في العالم القديم كانت السمة الأكثر تميزًا للعبادة هي الذبيحة، تقديم القرابين كهدية للإله أو في أغلب الأحيان كانت الذبيحة حيوانية، حيث كان دمه يُعتبر كفارة لتجنب غضب الإله أو تكفيرًا لمحو خطايا العابد. كان هذا هو السبب الرئيسي وراء الحاجة إلى وجود مكان مقدس، مكان محمي من التلوث البشري، حتى يمكن تقديم ذبيحة مقبولة لدى الإله هناك. اليوم نجد أنهار الدماء التي لا تنتهي والتي تتدفق من المذابح في معظم المعابد مروعة. كان هذا هو مصدر اللحوم المستخدمة في وجبات الطعام في غرف الطعام في المعبد – لم يكن اللحم يستخدم في الذبيحة نفسها أو يُعطى للكهنة. كانت الذبيحة والوجبة يذهبان معًا؛ أولئك الذين يأكلون الذبائح كانوا شركاء في المذبح (1 كورنثوس 10: 18).
كان هذا هو السبب الرئيسي وراء ضرورة وجود الكهنة: كان الكاهن والذبيحة يذهبان معًا؛ لا كاهن، إذًا لا ذبيحة مقبولة. لقد كان هذا المنطق هو الذي شكَّل الفكر المسيحي منذ القرن الثاني فصاعدًا: بما أنّ موت المسيح كان ذبيحة، كان لابد من وجود كاهن لتقديم الذبيحة ومذبح تقدم عليه الذبيحة.
إنَّ النقطة المهمة هنا هي أنّ الذبيحة واللاهوت يسيران جنباً إلى جنب أيضاً. كانت الذبيحة هي الاعتراف الأسمى بألوهية الشخص الذي قُدِّمت له الذبيحة. ويمكن وصف الذبيحة بأنها “المعيار النهائي للألوهية”.[1] ولهذا السبب كانت عبادة الإمبراطور مهمة للغاية عندما انتشرت غرباً في الإمبراطورية الرومانية. ذلك أنّ تقديم ذبيحة للإمبراطور كان بمثابة تأكيد واعتراف بأن الإمبراطور كان (بالفعل) إلهاً، على الرغم من أن الأباطرة خلال الجيل الأول من المسيحية كانوا يقاومون عبادة الإمبراطور عادةً بسبب هذا الأمر. ولنفس السبب اعتبر اليهود تقديم الذبائح للأصنام أمراً غير مقبول على الإطلاق، لأن الممارسة كانت بمثابة تأكيد علني على ألوهية قطع الحجر والخشب، وكان الإله المصنوع بأيدي بشرية أمر متناقض في ذاته ومستحيل.
لقد لعبت الذبيحة في ديانة إسرائيل دوراً حاسماً، ولكن دائماً باعتبارها ذبيحة لإله إسرائيل وحده. ففي هيكل أورشليم كان يتمّ تقديم خروف ذكر صغير مرتين في اليوم، صباحاً ومساءً، كذبيحة محرقة لله، إلى جانب الدقيق والزيت والخمر (خر 29: 40). وكان الأفراد يضحون بانتظام بذبائح المحرقة وذبائح السلامة (لاويين 1: 4؛ 3: 1)، وخاصة ذبائح الخطيئة وذبائح الإثم (لاويين 5).[2]
وكانت هاتان الذبيحتان الأخيرتان هما الذبيحتان الرئيسيتان، لأنهما كانتا تكفران عن الخطايا والتعديات. وكما تقول الرسالة إلى العبرانيين: “بدون سفك دم لا تحصل مغفرة للخطايا” (عبرانيين 9: 22). وكانت ذبيحة الخطيئة وكبش الفداء تشكلان محور طقوس يوم الكفارة السنوي، والتي كانت تُعالَج بها خطايا الشعب ككل (لاويين 16). ولم يكن هناك أي تفكير في تقديم مثل هذه الذبيحة لأي شخص آخر غير الله. كانت التضحيات المقدمة لأية آلهة أخرى مجرد تضحيات لأصنام بلا حياة.
إنَّ الموقف المسيحي الأقدم من طقوس الذبائح في إسرائيل غامض. فوفقاً لإنجيل متّى، قَبِل يسوع الالتزام بدفع ضريبة الهيكل، التي كانت تموِّل الذبائح اليومية في الصباح والمساء (متى 17: 24-27). ولكنه أعلن أيضاً غفران الخطايا، دون أي إشارة إلى كاهن أو ذبيحة خطيئة.[3] وتطهير يسوع للهيكل ونبوءته بتدميره يمكن تفسيرهما على أنهما رفض لطقوس الذبائح. ولكن حديثه عن تجديد العهد (أو العهد الجديد) في العشاء الأخير (مرقس 14: 22-24) يمكن أن يعني أيضاً أنه رأى موته الوشيك كذبيحة عهد، ذبيحة تختم العهد (خروج 24: 8).
وعلى نحو مماثل، يتسم موقف المسيحيين الأوائل بالغموض. فوفقاً للوقا، كان المؤمنون الأوائل يتواجدون باستمرار في الهيكل،[4] وكان بطرس ويوحنا يذهبان إلى الهيكل في ساعة الذبيحة المسائية (أعمال الرسل 3: 1). ويقول لوقا إن بولس نفسه شارك في طقوس الهيكل (21: 23-24، 26). وبناءً على اقتراح يعقوب، انضم إلى أربعة رجال كانوا تحت نذر. فتطهّر معهم ودفع نفقاتهم حتّى يتمكّنوا من حلق رؤوسهم. ومن المُفترض أنّ هذا يُشير إلى التشريع في العدد 6: 9-12، حيث كان تدنيس النذير يتطلب تطهيره لمدة سبعة أيام، وحلق الشعر غير المقصوص، وفي اليوم الثامن تقديم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطيئة والأُخرى ذبيحة محرقة للتكفير عن خطيئته.
في مقطع ذي أهمية كبيرة، يذكر بولس أن إيمان الإنجيل الذي ورثه أكّد “أنّ المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب” (1 كورنثوس 15: 3). وقد تلقى هذا الاعتراف على الأرجح فور اعتناقه المسيحية، والذي كان على الأرجح في غضون عامين من صلب المسيح. لذا كان هذا أحد أقدم التصريحات المسيحية عن الإيمان.
إن اعتبار موت المسيح على هذا النحو بمثابة ذبيحة خطيئة، أو ما يعادل حمل الفداء في يوم الكفارة، يؤكده مقاطع بولسية أخرى.[5] ومن هذا يمكن الاستدلال على أن (العديد أو معظم) المسيحيين الأوائل اعتبروا موت المسيح ذبيحة، ذبيحة تزيل الخطيئة وتكفر عنها وتطهرها. ويمكن توسيع الاستدلال هكذا: الإشارة إلى موت المسيح باعتباره ذبيحة عن الخطيئة كان يعني ضمناً أنه لم تكن هناك ذبائح أخرى عن الخطيئة ضرورية بعد ذلك لأولئك الذين آمنوا بيسوع.
هذا هو الخط الذي طوّرته الرسالة إلى العبرانيين بقوّة: كانت الذبائح القديمة غير فعّالة؛ إنَّ ذبيحة المسيح كانت وحدها فعَّالة؛ فقد أبرزت تلك الذبيحة التي قُدِّمَت مرة واحدة وإلى الأبد عدم كفاية الذبائح القديمة وجعلتها غير ضرورية (عبرانيين 10: 1-18). “حيث يوجد غفران (للخطايا) لا يكون بعد ذبيحة للخطية” (10: 18). ولعلّ اليونانيين، مثل استفانوس، الذين نأوا بأنفسهم عن هيكل أورشليم، كانوا قد توصّلوا بالفعل إلى هذا الاستنتاج، وكانوا هم الذين صاغوا الاعتراف الذي ورثه بولس.
في الوقت نفسه، ينبغي لنا أن نُلاحظ أنّ الصور التي تصف فعالية موت المسيح “عن الخطيئة” مستمدة من طقوس التضحية التي كان يمارسها شعب إسرائيل. والواقع أننا نستطيع أن نقول إنَّ هذه الصور لا يمكن أن تكون ذات معنى إلَّا إذا اعتبرنا أنّ طقوس التضحية ذات معنى وفعالية. وهذه هي الطريقة التي تعامل بها شعب إسرائيل مع خطاياهم لقرون عديدة. وعلى هذا فإنَّ استخدام صور التضحية لإضفاء معنى لاهوتي على موت المسيح كان يعتمد على افتراض أنّ طقوس التضحية بذبيحة الخطيئة ذاتها كانت ذات معنى لاهوتي. وليس هذا فحسب، بل وربما كان السبب في ذلك هو أنّ المسيحيين الأوائل كانوا يعتبرون موت المسيح ذبيحة لأن التضحية الدموية كانت تعتبر عموماً في العالم القديم جزءاً من العبادة الدينية.
إنَّ هذا الخط من التأمل يأخذنا بعيداً جداً عن بحثنا الرئيسي، لذا فلن أواصله هنا. ولكن النقطة المهمة بالنسبة لنا والتي تظهر هنا هي أنه في المسيحية الأولى، لم يُفهَم المسيح قط باعتباره الشخص الذي تُقَدَّم له الذبيحة، حتى عندما استُخدِمت صورة الذبيحة رمزياً للخدمة المسيحية.[6] كان يُفهَم المسيح عموماً باعتباره الذبيحة التي تعاملت بفعالية مع الخطيئة. وكان يُفهَم المسيح بشكل أقل على أنه الكاهن الذي قدم الذبيحة، باستثناء الرسالة إلى العبرانيين، حيث كان المسيح هو رئيس الكهنة الذي يُقدم الذبيحة وهو الذبيحة في نفس الوقت! وحتّى في سفر الرؤيا، كان المسيح هو “الحمل الذي ذُبِح”.
فإذا كان تقديم الذبيحة هو “المعيار النهائي للألوهية”، فإن يسوع لا يبدو مؤهلاً لذلك. ومع ذلك، يجب أن نتذكر في الوقت نفسه أن بولس رأى موت يسوع كعمل من أعمال الله: لقد قدم الله المسيح كذبيحة كفارة (رومية 3: 25)؛ إن موت المسيح هو الذي يُظهِر محبة الله (رومية 5: 8). يبدو أن المنطق يتعارض مع المنطق الذي يقوم عليه تقديم الذبيحة لله. فقد كان الله مشاركاً في الذبيحة ذاتها وفي تقديم الذبيحة، وكذلك في تلقي الذبيحة.
لذا فإذا كان الله على جانبي الصفقة، فمن المفترض ألا نضغط على النقيض الصارم بين الفاعل والمفعول به عند النظر إلى من قُدِّمَت له ذبيحة المسيح. ولعل الله كان على جانبي ذبيحة المسيح، فكذلك كان يسوع أيضاً على كلا الجانبين بطريقة ما ـ ليس باعتباره الشخص الذي قُدِّمَت له الذبيحة في موت المسيح، بل باعتباره مرتبطاً بتلقي الله تماماً كما كان الله مرتبطاً بتقديم المسيح كذبيحة.
[1] نورث North، ‘Jesus and Worship’ 200. ويتفق ماكجراث McGrath مع هذا الرأي: “كانت العبادة بالذبائح هي السمة المميزة للعبادة اليهودية الحصرية لإله واحد فقط”؛ “كانت العبادة الذبائحية للإله الواحد الذي لا صورة له هي القضية الحاسمة” (The Only True God Ch. 2; here 31, 35).
من كان يُدير الكون عندما صُلب المسيح؟ سؤال الأطفال – الأخ إغريغوريوس
من كان يُدير الكون عندما صُلب المسيح؟ سؤال الأطفال – الأخ إغريغوريوس
لا نقول ان الله قد تحول إلى انسان بل ظل اللاهوت لاهوت والناسوت ناسوت. بل اتحاد بغير امتزاج ولا تغيير ولا تحول. فالموت يقع على الجسد المادي زي مبنقطع ايدك روحك مش بتتالم جسدك بيتألم فالله وحده له عدم الموت.
امثلة لتوضيح اتحاد اللاهوت والناسوت
الوردة تكون فيها ريحها وخارجها ريحة هل الريحة يحصرها الوردة ولا الريحة فواحة وغير ملموسة فخرجت عن إطار المادة والمرقة فلما نشمها هل انفصلت على الوردة ولا ما زالت في الوردة وتنتشر في الغرفة كلها؟
الهواء داخل الرئتين في جسم الانسان هل وجوده جوه الرئتين يمنع وجوده بره الرئتين؟ الهواء داخل كل خلية في جسمنا هل وجود الهواء داخل الخلايا يمنع وجود الهواء خارج جسمنا؟
الانترنت منتشر في كل مكان ولكن يمكن تصفحه في الموبايل هل عندما تتصفح الانترنت في الموبايل هل يعني هذا ان الانترنت محدود في جهازك واخذت جميع الارسال المنتشر ام يظل الانترنت منتشر على الرغم من كونه في جهازك.
اللمبة يخرج منها نور هل النور محدود داخل اللمبة لأنها مغلقة بالزجاج امام اعيننا ولا النور خارج اللمبة ومنتشر على الرغم انه داخلها؟
في كتاب تجسد الكلمة الفصل 17 يقول القديس أثناسيوس:
كيف أن التجسد لم يحدّ من وجود الكلمة في كل مكان ولم ينقص من نقاوته. (تشبيه الشمس).
1 لأنه لم يكن محصورًا[1] في الجسد كما قد يتوهم البعض أو أنه بسبب وجوده في الجسد كان كل مكان آخر خاليًا منه، أو أنه بينما كان يحرّك الجسد كان العالم محرومًا من أفعال قدراته وعنايته. غير أن الأمر العجيب والمدهش جدًا هو أنه مع كونه هو الكلمة الذي لا يحويه شيء فإنه هو نفسه يحوي كل الأشياء[2]. وبينما هو موجود في كل الخليقة فإنه بحسب جوهره هو متميز عن كل الخليقة. فهو حاضر في كل الأشياء بقدرته فقط (وليس بجوهره)، ضابطًا كل الأشياء ومظهرًا سيادته على كل شيء، وعنايته بكل شيء، وواهبًا الحياة لكل شيء. ومع أنه يحوي كل الأشياء ولا يحتويه شيء، إلاّ أنه كائن كلية في أبيه وحده[3].
2 وهكذا حتى مع وجوده في جسد بشري معطيًا الحياة له فقد كان من الطبيعي أن يمنح الحياة للكون كله في نفس الوقت. ومع كونه حاضرًا في كل جزء (من الخليقة بقدرته) فهو خارج كل شئ (بجوهره). وبينما صار معروفًا بأعماله التي عملها في الجسد فإنه كان في نفس الوقت ظاهرًا أيضًا بواسطة أعماله في الكون كله.
3 إن عمل النفس أن تدرك الأشياء الخارجة عن جسدها بأفكارها[4] ولكنها لا تستطيع أن تعمل خارج نطاق جسدها أو أن تحرك الأشياء البعيدة عن الجسد. ولن يستطيع أي إنسان أن يحرك الأشياء البعيدة أو ينقلها بمجرد التفكير فيها. وأيضًا فأى إنسان لا يستطيع وهو جالس في بيته، بمجرد التفكير في الأجرام السماوية، أن يحرك الشمس أو يجعل السماء تدور، لكنه يرى أنها تتحرك وأنها قد وجدت[5]، دون أن يكون له أى قدرة للتأثير عليها.
4 أما كلمة الله فلم يكن كذلك في جسده (البشري)[6]، إذ لم يكن مقيدًا بسبب الجسد، بل بالحرى كان يستخدم جسده، ولذلك فهو لم يوجد في الجسد فقط بل كان موجودًا بالفعل في كل شيء. وبينما كان خارج الكائنات فقد كان في أبيه وحده مستقرًا[7].
5 وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان كان ككلمة الله يُحيي كل الأشياء وكابن كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولَدَته العذراء لم يعتريه أي تغير (من جهة طبيعته الإلهية)[8]، ولا تدّنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدّس الجسد أيضًا.
6 ورغم وجوده في كل الأشياء إلا أنه لم يستمد منها شيئًا، بل العكس فإن كل الأشياء تستمد منه الحياة وتعتمد عليه في بقائها[9].
7 لأنه أن كانت الشمس التي خلقها هو والتي نراها وهى تدور في السماء لا تتدنس عندما تلمس أشعتها الأجسام الأرضية، ولا تفقد نورها بسبب ظلمة هذه الأجسام، لكنها بالعكس تنيرها وتطهرها أيضًا؛ فبالأولى جدًا كلمة الله كليّ القداسة، خالق الشمس وربها[10]، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهّره[11]، فهو الذى كُتب عنه ” الذي لم يفعل خطية و لا وُجدَ في فمه مكر”[12].
——————————————————————————–
1محصورًا perikekleismšnoj لقد استخدم القديس أثناسيوس مصطلحات متنوعة لوصف علاقة الكلمة بالجسد. وأكثر هذه المصطلحات شيوعًا هى: جعله “جسدًا” خاصًا …diopoie‹sqai، لبس labe‹n، اتخذ ™nduesqai انظر على سبيل المثال فصول 8/4، 10/1، 14/8، 31/4، 43/4
2 هذا التعبير من التعبيرات الشائعة عند القديس أثناسيوس. انظر فصل 42، وأيضًا ضد الوثنيين فصل42،41، الدفاع عن مجمع نيقية. فصل 11.
3 انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 1.
4 والإنسان فقط هو الذي يستطيع أن يفعل هذا. انظر ضد الوثنيين. فصل 31/1.
5 انظر ضد الوثنيين. فصل 35.
6 الكلمة يختلف عن النفس البشرية. انظر ضد الوثنيين. فصل 33.
7 انظر ضد الوثنيين 42/4.
8 انظر فصل 54/3.
9 انظر فصل 43/6.
10 انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 27.
11 انظر الفصول من42ـ45.
12 1بط 22:2، انظر إشعياء9:53 وردت هذه الآية أيضًا في الفصل 34 ضمن الشاهد المستخدم هناك من إشعياء النبى كتنبؤات عن آلام المسيح وموته. وهنا جاءت في الآية كلمة “خطية” وفي الفصل 34 جاءت كلمة “شر”، وهذا يوضح أن تعبير” الذي لم يفعل خطية” يتمشى مع تعبير أن الكلمة” لا يتدنس بمجيئه في الجسد “.
من كان يُدير الكون عندما صُلب المسيح؟ سؤال الأطفال – الأخ إغريغوريوس
أدله جيولوجية وتاريخية لحادثة صلب المسيح – ترجمة: بيشوي صفوت
أدله جيولوجية وتاريخية لحادثة صلب المسيح – ترجمة: بيشوي صفوت
إن الأدلة الجيولوجية والتاريخية التي تدعم روايات العهد الجديد عن صلب يسوع وفيرة لذا فإن الهدف هو تقديم الدعم لتاريخية صلب يسوع.
عند صلب يسوع قال متي: من الظهر إلى الساعة الثالثة بعد الظهر كان الظلام على الارض. نحو الساعة الثالثة بعد الظهر صرخ المسيح بصوت عظيم: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ كما جاء في سفر المزامير ولما صرخ بصوت عظيم أسلم الروح ولما رأى قائد المئة والذين كانوا معه خافوا وقالو حقا كان هذا ابن الله.
حسنا يتضمن مقطع انجيل متى حدثين يمكن تأكيدهما تاريخيا وجيولوجيا غطي الظلام الأرض لمدة ثلاث ساعات كما جاء في انجيل مرقس ولوقا.
المصادر التاريخية التي تثبت صحة حدث الظلام خارج الكتب المقدسة
مؤرخ يدعي ثالوس كما جاء في تاريخ العالم ليوليوس افريكانوس 221 م
يستشهد الافريقي بأن ثالوس يشرح في كتابة الثالث للتاريخ، ساعات الظلام الثلاث على أنها كسوف للشمس وهو أمر غير معقول كما يبدو لأن العبرانيين يحتفلون بالفصح في اليوم الرابع عشر بحسب القمر وتقع آلام المسيح في اليوم الذي يسبق الفصح لكن كسوف الشمس يحدث فقط عندما يأتي القمر تحت الشمس ولا يمكن أن يحدث في أي وقت آخر إلا في الفترة ما بين اول يوم للقمر الجديد واخر يوم للقديم أي عند التقاءهما فكيف إذن الكسوف والقمر يكاد يقابل الشمس؟
ترتليان 197م قنصل يهودي
في تلك اللحظة، عند وقت الظهيرة انسحب اليوم والذين لم يعلموا أن هذا قد تم التنبؤ به عن المسيح ظنوا أنه كسوف. لكن أظهر المسيح بعد تسميره على الصليب العديد من العلامات البارزة التي ميز بها موته عن سائر الموتى وبمحض إرادته أطلق منه روحه بكلمة متوقعا عمل الجلادين. وفي الساعة نفسها أيضا انسحب ضوء النهار، وكانت الشمس في ذلك الوقت وفي وهجها الزوال والذين لم يعلموا أن هذا تم التنبؤ به عن المسيح لا شك أنهم ظنوا أنه كسوف.
فليغون مؤرخ يوناني من القرن الثاني
يقول في سنة حدث كسوف عظيم للشمس، أعظم من أي وقت مضى، لأن في الساعة السادسة تحول النهار إلى الليل وشوهدت النجوم في السماء وحدث زلزال دمر جزءا كبيرا من مدينة نيقيه!!!
“فيما يتعلق بالكسوف في زمن طيباريوس قيصر، الذي يبدو أن يسوع قد صلب في عهده، والزلازل العظيمة التي حدثت بعد ذلك، أعتقد أن فليغون أيضًا قد كتب في الكتاب الثالث عشر أو الرابع عشر من أخبار الأيام … يتخيل كلسس أيضًا أن الزلزال والظلام كانا اختراعًا، ولكن فيما يتعلق بهما، قدمنا في الصفحات السابقة دفاعنا، حسب قدرتنا، مستشهدين بشهادة فليغون، الذي يروي أن هذه الأحداث حدثت في الوقت الذي قد عانى المنقذ.”
يوليوس الأفريقي (160-240 م) مؤرخ مسيحي
“يسجل فليغون أنه في زمن طيباريوس قيصر، عند اكتمال القمر، كان هناك كسوف كامل للشمس من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، وهو ما نتحدث عنه بوضوح.”
وقد أكد يوحنا فيلوبونوس (فيلوبون)، وهو مؤرخ إسكندري (490 – 570 م)، كتابات فليغون.
“وعن هذا الظلام يذكره فليغون فقد ذكر الكسوف الذي حدث أثناء صلب السيد المسيح، وليس غيره، فمن الواضح أنه لم يعرف من مصادره أي (مثل) الكسوف في الأزمنة السابقة، وهذا ما تدل عليه الرواية التاريخية لطيباريوس قيصر.
يوسابيوس (315م)، مؤرخ الإمبراطور قسطنطين.
“لقد احتمل يسوع المسيح آلامه في السنة الثامنة عشرة لطيباريوس [33 م]. وفي ذلك الوقت أيضًا نجد في خلاصة يونانية أخرى حدثًا مسجلاً بهذه الكلمات: “انكسفت الشمس، وضرب زلزال بيثينية، وسقطت مباني كثيرة في مدينة نيقية”.
ما سبب فترة الظلام التي دامت ثلاث ساعات؟
قبل أن نقرر أن فترة الثلاث ساعات من الظلام هي لأسباب خارقة للطبيعة، يجب أن نستبعد الاحتمالات الطبيعية. لقد شهدنا الأحداث الطبيعية التي تسببت في الظلام خلال ساعات النهار. وتشمل هذه الحالات عندما تثور البراكين وتنبعث منها سحب داكنة وعندما تحدث العواصف وتغطي السماء بالغيوم. ومع ذلك، لا تشير أي مصادر كتابية أو علمانية إلى أي دعم لانفجار بركاني أو عواصف، لذا يمكننا استبعاد هذين الحدثين الطبيعيين.
ماذا عن الكسوف؟ مطلوب موقع الشمس والقمر للإجابة على هذا السؤال. لدينا الكثير من الدعم لتأريخ صلب المسيح يوم الجمعة 14 نيسان سنة 33 (3 أبريل 33). وقد تم التنبؤ بهذا التاريخ أيضًا في سفر دانيال (٩). ولم يحدث عيد الفصح إلا أثناء اكتمال القمر، لذلك لم يكن من الممكن حدوث كسوف بسبب موقع القمر على الجانب البعيد من الأرض بعيدًا عن الشمس. وحتى لو كان تحديد المواقع ملائمًا لحدوث الكسوف، فإن الكسوف يؤدي إلى تعتيم الأرض فقط للحظات قصيرة، وليس لمدة ثلاث ساعات، لذلك لدينا سبب آخر لاستبعاد هذا الخيار الطبيعي.
هل التفسير الأفضل لتفسير هذا الحدث هو تفسير خارق للطبيعة؟
سأدع القراء يجيبون على هذا السؤال بأنفسهم.
الدعم الجيولوجي للزلزال
أفاد العلماء أن زلازل مدمرة حدثت في القدس أثناء موت المسيح (ماليت، 1853؛ ريج، 1941). وقد حدث ذلك في منطقة تشمل صدع البحر الميت، وهو عبارة عن حدود صفيحة تفصل بين الصفيحة العربية وصفيحة سيناء الفرعية Garfunkel, 1981). كان هذا الصدع نشطًا منذ العصر الميوسيني (Kagan, Stein, Agnon, & Neuman, 2011) ولا يزال الصدع نشطًا حتى اليوم (De Liso & Fidani, 2014). ويمتد الصدع من البحر الأحمر جنوباً إلى جبال طوروس شمالاً.
قام كاجان وزملاؤه (2011) بتحليل الزلازل في حوض البحر الميت في الهولوسين من خلال بناء نموذجين زمنيين لعمق العمر استنادًا إلى أعمار الكربون المشع في الغلاف الجوي للحطام العضوي قصير العمر باستخدام نموذج بايزي. الزلازل عبارة عن طبقات وهياكل رسوبية تتشوه بسبب الاهتزاز الزلزالي. قام العلماء بتحليل الزلازل في مناطق مختلفة من الحوض، ووجدوا أن العديد من الزلازل المتزامنة ظهرت في جميع الأقسام خلال سنوات معينة، بما في ذلك 33 م ( +/- 2 سيجما؛ فاصل ثقة 95٪) . السنوات الأخرى التي حدثت فيها الزلازل كما يتضح من الزلازل هي (م ما لم يذكر خلاف ذلك): 1927، 1293، 1202/1212، 749، 551، 419، 33، 31 قبل الميلاد، ومنتصف القرن قبل الميلاد
بعد تحليل النوى الرسوبية المصفحة المكتشفة على شواطئ البحر الميت، أكد ميغوفسكي وأجنون وبوكمان ونيجيندانك وستاين (2004) أيضًا وقوع زلزال في عام 33 بعد الميلاد بقوة 5.5 درجة. وقاموا بتوثيق الزلازل حوالي عام 33 م وفي عام 31 قبل الميلاد و76 م. وقام العلماء بتحليل الزلازل باستخدام التأريخ بالكربون المشع.
أجرى بن مناحيم (2014) مراجعة الأدبيات للدراسات التجريبية على مدى 4000 سنة من الزلازل على طول صدع البحر الميت. أشار الباحث إلى الدراسات المذكورة أعلاه إلى جانب دراسة أجراها إنزل وكادان وإيال (2000) قبل أن يستنتج أن الزلازل حدثت في مسعدة عام 31 قبل الميلاد، والقدس عام 33 م، وبالقرب من نابلس عام 64 م.
باختصار، تدعم الأدبيات المتعلقة بالزلازل على طول حوض البحر الميت التأكيد على حدوث زلزال إما في عام 33 م أو بالقرب منه.
وبوسعنا أن نحدد التاريخ بدقة أكبر ــ الثالث من إبريل/نيسان 33. وقد قامت وكالة فيدرالية تابعة لحكومة الولايات المتحدة، وهي الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، بتوثيق الزلازل الكبرى عبر التاريخ. وبحسب موقعهم الإلكتروني (NOAA.gov)، فإنه في عام 33م، حدث زلزال عند صلب السيد المسيح في بيثينيا وفلسطين القدس.
من الأدلة من خارج العهد الجديد محدودة
السجل الاكثر تفصيلا لحياة يسوع وموته يأتي من الأناجيل الأربعة وكتابات العهد الجديد الأخرى. يقول بارت إيرمان: هؤلاء جميعاً مسيحيون ومن الواضح أنهم متحيزون بشكل مفهوم فيما يقدمونه ويجب تقييمهم.
