عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة

عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة

عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة

“أولئك الذين يكونون أغنياء بالروح القدس، الذين عندهم الغنى السماوي حقًا وشركة الروح القدس في داخل نفوسهم، حينما يكلمون أحدًا بكلمة الحق أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحانيّة، ويريدون أن يعزّوا النفوس فإنهم يتكلمون ويخرجون من الغنى والكنز الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم ومن هذا الكنز يعزّون ويفرّحون نفوس الذين يسمعون أحاديثهم.

فعندما نجد الرب أولاً في نفوسنا لمنفعتنا أي للخلاص والحياة الأبديّة فحينئدٍ يمكننا أن ننفع الآخرين أيضًا إذ يصير هذا ممكنًا لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونُخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحانيّة ونكشف أمامهم أسرار السماء”.

هذا الكلام الذي يقوله القديس مقاريوس الكبير (المصري) عن غنى وكنز الروح القدس هو ما يمكن أن نصف به عظات هذا القديس العظيم. فإن علماء “الآباء” ودارسي كتابات القديس مقاريوس يصفون عظاته ورسائله بأنها: “كلام إنسان يسكن السماء، أي إنسان سماوي. وأنه بالنسبة إلى شخص مثله- وصل إلى أقصى الكمال الممكن للبشر، فإن العالم الروحي بكل قوانينه يكون مكشوفًا وظاهرًا أمامه، إنه أيضًا ينظر النفس ويرى كل ما يحدث فيها من حركات، ويوضّح لها الطريق إلى الحياة الكاملة.

لقد كان القديس مقاريوس في معظم الأوقات في حالة اختطاف عقلي في رؤية الله وفي حالة دهش وذهول في الإلهيات كما يقول بلاديوس في تاريخه الرهباني.

إن الأسرار العظمى للعالم السماوي كانت مكشوفة أمام عينيه.

ولذلك كان يتكلم بما يرى في داخله بقوة وفيض الروح القدس.

ويقول البروفيسور إيفان م. كونتزيفيش، أستاذ الباترولوجي الأرثوذكسي في مقدمة الترجمة الإنجليزية: “لعظات القديس مقاريوس الكبير” إن عظات القديس مقاريوس تقوم على اختبار شخصي، وأسلوبها واضح، ومُعبّر، وغني بالتصويرات والتشبيهات بطريقة واضحة وبقوة غير عادية، ويُلاحظ في عظاته معرفته العميقة جدًا بالكتاب المقدس. وشرحه لآيات الكتاب المقدس يكشف دائمًا عن أعمق معنى روحي للآية.

وأن كتاباته تتحدث إلينا عن التأليه (أي شركة الطبيعة الإلهيّة) وأن القديس مقاريوس يكشف فلسفة الشركة مع الله رغم أنه (أي مقاريوس) لا يتبنى أي نظام فلسفي، إن الحكمة والفلسفة الحقيقيّة هي: العمل الروحي، واقتناء الروح القدس روح الحكمة والفهم. إن الإنسان الحامل لله الذي ينظر أو يتأمل أسرار الله هو الحكيم الحقيقي، أي محب الحكمة”.

ويستطرد الأستاذ كونتزيفيش في مقدمته قائلاً: “إن القديس مقاريوس يتحدث عن اقتناء الروح القدس، وأن المجهودات الخارجيّة من صوم وسهر وصلاة ليست غاية في ذاتها ولكنها مجرد وسائل فقط إلى هذه الغاية التي هي اقتناء الروح القدس. إن هذا التعليم عن اقتناء الروح القدس يأتي إلينا عبر القرون منذ مقاريوس حتى سيرافيم[1]، الذي كشف للعالم المعاصر هذا التعليم الآبائي القديم عن اقتناء الروح القدس الذي كثيرًا ما يُنسى تمامًا[2]

ويُلاحظ في عظات القديس مقاريوس أنه يتحدث إلى المسيحيين عامة وليس إلى الرهبان بوجه خاص وهذا يدل على وعيه المستنير، إن الحياة في المسيح أو الحياة في الروح هي لكل الذين يعتمدون باسم الرب يسوع المسيح ويؤمنون به ويحبونه من كل قلوبهم وأن الروح القدس الذي يُعطى للمعتمدين باسم المسيح هو مصدر الحياة في المسيح وأساسها، وأن الحياة بقوة هذا الروح هي التي تجعل الإنسان روحيًا وليس أي شكل خارجي حتى ولو كان شكل ديني أو رهباني، كما يتضح من عظته الخامسة عن “خليقة المسيحيين الجديدة”.

وكما يتضح أيضًا من القصة المشهورة في سيرة الآباء عن زيارته للسيدتين المتزوجتين في الإسكندرية وأنه قال بعد مقابلتهما كلمته المأثورة “حقًا أنه ليس عذراء (انظر أيضًا العظة 17: 13) ولا متزوجة وليس راهب ولا علماني إنما استعداد القلب هو الذي يطلبه الله وهو يعطي الجميع نعمة الروح القدس الذي يعمل في الإنسان ويقود حياة كل من يرغب في الخلاص[3]“. وكما يذكر كتاب “التعاليم النسكية لكبار آباء القرن الرابع المصريين”.. أن “القديس مقاريوس كان يوجّه كلامه” للإنسان أي “لكل إنسان متعطش إلى حياة القداسة[4]“.

وقد يتساءل البعض بعد قراءته لعظات القديس مقاريوس، لماذا لم يذكر الأسرار الكنسية في عظاته، خاصة في عظة مثل العظة الثلاثون التي يتحدث فيها عن الولادة من الروح القدس دون أن يذكر سر المعمودية.

لهؤلاء نقول إن صمت القديس مقاريوس عن ذكر الأسرار في عظاته لا يقوم دليلاً على عدم أهمية الأسرار في الحياة الروحيَّة، بل أن القديس مقاريوس يتحدث إلى المسيحيين أي الذين نالوا سرّ المعمودية ويعرفون الأسرار الكنسية ويمارسونها ولا يحتاج أن يحدثهم عن الأسرار، بل أن هدف عظاته هو الحياة حسب الروح أو الحياة في القداسة أو “الكمال المطلوب من المسيحيين الذين يجب عليهم أن يَجِدّوا في طلبه “كما جاء في فاتحة العظة الأولى في الترجمة العربية القديمة سنة 1901.

ولذلك فإن أحاديثه كلها روحيَّة عملية تواجه الإنسان لينظر إلى نفسه، ولتعرّف النفس سرّ حالتها وتكتشف حقيقتها وترجع بمواجهة نور الحق في الداخل لتتغير وتصير روحانية مقدسة، ونجد مثلاً واضحًا لطريقته هذه في عظته الأولى التي تحوي تفسيرًا روحانيًا رائعًا لرؤيا حزقيال فبعد أن يتحدث عن “السر الذي كان مخفيًا حقيقة عن العصور والأجيال، ولكنه أُظهر بظهور المسيح، فإن السر الذي رآه (حزقيال) هو سرّ النفس التي كانت مزمعة أن تقبل سيدها وأن تصير هي ذاتها كرسيًا لمجده (العظة الأولى: 2) وبعد أن يشرح كل تفاصيل رؤيا حزقيال العجيبة المجيدة يقول للقاريء أو السامع:

“لذلك فحينما تسمع بهذه الأشياء انظر إلى نفسك جيدًا، هل أنت حاصل على هذه الأشياء ومالك لها بالفعل والحق في داخل نفسك أم لا؟ فإنها ليست مجرد كلمات تُقال بل هي فعل الحق الذي يحدث في داخل نفسك، فإن لم تكن مالكًا لها بل أنت معدم من مثل هذه الخيرات الروحانيّة، ينبغي لك أن تكتئب وتحزن وتسعى بلهفة كإنسان لا يزال ميتًا ومنفصلاً عن الملكوت وكإنسان مجروح أصرخ دائمًا إلى الرب واطلب منه بإيمان أن يمنحك أنت شخصيًا هذه الحياة الحقيقيّة” (العظة الأولى: 10).

ولأهمية العلاقة بين الأسرار وبين الخلاص والحياة الروحيَّة، أو بين الأسرار والحياة في المسيح، نُعيد هنا نشر ما سبق أن كتبناه في مقدمة كتاب “الأسرار للقديس إمبروسيوس” الذي ترجمناه وقمنا بنشره سنة 1967 في الحلقة 3 من سلسلة كتابات الآباء.

عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة

الأسرار والحياة في المسيح:

توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس (أع 2: 38). هذا هو الجواب الشافي الذي أجاب به القديس بطرس الرسول على تساؤل القلوب التي نخستها كلمات الكرازة الرسولية في يوم الخمسين داعية إياها إلى الخلاص. وإننا لنجد في هذه الكلمات القليلة مثلاً واضحًا لحقيقة كثيرًا ما تغيب عن أذهان الكثيرين، هذه الحقيقة هي أن الحديث عن الرب يسوع المسيح ودعوة الناس إلى التوبة والإيمان باسمه مرتبط كل الارتباط بالمعمودية وغيرها من الأسرار.

لقد أوضح لنا سفر الأعمال، المنهج الرسولي الذي به يستطيع الإنسان أن يتمتع ببركات الخلاص الذي صنعه الرب يسوع بصلبه على الصليب وقيامته من الأموات، إذ يشهد روح الله على لسان بطرس الرسول أنه لكي يحصل الإنسان على الخلاص لابد أن يتوب ويعتمد على اسم يسوع المسيح. هذا هو بداية الطريق المؤدي إلى الحياة الأبديّة.

ويشهد الروح القدس على لسان الرسول بولس أن كل من “يعتمد بالمسيح فإنه يلبس المسيح” (غل 3: 27). وبالمعمودية نُدفن مع المسيح ونقوم معه فنصير متحدين معه بشبه موته وقيامته (رو 6: 4-5)، “مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات، وإذ كنتم أمواتًا بالخطايا وغلف جسدكم أحياكم معه مسامحًا لكم بجميع الخطايا” (لو 2: 13-14).

