التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة

عند القديس أثناسيوس

 

ملخص البحث

هو استعراض لأهم النقاط والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهى في سر التجسد الإلهي عبر كتابات ق. أثناسيوس لمعرفة عمق أسرار التدبير الإلهي والحكمة الإلهية من هذا السر العظيم الذي للتقوى؛ أي ظهور الله بالجسد.

المقدمة

لقد واجه القديس أثناسيوس الرسولى الأريوسيين منكري ألوهية السيد المسيح ومنكري التدبير الإلهي العجيب في سر التجسد الإلهي، لذا هبَّ ق. أثناسيوس للدفاع عن ألوهية السيد المسيح ضد الأريوسيين الهراطقة في العديد من الكتابات التي تعد المرجع الأساسي في فهم عقيدة ألوهية السيد المسيح وتجسد الكلمة، ولقد أظهر ق. أثناسيوس الرسولي جوانب عميقة وسرية في هذا التدبير الإلهي العجيب السري الذي كان مكتومًا منذ الأزل وقبل كل الدهور، وصار معلنًا في شخص الكلمة المتجسد في التاريخ البشري..

وسرد ق. أثناسيوس الخطة الإلهية العجيبة بمنتهى البراعة والحنكة معتمدًا على خبرات إيمانية حية وحقيقية، فصارت كتاباته تعبيرًا عن خبرته الحقيقية والسرية لبركات سر التجسد الإلهي. لقد شرح ق. أثناسيوس عمق أعماق التدبير الإلهي في تجسد الكلمة عبر كتاباته العظيمة، وسنقوم بعمل تحليل وإستنباط لمفاهيم وأسرار التدبير الإلهي للتجسد في كتابات هذا العملاق العظيم ومعيار الأرثوذكسية في كل العصور.

منهجية البحث وإطاره النظري

منهجية البحث هي منهجية تحليلية واستدلالية بالتحليل والاستدلال لكتابات ق. أثناسيوس. سوف أستعرض في هذا البحث النقاط الرئيسة والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية العميقة للتدبير الإلهي في تجسد الكلمة عبر كتابات ق. أثناسيوس، وسأسلط الضوء على رؤية ق. أثناسيوس لسر التدبير الإلهي في تجسد الكلمة، وكيف كانت هذه الرؤية نابعة من خبرة إيمانية حقيقية ودراسة لاهوتية جادة ودقيقية لكتابات الآباء السابقين عليه أمثال ق. ايرينيؤس، والعلامة أوريجينوس، وق. دينسيوس السكندري، والعلامة ثيؤغنستس، وغيرهم.

لقد كان ق. أثناسيوس مرجعاً رئيسياً ومحطة أساسية في الفكر الآبائي المسيحي الممتد من قبله ومن بعده.

إشكالية البحث

هناك العديد من المفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية الخفية والعميقة في التدبير الإلهي لتجسد الكلمة عند ق. أثناسيوس لم تظهر بعد، سنقوم الآن بقدر الإمكان بفحص وتحليل هذه النقاط الخفية والعميقة واستعرضها بأسلوب متخصص ودقيق لإظهار هذه النقاط وتوضيحها في كتابات ق. أثناسيوس.

 فروض وتساؤلات البحث

  1. ما هي المفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهي لتجسد الكلمة في كتابات ق. أثناسيوس؟
  2. ما هي المصطلحات اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية الدقيقة التي استخدمها ق. أثناسيوس للتعبير عن التدبير الإلهي في تجسد الكلمة؟
  3. ما هي الأثار والنتائج المترتبة عن المفاهيم اللاهوتية لسر التجسد الإلهي من منظور ق. أثناسيوس على خلاص البشرية؟

أهداف البحث

  1. دراسة وتحليل أبعاد ومفاهيم التدبير الإلهي لتجسد الكلمة في كتابات ق. أثناسيوس.
  2. محاولة الوصول إلى النقاط الخفية والعميقة في سر التجسد الإلهي في مفهوم ق. أثناسيوس.
  3. تحديد الرؤية اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية والمنهج الاختباري الذي انتهجه ق. أثناسيوس في شرح وعرض المفاهيم الأساسية في التدبير الإلهي لتجسد الكلمة.
  4. توضيح التأثر الكبير للقديس أثناسيوس بالآباء السابقين عليه في صياغة مفاهيمه ورؤيته للتدبير الإلهي لتجسد الكلمة.

أهمية البحث

يُعتبر البحث دراسة آبائية ولاهوتية استقصائية شاملة للمضامين والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهي في التجسد عبر كتابات ق. أثناسيوس الرسولي.

 مصطلحات وتحديدات البحث

التأله θεοποίσις

هو المصطلح اليوناني الذي اعتاد ق. أثناسيوس استخدمه للتعبير عن أسمى بركات سر التدبير الإلهي لتجسد الكلمة ومعناه ”حياة عدم الفساد وعدم الموت“، وهو مفهوم التآله بالنعمة ويختلف تمامًا عن التآله بالطبيعة الخاصة بالله. ولقد استخدمه ق. أثناسيوس في العديد من كتاباته مثل: تجسد الكلمة، ومقالاته ضد الأريوسيين، ودفاعه عن عقيدة مجمع نيقية، وفي رسائله عن الروح القدس لسرابيون الأسقف وغيرها.

الاتحاد الأقنومي ένωσις

هو المصطلح اليوناني الذي استخدمه ق. أثناسيوس في رسالته المشهورة إلى العذارى عن البتولية وفضائلها معبرًا به عن اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح الواحد.

اللوغوس – ساركس λόγος- σάρξ

هي الصيغة الاسكندرانية المعتادة للتعبير عن اتحاد الكلمة بالجسد في المسيح الواحد والمأخوذة من (يو1: 14) ”والكلمة صار جسدًا“، ولقد استخدمها ق. أثناسيوس في العديد من كتاباته للتعبير عن تجسد الكلمة في المسيح الواحد.

التدبير οικονομία

هو المصطلح الذي استخدمه ق. أثناسيوس والعديد من الآباء للتعبير عن مجمل العمل الخلاصي المُقدَّم من الله نحو البشرية، والمُستعلَن من خلال تجسد الكلمة، وحياته على الأرض، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، ومجيئه الثاني، والقيامة العامة للبشرية. ولقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح في العديد من كتاباته للتعبير عن مضمون ومجمل الخلاص المُقدَّم من الله للبشر.

إجراءات البحث

سوف نبدأ في عرض النقاط والمفاهيم اللاهوتية والخريستولوجية والخلاصية للتدبير الإلهي في تجسد الكلمة عبر كتابات ق. أثناسيوس المتنوعة كالتالي:

يتحدث ق. أثناسيوس في ”رسالته الثانية إلى سرابيون الأسقف“ عن أن:

”الخاصية التي تميز الإيمان بالمسيح هي هذه: أن ابن الله هو كلمة الله، لأن ’في البدء كان الكلمة […] وكان الكلمة الله‘ (يو1: 1) وهو حكمة الآب وقوته ’لأن المسيح هو قوة الله وحكمة الله‘ (1كو1: 24). هذا الذي صار إنسانًا في أخر الدهور لأجل خلاصنا، لأن يوحنا نفسه الذي قال ’في البدء كان الكلمة‘ ما لبث بعد قليل أن قال ’والكلمة صار جسدًا‘ (يو1: 14) (اللوغوس-ساركس)، هذا القول يعني أنه قد صار إنسانًا، والرب أيضًا يقول عن نفسه ’لماذا تطلبون أن تقتلونى و أنا الإنسان الذ] قد كلمكم بالحق‘ (يو8: 40).

وبولس الرسول الذي تعلم منه اعتاد أن يقول ’إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان المسيح يسوع‘ (1تي2: 5) فالإنسان الذي كوَّن الأجناس البشرية ودبرها، طرد الموت وأبطله عنا، يجلس الآن عن يمين الآب وهو كائن في الآب والآب كائن فيه، كما كان دائمًا وسيكون إلى الأبد“.[1]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقة خريستولوجية تخص التدبير الإلهي في التجسد؛ وهي أن الكلمة الخالق اتحد بالإنسان ثم ينسب إلى هذا الإنسان المتحد بالكلمة خلق الأجناس البشرية، وتدبيرها، وإبطاله الموت، وجلوسه عن يمين الآب كوسيط بين الله والناس، وأنه كائن في الآب.

لقد جلس الكلمة متحدًا بالإنسان عن يمين الآب صانعًا لنا نحن البشر الطريق والوسيلة للجلوس معه عن يمين الآب، كما يقول معلمنا بولس الرسول: ”وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع“ (أف2: 6). وهذه بركة عظيمة من بركات تجسد الكلمة.

ويفسر ق. أثناسيوس جهل المسيح عن معرفة اليوم والساعة الخاصة بنهاية العالم في نفس ”الرسالة الثانية إلى سرابيون الأسقف“ كالتالي:

”إذ بما أنه قد صار إنسانًا، كما هو مكتوب، فإنه يكون مشابهًا للبشرية تمامًا فى عدم المعرفة، كما في الجوع وغيره من الصفات البشرية (لأنهم لا يعرفون إن لم يسمعوا و يتعلموا) من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يظهر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا: لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يقدم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع وطاهرًا وكاملاً ومقدسًا“.[2]

ويؤكد هنا ق. أثناسيوس ما قلناه في الفقرة السابقة أن المسيح يؤكد على حقيقة تأنسه، واتحاده بالجسد، ويكمل ضعفاتنا في جسده لكي نكون أمام الآب كاملين ومقدسين، وهذا بعد آخر من أبعاد التدبير الإلهي لتجسد الكلمة.

كما يرد ق. أثناسيوس فى ”رسالته إلى أدلفيوس المعترف“ على بدعة نسطور قبل نسطور نفسه بسنوات طويلة، ولكن تعاليم نسطور هي تعاليم قديمة للمدرسة الأنطاكية التي تؤكد على خريستولوجية (الكلمة-الإنسان)، وهي تعاليم ديدور الطرسوسي وثيؤدور الموبسوستي بفصل الكلمة عن الإنسان، فيرد ق. أثناسيوس مؤكداً على وحدة شخص المسيح كالتالي:

”نحن لا نعبد مخلوقًا، حاشا! لأن مثل هذا الضلال إنما هو خاص بالوثنيين والأريوسيين. ولكننا نعبد رب الخليقة كلمة الله المتجسد. لأنه إن كان الجسد نفسه في حد ذاته هو جزء من عالم المخلوقات، إلا أنه صار [جسد الله]. فنحن من ناحية، لا نفصل الجسد عن الكلمة [ضد نسطور]، ونعبد مثل هذا الجسد في حد ذاته، ومن ناحية أخرى، عندما نريد أن نعبد الكلمة، فإننا لا نفصل الكلمة عن الجسد [ضد نسطور]، ولكننا -كما سبق وقلنا- إذ نعرف أن ’الكلمة صار جسدًا‘ (اللوغوس-ساركس) فإننا نعرفه كإله أيضًا، بعد أن صار فى الجسد.

وتبعًا لذلك، فمَّن هو أحمق إلى هذه الدرجة حتى يقول للرب ’انفصل عن الجسد لكى أعبدك‘؟ أو مَن هو عديم التقوى لدرجة أن يقول له مع اليهود الحمقى: ’لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا‘ (يو10: 33). […] (لأن الجسد كان جسده، وكان الكلمة في الجسد)“.[3]

وهنا كما قلت يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة خريستولوجية خطيرة وهي وحدة شخص المسيح الإله والإنسان.

كما يقول ق. أثناسيوس في نفس ”الرسالة إلى أدلفيوس المعترف“ التالي:

”لأن الجسد لم يقلل من مجد الكلمة ، حاشا! بل بالحري فإن الجسد نفسه قد تمجَّد بالكلمة. والابن الكائن في صورة الله، أخذ صورة عبد، وهذا لم ينقص من ألوهيته، بل هو بالحري قد صار بذلك مخلصًا لكل جسد ولكل خليقة. وإن كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة. فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمة عظمى.

لأنه قد صار إنسانًا لكي يؤلهنا في ذاته (التآله). وقد صار جسدًا من امرأة ووُلِد من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا. ولكي نصبح بذلك جنسًا مقدسًا. ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 4)“.[4]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على أن هدف اتحاد الكلمة بالجسد هو تمجيد جسدنا فيه لكي يؤلهنا فنصير في ذاته شركاء الطبيعة الإلهية مقدَّسين، وهذا أسمى وأعلى بركة من بركات تجسد الكلمة.

ويؤكد ق. أثناسيوس على بركات تجسد الكلمة فى نفس ”الرسالة إل أدلفيوس“، حيث يقول التالي:

”إذًا، الكلمة أخذ جسدًا، لأجل تحرير البشر. ولإقامة الجميع من بين الأموات، لكي يصنع فداءً من الخطايا“.[5]

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أنه بتجسد الكلمة صار تحرير البشر، إقامة الجميع من الأموات، الفداء من الخطايا. ويستطرد موبخاً الهراطقة:

”ولا نرغب في أن يصير في الجسد لئلا يصير بهذا الجسد وسيطًا لنا للدخول إليك فنسكن في المنازل التي في السموات. فلتغلق أبواب السماوات، لكيلا يكرس لنا كلمتك الطريق في السماوات بواسطة الحجاب الذي هو جسده. هذه هي الأقوال التي يتفوه بها أولئك الناس بجرأة شيطانية، وهي إدعاءات اخترعوها لأنفسهم نابعة من حقدهم. لأن الذين يرفضون أن يعبدوا الكلمة الصائر جسدًا هم جاحدون لنعمة صيرورته إنسانًا“.[6]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على الكلام السابق بأن الكلمة بتجسده جعل الطريق إلى السماوات مفتوحًا أمامنا لنسكن هناك، والذي يرفضه الهراطقة الجاحدون.

كما يؤكد ق. أثناسيوس قائلاً:

”في الواقع، إن كان الجسد غير منفصل عن الكلمة، ألا يكون من اللازم، أن يتخلى هؤلاء الناس عن ضلالهم“.[7]

تأكيد القديس أثناسيوس على وحدة المسيح كحقيقية خريستولوجية واضحة. حيث يؤكد أيضًا:

”وليعلموا أنه بعبادة الرب في الجسد، فلا نعبد مخلوقًا، بل كما قلنا قبلاً، نعبد الخالق الذى لبس المخلوق“ داحضاً بذلك تعاليم نسطور و أوطاخي. كما يقول أيضًا: ”وإن كان الأمر هكذا فكيف لا ينبغي أن يُعبَد جسد الرب الكلي القداسة والكلي الوقار حقًا، والذي بشر به رئيس الملائكة جبرائيل، لكي يتم تشكيل الجسد من الروح القدس ويصير رداءً للكلمة“.[8]

 وهكذا يدحض هنا تعاليم نسطور وأوطاخي مؤكدًا على حقيقة استمرار الجسد؛ أي الطبيعة البشرية (ضد أوطاخي)، ويؤكد على عدم فصل الجسد عن الكلمة (ضد نسطور).

ويعطي أمثلة على وحدة شخص المسيح، حيث يقول التالي:

”فالكلمة بمد يده الجسدية أقام حماة سمعان التي أخذتها الحمى الشديدة (لو4: 39) وبصراخه بصوت بشري أقام لعازر من بين الأموات (يو11: 43)، مرة أخرى حينما بسط ذراعيه على الصليب، فقد قهر رئيس سلطان الهواء، الذي يعمل في أبناء المعصية (أف2: 2)، وجعل لنا الطريق إلى السموات نقيًا ومفتوحًا“.[9]

ويؤكد ق. أثناسيوس كذلكم على أمر خطير حيث يقول:

”إذًا، الذي يهين الهيكل، فإنما يهين الرب في الهيكل، والذي يفصل الكلمة عن الجسد، إنما يبطل النعمة المعطاة لنا في جسده […] فلا تدعهم يحسبون أنه، بما أن الجسد مخلوق، يكون الكلمة مخلوقًا أيضًا، وكذلك لا تدعهم أيضًا يحتقرون جسد الكلمة (اللوغوس-ساركس) بسبب أن الكلمة غير مخلوق“.[10]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا:

”إننا نعبد ذاك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مساوٍ للجسد بالمثل، بل نعبده كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق صائرًا في مخلوق؛ أي الجسد لكي بعد تحرير كل الأشياء به، يقرب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء التي في السموات أو التي على الأرض. ولذلك نعترف أيضًا بألوهيته التي من الآب ونعبد حضوره المتجسد“.[11]

وبالتالي يعترف ق. أثناسيوس هنا بأنه باتحاد الكلمة بالجسد، أولاً، قرب العالم إلى الآب، ثانيًا، صنع سلام للسمائيين مع الأرضيين، ويعترف بالحضور المتجسد للكلمة الذي ألوهته من الآب؛ مظهرًا ضرورة هذا الاعتراف كسر من أسرار التدبير الإلهي لتجسد الكلمة.

وهكذا يدحض ق. أثناسيوس المزاعم الدوستية عن جسد المسيح الخيالي التي ظهرت في الهرطقات الغنوصية والمانوية، والتي ستظهر بعد ذلك في الهرطقة الأوطاخية؛ حيث يقول في رسالته إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس مُستنكرًا:

”ولكن من أين خرجت هذه الأمور قط؟ وأي عالم سفلي تقيأ القول بأن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟ أو بأن الكلمة قد تحول إلى لحم، وعظام، وشعر، وكل الجسد، وتغير عن طبيعته الخاصة؟ أو مَن سمع في الكنيسة أو من بين المسيحيين على العموم، بأن الرب لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا؟“.[12]

ويستنكر ق. أثناسيوس أيضًا التعاليم النسطورية التي ستأتي بعده، حيث يقول:

”مَن هم إذن هؤلاء الذين تجاسروا هكذا حتى يقولوا بأن المسيح المتألم بالجسد والمصلوب، ليس هو الرب، والمخلص، والإله، وابن الآب. أو كيف يريدون أن يدعوا هؤلاء الذين يقولون بأن الكلمة قد حل على إنسان قديس كما كان يحل على أى واحد من الأنبياء (ضد نسطور)، ولم يصر هو نفسه (الكلمة) إنسانًا باتخاذه الجسد من مريم، ويقولون إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم، وهو ابن الآب من قبل الدهور، هو شخص آخر؟ (ضد نسطور القائل بشخصين في المسيح)“.[13]

ويدحض ق. أثناسيوس هنا تعاليم مدرسة أنطاكية التي كان يمثلها ديدور الطرسوسي، وثيؤدور الموبسوستي، وتلميذهما نسطوريوس بوجود شخصين في المسيح مُستنكرًا هذه التعاليم. حيث يرد قائلاً:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها، جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[14]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقة جسد الكلمة البشري، وسكنى الكلمة في هذا الجسد المنسوب لذاته لكي يعطينا الشركة في لاهوته (التآله)، وهي أسمى وأعلى بركات التدبير الإلهي في التجسد.

كما يرد ق. أثناسيوس على هرطقة أبوليناريوس أسقف لاودكية الذي كان ينادي بالصيغة الاسكندرانية (اللوغوس-ساركس)، ولكن بمعنى خاطئ حيث قال بحلول اللاهوت محل النفس الإنسانية في الكلمة المتجسد، فكأن الكلمة اتحد بالجسد الإنسانى فقط دون النفس الإنسانية، وهذا ما يستنكره ق. أثناسيوس قائلاً:

”إلا أن خلاصنا في واقع الأمر، لا يُعتبر خيالاً، فليس الجسد وحده هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كله من نفس وجسد حقًا، قد صار له الخلاص في الكلمة ذاته“.[15]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقية خريستولوجية خطيرة، وهي أن الخلاص حدث للإنسان كله نفسًا وجسدًا وليس الجسد وحده كما أدَّعى أبوليناريوس، ولقد أتبع الآباء الكبادوك نهج معلمهم ق. أثناسيوس في محاربتهم للهرطقة الأبولينارية خاصةً ق. غريغوريوس النزينزي وق. غريغوريوس النيسي قائلين العبارة الشهيرة: ”بأن الذي لا يُؤخذ لا يُخلَص“، وبأن المسيح لم يأت لخلاص الحيوانات بل الإنسان، مؤكدين على أن مسيح أبوليناريوس بلا عقل، وهذا ما علَّم به أبوليناريوس، وهذا ما دحضه ق. أثناسيوس حيث يقول:

”لأن الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرب إنسانًا“.[16]

ويدحض ق. أثناسيوس أيضًا التعاليم الأوطاخية التي جاءت بعده قائلةً بالجسد السماوي، والوجود الأزلي للجسد مع الكلمة قبل تجسده في ملء الزمان، ولقد كانت هذه أصداء الهرطقة الأبولينارية، فيقول بكل وضوح:

”فإنهم يدينون أنفسهم أولئك الذين يظنون أن الجسد المولود من (مريم) كان موجودًا قبل مريم، وأن الكلمة كانت له نفس بشرية قبلها (قبل مريم)، وأن هذه النفس كانت فيه دائمًا حتى قبل مجيئه“.[17]

ويؤكد على أحد بركات سر التدبير الإلهي في التجسد قائلاً:

”أن الكلمة صار جسداً ليس لأجل إضافة شيء ما إلى اللاهوت، بل من أجل أن ينال الجسد قيامة. ولم يأت الكلمة من مريم ليرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشري.

فكيف إذن يفكرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيء ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشري ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه (الجسد) صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا) فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[18]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على أن الجسد لم يضف شيئًا للكلمة، بل الكلمة أعطى للجسد قيامة باتحاده به، حيث أخذ الجسد عدم الموت (الخلود)، والروحانية، وصار سماويًا، ويفسر هذه الحقيقة بوضوح أكثر فيقول:

”ولكن الجسد نفسه هو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده وإضمحلاله الطبيعي، إذ قد لبس الكلمة الذي يفوق الإنسان هذا الجسد، فصار الجسد غير فاسد وغير مضمحل“.[19]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة خريستولوجية خطيرة جدًا وضرورية جدًا فى الخلاص حيث يقول:

”لأن ما تألم به هذا الجسد يُعتبر أن الكلمة قد تألم به .لأن هذه هى الآلام الخلاصية المحيية التى تألم بها الكلمة ذاته فى جسده ليحيى و يخلص بها الإنسان المائت“.[20]

ويشرح ق. أثناسيوس في ”الدفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية“ تدبير تجسد الكلمة فيقول:

”أن الرب بينما هو موجود دومًا، وأخيرًا تأنس في ملء الزمان، وبينما هو ابن الله، صار ابنًا للإنسان أيضًا. وأما فيما يخص الهدف، سيُفهَم أن الرب إذ كان يريد أن يبطل موتنا، اتخذ لنفسه جسدًا من العذراء مريم، لكي بتقديم هذا إلى الآب ذبيحة عن الجميع، يخلصنا جميعًا، نحن الذين خوفًا من الموت، كنا كل حياتنا تحت العبودية (عب2: 15). وأما عن الشخصية، فهي بالتأكيد شخصية المخلص، لكن قيلت عنه عندما أتخذ لنفسه جسدًا، وقال: ’الرب قناني أول طرقه من قبل أعماله‘ (أم8: 22 ).

فكما يخص ابن الله بلياقة أن يكون أزلي وفي حضن الآب، كذلك عند تأنسه لاقت به الكلمات ’الرب خلقني‘ إذ عندئذ تُقال عنه مثلما يُقال عنه أيضًا أنه جاع، وعطش، وسأل أين يرقد لعازر، وتألم، وقام ثانيةً. […] وإذا أردنا أن نعرف الهدف الذي يتحقق من وراء هذا، سنجد أنه كما يلي: إن الكلمة تجسَّد ليقدم هذا الجسد عن الجميع، ونحن عندما نشترك في روحه (أي الروح القدس)، يمكن أن نتقدس، وهي عطية لم نكن لننالها بأية طريقة أخرى إلا بأن يكتسي هو بجسدنا المخلوق.

