ارتباط الفضائل معًا – العظة 40 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

ارتباط الفضائل معًا – العظة 40 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

ارتباط الفضائل معًا – العظة 40 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 40 للقديس مقاريوس الكبير – ارتباط الفضائل معًا – د. نصحى عبد الشهيد

إن جميع الفضائل مرتبط بعضها ببعض، كذلك أيضًا الرذائل، مثل حلقات السلسلة المرتبط أحدها بالآخر.

ارتباط الفضائل معًا:

فيما يخص الممارسة الخارجيّة وأي عمل منها هو الأفضل أو الأحسن، فاعرفوا هذا أيها الأحباء، أن جميع الفضائل مرتبطة بعضها ببعض. فكل فضيلة مرتبطة بالأخرى مثل سلسلة روحيَّة: فالصلاة مرتبطة بالمحبة، والمحبة بالفرح، والفرح بالوداعة، والوداعة بالتواضع، والتواضع بالخدمة، والخدمة بالرجاء، والرجاء بالإيمان، والإيمان بالطاعة، والطاعة بالبساطة.

وكذلك من الجهة الأخرى فإن الرذائل مرتبطة إحداها بالأخرى: فالبغضة مرتبطة بالغضب، والغضب بالكبرياء، والكبرياء بالمجد الباطل، والمجد الباطل بعدم الإيمان، وعدم الإيمان بقساوة القلب، وقساوة القلب بالإهمال، والإهمال بالكسل، والكسل بالضجر، والضجر بعدم الصبر، وعدم الصبر بمحبة اللذة. وباقي أجزاء الرذيلة هي بالمثل متعلقة بعضها ببعض كما أنه من الجهة الصالحة فإن الفضائل متعلقة بعضها ببعض ومرتبطة معًا.

أهمية المواظبة على الصلاة:

ولكن رأس كل سعي صالح، والقوة الموجهة والقائدة لكل عمل حسن إنما هو المواظبة على الصلاة. ومنها يمكن أن نحصل يوميًا على بقية الفضائل عن طريق طلبها من الله في الصلاة.

وبواسطة الصلاة تتولّد الشركة في قداسة الله في أولئك الذين يُحسبون أهلاً لها، وتتولّد فيهم الطاقة الروحانيّة والتصاق العقل بالرب وميله إليه بمحبة تفوق الوصف لأن الإنسان الذي يغصب نفسه كل يوم للمواظبة على الصلاة، فإنه يشتعل بالحب الإلهي ويتقد برغبة نارية من الحب الروحاني نحو الله، وينال نعمة كمال تقديس الروح.

درجات في الملكوت:

سؤال: حيث إن هناك البعض يبيعون ممتلكاتهم، ويطلقون عبيدهم أحرارًا، ويحفظون الوصايا، ومع ذلك فإنهم لا يسعون لنوال الروح في هذا العالم. فهل بعيشهم هكذا لا يدخلون إلى ملكوت السموات؟

جواب: هذا موضوع دقيق وحساس. فإن البعض يتكلمون عن ملكوت واحد وجهنم واحدة. ولكننا نحن نتكلم عن درجات كثيرة ومقاييس متنوعة في كل من الملكوت وجهنم. وكما أنه توجد نفس واحدة في جميع الأعضاء، ولكنها تعمل في المخ من فوق وفي نفس الوقت تحرك القدمين من أسفل، هكذا أيضًا فإن الله يحتوي كل الخلائق، السماويّة والتي في عمق الهاوية، وهو يملأ الخليقة في كل مكان رغم أنه متعالي جدًا على الخلائق، لأنه غير محدود ويفوق كل فهم وإدراك.

وإن الله ينظر إلى الناس ويهتم بهم بنوع خاص. ويقود كل الأشياء بتدبير عنايته بحسب الحكمة. وحينما يصلي البعض غير عارفين ما هو الذي يطلبونه، بينما يصوم آخرون، وآخرون يواظبون على خدمتهم، فإن الله كقاضٍ عادل يعطي كل واحد حسب مقدار إيمانه. لأنهم إنما يفعلون ما يفعلونه بتقوى الله. ولكن ليس جميع هؤلاء بنين أو ملوك أو ورثة.

ويوجد في العالم بعض قتلة الناس، ويوجد آخرون زناة، وآخرون سارقون. كما أنه يوجد أولئك الذين يوزعون مقتنياتهم على الفقراء: وعين الرب على كل من هذين النوعين. وأما الذين يفعلون الخير فإنه يعطيهم راحة ومكافأة. فإنه توجد درجات عالية، ودرجات صغيرة. وفي النور وفي المجد توجد درجات.

وفي جهنم نفسها وفي العقاب يظهر أنه يوجد سحرة ولصوص كما أنه يوجد آخرون ممن ارتكبوا خطايا أقل. وأما الذين يقولون إن الملكوت درجة واحدة وكذلك جهنم وإنه لا توجد درجات فقولهم خطأ. وكم من الناس العالميين الذين هم الآن دائمًا في الملاهي وغيرها من الأمور الباطلة. وكم هم أولئك الذين يُصلّون لله ويتقونه! وأن الله ينظر إلى هؤلاء وأولئك، وكقاضٍ عادل، فإنه يعد الراحة لهؤلاء والعقاب لأولئك الآخرين.

وكما أن الناس يروّضون الخيول ويقودون بها المركبات في سباق ضد بعضهم البعض، وكل واحد يجتهد أن ينتصر على منافسه ويهزمه، هكذا يوجد أيضًا مثل هذا الصراع في قلب أولئك الذين يجاهدون. فالأرواح الشريرة تحارب النفس، بينما الله والملائكة يراقبون الحرب ويلاحظونها. وفي كل ساعة تخرج من النفس أفكار جديدة وكذلك الشر الذي يحارب في الداخل يُخرج أفكارًا جديدةً. إن النفس لها خطط كثيرة خفيّة. وهي تنتج هذه الخطط وتلدها في وقتها المعين. والشر أيضًا له خطط وحيل كثيرة، وهو يُولّد اختراعات جديدة ضد النفس ساعة بعد ساعة. إن العقل هو قائد العربة وهو يروّض عربة النفس مُمسكًا بعنان الأفكار، وهكذا يحارب ضد عربة الشيطان التي يقودها ضد النفس.

بين العكوف على الصلاة ومحبة الإخوة:

سؤال: إن كانت الصلاة هي راحة للنفس، فكيف يقول البعض: نحن لا نستطيع أن نصلي ولا أن نلازم الصلاة دوامًا ولذلك لا يواظبون على الصلاة بتواتر؟

جواب: حينما تكثر الصلاة فإنها تنشيء رأفة ورحمة، وصور أخرى من الخدمة، مثل افتقاد الإخوة لأجل خدمتهم بالكلمة. والإنسان بطبيعته يرغب في الذهاب لرؤية الإخوة وليكلمهم بالكلمة. وكل شيء يُلقى في النار لا يمكن أن يبقى على طبيعته بل بالضرورة يصير نارًا. فإذا ألقيت حجارة صغيرة في النار فإنها تتحول إلى جير. والإنسان الذي يريد أن يدخل إلى البحر ويذهب إلى وسط المحيط فإنه يغطس تمامًا ويختفي عن الأنظار.

أما الذي يذهب رويدًا رويدًا فإنه يرغب أن يرجع ثانية ويطفو على السطح ويأتي إلى الميناء ليرى الناس الذين على الشاطيء. هكذا أيضًا في الحياة الروحانيّة، فقد يدخل إنسان إلى حياة النعمة، ثم يتذكر أن له رفقاء وإخوة، وهو بطبيعته البشريّة أيضًا يريد أن يذهب إلى الإخوة ليتمّم ناموس المحبة، وذلك طاعة للكلمة.

النعمة والخطية:

سؤال: كيف يمكن أن تكون النعمة والخطية كلاهما معًا في قلب الإنسان؟

جواب: كما إنه حينما توجد نار تحت إناء نحاس فإنك حينما تضع حطبًا أوخشبًا لإضرام هذه النار تحت الإناء فإنه يسخن ويغلي الماء الذي بداخله لأن النار خارج الإناء تشتعل من تحته، أما إذا أهمل الإنسان ولم يضع وقودًا لهذه النار تحت الإناء فإنها تبتديء في الخمود وتنطفيء إلى حدٍ ما. هكذا النعمة، التي هي النار السماويّة فإنها في داخلك ومن خارجك. فإذا كنت تصلي وتسلّم أفكارك لمحبة المسيح تكون قد وضعت وقودًا للنار.

كما أن أفكارك تصير نارًا وتُغمر تمامًا في محبة الله. وحتى إذا انسحب الروح قليلاً كما لو كان خارجًا عنك، فإنه لا يزال في داخلك، وعلاماته تظهر من الخارج. أما الذي يهمل ويسلّم نفسه للانشغالات العالمية أو للهموم، فإن الخطية تأتي ثانية وتدخل إلى النفس وتؤذي الإنسان كله. ولذلك فإن النفس تذكر راحتها السابقة، وتحزن وتتألم فترة طويلة.

