مثل الأمناء (المسيح الملك) – إنجيل لوقا 19 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الأمناء (المسيح الملك) – إنجيل لوقا 19 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الأمناء (المسيح الملك) – إنجيل لوقا 19 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 (لو11:19ـ27 ): ” وَإِذْ كَانُوا يَسْمَعُونَ هَذَا عَادَ فَقَالَ مَثَلاً لأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ عَتِيدٌ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْحَالِ. فَقَالَ: إِنْسَانٌ شَرِيفُ الْجِنْسِ ذَهَبَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ لِيَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مُلْكًا وَيَرْجِعَ. فَدَعَا عَشَرَةَ عَبـِيدٍ لَهُ وَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ وَقَالَ لَهُمْ: تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ. وَأَمَّا أَهْلُ مَدِينَتِهِ فَكَانُوا يُبْغِضُونَهُ فَأَرْسَلُوا وَرَاءَهُ سَفَارَةً قَائِلِينَ: لاَ نُرِيدُ أَنَّ هَذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا. وَلَمَّا رَجَعَ بَعْدَمَا أَخَذَ الْمُلْكَ أَمَرَ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ أُولَئِكَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الْفِضَّةَ لِيَعْرِفَ بـِمَا تَاجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ. فَجَاءَ الأَوَّلُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ مَنَاكَ رَبِحَ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ. فَقَالَ لَهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ لأَنَّكَ كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَلْيَكُنْ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى عَشْرِ مُدُنٍ. ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي قَائِلاً: يَا سَيِّدُ مَنَاكَ عَمِلَ خَمْسَةَ أَمْنَاءٍ. فَقَالَ لِهَذَا أَيْضًا: وَكُنْ أَنْتَ عَلَى خَمْسِ مُدُنٍ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ هُوَذَا مَنَاكَ الَّذِي كَانَ عِنْدِي مَوْضُوعًا فِي مِنْدِيلٍ. لأَنِّي كُنْتُ أَخَافُ مِنْكَ إِذْ أَنْتَ إِنْسَانٌ صَارِمٌ تَأْخُذُ مَا لَمْ تَضَعْ وَتَحْصُدُ مَا لَمْ تَزْرَعْ. فَقَالَ لَهُ: مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ. عَرَفْتَ أَنِّي إِنْسَانٌ صَارِمٌ آخُذُ مَا لَمْ أَضَعْ وَأَحْصُدُ مَا لَمْ أَزْرَعْ. فَلِمَاذَا لَمْ تَضَعْ فِضَّتِي عَلَى مَائِدَةِ الصَّيَارِفَةِ فَكُنْتُ مَتَى جِئْتُ أَسْتَوْفِيهَا مَعَ رِباً؟. ثُمَّ قَالَ لِلْحَاضِرِينَ: خُذُوا مِنْهُ الْمَنَا وَأَعْطُوهُ لِلَّذِي عِنْدَهُ الْعَشَرَةُ الأَمْنَاءُ. فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَمْنَاءٍ. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ. أَمَّا أَعْدَائِي أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي “.

 

لنتقدم مرة أخرى، ولنفتح عين الذهن باتساع لكي ما ننال نور التعاليم المقدَّسة الذي يسكبه المسيح بغنى على أولئك الذين يحبونه، لأنه هو أيضًا النور الحقيقي ينير الملائكة والرئاسات والعروش والسيادات، بل وأيضًا السيرافيم المقدَّسين، ويشرق أيضًا في قلوب أولئك الذين يخافونه. لذلك فلنسأل الاستنارة التي يمنحها، لكي إذ نفهم بالضبط قوة المثل الموضوع أمامنا يمكننا أن نختزن في أذهاننا ككنز روحي، المنفعة التي يقدمها لنا.

 

          لذلك فإن مجال المثال يبيِّن باختصار المغزى الكامل للتدبير الذي كان من نحونا، ويمثل سر المسيح من البداية إلى النهاية. لأن الكلمة الذي هو الله صار إنسانًا، ومع أنه صار في شبه جسد الخطية، ولأجل هذا أيضًا دُعي عبدًا، إلاّ أنه كان ولا يزال حر المولد[1]، لكونه مولود من الآب بطريقة تفوق الوصف، نعم! هو أيضًا إله يفوق الكل في الطبيعة وفي المجد، ويفوق كل أمور وضعنا (البشري)، بل أيضًا يفوق كل الخليقة بملئه الذي لا يُقارَن. لذلك وإن كان قد صار إنسانًا إلاّ أنه حر المولد بسبب كونه ابن الله، ولكنه ليس مثلما دُعينا نحن إلى هذه التسمية بسبب صلاحه ومحبته للبشر. إن شرف جنسه (حرية مولده) تخصّه بالطبيعة لأنه من الآب بالولادة، وأيضًا بسبب أنه يسمو على كل ما هو مخلوق. لذلك، فعندما صار الكلمة، الذي هو صورة الآب والمساوي له، مثلنا، فإنه أطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفَّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أنَّ يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب. أمين (في8:2 ـ11). فهل أعطى الآب الاسم الذي فوق كل اسم للابن كمن هو ليس بالطبيعة إلهًا؟ لو صح هذا، ألا يكون قد أستُعلن لنا إله جديد؟ ولكن الكتاب المقدس ينطق بصوت عالٍ قائلاً: ” لا يكن فيك إله جديد ولا تسجد لإله أجنبي” (مز9:80س). لكنه، إنما سيكون (إله) مختلف وغريب عن الله لو لم يكن منه بالطبيعة.