لذلك نأخذ اسمنا ’أناس الله‘ و ’أناس في المسيح‘ لكن كما أننا بنوالنا الروح القدس لا نفقد جوهرنا الخاص بنا، كذلك الرب عندما تأنس لأجلنا وحمل جسدًا، ظل إله كما هو، لأن حجاب الجسد لم ينتقص منه، بل بالحري هو ألَّهه (التآله) وجعله غير مائت“.[21]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على عدة حقائق هامة في تدبير تجسد الكلمة، أولاً، تجسَّد الكلمة ليقدم جسده عن الجميع، ثانيًا، منحنا بتجسده الشركة في روحه؛ أي الروح القدس لتقديسنا، وهذه العطية لا نستطيع الحصول عليها من دون تجسد الكلمة، واكتسائه أو لبسه جسدنا المخلوق.

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على خصوصية وعمومية جسد الكلمة في نفس الوقت، فالجسد الخاص بالكلمة هو جسدنا أيضًا؛ أي جسد البشرية المفتداة في الكلمة المتجسد، ثالثًا، صرنا نُدعَى أناس الله وأناس في المسيح بعد تجسده المبارك؛ أي صرنا كائنات إلهية في الكلمة المتجسد، ولكن بالرغم من الحلول الأقنومي للروح القدس فينا، لم نفقد جوهرنا البشري الخاص، مثلما ظل الرب إلهًا فى الجسد بالرغم من تجسده، بل بتجسده ألَّه الجسد وجعله أبديًا.

ويؤكد ق. أثناسيوس في نفس الدفاع على أنه:

”إذ بهذا الابن صنع الآب كل الأشياء، ومدَّ عنايته الإلهية لتشمل سائر الأشياء، وبه يمارس محبته للإنسان، وهكذا ’هو والآب واحد‘، الآب يمارس محبته للإنسان، ويصنع ويدبر جميع الأشياء بالابن بحسب وحدة الجوهر، الآب أعلن محبته وعنايته بالإنسان بالكلمة المتجسد الذي أعلن محبة وتدبير وعناية الله الآب للبشر فيه“.[22]

كما يؤكد ق. أثناسيوس في نفس السياق أيضًا:

”لأن جميع الأشياء المبتدأة تشترك فيه (في الكلمة) كما تشترك في الروح القدس“.[23]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على شركتنا في الكلمة والروح القدس، وبالنتيجة الشركة مع الآب؛ أي شركة الإنسان مع الثالوث القدوس التي تحققت من خلال تجسد الكلمة وسكنى الروح القدس فينا.

وهكذا يؤكد ق. أثناسيوس في نفس الدفاع على حقيقة خلاصية مهمة جدًا:

”لأنه قد أمرنا أن نعتمد، ليس باسم غير المبتدئ والمبتدئ، وليس باسم المخلوق وغير المخلوق، بل باسم الآب والابن والروح القدس، إذ بمثل هذا الطقس نصير نحن أيضًا أبناء فعلاً، وباستخدام اسم ’الآب‘، نعترف بهذه الطريقة بالكلمة الذي في الآب.

لكن إن كان يريد أن ندعو أباه أبانا، فيجب ألا نعتبر أنفسنا مساويين للآب بحسب الطبيعة بسبب ذلك، إذ بسبب الابن ندعو نحن الآب هكذا. فإذ قد حمل الكلمة جسدنا وحل فينا، لذلك -لأن الكلمة حل فينا- يُدعَى الله أبانا. لأن روح الكلمة الذي فينا يدعو أباه هو أب لنا، وهذا ما كان يعنيه الرسول عندما يقول: ’أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا: يا آبا الآب‘ (غلا4: 6)“.[24]

حيث يشدد ق. أثناسيوس هنا على عدة حقائق خلاصية وهي: أننا نصير أبناءً للآب بطقس المعمودية على اسم الثالوث، حيث ندعو آب الكلمة أبانا لا بحسب الطبيعة، بل بالنعمة والتبني، مقرين ومعترفين بحلول الكلمة فينا بروحه القدوس الذي يصرخ فينا للآب قائلاً: أبانا، يا لا عمق وغنى النعمة الإلهية التي أعطانا سر التدبير الإلهي بتجسد الكلمة، فقد صار آب الكلمة أبونا، وصرت أجسادنا مقدسة بروحه القدوس الساكن فينا بأقنومه صارخًا بنا وفينا لله أبونا.

ويفسر ق. أثناسيوس قول الرب، ”أنا الكرمة وأبي الكرَّام، وأنتم الأغصان“ (يو15: 1) في سياق دفاعه عن القديس ديونيسيوس السكندري ضد الأريوسيين كالتالي:

”حين قال المخلص: ’أنا الكرمة وأنتم الأغصان، وأبى الكرَّام‘، لأننا مرتبطون به بحسب الجسد، ولهذا قال: ’أخبر باسمك إخوتي‘ (عب2: 12؛ مز22: 22). وكما أن الأغصان هي من الكرمة ولها نفس جوهرها، وهكذا فإن أجسادنا هي مثل جسد الرب تمامًا، و ’تأخذ من ملئه‘ (يو1: 16)، وهذا الجسد هو أساس قيامتنا وخلاصنا.

لكن قد دُعِي الآب بالكرام، لأنه هو الذي يغرس الكرمة بكلمته، و يعني بالكرمة هنا ناسوت المخلص، وهو الذي أعد لنا الطريق إلى الملكوت بواسطة كلمته الذاتي، ’ولا يستطيع أحد أن يأتي إلى الابن إلا مَن يجتذبه الآب‘ (يو6: 44) […] على أن المقصود هنا هو الكرمة، لأنه عندما أخذ هذا الجسد من مريم العذراء لكي يقدمه عنا، […] وسجدت الأمم للمسيح ومن خلاله عرفوا الآب. ولأن الكلمة أتى في شكل الكرمة فلذلك دُعِي بالكرمة بسبب صلته بالأغصان؛ أي بنا جسديًا“.[25]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقة جسد الكلمة أنه مثل جسدنا تمامًا، وأننا نأخذ من ملء النعمة الإلهية في أجسادنا، وأن هذا الجسد الإلهي هو أساس قيامتنا وخلاصنا، وأن ناسوت المسيح هو الذي فتح الطريق أمامنا إلى الملكوت من خلال عمل الآب الخلاصي الذي أتمه بكلمته الذاتي في الجسد، وأن المؤمنين بالابن هم مَنْ يجتذبهم الآب، وقد قدم الكلمة جسده المأخوذ من العذراء مريم عنا، وأنه بتجسد الكلمة عرفت الأمم الآب، وسجدت للمسيح ربًا وإلهًا.

ويتحدث ق. أثناسيوس عن الرابطة غير القابلة للإنقسام بين اللوغوس والعذارى في رسالته ”إلى العذارى“، حيث يقول التالي:

”فكم بالحري إذا جمع اللوغوس العذارى، فينبغي أن تصير مثل هذه الرابطة غير القابلة للفصام ولا الموت“.[26]

ويشدد ق. أثناسيوس على هذه الرابطة الطوباوية مشيرًا إلى الأفكار الخلاصية الحقيقية النابعة من هذه الرابطة، قائلاً التالي:

”فإنه من هذه الرابطة الطوباوية تخرج أفكار حقيقية غير مائتة للخلاص“.[27]

ويضيف أيضًا:

”وإن كان من المستحيل أن يتحد الإنسان بالله، إلا إنه هو الذى جعل هذا ممكنًا أن يحدث ، بأن صار إنسانًا“.[28]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على رابطة الاتحاد غير المنفصل بين الله والإنسان في اللوغوس المتجسد، ويضيف ق. أثناسيوس بعدًا جديدًا لأبعاد سر التدبير الإلهي لتجسد الكلمة فيقول التالي:

”والآن عريسكن هو الله وابن الله الوحيد، وهو كلمة (لوغوس) الآب، وحكمته، وقوته؛ لأنه هو وأباه واحد، وهو صورة الآب ومماثل له من كل وجه، وهو الكائن حسب جوهر الآب. […] وفي أخر الزمن ولكي يبطل الخطية، صار من العذراء مريم، متخذًا منها جسدًا، وصار إنسانًا. لذلك، فقد قيل عنه أنه خُلِقَ، بالرغم من أنه هو الخالق.

ولكنه اتخذ الجسد الذي تبرر، لكي يسلم ذلك الجسد للموت، لكي يعتق كل الذين كانوا يعيشون كل زمان حياتهم في خوف الموت، خاضعين للعبودية“.[29]

ويضفي ق. أثناسيوس هنا بعدًا جديدًا للتدبير الإلهي، حيث البتول هي عروس الكلمة المتجسد الذي جاء ليبطل الخطية، ويبرر الجسد، ويعتق الذين يرزحون تحت عبودية الموت، ويتحدث ق. أثناسيوس هنا عن اتحاد الإنسان بالله في المسيح، وبالتالي تكون بركات هذا الاتحاد هي كما يستطرد قائلاً:

”والآن، إذًا، هذا هو الذي أنتن ملتصقات، وعنده ماكثات، ومعه ساهرات، وله متفرغات، وهو يكيفكن في كل أمر. فلا تتلكن على سواه، لأنه يتكفا بسماعكن حين تصلين، ويشفكن حين تمرضن، وكذلك ينقذكن ممَّن يتآمرن عليكن، ويخلصكن حين تكن في خطر. لأنه هو الذي أعان بطرس حين كاد يغرق في لجة البحر، وهو الذي رد الشيطان الذي يريد التآمر على التلاميذ.

فإذًا، وأنتن تملكنه في أفئدتكن، لن تعثرن في أفكار قلوبكن. لأن نورًا حاضرًا عندكن بشأن وصاياه، وأنتن تنفذنها، وسوف ترثن التطويب في ملكوت السموات“.[30]

يعطي الكلمة المتجسد العريس السماوى هنا لعروسه النفس البشرية، أو الكنيسة في صورة المرأة المُتبتلة المُلتصقة به، الماكثة معه، الساهرة معه، الكفاية في كل شيء. حيث يسمعها في الصلاة، يشفيها من الأمراض، يعطيها المعونة، ينقذها من مؤمرات إبليس.

ويشرح ق. أثناسيوس أبعاد لاهوتية أخرى في كتابه المنسوب إليه ”تجسد ربنا يسوع المسيح“ للرد على تعاليم أبوليناريوس الهرطوقية، فيقول:

”لأن الرب أختبر الألم وهو في الجسد، وكشف عن لحمه وعظامه، ونفسه الإنسانية التي تألمت، وعانت الأحزان والضيقات. ولايمكن لأحد أن يدّعى بأن آلام الناسوت هي أمور عادية وطبيعية بالنسبة للاهوت ولكنها صارت تُنسَب للاهوت، لأن الكلمة سُر أن يُولَد ميلادًا إنسانيًا؛ لكي يعيد خلق الإنسان من جديد في ذاته، صائرًا صورة ومثال التجديد لكي تشترك فيه صنعة يديه التى فسدت بالشر والفساد والموت.

فأزال من على الأرض حكم الخطية، وعلى خشبة الصليب أزال اللعنة، وفي القبر افتدى الفاسد، وفي الجحيم أباد الموت. وهكذا افتقد كل مكان وكل حالة، لكي يؤسس خلاص الإنسان كله، ويعلن بذلك صورة جديدة لطبيعتنا“.[31]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على ناسوتية المسيح الكاملة وضرورة ذلك في تدبير الخلاص لإعادة خلق الإنسان في ذاته من جديد، لكي يكون الكلمة بتجسده صورة ومثال التجديد للإنسان في جسده، حيث قد أزال حكم الخطية واللعنة على الصليب، افتدى الفاسد وأباد الموت في الجحيم، ويضيف أيضًا:

”فكيف حُسِبَ الرب في عداد الموتى وهو في الجحيم؟ إنه لم يذهب الجحيم بجسده، بل ذهب الجحيم ليبشر النفوس التي كانت في سلاسل العبودية، وذهب وبشر بصورة إنسانيته التي لم تخضع لسلطان الموت، بل غلبت الموت ودحرته. وهكذا كان حاضرًا مع الموتى لكي يصور أساس القيامة، ويحطم السلاسل التي كانت تربط النفوس الأسيرة في الجحيم.

وهكذا أعلن أنه خالق الإنسان ومصوره، والذي حكم على الإنسان بالموت، جاء وبحضوره في الصورة الإنسانية، وبإرادته وحده، حرَّر الإنسان من حكم الموت، لأن الموت لم يستطع أن يقوى على نفس المسيح الإنسانية التي اتحدت باللوغوس، بل عجز الموت أن يستعبدها، ولا استطاع الفساد أن يذلها أو يأسرها. ومع أن الموت فصل النفس عن الجسد، إلا أن الفساد لن يتجاسر على أن يقترب من أيهما، لأن كل الذي حدث إنما كان تحت السيطرة الإلهية وعنايتها. وأي فكر يخالف ذلك ضلال“.[32]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على فكرة ”المسيح المُنتصر“ (خريستوس فيكتور) الذي انتصر على الموت وقوات الجحيم، وفك أسر الأرواح التي في الجحيم بنفسه الإنسانية المُتحِدة بلاهوته.

ويؤكد ق. أثناسيوس فى ”رسالته الأولى إلى سرابيون الأسقف“ في سياق حديثه عن الروح القدس المُعطَى للبشر بعد تجسد الكلمة في المعمودية كإحدى بركات التدبير الإلهي كالتالي:

”فأي روح آخر أخذه هؤلاء غير الروح القدس الذي يُعطَى للذين يؤمنون ويُولَدون ثانيةً بغسل الميلاد الثاني. […] لأن لوقا قد سبق وقال: ’ولما اعتمد الشعب اعتمد يسوع أيضًا وإذ كان يصلي، انفتحت السماء، ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة‘ (لو3: 21: 22). وواضح هنا، أنه عندما يقول الروح فالمقصود هو الروح القدس.

وهكذا أيضًا حيث يكون الروح القدس مع البشر. حتى وإن ذكرت كلمة الروح بدون أية إضافة، فليس هناك شك أنها تعني الروح القدس وعلى الأخص، عندما تُذكَر الكلمة مُقترنة بأداة التعريف“.[33]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على حقيقية الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر كإحدى بركات التدبير الإلهي في تجسد الكلمة، وأننا ننال الروح القدس في المعمودية.

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقية توحيدنا مع الآب من خلال الابن بحلول الروح فينا، وتتميم كمالنا الخاص به كالتالي:

”لكي يكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله (أي كل تعليم عن الله)، ويتمم كمالنا الخاص الذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أوصى تلاميذه: ’اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس‘ (مت28: 19)“.[34]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على حقيقة توحيدنا مع الآب والابن بالروح القدس قائلاً:

”فإنه لم يوحّدنا معه ومع الآب بواسطة مخلوق، بل بواسطة الروح القدس“.[35]

ويتحدث أيضًا عن سكنى الله فينا بالروح القدس قائلاً:

”وحينما يُعطَى لنا الروح القدس كقول المخلص: ’اقبلوا الروح القدس‘، يقيم الله فينا، لأنه هكذا كتب يوحنا: ’إن أحب بعضنا بعضًا فالله يقيم فينا، بهذا نعرف أننا نقيم فيه وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه‘ (1يو4: 12، 13). وحيث أن الله يوجد فينا، يكون الابن أيضًا فينا. لأن الابن نفسه قال: ’الآب وأنا نأتي ونصنع عنده منزلاً‘ (يو14: 23)“.[36]

ويستطرد ق. أثناسيوس مؤكدًا على سكنى الثالوث داخلنا بسكنى الروح القدس فينا، حيث يقول:

”فإن كان أحد يسأل ويبحث أيضًا قائلاً: كيف حيث يوجد الروح فينا، يُقال أن الابن فينا؟ وحينما يكون الابن فينا فكيف يُقال إن الآب فينا؟ وعندما يكون الثالوث حقًا ثالوثًا، فكيف يُفهَم أنه واحد. أو لماذا حينما يكون أحد أقانيم الثالوث فينا، يُقال إن الثالوث موجود فينا؟ فعلى السائل أن يفصل أولاً الشعاع عن النور، أو يفصل الحكمة عن الحكيم، أو فليخبرنا كيف تكون هذه الأمور؟ ولكن إن كانت هذه الأمور مستحيلة الحدوث، فتوجيه مثل هذه الاسئلة عن الله يكون جرأة جنونية، لأن الألوهة لا تُسلَّم لنا ببراهين كلامية، بل بالإيمان مع التفكير بتقوى ووقار“.[37]

ويؤكد ق. أثناسيوس أنه بسكنى الروح القدس في البشر يصيرون شركاء الله كالتالي:

”فإنه يُقال عنا إننا ’شركاء الله‘ لأنه يقول: ’أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟ إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله، لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هو‘ (1كو3: 16، 17). فلو كان الروح القدس مخلوقًا، لما كان لنا اشتراك في الله بواسطته.

فإن كنا قد اتحدنا بمخلوق فإننا غرباء عن الطبيعة الإلهية، حيث أننا لم نشترك فيها. أما الآن فلكوننا نُدعَى شركاء المسيح وشركاء الله، فهذا يوضح أن المسحة والختم الذي فينا، ليس من طبيعة المخلوقات بل من طبيعة الابن، الذي يوحدنا بالآب بواسطة الروح الذي فيه […] وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون (التآله). وإن كان يؤله البشر، فلا ينبغي الشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[38]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا بكل وضوح على أن سكنى الروح القدس بأقنومه في البشر هو بركة من بركات سر التدبير الإلهي لتجسد الكلمة، وبناءً عليه يصير لنا التآله بالنعمة، وشركة الطبيعة الإلهية، وسكنى الثالوث القدوس فينا. يا لها من بركات ونعم عميقة وغنية جدًا؛ تلك التي نلناها من تجسد الكلمة.

ويشرح ق. أثناسيوس في ”الرسالة الفصحية الأولى“ أبعاد جديدة للتدبير الإلهي في التجسد، وأهمها البعد الشفائي الخلاصي، حيث يقول:

”فإن إله الكل، خالق الأوقات والأزمنة، الذي يعرف أحوالنا أكثر مما نعرفها، وكطبيب صالح، يحثنا على الطاعة في الوقت المناسب، وهو الوقت الوحيد المناسب لشفائنا (أي ملء زماننا). لهذا فهو أيضًا قد أرسل ابنه في الوقت المناسب، وليس في أي وقت، قائلاً: ’في وقت مقبول استجبتك وفي يوم خلاصك أعنتك‘ (إش 49: 8)؟“.[39]

وكما قلنا، يؤكد ق. أثناسيوس هنا على البعد الشفائي لتدبير الخلاص، فالابن تجسد كطبيب صالح في الوقت المناسب لشفائنا من الخطايا، ثم يضيف ق. أثناسيوس بعدًا آخر لسر التجسد، حيث يقول:

”وكما أن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الخبز السماوي، هو طعام القديسين، كما قال في إنجيل يوحنا: ’إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي […]‘ (يو6: 53). هكذا الشيطان هو طعام الدنسين، والذين لا يفعلون شيئًا مما هو النور، بل يقومون بأعمال الظلمة“.[40]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على اتحادنا وتغذيتنا بالرب مخلصنا؛ الخبز السماوي، في سر الأفخارستيا، والبعد عن طعام إبليس وهو الشر وأعمال الظلمة، ويشدد على نفس النقطة قائلاً:

”وهكذا يا أحبائي، فإذ تغذت نفوسنا بالطعام الإلهي ’بالكلمة‘، وبحسب مشيئة الله، وصمنا جسديًا عن الأمور الخارجية، فإننا نحفظ هذا العيد الخلاصي كما يليق بنا“.[41]

وهكذا يؤكد ق. أثناسيوس هنا على تغذيتنا واتحاد نفوسنا بالكلمة في سر الأفخارستيا، وأننا بالصوم جسديًا عن الماديات ننال بركات التدبير الإلهي والعيد الخلاصي؛ أي قيامة ربنا من الأموات وقيامتنا معه من موت الخطية.

ويعطي ق. أثناسيوس بعدًا خلاصيًا آخر في ”الرسالة الفصحية الرابعة“، حين يقول:

”فلا نقترب إلى عيد كهذا بثياب رثة، بل لتلتحف عقولنا بثياب نقية. فنحن نحتاج أن نلبس ربنا يسوع في هذا العيد، لكي نستطيع أن نحتفل بالعيد معه. ونحن نلبسه الآن عندما نحب الفضيلة ونبغض الشر، وعندما ندرب أنفسنا على الاعتدال ونكبح شهواتنا، عندما نحب البر أكثر من الإثم، عندما نكرم القناعة ونكون ناضحين في الفكر. حينما لا ننسى الفقير، بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نعين الضعفاء، ونبغض الكبرياء“.[42]

ويطلب ق. أثناسيوس هنا من كل واحد فينا أن نلبس المسيح؛ أي نتحد به، من خلال محبة الفضيلة وبغض الشر، والتدريب على الاعتدال، وكبح الشهوات، ومحبة البر أكثر من الإثم، وبالقناعة، والنضوج الفكري، والعطف على الفقراء، ومحبة الإنسانية جمعاء، وإعانة الضعفاء، وبغض الكبرياء.

كما يؤكد ق. أثناسيوس في ”الرسالة الفصحية الخامسة“ على الاشتراك باستعداد والتناول باستحقاق من الأسرار المقدسة في القداسات بنقاوة اليد وطهارة الجسد، وحفظ العقل من الشر، وعدم الإسراف في الشهوات، بل الإنشغال الكلي بالرب وتعاليمه الإلهية، لنكون طاهرين بالكامل، لأنه بذلك تتحقق شركة الكلمة كالتالي:

”لذلك ليتنا لا نتقدم لمجرد إتمام طقوس عيد الفصح، بل لنستعد للاقتراب من الحمل الإلهي ولكي نلمس الطعام السماوي. لننق أيدينا، ولنطهر الجسد. لنحفظ عقولنا كليًا من الخداع غير مسلمين أنفسنا للإسراف في الشراب والشهوات، بل منشغلين بكليتنا بربنا وبالتعاليم الإلهية، حتى إن كنا طاهرين بالكامل، نستطيع أن نكون شركاء الكلمة“.[43]

ويشرح ق. أثناسيوس بشكلٍ مجملٍ بركات التجسد الإلهي في رسالته ”إلى أساقفة مصر و ليبيا“، حيث يقول:

”إن التعاليم والمواهب التي أودعها الرب فينا لهي كثيرة، وتسمو على الفكر البشري، مثل: رسم المواطنة السماوية، القدرة على محاربة الشياطين، التبني؛ النعمة الفريدة والفائقة لكل عظمة، معرفة الآب واللوغوس نفسه، وأيضًا عطية الروح القدس. ولكن مال عقل الإنسان إلى الشر بإفراط، فضلاً عن أن الشيطان عدونا لما كان يحسدنا على تلك العطايا العظيمة، شرع طالبًا أن يغتصب بذار اللوغوس التى زُرَعت فينا“.[44]

ويؤكد ق. أثناسيوس على أن إبليس أراد إغتصاب بذار اللوغوس المزروعة فينا، لذا ينصحنا ق. أثناسيوس في عظته ”حول آلام الرب وصليبه“ قائلاً:

”لكي يجاهدوا ضد الشيطان، حتى ينالوا بذار اللوغوس نقية من الأشواك“.[45]

ويؤكد ق. أثناسيوس على فكرة ”المسيح المنتصر“ لحسابنا على الشيطان قائلاً في نفس العظة:

”لأن رب الصباؤوت كما يقول إشعياء النبي، قد طارد التنين، الحية القديمة، الشيطان الذي رحل، لذلك تحديدًا أخذ الرب ترياقه منه، حتى أنه بإضعاف الشيطان بأسلحته، يتقوى البشر بأسلحة الرب“.[46]

ويقارن في نفس العظة بين أساليب الشيطان في الحرب على المسيح، وأساليب المسيح في مواجهته والقضاء عليه قائلاً:

”لكن هذا المسلك قد أتى بنتيجة عكس ما أراده (إبليس). لأنه عندما نشط بين أولئك الذين كانوا يصرخون ضد المخلص، تجاهل أو لم يفهم، بأن صمت الرب كان المقاوم له. ومن حيث تحريضه لبيلاطس، لم يفهم، أنه بهذا، أثار الشجاعة، وبينما حرك الجنود ليجلدوا الرب، إلا أنه أنخدع وأخطأ، لأن الرب أظهر غفرانه تجاه جلاديه.