واضح إذن من هذه الشهادات أن المعمودية ليست مجرد ممارسة خارجيّة بل إنها ترتبط بصميم حياتنا في المسيح، إذ فيها نتحد بشخص المسيح في موته وقيامته، وبها ندخل في علاقة جديدة مع الله إذ نصير أولادًا له لا باستحقاق منا بل بسبب لِبسِنا للمسيح ابن الله الوحيد واتحادنا به بالروح. هذا هو غنى نعمة الله الفائق الوصف وإحسانه ولطفه علينا في المسيح يسوع بمقتضى رحمته التي خَلُصنا بها بحميم الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس (تي 3: 5-6).

إذن فبعمل الروح القدس في المعمودية نلبس المسيح ونتحد به في موته وقيامته.

وباختصار فإننا بالمعمودية نبتديء في الدخول في حالة اتحاد بالمسيح واندماج فيه وشركة حيَّة معه في الروح، ثم بعد أن يعدّنا الروح ويطهّرنا بالمعمودية ويجعلنا أبناء لله فإنه يأتي ويسكن في قلوبنا، إذ أننا بعد أن نعتمد نُمسح بالروح القدس “… فتقبلوا عطية الروح القدس” (أع 2: 38). “ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبّا الآب” (غل 4: 6)، “لأن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مَسحَنا هو الله. الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا” (2 كو 1: 21-22).

هذا الاندماج وهذه الشركة مع المسيح تتم بالدفن في مياه المعمودية ولكنها أيضًا تستلزم توفر رغبة الإنسان وإرادته، وهذا ما يعبّر عنه بالنسبة للمُعمد بالإيمان والتوبة “من آمن واعتمد خلص”، “توبوا وليعتمد كل واحد منكم” (مر 16: 16، أع 2: 38).

ففي حالة الذين يعتمدون كبارًا لابد من توفر الإيمان الحي بالمسيح والاستعداد الكامل للتوبة كشرط سابق للمعمودية حتى أن القديس كيرلس الأورشليمي يحذّر الموعوظين (الذين كانوا على أهبة قبول المعمودية) قائلاً: “إن ظللت في سوء استعدادك فالذي يكلمك ليس مسئولاً، ولكن لا تنتظر قبول النعمة، لأنك ستنزل في الماء ولكن الروح سوف لا يقبلك. فإذا كان أحد مجروحًا فليضمد جروحه وإذا كان أحد ساقطًا فليقم[5].

أما في حالة الذين يعتمدون أطفالاً (المولودين من أبوين مسيحيين)، فإن الأشبين (الوصي) يتولى- مؤقتًا- نيابة عن الطفل جحد الشيطان والاعتراف بإيمان المسيح والتعهد بالحياة في محبته وطاعته، على أساس أنه عندما يكبر الطفل المُعمد يجب أن يعرف بواسطة أشبينه بما جرى نيابة عنه في طفولته أي يجب أن يكون للإنسان بإرادته وحريته، حالة الإيمان والسير وراء المسيح إن أراد أن يكون له نصيب وشركة مع المسيح هنا في غربة هذا الدهر وفي دهر الحياة الأبديّة.

أو بمعنى آخر لابد أن يستمر لابسًا للمسيح بإرادته “البسوا الرب يسوع المسيح” (رو 13: 14). هذا ما يحتاجه كل من اعتمد طفلاً لكي يتمتع الآن بالتجديد الذي سبق أن ناله بعمل الروح القدس في المعمودية.

فعلى كل مسيحي أن يراجع نفسه الآن هل هو في شركة مع المسيح أم أنه منفصل ومبتعد عنه بقلبه وروحه، لأن ابتعادنا عنه وسلوكنا بحسب الجسد وبحسب العالم يعني أننا نجهل أو نتجاهل عهد معموديتنا، ولكن إن رجعنا إليه بقلب صادق في يقين الإيمان وعزم التوبة فإنه يعيدنا من جديد إلى حالة الشركة معه والتمتع بمحبته أي يجعلنا نلبسه من جديد، لأنه مشغول بنا ومشتاق إلينا حتى إن كنا قد بدّدنا كنوز الروح في كورة الخطية البعيدة.

هذا هو ما جعل الكنيسة تنظر إلى سرّ التوبة كمعمودية ثانية، إذ بالتوبة يستعيد الإنسان قوة تجديد المعمودية التي فقدها بالبعد عن المسيح والسلوك في الخطية وشهوات العالم.

لذلك فبعد التوبة الصادقة يرجع الإنسان إلى حالة التمتع بسكنى الروح القدس فيه (الذي سبق أن ناله في سر المسحة)- والتي حُرم منها طوال فترة تغربه عن المسيح- فيشتعل فيه النور الإلهي من جديد ويُشرق في إنسانه الباطن. لكن الحياة الجديدة في المسيح التي ننالها كبذرة حيَّة في المعمودية والتي نستعيدها بالتوبة لا تتوقف عن النمو، لذلك يلزم للإنسان السائر في طريق الملكوت أن يثبت في المسيح ويستمر لابسًا إياه كل الحياة.

لابد للمُعمد أن يطلب ما فوق ويهتم بما فوق “إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق، حيث المسيح الجالس.. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض لأنكم قد متم..” (كو 3: 1-3). هذه هي الشهادة الصحيحة على إخلاصه لعهد معموديته. لابد أن يهتم بما فوق وأن يموت إراديا عن محبة العالم. يجب أن يضع المسيح أمامه كهدفه وغايته دائمًا ويسلك على هذا الأساس تابعًا سيده ومخلصه حاملاً الصليب كل يوم.

إن معموديتنا معناها إننا صرنا من فوق، من السماء لا من هذا العالم، فلنربط قلوبنا بمحبة وإخلاص شديد للمسيح ونسلك في الطريق المضمون الذي به نحيا إلى الأبد معه. وهو قد رتب لنا ما يلزمنا في الطريق إذ أعطانا غذاءً وقوة لحياتنا الجديدة في كلمة الإنجيل وفي جسده ودمه الذي سلمه للكنيسة لنتحد به فنحيا بحياته الإلهيّة. وأعطانا وصية السهر والصلاة في كل حين، والوصية الجديدة “أن نحب بعضنا بعضًا كما أحبنا” كل هذه أعطاها لنا لنتسلح ونتقوى بها في الطريق ونحيا بقوته، وروحه القدوس الساكن فينا مستعد دائمًا للعمل فينا ومعنا لنتقوى حسب شدة قوته.

بهذه الوسائل والمجاري التي تتدفق منها نعمة الروح القدس، والتي فيها يعطينا الرب ذاته بصورة متجدّدة لنلبسه ونتحد به أكثر فأكثر تكون لنا القدرة على الجهاد في طريق الرب حتى الدم، مادام الهدف أمام قلوبنا لا يتغير. هذه هي العلاقة بين الأسرار وبين جهادنا الروحي. إننا لا نجاهد بقوتنا، نحن لسنا وحدنا في الطريق، إن روح الرب فينا ومعنا “يمكث معكم ويكون فيكم” (يو 14: 16، 19).

الروح القدس المنبثق من الآب والمُرسل للكنيسة بالمسيح يوم الخمسين والعامل إلى الآن في المؤمنين الحقيقيين هو يعطينا أن نتذوق منذ الآن بعين الإيمان قوة الدهر الآتي، فبنعمة الملكوت الآتي نستطيع ونحن أمام مائدة الرب أن نرى في الخبز المكسور جسد المسيح الحيّ، الذبيحة التي تُحيي الكل، الحمل القائم في وسط عرش الله كما رآه يوحنا في الرؤيا، وبنعمة الملكوت الآتي نستطيع أن نرى في الكأس المقدسة، الدم النابع من جنب المخلص، والذي به دخل إلى الأقداس السماويَّة فوجد لنا فداءً أبديًا (عب 9: 12)، حتى إن كانت العين الجسديّة لا تستطيع أن ترى إلاّ خبزًا عاديًا ومشروبًا عاديًا.

وبعمل الروح فينا الذي يغيّرنا ويحوّلنا إلى طبيعة المسيح- طبيعة المحبة- نستطيع أن نرى في إخوتنا وجه المسيح حيث لا ترى عين الجسد سوى وجه اللحم من أجل اللذة أو الغضب.

كل هذا يمكن أن نتمتع به لأننا بقيامة المسيح التي نشترك فيها بالمعمودية نشهد عجائب الروح الذي يُغيّر العالم من الداخل، الروح الذي لا يعرفه العالم ولكن يعرفه جميع الذين حياتهم مستترة مع المسيح في الله (كو 3: 3).

بقوة هذا الروح الإلهي نحن نجاهد ونسير في الطريق فنزداد اتحادًا بالمسيح كلما سرنا معه، واضعين أمام قلوبنا يوم مجيئه المجيد السعيد على السحاب ليأخذنا معه، كغاية ورجاء نتطلع إليه باشتياق وحنين وثقة، وكلما أكلنا جسده وشربنا دمه باستعداد فإننا نتذكر العهد الذي أقامه بيننا وبينه بدم صليبه مجدّدين التعهد في كل مرة أن نثبت في محبته، مُخبرين بموته معترفين بقيامته، ونذكره إلى أن يجيء (1 كو 11: 26، القداس الإلهي).

أما إخوتنا (من غير الأرثوذكس) الذين يشتركون معنا في الإيمان بربنا يسوع المسيح ولكنهم لا يشتركون معنا في الإيمان بفاعليّة الروح القدس في الأسرار فنحن يؤلمنا أن يحرموا أنفسهم من هذه الكنوز الإلهيّة، ولكننا لا نرى أن علاج الأمر يكون بالدخول في مناقشات جدليّة معهم لأن المسألة ليست نظريات وبراهين عقلية بل مسألة رؤية وإيمان، فإن الإيمان نفسه هو برهان الأمور التي لا تُرى.