بشكل نقدي للغاية بالفعل لإنشاء اي معلومات موثوقة تاريخياً لكن ادعاءاتهم المركزية حول يسوع كشخصية تاريخية يهودي مع اتباعه، أعدم بناء على أوامر من الحاكم الروماني ليهودا وبيلاطس البنطي، تدعهما مصادر لاحقة بمجموعة مختلفة من التحيزات.
حفريات الهياكل العظمية النادرة وتوفر نظرة ثاقبة لموت المسيح كما وصفت الاناجيل.
كان أحدث اكتشاف أثري في عام 2007 عندما اكتشفت فريق بناء في بلدية جافيلو بشمال إيطاليا بطريق الخطأ هيكلا عظميا معزولا من مدفن يعود إلى العصر الروماني ويعتقد العلماء ان الرجل الذي كان في الثلاثينيات من عمره قد صلب وبواسطة أحدث التطورات التكنولوجيا لدراسة الهيكل العظمي، يمكن ان يقدم هذا رؤي جديدة حول موت يسوع المسيح.
أدله جيولوجية وتاريخية لحادثة صلب المسيح – ترجمة: بيشوي صفوت
قبر الرجل من جافيلو أثناء اعمال التنقيب التي قامت بها هيئة الاثار الاقليمية.
ضم فريق البحث إيمانويلا جوالدي روسو، وأورسولا ثون هوهنشتاين، ونيكوليتا أونيستو من جامعة فيرارا، وإيلينا بيلي وديفيد كاراميلي من جامعة فلورنسا. لقد استخرجوا الحمض النووي من البقايا وتمكنوا من استبعاد الأصل العرضي للثقب في عظم الكعب.
وكان الثقب دائريا، ويمر من باطن القدم إلى الخارج، مع وجود أدلة تشير إلى أنه حدث وقت الوفاة. “في تفسيرنا،” كتب علماء الآثار في دراسة متعددة التخصصات عن الصدمات العقبية في إيطاليا الرومانية: حالة محتملة للصلب؟: “لقد وجدنا آفة معينة على سفح هيكل عظمي من دفن روماني معزول تم اكتشافه عن
طريق التنقيب في عام 2007 في شمال إيطاليا. وهنا نقترح الصلب كسبب محتمل للآفة.
أدله جيولوجية وتاريخية لحادثة صلب المسيح – ترجمة: بيشوي صفوت
العقبي الأيمن من القرن الأول الميلادي في جافيلو، إيطاليا، يُظهر دليلاً محتملاً على الصلب. وقد قدمت هذه الأدلة الأثرية أدلة جديدة على موت يسوع. (إيمانويلا جوالدي روسو وأورسولا ثون هوهنشتاين / جامعة فيرارا)
يعتقد الباحثون أن “نوع الآفة الموجودة في العقبي الأيمن من جافيلو متوافق مع وضع الجسم الملتوي إلى اليمين مع تلامس الساقين والقدمين للسماح لمسمار واحد باختراق كلا الكعبين، أو مع الركبتين في وضع مفتوح والقدمين مع تداخل الكعبين ومثبتين على الجانب الأوسط بمسمار واحد.
حتي الخطيب الروماني شيشرون يشهد بعمليات الصلب الروماني ويقول من بيع جميع العقوبات، هي الأكثر قسوة والاكثر رعبا ويصفها بانها اشد واشد عقوبة للعبيد ليس فقط الجلد او الصلب بل وايضا قسوة الجنون الرومانين المرعبة فهم يتقاضون إجرا على تسبب اقسي انواع الألم لضحيتهم بل ويصف المورخ الروماني سينيكا وحشية هولاء الجنود والطرق العديدة للصلب كتب في عام 40 بعد الميلاد: “أرى هناك صلبانًا، ليس من نوع واحد فحسب، بل مصنوعة بطرق مختلفة: البعض يجعلون ضحاياهم يخفضون رؤوسهم إلى الأرض، والبعض يطعنون أعضائهم التناسلية، والبعض الآخر يمدون أذرعهم”.
كان من الممكن أيضًا أن يتم خلع أعين الضحية أو استئصال لسانه. واحدة من أسوأ حالات السادية سجلها يوسيفوس في عهد أنطيوخس الرابع، حيث تم وضع طفل الرجل المدان المختنق حول رقبته.
يكشف لوح Lex Puteolana عن طقوس واقتصاديات الصلب في العالم الروماني. تم العثور على اللوح الذي يبلغ عمره 2000 عام، والموجود الآن في قلعة من القرون الوسطى على خليج نابولي، في بلدة بوتيولي. إنه النقش الوحيد الذي يوضح تفاصيل الممارسة الدقيقة للصلب. يخبرنا النقش عن المبلغ الذي كان يتقاضاه العمال الذين جلدوا العبيد ليصلبوا، وكذلك الجلاد. كانت الرسوم القياسية لفريق التنفيذ هي أربعة سيسترس لكل واحد – سعر كأس نبيذ!!!
المراجع
Ben-Menahem, A. (2014) Geophysical studies of the crustal structure along the southern Dead Sea fault. In Garfunkel, Z., Ben-Menahem, Z., and Kagan, E. (2014). Dead Sea Transform Fault System: Reviews. Springer.
De Liso, G. & Fidani,C. (2014). Electrical charges associated with sky darkening and the Turin shroud. International Journal of Development Research, 4(12): 2790-2797.
Enzel, Y., Kadan, G., & Eyal, Y. (2000). Holocene earthquakes inferred from a fan delta sequence in the Dead Sea graben. Quat Res., 53: 34-48.
Garfunkel, Z. 1981. Internal structure of the Dead Sea leaky transform (rift) in relation to plate kinematics, Tectonophysics, 80, 81–108.
Hoehner, H.W. (1977). Chronological Aspects of the Life of Christ. Zondervan: Grand Rapids
Humphreys, C.J. and Waddington, W.G. 1985. The Date of the Crucifixion, JASA, 37, 2-10.
Kagan, E., Stein, M., Agnon, A. And Neumann, F. 2011. Intrabasin paleoearthquake and quiescence correlation of the late Holocene Dead Sea, J. Geophys. Res., 116, B04311.
Mallet, R. 1853. Catalogue of recorded earthquakes from 1606 B.C. to A.D. 1850, Part I, 1606 B.C. to 1755 A.D. Report of the 22nd meeting of the British Association for the advancement of science held at Hull, Sept., 1853. John Murray, London, pp 1–176.
Migowski, C., A. Agnon, R. Bookman, J. F. W. Negendank, & M. Stein (2004), Recurrence pattern of Holocene earthquakes along the Dead Sea Transform revealed by varve‐counting and radiocarbon dating of lacustrine sediments, Earth Planet. Sci. Lett., 222, 301.
NOAA.gov. (2018). Global significant earthquake database. 2150 B.C. – present. Accessed January 3, 2019 at: NOAA.gov.
Rigg, H. 1941. Thallus: the Samaritan? Harv. Theol. Rev., 34, 111–119.
مصداقية تنبؤات يسوع بموته العنيف وتبريره/قيامته – مايكل ليكونا
مصداقية تنبؤات يسوع بموته العنيف وتبريره/قيامته – مايكل ليكونا
المقدمة
يتجادل العلماء فيما إذا كان يسوع قد تنبأ بموته العنيف وقيامته الوشيكة من قبل الله. ومع ذلك، من المدهش أن هناك رجحانًا للأدلة لصالح تاريخية هذه التنبؤات. في هذا المقال، أقدم بعض الحجج لتاريخية تنبؤات يسوع فيما يتعلق بموته العنيف وتبريره اللاحق.
مصداقية أربعة تنبؤات الآم يسوع وتبريره/قيامته
نبدأ بفحص أربعة نصوص تخبرنا عن تنبؤات يسوع والتي تشير الأدلة إلى أنها قد تكون أقوال حقيقية ليسوع. السياق الذي يظهر فيه مرقس 8: 31 (8: 27 – 33) هو توبيخ يسوع لبطرس الذي، بعد سماعه تنبؤات يسوع عن موته الوشيك وقيامته، يوبخ يسوع ويخبره أن الأحداث لا ينبغي أن تحدث بالطريقة التي وصفها للتو. هناك عدد من الأسباب لاعتبار هذا النص تاريخيًا. أولاً، وجدنا تصريحين من غير المرجح أن يكونا من اختراعات الكنيسة الأولى نظرًا لطبيعتهما المحرجة. ورد أن بطرس وبخ (ἐπιτιμάω) سيده يسوع. ويسوع، بدوره، يوبخ تلميذه الذي سيصبح الرسول الرئيسي في كنيسة أورشليم بعد عيد الفصح. كلا التوبيخين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بتنبؤ يسوع بموته وقيامته، حيث لا توجد مناسبة لأي توبيخ بدون نبوءة يسوع بشأن موته وقيامته. ثانيًا، العناصر السامية موجودة والنصوص المتوازية في متى 16: 21-23 ولوقا 9: 22 مستقلة، وبالتالي تقدم شهادات متعددة.[1] يلاحظ باير عددًا من الساميات الموجودة أيضًا في متى 16: 13-23 (μακάριος εἶ, Σίμων Βαριωνᾶ طُوبَى لَكَ، سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، وربما σὰρξ καὶ αἷμα لَحْمًا وَدَمًا) و hapax legomenon ألفاظ فريدة في الأعداد 17-19 (κατισχύω لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا، τῆς βασιλείας τῶν οὐρανῶνمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ). ويخلص إلى أن هذه تشير إلى تقاليد ما قبل متى “ذات جذور فلسطينية يهودية مسيحية قوية” مستقلة عن مرقس.[2] ثالثًا، وجدنا استخدام يسوع لتسميته المفضلة، ابن الإنسان، والتي تختلف عن الطريقة التي أشار بها المسيحيون الأوائل إليه.
وبالتالي، فإن صحة قول يسوع المُسجَّل في مرقس 8: 31 تدعمها معايير الإحراج criteria of embarrassment والشهادات المتعددة multiple attestation والاختلاف dissimilarity.
لقد أدرك العديد من العلماء أن لفظ يسوع بشأن موته الوشيك وقيامته في مرقس 9: 31 قد يكون مبكرًا جدًا، نظرًا لوجود paronomasia جناس عند ترجمته إلى الآرامية (إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ بالآرامية: دبره دانشا مشتلم بايدي انشا)[3] والفعل اليوناني παραδίδοται يُسَلَّمُ الذي يمكن إرجاعه إلى اسم المفعول الآرامي في صيغة المبني للمجهول الإلهي divine passive.[4] علاوة على ذلك، مرة أخرى نجد أن يسوع هو ابن الإنسان. وبالتالي، فإن صحة قول يسوع المُسجَّل في مرقس 9: 31 تدعمها معايير الإثبات المبكر early attestation والاختلاف.
في نصنا الثالث، قرر يسوع أخذ الخبز والكأس كتذكير لتلاميذه بأن جسده ودمه على وشك أن يكسر ويسفك من أجلهم. هذه العبارات من العشاء الأخير مدعومة بتقليد بدائي. هم محفوظون في تقليد ما قبل بولس في 1 كورنثوس 11: 24-25 ولوقا 22: 15-20. يظهر التقليد المستقل في مرقس 14: 22-24. التقليد المشترك بين مادة مصدر ما قبل بولس ولوقا معترف به بشكل خاص في العبارة المصاحبة καὶ τὸ ποτήριον ὡσαύτως μετὰ τὸ δειπνῆσαι λέγων وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا تظهر حرفيًا في لوقا 22: 20 و 1 كو 11: 25، باستثناء موضع كلمة ὡσαύτως كَذلِكَ.[5] يقترح هذا أن لوقا وبولس قد استفادا من تقليد مشترك مستقل عن مرقس. اعتقاد يسوع أنه سيتم تبرئته مرتبط بالقول المذكور في لوقا 22: 29 حيث يقول إن الآب قد منحه ملكوتًا، وعند الإشارة إلى قيامته في مرقس 14: 28، والتي يبدو أيضًا أنها متضمنة في مرقس 14: 25 في ضوء السياق. وفقًا لذلك، فإن صحة أقوال يسوع الخاصة بموته وتبرئته / قيامته التي نطق بها في العشاء الأخير مدعومة بمعايير الإثباتات المتعددة، والشهادات المبكرة، والاختلاف.
في نصنا الرابع، من الواضح في صلاة يسوع ومناقشته مع تلاميذه في جثسيماني أنه توقع موته العنيف الوشيك (مرقس 14: 32-41 ؛ متى 26: 36-45 ؛ لوقا 22: 39-46). تحتوي صلاة يسوع على عنصر ربما كان محرجًا للقراء المسيحيين الأوائل. على الرغم من وجود عدد من الروايات عن الشهداء اليهود الذين تصرفوا بشجاعة في ظل ظروف التعذيب الشديد والإعدام، فإن التقارير عن اعتقال يسوع واستشهاده تُظهر يسوع أضعف وأقل شجاعة بكثير، وهو ما قد يسبب إحراجًا للمسيحيين الأوائل على النقيض.[6]
في المكابيين الثاني 7، تم تعذيب سبعة أشقاء يهود وإعدامهم بوحشية لتحديهم للملك السلوقي الذي أمرهم بخرق الشريعة اليهودية وأكل لحم الخنزير. في المقابل، يتم إزالة الجلد من على رؤوسهم، وقطع ألسنتهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، ووضعهم أخيرًا في مقلاة ساخنة كبيرة جدًا ويتم قليهم على قيد الحياة. يواجه كل منهم عواقب تحدي الملك بجرأة كبيرة. يعلن الأخ الأول أنه مستعد للموت بدلاً من انتهاك الشريعة. بعد تعذيبه، يستعمل الأخ الثاني أنفاسه الأخيرة ليخبر الملك أن الله سيقيمهم على الرغم من أفعاله ضدهم. والثالث يخرج لسانه ويديه بتحد ويخبر الملك أنه استقبلهم من الله الذي يأمل أن يستردهم منه. بعد أن تعرض الرابع للتعذيب مثل الآخرين، أخبر الملك أنه يتطلع إلى القيامة ويضيف أنه لن تكون هناك قيامة للملك. بعد أن عذب الخامس بنفس الطريقة، أخبر الملك أن الله سيعذبه هو وذريته. السادس يخبر الملك أنه لن يفلت من العقاب لأنه جاهد ضد الله. أخيرًا، يقول السابع بالمثل للملك أنه لن يفلت من عقاب الله العادل. ثم يُقتل بوحشية أكثر من الآخرين. إن شجاعة وعزيمة الإخوة السبعة لافتة للنظر. اللافت للنظر أكثر من ذلك هو السهو حيث ينطق الأخوان الثاني والرابع بكلمات توبيخ بعد أن قُطِعَ لسانيهما!
في مكابيين الرابع 6: 1-30، يُجلد أليعازر حتى يتم تجريده من جلده وثقب جانبيه. وفي 6: 15-21، ينقل أليعازر أن أكثر إيلامًا من التعذيب هو التفكير في كونه مخادعًا، ويساوم على شخصيته، ويصبح مثالًا سيئًا للشباب، ويفكر أنه جبان وغير رجولي. ثم أُحرِق وسُكب سائل نتن في أنفه. بعد أن تم حرقه حتى العظام وكان على وشك الموت، بعد أن حافظ على قدراته العقلية الكاملة طوال محنته، صلى، وأخبر الله أنه قد تحمل حتى النهاية على الرغم من أنه كان يمكن أن ينقذ نفسه بعصيان شريعته.
في أعمال الرسل 6: 8 – 7: 60، عندما يُجر إسطفانوس أمام المجمع اليهودي ويتهم زوراً، بدا وجهه مثل وجه ملاك. عندما يطلب منه رئيس الكهنة الرد على متهميه، يُلقي عظة تنتهي بتوبيخ شديد: مثلما قتل آباؤهم الأنبياء الذين أعلنوا مجيء البار، فقد قتلوا البار بالفعل. في أثناء غضبهم الشديد الآن أكثر من أي وقت مضى، يرى إسطفانوس رؤية عن البار، يسوع، الذي يقف عن يمين الله ويخبرهم بما يراه. على الفور، جروه خارج المدينة ورجموه. قبل الموت مباشرة، صلى إسطفانوس وطلب من الله ألا يحمل هذه الخطيئة ضدهم.
عاش الحاخام أكيبا في القرن الثاني وتعرض للتعذيب حتى الموت على يد روما. أثناء تعذيبه يأتي وقت الموت ويبدأ في تلاوة الشيما (تثنية 6: 4). تفيد إحدى الروايات أن أكيبا بدأ بعد ذلك في الضحك، الأمر الذي سخر منه الحاكم الروماني. فيجيبه أكيبا بأنه قد أحب الله من كل قلبه وقدرته ولكن لم يختبر ذلك في حياته حتى تلك اللحظة بالذات. إنه يدرك أنه قد اختبر ذلك الآن ويضحك. ثم يموت اكيبا.[7] في رواية أخرى، بينما كان تحت التعذيب يبدأ في تلاوة الشيما. عندما سأله تلامذته عما إذا كانت تقواه ضرورية حتى تحت التعذيب، أجاب أنه تساءل دائمًا متى ستتاح له الفرصة ليحب الله من كل نفسه والآن بعد أن حانت اللحظة، أفلا يفعل ذلك؟ يواصل تلاوة الشيما ويموت بعد أن قال كلمة “واحد”. في لحظة وفاته تُسمَع أصوات الله وملائكته في السماء.[8]
في القرن الثاني، ملفوفة الحاخام حنينا بن تاراديون في لفيفة التوراة التي وضعها على حجره وهو مستعد للحرق فيها. تُنقع إسفنج من الصوف في الماء وتوضع على قلبه لإطالة معاناته. يخبر ابنته التي كانت تنظر أن حرق الدرج يضاعف من إذلاله. تأثر الجلاد بتقوى حنينا عند وفاته لدرجة أنه عرض عليه التعجيل بإعدامه إذا وعده بمكان معه في العالم الآتي. يوافق حنينا. فيقوم الجلاد بإشعال النيران وإزالة الإسفنج. ثم يموت حنينا بسرعة ويقفز الجلاد نفسه في النار. تنتهي القصة بصوت سماوي يخبر الحاضرين أنه تم الترحيب بكليهما في العالم الآتي.[9]
في القرن الثاني، تم القبض على بوليكاربوس.[10] يُطعم آسريه الرومان ويُمنح الفرصة للصلاة لمدة ساعتين. عندما يتم اصطحابه إلى الساحة ليتم إعدامه، لم يسمع سوى المسيحيون الحاضرون صوتًا من السماء يقول، “كن قوياً يا بوليكاربوس، وتصرف كرجل”.[11] يرفض بوليكاربوس الطلبات المتعددة من الوالي للعن المسيح وتقديم الولاء لقيصر. عندما هُدّد بإطعامه للحيوانات البرية وإحراقه حيّاً، قال، في الواقع، “أحضروها! ” عندما يُحكم على بوليكاربوس بالحرق، يطلب من الرومان ألا يربطوه بقيود، حيث أن الله سيُمكِّنَهٌ من البقاء في المحرقة دون أن يتحرك. ثم يحمد الله ويشكره على جعله أهلاً للاستشهاد. مرة أخرى، فإن المسيحيين فقط هم الذين يعرفون بعد ذلك أن اللهب يشكل قوسًا حول بوليكاربوس لا يلتهمه ويشتمون رائحة البخور. عندما يدرك الرومان أن النيران لا تلتهم جسده، يطعنه الجلاد ويقتله فيخرج منه الكثير من الدم لدرجة أنه يطفئ النار. في هذه القصص الشهداء أقوياء وجريئون وشجعان في ساعتهم الأخيرة. إنهم شجعان حتى النهاية.
عندما نأتي إلى روايات الالآم في الأناجيل القانونية، نجد عددًا من السمات المشتركة مع قصص الاستشهاد الأخرى. مثل كل الآخرين، بمجرد إلقاء القبض عليه، يتسم يسوع بالجرأة في قناعاته. إجمالًا، هناك لحظات من الهدوء الشديد أثناء محنتهم المؤلمة. يقدم يسوع صلاة إلى الله كما يفعل أليعازر، وإسطفانوس، وبوليكاربوس، والحاخام أكيبا. حتى أعداء يسوع تأثروا بسلوكه أثناء تعرضه لضغط شديد (مر 15: 4-5، 39 ؛ متى 27: 54 ؛ لوقا 23: 39-42، 47 ؛ يوحنا 19: 7-12) وكذلك أولئك الذين شهدوا استشهاد الإخوة السبعة، أليعازر، بوليكاربوس، الحاخام أكيبا والحاخام حنينا بن تاراديون.
ومع ذلك، فإن روايات استشهاد يسوع تختلف بشكل كبير عن الروايات الأخرى. في حين أن عددًا من تقارير الاستشهاد يبدو أنه تم إنشاؤه لتقديم التشجيع للآخرين الذين قد يواجهون مواقف مماثلة، فإن روايات الآم يسوع لا تقدم مثل هذا التشجيع. يتألم يسوع بسبب الحدث الوشيك الحدوث ويريد أن يتجنبه إن أمكن (مرقس 14: 32-42 ؛ متى 26: 36-46 ؛ لوقا 22: 39-46). من المؤكد أن هذا لن يلهم أولئك الذين قال لهم أن يحملوا صليبهم ويتبعوه إذا أرادوا أن يكونوا تلاميذه (مرقس 8: 34 ؛ متى 16: 24 ؛ لوقا 9: 23). إن طلب يسوع من الله أن يزيل الكأس عنه إن أمكن يتناقض مع كلمات الشهداء الصعبة: “أحضروها!” “المخالع والحجارة قد تكسر عظامي، لكن القيامة تنتظرني!”[12] بدلاً من إعلان أنه لن يتخلى عن الله أو ناموسه كما فعل العديد من الشهداء اليهود، صرخ يسوع بدلاً من ذلك متسائلاً لماذا تركه الله (مرقس 15: 34 ؛ متى 27: 46). بالنظر إلى الطبيعة المحرجة لتعليقات اليأس هذه، فمن غير المرجح أن تكون من اختراعات الكنيسة الأولى.[13]
بالإضافة إلى هذه العناصر المحرجة، يبدو أن هناك تقليدًا مستقلًا لصلاته في البستان في الرسالة إلى العبرانيين 5: 7. بما أن مؤلف العبرانيين يعلم أن يسوع لم يسلم من الموت (عبرانيين 2: 9 ؛ 9: 11-28، 26-28 ؛ 13: 20)، فإن الادعاء بأن صلاة يسوع قد سُمِعَت يعني أن الله رفع دينونته النهائية عنه في مرحلة ما. أنقذ الله يسوع من الدينونة النهائية وهذا يعني التبرير. علاوة على ذلك، في النصوص الإزائية المتعلقة بنفس الموضوع، نجد مرة أخرى إشارة يسوع إلى نفسه على أنه ابن الإنسان. لذلك، فإن صحة توقع يسوع لموته العنيف وربما تبريره تدعمها معايير الإحراج والشهادات المتعددة والاختلاف.
باختصار، مرقس 8: 31 مُوثَّق بشكل متعدد ويحتوي على سمات محرجة إلى حد ما ومختلفة عن تعاليم الكنيسة الأولى. يبدو أن مرقس 9: 31 يحتوي على تقليد ما قبل مرقس، وقد تم توثيقه بشكل متعدد، وله عنصر يختلف عن تعاليم الكنيسة الأولى. تم توثيق عبارات العشاء الأخير بشكل متعدد، وهي مدعومة بتقليد مبكر جدًا في كل من ما قبل بولس وما قبل لوقا، وتحتوي على عنصر يختلف عن تعاليم الكنيسة الأولى. أخيرًا، تم توثيق أقوال يسوع في البستان بشكل متعدد وتحتوي على عناصر محرجة ومختلفة عن تعاليم الكنيسة الأولى. أقوالنا الأربعة لديها ادعاء معقول أنها جاءت من يسوع.
[1] Hans F. Bayer, Jesus’ Predictions of Vindication and Resurrection (Tubingen: Mohr, 1986), pp. 214-16.
[3] Bayer, Predictions, pp. 169-70; James D.G. Dunn, Jesus Remembered (Grand Rapids: Eerdmans, 2003), p. 801.
[4] Bayer, Predictions, pp. 169-70. المزيد عن ذلك أدناه
[5] Bayer, Predictions, pp. 32-34 and pp. 32-33 n. 29.
يذهب إلى أبعد من ذلك ويدافع عن أسبقية زمنية لنسخة لوقا على تقليد ما قبل بولس نظرًا للوحدة الأدبية لسياق لوقا المحيط، والعديد من الساميات والخصائص غير اللوقاوية في المقطع، ص 36.
[12] قد يُلاحظ أيضًا أنه بدلاً من قول “الله سوف يعاقبك” (الإخوة السبعة، بوليكاربوس)، يقول يسوع وإسطفانوس، “أبي، اغفر لهم” في لوقا 23: 34 و أعمال 7: 60.
[13] L.H. Feldman, ‘Introduction’, in L.H. Feldman and G. Hata (eds.), Josephus, the Bible, and History (Leiden: Brill, 1989), p. 42; Robert H. Gundry, Mark: A Commentary on his Apology for the Cross (2 vols.; Grand Rapids: Eerdmans, 1993), pp. 965-66; Craig S. Keener, A Commentary on the Gospel of Matthew (Grand Rapids: Eerdmans, 1999), p. 682; Geza Vermes, The Passion: The True Story of an Event that Changed Human History (New York: Penguin, 2006), p. 122.
كتب هذا الكتاب كـ إستجابة للعديد من الشباب والبالغين الذين طلبوا مقدمة عن “الجدل حول العلم والله” يمكن الوصول إليها بسهولة أكبر في كتابي العلمووجود الله God’s Undertaker: Has Science Buried God? بالإضافة إلى ذلك، طلب مني الكثير منهم أن أتعامل بشكل أكثر تحديدًا مع العلاقة بين المسيحية والعلم على أنها تختلف عن حصر نفسي في الأدلة على وجود الله فقط. آمل أن يجدوا أن هذا الكتاب الصغير يفي بطلباتهم إلى حد ما.
مقدمة: الكيمياءالكونية
قم بعمل بحث عن موضوع العلم والدين، وسوف يستغرق الأمر بضع نقرات فقط لإقناعك بأنك دخلت منطقة حرب.
في التعليقات حول كل موضوع يمكن تصوره تقريبًا في العلوم -من أخلاقيات البيولوجيا وعلم النفس إلى الجيولوجيا وعلم الكونيات -ستجد تبادلات عدائية وتسميات من جانبين أنت مقتنع بأنهما لن يلتقيا أبدًا عبر طاولة المفاوضات -حتى لو دعت الأمم المتحدة إلى وقف إطلاق النار.
هناك ما يمكن أن نطلق عليه، للتسهيل، “الجانب العلمي”. إنهم يعتبرون أنفسهم صوت العقل. إنهم يعتقدون أنهم يعملون على دحر موجة الجهل والخرافات التي استعبدت البشرية منذ أن زحفنا خارج الوحل البدائي. إذا كان بإمكاني تلخيص موقفهم، فهو كالتالي:
العلم قوة لا يمكن وقفها من أجل التنمية البشرية والتي ستقدم إجابات لأسئلتنا العديدة حول الكون، وستحل العديد، إن لم يكن كل، مشاكلنا البشرية: المرض، الطاقة، التلوث، الفقر. في مرحلة ما في المستقبل، سيتمكن العلم من شرح كل شيء والاستجابة لجميع احتياجاتنا.
قد يفترضون أيضًا أنه في مرحلة ما في المستقبل، سيقدم العلم إجابات على الأقل لبعض أسئلتنا الكبيرة في الحياة: من أين أتينا؟ لماذا نحن هنا؟ ما معنى وجودنا؟
في الطرف الآخر، هناك ما يمكن أن نسميه “جانب الله”. إنهم يعتقدون أن الذكاء الإلهي هو وراء كل ما هو موجود وكل ما نحن عليه. إنهم يبحثون بل ويزعمون أنهم عثروا على إجابات لنفس الأسئلة الكبيرة التي يطرحها العلماء، ولكن في مكان مختلف تمامًا. إنهم ينظرون إلى تعقيد الكون وعجائبه وكوكبنا الأزرق الغني والمتنوع بشكل مذهل، ويجدون أنه من البديهي أن هناك عقلًا رائعًا وراء عالمنا الجميل والمدهش. يبدو أنهم مندهشون من احتمالية وجود أشخاص لا يرون الأشياء بهذه الطريقة.