وأخيرًا، أثار البلبلة في نفوس الناس ضد المخلص، ولم ير أنه سلح الفضيلة في مواجهة الشر ’يا لها من حرب روحية شديدة خاضها مخلصنا الصالح مع هذا العدو اللئيم وأنتصر الرب فيها لا بالقوة، بل بالبر والفضيلة، وأعطنا سلاح البر والفضيلة لننتصر به على إبليس وتجاربه الشنيعة‘“.[47]

ويرسم ق. أثناسيوس لوحة فنية غاية في الروعة والجمال للانتصار العظيم للكلمة المتجسد على إبليس بالصليب لحسابنا، حيث يقول:

”لأنه كان يجب على المنتصر الذي سحق الشيطان، ألا يسمح لأي أحد آخر برفع هذه الراية، بل أن يمسكها هو نفسه. وأخذ من هؤلاء الثوب الأرجواني مع الراية، متجهًا نحو الموت، لكي يخلعه مع الموت […] أتى سريعًا إلى المكان الذي كان ينبغي أن يصعد فيه على الصليب، لكي يُسمَّر عليه، حتى يمزق الصك المكتوب علينا من قبل العدو. وبعدما جرَّد الرؤساء والسلاطين، وظفر بهم جهارًا على الصليب، أنتصر عليهم، ورد الإنسان، وأنتزعه من فم الأسد سالمًا“.[48]

نحمدك ونشكرك إلهنا القدير الذي جعلنا بموته ننتصر على قوات الشر الروحية، جعلنا نظفر بهم بموته بنا على الصليب وبقيامته بنا من الموت.

ويستعرض ق. أثناسيوس أسباب التدبير الإلهي لتجسد الكلمة في كتابه ”تجسد الكلمة“ كالتالي:

1- فساد الإنسان واختراعه للشر:

لقد خلق الله الإنسان لكي يعيش في غير فساد، أما الإنسان بسبب فساد تفكيره أبتعد عن الخير بإرادته وأبتدع الشر فحُكَم عليه بالفناء والعدم، كما خلقه الله من العدم يعود إلى العدم بحسب طبيعته، فكان ممكن للإنسان أن يقاوم الفناء ويعيش للأبد لو أبقى نفسه في معرفة الله، ويعيش للأبد في عدم فساد كمايقول الكتاب المقدس (مز7)، و (حك 2)، و (مز 82)، ”الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله على صورة أزليته لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم“، وبدأ الفساد يسود عليهم أقوى من سيادته الطبيعية نتيجة عصيان الوصية .

2- استفحال الشر في البشر:

رؤية الله لشر البشر المفرط، فلم يقفوا عند حد معين من الخطية، بل ظلوا يتوغلوا فى الظلم والخطية، حتى أصبحوا نهمين في فعل الشر، وصار كل واحد يتنافس مع الآخر في اختراع وفعل الشر، كما ذكر القديس بولس الرسول: ”لأن أناثهم أستبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور تاركين استعمال الأنثى الطبيعي أشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكور بذكورٍ ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق“ ( رو 1 : 26 ،27).

3- إنقاذ البشرية من الفناء والهلاك:

لئلا تفنى الخليقة ويتلاشى عمل الله، فقد كان الجنس البشري سائر نحو الهلاك وصورة الله فيه سائرة إلى التلاشي، لأن الموت صارت له سيادة شرعية علينا، لأن الله الذي وضعه بسبب التعدى على الوصية.

 

 

4- إعلان صلاح الله:

من غير اللائق أن يبطل الناموس قبل أن ينفذ، ولأنه من غير اللائق أن يظهر الله أبو الحق كاذبًا من أجلنا، ويتنازل عن كلمته بأن يتعدى الإنسان الوصية ولا يموت، وسيصبح الله وقتها غير صادق وغير متمسك بكلمته.

5- إظهار قوة الله:

أو أن يهلك الإنسان الذي كان له شركة مع الله ويفشل قصد الله بسبب غواية الشياطين للبشر وإهمالهم. كلا الأمرين السابقين ضد صلاح الله وضد سبب خلقه الإنسان ودليل على ضعف الله لا على صلاحه.

6- فشل التوبة في تغيير طبيعة الإنسان الفاسدة:

ولايمكن أن الله يدعو البشر للتوبة عن تعدياتهم فهذا لايليق بالله، لأن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله، ولاتقدر أن تغير طبيعة الإنسان القابلة للفساد بالموت بسبب تعديه الوصية، لا يستطيع أن يعيد الإنسان إلى النعمة وحالته الأولى إلا الكلمة؛ الله القادر أن ياتي بالفاسد إلى عدم الفساد، ويصون صدق الله، فهو كلمة الآب وفوق الكل وشفيعًا عن الكل لدى الآب.

7- إعلان محبة الله:

ليظهر محبته لنا ويفتقدنا لأجل ذلك نزل الكلمة كلمة الله الغير المادي، الغير الفاني، الغير الجسدي، المالىء الكل إلى عالمنا رحمةً لجنسنا، وإشفاقًا على ضعفنا، وتراءفًا على فسادنا.

8- عجز الخليقة عن معرفة خالقها:

العجز الكبير في قدرة المخلوقات على إدراك خالقها، فالله غير مخلوق، وروح لا جسد له، أما البشر كائنات مخلوقة من العدم في جسد أرضي من التراب، لذلك الله بسبب صلاحه، تحنن على البشر، ولم يتركهم بعيدًا عن معرفته، حتى لايكون وجودهم في الحياة بلا هدف أو منفعة، فأية منفعة للمخلوقات لو لم تعرف خالقها؟

وكيف تكون مخلوقات عاقلة ولا تعرف كلمة الآب الذي به خُلِقوا؟ فلن يمتازوا عن الحيوانات غير العاقلة، ولماذا خلقهم الله لو لم يكن يريد لهم أن يعرفوه؟ ولهذا عندما يروا كلمة الآب يصلوا عن طريقه إلى معرفة الآب، ويعرفون خالقهم فيحيون حياة حقيقية سعيدة.

9- إعلان الله عن ذاته للبشر في ابنه المتجسد:

لقد أعلن الله ذاته للبشر بطرق وأشكال كثيرة من خلال الناموس والانبياء، فالناموس لم يكن لليهود فقط، بل للمسكونة كلها ليعرفوا الله، وبالرغم من ذلك أنغمس البشر في شهواتهم وضلالاتهم وغوايات إبليس، وتمردوا على الله، ولم يكترثوا بالنعمة المعطاة لهم، ورفضوا الله كليةً، وأخترعوا أوثانًا كثيرةً، وعبدوا المخلوق دون الخالق (رو 1: 25)

عبدوا الحيوانات والكائنات المخلوقة والأشياء المادية كالحجر والخشب، بل ولجحودهم عبدوا الشياطين، وقدموا لها محرقات حيوانية وذبائح بشرية، وتعلموا أعمال السحر والتنجيم، وأصبح الله وحده وكلمته غير معروفين للبشر، لقد حُجِبت معرفة الاله الحقيقي بسبب غواية الشيطان في كل مكان، وصار البشر كحيوانات غير عاقلة.

10- تجديد الخليقة على صورة الله الأصلية:

كان لابد من تجديد الخليقة مرةً أخرى، لكي يستطيع البشر أن يعرفوا الله مرةً أخرى، وذلك مستحيل أن يتم بواسطة البشر، لأنهم مثال الصورة وليسوا الصورة نفسها، ولا بواسطة الملائكة لأنهم ليسوا صورة الله، لذلك آتى كلمة الله صورة الآب غير المنظور ليجدد خلقة الإنسان، ويبيد الموت والفساد، فكان من اللائق أن يأخذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت ليبيد فيه الموت، ويجدد خلقة الإنسان الذي خلقه على صورته.

11- عجز البشر عن مقاومة إبليس بأنفسهم:

لم يكن يستطيع الإنسان أن يطوف المسكونة كلها لكي يعرف عن الآب، فلا يستطيع البشر من تلقاء أنفسهم مقاومة غواية وحيل الأرواح الشريرة، فقد ضلوا جميعًا بأنفسهم بغواية الأرواح الشريرة والأوثان، فكيف لهم أن يغيروا نفوس وعقول الآخرين وهم عاجزون عن معرفة العقل والنفس؟ والخليقة ليست كافية، لأنها كانت موجودة بالفعل ومع ذلك سقط البشر في الشرور والضلال عن الله.

 

 

12- الحاجة إلى كلمة الله الخالق:

كانت الحاجة إلى كلمة الله الذي يعرف العقل والنفس، والمحرك لكل الخليقة، لأن يأخذ جسدًا شبيهًا بجسد البشر، حتى الذين لايعترفوا به بواسطة أعمال الخليقة وسلطانه على كل شيء أن يبصروا الأعمال التي عملها بجسده على الأرض، ويعرفون الآب من خلال الكلمة المتجسد.

13– غرق البشر في الماديات وعجزهم عن إدراك الروحيات:

لأن البشر يفهمون كل شيء بطريقة بشرية حسية مادية، يستخدمون أحساساتهم لتفسير الأفعال، هنا تنازل الله لمستواهم وفكرهم ليعلمهم الأمور ببساطة، فأخذ جسدًا لنفسه، ومشى كإنسان بين البشر ليجذب أحاسيس البشر نحوه، وليدركوا الحق عن طريق جسده وعن طريقه يعرفون الآب، فإذا نظروا الخليقة يرونها تعترف للمسيح ربًا…

وإذا عبدوا البشر كآلهة فلم يقم بين البشر قط أي عمل من أعمال كلمة الله، وإذا عبدوا الشياطين، فيرون كلمة الله يطردها فيعترفون بألوهيته، وإذا عبدوا الأبطال المائتة في أشعارهم يكذبونهم، عندما يرون قيامة المخلص الذي له سلطان على الموت، فبتجسده، وموته، وقيامته أظهر أعمال فاقت أعمال الذين سبقوه من البشر.[49]

يجيب ق. أثناسيوس على عدة أسئلة مهمة جدًا في كتابه ”تجسد الكلمة“: هل كان كلمة الله محصورًا في الجسد؟ وهل كان العالم محرومًا من أعمال قدرته أثناء تجسده؟ وهل كان هناك مكان آخر خاليًا منه؟ وكيف كان في الجسد ويدير الكون كله؟

يرد القديس أثناسيوس أن هذا هو السر العجيب بينما كان يتصرف كإنسان كان ككلمة الله الذي يحيي كل الأشياء وكابن كائن مع أبيه، لذلك عند ولادته من العذراء لم يتدنس بحلوله في الجسد بل قدس الجسد، ولم يعتريه أي تغير من جهة طبيعته الإلهية، ورغم وجوده في كل الأشياء، لم يستمد منها شيئًا، بل كل الأشياء تستمد منه الحياة وتعتمد عليه في بقائها، كالشمس لا تتدنس عندما تلمس أشعتها الأجسام الأرضية، ولا تفقد نورها بسبب ظلمة الأجسام، بل بالعكس تنيرها وتطهرها..

فبالأولى كلمة الله كلي القداسة خالق الشمس، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل لكونه عديم الفساد أحيا الجسد المائت وطهَّره، وهو الكلمة الذي لا يحويه شيء وهو يحوي كل الأشياء، فكونه حاضرًا في كل جزء من الخليقة بقدرته فهو خارج كل شىء بجوهره، ضابطًا كل شيء، وسيادته على كل شيء، وواهبًا الحياة لكل شيء، وهو كائن كليةً في أبيه وحده، وصار معروفًا بأعماله في الجسد وفي نفس الوقت ظاهرًا بأعماله في الكون كله.

ويؤكد القديس أثناسيوس أن عمل النفس هو إدراك الأشياء الخارجة عن جسدها بأفكارها، ولاتعمل خارج نطاق جسدها، ولا تحرك الأشياء البعيدة عن جسدها، أو تنقلها بمجرد التفكير فيها، أما كلمة الله فلم يكن كذلك في جسده البشري لم يكن مقيدًا بالجسد، بل يستخدمه، ولم يوجد في جسده فقط، بل في كل شيء.

وبعدما عجز البشر عن أن يدركوا الله في عنايته بالكون ومن أعماله في الخليقة فبمشاهدتهم أعماله في الجسد يستردوا بصيرتهم ويعرفوا الآب عن طريقه، فمَّن يرى سلطانه على الأرواح النجسة وأعترافها بأنه سيدها، ويساوره الشك بعد ذلك في أنه هو ابن الله وحكمته وقوته؟ فقد جعل الخليقة تخرج عن صمتها، فالشمس توارت، والأرض تزلزلت، والجبال تشققت، وأرتعب كل البشر، جميع هذه الأمور أوضحت أن المصلوب هو الله، وأن الخليقة كلها خاضعة له كعبد، وهكذا أظهر الله الكلمة نفسه للبشر بأعماله.[50]

ويرد القديس أثناسيوس أيضًا على سؤال: كيف يكون الله ويأكل ويشرب ويُولَد؟ وكيف أظهرت أعمال السيد المسيح بالجسد للإنسان قوة كلمة الله وقدرته؟

فيقول: أنه عندما يتحدث الكتاب عن أنه يأكل، ويشرب، وأنه وُلد، فإنه يقصد الجسد كجسد يُولَد، ويقتات بالطعام، أما كلمة الله المُتحد بالجسد، فإنه يضبط كل الأشياء وكل أعماله في الجسد تظهر أنه الله الكلمة المتجسد، أما الأمور الجسدية تُذكَر عنه لتؤكد أنه جسد الرب نفسه جسدًا حقيقيًا لا خيالياً كتعاليم فالنتينوس وماركيون والمونارخيين وليس جسد أحد آخر.

حيث بواسطة الأمور الجسدية عُرِفَ حضوره جسديًا، أما بواسطة أعماله المعجزية في الجسد أعلن نفسه أنه ابن الله، فلا يستطيع إنسان أن يعمل أعماله في الجسد، كما أنه هو غير منظور يعرف من أعماله في الخليقة..

كذلك أيضًا عندما تأنس أمر الأرواح الشريرة بالخروج فكانت تخرج في الحال، وشفى الأمراض التي يخضع لها الجنس البشري، وطرد منه كل مرض وكل ضعف، وفتح عيني المولود أعمى، وكوَّن لنفسه جسدًا من عذراء وحدها من دون رجل، وتغييره طبيعة المياه إلى خمر، ومشى على البحر كسيد له، وأشبع خمسة آلاف نفس من خمسة أرغفة وسمكتين شبعوا وفضل عنهم الكثير، كل هذه الأعمال وغيرها برهانًا على سلطانه على كل الأشياء، وأنه المُعتني بالجميع ورب جميع الأجساد وسيد تكوين البشر.[51]

ويستعرض ق. أثناسيوس أيضًا في كتابه ”تجسد الكلمة“ النتائج المترتبة على التدبير الإلهي لتجسد الكلمة كالتالي:

1- القضاء على سلطان الموت في جسد الكلمة:

ولأنه أخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا أستنفذ سلطان الموت في جسده، فلم يعد للموت سلطان على أجسادنا، كما يؤكد الرسول بولس ذلك ”فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، أشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت؛ أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية“ (عب 2 : 14-15).

2- إعطاء الخلود وعدم الفساد للبشر:

أعاد البشر الفاسدين بالمعصية إلى عدم فساد، وأحياهم في جسده الخاص وبنعمة قيامته بدَّد الموت كما تبيد النار القش.

3- إيقاف فساد الجنس البشري:

أدرك الكلمة أنه لا يمكن أن يوقف الفساد إلا بالموت، فأخذ جسدًا قابلاً للموت، وبإتحاد الكلمة بالجسد أصبح نائبًا عن البشرية كلها، وإشتراك الجسد في عدم موت الكلمة أوقف فساد الجنس البشري بنعمة القيامة من الأموات.

4- الانتصار على الموت بذبيحة جسده عنا:

ولكونه فوق الجميع، جعل جسده ذبيحةً لأجل الجميع، ولكونه واحدًا معنا ألبسنا عدم الموت، كالملك عندما يسكن في أحد البيوت، فيجعل المدينة كلها عظيمة مُكرَّمة، فلايجرؤ عدو أن يدخل إليها، وتكون جديرة بالعناية والأهمية بسبب سكنى الملك في أحد بيوتها، كذلك لو لم يكن رب الكل ومخلص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حدًا للوت.

5- إبطال الموت والفساد:

إن كلمة الآب كلي الصلاح لم يتخل عن الجنس البشري الذي خلقه، ولم يتركه إلى الفناء، بل أبطل الموت بتقديم جسده الخاص، ثم قوَّم إهمال البشر بالتعاليم، وبقوته أصلح أحوالهم، كالملك الذي ينتقم من اللصوص الذين أستولوا على مدينة أسَّسها، بغض النظر عن إهمال أهلها، لأنها صنعة يديه فبالأكثر كلمة الآب.

وبذلك الله الكلمة نفسه وليس سواه بتجسده وحده لايقدر أحد غيره أن يسترد البشر من الفساد غير الذي خلقهم في البداية، كمايقول الرسول بولس: ”لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام“ (عب 2: 10).

6- وضع بداية جديدة للبشرية بقيامة المخلص:

بذبيحته قد وضع نهايةً لناموس الموت القائم ضدنا وبدايةً جديدةً لنا برجاء القيامة، ”فإنه إذا الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات“ (1كو 15 :21).

فلانموت بعد كمُدانيين، بل سنقوم من الموت في القيامة العامة التي وهبنا الله إياها. إذ قد مات مخلص الجميع نيابةً عنا، فنحن المؤمنين بالمسيح لن نموت بحكم الموت بحسب الناموس، لأن الحكم قد أُبطِلَ، وبما أن الفساد قد اُبطِل وأُبيد بنعمة القيامة، وبهذا نموت في الوقت الذي حدَّده الله، لكي ننال قيامة أفضل كالبذور التي تُلقَى في الأرض، هكذا نحن لانفنى بالموت، بل نزرع في الأرض لنقوم ثانيةً، فقد أُبيد الموت بنعمة قيامة المخلص.[52]

ويشرح ق. أثناسيوس أسباب موت المسيح على الصليب مؤكدًا أن الموت على الصليب هو حقًا عمل إلهي ولائق بلاهوت الكلمة لأسباب كثيرة، وهي:

1- لإظهار قوة الله في إعطاء الحياة والشفاء للجميع:

الموت الذي يصيب البشر بسبب ضعف طبيعتهم، حيث يموتون في الميعاد المحدَّد حينما تنتابهم الأمراض فيمرضون ويموتون، أما الرب فهو ليس ضعيفًا، بل هو قوة الله، وهو الحياة عينها، فلم يكن لائقًا أن يمرض ويضعف ذلك الجسد الذي به قوى وشفى أمراض وضعفات الآخرين، فلا يصدق المرء أنه كان يشفي أمراض الآخرين، وقد تعرض جسده الخاص للمرض.

2- إعلان موته النيابي عن البشرية كلها:

لو كان مات في مكان خاص وعلى فراش كما يموت البشر، فيظن الناس أنه ذاق الموت بسبب ضعف طبيعته، وبالتالي ما يميِّزه عن سائر البشر، أما وهو الحياة وكلمة الله كان لابد أن يموت نيابةً عن الجميع.

3- لإظهار قوته على هزيمة الموت وعدم الخوف منه:

لم يكن لائقًا بكلمة الله وهو الحياة أن يوقع الموت على جسده بنفسه، كذلك لم يكن لائقًا أن يهرب من الموت الذي يوقعه اليهود عليه، بل بالأحرى يتعقبه ليقضي عليه، ولهذا السبب لم يسلم جسده من نفسه، كما لم يهرب من مؤمرات اليهود.

فالموت على الصليب لم يظهر الكلمة ضعيفًا، بل بيَّن أنه المخلص وهو الحياة، إذ أنتظر أن يأتيه الموت ليبيده، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به، إذ هو الحياة لا موت فيه قَبِلَ في الجسد الموت الآتي من البشر، لكي يبيده عندما يلتقي به في جسده، وعجَّل بإتمام موته لأجل خلاص الجميع.

4- كبرهان على القيامة العامة أمام الجميع:

كان الرب مهتمًا بقيامة الجسد ليتمِّمها كدليل أمام الجميع على انتصاره على الموت، ولكي يؤكد للجميع زوال الفساد، وأنه منح أجسادهم عدم الفساد، وكضمان وبرهان على القيامة العامة المُعدة للجميع حفظ جسده من دون فساد.

 

 

5- كدليل قاطع على موته الحقيقي وقيامته الحقيقية:

ولو لم يكن به مرض أو جوع، وأفترضنا أنه قام بإخفاء جسده في أي مكان، ثم بعد ذلك ظهر فجأةً وأعلن قيامته من الأموات، لظن الجميع أنه يتكلم بكلام هذيان، لأنه لم يكن هناك أي شاهد على موته، فالموت لابد أن يسبق القيامة فلو كان موته سرًا في أي مكان، ولم يكن الموت ظاهرًا أمام شهود، لكانت قيامته أيضًا مخفية لا دليل عليها.

6- إظهار أعمال الله في الموت والقيامة:

لماذا يجعل موته سرًا، إن كان بعدما قام أعلن قيامته جهارًا، وطرد الشياطين أمام الجميع، وشفى المولود أعمى، وحوَّل الماء إلى خمر ليؤمن الجميع أنه كلمة الله بواسطة معجزاته، ومنها عدم فساد جسده الذي كان قابلاً للموت، لكي يؤمن الجميع أنه هو الحياة.

7- إعطاء التلاميذ والرسل البرهان القاطع على موته وقيامته عند الكرازة:

كيف يكون لتلاميذه الجسارة أن يعلنوا قيامته دون قولهم بموته أولاً؟ وكيف يصدق أحد قولهم إن الموت حدث أولاً ثم القيامة لو لم يكن شهود على موته بين الذين يكلمونهم؟ فرغم أن موته وقيامته حدثا أمام الجميع مع ذلك لم يؤمن الفريسيون، وأجبروا الذين رأوا القيامة أن ينكروها، فلو أن هذه الأمور حدثت سرًا، فما أكثر الحجج التي سيخترعونها ليبرِّروا عدم إيمانهم.