ويعود العقل لليقظة والانتباه لله فتعود الراحة السابقة وتقترب منه من جديد. ويسعى في طلب الرب بغيرة واجتهاد شديد قائلاً “يارب إني أتوسل إليك”. وقليلاً قليلاً تشتعل النار وتضطرم وتزداد وتنعش النفس وتقويها، مثل الصنارة التي تجذب السمكة من عمق البحر رويدًا رويدًا. ولو لم يكن الأمر هكذا، ولو لم يذق الإنسان المرارة والموت، فكيف كان يمكنه أن يميز المر من الحلو، والموت من الحياة، وأن يعطي الشكر والمجد للآب معطي الحياة والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

العظة 40 للقديس مقاريوس الكبير – ارتباط الفضائل معًا – د. نصحى عبد الشهيد

لماذا أعطانا الله الكتاب المقدس – العظة 39 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

لماذا أعطانا الله الكتاب المقدس – العظة 39 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

لماذا أعطانا الله الكتاب المقدس – العظة 39 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

كما أن الملك يكتب رسائل لأولئك الذين يريد أن ينعم عليهم بامتيازات خاصة وهبات فريدة، ويقول لهم: “بادروا بالمجيء إليَّ سريعًا لتنالوا مني الهبات الملوكيّة”، فإذا لم يذهبوا ويأخذوها فإن مجرد قراءة الرسائل لا تفيدهم شيئًا بل بالعكس فإنهم يكونون معرّضين لخطر الموت لأنهم رفضوا أن يأتوا لينالوا الكرامة من يد الملك.

هكذا الله الملك الحقيقي، قد أرسل الكتب المقدسة كرسائل منه للبشر، وهو يعلن عن طريقها للناس أنه ينبغي أن يأتوا إلى الله ويدعونه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماويّة من الله نفسه، لأنه مكتوب “لتصيروا شركاء الطبيعة الإلهيّة” (2 بط 1: 4) ولكن إذا لم يأتِ الإنسان ويسأل وينال، فإنه لا يستفيد شيئًا من قراءته للكتاب، بل بالأحرى فإنه يكون في خطر الموت لأنه لم يرد أن يأخذ عطية الحياة من الملك السماوي، التي بدونها لا يمكن الحصول على الحياة الأبديّة غير المائتة، التي هي المسيح نفسه.

الذي له المجد إلى الأبد آمين.

العظة 39 للقديس مقاريوس الكبير – لماذا أعطانا الله الكتاب المقدس – د. نصحى عبد الشهيد

المسيحيون بالحق – العظة 38 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

المسيحيون بالحق – العظة 38 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

المسيحيون بالحق – العظة 38 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

المسيحيون بالحق – العظة 38 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

 

الأمر يحتاج إلى دقة عظيمة وفهم كبير لتمييز من هم المسيحيون بالحق.

تمييز المسيحيين بالحق:

إن كثيرين من الذين يظهرون أنهم أبرار يُحسبون أنهم مسيحيون ويليق لذوي المعرفة والاختبار أن يختبروا ويروا إن كان مثل هؤلاء الأشخاص لهم علامة وصورة الملك بالحقيقة، حتى لا يكونوا أشخاصًا مزيفين أو عمالاً مزيفين يعملون أعمال ذوي الخبرة والمعرفة ويُدهش منهم العمال المهرة وينتقدونهم، ولكن الناس الذين ليسوا ذوي خبرة لا يستطيعون أن يمتحنوا ويكشفوا “الفعلة الماكرون” (2 كو 11: 13)، حيث إن هؤلاء أيضًا يلبسون شكل النُساك أو المسيحيين لأنه حتى الرسل الكذبة تعرّضوا لبعض الآلام لأجل المسيح وبشروا بملكوت السموات. لهذا السبب يقول الرسول: “في الأتعاب أكثر في الضربات أوفر، في السجون أكثر” (2 كو 11: 23) قاصدًا بذلك أن يُظهر أنه قد تألم أكثر منهم.

إن الذهب يُكتشف بسهولة أما اللآليء والأحجار الكريمة التي تليق بتاج الملك فهي نادرة الوجود وأحيانًا فإن ما يُوجد منها لا يكون مناسبًا، هكذا أيضًا المسيحيون فإنهم يُصاغون ويُشكّلون ويُطعمون في إكليل المسيح لكي يكون لهم شركة مع القديسين. فالمجد لذلك الذي هكذا أحب تلك النفس وتألم لأجلها وأقامها من الموت.

ولكن كما أن البرقع كان موضوعًا على وجه موسى لكي لا ينظر الشعب إلى وجهه، هكذا أيضًا الآن فإن هناك برقع موضوع على قلبك لكي لا تتطلع إلى مجد الله وتراه. ولكن حينما يُنزع هذا البرقع، فإن (المسيح) يضيء ويُظهر نفسه للمسيحيين، أي لأولئك الذين يحبونه ويطلبونه بالحق كما يقول: “أُظهر له ذاتي” “وعنده أصنع منزلاً” (يو 14: 21، 23).

لنأتِ إلى المسيح لننال الموعد:

لذلك فلنجتهد أن نأتي إلى المسيح الذي لا يكذب، لكيما ننال الموعد والعهد الجديد- الذي جعله الرب جديدًا بصليبه وموته بعد أن كسر أبواب الجحيم والخطية، وأخرج النفوس المؤمنة، وأعطاهم المعزي في الداخل وردهم إلى ملكوته. إذن فلنملك معه في أورشليم مدينته أي في الكنيسة السماويّة، في محفل الملائكة القديسين. والإخوة الذين لهم خبرة طويلة وتمرّن يستطيعون أن يساعدوا قليلي الخبرة ويساعدوهم بإشفاق ومحبة.

درجات في النعمة:

إن بعض الأشخاص قد صارت لهم ثقة داخل أنفسهم، وقد عملت فيهم النعمة بقوة، هؤلاء وجدوا أن أعضائهم قد تقدست لدرجة أنهم حسبوا أن الشهوة لا وجود لها في الحياة المسيحيَّة، بل أنهم قد حصلوا على عقل متزن عفيف، وأن الإنسان الباطن قد ارتفع عاليًا إلى الأشياء الإلهيّة والسماويّة حتى أنهم اعتقدوا تمامًا أن مثل هذا الشخص قد وصل فعلاً إلى درجة الكمال.

وحينما يظن الإنسان أنه قد وصل إلى الميناء الهاديء تثور ضده أمواج متلاطمة، حتى أنه يجد نفسه مرة أخرى في وسط المحيط، وأنه محمول إلى حيث يكون البحر سماء والموت متربص به.

وهكذا دخلت الخطية وهكذا أنشأت كل “أنواع الشهوة” الشريرة (رو 7: 8) وأيضًا هناك بعض الأشخاص قد نالوا درجة من النعمة التي وُهبت لهم، بمعنى أنهم قد حصلوا على قطرة من عمق البحر العظيم، ويجدونها- ساعة بساعة ويومًا بيوم- إنها عمل عجيب مدهش حتى أن الإنسان الذي يكون تحت تأثيرها ينذهل ويتعجب من فاعليّة عمل الله الغريب والعجيب حتى أنه لا يستطيع أن يتصور كيف حصل على هذه الحكمة والاستنارة.

وبعد هذا فإن النعمة تنيره، وترشده وتعطيه سلامًا وتجعله صالحًا من كل الوجوه إذ أن النعمة نفسها إلهيّة وسماويّة، ولذلك فإنه بالمقارنة به يحسب الملوك والرؤساء والنبلاء أقل منه وبلا قيمة. ولكن بعد وقت يتغير الحال، حتى أن مثل هذا الإنسان يحسب نفسه خاطئًا أكثر من الجميع. وأيضًا في وقت آخر يرى نفسه ضعيفًا وفي غاية العوز والفاقة.

وحينئذٍ فإن العقل يقع في حيرة وارتباك، لماذا تكون الأحوال متقلبة هكذا؟ لأن الشيطان إذ هو يكره الصلاح والخير فإنه يوحي بأمور شريرة لأولئك الذين يتبعون الفضيلة ويسعى أن يُلقي بهم أرضًا- فإن هذا هو عمله.

ثق في الرب الذي يقودك وأطعه:

ولكن لا تخضع للشيطان، بينما أنت تتمّم البرّ الذي يتحقق في الإنسان الباطن، حيث يوجد كرسي دينونة المسيح مع أقداسه الطاهرة حتى أن شهادة ضميرك تفتخر بصليب المسيح، الذي “طهر ضميرك من الأعمال الميتة” (عب 9: 14)، لكي تخدم الله بالروح. ولكي تعرف من الذي تعبده على حسب قول الرب حينما قال “نحن نسجد لما نعلم” (يو 4: 22). ثق في الله الذي يقودك وأطعه واجعل نفسك في شركة مع المسيح كالعروس مع عريسها. لأن “هذا السر عظيم، ولكني أقول عن المسيح” (أف 5: 32) والنفس التي بلا لوم، له المجد إلى الأبد آمين.

المسيحيون بالحق – العظة 38 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الفردوس والناموس الروحاني – العظة 37 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الفردوس والناموس الروحاني – العظة 37 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الفردوس والناموس الروحاني – العظة 37 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الفردوس والناموس الروحاني – العظة 37 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الفردوس

“محبة العالم عداوة لله كما هو مكتوب” (يع 4: 4) لهذا السبب فإن الكتاب المقدس يوصي كل واحد “أن يحفظ قلبه بكل اجتهاد” (أم 4: 23)، فعندما يحفظ الإنسان الكلمة في داخله مثل فردوس، فإنه يتمتع بالنعمة ولا ينصت إلى الحيَّة التي تحاول أن تتحرك في الداخل وهي التي توحي بأشياء تقود إلى اللذة والتي بها يتولّد الغضب الذي يذبح الأخ، والنفس التي تخضع لهذه الشرور تموت.

ولكن بالأحرى يجب على النفس أن تُنصت للرب الذي يقول “احرص على الإيمان والرجاء اللذان تتولد منهما محبة الله ومحبة القريب، هذه المحبة التي تعطي حياة أبدية”.