 

          فالابن بالتأكيد هو إله بالطبيعة، ولكن كيف أعطاه الآب اسمًا فوق كل اسم؟! عن هذا نقول إنه عندما صار جسدًا، أي صار إنسانًا مثلنا، فإنه أخذ اسم عبد واتَّخذ فقرنا وحالتنا الوضيعة، أما عندما أكمل سر التدبير في الجسد، فإنه عاد إلى المجد الذي كان له بالطبيعة، لا كشيء غريب عنه غير مألوف لديه، أو كشيء يصبح حقًّا له من الخارج، أي أُعطي له من آخر، بل بالأحرى كشيء خاص به وقد كان له أصلاً، لأنه قال لله الآب الذي في السماء: ” مجِّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو5:17)، ولأنه موجود قبل الدهور وقبل العالمين وهو واحد مع الله وهو الله، فقد كان متسربلاً بالمجد الذي يخص الألوهة، وكما قلت فإنه لما صار إنسانًا لم يتعرض لأي تبديل أو تغيير، بل استمر في الحالة التي كان موجودًا عليها دائمًا مثل الحالة التي كانت للآب الذي ولده، أي مثله في كل شيء، لأنه هو أيضًا “صورة أقنومه” (عب3:1) الذي بمقتضى طبيعته يملك كل شئ يخص ذاك الذي ولده، أقصد أنه من نفس الجوهر وله مساواة لا تسمح بأي اختلاف، وهو مثله في كل شئ. لذلك لكونه إلهًا بالطبيعة قد قيل إنه نال من الآب الاسم الذي هو فوق كل اسم (وذلك) عندما صار إنسانًا لكي ما يتم الإيمان به كإله وملك على الكل حتى وهو في الجسد الذي كان متحدًا به.

 

          لكن عندما احتمل الآلام على الصليب لأجلنا، ولاشى الموت بقيامة جسده من بين الأموات، فإنه صعد إلى الآب، وصار كإنسان مسافر إلى كورة بعيدة (عدد12)، لأن السماء كورة مختلفة عن الأرض، وهو صعد لكي ما ينال لنفسه ملكًا. هنا أتوسل إليكم إنَّ تتذكروا أيضًا كلمات الطوباوي بولس الذي يقول: ” هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” (2كو5:10)، لأنه كيف يمكن أنَّ الذي يملك على الكل مع الآب، يصعد إليه لينال ملكًا؟ فأجيب إنَّ الآب يعطى الابن أيضًا هذا المُلك من جهة كونه صار إنسانًا، لأنه عندما صعد إلى السموات جلس عن يمين العظمة في الأعالي، منتظرًا أن يوضع أعدائه تحت قدميه، لأنه قيل له من الآب: ” اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك” (مز1:109س).

 

          والنص هنا يقول: ” وأما أهل مدينته فكانوا يبغضونه“. وبالمثل يوبِّخ المسيح جموع اليهود قائلاً: ” لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي” (يو24:15). إنهم لم يريدوا أن يملك المسيح عليهم، بينما كان الأنبياء القديسين دائمًا ينطقون بنبوات عن المسيح على أنه ملك. لأن واحدًا منهم يقول ” ابتهجي جدًّا يا ابنة صهيون، لأنه هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومخلِّص ووديع وراكب حمار وعلى جحش صغير” (زك9:9س). والطوباوي إشعياء يقول عنه وعن الرسل القديسين: ” هوذا ملك عادل سوف يملك، ورؤساء بالحق يترأَّسون” (إش1:32س)، والمسيح نفسه أيضًا يقول بصوت المرنم في موضع ما: “ أما أنا فقد أُقمت منه ملكًا على صهيون جبل قدسه لأكرز بأمر الرب ” (مز6:2).

 

          أما هم فأنكروا عليه ملكه، لأنهم عندما تقدموا إلى بيلاطس قائلين ” خذه خذه اصلبه، سألهم أو قال لهم بالأحرى باستهزاء: أأصلب ملككم؟ ” فأجابوا بكلمات شريرة: ” ليس لنا ملك إلاَّ قيصر ” (يو15:19). لذلك فإذ أنكروا مُلك المسيح، فإنهم سقطوا تحت سيادة إبليس وجلبوا على أنفسهم نير الخطية الذي لا يمكن طرحه، كما أن رقابهم لن تتحرر، مع أنَّ المسيح دعاهم (إلى الحرية) بقوله: ” كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية، والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقي إلى الأبد، فإن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو34:8ـ39). وأيضًا قوله: ” إن ثبتم في كلامي فبالحقيقية تكونون تلاميذي وتعرفون الحق والحق يحرِّركم ” (يو31:8ـ32). لكن إسرائيل في جنونه لم يفتح قلبه للتعلُّم، ولذلك استمر في العبودية، لأنه رفض أن يعرف المسيح، الذي يُحرِّر.

          وفي هذه الفرصة لن استمر أكثر من هذا، مرجئًا إلى وقت آخر التأمل في بقية المثل لئلا يتسبب الحديث الطويل في إرهاق المتكلم ويكون مملاًّ لمن يسمعون. وليت المانح والمعطي لكل الخيرات يبارككم جميعًا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

 

شرح المثل

(لو11:19ـ27 )

يهرب المديونون من مداينيهم لأنهم يعرفون أنهم مزعجون. لكن ليس الأمر هكذا بالنسبة لي، لأنني جئت لأفي بدَيني وأحقق ما وعدتُ به، بل وإني أتعقَّب المداينين بدلاً من أن يتعقَّبوني هم. فما هو إذن الشيء الذي وعدتُ به وما هو الدين؟ في اجتماعنا الأخير قُرئ علينا مَثل طويل، ولم نكمل شرح سوى جزء صغير منه واحتفظنا بالباقي لاستكماله في اجتماعنا المقدَّس هذا. وكان المثل كما يلي: ” إنسان شريف الجنس ذهب إلى كورة بعيدة ليأخذ لنفسه مُلكًا ويرجع، فدعا عشرة عبيد له وأعطاهم عشرة أمناء وقال لهم تاجروا حتى آتي. وأما أهل مدينته فكانوا يبغضونه فأرسلوا وراءه سفارة قائلين لا نريد أنَّ هذا يملك علينا“، ثم أضاف على هذا الكلام أيضًا إنه لما عاد الإنسان الشريف الجنس بعدما أخذ المُلك، طلب من أولئك العبيد الذين وزَّع عليهم الأمناء أن يقدموا حسابًا عن تجارتهم.