ولكن إن كان أحد يبحث عن الحق بإخلاص وتهمه الحقيقة في ذاتها، ومع هذا لم يكتشف بعد حقيقة الأسرار كما استلمتها الكنيسة منذ العصر الرسولي، مثل هذا نقول له بلسان أسقف أوخريدا (اليوغسلافي) في حديثه الذي وجهه إلى البروتستانت في مؤتمر لوزان عن أسرار الكنيسة “من شاء أن يسأل فليسأل الله بالصوم والصلاة والدموع، فيكشف له الحقيقة التي كشفها دائمًا للقديسين…”

فكل ما قلناه عن الأسرار المسيحيَّة العظمى ليس هو رأينا (فلو كان رأينا فلا قيمة له) بل هو اختبار الرسل في الأزمنة القديمة والقديسين على مر العصور حتى أيامنا الحاضرة، لأن كنيسة الله لا تحيا بالظن ولا بالرأي، بل بخبرة القديسين كما في البداية هكذا حتى أيامنا هذه. فقد يكون رأي أذكياء البشر غاية في الحذق وخاطئًا في الوقت ذاته بينما خبرة القديسين صحيحة دائمًا لأنها الله ذاته الصادق بالنسبة إلى ذاته في قديسيه[6]“.

عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة

القديس مقاريوس وتاريخ عظاته:

القديس مقاريوس صاحب هذه العظات هو القديس مقاريوس الكبير الذي وُلد في سنة 300 ميلادية وتنيح سنة 390 م، وهو أب رهبنة الأسقيط كلها، وقد لقب بمقاريوس المصرى تمييزًا له عن القديس مقاريوس الإسكندري (أب القلالي بالقرب من نتريا) الذي كان من منطقة قريبة من الإسكندرية، ولكن اللقب الذي ارتبط باسم القديس مقاريوس صاحب هذه العظات هو لقب “الكبير” وهكذا يُذكر في معظم المراجع الآبائية وفي قواميس الدراسات الآبائية ولهذا فضلنا أن نستخدم لقب “الكبير” بدلاً من “المصري” في هذه العظات التي تُسمى في أصلها اليوناني “بالعظات الروحانيّة” وقد نشرتها الترجمة العربية السابقة (سنة 1901) باسم “العظات الروحانيّة للقديس أنبا مقاريوس المصري”.

وُجدت “العظات الروحانيّة” للقديس مقاريوس وحُفظت في عدة مخطوطات باليونانية بعد نياحته بفترة قصيرة، وقد نُشر الأصل اليوناني للعظات مطبوعًا لأول مرة سنة 1559 بواسطة جوهانس بيكوس Johannes Picus الذي نشر ترجمة لاتينية مع الأصل اليوناني.. وأُعيد طبعها بعد ذلك في “مجموعة الآباء باليونانية” المجلد 34، للراهب الكاثوليكي مينى  J.P. Migne, Patrologiae Graecaفي باريس بين 1857-1866.

وهذه “العظات الروحانيّة” أعطت لصاحبها “القديس مقاريوس الكبير” مكان الصدارة في تاريخ الروحانيّة المسيحيَّة للعصور الأولى وصارت مصدرًا للإلهام والتأثير القوي على المتصوفين المسيحيين في الغرب في العصور الحديثة: لذلك فإن مؤلف كتاب “المسيحيَّة الحقيقيّة De Vero Christianismo جون أرندت  John Arndtسنة 1708، يعرف عظات مقاريوس كلها يحفظها عن ظهر قلب.

أما جوتفريد أرنولد Gottfried Arnold فقد ترجمها إلى الألمانية منذ عام 1696، وقد قام جون وسلي J. Wesly صاحب “حركة القداسة” في إنجلترا، ومؤسس “كنيسة الميثودست” Methodists بأول ترجمة لعظات مقاريوس إلى الإنجليزية سنة 1749 وتُظهر ترانيمه الكثيرة التي ألفها وكان يستعملها في اجتماعاته، تأثره الواضح بعظات القديس مقاريوس، كما يقول كواستن Quasten أستاذ الباترولوجي، وأعيد طبع ترجمة وسلي الإنجليزية هذه سنة 1819 بلندن.

ثم قام  A. Masonماسون- بترجمة جديدة من اليونانية إلى الإنجليزية ونشرتها له جمعية نشر المعارف المسيحيَّة S.P.C.K بلندن سنة 1921م.

وقد وُجدت مخطوطات لعظات القديس مقاريوس بالسريانية وبالعربية في مكتبة الفاتيكان، وتُوجد نسخة مخطوطة بالعربية في مكتبة البطريركية القبطية الأرثوذكسية بالقاهرة، وهي التي يشير إليها يوسف منقريوس ناظر المدرسة الإكليريكية، ويقول إن قداسة البابا كيرلس الخامس أعطاها له عند إعادته نشر الترجمة العربية السابقة 1901.

وقد اكتُشفت حديثًا مخطوطة لعظات مقاريوس باللغة الروسية تحوي 57 عظة مثل مخطوطة أكسفورد لعظات القديس مقاريوس باليونانية.

عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة

عظات مقاريوس بالعربية:

وقد قام المرحوم يوسف منقريوس ناظر المدرسة الإكليريكية سنة 1901 بنشر “العظات الروحانيّة للقديس أنبا مقاريوس المصري” مطبوعة باللغة العربية، ويظهر من المقدمة التي كتبها لطبعة 1901،

أنه قام بإعادة طبع ترجمة عربية للعظات عن الإنجليزية، أي أن العظات ظهرت مترجمة بالعربية ومطبوعة قبل سنة 1901، ثم قام هو بأخذ الترجمة العربية وأعاد طبعها، إذ يقول في المقدمة “ظلت (عظات مقاريوس) محفوظة حتى توفق الإنجليز لطبعها بلغتهم بعد مقابلتها مع النسخة اليونانية ثم تُرجمت إلى اللغة العربية وهي النسخة التي عولنا عليها عند إعادة طبعها اليوم مع بذل الجهد المستطاع في ضبط عباراتها ومراجعة شواهدها الكتابية”.

وطبعة يوسف منقريوس هذه التي نُشرت سنة 1901، هي نفسها التي قامت كنيسة مارجرجس بسبورتنج بالإسكندرية، بطبعها مرة أخرى كما هي سنة 1976، ويبدو أن الذي حرّك كنيسة مارجرجس بسبورتنج[7] لطبع “عظات مقاريوس” هو تأثير كتاب “الروح القدس وعمله داخل النفس” للأب متى المسكين الذي أورد أجزاء كثيرة من عظات القديس مقاريوس عن عمل الروح القدس في النفس، إذ تقول طبعة سبورتنج في المقدمة:

“لقد كان الفضل في كشف أسرار وعظمة هذه العظات لدير القديس أنبا مقار في كتابه “الروح القدس وعمله داخل النفس” فقد كشف عن العمق الروحي لهذه العظات مع بساطة التطبيق العملى في حياة النفس الداخلية”.

وقد وجدنا بعض الصعوبة في لغة الطبعة العربية السابقة (طبعة 1901 التي هي طبعة 1976) مما جعل كثيرون ينصرفون عن متابعة قراءتها والاستفادة منها بسبب أسلوبها العربى القديم، وعدم الوضوح في بعض الأحيان، رغم أهمية هذا التراث الآبائي الروحي الرائع، ولذلك فكرنا في ترجمتها من الإنجليزية إلى العربية ترجمة جديدة، وقد رتب الرب هذا الأمر بأن أرسل لنا الدكتور رودلف يني مرقس بأميركا نسخة هدية من الترجمة الإنجليزية التي ترجمها أ. ماسون سنة 1921 والتي أُعيد نشرها بأمريكا 1974 بواسطة هيئة “الكتب الشرقية الأرثوذكسية” Eastern Orthodox Books بكاليفورنيا، مع مقدمة عن “حياة وتعاليم القديس مقاريوس الكبير” بقلم البروفيسور إيفان م. كونتزيفيش أستاذ اللاهوت الأرثوذكسي (المتوفي 1965).

وقد قمنا بوضع عنوان رئيسي وكذلك عناوين جانبية لكل عظة من العظات الخمسين لم تكن موجودة في الأصل اليوناني، ولا في الترجمة العربية القديمة (1901). أما الملخص الموجود تحت كل عنوان رئيسي لكل عظة بخط صغير فهو موجود في الترجمة الإنجليزية كما في الترجمة العربية القديمة.

ولإلهنا القدوس الآب والابن والروح القدس كل مجد وتسبيح وسجود الآن وإلى الأبد. آمين.