إلى هذا الفردوس دخل نوح، حافظًا الوصية ومُطيعًا للرب، وبالمحبة أُنقذ من الغضب. وإبراهيم بحفظه لهذا الفردوس سمع صوت الله. وموسى بحفظه لهذا الفردوس نال المجد منعكسًا على وجهه، وبالمثل فإن داود بحفظه لهذا الفردوس جاهد فهزم أعداءه. أما شاول أيضًا فطالما كان يراقب قلبه فإنه كان ينجح، ولكن حينما تعدى أخيرًا، فإنه رُفض. فإن كلمة الله تأتي إلى كل واحد بمقدار. وعلى قدر ما يتمسك الإنسان بالكلمة ويحفظها فإنها تحفظه وتمسك به وتحرسه.

لهذا السبب فإن جماعة الأنبياء القديسين والرسل والشهداء، حفظوا الكلمة في قلوبهم غير مهتمين بشيء آخر بل احتقروا الأرضيات وثبتوا في وصية الروح القدس وفضلوا محبة الله بالروح وخيرات الروح على كل شيء آخر، وذلك ليس بالكلام فقط أو مجرد المعرفة، بل بالقول والفعل والممارسة الحقيقيّة في كل الأشياء، فاختاروا الفقر بدلاً من الغنى، والعار والإهانة بدلاً من المجد والافتخار، والآلام بدلاً من اللّذة والتنعم، ولهذا السبب أيضًا نالوا المحبة بدلاً من الغضب.

المحبة والغفران للمسيئين:

لأنهم كما أبغضوا لذّات هذه الحياة، فإنهم أحبوا أولئك الذين يغتصبون منهم أشياء هذه الحياة، كأنه يعاونونهم في تحقيق الهدف غير مميزين بين الصالح والشرير. فهم لم يتحولوا عن الصالحين ولا هم يتهمون الأشرار، إذ أنهم يعتبرون الجميع كسفراء لعناية وتدبير ربهم، لذلك فإنهم يراعون الجميع بمحبة وإشفاق. وحينما سمعوا الرب يقول “اغفروا يُغفر لكم” (لو 6: 37) فإنهم حينئذٍ اعتبروا أولئك الذين أساءوا إليهم كفاعلي خير لأنهم أعطوا لهم الفرصة لينالوا الغفران لنفوسهم، وحينما سمعوا الرب يقول أيضًا “وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم هكذا أيضًا بهم” (مت 7: 12)، حينئذٍ بدأوا أن يحبوا الصالحين بحسب الضمير. وإذ تركوا برّ أنفسهم وطلبوا برّ الله فإنهم وجدوا المحبة متضمنة فيه بطريقة طبيعية.

لأن الرب، عندما أعطى وصايا كثيرة عن المحبة فإنه أوصانا أن نطلب “برّ الله” (مت 6: 33) لأنه يعرف أنه (أي برّ الله) هو والد المحبة، فلا يوجد طريق آخر به نتمّم خلاصنا إلاَّ عن طريق قريبنا، كما أوصى قائلاً: “اغفروا يُغفر لكم” هذا هو القانون الروحاني الذي كُتب في القلوب المؤمنة وهو “تكميل الناموس الأول” (رو 13: 10) لأنه يقول “لم آتِ لأنقض الناموس بل لأكمّل” (مت 5: 17)، وكيف كمّل الناموس؟

دعني أخبرك: فإذا حدث خطأ من إنسان، فإن الناموس الأول كان يدين بالأكثر الذي وُجه إليه الخطأ: “لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك” (رو 2: 1)، والناموس يقول هكذا “في وسط الدينونة، دينونة، وفي وسط الغفران، غفران” (تث 17: 8 السبعينية).

لذلك فإن المغفرة هي تكميل الناموس- وقد سميناها الناموس الأول، ليس لأن الله وضع ناموسين للناس، بل ناموس واحد، وهو روحاني في طبيعته. ولكن من جهة المجازاة فهو يعطي كل واحد الجزاء العادل، فيعطي المغفرة لمن يغفر، ويدين الذي يدين. كما يقول في المزمور “ومع الطاهر تكون طاهرًا، ومع الأعوج تكون ملتويًا” (مز 18: 26)، لذلك فإن أولئك الذين يتممون الناموس روحانيًا، وبقدر نوالهم النعمة، يحبون محبة روحانيّة، ليس أولئك الذين يفعلون بهم خيرًا فقط، بل أيضًا أولئك الذين يعيرونهم ويضطهدونهم، وهم يتطلعون لنوال مكافأة الصالحات.

وأقول الصالحات ليس لأنهم غفروا الإساءات التي وُجهت إليهم، بل لأنهم فعلوا أيضًا خيرًا لنفوس الذين أساءوا إليهم. لأنهم قدموهم إلى الله باعتبارهم الوسيلة التي بها تمموا وحصلوا على التطويب القائل “طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين” (مت 5: 11).

وهم قد تعلّموا أن يفكروا هكذا بواسطة ناموس روحاني، وإذ هم يحتملون ويحتفظون بموقف الوداعة الداخليّة، فإن الرب إذ ينظر إلى القلب وهم يحاربون، وينظر المحبة التي لم تفتر، فإن الرب ينقض حائط السياج المتوسط (أف 2: 14). ويطرحون كل بغضة عنهم وتكون النتيجة أن حبهم لم يعد بالاضطرار والتغصب بل يكون براحة وفرح.

إن الرب يقيد السيف المتقلب الذي يحرك الأفكار. وبعد ذلك تدخل الأفكار إلى ما داخل الحجاب حيث دخل يسوع “كسابق لأجلنا” (عب 6: 19). وتتمتع بثمار الروح بفرح.

وإذ ينظرون الأمور الآتية مكشوفة في داخل القلب بثبات، وليس في “مرآة ولغز” (1 كو 13: 12) كما يقول الرسول، فإنهم يقولون “ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1 كو 2: 9).

معرفة ما لم يخطر على قلب بشر:

سؤال: إن كانت هذه الأشياء لم تخطر على قلب إنسان، فكيف أمكنك أن تعرفها خصوصًا وأنك تعرف ما يقوله سفر الأعمال “نحن بشر تحت الآلام مثلكم” (أع 14: 15).

جواب: حسنًا أنصت إلى الجواب الذي يعطيه بولس لهذا السؤال إذ يقول “ولكن الله أعلنها لنا بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله” (1 كو 2: 10). ولكن لئلا يقول أحد إن الروح قد أُعطي لهم لأنهم رسل فقط، وإننا نحن لا نستطيع أن نناله، فإنه يقول في مكان آخر مصليًا “لكي يعطيكم أبو ربنا يسوع المسيح أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن، ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم” (أف 3: 16-17) ويقول أيضًا “أما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرية” (2 كو 3: 17). وأيضًا “إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس للمسيح” (رو 8: 9).

شركة الروح القدس:

لذلك فلنصل ونتوسل لكيما نشترك في الروح القدس بملء الثقة والاختبار، ولكي ما ندخل إلى المكان الذي خرجنا منه ولكي تُطرد عنا من الآن فصاعدًا تلك الحيَّة التي هي أب الغضب الذي يوحي بالمجد الباطل وهو روح الحزن والفشل والتذمر.

فلنصلِ لكي نحصل على إيمان ثابت فنستطيع أن نحفظ وصايا الرب وننمو فيه “إلى إنسان كامل إلى قياس القامة الناضجة” (أف 4: 13)، لكي لا يعود يتسلط علينا خداع هذا العالم، بل نكون في ملء ثقة الروح، ولا يعود ينقصنا الإيمان بأن نعمة الله تُسرّ بقبول الخطاة حينما يتوبون. فإن ما يُعطي بالنعمة لا يُقاس بالمقارنة مع الضعف السابق “وإلاَّ فليست النعمة بعد نعمة” (رو 11: 6).

بل إذ نؤمن بالله الكلي القدرة، نأتي بقلب بسيط غير قلق أو موسوس- نأتي إليه فهو الذي يعطي بالإيمان نعمة الاشتراك في الروح وليس بواسطة المقارنة بأعمال الطبيعة البشريّة لأنه يقول “لقد أخذتم الروح ليس بأعمال الناموس بل بخبر الإيمان” (غل 3: 2).

معنى خمس كلمات بذهني:

سؤال: ما معنى الآية التي تقول “ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني” (1 كو 14: 19)؟

جواب: إن كلمة كنيسة تُفهم بطريقتين: الجماعة أي جماعة المؤمنين ثم اجتماع النفس معًا. فحينما تُفهم الكلمة على الشخص الإنساني يكون المقصود هو الإنسان ككل متكامل معًا. وهنا تكون خمس كلمات تعني مجموع الفضائل التي تبني الإنسان كله بطرق متنوعة. فكما أن الذي يتكلم في الرب يفهم كل حكمة بكلماته الخمس، هكذا الذي يطيع الرب فإنه يبني كل تقوى بواسطة الفضائل الخمسة.

هم خمسة ولكنهم يشملون الجميع: الأولى، الصلاة ثم التعفف، ثم البذل والعطاء، ثم الفقر الاختياري والصبر. وهذه إذ تُتمم باشتياق وقصد ثابت فإنها كلمات النفس التي ينطقها الرب والتي تُسمع في القلب. إن الرب يعمل، ثم الروح يتكلم بدون صوت، والقلب يتمم جهرًا وظاهرًا ما يشتاق ويرغب.

ولكن كما أن هذه الفضائل تشتمل على كل الفضائل الأخرى، هكذا أيضًا فإنها تتوالد من بعضها البعض. فإذا نقصت الأولى، تسقط الباقية. وبالمثل فإنه بواسطة الثانية يتبعها البقية وهكذا.

لأنه كيف يصلي الإنسان بدون أن يكون تحت فاعليّة الروح؟ والكتاب يشهد معي هنا حينما يقول “لا يستطيع أحد أن يقول يسوع رب إلاَّ بالروح القدس” (1 كو 12: 3) وأيضًا كيف يستمر الإنسان في التعفف بمثابرة بدون الصلاة وبدون معونة ونعمة؟ والذي هو غير متعفف، كيف يصنع رحمة ويعطي الجياع والمتضايقين؟ والذي لا يصنع رحمة ويُحسن لن يقبل الفقر باختياره. وأيضًا فإن الغضب هو قريب وصديق لمحبة المال والطمع سواء كان الإنسان يملك المال أو لا يملكه.

