة الخاصة بجوهر طبيعته، الأمر الذي هو وحده يعرفه تمام المعرفة وبدقة، إذ يقول كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب (يو 10: 15). ولماذا أتكلم عن ابن الله الوحيد، فإنه حتى الأنبياء يبدو أنهم لم يجهلوا هذه الحقيقة (أي آلام المسيح وصلبه) بل عرفوها بوضوح، وقد سبق أن أعلنوا عنها قبلاً مؤكدين حدوثها تأكيدًا قاطعًا.]

ثانيًا: لا يمكن فهم هذا القول: “إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس” بمعنى الرغبة في الهروب من الصليب. [لقد دعا (بطرس) ذاك الذي وُهب إعلانًا من الآب وقد طوّبه ووهبه مفاتيح ملكوت السماوات، دعاه “شيطانًا”، ودعاه “معثرة”، واتهمه أنه لا يهتم بما لله… هذا كله لأنه قال له: حاشاك يا رب لا يكون هذا لكأي لا يكون لك أن تصلب. فكيف إذن لا يرغب في الصليب، هذا الذي وبخ التلميذ وصبّ عليه هذا القدح إذ دعاه شيطانًا بعدما كان قد مدحه، وذلك لأنه طلب منه أن يتجنب الصليب؟ كيف لا يرغب في الصليب ذاك الذي رسم صورة للراعي الصالح معلنًا إياها كبرهان خاص بصلاحه، وهي بذله لنفسه من أجل خرافه، إذ يقول أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11)… انظر كيف يُعجب منه بسبب إعلانه هذا “أنه يبذل نفسه”، قائلاً: “الذي كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، فإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب” (في 2: 6-8)؟ وقد تكلم عن نفسه مرة أخرى فقال… “لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا” (يو 10: 17)… وكيف يقول الرسول بولس مرة أخرى: “واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا” (أف 5: 2)؟. وعندما اقترب السيد المسيح من الصلب قال بنفسه: “أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك” (يو 17: 10). لقد تكلم هنا عن الصليب كمجد، فكيف يستعفي عنه، وها هو يستعجله؟]

ثالثًا: أن هذه العبارة قد سجلها لنا الإنجيلي لتأكيد تجسده ودخوله فعلاً تحت الآلام. [لهذا السبب أيضًا كانت قطرات العرق تتدفق منه، وظهر ملاك ليقويه، وكان يسوع حزينًا ومغتمًا، إذ قبل أن ينطق بتلك الكلمات (ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت) قال: نفسي حزينة جدًا حتى الموت. فإنه بعد هذا كله قام الشيطان بتكلم على فم كل من مرقيون الذي من بنطس وفالنتينوس وماني الذي من فارس وهراطقة كثيرين، محاولين إنكار تعاليم التجسد، ناطقين بكلمات شيطانية، مدعين انه لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، ولا التحف به إنما كان له جسد خيالي وهمي… لقد أعلن المشاعر البشرية الحقيقية بوضوح، تأكيدًا لحقيقة تجسده وتأنسه.]

رابعًا: بجانب تأكيده للتجسد قدم لنا نفسه مثالاً عمليًا بهذا التصرف الحكيم. [هناك اعتبار آخر لا يقل عنه أهمية… وهو أن السيد المسيح جاء على الأرض، راغبًا في تعليم البشرية الفضائل، لا بالكلام فقط وإنما بالأعمال أيضًا. وهذه هي أفضل وسيلة للتدريس… إنه يقول: من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات” (مت 5: 19)… لقد أوصى (تلاميذه) أن يصلوا: “لا تدخلنا في تجربة”، معلمًا إياهم هذه الوصية عينها بوضعها في صورة عملية، قائلاً: “يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. هكذا يعلم كل القديسين ألا يثبتوا بأنفسهم في المخاطر، غير ملقين أنفسهم بأنفسهم فيها… فماذا؟ حتى يعلمنا تواضع الفكر، وينزع عنا حب المجد الباطل… صلى كمن يعلم الصلاة، ولكي نطلب ألا ندخل في تجربة” ولكن إن لم يسمح الله بهذا، نطلب منه أن يصنع ما يحسن في عينيه، لذلك قال: “ولكن ليس كما أنا أريد بل كما تريد أنت”، ليس لأن إرادة الابن غير إرادة الآب، إنما لكي يعلم البشر أن يقمعوا إرادتهم في إرادة الله ولو كانوا في ضيق أو اضطراب، حتى وإن أحدق بهم الخطر، ولو لم يكونوا راغبين في الانتقال من الحياة الحاضرة.]

يحدثنا القديس أمبروسيوس عن سرّ حزن السيد المسيح القائل: “نفسي حزينة جدًا حتى الموت” [34] هكذا: [إني أعجب هنا بحنان الرب وعظمته، فلو لم تكن له مشاعري لنقصت إحساناته… سمح أن يتعب لضعفاتي! حمل حزني ليهبني سعادته! نزل حتى ألم الموت، ثم بدأ يرجعنا للحياة ثانية، وتألم لينتصر على الحزن. قيل عنه أنه رجل أوجاع ومختبر الحزن (إش 53: 3). لقد أراد أن يعلمنا، فقد سبق فعلمنا يوسف ألا نخاف السجن، وفي المسيح نتعلم كيف نغلب الموت… إنك تتألم يا رب لا بسبب جراحاتك، لا بسبب قوتك بل بسبب ضعفاتنا (إش 53: 4). نراك فريسة للألم، لكنك تتألم لأجلي، صرت ضعيفًا من أجل خطايانا (إش 53: 5). هذا الضعف ليس من طبعك لكنك أخذته لأجلي… ربما أيضًا حزن، لأنه منذ سقوط آدم كان خلاصنا الوحيد للخروج من هذا العالم هو بالضرورة “الموت”، ولما كان الله لم يخلق الموت ولا يشاء موت الخاطي مثلما يرجع وتحيا نفسه، يعز عليه أن يحتمل ما لم يخلقه[16].]

يكمل القديس أمبروسيوس تعليقه على حزن السيد المسيح مؤكدًا لن يدخل إلى لاهوته بل إلى النفس البشرية بكونه ابن الله المتأنس له نفس بشرية تشاركنا مشاعرنا. [في موضع آخر يقول: “الآن نفسي قد اضطربت. إنه اضطراب النفس البشرية لأن اللاهوت غير قابل للألم… فالرب ليس حزينًا (باللاهوت) لكن نفسه حزينة. الحكمة ذاته ليس حزينًا (حسب اللاهوت) ولا الطبيعة الإلهية بل النفس. كان حزينًا لا بسبب الألم إنما بسبب تبديدنا، لذا قال: اضْرِب الراعي فتتبدد خراف الرعية (مت 26: 35)… كان أيضًا حزينًا من أجل مضطهديه، فقد كان عارفًا أنه يفدي بالآلام خطاياهم… وقد قال: “يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو 23: 34).]

يقدم لنا الأب ثيؤفلاكتيوس تعليلاً لحزن السيد بقوله: [يفهم البعض ذلك كما لو كان قد قال: إنني حزين ليس لأني أموت، وإنما لأن اليهود الذين هم من وطني يصلبونني، فيحرمون من ملكوت الله.]

يعلق أيضًا القديس أغسطينوس على حزن السيد المسيح بقوله: [ربما نطق السيد بهذه الكلمات لما تحويه من سرّ في داخلها، مظهرًا أنه قد وضع على عاتقه أن يتألم حسب جسده، أي حسب الكنيسة، التي صار لها رأس الزاوية والتي تأتي إليه بعض أعضائها من العبرانيين، والآخر من الأمم[17]]، وقد دلل القديس على ذلك بحديثه مع الآب قائلاً “يا أبّا الآب” [36]، فإن كلمة أبا Abba ترمز لليهود في علاقتهم بالله، وكلمة “الآب” ترمز للأمم في علاقتهم أيضًا بالله، إذ هو أب لليهود كما للأمم.

“ثم جاء ووجدهم نيامًا، فقال لبطرس:

يا سمعان أنت نائم، أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟

اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة.

أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف.

ومضى أيضًا وصلى قائلاً ذلك الكلام بعينه.

ثم رجع ووجدهم أيضًا نيامًا، إذ كانت أعينهم ثقيلة،

فلم يعلموا بماذا يجيبون.

ثم جاء ثالثة وقال: ناموا الآن واستريحوا، يكفي، قد أتت الساعة.

هوذا ابن الإنسان يُسلم إلى أيدي الخطاة.

قوموا لنذهب، هوذا الذي يسلمني قد اقترب” [37-42].

ويلاحظ في هذا النص الإنجيلي الآتي:

أولاً: سبق فأوصاهم السيد أن يسهروا ويصلوا، لكنهم لم يستطيعوا، ففي كل مرة يرجع إليهم السيد يجدهم نيامًا، بل “كانت أعينهم ثقيلة”… وفي المرة الأخيرة قال لهم: “ناموا الآن واستريحوا”.

السهر الذي طلبه السيد من تلاميذه ليس مجرد الامتناع عن النوم، وإنما يعني اليقظة الروحية والفهم الداخلي وإدراك أسرار الفداء. فقد مثّل التلاميذ البشرية التي لم تكن قادرة على السهر وإدراك أسرار العمل الإلهي، بالرغم من إرساله الرموز والنبوات لإيقاظها. لقد نام التلاميذ بعمق حتى كانت أعينهم ثقيلة رمزًا لحالة عدم الإيمان أو الجحود التي أصابت البشرية دون أن يتوقف الرب عن ممارسته أعمال محبته، وكما يقول الرسول: ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه (رو 5: 10).

أما قوله في المرة الثالثة: “ناموا الآن واستريحوا”، فلا يعني نوم الخمول والتراخي، إنما يعني التسليم الكامل في يدّي الله والراحة الداخلية، كما نام القديس بطرس الرسول في السجن (أع 12: 7)، وكما قيل: يعطي حبيبه نومًا (مز 127: 2). وفي المرة الثالثة، إشارة إلى قيامته في اليوم الثالث، ننام نحن ونستريح إذ لا نخاف بعد الموت مادام الرب مات وقام لأجلنا.

ثانيًا: يسألهم السيد المسيح: “صلوا لئلا تدخلوا في تجربة”، فالمسيحي مهما بلغت قامته الروحية في تواضع لا يشتهي الدخول في تجربة، بل يسأل الرب ألا يسمح له بالدخول فيها، حتى متى حلت به التجربة استطاع بالرب ألا يسقط فيها، بل يرتفع فوقها، لا يفكر فيها، بل ينشغل بالمخلص نفسه!

ثالثًا: يقول “أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف”. فإن كانت أرواحهم قوية مستعدة أن تشهد له حتى الموت، لكن بسبب ضعف الجسد ينهارون، ما لم يسندهم الرب نفسه. يقول القديس جيروم: [بينما روحي قوية تقودني للحياة، إذ بجسدي ضعيف يسحبني للموت[18].]

في عتاب يقول لبطرس: “يا سمعان، أنت نائم، أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟” وكأنه يقول له: أين هي غيرتك الشديدة ومحبتك الملتهبة ووعدك ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك؟ إنك بسبب ضعف الجسد لم تستطع أن تقاوم النوم بل صارت عيناك ثقيلتين، فكيف تحتمل الموت لأجلي؟

  1. القبض عليه

إذ دخل السيد المسيح إلى البستان ليتسلم كأس الألم من أجل البشرية كلها أعلن لتلاميذه: “قد أتت الساعة، هوذا ابن الإنسان يُسلم إلى أيدي الخطاة. قوموا لنذهب، هوذا الذي يسلمني قد اقترب” [41-42].

خرج إلى البستان حتى يسلم نفسه بالطاعة للقيود، فيفك الرباطات التي قيدت البشرية خلال عصيان آدم. في البستان جاء السيد إلى تلاميذه ثلاث مرات فيجدهم نيامًا، وكأنهم يمثلون البشرية الساقطة تحت ثقل الخطية بالفكر والقول والعمل أيضًا. من أجل هذه البشرية يتقدم السيد ليسلم نفسه للأشرار فينام على الصليب عوضًا عنهم! يقول القديس أغسطينوس: [قبضوا على ذاك الذي يمكنهم أن يتحرروا من ربطهم. ولعله كان من بينهم من استهزأ به، لكن منهم أيضًا من خلص بواسطته، هؤلاء يقولون: قد حللت ربطي” (مز 116: 16).]

“وللوقت فيما هو يتكلم أقبل يهوذا واحد من الإثني عشر،

ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ.

وكان مسلمه قد أعطاهم علامة قائلاً:

الذي أقبله هوهو، امسكوه وامضوا به بحرص.

فجاء للوقت وتقدم إليه قائلاً: يا سيدي يا سيدي، وقبَّله.

فألقوا أيديهم عليه وامسكوه.

فأستل واحد من الحاضرين السيف وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه” [43-47].

مرة أخرى إذ يتحدث عن يهوذا يؤكد أنه من الاثني عشر ليعلن عن بشاعة جريمته وتجاسره، خاصة وأنه جعل من “القبلة” علامة لتسليمه.

حقًا حينما سأل النبي بروح النبوة المسيّا المجروح: “ما هذه الجروح في يدك؟” (زك 13: 6)، أجاب في مرارة: هي التي جرحت بها في بيت أحبائي (زك 13: 6).

يعلق القديس أمبروسيوس على عتاب السيد المسيح لتميذه: “يا يهوذا، أبقبلة تُسلم ابن الإنسان؟” (لو 22: 48)، قائلاً: [تعبير رائع عن القوة الإلهية، درس عظيم في الفضيلة! لقد كشف الخيانة ومع ذلك لم يبخل عنه بطول أناته عليه.

لقد أظهرت يا رب من هو الذي يسلمك وكشفت سره وأعلنت عمن يُسلّم أنه ابن الإنسان، وكأنك تقول: لأجلك أيها الخائن أخذت أنا هذا الجسد الذي تسلمه!… كأنه يعاتب الخائن في مشاعر كلها حنان: يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟ بمعني آخر: أتجرحني بعربون الحب؟ أتسفك دمي بعلامة الحب، وتسلمني للموت بعلامة السلام؟ وأنت الخادم تسلم سيدك، وأنت التلميذ تسلم معلمك وتخون جابلك؟ حقًا ينطبق هذا القول عن الخائن: غاشة هي قبلات العدو (أم 27: 6)… وتقبل المسيح هذه القبلة لا عن رياء إنما ليظهر أنه لا يهرب من الخائن، فيزداد هلاك الخائن بعدم رفض السيد علامات الحب منه، فقد قيل: ومع مبغضي السلام كنت صاحب السلام (مز 119: 6)[19].

في نص منسوب للقديس جيروم [أعطى يهوذا قبلة كعلامة، بغش مميت، كما قدم قايين تقدمة غاشة بغيضة.]

يعلق القديس كيرلس الكبير على تصرف يهوذا هذا بقوله:

[كثيرة هي الآلام (الخطايا) ومرة تلك التي تثير حربًا ضد نفس الإنسان، وتدخل معها في صراع لا يُحتمل، لتهوي بها إلى ممارسة أعمال دنيئة، أما أشر هذه الآلام فهي محبة المال، أصل كل الشرور، التي سقط في فخاخها العنيفة التلميذ الخائن، حتى قبل أن يصير خادمًا لغش الشيطان، ويكون أداة في أيدي رؤساء مجمع اليهود الأشرار في هياجهم ضد المسيح…

من أجل الدراهم التي بلا ثمن كّف عن أن يكون مع المسيح وفقد رجاؤه في الله وكرامته والأكاليل والحياة والمجد المعد لتابعي المسيح الحقيقيين وحقه أن يملك معه…

لقد أعطى لهؤلاء القتلة علامة، قائلاً: “الذي أقبله هو”. لقد نسي تمامًا مجد المسيح، وفي غباوته الكاملة ظن أنه يبقى متسترًا عندما يُقدم قبلة التي هي علامة الحب، بينما يحمل في قلبه خداعًا مرًا وشريرًا. فإنه حين كان في صحبة المسيح مخلصنا مع بقية الرسل في رحلاته، غالبًا ما سمعه يسبق فيخبرهم بالأمور المقبلة بكونه الله العالم بكل شيء، وقد سبق فأخبره عن عمل خيانته، إذ قال للرسل القديسين: “الحق أقول لكم إن واحدًا منكم يسلمني”. كيف إذن تبقى نيته مخفية؟ لا، بل كانت الحية في داخله تصارع الله، كان مسكنًا للشيطان، إذ قال أحد الإنجيليين أنه إذ كان متكئًا على المائدة مع بقية التلاميذ وأعطاه المخلص لقمة غمسها في الصحفة “دخله الشيطان[20]“.]