8- رد الشبهات حول موته وقيامته في مختلف العصور:

لو لم يكن مات على الصليب لأعطى فرصة للتشكك في شخصه، وكأنه لايقوى على كل أشكال الموت، بل فقط الموت الذي أختاره بنفسه، ولكانت هذه حجة لعدم الإيمان بالقيامة، وهكذا أتى الموت بمشورة أعدائه وليس بتدبيره، حتى أن أي شكل من أشكال الموت يأتون به إلى المخلص يبيده كليةً، كالمصارع العظيم الشجاع أي مصارع يضعونه أمامه ينتصر عليه، فيؤمنون أنه فاق الجميع، وبذلك حوَّل هذا الموت المرعب المهين إلى علامة النصرة على الموت ذاته.

9- الموت على صليب يجعله لعنة لأجلنا:

لقد جاء ليحمل اللعنة الموضعة علينا فكيف يصير لعنةً من دون موت اللعنة على الصليب، لأنه مكتوب ”ملعون كل مَن عُلِّق على خشبة“ (أف 2: 14).

10- توحيد اليهود والأمم بالصليب:

مات المسيح فديةً عن الجميع ناقضاً ”حائط السياج المتوسط“ (أف2 :14)، وصارت الدعوة للأمم، لأنه على الصليب وحده يموت باسطًا ذراعيه، لكي بأحدهما يجتذب الشعب القديم (اليهود) وبالذراع الآخر يجتذب الأمم، ويوحِّد الاثنين في شخصه، وأشار إلى الصليب كوسيلة الفداء، إذ قال: ”وأنا إن أرتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع“ (يو12: 32).

11- هزيمة الشيطان في مركز سيادته وسلطانه:

إن الشيطان عدو جنسنا لما سقط من السماء، وصار يجول في أجوائنا السفلية متسلطًا على الأرواح الأخرى المماثلة له في المعصية، يعوق الذين يرتفعون إلى فوق، كمايقول الرسول بولس عنه: ”حسب رئيس سلطان الهواء الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية“ (أف2: 2). فجاء الرب ليطرح الشيطان إلى أسفل، ويطهِّر الهواء، ويعد لنا الطريق إلى السماء، لذلك تم الموت على الصليب مُعلقًا في الهواء ليتمم ذلك.

12- شهادة الطبيعة كلها على موت خالقها:

لأنه على الصليب لم يجعل نفسه مختفيًا، بل بالحري جعل الطبيعة تشهد لحضور خالقها، ولم يدع جسده يظل طويلاً ميتًا، بل بعد أن أظهر احتكاك جسده بالموت، أقامه حالاً في اليوم الثالث حاملاً عدم الفساد وعدم التألم في جسده كعلامة الظفر والانتصار على الموت.[53]

ثم يشرح ق. أثناسيوس أسباب القيامة في اليوم الثالث كالتالي:

1- لإثبات حقيقة موته واضحة أمام الكل:

لقد كان يستطيع أن يقيم جسده بعد الموت مباشرةً، ولكن المخلص بحكمةٍ وبعد نظر لم يظهر قيامته في الحال، حتى لا يقول أحدهم أنه لم يمت بالمرة، أو أن الموت لم يلمسه كاملةً.

2- لإثبات مجد عدم فساد جسده:

لكي يظهر مجد عدم فساد جسده أمام الجميع ولكي يتأكد موت الجسد أقامه في اليوم الثالث.

3- دحض الشك باليقين:

لو أنه أقام الجسد بعد ثلاثة أيام فقد يشك فيه، كأنه أستبدل جسده بجسد آخر، لأن الإنسان بمرور الزمن يشك فيما سبق أن رآه وينسى ماقد حدث فعلاً.

 

 

4- منع اليأس عن تلاميذه:

كما أنه لم يترك الذين سبق وأخبرهم بالقيامة معلقين لفترة طويلة، بينما لازالت أقواله ترن في آذانهم وعيونهم في حالة توقع وعقولهم حائرة معلقة.

5- إعلان قيامته بشهود كثيرين:

إذ كان الذين قتلوه مازالوا أحياء على الأرض في نفس المكان، ويمكن أن يشهدوا بموت جسد الرب، وقد أتضح للجميع أن الجسد قد مات، ليس بسبب أي ضعف في طبيعة الكلمة الذي أتحد بالجسد، بل لكي يُباد في الجسد بقوة المخلص.[54]

يسرد ق. أثناسيوس في كتابه ”تجسد الكلمة“ أدلة وبراهين نصرة المسيح على الموت بموته وقيامته كالتالي:

1- إزدراء تلاميذ المسيح بالموت:

ويواجهون الموت بقوة ولم يعودوا يخشونه، بل بعلامة الصليب وبالإيمان بالمسيح يطأونه كميت، فالموت قد أُبيد وصار الصليب هو الغلبة عليه، والموت لم يعد له سلطان، بل قد مات حقًا.

2- يقين المؤمنين في قيامة رب المجد من الموت:

حيث قديمًا قبل مجيء المخلص كان الموت مرعبًا حتى بالنسبة للقديسين، وكان الجميع ينوحون على الاموات كأنهم هلكوا، أما الآن بعد قيامة المخلص لم يعد الموت مخيفًا، لأن جميع المؤمنين بالمسيح يدوسونه كأنه لاشيء، بل بالحري يفضِّلون الموت عن إنكار إيمانهم بالمسيح، لأنهم متيقنون حينما يموتون فهم لايفنون، بل يحيون عن طريق القيامة، ويصيرون عديمي الفساد.

3- إندفاع المسيحيين نحو الاستشهاد:

فرح الشيطان قديمًا بموت الإنسان، أما الآن وقد نُقِضَت أوجاع الموت، فالوحيد الذي يبقى ميتًا هو الشيطان، والبرهان؛ الناس قبل الإيمان بالمسيح كانوا يرون الموت مفزعًا، وبعد إيمانهم بالمسيح وتعاليمه، صاروا يحتقرون الموت، ويندفعون نحوه بحماس، ويصبحون شهودًا للقيامة، بينما يزالون صغار السن يدرِّبون أنفسهم بجهادات ضد الموت رجالاً، ونساءً، وأطفالاً، وشبانًا، وشابات، فقد صار الشيطان ضعيفًا حتى أن النساء اللواتي انخدعن منه قديمًا، صرن يسخرن منه كميت عديم الحركة..

فإنهم يدوسونه وفي شهادتهم للمسيح يهزأون ويسخرون منه مردِّدين: ”أين غلبتك ياموت؟ أين شوكتك يا هاوية؟“ (هو 13: 14).

4- إيمان المشككين والمستهزئين بموت الرب وقيامته:

لأن كثيرين ممَّن كانوا فيما مضى متشككين ومستهزئين قد آمنوا فيما بعد، وهكذا أحتقروا الموت لدرجة أنهم صاروا شهداءً لأجل المسيح، لأنه ليس أحد آخر سوى المسيح نفسه غلب الوت، وأنتصر عليه كما أن الشمس تشرق بعد الليل وتنير الأرض كله، هكذا أيضًا الموت قد أحتُقِرَ ووُطِيء تحت أقدام المخلص على الصليب.

5- انتشار الكرازة بالمسيح في المسكونة كلها:

لأنه عندما يكون المرء ميتًا، لايستطيع فعل شيء، وهل يمكن لشخص ميت أن ينخس ضمائر الآخرين، حتى يرفضون نواميس آبائهم الموروثة، أما المسيح يعمل الآن بقوة بين البشر، ولايزال كل يوم بكيفية غير منظورة، يقنع الجموع الغفيرة من كل المسكونة للإيمان به وبتعاليمه، فمَّن يتطرق لذهنه الشك أن المخلص قد أتم القيامة بقيامته وأنه حي بل هو نفسه الحياة؟

6- تغيُّر المؤمنين بالمسيح للأفضل:

كيف أستطاع أن يجعل الزاني يكف عن الزنا، والقاتل عن القتل، والظالم عن الظلم، ويصير الكافر تقيًا، ولو أنه لم يقم فكيف يحطِّم تلك الآلهة الكاذبة التي يدَّعي غير المؤمنين أنها حية؟ وكيف يطرد الأرواح الشريرة التي يعبدونها؟ لأنه حيث يُذكر اسم المسيح تتلاشى كل عبادة وثنية، وتنفضح كل أضاليل الأرواح الشريرة، وهذا مستحيل أن يكون عمل شخص ميت، بل هو عمل شخص حي، وبالأحرى عمل الله.

7- إعلان عجز الشياطين الكاذبة:

إعلان الشياطين عجزهم عن طرد المسيح وإيقاف انتشار تعاليمه، مما يثبت ألوهية المسيح.

8- إعلان عجز الفلسفة اليونانية وحكمائها:

أعلنت الفلسفة اليونانية وحكماؤها عجزها عن أن تجذب البشر لحياة الفضيلة، مثلما فعل الإيمان بالمسيح.

9- وضوح البرهان على قيامة المسيح كوضوح الشمس:

إن كانوا لايصدقون أنه قام بسبب أنه لم يكن منظورًا بعد القيامة، فيلزمهم أن ينكروا ما يخص الطبيعة الإلهية ذاتها أنها غير منظورة، ولكن يُعرف الله بأعماله، إن كان الأعمى يشعر بحرارة الشمس رغم أنه لايراها، فيعرف أنه توجد شمس على الأرض، هكذا أيضًا مقاومونا لا يزالون عميانًا عن رؤية الحق، فإنهم على الأقل يعرفون قوته في المؤمنين به، فلا ينكروا ألوهية المسيح وقيامته.

10- اعتراف الشياطين بالرب وشهادة أعماله:

فمن الواضح أن المخلص قد أقام جسده، وأنه هو ابن الله المولود من الآب، وكلمته، وحكمته، وأنه اتخذ جسدًا لأجل خلاص الجميع، وعلَّم العالم عن الآب، وأبطل الموت، ووهب عدم الفساد للجميع بوعد القيامة، إذ قد قام كباكورة للراقدين مظهرًا الصليب كعلامة الغلبة على الموت والفساد.[55]

كما يشرح ق. أثناسيوس أبعادًا أخرى في سر التدبير الإلهي في المقالة الأولى من كتابه ”ضد الأريوسيين“، حيث يقول التالي:

”وبما أن الكلمة وهو صورة الآب، وهو غير مائت، قد اتخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده لأجلنا.

لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقال عنه أنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدنا مجدًا عاليًا، مُقامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السموات، ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقة، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب9: 24).

فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحديث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك، تكون هذه الرفعة الحالية، قد كُتِبت أيضًا من أجلنا نحن“.[56]

حيث يؤكد ق. أثناسيوس هنا على وجودنا الكياني في المسيح أثناء معاناة الكلمة للموت كإنسان من أجلنا، وتقديمه لذاته نيابةً عنا، وكأننا بموت المسيح قد متنا معه جميعًا، نحن البشر، وبقيامته قومنا معه من بين الأموات، وبصعوده إلى السماوات صعدنا معه إلى السماوات، وبتمجيده ورفعته للجسد نلنا المجد العالي والرفعة الحالية، لأننا جلسنا عن يمين الآب مع المسيح وفي المسيح المتحد بجسدنا اتحادًا أبديًا دون إنفصال

 وهكذا سنظل معه وبه في حضن الآب، يا له من غنى وسمو ومجد قد أعطاه الكلمة لنا بتجسده لأجلنا.

وهكذا يوضح القديس أثناسيوس في المقالة الثانية من مقالاته ”ضد الأريوسيين“ جوانب أخرى من سر التدبير الإلهي في التجسد، فنراه في تفسيره لآية ”كونه أمينًا للذي أقامه“ يقول التالي:

هكذا عندما أراد الآب أن تُقدَّم فديةً عن الجميع، و تُعطَى النعمة للكل، أخذ الكلمة جسدًا من العذراء مريم ليقدم ذاته للآب، ويطهِّرنا من الخطايا، ويقيمنا من الأموات، فالرب بعد التجسد لم يصر شخصًا آخر، بل ظل كما هو قبل التجسد، وقد صارالكلمة إنسانًا لتقديس الجسد، ودُعِيَ أخًا لنا“.[57]

وبالتالي يوضح ق. أثناسيوس هنا أن الفداء تم بإرادة إلهية لتطهير خطايانا، وإقامتنا من الأموات، وتقديس الجسد بتجسده، وهذا هو مفهوم الفدية عند القديس أثناسيوس، وعلى العكس من مفهومها في اللاهوت المدرسي والبروتستنانتي.

يُفسِّر القديس أثناسيوس فقرة (أم8: 22) في سياق شرح التدبير الإلهي لخلاص البشرية بتجسد الكلمة، حيث يقول التالي:

”إن الابن كما لو كان يقول: ’الآب هيأ لي جسدًا‘ (عب10: 5)، وخلقني للبشر لأجل خلاصهم، فعندما نسمع ’صار لعنةً لأجلنا‘ (غلا3: 13)، و’جعل الذي لم يعرف خطية، خطيةً لأجلنا‘ (2كو5: 21)، فلا نفهم أنه لعنة وخطية، بل حمل لعنتنا، ومثلما قال إشعياء: ’حمل خطايانا‘ (إش 53: 4)“.[58]

ويوضح ق. أثناسيوس هنا خلقة الآب للجسد الذي اتحد به الكلمة بالروح القدس لخلاص البشر، وأنه قد صار لعنةً وخطيةً لأجلنا، لأنه حمل خطايانا وهو القدوس البار بلا خطية.

ثم يستطرد ق. أثناسيوس قائلاً:

”واضح إن بيت الحكمة هو جسدنا الذي أتخذه الكلمة وصار إنسانًا، فالكلمة تحدَّث من خلال سليمان مشيرًا لناسوته وتدبير خلاصنا“.[59]

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على أزلية التدبير الإلهي في التجسد، وإنه كان في خطة الله الأزلية لخلاص البشرية من الفساد والموت، حيث يقول:

”وقوله ’خلقني من أجل الأعمال‘ بمعنى أن الأعمال كانت موجودة قبل تجسده من أجلها، فإنه عندما أخذ صورة عبد ولبس الجسد المخلوق“.[60]

ويؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على الحاجة الماسة لتجديدنا؛ لذا يقول:

”لكنه أُرسِلَ لأجل الأعمال وتدبير التجسد لأجل خلاصنا، لأنه قبل خلق الأعمال كان الابن كائن دائمًا، وصارت الحاجة ماسة لتدبير إصلاحها“.[61]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة تجديد الخليقة وإعادة خلقتها بتجسد الكلمة، لأنه هو خالقنا والمسئول عن تجديدنا كخليقته كالتالي:

”فقدَّم الكلمة ذاته وصار مشابهًا للأعمال، كقول إشعياء: ’والآن هكذا يقول الرب الذي جبلني من الرحم لأكون له عبدًا لأرجع إليه يعقوب وإسرائيل، وسأجتمع إليه وأتمجَّد أمام الرب‘ (إش49: 5)، وهنا لفظ ’جبل‘ مثل لفظ ’خلق‘ تأتي بعد وجود الكلمة، والأسباط التي لأجلها جُبِلَ كانت موجودة والأعمال التي من أجلها ’خُلِقَ‘ كانت موجودة.

إذًا، كلمات مثل: خلق، وجبل، وأقام لها نفس المعنى وهو التجديد لأجلنا كعمل خير منه وليس أن جوهره مخلوق فهو كائن قبل الأشياء’قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن‘ (يو8: 58)، ’ولما هيأ السموات كنت أنا موجودًا هناك معه‘ (أم8: 27)، وبالتالي الجبل يعني بداية تأنسه لتجميع أسباط إسرائيل، لذا لفظ ’خلق‘ لاتعني بداية وجوده، بل لأن الكلمة هو خالقنا فهو المتكفل بتجديدنا“.[62]

ويشرح ق. أثناسيوس سبب تأنس الكلمة أيضًا، حيث يقول:

”فكان سبب تأنس المخلص من أجل الشهادة للحق، وليقاسي الموت، وليقيم البشر، ’لأنه لم يرسل الله ابنه ليدين العالم بل ليخلص به العالم‘ (يو3: 17)، فالمخلص لم يأت لأجل ذاته، بل ليدين الخطية، ويبطل الموت ويخلصنا، فهو إذًا لم ’يُخلِقَ‘.

الكلمة رغم أنه خالق احتمل لقب المخلوقين الخاص بنا نحن المخلوقين بواسطته، ليكون لنا في داخلنا لا خارجنا كما لو كنا نقبل منه التعليم كمعلِّم، وبالتالي لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل ظلت ملتصقة به، لذلك قال: ’الرب خلقني‘ ليطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسكناه ونحصل نحن على فكر حر من الخطية“.[63]

ويعدِّد ق. أثناسيوس هنا أسباب التدبير الإلهي وهي من أجل الشهادة للحق، ولمقاساة الموت، ولإقامة البشر، ولإدانة الخطية، ولإبطال الموت والخلاص، فاحتمل لأجلنا لقب المخلوق، لكي بسكناه داخلنا مؤكدًا على وجوده الكياني الداخلي فينا لكي ما نحصل على فكر نقي طاهر بعيد عن الخطية.

يستطرد ق. أثناسيوس شارحًا الفرق بين الولادة بالطبيعة والولادة بالتبني والنعمة كإحدى بركات سر التدبير الإلهي في التجسد قائلاً:

”فإن الله دعا البشر أبناءً لأنه ولدهم كقوله ’ولدت بنينًا ونشأتهم‘ (إش1: 2)، و’أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله أي المؤمنين باسمه‘ (يو1: 12)، لفظ ’يصيروا‘ تعني بحسب النعمة وليس بالطبيعة، فهذه محبة الله للبشر أنه صار لهم أبًا بحسب النعمة، فلايقدرون أن يصيروا أبناءً إلا بقبول الابن الحقيقي حسب الطبيعة، وليحدث هذا ’صار الكلمة جسدًا‘ ليجعل الإنسان قادرًا على تقبل الألوهية ’روح ابنه في قلوبهم صارخًا: يا أبانا الآب‘ (غل4: 6)،..

وفي ملاخي ’أ لم يخلقكم إله واحد؟ أليس لكم أب واحد‘ (مل1: 2)، وضع لفظ’خلق‘ قبل ’أب‘ لإثبات أننا مخلوقات بحسب طبيعتنا..

وبعدما خلقنا الله بواسطة الكلمة جعلنا أبناءً، وصار الله أبونا، فالآب هو خاص بالابن وليس بالخليقة، والله ليس أبانا بالطبيعة، بل آب الكلمة الساكن فينا. من الواضح أن الكلمة حينما صار إنسانًا بفضل النعمة قال: ’الرب خلقني‘، وبعدما لبس الجسد المخلوق، وصار مشابهًا لنا، فمن الصواب أن يُدعَى ’أخانا‘ و ’بكرنا‘، لأن البشر هلكوا لمخالفة آدم، وجسد الكلمة نفسه كان أول ما تم تخليصه وتحريره، وباتحادنا بجسده قد خلصنا على مثال جسده..

 وصار الرب قائدنا لملكوت السموات، ودُعِي ’البكر بين الأموات‘، لأنه أول إنسان قائم أقام جسد لأجلنا لننال القيامة من الأموات منه وبسببه“.[64]

ويشرح ق. أثناسيوس هنا أعماق أخرى من سر التدبير الإلهي في التجسد، حيث نلنا البنوة لله بحسب التبني والنعمة بسكنى آب الكلمة فينا، وكيف أن جسده كان أول جسد قد تم تخليصه وتحريره، وكيف أنه على مثاله وباتحادنا به قد خلصنا، وقادنا إلى الملكوت.

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على نفس المعنى السابق قائلاً:

”لذلك بنزول الكلمة صار به تبني الخليقة، ليصير هو بكرها في كل شيء سواء في الخلق أو تجسده، ’متى أُدخِلَ البكر إلى العالم يقولون لتسجد له كل ملائكة الله‘ (عب1: 6)، فهو بكر الخليقة لتبنيه الجميع، وقام من بين الأموات ليكون باكورة الراقدين“.[65]

ثم يؤكد القديس أثناسيوس على أن المسيح هو آدم الثاني والبداية الجديدة للخليقة المتجدِّدة فيه، وهذا في سياق تفسيره لعبارة ”أول الطريق“، حيث يقول التالي:

”أن الطريق الأول من خلال آدم قد ضاع، وانحرفنا للموت بدل الفردوس، لذا تجسد الكلمة ليحيي بدم جسده الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، ’الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو5: 17)، وبعدما صار كل شيء خليقة جديدة، صار المسيح هو بداية الخليقة الجديدة، وأول الذين صاروا من جديد، وأخذ باكورتنا جسده البشري الذي أخذه..

وخُلِقَ ليكون ’أول الطريق‘، ويكون متقدمًا في كل شيء، ويكون هو ’الطريق‘ و ’خُلِق أول الطرق‘ لنتبعه ونشترك في معرفة الآب، ولن نسمع بعد ’يوم تأكل منها موتًا تموت‘ (تك2: 17)، بل ’حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا‘ (يو14: 3). لقد كُشِفت لنا معرفة الآب بتجسد الكلمة وبإتباعه كطريق لنا نحو الملكوت“.[66]

ويؤكد القديس أثناسيوس أنه بتجسد الكلمة أكمل نقائصنا نحن البشر كالتالي:

”’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة‘ (أف2: 10)، لأن عمل الإنسان قد صار ناقصًا بسبب المخالفة، وصار ميتًا بالخطية، فلم يكن من اللائق أن يظل عمل الله ناقصًا، لذلك تجسد الكلمة ’خُلِق من أجل الأعمال‘، لكي يكمِّل بنفسه ما هو ناقص في الإنسان وهو الخلود والطريق للفردوس، ويكون ’الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها […] هي تشهد لي‘ (يو5: 36)، الأعمال التي أعطاها له الآب ليكمِّلها هي التي من أجلها ’خُلِق أول الطرق‘“.[67]

ويتساءل ق. أثناسيوس قائلاً:

”وإن كان الكلمة مخلوقًا، فكيف يمكن أن يبطل حكم الله، ويصفح عن الخطيئة، وهو أمر خاص بالله؟ لأنه مكتوب ’مَن هو إله مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب‘ (مي7: 18). والواضح أن الابن هو الذي أبطل الحكم قائلاً: ’إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا‘ (يو8: 36)، بل الكلمة هو الذي أصدر الحكم في البداية وهو الذي صفح عن الخطايا وتحققت الحرية فيه، وبطلت الدينونة به“.[68]

ونجد هنا بعدًا خلاصيًا هامًا يؤكد عليه ق. أثناسيوس وهو أن الابن هو الله الذي أصدر الحكم على البشر في البداية، وبالتالي كان لا بد أن يصفح هو بنفسه عن خطايانا، ويعطينا الحرية، ويبطل الدينونة بموته. وهكذا ينفي ق. أثناسيوس فكرة أن الله صفح عن الخطايا عندما أخذ ابنه ثمنًا لهذا الغفران والصفح بحسب مفاهيم العصر الوسيط وعصر الإصلاح، بل يغفر ويصفح الله الابن في المسيح عن الخطايا بلا مقابل.

ثم يشرح ق. أثناسيوس الضرورة الحتمية جدًا لتجسد الكلمة، حتى لو لم يخطأ آدم، فيما يعرف بـ ”التجسد غير المشروط“، الذي لمح إليه ق. أثناسيوس قائلاً:

”لو قال الله كلمة واحدة، وأبطل اللعنة لظهرت قوته، وظل الإنسان كما كان آدم قبل العصيان، لأنه سيحصل على النعمة من خارجه، دون أن تكون متحدة مع الجسد، وهذه حالته كما كان في الجنة، بل وتصير حالته أسوأ مماكان في الجنة، لأنه تعلَّم كيف يعصي، فلو كانت حالته هكذا وأغوي مرةً أخرى بواسطة الحية، لصارت الحاجة مرةً أخرى لله ليبطل اللعنة، وهكذا تستمر الحاجة بلا نهاية، ولظل البشر تحت الذنب لإستعبادهم للخطية، ولظلوا يحتاجون على الدوام لمَّن يعفو عنهم ولما خلصوا قط، ويظلون مقهورين حسب الناموس لضعف الجسد.