ولكن الإنسان الفاضل هو الذي يُبنى ليكون كنيسة ليس بسبب ما فعله بل بسبب ما اشتاق إليه واشتهاه، فالذي يخلص الإنسان ليس هو عمله الخاص، بل يخلصه ذلك الذي يمنحه القوة. لذلك إن كان أحد يحمل “سمات الرب” (غل 6: 17)، فلا يظن نفسه عظيمًا، حتى لو كان قد نجح في كل عمل. بل لينظر فقط إلى المحبة التي في قلبه واهتمامه واجتهاده أن يعمل. لذلك لا تظنوا أنكم قد سبقتم الرب بفضيلتكم وذلك بحسب المكتوب “إنه هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا لأجل المسرة” (في 2: 13).

بماذا يوصينا الكتاب المقدس؟:

سؤال: إذن فما الذي يوصى به الكتاب الإنسان أن يفعله؟

جواب: سبق أن قلنا إن الإنسان عنده الاستعداد بطبيعته أن يرغب وأن يشتاق. وهذا ما يطلبه الله. لذلك فإن الله يأمر أن الإنسان ينبغي أن يعرف ويعتبر. وحينما يعتبر، ينبغي أن يحب وأن يجتهد بإرادته. ولكن لكي ينشط العقل ويتحرك ويتحمل التعب أو لكي يكمل العمل فهذا يحتاج إلى نعمة الله. وهذا ما تمنحه النعمة للإنسان الذي يرغب ويؤمن. لذلك فإن إرادة الإنسان هي مثل أداة في طبيعة الإنسان.

وحينما لا تكون الإرادة حاضرة، فإن الله نفسه لا يفعل شيئًا، رغم أنه يستطيع أن يفعل، وذلك بسبب حريّة إرادة الإنسان. إن عمل الروح الفعّال يتوقف على إرادة الإنسان. ومن الجهة الأخرى إذا كنا نعطي ونقدم له كل إرادتنا، فإنه ينسب كل العمل إلينا.

عجيب هو الله في كل الأشياء وهو فائق جدًا فوق كل إدراكنا. ولكننا نحن البشر نسعى لشرح بعض عجائبه وأعماله مستندين على الكتاب المقدس، أو متعلمين منه، فإنه يقول “من عرف فكر الرب” (رو 11: 34). ولكن هو نفسه يقول “كم مرة أردت أن أجمع أولادك.. وأنتم لم تريدوا” (مت 23: 37). ولذلك فنحن نؤمن أنه هو الذي يجمعنا ولا يطلب منا شيئًا سوى أن نريد ونرغب. ولكن ما هو الذي يُثبت ويُظهر الإرادة إلاَّ العمل الذي يعمل باختيار وحريّة؟

لأنه كما أن الحديد يُستعمل في نشر الخشب أو كفأس للقطع أو كمحراث للحرث والزراعة، ولكن يوجد إنسان هو الذي يحركه ويقوده، وحينما يتقادم ويبلى بالاستعمال فإنه يوضع في النار ويُشكل من جديد كأدوات كل منها حسب استعمالها. هكذا أيضًا فإن الإنسان حينما يتعب ويُجهَد جدًا في عمل ما هو صالح- مع أن الرب هو الذي يعمل فيه في الخفاء في هذا التعب- فإن الرب يعزي قلبه ويجدده كما يقول النبي: “هل تفتخر الفأس على القاطع بها أو يتكبر المنشار على مردده” (إش 10: 15). وهكذا بالمثل في حالة الشر حينما يطيعه الإنسان ويجعل نفسه مستعدًا له، فحينئذٍ يجذبه الشيطان ويسنه كما يسن اللص سيفه.

لقد شبهنا القلب بالحديد بسبب قلة حساسيته للأشياء وشدة قسوته. ولكن لا ينبغي أن نجهل، مثل الحديد الذي لا يحس- ذلك الذي يمسك بنا (لأننا لو كنا نحس فإننا لم نكن نتحول هكذا سريعًا من كلمته المغروسة فينا إلى أفكار الشرير)، بل بالأحرى نكون كالثور والحمار أي أن نعرف ذلك الذي يقودنا ويوجهنا في طريقه بحسب مسرته لأنه مكتوب: “الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرفني” (إش 1: 3).

لذلك فلنصلِ طالبين نوال معرفة الله، ولكي نتهذب في الناموس الروحاني لحفظ وصاياه المقدسة، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

العظة 37 للقديس مقاريوس الكبير – الفردوس والناموس الروحاني – د. نصحى عبد الشهيد

درجات النعمة والمجد – العظة 36 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

درجات النعمة والمجد – العظة 36 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

درجات النعمة والمجد – العظة 36 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 36 للقديس مقاريوس الكبير – درجات النعمة والمجد – د. نصحى عبد الشهيد

عن قيامة النفوس وقيامة الأجساد وأنواع مجد الذين يقومون.

إن قيامة النفوس المائتة تحدث الآن في هذه الحياة، وأما قيامة الأجساد فتحدث في ذلك اليوم (الأخير). وكما أن النجوم جميعها ثابتة في السماء إلاَّ أنها ليست جميعها متساوية، بل يختلف الواحد عن الآخر في اللمعان والحجم (1 كو 15: 14)، هكذا الأمور الروحانيّة فإنه يوجد بها درجات من التقدم “بحسب مقدار الإيمان بالروح الواحد نفسه” (رو 12: 3، 1 كو 12: 9)، إذ يكون واحد أكثر غنى من الآخر.

والكتاب يقول “إن من يتكلم بلسان.. يتكلم بروح الله” (1 كو 14: 2). فهو إنسان روحاني يكلم الله. “وأما الذي يتنبأ فيبني الكنيسة” (1 كو 14: 4) وهذا الأخير عنده قدر أكبر من النعمة. فالأول يبني نفسه فقط، أما الثاني فإنه يبني الكنيسة أيضًا.

وهذا يُشبه حبة الحنطة التي تُزرع في الأرض. فنفس الحبة في نفس الأرض تنتج حبوبًا كثيرة ومختلفة. وأيضًا سنابل القمح بعضها كبير والبعض الآخر صغير ولكن كلها تُجمع معًا إلى بيدر (جرن) واحد، وإلى مخزن واحد. ورغم أن الحبوب مختلفة إلاَّ أنه يُصنع منها خبز واحد.

وكما أنه يوجد في المدينة جموع من الناس، بعض منهم أطفال والبعض رجال والبعض شبان أحداث ولكنهم جميعًا يشربون من ينبوع واحد ويأكلون من خبز واحد ويستنشقون هواء واحد؛ أو في حالة المصابيح فهناك مصباح له فتيلتين وآخر له سبعة، ولكن حيثما تكون فتائل النور أكثر عددًا فهناك تكون الإضاءة أكثر.

هكذا كل الذين هم في النور لا يمكن أن يكونوا في الظلمة، ولكن توجد بينهم درجات مختلفة في النور. وإذا كان لأب ابنان أحدهما طفل والآخر شاب، فإنه يرسل الشاب إلى المدن والبلاد الغريبة، أما الطفل فإنه يحفظه دائمًا تحت رعايته لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا. والمجد لله آمين.

درجات النعمة والمجد – العظة 36 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

السبت القديم والسبت الجديد – العظة 35 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

السبت القديم والسبت الجديد – العظة 35 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

السبت القديم والسبت الجديد – العظة 35 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

السبت القديم والسبت الجديد – العظة 35 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

في ظل الناموس الذي أُعطي بواسطة موسى، أمر الله بأن كل إنسان ينبغي أن يستريح يوم السبت ولا يعمل شيئًا. وكان هذا رمزًا وظلاً للسبت الحقيقي الذي يعطيه الرب للنفس. لأن النفس التي قد مُنح لها أن تصير حرة من الأفكار المنحطة النجسة، فإنها تحفظ السبت الحقيقي وتتمتع بالراحة الحقيقيّة، إذ تكون عاطلة وفي فراغ فيما يخص أعمال الظلمة.

ففي السبت الرمزي، رغم أنهم كانوا يستريحون راحة جسديّة، إلاَّ أن نفوسهم كانت مستعبدة للشرور والخطايا. وأما هذا السبت الحقيقي، فهو راحة حقيقيّة، إذ تكون النفس عاطلة عن غوايات الشيطان ومُطهرة منها، وتستريح في الراحة الأبديّة وفرح الرب.

وكما أمر الله (في القديم) أن الحيوانات غير العاقلة أيضًا ينبغي أن تستريح في البيت، وأن الثور لا ينبغي أن يُوضع عليه النير وألاَّ يحمل الحمار أثقالاً. فإنه حتى الحيوانات كانت تستريح من الأعمال الثقيلة- هكذا حينما أتى الرب وأعطى السبت الحقيقي الأبدي، فقد أعطى راحة للنفس التي كانت مُتقلة ومُحملة بأحمال الإثم الثقيلة والأفكار النجسة، وكانت تعمل تحت نير واضطرار أعمال الإثم لأنها كانت مُستعبدة لسادة قساة، فأراحها من أثقالها التي يعسر حملها، أراحها من الأفكار الباطلة والنجسة، ونزع عنها النير القاسي، نير أعمال الإثم وأراح النفس التي كانت مُتعبة ومُثقلة بأفكار وغوايات النجاسة..