في بعض الأحيان تكون النتيجة قتالًا وتراشقاً بالألفاظ في المواجهات الشديدة التي تولد حرارة أكثر من الضوء (تصنع خلاف أكثر مما تنير الطريق المشترك أمامنا).
لذلك ليس من المستغرب أن يستنتج الكثير من الناس أن الله والعلم لا يختلطان؛ كما هو الحال عندما تضع الصوديوم أو البوتاسيوم المعدني على الماء، سيكون هناك الكثير من الأزيز والنار والحرارة التي تنتهي بضجة عالية.
ولكن ماذا لو كانت هناك طريقة أخرى للنظر في هذا العمل برمته؟ ماذا لو تم خداعنا في حرب لا طائل من ورائها على أساس المعلومات المضللة والتفكير الخاطئ؟ فإنه لن تكون المرة الأولى. ماذا لو كان هناك نوع مختلف من الكيمياء الكونية عن تلك التي تنتهي بانفجار؟
منأينأتيت
جغرافيًا، أتيت من أيرلندا الشمالية، وهي مكان للأسف يتمتع بسمعة مشكوك فيها عندما يتعلق الأمر بـ “مسألة الله”. لقد نشأت في بلد يمزقه انقسام طائفي وثقافي عميق، وتم تمثيله شعبياً على أنه معركة بين “البروتستانت” و “الكاثوليك” (على الرغم من أن الأمر كان أكثر تعقيدًا من ذلك بالطبع). لقد أدى إلى ثلاثة عقود من القتل الوحشي والتفجيرات والإرهاب المعروفين مجتمعين باسم “الاضطرابات”.
في خضم كل هذا كان والدايّ شخصين مميزين. لقد كانا مسيحيين، نعم، لكنهما لم يكونا طائفيين -وهو موقف صعب لأي شخص في تلك الأيام. أظهر والدي عدم وجود الطائفية من خلال توظيف أشخاص في متجره من مختلف الانقسامات الدينية. تم قصف متجره نتيجة لذلك، وأصيب أخي بجروح خطيرة في الانفجار. لقد أصاب الإرهاب بيتنا بطريقة حقيقية للغاية.
أنا مدين لوالدايّ بالكثير، ولكن ربما كان الشيء الأكبر هو أنهما أحباني بدرجة كافية لمنحي مساحة للتفكير بنفسي؛ وهذا ليس شيئًا شائعًا في بلدي، يؤسفني الاعتراف بهذا، حيث كان هناك الكثير من التعصب والرأي الراسخ. كنت ممتنًا أيضًا لأنني عندما وصلت إلى جامعة كامبريدج في خريف عام 1962، شجعني والدي بالفعل على القراءة على نطاق واسع والتفكير بعمق في وجهات النظر العالمية بخلاف المسيحية.
بعد ذلك، تشرفت بالتحدث عن هذه القضايا ومناقشة الحجج ذات الصلة علنًا على مدار العشرين عامًا الماضية مع الملحدين الرائدين، الذين ربما لا يزال زعيم العالم ريتشارد دوكينز، مثلي، أستاذ في جامعة أكسفورد. لقد حاولت دائمًا أن أعامل الأشخاص الذين لديهم وجهات نظر مختلفة عن العالم باحترام، وأن أكتشف كيف وصلوا إلى موقفهم، ولماذا يشعرون بشغف شديد حيال ذلك.
ربما كنت تقرأ هذا، وتشعر بقوة أن العلم كافٍ لشرح كل شيء، وأنه لم يعد هناك مكان لله في العالم بعد الآن. أو قد تكون مجرد فضولي وتريد الحصول على منظور حول هذا السؤال. أيا كنت، أتمنى أن تستمتع بقراءة هذه المقدمة للسؤال، وأن تحفزك على تناول هذا السؤال بطريقة علمية: أي الانفتاح على النتيجة، والاستعداد لمتابعة الأدلة حيث تقود، حتى لو كان ذلك غير مريح لك بطريقة ما.
أريد أن أقترح أن الفكرة الشائعة بأن العلم والله لا يختلطان هي ببساطة فكرة غير صحيحة، وأنه من السهل نسبيًا إثبات ذلك. في هذا الكتاب القصير، أريد أن أفحص العديد من المفاهيم الخاطئة لدى الناس، ليس فقط عن الإيمان بالله ومفهوم الإيمان نفسه ولكن عن العلم نفسه. من خلال القيام بذلك، أريد أن أوضح أن هناك طريقة مختلفة للنظر إلى الأشياء التي هي أكثر عقلانية، وأكثر منطقية، وأكثر إفادة من الصراع المزعوم المألوف بين العلم والدين.
أريد أن أقترح أن نوعًا مختلفًا من الكيمياء الكونية ممكن: أن هناك نوعًا مختلفًا من التفاعل بين العلم والدين يكون أكثر صدقًا لروح وجوهر كليهما، وأكثر إثمارًا من الجدل المرهق والمتجذر الذي نراه يلعب في كل مكان حولنا.
الهيدروجين والأكسجين، مثل البوتاسيوم والماء، يشكلان أيضًا خليطًا قابلاً للانفجار، لكن النتيجة النهائية لا يمكن أن تكون أكثر اختلافًا -مياه منعشة تنبض بالحياة.
أولاً. هل يمكنك أن تكون عالماً وتؤمن بالله؟
“بالتأكيد لا يمكنك أن تكون عالماً وتؤمن بالله في هذه الأيام؟”
إنها وجهة نظر سمعتها عبر عنها الكثير من الناس على مر السنين. لكني أظن أنه غالبًا ما يكون الشك غير المعلن هو الذي يمنع الكثيرين من الانخراط بجدية مع المفكرين الجادين حول كل من العلم والله.
ردا على ذلك، أحب أن أطرح سؤالا علميا جداً: “لما لا؟”
“حسنًا،” تأتي الإجابة، “لقد أعطانا العلم مثل هذه التفسيرات الرائعة للكون ويوضح أن الله ليس ضروريًا. الإيمان بالله شيء قديم الطراز. إنه ينتمي إلى الأيام التي لم يفهم فيها الناس الكون حقًا، وأخذوا الطريق البطيء للخروج وقالوا إن “الله فعل ذلك”. هذا النوع من “تفكير إله الفجوات” ببساطة لن يفعل أكثر من ذلك. في الواقع، كلما أسرعنا في التخلص من الله والدين، كان ذلك أفضل”.
إنني أتنهد من الداخل، وأجهز نفسي لمحادثة طويلة أحاول فيها حل العديد من الافتراضات وسوء الفهم وأنصاف الحقائق التي تم استيعابها دون تمحيص من الحساء الثقافي الذي نسبح فيه.
وجهةنظرشائعة
ليس من المستغرب أن تكون وجهة النظر هذه شائعة جدًا لدرجة أنها أصبحت الوضع الافتراضي للكثيرين، إن لم يكن المُعظم؛ إنها وجهة نظر تدعمها بعض الأصوات القوية. على سبيل المثال، قال ستيفن واينبرغ Stephen Weinberg، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء،
على العالم أن يستيقظ من كابوس الدين الطويل. يجب علينا نحن العلماء القيام بأي شيء يمكننا فعله لإضعاف سيطرة الدين، وقد يكون هذ في الواقع أكبر مساهمة لنا في الحضارة.[3]
آمل ألا يفوتك العنصر الشمولي الذي يبدو شريرًا في هذا البيان: يجب علينا نحن العلماء القيام بأي شيء يمكننا فعله …“
هذا الموقف ليس جديدًا. تعرضت له لأول مرة منذ خمسين عامًا أثناء دراستي في جامعة كامبريدج. وجدت نفسي في مأدبة عشاء رسمية بالكلية جالساً بجانب فائز آخر بجائزة نوبل. لم يسبق لي أن قابلت عالمًا بهذا التميّز من قبل، ومن أجل الاستفادة القصوى من المحادثة، حاولت أن أطرح عليه بعض الأسئلة. على سبيل المثال، كيف شكّل علمه نظرته للعالم -صورته الكبيرة عن مكانة الكون ومعناه؟ على وجه الخصوص، كنت مهتمًا بما إذا كانت دراساته الواسعة قد دفعته إلى التفكير في وجود الله.
كان من الواضح أنه غير مرتاح لهذا السؤال، وتراجعت على الفور. ومع ذلك، في نهاية الوجبة، دعاني للحضور إلى مكتبه. كما قام بدعوة اثنين أو ثلاثة من كبار الأكاديميين ولكن لم يقم بدعوة طلاب آخرين. دعاني للجلوس، وعلى ما أذكر، ظلوا واقفين.
قال: “إذن، أمام الشهود، الليلة، يجب أن تتخلى عن هذا الإيمان الطفولي بالله. إذا لم تقم بذلك، فسوف يشلك عقليًا وستعاني بالمقارنة مع أقرانك. أنت ببساطة لن تنجح”.
تحدث عن الضغط! لم أختبر شيئًا كهذا من قبل.
جلست على الكرسي مشلولاً ومصدوماً من الوقاحة وعدم توقع الهجوم. لم أكن أعرف حقًا ماذا أقول، لكنني تمكنت في النهاية من التفوه بالآتي، “سيدي، ما الذي لديك لتقدمه لي وهو أفضل مما لدي؟” رداً على ذلك، قدم لي مفهوم “التطور الإبداعي” الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون Henri Bergson عام 1907.
في الواقع، بفضل سي إس لويس C.S.Lewis، عرفت القليل عن بيرجسون وأجبت بأنني لا أستطيع أن أرى كيف كانت فلسفة بيرجسون كافية لتأسيس رؤية عالمية كاملة وتوفير أساس للمعنى والأخلاق والحياة. بصوت مرتعش، وبكل احترام قدر المستطاع، أخبرت المجموعة التي تقف حولي أنني وجدت النظرة الكتابيّة للعالم أكثر ثراءً إلى حد كبير والأدلة على حقيقتها مقنعة، وبالتالي، مع كل الاحترام الواجب، سأخاطر واستمر في ذلك.[4]
لقد كان وضعاً رائعاً. كان هنا عالم متميز يحاول أن يضايقني كي أتخلى عن المسيحية. لقد فكرت عدة مرات منذ ذلك الحين، إذا كان الأمر بالعكس، وكنت ملحدًا على كرسي محاطًاً بأكاديميين مسيحيين يضغطون عليّ للتخلي عن إلحادي، فقد كان سيتسبب ذلك في حدوث أصداء في جميع أنحاء الجامعة، ولربما انتهى هذا الحوار بإجراءات تأديبية ضد الأساتذة المعنيين.
لكن هذا الحادث المخيف إلى حد ما وضع الصلابة في قلبي وعقلي. لقد عقدت العزم على أن أبذل قصارى جهدي لأكون عالِمًا جيدًا بقدر ما أستطيع، وإذا أتيحت لي الفرصة أبدًا، لتشجيع الناس على التفكير في الأسئلة الكبيرة عن الله والعلم واتخاذ قراراتهم دون التعرض للتخويف أو الضغط. لقد كان امتيازًا لي في السنوات التي تلت الانخراط بعمق مع العديد من الأشخاص، صغارًا وكبارًا، بروح الصداقة والتساؤل المفتوح حول هذه الأسئلة. ما يلي في هذا الكتاب هو بعض الرؤى والأفكار التي وجدت أنها مفيدة للغاية لمشاركتها مع الناس، وبعض المحادثات الأكثر إثارة للاهتمام وغير العادية التي أجريتها.
الجانبالمُظلممنالأوساطالأكاديمية
لقد تعلمت درسًا قيمًا آخر في ذلك اليوم: عن وجود جانب مظلم للأوساط الأكاديمية. هناك بعض العلماء الذين انطلقوا بأفكار مُسبّقة، ولا يرغبون حقًا في مناقشة الأدلة، ويبدو أنهم يركزون ليس على السعي وراء الحقيقة ولكن على نشر المفاهيم القائلة بأن العلم والله لا يختلطان وأن أولئك الذين يؤمنون بالله هم ببساطة جهلة.
هذا ببساطة غير صحيح.
علاوة على ذلك، لا تحتاج إلى قدر كبير من البصيرة لترى أنه أمر خاطئ. فكر في جائزة نوبل في الفيزياء، على سبيل المثال. فاز بها في عام 2013 بيتر هيغز Peter Higgs، الإسكتلندي والملحد، لعمله الرائد على الجسيمات دون الذرية، وتنبؤاته، التي أثبتت لاحقًا، بوجود بوزون هيغز Higgs boson. قبل ذلك ببضع سنوات، فاز بها الأمريكي المسيحي ويليام فيليبس William Phillips.
إذا لم يختلط العلم والله، فلن يكون هناك فائزون مسيحيون بجائزة نوبل. في الواقع، بين عامي 1901 و2000 كان أكثر من 60٪ من الحائزين على جائزة نوبل مسيحيين.[5] أريد أن أقترح أن ما يفرق بين الأستاذين هيغز وفيليبس ليس فيزياءهما أو مكانتهما كعلماء -لقد فاز كلاهما بجائزة نوبل. ما يفرقهما هو نظرتهما للعالم. هيغز ملحد وفيليبس مسيحي. ويترتب على ذلك أن ادعاء هؤلاء الأكاديميين الذين حاولوا تخويفي في كامبريدج منذ سنوات عديدة -أنه إذا كنت ترغب في أن تكون محترمًا علميًا عليك أن تكون ملحدًا -هو ادعاء خاطئ بشكل واضح. لا يمكن أن يكون هناك تعارض أساسي بين كونك عالمًا والإيمان بالله.
ومع ذلك، هناك صراع حقيقي بين النظرة إلى العالم التي يتبناها هذان الرجلان اللامعان: الإلحاد والإيمان بالله.
ماهوالإلحادبالضبط؟
بالمعنى الدقيق للكلمة، الإلحاد يعني ببساطة عدم الإيمان بالله. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الملحدين ليس لديهم رؤية للعالم. لا يمكنك إنكار وجود الله دون التأكيد على مجموعة كاملة من المعتقدات حول طبيعة العالم. هذا هو السبب في أن كتاب ريتشارد دوكينز “وهم الإله” ليس مجرد جزء من صفحة واحدة يذكر فيها أنه لا يؤمن بالله. إنه مجلد مطول مخصص لرؤيته الإلحادية للعالم، المذهب الطبيعي، الذي يرى أن هذا الكون/الأكوان هو كل ما هو موجود، وأن ما يسميه العلماء “طاقة الكتلة” هو المادة الأساسية للكون، وأنه لا يوجد شيء آخر.
يشرح الفيزيائي شون كارول، في كتابه الأكثر مبيعًا الصورة الكبيرة، كيف ينظر المذهب الطبيعي إلى البشر:
نحن البشر عبارة عن كتل من الطين المُنظّم، والتي من خلال الأعمال غير الشخصية لأنماط الطبيعة طورت القدرة على التفكير والاعتزاز والتعامل مع التعقيد المخيف في العالم من حولنا … المعنى الذي نجده في الحياة ليس متسامياً …[6]
هذه هي النظرة التي يؤمن بها كثير من الملحدين.
وجهة نظري للعالم هي الإيمان المسيحي. أعتقد أن هناك إلهًا ذكيًا خلق الكون ونظمه ودعمه. لقد خلق البشر على صورته، مما يعني أنهم مُنِحوا القدرة ليس فقط على فهم الكون من حولهم ولكن أيضًا للتعرف على الله نفسه والاستمتاع به. بالنسبة للمسيحيين، للحياة معنى فائق مجيد متسام. أود أن أوضح لكم أن العلم، بعيدًا عن تقويض وجهة النظر هذه، يدعم وجهة النظر المسيحية بقوة. ومع ذلك، سنرى لاحقًا أن الإلحاد هو الذي لا يقدم العلم دعمًا له كثيرًا. لكن قبل ذلك، أود أن أُعد الأرضية من خلال إعطاء بعض السياق التاريخي لكيفية وصولنا إلى هذا الموقف الغريب من التفكير بأن العلم والله لا يختلطان.
دروسمنالتاريخ
لطالما كانت لديّ براعة مع اللغات -غالبًا ما تتوافق الرياضيات واللغات معًا. في الواقع، عندما كنت أكاديميًا مبتدئًا فقيرًا ومكافحًا في كارديف، انتهزت الفرصة لكسب القليل من المال الإضافي لعائلتي المتنامية من خلال ترجمة الأوراق البحثية في الرياضيات من الروسية إلى الإنجليزية.
من خلال قطار (تسلسل) فضولي من الأحداث، وجدت نفسي بعد بضع سنوات على متن طائرة روسية متهالكة تهبط في مدينة نوفوسيبيرسك Novosibirsk في سيبيريا Siberia لأمضي شهرًا في إلقاء المحاضرات والبحث في الجامعة هناك.
على الرغم من أن البنية التحتية التكنولوجية كانت متخلفة في تلك الأيام من الحكم الشيوعي، كان بعض علماء الرياضيات الروس من قادة العالم، وكان من الشرف مقابلتهم وقضاء بعض الوقت مع أعضاء هيئة التدريس والطلاب. لكنهم كانوا في حيرة شديدة من أمر واحد: أنني آمنت بالله!
دُعيت في النهاية من قِبَل رئيس الجامعة لأشرح في محاضرة عن لماذا آمنت، كعالم رياضيات، بالله. على ما يبدو، كانت أول محاضرة حول هذا النوع من القضايا تُعقد هناك منذ 75 عامًا. كانت القاعة ممتلئة بالعديد من الأساتذة والطلاب. في عرضي التقديمي، من بين أشياء أخرى، تحدثت عن تاريخ العلم الحديث وربطت كيف كان رواده العظماء -جاليليو Galileo وكبلر Kepler وباسكال Pascal وبويل Boyle ونيوتن Newton وفارادي Faraday وكليرك ماكسويل Clerk Maxwell -جميعًا مؤمنين حازمين ومقتنعين بالله.
عندما قلت هذا، لاحظت غضبًا في الجمهور، ولم أرغب في غضب الناس في محاضراتي، توقفت مؤقتًا لسؤالهم عن سبب إنزعاجهم الشديد. قال أستاذ في الصف الأول: “نحن غاضبون لأن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها أن هؤلاء العلماء المشهورين الذين نقف على أكتافهم كانوا مؤمنين بالله. لماذا لم يتم إخبارنا بهذا؟ ” أجبته: “أليس من الواضح أن هذه الحقيقة التاريخية لا تتناسب مع” الإلحاد العلمي “الذي تعلمته؟”
وذهبت للإشارة إلى أن العلاقة بين النظرة الكتابية للعالم وظهور العلم الحديث كانت معروفة جيدًا. كتب المؤرخ الأسترالي البارز Edwin Judge إدوين جودج:
العالم الحديث هو نتاج ثورة في المنهج العلمي … تنبع كل من التجربة العلمية والاستشهاد بالمصادر كدليل في التاريخ من النظرة العالمية الخاصة بأورشليم، وليس أثينا، من اليهود والمسيحيين وليس اليونانيين.[7]
يلخص C. S. Lewis الأمر جيدًا عندما يقول،”أصبح الرجال علميين لأنهم توقعوا القانون في الطبيعة، وتوقعوا القانون في الطبيعة لأنهم آمنوا بالمشرع.”[8]
مؤرخو العلوم الحديثون، مثل بيتر هاريسون Peter Harrison، أكثر دقة في صياغتهم للطريقة التي أثر فيها الفكر المسيحي على المشهد الفكري الذي نشأ فيه العلم الحديث، لكنهم توصلوا إلى نفس الاستنتاج الأساسي: بعيدًا عن إعاقة صعود العلم الحديث، الإيمان بالله كان أحد المحركات التي دفعته للأمام. لذلك أعتبر أنه امتياز وشرف، وليس إحراجًا، أن أكون عالمًا ومسيحيًا في نفس الوقت.
فيما يلي بعض الأمثلة على قناعات كبار العلماء. كتب Johannes Kepler يوهانس كيبلر 1571 -1630، الذي اكتشف قوانين حركة الكواكب:
يجب أن يكون الهدف الرئيسي لجميع تحقيقات العالم الخارجي هو اكتشاف النظام العقلاني الذي فرضه عليه الله والذي كشفه لنا في لغة الرياضيات.
لم يكن هذا تعبيرًا عن الربوبية فقط لأن كيبلر كشف في مكان آخر عن عمق قناعاته المسيحية: ” أنا أؤمن فقط وبشكل متفرد في خدمة يسوع المسيح. فيه كل الملاذ والعزاء “.
مايكل فاراداي 1867-1791 Michael Faraday، الذي يُمكن القول أنه أعظم عالم تجريبي على الإطلاق، كان رجلاً لديه قناعة مسيحية عميقة. بينما كان مستلقيًا على فراش الموت، سأله صديق زائر، “سيدي مايكل، ما هي التكهنات التي لديك الآن؟” بالنسبة لرجل قضى حياته في التفكير في مجموعة واسعة من الموضوعات العلمية، في تجاهل بعضها وتأسيس البعض الآخر، كانت إجابته قوية: “تكهنات، يا رجل، ليس لدي أي شيء من هذا! لدي يقين. أشكر الله أنني لا أريح رأسي المحتضر على التكهنات لأنني أعرف من كنت أؤمن به وأنا مقتنع بأنه قادر على الحفاظ على ما التزمت به تجاهه إستعداداً لذلك اليوم”.
عندما واجه الأبدية، كان لدى فاراداي اليقين الذي أيد الرسول بولس قبله بقرون.[9]
جاليليو
“لكن ألم تضطهد الكنيسة جاليليو؟” سألني هذا السؤال عضوًا آخر من جمهوري السيبيري. “بالتأكيد هذا يظهر أنه لا يوجد اتفاق بين العلم والإيمان بالله.”
في إجابتي، أشرت إلى أن جاليليو كان في الواقع من أشد المؤمنين بالله والكتاب المقدس وظل كذلك طوال حياته. قال ذات مرة إن “قوانين الطبيعة مكتوبة بواسطة يد الله بلغة الرياضيات” وأن “العقل البشري هو عمل الله وواحد من أفضلها”.
علاوة على ذلك، فإن النسخة الشعبية المبسطة من هذه القصة قد تم ترويجها لدعم وجهة نظر إلحادية للعالم. في الواقع، تمتع جاليليو في البداية بقدر كبير من الدعم من رجال الدين. دعم علماء الفلك في المؤسسة التعليمية اليسوعية القوية Collegio Romano، في البداية عمله الفلكي ومدحوه من أجله. ومع ذلك، فقد عارضه بشدة فلاسفة علمانيون غضبوا من انتقاده لأرسطو.
كان من المُحتّم أن يسبب هذا المتاعب. ومع ذلك، اسمحوا لي أن أؤكد، ليس في البداية مع الكنيسة. في رسالته الشهيرة “Letter to the Grand Duchess Christina رسالة إلى الدوقة العظيمة كريستينا” (1615)، زعم جاليليو أن الأساتذة الأكاديميين هم الذين عارضوه بشدة هم من حاولوا التأثير على سلطات الكنيسة للتحدث ضده. كانت القضية على المحك بالنسبة للأكاديميين واضحة: كانت حجج جاليليو العلمية تهدد الأرسطية المنتشرة في الأوساط الأكاديمية.[10]
في روح تطوير العلم الحديث، أراد جاليليو أن يقرر نظريات الكون على أساس الأدلة، وليس على أساس الحجج القائمة على مناشدة النظريات السائدة الحالية بشكل عام وسلطة أرسطو بشكل خاص.[11] نظر جاليليو إلى الكون من خلال تليسكوبه، وما رآه ترك بعض التكهنات الفلكية الرئيسية لأرسطو في حالة يرثى لها. لاحظ جاليليو البُقع الشمسية، التي شوهت وجه ما علّمه أرسطو بأنها “شمس مثالية”. في عام 1604، رأى جاليليو مستعرًا أعظم (إنفجار نجمي) supernova، مما أدى إلى التشكيك في وجهة نظر أرسطو بأن السماوات كانت غير قابلة للتغيير -“ثابتة”.
كانت الأرسطية هي النظرة السائدة للعالم في ذلك الوقت وشكلت النموذج الذي تم فيه العلم، لكنها كانت وجهة نظر بدأت تظهر فيها الشقوق بالفعل.[12] علاوة على ذلك، كان الإصلاح البروتستانتي يتحدى سلطة روما وبالتالي، من منظور روما، كان الأمن الديني تحت تهديد متزايد. شعرت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية المحاصرة، والتي كانت تشترك مع أي شخص آخر تقريبًا في ذلك الوقت، في وجهة نظر أرسطو عن العالم، بأنها غير قادرة على السماح بأي تحد خطير لأرسطو، على الرغم من وجود تذمر (خاصة بين اليسوعيين) بأن الكتاب المقدس نفسه لم يدعم دائمًا وجهة نظر أرسطو للأشياء.
لكن هذا التذمر لم يكن قوياً بما يكفي لمنع المعارضة القوية لجاليليو التي ستنشأ من الأوساط الأكاديمية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية. لكن، حتى ذلك الحين، لم تكن أسباب تلك المعارضة مجرد أسباب فكرية وسياسية. الغيرة، وأيضًا، يجب أن يقال، افتقار جاليليو للمهارة الدبلوماسية، كانا من العوامل المساهمة. على سبيل المثال، أثار غضب النخبة في عصره من خلال النشر باللغة الإيطالية وليس باللاتينية، من أجل إعطاء بعض التمكين الفكري للناس العاديين. لقد كان واعداً ويستحق الشكر بما يسمى الآن بالفهم العام/الشعبي للعلم.
طور جاليليو أيضًا عادة قصيرة النظر غير مفيدة في إدانة أولئك الذين يختلفون معه بعبارات لاذعة. كما أنه لم يروج لقضيته من خلال الطريقة التي تعامل بها مع توجيه رسمي لتضمين حجة صديقه ومؤيده السابق البابا أوربان الثامن -مافيو باربيريني في كتابه “Dialogue Concerning the Two Principal Systems of the World حوار بشأن النظامين الرئيسيين في العالم“. جادل البابا أنه بما أن الله كلي القدرة، يمكنه إنتاج أي ظاهرة طبيعية معينة بعدة طرق مختلفة، وبالتالي سيكون من الافتراض من جانب الفلاسفة الطبيعيين الادعاء بأنهم وجدوا الحل الفريد. أدرج جاليليو هذه الحجة في كتابه بإخلاص، لكنه فعل ذلك بوضعها في فم شخصية باهتة أطلق عليها اسم Simplicio (“المهرج”). قد نرى هذا على أنه حالة كلاسيكية من إطلاق النار على قدمه.
بالطبع، ليس هناك أي عُذر على الإطلاق لاستخدام الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لسلطة محاكم التفتيش لتكميم جاليليو، ولا لاستغراق عدة قرون لاحقًا لرد اعتباره. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن جاليليو لم يتعرض أبدًا للتعذيب، خلافًا للاعتقاد السائد؛ وقضى فترة إقامته الجبرية اللاحقة، في الغالب، مستمتعًا بضيافة مساكن خاصة فاخرة تابعة لأصدقائه.
تحديالنظرةالعالمية
الدرس الرئيسي الذي يجب استخلاصه هو أن جاليليو، المؤمن بالنظرة الكتابية للعالم، هو الذي كان يطور فهمًا علميًا أفضل للكون، ليس فقط، كما رأينا، في معارضة بعض رجال الكنيسة ولكن ضد مقاومة وظلامية الفلاسفة العلمانيين في عصره الذين كانوا، مثل رجال الكنيسة، من تلاميذ أرسطو أيضًا.[13]
يحتاج الفلاسفة والعلماء اليوم أيضًا إلى التواضع في ضوء الحقائق، حتى لو تم توضيح هذه الحقائق لهم من قِبل المؤمن بالله. لم يعد عدم الإيمان بالله ضمانًا للأرثوذكسية-الإستقامة-العلمية أكثر من الإيمان بالله. ما هو واضح، في كل من عصر جاليليو وعصرنا، هو أن نقد النموذج العلمي السائد محفوف بالمخاطر، بغض النظر عمن يشارك فيه -وهي نقطة لم أضيعها على جمهوري من الأكاديميين الروس الذين يعيشون في ظل نظام ديكتاتوري.