قدم يهوذا قبلة مملوءة غشًا أمام الجمع الكثير حاملي السيوف والعصي، وكأنه بيوسف الذي باعه إخوته للغرباء… وقد حاول بطرس أن يدافع عن سيده فاستل سيفًا وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه… لكن السيد انتهره على ما ارتكبه، ولم يترك العبد في آلامه بل شفاه.

يقول القديس كيرلس الكبير [لا يريدنا أن نستخدم سيوفًا في مقاومة أعدائنا، بل بالحري نستخدم الحب مع التعقل، فنغلب مقاومينا بقوة. ويقدم لنا بولس تعليمًا مشابهًا بقوله: هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح (2 كو 10: 5). لأن الحرب من أجل الحق روحية، والسلاح اللائق بالقديسين هو عقلي ومملوء بمحبة الله. يليق بنا أن نلبس درع البرّ وخوذة الخلاص، وترس الإيمان وسيف الروح الذي هو كلمة الله (أف 6: 14-17)[21].]

ويقدم لنا القديس أمبروسيوس بعض التعليقات على قطع أذن العبد نذكر منها:

[ضرب بطرس عبد رئيس الكهنة، لكن الرب شفى الجراحات الدامية وأحل محلّها الأسرار الإلهية.

جُرح عبد رئيس هذا العالم وخادم قوات هذا الدهر… جُرح في أذنه لأنه لم ينصت لصوت الحكمة…

قطع بطرس الأذن ليعلم أن من ليس له الأذن الروحية لا يستحق أن تكون له حتى الأذن الملموسة. وقد أرجع الرب له الأذن مؤكدًا ما قاله إشعياء أن الشفاء ممكن بالتوبة حتى للذين جرحوا الرب في آلامه (إش 6: 10)…

لماذا قطع بطرس الأذن؟ لأنه أخذ مفاتيح ملكوت السماوات، هو يقطع وهو يحّل! أخذ سلطان الربط والحل، فيقطع أذن من يسمع رديًا بسيف روحي، يقطع الأذن الداخلية عن الفهم الخاطئ…

كثيرون يظنون أن لهم الآذان وهم بلا آذان. ففي الكنيسة يكون للجميع آذان، أما خارجها فلا يكون لهم[22].]

يكمل الإنجيلي حديثه عن القبض على السيد المسيح، هكذا:

“فأجاب يسوع وقال لهم:

كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذوني.

كل يوم كنت معكم في الهيكل أعلّم ولم تمسكوني،

ولكن لكي تكمل الكتب.

فتركه الجميع وهربوا.

وتبعه شاب لابسًا إزارًا على عريه فأمسكه الشبان.

فترك الإزار وهرب عريانًا” [48-52].

يرى القديس كيرلس الكبير أن في قوله هذا يؤكد لهم أنه كان يسهل عليهم بالأولى أن يمسكوه في الهيكل حين كان يُعَلِم كل يوم، لكنهم لم يفعلوا هذا إذ لم يكن بعد قد سمح لهم، فإن كان يسلم نفسه لهم الآن إنما بإرادته في الوقت الذي اختاره مناسبًا للصلب، لهذا قال لهم: ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة [بمعنى أنكم قد منحتم وقتًا قصيرًا (ساعة) فيه يكون لكم سلطان عليّ. ولكن كيف أُعطي لكم هذا السلطان؟ وبأية وسيلة؟ بإرادة الآب المتفقة مع إرادتي. لقد أردت أن أخضع نفسي لآلامي من أجل خلاص العالم وحياته.

لكم ساعة ضدي، قليلة جدًا ومحدودة، هي ما بين أحداث الصليب الثمين والقيامة من بين الأموات. وهذا هو السلطان الذي أُعطى للظلمة، لكن “الظلمة” هو اسم الشيطان بكونه ليلاً دامسًا وظلمة، فيقول عنه الطوباوي بولس: إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح (2 كو4: 4). إذن أُعطى للشيطان ولليهود السلطان أن يثوروا ضد المسيح، لكنهم حفروا لأنفسهم حفرة الهلاك[23].]

أما الشاب الذي هرب عريانًا فهو القديس مرقس كاتب الإنجيل جاء في نص منسوب للقديس جيروم: [كما ترك يوسف ثوبه وهرب عريانًا من المرأة الزانية، ليت من يريد الهروب من أيدي الأشرار ينزع من فكرة كل شيء ويهرب وراء المسيح.]

  1. محاكمته دينيًا

إذ سلم السيد المسيح نفسه بين يدّي هؤلاء الثائرين ضده، اقتادوه إلى بيت رئيس الكهنة قيافا ليُحكم عليه دينيًا أنه مستوجب الموت.

كان قيافا رئيس كهنة ذلك العام، ويروي عنه يوسيفوس أنه اشترى هذا المركز من الحاكم الروماني، إذ كان هذا المنصب حسب الشريعة يتمتع به الشخص مدى الحياة إلا أن الدولة الرومانية في ذلك الوقت كانت تنصب رئيس الكهنة أو تعزله حسبما تشاء، وقد تنبأ عن عمل السيد المسيح الخلاصي وهو لا يدرى ، إذ يقول الإنجيلي يوحنا: فقال لهم واحد منهم وهو قيافا، كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئًا، ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.

ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة، تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد (يو 11: 49-52). أما النبوة الثانية فلم تكن بالكلام بل بالتصرف إذ يقول الإنجيلي: “فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود؟” [63]… فقد أعلن نهاية الكهنوت اللاوي أو الموسوي بتمزيق ثيابه كرئيس كهنة! بينما لم يستطع حتى الجند الرومان أن يمزقوا ثوب المسيح في لحظات الصلب، مزق رئيس الكهنة اليهودي الأفود، ما كان يجب حسب الناموس ألا تمزق… فحكم لا على نفسه فقط بل وعلى نهاية الكهنوت اللاوي ككل!

بتمزيق ثيابه أعلن قيافا اشمئزازه من كلمات السيد المسيح التي حسبها تجديفًا، فحكم عليه الجميع أنه مستوجب الموت [64]، غير أنه لم يكن لهم أو لرئيسهم قوة التنفيذ، فأخذوا السيد إلى الحاكم الروماني (يو 18: 28) ليأمر بصلبه. هذا وقد اشترك قيافا بعد قيامة السيد المسيح في الحكم على القديسين بطرس ويوحنا (أع 4: 6)، وقد طرده الرومان من وظيفته عام 36م.

“فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة،

فإجتمع معه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة.

وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى داخل رئيس الكهنة،

وكان جالسًا بين الخدام يستدفئ عند النار” [53-54].

كان يليق بدار رئيس الكهنة أن يكون كنيسة مقدسة تشهد للسيد المسيح أمام العالم، تسحب كل نفس للاقتراب إلى كلمة الله بلهيب الروح القدس الناري لتشبع من سرّ الحياة، لكنه خلال الحسد ومحبة العالم تحول داره إلى موضع للحكم على السيد المسيح بالموت. وعوض أن تقترب فيه النفوس إلى المسيّا المخلص بقي بطرس بعيدًا عن مخلصه. وعوض نار الروح القدس أُشعلت نار الشهوة الشريرة يستدفئ بها عبيد هذا العالم وخدامه.

إن كنا في مياه المعمودية قد صرنا جميعًا كهنة وملوكًا، نحمل الكهنوت العلماني أو العام الذي به يكون لنا ملء الدالة للوقوف أمام الآب في ابنه، ونقدم ذبائح الحمد والتسبيح في قلوبنا كما على مذبح الرب الداخلي. لقد تمتعنا بالروح القدس الناري بسرّ المسحة المقدسة “الميرون”، فليتنا لا نسلم دارنا الداخلي لعدو الخير، وعِوَض تجلي الرب فيه يُحكم عليه كما بالصليب ثانية، وعوض النار السماوية المقدسة تشتعل نيران الخطية القاتلة (هو 7: 4). بهذا يصير بطرسنا الداخلي بعيدًا عن الرب، يجالس خدام هذا العالم، ويستدفئ بنارهم الشريرة، فينكر سيده مرة ومرات بقسمٍ!

بحث رئيس الكهنة وكل المجمع عن شهود ضد يسوع ليحكموا عليه بالموت، لكن شهادتهم لم تتفق معًا [55-56]، كأنهم بامرأة فوطيفار التي اشتهت أن تسلم يوسف للموت بشهادة زور.

وُجه للسيد المسيح إتهامان هما:

الاتهام الأول: “نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ” [58]. هذا الاتهام في حقيقته يحمل شهادة زور، فإنه لم يقل “إني انقض هذا الهيكل”، بل قال “انقضوا“، كما لم يقل: “هذا الهيكل مصنوع بالأيادي” بل “هذا الهيكل” إذ كان يتحدث عن هيكل جسده. لقد فهموا الكلمات بغير معناها الحقيقي، لكن هذه الشهادة على أي الأحوال بالرغم من بطلانها أكدت حديثه عن موته وقيامته في اليوم الثالث، فصارت ركيزة حية للكرازة بعد قيامته.

الاتهام الثاني: حين أجاب السيد على رئيس الكهنة الذي سأله: “أأنت المسيح ابن المبارك؟” [61]، “قال يسوع: أنا هو، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا في سحاب”، لم يحتمل رئيس الكهنة الإجابة فمزق ثيابه، وقال: “ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم بالتجاديف” [63-64].

كان الاتهام الأول معتمدًا على شهادة زور، أما الاتهام الثاني فاعتمد على جهل مطبق وعدم إدراك لكلمات السيد المسيح نفسه. تعثر المجمع بالشهادة الأولى الخاصة بهدم هيكل جسده وقيامته، ولم يحتمل أن يسمع عن مجد ابن الله في السماء ومجيئه الأخير، وحسبوا هذا تجديفًا يستوجب الموت. لعلهم بالاتهام الأول حسبوه محطمًا للناموس، إذ يريد نقض الهيكل، مقللاً من شأنه، بقوله أنه مصنوع بالأيادي، وبالاتهام الثاني حسبوه مجدفًا.

يقول الإنجيلي: “أما هو فكان ساكتًا، ولم يجب بشيء” [61]. ويقول القديس أغسطينوس إنه كان صامتًا أثناء محاكمته في أكثر من موقف، تارة أمام رئيس الكهنة، وأخرى أمام بيلاطس، وثالثة أمام هيرودس. ففيه يتحقق القول: لم يفتح فاه، كشاه تـُساق إلى الذبح (إش 53: 7)، كما يقول: شُبّه بالحمل حتى يُحسب في صمته بارًا غير مذنب. لذلك إذ اجتاز المحاكمة لم يفتح فاه، وقد فعل هذا كحمل، بمعنى أنه لم يكن شخصيًا ذي ضمير شرير ارتكب خطايا، بل في وداعته قُدم ذبيحته عن خطايا الآخرين[24].

لقد ثار رئيس الكهنة وغضب بسبب صمت السيد، قائلاً: “أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟ [60]، غير أن السيد لم يهدف بصمته أن يُثير أحدًا، إنما صمت لأنه يعرف أنهم لا ينتفعون بكلماته، بل يطلبون فيها فرصة يمسكونها عليه، فصمت لعلهم يراجعون أنفسهم فيما يفعلون. في صمته صمت من أجل الحب، وحينما تحدث تكلم بكلمات قليلة معلنًا حقيقة شخصه حتى لا يكون لهم عذر فيما يصنعونه. بمعنى آخر إن صمت أو تكلم يفعل ذلك بدافع الحب لا المقاومة أو الانتقام.

سأله رئيس الكهنة: “أأنت المسيح ابن المبارك؟” بمعنى أأنت ابن الله؟” فأجاب السيد ملقبًا نفسه “ابن الإنسان”، معلنًا أنه ابن المبارك المتأنس، مؤكدًا أن تأنسه لا يفصله عن الآب، ولا ينزع عمله الإلهي كديان يأتي في سحاب السماء، ويظهر جالسًا عن يمين القوة، أي يمين الآب.

أخيرًا إذ حكم الجميع أنه مستوجب الموت بقى في الدار حتى الصباح يحتمل الإهانات، إذ يقول الإنجيلي: “فابتدأ قوم يبصقون عليه، ويغطون وجهه ويلكمونه، ويقولون له تنبأ، وكان الخدام يلطمونه” [65]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إني أفخر بهذه الأمور، ليس فقط أنه أقام آلاف الموتى، وإنما احتمل هذه الآلام[25].] ويقول القديس كيرلس الكبير: [هذا الذي هو نسمة كل الأرواح المقدسة في السماوات يُحتقر كواحدٍ منا، محتملاً اللطمات بصبرٍ، خاضعًا لسخرية الأشرار، مقدمًا نفسه لنا في كمال طول الأناة، أو بالحري معلنًا وداعته الإلهية العظيمة التي لا تُقارن… لقد سخروا به كمن هو إنسان جاهل مع أنه واهب كل المعرفة، وناظر للخفيات فينا[26].]

  1. إنكار بطرس

يروي لنا الإنجيلي مرقس كيف تحقق قول الرب لبطرس: “قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات”:

أ. في الدار أسفل أنكر بطرس أمام أحد جواري رئيس الكهنة بينما كان يستدفئ.

ب. أنكر للمرة الأولى خارج الدهليز، وصاح الديك، ثم أنكر للمرة الثانية أمام الحاضرين حين أكدت الجارية أنه منهم.

ج. إذ قال له الحاضرون: “حقًا أنت منهم لأنك جليلي أيضًا، ولغتك تشبه لغتهم” أنكر للمرة الثالثة، حيث ابتدأ يلعن ويحلف أني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه، ثم صاح الديك للمرة الثانية فتذكر كلمات السيد المسيح وبكى.

ويلاحظ في هذه الأحداث التالي:

أولاً: يعلق القديس أمبروسيوس على الموضع الذي فيه أنكر بطرس والظروف المحيطة به، فيقول:

[تبعه بطرس من بعيد فأنكره، ولما اتحد بالرب يسوع واقترب منه جدًا لم ينكره…

كان في دار رئيس الكهنة نار متقدة واقترب بطرس يستدفئ، فقد فترت حرارة الروح في بطرس لأن الرب كان سجينًا…

أين أنكر بطرس؟ لم ينكره على الجبل ولا في الهيكل ولا في البيت وإنما في دار اليهود، في منزل رئيس الكهنة، في الموضع الذي لا يوجد فيه الحق حيث سُجن يسوع!…

لنتأمل في حال بطرس وهو يخطئ، فقد كان باردًا، ربما ليس بسبب الطقس، لكن لأن الجو (الروحي) كان باردًا في هذا الموضع الذي لا يعترف بالرب يسوع، الموضع الذي لا يرى فيه إنسان نورًا… كان البرد يمس الروح لا الجسد لذلك وقف بطرس يصطلي إذ كان قلبه يرتعش[27].]

ليت بطرس الداخلي لا يدخل بعد مثل هذا الدار، ليعيش بروح بارد غير ملتهب بالروح الإلهي، فيطلب نارًا من العالم للدفء، لئلا يجحد سيده، ويفقد قلبنا الملكوت الأبدي.

ثانيًا: يقول الإنجيلي أن بطرس كان في الدار أسفل حين أنكر في المرة الأولى، ولم يستطع أن يعترف أمام جارية، بينما حينما ارتفع فيما بعد على السطح (أع 10: 11) انفتحت عيناه لتنظر رؤيا إلهية وينطلق لا ليشهد أمام جارية بل يكرز بين الأمميين (كرنيليوس وأهل بيته). بمعنى آخر حين يكون بطرس في الدار أسفل يطلب الزمنيات ويستدفئ بنار محبة العالم أو شهوة الجسد، لكنه حين يكون مرتفعًا كما على السطح يرى العلويات ويلتهب بنار الروح القدس.

ثالثًا: رأينا أن صياح الديك للمرة الثانية الذي ذكرّ بطرس بكلمات سيده فبكى نادمًا، يشير إلى عمل الروح القدس في العهد الجديد الذي يبكت العالم على خطية (يو 16: 8)، والذي يذكرنا بكل ما قاله لنا السيد (يو 14: 26).