عيد العنصرة 1978م 

  1. العظة الأولى للقديس مقاريوس الكبير – النفس عرش الله وهو قائدها
  2. العظة الثانية للقديس مقاريوس الكبير – الإنسان العتيق والإنسان الجديد
  3. العظة الثالثة للقديس مقاريوس الكبير – الشركة الأخوية ومقاومة أفكار الشر والخلاص بيسوع وحده
  4. العظة الرابعة للقديس مقاريوس الكبير – السعي للملكوت الأبدي محبة الله الشديدة للإنسان
  5. العظة الخامسة للقديس مقاريوس الكبير – الخليقة الجديدة وبيت الروح الأبدي
  6. العظة السادسة للقديس مقاريوس الكبير – الصلاة بهدوء – معنى العروش والأكاليل
  7. العظة السابعة للقديس مقاريوس الكبير – محبة المسيح للإنسان
  8. العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – حالات الصلاة ودرجة الكمال
  9. العظة التاسعة للقديس مقاريوس الكبير – النعمة والتجارب والالتصاق بالرب وحده
  10. العظة العاشرة للقديس مقاريوس الكبير – الشركة والاتحاد بالعريس السماوي
  11. العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس
  12. العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس
  13. العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – أولاد الله
  14. العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت
  15. العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير – القداسة والنقاوة
  16. العظة السادسة عشر للقديس مقاريوس الكبير – أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب
  17. العظة السابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – مسحة الروح القدس
  18. العظة الثامنة عشر للقديس مقاريوس الكبير – غنى وكنز الروح القدس
  19. العظة التاسعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – وصايا المسيح والامتلاء من الروح القدس
  20. العظة العشرون للقديس مقاريوس الكبير – لباس الروح
  21. العظة 21 للقديس مقاريوس الكبير – الحرب الروحية
  22. العظة 22 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النفس بعد الموت
  23. العظة 23 للقديس مقاريوس الكبير – العائلة السماوية وسلاح الروح
  24. العظة 24 للقديس مقاريوس الكبير – الربح العظيم والخميرة السماوية
  25. العظة 25 للقديس مقاريوس الكبير – قوة سر الصليب والنار الإلهيّة
  26. العظة 26 للقديس مقاريوس الكبير – كرامة النفس وتجارب الشر والانتصار
  27. العظة 27 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النعمة وحرية الاختيار
  28. العظة 28 للقديس مقاريوس الكبير – حالة الإنسان بدون المسيح
  29. العظة 29 للقديس مقاريوس الكبير – تدبيرات نعمة الله
  30. العظة 30 للقديس مقاريوس الكبير – الولادة من الروح القدس
  31. العظة 31 للقديس مقاريوس الكبير – تغيير الذهن والصلاة الحقيقية
  32. العظة 32 للقديس مقاريوس الكبير – ثوب المجد الآن وفي القيامة
  33. العظة 33 للقديس مقاريوس الكبير – الصلاة بانتباه
  34. العظة 34 للقديس مقاريوس الكبير – تمجيد الأجساد في القيامة
  35. العظة 35 للقديس مقاريوس الكبير – السبت القديم والسبت الجديد
  36. العظة 36 للقديس مقاريوس الكبير – درجات النعمة والمجد
  37. العظة 37 للقديس مقاريوس الكبير – الفردوس والناموس الروحاني
  38. العظة 38 للقديس مقاريوس الكبير – المسيحيون بالحق
  39. العظة 39 للقديس مقاريوس الكبير – لماذا أعطانا الله الكتاب المقدس
  40. العظة 40 للقديس مقاريوس الكبير – ارتباط الفضائل معًا
  41. العظة 41 للقديس مقاريوس الكبير – أعماق النفس
  42. العظة 42 للقديس مقاريوس الكبير – روح النعمة وروح الشر
  43. العظة 43 للقديس مقاريوس الكبير – القلب
  44. العظة 44 للقديس مقاريوس الكبير – تغيير وتجديد الإنسان بالمسيح
  45. العظة 45 للقديس مقاريوس الكبير – حضور المسيح وحده يخلص الإنسان ويشفيه
  46. العظة 46 للقديس مقاريوس الكبير – أولاد الله وأولاد العالم
  47. العظة 47 للقديس مقاريوس الكبير – الرمز والحقيقة
  48. العظة 48 للقديس مقاريوس الكبير – الإيمان الكامل بالله
  49. العظة 49 للقديس مقاريوس الكبير – الشبع الإلهي
  50. العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – صانع العجائب

[1] القديس سيرافيم الراهب الروسي في القرن 19- الذي تحدث حديثه الشهير عن اقتناء الروح القدس وهو غاية المسيحية، انظر كتاب “لهيب وسط الثلوج” للقمص ويصا السرياني، نشر مكتبة المحبة- الذي يحوي سيرة الراهب سيرافيم الروسي وحديثه عن “اقتناء الروح القدس”.

[2] المرجع السابق.

[3] كتاب سير الآباء Vita Patrum III. 97.

[4] اقتباس في كتاب الرهبنة القبطية للأب متى المسكين صفحة 136.

[5] كيرلس الأورشليمي- تعاليم الموعوظين- المقدمة- فقرة 4

[6] هذا الجزء من الحديث الذي وجهه الأسقف نيقولاوس فليمروفتش متروبوليت أوخريدا إلى المندوبين البروتستانت في مؤتمر لوزان سنة 1927 باعتباره أحد المندوبين الأرثوذكس.

[7] الأب القمص بيشوي كامل الذي تنيح 21 مارس سنة 1979.

عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

مقدمة:

لعل من أكثر كتابات الآباء تعبيرًا عن الوحدة بين الروح والواقع هي كتابات الآباء شيوخ البرية الأقباط وذلك يعود لعمق خبراتهم الروحية والتي من خلالها تعاملوا مع كل الظروف المحيطة وأيضًا يعود إلى أنهم لا يدخلون الفلسفة في روحياتهم كاليونانيين.

مرة جاء افاغريوس البنطي إلى شيخ في البرية وسأله: ” لماذا يمارس المصريون النسك والتمييز أكثر من اليونانيين ؟

” فأجابه الشيخ ” لأن اليونانيين قد أهدروا وقتهم في حب الكلام والعجب ” وهذا يعكس لنا أن آباء البرية عاشوا التأمل Qewria والتاريخ istoria بعمق باطني يميز الروحانية القبطية. وسنتعرض الآن إلى هذا الجانب من خلال القديس مقاريوس المصري وسنلجأ في هذه الدراسة إلى عظات القديس مقاريوس التي صدرت في ترجمات عربية مختلفة.

 

الروح القدس والإنسان والكنيسة والتاريخ

في عظات القديس مقاريوس المصري

رؤية قبطية للعلاقة بين التأمل Qewria والتاريخ Istoria

 القديس مقاريوس المصري (300 ـ 390م) وأسماه إخوته في البرية ” الشاب الشيخ ” هو مؤسس منطقة الاسقيط الرهبانية وهو تلميذ العظيم الأنبا أنطونيوس وكلاهما يعبران وبصدق عن خصوصية الروحانية القبطية بل والشرقية والتي تتميز بالتفاعل العفوي والاندفاع القلبي نحو الشركة مع الله الآب في وجه يسوع الحبيب بالروح القدس. والروح القدس عند مقاريوس هو (فلاح النفس البشرية ومخصبها) ويقول العالم الفرنسي A.Guillaumont بأن عظات مقاريوس إنما تعبر عن الروحانية المسيحية في أنقى صورها ويذهب آخر إلى أن الشرق المسيحي لم يفصل أبدًا بين العقيدة كلاهوت والعقيدة كخبرة كنسية وروحية وأن العقائد الأساسية كالثالوث والتجسد وعمل الروح القدس والتي صاغها الآباء في القرون الأولى ما هي إلا صور الاختبارات النسكية وضعت في صيغ عقائدية. فالروحانية (النسك والسلوك) لا تنفصل عن العقيدة (اللاهوت). وبأسلوب آخر المخدع لا ينفصل عن المكتب.[1]

الروح لا ينفصل عن التاريخ والأحداث. وليس من قبيل المصادفة أن تزامن جهاد مقاريوس لإعلاء شأن الروح القدس وعمله في داخل النفس اختباريًا (هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة (7:5) عظات القديس مقاريوس الكبير مركز دراسات الآباء 1991 وسوف نقتبس دائمًا من هذه الترجمة مع الرجوع إلى النص اليوناني من حين إلى آخر). نقول تزامن جهاد مقاريوس مع جهاد الكنيسة لإعلاء شأن الروح القدس لاهوتيًا وصياغة ذلك عقائديًا في مجمع القسطنطينية 381م.

 

فخبرة الآباء الشيوخ هي ثيؤريا=تأمل Qewria والمجمع هو التعبير التاريخي عن هذه الخبرة، تاريخ Istoria  فهناك إذًا في ضمير الكنيسة وحدة بين الجهاد الروحي الاختباري والجهاد العلمي واللاهوتي [لأن تلك النار السماوية، ونار اللاهوت، التي يقبلها المسيحيون في قلوبهم الآن وهم في هذا العالم الحاضر، هذه النار نفسها التي تعمل في قلوبهم من الداخل سوف تصير ظاهرة من الخارج] (عظة 1:11) فاللاهوت كعلم كنسي هو امتداد لعاصفة يوم الخمسيين في الكون.

[كما أن الثلاث فتية كان لهم أفكار البر، فقبلوا نار الله في داخلهم ” وسجدوا للرب بالروح والحق ” كذلك الآن فإن النفوس المؤمنة تنال النار الإلهية السماوية في إنسانها الداخلى وهم في هذا العالم وتلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشرية] (عظة 2:11) الترجمة الحرفية (يُشكل أو يرسم أيقونة سماوية) وفعل يُشكل morfie هو الذي استخدم الرسول الاسم منه في (فيلبى 2:5) “آخذًا صورة morfie العبد”.

في (عظة 30:4) يؤكد القديس مقاريوس أن السيد المسيح يرسم في النفوس صورة الإنسان السماوي على صورته. ويمثل لاهوت استدعاء الروح القدس Epiclesis في الليتورجيات الشرقية القاعدة لفهم فكر وممارسات آباء البرية وما يمثلونه من تيار نسكي ترك بصماته على الكنيسة أثناء الحقبة الآبائية، فالحياة النسكية هي استدعاء دائم للروح القدس لكي يحول جسدنا المائت إلى هيكل الحياة الأبدية أي يحول شهادة المسيح إلى واقع حي مقروء من جميع الناس أي يحول Istoria  إلى Qewria[2].

 

1ـ الروح القدس والسر المكتوم منذ الدهور:

يعتبر القديس مقاريوس أن الهدف الأساسي وراء ظهور السر المكتوم منذ الدهور في السيد المسيح هو أن [يتمتع الإنسان بالاشتراك في روح ونور الله] (عظة 2:1) وهذا النور يجعل الإنسان ناظرًا دائمًا إلى الأمام أي يصير شخصًا حيًا Prospon.