وتعليقًا على قضية جاليليو (وهذا الحدث الأيقوني الذي تم تحريفه كثيرًا، النقاش بين صموئيل ويلبرفورس Samuel Wilberforce وتي إتش هكسلي T. H. Huxley في أكسفورد عام 1860) ، استنتج مؤرخ العلوم كولين راسل:
الاعتقاد السائد بأن … العلاقات الفعلية بين الدين والعلم تميزت عبر القرون القليلة الماضية بالعداء العميق والدائم … ليس فقط غير دقيق تاريخيًا ولكنه في الواقع رسم كاريكاتوري بشع لدرجة أن ما يجب شرحه هو كيف يمكن أن يحقق هذا الرسم أي درجة من الاحترام.[14]
ثانياً. كيفوصلناإلىهنا: مننيوتنإلىهوكينج
ربما كان أكثر العلماء شهرة في العصر الحديث ستيفن هوكينج، الذي شغل كرسي لوكاسيان Lucasian للرياضيات في جامعة كامبريدج، وهو نفس الكرسي الذي شغله السير إسحاق نيوتن قبل 300 عام. كان نيوتن مؤمنًا راسخًا وعاطفيًا بالله ولم ير أي تعارض بين إيمانه والسعي وراء العلم؛ أعلن هوكينج نفسه ملحدًا وقال إن علينا الاختيار بين العلم والله.
كيف حدث هذا؟ كيف وصلنا من إيمان نيوتن بالله إلى عدم إيمان هوكينج؟ هل كان ذلك مجرد تقدم في العلم؟ أو أي شيء آخر؟
هناك شيئان يجب التفكير فيهما -كلاهما واضح ولكن غالبًا ما يتم تفويتهما.
البياناتالتيتُصاغبواسطةالعلماءوالبياناتالعلمية
في بداية مسلسله التلفزيوني الشهير كوزموس، قال عالم الفلك وعالم الكونيات الأمريكي كارل ساجان Carl Sagan، “الكون هو كل ما هو، أو ما كان، أو ما سيكون في أي وقت”. هذا ليس بيانًا علميًا، يجب وضعه في نفس التصنيف، على سبيل المثال، البيان العلمي بأن الجاذبية تخضع لقانون التربيع العكسي. بيان ساجان هو ببساطة تعبير عن إيمانه بالإلحاد. تكمن المشكلة في أن الكثير من الناس يعطون جميع تصريحات العلماء السلطة بحق بسبب العلم، لمجرد أن العلماء صرحوا بها.
هذا أمر محفوف بالمخاطر، لأن العلماء -حتى العلماء المتفوقين -يمكنهم فهم الأمور بشكل خاطئ. قال عالم الفيزياء ريتشارد فاينمان Richard Feynman الحائز على جائزة نوبل أن العالم خارج مجاله يكون شخص عاديّ تمامًا مثل أي شخص أخر. مثال صارخ إلى حد ما على هذا الخطأ قدمه ستيفن هوكينج Stephen Hawking في كتابه، The Grand Design التصميم العظيم. هناك يقول إن “الفلسفة ماتت … أصبح العلماء حاملي شعلة الاكتشاف في سعينا وراء المعرفة”.[15] اعتقدت أنه ليس من الحكمة القول بأن الفلسفة ماتت في بداية كتاب موضوعه الرئيسي فلسفة العلم!
هلالعلمهوالسبيلالوحيدإلىالحقيقة؟
كما أنه من الخطأ الإيحاء بأن العلم هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة. هذه الفكرة، المنتشرة اليوم، هي اعتقاد يسمى “العلموية –scientism “.
فكر في الأمر: إذا كان العلم هو السبيل الوحيد إلى الحقيقة، فسيتعين عليك التخلص من نصف الكليات في أي مدرسة أو جامعة -التاريخ والأدب واللغات والفن والموسيقى، كبداية.[16]
قال أينشتاين ذات مرة إن العلماء يمكن أن يكونوا فلاسفة فقراء. يؤسفني أن أقول إن هوكينج، العالم اللامع رغم أنه كان كذلك، أظهر بالتأكيد هذا الضعف. سُئِلَ عالم الفلك البريطاني الملكي، البارون ريس من لودلو Martin John Rees، الذي كان صديقًا لستيفن هوكينج، من قِبَل صحيفة الجارديان Guardian عن رأيه في بيان هوكينج أن خلق الكون لا يتطلب وجود إله. أجاب ريس: “أعرف ستيفن هوكينج جيدًا بما يكفي لأعرف أنه قرأ القليل في الفلسفة وأقل من ذلك في علم اللاهوت، لذلك لا أعتقد أنه يجب أخذ آرائه بأي وزن خاص”.[17] لقد أوضح نفس النقطة في نعي هوكينج.
لسوء الحظ، غالبًا ما تدفع فكرة أن العلم هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة إلى الاعتقاد بأن كلمة “علمي” تعني نفس معنى “عقلاني”، أي بما يتفق مع العقل. هذا خطأ، ومن الواضح أنه كذلك، لأن جميع التخصصات المذكورة أعلاه -التاريخ والأدب وما إلى ذلك -تتطلب استخدام العقل، مثل معظم الأشياء في الحياة. العقل له نطاق أكبر بكثير من العلم.
سيعزز المثال التوضيحي التالي حدود العلم. تخيل أن عمتي ماتيلدا قد خبزت كعكة، وقدمناها إلى مجموعة من أفضل العلماء في العالم ليتم تحليلها. سيُطلعنا علماء الكيمياء الحيوية على بنية البروتينات والدهون وما إلى ذلك من مكوناتها؛ الكيميائيون، حول العناصر المعنية؛ سيتمكن الفيزيائيون من تحليل الكعكة من حيث الجسيمات الأساسية؛ وسيقدم لنا علماء الرياضيات بلا شك مجموعة من المعادلات الأنيقة لوصف سلوك تلك الجسيمات.
الآن نحن نعرف كيف تم صنع الكعكة ومما هي مصنوعة، لكن لنفترض أننا نسأل العلماء الآن لماذا تم صنع الكعكة؟ تظهر الابتسامة على وجه العمة ماتيلدا إنها تعرف الإجابة، لأنها صنعت الكعكة. لكن من البديهي بالتأكيد أن أفضل العلماء في العالم لن يكونوا قادرين على إخبارنا بواسطة تحقيقاتهم عن سبب قيامها بذلك. ما لم تكشف عن الإجابة، فلن يعرفوا أبدًا. يمكن أن تتعامل العلوم الطبيعية مع الأسئلة المتعلقة بطبيعة وهيكل الكعكة، لكنها لا تستطيع الإجابة على سؤال “لماذا” المتعلق بالهدف.[18] العلم له حدوده.
يشير السير بيتر Peter Medawar مدور الحائز على جائزة نوبل إلى أن وجود حد للعلم محتمل جدًا بسبب عدم قدرته على الإجابة على الأسئلة الأولية البدائية الطفولية:
أفكر في أسئلة مثل: “كيف بدأ كل شيء؟” “لماذا نحن جميعًا هنا؟” “ما هي الفائدة من العيش؟”[19]
هناك ثلاث حجج شائعة وذات صلة غالبًا ما يتم طرحها ضد الإيمان بالله والتي تبدو علمية وعقلانية ومنطقية ولكنها في الواقع ليست من هذا النوع.
الإيمانباللهوهم
هذه هي الحجة المطروحة في كتاب ريتشارد دوكينز “وهم الإله”. وأكثر من ذلك، يقول إنه وهم خطير وضار بحياة الناس.
“الوهم” مفهوم مأخوذ من الطب النفسي. إنه يعني استمرار الاعتقاد الخاطئ في مواجهة أدلة مُضادة قوية. أريد أن أدور حول هذا الادعاء وأقترح أن إلحاد دوكينز هو الذي يناسب هذا التعريف بشكل أفضل.
نظرًا لأن دوكينز ليس طبيبًا نفسيًا، فإن ادعائه بأن “الله وهم” هو خارج نطاق خبرته الأساسية. كعالم، كان من الأفضل له أن يفحص ما يقوله الخبراء في هذا المجال. بما أنني لست طبيباً نفسياً أيضًا، فقد أجريت بعض الأبحاث لمعرفة ما إذا كان الخبراء يدعمون ما زعمه دوكينز.
لقد وجدت أنهم لم يفعلوا ذلك.
كتب البروفيسور أندرو سيمز Andrew Sims، الرئيس السابق للجمعية الملكية للأطباء النفسيين، “إن التأثير المفيد للمعتقد الديني والروحانية هو أحد أفضل الأسرار المحفوظة في الطب النفسي والطب بشكل عام”.[20] إذا كانت نتائج الكم الهائل من الأبحاث حول هذا الموضوع قد سارت في الاتجاه المعاكس ووُجِدَ أن الدين يضر بصحتك العقلية، لكان ذلك على الصفحة الأولى لكل صحيفة في البلاد.
علاوة على ذلك، يخبرنا سيمز أن استطلاعًا رئيسيًا في المجلة الأمريكية للصحة العامة يشير إلى أنه في غالبية الدراسات في هذا المجال، ترتبط المشاركة الدينية ارتباطًا وثيقًا بالرفاهية والسعادة والرضا عن الحياة والأمل والتفاؤل والغرض والمعنى في الحياة، تقدير أعلى للذات، وتكيف أفضل مع الفقد/الحرمان، ودعم اجتماعي أكبر، ووحدة أقل، ومعدلات أقل من الاكتئاب، ومعدلات أسرع للتعافي من الاكتئاب، على سبيل المثال لا الحصر. لكننا نقرأ في كتاب دوكينز عبثًا لنجد أي وعي بهذا الحجم الضخم من الأبحاث.
يبدو أن دوكينز هو من يوهمنا. يدعي أنه يستخدم العلم لتوضيح وجهة نظره، لكن من الواضح أنه غير مدرك أن العلم لا يدعمه، لأنه لم يُعير اهتمامًا كافيًا لما يقوله. لقد فشل في القيام بالبحث.
الكثير من أجل “الضرر” الذي يسببه الإيمان بالله. سوف نأتي في فصول لاحقة إلى الدليل على حقيقة الله، حيث سأقترح أن الإلحاد هو الوهم، لأنه إيمان ثابت في مواجهة أدلة قوية مضادة.
اعتراضفرويد
قد تكون على دراية بأن الشخص الأكثر ارتباطًا بفكرة أن الله وهم هو Sigmund Freud سيغموند فرويد. في كتابه الأكثر مبيعًا، الله: تاريخ موجز للأعظم،[21] يشير الطبيب النفسي الألماني مانفريد لوتز Manfred Lütz إلى أن تفسير فرويد للإيمان بالله يعمل جيدًا بشرط أن يكون الله غير موجود. ومع ذلك، يتابع، على نفس المنوال، إذا كان الله موجودًا، فستُظهِر لك نفس الحجة الفرويدية بالضبط أن الإلحاد هو الوهم المريح، والهروب من مواجهة الواقع، وإسقاط الرغبة في عدم الاضطرار إلى أن تقابل الله في يوم من الأيام وتقدم حساباً عن حياتك.
تبنت الماركسية هذه النظرة الفرويدية بأن الدين هو أفيون الشعب. لكن أولئك الذين عانوا من قمع الحياة في ظل الدول الديكتاتورية الماركسية فهموا الجانب الآخر من الحجة. كتب الحائز على جائزة نوبل في الأدب البولندي Czesław Miłosz تشيسلاو ميتوش:
أفيون الشعب الحقيقي هو الإيمان بالعدم بعد الموت -العزاء الكبير للاعتقاد بأن خياناتنا وجشعنا وجبننا وجرائمنا لن يحكم عليها/لن نعطي حساباً عنها.[22]
إذا كان الله موجودًا، إذن، باتّباع فرويد، يمكن اعتبار الإلحاد آلية هروب نفسية نتجنب من خلالها تحمل المسؤولية الأخلاقية النهائية عن حياتنا. من الواضح أن ما يفشل فرويد في فعله هو الإجابة على سؤال ما إذا كان الله موجودًا أم لا.
اسمحوا لي أن أوضح كيف تقطع هذه الحجة طريقتين. في مقابلة مع صحيفة الجارديان، قال ستيفن هوكينج “لا جنة ولا حياة أخرى/بعد الموت … هذه قصة خرافية لأناس يخافون من الظلام،”[23] إجابة فرويدية نموذجية. لقد طُلِبَ مني الرد. كان إجابتي الفاترة (الفرويدية) ذات السطر الواحد، “الإلحاد قصة خيالية لأناس يخافون من الضوء”. لقد سررت لسماع نقل هذا التبادل على بي بي سي نيوز. ومع ذلك، لكي نكون مُنصِفين، يجب أن أشير إلى أنه لا تصريح هوكينج ولا بياني كان بيانًا علميًا. كانت تصريحات إيمانية. سواء كانت صحيحة أم لا، فهذه مسألة أخرى، وهي مسألة ليس لدى فرويد ما يقوله عنها، كما رأينا للتو.
جنيةالأسنان
المثال الأخير للطريقة التي يخطئ بها العلماء هو الإيحاء بأن الإيمان بالله يشبه الإيمان بسانتا كلوز/ بابا نويل أو وحش السباغيتي الطائر أو جنية الأسنان. لقد قابلت هذا الاتهام في عدة أماكن عامة. في إحدى المناسبات، في نقاش جامعي كبير، تحداني أحد العلماء بهذه الحجة. لتسوية المشكلة، طلبت من الجمهور أن يرفعوا أيديهم إذا كانوا قد آمنوا بسانتا كلوز وهم بالغين. لم يفعل أحد ذلك، لكن المئات رفعوا أيديهم عندما سألت عن أولئك الذين يؤمنون بالله وهم بالغين.
وضع الله في نفس فئة بابا نويل فقط لا معنى له. بعد كل شيء، عبر التاريخ، أعطت بعض أفضل العقول نفسها للتفكير في الله. لم يفعلوا ذلك مع سانتا كلوز. قد تحظى الحجة بالتصفيق أو الضحك من الجمهور المتعاطف، لكنها ببساطة ما يسميه الفلاسفة خطأ التصنيف.
لنعد الآن إلى سؤالنا حول نيوتن وهوكينج.
هلعليناالاختيار؟
لماذا اعتقد ستيفن هوكينج أن علينا الاختيار بين العلم والله بينما لم يكن السير إسحاق نيوتن كذلك؟
أعتقد أن هناك سببين رئيسيين: الارتباك حول طبيعة الله والارتباك حول طبيعة التفسير العلمي.
1. الارتباك حول طبيعة الله
كنت أفترض أنني عندما أتحدث عن الله، فسيعرف الناس أنني أعني إله الكتاب المقدس: الخالق الشخصي والذكي والقوي والداعم للكون. ومع ذلك، أجد الآن أن الكثير من الناس يعتقدون أنه بكلمة “الله”، أعني “إله الفجوات” -إله نبتكره لتفسير الفراغات في فهمنا: “لا أستطيع شرح ذلك؛ لذلك فعلها الله”. هذا هو نوع الإله الذي آمن به الإغريق القدماء. لم يفهم الإغريق البرق، لذلك اخترعوا إله البرق لشرح ذلك. ومع ذلك، فإن القليل من فيزياء الغلاف الجوي في أي جامعة حديثة يُظهر لك في الحال أن الإيمان بمثل هذا الإله غير ضروري. ولكن هناك فكرة منتشرة اليوم مفادها أن إله الكتاب المقدس هو مجرد إله فجوات -يختفي شيئًا فشيئًا مع تقدم العلم، مثل ابتسامة قطة شيشاير التي يُضرَب بها المثل.
الشيء المهم الذي يجب فهمه هنا هو هذا: إذا قمت بتعريف الله على أنه هو إله الفجوات -صاحب مكان، علامة “س” للوقوف مؤقتًا لشيء لم يشرحه العلم بعد -إذن بالطبع عليك الاختيار بين العلم والله، لأن هذه هي الطريقة التي حددت بها الله. لكنك إذن لا تفكر في إله الكتاب المقدس. إنه خطأ فادح آخر في التصنيف.
يشير فيرنر ييجر Werner Jaeger، الخبير العالمي في ديانات الشرق الأدنى القديمة، إلى أن آلهة العالم القديم كانت تشترك في هذا: أن أصولهم وُصِفت من حيث كونها “منحدرة من السماء والأرض”. لقد كانت نتاج الفوضى البدائية للكتلة والطاقة وكذلك كانت في الأساس آلهة مادية. على النقيض من ذلك، كتب ييجر، يوصف إله الكتاب المقدس، الإله العبري، بأنه خالق السماوات والأرض. لم يكن منحدر أي منهم (السماوات والارض). إن إله الكتاب المقدس ليس إله الفجوات. إنه إله العرض كله. إنه إله أجزاء الكون التي لا نفهمها والأجزاء التي نفهمها. قد نلاحظ فقط أن سفر التكوين لا يبدأ بالعبارة،” في البدء خلق الله أجزاء الكون التي لم نفهمها بعد!”
إنه لمن السطحي للغاية الاعتقاد بأن الفهم العلمي المتزايد يطرد الله. عندما اكتشف نيوتن قانون الجاذبية الخاص به، لم يقل، “الآن لدينا قانون الجاذبية، لسنا بحاجة إلى الله”. ما فعله هو كتابة كتاب بعنوان Principia Mathematica، ربما يكون أشهر كتاب في تاريخ العلم. وأعرب فيه عن أمله في أن تقنع حساباته وملاحظاته الشخص المفكر للإيمان بوجود إله.[24]
كما ترى، مع معظم الأشخاص العاديين، من الصحيح أنه كلما زاد فهمهم لبعض الأشياء الجميلة أو المعقدة، زاد إعجابهم بعقل الشخص الذي صنعها. كلما فهموا أكثر عن الرسم، زاد إعجابهم بعبقرية رامبرانت، ولا يقل هذا الإعجاب. كلما فهموا أكثر عن الهندسة، زاد إعجابهم بعبقرية رولز أو رويس. وكلما فهم نيوتن الطريقة التي يعمل بها الكون، زاد إعجابه بعبقرية الله الذي جعله يعمل بهذه الطريقة.
النقطة الأساسية هنا هي أن العلم لا ينافس الله كتفسير. يعطي العلم نوعًا مختلفًا من التفسير. هذا يقودنا إلى التفكير في الخلل التالي في تفكير هوكينج.
2. الإرتباك حول طبيعة التفسير العلمي
يشترك نيوتن وهوكينج في إهتمام مشترك بـ “الجاذبية”. اكتشف نيوتن قانون الجاذبية، وأجرى هوكينج بحثًا أساسيًا عن الجاذبية والثقوب السوداء. لكن هناك فرق صارخ بينهما. اعتبر نيوتن، كما رأينا، أن قانون الجاذبية هو أحد الأدلة على عبقرية الله في تصميم الكون، بينما قدم هوكينج الجاذبية كسبب رئيسي لإنكار وجود الله.
يفترض الكثير من الناس أن سبب هذا التحول في الموقف هو أن أكثر من 300 عام قد مرت منذ أن قام نيوتن باكتشافاته، وأن العلم في هذه الأثناء قد تقدم كثيرًا لدرجة أن الإيمان بالله أصبح أمرًا لا يصدق. لكني لا أعتقد أن هذا صحيح. إن رفض هوكينج لله بسبب الجاذبية، وبالفعل رفض دوكينز وآخرين لله، يستند بدلاً من ذلك إلى العديد من سوء الفهم الخطير لطبيعة التفسير.
ماذايُفسِّرالعلم؟
يوضح مثال “العمة ماتيلدا والكعكة” أن العلموية -الاعتقاد بأن العلم يمكن، على الأقل من حيث المبدأ، شرح كل شيء -خاطئ. دعونا الآن نطرح سؤالاً أكثر دقة: ما الذي يشرحه العلم بالضبط؟ على سبيل المثال، بما أننا كنا نفكر في الجاذبية، فلنسأل: ماذا يفسر قانون الجاذبية؟ أنت تقول بالتأكيد هذا واضح؛ يشرح قانون الجاذبية الجاذبية. قد تتفاجأ عندما تكتشف أنه ليس كذلك،
في الواقع! اعتدت أن أستمتع بتعليم الطلاب كيف يمنحنا قانون الجاذبية طريقة رياضية رائعة لحساب تأثير الجاذبية حتى نتمكن من حساب السرعة التي يحتاجها الصاروخ للهروب من مجال جاذبية الأرض، أو القيام بالحسابات اللازمة لإرسال مسبار إلى المريخ. لكن قانون الجاذبية لا يخبرنا ما هي الجاذبية في الواقع -فقط كيف تعمل. لقد فهم نيوتن هذا التمييز وقال ذلك.
أي أن قانون الجاذبية لا يقدم لنا شرحًا كاملاً للجاذبية. غالبًا ما يكون هذا هو الحال مع العلم -حتى في نطاقه الخاص، نادرًا ما يكون التفسير العلمي كاملاً. كان الفيلسوف Ludwig Wittgenstein لودفيج فيتجنشتاين يشير إلى هذا عندما كتب:
في أساس النظرة الحديثة للعالم كله يكمن الوهم بأن ما يسمى بقوانين الطبيعة هي تفسيرات الظواهر الطبيعية … النظام الحديث يجعل الأمر يبدو كما لو كان كل شيء تم شرحه.[25]
الحقيقة هي أن قوانين الطبيعة تصف الكون. لكنها في الواقع لا تشرح شيئًا. نتوقف لنعكس أنه، من منظور العلم، فإن وجود قوانين الطبيعة هو لغز في حد ذاته. كتب Richard Feynman ريتشارد فاينمان، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء:
… حقيقة وجود قواعد يجب التحقق منها على الإطلاق هي نوع من المعجزة. أنه من الممكن إيجاد قاعدة، مثل قانون التربيع العكسي للجاذبية، هو نوع من المعجزة. إنه غير مفهوم على الإطلاق، ولكنه يؤدي إلى إمكانية التنبؤ -وهذا يعني أنه يخبرك بما تتوقع حدوثه في تجربة لم تقم بها بعد.[26]
حقيقة أن هذه القوانين يمكن صياغتها رياضياً كانت بالنسبة لأينشتاين مصدرًا دائمًا للدهشة وأشار إلى ما وراء الكون المادي إلى روح ما “تفوق كثيرًا روح الإنسان”.[27]
تفسيرعقلاني
الشيء التالي الذي يجب أن ندركه هو أن التفسير العلمي لشيء ما ليس بالضرورة التفسير العقلاني الوحيد الممكن. يمكن أن يكون هناك تفسيرات متعددة صحيحة بنفس القدر في نفس الوقت.
افترض أنك تسأل: لماذا يغلي هذا الماء؟ قد أقول إن الطاقة الحرارية من لهب الغاز يتم توصيلها من خلال القاعدة النحاسية للغلاية وتهيج جزيئات الماء لدرجة أن الماء يغلي. أو قد أقول إن الماء يغلي لأنني أريد كوبًا من الشاي. نرى في الحال أن كلا التفسيرين عقلانيان بشكل متساوٍ -كل منهما له معنى كامل -لكنهما مختلفان تمامًا. الأول علمي والثاني شخصي، ويتضمن نواياي وإرادتي ورغبتي. ما هو واضح أيضًا هو أن التفسيرين لا يتعارضان أو حتى يتنافسان. يُكملان بعضهما البعض.
علاوة على ذلك، كلاهما ضروري لشرح كامل لما يجري. أيضًا، يمكن القول إن التفسير من حيث القدرة الشخصية هو الأهم -فقد استمتع الناس بشرب الشاي لآلاف السنين قبل أن يعرفوا أي شيء عن الديناميكا الحرارية! أشار أرسطو إلى كل هذا منذ قرون عندما ميز بين سبب مادي (الغلاية والماء والغاز وما إلى ذلك) والسبب الغائي (رغبتي في مشروب مُحفِّز).
وبالمثل، من أجل شرح محرك السيارة، قد نذكر فيزياء الإحتراق الداخلي، أو قد نتحدث عن Henry Ford هنري فورد. كلاهما تفسيران منطقيان. وكلاهما ضروري لتفسير شامل. بتوسيع هذا المثال التوضيحي إلى حجم الكون، قد نقول إن الله لم يعد ينافس العلم كتفسير للكون أكثر من تنافس هنري فورد مع العلم كتفسير للسيارة. الله هو الوكيل -الخالق لتفسير الكون. إنه ليس تفسيرا علمياً. لو كان أرسطو على قيد الحياة اليوم، سوف يتفاجأ بمعرفة عدد الأشخاص الذين يبدو أنهم غير قادرين على رؤية الفرق.
بعد كل شيء، لنذكر تشبيهًا مبهجًا استخدمته الروائية Dorothy Sayers دوروثي سايرز:
نفس عشرات النغمات كافية ماديًا لتفسير سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن والضوضاء التي تصدرها القطة عند المشي على المفاتيح. لكن أداء القطة لا يثبت ولا يدحض وجود بيتهوفن.[28]
ادعى ستيفن هوكينج أن الله ليس ضروريًا لشرح سبب وجود الكون في المقام الأول -لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء. كان يعتقد أن العلم يمكن أن يقدم الإجابة. لقد كتب:
نظرًا لوجود قانون مثل الجاذبية، يمكن للكون أن يخلق نفسه من العدم وسيظل يفعل هذا.[29]
يبدو هذا البيان علميًا، وقد كتبه بالتأكيد أحد العلماء. لكنه ليس فقط غير علمي؛ إنه ليس عقلانيًا أيضاً، كما سيُظهِر بعض المنطق البدائي.
العيب الأول: التناقض الذاتي
إن بيان هوكينج متناقض مع نفسه: “نظراً لوجود قانون مثل الجاذبية” -أي لأن هناك شيئًا ما -“الكون … سيخلق نفسه من” لا شيء””. يفترض هوكينج أن قانون الجاذبية موجود. هذا ليس” لا شيء”، لذا فهو مذنب بارتكاب تناقض صريح.
العيب الثاني: القوانين لا تخلق
لاحظ بعناية ما يقوله هوكينج: “نظرًا لوجود قانون مثل الجاذبية …” عندما قرأت هذا لأول مرة، فكرت، “بالتأكيد كان يقصد أن يقول،” لأن هناك جاذبية … “لأنه، ماذا سيعني قانون الجاذبية إذا لم تكن هناك جاذبية لوصفها؟ علاوة على ذلك، لم يقتصر الأمر على أن العلماء لم يضعوا الكون هناك؛ ولا العلم ولا قوانين الفيزياء الرياضية. ومع ذلك، يبدو أن هوكينج يعتقد أنه ربما يكون قد فعلوا ذلك بشكل جيد. في كتابه تاريخ موجز للزمن، اقترح أن النظرية قد تجلب الكون إلى حيز الوجود:
لا يمكن للنهج المعتاد للعلم في بناء نموذج رياضي أن يجيب على أسئلة لماذا يجب أن يكون هناك كون للنموذج ليصفه. لماذا يأتي الكون إلى كل عناء الوجود؟ هل النظرية الموحدة مقنعة لدرجة أنها تؤدي إلى وجوده؟ أم أنه بحاجة إلى خالق، وإذا كان الأمر كذلك، فهل له أي تأثير آخر على الكون؟[30]
قد تبدو فكرة وجود نظرية أو قوانين فيزيائية تجلب الكون إلى الوجود مثيرة للإعجاب ولكنها في الواقع لا معنى لها. رأينا أعلاه أن قانون نيوتن للجاذبية لا يفسر الجاذبية. علاوة على ذلك، فهو بالتأكيد لا يخلق الجاذبية. في الواقع، فإن قوانين الفيزياء ليست فقط عاجزة عن خلق أي شيء؛ لا يمكنها أيضاً إحداث أي شيء. قوانين الحركة المشهورة لنيوتن لم تتسبب قط في تحرك كرة سنوكر واحدة على الطاولة. يمكن أن يتم ذلك فقط بواسطة الأشخاص الذين يستخدمون عصا السنوكر. تمكننا القوانين من تحليل الحركة ورسم خريطة لمسار حركة الكرة في المستقبل (بشرط ألا يتدخل أي شيء خارجي)،[31] لكنها عاجزة عن تحريك الكرة، ناهيك عن إحضارها إلى حيز الوجود.