ولو كان الابن مخلوقًا لظل الإنسان مائتًا كما كان قبلاً، وليس في وسع جزء من الخليقة أن يخلصه، لأنه نفسه في حاجة للخلاص، وحيث الجميع خاضعين للموت، وكان هو مختلف عن الجميع قدَّم جسده الخاص للموت لأجل الجميع“.[69]

يشرح ق. أثناسيوس هنا ويؤكد على حقيقة أنه حتى آدم قبل العصيان كان يحصل على النعمة من خارجه دون أن تكون متحدة بجسده، وهذه كانت حالته في الجنة، وهكذا يؤكد ق. أثناسيوس هنا على مبدأ ”التجسد غير المشروط“ بخطيئة آدم، لأن آدم كان يحتاج إلى تجسد الكلمة حتى لو لم يكن قد أخطأ، لتسكن النعمة في جسده وتتحد به؛ أي نعمة الخلود والحياة الأبدية، لأن آدم كائن عدمي مخلوق من العدم، وكان سيؤول للعدم من دون تجسد الكلمة لأجله واتحاد الكلمة بجسده المخلوق ليهبه الأبدية.

ولكن الوضع صار أسوأ بعد عصيان وتعدي آدم للوصية، وسقوطه فى الخطيئة، لأنه تعلَّم العصيان، وبالتالي سيكون الوضع أسوأ لو أغوته الحية ثانيةً، وهكذا سيحتاج الله لإبطال اللعنة ثانيةً، وهكذا تستمر الحاجة إلى ما لا نهاية، ويظل الإنسان مقهورًا بحسب الناموس بسبب الضعف الجسدي، ولكن بتقديم الابن جسده الخاص للموت، صار الخلاص الدائم الأبدي لجنس البشر.

ثم يُعدِّد ق. أثناسيوس نتائج هذا الخلاص العظيم كالتالي:

  1. يصير الجميع أحرارًا من الخطية واللعنة الناتجة عنها بواسطة المسيح.
  2. يبقى الجميع دائمًا قائمين من الأموات ولابسين عدم الموت وعدم الفساد.
  3. ينقض أعمال إبليس من الجسد، لأننا تحرَّرنا بسبب علاقتنا بجسده.
  4. يبطل الموت الذي يتبع الخطية.
  5. نصير متحدين بالله الكلمة، فلن نمكث كثيرًا على الأرض، بل نكون حيث يكون.
  6. لا نخاف الحية بعد لأنها أُبطِلَت بواسطة الجسد وطُرِدَت من الفردوس في النار.
  7. لن نحترس بعد من المرأة التي خدعتنا، لأنه ”في القيامة لايزوجون ولايتزوجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء“ (مت22: 30).
  8. سنكون خليقة جديدة في المسيح يسوع، ويكون المسيح الكل فى الكل.

ثم يشرح ق. أثناسيوس العواقب الوخيمة من عدم تجسد الكلمة قائلاً:

”لو كان الكلمة مخلوقًا، لواصل الشيطان المخلوق الحرب دائمًا ضد المخلوق، وصار الإنسان وسط الصراع خاضعًا للموت، ولن يستطيع أن يتحد بالله، ولكن بعد أن يجدِّد الكلمة الجسد المخلوق كخالق، فإنه يؤلِّه (التآله) هذا الجسد في ذاته، وهكذا يدخلنا الملكوت على مثال صورته، لأنه ما كان يتأله (التآله) الإنسان لو اتحد بمخلوق، ولو لم يكن الابن إلهًا حقيقيًا، ما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب.

كلمة الله مختلف عن المخلوقات، لأنه هو الذي يدين الخليقة، وحيث أن كل الخليقة تئن لأجل التحرُّر من عبودية الفساد، فلو كان الابن مخلوقًا، لكان واحدًا من الذين يئون، ويحتاج مَن يعطيه التبني، ويحرره مع الكائنات الأخرى، ولكن الابن ليس منهم، بل هو الذي يعطي الحرية والتبني للجميع، ’فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا‘“.[70]

ونرى هنا أن العواقب الوخيمة من عدم تجسد وتأنس الكلمة هي كالتالي: مواصلة الشيطان الحرب ضد الإنسان، بقاء الإنسان خاضعًا للموت في وسط الصراع مع إبليس؛ أي مهزوم تمامًا، من دون أية مقاومة أو حماية، وبالتالي إستحالة اتحاد الإنسان بالله، ولكن نتائج تجسد الكلمة كانت كالتالي: تجديد الكلمة للجسد المخلوق كخالق، وتآله الجسد البشري (أي تأله ناسوت المسيح) في الكلمة ذاته، وبالتالي دخول الجسد البشري للملكوت على مثال صورة جسد الكلمة، والوقوف في حضرة الآب.

كما يفسر ق. أثناسيوس معنى تأسيس البشرية في جسد الكلمة، حيث يقول:

”’أسَّسني‘ في الأمثال ليس عن نفسه، بل ليوضح الذين يبنون فوقه، فإنه ’لايستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضِعَ الذي هو يسوع المسيح‘ (1كو3: 11)، فإنه تأسس حسب بشريته، لكي يمكننا أن نبني فوقه كحجارة كريمة، ونصير هيكلاً للروح القدس الساكن فينا، ويكون الكرمة ونحن الأغصان بحسب بشريته. التأسيس يكون بنقل الحجارة من الجبل ثم تُوضَع في عمق الأرض […]

لفظ ’أسَّس‘ لا تعني بدايه وجوده، بل عندما أخذ جسدنا كقطعة من جسد مريم، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة ألبس جسدًا ترابيًا‘، لكي بإتحادنا معه في الجسد نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل للإنسان الكامل (أف4: 13)“.[71]

بالتالي نرى هنا وصول البشرية إلى الإنسان الكامل في جسد الكلمة، لأنه من المستحيل على الإنسان الوصول إلى الكمال الحقيقي من دون تجسد الكلمة.

وهكذا يفسر ق. أثناسيوس عبارات مثل: ”قبل الدهر“، و ”قبل أن يصنع الأرض“، و ”قبل أن ترسي الجبال“ (أم8: 23-25) موضحًا أزلية تدبير الخلاص الإلهي للبشرية، فالله لم يتفاجئ بالأمور المتعلقة بالبشر، ولم يتفاجئ بعصيان البشر وخطاياهم، بل أعد تدبير الخلاص من أجلهم منذ الأزل، حيث يقول:

”أنها تعني أن النعمة التي صارت نحونا من المخلص؛ قد أُعِدت قبل خلق العالم، فلم يكن من اللائق أن يفكر الله بخصوصنا بعد خلقنا، فيظهر أنه يجهل الأمور المتعلقة بنا، بل لأنه يعرف مقدمًا أمورنا أكثر منا، وأننا سنصبح مخالفين للوصية، وسنُطرَد من الجنة بسبب العصيان، ولأنه صالح ومحب للبشر أعد تدبير خلاصنا بكلمته الذاتي مسبقًا لنقوم من جديد ونظل غير مائتين..

كقول بولس الرسول: ’الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لابمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهِرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة‘ (تي1: 8-10)، والنعمة والخلاص كانا مودعين في المسيح قبل خلقنا في الزمن..

لذا ففي الدينونة يقول الرب: ’تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم قبل تأسيس العالم‘ (مت25: 34)، فالملكوت تأسس بواسطة الرب ’الذي تأسس قبل الدهر‘ لكي ببنياننا كحجارة ملتئمة نحيا معه في النعمة. فالإرادة والتخطيط أُعِدا منذ الأزل، والعمل تحقق عندما استدعت الحاجة وجاء المخلص للعالم، ولأن الرب سيكون في السماء من أجلنا وسيأخذنا معه إلى الحياة الأبدية“.[72]

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على امتلاء كل الأرض بمعرفة الآب بتجسد الكلمة، وهذه كانت أحد بركات تجسد الكلمة، حيث يقول:

”سُرَّ الله أن تتنازل حكمته لمستوى الخليقة، وتطبع الحكمة صورتها على الجميع حتى يتضح أن حكمة المخلوقات هي صورة الحكمة التي هي الابن، وكلمتنا على صورة الكلمة الذي هو ابن الله، وبهذه الحكمة يكون لنا المعرفة والفهم لنصير مستقبلين للحكمة الخالقة، وحيث أنه خلق فينا نموذجًا للحكمة موجود في الأعمال، فمن الطبيعي أن يأخذ الحكمة الحقيقي ما يخص نموذجه؛ أي الجسد، وبسبب نموذج الحكمة في الأعمال يعرف العالم بواسطتها الكلمة خالقه وبواسطته يعرف الآب..

والدليل قول بولس الرسول: ’إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم، لأن منذ خلق العالم، تُرى أموره غير المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مُدرَكة بالمصنوعات‘ (رو1: 19-20)، وقوله: ’لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة‘ (1كو1: 21)، لذا ما جاء في الأمثال يشير لما هو بداخلنا المُسمَى ’حكمة‘. إذًا، كل الأرض امتلأت بمعرفة الآب من خلال الابن والابن من خلال الآب، لأن المعرفة واحدة والآب يفرح بالابن والابن بالآب قائلاً: ’كنت أنت موضع فرح، وكنت أفرح كل يوم قدامه‘ (أم8: 30)“.[73]

يفسر ق. أثناسيوس في المقالة الثالثة ”ضد الأريوسيين“ فقرة ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو14 : 10)، حيث يقول:

”المخلوقات باشتراكها في الابن تتقدس في الروح، أما الابن ليس ابن بالمشاركة لأنه المولود الذاتي من الآب، وهو الحياة الآتية من الآب، ومعطي الحياة لكل الأشياء“.[74]

فالخليقة باشتراكها في الابن تنال التقديس بالروح القدس، وتنال الحياة الأبدية باشتراكها في الابن بالروح القدس.

ثم يشرح ق. أثناسيوس أن أعمالنا الصالحة هي بمشابهة الآب، كما يعطينا السيد المسيح نماذج من الأمور الإلهية لنتمثل بها، مؤكدًا على أن ما نأخذه بالنعمة بتجسد الكلمة، لا يتساوى ويتطابق مع ما هو أصيل في الابن بالطبيعة، حيث يقول:

”المخلص يتخذ من الأمور الإلهية نماذج يقدمها للإنسان، كقوله: ’كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل‘ (لو6: 36)، ليس لكي نصير مثل الآب، بل كما أمرنا: ’لا تصيروا كالحصان‘ لئلا نكون كالحيوانات غير الناطقة، قال: ’كونوا رحماء مثل الآب‘ لنتطلع لأعماله الصالحة، فالأعمال الصالحة التي نفعلها ليس لأجل الناس، بل لأجله هو لنأخذ مكأفاتنا منه وليس من الناس، فكما يوجد ابن واحد بالطبيعة..

هكذا نصير نحن أبناء ليس مثله بالطبيعة وبالحق، بل بحسب نعمته ورغم كوننا بشر نصير آلهة (التآله)، ليس كالإله الحقيقي أو كلمته، بل حسب مسرة الله الذي وهبنا هذه النعمة أن نصير رحماء مثل الله لا مساويين لله. نصير صانعي خيرات، لأن صُنع الخير في ذاته ليس منا، بل من الله لنوزع الخيرات الممنوحة لنا من الله على الآخرين بالنعمة دون تفرقة بين الناس ومقدمين الرحمة باتساع للجميع، بهذه الطريقة فقط نصير متشبهين به.

مستحيل أن نصير مثل الابن في الآب، فنحن جُبِلنا من الأرض والابن هو بالطبيعة وبالجوهر الكلمة والإله الحقيقي، كقول يوحنا: ’ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية‘ (1يو5: 20)، فنحن نصير أبناء بالتبني والنعمة مشتركين في روحه، ’وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه‘ (يو1: 12).

فنحن بالتمثل به نصير أبناءً ونصير واحدًا فيما بيننا في الوفاق ووحدة الروح، يكون لنا قلب واحد ونفس واحدة، فنحن طبعًا لسنا أبناءً كالابن ولسنا آلهةً مثله، ولسنا مثل الآب، بل بحسب مايتفق مع طبيعتنا الخاصة واضعين أمامنا مثال الوحدة الطبيعية للابن مع الآب، فهو يجعل نفسه مثالاً لنا، لكي تكون لنا تلك الطبيعة غير المنقسمة لنظل غير متغيرين، فسلوك الناس قابل للتغيير، ولكن بنظرهم لغير المتغير، يتجنبوا الرديء، ويعيدوا تشكيل أنفسهم حسب الصورة الأفضل“.[75]

ويضيف ق. أثناسيوس شارحًا معنى الاتحاد الكياني والوحدة الأنطولوجية (الوجودية) مع الله في المسيح، حيث يتحدث عن ماهية هذه الوحدة الكيانية الحقيقية قائلاً:

”أن الرب لأجلنا يطلب شيئًا أعظم وأكمل، وكأنه يقول: ’لأني أنا كلمتك وحيث إنك فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقق خلاص البشر فيَّ، فأسأل أن يصيروا واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ وبحسب كماله يصيرون كاملين، ولهم وحدة مع الجسد، ولأنهم صاروا واحدًا في هذا الجسد محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا وروحًا واحدًا، لأننا جميعًا باشتراكنا فيه نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا“.[76]

يا لا عمق غنى النعمة المعطاة لنا باشتراك الكلمة في جسدنا ونحن فيه، فالكلمة يوحدنا كلنا كجسد واحد، نحن شعبه وكنيسته؛ جسده، وهو الرأس، كما يؤكد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة الشخص في الكلمة المتجسد.

ثم يصف ق. أثناسيوس حالة البشر من دون تجسد الكلمة، بأنهم سيظلوا فاسدين، ولن يستطيعوا أن يكونوا كاملين من دون تجسد الكلمة، حيث يقول:

”لأنه لو لم يأت الابن في الجسد لما أستطاعنا أن نكون كاملين، وظل الفساد فينا. نحن كاملون في المسيح كلمة الآب الذي افتدانا من الخطية“.[77]

كما يحذر القديس أثناسيوس أنه من دون سكنى الروح القدس فينا بأقنومه، نصير غرباء عن الله، ولكن بالحلول الأقنومي للروح القدس داخلنا نثبت في الله والله يثبت فينا، حيث يقول:

”أما نحن من دون الروح القدس، نكون غرباء عن الله، وباشتراكنا في الروح نصير أقرباء الله، فوجودنا في الآب ليس منا، بل بالروح الساكن فينا بالإقرار ’مَنْ اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله‘ (1يو4: 15)“.[78]

ويؤكد القديس أثناسيوس على أن مفاعيل تدبير التجسد تصير فينا بسكنى الروح القدس داخلنا، وإنه بالتوبة تستمر نعمة الروح القدس فينا، بينما بالسقوط نفقد النعمة بسبب هجرة الروح القدس وسكنى الأرواح الشريرة، فيقول:

”إن الكلمة هو مُعطِي الروح، وكل ما هو للروح أخذه من الكلمة، وأنه طلب إلى الآب ليهب الروح بواسطته للمؤمنين به الذي به نصير في الله، وأن تصير نعمة الروح المعطاة للتلاميذ ثابتة لا تزعزع بلا رجعة، ونصير أبناءوآلهة (التآله) بالكلمة الذي فينا، وبالتالي سنصير في الآب، ونُحسَب واحدًا في الابن والآب بسبب وجود الروح القدس فينا الذي في الكلمة الكائن في الآب، فعندما يسقط الإنسان ويتوب ويرجع، فالنعمة تظل مستمرة فيه، بينما الساقط لا يعود الله ساكنًا فيه بسبب هجر الروح القدس له، ويصير في الروح الشرير الذي أخضع نفسه له“.[79]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة هامة فى تجسد الكلمة بأنه:

”لو لم تكن أعمال ألوهية الكلمة قد حدثت في الجسد، لما كان الإنسان تأله (التآله)، ولو لم تُنسَب ضعفات الجسد للكلمة، لما تحرَّر منها الإنسان تمامًا وظلت الخطية والفساد في الإنسان كما كان مع البشر قبل التجسد“.[80]

ويؤكد القديس أثناسيوس على حتمية التجسد الإلهي، وإحتياج البشر لتجسد الكلمة، بالرغم من بر البعض من البشر كالأنبياء. حيث يؤكد ق. أثناسيوس على وجود أبرار في العهد القديم مثل إرميا ويوحنا المعمدان، تقدسوا من كل خطية من الرحم قبل ولادتهم من الروح القدس، وهكذا ينفي ق. أثناسيوس فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بين البشر بسبب الشهوة، حيث يُعتبر هذا التعليم في فكر أثناسيوس هو تعليم غنوصي ومانوي صرف، لم يعلم به ق. أثناسيوس أبدًا، والدليل وجود أبرار في العهد القديم كإرميا ويوحنا المعمدان كانوا مقدسين بالروح القدس من الرحم قبل ولادتهم، حيث يقول:

”إن هناك أمثلة لكثيرين تقدَّسوا من كل خطية، مثل: أرميا الذي تقدَّس من الرحم، ويوحنا المعمدان ارتكض بابتهاج وهو جنين في بطن أمه عند سماع صوت مريم والدة الإله، ومع ذلك ’ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم‘ (رو5: 14)، وظل البشر مائتين قابلين للفساد ومعرضين للأوجاع الخاصة بطبيعتهم“.[81]

بينما يصف ق. أثناسيوس حالتنا بعد تجسد الكلمة مشيرًا إلى بركات التدبير الإلهي في التجسد كالتالي:

”وبعدما صار الكلمة إنسانًا، وجعل الأمور الخاصة بالجسد خاصة به، لم تعد هذه الأمور تمسك بالجسد، فأنهزمت الأوجاع، ولم يعد الناس خطاةً وأمواتًا بسبب أوجاعهم، بل قاموا بقوة مع الكلمة، وصاروا غير مائتين وغير فاسدين وأقوياء دائمًا، وبارتباطنا بالكلمة الذي من السماء نُحمَل إلى السماء بواسطته، وبطريقة مماثلة نقل أوجاع الجسد لنفسه، ليكون لنا شركة في الحياة الأبدية ليس كبشر، بل صرنا خاصين بالكلمة (لوغوسيين)..

 فقد أبطل لعنة الخطية، وصار لعنةً لأجلنا، وكنا نموت في آدم، هكذا نُولد من فوق من الماء والروح، في المسيح نحيا جميعًا، فلا يعود الجسد أرضيًا، بل يكتسب قوة من الكلمة المتجسد، وهكذا نحن البشر نتأله (التآله) باتحادنا بالكلمة بواسطة جسده فنرث الحياة الأبدية، وعندما نعرف ما هو خاص بكليهما (أي الله والإنسان) نفهم أن الأمور التي تجري من كليهما تتم بواسطة واحد“.[82]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على بركات التدبير الإلهي في التجسد، حيث بارتباطنا كبشر بالكلمة، صارت أجسادنا سماوية، ونلنا الشركة في الحياة الأبدية، وهكذا ننال حياة عدم الفساد وعدم الموت (الخلود) أي التأله بالنعمة، كما يؤكد على حقيقة خريستولوجية مهمة ألا وهي وحدة شخص الكلمة المتجسد.

كما يقرر ق. أثناسيوس حقيقة عدم إحتياج الكلمة للتجسد، ولكنه تجسد لخلاصنا، ولتبقى النعمة التي أعطاها في الجسد أبدية، وأنه آلَّه الجسد بوجوده فيه، فالجسد لم يضيف له شيئًا، بل هو أضاف وأعطى للجسد الكثير من النعم والبركات كانت تنقص الجسد، ولكنه احتمل ضعفات ونقائص الجسد ليكملها فيه، ويمنحنا المعرفة الإلهية عوضًا عن الجهل، حيث يقول:

”ولكن الكلمة يعرف كل الأشياء قبل وجودها، وعندما صار إنسانًا، لم يكف أن يكون الله، ولكونه الله أخذ جسدًا لنفسه ليؤله (التآله) الجسد بوجوده فيه، فكما سأل أسئلة بالجسد، هكذا أقام الموتى، ويستدعي النفس ثانيةً، ويعرف خفايا الكل بالجسد، وأحتمل جهلنا ليمنحنا معرفة أبيه الوحيد، فرغم أنه ليس محتاجًا للتجسد، تجسد لأجل خلاصنا، لكي تبقى النعمة غير قابلة للضياع، كما أضاعها آدم، بل محفوظة للبشر“.[83]

ويفسر ق. أثناسيوس طلب الابن التمجيد من الآب في إطار تدبير التجسد، قائلاً:

”وهو الذي يمجِّد الآخرين، ليظهر أن له جسدًا يحتاج هذه الأمور وينالها بجسده الخاص.

لو كان أخذ وتمجَّد لأجل نفسه بحسب لاهوته، فلا رجاء للبشر وكانوا ظلوا عرايا، وتعساء، ومائتين، ولماذا جاء الكلمة في الجسد ليأخذ الأمور التي يقول إنه أخذها، والتي كان بدونها قبل التجسد، فيكون مديونًا بالشكر للجسد، لأنه لما تجسد أخذ هذه الأمور من الآب، فيكون قد أرتقى بسبب الجسد، وليس الجسد الذي أرتقى به، وهذه فكرة يهودية، ولكن الكلمة جاء ليفدي ويقدس ويؤله (التآله) جنس البشر، وبالتالي الذي أخذه ليس لأجل نفسه بل لأجل الجسد، فالعطايا المعطاة بواسطته من الآب تخص الجسد المتحد به.

كان هو رب جميع الأشياء قبل قوله: ’كل شيء دُفِعَ إليَّ‘، وكان رب المجد عندما طلب المجد وغفران الخطايا. أقام الموتى وفتح عيني المولود أعمى، وكل هذا فعله، لأنه يملك السلطان وليس منتظره، وصار إنسانًا، وقام من الموت ليصير البشر عن طريقه شركاء الطبيعة الإلهية، ولهم سلطان على الأرواح الشريرة، ويملكون للأبد في السموات، لأنهم تحرروا من الفساد“.[84]

هنا يطلب الكلمة المجد لأجلنا في جسده الخاص لا في لاهوته، لأن العطايا المعطاة بواسطته من الآب في جسده هي خاصة بنا نحن، فنحن الذين نتمجد في المسيح ونتآله فيه، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ونأخذ السلطان على الأرواح الشريرة، والملك الأبدي في السماوات بعد التحرر من الفساد والموت.

ويفسر ق. أثناسيوس تقدم المسيح في الحكمة، والقامة، والنعمة في سياق تدبيري، من أجل إظهار أعمال اللاهوت فيه، وبالتالي يستمر نمو الطبيعة البشرية به في التآله، والحكمة، والنعمة، والقامة الروحية كالتالي:

التقدم هنا هو التأليه والنعمة المعطاة من الحكمة للبشر بإبطال الخطية والفساد منهم بحسب مشابهتهم وانتسابهم لجسد الكلمة، وهكذا بإزدياد الجسد في القامة، كان ظهور اللاهوت يزداد فيه، ويظهر للكل والجسد هو هيكل الله، والجسد تقدم في الله وهو يُدعَى جسده..