المختبرون شركة الروح القدس عند مقاريوس لا ينظرون إلى الوراء بل هم مستقبليون [لا يكون لها جزء خلفي بل في كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام] (عظة 2:1)، والسبب وراء القدرة على النظر إلى الأمام هو [الجمال الذي يفوق الوصف الذي لمجد نور السيد المسيح] ولعل أكثر ما يثلج قلب الآب أن نتمعن في وجه النور، وجه ابنه الوحيد الذي به سُر وأكثر ما يبهج الروح القدس أيضًا هو أن يشهد في قلوبنا للسيد المسيح ويأخذ مما له ويهمس به في أورشليمنا الداخلية حتى ننال نحن الموهبة غير المائتة. نحن إلهيون من جهة وتاريخيون من جهة البشرية.

إننا نسير لكننا نثبت فيما نسير. نحن زمان وروح في آنٍ واحد. يحملنا زمان لا يخلو من روح. وروح ليست مستقلة عن الزمان[3]. نـــكرز بــالـــنور في اليهودية والسامرة وأقصى الأرض فالروح القدس يعطى للشهادة بُعدًا تاريخيًا وبُعدًا كونيًا وبُعدًا شخصيًا.

 

 

2ـ الروح القدس والتدبير الإلهى والحس التاريخى للخلاص:

[هذا السر المكتوم أُعلن تديجيًا للبشر وربنا يسوع المسيح إذ اهتم بخلاص الإنسان نفذ منذ البدء كل تدبير وعناية من خلال الآباء والبطاركة والناموس والأنبياء وفي النهاية جاء هو بنفسه واستهان بعار الصليب واحتمل الموت من أجل أن يلد من ذاته ومن طبيعته أولادًا من الروح لأنه سُرَ أن يُولدوا من الروح من فوق أي من نفس لاهوته] (عظة 2:30).

 

 الروح القدس روح الـQewria  يعطى للإنسان والكنيسة حسًا تاريخيًا. والآباء وبينهم القديس مقاريوس تكلموا بإسهاب عن التدبير الإلهي منذ السقوط وحتى مجيء المسيح ونجد تعبير ” تاريخ الخلاص ” كثيرًا في المؤلفات اللاهوتية المعاصرة. فالروح يعمل منذ السقوط وفي تاريخ البشرية الساقطة بالأنبياء.

ويعمل في العالم الحاضر في قلوب المسيحيين التائبين وسيعمل في المستقبل (عظة1:11-6:30-30،7-1:35،2) وعن استمرارية عمل روح الله في التاريخ البشرى نقرأ هذا القول المملوء بنبض الروح العامل في التاريخ بكل ظروفه [لقد كانت قوة الله حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع وكانت تعمل عجائب منظورة وكانت النعمة الإلهية ساكنة فيهم وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ، التكلم حينما كانت تدعو الحاجة أن يُخبروا العالم بأحداث عظيمة] (عظة3:50).

 وهنا نلاحظ التناسق بين عمل الروح القدس وأحداث العالم العظيمة. فتاريخ العالم في اللاهوت الآبائي هو تاريخ عمل الله بالروح في العالم. والله في كلامه مع العالم استخدم ” أنواع وطرق كثيرة ” (عب 1:1) [ولما كلمنا في الأيام الأخيرة في ابنه أرسل الروح القدس ليعمل أعمال متنوعة في جميع الأعضاء] (عظة4:12). أي أن الله مازال يعمل بروحه في الكنيسة والعالم بطرق ومواهب متعددة. فمواهب الروح هي التي تميز بين المؤمنين في الجسد الواحد وهي تحقق حضور الكنيسة في العالم وحضور التأمل في التاريخ.

 

3ـ الروح القدس والصليب والقيامة ويوم الخمسين:

 الروح القدس هو الذي يتسلم الفداء ويوزعه ويلغى الهوة القائمة بين ما مضى وما يحصل الآن لأن الزمان يستعلن كله في أبدية هي اللحظة الحاضرة التي أنجو فيها.

ويمثل الصليب والقيامة عند القديس مقاريوس الأساس اللاهوتي والتاريخي لانسكاب الروح. وهو كعادته لا يستفيض في شرح ما حدث في الصلب من أحداث والقيامة من مواقف بل يذهب رأسًا إلى أثر هذه الأحداث في الرسل وفي المسيحيين وفي الكنيسة وفي العالم [إن الرسل أنفسهم قبل الصليب بملازمتهم للرب رأوا آيات عظيمة، كيف كان البرص يتطهرون والموتى يقومون ولكنهم لم يكونوا يعرفون كيف تدخل القوة الإلهية وتتمم خدمتها في القلب، وكيف يُولدون ثانية بالروح ويشتركون مع النفس السماوية ويصيرون خليقة جديدة (2كو17:5) ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه في شخصه. والرب قال عنهم، لماذا تتعجبون من الآيات إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله] (عظة17:12).

 

4ـ من حب الاندهاش إلى الحب بالروح:

من الغموض إلى الوعي بالذات ومن الرؤية الإلهية إلى التاريخية. القديس مقاريوس يصف لنا مشاعر الرسل قبل يوم الخمسين فإذ هي خليط من الانبهار والإعجاب ولعل هذا يتفق مع وصف العهد الجديد لجماعة المؤمنين بعد الصليب، انبهار غير قادر على اتخاذ قرار! وأكثر من ذلك [فإن كلمات المخلص كانت تبدو غريبة لهم إلى أن قام من يبن الأموات وصعد بالجسد إلى أعلى السموات من أجلنا وبعد ذلك انسكب الروح المعزى ودخل في نفوسهم واختلط بهم والحق ذاته يظهر نفسه في النفوس الصادقة والمؤمنة، يأتى الرب الذي هو الإنسان السماوي ويصير في شركة مع كل إنسان وفي شركة معك] (عظة17:12)، [ونحن من خلال جسد الابن الوحيد الذي هو متحد باللاهوت وهو دائمًا مع الروح القدس نصير دائمًا مع الرب] (عظة 4:17).

فالروح القدس في اليوم الأول للخليقة “يرف على وجه المياه ” لكي يعطى الحياة للخليقة، وحل على السيدة العذراء ممثلة البشرية جميعًا لكي ينفخ في أحشائها الحياة البشرية لكي يتجسد اللوغوس الإلهي، وهب يوم (الخمسين) على التلاميذ لكي يجعل منهم الجسد الحي للبشرية الجديدة التي هي حياة الشركة الكنسية.[4] وهنا الروح ينشئ الكنيسة ويقيمها في المسيح في التاريخ.

 

5ـ الروح والعروس:

 الروح القدس هو روح الشركة وروح الكنيسة، والقديس مقاريوس يركز دائمًا على القاعدة الرسولية للكنيسة (أي البعد التاريخي للرؤية السماوية) وأن [تعليم الرسل قد دشن عالمًا جديدًا مختارًا من الله] (عظة 6 :6). وحينما يفسر الآية الخاصة بيوحنا المعمدان (مت 11 :11)

 

يقول [حقًا من بين المولودين من النساء ليس أعظم من يوحنا….. فإنه هو تكميل الأنبياء وخاتمتهم، كل الأنبياء تنبأوا عن الرب واشاروا إليه من بعيد أما يوحنا فتنبأ عن المخلص وأظهره أمام عيون الجميع صارخًا بصوت عالٍ “هوذا حمل الله ” (يو29:1) أنه لايوجد أعظم من يوحنا في مواليد النساء ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه (مت11:11) أي المولودين من الله من فوق، أي الرسل، الذين نالوا باكورة الروح المعزى، لأنهم حسبوا أهلاً لأن يكونوا شركاء معه في الدينونة…وهم قد جعلوا محررين ومنقذين للناس… وتجدهم فلاحين في كرم النفوس وتجدهم أصدقاء العريس…] (عظة6:28،7).

وفي قراءة خريستولوجية typology للعهد القديم والتي ميزت كل اللاهوت الآبائى. يتكلم القديس مقاريوس عن الآباء الرسل قائلاً: [وكان رئيس الكهنة له على صدره حجران كريمان، وعليهما أسماء أسباط إسرائيل الأثنى عشر (خر10:28) وكان هذا ليكون رمزًا ومثلاًtypos لأن الرب أيضًا بنفس الطريقة وضع على صدره الرسل وأرسلهم مبشرين وكارزين للعالم اجمع وها أنت ترى كيف أن الظل يشير إلى الحقيقة] (عظة5:32) وهذا مثال رائع للوحدة بين الحس الروحي والحس التاريخي عند الآباء.

 

6ـ الكنيسة واقتناء الروح القدس:

إن اللاهوت هو امتداد لشهادة marteria،marturia المسيح في الكنيسة وتحقيق لها في العالم والتاريخ. ولهذا فاللاهوت يعبر عن يوم الخمسين الدائم الحضور في الكنيسة من خلال وحدتها وتمايز مواهب أعضائها وهذا التمايز في المواهب تحكمه احتياجات الإنسان. وهنا يحدث وعى بعمل الروح التجديدي لكل أعضاء جسد الكنيسة ومنهم إلى جسد البشرية جمعاء وهكذا فإن نعمة الشركة الإفخارستيا تتحول في أعضاء الكنيسة إلى مواهب وإلى لاهوت يسند هذه المواهب ويؤسسها ويحفظها في شركة الكنيسة.

والقديس مقاريوس مثل غيره من الآباء يدرك أهمية الكنيسة وأسرارها في “نقل” النار السماوية إلى البشرية وهنا نحن أمام أعمق تجسد للرؤية في التاريخ البشرى، بالأسرار تتحول الكنيسة إلى خليقة جديدة ويندفع أولادها المستنيرون بالمعمودية وإضرام بذرة الحياة الجديدة بالتوبة واقتناء المواهب في شركة الإفخارستيا والخدمة، إلى الشهادة الحية.