غير أن معلمنا لوقا البشير يقدم لنا سببًا آخر لتوبة بطرس، إذ يقول: وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك، فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب (لو 22: 60-61)، فإن كان صياح الديك يشير إلى عمل الروح القدس لتبكيت القلب وتذكيره بكلمات الرب، فإن التفات السيد المسيح ونظره إلى بطرس يدفع إلى التوبة المملوءة رجاء!

في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [حسنة هي الدموع التي تغسل الخطية! من يلتفت إليهم الرب وينظر يبكون، فإن بطرس أنكر أولاً ولم يبكِ، لأن الرب لم يلتفت ولا نظر إليه. أنكر للمرة الثانية ومع هذا لم يبكِ… وفي المرة الثالثة أنكر أيضًا وإذ التفت إليه يسوع ونظره عندئذ بكى بمرارة… لا نستطيع القول بأنه (مجرد) التفت إليه بعينيه الجسديتين ونظر إليه في عتاب منظور واضح، إنما تحقق هذا داخليًا في الذهن والإرادة… تلامس معه الرب برحمته في صمت وسرية، فذكره بنعمته الداخلية، مفتقدًا بطرس وحاثًا إياه، مقدمًا له دموعًا ظاهرة تعبر عن مشاعر الإنسان الداخلي. أنظر بأية طريقة الله حاضر بمعونته ليسندنا في الإرادة والعمل، يعمل فينا أن نريد وأن نعمل[28].]

كما يقول في موضع آخر: [أنظر إلينا يا ربنا يسوع لنعرف البكاء على خطايانا[29].]

[1] De Prod. Jud. hom 1.

[2] Catena Aurea.

[3] In Luc. Ser. 148.

[4] In Luc. Ser. 141.

[5] In Luc. Ser. 141.

[6] In Luc. 22: 7-13.

[7] In Luc. 22: 7-13.

[8] In Pord. Jud. hom `e.

[9] In Luc. Ser. 142.

[10] A. Hamman: The Paschal Mystery, 1969, p 26-39.

[11] Cf. Catena Aurea.

[12] De Myster. 9.

[13] In Luc. Ser. 144.

[14] Cf. Catena Aurea.

[15]  الحب الإلهي، 1967،  ص367-392.

[16] In Luc 22: 39-53.

 [17] القديس أغسطينوس: اتفاق البشائر 3: 4. [راجع أيضًا أقوال بعض الآباء مثل القديس كيرلس الكبير في سرّ حزن السيدالمسيح، في كتابنا: الإنجيل بحسب متى، ص536-537.]

[18] Ep 133: 10.

[19] In Luc 22:39-53.

[20] In Luc Ser. 148.

[21] In Luc Ser. 148.

[22] In Luc 22: 39-53.

[23] In Luc Ser. 148.

[24] In loan. tr 116:4.

[25] In Matt. hom 85.

[26] In Luc. hom 150.

[27] In Luc 22: 54-62.

[28] On the Grace of Christ 49.

[29] In Luc 22: 54-62.

 

تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 14 – الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 14 – الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 14 – الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 14 – الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الإصحاح الرابع عشر

التكلم بالألسنة

بعد أن تحدث الرسول عن “المواهب الروحية” وأوضح أهمية المحبة في ممارسة هذه المواهب، الآن يوضح مركز “التكلم بالألسنة” بين المواهب الأخرى، فيضعها في آخر القائمة، ويعالج المفاهيم الخاطئة لها وإساءة استخدامها.

لقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في نبذة سبق نشرها، وقد شعرت بأهمية عرضها هنا كملحقٍ لهذا الإصحاح.

  1. سمو النبوة عن التكلم بألسنة 1-5.
  2. عدم نفع التكلم بألسنة غريبة 6-14.
  3. العبادة بروحٍ وفهمٍ 15-20.
  4. التكلم بألسنة لغير المؤمنين 21-25.
  5. المواهب والتشويش 26-33.
  6. احترام النظام الكنسي 34-40.

1. سمو النبوة عن التكلم بألسنة

يسألهم الرسول أن يجتهدوا فيما تمتعوا به من مواهب روحية في حدودٍ معينةٍ، وأن يمتلئوا غيرة في التنبؤ أي كلمة الوعظ وتفسير الكتاب المقدس.

“اتبعوا المحبة…” [1].

هذه الآية تكملة الإصحاح السابق. يحثنا الرسول أن نتبع المحبة ونجاهد بكل غيرة لكي نقتنيها ونمارسها، فنحتمل ونصدق ونرجو ونحيا أشبه بملائكة اللَّه. قد تبدو الوصية صعبة، لكنها تصير طبيعية وسهلة لمن يسلم حياته في يد اللَّه، ويحسب الوصية وعدًا إلهيًا يُطالب اللَّه أن يحققها في حياته. من يختبرها بحق يجد فيها لذّة، لأنها تبعث في داخله سلامًا، هو عربون الحياة السماوية المطوبة.

بقوله: اتبعوا المحبة” يعنى أن نجعلها هدفنا الرئيسي، إذ هي أعظم وأبقي من الإيمان والرجاء، نسعى إليها بالصلاة المستمرة والخضوع لمشيئة الروح (1 كو 12: 11، 31). يتطلع الرسول إلى المحبة كأغنى عطايا الروح القدس للمؤمن وأعظمها، ترفعه إلى السماء، وتهبه تذوقًا للشركة في سمات السمائيين، وتفتح أمامه باب الشهادة بالحب حتى نحو الأعداء المقاومين.

  • لم يقل فقط “لنحب” إنما يقول: “اتبعوا المحبة” [1]. توجد حاجة إلى غيرة كثيرة…

حب اللَّه هو الذي يوحد الأرض بالسماء.

إنه حب اللَّه الذي أجلس الإنسان على عرش ملوكي.

محبة اللَّه هي التي أعلنت عن اللَّه على الأرض.

إنها محبة اللَّه التي جعلت الرب خادمًا.

محبة اللَّه هي التي جعلت المحبوب يُسلَّم لأعدائه، يُسلَّم الابن لمبغضيه، الرب لخدّامه، اللَّه للناس، الحر للعبيد[1].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولكن جدوا للمواهب الروحية،

وبالأولى أن تتنبأوا” [1].

إذ نحمل الحب نطلب المواهب الروحية، لأنه بدون الحب تصير المواهب علة كبرياء وحسد وغيره وصراعات وانشقاقات في الكنيسة.

إذ نتمتع بالحب ونمارس الحياة المطوّبة نجتهد في الشهادة للَّه بكلمة الكرازة وتفسير كلمة اللَّه، ولا نطلب التكلم بألسنة أو صنع المعجزات. إذ يقارن الرسول بين التكلم بالألسنة وشرح كلمة اللَّه أو النبوة يحثنا على الأخيرة بكونها الأفضل لبناء الجماعة.

يميز البعض بين “النبوة” و”التعليم“، فيروا أن النبوة تحمل التهاب القلب بروح اللَّه لسحب كل إنسان للإيمان الحي وخبرة الحياة الجديدة في المسيح يسوع. أما التعليم فهو كشف عن غوامض ما ورد في الكتاب المقدس، وتوضيح العقائد الايمانية لأجل بنيان الكنيسة وبنيان كل مؤمن. النبوة والتعليم من مواهب الروح القدس، لا يمكن الاستغناء عن إحداهما.

  • يقول بولس أن النبوة هي أعظم المواهب بعد المحبة لأنها لمنفعة الكنيسة وفائدتها، إذ بها يتعلم كل أحد أسس ناموس اللَّه[2].

أمبروسياستر

لأن من يتكلم بلسانٍ لا يكلم الناس بل اللَّه،

لأن ليس أحد يسمع،

ولكنه بالروح يتكلم بأسرارٍ” [2].

يري دكتور لايتفوت Dr. Lightfoot أن اللسان غير المعروف هنا هو اللغة العبرية. إذ كانت نصوص العهد القديم تُقرأ بالعبرية، وهي تحوي أسرار اللَّه الفائقة من نبوات عن السيد المسيح ورموز وظلال. ولم يكن يقدر السامعون أن يفهموها ما لم يوجد من يترجمها إلى اللغة التي يعرفها السامعون. هكذا من يقرأ من العهد القديم يفهم ويتحدث مع اللَّه، أما السامعون فلا ينتفعون شيئًا. يحتاج القارئ أن يهبه الروح إمكانية الترجمة ليوضح أسرار اللَّه المخفية بلغة الشعب المستمع له.

لم يقلل الرسول من أهمية التكلم بألسنة أجنبية متى وُجد أجانب، أو متى كرز الشخص بين أجانب [22]. إنما يقلل من شأنها متى كانت بلا نفع، وكان كل الحاضرين يتكلمون بلغة واحدة.

يقصد بالأسرار هنا الحقائق الانجيلية السامية وخطة اللَّه للخلاص الفائقة للفكر البشري.

  • ظن الكورنثوسيون أن موهبة التكلم بالألسنة موهبة عظيمة، لأن التلاميذ تسلموها أولاً، ولأنها تحمل مظهرًا عظيمًا. لكن هذا ليس بسبب حتى تُعتبر أعظم المواهب. السبب الذي لأجله نالها التلاميذ أولاً هو أنها علامة أن يذهبوا إلى كل موضع ويكرزوا بالإنجيل[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وأما من يتنبأ،

فيكلم الناس ببنيان ووعظ وتسلية” [3].

من له موهبة النبوة أو الحديث الروحي الذي يسحب القلب نحو الحياة العتيدة والفكر السماوي أفضل ممن له موهبة التكلم بألسنة. يليق بالاثنين من له موهبة النبوة ومن له موهبة التكلم بألسنة أن يقدما ذات الحق الانجيلي. يعمل الاثنان من أجل بنيان الكنيسة، أي استنارتها وتمتعها بروح القوة.

ومن أجل الوعظ، أي الممارسة العملية للحياة الايمانية الصادقة والسلوك المقدس في الرب.

ومن أجل التسلية أو الراحة، ويعنى تشجيع المؤمنين بتقديم الوعود الالهية وفتح أبواب الرجاء أمامهم، فيشعروا بالراحة وسط الآلام، والحياة المطوبة وسط الضيقات والاضطهادات.

  • يُبنى الشخص عندما يجد الإجابة على النقاط موضع البحث، فيتشجع عندما يقدر أن يحتمل، ويتعزى عندما يستمر في الرجاء حتى إن تطلع الآخرون باستخفاف إلى نظامه. معرفة الشريعة تقوي نفسه وتشجعه ليترجى أمورًا أفضل[4].

أمبروسياستر

  • يعتبر بولس هذه الموهبة سامية، لأنها تُستخدم لأجل الصالح العام. دائمًا يعطي كرامة أعظم للمواهب التي تستخدم لنفع كل أحدٍ[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

من يتكلم بلسان يبني نفسه،

وأما من يتنبأ فيبني الكنيسة” [4].

من يتكلم بلسان غير معروف للحاضرين لكنه بلغة مفهومة له فهو يدرك الحق، ويبنى نفسه في المسيح يسوع، لكنه لا ينفع الحاضرين في شيء. كمثال إذ يقرأ النصوص من العهد القديم بالعبرية يفهم أسرار اللَّه ويدرك خطته، أما من يحدث الشعب باللغة التي يفهمها فيبنى كنيسة اللَّه.

  • الفارق بين الألسنة والنبوة بتدقيق هو الفارق بين النفع الفردي ونفع الكنيسة كلها[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“إني أريد أن جميعكم تتكلمون بألسنة،

ولكن بالأولى أن تتنبأوا،

لأن من يتنبا أعظم ممن يتكلم بألسنة

إلا اذا ترجم حتى تنال الكنيسة بنيانًا” [5].

واضح أنه يتحدث هنا عن لغات مفهومة وليس عن هلوسة غير معقولة[7]، وكما يقول Lightfoot إذ يتكلم كثيرون باللغة العبرية يليق أن يترجم أحد ما قد قيل.

  • في هذا النقطة قارن (الرسول) بين المواهب العظمى والأدنى الخاصة بالتكلم بالألسنة، مظهرًا أنها ليست غير نافعة تمامًا ولا أيضًا مفيدة جدًا في ذاتها. ففي الواقع كان ينتفخون جدًا بسببها، إذ كانوا يظنّون أنها موهبة عظمى. ظنّوا أنها عظيمة، لأن الرسول نالها أولاً واستخدمها بطريقة رائعة، على أي الأحوال يلزم ألا يظنّوا أنها فوق كل المواهب الأخرى[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ولكن بالأولى” والأعظم؛ لا يفهم ذلك على أن التنبوء ضد التكلم بالألسنة، وإنما أسمى منها. هنا أيضًا واضح أنه لا يسيء إلى الموهبة، إنما يقودهم إلى ما هو أفضل، مظهرًا اهتمامه بمصلحتهم بروح لا تحمل حسدًا قط. إذ لم يقل: “أريد أن اثنين أو ثلاثة” بل “جميعكم تتكلمون بألسنة“. ليس هذا فقط وإنما “أن تتنبأوا“، وهذه أولى من تلك، “لأن من يتنبأ أعظم ممن يتكلم بألسنة”. وإذ أثبت ذلك وبرهن عليه صار يدافع عنه بمهارة. لذلك يضيف: “إلا إذا تُرجم، أي إن كان قادرًا على ذلك، أي على الترجمة. فإنه بهذا يتساوى مع الذي يتنبأ[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لم يستطع بولس أن يمنع التكلم بالألسنة، لأنها هو موهبة من الروح القدس، ولكن الانشغال بالنبوة أكثر قبولاً لأنها أكثر نفعًا[10].

أمبروسياستر

2. عدم نفع التكلم بألسنة غريبةٍ

فالان أيها الاخوة

إن جئت إليكم متكلمًا بألسنة فماذا أنفعكم إن لم أكلمكم

إما باعلانٍ أو بعلمٍ أو بنبوةٍ أو بتعليمٍ” [6].

كان لدي الرسول بولس موهبة التكلم بألسنة [18]، لكنه لم يستخدمها كنوعٍ من الاستعراض، وإنما لتوصيل كلمة الإنجيل للذين لا يفهمون اللغة المحلية للبلد التي يتحدث فيها.

عوض الحديث بألسنة يحدثهم الرسول باعلان ومعرفة ونبوة وتعليم:

الإعلان: هو كشف عن أسرار إلهية خفية فائقة المعرفة.

المعرفة: هي تفسير لما يبدو غامضًا، وتمتع بالعلم عوض الجهالة.

النبوة: الحديث الروحي لسحب القلب للحياة الأبدية.

التعليم: تقديم مبادئ مسيحية واضحة.

تحمل هذه التعبيرات الأربعة معنى كشف الأمور والحديث الصريح والبسيط وإعلان الحق للتمتع بالحق والحياة الانجيلية العملية والدخول بهم إلى السماويات.

  • يقول بولس هذا ليظهر أنه مهتم بنفع الكنيسة لا بالاستخفاف بمن لهم موهبة الألسن. هو نفسه كان يمكنه أن تكون له، لكنها قد تكون بلا نفع ولا تُجدي إن أسيء تفسيرها[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم

الاشياء العادمة النفوس التي تعطي صوتًا

مزمار أو قيثارة

مع ذلك إن لم تعطِ فرقا للنغمات

فكيف يعرف ما زمر أو ما عزف به؟” [7]

يقدم الرسول مثالاً عمليًا لمن يتكلم بألسنة لا يفهمها الحاضرون. إنها أشبه بمن ينفخ في مزمار أو يضرب على قيثارة دون تمييز للنغمات وبلا نظام وانسجام، فمع سمعات أصوات موسيقية لكنها مزعجة متنافرة تُفقد المستمع هدوءه وسلامه. عمل الموسيقي أن تخلق جوًا من الفرح أو تعزيات أثناء الحزن وتعبر عن مشاعر الموسيقي لتثير مشاعر الحاضرين نحو هدفٍ واضحٍ.