فيظل تقدم البشر مستمرًا لوجود الكلمة في الجسد والناسوت كان يتقدم في الحكمة بالارتفاع فوق الطبيعة البشرية ليتأله (التآله)، ويصير ظاهرًا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه، ولذا دُعِيَ ’يسوع‘ وهو الاسم الإنساني للرب، فيكون التقدم للطبيعة البشرية“.[85]

ويوضح القديس أثناسيوس أن الكلمة بتجسده نزع الخوف من البشر، وصيرهم شجعانًا لا يهابون الموت، بل تسارعوا نحو الاستشهاد ليقينهم الكامل في الحياة الأبدية التي أعطاها لهم الكلمة بتجسده، وأنهم وارثون بالحقيقة الملكوت السماوي مع المسيح، كما يؤكد ق. أثناسيوس على الموت الإرادي للكلمة في الجسد، حين فصل روحه الإنسانية عن جسده الإنساني بقوة لاهوته.

كما يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة عدم فساد جسد المسيح بالموت الإكلينكي، ثم إنعكاس هذا الموت المحيي علينا، حيث سننال قيامة الجسد واتحاده بالجسد، كما صنع الكلمة فى جسده، ويهبنا بذلك الخلود، حيث يقول:

”ولما تجسد أخذ جسدًا يخاف، وربط إرادته الخاصة بالضعف البشري، لكي بإبادته للضعف يجعل الإنسان شجاعًا أمام الموت. المسيح جعل الرسل يستهينون بالموت قائلين: ’ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس‘ (أع5: 29)، والشهداء القديسون كانوا شجعانًا، مؤمنين أنهم ينتقلون إلى الحياة أكثر من الموت. خوفنا نزعه المخلص، فكما أباد الموت بالموت وبوسائل بشرية، أبطل كل ضعفات الإنسان. فالذي قال إنسانيًا: ’نفسي قد اضطربت‘، قال إلهيًا: ’لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا‘.

فهذا أمر ليس خاص بالبشر الذين يموتون بإضطرار الطبيعة ورغم إرادتهم، ولكن الرب أخذ جسدًا مائتًا، فله السلطان لكونه الله فصل النفس عن الجسد، ويعيدها أيضًا حينما يريد، كقول داود: ’لن تترك نفسي في الجحيم، ولا تدع قدوسك يرى فسادًا‘ (مز15: 10) فالجسد القابل للفساد يبقى غير قابل للفساد لإتحاده بالكلمة، وكما صار في جسدنا وشابهنا، فنحن إذ نقبله ننال منه عدم الموت“.[86]

خلاصة البحث

نستخلص من هذه الجولة العميقة والشيقة في كتابات عملاق الأرثوذكسية، وعمود من أعمدة الكنيسة الجامعة في المسكونة كلها، بعض النقاط الهامة بخصوص سر التدبير الإلهي في تجسد الكلمة، وهي كالتالي:

  1. تحرر الجميع من الخطية واللعنة الناتجة عنها بواسطة المسيح.
  2. بقاء الجميع دائمًا قائمين من الأموات ولابسين عدم الموت وعدم الفساد بتجسد الكلمة.
  3. نقض أعمال إبليس من الجسد، وتحررنا بسبب علاقتنا بجسد الكلمة.
  4. إبطال الموت الذي يتبع الخطية.
  5. الاتحاد بالله الكلمة والتآله بالنعمة، وعدم المكوث طويلاً على الأرض، بل الجلوس عن يمين الآب في السماويات.
  6. نوال الخليقة الجديدة في المسيح يسوع، ويكون المسيح الكل في الكل.
  7. سكنى الروح القدس فينا بأقنومه، وبالتالي سكنى الثالوث بداخلنا، لننال التقديس والتطهير اللائق بالسماويات.

+++ ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد أمين +++

[1] المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، الرسالة الثانية إلى سرابيون، ترجمة: د. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة ثالثة 2017، ص 17.

[2] المرجع السابق، ص19.

[3] المرجع السابق، ص 25.

[4] المرجع السابق، ص 27.

[5] المرجع السابق، ص27.

[6] المرجع السابق، ص27.

[7] المرجع السابق.

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق.

[10] المرجع السابق، ص29.

[11] المرجع السابق، ص30.

[12] المرجع السابق، ص31.

[13] المرجع السابق.

[14] المرجع السابق.

[15] المرجع السابق.

[16] المرجع السابق.

[17] المرجع السابق.

[18] المرجع السابق.

[19] المرجع السابق.

[20] المرجع السابق.

[21] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية، ترجمة: القمص أثناسيوس فهمي جورج، الفصل الثالث، ص35، 36.

[22] المرجع السابق، ص50.

[23] المرجع السابق، ص51.

[24] المرجع السابق، ص61.

[25] القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية)، رسالة الدفاع عن ق. دينسيوس بقلم ق. أثناسيوس، طبعة ثانية2016، ص32.

[26] إطلالات على تراث الأدب القبطي مج1، رسالة إلى العذارى بقلم ق. أثناسيوس، ترجمة: د. صموئيل القس قزمان، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2018)، ص128.

[27] المرجع السابق، ص129.

[28] المرجع السابق، ص148.

[29] المرجع السابق، ص149.

[30] المرجع السابق.

[31] أثناسيوس (قديس)، ضد أبوليناريوس (تجسد ربنا يسوع المسيح)، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، طبعة 2016، ص28.

[32] المرجع السابق، ص42.

[33] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس، ترجمة: د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة رابعة2018، ص40، 41.

[34] المرجع السابق، ص44.

[35] المرجع السابق، ص59.

[36] المرجع السابق، ص75.

[37] المرجع السابق.

[38] المرجع السابق.

[39] أثناسيوس (قديس)، الرسائل الفصحية ج1، ترجمة: د. وهيب قزمان، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة2006، ص 20.

[40] المرجع السابق، ص 27.

[41] المرجع السابق.

[42] المرجع السابق، ص29.

[43] المرجع السابق.

[44] أثناسيوس (قديس)، ضد الأريوسيين (خطاب إلى أساقفة مصر وليبيا)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية)، طبعة 2018، ص 22.

[45] أثناسيوس (قديس)، عظة حول آلام الرب وصليبه، ترجمة: د. سعيد حكيم، ص64.

[46] المرجع السابق، ص68.

[47] المرجع السابق، ص70.

[48] المرجع السابق.

[49] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة ثالثة 2003، فصول متعددة.

[50] المرجع السابق، عدة فصول.

[51] المرجع السابق ، عدة فصول.

[52] المرجع السابق، عدة فصول.

[53] المرجع السابق، عدة فصول.

[54] المرجع السابق، عدة فصول.

[55] المرجع السابق، عدة فصول.

[56] أثناسيوس (قديس)، ضد الأريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد و د. مجدي صموئيل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، طبعة ثانية2017، المقالة الأولى، ص109.

[57] المرجع السابق، المقالة الثانية، عدة فصول.

[58] المرجع السابق، عدة فصول.

[59] المرجع السابق، عدة فصول.

[60] المرجع السابق، عدة فصول.

[61] المرجع السابق، عدة فصول.

[62] المرجع السابق، عدة فصول.

[63] المرجع السابق، عدة فصول.

[64] المرجع السابق، عدة فصول.

[65] المرجع السابق، عدة فصول.

[66] المرجع السابق، عدة فصول.

[67] المرجع السابق، عدة فصول.

[68] المرجع السابق، عدة فصول.

[69] المرجع السابق، عدة فصول.

[70] المرجع السابق، عدة فصول.

[71] المرجع السابق، عدة فصول.

[72] المرجع السابق، عدة فصول.

[73] المرجع السابق، عدة فصول.

[74] المرجع السابق، المقالة الثالثة، عدة فصول.

[75] المرجع السابق، عدة فصول.

[76] المرجع السابق، عدة فصول.

[77] المرجع السابق، عدة فصول.

[78] المرجع السابق، عدة فصول.

[79] المرجع السابق، عدة فصول.

[80] المرجع السابق، عدة فصول.

[81] المرجع السابق، عدة فصول.

[82] المرجع السابق، عدة فصول.

[83] المرجع السابق، عدة فصول.

[84] المرجع السابق، عدة فصول.

[85] المرجع السابق، عد فصول.

[86] المرجع السابق، عدة فصول.

 

التدبير الإلهي في تجسد الكلمة – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التدبير الالهي الأزلي للفداء ونبوات الأنبياء عن المسيح في الفكر اليهودي قبل الميلاد

التدبير الالهي الأزلي للفداء ونبوات الأنبياء عن المسيح في الفكر اليهودي قبل الميلاد

التدبير الالهي الأزلي للفداء ونبوات الأنبياء عن المسيح في الفكر اليهودي قبل الميلاد

 

1 – تدبير الله ومشورته الأزلية وعلمه السابق:

الله هو الكائن الوحيد المطلق في الكون، كلي الوجود، ولذ يصفه الكتاب بـ ” الرب الإله العلي مالك السماء والأرض ” (تك14 :22)، والسرمدي ” الرب الإله السرمدي ” (تك21: 33). والسرمدي هنا (~l'(A[ – عولام)، وتساوي في اليونانية السبعينية؛ (aivw,nioj = Everlasting= أبدي)، وتعني هنا بالنسبة لله القدم المطلق، الأزلي، والمستقبل الأبدي (أي الدائم بلا بداية ولا نهاية)، فهو الموجود المطلق سبب وأصل وعلة الوجود ” أكون الذي أكون = أنا هو الكائن ” (خر3 :13)…

واسمه في العهد القديم ” يهوه ” ويعني الكائن الموجود الدائم الوجود أصل ومصدر كل وجود ” الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء ” (رؤِ1 :8). ولذا يقول الكتاب عنه: ” هوذا الله عظيم ولا نعرفه وعدد سنيه لا يفحص ” (أي36 :26).

ويعبر عن جوهره بكلمة لاهوت ”  qeo,thtoj –  theotēs” التي تعني جوهر الذات الإلهية. ويقول لنا الكتاب أنه روح ” الله روح ” (يو4 :24)، ” الرب الروح ” (2كو3 :18).

وأنه نور ” الله نور وليس فيه ظلمة البتة ” (1يو1 :5)، وأنه وحده الحي الذي لا يموت ”  الإله الحي القيوم إلى الأبد ” (دا6 :26)، ” الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره احد من الناس ولا يقدر أن يراه الذي له الكرامة والقدرة الأبدية ” (1تي6 :16). ” وملك الدهور الذي لا يفنى ولا يرى الإله الحكيم وحده له الكرامة والمجد إلى دهر الدهور ” (1تي1 :17).

وكما أنه كلي الوجود فهو كلي العلم والمعرفة، العالم بكل شيء: ” أنت عرفت جلوسي وقيامي. فهمت فكري من بعيد مسلكي ومربضي ذريت وكل طرقي عرفت. لأنه ليس كلمة في لساني إلا وأنت يا رب عرفتها كلها. من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت عليّ يدك. عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها. أين اذهب من روحك ومن وجهك أين اهرب. أن صعدت إلى السموات فأنت هناك. وان فرشت في الهاوية فها أنت. أن أخذت جناحي الصبح وسكنت في أقاصي البحر فهناك أيضا تهديني يدك وتمسكني يمينك.

فقلت إنما الظلمة تغشاني. فالليل يضيء حولي. الظلمة أيضا لا تظلم لديك والليل مثل النهار يضيء. كالظلمة هكذا النور لأنك أنت اقتنيت كليتيّ. نسجتني في بطن أمي. أحمدك من اجل أني قد امتزت عجبا. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقينا. لم تختف عنك عظامي حينما صنعت في الخفاء ورقمت في أعماق الأرض.

رأت عيناك أعضائي وفي سفرك (أي كتابك) كلها كتبت يوم تصورت إذ لم يكن واحد منها ” (مز139 :2-15)، ” لان طرق الإنسان أمام عيني الرب وهو يزن كل سبله ” (ام5 :21)، ” لان الرب يفحص جميع القلوب ويفهم كل تصورات الأفكار ” (1اي28 :9)، ” فان فاحص القلوب والكلى الله البار ” (مز7 :9)، ” لأنه هو يعرف خفيّات القلب ” (مز44 :21(.

ولأن الله كلي الوجود والعلم والقدرة لذا لا يمكن لأحد ما أن يدرك فكره لأن المحدود لا يمكن أن يدرك غير المحدود: ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما ابعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيرا. أو من سبق فأعطاه فيكافأ. لأن منه وبه وله كل الأشياء ” (رو11: 33-36)، ” أإلى عمق الله تتصل أم إلى نهاية القدير تنتهي. هو أعلى من السموات فماذا عساك أن تفعل. أعمق من الهاوية فماذا تدري. أطول من الأرض طوله واعرض من البحر ” (أي11 :7-9)، ” ما أعظم أعمالك يا رب وأعمق جدا أفكارك ” (مز92 :5).

ولأن الله كلي العلم والحكمة والمعرفة، كما أنه خالق وموجد كل شيء ” الذي منه جميع الأشياء ونحن له ” و ” الذي به جميع الأشياء ونحن به ” (1كو8 :6)، و ” الكل به وله قد خلق ” (كو1 :16)، فقد دبر لكل شيء في الكون تدبيراً سابقاً أبديا كما يقول في سفر اشعياء: ” اذكروا الأوليات منذ القديم لأني أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلى. مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يفعل قائلاً رأيي يقوم وأفعل كل مسرتي 000 قد تكلمت فأجريه. قضيت فأفعله ” (اش46 :9و10).

ولأن الله كلي المعرفة والحكمة والعلم فكل شيء معروف سابقا عنده كما يقول الكتاب: ” لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكر بين أخوة كثيرين. والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضا. والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضا. والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضا ” (رو8 :29و30). ويقول الله لارميا ” قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبياً للشعوب ” (ار1 :5).

ومن ثم فهو لا يخضع للظروف ولا يفاجأ بالأحداث بل كل شيء عنده له تدبيره الأزلي الأبدي كما يقول الكتاب: ” معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله ” (أع15 :18). فكل شيء مكشوف قدامه وعريان كقول الكتاب: ” وليس خليقة غير ظاهرة قدامه بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا ” (عب4 :13). ويعلن عن تدبيره وقصده الأزلي ومشورته الإلهية لأنبيائه في الوقت الذي يراه ” السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء ” (عا3 :7).

“سر الله لخائفيه ” (مز25 :14)، فيقول لاشعياء النبي: ” تعال الآن اكتب عندهم على لوح وارسمه في سفر ليكون لزمن آت للأبد إلى الدهور ” (اش30 :8).

وقد كشف الله عن تدبيره الأزلي للبشرية بصورة أكبر وأعمق في بعد التجسد حيث يقول الروح بلسان المسيح: ” سأفتح فمي بأمثال وأنطق بمكتومات منذ تأسيس العالم ” (مت13 :35)، والرب يسوع المسيح يؤكد هذه الحقيقة بقوله، بعد أن وصف للتلاميذ كل ما سيحدث عند مجيئه الثاني وانتهاء العالم والدينونة: ” ها أنا قد سبقت وأخبرتكم ” (مت24 :25 ؛مر13: 23)، وأيضاً ” أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو ” (يو13: 19)، ” وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون ” (يو14 :29).

وكان هذا الأمر واضحا للتلاميذ خاصة بعد حلول الروح القدس، فعندما صلوا مسبحين الله على نجاة القديسين بطرس ويوحنا وخروجهما من السجن الذي وضعهما فيه رؤساء اليهود قالوا: ” لأنه بالحقيقة أجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل ليفعلوا كل ما سبقت فعينت يدك ومشورتك أن يكون ” (أع4 :27و28). أي أن ما حدث ويحدث لهم ما هو إلا ما سبق الله أن دبره و”عينّه ” حسب مشورته الأزلية.

وقال القديس بولس بالروح لليونانيين الفلاسفة في آريوس باغوس أن الله ” أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدماً للجميع ” (أع17 :31)، وقال لأهل كورنثوس أنه يتكلم ” بحكمة الله في سر. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا ” (1كو2 :7). وقال لأهل أفسس أن الله ” سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته ” (أف1 :5).

2 – تدبير الله الأزلي للتجسد والفداء:

وعندما نأتي لسر التجسد والفداء نجد أنفسنا أمام تدبير إلهي مقرر ومرتب ومكتوم قبل الأزل، كما يقول الكتاب ” قبل الأزمنة الأزلية “؛ ” الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية ” (2تي1 :9)..

” والقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذي كان مكتوماً في الأزمنة الأزلية ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان ” (رو16 :25و26)..

” إذ سبق (الله) فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السموات وما على الأرض في ذاك الذي فيه أيضا ذلنا نصيباً معينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شئ حسب رأى مشيئته ” (اف1 :5-7).

ويقول أيضا ” إن كنتم قد سمعتم بتدبير نعمة الله المعطاة لي لأجلكم. أنه بإعلان عرفني بالسر 000 سر المسيح. الذي في أجيال أخر لم يعرف به بنو البشر كما أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح 000 وأنير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح. لكي يعرّف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا ” (أف3 :3-5و9-11)..

السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال لكنه الآن قد أظهر لقديسيه الذين أراد الله أن يعرّفهم ما هو غنى مجد هذا السر في الأمم الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد ” (كو1 :26و27).

وأخيرا يقول القديس بطرس بالروح: “عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفا سابقا قبل تأسيس العالم ولكن قد أظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم ” (1بط1 :18-20).

3 – الإعلان عن تدبير التجسد والفداء:

وقد رتب الله للإعلان تدبير التجسد والفداء، من خلال محورين هما؛

(1) النبوّات التي تتكلم عن مجيء الفادي الذي سيقدم الفداء والخلاص الأبدي للبشرية؛ ويعطينا وصفا كاملا ودقيقا لكل صفاته وأعماله وجوهر تعليمه، فيحدد مجيئه من نسل المرأة ونسل إبراهيم واسحق ويعقوب وسبط يهوذا فرع يسى ويكون ابنا لداود ويجلس على كرسيه…

وحدد مكان تجسده وميلاده في بيت لحم وزمن مجيئه ووقت زوال الحكم من يهوذا وميلاده من أم عذراء وذهابه إلى مصر وعودته منها وكونه سيتربي كإنسان في الناصرة وعن جوهر الآيات والمعجزات التي سيصنعها وجوهر تعليمه ولاهوته وكونه الإله القدير الأزلي الذي لا بداية له والرب الجالس عن يمين الله الآب.

كما تنبأ عن تفصيلات القبض عليه ومحاكمته وآلامه وصلبه وموته على الصليب، عمله الفدائي وتحمله الآلام نيابة عن البشرية، وعن حفظ جسده من الفساد وقيامته من الأموات في اليوم الثالث وصعوده إلى السموات، والكرازة باسمه في كل المسكونة.

والخلاصة هي أن العهد القديم قدم لنا صورة تفصيلية لشخص المسيح وعمله وتعليمه وفدائه للبشرية حسب التدبير الإلهي ومشورة الله الأزلية قبل التجسد وقبل الخليقة والذي رآه دانيال النبي في رؤياه كالمعبود من جميع القبائل والشعوب والأمم والألسنة: ” كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا7 :13و14).

 

4 – علماء اليهود وتفسيرهم للنبوّات الخاصة بالمسيح المنتظر:

أمتلأ العهد القديم، التوراة، كما بينّا أعلاه، بالنبوّات والإشارات والتلميحات والرموز عن شخص المسيح الآتي الذي سيأتي في ملء الزمان ليقيم ملكوت الله، ملكوت السموات، ويعيد الإنسان إلى الفردوس الذي طرد منه، هذا المسيح الآتي دعاه أنبياء العهد القديم بالروح القدس ووصفوه بألقاب عديدة أهمها؛ النسل الآتي، نسل المرأة، ونسل إبراهيم ونسل إسحق ونسل يعقوب، والقضيب ” شيلوه ” الآتي من سبط يهوذا…

والكوكب الذي يبرز من يعقوب، ونسل داود، وغصن داود، وغصن البر، والإله القدير، وعمانوئيل، والرب برنا، والمخلص، والمسيح، والمسيح الرب، والمسيح الرئيس، وشبه ابن إنسان، وقدوس القدوسين …الخ

والسؤال الآن ماذا عن تفسير علماء اليهود، الرابيين، قديماً وحديثاً، لهذه النبوّات؟ وماذا فهموا منها؟ وماذا كانت نظرتهم لها ولهذا الشخص الذي تنبأ عنه الأنبياء؟ هل آمنوا أنه المسيح المنتظر؟ وكيف طبقوها عبر تاريخهم؟

والإجابة كما جاءت في أهم كتبهم وأقوال علمائهم (الربيين – رباي – Rabbi)، وأهمها التلمود[1] والترجمات والمدراش[2] والزوهار[3]، هي الإجماع على أن هذه النبوّات تتحدث عن

1 ” التلمود ” كلمة مشتقة من الجذر العبري ” لامد ” الذي يعني الدراسة والتعلم كما في عبارة ” تلمود توراه “، أي ” دراسة الشريعة “. ويعود كل من كلمة ” تلمود ” العبرية وكلمة ” تلميذ ” العربية إلى أصل سامي واحد. والتلمود من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة). ويخلع التلمود القداسة على نفسه باعتبار أن كلمات علماء التلمود كان يوحي بها الروح القدس نفسه (روح هقودش) باعتبار أن الشريعة الشفوية مساوية في المنزلة للشريعة المكتوبة.

والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أو مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية (هالاخاه) والوعظية (أجاداه). وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية (السماعية). ومن هنا، يطلق المسعودي (المؤرخ العربي الإسلامي) على سعيد بن يوسف اسم ” السمعاتي ” (مقابل ” القرائي ” أو من يرفض التراث السماعي ويحصر اهتمامه في قراءة التوراة المكتوبة).

2 ” مدراش ” من الكلمة العبرية ” درش “، أي ” استطلع ” أو ” بحث ” أو ” درس ” أو ” فحص ” أو «محص». والكلمة تُستخدَم للإشارة إلى ما يلي:

1 ـ  منهـج في تفسير العهـد القديم يحاول التعمق في بعض آياته وكلماته، والتوسع في تخريج النصوص والألفاظ، والتوسع في الإضافات والتعليقات، وصولاً إلى المعاني الخفية التي قد تصل إلى سبعين أحياناً. وهناك قواعد مدراشية للوصول إلى هذه المعاني. ومثل هذه المعاني الخفية، تُذكَر دائماً مقابل الـ ” بيشات ” أي ” التفسير الحرفي”.

2 ـ  ثمرة هذا المنهج من الدراسات والشروح، فالتلمود مثلاً يتضمن دراسات مدراشية عديدة، بمعنى أنها اتبعت المنهج المدراشي. ولكن هناك كتباً لا تتضمن سوى الأحكام والدراسات والتفسيرات المدراشية المختلفة ويُطلَق عليها أيضاً اسم ” مدراش “.

ويُفترَض أن مثل هذه الكتب المدراشية تعود إلى تواريخ قديمة شأنها في هذا شأن كل فروع الشريعة الشفوية. ويبدو أن العلماء المعروفين باسـم الكتبة (سـوفريم)، بدأوا بعد العـودة من بابل بزعامة عزرا، في دراسة التفسيرات التقليدية للشريعة المكتوبة، وأخذوا يطبقونها على الاحتياجات اليومية للجماعة اليهودية، واستمروا في ذلك حتى بداية ظهور معلمي المشناه (تنائيم).

وقد ازدهر الأدب المدراشي في عصر معلمي المشناه (تنائيم)، لكن البدء في تدوين كتب المدراش لم يحدث إلا بعد عدة قرون من إلقاء المواعظ. وهناك نحو أربع وعشرين مجموعة مدراشية يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام حسب المرحلة التاريخية:

1 ـ  الكتب المدراشية المبكرة (وتم جمعها في الفترة 400 ـ 600).