والقديس مقاريوس يشرح لنا أسرار الكنيسة على أنها هي الأمور التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن (1كو2:9) والتي أعلنها الله لكنيسته بالروح [في ذلك الزمان كان الأبرار والعظماء والملوك والأنبياء يعرفون أن المخلص لابد أن يأتي ولكنهم لم يكونوا يعرفون ولا كانوا قد سمعوا أنه سيتألم ويصلب ويسفك دمه على الصليب ولم يخطر على بالهم أنه ستكون هناك معمودية بالنار والروح القدس] وأن في الكنيسة ستُقدم تقدمة الخبز والخمر تحقيقًا لجسده ودمه، الإفخارستيا هي أعمق مثال على الاتحاد الكامل بين الثيؤريا والتاريخ عند الآباء وفي الكنيسة فكما تقول الديداكية ” الكنيسة تجمع الحنطة من على الجبال أي ثمرة عمل الإنسان وتقدمها للرب على المذبح لكى يتحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه…”.

ويقول عالم الآباء ألكسندر شميمن في كتابه عن الأسرار[5] (إننا نقدم إلى الله العالم كله وتاريخ البشر في هيئة الخبز والخمر لكى ما يقدسها ويعيدها إلينا متحدة بروحه وجسده ودمه، إن أولئك الذين يتناولون الخبز المنظور سيأكلون جسد الرب روحيًا)، [لأن الرسل والمسيحيين سينالون المعزى “ويتأيدون بالقوة من الأعالي “(لو49:24) ويمتلئون إلى كل ملء الله(أف) وأن نفوسهم تمتزج بالروح القدس وتتشبع به، هذا لم يعرفه الأنبياء والملوك ولا خطر على قلبهم، والآن فإن المسيحيين يتمتعون بغنى عظيم يختلف عن غيره وقلوبهم تشتاق إلى الله] (عظة 17:27).

وفي العظة الثالثة عشر يتكلم عن ضرورة تكريس القلب والتغصب للاستعداد لنوال الأسرار السماوية ويعطيه الرب الطعام السماوي والشراب الروحاني (1كو4:10) والجسد والدم هو طعام البنين (يو35:8) [وإذ يذهب الأولاد مع يسوع والدهم في كل مكان فإنه يعطيهم ذاته] ” من يأكل جسدي ويشرب دمى يثبت في وأنا فيه ” (يو56:6) وأيضًا ” لايرى الموت ” (يو51:8) المعمودية كممارسة في الزمن وعطية الروح القدس أي الزمن الجديد.

 

واكن ما يعنينا هنا أن في النصوص الأخرى هناك تعاليم أخرى للقديس مقاريوس سبق وأشرنا إلى بعضها في العظات الخمسين ولكن هنــــاك تأكيـــد عليها يهمنا أن نعرضه لعلاقته الوطيدة بعمل الروح القدس في الكنيسة ذكرها العالم الفرنسي الأرثوذكسي Placide Deseille في المقدمة الرائعة التي سبقت ترجمته لعظات مقاريوس إلى الفرنسية ووضعها تحت عنوان ” اقتناء الخلاص ” وبعدها وضع عنوانًا جانبيًا ” المعمودية أساس الحياة الروحية ” وفي هذا النص الهام يجيب القديس مقاريوس على السؤال الآتي: إذا كانت المعمودية ممارسة حقيقية وأساس الإيمان فلا يجب أن ننتظر شيئًا آخر من السماء (يقصد الامتلاء وشركة الروح التي يذكرها دائمًا القديس مقاريوس) إذًا من الواضح أنه لا جدوى من انتظار شيئًا آخر بعد المعمودية!

ويجيب القديس مقاريوس: [إننا في المعمودية نأخذ أساس عمل الروح القدس] وهنا تجد عظات مقاريوس في وضعها اللاهوتي الصحيح وهو احترام لموهبة الله التي حلت في المسيحيين وذلك بالتوبة والصلاة والشركة: وفي ” الرسالة الكبرى ” يشرح القديس مقاريوس هذا الأساس الكنسي لعمل الروح القدس وفي الفقرة الثانية من الرسالة يُسهب القديس مقاريوس في شرح ضرورة أن يقدموا أجسادهم ذبيحة مقدسة عبادتهم العقلية (رو2:12) ليختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية، ويربط بين سر الثالوث والإيمان الأرثوذكسي والاعتراف بالإيمان في المعمودية، [الإيمان الأرثوذكسي يسجد للثالوث ذي الجوهر الواحد والمجد الواحد كما نعترف في السر المقدس الذي للمعمودية].

وفي موضع آخر يقول [إن المؤمنين يقبلون عربون الروح في المعمودية باسم الثالوث وذلك من أجل أن ننمو في الكمال، كمال الميراث ومن أجل مضاعفة الوزنة في (مت 15:25) التي للسر العظيم]. وفي نفس الرسالة يتكلم عن الكنيسة بشكل أوضح [إن الروح الإلهى المعزى الذي أُعطى الرسل ومنهم لكنيسة الله في ساعة المعمودية، هذا الروح يتحد بكل من يتقدم للمعمودية بإيمان صادق]… أي أنكار للأسرار أو تقليل من شأنها هو تقليل من شأن الكنيسة وبالتالي الحضور التاريخي الفعلي للروح في العالم والكنيسة ليست مؤسسة دنياوية بل هي امتداد ملكوت الله (الثيؤريا)على الأرض (الأستوريا).

” إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء يا والدة الإله أنت هي باب السماء افتحي لنا باب الرحمة ” (من صلوات الأجبية المقدسة).

روح الشركة: أنا أتكون من حرارة الآخر الروحية:

يسمى القديس مقاريوس حياة الشركة:

(أ) بالشركة الأخوية (عظة 3). (ب) والمدينة السماوية (عظة 2:12).

(جـ) والعائلة السماوية (عظة 23).

[والكنيسة السماوية هي واحدة ولكن بها أعداد لا تحصى وكل شخص فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدة خاصة لأنه كما أن الطيور تخرج من أجسادها غطاء لها هو ريشها إلا أنه توجد اختلافات كبيرة بين الطيور نفسها…هكذا القديسون فأنهم متأصلون في سماء واحدة هي سماء اللاهوت ولكن بطرق متنوعة…. فإن الروح إذ يأتي إلى القلب فإنه يصنع فكرًا واحدًا، فإن الذين هم فوق والذين أسفل هم تحت تدبير وقيادة روح واحد] (عظة 3:32).

 

التوازن بين المؤسسة والخاريسما (موهبة) بين الروح والتاريخ:

القضية الكبرى التي واجهتها الكنيسة الأولى منذ البدء والواضحة في رسائل بولس والآباء الرسوليين ولاهوت أغناطيوس الأنطاكي هي ضرورة أن تجتمع كل المواهب حول سر الإفخارستيا والأسقف. وهنا تأسس الانسجام والتوازن بين المواهب والتنظيم الكنسي والإدارة والتي انطلقت من روح الإفخارستيا. فلأفخارستيا هي مركز كل حركة الكنيسة في التاريخ. قد كتب الباحث الأمريكي Peter Brown عن أن الخطورة تكمن في أن يحدث (روتنة المواهب) وهنا يحدث الفصام بين الإدارة الكنسية والمواهب وقديمًا قال أفلاطون ” ليت الفلاسفة يحكمون والحكام يتفلسفون “.

وأباء الكنيسة طبقوا ذلك في الكنيسة فأدار الكنيسة اللاهوتيون فصارت الإدارة نفسها خاريسما أي الموهبة الروحية فلا يوجد عند الآباء تناقض بين ” خادم النادي ” و ” خادم الكلمة ” أو ” خادم أخوة الرب ” أي أن كل عمل في الكنيسة تحول إلى عمل خريسماتيكى نابع من روح التوبة والشركة وحين يتكلم عن مريم ومرثا يؤكد مقاريوس على هذه الوحدة (عظة 16:12)

وفي تعبير رائع عن هذا الاتزان بين المواهب ” فمهما كان انشغال الأخوة فينبغي أن يقوموا به في محبة وبشاشة نحو بعضهم البعض، فالذي يشتغل منهم فليقل عن الذي يصلى ” أن الكنز الذي يجده أخي هو كنز مشترك فلذلك فهو كنزى ” والذى يصلى يقول عن الذي يقرأ ” أن كل ما استفادة أخي من القراءة هو لمنفعتى ” والذى يعمل فليقل ” أن ما أعمله من الخدمة diakonia هو لمنفعة الجميع “…..

وهناك أمر لازم للجميع، هو أن يحصل الإنسان في داخل نفسه على كنز، وعلى الحياة في عقله هذه الحياة التي هي الرب نفسه ـ حتى أنه سواء كان يشتغل أو يصلى أو يقرأ فلا يزال حاصلاً على ذلك النصيب الذي لا يزول الذي هو الروح القدس (عظة 3:3). الوحدة بين المواهب والكنيسة وأباءها لدليل على الوحدة بين عمل الروح والواقع التاريخي بين الثيؤريا والإستوريا.

 

إن العداء بين الأنبياء كحاملين للروح والكهنة كخدام للطقس أي بين النعمة وتجسيدها التاريخي في الأسرار والكهنوت لا يمت بصلة للتراث الآبائي بل هو نتاج قراءة بروتستانتية للكتاب المقدس أثناء عصر الإصلاح والهجوم على الكنيسة الكاثوليكية وخاصة العهد القديم فالنبي في العهد القديم هو ابن بيئته الطقسية ونقد الأنبياء كان ضد الممارسة الشكلية للطقس وليس ضد الطقس ومحاولة تأسيس الصراع بين المواهب والمؤسسة، بين النبي والكاهن نشأ في ظروف عصر الإصلاح البروتستانتي (5)، ولا نجد أثر له عند الآباء فالكنيسة تحفظ المواهب وتجد بينها الاتزان اللازم. (راجع 1كو12).

 

الجهاد الروحي والواقعية الآبائية:

في وسط هذه الأجواء الروحية المقاريوسية أي الطوباوية يجد الجهاد الروحي معناه وهدفه وفي معظم العظات يتكلم قديسينا عن الجهاد وضرورة اشتراك الإنسان في العمل مع الروح: ” فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أيضًا أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي لكيما يستطيع بدون صعوبة أن يتهيأ أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم ـ تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك مهما غصب نفسه…. أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح وبالإيمان والثقة وبصبر كثير تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة ” (عظة 3:18، 19).