  • إن كنا نطلب درجات متفاوتة في الآلات التي بلا حياة كم بالأكثر نطلبها في الكائنات الحية[12].
  • إن كان حتى في الأدوات الموسيقية التي بلا حياة يوجد نفس الشيء، سواء أكان مزمارًا أو قيثارة، فإن ضُربت أو نُفخ فيها بارتباك بلا مهارة وبدون تناسق وبقدر معين لائق فإنها لن تسبي أحدًا من السامعين. فإن كنت لا تضرب أو لا تنفخ في المزمار بحسب الفن فأنك لا تفعل شيئًا. الآن إن كانت هذه الأمور التي بلا حياة تحتاج إلى التمييز والتناغم والاستخدامات اللائقة، وفي هذه الأصوات التي بلا فاعلية نجاهد ونصارع لكي نسكب عليها معنى كهذا، كم بالأكثر يليق بالبشر المملوءين بالحياة والعقل أن يجعلوا معنى للموضوع في المواهب الروحية[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

فإنه إن أعطى البوق أيضًا صوتًا غير واضح،

فمن يتهيأ للقتال؟” [8]

يُستخدم البوق في المعارك، ولكل نغمة لها معنى. خلال أصوات البوق يمكن للجند أن يدركوا غاية ضرب البوق مثل استدعائهم معًا، أو حماسهم في السير نحو المعركة، أو دعوتهم بالبدء في ضرب العدو، أو انسحابهم إلى حين للراحة أو انسحابهم تمامًا. وكأن ضربات البوق لها لغة مفهومة تحرك مشاعر الجنود وتوجههم وتهيئهم للعمل العسكري.

إن ضُرب البوق ولم يُدرك الجندي أنه بوق للاستعداد للمعركة لا يحمي نفسه فيتعرض للَّهلاك. هكذا من يتكلم بألسنة لا يفهمها المستمعون لا يدركوا دورهم ويتعرضون للدمار.

  • البوق علامة الحرب لذلك عندما تتحقق النفس من أن تتسلح بفضائل عظيمة هكذا بالضرورة تدخل الحرب ضد الرئاسات والقوات وضد حكام العالم (الشرير)[14].

العلامة أوريجينوس

هكذا أنتم أيضًا إن لم تعطوا باللسان كلامًا يُفهم،

فكيف يُعرف ما تكلم به؟

فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء” [9].

من يتكلم بلغة غير مفهومة يكون كمن يتكلم في الهواء، كأن ليس أحد حاضرًا أمامه، وبالتالي لا ينتفع به أحد.

  • إن كان التكلم بالألسنة بلا نفع فلماذا أعطيت؟ إنها أعطيت لنفع الشخص الذي ينالها، ولكن إن كانت لنفع آخرين أيضًا فيلزم وجود ترجمة[15].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ربما تكون أنواع لغات هذا عددها في العالم

وليس شيء منها بلا معنى” [10].

مع أنه يوجد لغات كثيرة في العالم هذا عددها، لكن ليست لغة ما توجد لمجرد الاستعراض، إنما لها معنى خلالها تتم العلاقات بين الأشخاص.

فإن كنت لا أعرف قوة اللغة

أكون عند المتكلم أعجميًا

والمتكلم أعجميًا عندي” [11].

قوة اللغة في معناها وفهمها. فإن كنت لا أفهم ما يقوله المتحدث معي يصير بالنسبة لي وأنا بالنسبة له كبرابرة لا نفهم بعضنا، لا يمكن أن نتعاون معًا ونعمل معًا، ولا يفهم أحدنا الآخر.

يقصد بكلمة “بربري” أو “أعجمي” الشخص الذي يتكلم بلغة غريبة لا يفهمها المستمع إليه.

هكذا أنتم أيضًا إذ أنكم غيورون للمواهب الروحية

اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا” [12].

إذ ترغب في المواهب الروحية أسألك أن تسعي أن تتحدث بلغة مفهومة وواضحة، وذلك للعمل لحساب بنيان الكنيسة. هذا البنيان هو أهم ما يسعى إليه الروح، وغاية ما نشتهيه. حسن أن يشتهي الإنسان أن يتمتع بمواهبٍ روحيةٍ، لكن يجب أن يكون غايتها هو بنيان الكنيسة. بمعنى أن ما يشتهيه الإنسان لا أن تكون له موهبة التكلم بالألسنة ولا صنع المعجزات بل خلاص نفسه وخلاص اخوته.

  • بناء الكنيسة عند بولس هو المحك الأصيل في كل ما يقوله[16].
  • ألا ترون هدفه في كل مكان كيف يتطلع إلى أمرٍ واحدٍ باستمرار وفي كل الأحوال وهو النفع العام، نفع الكنيسة، واضعًا هذا قدامه كقانون؟

لم يقل: “لتنالوا المواهب” بل “أن تزدادوا“، أي لكي تنالوها بفيضٍ عظيمٍ. حاشا لي أن أريد لكم ألا تملكوها، بل أود أن تزدادوا فيها، بشرط أن تستخدموها للنفع العام[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • تُثار النفس وتفرح عندما تتعلم شيئًا أكثر عن الكتب المقدسة. كلما توجهت بالأكثر إلى هذا الاتجاه تتخلى بالأكثر عن الرذائل. لهذا السبب ينصح بولس أنه يليق بالشخص أن يجاهد لعمل اتصالات واضحة[18].

أمبروسياستر

“لذلك من يتكلم بلسان فليصلِ لكي يترجم” [13].

ليت ذاك الذى يتكلم أو يقرأ النبوات الواردة في العهد القديم فى لغتها الأصلية أن يطلب من اللَّه أن يفهمها وينال نعمة ترجمتها، لكى يقدمها للآخرين في أعماق جديدة، ولكي تسنده في الشهادة للسيد المسيح.

من يتكلم بلغة لا يفهمها السامعون فليصلِ لكي يترجم ويفسر بطريقة معقولة ومقبولة لكي يُمكن للسامعين أن يفهموا ما يُقال.

  • إن كان الشخص الذي يتكلم بألسنة ليس لديه الإمكانية للترجمة فإن الآخرين لن يفهموا، لكنه سيعرف ما يتحرك به ليقوله الروح. عندما يفهم الآخرون ذلك حسنًا سيأتي الثمر. هنا كما في كل موضع نتعلم أن نطلب الصالح العام للكنيسة[19].

العلامة أوريجينوس

  • الآن يقول هذا لكي يجلبهم بعضهم مع بعض، فإن كان إنسان ليست له موهبة الترجمة، فليلجأ إلى آخر له هذه الموهبة، فيجعل موهبته مفيدة خلاله.

في كل موضع يشير (الرسول) إلى عدم الكمال لكي يربطهم ببعضهم البعض[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لأنه إن كنت أصلي بلسانٍ

فروحي تصلي

وأما ذهني فهو بلا ثمر” [14].

إن كانت صلواتى مقتطفة من عبارات وأقوال نبوية باللغة التي كُتبت بها فإن روحي تصلي، وقلبي ينشغل بالعمل، ولكن فهمي يكون غير مثمرٍ في حياة الآخرين، لأنهم لا يفهمون صلواتي، وأنا لا أقدر أن أفسرها لهم.

يري بعض الدارسين أن الحديث هنا عن الصلوات الجماعية والتسبيح الكنسي عندما يقدم بلغةٍ لا يفهمها الشعب، فمع ما تحمله العبادة من روح له تأثير على الأعماق لكن يبقى العقل خاملاً لا يتابع المعنى.

ماذا يعني بأن روحي تصلي؟ تشير الروح هنا إلى النية الداخلية أو القلب كمركزٍ للمشاعر والعواطف. أما الذهن فيُقصد به القدرة علي الفهم والقدرات العقلية.

  • إن قدمت كلمة مديح للَّه، ليست جديدة ولا منتعشة بتعليم الروح وتعليم نعمة اللَّه يقدم فمك ذبيحة تسبيح، أما ذهنك فيُتهم بالعقم الخاص بالجسد القديم من الأمس[21].

العلامة أوريجينوس

  • هنا يعني نفس شيء أيضًا، أن اللسان يتكلم، ولا يتجاهل الفهم الأمور التي يُنطق بها. فإن لم يكن الأمر هكذا يحدث تشويش آخر[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. العبادة بروحٍ وفهمٍ

فما هو اذا؟

أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا،

أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا” [15].

أصلي بالقلب وبكل أحاسيسي ومشاعري المكرسة لحساب الرب، وفي نفس الوقت يشترك فيها الفهم. بهذا يرتفع قلبي إلى السماء وترتفع قلوب اخوتي معي، إذ يدركون ما أصلي به وما أسبح به الرب.

هنا يوضح الرسول الآتى:

  • التزام الكنيسة بالتسبيح وتقديم التشكرات للَّه جنبًا إلى جنب مع الصلوات والطلبات والتضرعات.
  • تُمارس العبادة بكل القلب والمشاعر والأحاسيس لإعلان الحب الداخلي نحو اللَّه.
  • أن تُقدم العبادة بلغة مفهومة لأجل بنيان الحاضرين.

بقوله: “أصلّي بالروح وأسبح بالروح” يقصد أيضًا ممارسة العبادة بقيادة الروح القدس القادر أن يلهب الأعماق بالحب.

  • لا تقدر أذهاننا أن تصلي ما لم يُصلي الروح من أجلها فتطيعه، فإننا لا نقدر حتى أن نرتل ونسبح الآب في المسيح بترنيم لائق ونغم موسيقي وقياس لائق وانسجام ما لم يسبحه أولاً الروح الذي يبحث كل شيء حتى أعماق اللَّه ويرتل لذاك الذي يعرف أعماقه ويدرك ما هو قادر عليه[23].

العلامة أوريجينوس

  • يبدو لي أن العبادة والصلاة بالروح في بساطة هو أن يُقدم الروح الصلاة والعبادة له[24].

القديس غريغوريوس النزينزي

  • صلاة الذين يرتلون مقبولة لدى اللَّه إن كان القلب نقيًا، يحمل ذات الرسالة التي تكشف عنها كلمات التسبحة[25].

كاسيودورس

  • لم يهتم (الرهبان المصريون) بكمية الآيات (التي ترنم في الصلاة) بل بضبط الفكر، هادفين نحو “أرنم بالروح وأرنم بالفهم“. هكذا يعتبرون أن التسبيح بعشرة آيات بفهمٍ وفكرٍ أفضل من سكب مزمور كامل بذهن مشوّش. هذا يحدث أحيانًا بسبب سرعة المتكلم حين يفكر في المزامير الباقية التي تُرنم وعددها، ولا يهتم بأن يكون المعنى واضحًا لسامعيه، فيسرع لكي ينهي الخدمة[26].

القديس يوحنا كاسيان

والا فإن باركت بالروح،

فالذي يشغل مكان العامي كيف يقول آمين عند شكرك،

لأنه لا يعرف ماذا تقول” [16].

فإنك أنت تشكر حسنًا،

ولكن الاخر لا يُبنى” [17].

فإن باركت“، هي أسمى أنواع الصلوات والتسابيح أن يشترك المؤمن مع السمائيين في مباركة اسم اللَّه. يجاوب الشعب بالقول: “آمين“، كان ذلك مستخدمًا عند اليهود ( تث 27 : 15- 26؛ نح 6 :1)، وفي الكنيسة الأولى[27].

كانت صلوات المجمع تدعى “أولوجيا eulogie” أي ” بركات” إذ يقدم الشعب تسابيح شكر وبركة لاسم اللَّه الغني في نعمة وعطايا لنا.

يليق بالمؤمن ألا يكون أنانيًا، فبينما يشعر بكل كيانه أنه مدين للَّه بحياته وخلاصه فيقدم ذبيحة شكر وتسبيحًا له لا يترك أخاه غير مدرك لما ينطق به ولا يتجاوب معه في حياة الشكر والتسبيح. في حبٍ صادقٍ لا يبرر المؤمن تصرفاته بأن شكره أو تسبيحه مقبول لدى اللَّه باللغة الأجنبية دون أن يشترك معه أخوه في هذا.

  • انظروا كيف يجلب هنا أيضًا الحجر الذي له إلى الميزان المائي لضبط استقامة الحائط، ففي كل موضع يبحث عن بنيان الكنيسة. يقصد هنا بالعامي “غير المتعلم” الإنسان العلماني، ويعني أنه هو أيضًا يعاني خسارة ليست بقليلة عندما لا يقدر أن يقول “آمين”. ما يقوله هو هذا: إن كنت تبارك بلسانٍ بربريٍ وأنت لا تعرف ما تقول، ولا تقدر أن تترجمه فإن العلماني لن يجيب: “آمين”… مرة أخرى إذن إذ يعطيه راحة بخصوص هذا حتى لا يرى الموهبة رخيصة. نفس الملاحظة كما فعل قبلاً: عندما ينطق بأسرارٍ أو يتحدث مع اللَّه، ويبني نفسه، ويصلي بالروح قاصدًا تقديم راحة ليست بقليلة خلال هذه الأمور، هكذا يقول هنا: “أنت تتشكر حسنًا” إذ تتكلم متحركًا بالروح، لكن الآخر لا يسمع شيئًا ولا يفهم ما يُقال، فيقف هنا ولا ينال نفعًا عظيمًا بهذا[28].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“أشكر الهي إني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم” [18].

يُظهر الرسول أنه لا يستخف بموهبة التكلم بألسنة، فهو يشكر اللَّه أنه قد وهبه ذلك لكي يحدث الكثيرين بلغتهم. إذ كان بولس رسولاً للأمم وهبه اللَّه التكلم باللغات أكثر من غيره حتى يتمكن من الخدمة في كل البلاد التي يزورها ويخدم فيها.

  • كانت موهبة التكلم بالألسنة غريبة، أما النبوة فمعروفة وقديمة، وقد أعطيت لكثيرين بعكس الأولى، ومع هذا لم يهتم بها كثيرًا، ليس لأنه لم يستخدمها، ولا لأنه لم ينلها بل يبحث دومًا في الأمور الأكثر نفعًا، بكونه متحررًا من كل مجدٍ باطلٍ، مهتمًا بأمرٍ واحدٍ فقط: كيف يجعل سامعيه في حالٍ أفضل[29].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني

لكي أعلم آخرين أيضًا

أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسانٍ” [19].

يقول Dr. Pearce أن أصعب مشكلة في هذا الإصحاح هو إدراك ما يقصده الرسول بكلمتي “روح” pneuma و”ذهن” nous اللتين تكررتا كثيرًا. من العبارة واضح ما يقصده الرسول هو أن يوجه الكنيسة للصلاة والتسبيح لا باللغة العبرية التي كُتب بها العهد القديم خاصة الترنم بالمزامير، وإنما أن يُصلي ويرنم بلغة الشعب حتى يدرك كلمة الوعظ والصلاة والشكر والتسبيح للَّه.

يقول Dr. Pearce أن الرسول يقدم الروح والذهن كأنهما مقابلان لبعضهما البعض. فيقصد بالروح أن يفهم الإنسان المتكلم أو المرتل دون الذين حوله، ويقصد بالذهن أن يدرك الجمهور ما ينطق به المتكلم أو المرتل.

أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم،

بل كونوا أولادًا في الشر،

وأما في الأذهان فكونوا كاملين” [20].

يليق بنا ألا نسلك كأطفالٍ بلا التزام أو مسئوليةٍ أو فهمٍ، بل نكون ناضجين وكاملين كما أن أبانا كامل. لنكن أطفالاً في الشر، لا نحمل روح الخبث بل بساطة القلب والحب.

هنا يلزمنا إدراك معنى ثلاث كلمات يونانية واردة في هذه العبارة:

1- paidia معناها أطفال بوجه عام وعلى وجه الخصوص الذين ينمون لكي يرسلوا إلى المدرسة ويتقبلوا التعليم. وكأن الرسول يقول: لست أريدكم أن تكونوا أطفالاً paidia صغارًا كمن يبتدءون في الذهاب إلى المدرسة لتعلم المبادئ الأولية بل يكون لهم الفهم والإدراك الكافي لهذه المبادئ.

2- أما من جهة الخبث فكونوا أطفالاً neepios، وهي مشتقة من nee تعنى طفلا infant عاجزًا عن الكلام في المرحلة البدائية للطفولة. أي يعجز عن أن يهدف نحو الشر أو يتحدث به.

3- كامل teleioi من teleoo وتعني الإنسان الذي بلغ النضوج الكامل في القامة والفهم. فهو يود أن نكون ناضجين جسديًا وفكريًا.

هكذا يحسب الرسول بولس الذين ينتفخون بالتكلم بألسنة يمارسون عملا طفوليًا غير ناضج، يحتاجون إلى دخول في مدرسة الخدمة ليتدربوا علي الحب العملي والبحث الجاد عن خلاص اخوتهم بفهمٍ وتعقلٍ، لا بانفعالات عصبية طفولية. فالايمان ليس مجالاً للَّهوٍ طفوليٍ بل هو عمل متعقل ناضج. إنه يحترم في الطفولة البساطة وعدم الخبث كما قال السيد المسيح أنه يلزمنا أن نصير كالأطفال لندخل ملكوت السموات (مت 18: 3). لكنه يطالبنا ألا نتشبه بهم في العجز عن الفهم والإدراك أو عدم الالتزام بالمسئولية.