2 ـ  كتب المرحلة الوسطى (640 ـ 1000).

3 ـ  كتب المرحلة المتأخرة (1000 ـ 1200).

وهناك مختارات مدراشية من القرن الثالث عشر، إلى جانب مواعظ مدراشية يمكن أن ترد في مجموعات مدراشية مختلفة أو في الجماراه.

 3 ” زوهار ” كلمة عبرية تعني ” الإشراق ” أو ” الضياء “. وكتاب الزوهار أهم كتب التراث القبَّالي، وهو تعليق صوفي مكتوب بالآرامية على المعنى الباطني للعهد القديم، ويعود تاريخه الافتراضي، حسب بعض الروايات، إلى ما قبل الإسلام والمسيحية، وهو ما يحقق الاستقلال الفكري (الوهمي) لليهود، وكتابته بلغة غريبة، تحقق العزلة لأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية.

ويُنسَب الكتاب أيضاً إلى أحد معلمي المشناه (تنائيم) الحاخام شمعون بن يوحاي (القرن الثاني)، وإلى زملائه، ولكن يُقال إن موسى دي ليون (مكتشف الكتاب في القرن الثالث عشر) هو مؤلفه الحقيقي أو مؤلف أهم أجزائه، وأنه كتبه بين عامي 1280 و1285، مع بدايات أزمة يهود إسبانيا. والزوهار، في أسلوبه، يشبه المواعظ اليهودية الإسبانية في ذلك الوقت.

وبعد مرور مائة عام على ظهوره، أصبح الزوهار بالنسبة إلى المتصوفة في منزلة التلمود بالنسبة إلى الحاخاميين. وقد شاع الزوهار بعد ذلك بين اليهود، حتى احتل مكانة أعلى من مكانة التلمود، وخصوصاً بعد ظهور الحركة الحسيدية.

ويتضمن الزوهار ثلاثة أقسام هي: الزوهار الأساسي، وكتاب الزوهار نفسه، ثم كتاب الزوهار الجديد. ومعظم الزوهار يأخذ شكل تعليق أو شرح على نصوص من الكتاب المقدَّس، وخصوصاً أسفار موسى الخمسة، ونشيد الأنشاد، وراعوث، والمراثي. وهو عدة كتب غير مترابطة تفتقر إلى التناسق وإلى تحديد العقائد. ويضم الزوهار مجموعة من الأفكار المتناقضة والمتوازية عن الإله وقوى الشر والكون.

المسيح[1]، المسيا، المنتظر، لدرجة أنهم قالوا، كما يسجل التلمود: ” أن كل الأنبياء تنبئوا عن المسيح فقط[2]، بل وقالوا: ” أن العالم لم يخلق إلا لأجل المسيح[3].

وقد جمع العالم الكتابي الفريد أيدرزهايم (Alfred Edersheim – 1825 -1889م)، اليهودي السابق، والذي تربي في مدرسة التلمود والتوراة العبرية، والذي كان عالماً فيما يختص بالعلاقة بين العهد الجديد وخلفياته اليهودية، 456 نبوّة طبقها علماء اليهود على المسيح المنتظر (المسيا)…

منها 75 في أسفار موسى الخمسة و243 في أسفار الأنبياء و138 في أسفار الكتابات (أيوب والمزامير وكتابات سليمان وسفر دانيال وعزرا ونحميا و1و2 أخبار الأيام)، وقد دعم أقواله بأكثر من 558 اقتباساً لعلماء مختلفين من اليهود وأن كان قد ركز على المراجع اليهودية الأكثر قدماً وخاصة الترجومات والتلمود الأورشليمي والتلمود البابلي والمدراش الأقدم، ولم يعتمد لا على المدراش أو أي من الكتابات الرابية المتأخرة[4].

4 كلمة ” مسيح ” أو ” مسيا ” في اللغة العبرية هي ” ماشيح – מּשּׁיּח – Mashiakh ” من الفعل العبري ” مشح ” أي ” مسح ” وتنطق بالآرامية ” ماشيحا ” ويقابلها في اللغة العربية ” مسيح ” ومعناها، في العهد القديم، الممسوح ” بالدهن المقدس “، فقد كان الكهنة (خر30:30) والملوك (1صم 16:9) والأنبياء (1مل 16:19) يدهنون بـ ” الدهن المقدس. ونقلت كلمة ” ماشيح ” إلى اللغة اليونانية كما هي ولكن بحروف يونانية ” ميسياس – Messias –  Мεσσίας “، وعن اليونانية نقلت إلى اللغات الأوربية ” ميسايا –  Messiah ” …

كما ترجمت الكلمة إلى اليونانية، أيضاً، ترجمة فعلية ” خريستوس – christos –  Хριτός” أي المسيح أو الممسوح، من الفعل اليوناني ” خريو – chriw  ” أي يمسح والذي يقابل الفعل العبري ” مشح ” والعربي ” مسح “، وجاءت في اللاتينية ” كريستوس – christos ” وعنها في اللغات الأوربية ”  Christ”.

ولكن الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم يؤكد لنا أن هؤلاء ” المسحاء ” جميعاً، سواء من الكهنة أو الأنبياء أو الملوك، كانوا ظلاً ورمزاً ” للنسل الآتي ” والذي دعي منذ عصر داود فصاعداً بـ ” المسيح “، وكانوا جميعاً متعلقين بهذا المسيح ” مسيح المستقبل ” الذي سوف يأتي في ” ملء الزمان” والذي وصفه الروح القدس في سفر دانيال النبي بـ ” المسيح الرئيس ” (دا 24:9)، و ” المسيح ” و ” قدوس القدويسين ” (دا 25:9)، والذي سوف يكون له وظائف الكاهن والنبي والملك؛ الكاهن الكامل والنبي الكامل والملك الكامل.

______________________

5 Sanhedrin 99a. p. 670.

[3]Sanhedrin 98b. p. 667.

7Alfred Edersheim Life and Times of Jesus the Messiah, Appendix 9. List of Old Testament Passages Messianically Applied in Ancient Rabbinic Writings

http://philologos.org/__eb-lat/

وكان علماء اليهود قبل الميلاد ينتظرون المسيا ويعرفون زمن مجيئه، خاصة من نبوتي يعقوب عن شيلوه الذي سيأتي من نسل يهوذا ونبوَة دانيال النبي الذي حدد مجيئه وصلبه.

وظلوا منتظرين لمجيئه، ولما تجسد الرب يسوع المسيح، آمن به الكثير من اليهود، خاصة بعد القيامة والصعود وحلول الروح القدس، ولكن فريق منهم كان ينتظر منه أن يطرد الرومان ويسود على العالم ويحكمه عن طريق اليهود لمدة ألف سنة، ولما وجدوه ينادي بملكوت روحي سمائي، ملكوت الله، ملكوت السموات، يضم الناس من جميع الشعوب والأمم والألسنة، رأوا أنه يفقدهم أمالهم وتميزهم كشعب الله المختار، فرفضوه وقرروا التخلص منه، اعتقادا منهم أنه ليس هو المسيح المنتظر!! يقول الكتاب:

” فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعا وقالوا ماذا نصنع فان هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. أن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وامّتنا. فقال لهم واحد منهم. وهو قيافا. كان رئيسا للكهنة في تلك السنة. انتم لستم تعرفون شيئا. ولا تفكرون انه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها ” (يو11 :47-50).

والسؤال هنا هو؛ هل غير هؤلاء رأيهم وتفسيرهم لهذه النبوّات والإجابة؛ لا، لأنهم لا يزالون ينتظرونه حتى اليوم، ولكنهم فقط قالوا: ” ملعون الإنسان الذي يحسب أزمنة النهاية “!! وقال بعضهم: ” لقد أخر المسيح موعد مجيئه بسبب خطايانا “!! ولكنهم لا يزالوا ينتظرون مجيئه. قال موسى بن ميمون في القرن الثاني عشر (1135-1204): ” أنا أؤمن إيماناً كاملاً بمجيء المسيح، وعلى الرغم من أنه قد تأخر فسوف أنتظره يومأ بعد يوم حتى يأتي[1].

5 – ما كتبه علماء اليهود في فترة ما بين العهدين:

وما كتبه علماء اليهود في فترة ما بين العهدين، بناء على ما فهموه وفسروه لنبوّات الأنبياء عن المسيح الآتي والمنتظر فهو كثير، فقد امتلأت كتب اليهود سواء الأبوكريفية أو ما جاء في الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية التي تمت قبل الميلاد وكتب الربيين

والترجوم والمشناه[2] والتلمود وغيرها؛ وسنكتفي هنا بفقرات منها توضح لنا صورة المسيح كما كان ينتظره اليهود قبل الميلاد. ومن أهم ما جاء في هذه الكتب هي أوصاف المسيح المنتظر وخاصة ألقاب ابن الإنسان وابن الله والممسوح والمختار والديان الجالس عن يمين العظمة والذي ستخضع له جميع الأمم والشعوب، بل وكلمة الله الذي يعمل أعمال الله ويمثل الله والذي مع الله وفي ذات الله. والكثير مما جاء فيها يتطابق مع ما جاء عن الرب يسوع المسيح في العهد الجديد!! وفيما يلي نماذج لما جاء فيها من أوصاف للمسيح المنتظر:

_____________________

8 THE Messiah, The prophecies and the Talmud

http://koti.phnet.fi/elohim/Messiah_prophesies_Talmud

9 ” مشناه ” كلمة عبرية مشتقة من الفعل العبري ” شنَّاه ” ومعناه ” يُثنِّي ” أو ” يكرر “. ولكن، تحت تأثير الفعل

لآرامي ” تانا “، صار معناها ” يدرس “. ثم أصبحت الكلمة تشير بشكلٍّ محدد إلى دراسة الشريعة الشفوية، وخصوصاً حفظها وتكرارها وتلخيصها. والمشناه مجموعة موسوعية من الشروح والتفاسير تتناول أسفار العهد القديم، وتتضمن مجموعة من الشرائع اليهودية التي وضعها معلمو المشناه (تنائيم) على مدى ستة أجيال (10ـ 220). وتُعَدُّ المشناه مصدراً من المصادر الأساسية للشريعة، وتأتي في المقام الثاني بعد العهد القديم الذي يُطلَق عليه لفظ ” مقرا ” (من ” قرأ “) باعتبار أن العهد القديم هو الشريعة المكتوبة التي تُقرأ.

أما المشناه، فهي الشريعة الشفوية، أو التثنية الشفوية، التي تتناقلها الألسن، فهي إذن تكرار شفوي لشريعة موسى مع توضيح وتفسير ما التبس منها، ولابد من دراسـته (وتسـمية العهد القديم بالمقرا حدثت في العهد الإسلامي، وهي صدى للتفرقة بين القرآن والسنة، فظهرت التفرقة بين المقرا والمشناه). ولهذا، فإن المشناه تُسمَّى ” الشريعة الثانية “. وتتضارب الآراء المتصلة بمدلول كلمة ” مشناه “، فيذهب البعض إلى أنها تشير إلى الشريعة الشفوية بكاملها (مدراش وهالاخاه وأجاداه).

ولكن الرأي الآن مستقر على أن المشناه تعني الهالاخاه فقط، حتى أن كلمتي ” مشناه ” و ” هالاخاه ” أصبحتا مترادفتين تقريباً. ومع هذا، فإن هناك فقرات أجادية في نهاية كل قسم من أقسام المشناه. وعلى أية حال، فإن فقرة واحدة تتضمن سنة واحدة في الفقهيات التشريعية يُسمَّى ” مشناه ” وجمعها ” مشنايوت “. أما كتاب المشناه ككل فيشار إليه أحياناً بأنه ” هالاخاه ” وجمعها ” هالاخوت “.

وقد دوِّنت المشناه نتيجة تراكم فتاوى الحاخامات اليهود (معلمي المشناه) وتفسيراتهم وتضاعفها كمياً بحيث أصبح من المستحيل استظهارها، فبدأ تصنيفها على يد الحاخام هليل (القرن الأول الميلادي)، وبعده الحاخام عقيبا ثم مائير. أما الذي قيدها في وضعها الحالي كتابةً، فهو الحاخام يهودا الناسي (عام 189م) الذي دونها بعد أن زاد عليها إضافات من عنده (ولكن هناك من يقول إنه لم يدونها رغم اقترانها باسـمه، وقد ظـلت الأجيـال تتناقـلها حتى القرن الثامن الميلادي).

ويتكون كل من التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي من المشناه والجماراه. ووجه الاختلاف بينهما في الجماراه، أما المشناه فهي مشتركة بين التلمودين. والواقع أن لغة المشناه هي تلك اللغة العبرية التي أصبحت تحتوي على كلمات يونانية ولاتينية وعلى صيغ لغوية يظهر فيها تأثر عميق بقواعد الآرامية ومفرداتها، وتُسمَّى عبرية المشناه. ويصل حجم المشناه في الترجمة الإنجليزية إلى 789 صفحة.

ولذا، ورغم أنها تعليق على العهد القديم، فإنها أكبر منه حجماً. ويجب التمييز بين المشناه والمدراش، فالمدراش (حتى التشريعي الهالاخي) تعليق على النصوص التوراتية نفسها، أما المشناه فتهدف إلى تقديم المضمون القانوني للشريعة الشفوية بشكل مجرد ودون العودة إلى النصوص التوراتية.

(1) الكلمة، كلمة الله: يقول المرنم بالروح في سفر المزامير: ” بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها ” (مز33 :6). وكلمة الرب هنا ” hw”hy>â rb:åd>Bii- dâbâr yhwh “، أي كلمه يهوه.

وقد فهم منها علماء اليهود قبل الميلاد أن الله يخلق ويعمل في الكون بكلمته، وأن كلمته هو كيان ذاتي في ذاته بل هو الله ذاته، ولذا فقد ترجم العلماء اليهود الكلمة هنا، منذ أيام عزرا الكاهن والكاتب (في القرن الخامس قبل الميلاد) في الترجوم إلى ” ميمرا – מימרא – Memra أو ma’amar ” في الآرامية والتي تساوي في اليونانية ” لوجوس – logos – λογος “.

ونظراً لأن اليهود بعد عودتهم من السبي كانوا يخشون من نطق اسم الله ” يهوه – יהוה ” وذلك بسبب قداسة الاسم الشديدة وعظمته ورهبته بالنسبة لهم، وكذلك بسبب الخوف من تحذير الوصية الثالثة القائلة: ” لا تنطق باسم يهوه إلهك باطلاً لأن يهوه لا يُبرى من نطق باسمه باطلاً ” (خر20 :7). وأيضاً بسبب الخوف من الوقوع تحت عقوبة التجديف التي هي الموت رجماً: ” ومن جدف على أسم يهوه فإنه يقتل. يرجمه كل الجماعة رجماً. الغريب كالوطني عندما يجدف على الاسم يقتل ” (لا 16:24).

ولذا فقد أمتنع اليهود عن النطق به نهائياً منذ ذلك الوقت، وبالغوا في ذلك كثيراً، ودعوه ” بالاسم الذي لا ينطق به ولا يصح ذكره “[1]. وكانوا عند قراءة

10 Theo. Dic. OT Vol. 5 P. 500.

ويعقب الفيلسوف اليهودي فيلون Philo (20ق.م-40م)  على لاويين (15:24) ” كل من سب إلهه يحمل خطيئته “، بقوله ” إذا كان هناك أحد، لا أقول أنه يجدف على رب الناس والآلهة، بل يجرؤ فقط على أن ينطق باسمه في وقت غير مناسب فليتوقع الموت ” (” أنت المسيح ابن الله الحي” جـ 90:5).

وقال أيضاً ” الاسم يهوه لا يجوز أن ينطق به إلا الذين تطهرت بالحكمة آذانهم وألسنتهم، وبشرط أن يسمعوه وينطقوا به في مكان طاهر ” (السابق ص 90). وجاء في القاموس الدولي للدين ” هذا الاسم (يهوه) مقدس لدرجة أن اليهود لم ينطقوه عالياً قط ودائماً يستبدلونه بلقب آخر ” (The Int. Dic. Of Religion P. 99.)، ويقول التلمود البابيلوني ” أن اليهود امتنعوا أن يلفظوا الاسم، بل والكهنة أيضاً لم يعودوا ينطقون به حتى في تلاوة البركة ” (أنت المسيح جـ 91:5.).

ويقول التلمود الأورشليمي أنه كان مشروعاً لرئيس الكهنة أن ينطق بالاسم في احتفالات يوم الكفارة (السابق). وكان ينطق به بصوت خفيض في قدس الأقداس حتى لا يسمعه أحد خارجاً. وبلغت المبالغة في الخوف من نطق الاسم أن يقول أحد الربيين، كما ينقل د.ت. بيرسون D. T. Pierson، أن من يجرؤ على النطق

بهذا الاسم (يهوه) سيفقد مكانه في العالم الآتي (All D. Names P. 18 .)، أي يحرم من السعادة الأبدية. ومن ثم فقد دعوه بـ ” الاسم – Ha Shem” و ” الاسم العظيم المهوب ” و ” الاسم الخاص ” و “الاسم المنفصل” و “الاسم الذي لا ينطق به” و ” الاسم الذي لا يوصف ” و ” الاسم المحفوظ، و ” الاسم المقدس ” و ” الاسم المتميز ” و ” الاسم الذي من أربعة أحرف ( ى . ه. و . هـ Y H W H) ” (Ibid 17.).

وغالباً ما يسمى بالكلمة اليونانية ” تتراجراماتون –       Tetragrammaton – τετραγράμματον ” أي الاسم ذو الحروف الأربعة (YHWH, JHVH) (The Levicon Web. Dic. Vol. 2. P. 1017).

وكانوا عند قراءة يهوه يستبدلونه بـ ” أدوناي – Adonai” والذي يعنى ” ربى – My Lord “، ويضعون التشكيل والحركات التي للاسم “ادوناى” على الحروف الأربعة “ى.هـ.و.هـ” للاسم الذي لا ينطق به، وينطقون ” أدوناي “. وهكذا تركوا الحروف الساكنة الأربعة ليهوه، في النص، ووضعوا معهم الحروف المتحركة أدوناي (a – o – a).

ومن هذا جاء الاسم الهجين ” جيهوفاه – Jehovah ” المستخدم في الانجليزية والفرنسية والألمانية، وهو الشائع الآن. كانت اللغة العبرية تتكون من 22 حرفاً ساكناً وليس بها حركات أو حروف متحركة. وكان القارئ يدرك النطق الصحيح ويضع الحروف المتحركة من الذاكرة تقليدياً، ومع عدم نطق اسم يهوه فقد ضاع النطق الصحيح له. وبدأت الحركات والحروف المتحركة تدخل اللغة العبرية، حتى تم ذلك على أيدى المأسوريين، أى حملة التقليد (ماسورا) فيما بين 500 إلى 950م (كتاب التوراه كيف كتب وكيف وصلت إلينا) للمؤلف ص 29 و 73.

وقد فقد النطق الصحيح للاسم من التقليد اليهودي أثناء العصور الوسطى (Theo. Dic. OT Vol. 5 P. 500). وصار ينطق بأشكال مختلفة أهمها: ” ياهفيه أو يهفيه – Yahveh, Yeheveh ” أو ” ياهفي – Yahve ” أو “جيهوفا –  Jehova” (The Pulpit Com. Vol. 1 Ex. 57. See also Clarke’s Com. Vol. 1 P. 475.).

يقول المؤرخ والكاهن اليهودي يوسيفوس (36 – 100م) أنه غير مشروع له أن يقول شئ عن هذا الاسم المقدس ونطقه (Ant. B. 2:4).

قوله: ” وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار. فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة “. وقد ورد تعبير ” وسمعا صوت الرب الإله ” في العبرية: ” وسمعا صوت كلمة الرب “. ويظهر تعبير ” ميمرا – מימרא – Memra أو ma’amar ” كتعبير عن الظهور الإلهي وعمل الله في الخليقة 596 مرة في الترجومات، ويستخدم ترجوم أونكيلوس هذا التعبير 179 مرة، وترجوم يروشاليمي 99 مرة، وترجوم يوناثان 321 مرة. وعلى سبيل المثال فقد ترجم قوله: ” فخلق الله الإنسان على صورته.

على صورة الله خلقه ” (تك1 :27)، ” فخلق كلمة الرب (ميمرا – מימרא – Memra) الإنسان “. وقوله: ” فدعت (أي هاجر) اسم الرب الذي تكلم معها أنت إيل رئي ” (تك16 :13)، إلى ” فدعت كلمة الرب (ميمرا – מימרא – Memra) “. وقوله: ” فقال إبراهيم الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني ” (تك22 :8)، إلى ” فقال إبراهيم كلمة الرب (ميمرا – מימרא – Memra) يرى له الخروف للمحرقة يا ابني “.

وقوله: ” ونذر يعقوب نذرا قائلا أن كان الله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه وأعطاني خبزا لآكل وثيابا لألبس ورجعت بسلام إلى بيت أبي يكون الرب لي ألها ” (تك28 :20و21)، إلى ” أن كان الله (ميمرا – מימרא – Memra) معي 000 يكون كلمة الرب (ميمرا – מימרא – Memra) لي إلها ” 00 الخ

أي أنهم ميزوا كلمة الرب أو كلمة الله في الذات الإلهية ونسبوا له الظهورات الإلهية وكل أعمال الله وعلى رأسها الخلق. وبالرغم من ذلك كان خاص بالذات الإلهية والتعدد في الذات الإلهية للإله الواحد، إلا أنه كان الطريق المؤدي لمعرفة لاهوت المسيح وكونه كلمه الله الذاتي: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان، فيه كانت الحياة ” (يو1 :1-4).

(2) ابن الإنسان المعبود والرب الجالس عن يمين الآب: ومن أهم الألقاب التي وردت في هذه الكتب عن هذا الآتي؛ المسيح المنتظر والنسل الموعود، هو لقب ابن الإنسان الذي أعلن في سفر دانيال النبي، والذي تأثر به الأدب اليهودي في فترة ما بين العهدين بشدة وصار ملهما لكتاب هذه الفترة وتأثروا به كثيرا في كتباتهم الأبوكريفية وغيرها، فقد تنبأ دانيال النبي في رؤياه التي رآها عن شبه ابن الإنسان المعبود الذي تتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة فقال:

” كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا7 :13و14). وكذلك نبوة داود النبي عن المسيح الرب الجالس عن يمين الله الآب: ” قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك ” (مز110 :1).

وكان لهاتين النبوتين تأثيرا كبيرا على كتاب فترة ما بين العهدين كما كانتا مصدرا لإلهامهم ولذا نجد صداهما في الكثير من هذه الكتابات، وعلى سبيل المثال فقد ورد لقب ابن الإنسان في هذه الكتابات مرات كثيرة…

وكذلك وصف المسيح بابن الله الذي يمثل الله والذي من ذات الله وله نفس صفات وألقاب الله، وكونه الجالس على عرش المجد، عن يمين الله، وابن العلي، الكائن في ذات الله قبل الخليقة، والديان، والذي  يسجد له جميع سكان الأرض، والذي يأمر ويمارس السلطان على الأرض وبفمه تُعلَن كلُّ أسرار الحكمة، وسيحكم على كثير من الأمم وسينتشر ملكوته كل يوم وسيرتفع في العلي، وسيكون ملكوته ملكوت أبدي.