ومع ذلك، يبدو أن الفيزيائي المعروف بول ديفيز Paul Davies يتفق مع هوكينج:
ليست هناك حاجة لاستدعاء أي شيء خارق للطبيعة في أصول الكون أو الحياة. لم أحب أبدًا فكرة الترقيع الإلهي: بالنسبة لي، من الملهم أكثر بكثير أن أؤمن أن مجموعة من القوانين الرياضية يمكن أن تكون ذكية جدًا بحيث تحضر كل هذه الأشياء إلى حيز الوجود.[32]
لاحظ عند تمرير اللغة غير العلمية في هذا البيان: “لم أحب أبدًا … من الملهم أكثر بكثير أن أؤمن“. ومع ذلك، في العالم الحقيقي الذي نعيش فيه، فإن أبسط قانون حسابي – (1 + 1 = 2) – لم يجلب أي شيء إلى الوجود بمفرده. من المؤكد أنه لم يضع أي أموال في حساب مصرفي لأي شخص. إذا قمت أولاً بوضع 100 جنيه إسترليني في البنك ثم بعد ذلك 100 جنيه إسترليني أخرى، فإن قوانين الحساب سوف تشرح منطقيًا كيف أن لديك الآن 200 جنيه إسترليني في البنك. ولكن إذا لم تضع أي أموال في البنك مطلقًا وتركت الأمر لقوانين الحساب لتُكوّن لك المال، فستظل فقيرًا مُفلسًا. إن قوانين الحساب ليست “ذكية” بمعنى أنها يمكن أن تحضر شيئًا ما إلى حيز الوجود. لا يمكن تطبيقها إلا على الأشياء الموجودة بالفعل.
لقد رأى C. S. Lewis هذا منذ فترة طويلة. كتب عن قوانين الطبيعة:
إنها لا تنتج أي أحداث: إنها تحدد النمط الذي يجب أن يتوافق معه كل حدث … تمامًا كما تنص قواعد الحساب على النمط الذي يجب أن تتوافق معه جميع المعاملات مع المال -إذا كان بإمكانك فقط فسيمكنك الحصول على أي مال … لكل قانون، في الملاذ الأخير، يقول: “إذا كان لديك A، فستحصل على B”. لكن عليك أولاً أن تحصل على A: القوانين لن تفعل ذلك من أجلك.[33]
إن العالم الذي تجلب فيه القوانين الرياضية الذكية الكون والحياة إلى حيز الوجود هو خيال (علمي) خالص. النظريات والقوانين لا تجلب المادة أو الطاقة إلى الوجود أو أي شيء آخر. يبدو الرأي القائل بأن لديهم هذه القدرة بطريقة ما ملاذًاً يائسًا إلى حد ما (ومن الصعب أن نرى ما يمكن أن يكون غير ملجأ) من الاحتمال البديل الذي أثير في سؤال هوكينج المذكور أعلاه: “أم أنه بحاجة إلى خالق؟”
العيب الثالث: الخلق الذاتي متناقض
أخيرًا، تصريح هوكينج بأن “الكون يستطيع وسيخلق نفسه من لا شيء” لا معنى له. إذا قلت، “X يخلق Y”، فهذا يفترض مسبقًا وجود X في المقام الأول من أجل إحضار Y إلى الوجود. إذا قلت، “X يخلق X”، فأنا أفترض مسبقًا وجود X من أجل تفسير وجود X. والافتراض المسبق لوجود الكون لتفسير وجوده أمر متناقض منطقيًا.
ما يظهره هذا هو ببساطة أن البيان غير المنطقي يظل بيانًا غير منطقي حتى عندما يكتبه عالم مشهور عالميًا.
لقد فشل هوكينج بشكل قاطع في الإجابة على السؤال المركزي: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ يقول إن وجود الجاذبية يعني أن خلق الكون كان حتميًا. لكن كيف نشأت الجاذبية في المقام الأول؟ ما هي القوة الخلاقة وراء ولادتها؟ من الذي وضعها هناك بكل خصائصها وإمكانيات الوصف الرياضي لها؟ وبالمثل، عندما يجادل هوكينج، دعماً لنظريته في الخلق التلقائي، بأنه كان من الضروري فقط أن تضاء “ورقة اللمس الزرقاء (تعبير بمعنى إثارة شئ ما) ” “لتهيئة الكون”، فإنني أميل إلى التساؤل: من أين أتت هذه الورقة ذات اللمسة الزرقاء؟ من الواضح أنها ليست جزءًا من الكون إذا كانت قد أطلقت الكون للوجود؟ فمن أشعلها إن لم يكن الله من فعل ذلك؟
ألان سانديج Allan Sandage، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أب علم الفلك الحديث، الذي اكتشف (الكوازرات) أشبها النجوم وفاز بجائزة كرافورد، التي تعادل جائزة نوبل في علم الفلك، لا يساوره أدنى شك في إجابته:
أجد أنه من غير المحتمل تمامًا أن يكون هذا الترتيب قد خرج من الفوضى. يجب أن تكون هناك بعض المبادئ التنظيمية. الله بالنسبة لي هو لغز ولكنه تفسير معجزة الوجود -لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء.[34]
في محاولة لتجنب الدليل الواضح على وجود ذكاء إلهي وراء الطبيعة، يضطر العلماء الملحدين إلى إسناد قوى إبداعية إلى مرشحين أقل معقولية مثل الكتلة/الطاقة وقوانين الطبيعة. الإلحاد ببساطة لا يفي بالغرض.
منخلقالخالق
عادة ما يسأل شخص ما حول هذه النقطة من المناقشة: إذا كنت تؤمن أن الله قد خلق الكون، فمن المنطقي بالتأكيد أن تسأل، من الذي خلق الله؟ ألا يجعل هذا الإيمان بالله يبدو سخيفًا جدًا؟ يستخدم دوكينز هذه الحجة كأحد أسبابه الرئيسية لرفض الله في “وهم الإله”.[35]
ومع ذلك، فمن السهل أن نرى أن هذا -مهما بدا مثيرًا للإعجاب في البداية -ليس في الحقيقة حجة على الإطلاق. فقط فكر في الأمر: إذا طرحت السؤال عمن أو ما الذي خلق الله، فعليك أن تكون واضحًا بشأن ما تفترضه. أنت تفترض، أليس كذلك، أن الله قد تم خلقه؟ ولكن ماذا لو لم يكن كذلك؟ إذن سؤالك غير ذي صلة. وهذه مشكلة خطيرة لأن الكتاب المقدس يصف الله بأنه كائن أزلي وغير مخلوق في نفس الوقت. لذلك سؤالك لا ينطبق عليه حتى، ناهيك عن تهديد وجوده، أوتهديد إيمان من يؤمن به. أظن أنه لو كان كتاب ريتشارد دوكينز قد أطلق عليه اسم وهم الآلهة المخلوقة، لما اشتراه أحد. يمكن لأي شخص أن يرى أن الآلهة المخلوقة -ما نسميها عادة الأصنام -هي وهم. إنه شيء يتفق معه التقليد المسيحي بكامله بحماس.
تنطبق حجة دوكينز بالتأكيد على الأشياء المخلوقة، لكنها تقصر لأنها يمكن تطبيقها على رؤيته الخاصة للكون. إذا أصر على أن الله ليس تفسيرًا، لأنه عليك أن تسأل، “من خلق الله؟”، إذن، وبالمثل، فإن أي سبب يقدمه للكون ليس تفسيراً، إلا إذا كان يستطيع أن يقول ما الذي أتى بتفسيره هذا إلى حيز الوجود. لذلك سألته في نقاش عام هذا السؤال: أنت تعتقد أن الكون قد خلقك، فمن الذي خلق الكون الذي خلقك؟
لقد كنت أنتظر أكثر من عشر سنوات للحصول على إجابة على ذلك. لم يكن هناك شيء قادم.
ثالثاً. تدمير الخرافات الجزء الأول: الدين يعتمد على الإيمان ولكن العلم لايعتمد على الإيمان
كثيرًا ما يُقال لي أن المشكلة مع المؤمنين بالله هي فقط: أنهم مؤمنون. أي أنهم أهل الإيمان. العلم أسمى بكثير لأنه لا يتطلب الإيمان. يبدوا رائعاً. المشكلة هي أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر خطأ منه.
اسمحوا لي أن أخبركم عن لقاء أجريته مع بيتر سينجر، عالم الأخلاق المشهور عالميًا من جامعة برينستون في الولايات المتحدة الأمريكية. إنه ملحد، وقد تناظرت معه في مسقط رأسه مدينة ملبورن، أستراليا، حول مسألة وجود الله. في ملاحظاتي الافتتاحية، أخبرت الحضور بما قلته لكم سابقًا: أنني نشأت في أيرلندا الشمالية وأن والديّ مسيحيان.
كان رد فعل سنجر هو القول إن هذا كان مثالًا على أحد اعتراضاته على الدين -أن الناس يميلون إلى وراثة العقيدة التي نشأوا عليها. بالنسبة له، الدين هو مجرد مسألة وراثة وبيئة، وليس مسألة حقيقة. قلت، “بيتر، هل يمكنني أن أسألك -هل كان والداك ملحدين؟”
أجاب: “كانت والدتي ملحدة بالتأكيد”. “ربما كان والدي أكثر حيادية”.
قلت: “إذن أنت تُخلِّد إيمان والديك أيضًا، مثلي”.
قال: “هذا ليس إيمانًا من وجهة نظري”.
أجبته:”بالطبع إنه إيمان، ألا تؤمن به؟”
كانت هناك ضحكات كثيرة.
ليس هذا فقط ولكن، كما اكتشفت لاحقًا، أضاء الفضاء الإلكتروني بالسؤال: ألا يدرك بيتر سينجر، الفيلسوف الشهير، أن إلحاده هو نظام عقائدي؟ ألم يسمع قط عن أناس، مثل عالم الكونيات آلان سانديج، الذين اقتنعوا بدليل وجود الله واعتنقوا المسيحية فيما بعد؟
ماهو الإيمان
يشترك العديد من الملحدين البارزين في ارتباك سينجر بشأن الإيمان، ونتيجة لذلك، يدلون بتصريحات سخيفة. مثل أن “الملحدين ليس لديهم إيمان،”[36] يقول ريتشارد دوكينز هذا، ومع ذلك فإن كتابه “وهم الإله” يدور حول ما يؤمن به -فلسفته الإلحادية عن المذهب الطبيعي التي يؤمن بها إيمانًا كبيرًا. يعتقد دوكينز، مثل سينجر، أن الإيمان هو مفهوم ديني يعني الإيمان حيث لا يوجد دليل. إنهم مخطئون تمامًا. الإيمان هو مفهوم يومي، وهم يعلنون عن هذا من خلال استخدامه بشكل متكرر على هذا النحو.
وفقًا لقاموس أكسفورد الإنجليزي، تأتي الكلمة من الكلمة اللاتينية fides، والتي تعني الولاء أو الثقة. وإذا كان لدينا أي إدراك، فإننا لا نثق عادة بالحقائق أو الأشخاص الذين ليس لديهم دليل. بعد كل شيء، فإن اتخاذ قرارات محفزة وقائمة على الأدلة هو فقط الطريقة التي تمارس بها الإيمان عادة -فكر في كيفية جعل مدير البنك يثق بك أو الأساس الذي اتخذته لقرارك بالصعود إلى حافلة أو طائرة.
والاعتقاد الذي لا يوجد دليل عليه هو ما يسمى عادة بالإيمان الأعمى. ولا شك أنك ستجد في كل الأديان أتباعًا يؤمنون بشكل أعمى. يمكن أن يكون الإيمان الأعمى خطيرًا جدًا – شاهد عيان على ذلك هو 11 سبتمبر. لا أستطيع التحدث عن ديانات أخرى، لكن الإيمان المتوقع من جانب المسيحيين ليس أعمى بالتأكيد. لن يكون لدي أي مصلحة في ذلك بصورة أخرى.
يخبرنا يوحنا أن روايته عن حياة يسوع تحتوي على سجل شهود العيان للأدلة التي يمكن أن يُبنى عليها الإيمان بالمسيح. في الواقع، يمكن تقديم حجة قوية مفادها أن الكثير من المواد في الأناجيل تستند إلى شهادات شهود عيان.[37][38]
هليؤمنالملحدون؟
هذا الالتباس حول طبيعة الإيمان يقود الكثير من الناس إلى خطأ فادح آخر: الاعتقاد بأن لا الإلحاد ولا العلم ينطويان على الإيمان. ومع ذلك، فإن المفارقة هي أن الإلحاد هو نظام عقائدي ولا يمكن للعلم الاستغناء عن الإيمان.
يقول الفيزيائي بول ديفيز أن الموقف العلمي الصحيح هو في جوهره لاهوتي: “لا يمكن للعلم أن يتقدم إلا إذا تبنى العالم وجهة نظر لاهوتية في الأساس”. ويشير إلى أنه “حتى أكثر العلماء إلحادًا يقبلون كعمل إيماني… نظامًا شبيهًا بالقانون في الطبيعة يكون على الأقل جزئيًا مفهوماً بالنسبة لنا”.[39] قال ألبرت أينشتاين من مقولاته الشهيرة:
… العلم لا يمكن أن يصنع إلا من قبل أولئك المشبعين تمامًا بالطموح نحو الحقيقة والفهم. لكن مصدر الشعور هذا ينبع من المجال الديني. وينتمي إلى هذا أيضًا الإيمان بإمكانية أن تكون الأنظمة الصالحة لعالم الوجود عقلانية، أي مفهومة للعقل. لا أستطيع أن أتخيل رجل علم حقيقي بدون هذا الإيمان العميق. يمكن التعبير عن الموقف من خلال صورة: العلم بدون دين أعرج، والدين بدون علم أعمى.[40]
من الواضح أن أينشتاين لم يكن يعاني من وهم دوكينز بأن كل الإيمان هو إيمان أعمى. يتحدث أينشتاين عن “الإيمان العميق” للعالم في الوضوح العقلاني للكون. لا يستطيع تخيل عالِم بدونه. على سبيل المثال، يعتقد العلماء (= لديهم إيمان) أن الإلكترونات موجودة وأن نظرية النسبية لأينشتاين مثبتة لأن كلاهما مدعوم بأدلة تستند إلى الملاحظة والتجريب.
كتب أستاذي في ميكانيكا الكم في كامبريدج، الأستاذ السير جون بولكينجهورن، “العلم لا يشرح الوضوح الرياضي للعالم المادي، لأنه جزء من الإيمان التأسيسي للعلم [لاحظ استخدامه الصريح للكلمة] أن هذا صحيح … “[41] لسبب بسيط هو أنه لا يمكنك البدء في القيام بالفيزياء دون الإيمان بـ “وضوحها”.
على أي دليل، إذن، يبني العلماء إيمانهم على الوضوح العقلاني للكون، والذي يسمح لهم بالقيام بالعلم؟ أول ما نلاحظه هو أن العقل البشري لم يخلق الكون. هذه النقطة واضحة لدرجة أنها قد تبدو تافهة في البداية. لكنها في الواقع ذات أهمية أساسية عندما نأتي لتقييم صحة قدراتنا المعرفية. ليس مجرد أننا لم نخلق الكون فقط، لكننا لم نخلق قوى العقل الخاصة بنا أيضًا. يمكننا تطوير قدراتنا العقلانية بالاستخدام؛ لكننا لم نخلقها. كيف يمكن، إذن، أن ما يحدث في رؤوسنا الصغيرة يمكن أن يعطينا أي شيء قريب من سرد حقيقي للواقع؟ كيف يمكن لمعادلة رياضية تدور في ذهن عالم رياضيات أن تتوافق مع طريقة عمل الكون؟
كان هذا السؤال بالذات هو الذي دفع أينشتاين إلى القول، “أكثر ما لا يمكن فهمه في العالم هو أنه مفهوم”. وبالمثل، كتب الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل يوجين فيجنر ذات مرة ورقة بحثية مشهورة بعنوان “الفعالية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية”.[42] لكن هذا غير معقول فقط من منظور إلحادي. أمّا من وجهة نظر الكتاب المقدس، فإنه يتوافق تمامًا مع العبارات: “في البدء كان الكلمة … والكلمة كان الله … وكل شيء به كان” (يوحنا 1: 1، 3).
في بعض الأحيان، عندما أتحدث مع زملائي العلماء، أسألهم “بماذا تقومون بعمل العلم؟”
يقول البعض “عقلي”، والبعض الآخر ممن يؤمنون بالرأي القائل بأن العقل هو الدماغ، ويقولون “مخي”.
“أخبرني عن دماغك؟ كيف وُجِدَ؟
“عن طريق عمليات طبيعية، طائشة، غير موجهة.”
فأسأل “لماذا إذن تثق به؟”. “إذا كنت تعتقد أن جهاز الكمبيوتر الخاص بك هو المنتج النهائي لعمليات طائشة وغير موجهة، فهل تثق به؟”
يأتي الرد “ولو بعد مليون سنة”.
“من الواضح أن لديك مشكلة إذن.”
بعد فترة توقف مُثقلة بالمعنى يسألونني أحيانًا من أين أتت هذه الحجة -ويجدون الإجابة مفاجئة إلى حد ما: تشارلز داروين. كتب يقول:
… ينشأ معي الشك المريع دائمًا فيما إذا كانت قناعات عقل الإنسان، التي نشأت من عقل الحيوانات الدُنيا، ذات قيمة أو جديرة بالثقة على الإطلاق.[43]
وبأخذ المنطق الواضح لهذه العبارة إلى أبعد من ذلك، يقول الفيزيائي جون بولكينجهورن إنه إذا اختزلت الأحداث العقلية إلى الفيزياء والكيمياء، فإنك تدمر المعنى. كيف؟
لاستبدال الفكر بأحداث كهروكيميائية عصبية. حدثان من هذا القبيل لا يمكن أن يواجه أحدهما الآخر في الخطاب العقلاني. إنهما ليسا على صواب ولا على خطأ -إنهما يحدثان ببساطة. يختفي عالم الخطاب العقلاني في الأحاديث السخيفة المتمثلة في إطلاق المشابك العصبية. بصراحة لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا ولا أحد منا يعتقد أنه كذلك.[44]
بولكينجهورن مسيحي، لكن بعض الملحدين المعروفين يرون المشكلة أيضًا. يكتب جون جراي:
“النزعة الإنسانية الحديثة هي الإيمان بأنه من خلال العلم يمكن للبشرية معرفة الحقيقة -وبالتالي تكون حرة. ولكن إذا كانت نظرية داروين عن الانتقاء الطبيعي صحيحة فهذا مستحيل. يخدم العقل البشري النجاح التطوري وليس الحقيقة”.[45]
فيلسوف رائد آخر، توماس ناجل، يفكر بنفس الطريقة. لقد كتب كتابًا بعنوان “العقل والكون” بعنوان فرعي مثير للاهتمام “لماذا نظرة الداروينية الجديدة إلى العالم خاطئة بالتأكيد”. ناجل ملحد قوي يقول بشيء من الصدق “لا أريد أن يكون هناك إله”. ومع ذلك فهو يكتب:
ولكن إذا لم يكن الذهن في حد ذاته مجرد شيء مادي، فلا يمكن تفسيره بالكامل من خلال العلوم الفيزيائية. يشير المذهب الطبيعي التطوري إلى أننا لا ينبغي أن نأخذ أيًا من قناعاتنا على محمل الجد، بما في ذلك الصورة العلمية للعالم التي يعتمد عليها المذهب الطبيعي التطوري نفسه.[46]
وهذا يعني أن المذهب الطبيعي، وبالتالي الإلحاد، يقوض أسس العقلانية ذاتها اللازمة لبناء أو فهم أو الإيمان بأي نوع من أنواع الحجج على الإطلاق، ناهيك عن الجدل العلمي. بدأ الإلحاد في الظهور وكأنه وهم كبير متناقض مع الذات -“اعتقاد خاطئ مستمر في مواجهة أدلة مضادة قوية”.
بالطبع، أنا أرفض الإلحاد لأنني أعتقد أن المسيحية صحيحة. لكنني أرفضه أيضًا لأنني عالم. كيف يمكنني الإعجاب بنظرة عالمية تقوض العقلانية ذاتها التي نحتاجها للقيام بالعلم؟ العلم والله يختلطان جيدا. إن العلم والإلحاد هما اللذان لا يختلطان.
البساطةوالتعقيد
طريقة أخرى للنظر إلى هذا هي التفكير مرة أخرى في التفسير. غالبًا ما نتعلم في العلم أن التفسير الصحيح يسعى إلى شرح الأشياء المعقدة إنطلاقاً من الأشياء الأبسط. نحن نطلق على هذا التفسير “الاختزالي” وقد نجح في العديد من المجالات. أحد الأمثلة على ذلك هو حقيقة أن الماء، وهو جزيء معقد، يتكون من أبسط العناصر، الهيدروجين والأكسجين.
ومع ذلك، فإن الاختزال لا يعمل في كل مكان. في الواقع، هناك مكان واحد حيث لا يعمل على الإطلاق. أي شرح كامل للكلمات المطبوعة في القائمة، على سبيل المثال، يجب أن يتضمن شيئًا أكثر تعقيدًا من الورق والحبر اللذين يُكونان القائمة. نحن نفهم هذا التفسير جيدًا. قام شخص ما بتصميم القائمة، ولكن العمليات الآلية هي التي أدت إلى صنع الورق والحبر وتنفيذ الطباعة.
النقطة المهمة هي أنه عندما نرى أي شيء يتضمن معلومات تشبه اللغة، فإننا نفترض تلقائياً مشاركة العقل.
نحن نفهم الآن أن الحمض النووي هو جزيء ضخم يحمل المعلومات. الجينوم البشري مكتوب بأبجدية كيميائية تتكون من أربعة أحرف فقط. يبلغ طوله أكثر من 3 مليارات حرف ويحمل الشفرة الوراثية. وبهذا المعنى، فهو أطول “كلمة” تم اكتشافها على الإطلاق. إذا كان لا يمكن إنشاء قائمة مطبوعة وذات مغزى (لها معنى) من خلال عمليات طبيعية طائشة ولكنها تحتاج إلى مُدخلات من العقل، فماذا نقول عن الجينوم البشري؟ ألا يشير بقوة إلى أصل عقلي -عقل الله؟
تبدأ فلسفة الملحدين بالمادة/الطاقة (أو، في هذه الأيام، بـ “لا شيء”) وتدعي أن العمليات الطبيعية وقوانين الطبيعة، أينما جاءت، أُنتِجَت من لا شيء -الكون والمحيط الحيوي والعقل البشري. أجد أن هذا الادعاء يمد عقليتي إلى نقطة فقدان القوة، لا سيما عند مقارنته بوجهة النظر الكتابية القائلة: في البدء كان الكلمة … والكلمة كان الله … وكل شيء به كان” (يوحنا 1: 1، 3).
يتردد صدى هذه النظرة المسيحية للعالم أولاً مع حقيقة أنه يمكننا صياغة قوانين الطبيعة واستخدام لغة الرياضيات لوصفها. ثانيًا، يتوافق جيدًا مع اكتشاف المعلومات الجينية المشفرة في الحمض النووي. لقد كشف العلم أننا نعيش في عالم قائم على الكلمات، واكتسبنا تلك المعرفة من خلال التفكير.
يجادل سي إس لويس في هذه النقطة قائلاً: “ما لم يكن التفكير البشري صحيحًا، فلا يمكن لأي علم أن يكون صحيحًا.” إذا لم يكن الواقع المُطلق ماديًا، فإن عدم أخذ ذلك في الاعتبار في سياقنا يعني إهمال أهم حقيقة على الإطلاق. ومع ذلك، لم يتم نسيان البعد الخارق للطبيعة فحسب، بل تم استبعاده من المحكمة من قبل الكثيرين. يلاحظ لويس ما يلي:
انخرط علماء الطبيعة في التفكير في الطبيعة. إنهم لم يحترموا حقيقة أنهم كانوا يفكرون. في اللحظة التي ينتبه فيها المرء إلى هذا، من الواضح أن تفكير المرء لا يمكن أن يكون مجرد حدث طبيعي، وبالتالي يوجد شيء آخر غير الطبيعة.[47]
لا يفشل العلم في استبعاد ما هو خارق للطبيعة فحسب -بل فعل العلم ذاته أو أي نشاط عقلاني آخر يحكمه. يعطينا الكتاب المقدس سببًا للثقة في العقل. الإلحاد لا. هذا هو عكس ما يعتقده الكثير من الناس.
رابعاً. تدمير الخرافات الجزء الثاني: العلم يقوم على العقل بينما المسيحية لا تقوم على العقل
الوجه الآخر للاعتراض الشائع الذي تناوله الفصل السابق هو أن العلم يعتمد على العقل، والإيمان بالله لا يعتمد عليه. هذه الفكرة منتشرة وخاطئة تمامًا مثل موضوع الفصل السابق. مرة أخرى سأقتصر على المسيحية. من الواضح أن هناك أديانًا تتميز بمعاداة الفكر. إن المسيحية الكتابية ليست كذلك، على الرغم من بعض أتباعها المزعومين الذين يعتقدون خطأً أنها كذلك.
ماهو العلم تحديداً؟
ربما لاحظت أننا ذهبنا بسعادة إلى التشويش على العلم دون أن نقول ما هي ماهيته بالفعل. الآن هو الوقت المناسب للقيام بذلك. اتضح -خاصة عندما يتدخل الفلاسفة -أن العلم ليس من السهل تعريفه. ومع ذلك، يمكننا أن نقنع أنفسنا هنا بأشياء معينة نربطها جميعًا بالعلم.
قبل القرن التاسع عشر، كان مصطلح “الفلسفة الطبيعية” يستخدم لوصف ما نسميه الآن “العلم”. من الناحية اللغوية، تعني “الفلسفة الطبيعية” ببساطة “حب الحكمة بشأن الطبيعة”. العلم إذن طريقة للتفكير في العالم الطبيعي، وسنعرف جميعًا من المدرسة أنه مرتبط بإجراء الملاحظات والبحث عن التفسيرات وإجراء التجارب لاختبارها. إن لها تاريخ طويل جدا. في الواقع، يمكن القول أن أرسطو كان من أوائل ممارسيها في القرن الثالث قبل الميلاد، أي منذ ما يقرب من 2500 عام.[48] اشتهر بملاحظاته عن الكائنات الحية، واعتبره الكثيرون أب علم الأحياء.
ومع ذلك، مثل أفلاطون من قبله، فقد فضل أحيانًا التفكير في الطبيعة من المبادئ الفلسفية بدلاً من الملاحظة التجريبية، مما أدى به إلى الضلال من وقت لآخر. على سبيل المثال، اشتهر بأنه يعتقد أن الأجسام الثقيلة، عند إسقاطها، ستصل إلى الأرض أسرع من الأجسام الأخف وزناً. من المعروف أن جاليليو تحدى هذا وابتكر تجربة ذكية لإظهار أن أرسطو كان مخطئًا. قام بدحرجة الكرات على مستوى مائل واكتشف أن المسافة المقطوعة كانت متناسبة فقط مع مربع الوقت المستغرق، وليس مع كتلة الكرات على الإطلاق. دحضت تجربته الفرضية (وهي كلمة أخرى مهمة في العلم) التي مفادها أن الأشياء تسقط بسرعات مختلفة إذا كانت ذات كتل مختلفة.
هذا يذكرنا بأنه حتى الأشخاص الأذكياء جدًا مثل أرسطو لا يفهمون الأمر بالشكل الصحيح دائمًا. كما يخبرنا أن العلم مسعى بشري تقدُّمي ونجاحه التراكمي، على الرغم من أنه يحدث أحيانًا بنوبات متقطعة، إلا أنه مثير للإعجاب للغاية.
المنهج العلمي
الآن، تدوين الملاحظات والبحث عن التفسيرات واختبارها ليست طريقة تفكير تقتصر على العلوم. إنها طريقة تفكير نستخدمها جميعًا في قدر كبير من الوقت. لنفترض أننا مهتمون بشراء درّاجة جديدة. نلاحظ في البداية الكثير من الدّرّاجات على الطريق وفي المجلات وعلى الإنترنت. نحن نقارن الأسعار. بعضها غالي جدًا، ونحاول معرفة سبب ارتفاع السعر: ربما يكون الإطار مصنوعًا من التيتانيوم، أو توجد مكونات عالية التقنية مُدمجة في الدّرّاجة. المزيد من الأبحاث تكشف عن أشياء ربما نكون قد أهملناها في البداية. نركز أفكارنا على بعض الاحتمالات ثم نذهب ونختبرها من خلال ركوب الدّرّاجات لمعرفة ما إذا كانت ترقى إلى مستوى ما نأمله. بعد كل ذلك، نُسلِّم نقودنا الثمينة ونقود الدراجة بسعادة حتى غروب الشمس.
ما فعلناه هو التفكير المنطقي الفِطري، ومع ذلك فهو بالضبط ما يفعله العلماء في معظم الأوقات. النقطة المهمة هي أن الفكر العلمي (أو ما ينبغي أن يكون عليه) عقلانيُّ، لكن التفكير العقلاني لا يقتصر بأي حال من الأحوال على العلوم.