  • إذ كان لهؤلاء موهبة الألسنة والتي كانت أقل المواهب، ظنّوا أنهم نالوا كل شيء، لذلك يقول: “لا تكونوا أولادًا“، أي لا تكونوا بلا فهمٍ حيث يجب أن تكونوا مفكّرين، لكنكم صرتم كالأطفال البسطاء حيث الشر والمجد الباطل والكبرياء. لأن من هو طفل في الشر يلزم أن يكون أيضًا حكيمًا. وحيث أن الحكمة مع الشر ليست حكمة هكذا أيضًا البساطة مع الغباوة ليست بساطة. يلزم مع البساطة أن نتجنب الغباوة، ومع الحكمة نتجنب الشر[30].
  • أن تكون طفلاً في الشر هو أنك لا تعرف حتى ما هو الشر[31].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يريدهم بولس أن يكونوا ناضجين عقليًا حتى يقتطفوا بدقةٍ ما هو لازم لبنيان الكنيسة. بهذه الطريقة يتركون خلفهم المكر والأخطاء، مجاهدين عوض ذلك من أجل الأمور التي تقود إلى صالح الاخوة[32].

أمبروسياستر

  • لا تكونوا أطفالاً في الفهم، وإنما في المكر كونوا أطفالاً صغار فتكونوا في الفهم كاملين… يمكن التعبير عن هذا هكذا: “لا تكونوا أطفالاً، ومع ذلك كونوا أطفالاً”[33].
  • الحكمة الإلهي نفسه إذ حمل طبيعتنا الضعيفة جاء لكي يجمع أبناء أورشليم تحت جناحيه، كدجاجة تجمع فراخها، لا لكي نبقى دومًا صغارًا بل إذ نكون أولادًا في الشر نكف عن أن نكون أولادًا في الفكر[34].

القديس أغسطينوس

4. التكلم بألسنة لغير المؤمنين

مكتوب في الناموس

إني بذوي ألسنة أخرى

وبشفاه أخرى

سأكلم هذا الشعب،

ولا هكذا يسمعون لي يقول الرب” [21].

يقصد بالناموس هنا العهد القديم ككل، وقد ورد هذا القول في إشعياء 38: 11 – 12. يشير في إشعياء إلى أن اللَّه يعلم شعبه اليهودي المتمرد الخضوع له بتأديبهم وسط شعب يتكلم بلغة أخري، أي بشعبٍ غريبٍ، إذ سلمهم للكلدانيين (السبي الأشوري لإسرائيل ثم البابلي ليهوذا). لم يشر الرسول إلى عبارة نبوية خاصة بالتكلم بألسنة، وإنما يشير إلى استخدام اللَّه للغة الأجنبية لتأديب الشعب الرافض لصوت اللَّه. فكما أدّب شعبه بالبابليين الذين أذلوا الشعب الجاحد، هكذا يستخدم اللَّه التكلم بألسنة لغير المؤمنين، أي للأمم قبلاً. وكأن غاية التكلم بالألسنة ليس الاستعراض ولا عدم الفهم وإنما الحديث مع غير المؤمنين بلغتهم التي يجهلها المتكلم، يتحدث بها كعطية مجانية من قبل اللَّه. بهذا يدرك اليهود والأمم أن اللَّه هو مخلص الجميع.

إذًا الألسنة آية،

لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين.

أما النبوة فليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين” [22].

التكلم بألسنة هو آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين. فكما تحدث اللَّه مع شعبه القديم بلغة التأديب خلال البابليين أي بلغة غريبة حتى يكفوا عن تمردهم ويؤمنوا، هكذا في العهد الجديد يقدم التكلم بالألسنة لكي يحدث غير المؤمنين من اليهود والأمم بلغات أجنبية (غير العبرية) حتى يؤمن الكل! إنه صوت إلهي لرافضي الإيمان بالإنجيل وعمل اللَّه الخلاصي للعالم كله! فمتي آمنوا بالرب وقبلوا الانجيل فلا حاجة لليهود أن يسمعوا الرسل يتحدثون بألسنة الأمم، ولا حاجة للأمم، إن وجد من يعرف لغتهم، أن يبشرهم أحد بلغتهم وهو لم يتعلمها.

فالتكلم بالألسنة ليس للمسيحيين الذين قبلوا الحق الانجيلي بل لغير المسيحيين ليدركوا دعوة اللَّه لهم بلغتهم التي كان يجهلها الرسل.

بنيان الكنيسة يحتاج إلى كلمة النبوة الهادئة البناءة، لكي يتمتع المؤمنون بالمعرفة الصادقة، وتنسحب قلوبهم إلى الحياة السماوية والعالم العتيد.

  • الألسنة علامة لغير المؤمنين لا لتعليمهم، وأما النبوة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين لنصحهم[35].
  • لا يحتاج المؤمن أن يرى آية بل يطلب فقط تعليمًا ووعظًا[36].

القديس يوحنا الذهبي الفم

فإن اجتمعت الكنيسة كلها في مكانٍ واحدٍ،

وكان الجميع يتكلمون بألسنة،

فدخل عاميون أو غير مؤمنين،

أفلا يقولون أنكم تهذون؟” [23]

يكشف الرسول هنا عن سوء استخدام الموهبة، إذ كانوا يجتمعون معًا، وكل يتحدث بلغة مخالفة، فيتحول الاجتماع إلى نوع من الهذيان والجنون! عوض الحديث مع الشعب باللغة التي يفهمونها والتي لم يتعلمها المتحدث كانوا يهذون بلغات غير مفهومة من عامة الشعب.

بقوله: “عاميون” يقصد أناس لا يفهمون اللغة التي ينطق بها المتكلمون. وكأن المتكلمين يتكلمون بلغات أجنبية موجودة في العالم ولا يهذون بكلمات غامضة، ومع هذا فإن الرسول يرفض ذلك حتى لا تتحول العبادة الكنسية إلى نوع من الهذيان.

هكذا تحولت الكنيسة في كورنثوس إلى الشعب الذي تبلبلت ألسنتهم عندما أرادوا بناء برج لمقاومة اللَّه، عوض تمتعهم بالجو البنطقستي حينما سمع كل واحدٍ اللغة التي وُلد فيها (أع2: 8).

ولكن إن كان الجميع يتنبأون،

فدخل أحد غير مؤمن أو عامي،

فإنه يوبخ من الجميع،

يحكم عليه من الجميع” [24].

إذا دخل غير مؤمنٍ الكنيسة ووجد كل في دوره يتحدث عن الإيمان بتعقلٍ وفهمٍ وإدراكٍ بروح هادئ وديع يبكته ضميره ويقبل الإيمان، إذ يفهم الكلمة الموجهة إلى قلبه.

يحكم عليه الجميع، إذ يدرك كأن خطاياه صارت واضحة للجميع حيث لم يتمتع بعد بغفرانها ولا بِبِرّ المسيح فيه. يدرك حاجته إلى المخلص للتمتع بالحياة الجديدة المقدسة في الرب.

وهكذا تصير خفايا قلبه ظاهرة،

وهكذا يخر على وجهه ويسجد للَّه مناديًا

أن اللَّه بالحقيقة فيكم” [25].

شتّان ما بين جماعة تنطق بلغات مجهولة لا يفهمها غير المؤمن وبين جماعة مقدسة تتعبد وتكرز بالرب الهادئ الوديع. وكما يقول الرسول عن الجماعة الأخيرة:

أولاً: تعطى الفرصة لغير المؤمن أن يدرك في هدوء بما في أعماقه من خطايا، وكأنها قد صارت ظاهرة وتحتاج إلى علاج. وكأن قلبه قد انشق بسيف الروح (عب4: 12؛ يع 1: 23)، بكلمة الرب التي ينطق بها الكارز. يشعر كل واحدٍ أن الكلمة موجهة إليه شخصيًا ليتمتع بعمل اللَّه الخلاصي. يقول مع السامرية: “إنسان قال لي كل ما فعلت” (يو 4: 19، 29).

ثانيًا: يحثه قلبه علي الخضوع للَّه والسجود أمامه، طالبًا التمتع بالخلاص، أي يقبل الإيمان بالمسيح المخلص ويسجد له.

ثالثًا: يشهد أمام أسرته وأصدقائه ومن حوله عن عمل اللَّه في كنيسته وأثره عليه: “مناديًا أن اللَّه بالحقيقة فيكم“.

  • عندما يرى أن اللَّه يُسبح والمسيح يُعبد وليس شيء من التشويش يحدث أو أمر ما يتم سرًا كما يحدث بين الوثنيين عندئذ يُفهم بوضوح أن هذه هي ديانة حقة[37].

أمبروسياستر

5. المواهب والتشويش

فما هو إذًا أيها الاخوة؟

متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور،

له تعليم،

له لسان،

له إعلان،

له ترجمة،

فليكن كل شيء للبنيان” [26].

إذ تجتمع الكنيسة للعبادة يشترك الكل معًا في التسبيح، وليكن لكل واحدٍ عمله حسب موهبة الروح المعطاة له. يود الرسول بولس أن يعمل الكل، ولكن بنظامٍ وتدبير مؤكدًا أن يكون كل شيء لبنيان الكنيسة.

  • ألا ترون أساس المسيحية ونظامها؟ كيف أن عمل العامل الماهر هو أن يبني، هكذا هو عمل المسيحي أن يفيد قريبه في كل الأشياء. وإذ بغيرة حطّ من شأن الموهبة (لإساءة استخدامها) فلئلا تبدو أنها كمالية، فإنه يطلب أن يهدم كبرياءهم لاغير. لذلك فإنه أحصاها مع بقية المواهب، قائلاً:

له مزمور، له تعليم، له لسان“.

فإنه منذ القدم كانوا يجعلون من المزامير موهبة والتعليم موهبة. مع ذلك يقول: “فليكن لكل شيء هدف واحد وهو تصحيح الأقرباء، ولا يكن شيء مصادفة. فإن كنتم تأتون دون أن تبنوا أخاكم فلماذا أتيتم؟

في الواقع إنني لا أركز على الفوارق بين المواهب. أمر واحد يشغلني، أمر واحد أرغبه، أن تفعلوا كل شيء للبنيان. هكذا من له موهبة أقل سيسرع أكثر ممن له مواهب أعظم، إن كان لا ينقصه البنيان. نعم! تُمنح المواهب لكي يُبنى كل أحدٍ، فإن لم يحدث هذا تصير الموهبة لإدانة مقتنيها”[38].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن كان أحد يتكلم بلسانٍ فاثنين اثنين،

أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة،

وبترتيبٍ وليترجم واحد” [27].

في كل اجتماع لا يتكلم أكثر من شخصين أو ثلاثة كل في دوره باللغة التي لا يفهمها بعض الحاضرين ويقوم شخص واحد بترجمة ما قيل.

  • لم يمنع بولس التكلم بألسنة، ربما يقلل من شأن الموهبة لكنه يصر على ضرورة وضع ضوابط لها لأجل بنيان الكنيسة كلها[39].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ولكن إن لم يكن مترجم،

فليصمت في الكنيسة،

وليكلم نفسه واللَّه” [28].

إن لم يوجد من هو قادر أن يترجم فليس من حق أحدٍ أن يتكلم بما لم يفهمه الحاضرون. ليصّلِ أو يسبح في داخله، ولا يرفع صوته بلغةٍ غير مفهومة للحاضرين.

  • لأنكم جئتم ليس معًا بقصد إظهار أن لديكم موهبة، بل لكي تبنوا السامعين، كما سبق فقال: “ليكن كل شيء للبنيان” [26] [40].
  • أمرهم منذ البداية أن يحذروا عندما قدم تمييزًا بين العرافة والنبوة. الآن يأمرهم أن يميزوا ويتجسسوا لإدراك الأمر حتى لا يدخل معلم شيطاني خلسة[41].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الشخص الذي يتكلم بالروح القدس يتكلم عندما يختار ذلك وعندئذ يمكنه أن يصمت مثل الأنبياء. أما الذين بهم روح دنس فيتكلمون حتى عندما لا يريدون. ينطقون بأمورٍ لا يفهمونها.

سفيريان أسقف جبالة

أما الأنبياء فليتكلم اثنان أو ثلاثة،

وليحكم الآخرون” [29].

يحرص الرسول بولس علي روحانية الاجتماعات الكنسية سواء للوعظ أو العبادة. فكما طالب ألا يتحدث أكثر من اثنين أو ثلاثة باللغات التي لا يعرفها كل الحاضرين يطالب أيضًا الذين يتكلمون بكلمة الوعظ ألا يكثر عددهم فلا يتكلم أكثر من أثنين أو ثلاثة ليدرك المتكلم إمكانية الحاضرين للاستماع، فتكون لكلمته الروحية فاعليتها.

يري البعض أن دور الثلاثة الذين يتكلمون فى الاجتماع هو أن يقوم أحدهم بقيادة ترنيم مزمور والثانى بكشف الأسرار الإلهية (العتيدة) والثالث بالحث على الحياة الإيمانية العملية.

أما المعلمون الآخرون فيكون لهم روح التميز ليحكموا بأن ما قام به الثلاثة ليس إلا لبنيان الكنيسة، وأنهم مارسوا العمل بروح اللَّه القدوس وليس باستعراض مواهبهم.

هكذا يهتم الرسول بولس بوجود أناس حكماء لهم روح التمييز حتى تسلك الكنيسة تحت قيادة الروح وليس بفكر بشري.

ولكن إن أعلن لآخر جالس فليسكت الاول” [30].

إن تحدث معلم بروح الحق عن أمرٍ هامٍ بصمت الأول حتى تسلك الكنيسة بترتيب. ينهي الأول حديثه باختصار ليعطي الفرصة للآخر دون إطالة، ولا يتحدث أيضًا الاثنان في نفس الوقت.

  • على وجه الخصوص، يليق بمن في مرتبة عالية أن يفسح المجال لمن هو أقل. ببساطة ليست هذه حالة فيها تمُنح كل ميزة لفرد بمفرده. هذا، وأن الذي له رتبة صغيرة ليس بلا موهبة. لا يوجد أحد ليس لديه نعمة اللَّه[42].

أمبروسياستر

لأنكم تقدرون جميعكم أن تتنبأوا واحدًا واحدًا،

ليتعلم الجميع،

ويتعزى الجميع” [31].

لعله يقصد أنه يمكن إعطاء الفرصة لكل واحدٍ أن يتكلم كل في دوره، لكن لا يتكلم الجميع في اجتماعٍ واحدٍ، لا يتكلم الكل معًا بلا نظام أو ترتيب.

  • يسأل بولس أن نتبع تقليدًا للمجمع اليهودي، حيث كان الشعب يحاورون وهم جلوس على كراسيهم أو على أرائك أو على الأرض كل حسب رتبته. إن أعُطى لأحدهم ممن هم جلوس على الأرض إعلان يلزم أن يُسمح له أن يتكلم ولا يُحتقر بسبب دنو رتبته[43].

أمبروسياستر

وأرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء” [32].

لعل بعض الوعاظ كانوا يشعرون بأن الروح القدس قد أعلن لهم شيئًا فيتكلمون بلا نظام. هنا يؤكد الرسول أنه حتى الأنبياء، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد، الذين يقودهم الروح القدس ويعلن لهم بعض الأسرار الإلهية يهبهم كمال الحرية ليختاروا الوقت المناسب للكلمة. لا ينزع الروح القدس عن النبي حريته، فمن حقه أن يتكلم أو يصمت، وبروح التمييز يلزم أن يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.

بقوله “خاضعة الأنبياء” يكشف الرسول عن العمل الجماعي لهم، فمن حق جماعة الأنبياء أن تنظم كلمة النبوة أو الوعظ، ولا ينفرد أحدهم مصممًا علي رأيه، كأن روح اللَّه يقوده دون اخوته الأنبياء.

لأن اللَّه ليس إله تشويش، بل إله سلام،

كما في جميع كنائس القديسين” [33].

سلوك القادة الكنسيين بلا نظام يسئ إلى اللَّه الذي هو إله ترتيب وليس إله تشويش.