تعالوا إليَّ… وأنا أريحكم:

إن الرب يدعو الإنسان إلى الراحة قائلاً “تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (مت 11: 28). وكل النفوس التي تطيع هذه الدعوة وتقترب إليه، فإنه يريحهم من كل هذه الأفكار الثقيلة المُتعبة والنجسة ويصيرون أحرارًا من كل شر ويحفظون السبت الحقيقي المُبهج المقدس، ويعيدون عيد الروح، عيد الفرح والبهجة التي تفوق الوصف، ويقدمون خدمة نقيّة مرضيّة لله من قلب نقي. هذا هو السبت الحقيقي المقدس.

لذلك فلنتوسل إلى الله لكي “ندخل إلى هذه الراحة” (عب 4: 11)، ولكي نصير أحرارًا من الأفكار المنحطة والشريرة والباطلة، لكيما نستطيع أن نخدم الله من قلب نقي ونعيّد عيد الروح القدس.

وطوبى للإنسان الذي يدخل إلى تلك الراحة. والمجد لمن هذه هي مسرته، أي الآب والابن والروح القدس، إلى الأبد آمين.

السبت القديم والسبت الجديد – العظة 35 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

تمجيد الأجساد في القيامة – العظة 34 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

تمجيد الأجساد في القيامة – العظة 34 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 34 للقديس مقاريوس الكبير – تمجيد الأجساد في القيامة – د. نصحى عبد الشهيد

تمجيد الأجساد في القيامة – العظة 34 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

بخصوص المجد الذي سيُوهب لأجساد المسيحيين في القيامة وكيف ستضيء أجسادهم مع نفوسهم.

قيامة النفس أولاً ورؤيتها لمجد اللاهوت:

كما أن العيون الجسديّة ترى كل شيء بوضوح، هكذا نفوس القديسين ينكشف لها جمال اللاهوت ويصير ظاهرًا لها وينجذب المسيحيون في تأمل محاسن اللاهوت والتفكير فيها. ولكن مجد اللاهوت هذا إنما هو مُخفي عن العيون الجسديّة، وهو يُكشف بوضوح للنفس المؤمنة- النفس التي كانت ميتة- والتي يقيمها الرب من الخطية، كما أقام الأجساد المائتة أيضًا، وهو يعد لها “سماء جديدة” و”أرضًا جديدةً” (رؤ 21: 1) وشمسًا للبر، معطيًا للنفس كل شيء من لاهوته.

فهناك عالم حقيقي وأرض حيَّة، وكرمة مثمرة، وخبز الحياة، وماء حي، كما هو مكتوب “إني أؤمن بأن أرى خيرات الرب في أرض الأحياء” (مز 27: 13)، و أيضًا “ولكم أيها المتقون اسمي شمس البر والشفاء في أجنحتها” (ملاخي 4: 2). وأيضًا الرب نفسه يقول “أنا هو الكرمة الحقيقيّة” (يو 15: 1). وأيضًا “أنا هو خبز الحياة” (يو 6: 35) وأيضًا “كل من يشرب من الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (يو 4: 14).

لأن مجيء الرب كان كله لأجل الإنسان- الإنسان الذي كان مطروحًا ميتًا في قبر الظلمة والخطية والروح النجس والقوات الشريرة- لكي يقيم الإنسان ويحييه في هذه الحياة الحاضرة ويطهره من كل سواد وظلمة، وينيره بنوره الخاص، ويُلبسه ثوبه الخاص، أي الثوب السماوي الذي هو ثوب اللاهوت.

تمجيد الأجساد التي أقيمت نفوسها:

ولكن في قيامة الأجساد، التي سبق أن أُقيمت نفوسها قبلاً وتمجدت، فإن الأجساد. أيضًا تتمجد حينئذٍ مع النفوس، وتستنير بالنفس التي قد استنارت وتمجّدت في هذه الحياة الحاضرة لأن الرب هو بيتهم وخيمتهم ومدينتهم. وهم يلبسون مسكنًا من السماء “غير مصنوع بأيدي” (2 كو 5: 1)، وهو مجد النور الإلهي إذ قد صاروا أبناء النور. وهم لن ينظروا إلى بعضهم البعض بعين شريرة، لأن الشر نُزع منهم. وهناك “لا يوجد ذكر وأنثى ولا عبد وحرّ” (غل 3: 28).

لأن الجميع يتغيّرون إلى طبيعة القداسة الإلهيّة ويصيرون ذوي صلاح وخير، وآلهة وأبناء لله. هناك يخاطب الأخ أخته بسلام بلا خجل أو تشويش، لأن الكل واحد في المسيح ويستريحون في النور الواحد. والواحد ينظر إلى الآخر وفي نظره يضيء بالحق، في التأمل الحقيقي للنور الذي لا يُعبّر عنه.

أمجاد تفوق كل تعبير:

وهكذا بأشكال كثيرة، وأمجاد إلهيّة كثيرة متنوعة ينظرون بعضهم بعضًا وكل منهم ينذهل ويفرح “بالفرح الذي لا يُنطق به” (1 بط 1: 8) إذ ينظرون مجد بعضهم البعض. انظر كيف أن أمجاد الله تفوق كل تعبير ونُطق وتفوق كل فهم فهي أمجاد النور الذي لا يُعبّر عنه والأسرار الأبديّة وخيرات لا تُعد ولا تُحصى.

وكما أنه في عالم الحواس يستحيل على أي إنسان أن يدرك عدد نباتات الأرض، أو البذور أو أنواع زهور الأرض ولا يقدر إنسان واحد أن يقيس أو يفهم غنى الأرض كلها، وكذلك في البحر لا يستطيع إنسان أن يحصي الكائنات الحيَّة التي فيه بكل أنواعها واختلافاتها أو أن يقيس مياه البحر واتساعه وعمقه.

وكذلك في الهواء لا يستطيع أحد أن يعرف عدد الطيور، أو أنواعها وأجناسها، وأيضًا لا يستطيع أن يفهم عظمة السماء ويدرك مواقع النجوم ومساراتها، هكذا أيضًا فإنه يستحيل أن ننطق أو نصف غنى المسيحيين الذي لا يُقاس ولا تستطيع أن تدركه العقول. لأنه إن كانت تلك المخلوقات لا عدد لها ولا حصر ولا يستطيع أن يدركها عقل إنسان تمامًا، فكم بالحري يكون ذلك الذي خلقها وأعدها!

لذلك ينبغي على كل واحد بالحري أن يفرح جدًا ويُسرّ لأن مثل هذا الغنى ومثل هذا الميراث، قد أُعد للمسيحيين، حتى أنه لا يستطيع أحد أن ينطق به أو يشرحه شرحًا كافيًا.

بل بكل اجتهاد واتضاع ينبغي أن نسير في الجهاد المسيحي وننال ذلك الغنى. لأن ميراث المسيحيين ونصيبهم هو الله نفسه. كما يقول النبي “الرب هو نصيب ميراثي وكأسي” (مز 16: 5). والمجد لذلك الذي يعطي نفسه ويُشرك نفوس المسيحيين في قداسة طبيعته إلى الأبد آمين.

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

تمجيد الأجساد في القيامة – العظة 34 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة بانتباه – العظة 33 للقديس مقاريوس الكبير –  د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة بانتباه – العظة 33 للقديس مقاريوس الكبير –  د. نصحى عبد الشهيد

العظة 33 للقديس مقاريوس الكبير – الصلاة بانتباه – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 33 للقديس مقاريوس الكبير – الصلاة بانتباه – د. نصحى عبد الشهيد

“ينبغي أن نصلي لله بلا انقطاع وبانتباه”.

كيف نصلي:

ينبغي أن نصلي، ليس بحسب أي عادة جسديّة، ولا بعادة رفع الصوت والصراخ، ولا بعادة الصمت، أو إحناء الركب. بل ينبغي أن يكون لنا عقل منتبه وبهدوء ورزانة ننتظر الله ونتوقعه، إلى أن يأتي إلينا ويفتقد النفس من خلال كل مخارجها ومسالكها وحواسها. وهكذا فإننا حينئذٍ نكون صامتين حينما ينبغي الصمت، ونصلي بصوت مرتفع حينما ينبغي ذلك، ونصلي بصراخ ما دام العقل مشدودًا بقوة نحو الله.

وكما أن الجسد حينما يقوم بأي عمل، فإنه يكون منشغلاً تمامًا بهذا العمل وكل أعضاؤه يساعد بعضها بعضًا، كذلك فلتكن النفس مُقدمةً ومُعطاةً للرب تمامًا بالصلاة والمحبة نحو الرب. ولا تتشتت وتُحمل بواسطة أفكارها، بل تسعى بكل طاقتها وتجمع نفسها مع كل أفكارها مصممة على انتظار المسيح ملازمة إياه.

وهكذا فإنه سيشرق عليها، ويعلّمها الصلاة الحقيقيّة. معطيًا إياها الصلاة الروحانيّة النقيّة، والتي تليق بالله، “والسجود الذي هو بالروح والحق” (يو 4: 24)، ولكن كما أن الإنسان الذي يشتغل بالتجارة لا يكتفي بطريقة واحدة للحصول على المكسب بل يمتد بكل طريقة ليضاعف أرباحه، ويزيدها، ويجرّب وسيلة بعد أخرى، ثم يجري محاولات أخرى، محترسًا فقط مما لا ربح فيه.

بل إنه يجري إلى ما فيه الربح الأكثر، هكذا نحن أيضًا فلنعد أنفسنا بكل مهارة وبكل قدرة على الحركة والنشاط من جميع الجوانب لكي نربح الربح الحقيقي العظيم، أي الله نفسه، الذي يعلّمنا كيف نصلي بالحق. وبهذه الطريقة فإن الرب يحل على النفس ذات القصد الصالح، جاعلاً إياها عرشًا لمجده ويجلس ويستريح عليها. وهذا ما سمعناه من النبي حزقيال عن الخلائق الروحانيّة التي كانت مربوطة بمركبة الرب. وهو يُظهرها لنا كأنها كلها عيونًا. وبطريقة مشابهة فإن النفس التي تحمل الله أو بالأحرى يحملها الله فإنها تصير كلها عيونًا.