ما سيفاجئ بعض قرائي الآن -لكن لا ينبغي أن يفجائهم -هو حقيقة أن هذا النوع من التفكير موجود في كل مكان في الكتاب المقدس. عندما سُئل يسوع عن أعظم الوصايا، قال إن الأولى كانت “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ.” (مرقس 12: 30). لاحظ إدراج كلمة “فكر” في هذه القائمة. الله ليس ضد العقل. إنه يعطينا أعلى مستوى ممكن من التشجيع لاستخدام عقولنا؛ وليس فقط استخدامها للتفكير فيه ولكن للتفكير في العالم الطبيعي الذي نعيش فيه. عند مدخل مختبر كافنديش للفيزياء الشهير في كامبريدج، كان السير جيمس كلارك ماكسويل يحمل كلمات المزمور 111 محفورة فوق الباب:
يوجد الكثير مثل هذا في سفر أيوب. هذه الإصحاحات مليئة بسلسلة رائعة من الأسئلة حول الطبيعة وطُرُق عملها -نوع الأسئلة التي يطرحها العلماء. أسئلة عن الكون: “هل تعرف فرائض السماوات؟ هل يمكنك تثبيت حكمهم على الأرض؟” وتساؤلات عن سلوك الحيوان: “هل تعرف متى تلد الماعز الجبلي؟ هل تراقب ولادة الولد؟ هل يمكنك ترقيم الأشهر التي يقضونها، وهل تعرف الوقت الذي يلدون فيه؟”
تتضمن الإجابات على هذه الأسئلة ملاحظة وحساب الأرقام والفترات الزمنية. العلم الحقيقي مطلوب. وإضافة إلى ذلك، نجد في أول سفر من الكتاب المقدس، سفر التكوين، أن الله أمر آدم بتسمية الحيوانات (تكوين 2: 19). التصنيف، تسمية الأشياء، هو نشاط علمي أساسي في مجموعة كبيرة ومتنوعة من المجالات. إن التعليمات الخاصة بتسمية الحيوانات، في كتاب يسجل فيه الله نفسه على أنه يسمي أشياء معينة، مهمة للغاية لفهمنا لأحد الأغراض التي توجد من أجلها البشرية: لاستكشاف الخلق ودراسته من خلال تسمية الأجزاء المكونة له بتطور متزايد. إنه أمر كتابي آخر لممارسة العلوم.
التجاربالخاضعةللمراقبة
أحد الأشياء التي جعلنا العلم على دراية بها هي التجربة المضبوطة -الخاضعة للمراقبة، خاصة في الطب. غالبًا ما يتم إعطاؤنا معلومات إحصائية تفيد بأن العقار X أثبت فعاليته في علاج المرض Y. وبقدر ما أعلم، فإن أول تجربة من هذا القبيل في الأدب مُسجّلة في سفر دانيال، الإصحاح الأول. تم القبض على دانيال وأصدقاؤه من قبل ملك بابل، نبوخذ نصر، خلال حصار أورشليم في حوالي القرن السادس قبل الميلاد.
التحق الشُّبّان الأربعة بما يعادل جامعة حكومية حيث كان من المقرر أن يتعلموا لمدة ثلاث سنوات كمستشارين للملك -تم دفع جميع النفقات. على وجه الخصوص، كان من المقرر إطعامهم من مائدة الملك. احتج دانيال أمام عميد الطلاب حول هذا الأمر -من المفترض أنه لم يرغب في تدنيس نفسه بالطعام والنبيذ الذي من المرجح أنه عُرض على الآلهة الوثنية التي لم يؤمن بها دانيال. طلب من العميد إعطاء الأصدقاء الأربعة طعامًا نباتيًا بسيطًا. انزعج العميد وأشار إلى دانيال أنه إذا رأى الملك أن دانيال وأصدقائه قد تدهورت صحتهم ولياقتهم، فقد يفقد العميد رأسه. يتضح من الرواية أن العميد أحب دانيال وكان يرغب في مساعدته.
وبناءً على ذلك اقترح دانيال أن يقوم العميد باختبار الطلاب الأربعة سراً لمدة عشرة أيام ثم إصدار حكم على ما سيراه؛ أي أن دانيال كان يعرض تقديم أدلة دامغة. وافق العميد، وبعد التجربة، بدا الأربعة أكثر صحة من الطلاب الآخرين. أصبح لدى العميد الآن الدليل الذي يحتاجه للتوافق مع طلب دانيال على أساس دائم.
هذا مثال قديم واضح جدًا على اتخاذ القرار على أساس تجربة مضبوطة وهو من جوهر العلم. لكي يقترح شخص ما أن الكتاب المقدس لا يعرف شيئًا عن نوع التفكير الذي ينطوي عليه العلم فإن إقتراحه يخبرنا عنه هو شخصياً أكثر مما يخبرنا عن الكتاب المقدس.
كان الاختبار العلمي الذي اقترحه دانيال موجهًا للتمييز بين أنواع مختلفة من الطعام الطبيعي -اللحوم من مائدة الملك والخضروات. لكن الكتاب المقدس يسجل أيضًا حادثة أخرى تهدف إلى التمييز علميًا بين ما هو طبيعي وما هو فوق الطبيعي. يسجل صموئيل الأول الإصحاح السادس كيف قرر الفلسطينيون، الذين استولوا على تابوت العهد من إسرائيل، إعادته لأنهم ربطوه بالأمراض التي أصابتهم فجأة. لقد طلبوا مشورة الخبراء من كهنتهم، الذين قالوا إنه ينبغي عليهم وضع التابوت (صندوق خشبي) على عربة مثبتة على بقرتين قد ولدتا للتو. كان عليهم أن يأخذوا العجول من الأبقار ويرسلوا العربة في طريقها. وإذا عادت العربة إلى أرض إسرائيل، كان عليهم أن يستنتجوا أن الله، إله إسرائيل، هو الذي أصابهم بالفعل.
استند تفكيرهم إلى ملاحظة أساسية في علم الأحياء الحيواني: أن هناك رابطة قوية وغريزية أمومية بين العجول وأمهاتهم. استنتج القادة الفلسطينيون أنه إذا تخلت البقرتان عن عجولهما وابتعدتا عنهما باتجاه المعسكر الإسرائيلي، فسيكون ذلك عملًا ضد قوة الطبيعة الجبارة -وبالتالي غير طبيعي إلى أقصى الحدود. لذلك سيكون من المعقول استخلاص استنتاج مفاده أن فوق الطبيعي يجب أن يكون قد تدخل. يشار إلى أن النص يسجل ما يلي: “فَاسْتَقَامَتِ الْبَقَرَتَانِ فِي الطَّرِيقِ إِلَى طَرِيقِ بَيْتَشَمْسَ، وَكَانَتَا تَسِيرَانِ فِي سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ وَتَجْأَرَانِ، وَلَمْ تَمِيلاَ يَمِينًا وَلاَ شِمَالًا.”[49] ربما كان انخفاضهم -تَجْأَرَانِ -مؤشراً على أنهما شعرتا في أعماقهما بأنهما كانتا مدفوعتين لفعل شيء ما ضد غرائزهما الطبيعية.
الطبيعي وفوق الطبيعي
الآن، يقول بعض الناس أنه إذا تم اعتبار التفسير علميًا، فيجب أن يكون تفسيرًا طبيعيًا من حيث العمليات الفيزيائية -على سبيل المثال، حركة الصفائح التكتونية الشاسعة كتفسير للزلازل. أي أن تعريفهم للعلم يتضمن تحديد أن التفسيرات قد تكون فقط من حيث العمليات الطبيعية.
إذا طبقنا هذا التعريف على حادثة الأبقار، فسنضطر إلى القول إن التفسير الخارق للطبيعة ليس علميًا. الشيء الذي يجب ألّا نقوله (لكن الكثيرين، مع ذلك، يفعلون) هو أنه بالتالي ليس تفسيراً عقلانياً أو صحيحاً. لكنه تفسير عقلاني تماماً. تذكر أن مجرد وجود العقل البشري يعطي دليلاً على البعد الخارق للطبيعة.
ما توضحه حادثة الأبقار هو أنه حتى لو اقتصر العلم على التفسيرات الطبيعية، فلا يزال بإمكان العلم تقديم دليل على ما هو خارق للطبيعة عندما يُظهر أنه لا يوجد تفسير طبيعي وشيك. بعبارة أخرى، هناك مواقف لا ينبغي فيها الاستسلام فقط إذا لم تنجح التفسيرات المتعلقة بالعمليات الطبيعية؛ يجب أن نكون مستعدين لاتباع الدليل حيث يقودنا، حتى لو كان ذلك ينطوي على بُعد خارق للطبيعة. العلم لا يستطيع الإجابة على جميع الأسئلة.
وكمثال أكثر حداثة لمثل هذا التفكير في العمل، خذ حالة الفيلسوف البروفيسور أنتوني فلو، الملحد طوال حياته الذي غير رأيه في وقت متأخر من حياته وأقر بوجود الله. وقد أعطى سبب تحوله، بعد أكثر من خمسين عامًا، إلى حقيقة أن “دراسة علماء الأحياء للحمض النووي أظهرت، من خلال التعقيد الذي لا يُصدق تقريبًا للترتيبات اللازمة لإنتاج الحياة، أن الذكاء يجب أن يكون مشاركاً في العملية”. وأضاف: “لقد استرشدت حياتي كلها بمبدأ [سرد] سقراط لأفلاطون،” اتبع الدليل أينما يقود “. وماذا لو لم يعجب الناس؟ قال فلو: “حسنًا، هذا سيء للغاية”.[50]
كان فلو على حق. مبدأ اتباع الدليل حيث يقود مهم للغاية. قد يعني ذلك أنه يتعين علينا تجاوز التفسيرات العلمية المحددة بدقة من حيث العمليات الطبيعية، ولكن لا ينبغي أن يقودنا لتجاوز التفسير المنطقي. قد يقودنا حتى إلى التفسير الصحيح![51] سيعني هذا الموقف بالتأكيد أننا نرفض وجهة النظر التي عبر عنها ريتشارد ليونتين، عالم الوراثة المشهور عالميًا من جامعة هارفارد، عندما كتب:
إن رغبتنا في قبول الادعاءات العلمية التي تتعارض مع الفطرة السليمة هي المفتاح لفهم الصراع الحقيقي بين العلم وما هو خارق للطبيعة. نحن نأخذ جانب العلم بالرغم من العبثية الواضحة لبعض بنياته … على الرغم من تسامح المجتمع العلمي مع القصص التي لا أساس لها من الصحة (غير المدعومة بدليل)، لأن لدينا التزامًا مسبقًا … بالمادية. ليس الأمر أن أساليب ومؤسسات العلم تجبرنا بطريقة ما على قبول تفسير مادي للعالم المدرك بالحواس، بل على العكس من ذلك، أننا مُجبرون من خلال التزامنا المسبق بالأسباب المادية على إنشاء أدوات للتحقيق ومجموعة من المفاهيم التي تنتج تفسيرات مادية، مهما كانت غير بديهية، مهما كانت محيرة للمبتدئين. علاوة على ذلك، فإن تلك المادية مُطلقة لأننا لا نستطيع أن نسمح بقدم إلهية عند الباب.[52]
هذا أمر صادق، بالتأكيد، لكنه ليس عقلانيًا. إنه تعبير عن التحيز غير العقلاني، لا يليق بشخص مفكر، ناهيك عن عالم. فكر فقط فيما سيقوله الناس إذا كتبت، “أنا آخذ جانب الكتاب المقدس بالرغم من العبثية الواضحة لبعض بنياته … على الرغم من تسامح المجتمع الكتابي مع القصص التي لا أساس لها من الصحة (غير المدعومة بدليل) … لأن لدي التزامًا مسبقاً بالله “. سوف أكون أضحوكة مذدراة –وسأكون أستحق ذلك.[53]
لكي نتوصل إلى الرأي القائل بأن الكتاب المقدس يتحدث عن الحقيقة عن الله والحياة، لا يحتاج المرء إلى القيام بأي من ذلك. في الواقع، وفقًا للعهد الجديد، فإن المبدأ العقلاني المتمثل في اتباع الأدلة إلى حيث تقود هو نفس الطريقة التي يمكننا من خلالها الاعتقاد بأن الإيمان المسيحي صحيح؛ لأنه، كما أن الإيمان بالعلم قائم على الأدلة، فإن المسيحية بالمثل هي إيمان قائم على الأدلة. هذا ما قاله الرسول يوحنا كما أشرنا سابقًا:
يسجل يوحنا عددًا من المعجزات التي صنعها يسوع. يسميها “علامات”، لغرضه وهو إظهار كيف أن لكل منها معنى أعمق يخبرنا عن هوية يسوع. لقد جمعها يوحنا معًا في إنجيله ليقنع حتى أكثر قرائه تشككًا بأن يسوع هو المسيح، ابن الله، ويوضح لهم كيف يمكن لأي منهم، من خلال الإيمان، أن ينال الحياة باسمه. مثل هذه الادعاءات التي قالها يسوع -أن يكون هو الله الذي اتّخذ جسداً، وأن يكون نور العالم، والحق، وخبز الحياة، والراعي الصالح، والقيامة والحياة -هائلة لدرجة أن أي شخص سيطلب أدلة قوية لتصديقها. هذا هو الدليل الذي يقدمه يوحنا. إن إنجيله مليء بأن يسوع يقدم حجج منطقية قوية ومناشدة لعقل مستمعيه. على سبيل المثال، عندما قال له بعض الناس في أورشليم: “إبراهيم أبونا”، أجاب يسوع بمنطق حاد وثاقب:
أدرك مستمعوه أنهم تعرضوا للضرب بسبب الحقيقة المطلقة والمنطق، لذلك كان العلاج الوحيد لهم هو التقاط الحجارة لرميها عليه. للأسف، هذا تكتيك مستمر حتى يومنا هذا.
تماشيًا مع ذلك، يُقال للمسيحيين أنه يجب دائمًا أن يكونوا مستعدين لتقديم دفاع ذكي عما يؤمنون به لأي شخص يسألهم عن سبب للأمل الذي لديهم.[54]
يمكنني أن أكمل، لكن سيكون الأمر أكثر إقناعًا إذا قرأت إنجيل يوحنا وانغمست في بعض الحجج العديدة التي استخدمها يسوع لتوصيل رسالته. سترى بعد ذلك قوة ادعاء المسيحية على أنها إيمان معقول للغاية.
هذا هو أحد الأسباب التي تجعلني، كعالم رياضيات، أشعر كثيرًا بالفخر لكوني مسيحي، حيث يصر كل من العلم والكتاب المقدس على أهمية الجدال العقلاني.
سيعود الكثير منكم إليّ في هذه المرحلة بشكل مفهوم تمامًا ويقولون، “انتظر لحظة. هل يمكنك حقًا أن تؤكد أن الكتاب المقدس مليء بالصواب والحجج المنطقية لأن العلم قد فقد مصداقية بعض ادعاءاته تمامًا؟ إليك ادعائه حول الخلق، على سبيل المثال. العلم لا يتحدث عن الخلق، أليس كذلك؟ إنه يتحدث عن الانفجار العظيم”.
“والأسوأ من ذلك، إذا أخذت ما يقوله الكتاب المقدس عن الخلق حرفياً، ألا ينتهي بك الأمر بالاعتقاد بأن عمر الأرض أقل من 10000 عام، وبالتالي تناقض كل ما نعرفه من العلم عن عمر الأرض؟ لذلك لا فائدة من إدخال الكتاب المقدس في المناقشة إذا كنت تريد منا أن نستمع إليك”.
حسنًا، يجب أن أخاطر هنا. أود بالطبع أن تأخذ ما أقوله على محمل الجد. حتى أنني أجرؤ على أن آمل، إذا كنت قد تابعتني إلى هذا الحد وكنت على الأقل مستعدًا لفكرة أن الله والعلم ليسا العدوين الذين تخيلتهما يومًا ما، عندها قد تكون مستعدًا لمواصلة القراءة بينما أخبرك لماذا أعتقد أن العلم والكتاب المقدس ليسا عدوين لدودين.
يتعلم الكثير منا في المدرسة والجامعة كيف يأخذون العلم على محمل الجد، لكن القليل منهم تعلم كيف يأخذ الوثائق القديمة على محمل الجد. وإذا لم تكن لدينا أي فكرة عن كيفية التعامل مع مجموعة من الوثائق مثل الكتاب المقدس، فليس من الصعب أن نجد الكتاب المقدس يتعارض مع العلم. الآن، نظرًا لأن معظمكم قد فكر في العلم، أود الآن أن أشجعكم على تبني موقف علمي وعقلاني وتطبيقه على بعض التفكير في الكتاب المقدس قبل الوصول إلى استنتاجكم النهائي.
كتابيّ الله
كتب الرجل الذي يُنظر إليه غالبًا على أنه أب العلم الحديث، السير فرانسيس بيكون (1561 -1626)، أن الله قد ألف كتابين، وليس كتابًا واحدًا: أعني بهما، الكتاب المقدس والخليقة.[55]
يعطينا هذا طريقة مفيدة لمقارنة النشاط العلمي العقلاني لتفسير الطبيعة والنشاط اللاهوتي العقلاني لتفسير الكتاب المقدس. لدينا مجموعتان من “البيانات”: الأولى هي المعلومات التي نحصل عليها من دراسة الطبيعة والثانية هي ما نحصل عليه من دراسة الكتاب المقدس. سوف نتفق جميعًا على أن الكتاب المقدس يتطلب تفسيرًا، ولكن لا يدرك الجميع أن الطبيعة تحتاج أيضًا إلى تفسير.
فلنأخذ هذا المثال الشهير. في القرن الثالث قبل الميلاد، علم الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الأرض ثابتة في مركز الكون، وأن الشمس والنجوم والكواكب تدور حولها.[56] ساد رأي الأرض الثابتة هذا لعدة قرون (وكان سبب مشاكل جاليليو التي نوقشت في الفصل الثاني). بعد كل شيء، كان له معنى كبير للناس العاديين: تشرق الشمس وتغرب، ويبدو أنها تدور حول الأرض. وإذا تحركت الأرض، فلماذا لا نتحرك جميعًا في الفضاء؟ لماذا ينزل الحجر المقذوف لأعلى مباشرة –بشكل عمودي -في الهواء إذا كانت الأرض تدور بسرعة؟ لماذا لا نشعر برياح قوية تهب على وجوهنا في الاتجاه المعاكس لحركتنا؟ بالتأكيد فكرة أن الأرض تتحرك هي فكرة سخيفة؟
يبدو أن تفسير الأرض الثابتة هذا يتوافق جيدًا أيضًا مع ما يقوله الكتاب المقدس:
في عام 1543، نشر عالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس عمله الشهير On the Revolutions of the Celestial Orbs حول ثورات الأجرام السماوية، حيث قدم وجهة نظر مفادها أن الأرض والكواكب تدور حول الشمس. تم التشكيك في هذه النظرية العلمية الجديدة المذهلة من قِبَل البروتستانت والكاثوليك على حد سواء.
قال المُصلِح مارتن لوثر، في فصل سريع، إن يشوع أخبر الشمس، وليس الأرض، أن تقف في مكانها.[57] اعتقد جون كالفين أيضًا أن الأرض ثابتة:
بأية وسيلة يمكن أن تحافظ على نفسها [الأرض] ثابتة، بينما السماء من فوق في حركة سريعة ومستمرة، ألم يثبّتها صانعها الإلهي ويؤسسها؟”[58]
في عام 1632، عزز جاليليو تحدي كوبرنيكوس لوجهة النظر الأرسطية. نحن جميعا نعرف ما حدث. تبين أن جاليليو كان على حق، وأتخيل أن كل من يقرأ هذا يقبل أن الأرض ليست ثابتة بهذا المعنى.
فكر في الموقف. لقرون، اتفق الجميع على نظرية الأرض الثابتة. ثم تحداها جاليليو، وبالتالي، تضاءل عدد مؤيدي الأرض الثابتة مع زيادة عدد مؤيدي الأرض المتحركة، حتى الآن، تقبل الغالبية العظمى من الناس تفسير الطبيعة الذي ينص على أن الأرض تتحرك بالنسبة للشمس والنجوم الثابتة.
هل يتعارض هذا إذن بشكل قاطع مع الكتاب المقدس، الذي يقول إن الأرض ثابتة؟
الجواب هو “نعم” إذا أصررت على تفسير عبارة “الْمُؤَسِّسُ الأَرْضَ عَلَى قَوَاعِدِهَا فَلاَ تَتَزَعْزَعُ” في المستوى الأساسي من الحرفية. ولكن هل يجب عليك فعل ذلك؟ سيصر بعض المسيحيين، “نعم، عليك أن تفسر كل الكتاب المقدس حرفيًا، وإلا ستدمر سُلطته”. الآن، أفهم رغبتهم في حماية الكتاب المقدس، لكن لا يمكنك حمايته بقول ما هو غير صحيح. خذ على سبيل المثال القول بأن إسرائيل كانت “أرضًا يتدفق منها الحليب والعسل”.[59] هل يمكن للمرء أن يأخذ هذا البيان حرفياً -أنه كان هناك نهر كبير لزج من الحليب والعسل يتدفق عبر الأرض؟ بالطبع لا. هذه لغة مجازية. كان الحليب والعسل حرفيان حقيقيان، لكن “التدفق” هو استعارة للتعبير بوضوح عن أن الأرض كانت غنية بالمراعي والنحل ومنتجات الألبان. ومع ذلك، يُرجى ملاحظة أن استعارة “التدفق” تعني شيئًا حقيقيًا -ازدهارًا حقيقيًا.
تمتلئ اللغة العادية بمثل هذه الاستعارات. إذا أخبرتني أن دارين كان يطير على الطريق في سيارته الرياضية الجديدة، فلن أفسر كلمة “الطيران” على أنها حرفية ولكن كطريقة مجازية للقول إنه (حرفياً) يقود بسرعة كبيرة. البيان حرفي على مستوى ما ولكن ليس على مستوى آخر. غالبًا ما يستخدم العلماء كلمة “حرفية” لوصف المستوى الأول. هنا، مرة أخرى، نرى أن الاستعارة تعني شيئًا حقيقيًا.
وهنا يكمن الكثير من الالتباس. إن استخدام كلمة “حرفي” مضلل.
الإستعارة الحرفية
هذا الأمر له أهمية كبيرة لدرجة أنني سأُعطي مثالاً آخر. قال يسوع، “أنا هو الباب” (يوحنا 10: 9). هل نأخذ ذلك حرفيًا (أو الأفضل، حرفيًا كمصطلح)؟ بالطبع لا. ولم لا؟ لأننا نعرف من تجربتنا مع العالم (العلم بمعنى عام) ما هي أبواب الخشب والمعادن والمواد الأخرى، ومن الواضح أن يسوع ليس واحدًا من هؤلاء. إنها استعارة. ومع ذلك، فإننا نؤكد أنها استعارة لشيء حقيقي. يسوع هو باب حقيقي. مدخل حقيقي إلى تجربة حيّة مع الله.
من أجل إجراء مناقشة راشدة حول العلم والله والكتاب المقدس، يجب أن نأخذ في الاعتبار أمرين:
الكتاب المقدس، مثل كل الأدب والخطاب واللغة، مليء بالاستعارات واللغة التصويرية للغاية.
الاستعارات ترمز إلى شيء حقيقي. من المُربِك أننا غالبًا ما نستخدم كلمة “حرفيًا” عندما نعني شيئًا مثل “في قراءته الطبيعية”.
الآن عد إلى الأرض. كان هناك وقت كانت فيه تجربتنا للعالم من حولنا متوافقة تمامًا مع فكرة أن الأرض ثابتة هندسيًا. لكن تجربتنا تعمّقت، ونحن نعلم الآن أنها ليست ثابتة بالمعنى الحرفي. كما نعلم أن سفر المزامير شعريّ للغاية. لذلك، هناك شيء واحد يمكننا القيام به وهو معرفة ما إذا كان هناك تفسير معقول، بعبارات مجازية، لبيان كاتب المزمور أن الأرض “ثابتة”. على سبيل المثال، قد نقول إن الله قد ثبّت الأرض ليس بالمعنى الهندسيّ ولكن بمعنى أنه قد وهبها ثبات من أنواع مختلفة بحيث يتم تثبيتها لأغراضه، وبالتالي يمكننا الاعتماد على تتابع المواسم: “وقت البذر والحصاد”
فيما يتعلق بحركة الأرض، يمكننا الآن أن نرى أنه على الرغم من أنه يمكن فهم نصوص الكتاب المقدس على أنها تدعم الأرض الثابتة، إلا أن هناك بديلًا معقولًا. هذا له تأثير في فهم الكتاب المقدس وليس توليد صدام مصطنع مع الاكتشاف العلمي من خلال التمسك بإصرار بتفسير حرفي.
كان جاليليو هو الذي قال أن الكتاب المقدس (نية الروح القدس أن) يُعلّمنا “كيف نسير إلى السماء وليس كيف تسير السماء”.[60] هذا صحيح إلى حد كبير. نحن لا نتعلم العلم من الكتاب المقدس، ولا نتوقع ذلك. لم أتعلم أيًا من الرياضيات الخاصة بي في صفحاته. ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الكتاب المقدس ليس لديه ما يقوله عن الكون المادي. على سبيل المثال، العبارة الإفتتاحية لسفر التكوين، “في البدء، خلق الله السماوات والأرض”، هي عبارة عن نفس السماوات والأرض التي يدرسها الفيزيائيون والكيميائيون.
ليس هذا فقط، ولكن من الواضح أن الكتاب المقدس والعلم يتفقان على أن الكون له بداية. هذا أمر رائع للغاية، لأن فكرة البداية تنتمي إلى القرن العشرين، من منظور علم الكونيات. حتى ذلك الوقت، سيطرت وجهة نظر أرسطو -القائلة بأن الكون أزلي -على التفكير الأوروبي. المفارقة هي أن الكتاب المقدس كان يقول أن هناك بداية منذ أن كُتِبَ من الآف السنين. لقد استغرقت الفيزياء الفلكية وقتًا طويلاً للّحاق به! وكما اقترحت في اجتماع دولي للعلماء والفلاسفة وعلماء الدين، إذا أخذ العلماء منظور الكتاب المقدس على محمل الجد في تاريخ أسبق من هذا، فربما كانوا قد بحثوا عن دليل على البداية قبل أن يفعلوا ذلك بالفعل.
أصل الكون
في الواقع، كان الكاهن البلجيكي Georges Lemaitre جورج لوميتر، المؤمن بالله، أول من اقترح على أساس نظريات أينشتاين أنه كانت هناك بداية للزمان والمكان. في النهاية، أطلق عالم الكونيات السير فريد هويل على تلك البداية مازحًا اسم “الانفجار العظيم”، وهو الذي لم يؤمن بها بنفسه. ومع ذلك، فإن الدليل العلمي للبداية ظل يزداد باطراد -الانزياح الأحمر في الضوء القادم من المجرات، لقد ساهم توسع الكون واكتشاف “إشعاع الخلفية الكونية الميكروي” في فهمنا الحالي بأن الكون أومض إلى الوجود من نقطة واحدة في الزمان والمكان. لدينا الآن النموذج القياسي للفيزياء بناءً على هذه الملاحظات الرائعة.
لكن ألا يتعارض تفسير الانفجار العظيم مع تفسير الخلق؟
مُطْلَقاً. لأن الانفجار العظيم ليس تفسيرا على الإطلاق. إنه ببساطة مجرد تسمية تقول أن هناك بداية. إنه لا يقول شيئًا عن كيفية نشوء الكون في المقام الأول. يعطي الكتاب المقدس سببا لوجود الكون. يقول إن الله خلقه: كانت هناك بداية سببها الله، وإذا رغب بعض الناس في تسمية ذلك بداية الانفجار العظيم، فلا بأس بذلك. لقد كان الانفجار العظيم سببه الله.
لكن ألا يتعارض العلم مع الكتاب المقدس فيما يتعلق بعمر الكون؟
يتحدث العلم عن أصل الكون منذ 13.8 مليار سنة، وليس في الماضي القريب كما قد تشير بعض قراءات تكوين 1. ألا يكفي ذلك للتخلي عن الكتاب المقدس على الفور؟ الصراع هنا ليس بين الكتاب المقدس والعلم ولكن بين تفسير معين للكتاب المقدس والعلم.