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة” تشويش” بمعنى “ضجيج” و”عدم هدوء”. فهو إله سلام وهدوء ونظام. سماواته أيضًا تحمل هذه السمات! لذا فإن كنائس القديسين كأيقونات حية للسماء لا يُسمع فيها صرخات ضجيج أو عدم نظام، فهي كنائس ملك السلام!

  • بالحق كانت الكنيسة في أيام بولس بالأكثر أشبه بالسماء، لأن الروح كان يدير كل شيء، ويحرك كل عضوٍ بدوره. وأما الآن فيبدو لدينا فقط رموز هذه المواهب. نحن أيضًا لدينا اثنان أو ثلاثة يتكلمون في الخدمة، ولكن هؤلاء هم فقط ظل لما كان يحدث. الكنيسة الحاضرة تشبه امرأة سقطت من أيام غناها السابقة وعادت لتحمل العلامات الخارجية لغناها، حيث تظهر الصناديق والسلال التي كانت تضع فيها ثروتها لكنها فارغة. هذا حق ليس فقط من جهة المواهب بل ومن جهة الحياة والفضيلة أيضًا[44].
  • إن كان قد منع من يتكلم بألسنة من الكلام إن لم يوجد مترجم لأنه لا نفع لذلك، فمن المنطق أيضًا يحدّ من النبوة إن لم تحمل هذا النوع بل تسبب تشويشًا واضطرابًا وإثارات نفسية غير عاقلة[45].
  • بالحق الكنيسة كانت سماءً، لذلك فالروح يحكم كل شيء ويحرك كل واحدٍ من القادة ويعطيه وحيًا[46].
  • مرة أخرى يصفع الذين اختاروا السلوك بلا لياقة ويسلكون بعار الجنون، ولا يحافظون على رتبتهم اللائقة. فإنه ليس شيء يبني مثل النظام الحسن والسلام والحب، بالرغم من أن المقاومين لهم يحاولون نزع هذه الأمور[47].

القديس يوحنا الذهبي الفم

6. احترام النظام الكنسي

لتصمت نساؤكم في الكنائس،

لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن،

بل يخضعن كما يقول الناموس أيضًا” [34].

يبدو أن بعض الكورنثوسيات كن يتكلمن بألسنة ويسببن ضجيجًا في الكنيسة.

  • إن كان الأمر هكذا ماذا نقول عن فيلبس الذي كان له أربع بنات يتنبأن؟ إن كن قادرات على فعل ذلك لماذا لا تسمح للنبيات عندنا أن يتنبأن؟

نجيب على هذا السؤال هكذا.

أولا: إن كانت النبيات لدينا يتكلمن فلتُظهرن علامات النبوة فيهن.

ثانيُا: حتى إن كانت بنات فيلبس يتنبأن لم يفعلن ذلك داخل الكنيسة. هكذا في العهد القديم بالرغم من أن دبورة قيل أنها كانت نبية (قض4:4) لم توجد أية إشارة أنها وجهت حديثًا للشعب مثل إشعياء أو إرميا. نفس الأمر بالنـسبة لهلدة (2 مل 22: 14)[48].

العلامة أوريجينوس

  • لقد ضعُفت الحية وارتبطت باللعنة، أما حواء فقد خُتم فمها بالصمت، الأمر النافع، لكنها أيضًا تخدم كقيثارة تسبح الخالق[49].

القديس مار أفرام السرياني

  • أود أن أرى غيرة كل رجل وورع كل امرأة. لتحرق كل عدم تقوى من ذهنك، ضع نفسك على المطرقة والعصيان الكافر تحت المطرقة… عندئذ ينفتح باب الفردوس لكل رجل وامرأة بينكم[50].

القديس كيرلس الأورشليمي

ولكن إن كن يردن أن يتعلمن شيئًا

فليسألن رجالهن في البيت،

لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في كنيسة” [35].

  • يطلب الطوباوي بولس من النساء تواضعًا عظيمًا وسلوكًا مقبولاً لدى الجماعة، ليس فقط من جهة ملابسهن ومظهرهن بل ويهتم بذلك حتى في نظام أحاديثهن[51].
  • إن كنا ندبر بيوتنا هكذا نصير بذلك مؤهلين لتدبير الكنيسة. لأنه بالحق البيت هو كنيسة صغيرة. هكذا يمكننا أن نفوق كل الآخرين إن صرنا أزواجًا صالحون وزوجات صالحات. تطلّع إلى إبراهيم وسارة واسحق والثلاثمائة وثمانية عشر الذين وُلدوا في بيته (تك 14:14). كيف كان البيت كله في تناغم معًا، كيف كان الكل مملوءين تقوى، وتمموا الوصية الرسولية. لقد احترمت زوجها، اسمع كلماتها: “لم يحدث لي بعد هذا حتى الآن، وسيدي أيضًا قد شاخ” (تك 12:18). وهو أيضًا أحبها هكذا فكان يطيعها في كل شيء. وكان الشاب فاضلاً وهكذا الغلمان الذين وُلدوا في بيته كانوا هم أيضًا ممتازين. فلم يمتنعوا عن أن يُعرّضوا حياتهم للخطر مع سيدهم، ولم يتأخروا ولا سألوه عن السبب لماذا يحاربون معه ضد الملوك”[52].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أم منكم خرجت كلمة اللَّه،

أم إليكم وحدكم انتهت” [36].

يعاتب الرسول بولس قادة الكنيسة في كورنثوس فيسألهم هل يظنوا أن كنيستهم هي الكنيسة الأم في العالم منها انطلقت الكرازة، لتنفرد بعادات مختلفة تمامًا عن بقية الكنائس. لقد صارت دون غيرها كنيسة يسودها التشويش لا النظام، يتكلم البعض بألسنة لا للبنيان بل بضجيج، ويعظ البعض معًا دون ترتيب، وتُمارس بعض النسوة بعض تصرفات متعجرفة ويقمن باعتراضات وتساؤلات لا هدف لها الخ. الكنيسة في كورنثوس ليس أم الكنائس ولا آخر كنيسة ولا هي الكنيسة الوحيدة في العالم التي كرز بها الرسول، لذا لاق بها أن تسلك بانسجام مع بقية الكنائس.

إن كان أحد يحسب نفسه نبيًا أو روحيًا

فليعلم ما اكتبه إليكم أنه وصايا الرب” [37].

إن كان أحد يظن أنه تحت قيادة الروح القدس، وأنه قادر علي التعليم حسب مشورة اللَّه وبطريقة روحية فإن ما أكتبه إنما هي وصايا الرب ويجب قبولها والطاعة لها. ما يكتبه ليس ثمرة بلاغته أو فكره الشخصي.

ولكن أن يجهل أحد فليجهل” [38].

من أراد بإرادته أن يجهل سلطاني الرسولي، إني أعلم وأكتب وصايا الرب فإني أتركه لجهلة، يتحمل مسئولية عناده ومقاومته للحق بإرادته.

اذا أيها الاخوة جدوا للتنبوء،

ولا تمنعوا التكلم بألسنة” [39].

هذا هو ملخص كل الإصحاح، وغاية الرسول منه إنه يسألهم أن يجاهدوا بكل اشتياق وغيرة في الكرازة والحديث البنّاء، دون أن يمنعوا التكلم بالألسنة إن كان لبناء الجماعة المقدسة.

  • ألا ترون كيف أنه حتى النهاية يحرص على الاختلاف بينهما (التنبؤ والتكلم بألسنة)؟ ماذا يعني أن الواحد (التنبؤ) ضروري جدًا، والآخر ليس كذلك. لذلك يقول: “إن الواحد يُشتهي جدًا والآخر “لا يُمنع”[53].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب” [40].

ماذا يعنى باللياقة والترتيب؟ أن تُوضع كل الأمور في نصابها حسب أهميتها دون تجاهلها ولا المبالغة فيها. فتمارس الكنيسة أعمالها بوقارٍ وترتيبٍ حسن وجديةٍ.

هنا اقتبس الرسول التعبير الخاص بالترتيب من التعبيرات العسكرية حيث يلزم أن يكون الجيش في نظام دقيق. أي خلل في النظام العسكري يؤدي إلى انهيار الجيش وضياع الدولة، هكذا يلزم ألا يستهين أحد بالنظام الكنسي.

  • ليس شيء ما يبنى مثل النظام الحسن والسلام والحب ، وليس شيء يكون مدمرًا مثل عكس هذه الأمور. ليس فقط في الأمور الروحية بل وفي كل شيء فليراعي الإنسان هذه الأمور[54].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

ملحق للاصحاح 14

التكلم بالألسنة

اختفت موهبة التكلم بالألسنة تقريبًا بانتهاء عصر الرسل؛ ومع بداية القرن العشرين بدأت تظهر الحركة الخمسينيPentecostal Movement تُنادى بضرورة العماد بالروح القدس الذي يصحبه حتمًا تكلم بألسنةglossolalia.

فماذا يعنى “التكلم بالألسنة”؟

ولماذا اختفت هذه الموهبة؟

وهل من حاجة إليها في عصرنا الحاضر؟

V V V

الألسنة والخلاص

يروي لنا سفر التكوين بدء ظهور اللغات المتعددة والألسنة، فقد أراد البشر أن يقيموا لأنفسهم برجًا رأسه في السماء، ليس شوقًا إلى السموات، وإنما هروبًا من اللَّه، فتبلبلت ألسنتهم (تك 11). وصارت الألسنة المتعددة علامة انقسام البشرية وعدم وحدتها. وإذ أراد اللَّه أن يقيم من الأمم كنيسة مقدسة، جسد المسيح الواحد، لم ينزع الألسنة وإنما وهب تلاميذه في يوم الخمسين أن يتكلموا بالألسنة القائمة في ذلك العصر ليقبل الكل “الإيمان الواحد”، وينعم الجميع بالحياة الجديدة السماوية، ليترنموا قائلين مع الرسول: “أقامنا معه وأجلسنا معه في السمويات في المسيح يسوع” (أف 2: 6).

ظهرت موهبة التكلم بالألسنة مع مولد الكنيسة في يوم الخمسين (أع 2: 1-13)، فقد نالوا عطية الحديث بألسنة لم يسبق لهم أن تعلموها (أع 2: 4، 6، 8، 11)، حيث تفاهموا مع سامعيهم بلغاتهم (أع 2:37) كوعد السيد المسيح نفسه (مر17:16). ومن ناحية أخرى عندما ألقى الرسول بطرس عظته بلغته فهمها الجميع، وكأن الروح قد قدم ترجمة فورية لكل لغات الحاضرين.

قدم الروح عطيتين: الأولى كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم وُهب لكل تلميذ اللغة الخاصة بحقل الكرازة الذي عُين له[55]؛ والثانية كما يقول القديس أغسطينوس[56] نال كل رسول أحيانًا إمكانية الحديث بلغة كل شعبٍ يلتقي به ليعلن الروح أن الكنيسة الجامعة تضم الكل.

الحاجة إلى التكلم بالألسنة

1- لم تكن هذه الموهبة بالنسبة للرسل آية استعراضية، فقد جاء مسيحنا لا يصيح ولا يسمع أحد صوته (مت 12: 19)، وقد وهب كنيسته روحه النارى ليلهب القلب بنار الحب الإلهي بروح الوداعة والتواضع، كي يعمل الجميع، لا بمظاهر حماسية وكلمات غير مفهومة، بل بحياة هادئة متزنة وحكيمة.

لقد سمع الحاضرون في يوم الخمسين “كل واحد منهم لغته التي وُلد فيها” (أع 2: 8). أعطاهم الروح لغات بشرية مفهومة، فكان الكل يعظمون اللَّه.

2-لقد أغلق اليهود على أنفسهم من جهة الإيمان فقاوموا ترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية، وطالبوا الدخلاء أن يتعبدوا بلغتهم وحدها، وكأن السماء تتحدث بلغتهم. لذا كان لائقًا أن تكون علامة حلول روح اللَّه بالنسبة للشعوب الأممية أن يسمعوا لغتهم ممن لم يتعلموها، تأكيدًا لهم ولليهود انفتاح الباب لخلاصهم. لذا يقول الرسول: “إذا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” (1 كو 32:14).

يصف القديس إيريناؤس يوم البنطيقستي في كتابه “ضد الهرطقات” قائلاً: [هذا الروح أيضًا… كما يقول لوقا حلّ في يوم البنطقستي على التلاميذ بعد صعود الرب، مقدمًا قوة لضم كل الأمم إلى مدخل الحياة، ولفتح عهدٍ جديدٍ. بهذا أيضًا صار اتفاق في كل اللغات، فنطقوا بتسبيح للَّه. لقد جاء الروح بالقبائل البعيدة إلى الوحدة، وقدم للآب بكور كل الأمم.]

3- وهب الروح القدس الكنيسة لغة الحب الروحي ووحدة الإيمان ممجدًا تمايز اللغات القائمة فعلاً وتنوع الثقافات.

4- إذ لم يكن العهد الجديد قد دُوِّن وجُمع، كان الروح القدس يعزى الكنيسة ويبنيها خلال مواهب النبوة والألسنة وترجمتها.

لماذا اهتم الرسول بولس دون غيره بهذه الموهبة؟

  1. بكونه رسول الأمم؛ وهذه الموهبة تخص انفتاح باب الإيمان أمامهم، لذا التزم بمعالجة هذا الأمر.
  2. أساء الكورنثوسيون الموهبة، فتحولت من موهبة لبناء النفس إلى كبرياء وتشامخ مع تشويش، لهذا عند معالجته لها اتبع الترتيب التالي:

(أ) تحدث عن المواهب بصفة عامة (1 كو 2)، واضعًا التكلم بالألسنة في آخر القائمة (10:12، 22)، مؤكدًا أهمية المواهب بغير كبرياء أو تشامخ، إذ يقول: “اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة ” (1 كو 13:12).

(ب) لكى يحطم كبرياءهم ختم حديثه السابق معلنًا عظمة الحب البنّاء عن المواهب الروحية بقوله: “ولكن جدوا للمواهب الحسنى؛ وأيضًا أريكم طريقًا أفضل” (1 كو 31:12).

(ج) بدأ الحديث عن الحب بتحطيم إساءة استخدام موهبة التكلم، قائلاً: “إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة، ولكن ليس لى محبة فقد صرت نُحاسًا يطن أو صنجًا يرن” (1 كو 1:13). يلاحظ هنا أنه لا يقف عند التكلم بكل اللغات البشرية، وإنما حتى إن نطق الإنسان بلغة الملائكة؛ وهى ليست لغة بشرية مادية ذات أصوات وموجات صوتية، إذ ليس لهم حناجر ولا أحبال صوتية، إنما هى لغة الروح الهادئة التي تتحدث بها الأرواح المقدسة. كأنه يقول: إن بلغتم إلى ما هو سماوي بدون الحب وهذا مستحيل، فتصيرون في نظر اللَّه صانعي ضجيج.

(د) لئلا يظنوا أنه يقلل من شأن الموهبة بسبب شعوره بنقص، قال: “أشكر إلهي إني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم” (1 كو 18:14).

التكلم بالألسنة في كورنثوس

تحولت موهبة التكلم بالألسنة من دورها البنَّاء للكنيسة إلى مشكلة خطيرة تهدد إيمان الكنيسة استدعت أن يكتب الرسول إليها عنها في شيء من التفصيل:

1- يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن خلطًا حدث بين الذين يتمتعون بالموهبة كوسيلة لبناء الجماعة واجتذاب الأمم للإيمان وبين من يمارسها كعملٍ شيطانيٍ، إذ كانوا ينطقون بكلمات غامضة غير مفهومة، وأحيانًا بكلمات تجديف على السيد المسيح (1كو 3:14). لقد عرفت الديانات اليونانية هذه الظاهرة، فقد كتب فوجيل الشاعر الرومانى (70-21 ق.م.) في قصيدة الأنيادا عن نبية يونانية كانت تتكلم بألسنة غير مفهومة، وتنتابها انفعالات هستيرية[57].

2- يرى بعض الدارسين أن الوثنين كانت تنتابهم حالات هستيرية أثناء عبادتهم، فإذا ما أرادوا الخلاص منها يلعنون الإله لكي يفارقهم الروح. وان هذا ما حدث في كنيسة كورنثوس، حيث صار البعض يجدفون على السيد المسيح (يقول: يسوع أناثيما 3:12).