 

          في شرحنا السابق أوقفنا كلمتنا التي كانت بأقصى سرعة عند عبارة أنَّ أهل مدينته أبغضوه ولم يريدوا أن يملك عليهم. والآن سأحدِّثكم عن أولئك العبيد الذين ائتمنهم سيِّدهم على الأمناء، وأستقصِي عن من هم الذين تاجروا ولذلك تمَّ تكريمهم، ومن الجهة الأخرى من هو المُشار إليه بأنه عبد كسول وبليد الذي أخفى الوزنة ولم يربح عليها شيئًا، ولهذا السبب جلب على نفسه دينونة صارمة.

          لذلك فإن المخلِّص يوزِّع على من يؤمنون به أنواعًا من المواهب الإلهية، ونحن نؤكد أنَّ هذا هو المعنى المقصود من الوزنة. وفي الواقع أن هناك فرقًا عظيمًا بين أولئك الذين أخذوا الوزنات وأولئك الذين أنكروا مُلكه تمامًا، لأن الذين طرحوا نير مُلكه فهؤلاء هم متمرِّدون، بينما الآخرون قد اكتسوا بمجد خدمته. لذلك فكعبيد أُمناء فقد استأمنهم سيِّدهم على ثروته حتى إذا ما ربحوا شيئًا بالمتاجرة بها، يمكنهم أن ينالوا المدح اللائق بالخدمة الأمينة، وأيضًا أن يُحسبوا جديرين بتلك الكرامات التي تدوم إلى الأبد. أما بخصوص طريقة التوزيع ومن هم الأشخاص، وماذا تعني الوزنات التي وزَّعها (الله) ـ وإن كان لا يزال يوزِّعها إلى هذا اليوم، فهذه يبيّنها الكتاب المقدس بوضوح. فإن بولس الطوباوي يقول: ” أنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد، وأنواع خِدَم موجودة ولكن الرب واحد، وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في كل إنسان ” (1كو4:12ـ6). وإذ يشرح بعد ذلك ما قاله، فإنه يقرِّر أيضًا أنواع المواهب على النحو التالي: ” فإنه لواحد يُعطى كلام حكمة، ولآخر كلام علم، ولآخر إيمان، ولآخر مواهب شفاء ” وهكذا (1كو8:12و9)، ولذلك فإننا نجد أنَّ تنوع المواهب واضح في هذه الكلمات.

 

          أظن أنه بعد هذا يجب علىَّ أن أذكُر من هُم الذين ائتمنهم المسيح على هذه المواهب، بحسب قياس استعداد كل واحد وميله. لأنه يعرف كل ما هو في داخلنا، إذ أنه هو الله ذاته الذي يفحص الكُلي والقلوب. لكن لنلاحظ أنَّ إنجيليًّا آخر هو على وعي باختلاف في كمية الوزنات التي تم توزيعها فيقول:       ” أعطى واحد خمس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة” (مت15:25). أنت ترى أنَّ التوزيع قد صار بحيث يناسب قياس الملَكَات التي لكل واحد. فبالنسبة لأولئك الذين ائتمنوا على الوزنات فهلمُّوا ولنعلن على قدر طاقتنا من يكون هؤلاء. إنهم أولئك الكاملون في الذهن الذين يناسبهم الطعام القوي، والذين لهم الحواس مدرَّبة على التمييز بين الخير والشر (عب14:5)، هم أولئك الماهرون في التعليم باستقامة وعلى معرفة بالتعاليم المقدَّسة، الذين يعرفون كيف يوجهون أنفسهم والآخرين إلى كل عمل أفضل، وباختصار فهكذا كان التلاميذ الحكماء فوق كل الآخرين. ثم يأتي بعد ذلك هؤلاء الذين خلفوهم في خدمتهم، أو الذين يقومون بهذه الخدمة اليوم أي المعلمون القديسون القائمون على رئاسة الكنائس المقدَّسة، الذين يسوسون الشعوب ويعرفون كيف يرتِّبون كل شيء لمنفعة أولئك الخاضعين لهم. ويمنح المخلص مواهب إلهيَّة متنوِّعة لهؤلاء حتى يكونوا أنوارًا في العالم ومتمسكين بكلمة الحياة (في15:2و16)، وهم بوعظهم للشعب الذي تحت رعايتهم وبإعطائهم المشورة التي هي نافعة للحياة، وإذ يجعلونهم ثابتين ولهم إيمان مستقيم وبلا لوم، فإنهم إنما يربحون بالمتاجرة وزنتهم ويسعون إلى النمو الروحي. إنهم مطوَّبون جدًّا ويربحون النصيب الذي يليق بالقدِّيسين، لأنه عندما يعود الإنسان الشريف الجنس – أي المسيح – بعد أخذه المُلك، فسوف يُحسبون جديرين بالمدح، ويبتهجون بإكرامات فائقة، لأنهم إذ يُضاعفون الوزنة عشر مرات أو خمس مرات، وذلك بربحهم أناسًا كثيرين، فإنهم سوف يُقامون على عشر أو خمس مدن، أي أنهم سوف يصيرون رؤساء أيضًا ليس فقط على من ترآسوا عليهم سابقًا بل أيضًا على آخرين كثيرين. لأجل هذا السبب نجد القديسين يمجِّدون ويقدِّمون تسابيح عرفانهم الصاعد إلى المسيح الذي يكلِّلهم ويقولون بفم المرنم: ” أخضع الشعوب لنا والأمم تحت أقدامنا ” (مز3:46س). أما أن تكون الممارسة والقصد المجتهد للقدِّيسين أن يجعلوا أولئك الذين يُعلِّموهم شركاء للنعمة التي أعطاها المسيح لهم، فهذا يمكن لأي شخص أن يتعلَّمه من الرسالة التي أرسلها الطوباوي بولس للبعض ويقول: ” لأني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحيَّة لثباتكم ” (رو11:1). كما يشهد أيضًا لتلميذه تيموثاوس: ” لا تهمل الموهبة التي فيك المُعطاة لك بوضع يدي” (1تى14:4). لأنه يريده أن يسمو في تعليمه لرعيَّته، والمخلِّص نفسه يقول أيضًا في موضع ما في مثل آخر: ” من هو العبد الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم الطعام في حينه؟ طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا، بالحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ما له ” (لو42:12ـ44). وما معنى إنه يعطي العبيد رفاقه الطعام سوى أنه يوزِّع على الذي أوكل إليه رعايته منفعة الإرشاد الروحي، ويُشبع بالزاد الروحي أولئك الجياع إلى البر؟