لدى المسيحيين مجموعة متنوعة من الآراء حول العلاقة الدقيقة بين الفصول الأولى من سفر التكوين والعالم المادي كما نحاول الاستزادة في فهمه. إليك كيفية حل هذه المشكلة بالذات، من خلال إلقاء نظرة فاحصة على ما يقوله الكتاب المقدس بالفعل في صفحاته الافتتاحية. تكوين 1: 1 -2: 3 يتكون من ثلاثة أجزاء. هنا جدول بسيط لمحتويات القسم الأول.
بيان يتعلق بخلق السماوات والأرض: تكوين 1: 1 -2
ستة أيام من خلق الله ونشاطه التنظيمي، وبلغت ذروتها في خلق البشر على صورته: تكوين 1: 3 -2: 1
اليوم السابع، يوم راحة الله -السبت: تكوين 2: 2 -3
في هذا الهيكل المكون من ثلاثة أجزاء، يتم فصل فعل الخلق الأوليّ عن أيام الخلق الستة التي تليها. هناك نمط واضح لهذه الأيام: يبدأ كل منهم بعبارة “وقال الله…”، وينتهي بعبارة “وكان مساء وكان صباح، يوماً (واحداً، ثانياً، ثالثاً، إلخ….)”. أفهم أن النص يقول أن اليوم الأول يبدأ في الآية 3 وليس في الآية 1. وهذا مقترح في النص الأصلي بحقيقة أن الفعل “خلق” في تكوين 1: 1 في صيغة الزمن التام؛ وهذا للدلالة على “حدث وقع قبل بدء القصة”.[61] يبدأ استخدام صيغة الزمن السردي في الآية 3.
المعنى الضمني لهذا هو أن “بداية” تكوين 1: 1 لم تحدث بالضرورة في اليوم الأول كما يُفترض كثيرًا في بعض التفسيرات. يمكن أن يكون الخلق الأوليّ حدثاً قد حدث قبل اليوم الأول -لكن سفر التكوين لا يخبرنا كم من الوقت قبل ذلك.
هذا يعني أن مسألة عمر الأرض (والكون) هي سؤال منفصل عن تفسير الأيام، وهي النقطة التي غالبًا ما يتم تجاهلها في العديد من المناقشات الساخنة حول هذه المسألة. بعبارة أخرى، بعيدًا عن أي اعتبارات علمية، يمكننا قراءة تكوين 1: 1 بطريقة تترك عمر الكون غير مُحدّد.[62] لذلك أعتقد أنه لا يوجد اعتراض من حيث المبدأ على التأريخ العلمي الحالي من منظور الكتاب المقدس. هذا مثال حيث يمكن للانتباه الشديد للغة والقواعد أن يتجنب الصدام غير الضروري بين العلم وتفسير الكتاب المقدس.
المطلوب منا جميعًا أن نصبح قُرّاء أفضل لكلا “الكتابين”: لفهم حدود العلم ليُقدِّم لنا تفسيرات للمعنى والقيمة والغرض؛ وقراءة نص الكتاب المقدس بعناية لتقييم معناه.
لكن هناك مجالًا مهمًا للغاية حيث يتعارض مع الإيمان بالله بشكل عام، ومحتوى الكتاب المقدس بشكل خاص لأولئك الذين يرفضون النظرة الإيمانية: المعجزات …
سادساً. المعجزات: خطوةبعيدةجدا؟
أستطيع أن أتخيل أن بعض قرائي يقولون، “حتى الآن، جيد جدًا. يبدو من المعقول بدرجة كافية أن نطبق على الكتاب المقدس نفس النوع من المعايير التي نطبقها على أي كتابات أخرى. ومع ذلك، هل ستقول أيضًا أنه يمكننا بسهولة التوفيق بين الكتاب المقدس والعلم أوالعلم والكتاب المقدس بمجرد اعتبار أي مقاطع صعبة على أنها مجازية؟ ” إنه اعتراض عادل. على سبيل المثال، كما ذكرت أعلاه، فإن أحد الادعاءات المركزية في الكتاب المقدس هو أن يسوع المسيح قام من بين الأموات. هل نعتبر هذا حدثًا في التاريخ؟ إذا فعلنا ذلك، فمن الواضح أنه شيء خارق للطبيعة، وأي شخص ينكر وجود الله سيواجه خيارًا بين البدائل المتعارضة: إما أن نؤمن بإمكانية المعجزات أو نؤمن بالفهم العلمي لقوانين الطبيعة، ولكن ليس كليهما. ها هو ريتشارد دوكينز يُعبِّر عن الفكرة بطريقته القوية النموذجية.
كان القرن التاسع عشر هو آخر مرة يمكن فيها لشخص مثقف أن يعترف بمعجزات مثل الولادة العذراوية دون حرج. وعند الضغط عليهم، فإن العديد من المسيحيين المتعلمين مخلصون للغاية لإنكار الولادة العذرية والقيامة. لكن هذا محرج لأن عقولهم العقلانية تعلم أنها سخيفة، لذا يفضلون ألا يُسألوا.[63]
يردد دوكينز هنا الزعم الشهير لفيلسوف التنوير ديفيد هيوم بأن “المعجزات هي انتهاكات لقوانين الطبيعة”.
ومع ذلك، لا يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة كما يعتقد هيوم أو دوكينز. هناك علماء بارزون أذكياء للغاية يختلفون معه؛ على سبيل المثال: البروفيسور ويليام فيليبس، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء 1998؛ البروفيسور جون بولكينهورن FRS، عالم فيزياء الكم، كامبريدج؛ السير جون هوتون، المدير السابق لمكتب الأرصاد الجوية البريطاني ورئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ؛ والمدير الحالي للمعهد الوطني للصحة والمدير السابق لمشروع الجينوم البشري فرانسيس كولينز. هؤلاء العلماء المتميزون يدركون جيدًا الحُجج ضد المعجزات. مع ذلك، علنًا وبدون إحراج أو إحساس بالسخف، يؤكد كل منهم إيمانه بما هو خارق للطبيعة، وعلى وجه الخصوص، بقيامة المسيح -التي يعتبرونها، كما أفعل، بمثابة الدليل الأسمى لحقيقة النظرة المسيحية للعالم.
يعطي أحد العلماء المذكورين للتو، فرانسيس كولينز Francis Collins، تحذيرًا حكيمًا فيما يتعلق بمسألة المعجزات:
من الأهمية بمكان تطبيق شك صحي عند تفسير الأحداث التي يحتمل أن تكون معجزة، خشية التشكيك في نزاهة وعقلانية المنظور الديني. الشيء الوحيد الذي سيقضي على إمكانية حدوث المعجزات بسرعة أكبر من المادية المُلتَزِمة هو ادعاء حالة المعجزة للأحداث اليومية التي تتوافر لها تفسيرات طبيعية بسهولة.[64]
لهذا السبب، سنركز في الفصل التالي على قيامة يسوع، من أجل إعطاء المناقشة أكبر قدر ممكن من التركيز. كانت معجزة القيامة هي التي دفعت المسيحية إلى المُضي قُدُماً، وهذه المعجزة نفسها هي رسالتها المركزية. في الواقع، كان المؤهل الأساسي للرسول المسيحي هو أن يكون شاهد عيان على القيامة.[65] بدون القيامة، ببساطة لا توجد رسالة مسيحية. يكتب الرسول بولس: “وإن لم يكن المسيح قد قام، فلا فائدة من كرازتنا وكذلك إيمانكم.”[66]
قوانينالطبيعة
دعونا نذكر أنفسنا بمنظور العلم المعاصر وتفكيره في قوانين الطبيعة. نظرًا لأن القوانين العلمية تُجسِّد العلاقات بين السبب والنتيجة، فإن العلماء في الوقت الحاضر لا يعتبرونها فقط وصف ما حدث في الماضي. شريطة ألا نعمل على المستوى الكمي، يمكن لمثل هذه القوانين أن تتنبأ بنجاح بما سيحدث في المستقبل بهذه الدقة، على سبيل المثال، يمكن حساب مدارات أقمار الاتصالات بدقة، ومن الممكن حدوث هبوط على القمر والمريخ. لذلك فإن العديد من العلماء مقتنعون بأن الكون هو نظام مغلق للسبب والنتيجة. في ضوء ذلك، من المفهوم أنهم مستاؤون ويرفضون فكرة أن إله ما يمكن أن يتدخل بشكل تعسُّفيّ ويُغيّر أو يعلق أو ينقض أو “ينتهك” قوانين الطبيعة هذه. بالنسبة لهم، يبدو أن هذا يتعارض مع ثبات تلك القوانين، وبالتالي يقلب الأساس الفعلي لفهمنا العلمي للكون.
اعتراضهم الأول، الذي ينبع مرة أخرى من ديفيد هيوم، هو أن الإيمان بالمعجزات بشكل عام، وفي معجزات العهد الجديد على وجه الخصوص، نشأ في الثقافات البدائية، ما قبل العلمية، حيث كان الناس يجهلون قوانين الطبيعة وبالتالي قبلوا قصص المعجزات بسهولة. أي معقولية أولية قد يبدو أن هذا التفسير يمتلكها تختفي بسرعة عندما يتم تطبيقه على معجزات العهد الجديد مثل القيامة. سيظهر لنا تفكير لحظة واحدة أنه من أجل التعرف على حدث ما على أنه معجزة، يجب أن يكون هناك بعض الانتظام المتصور الذي يعتبر هذا الحدث استثناءً واضحًا! لا يمكنك التعرف على شيء غير طبيعي إذا كنت لا تعرف ما هو الطبيعي.
كان هذا في الواقع موضع تقدير جيد منذ زمن بعيد -في الواقع، في وقت كتابة وثائق العهد الجديد. ومن المثير للاهتمام أن المؤرخ لوقا، الذي كان طبيباً متدرباً في العلوم الطبية في عصره، يثير هذا الأمر بالذات. يخبرنا لوقا، في روايته عن صعود المسيحية، أن المعارضة الأولى للرسالة المسيحية عن قيامة يسوع المسيح لم تأت من الملحدين، بل من كبار كهنة اليهودية. كانوا رجال دين متشددين من حزب الصدوقيين. آمنوا بالله. تلوا صلواتهم وأقاموا الصلوات في الهيكل. لكن هذا لا يعني أنه في المرة الأولى التي سمعوا فيها الادعاء بأن يسوع قد قام من بين الأموات، صدقوا ذلك. لم يؤمنوا بذلك، لأنهم اعتنقوا نظرة عالمية أنكرت إمكانية القيامة الجسدية لأي شخص على الإطلاق، ناهيك عن قيامة يسوع المسيح.[67]
إن افتراض أن المسيحية وُلِدَت في عالم ما قبل علمي وساذج وجاهل هو ببساطة تزييف للحقائق. عرف العالم القديم قانون الطبيعة كما نعرفه، أن الجثث لا تنهض من القبور. شقت المسيحية طريقها بسبب الوزن الهائل للأدلة على قيامة رجل واحد بالفعل من بين الأموات.[68]
الاعتراض الثاني على المعجزات هو أننا نعلم الآن أن هناك قوانين للطبيعة ويمكن وصفها، فالمعجزات ببساطة مستحيلة -وهذا هو اعتراض هيوم الشهير. ومع ذلك، لا أعتقد أن هذا الاعتراض صامد. اسمحوا لي أن أوضح.
لنفترض هذا الأسبوع أنني وضعت 10 جنيهات إسترلينية في درج مكتبي. في الأسبوع التالي، وضعت 20 جنيهًا إسترلينيًا أخرى. ثم في الأسبوع الذي يليه، تتم إضافة ورقة أخرى بقيمة 10 جنيهات إسترلينية، ويتم إغلاق الدرج وقفله. تسمح لي قوانين الحساب بالتنبؤ أنه في المرة القادمة التي أفتح فيها درجي، سأجد 40 جنيهًا إسترلينيًا. لكن لنفترض أنه عندما فتحت الدرج في المرة التالية، وجدت ورقة واحدة بقيمة 10 جنيهات إسترلينية: ماذا سأستنتج؟ أن قوانين الحساب قد تم كسرها؟ بالتأكيد لا! قد أستنتج بشكل منطقي أكثر أن لص ما لم يخالف قوانين الحساب بل قوانين الأرض وسرق 30 جنيهًا إسترلينيًا من درجي. شيء واحد قد يكون من السخف ادعائه وهو أن وجود قوانين الحساب يجعل من المستحيل الإيمان بوجود مثل هذا اللص أو إمكانية تدخله. العكس تمامًا هو الصحيح: إن الأعمال العادية لتلك القوانين هي التي تجعلنا نؤمن بوجود اللص ونشاطه في منزلي.
ماهيقوانينالطبيعة؟
يذكرنا هذا القياس أيضًا أن الاستخدام العلمي لكلمة “قانون” ليس هو نفسه الاستخدام القانوني، حيث غالبًا ما نفكر في القانون على أنه يقيد أفعال شخص ما. لا يوجد أي معنى تقيد فيه قوانين الحساب اللص أو تضغط عليه في قصتنا. يخبرني قانون الجاذبية لنيوتن أنه إذا أسقطت تفاحة، فسوف تسقط باتجاه مركز الأرض. لكن هذا القانون لا يمنع أحدًا من التدخل والإمساك بالتفاحة وهي تهبط. بمعنى آخر، يتنبأ القانون بما سيحدث، بشرط ألا يكون هناك تغيير في الظروف التي تجري التجربة في ظله.
وهكذا، من وجهة النظر الإيمانية، تتنبأ قوانين الطبيعة بما لا بد أن يحدث إذا لم يتدخل الله. ليس من عمل السرقة بالطبع أن يتدخل الخالق في خليقته. من الواضح أن القول بأن قوانين الطبيعة تجعل من المستحيل علينا الإيمان بوجود الله واحتمال تدخله في الكون. سيكون الأمر أشبه بالادعاء بأن فهم قوانين المحرك النفاث سيجعل من المستحيل تصديق أن مصمم مثل هذا المحرك يمكنه أو سيتدخل ويزيل المروحة. بالطبع يمكنه التدخل. علاوة على ذلك، فإن تدخله لن يقضي على تلك القوانين. نفس القوانين التي أوضحت سبب عمل المحرك مع المروحة في مكانها ستشرح الآن سبب عدم عمله مع إزالة المروحة.
لذلك، كان ديفيد هيوم مخطئًا في التأكيد على أن المعجزات “تنتهك” قوانين الطبيعة. ما يمكننا قوله هو أنه من قوانين الطبيعة ألا يقوم البشر مرة أخرى من بين الأموات بواسطة آلية طبيعية ما. لكن المسيحيين لا يدّعون أن المسيح قام من بين الأموات بهذه الآلية. هذه النقطة ذات أهمية حيوية للنقاش كله: يزعم المسيحيون أن يسوع قام من بين الأموات بقوة خارقة للطبيعة. في حد ذاتها، لا يمكن لقوانين الطبيعة استبعاد هذا الاحتمال. عندما تحدث المعجزة، فإن قوانين الطبيعة هي التي تنبهنا إلى حقيقة أنها معجزة.
لا يُنكر المسيحيون قوانين الطبيعة. على العكس من ذلك، فإنهم يعتبرون قوانين الطبيعة بمثابة أوصاف لتلك الانتظامات والعلاقات بين السبب والنتيجة التي أنشأها خالقها في الكون والتي تعمل وفقًا لها بشكل طبيعي. إذا لم نعرفها، فلا ينبغي لنا أبدًا التعرف على معجزة إذا رأيناها. إن الاختلاف الجوهري بين النظرة المسيحية والنظرة إلى العالم التي تنكر وجود الله هو أن المسيحيين لا يؤمنون بأن هذا الكون هو نظام مغلق للسبب والنتيجة. إنهم يؤمنون بأنه منفتح على النشاط السببي لخالقه.
إذا اعترف المرء بوجود خالق، فإن الباب مفتوح حتمًا لذلك الخالق نفسه للتدخل في مجرى الطبيعة. لا وجود لمثل هذا الخالق المُروّض الذي لا يستطيع، أو لا يجب عليه، أو لا يجرؤ على الانخراط بنشاط في الكون الذي خلقه. لذلك قد تحدث المعجزات.[69]
المشكلةالأكبر: الشروالمُعاناة
إنني أدرك جيدًا أن هناك العديد من الأشخاص، بمن فيهم العلماء، الذين يشكل وجود الشر والمعاناة بالنسبة لهم مشكلة كبيرة جدًا. يقولون “إذا كنت على حق”، “أنّ هناك إلهًا يمكنه التدخل في شؤون هذا العالم، فلماذا إذن لا يتدخل للتعامل مع القضية الأكثر إلحاحًا على الإطلاق -مشكلة الشر والمعاناة؟”
قال لي العديد من زملائي العلماء أنه قد يكون هناك دليل على وجود ذكاء خارق للطبيعة وراء الكون، ولكن من فضلك لا تتحدث عن إله شخصي يهتم. ألا تثبت الحالة المؤسفة للعالم بعنفها اللامتناهي وشرها، ناهيك عن الكوارث الطبيعية، عكس ذلك تمامًا؟ أي أنه ليس العلم هو الذي يأخذهم بعيدًا عن الله بل المعاناة -وهو ما يمكن اعتباره غريبًا إلى حد ما، لأن إزالة الله من المعادلة يتركنا ببساطة مع المشكلة دون أي أمل في التوصل إلى حل نهائي.[70]
أعترف أن هذا أحد أعمق الأسئلة التي يواجهها أولئك الذين يؤمنون بالله منا. يتطلب معالجة أكثر شمولاً بكثير مما يمكن أن تُعطى في هذا الكتاب الصغير. إذا كنت مهتمًا بما هو ردي عليه، فإني أحيلك إلى كتاب حول الموضوع قمت بكتابته بالاشتراك مع البروفيسور David Gooding ديفيد جودنج.[71]
سابعاً. هل يمكنك أن تثق فيما تقرأ؟
قبل أن ننظر إلى الدليل على قيامة يسوع، علينا أن نسأل عن مصداقية الوثائق التي تتضمنها بشكل أساسي -العهد الجديد. تختلف الآراء الشائعة حول العهد الجديد بشكل كبير. على سبيل المثال، لا يتوقف أبدًا عن إدهاشي كم عدد الأشخاص الذين سينكرون وجود الشخصية التاريخية ليسوع كما هو مسجل في الأناجيل.
الخبراء الحقيقيون في مثل هذه الأمور هم المؤرخون القدماء، ومن أجل الإنصاف، نحتاج إلى الاستماع إليهم. من بينهم، سواء كانوا مسيحيين أم لا، هناك إجماع رائع فيما يتعلق بوجود يسوع والأشياء التي قام بها.[72]
على سبيل المثال، يقول الباحث في جامعة أكسفورد Christopher Tuckett كريستوفر توكيت، مؤلف كتاب جامعة كامبريدج عن يسوع التاريخي، عن الأدلة:
يؤدي كل هذا على الأقل إلى عدم تصديق أي نظريات بعيدة المنال حتى التي تقول أن وجود يسوع ذاته كان اختراعًا مسيحيًا. يبدو أن حقيقة وجود يسوع، وأنه صلب على يد بيلاطس البنطي (لأي سبب كان) وأن لديه مجموعة من الأتباع الذين استمروا في دعم قضيته، جزء من الأساس المتين للتقليد التاريخي. إذا لم يكن هناك شيء آخر، يمكن للأدلة غير المسيحية أن تزودنا باليقين في هذا الشأن.[73][74]
بالنسبة للعهد الجديد، يبدو أن آراء العديد من الناس تستند إلى نظريات المؤامرة الجامحة، ويبدو أنهم غير مدركين لمدى قوة الأدلة على مصداقية نص العهد الجديد بشكل ساحق. إن الآراء الشائعة القائلة بأن نص العهد الجديد غير جدير بالثقة، أو تم اختراعه في وقت متأخر كثيرًا عن وقت كتابته (في القرن الأول)، أو أنه مجرد تزييف، ببساطة لا تصمد أمام أي فحص جاد.
مخطوطات
أولاً، هناك العدد الهائل من المخطوطات التي لدينا الآن. هناك ما يقرب من 6000 مخطوطة جزئية أو كاملة للعهد الجديد باللغة اليونانية الأصلية تم فهرستها، وأكثر من 18000 مخطوطة في الترجمات المبكرة إلى اللاتينية والسريانية والقبطية والعربية ولغات أخرى. يضاف إلى ذلك آلاف الاقتباسات من العهد الجديد من قِبَل آباء الكنيسة الأوائل، الذين كتبوا بين القرنين الثاني والرابع. إذا فقدنا جميع مخطوطات العهد الجديد، فمن خلال هذه الاقتباسات وحدها يمكننا إعادة بناء نسبة كبيرة من العهد الجديد.[75]
من أجل الحصول على فكرة عن وزن دليل المخطوطة هذا، يحتاج المرء فقط لمقارنتها بالأدلة الوثائقية المتاحة للنصوص القديمة الشهيرة الأخرى. على سبيل المثال، كتب المؤرخ الروماني تاسيتوس حوليات روما الإمبراطورية The Annals of Imperial Rome حوالي عام 116 بعد الميلاد. بقيت الكتب الستة الأولى من الحوليات في مخطوطة واحدة فقط تم نسخها في حوالي 850 بعد الميلاد. في حين أن الكتب من 7 إلى 10 لم تبقى على قيد الحياة، هناك 35 مخطوطة من الكتب من 11 إلى 16، يرجع أقدمها إلى القرن الحادي عشر. وبالتالي، فإن أدلة المخطوطة قليلة جدًا، والفجوة الزمنية بين التأليف الأصلي والمخطوطات الأولى تزيد عن 700 عام.
على النقيض من ذلك، فإن الدليل الوثائقي History of Rome لتاريخ روما، الذي كتبه مؤرخ روماني آخر، ليفي، حوالي 20 قبل الميلاد، يتكون من حوالي 500 مخطوطة، يرجع أقدمها إلى القرن الرابع الميلادي. العمل العلماني القديم الذي حظي بأكبر قدر من الدعم الوثائقي هو إلياذة هوميروس (المكتوبة حوالي 800 قبل الميلاد)، والتي يوجد منها أكثر من 1900 نسخة مخطوطية، يعود تاريخها إلى حوالي 415 قبل الميلاد. بالنسبة لعمل كل من هوميروس وليفي، فإن الفجوة الزمنية بين المخطوطات الأصلية والمخطوطات الأقدم الباقية هي حوالي 400 عام.[76]
النقطة الأساسية التي يجب توضيحها هنا هي أن العلماء يتعاملون مع هذه الوثائق على أنها تمثيلات حقيقية للنسخ الأصلية على الرغم من ندرة المخطوطات وتأخر تواريخها. بالمقارنة مع هؤلاء، فإن العهد الجديد هو أفضل وثيقة موثقة ومدعومة من العالم القديم حتى الآن.
لقد لاحظنا أن الفاصل الزمني بين تاريخ بعض المخطوطات القديمة المعروفة والأصول التي هي نسخ منها كبير. على النقيض من ذلك، فإن بعض مخطوطات العهد الجديد هي من عصر عظيم جدًا. تحتوي بردية بودمر (في مجموعة بودمر، كولوني، سويسرا) على حوالي ثلثي إنجيل يوحنا في بردية واحدة، مؤرخة في وقت مبكر من عام 200 بعد الميلاد. تحتوي بردية أخرى من القرن الثالث على أجزاء من لوقا ويوحنا. ربما تكون المخطوطات الأكثر أهمية هي برديات تشيستر بيتي، التي تم اكتشافها حوالي عام 1930 وهي موجودة الآن في متحف تشيستر بيتي في دبلن، أيرلندا. البردية 1 تأتي من القرن الثالث، وتحتوي على أجزاء من الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل. تحتوي البردية 2 على أجزاء كبيرة من ثمانية من رسائل بولس، بالإضافة إلى أجزاء من الرسالة إلى العبرانيين، ويرجع تاريخها إلى حوالي 200 بعد الميلاد. تحتوي البردية 3 على جزء كبير من سفر الرؤيا ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث. يتم تأريخ هذه الوثائق بواسطة التقنيات العلمية الأكثر تقدمًا.
أخطاء النسخ
لا يزال الكثير من الناس يعتقدون أن العهد الجديد لا يمكن الاعتماد عليه لأنه تم نسخه عدة مرات. هذه الفكرة لا أساس لها. خذ، على سبيل المثال، مخطوطة كُتبت حوالي عام 200 ميلادي، وبالتالي عمرها الآن حوالي 1800 عام. كم كان عمر المخطوطة التي نُسخت منها في الأصل؟ لا نعلم طبعا. ولكن كان من الممكن أن يكون عمرها –المخطوطة الأصل التي نسخت منها المخطوطة الأخرى -140 عامًا في وقت نسخها بسهولة. إذا كان الأمر كذلك، فقد تمت كتابة تلك المخطوطة عندما كان العديد من مؤلفي العهد الجديد لا يزالون على قيد الحياة. وهكذا، ننتقل من وقت العهد الجديد إلى اليوم في خطوتين فقط!
علاوة على ذلك، في حين أن هناك أخطاء في النسخ في معظم المخطوطات (يكاد يكون من المستحيل نسخ مستند طويل يدويًا دون ارتكاب بعض الأخطاء)، لا تحتوي مخطوطتان على نفس الأخطاء تمامًا. لذلك، من خلال مقارنة المخطوطات، من الممكن إعادة بناء النص الأصلي إلى نقطة يرى فيها الخبراء أن أقل من نسبة 2٪ من هذا النص غير مؤكدة، مع جزء كبير من نسبة 2٪ تلك يتضمن خصائص لغوية صغيرة لا تحدث فرقاً في المعنى العام. علاوة على ذلك، بما أنه لا يوجد تعليم في العهد الجديد يعتمد فقط على آية واحدة أو مقطع واحد، فلا يوجد شك في أي عقيدة مسيحية بسبب هذه الشكوك البسيطة.
تلخيصًا للوضع، كتب Sir Frederic Kenyon السير فريدريك كينيون، الذي كان مديرًا للمتحف البريطاني ومسؤولًا بارزًا عن المخطوطات القديمة:
إن عدد مخطوطات العهد الجديد، والترجمات المبكرة منه، والاقتباسات منه بواسطة أقدم كُتّاب في الكنيسة كبيرة جدًا لدرجة أنه من المؤكد عمليًا أن القراءة الحقيقية لكل مقطع مشكوك فيه محفوظة في بعض هذه المستندات القديمة أو تلك. لا يمكن قول هذا عن أي كتاب قديم آخر في العالم.[77]
أما بالنسبة للتاريخية، فقد اتضح أن لوقا، مؤلف إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل، كان مؤرخًا قديمًا بارعاً. أقر المؤرخ الروماني A. N. Sherwin -White أ.ن.شيروين وايت أنه على الرغم من أن جميع المصادر لها قيود وتأتي من منظور معين:
بالنسبة لأعمال الرسل، فإن تأكيد التاريخية ساحق… وأي محاولة لرفض أهميته التاريخية حتى في المسائل التفصيلية يجب أن تبدو الآن سخيفة.[78]
الطريقإلىالأمام
هذه الملاحظات حول نص العهد الجديد لا “تثبت” أن ما تقوله الوثائق صحيح بالطبع. لكنها تؤسس أوراق اعتماد هذه الروايات عن يسوع كوثائق تاريخية أصلية يجب أخذها على محمل الجد. إن رفضها على أنها افتراءات لا تستحق وقتنا أو اهتمامنا سيكون بمثابة الفشل في اتباع الدليل حيثما يقود بوضوح. في الواقع، من المهم الإشارة إلى القدر الكبير من العمل الذي تم إجراؤه حول تاريخية العهد الجديد.[79]
من الضروري استيعاب أوراق اعتماد الوثائق التي تقوم عليها المسيحية بينما نأتي الآن لفحص الجزء الأكثر أهمية في الرسالة المسيحية.
ثامناً. كيفتُفنِّدالمسيحية
في الفصل السادس رأينا أن العلم لا يجعل المعجزات مستحيلة. هذا يتركنا أحرارًا في التحقيق في الادعاء المحدد الذي يكمن في قلب المسيحية -أن يسوع المسيح قام جسديًا من بين الأموات.
ربما كان الأمر الأكثر إثارة للدهشة حول قيامة يسوع المسيح في الفكر المسيحي هو أن قادة المجتمع المسيحي، منذ البداية، راهنوا على صحة رسالة الإنجيل بالكامل. كتب الرسول بولس:
بعبارة أخرى، قُم بتفنيد القيامة، وستختفي المسيحية كلها في نفخة من الدخان. على عكس معظم الأديان الأخرى ووجهات النظر العالمية التي تستند إلى أفكار أو نظريات، تدعي المسيحية أنها قابلة للدحض، بناءً على هذا الادعاء التاريخي الوحيد. إدحض قيامة المسيح، وستموت المسيحية.