3- سقط البعض في كبرياء، فظنوا أنهم بالتكلم بالألسنة يرتفعون إلى قامة روحية عالية، لذلك وضع الرسول هذه الموهبة في آخر قائمة المواهب (1 كو 28:14)، كما أعلن طريقًا أفضل من الاتكال على المواهب ألا وهو المحبة (1 كو 31:12؛ 1:13).

4- في جو المنافسة القاتلة تحولت الموهبة إلى تشويش (1 كو 33:14)، إذ كانوا يتفوهون بكلمات غير مفهومة وصيحات عالية، ينظرون إلى أصحاب الروح الهادئ الوديع باحتقار كأشخاصٍ غير روحيين لا مواهب لهم، مما أدى إلى انحطاط معنويات الآخرين.

5- ظهور روح الحسد والغيرة طلبًا في مزيد من المواهب الظاهرة لنوال مجدٍ باطل! ‍

6- حث الرسول شعبه ألا يطلبوا الموهبة من اللَّه، بل بالأحرى يسألونه مواهب أعظم، وهي الإيمان والرجاء والمحبة (1 كو 1:13، 13).

موقف الرسول بولس

وضع الرسول بولس في الأصحاح الرابع عشر من رسالته الأولي إلى أهل كورنثوس ضوابط ومعايير لهذه الموهبة، منها[58]:

  • موهبة هادفة نحو بنيان الكنيسة:” حتى تنال الكنيسة بنيانا” [5]؛ “إذ أنكم غيورون للمواهب الروحية اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا” [12]؛ “متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور له تعليم له لسان… فليكن كل شئ للبنيان” [26].
  • يتكلم الإنسان بلسان مفهوم: “إن لم تُعطوا باللسان كلامًا يُفهم فكيف يُعرف ما تُكلم به، فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء؛ ربما تكون أنواع لغات هذا عددها في العالم وليس شئ منها بلا معنى” [9، 10].
  • اللسان موجه إلى غير المؤمنين أصحاب لغة أجنبية: “إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” [22].
  • بلياقة وترتيب: “ليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب” [40]؛ “فإن اجتمعت الكنيسة كلها في مكانٍ واحدٍ وكان الجميع يتكلمون بألسنة فدخل عاميون أو غير مؤمنين أفلا يقولون إنكم تهذون” [23]؛ إن كان أحد يتكلم بلسان فاثنين اثنين أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة وبترتيب وليترجم واحد” [27]. معنى العبارة الأخيرة هكذا: إذا وجد غرباء يتكلم أصحاب موهبة الألسن في كل اجتماع اثنين فقط أو ثلاثة باللغات الأجنبية التي يفهمها الغرباء الحاضرون، ويقوم المترجم بعمله لأجل المواطنين حتى ينتفعوا بالكلمات الروحية البناءة ويحكموا بروح التمييز.
  • أن تُمارس الموهبة بروح التمييز (1 كو 10:12)، وهى عطية لا تُقدم للجميع كعلامة ملء الروح أو العماد بالروح، وإنما لتحقيق الهدف السابق ذكره.

هل استمرت الموهبة في الكنيسة؟

يظهر من حديث ترتليان في القرن الثاني أن هذه الموهبة لم تكن موجودة في أيامه، كما كتب ميلتياد Militiades ضد البدعة المونتانية أن يكفوا عن التكلم بألفاظٍ غامضةٍ غير مفهومةٍ، حيث أدمجت موهبة التكلم بالألسنة في موهبة النبوّة، وجاءت شهادات الآباء تؤكد اختفاء الموهبة… لماذا؟

1- حققت الموهبة غايتها بقبول الأمم الإيمان.

2- ما تدعيه بعض طوائف القرن العشرين من اعتبار التكلم بالألسنة العلامة الوحيدة لما يسمونه بمعمودية الروح ينافي الفكر الرسولي [ المؤتمر الدولي الخمسيني الخامس 31/5/1912] الذي يحسبها في آخر قائمة المواهب.

3- استخدام الطوائف انفعالات تتنافى مع روح المسيح الوديع الهادئ.

 4- استخدام كلمات غامضة يدّعى إنسان أو آخر إنه يترجمها يتنافى مع ما ورد في (1 كو 12: 10) من وجود “تمييز الأرواح” للحكم على صدق الموهبة.

5- قدم الروح الموهبة ليضم الأمم، أما ما تمارسه الطوائف فيقسّم الكنيسة ويشقها عوض أن يوّحدها.

6- ارتباط الحركات الأخيرة في بدء القرن العشرين بالتكلم بالألسنة كنشوة خلالها ينطق الإنسان بكلمات غامضة وانفعالات نفسية لها خطورتها، حيث خلط البعض بين الموهبة كعمل روحي بنّاء وبين الانفعالات التي يمارسها غير المسيحيين، وقد أوضح الدارسون أن هذه الظاهرة توجد في غير المسيحية[59]. هذا وقد دفع هذا التطرف (النطق بكلمات غامضة) بعض الدارسين إلى تطرف مضاد بالقول إن موهبة الألسن في يوم الخمسين كانت قصة رمزية تمثل حقيقة عمل الروح القدس الغالب للانقسامات العميقة بين البشر بما فيها من انقسام في اللغة[60].

 

دفاع بعض الخمسينيين

ألسنة الملائكة

يعتمدون على كلمات الرسول: “إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة” (1 كو 1:13)؛ وقوله: “لأن من يتكلم بلسان لا يكلم الناس بل اللَّه، لأن ليس أحد يسمع، ولكنه بالروح يتكلم بأسرار… من يتكلم بلسان يبنى نفسه، وأما من يتنبأ فيبنى الكنيسة” (1 كو 14: 2، 4).

يستحيل أن يكون الرسول قد عني أن أصحاب هذه الموهبة ينطقون بألسنة ملائكة، للأسباب التالية:

1- لم يسقط الملائكة في بلبلة ألسنة وتنوعها، ولا يمثلون أممًا ذات لغات متباينة وإلا احتاجوا إلى مترجمين فيما بينهم؛ كما يعني هذا حرمانهم من روح الوحدة.

2- حينما يتحدث الملائكة مع بشرٍ إنما هو تنازل منهم أن ينطقوا بلغاتنا البشرية حتى يمكننا أن ندرك الرسالة الإلهية المرسلة خلالهم.

3- يقول الرسول: “والألسنة ستنتهي” (1 كو 13:8)؛ فلو عني ألسنة الملائكة والسمائيين، فهل يتوقفوا عن الحديث الملائكي في الأبدية؟!

لقد وُهب البعض أن يصلوا بلغةٍ معينة كالفارسية أو اللاتينية حتى يتأكد الكل أن اللَّه قد فتح الباب ليس فقط للكرازة بلغات متعددة حقيقية وإنما فتح باب العبادة أيضًا. ليس ثمة لغة واحدة للعبادة كما ظن بعض اليهود. ومع هذا فإن الرسول يوضح أن هذه العطية تبني النفس ببركة إلهية، وإن كان لا يفهمها الحاضرون من غير أصحاب هذه اللغة تبنيهم ما لم يُوجد مُترجم. من جهة أخرى يؤكد الرسول حاجة المصلي نفسه إلى فهم ما يصلي به وما يرتل به: “إن كنت أصلي بلسانٍ فروحي تصلي وأما ذهني فهو بلا ثمر؛ فما هو إذًا ؟ أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا” 1( كو 14:14، 15).

لغة الروح ورقصاته

يرى بعض الخمسينيين أن التكلم بألسنة هو خبرة الروحٍ، أشبه بإشراقة نورٍ لا يمكن تصويرها بكاميرا ذات نور باهر (flash)… هو خبرة روح تُمارس ولا تُوصف، يُعبر عنها بالكلمات الغامضة والرقصات والأحلام الصادرة عن اللاشعور[61]. يعتمدون في ذلك على بعض الأحداث التاريخية مثل تحدث القديس باخوميوس مؤسس نظام الشركة بلغات لم يتعلمها[62]، وعلى أحاديث الآباء، خاصة المتوحدين، عن الدهش (الرؤيا السماوية).

يرد على ذلك بالآتي:

1- تعبر نشوة الروح أو رقصاتها في سير القديسين عن تهليل داخلي خفي لا يصاحبه حركات جسدية هستيرية، إنما هي انفتاح للقلب على السماء! ‍

2- حياة الآباء الروحية العالية سرّ خفي، كُشف أحيانا خلال بعض تلاميذهم، وليس استعراضًا في وسط الجماعة‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

3- ما حدث مع القديس باخوميوس كان بترتيب وحكمة، فقد ضم ديره جنسيات مختلفة، وكان الروح يهبه ذات اللغة التي يتحدث بها مع أب الأسرة الأجنبية، وهى لغة حقيقية مفهومة.

جاء أيضًا عن القديس مقاريوس أن أحد أشراف روما أراد الحديث معه في سرّ خاص به وقد رفض وجود مترجم كي لا يُكتشف سره، فصلى القديس مقاريوس وأعطاه اللَّه أن يتكلم بلغة الشريف كمن وُلد فيها.

وجاء في رسالة من كنيسة سميرنا تدعى “استشهاد بوليكربس”، فيه عرض لما حدث مع الأسقف الشيخ عام 155ق.م فيه يرد خبرة التكلم بالألسنة. لقد سمح العسكر للأسقف أن يصلي لمدة: “وقف وصلى، وإذ كان مملوءً من نعمة اللَّه حتى استطاع ألا يتوقف لمدة ساعتين، وقد دُهش من سمعوه”.

من وحي 1 كو 14

هب لي لسان الحب!

أرنم لك بالذهن كما بالروح!

  • هب لي لسان الحب!

قلبي يبحث عنك وعن اخوتي يا أيها الحب،

فأتبع المحبة وأجتهد في إضرام مواهبك لي!

فلا أُفكر ولا أتكلم أو أعمل إلا بمسحة الحب!

  • وهبت كنيستك الأولى موهبة التكلم بالألسنة،

لتفتح بحبك أبواب الرجاء أمام كل الأمم والشعوب.

هب لي أن تفتح قلبي ليجد كل إنسانٍ موضعًا فيه.

لست أطلب موهبة للاستعراض،

بل حبًا يحملني إلى قلوب حتى المقاومين لي.

  • بالحب علمني أن أصلي بذهني كما بالروح،

وأرنم لك بالذهن كما بالروح.

فانسجم مع كل اخوتي في عبادتي،

ونشترك جميعًا بفهمٍ وحكمةٍ روحيةٍ.

في عبادتي أحمل كل إنسان بالحب إليك.

أُسر بخلاصه، وشركة مجده معك.

  • هب لنا جميعًا أن نعبدك معًا بالروح.

نعبدك بلغةٍ مفهومةٍ، حتى يشترك ذهننا مع روحنا.

نعبدك بروح الهدوء والنظام،

فأنت لا تصيح، ولا يسمع أحد صوتك.

أنت إله نظام وليس إله تشويش.

  • هب لنا الكنيسة أيقونة للسماء.

لا يُنزع الفرح عنها!

تتهلل دومًا وتفرح بتوبة الخطاة.

تعمل دومًا لأجل رجوع كل نفسٍ إليك.

تهيئ كل إنسانٍ ليحمل صورتك.

ويمتلئ رجاءً في يوم عرسه الأبدي.

  • هب لي ولاخوتي روح الحب والحكمة،

فتتناغم عبادتنا مع سلوكنا في طريق حبك،

فننعم بالحياة السماوية.

[1] In Ephes., hom. 9.

[2] CSEL 81:149.

[3] In 1 Cor., hom., 35:1.

[4] CSEL 81:150.

[5] In 1 Cor., hom., 35:1.

[6] In 1 Cor., hom., 35:1.

[7] Jamieson, Fauset and Brown Commentary

[8] In 1 Corinh., hom. 35:1.

[9] In 1 Corinh., hom. 35:2.

[10] CSEL 81:151.

[11] In 1 Cor., hom., 35:2.

[12] In 1 Cor., hom., 35:3.

[13] In 1 Corinh., hom. 35:3.

[14] In Numbers, hom., 27.

[15] In 1 Cor., hom., 35:4.

[16] In 1 Cor., hom., 35:5.

[17] In 1 Corinh., hom. 35:5.

[18] CSEL 81:152.

[19] Comm. On 1 Cor. 4:61-62.

[20] In 1 Corinh., hom. 35:4.

[21] In Leviticus, hom. 5.

[22] In 1 Corinh., hom. 35:6.

[23] On Prayer, 4.

[24] Oration 31:12.

[25] Cassidorus: Explanation of the Psalms, 2.

[26] Institutes, 11.

[27] St. Justin Martyr: Apology 2:97.

[28] In 1 Corinh., hom. 35:6.

[29] In 1 Corinh., hom. 35:7.

[30] In 1 Corinh., hom. 36:1.

[31] In 1 Cor., hom., 36:1.

[32] CSEL 81:155.

[33] The Harmony of the Gospels, 2:30.

[34] The Literal Meaning of Genesis 1:18:36.

[35] In 1 Cor., hom., 36:2.

[36] In 1 Corinh., hom. 36:2.

[37] CSEL 81:157.

[38] In 1 Corinh., hom. 36:4.

[39] In 1 Cor., hom., 36:5.

[40] In 1 Corinh., hom. 36:5.

[41] In 1 Corinh., hom. 36:6.

[42] CSEL 81:159.

[43] CSEL 81:159.

[44] In 1 Cor., hom., 36:7.

[45] In 1 Corinh., hom. 36:6.

[46] In 1 Corinh., hom. 36:7.

[47] In 1 Corinh., hom. 37:4.

[48] Comm. On 1 Cor. 4:74:6-16.

[49] Hymns on Paradise 6:8.

[50] Catechetical Lectures 15.

[51] In 1 Tim., hom. 9.

[52] In Ephes., hom. 20.

[53] In 1 Corinh., hom. 37:3.

[54] In 1 Cor., hom., 37:4.

[55] In Acts, hom. 4.

[56] City of God 18:49.

[57] Hoking: Speaking in Tongues, p. 114.

القمص زكريا بطرس: التكلم بألسنة، 1984، ص43.

[58] القمص زكريا بطرس: التكلم بألسنة، 1984، ص52-31.

[59] Alan Richardson: A Dictionary of Christian Theology, SCM 1976, p. 132..

[60] Alan Richardson: A Dictionary of Christian Theology, SCM 1976, p. 255..

[61] D. Christie Murray: Voices from the Gods, Speaking in Tongues, 1978; Westminister Dictionary of Christan Theology, p. 225-226.

[62] M.T. Kelsey: Tongue Speaking, 1968, p 38.

تفسير كورنثوس الأولى 14 – الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع عشر

الجانب المفرح للكنيسة

رأينا في الأصحاحين السابقين مقاومة إبليس للكنيسة بكل وسيلة، لهذا يعلن الله للكنيسة في هذا الأصحاح – كعادته – جانبًا مفرحًا مبهجًا حتى تمتلئ قلوب المؤمنين سلامًا وفرحًا في وسط الضيق. وقد تمثل هذا الجانب في ثلاث رؤى:

  1. الحمل والمؤمنين حوله 1 – 5.
  2. ظهور ثلاثة ملائكة 6 – 13.
  3. الحصاد 14 – 20.
  4. الحمل والمؤمنون حوله

يا له من منظر مبهج للغاية ومفرح، إذ يقول الرسول: “ثم نظرت وإذا خروف واقف على جبل صهيون، ومعه مئة وأربعة وأربعون ألفًا، لهم اسم أبيه مكتوبًا على جباههم[1].

يقف الحمل وحوله من ارتبطوا به واتحدوا به بالحب الأبدي أي به بكونه “الحب الحقيقي”. وقفوا معه على جبل صهيون، أي في السماء العليا “مدينة الملك العظيم” (مز 48: 2)، يملكون به، وهو يملك عليهم، وتتحقق النبوة القائلة: “أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي” (مز 2: 6).

يا له من منظر شهي! من لا يبذل كل جهد، ويقبل كل ألم من أجل أن يكون له هذا النصيب، أن يحيط بالرب ويلازمه ويتحد به ولا يفارقه إلى الأبد؟

“وسمعت صوتًا من السماء كصوت مياه كثيرة،

وكصوت رعد عظيم،

وسمعت صوتًا كصوت ضاربين بالقيثارة يضربون بقيثاراتهم.

وهم يترنمون ترنيمة جديدة أمام العرش،

وأمام الأربعة المخلوقات الحيَّة والقسوس،

ولم يستطع أحد أن يتعلم الترنيمة،

إلا المئة والأربعة والأربعون ألفا الذين اُشتروا من الأرض.