سكنى المسيح في النفس:

وكما أن البيت الذي يوجد سيده في داخله يكون مملوءً بالتنسيق والجمال والانسجام، هكذا النفس التي يكون ربها ساكنًا معها، ومقيمًا فيها، فإنها تمتليء بكل جمال ونعمة. إذ يكون لها الرب بكل كنوزه الروحيَّة ساكنًا فيها وهو الذي يقودها ويوجّه حركتها.

ولكن الويل للبيت الذي لا يكون سيده فيه. إذ يكون مقفرًا خربًا ويمتليء من كل قذارة وفوضى وهناك كما يقول النبي تسكن “وحوش القفر والشياطين” (إش 34: 13-14 السبعينية). وفي البيت المهجور توجد القطط والكلاب وكل نجاسة.

الويل إذن للنفس التي لا تقوم من سقوطها الفادح، ولا تقبل في داخلها رب البيت الصالح، الذي هو المسيح ليسكن فيها، بل تبقى في نجاستها ويظلّ في داخلها أولئك الذين يقنعونها ويجبرونها على معاداة عريسها، وراغبين أن يفسدوا أفكارها بعيدًا عن المسيح.

ولكن حينما يرى الرب أن النفس تجمع ذاتها بأقصى طاقتها، وتطلبه دائمًا منتظرة إياه ليلاً ونهارًا، وتصرخ إليه، كما أوصى الرسول أن “نصلي بلا انقطاع” (1 تس 5: 7) فإنه “ينصفها” (لو 18: 17)، مطهرًا إياها من الشر الذي في داخلها. وهو “سيحضرها لنفسه “عروسًا” لا دنس فيها ولا غضن” (أف 5: 27).

انظر إلى ذاتك:

فإن كنت تؤمن وتصدق بأن هذه الأشياء صحيحة كما هي في الحقيقة، فانظر إلى ذاتك جيدًا، إن كانت نفسك قد وجدت النور الذي يرشدها والطعام والشراب الحقيقي، الذي هو الرب. فإذا لم تكن قد وجدت، فاطلب ليلاً ونهارًا لكي تنال.

وحينما ترى الشمس (الطبيعيّة) فاطلب الشمس الحقيقيّة إذ أنك أعمى. وحينما تنظر النور (الطبيعي)، فانظر إلى داخل نفسك، هل قد وجدت النور الحقيقي الصالح؟ لأن كل الأشياء المنظورة للحواس هي ظل للأمور الحقيقيّة الخاصة بالنفس.

فإنه يوجد في داخلنا إنسان آخر غير هذا الإنسان المنظور، وتوجد عيون داخليّة قد أعماها الشيطان وآذان قد أصمّها. ويسوع قد جاء لكي يجعل هذا الإنسان الداخلي صحيحًا معافى. له المجد والقدرة، مع الآب والروح القدس إلى الأبد. آمين.

الصلاة بانتباه – العظة 33 للقديس مقاريوس الكبير –  د. نصحى عبد الشهيد

ثوب المجد الآن وفي القيامة – العظة 32 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

ثوب المجد الآن وفي القيامة – العظة 32 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

ثوب المجد الآن وفي القيامة – العظة 32 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

ثوب المجد الآن وفي القيامة – العظة 32 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

إن مجد المسيحيين يسكن منذ الآن في نفوسهم، وسيظهر في وقت القيامة

    ويمجّد أجسادهم بقدر إيمانهم وقداستهم.

استنارة سماويّة:

توجد لغات مختلفة في هذا العالم. كل أمة لها لغة خاصة بها. وأما المسيحيون فإنهم يتعلّمون لغة واحدة جديدة، وجميعهم يتهذبون بحكمة واحدة هي حكمة الله، وليست حكمة هذا العالم ولا هذا الدهر الزائل. وعندما يسير المسيحيون في هذه الخليقة الجديدة فإنهم ينالون استنارة سماويّة جديدة وأمجادًا وأسرارًا يحصلون عليها من رؤية الأشياء الظاهرة التي يبصرونها بحواسهم.

هناك أنواع مختلفة من الحيوانات الأليفة، مثل الحصان والثور وكل منها له جسده وصوته الخاص به. هكذا أيضًا بين الحيوانات المتوحشة، فالأسد له جسده الخاص به وصوته المتميز. وهكذا الإيل أيضًا. وبين الحيوانات الزاحفة توجد أنواع كثيرة. وهكذا أيضًا بين الطيور توجد أنواع من الأجسام. فجسد النسر وصوته نوع، وجسم الصقر وصوته نوع آخر. وهكذا أيضًا توجد نفس الاختلافات والأنواع في البحر فتجد أجسام كثيرة غير متشابهة. وكذلك في الأرض توجد أنواع بذور كثيرة وكل بذرة لها ثمرتها الخاصة.

وتوجد أشجار كثيرة بعضها كبير وبعضها صغير وتعطي محاصيل مختلفة، وكل نوع من الثمار له طعم ومذاق خاص. وهناك أيضًا الأعشاب وهي أنواع مختلفة كثيرة، فالبعض منها معروف بنفعه للعلاج والشفاء، والبعض الآخر يعطي فقط رائحة طيبة. ولكن كل صنف من الأشجار يخرج من داخله ما يكسوه من الخارج وهو ما تنظره العين أي الأوراق والزهور والثمار. وبالمثل البذور التي تخرج من الداخل ما يكسوها وهو ما نراه بعيوننا. وكذلك السوسن (الزنابق) أيضًا تنتج من داخلها كساءها الذي يزين الأرض.

الثوب السماوي:

هكذا أيضًا المسيحيون الذين حُسبوا أهلاً منذ الآن في هذه الحياة أن يحصلوا على الثوب السماوي، فإنهم يحملون ذلك الثوب ساكنًا في داخل نفوسهم، وحينما تنحل هذه الخليقة الحاضرة بحسب تعيين الله وعلمه السابق وتزول السماء والأرض فإن ذلك الثوب السماوي الذي كان يكسو نفوسهم منذ الآن ويمجدها والذي يمتلكونه في داخل قلوبهم، هذا الثوب نفسه سوف يكسو ويمجد أيضًا أجسادهم العارية، التي تقوم من القبور، الأجساد التي تقوم في ذلك اليوم مكتسية بالموهبة السماويّة غير المنظورة وبذلك الثوب السماوي الذي يناله المسيحيون في هذه الحياة منذ الآن.

وكما أن الإبل، حينما تجد حشيشًا فإنها تجري إليه بسرعة وشراهة وتأكله وتخزّن منه غذاء في داخلها، وفي وقت الجوع تسترجع المخزون من معدتها وتمضغه وتجترّه وبذلك تتغذى من الطعام الذي سبق أن اختزنته، هكذا أولئك الذين يغتصبون ملكوت السموات وقد ذاقوا الطعام السماوي ويعيشون في الروح فإنهم في وقت القيامة ينالون ذلك الطعام عينه ليغطي ويدفيء كل أعضائهم.

فكما تحدثنا عن أنواع من البذور، وأن كثير منها يُزرع في نفس الأرض وينتج أنواعًا مختلفة من الثمار. وهكذا أيضًا نفس الأمر بالنسبة للأشجار. فالبعض منها كبير والبعض صغير ولكن أرضًا واحدة تجمع جذورها جميعًا. هكذا أيضًا الكنيسة السماويّة فهي واحدة ولكن توجد فيها أعدادًا لا تُحصى، وكل شخص فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدة خاصة به لأنه كما أن الطيور تُخرِج من أجسادها غطاءً لها وهو ريشها إلا أنه توجد اختلافات كبيرة بين أنواع الطيور.

فالبعض منها يطير قريبًا من الأرض بينما البعض الآخر يطير عاليًا جدًا في الهواء. أو كما أن السماء واحدة ولكنها تحوي نجومًا كثيرة البعض منها أشد لمعانًا وإضاءة وبعض منها كبير والبعض الآخر صغير، إلاَّ أنها جميعها موجودة ثابتة في نفس السماء الواحدة. هكذا أيضًا القديسون فإنهم متأصلون في سماء واحدة هي سماء اللاهوت ولكن بطرق متنوعة، وهم متأصلون أيضًا في الأرض غير المنظورة. هكذا أيضًا الأفكار التي تأتي إلى البشر، فهي مختلفة، ولكن الروح، إذ يأتي إلى القلب فإنه يصنع فكرًا واحدًا، فإن الذين هم فوق والذين هم أسفل هم تحت تدبير وقيادة روح واحد.

الظل والحقيقة:

ولكن ما هو معنى الحيوانات “المشقوقة الظلف” (لا 11: 3) حيث إنها تسير وتجري بسرعة بواسطة ظلفيها، وهي ترمز لأولئك الذين يسلكون باستقامة في الشريعة. ولكن كما أن ظِلّ الجسد يتكوّن بسبب الجسد ولكنه لا يستطيع أن يتمم أي وظيفة من وظائف الجسد- فإن الظل لا يستطيع أبدًا أن يضمد الجروح أو يعطي الطعام أو يتكلم- ومع ذلك فهو يتكوّن بسبب الجسد ويشير مقدمًا إلى مجيء الجسد، هكذا أيضًا الناموس القديم هو ظل للعهد الجديد (كو 2: 17).