وفي العظة 25 يؤكد الحاجة إلى قوة الصليب ويعتبر أن الحياة على الأرض باطلة وبلا هدف بدون قوة الله أي أن التاريخ بلا معنى بدون رؤية الله. (عظة 2:25)

ويميز القديس مقاريوس بين الجهاد الذاتي والجهاد بالروح (عظة 21:26) ” الأشياء التي تعملها بنفسك هي حسنة مقبولة أمام الله ولكنها ليست نقية تمامًا فمثلاً: أنت تحب الله، ولكنك لا تحبه محبة كاملة فحينما يأتي الرب إلى داخلك فإنه يعطيك محبة سماوية غير متغيرة… منذ سقوط الإنسان صارت تربة القلب البشرى تنبت شوكًا وحسكًا والإنسان يعمل فيها ويتعب ومع ذلك تنبت فيها أشواك الخطية (تك 18:3) إلى أن يأتي الروح نفسه ” ويعين ضعفات الإنسان ” (رو26:8) ويزرع الرب الزرع السماوي في تربة القلب ويفلحها ولكن برغم ذلك لايزال الحسك والشوك ينبتان ثانية ثم يعمل الرب والإنسان معًا في أرض النفس ولايزال أشواك “.

 

تظهر الواقعية الآبائية أيضًا في أن حصول الإنسان على النعمة لا يغير طبيعته فالذي كان شديدًا يبقى على شدته والرقيق على رقته (عظة 5:26) وسيظل احتفاظ كل إنسان بطبيعته حتى في قيامة الأجساد (عظة 10:15). سر الخلاص عند الأباء هو في إطلاق طاقة الإنسان لتصير أعمالاً خلاقة وإبداعات شاهدة للمسيح وأخيرًا فإن الحياة في الروح عند القديس مقاريوس هي مسيرة لا تنتهي ويعتبر أن سبب الخطية يكون في أن كثيرين ظنوا أنهم قد حصلوا على الكمال وقالوا هذا يكفي ولكن الرب ليس له نهاية ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة ولا يجرؤ المسيحيون أن يقولوا ” لقد أدركنا ” (في 13:3) ولكنهم يظلون يطلبون بتواضع.

ويعلمنا القديس مقاريوس أن أمور الحياة نسبية لأنه ” إذا ذهب إنسان له بعض العلم إلى قرية حيث الناس غير متعلمين فإنهم يعجبون به ويمدحونه كأحد العلماء لأنهم جهلاء تمامًا ولكن إذا ذهب نفس هذا الشخص بعمله القليل إلى مدينة حيث العلماء والخطباء فإنه لا يجسر أن يظهر بينهم أو يتكلم لآن العلماء الحقيقيون يحسبونه جاهلاً (عظة 17:26).

فالمعرفة البشرية مهما كان مستواها فهي لا ترقى إلى معرفة كل شيء. والأباء أحبوا رؤية الرسول بولس للأمور الآن في مراه (1كو 10:13). والتاريخ والأحداث ستأخذ معناها من قصدها النهائي أي من الاسخاتولوجيا وذلك واضح من قول الرسول في بقية الآية: [فإننا ننظر الآن في مراه في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت] (1كو 12:13). المعرفة عند الأباء اسخاتولوجية المدى. وهناك يأخذ تأمل الأباء الشيوخ في الموت كل قوته في الإسخاتولوجيا.

 

 

[1] Andrew Louth, the origins of the Christian Mystical Tradition Oxford, 1991, P.v

[2] الرؤية الآبائية لحضور الروح القدس وعمله في الكنيسة والعالم ـ خرستوس ياناراس ـ ترجمة أ. ناجى أسحق. وقد ظهر هذا المقال في كتاب أعمال المؤتمر السنوي الثاني للدراسات الآبائية ـ سبتمبر 1994م.

[3] الخولاجي المقدس والثلاث قداسات إصدار دير السيدة العذراء ـ المحرق (صلاة الصلح القداس الباسيلي). انظر أيضًا كتاب (وجه النور) للأب ليف جيلليه.

[4] ملحوظة: انظر خرستوس ياناراس ص1، انظر أيضًا عظة 6:6،7.

[5] من أجل حياة العالم For the life of the world.

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) هو أحد أعمدة الرهبنة القبطية والوريث الوحيد لفضائل ونعمة القديس أنبا أنطونيوس[1] أبو الرهبان. وهو الذي أسس الرهبنة بالمنطقة التي تسمى بالأسقيط[2] أو برية شيهيت[3]، ولهذا فإن المهتمين بدراسات الآباء يعتبرون أن القديس مقاريوس الكبير بالنسبة للتاريخ الكنسي هو الأب الروحي للأسقيط والمؤسس الحقيقي لبرية شيهيت[4].

ويسمى القديس مقاريوس بالمصري أو بالكبير لتمييزه عن القديس مقاريوس الإسكندري المعاصر له (293-393)، أما ألقابهم هذه فكانت تدل على موطن نشأتهم، فالأول نشأ في الريــــف المصري والثاني في الإسكندرية أكبر مدن العالم في ذلك العصر الأمر الذي أثر في تربيته وثقافته[5]. ويقول سقراط المؤرخ الكنسي[6] “أن فضائل المقارين كانت متشابهة للغاية إلا أن الفارق الوحيد هو أن مقاريوس المصري (أبو مقار) كان ذا هيبة وبنوعٍ ما صارمًا مع الذين كانوا يقصدونه بينما كان مقاريوس الإسكندري مرحًا جدًا في حديثه خصوصًا مع الشباب قائدًا إياهم للتوبة والنسك”.

 

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

ولد القديس مقاريوس عام 300ميلادية في أسرة مسيحية إذ كان أبوه إبراهيم كاهنًا وأمه سارة امرأة قديسة في قرية شبشير القريبة من ترنوط[7] سوق شيهات الذي كان ينزل إليها الرهبان لبيع شغل أيديهم.

+ توحد في الصحراء المتاخمة لقريته وهو في الثلاثين من عمره، وانطلق إلى برية شيهيت بناء على رؤية ظهر فيها له الشاروبيم كانسان نوراني وأرشده إلى منطقة الاسقيط واعلمه أن الرب سيهبها ميراثًا له ولأولاده ليتفرغ فيها للصلاة وكان عمره آنذاك أربعين عامًا أي عام 340م بعد أن سيم قسيسًا بواسطة أسقف أشمون.

+ تخبرنا المخطوطة القبطية والعربية[8] أنه زار الأنبا أنطونيوس في بداية اعـــتزاله في بـــرية شيهيـــت وبعد 3 سنوات، وعلى التحديد 340م واستلم منه وصايا ومرسوم خدمته وكل ما يليق بزي الرهبنة المقدس[9] وأصبح تلميذًا للأب الكبير الأنبا أنطونيوس[10].

وتدكر نفس المخطوطة أنه قام بزيارة الأنبا أنطونيوس مرة أخرى، غير أن كثير من العلماء يؤكدون عدم صحة هذه المعلومة ولكن الذي يؤكدها هو قول محفوظ لنا للآباء جاء فيه “حدث مرة أن ذهب أبا مقار لزيارة الأنبا أنطونيوس فلما تحدث معه عاد إلى شيهيت، وجاء الآباء لاستقباله وبينما هو يتحدث معهم قال لهم: لقد قلت لأبا أنطونيوس أننا نقيم ذبيحة في موضعنا.. ديرنا بشيهيت[11] ومن هذا القول يتضح أن هذه الزيارة هي رقم 2 حيث أنه في المرة الأولى لم يكن هنا كنيسة بالمنطقة (جبل شيهيت) وظل الأنبا مقار يتردد على نتريا لمدة 10 سنوات لحضور القداسات هناك كما أن وجود الأخوة في استقباله يدل على مرور وقت تكونت خلاله جماعة رهبانية احتاجت لإقامة كنيسة لهم.

 

اشتهر بين آباء نتريا الذين كان يتردد عليهم باستمرار للاشتراك في الأسرار الكنسية بالحكمة ورجاحة عقل الشيوخ حتى أنهم لقبوه بـ”الشاب الشيخ”Paidariogeron  وكانت له مكانة كبيرة بينهم حتى أنهم دعوه في أواخر أيامه لزيارتهم فلبى الدعوة وألقى عليهم خطبته الأخيرة المشهورة كما سنتحدث عنها فيما بعد.

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

في سنة 373م نُفى في جزيرة بالدلتا وذلك عندما حرض أتباع أريوس الوالي فالنس على اضطهاد الرهبان بسبب تمسكهم ودفاعهم عن الإيمان النيقاوي مما أدى إلى نفى القديسين مقاريوس المصري (أبو مقار) ومقاريوس الإسكندري[12]. وعاد قديسنا من منفاه بعد عامين أي سنة 375م بعد أن خدم أهل هذه الجزيرة وحولهم من وثنيين إلى مسيحيين. تنيح بسلام بعد أن بلغ 90 عامًا مليئة بالجهاد حتى النفس الأخير.

 

أعياد القديس أبو مقار:

13      برمهات عودته من المنفى

27      برمهات  نياحته

19      مسرى   إعادة جسده إلى ديره في شيهيت

8        طوبة    تذكار تكريس كنيسته على يد البابا بنيامين الـ38

 

لمحة مختصرة عن حياته الروحية وتعليمه:

عاش حياة مضيئة واشتهر باسم ابنفماتوفورس أي اللابس الروح. وكان يحيا في خبرة العشرة المستمرة مع الله، والمسيحية بالنسبة له ” طعام وشراب ” فكلما أكل الإنسان منها ازداد قلبه ولعًا بحلاوتها ولا يتوقف أو يكتفى بل يطلب المزيد ويستمر يأكل بلا شبع أو امتلاء (عظة13:17) وهي (المسيحية) في حقيقتها تذوق عميق للحق، هي أكل وشرب للحق.. أن تأكل وأن تشرب وهكذا لتنال القوة الفعلية (عظة 7:27).