هؤلاء هم الذين لهم يتنجسوا مع النساء، لأنهم أطهار.

هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب.

هؤلاء اُشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف.

وفي أفواههم لم يوجد غش،

لأنهم بلا عيب قدام عرش الله[2-5].

من هم هؤلاء الملتفون حول الحمل؟ يرى بعض آباء الكنيسة الأولى[1] أنهم جماعة الأبكار الذين خصوا أنفسهم من أجل الملكوت، مقدمين بالرب يسوع البتول حياة البتولية السمائية.

وهنا يكشف ربنا للكنيسة في وسط ضيقتها بسبب ضد المسيح عن هؤلاء الأبكار الذين ينعمون بهذا المجد حتى تطمئن نفوس المتألمين أن الله ليس بظالم حتى ينسى تعب المحبة. هذا ولا ننسى أن الكنيسة كلها تدعى “كنيسة أبكار” (عب 12: 23)، لأن من لا ينعم ببتولية الجسد أو بكوريته مع بتولية النفس لا يحرم من كونه بكرًا، بسبب ارتباطه واتحاده بالرب البكر، كعضوٍ حيٍ في جسده.

إننا جميعًا، بتوليين أو متزوجين، أعضاء حيَّة في جسد الرب رأسنا السري، لهذا نوجد قدامه أبكارًا وأطهارًا وبلا عيب في نظره وليس فينا غش.     

يليق بالمؤمن الحقيقي أن يذوق ويختبر البتولية الروحية، فيقدم بالرب نفسًا بتولاً وقلبًا وفكرًا وحواسًا. الكل كعذارى متبتلة لا تشتهي، ولا تنشغل، ولا تطلب إلا الرب يسوع العريس الوحيد.

لست بهذا أُقلل من شأن البتولية والبتوليين، لأن من لا يقدر أن يصف أو يعبر عن هذا الحال الملائكي؟ وتلك الدرجة السمائية التي لا يمكن للإنسان الطبيعي أن يقتنيها بفرح وبهجة قلب إلا بربنا يسوع[2]! لكننى في هذا المجال أود أن أوضح أهمية بتولية الكنيسة كلها أيا كان أعضاؤها، فالكل “عذراء عفيفة للمسيح” (2 كو 11: 2)، “كنيسة أبكار” (عب 12: 23) “باكورة من خلائقه” (يع 1: 18)، و هى التي لها أن تسكن في مسكن الرب، كقول المرتل: “يا رب من يسكن في مسكنك، أو يحل في جبل قدسك، إلا السالك بلا عيب… والمتكلم بالحق في قلبه، الذي لا يغش بلسانه” (مز 15).

نعود إلى الرؤيا لنسمع من الرسول أصواتًا كثيرة مفرحة ومنعشة. إنها الكنيسة التي رآها الرسول تصدر منها أصوات عذبة متناسقة كسيمفونية مبدعة للغاية إذ سمع:

  1. صوتًا كصوت مياه كثيرة، وهي أصوات الأمم والألسنة، أيًا كان جنسهم، الذين قبلوا الإيمان بالفادي، وصار كل ما فيهم يسبح مبتهجًا به.
  2. صوت العريس المبتهج بعروسه، الذي لا يكف عن مناجاتها بعد طول فترة اشتياق متبادل. لقد سمع الرسول صوته “كصوت رعد عظيم“، حتى إذا ما تطلعت الكنيسة في ضيقتها إلى هذا المنظر وخاصة في فترة ضد المسيح تدرك قوة عريسها وإمكانياته الفائقة.
  3. صوت كصوت ضاربين بالقيثارة وهو صوت البتوليين. إنه نغم موسيقي ملائكي له عذوبة خاصة وحلاوة من أجل بتوليتهم في الرب.
  4. ظهور ثلاثة ملائكة

بعدما كشف للكنيسة عن المجد المعد لها خاصة للبتوليين لتشجيعهم على المثابرة، عاد ليظهر لهم أنه لا يتركهم وهم على الأرض، بل يهتم بهم، إذ يقول الرسول:

“فرأيت ملاكًا آخر طائرًا في وسط السماء،

معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب.

قائلاً بصوت عظيم:

خافوا الله وأعطوه مجدًا،

لأنه قد جاءت ساعة دينونته،

واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه[6-7].

يقول الأسقف فيكتورينوس أن هذا الملاك هو إيليا النبي الذي يأتي لإعانة الكنيسة، فيكرز ويبشر بين الأمم والقبائل مشجعًا الكنيسة في كل أمة أن تصمد للنهاية. إنه يثبت في المؤمنين مخافة الرب ليعطوا مجدًا له، رافضين السجود للتنين وضد المسيح. ولما كان هذا العمل ضخمًا والوقت ضيق للغاية لهذا يقول الرائي:

“ثم يتبعه ملاك آخر قائلاً:

سقطت، سقطت بابل المدينة العظيمة،

لأنها سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها[8].

هذا الملاك الآخر هو “أخنوخ” المرافق لإيليا، كأنه يقول مع النبي: “بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الأرض. من خمرها شربت الشعوب. من أجل ذلك جنت الشعوب. سقطت بابل بغتة وتحطمت” (إر 51: 7-8).

وأن لنا في بابل صورة الكبرياء البشري الشيطاني على الله[3]. وهنا بابل تعني روح ضد المسيح المتعجرف على الرب، فستنهزم قطعًا.

الملاك الأول يشجع المؤمنين ويثبتهم، والملاك الثاني يرهب الأشرار والمنحرفين.

هذا لا يعني أن يقف إيليا عند الحديث عن الرجاء والتثبيت دون أن يوبخ الأشرار، ولا أن يقف أخنوخ عند الحديث بالعنف والتوبيخ دون أن يمزج حديثه بالرجاء. لأنهما يعملان بروحٍ واحدٍ وفكرٍ واحدٍ وغايةٍ واحدةٍ. لكن الرؤيا تود أن تكشف جانبين من جوانب كلمة الله: الجانب المبهج المفرح للنفس التائبة، والجانب العنيف القاسي للنفوس المستهترة.

ويرافق هذان الملاكان ملاك ثالث: “ثم تبعهما ملاك ثالث، قائلاً بصوت عظيم: إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته ويقبل سمته على جبهته أو على يده. فهو أيضًا سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفًا في كأس غضبه، ويعذب بنار وكبريت أمام الملائكة القديسين وأمام الخروف. ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين، ولا تكون راحة نهارًا وليلاً، للذين يسجدون للوحش ولصورته، ولكل من يقبل سمة اسمه[9-11].

هذا الملاك الثالث هو الكتاب المقدس، خاصة النبوات الواردة فيه عن ضد المسيح، فستكون كارزة للحق، منذرة ومحذرة من السجود للوحش أو صورته أو قبول سمته بالنار الأبدية التي سنعود للحديث عنها[4].

وبالتأكيد لا يقف النبيان وحدهما في الشهادة للحق لكن الله يستخدم كثيرين يعلنون الحق ويظهرونه وينطقون بما جاء في الكتاب المقدس مهما يكن الثمن!

على أي حال نجد أن الملائكة الثلاثة يشيرون إلى ثلاثة جوانب لرسالة الكنيسة المتألمة في عهد ضد المسيح هي:

  1. الملاك الأول يتحدث عن المجد المعد للساجدين للرب: “الحياة الأبدية“.
  2. الملاك الثاني يتحدث عن انهيار مملكة ضد المسيح: “زوال العالم“.
  3. الملاك الثالث يتحدث عن العذاب المُعد لضد المسيح وأتباعه: “النار الأبدية“.

هذه الجوانب أو الرسائل الثلاث يعلنها النبيان ويوضحها الكتاب المقدس، وإذ رأى القديس يوحنا الحبيب الملائكة الثلاثة أدرك ما سيعانيه النبيان وتلاميذهما من ضيق، فطوَّبهم قائلاً: “هنا صبر القديسين. هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع[12].

يا لسعادة هؤلاء الذين يعاصرون ضد المسيح، لأنهم يحتملون آلامًا أشد مما احتمله المؤمنون في أي عصر آخر، وبالتالي يكون صبرهم أعظم، ويحسب حفظهم للوصية أعمق وإيمانهم بالرب أثبت… فيتأهلون لأكاليل مجد عظيمة فائقة من يقدر أن يصفها؟

لكننا لا نحسدهم، إذ يستطيع كل مؤمن في أي عصر وفي أي مكان وتحت أي ظرف من ظروف الحياة أن ينال التطويب، إذ يقول الرائي: “وسمعت صوتًا من السماء، قائلاً لي: أكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم[13].

طوبى” لفظ سرياني يعني “يا لسعادة أو يا لغبطة…” يا لغبطة المثابرين في احتمال الألم والصليب لا في عهد ضد المسيح فحسب، ولكن في أي وقت. لأن الألم وتعب الطريق والصليب هذه كلها سمات المؤمن الحقيقي حتى وإن كان متوحدًا لا يرى وجه إنسان.

لقد انتقل القديس أغسطينوس وهو يترنم بمزامير التوبة بقلب منسحق ودموعه تسيل من عينيه. طوباه! وانتقل القديس باخوميوس وهو لا يكف عن الاهتمام بشئون أولاده وتدبير حياتهم رغم اشتداد المرض عليه. طوباه! وفي كل يوم تنتقل شموع منيرة تذوب يومًا فيومًا محترقة بمحبة الله حتى تنتهي!

  1. الحصاد

بعدما أعلن للكنيسة عن مجدها السماوي، وكشف لها اهتمامه بإرسال الملائكة الثلاثة، عاد ليطمئنها أن وقت الحصاد قد اقترب، إذ يقول الرسول: “ثم نظرت، وإذا سحابة بيضاء، وعلى السحابة جالس شبه ابن إنسان، له على رأسه إكليل من ذهب، وفي يده منجل حاد[14].

لا تخاف الكنيسة لأن عريسها آت في سحابة بيضاء، أي في مجد عظيم ناصع، بين ألوف ألوف وربوات ربوات الملائكة محيطين به كسحابة بيضاء[5]. هوذا قادم بالثوب الأبيض حتى الرِجلين على سحابة بيضاء ليستقبل عروسه اللابسة الثوب الأبيض، إذ هي في عينيه طاهرة ونقية ومبهجة، لأنها تحمل انعكاسات جماله الفائق وفضائله السماوية. لم تعد بعد أرضية، ولا يشوبها دنس أو شيء نجس، بل هي عروس الحمل السماوية.

يأتيها “على السحابة جالسًا”، إنه لم يعد بعد “قائمًا” كما رآه الشهيد استفانوس بل استراحت نفسه من جهة كنيسته، لأن زمان جهادها قد انتهي، فجلس ليُجلسها بجواره، بل تشاركه مجده!

تراه “شبه ابن إنسان”؛ حقًا هو “ابن الإنسان”، لكنه شبه ابن إنسان، لأنه من أجل الكنيسة صار إنسانًا ليرافقها وترافقه، ليعلن حبه لها على الصليب وتقبل محبته فيها. لكن في المجد الإلهي تراه “شبه ابن إنسان” بسبب أمجاد اللاهوت وبهاء عظمته. هذه الأمور التي لم تعد كما في مرآة أو لغز، بل تراها الكنيسة وتتمتع بها في كمالها.

“له على رأسه إكليل من ذهب”، إذ هو ملك سماوي، ملك الملوك ورب الأرباب، يأتي ليملك بأولاده إلى الأبد ملكًا سماويًا!

“وفي يده منجل حاد”، إذ حان وقت الحصاد، يجمع بيديه العنب الجيد ويفرح ويُسر بالثمر. لا تنحرف نظراته عن ثمار كرمه أي الكنيسة، لكن المنجل الحاد هو من أجل الأغصان الجافة غير الثابتة التي تُجمع لتحرق في النار الأبدية مع العنب الرديء.

ترى الكنيسة الحقيقية المنجل الحاد، فلا ترتعب منه، لأنه في يد عريسها، أما الأشرار والمجدفون الذين عاشوا عبيدًا لإبليس والخطية فلا يحتملون رؤيته.

يا للعجب! الرب يأتي بنفسه، ويتقدم ليأخذ بيد عروسه حتى إلى سماء السماوات، حتى تستريح فيه، أما بالنسبة للأشرار فيقول:

“وخرج ملاك آخر من الهيكل،

يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة:

أرسل منجلك واحصد،

لأنه قد جاءت الساعة للحصاد،

إذ قد يبس حصيد الأرض.

فألقى الجالس على السحابة منجله على الأرض[15-16].

لقد خرج يسأل السيد مترجيًا “أرسل منجلك“، إذ هذه هي شهوة الملائكة وشوق الذين في الفردوس (رؤ 6: 10)، وغاية المجاهدين الذين يترجونه في كل صلاة، قائلين: “ليأت ملكوتك”، “وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي”.

“ثم خرج ملاك آخر من الهيكل الذي في السماء،

 معه أيضًا منجل حاد.

وخرج ملاك آخر من المذبح له سلطان على النار،

وصرخ صراخًا عظيمًا إلى الذي معه المنجل الحاد، قائلاً:

أرسل منجلك الحاد واقطف عناقيد كرم الأرض،

لأن عنبها قد نضج.

فألقى الملاك منجله إلى الأرض،

وقطف كرم الأرض،

فألقاه إلى معصرة غضب الله العظيمة.

وديست المعصرة خارج المدينة،

فخرج دم حتى لُجم الخيل مسافة ألف وستمائة غلوة[17-20].

خرج الملائكة الثلاثة مشتاقين ليروا يوم الدينونة المجيد. يروا الأبرار قد تمجدوا وتكللوا، والأشرار وقد انسكب عليهم شرهم، ارتدت إليهم ظلمتهم. وكما يقول الأسقف فيكتورينوس إن هذه الرؤى الخاصة بالثلاثة ملائكة تشير إلى يوم الدينونة حيث يهلك الأشرار عند مجيء الرب.

وإننا نجد الملاكين الأولين خارجين من الهيكل الذي في السماء، يعلنان شوق الملائكة وكل الطغمات السمائية ليوم الدينونة. أما الملاك الثالث فخرج من المذبح، أي من الفردوس، حيث تستريح نفوس المنتقلين تحت المذبح، وله سلطان على النار، أي على إبليس. فخرج ليُعلن أنه قد تم جهاد المؤمنين جميعًا، وجاء الوقت لحصاد عناقيد العنب التي تمايلت ترنحًا مضطهدة القديسين والمؤمنين سافكة دم الشهداء.

وكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [إنهم يُلقون في معصرة غضب الله، ويُداسون خارج المدينة (السماء). وهذا هو جزاء الأشرار.]

سينتقم منهم بسفك الدم كما سبق أن أعلن النبي: “في الدم أخطأت والدم يتبعك” (راجع حز 5: 6).

هكذا سافكو الدم البريء يلقون في معصرة جهنم الأبدية خارج السماء، ويبقون هناك كأنهم مذبوحون، وبلغ الدم إلى رقابهم. لا يهدأون ولا يستريحون، يشتهون الموت والفناء ولا يجدانهما!

خاتمة

في السلسلة الثالثة التالية “سكب الجامات السبعة” يعلن الله تأديبه للبشر خلال التاريخ عامة وفي فترة ضد المسيح خاصة. هذا التأديب، صادر من إله محب تجاه قلوب بشرية قاسية. غايته توبة الإنسان، لهذا نجده متدرجًا في الشدة. ولا يُسكب دفعة واحدة.

وفي نفس الوقت يمهد لها بالإصحاح الخامس عشر كاشفًا عن رؤيتين للرسول حتى يطمئن المؤمنون تجاه محبة الله لهم.

 

[1] راجع أقوال القديس إيرونيموس ضد جوفنيانوس 1: 4، ورسالة رقم 130، وأقوال القديس أغسطينوس عن البتولية الخ.

[2] أترك الحديث عن البتولية وعظمتها ومفهومها للحديث عنها بمشيئة الرب في كتاب “حياة البتولية” تحت الطبع.

[3] سنعود للحديث عن بابل بتوسع في تفسير الأصحاح 19.

[4] منعًا لتكرار الشرح سنترك الحديث عن كأس غضب الله وما يتبعه من حديث عن جهنم في تفسير الأصحاح 19.

[5] راجع تفسير رؤ 1:7.

 

تفسير سفر الرؤيا 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version