والظلّ يُظهر الحقيقة مقدمًا، ولكنه لا يملك خدمة الروح. فإن موسى، لا يستطيع بالجسد أن يدخل إلى القلب وينتزع ثياب الظلمة الدنسة. ولا يستطيع أن يلاشي ويحل قوة الظلمة الخبيئة إلاَّ روح من روح ونار من نار. فالختان في ظل الناموس يشير إلى اقتراب مجيء ختان القلب الحقيقي. والاغتسال والمعمودية حسب الناموس هي ظل للأمور الحقيقية، فإن معمودية الناموس كانت تغسل الجسد، ولكن هنا الآن توجد معمودية النار والروح التي تُطهر وتغسل العقل المدنس.

العهد القديم والعهد الجديد:

وهناك (في الناموس) كاهن “مُحاط بالضعف” (عب 5: 2) كان يدخل إلى الأقداس مقدمًا الذبائح عن نفسه وعن الشعب، وأما هنا الآن فرئيس الكهنة الحقيقي، المسيح، قد دخل مرة واحدة إلى الأقداس غير المصنوعة بأيدي وإلى المذبح الذي فوق، وهو مستعد لتطهير أولئك الذين يسألونه ولتطهير الضمير الذي تدنس. فهو يقول “وسأكون معكم إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 20).

وكان رئيس الكهنة له حجرين كريمين على صدره، وعليهما أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر، وكان هذا ليكون رمزًا ومثالاً، لأن الرب أيضًا بنفس الطريقة وضع على صدره الرسل وأرسلهم مبشرين وكارزين للعالم أجمع. وها أنت ترى كيف أن الظل يشير إلى اقتراب الحقيقة. ولكن كما أن الظل لا يصنع لنا شيئًا ولا يشفي جروحًا، هكذا الناموس القديم لم يكن يستطيع أن يشفي جروح النفس وأوجاعها لأنه لم تكن له حياة.

إن اتحاد مادتين معًا يؤدي إلى شيء واحد كامل، كالعهدين. فالإنسان خُلق على صورة الله ومثاله. وهو له عينان، وحاجبان، ويدان، وقدمان. فلو حدث أن إنسانًا له عين واحدة أو يد واحدة أو قدم واحدة فإن هذا يكون عيبًا مؤسفًا، والطير الذي يكون له جناح واحد لا يستطيع أن يطير.

هكذا أيضًا الطبيعة البشريّة، فإن بقيت عارية. وبنفسها فقط ولم تنل الاتحاد والشركة مع الطبيعة الإلهيّة فإنها لا تستقيم أبدًا ولا تكتمل، بل تظل عارية ومستحقة للّوم في طبيعتها الخاصة بسبب وضاعتها وأدناسها. فإن النفس ذاتها دُعيت هيكلاً لله ومسكنًا له، وعروسًا للملك. فإنه يقول “إني سأسكن فيهم وأسير بينهم” (2 كو 6: 16).

وهكذا كانت مسرة الله، أن يأتي من السماء المقدسة ويأخذ طبيعتك العاقلة، فهو أخذ جسدًا من الأرض ووحّده بروحه الإلهي، حتى تستطيع أنت (الأرضي)، أن تنال الروح السماوي. وحينما تصير لنفسك شركة مع الروح وتُدخل الروح السماوي في نفسك، فحينئذٍ تكون إنسانًا كاملاً في الله، ووارثًا وابنًا.

تواضع الله وعنايته بك:

ولكن كما أنه غير مستطاع للأكوان العليا ولا للأكوان السفلى أن تحتوي عظمة الله أو طبيعته التي تفوق الإدراك، هكذا أيضًا لا تستطيع لا الأكوان العليا ولا الذين على الأرض أن يفهموا تواضع الله وكيف يجعل نفسه صغيرًا لأجل أولئك الصغار المتواضعين. فكما أن عظمته تفوق الفهم هكذا أيضًا تواضعه يفوق الإدراك. ويمكن أن يحدث أن عنايته ترتب لك أن تجوز في شدائد وآلام ولكن ما تظنه مضادًا لك وضارًا بك، يتأكد بعد ذلك أنه لخير ومنفعة نفسك.

فإذا رغبت أن تعيش في العالم وتكون غنيًا، فيقابلك سوء الحظ وعدم التوفيق وحينئذٍ تبتديء أن تفكر في نفسك وتقول: “لأني لم أصب نجاحًا في العالم، هل أتركه وأتخلى عن كل شيء وأعبد الله”، وبعد أن تصل إلى هذه النقطة فإنك شممع الوصية قائلة “بع كل مالك” (مت 19: 21) “وارذل كل تعلقات جسديّة واخدم الله”. حينئذٍ تبتديء تشكر الله لأجل عدم توفيقك ونجاحك في العالم وتقول في نفسك “لأني بسبب هذا صرت مطيعًا لوصية المسيح”.

حسنًا إذن، فإنه بسبب الأمور الخارجيّة قد تغيّر ذهنك ورفضت العالم والارتباطات الجسديّة، لذلك يليق بك أيضًا أن تتغير في الذهن من الحكمة الجسديّة إلى الحكمة السماويّة. وبعد ذلك تبتديء أن تميّز صوت الحكمة السماويّة الذي تسمعه وتتعلمه في داخلك ولا تهدأ وتسكت بل تهتم وتجتهد لتحقيق ما قد سمعته.

الرب يتحدث إليك:

وحينما تظن أنك قد أتممت كل شيء برفضك للعالم، فإن الرب يتحدث إليك قائلاً “لماذا تفتخر؟ ألم أخلق أنا جسدك ونفسك؟ ألم أخلق الذهب والفضة؟ ماذا فعلت أنت” وحينئذٍ تبتديء النفس تعترف للرب وتتوسل إليه وتقول “كل الأشياء هي لك والبيت الذي أسكن فيه هو لك. ثيابي لك. ومنك أنال طعامي، ومنك أحصل على كل احتياجاتي”.

حينئذٍ يجيب الرب قائلاً: “أشكرك. هذه الخيرات كلها هي لك أنت. والإرادة الصالحة هي إرادتك، وبسبب محبتك لي وإلتجائك إليَّ، تعال، فإني سأعطيك ما لم تحصل عليه قبلاً، ولا يمتلكه الناس على الأرض. خذني لك، أنا ربك، لأكون مع نفسك. لكي تكون دائمًا معي في فرح وابتهاج”.

النفس عذراء للرب:

وكما أن المرأة التي تقترن بزوج تُحضر كل ما تملك وكل مهرها، ومن شدة محبتها تضع بين يدي زوجها كل شيء قائلة له “ليس لي شيء خاص ملكي. كل ما أملك هو لك. مهري لك وأيضًا نفسي وجسدي لك”. هكذا أيضًا النفس الحكيمة هي عذراء للرب، إذ لها شركة مع الروح القدس.

ولكن كما أن الرب، حينما جاء على الأرض تألم وصُلب، هكذا ينبغي أيضًا أن تتألم معه. لأنك حينما تترك العالم وتبتديء تطلب الله وتصير ذا تمييز، فحينئذٍ ستجد نفسك في حرب مع طبيعتك في عاداتها وعوائدها القديمة التي قد نمت معك. وفي حربك ضد هذه العادات، فإنك تكتشف أفكارًا مضادة لك وتحارب عقلك، وهذه الأفكار تحاول أن تجرك وتجعلك منشغلاً مرة أخرى بالعالم المادي الذي خرجت منه سابقًا وتركته.

النعمة تقودك في الشدائد:

وحينئذٍ تبتديء أن تقاتل وتحارب في الحرب واضعًا أفكار في مواجهة أفكار، وعقل في مواجهة عقل، ونفس ضد نفس، وروح ضد روح. وبكلمة مختصرة فإن النفس تكون في آلام وتعب.

لأنه تنكشف هناك قوة ظلام خفيّة خبيثة، مختبئة في القلب. ولكن الرب يكون قريبًا جدًا من نفسك وجسدك وهو يرى قتالك، ويضع في داخلك أفكارًا سماويّة خفيّة، ويبتديء أن يعطيك راحة في الداخل ولكنه يسمح بتقويم وتهذيب نفسك والنعمة نفسها توجهك في كل هذه الشدائد. وهي التي تقودك. وحينما تصل إلى الراحة فإن النعمة تعلن نفسها لك وتوضح لك أنه من أجل منفعتك قد سمحت لك بهذه الآلام لتدريبك.

فكما يحدث حينما يكون لرجل غني ابن صغير ويحضر لهذا الابن مربيًا لتهذيبه. فلفترة من الوقت يؤدبه بالضربات والجروح والجلدات، وتبدو الضربات ثقيلة جدًا إلى أن يصير الولد إلى النضج والرجولة، فإنه حينئذٍ يبتديء أن يشكر المربي الذي علَّمه. هكذا أيضًا فإن النعمة تؤدبك بتدبير الله وتربيك إلى أن “تصل إلى إنسان كامل” (أف 4: 13).

إن الفلاح يلقي البذار في كل ناحية، والذي يغرس كرمًا يشتهي أن كل غصن فيه يحمل ثمارًا. لذلك يستعمل منجل التشذيب لتنقية الأغصان، وحينما لا يجد ثمرًا بعد ذلك فإنه يحزن. هكذا أيضًا الرب يريد أن تُزرع كلمته في قلوب الناس. ولكن كما أن الفلاح يحزن على الأرض التي لا تُثمر، هكذا يحزن الرب على القلب الذي لا يعطي ثمرًا.

وكما أن الرياح تهب في جميع الاتجاهات على كل الخليقة، وكما أن الشمس تضيء الكون كله، هكذا فإن الله هو في كل مكان، وتجده في كل مكان. فإن طلبته في السماء فإنه موجود في أفكار الملائكة. وإن طلبته على الأرض فإنه موجود أيضًا في قلوب الناس. ولكن قليل بين الكثيرين من المسيحيين هم الذين يرضونه.