 

          لذلك توجد كرامات وانتصارات وأكاليل لمن تعبوا وأحبوا الخدمة، لكن يوجد خزي لأولئك الذين تسلَّط عليهم الكسل. لأن الذي أخفى مناه في منديل صار عُرضة لدينونة مرعبة، لأنه تقدَّم إلى سيِّده قائلاً ” هوذا ما لك“. لكن السيِّد قال له: إن القصد الذي أخذتَ لأجله المنا ليس لكي تحفظه في خفية، وإن كنت قد عرفت أنِّي إنسان صارم أحصد ما لم أزرع وأجمع ما لم أضع، فهذا الأمر نفسه يجعل ذنبك أثقل، وهو لا يعطى عذرًا مقبولاً لتكاسلك، وإن كنتُ إنسانًا صارمًا أحصد ما لم أزرع، فلماذا لم تعطى الهبة التي أُغدقت عليك ـ أي المنا ـ للصيارفة؛ أي لماذا لم تستثمرها لسعادة أو لمنفعة أولئك الذين يعرفون جيدًا كيف يتاجرون بما قد أخذوه منك؟ فكنتُ متى جئت أستوفيه، أي أن أستعيده مرة أخرى مع ربح، لأنه من واجب المعلمين أن يزرعوا ويغرسوا المشورة النافعة والخلاصيَّة في أذهان سامعيهم، أما أن يدعوا للطاعة أولئك الذين يُعلِّمونهم، وأن يجعلوا ذهنهم مثمرًا جدًّا فهذا إنما هو من فعل تلك القوة التي يمنحها الله. هذا هو الربح، لأن أولئك الذين يسمعون الكلمات المقدَّسة، وقتما يقبلون في ذهنهم منفعتها أي قوة الكلام، ويجتهدون بفرح في العمل الصالح، حينئذ فهم يقدمون ما أعطى لهم مع زيادة.

 

          لذلك يقول السيِّد خذوا منه المنا وأعطوه للذي عنده العشرة أمناء، لأني أقول لكم إن كل من له يُعطى، ومن ليس له فحتى الذي يظنه له يؤخذ منه، لأن ذلك العبد الكسول تجرد حتى من الهبة التي أُغدقت عليه، أما أولئك الذين تقدموا في الطريق الأفضل وبرهنوا على أنهم مرتفعون فوق التكاسل والتراخي، فسوف ينالون بركات جديدة من فوق، وإذ قد امتلأوا بالمواهب الإلهية فسوف يرتفعون إلى نصيب مجيد ومثير للإعجاب.

 

          أما وقد رأينا أمجاد القديسين فهلمُّوا لنفحص عذابات الأشرار الذين لا يريدون أن يملك عليهم ذلك الإنسان الشريف الجنس. يقول: ” أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي“. كان هذا مصير الجنس الإسرائيلي لأنهم إذ أنكروا مُلك المسيح، فإنهم سقطوا في بلايا شديدة، ولأنهم أشرار، فقد هلكوا هلاكًا رديًّا. كذلك زمرة الهراطقة الأشرار أيضًا ينكرون مُلك المسيح، كما يفعل جميع أولئك الذين – إذ يهملون واجب الحياة باستقامة – يمضون حياتهم في النجاسة والخطية، وهؤلاء أيضًا يكابدون عقوبة مِثل التي لأولئك المذكورين أعلاه، وسوف يمضون إلى الهلاك.

 

          أما نحن، فالمسيح يسود علينا كملك، ولنا رجاء صالح أننا أيضًا سوف نُحسب مستحقين لنصيب القديسين. ويوضع حول رؤوسنا الإكليل اللائق بالثابتين، لأن هذا أيضًا هو هبة من المسيح مخلِّصنا جميعًا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] الكلمة اليونانية eÙgen¾j تُرجمت في الترجمة الإنجليزية المعتمدة nobleman A.V التي تعني شريف الجنس ـ أما في السريانية فتعنى حُر المولد freeborn، التي ترادف شريف الجنس .

مثل الأمناء (المسيح الملك) – إنجيل لوقا 19 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو16: 10 ـ 13): ” اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟. وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟. لاَ يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ لأنهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ “.

المعلِّمون الأكثر خبرة وامتيازًا عندما يرغبون في تثبيت أي تعليم هام في عمق أذهان تلاميذهم، فإنهم لا يغفلون أي نوع من التفكير يستطيع أن يلقي ضوءًا على الغرض الرئيسي لأفكارهم. فمرّة ينسجون الحجج معًا، ومرة أخرى يستخدمون أمثلة مناسبة، وهكذا يجمعون من كل حدب وصوب أي شيء يخدم غرضهم. وهذا ما نجد أن المسيح أيضًا يفعله في أماكن كثيرة، وهو الذي يعطينا كل حكمة. لأنه كثيرًا ما يكرّر نفس الحجج بعينها حول الموضوع أيًا كان لكي ما يُرشد ذهن سامعيه إلى الفهم لكلماته بدقة. لذا أتوسَّل إليكم أن تنظروا ثانية إلى مغزى الدروس الموضوعة أمامنا. لأنه هكذا ستجدون أن كلماتنا صحيحة، وهو يقول: ” الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير”.
لكن قبل أن أسترسل، أعتقد أنه من المفيد أن نتأمل في ما هي مناسبة مِثَْل هذا الحديث، ومن أي أصل نشأ، لأن بهذا سيصير معنى الكلام واضحًا جدًّا. كان المسيح آنذاك يُعلِّم الأغنياء أن يشعروا ببهجة خاصة في إظهار الشفقة والعطف نحو الفقراء، وفى مد يدّ العون لكل من هم في احتياج، وهكذا يكنزون لهم كنوزًا في السماء، ويتفكرون مقدمًا في الغنى المُذخر لهم، لأنه قال: ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية” (لو 9:16). لكن إذ هو إله بالطبيعة، فهو يعرف جيدًا كسل الذهن البشرّى من جهة كل عمل جاد وصالح. ولم يغب عن معرفته، أن البشر في طمعهم في المال والثروة يسلِّمون ذهنهم لحب الربح، وإذ تتسلّط عليهم هذه الشهوة، فإنهم يصيرون قساة القلوب ولا يبدون مشاركة وجدانية في الألم، ولا يظهرون أي شفقة أيًّا كانت للفقراء رغم أنهم قد كدّسوا ثروات كثيرة في خزائنهم. لذلك فأولئك الذين يتفكرون هكذا ليس لهم نصيب في هبات الله الروحية، وهذا ما يظهره (الرب) بأمثلة واضحة جدًّا إذ يقول: ” الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير “.