وقد ورد لقب ابن الإنسان في ثلاثة مراجع أخرى خارج الكتاب المقدس، في التقليد اليهودي المعاصر للمسيح، وهي سفر أخنوخ الأول الأبوكريفي وسفر عزرا الرابع الأبوكريفي وكتابات فيلو الفيلسوف اليهودي الإسكندري المعاصر للمسيح. ويبدو أنها كلها كانت متأثرة بما جاء في نبوّة مزمور 110 وما جاء في سفر دانيال النبي. وعلى الرغم من أن عبارة ” ابن الإنسان ” لم ترد في التلمود اليهودي والذي كتب بعد المسيح بمئات السنين إلا أن كثيرين من الربيين اليهود فسروا نبوة دانيال النبي عن ابن الإنسان على أنها خاصة بالمسيح الآتي والمنتظر:

(أ) سفر أخنوخ الأول: استخدم هذا السفر المكتوب في القرنين الأول قبل الميلاد والأول بعد الميلاد، في جزئه الثاني المعروف بالخطب الأخروية أو أمثال أخنوخ ( في الإصحاحات من 37 إلى71)، عبارة ولقب ” ابن الإنسان ” مرات عديدة عن كائن أسمى من الملائكة والبشر دعاه أيضا بـ ” المختار Elect – “، وقد وصفه بصفات تتطابق كثيرا مع صفات ” مثل ابن الإنسان ” في سفر دانيال النبي:

1 – فقال في الإصحاح 39 ” رأت عيناي مختار الحق والإخلاص، العدالة ستسود في زمنه، والأبرار والمختارون، الذين لا يحصى عددهم (سيمتثلون) أمامه 000 والأبرار والمختارون كانوا كلهم أمامه بمثل جمال نور النار 000 بحضوره لن تهلك العدالة أبداً، ولن يفنى الحق بوجوده ” (6و7).

2 – هذا المختار سيجلس على عرش المجد:سيجلس مختاري على عرش المجد وسيصنف أعمالهم ” (3:45).

ويقول أيضاً: ” نصفهم ينظر إلى النصف الآخر فيُرتج عليهم، ويخفضون الرؤوس من العذاب حين يرون ابن الإنسان هذا يجلس على عرش مجده. فمنذ البدء ظلّ ابن الإنسان مخفياً. احتفظ به العليّ داخل قدرته 000 ربّ الأرواح يقيم فيهم ومع ابن الإنسان يأكلون وينامون ويقومون، على الدوام ” (62 :5- 7و 14).

3 – كما يصفه أيضا بالذي ينتمي إليه الحق: ” هناك رأيت ذاك القابض على رأس الأيام. رأسه كالصوف الأبيض، ومعه آخر، له وجه ذا شكل بشريّ، والنعمة تفيض منه مثل أحد الملائكة القديسين. سألت عن ابن الإنسان هذا، أحد الملائكة القديسين الذي كان يرافقني ويريني جميع الأسرار: ” من هو هذا؟ ومن أين يأتي؟ ولماذا يرافق رأس الأيام؟ “، فأجابني: ” هو ابن الإنسان الذي له البرّ. البرّ يقيم معه. وهو من يكشف كلَّ كنز الأسرار. فهو من اختاره ربّ الأرواح ونال نصيبه نصراً أمام ربّ الأرواح، بحسب الحقّ، إلى الأبد.

وابن الإنسان هذا الذي رأيته يقيم الملوك والمقتدرين عن مضاجعهم، والأقوياء عن مقاعدهم. يحلّ رباط الأقوياء ويحطّم أسنان الخطاة. يطرد الملوك عن عروشهم ومن مملكتهم، لأنهم لم يعظّموه ولم يمجدوه ولم يقرّوا من أين جاء ملْكهم يحطّ وجه الأقوياء، يملأهم خزياً، فتكون الظلمة مسكنهم، والدود مضجعهم، ولا أمل لهم بقيام،

لأنهم لم يعظّموا اسم ربّ الأرواح. وجود ابن الإنسان منذ الأزل ” (1:46-6).

4 – وجوده قبل الخليقة: فيقول: ” ورأيتُ في هذا الموضع عين البرّ التي لا تجفّ، تحيط بها عيون عديدة من الحكمة حيث يشرب العطاش فيمتلئون حكمة ويكون مسكنهم مع الأبرار والقديسين والمختارين. في هذه الساعة دعي ابن الإنسان هذا إلى ربّ الأرواح ونُودي باسمه أمام رأس الأيام. قبل أن تُخلق الشمسُ والعلامات قبل أن تُصنع كواكب السماء، أُعلن اسمه أمام ربّ الأرض. يكون عصا للأبرار، يستندون إليها ولا يعثرون.

يكون نور الأمم، يكون رجاء المتألمين في قلوبهم. أمامه ينحني ويسجد كل سكّان اليابسة. يمجّدون، يباركون، ينشدون ربّ الأرواح. لهذا صار المختارَ، وذاك الذي كان خفياً لديه قبل خلق العالم وحتى مجيء الدهر ولكن حكمة ربّ الأرواح كشفته للقديسين والأبرار. فقد حفظ نصيبَ الأبرار، لأنهم أبغضوا واحتقروا عالم العنف هذا وأبغضوا كلَّ عمله وكلَّ طرقه باسم ربّ الأرواح. باسمه يخلَّصون، وبمشيئته صار هو حياتهم ” (48 :1-7).

وأيضاً: ” باطلاً يُخفض ملوكُ الأرض وجهَهم في ذلك الوقت، والمقتدرون أسيادُ اليابسة، بسبب عمل أيديهم. ففي اليوم الذي يحلّ بهم الضيق والوجع لن يخلّصوا أنفسهم. ولكن أسلّمهم إلى أيدي مختاريّ. كالعشب في النار يحترقون أمام القديسين، كالرصاص في النار يبتلعون أمام الأبرار ولا يتركون أثراً.  في يوم عذابه يكون الهدوء على الأرض. يسقطون أمام الأبرار (أو: أمامه) ولا يقومون. لا يمدّ إليهم أحدُ يداً ليقيمهم لأنهم أنكروا ربّ الأرواح ومسيحه. ليكن اسم ربّ الأرواح مباركاً ” (8 -10).

5 – ثم يصفه في بقية الإصحاحات كنور الأمم الموجود قبل الخليقة والذي سيسجد له جميع سكان الأرض: ” و(لفظ) اسمه بحضور مبدأ الأيام. قبل أن تُخلق الشمس والإشارات، قبل أن تصنع نجوم السماء، كان اسمه قد أعلن بحضور رب الأرواح. سيكون عصا للأبرار، وسيتكئون عليه بلا خوف من التعثر. سيكون نوراً للأمم، سيكون أملاً للذين يتألمون في قلبهم. أمامه سينحني ويسجد جميع سكان الأرض ” (2:48-5). ثم يؤكد بعد ذلك أنه أُعطي ابن الإنسان هذا كل الدينونة (27:69-29)، وأنه سيجلس

على عرش الله (1:51-3؛6:61-8)[1].

________________________

11 أنظر ” مخطوطات قمران – البحر الميت ” جـ 2 : 45-56 . مع  H.F.D.Sparks The Apocryphal O T p. 221-257.

6 – ثم يصفه كالديان: ” في ذلك الوقت تُعيد الأرض ما أُودع فيها ويردّ مثوى الأموات ما تقبّل، والهلاك يعيد ما عليه من واجب يتميّز وسط (الموتى) الأبرار والقديسين لأن يوم الخلاص قد جاء لهم في ذلك الوقت يجلس المختار على عرشي، بفمه تُعلَن كلُّ أسرار الحكمة لأن ربّ الأرواح أعطاه (إياها) ومجّده جبال من المعادن لمجيء المختار ” (51 :1-3).

7 – سلطان المسيح على الأرض: ” بعد هذا الوقت، وفي الموضع الذي فيه رأيت كل الرؤى السرية، فقد كنت اختُطفت في إعصار وحُملت إلى الغرب، رأيت بعينيّ جميع أسرار السماء المقبلة: جبل من حديد، جبل من نحاس، جبل من فضّة، جبل من ذهب، جبل من قصدير، جبل من رصاص. فسألت الملاك الذي كان يرافقني: ” ما هذه الرؤية السرّية التي رأيتها؟ “، فأجابني: ” كل ما رأيتَه يخدم سلطان مسيحه، فيأمر ويمارس السلطان على الأرض ” (52 :1-3).

8 – مديح ابن الإنسان: ” أحَسّوا بفرح عظيم، باركوا، مجّدوا، عظَّموا، لأن اسم ابن الإنسان هذا كُشف لهم. جلس على عرش مجده ومجمل الدينونة أعطيت لابن  الإنسان هذا. يزيل الخطاة من على وجه الأرض ويسلّمهم إلى الفساد مع الذين أضلّوا العالم. يقيّدون ويُسجَنون في حبس الفساد وكل عملهم يزول من على وجه الأرض عند ذاك لن يكون شيء فاسداً لأن ابن الإنسان هذا قد ظهر وجلس على عرش مجده. زال كل شرّ من على وجه الأرض ومضى. يتحدّثون إلى ابن الإنسان هذا فيقوم أمام ربّ الأرواح ” (69 :26-29).

9 – ارتفاع ابن الإنسان: ” ثم حصل أن اسم ابن الإنسان هذا رُفع حياً إلى ربّ الأرواح، من بين سكّان اليابسة. رُفع على مركبة الريح وأخذ اسمه من بينهم ” (70 :1و2).

(2) وجاء في مزامير سليمان: ” أنظر، يا ربّ، وأقم لهم ملكهم، ابنَ داود، يوم تعرف، يا الله، ليملكَ على إسرائيل عبدك. لا يضعف طوال حياته، أنه استند إلى إلهه. فالله منحه القوّة، بالروح القدس، والحكمةَ بمشورة الفهم، القدرةَ والبرّ 000 ذاك هو بهاء ملك إسرائيل الذي هيّأه الله، وأقامه على بيت إسرائيل وأدّبه ” (17:21و37و42).

(3) وجاء في باروخ الثاني: ” عندئذ حين يتمّ ما يجب أن يحصل في هذه الأجزاء، يبدأ المسيح فيكشف عن نفسه. ويكشف بالموت عن نفسه في موضعه 000 والأرض أيضًا تعطي ثمارها، كل واحد بعشرة آلاف. وعلى جفنة واحدة يكون عشرة آلاف غصن، ويعطي كل غصن ألف عنقود عنب، وكل عنقود يعطي ألف حبّة. والحبّة تعطي من النبيذ. والذين جاعوا سيكونون في الفرح، بل يرون كل يوم معجزات لأن رياحًا ستخرج من عندي، فتحمل كلّ صباح رائحة الثمار العطرة، وفي نهاية النهار، تقطر الغيوم ندى الشفاء ” (29 :3-7).

ويقول أيضاً: ” وبعد هذا، وحين يتمّ زمنُ مجيء المسيح فيعود لمجده، يقوم جميع الذين رقدوا في رجائه ” (30:1). ” الرئيس العظيم الذي يظلّ في ذلك الوقت على قيد الحياة، ساعة يدمَّر جمهور جماعاته، يُقيَّد ويؤخذ إلى جبل صهيون. فيتهمه مسيحي بكل كفره، ويجمع أمامه كل أعمال جماعاته ” (40:1). وأيضاً: ” بعد أن تأتي الآيات التي سبق وقلتها لك، تضلّ الأمم ويأتي زمن مسيحي. فيدعو إليه كل الأمم، فيحيي بعضًا ويقتل بعضًا، وهذا ما يحصل للأمم التي ستحيا به ” (72:2).

(4) وجاء في كتاب عهد لاوي: ” وبعد أن يتمّ عقابهم من الربّ، يزول الكهنوت. فيقيم الربّ كاهناً جديداً تُكشف له كلُّ أقوال الرب، فيمارس دينونة الحقّ على الأرض خلال العديد من الأيام. يطلع كوكبه في السماء ككوكب ملك، ويُشعّ بنور المعرفة كما الشمس في وضح النهار، فيعظَّم في العالم كله. يُشع كما الشمس على الأرض فيزيل كل ظلمة من تحت السماء، ويملك السلام على الأرض كلها.

في أيامه تهلّل السماء، والأرض تفرح والغمام يبتهج. وتنتشر معرفة الربّ على الأرض كمياه البحار، ويبتهج من أجله ملائكة مجد وجه الرب. تنفتح السماء، ومن هيكل المجد يأتي عليه التقديس، وصوت أبويّ مثل صوت إبراهيم لإسحاق. فمجد العليّ يُعلن عليه، ويحل عليه في الماء روحُ الفهم والتقديس ” (18 :1-7).

(5) وجاء في كتاب عهد يهوذا: وصف المسيح ككوكب يعقوب: ” بعد هذا يطلع لكم

كوكب من يعقوب، في السلام. يطلع رجل من ذرّيتي كشمس البرّ، يسلك مع البشر في الوداعة والبرّ، ولا تُوجد فيه خطيئة. تنفتح السماوات له لتُفيض الروح، بركة الآب القدوس، وهو يفيض روح النعمة عليكم تصيرون أبناءه في الحقيقة، وتسلكون في أوامره الأولى والأخيرة. هو نبت العلي، وهو الينبوع المحيي الجميع. فيشعّ صولجان ملكي، ومن جذركم ينبت جذع منه يخرج صولجان البرّ للأمم ليدين جميع الداعين للرب ويخلّصهم ” (24 :1-5).

(6) وجاء في مخطوطات قمران الكثير من النماذج نختار منها ما يلي:

(أ) ما جاء قي 4QAramaic Apocalypse (4Q246), col. II: ” وسيدعى ابن الله، وسيدعونه ابن العلي 000 وسيكون ملكوته ملكوت أبدي 000 ويعم الأرض السلام والحق ويتوقف السيف في الأرض وستبايعه كل المدن. وهو إله عظيم بين الآلهة 000 وسيكون ملكوته ملكوتا أبدياً “.

(ب) وجاء في 4Q252 frag 1, col5): [on Gen 49.10]:: ” لن تزول السيادة من سبط يهوذا، وبينما يكون لإسرائيل السيادة فلن يعدم أحد من الجلوس على عرش داود 000 حتى يأتي مسيح العدالة، فرع داود “.

(7) أما فيلو اليهودي فيقول في كتابه حياة موسى (The Life of Moses I:289-290): ” سيأتي إنسان، وسيحكم على كثير من الأمم وسينتشر ملكوته كل يوم وسيرتفع في العلى “.

ويقول في (On Rewards and Punishments 95): ” سيأتي إنسان يقول أقوال الله “. وقد وصف ابن الإنسان بنفس الصفات المذكورة في سفر دانيال النبي ويقترب كثيرا مما جاء عن ابن الإنسان على لسان الرب يسوع المسيح، ولكنه لا يعترف أنه يسوع الناصري[1].

(8) وجاء في سفر عزرا الرابع: والذي كتب قبل الميلاد، ويتكلم عن ابن الإنسان المهيب الرهيب الخارج من البحر، والذي يصفه بقوله ” ونظرت [ وإذا بهذه الريح تُصعد من قلب البحر كائناً كان مثل إنسان ونظرت وإذا ] بهذا الإنسان يطير مع سحب السماء وحيث كان يدير وجهه لينظر كان كل ما يقع عليه نظره يرتجف “. ثم يصفه بالجبار المهيب الذي يبيد الأشرار بنفخة فمه ويضم إليه الأبرار (1:13-13)[2].

وهناك الكثير مما جاء في الترجومات وبقية كتب اليهود مما سنفرد له بحث خاص فيما بعد.

(2) والنبوّات الرمزية وخاصة التي ركزت على عمله الفدائي من خلال الذبائح التي كانت تقدم كفارة عن الخطايا والمذبح الذي كانت تقدم عليه والكهنة الذين كانوا يقدمونها، لكونه سيكون هو نفسه الكاهن الأعظم والذبيح الأعظم الذي سيقدم نفسه كذبيحة أثم وكفارة لكل خطايا العالم على المذبح الذي حمله والذي هو خشبة الصليب. وهذه ما شرحه الوحي الإلهي تفصيليا في الرسالة إلى العبرانيين، وكما سنوضح لاحقاً.

6 – فكرة اليهود وما توقعوه في المسيح المنتظر:

كان اليهود يؤمنون بالمسيح المنتظر ويتوقعون مجيئه في تلك الأيام، الأولى من القرن الأول الميلادي، ولكنهم كانوا يتوقعون مسيحا ملكا يملك على العالم لمدة ألف سنة يكون كل شيء فيها ألفي!! فقد فهموا معظم النبوات الخاصة بتجسد المسيح فهما حرفيا! وتوقعوا أنه سيأتي ليحكم الأرض من خلالهم ويجعل أورشليم عاصمة للعالم ” أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب ” (مز72: 9)..

” ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك فتعلمين أنى أنا الرب الذي لا يخزي منتظروه ” (إش49: 23).

وكان الدافع الأول لهذا الفكر الغريب هو حالة العبودية التي عاش تحتها هذا الشعب اليهودي مشتتا وطريدا على وجه الأرض ابتدأ من العبودية في مصر، ثم السبي الآشوري والبابلي والفارسي، ثم تحت وقوعهم تحت الحكم اليوناني والسوري والروماني.

وقد تطور هذا الفكر بدرجة كبيرة في فترة ما بين العهدين؛ ومن ثم امتلأت الكتب الأبوكريفية والمنحولة من أمثال رؤيا عزدراس وسفر اخنوخ وكتاب اليوبيلات ورؤيا باروخ وغيرها، وذلك إلى جانب أقوال الربيين التي وردت في أجزاء كثيرة من التلمود، بالأفكار التي تتحدث عن ظهور الملك المسيا الذي سيملك على العالم مدة ألف سنة.

ومن ثم أخذوا يفسرون نبوات العهد القديم عن مجيء المسيح، مسيحهم المنتظر، تفسيرا ماديا خياليا لا يتناسب مع فكر المسيح الذي قال ” مملكتي ليست من هذا العالم “، وإنما بما يتناسب مع فكرهم المادي، فقد أدى فشلهم الديني وفهمهم القاصر لحقيقة ملكوت الله إلى طلب ملكوت مادي أرضى، دنيوي.

  ويتحدث كتاب رؤيا اسدراس (عزدراس26:7 – 28) عن الملكوت، الذي يرى أنه سيمتد 400 سنة في العالم كالآتي: ” سيأتي الوقت عندما تُرى العلامات التي أنبأت بها، وستظهر المدينة المخفية الآن (أورشليم السمائية)، والمختومة ستكون مرئية، وسيرى كل الذين خلصوا من الشرور (أي الذين تم جمعهم من الشتات) أعمالي العجيبة التي سبق أن أنبأت بها، وسيظهر ابني المسيا مع رفقائه، ويجلب 400 سنة من السلام لكل الأحياء 000 “.

  ويقول كتاب رؤيا باروخ المترجم عن السريانية والذي يرجع لما بين سنة 100إلى سنة 50 ق. م ” بعد العلامات التي ظهرت والتي أخبرتك بها عندما تثور الأمم وتتآمر الشعوب ويأتي زمن المسيا، يدعو كل قبائل الأرض ويعفو عن بعضهم ويقدم البعض للذبح. فكل أمة لم تعرف إسرائيل ولم تطأ قدامها نسل يعقوب يعفي عنها، ولابد، لكي تكون هناك فرصة للبعض من كل أمة أن يدينوا لإسرائيل. أما أولئك الذين سادوا علي إسرائيل وعرفوه، سيدينون جميعهم للسيف.

ويحدث انه، إذ يُخضع (المسيا) كل ما في العالم، ويجلس علي عرش ملكه في سلام إلى الأبد، يحدث أن الفرح يبدو والراحة تظهر. وينزل الشفاء كالندى، وتختفي الأمراض، ولا يكون هناك قلق ولا تعب ولا مراثي من إنسان، وتنتشر السعادة في كل الأرض. ولن يموت إنسان قبل وقته 000 وتأتى وحوش البرية من الأحراش وتخدم الناس. ويلعب الرضيع علي سرب الصل ويمد الفطيم يده علي جحر الأفعوان فتخرج الأفاعي من جحورها وتقدم له كل ولاء وخضوع تام. وتزول أتعاب الحبل عن النساء وتنقطع آلام الولادة عندهن وتتبارك ثمرة البطن.

لويكون في تلك الأيام، أن الحاصدين لا يعيون وان البنائين لا يكلون ولا يشقون. إذ أن الأعمال، من ذاتها، تتم بسرعة ونجاح. والقائمون بها يعملون في قسط وافر من الهدوء والارتياح. ويتمتع الناس بأعمار مديدة، وحياة سديدة، خالية من كل مرض وشقاء ومن كل تعب وعناء ومن شر الحروب والأوبئة.

وما أبهى تلك الوليمة الفاخرة التي يتصورونها عندما يكمل كل شيء في تلك الفصول، حيث يبدأ إستعلان المسيا. ويخرج بهيموث من مكانه ويصعد لوياثان من البحر. هذان الوحشان الهائلان[3] اللذان خلقا في اليوم الخامس وأبقيا إلى تلك الساعة. ليكونا طعاما لكل من بقي في ذلك الزمان. والأرض أيضا تخرج ثمرها آلافا مضاعفة وسيكون علي كل كرمة ألف غصن. وفي كل غصن ألف عنقود. وفي كل عنقود ألف عنبة.

وكل عنبة تنتج ألف كر من الخمر فيفرح الجياع بل يرون عجائب كل يوم. فإن الرياح ستخرج من قبل الله في كل صباح محملة بالأثمار ذات الروائح العطرية الذكية. وفي آخر النهار تمتلئ السحب بقطرات الندي البلورية الصحية. وفي ذات الوقت يحدث أن خزائن المن تنزل من السماء فيأكل منها في تلك السنين أولئك الذين انتهي إليهم ملء الزمان. وإذ تصير هذه كلها ويكمل زمن مجيء المسيا، يحدث انه يعود في مجد “

  كما جاء في كتاب اخنوخ الأول الذي كتب فيما بين سنة 150 وسنة 100 ق. م

ويزرعون بفرح إلى الأبد وحينئذ ينجو الأبرار ويعيشون حتى يلدوا آلافا من الأولاد ويكملون كل أيام شبابهم وسبوتهم في سلام. حينئذ تفلح الأرض بالبر.

وتغرس كلها بالأشجار وتمتلئ بالبركة. وتغرس بها كل شجرة شهية. ويغرسون فيها كروما. و الكرمة التي يغرسونها فيها تنتج عصيرا فائضا. وكل مكيال من البذور التي تزرع فيها يحمل ألفا. وكل مكيال من الزيتون ينتج عشر معاصر من الزيت. وتطهر الأرض من كل خطأ ومن كل أثم ومن كل دنس ومن كل ما جاء ليغير طهارة الأرض، أزلهم من الأرض. وكل أبناء البشر سيكونون أبرار، وكل الأمم تخدمني وتباركني، والكل يعبدني.. “.

12 Theological Dictionary of the N T . vol. 8 p.410-411.

13 السابق جـ 3 : 347 . مع The New English Bible. 2 Esdras ch. 13.

0

14 بهيموث (= وحيد القرن) ولوياثان حيوانات اقرب للأسطورية تمثل الشر في الكتاب المقدس حيث جاء في سفر أيوب: ” هوذا بهيموث الذي صنعته معك. يأكل العشب مثل البقر 000 أتصطاد لوياثان بشص أو تضغط لسانه بحبل ” (أي40 :15 :؛41 :1)، وسفر اشعياء ” في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان الحية الهاربة.لوياثان الحية المتحوّية ويقتل التنين الذي في البحر ” (اش27 :1).

التدبير الالهي الأزلي للفداء ونبوات الأنبياء عن المسيح في الفكر اليهودي قبل الميلاد

كتاب التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة

كتاب التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة

 

التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة

كتاب التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة

 

للتحميل اضغط هنا

Exit mobile version