لقد عاش وعلم أنه يجب علينا أن نطلب الله غير المحدود وغير الموحى فإنه موجود في كل مكان ” فإن كنت تطلب الرب في العمق فهناك تجده، في المياه فهناك تجده صانعًا عجائب (خر 15: 11) وإن فتشت عنه في الجب فهناك تجده حارسًا دانيال البار وسط الأسود، وان فتشت عنه في النار فهناك تجده حافظًا عبيده الفتية الثلاثة. وإن سألت عنه على الجبل فهناك تجده مع إيليا وموسى فهو في كل مكان ـ وتحت الأرض وفوق السموات…. بل وفى داخلنا أيضًا نعم إنه في كل مكان كما أن نفسك أيضًا قريبة منك من داخلك وفى خارجك لأنك إلى حيث تشاء أن تذهب إلى بلاد بعيدة فهناك يكون عقلك سواء ناحية الشرق أو نحو السماء ـ هناك يذهب عقلك (عظة 12: 12).

وهذا هم الأهم أن الله يوجد داخلنا وخصوصًا بعد التجسد والصليب. ومن واقع حياته وخبرته علم أن الإنسان بعد السقوط أصابه الهوان الشديد وكان من الضروري تدخل الله نفسه، ومع أن تدبير الله الخلاصي بدأ في العهد القديم ومن خلال تقابل الله مع شعب إسرائيل ـ أي قبل التجسد إلا أن عملية التجسد كانت ضرورية جدًا لكي يستطيع أن يخلص المثيل بالمثيل أي يخلص الإنسان بالإنسان (عظة44:15). وهذا هو عينه ما يركز عليه اللاهوت الأرثوذكسي بشأن أهمية التجسد لفداء الإنسان وما علم به الآباء الذين كتبوا باليونانية والآباء الكبادوك.

+ إن نفس الإنسان وفكره تشتركان مع روح الله من حيث وجودهما في كل مكان (12: 12). ولكن فكر الإنسان لابد أن يتجه دائمًا نحو الله لكي يبقى دائمًا معه. إن نفس الإنسان هي عروس المسيح الذي هو عريسها ولابد أن ترتبط العروس بعريسها بصفة دائمة بواسطة شركة الروح. وفى موضع آخر يعلم أن النفس التي تتشبع تمامًا بالجمال الذي لا يوصف، جمال مجد نور وجه المسيح وتكون في شركة تامة مع الروح تنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له” (عظة 1: 2).

بل ويصف النفوس التي ” يتساقط عليها ندى روح الحياة أي ندى الإلهيات بأن قلوبهم تمتلئ بالعشق الإلهي وحينئذ تستطيع هذه النفوس أن تعيش من الآن وهي على الأرض حالة القيامة وعدم الفساد”.

القديس مقاريوس المصري (أبو مقار) – حياته وأعماله – د. جوزيف موريس فلتس

أعماله (كتاباته):

تنسب للقديس مقاريوس المصري أعمالاً كثيرة، وتحاول الأبحاث العلمية فحصها وتحليلها ونقدها للوصول إلى حقيقة مصدرها وصحة نسبها للقديس مقاريوس وتصل هذه الكتابات إلى ما يقرب المائة، تتنوع بين عظة ومقال توجد في خمس مجموعات.

ولقد أثرت هذه الكتابات في الحياة الروحية والنسكية في الشرق والغرب بعد أن تأثرت من قبل بكتابات القديس باسيليوس الكبير والتي تميزت بالشمولية ودقائق الأمور العملية.. لهذا فإن كتابات القديس مقاريوس لاقت انتشارًا واسعًا بين الأوساط الرهبانية والتي كان اهتمامهم منحصرًا في الحياة الروحية والنسكية الصارمة بجانب خبرات الرؤى الإلهية:

1ـ المجموعة الأولى: وتشمل 64 مقالاً وهي من أكبر المجموعات مع أنها من أقلها انتشارًا، والمقال الأول منها يطابق نص الرسالة الأخيرة الشهيرة كذلك فإن المقال 40

هو على هيئة رسالة والمقال 62 من الفقرة 1ـ 22 يوجد في كتابات كل من كليمندس الإسكندري ومكسيموس المعترف.

2 ـ المجموعة الثانية: وتشمل العظات الخمسين والتي نحن بصدد دراستها هنا، هي من أكثر المجموعات شهرة وتحظى بأكبر اهتمام من العلماء وقد نشرت لأول مرة عام 1559.

3 ـ المجموعة الثالثة: وتشمل 43 مقالاً. منهم مقال من المجموعة الثانية وثمانية مقالات من المجموعة الأولى وتم نشر هذه المجموعة لأول مرة 1961.

4 ـ المجموعة الرابعة: وتشمل 26 مقالاً وهي مقالات مكررة من المجموعة الأولى.

5 ـ المجموعة الخامسة: وتشمل 7 مقالات عن حفظ القلب (وهي عبارة عن مقاطع من مقالات المجموعة الأولى) ـ وعن الكمال المسيحي ـ عن الصلاة، عن الصبر في الجهاد ـ عن رفع الفكر لله ـ عن المحبة الإلهية ـ عن تحرر الفكر والمقالات من 2 ـ 7 هي مقتطفات من المجموعة الرابعة والتي تأتى معظمها من المجموعة الأولى ومقالات المجموعة الخامسة هذه عبارة عن فصول عددها 150 فصل.

 

ـ العظات السبعة: يوجد في مخطوطتين ضمن المجموعة الثانية 7 عظات الثانية والخامسة منها ورد مضمونها ضمن المجموعة الثالثة بينما الأولى والثالثة والخامسة في المجموعة العربية الرابعة عبارة عن الفصول 47، 48 من كتاب تاريخ بلاديوس.. والسابعة تطابق الرسالة الثانية لأموناس (رسائل الأنبا أنطونيوس).

 

ـ الرسالة الكبرى: وهي نص مهم للحياة الروحية والنسكية ويرى العلماء أن لها علاقة كبيرة بمقالة لإغريغريوس النيصصي أو (النيسي) عن.. الهدف الإلهي.

 

خصائص كتاباته:

تتميز كتابات القديس مقاريوس وخصوصًا رسالته الأخيرة بمنهجها الروحي العملي وبأنها تخلو من المنهج التأملي الذي ميز كتابات أوريجينوس كما أنها تخلو من المنهج العقلي والذي كان يركز على التداريب الروحية كما كان يعلم أوغريس في القرن الرابع والذي كان منتشرًا بين آباء نتريا وشهيت ومن بعده الشيخ الروحاني ومار اسحق. لقد اعتمد القديس مقاريوس في كتاباته على الخبرة الروحية القائمة على حياة التسليم المطلق للأب الروحي، حيث تأتى المعرفة دائمًا نتيجة الخبرة الروحية وليس العكس.

 

لقد حاول بعض العلماء إثبات أن كتابات القديس مقاريوس لها علاقة بالكتابات الخاصة بجماعات (المصلين) التي انتشرت تعاليمها في القرن الرابع والتي حرمها المجمع الثالث (431م). لكن القديس مقاريوس ـ إن كان هو فعلاً كاتب هذه العظات ـ حاول أن يصحح لجماعات الرهبان في عصره والمتأثرون بفكر جماعات المصلين غير الأرثوذكسي فكرهم عن النسك والعلاقة الحية مع الله، ونجح من خلال كتاباته هذه أن يعيد هذه الجماعات الرهبانية المتطرفة إلى حضن الكنيسة وأن يعطيها أساسًا أرثوذكسيًا لجهادها.

 

[1] كتاب تاريخ الرهبنة في مصر لروفينوس (كما يظن) Historia Monachorum, Latin version. ch. xxviv

[2] الأسقيط هي ترجمة الكلمة اليونانية SkhtiV  وهي مشتقة من الكلمة AskhthV بمعنى الناسك. أى أن كلمة الأسقيط معناها مكان النسك ومنها أيضًاSkhtiwthV  بمعنى الراهب الأسقيطى.

[3] كلمة قبطية تكتب  si/tوتنطق شيهات وجاءت في بعض المخطوطات sih/t و s/h/t  وأضافة حرف H (الهورى) هو حديث يرجع إلى القرن 13 وما بعده ومنذ القديم كان سائدًا أن المعنى العام للكلمة هو أنها تشير إلى كلمة   s/t بمعنى قلب كما جاءت في قصة يوحنا القصير حيث يُفسر اسم المنطقة هكذا “أذهب إلى جبل النطرون الذي هو شيهيتsih/t الموضع الذي توزن فيه القلوب والأفكار بمقايس حقيقية Amelineau,Monastore de la basse.. Egypta (Mus`ee Gvimt xxv),P.236

[4] Quasteu, Patrology, vol.II, P.161

[5] Lausiaca, Monachorum in Aegypto, les moines d.orient I, 2.

[6] سقراط مؤرخ كنسي يوناني (380-450م) من القسطنطينية. كتب كتاب في التاريخ الكنسى من 7 أجزاء ويعتبر مكملاً لتاريخ يوسابيوس. كتب من الفترة ما بين (305-439م)

[7] مدينة تقع غرب فرع النيل الغربى (رشيد) وقريبة من مدينة نقوسبا وأسمها باليونانية teronouqhVوهي المدينة التي تقابل فيها الرهبان (70000) مع عمرو بن العاص عند مجيئه إلى مصر وحسب رواية المقريزى اعطاهم الأمان في صورة وثيقة tu.white ,II,72,Apoth.Part xiii

[8] هي المخطوطة رقم 18 س بمكتبة دير الأنبا مقار حققها وترجمها ونشرها اميلينو عن حياة القديس مقاريوس بقلم صرابامون تلميذه.

[9] المرجع السابق

[10] Butler, The Lausiac History of Palladius I/II

[11] Apoth.Part.xxvi, Macar Aegypt

[12] Socrates, H.E. IV, 24

Exit mobile version