يا رب اشرح لنا المعنى، وافتح عين قلبنا. لذلك أنصتوا إليه بينما هو يشرح بوضوح ودقة ما قاله. ” إن لم تكونوا أمناء في مال الظلم، فمن يأتمنكم على الحق؟” (لو 11:16)، فالقليل إذن هو مال الظلم، أي الثروة الدنيوية التي جُمعت في الغالب بالابتزاز والطمع. أما مَنْ يعرفون كيف يعيشون بالتقوى، ويعطشون إلى الرجاء المكنوز لهم، ويسحبون ذهنهم من الأرضيات، ويفكّرون بالأحرى في الأمور التي فوق، فإنهم يزدرون تمامًا بالغنى الأرضي، لأنه لا يمنح شيئًا سوى الملذات والفجور والشهوات الجسدانية الوضيعة، والأبهة التي لا تنفع، بل هي أبهة مؤقتة وباطلة وهكذا يعلّمنا أحد الرسل الأطهار قائلاً: ” لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة” (1يو 16:2).
لكن مثل هذه الأشياء هي لا شيء بالمّرة لمن يحيون حياة رزينة وتقيّة، لأنها أشياء تافهة، ومؤقتة، ومملوءة بالنجاسة وتؤدى إلى النار والدينونة، ونادرًا ما تستمر إلى نهاية حياة الجسد، وحتى إن استمرت، فإنها تزول على غير توقع عندما يحّل أي خطر بأولئك الذين يمتلكونها. لذلك يوبخ تلميذ المسيح الأغنياء بقوله: ” هلّم الآن أيها الأغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة، غناكم قد تهرأ وثيابكم قد أكلها العث ذهبكم وفضتكم قد صدئا، وصدأهما يكون شهادة عليكم” (يع 1:5ـ3). فكيف صدأ الذهب والفضة؟ بكونهما مخزونين بكميات هائلة، وهذا بعينه هو شهادة ضدهم أمام منبر الدينونة الإلهي، لكونهم غير رحومين، لأنهم جمعوا في كنوزهم كميات كبيرة لا يحتاجون إليها، ولم يعملوا أي اعتبار لمن كانوا في احتياج، مع أنه كان في استطاعتهم ـ لو هم رغبوا ـ أن يصنعوا خيرًا بسهولة لكثيرين، ولكنهم لم يكونوا أمناء في القليل.

لكن بأي طريقة يمكن للناس أن يصيروا أمناء؟ هذا ما علَّمنا إياه المخلِّص نفسه بعد ذلك، وأنا سأشرح كيف …
طلب أحد الفريسيين منه أن يأكل خبزًا عنده في يوم السبت، وقَبِلَ المسيح دعوته، ولما مضى إلى هناك جلس ليأكل، وكان كثيرون آخرون أيضًا مدعوين معه، ولم يكن أحد منهم تظهر عليه سمات الفقر، بل على العكس كانوا كلهم من الوجهاء وعلية القوم ومحبّين للمجالس الأولى ومتعطشين للمجد الباطل كما لو كانوا متسربلين بكبرياء الغنى. فماذا قال المسيح لمن دعاه: ” إذا صنعت غذاء أو عشاء فلا تدعُ أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء لئلا يدعوك هم أيضًا فتكون لك مكافأة، بل إذا صنعت ضيافة فادعُ المساكين الجدع والعرج والعمي، فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافئوك، لأنك تُكافئ في قيامة الأبرار” (لو 12:14ـ14). هذا هو إذن ما اعتقد أنه معنى أن يكون الإنسان أمينًا في القليل، أي أن تكون له شفقة على مَنْ هم في احتياج، ويوزِّع مساعدة ممّا لديّه لمن هم في ضيق شديد. لكن نحن بازدرائنا بالطريق المجيد والذي له مجازاة أكيدة، فإننا نختار طريقًا معيبًا وبلا مكافأة، وذلك بأن نعامل باحتقار مَنْ هم في فقر مدقع، بل ونرفض أحيانًا أن نسمح لكلماتهم أن تدخل آذاننا، بينما نحن من ناحية أخرى نُقيم وليمة مكلّفة وببذخ شديد إما لأصدقاء يعيشون في رغد، أو لمن اعتادوا أن يمدحوا أو يداهنوا جاعلين كرمنا فرصة لإشباع حبنا للمديح.

لكن هذا لم يكن هو قصد الله من سَمَاحِه لنا أن نمتلك ثروة، لذلك فإن كنا غير أمناء في القليل بعدم تكييف أنفسنا وفقًا لمشيئة الله، وبإعطاء أفضل قِسْم من أنفسنا لملذاتنا وافتخاراتنا، فكيف يمكننا أن ننال منه ما هو حق؟ (أو ما هو حقيقي). وماذا يكون هذا الحق؟ هو الإنعام الفائض لتلك العطايا الإلهية التي تزيّن نفس الإنسان، وتجعل فيها جمالاً شبيهًا بالجمال الإلهي. هذا هو الغنى الروحي، وليس الغنى الذي يسمِّن الجسد المُمسك بالموت، بل هو بالأحرى ذلك الغنى الذي يُخلِّص النفس ويجعلها جديرة بأن يُقتدى بها، ومكرَّمة أمام الله، والذي يكسبها مدحًا وأمجادًا حقيقية.
لذلك فمن واجبنا أن نكون أمناء لله، أنقياء القلب، رحومين وشفوقين، أبرارًا وقديسين، لأن هذه الأمور تطبع فينا ملامح صورة الله، وتكمِّلنا كورثة للحياة الأبدية، وهذا إذن هو ” الحق “.