والمجد والعظمة للآب والابن والروح القدس. آمين.

ثوب المجد الآن وفي القيامة – العظة 32 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

تغيير الذهن والصلاة الحقيقية – العظة 31 للقديس مقاريوس الكبير – تد. نصحى عبد الشهيد

تغيير الذهن والصلاة الحقيقية – العظة 31 للقديس مقاريوس الكبير – تد. نصحى عبد الشهيد

تغيير الذهن والصلاة الحقيقية – العظة 31 للقديس مقاريوس الكبير – تد. نصحى عبد الشهيد

العظة 31 للقديس مقاريوس الكبير – تغيير الذهن والصلاة الحقيقية – د. نصحى عبد الشهيد

“في أنه ينبغي أن المؤمن يتغير في ذهنه، ويجمع أفكاره كلها في الله. فإنه في هذا تتركز كل خدمة الله”.

تغيير القلب:

ينبغي على المؤمن أن يتوسل إلى الله لكي يغيّره في كل اتجاهاته وأغراضه بتغيير قلبه، من المرارة إلى الحلاوة وأن يتذكر كيف شفي الرجل الأعمى، وكيف حصلت المرأة نازفة الدم على الشفاء بلمسها ثوب المسيح وهو الذي سبق أن غيّر طبيعة الأسود المفترسة، وحوّل طبيعة النار، فإن الله هو الصلاح الذي لا مثيل له والخير الأعلى، وينبغي أن تُجمع فيه ونحوه عقلك وأفكارك ولا تفكر في شيء آخر، سوى أن تنتظره وتنظر إليه برجاء وثقة.

لذلك فلتكن النفس ملك ذلك الإنسان الذي يجمع الأطفال الضالين معًا، وهكذا تجمع النفس الأفكار التي شتتتها الخطية وتؤنبها بشدة. وتقود الأفكار للرجوع إلى بيتها، وهي تنتظر الرب دائمًا بالصوم والمحبة لكي يأتي إليها ويجمع الأفكار حقًا. وحيث إن المستقبل غير مضمون، لذلك ينبغي على المؤمن أن يضع رجاءه بالأكثر في قائده، ويكون مملوءً بالرجاء الصالح، ويتذكر كيف أن راحاب وهي تعيش بين الغرباء آمنت بإله إسرائيل وحُسبت مستحقة أن تشترك في امتياز شعب الله القديم، بينما الإسرائيليون أنفسهم تحوّلوا بعواطفهم ورجعوا بقلوبهم إلى مصر.

لذلك فكما أن راحاب لم يصبها أي أذى وهي تسكن بين الغرباء، بل إن إيمانها أعطاها نصيبًا في ميراث الإسرائيليين، هكذا الخطية لن تؤذي أولئك الذين بالرجاء والإيمان ينتظرون الفادي الذي حينما يأتي إليهم فإنه يغيّر أفكار النفس ويجعلها إلهيّة وسماويّة، وصالحة، ويعلّم النفس الصلاة التي بلا تشتت أو زيغان. انظر قول الرب “لا تخف أنا أسير أمامك والهضاب أمهد، أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف” (إش 45: 2). ويقول أيضًا “احذر أن يكون في قلبك فكر شر خفي، ولا تقل في قلبك هؤلاء الشعوب أكثر مني وأقوى” (تث 15: 9، 7: 17).

فإذا لم تنحل نفوسنا بالتكاسل، وبإعطاء مراعي عقولنا لأفكار الخطية المشوشة، بل بالعكس نجذب عقولنا بإرادتنا ونغصب أفكارنا إلى الرب، فإنه بلا شك يأتي إلينا ويجمعنا إليه بالحق.

 

انتظار الرب في الداخل:

إن كل ما يرضي الله وكل خدمة تُقدم له إنما هي موجودة في القلب. لذلك اجتهد أن ترضي الرب ناظرًا إليه كل حين ومنتظرًا اياه في داخلك، وفتش عنه في أفكارك واغتصب إرادتك وقصدك لتتجه وتمتد دائمًا نحوه وحينئذٍ ستنظر كيف يأتي إليك ويصنع عندك منزلاً (يو 14: 24). فبقدر ما تجمع عقلك لتطلبه فإنه يتنازل إليك بحنان أكثر جدًا وصلاح فائق ورحمة ويأتي إليك ويعطيك راحة وبهجة، إنه يقف ناظرًا إلى عقلك وأفكارك ورغباتك، ويرى كيف تطلبه، هل تطلبه حقيقة بكل نفسك بلا تغافل وبلا إهمال؟

وحينما ينظر غيرتك في طلبه، فإنه حينئذٍ يُظهر ويكشف نفسه، ويعطيك معونته الخاصة ويجعل لك النصرة وينقذك من أعدائك. وهو إذ ينظر أولاً كيفية طلبك له وانتظارك إياه بكل قلبك برجاء لا ينقطع نحوه، فإنه حينئذٍ يعلمك ويعطيك الصلاة الحقيقيّة والمحبة الحقيقيّة التي هي الرب نفسه الذي يصير لك في داخلك كل شيء: الفردوس، وشجرة الحياة، واللؤلؤة الكثيرة الثمن، والإكليل، والباني، والزارع، والمتألم، والذي لا يتألم، والإنسان، والإله، والكرمة، والماء الحي، والعريس، والمحارب، والسلاح، المسيح الكل في الكل.

وكما أن الطفل لا يعرف أن يعتني بنفسه أو يعمل أموره بنفسه ولكنه يتطلّع فقط إلى أمه ويصرخ ويبكي إلى أن تتحرك إليه بحنان وتحمله، هكذا النفوس المؤمنة فإنها تضع رجاءها في الرب وحده وتنسب كل برّ إليه وحده. وكما أن الغصن يجف بدون الكرمة، وهكذا أيضًا من يشتهي أن يتبرر بدون المسيح. وكما أن السارق واللص هو الذي لا يدخل من الباب بل يطلع من موضع آخر، هكذا أيضًا الإنسان الذي يبرر نفسه بدون الذي يُبرّر.

 

لنقدم كل نياتنا وأفكارنا:

لذلك فلنأخذ جسدنا هذا ونجعله مذبحًا، ونضع عليه كل نياتنا وأفكارنا، ونتوسل إلى الرب أن يرسل من السماء النار العظيمة غير المنظورة فتلتهم المذبح وكل ما عليه. ويسقط جميع كهنة البعل الذين هم القوات المضادة. وحينئذٍ سنرى المطر الروحاني آتيًا إلى النفس مئل كف إنسان، وهكذا يتحقق فينا وعد الله كما هو مكتوب بالنبي “سأقيم وأبني أيضًا خيمة داود الساقطة وسأبني ردمها وأقيمها ثانية” (أع 15: 16) حتى أن الرب برحمته ومحبته يُشرق على النفس التي تسكن في الليل والظلمة وفي سكر الجهالة، لكيما تستيقظ وتفيق إلى التعقّل وتسير بلا تعثر، وتعمل أعمال النهار والحياة.

فإن النفس تتغذى وتنمو من المصدر الذي تأكل منه، إما من العالم أو من روح الله، والله نفسه يجد غذاء في داخلها، ويحلّ فيها ويحيا ويجد راحة ويسكن فيها. وبالاختصار، فإن كل واحد يمكنه، إذا شاء أن يختبر نفسه ويرى من أين يأخذ غذاءه وتنعمه، وأين يعيش، وفي أي حالة يجد نفسه، وهكذا إذ يدرك ذلك ويفهمه ويحصل على تمييز دقيق وحكم صحيح، يمكنه أن يسلّم نفسه تمامًا للتحرك في اتجاه ما هو صالح.

 

انتبه لنفسك واطلب قوة فعل المسيح:

وحينما تكون في الصلاة، فانتبه إلى نفسك، ولاحظ أفكارك والحركات التي تتحرك فيك، من أين تأتي؟ هل هي من الله أم من العدو؟ ومن الذي يمد قلبك بالغذاء، هل هو الرب أم ولاة العالم الذين لهذا الدهر؟ وحينما تكملين، أيتها النفس، هذا الامتحان وتعرفيه، فتوسلي إلى الرب برغبة واجتهاد لكي تحصلي على الغذاء السماوي والنمو، وعلى قوة فعل المسيح بحسب القول المكتوب “إن سيرتنا هي في السموات” (في 3: 20). وليس ذلك في شكل أو رمز كما يتخيل البعض (بل حقًا في السموات).

وانظر، عقل وفهم أولئك الذين لهم فقط صورة التقوى، فإن فكرهم عن التقوى هو مثل العالم. وانظر إلى تحرك ميولهم، وتموج وتذبذب قصدهم وفكرهم غير الثابت وخوفهم وفزعهم، بحسب القول المكتوب “بالأنين والرعب تكون على الأرض” (تك 4: 12 السبعينية)، وبحسب عدم إيمانهم وارتباك أفكارهم المضطربة فإنهم يتقلبون كل ساعة مثل بقية الناس في العالم.

مثل هؤلاء الأشخاص يختلفون عن العالم في الشكل الخارجي فقط، ولكن ليس في القلب والفكر، ويختلفون عن العالم فقط في الممارسات الجسديّة التي للإنسان الخارجي، بينما في القلب والفكر هم ينجذبون في كل الاتجاهات التي في العالم. وهم مربطون بالرباطات الأرضيّة والهموم غير المثمرة ولم يحصلوا على السلام من السماء في قلوبهم كما يقول الرسول: “يملك في قلوبكم سلام الله” (كو 3: 15). هذا السلام الذي يملك على عقول المؤمنين ويجددها في محبة الله ومحبة كل الإخوة.

والمجد والسجود للآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

تغيير الذهن والصلاة الحقيقية – العظة 31 للقديس مقاريوس الكبير – تد. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version