وكون أن هذا هو مغزى ومقصد كلمات المخلِّص، فهذا هو ما يمكن لأي شخص أن يعرفه بسهولة مما يلي، لأنه يقول: ” إن لم تكونوا أمناء فيما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم؟”. وأيضًا نحن نقول إن ” ما هو للغير” هو الغنى الذي نمتلكه، لأننا لم نولد أغنياء بل على العكس، فقد وُلِدنَا عُراة، ويمكننا أن نؤكد هذا عن حق بكلمات الكتاب: ” لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء” (1تي 7:6)، لأن أيوب الصبور قد قال أيضًا شيئًا من هذا القبيل: ” عريانًا خرجت من بطن أمي وعريانًا أعود إلى هناك” (أي 21:1). لذلك، فلا يملك أى إنسان بمقتضى الطبيعة أن يكون غنيًا، وأن يحيا في غنى وفير، بل إن الغنى هو شيء مُضاف عليه من خارجه، فهو مجرد إمكانية (أى يمكن أن يوجد أو لا يوجد)، فلو باد الغنى وضاع فهذا أمر لا يخلّ بأي حال بخصائص الطبيعة البشريّة، فإنه ليس بسبب الغنى نكون كائنات عاقلة وماهرين في كل عمل صالح، بل إن هذه هي خاصية للطبيعة البشرية أن نتمكّن من عمل هذه الأشياء. لذلك كما قلت فإن ” ما هو للغير ” لا يدخل ضمن خصائص طبيعتنا، بل على العكس فمن الواضح أن الغنى إنما هو مُضاف إلينا من الخارج. ولكن ما هو لنا، وخاص بالطبيعة البشريّة هو أن نكون مؤهَّلين لكل عمل صالح، كما يكتب الطوباوي بولس: ” قد خُلقنا لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها” (أف 10:2).
لذلك فعندما يكون البعض غير أمناء ” فيما هو للغير”، أي في تلك الأشياء التي هي مضافة إليهم من الخارج، فكيف سينالون ما هو لهم؟ كيف سيصيرون شركاء الخيرات التي يعطيها الله والتي تزيِّن نفس الإنسان وتطبع فيها جمالاً إلهيًا، يتشكّل فيها روحيًا بواسطة البّر والقداسة، وبتلك الأعمال المستقيمة التي تُعمل في مخافة الله.
لذلك ليت مَنْ يمتلكون منا ثروة أرضية، يفتحون قلوبهم لأولئك الذين هم في احتياج وعوز، ولنظهر أنفسنا أمناء ومُطيعين لوصية الله، وتابعين لمشيئة ربنا في تلك الأشياء التي هي من خارج وليست هي لنا لكي ما ننال ما هو لنا، الذي هو ذلك الجمال المقدس والعجيب، الذي يُشكلِّه الله في نفوس الناس إذ يصوغهم على مثاله، بحسب ما كنا عليه في الأصل.

أما أنه شيء مستحيل لشخص واحد بعينه أن يقسّم ذاته بين متناقضات ويمكنه مع ذلك أن يحيا حياة بلا لوم، فالرب يوضح هذا بقوله: ” لا يقدر خادم أن يخدم سيدين لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يكرم الواحد ويحتقر الآخر” (لو 13:16). وهذا في الواقع مثال واضح وصريح ومناسب جدًّا لشرح الموضوع الذي أمامنا، لأن الذي يترتب على هذا هو خُلاصة المناقشة كلها: ” لأنكم لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”، وهو يقول: لأنه لو كان لإنسان أن يكون خادمًا لسيدّين لهما مشيئتان مختلفتان ومتضادتان، وفكر كل واحد منهما غير قابل للتصالح مع الآخر، فكيف يمكنه أن يرضيّهما كليهما؟ لأنه بسبب كونه منقسمًا في سعيه أن يعمل ما يوافق عليه كل منهما، يكون هو نفسه في تعارض مع مشيئتيهما معًا، وهكذا فإن نفس الشخص يلزمه حتمًا أن يُظهر أنه شرير وصالح، لذلك يقول (الرب)، إنه لو قرَّر أن يكون أمينًا للواحد فإنه سيبغض الآخر، وهكذا سيعتبره طبعًا كلا شيء، لذلك يستحيل أن نخدم الله والمال. فمال الظلم، الذي يُقصَد به الغنى، هو شيء يُسلِّم للشهوانية، وهو معرَّض لكل لوم، ويولِّد الافتخار ومحبة اللّذة، ويجعل الناس غلاظ الرقبة وأصدقاء للأشرار ومتكبِّرين، نعم، أية رذيلة دنيئة لا يسببها في أولئك الذين يمتلكونه؟!
لكن مسرّة الله الصالحة تجعل الناس لطفاء هادئين متواضعين في أفكارهم، طويلي الأناة، رحومين، ولهم صبر نموذجي، غير محبين للربح، غير راغبين في الغنى وقانعين بالقوت والكسوة فقط، ويهربون على الأخص من محبة المال الذي هو أصل لكل الشرور (1تي 10:6)، ويباشرون بفرح الأتعاب لأجل التقوى، ويهربون من محبة اللّذة، ويتحاشون باجتهاد كل شعور بالتعب والكلل في الأعمال الصالحة، ودائمًا يُقدِّرون السعي إلى الحياة باستقامة وممارسة كل اعتدال باعتبار أن هذه الأشياء هي التي تربح لهم المكافأة. هذا هو “ما هو لنا” وما “هو الحق “، هذا هو ما سيسبغه الله على مَنْ يحبون الفقر، ويعرفون كيف يوزعون ـ على من هم في احتياج ـ ” ما هو للغير” ويأتي من الخارج، أي غناهم الذي يُعرَف أيضًا باسم المال. فليتّه يكون بعيًدا عن ذهن كل واحد منا أن نكون عبيدًا له (المال)، لكي بهذا يمكننا بحريّة وبدون عائق أن نحني عنق ذهننا للمسيح مخلّصنا كلنا، الذي به ومعه لله الآب يحق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين أمين.

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مؤلف الرسالة الثانية المدعوة لإكليمندس الروماني – اعداد: lll athenagoras lll

مؤلف الرسالة الثانية المدعوة لإكليمندس الروماني

مؤلف الرسالة الثانية المدعوة لإكليمندس الروماني

ردا على ما جاء في كلام منقذ بخصوص فقرة كليمندس (2 كليمندس 8: 5) وأين تقع في الإنجيل، لنقرأ الفقرة كاملة في الفصل الثامن يقول كاتب العظة:

“لذلك مثلما نحن على الارض دعونا نمارس التوبة لاننا كالطين في يد الصانع. لان الخزاف اذا صنع إناء وشوه أو انكسر في يديه فانه يعيد تشكيله مرة اخرى لكن اذا وضعه في نار الفرن قبل ذلك فلا يوجد سبيل للمساعدة هكذا نحن أيضًا بينما نحن في هذا العالم نتوب من كل قلبنا عن أعمال الشر التي فعلناها في الجسد لكي نخلص بالرب حيث مازلنا نملك فرصة للتوبة لان بعد رحيلنا من العالم فلا توجد قدرة اخرى للاعتراف أو التوبة تنتمي لنا من اجل ذلك أيها الأخوة بعمل مشيئة الآب وبحفظ الجسد مقدسا وبملاحظة وصايا الرب فسنفوز بالحياة الأبدية لان الرب يقول في الإنجيل “اذا لم تحفظوا القليل من سيودعكم الكثير؟” لأني أقول لكم أن الأمين في القليل أمين في الكثير وهذا ما يعنيه “احفظوا الجسد مقدسا والختم نقيا حتى تلاقوا الحياة الأبدية”

ونلاحظ ان الكاتب تحدث في عدة نقاط في هذا الفصل وهي كما يلي: ضرورة ممارسة التوبة واستخدام تشبيه الخزاف والطين وانه لا فرصة للتوبة بعد الموت كما أن الكاتب قد حدد ثلاث نقاط للفوز بالحياة الابدية وهي عمل مشيئة الآب وحفظ الجسد مقدسا وملاحظة وصايا الرب.

كما ان الكاتب قد اعاد صياغة [لوقا 16: 10-12] ” الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير. والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير. فان لم تكونوا امناء في مال الظلم فمن يأتمنكم على الحق. وان لم تكونوا امناء في ما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم.” في اقتباس غير مباشر. ثم أعاد استخدام ما قاله مسبقا في نفس الفصل عن حفظ الجسد مقدسا للفوز بالحياة الأبدية وان هذا ما يعنيه الرب يسوع في انجيل لوقا. ويعتقد البعض ان هذا الاقتباس من كتاب ابوكريفي مجهول لكن هذا يبدو بالاحرى شرحا للكلمات السابقة.

Some have thought this a quotation from an unknown apocryphal book, but it seems rather an explanation of the preceding words” – The Ante-Nicene Fathers Vol. VII

ومن خلال قراءة الفصول السابع عشر والتاسع عشر والعشرين يتضح لنا أن هذا العمل الأدبي هو عظة دينية وليست رسالة. ففي الفصل السابع عشر يقول الكاتب “دعونا لا نفكر في لفت الانتباه ونؤمن فقط الآن حينما نلام من الكهنة ولكن أيضًا عندما نرجع للبيت” يقول لايتفوت “هذا يظهر بوضوح أن هذا العمل الذي أمامنا هو عظة يلقيها الكاهن في الكنيسة” وان الواعظ نفسه أحد الكهنة أو أسقف الإيبارشية. (أباء ما قبل نيقية الجزء السابع).

 The Ante-Nicene Fathers Vol. VII

 

كما أن هذه العظة كانت تقرأ بواسطة الكاتب بصوت مسموع في الصلوات العامة بعد قراءات الكتاب المقدس ففي الفصل التاسع عشر يقول الكاتب “لذلك أيها الأخوة والأخوات بعد ان سمعتم إله الحق اقرأ عليكم استرحاما” وفي ختام الفصل العشرين يقرأ الكاتب “له (الرب يسوع) المجد الى ابد الأبدين آمين” هذه الصلاة الختامية (doxology) تظهر طقسا مبكرا لختم العظات.

 

أما بخصوص شخصية الكاتب ومكان وزمان الكتابة فتتنوع الآراء فيرى لايتفوت إن العظة كتبت في كورنثوس فيما بين (120 – 140م). وان الكاتب هو أحد الكهنة أو ربما الأسقف وان هذه العظة كانت تقرأ مع رسالة كليمندس الأولى من مخطوطة واحدة وكليهما بعنوان “الى أهل كورنثوس” ومن هنا استدل على أن كليهما بيد كليمندس.

 

إن التمايز بين العهد القديم والجديد في الفصل الرابع عشر واستخدام إنجيل المصريين في ختام الفصل الثاني عشر وارتباطا مع الاقتباسات من فقرات العهد الجديد كسلطان إلهي إضافة الى غياب أي إشارة للكتابات الغنوسية تشير الى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي. كل هذه الاعتبارات تقف ضد رؤية هيلجينفيلد الذي يعزي هذه العظة لكليمندس السكندري مفترضا زمن الكتابة بالنصف الثاني من القرن الأول.

 

أما بخصوص شخصية الكاتب فهناك ثلاث فرضيات: الأولى يقف برينيوس وحيدا مفترضا أن كاتب النص هو كليمندس الروماني إلا أن الدليل الداخلي يقف ضد هذه الفرضية حتى أن ترجمة رسالتي كليمندس تشير للقارئ الى مدى الاختلاف في أسلوب الكتابة. الفرضية الثانية يفترض فيها هيلجينفيلد أن الكاتب هو كليمندس السكندري ولكن هذا يعطي تاريخ متأخر جدا للعظة إضافة الى أن أباء الإسكندرية يقفون على نحو بالغ بعيدا عن هذا الإنتاج الواهن. أما الفرضية الثالثة وهي الأكثر قبولا فهي فرضية هارناك ويؤكدها لايتفوت حيث ينسب العظة الى كليمندس آخر قضى حياته متأخرا عن كليمندس الروماني ومبكرا عن كليمندس السكندري.

 

إن التاريخ المبكر جدا لهذه العظة المعروفة بـ “الرسالة الثانية لكليمندس” يجعل اقتباسات وتلميحات هذه العظة من قانون العهد الجديد ذات أهمية كبرى. فهذه العظة تقتبس “يشاء” من رسالة بطرس الثانية و”عتيد أن يموت” من سفر رؤيا يوحنا وإذا كان هذا الاقتباس من رسالة بطرس الأولى مرجحا فتعتبر أحد أقدم الشواهد المبكرة لرسالة بطرس الثانية.

 

 “If this reference to the Second Epistle of Peter be probable, it is one of the earliest testimonies to the genuine character of that Epistle.” – The Ante-Nicene Fathers Vol. VII

 

إن العظة المعروفة بـ “الرسالة الثانية لكليمندس” والباقية من النصف الأول من القرن الثاني الميلادي تزخر بإشارات عن الله الآب وتعرفه بالآب الحقيقي كما في الفصل الثالث “لنصل بواسطته الى معرفة الآب الحقيقي” وفي الفصل الثالث أيضًا تقتبس العظة من إنجيل متى “من يعترف بي قدام الناس اعترف به قدام أبي” [متى 10: 32] وتعرف الآب أيضًا بانه أبو المسيحيين كما في الفصل العاشر “لذلك يا أحبائي لنفعل مشيئة الآب الذي دعانا” وفي الفصل الرابع عشر “فاذا فعلنا مشيئة الله أبينا فسنصير أعضاء الكنيسة الأولى الروحية” (هـ. ب. سويت – كتاب قانون إيمان الرسل وعلاقته بالمسيحية المبكرة).

 

 Swete, H. B. – The Apostles’ creed: Its relation to primitive Christianity.

 

تشير العظة المعروفة بـ “الرسالة الثانية لكليمندس” الى أهمية الإحسان والعطاء ففي الفصل السادس عشر يقول الكاتب “إن الإحسان صالح كالتوبة عن الخطية والصوم أفضل من الصلاة والإحسان أفضل من كليهما الإحسان يستر كثرة من الخطايا” قارن مع [1 بطرس 4: 8]

 

كما تتميز العظة المعروفة بـ “الرسالة الثانية لكليمندس” بوجود التعبير “لكي” في صيغ وتشكيلات تقليدية ففي الفصل الرابع عشر يقول الكاتب “لأنها (الكنيسة) كانت روحية كما هو أيضًا يسوعنا وقد ظهر في نهاية الأيام لكي يخلصنا” قارن مع [1 بطرس 1: 20] (آباء ما قبل نيقية الجزء العاشر).

 The Ante-Nicene Fathers Vol. X

 

تقع العظة المعروفة بـ “الرسالة الثانية لكليمندس” ضمن أعمال أباء الكنيسة المبكرة التي تتضمن تلميحات أو إشارات غير مباشرة الى إنجيل يوحنا ورسائله الثلاث ففي الفصل التاسع يقول الكاتب “كما أن المسيح الرب الذي خلصنا مع انه كان روحا اولا صار جسدا ثم دعانا” قارن مع [يوحنا 1: 14] وفي الفصل السادس يقول الكاتب “من سيكون شفيعنا (paráklētos) إذا لم نوجد عاملين أعمال تقية وصالحة؟” قارن مع [1 يوحنا 2: 1] هذا اللفظ يوحناوي الأصل في العهد الجديد وشاع استخدامه في منتصف القرن الثاني الميلادي. (براون – كتاب رسائل يوحنا).

Brown, R. E. – The Epistles of John

تحتوي المخطوطة القسطنطينية تعود لعام 1170م. ومنسوخة بالخط الصغير والتي اكتشفها برينيوس على النسخة كاملة من النص اليوناني لرسالتي كليمندس بينما تتضمن المخطوطة السكندرية (القرن الخامس الميلادي) على ثلاثة أخماس الرسالة الثانية وقد تم نشر نصي الرسالتين بواسطة المطران برينيوس عام 1875م. أدى هذا الى إصدار عدة تنقيحات بواسطة هيلجينفيلد وهارناك. إلا أن اكتشاف الترجمة السريانية للرسالة الثانية لكليمندس عام 1876م أعطت علماء الأبائيات مادة نقدية وافرة وقد بيعت المخطوطة السريانية التي تتضمن ترجمة لرسالتي كليمندس لمكتبة جامعة كامبردج في نفس العام.

 

وبمقارنة الثلاثة مصادر المخطوطة السكندرية والقسطنطينية والسريانية فإنها تظهر أن المخطوطة السكندرية هي المصدر الأكثر موثوقية والمخطوطة السريانية أكثر صحة من المخطوطة القسطنطينية. فنجد أن السريانية أكثر قيمة في تصحيح التخبطات الواضحة في النسخة اليونانية.

 

أقدم اقتباس مؤكد من العظة المعروفة برسالة كليمندس الثانية يوجد في كلمات يوسابيوس القيصري “يجب أن نعرف انه يوجد رسالة ثانية لكليمندس ولكننا لا نعتبرها جديرة بالمساواة مع السابقة حيث نعرف انه لا احد من القدماء قد استخدمها” العديد من النقاد حاولوا الدفاع عن أصالة الرسالة الثانية لكن الآن تعتبر واحدة من الكتابات العديدة التي نسبت خطأ لكليمندس الروماني. بجانب الدليل الخارجي المشار إليه في كتابات يوسابيوس القيصري فان الاختلاف الواضح في الأسلوب بين الرسالتين يشير الى كاتب مختلف عن كاتب الرسالة الأولى.

 

بالرغم من أن المخطوطة السكندرية تعنون النص كرسالة وتنسبه لكليمندس وبما أن المخطوطة السكندرية تعود للقرن الخامس الميلادي وليس بعد فيتضح تجذر هذه النظرة في الكنيسة ولكن في مجابهة الدليل الداخلي وانعدام كل الشواهد المبكرة فلا تجد الرسالة الثانية فرصة لتأسيس أصالة نسبها لكليمندس الروماني.

مؤلف الرسالة الثانية المدعوة لإكليمندس الروماني

Exit mobile version