تطبيقالعلومعلىالتاريخ
القيامة حدث ماضي فريد من نوعه، لذلك نحتاج إلى معرفة كيفية تعامل العلماء مع مثل هذه الأحداث. يمكننا القول، بشكل غير رسمي، أن هناك نوعين من العلم: أولاً، النوع الذي نعرفه كثيرًا في المدرسة، حيث نستخدم التجارب المتكررة للتحقق من تفسيراتنا -تجارب يمكن لأي شخص آخر لديه المُعدات المناسبة أن يكررها. نسمي هذه العملية induction الاستقراء.
ومع ذلك، فإن مثل هذا التفكير لا يعمل عندما ندرس الأحداث غير المتكررة، مثل ثوران بركان كراكاتوا في عام 1883، أو انقراض الديناصورات، أو أصل الكون أو الحياة -أو القيامة. لا يمكننا تكرار هذه الأحداث لنرى ما حدث.
ما نفعله بالأحداث الفريدة هو استخدام نوع من إجراءات علم الأدلة الجنائية المألوف لنا من القصص البوليسية. لا يستطيع هرقل بوارو Hercule Poirot إعادة تنفيذ جريمة قتل ليرى من فعلها. بدلاً من ذلك، يستخدم عملية التفكير التي تعمل على النحو التالي:
إذا كان المشتبه فيه (A) هو القاتل، فستتبعه أشياء معينة، مثل X وY.
يلاحظ بوارو X وY ويستنتج أن المشتبه فيه A يناسب الملاحظات.
ومع ذلك، لاحظ بعد ذلك حقيقة أخرى، Z، وعند التفكير في الأمر، استنتج أن A لا يمكن أن يُسبب Z.
ومع ذلك، هناك مشتبه به آخر B. إذا قام بذلك، فيسنتج عنه X وY و Z.
يستنتج بوارو أن B هو مرشح أفضل للقيام بعملية القتل أكثر من A، وهكذا.
في النهاية، يأتي بوارو بشرح يناسب جميع الحقائق ويحل القضية. نسمي هذه العملية عملية abduction، أو الاستدلال على التفسير الأفضل. إنها عملية مألوفة لدينا في العديد من مجالات الحياة اليومية.
نفس الشيء بالضبط مع قيامة يسوع. لا يمكننا تكراره لنرى ما حدث، ولذا يجب أن نستنتج أفضل تفسير. هذا ما ننتقل إليه الآن.
هناك أربعة جوانب مختلفة يجب وضعها في الاعتبار:
1.موت يسوع
لا يمكن أن تكون هناك قيامة إذا لم يمت يسوع فعلاً على الصليب. لذلك، نحتاج إلى أن نوضّح أنه مات بالفعل. في الواقع، توجد تقارير عن إعدامه في عدد من المصادر القديمة غير المسيحية. يعتقد معظم العلماء أن يوسيفوس (37 -100 م)، مؤرخ يهودي روماني من القرن الأول، كتب واحدة من أقدم الروايات الباقية التي تذكر صلب يسوع (باستثناء تلك التي قدمها مؤلفو العهد الجديد).[80][81]
في أوائل القرن الثاني، أكد ذلك تاسيتوس (56 -117 م)، عضو مجلس الشيوخ ومؤرخ الإمبراطورية الرومانية، يقول إن المسيح “عانى العقوبة القصوى [أي الصلب] في عهد طيباريوس على يد أحد وكلاءنا، بيلاطس البنطي”.[82]
وفقًا لرواية شاهد العيان يوحنا، فقد صلب يسوع مع اثنين آخرين. لم ترغب السلطات اليهودية في بقاء الجثث على الصلبان في يوم السبت القادم حيث اعتبروها تدنيس. لذلك حصلوا على إذن من بيلاطس لتسريع الموت من خلال وسيلة crurifragium. أي كسر أرجل الرجال للتأكد من أنهم سيموتون بسرعة. ومع ذلك، وجد الجنود أن يسوع قد مات بالفعل، لذا لم يكسروا ساقيه. يعرف الجنود الرومان الجثة عندما يروها. ومع ذلك، وللتأكد بشكل مضاعف، طعن أحد الجنود جنبه بحربة.[83]
يخبرنا يوحنا أن دفع الرمح أنتج دفقًا من الدم والماء، وهذا يدل على حدوث تجلط كبير للدم في الشرايين الرئيسية، مما يشير إلى أن يسوع قد مات حتى قبل دفع الرمح. نظرًا لأن يوحنا لم يكن يعرف الأهمية المَرَضية لهذا، فهو دليل قوي على موت يسوع -وهو استنتاج علمي واضح جدًا لأفضل تفسير.
2.دفن يسوع
وفقًا لما هو مكتوب، قام عضوان من السنهدرين في أورشليم (المجلس اليهودي الحاكم)، يوسف ونيقوديموس، بدفن جسد يسوع في قبر خاص بيوسف. بالإضافة إلى ذلك، رأى شهود آخرون مكان القبر: النساء من الجليل والمريمان.
حقيقة دفن يسوع في قبر مهمة. إذا تم إلقاء جثة يسوع في قبر جماعي -كما حدث غالبًا للمجرمين -لكان من الصعب للغاية، إن لم يكن مستحيلًا، تحديد ما إذا كان جسده لم يعد موجودًا. علاوة على ذلك، كان قبرًا جديدًا، ولم يتم استخدامه بعد، لذلك لم يكن هناك شك في أن جسده تبدّل بجسد شخص آخر. علاوة على ذلك، نظرًا لأن بعض المؤمنات، كما لاحظنا للتو، اتبعن يوسف، ورأين القبر الذي وُضع فيه جسد المسيح، فمن المستبعد جدًا أنه عندما جاءت النساء في وقت مبكر من اليوم الأول من الأسبوع بينما كان الظلام لا يزال باقياً، ذهبوا عن طريق الخطأ إلى القبر الخطأ.
قام نيقوديموس ويوسف بلف الجسد بقطعة قماش من الكتان مع حوالي 35 كجم من التوابل بالطريقة القديمة لتكريم شخص مهم. من الواضح أنهم لم يكونوا يتوقعون القيامة. وزن البهارات وطريقة ربط الأكفان بإحكام حول الجسد مثل مومياء مصرية، جعل فكرة أن المسيح، بعد أن أغمي عليه من فقدان الدم على الصليب، أُنعِش في القبر، ثم تمكن من الهروب، فكرة لا تصدق.
تم تأمين القبر من قبل يوسف بحجر كبير مسطح مشقوق في أخدود عند المدخل. كان سيتطلب عدة رجال لإبعاده. أيضًا، بناءً على سلطة بيلاطس، قام القادة اليهود بإغلاق الحجر رسميًا. أيضًا، بناءً على طلب الفريسيين وبإذن بيلاطس، تم وضع حراس حول القبر. يخبرنا متّى أن هذا كان لمنع التلاميذ من القدوم، وسرقة جسد يسوع، والإعلان عن “القيامة” بطريقة احتيالية.[84]
3.القبر الفارغ
إنها الشهادة بالإجماع في الأناجيل أن القبر وجد فارغًا عندما جاءت النساء المسيحيات في وقت مبكر من صباح اليوم الأول من الأسبوع، لإكمال مهمة تتطييب جسد يسوع. وعندما ذهب الرسل للتحقق، وجدوا أيضًا القبر فارغًا.[85]
يساعدنا هذا على فهم ما قصده المسيحيون الأوائل عندما زعموا أن يسوع قام من بين الأموات -أي أن جسد يسوع الذي دفنوه في القبر، وهم يعلمون أنه ميت، وقد قام من بين الأموات وترك القبر. ومهما تم تغيير هذا الجسد، فإنهم يصرون على أنه نفس الجسد الذي وضعوه في القبر. لم يكن جسدًا آخر جديدًا غير متصل بجسد يسوع الأصلي.
وفقًا لما قاله متى، فإن أول من أعلن علنًا أن قبر يسوع كان فارغًا هم السلطات اليهودية، وليس المسيحيون على الإطلاق! بدأوا قصة متداولة في أورشليم مفادها أن التلاميذ سرقوا الجسد بينما كان الحراس نائمين.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الروايات الإنجيلية صحيحة؟ يعتقد البعض أنها أسطورة، تم اختراعها بعد فترة طويلة من الحدث. لكن هذا التفسير غير مرجح. الإجماع العلمي هو أن الأناجيل ربما كُتبت حوالي 50 -100 بعد الميلاد،[86] بحلول ذلك الوقت، كانت الحقائق المتعلقة بصلب ودفن المسيح قد انتشرت على نطاق واسع في المعابد اليهودية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. إذا كانت القصص اختراعًا متأخرًا، لكان يُنظر إليها على الفور على أنها خيال حديث. لم يكن المسيحيون ليخاطروا برواية مثل هذه القصص للمجتمعات اليهودية إذا كانت مفبركة. لذلك، لا يوجد سبب لافتراض أن هذه الروايات غير صحيحة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا تبذل السلطات اليهودية جهودها لنشر مثل هذه القصة؟ ربما كان أحد الأسباب هو تحقيق ضربة استباقية. فقد علموا من الحراس أن القبر فارغ. كان بإمكانهم أن يروا على الفور أن المسيحيين سينشرون هذا كدليل على قيامة يسوع من بين الأموات. لذلك قرروا أن يضربوا أولاً بالاعتراف بأن القبر كان فارغًا وقدموا تفسيرهم لمواجهة قوة التفسير المسيحي المحتوم.
كدعاية قادمة من أعداء المسيح، فإن تداول هذه القصة هو دليل تاريخي على أعلى جودة على أن قبر يسوع الفارغ كان حقيقة.
مجرد التفكير في ذلك. إذا لم يكن القبر فارغًا، فلن تجد السلطات صعوبة في تقديم جسد يسوع، مما يدل بشكل قاطع على أن القيامة لم تحدث. وعندما سيعلن الرسل لاحقًا أنه قام، لن يقابلوا شيئًا سوى السخرية، ولن يكون بوسع المسيحية أن تبدأ.
مرة أخرى فعلنا بالضبط ما سيفعله علماء الأدلة الجنائية -استنتجنا أفضل تفسير.[87]
4.الأكفان
هناك دليل آخر على القيامة يُظهر أن التلاميذ كانوا قادرين على استنتاج مثل هذه الاستنتاجات المنطقية. قرأنا في رواية يوحنا أنه عندما أخبرته النساء أن القبر كان فارغًا، ركض هو وبطرس إلى القبر. وصل يوحنا هناك أولاً، انحنى، ونظر إلى الداخل. لاحظ على الفور شيئًا غريبًا: كانت الأقمشة الكتّانيّة التي كانت ملفوفة حول جسد يسوع لا تزال هناك. والأغرب من ذلك، كانت موضوعة كما كانت عندما كان جسده بداخلها، لكن الجسد لم يعد موجوداً.
التقى بطرس بيوحنا، الذي لا بد أنه كان العداء runner الأسرع (أحد تلك التفاصيل الصغيرة التي تعطي السرد حلقة كتابة شهود العيان). دخل كلاهما إلى القبر ورأيا ما يمكن أن يكون أغرب مشهد على الإطلاق: كانت الملابس التي كانت ملفوفة حول رأس يسوع ملقاة على الجزء المرتفع قليلاً من الحافة داخل القبر؛ ورغم أن رأسه لم يعد فيهم بعد، كانوا لا يزالون ملفوفين كما لو كانت رأسه بداخلهم، باستثناء أنهم ربما انهاروا بشكل مسطح.
كان التأثير على يوحنا قوياً: لقد رأى وآمن.[88] هذا لا يعني فقط أنه آمن الآن بما قالته مريم: من أول لمحة له في القبر كان من الواضح أن الجسد مفقود. كان أكثر من ذلك بكثير. لقد استنتج استنتاجًا عقلانيًا أن شيئًا غامضًا للغاية يجب أن يكون قد حدث بالفعل. بدا الأمر كما لو أن جسد يسوع قد خرج مباشرة من خلال الأكفان وتركهم بالضبط حيث كانوا عندما كان الجسد بداخلهم. لم يكن لدى يوحنا شك في أنه كان يرى أدلة على ما هو خارق للطبيعة.
ماذا عن الأكفان التي كانت تحمل مثل هذه القوة المقنعة؟ السؤال الواضح بالنسبة له أو لأي شخص آخر هو: كيف أصبحوا هكذا؟ كيف سيأخذ لصوص القبور الجثة، ويتركوا الكتان والتوابل الثمينة. وحتى لو، لسبب مبهم، كانوا يريدون الجثة فقط، لم يكن لديهم أي سبب على الإطلاق لـ لف كل الأقمشة مرة أخرى كما لو كانوا لا يزالون حول الجسد، باستثناء، ربما، لإعطاء الانطباع بأن القبر لم يتم إقتحامه. لكن إذا أرادوا إعطاء هذا الانطباع، فمن المؤكد أنهم كانوا سيقومون بشكل أفضل بإعادة الحجر إلى مكانه! الضجيج كان يمكن أن يكون كبيرا. كان الحجر المدحرج بمثابة تعبير ضخم بأن القبر قد تم إقتحامه. لقد كانت دعوة مفتوحة للحضور وإلقاء نظرة في الداخل. لكن هنا نواجه مسألة أخرى: كيف يمكن لأي سارق قبر أن يزيل الحجر عندما كان الحارس هناك؟
نظريات بديلة
إذا لم يكونوا لصوص القبور، فمن كان يمكن أن يكونوا؟ ربما كانوا أتباع يسوع المضللين يحاولون إخراج الجسد من تحت أنوف السلطات إلى مكان أكثر أمانًا؟ لكن لو فعلوا ذلك، لما أخفوه سراً عن الرسل الآخرين. كانوا سيعيدون دفنه باحترام (كما كانت تنوي مريم أن تفعل)،[89] وفي النهاية كان كل المسيحيين سيعرفون مكان قبره. على أي حال، ما زلنا نواجه مشكلة صاخبة تتمثل في دحرجة الحجر بعيدًا عن مرمى سمع الحارس.
هل من الممكن أن يأخذ أحد الجسد ويعيد لف الثياب عمداً ليعطي انطباعا بحدوث معجزة؟ من يمكن أن يكون هذا؟ كان من المستحيل أخلاقيا لأتباع المسيح أن يفعلوا ذلك. كان ذلك أيضًا مستحيلًا نفسياً، لأنهم لم يكونوا يتوقعون القيامة. وكان من المستحيل عمليا بسبب الحراس.
أخيرًا، سيكون من السخف التفكير في قيام السلطات بأي شيء يوحي من بعيد بالقيامة. بعد كل شيء، هم الذين تأكدوا من حراسة القبر لتجنب أي شيء من هذا القبيل!
بالنسبة ليوحنا وبطرس، كان اكتشافًا مثيرًا. مثل شيرلوك هولمز، استبعدوا التفسيرات المستحيلة ولم يتبق لهم سوى بديل واحد: أن الجسد قد خرج الأقمشة الكتّانيّة. لقد كان مثالًا واضحًا آخر على الاستدلال على أفضل تفسير في أفضل تقليد لعلم الأدلة الجنائية.
ولكن ماذا يعني ذلك؟ وأين كان يسوع الآن؟
كتب المؤرخ مايكل جرانت Michael Grant من جامعة إدنبرة:
صحيح أن اكتشاف القبر الفارغ موصوف بشكل مختلف في الأناجيل المختلفة، لكن إذا طبقنا نفس النوع من المعايير التي نطبقها على أي مصادر أدبية قديمة أخرى، سيكون الدليل حازمًا ومعقولًا بما يكفي لاستنتاج أن القبر وجد بالفعل فارغًا.[90]
ترك بطرس ويوحنا القبر الفارغ. لقد اعتقدوا أنه لا يوجد شيء يمكن كسبه بالبقاء هناك. ومع ذلك، كما أثبتت الأحداث، كانوا مخطئين.
5.شهود عيان ظهورات المسيح
لم يؤكد المسيحيون الأوائل ببساطة أن القبر كان فارغًا. لكن الأهم من ذلك هو حقيقة أنهم التقوا بعد ذلك بالمسيح المقام، بشكل متقطع على مدى أربعين يومًا بلغت ذروتها بصعوده.[91] لقد رأوه بالفعل وتحدثوا معه ولمسوه، بل وأكلوا معه. لم يكن أقل من هذا ما منحهم الشجاعة لمواجهة العالم برسالة الإنجيل المسيحي. في الواقع، كانت حقيقة أنهم رأوا وقابلوا المسيح القائم من بين الأموات جزءًا مهمًا لا يتجزأ من هذا الإنجيل. والدليل على ذلك قوي للغاية لدرجة أن حتى العالم الملحد Gerd Lüdemann جيرد لودمان يستنتج:
قد يكون من المؤكد تاريخيًا أن بطرس والتلاميذ قد مروا بتجارب بعد موت يسوع ظهر فيها يسوع لهم على أنه المسيح القائم من بين الأموات.[92]
ليس من المستغرب أن يمنع إلحاد لودمان القيامة كسبب لهذه الظهورات، ولذلك فهو يرى أن الظهورات كانت مجرد رؤى.[93]
لكن هذا القول تفنده أدلة من علم النفس. مرة أخرى، لاحظ أن عمليات التفكير عملية بشكل كامل.
عادة ما تحدث الرؤى والهلوسة للأشخاص الذين ينتمون إلى مزاج معين، ولديهم خيال حي. كان التلاميذ من طباع مختلفة للغاية: كان متى جامع ضرائب صارمًا وفطناً. بطرس وبعض الآخرين، صيادون أقوياء؛ توما، المشكك بالفطرة؛ إلخ. لم يكونوا من الأشخاص الذين يربطهم المرء عادةً بقابلية الإصابة بالهلوسة.
تميل الهلوسة إلى أن تكون من الأحداث المتوقعة. يشير الفيلسوف ويليام لين كريج William Lane Craig إلى أن “الهلوسة، باعتبارها إسقاطات للعقل، لا يمكن أن تحتوي على أي جديد”.[94] لكن لم يتوقع أي من التلاميذ مقابلة يسوع مرة أخرى. لم يكن توقع قيامة يسوع في أذهانهم على الإطلاق. وبدلاً من ذلك، كان هناك خوف وشك وعدم يقين -وهي بالضبط الشروط النفسية غير المحفزة لهلوسة قيامة يسوع.
عادة ما تتكرر الهلوسة على مدى فترة طويلة نسبيًا، إما بالزيادة أو النقصان. لكن ظهورات المسيح تكررت على مدى أربعين يومًا ثم توقفت فجأة. لم يدع أي من هؤلاء التلاميذ الأوائل تجربة مماثلة مرة أخرى. الاستثناءات الوحيدة كانت إسطفانوس وبولس. صرخ إسطفانوس، أول شهيد مسيحي، في اللحظات التي سبقت رجمه حتى الموت: “ها أنا أرى السماوات مفتوحة، وابن الإنسان قائم عن يمين الله”.[95] يسجل بولس أنه التقى المسيح القائم من بين الأموات مرة واحدة، وأنه كان آخر من التقى به.[96] وبالتالي فإن هذا النمط لا يتوافق مع تجارب الهلوسة.
من الصعب أن نتخيل أن الخمسمائة شخص الذين رأوه دفعة واحدة كانوا يعانون من الهلوسة الجماعية.[97]
في الواقع، يعلق غاري سيبسي Gary Sibcy، عالم النفس الإكلينيكي:
لقد قمت بمسح الأدبيات المهنية … التي كتبها علماء النفس والأطباء النفسيون وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية ذات الصلة خلال العقدين الماضيين ولم أجد بعد حالة موثقة واحدة للهلوسة الجماعية، بمعنى حدث يشارك فيه أكثر من شخص في الإدراك البصري أو الإدراك الحسي الآخر بدون وجود مرجع خارجي.[98]
لم تكن الهلوسة لتؤدي إلى الإيمان بالقيامة. إن نظريات الهلوسة حول قيامة يسوع محدودة للغاية في نطاقها التفسيري: إنها تحاول فقط شرح ظهورات يسوع بعد الصلب. من الواضح أن مثل هذه النظريات لا تأخذ في الحسبان القبر الفارغ -بغض النظر عن عدد الهلوسات التي أصيب بها التلاميذ، لم يكن بوسعهم أن يبشروا بالقيامة في أورشليم لو لم يكن القبر القريب فارغًا!
الشهود الأوائل
يجب أن نضيف إلى كل هذا حقيقة أنه بالنسبة لأي شخص يعرف أي شيء عن الشرائع القديمة فيما يتعلق بالشهادة القانونية، فمن اللافت للنظر أن التقارير الأولى المذكورة في الأناجيل عن ظهور المسيح القائم من بين الأموات كانت بواسطة النساء. في الثقافة اليهودية في القرن الأول، لم تكن النساء في العادة يُعتبرن شهودًا مؤهلين. في ذلك الوقت، إذن، من أراد أن يخترع قصة قيامة، لم يفكر أبدًا في أن يبدأها بذكر شهادة النساء. ستكون القيمة الوحيدة لإدراج شهادتهم هي ما إذا كانت صحيحة ويمكن التحقق منها بسهولة، بغض النظر عن تصور الناس لحقيقة أنها جعلت النساء شهودًا. وبالتالي، فإن إدراج شهادة النساء في حد ذاته هو مؤشر آخر على الأصالة التاريخية.
إن وجود الكنيسة المسيحية في جميع أنحاء العالم حقيقة لا جدال فيها. ما هو التفسير المناسب لشرح التحول الذي حدث في التلاميذ الأوائل؟ من مجموعة خائفة من الرجال والنساء -مكتئبين تمامًا وخاب أملهم مما اعتبروه الكارثة التي حلت بحركتهم عندما صُلِبَ زعيمهم -انفجرت فجأة وبقوة، الحركة الدولية التي رسخت نفسها بسرعة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية وفي نهاية المطاف في جميع أنحاء العالم. والمثير للدهشة أن التلاميذ الأوائل كانوا جميعهم يهودًا: من ديانة غير معروفة بحماستها في تحويل الناس من الأمم أخرى. ما الذي كان يمكن أن يكون قوياً بما يكفي لبدء كل هذا؟
إذا سألنا الكنيسة الأولى، فسوف تجيب على الفور بأنها قيامة يسوع.[99] في الواقع، أكدت الكنيسة أن سبب وجودها والغرض منها هو أن تكون شهادة على قيامة المسيح. أي أن الكنيسة ظهرت إلى الوجود ليس لإصدار برنامج سياسي أو حملة للتجديد الأخلاقي؛ ولكن في المقام الأول للشهادة على حقيقة أن الله قد تدخل في التاريخ، وأقام المسيح من بين الأموات، وأن غفران الخطايا يمكن أن يُنال باسمه. هذه الرسالة سيكون لها في نهاية المطاف آثار أخلاقية كبيرة على المجتمع. لكن رسالة القيامة نفسها هي التي كانت مركزية.
إذا رفضنا تفسير المسيحيين الأوائل لوجودهم، على أساس أنه ينطوي على معجزة كبيرة جدًا -القيامة، فما الذي سنضعه في مكان تلك المعجزة بحيث لا ينطوي على ضغط أكبر على قدرتنا على الإيمان؟ إنكار القيامة يترك الكنيسة ببساطة بدون مبرر لوجودها، وهو أمر سخيف تاريخيًا ونفسيًا.
كتب البروفيسور C. F. D. Moule سي إف دي مول من كامبريدج:
إذا كان ظهور الناصريين، وهي ظاهرة يشهد عليها العهد الجديد بلا شك، قد أحدث فجوة كبيرة في التاريخ، فجوة بحجم وشكل القيامة، فما الذي يقترحه المؤرخ العلماني لإيقافها؟ … لذلك، فإن ولادة الكنيسة المسيحية وظهورها السريع يظلان لغزًا لم يتم حله لأي مؤرخ يرفض أن يأخذ التفسير الوحيد الذي قدمته الكنيسة نفسها على محمل الجد.[100]
في هذا الاستطلاع الموجز، تمكنا فقط من إعطاء لمحة عن عمق واتساع الأدلة المتوفرة لقيامة يسوع. إذا كنت مهتمًا بمزيد من التفاصيل، فقم بإلقاء نظرة على الفصلين الأخيرين من كتابي Gunning for Godالتصويب على الله.[101]
المسيحية قابلة للتفنيد
كان النقاد يحاولون يائسين تشويه سمعة القيامة لمدة 2000 عام، وفشلوا، لأن الأدلة ببساطة قوية للغاية. والسؤال الذي يبقى، إذن، هو: هل نتبع الدليل أينما يقود أم لا؟
لكن الآن يجب أن يأخذ تحقيقنا مسارًا أكثر جدية وربما مساراً خطراً بالنسبة لك: مسار لا يستكشف تجارب وادعاءات الآخرين فحسب، بل تجربتك الخاصة.
تاسعاً. البُعد الشخصي
حتى هذه اللحظة، كنا نفكر في هؤلاء المسيحيين الأوائل الذين رأوا يسوع المقام. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من المسيحيين عبر التاريخ أصبحوا مسيحيين دون رؤية يسوع حرفياً. قال المسيح شيئًا مهمًا جدًا لتوما والآخرين حول هذا الأمر:
لقد رأوا وصدقوا -لكن المعظم لم ير. هذا بالطبع لا يعني أن المسيح يطلب من بقيتنا جميعًا أن نؤمن دون أي دليل. الرؤية هي نوع واحد فقط من الأدلة المتاحة لنا. وينطبق الشيء نفسه على الحياة العادية -فنحن جميعًا نؤمن بالعديد من الأشياء التي لم نرها: الحب والذرات والجاذبية ولب الأرض المنصهر. ومع ذلك، فإننا لا نصدق هذه الأشياء بدون دليل. كل ما في الأمر أنه ليس لدينا دليل مرئي.
الدليلوالعلاقة
في الواقع، الآية التي اقتبسناها للتو عن توما تأتي مباشرة قبل شرح يوحنا لدوافعه للكتابة، وهي عبارة أتيحت لنا الفرصة بالفعل لنقتبسها:
الدليل المعروض علينا قبل كل شيء هو دليل شهود العيان على أولئك الذين رأوا. يكتب يوحنا ليقنعنا (نحن الذين لم نر) بعض الحقائق -أن يسوع هو الذي ادعى أنه هو: المسيح (= المسيا)، ابن الله (الله المتجسد، الكلمة صار إنسانًا). لكن يوحنا لا يهتم فقط بأن نصدق هذه الحقائق؛ إنه مهتم أيضًا بأنه على أساس هذه الحقائق، نثق في يسوع كشخص، حتى نتمكن من اختبار عجب قبول نوع جديد من الحياة التي أطلق عليها يسوع نفسه “الحياة الأبدية”.
أن تصدق حقائق معينة عن شخص ما هو شئ. أمّا أن تقابل هذا الشخص وتثق به كصديق فهذا شئ آخر مختلف تماماً. أعرف الكثير من الحقائق عن ونستون تشرشل، لكنني لم أقابله قط. لم يكن أبدًا شخصًا يمكنني أن أدعوه بـ “صديقي”. وحتى لو التقيت به، ما كان ليفديني بحياته. ما يعد به الرسول يوحنا لأولئك الذين يؤمنون بيسوع هو علاقة حية شخصية مع الله من خلال يسوع المسيح فريدة من نوعها.
بمجرد أن نبدأ في الحديث عن العلاقات الشخصية، نترك العلم وراءنا. لكننا لا نترك العقلانية وراءنا. هناك فرق جوهري بين المعرفة العلمية والمعرفة الشخصية. تخيل أنني أرغب في التعرف عليك. يمكنني إجراء العديد من أنواع القياسات المختلفة المرتبطة بجسمك -الطول والوزن وما إلى ذلك. يمكنني فحص جسمك باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي والتعرف على الكثير عن أعضائك الداخلية. يمكنني حتى فحص دماغك واكتشاف المناطق النشطة في الوقت الحالي. ولكن مثلما لم يتمكن العلم أو التكنولوجيا حتى من تحديد سبب قيام العمة ماتيلدا بصنع كعكتها، فإن أيًا من هذه التحقيقات أو جميعها لن تمكنني من التعرف عليك. لن أتعرف عليك أبدًا ما لم تكشف عن نفسك لي، عادةً من خلال التحدث.
ومع ذلك، في عملية الكشف عن نفسك لي، فإن العقلانية متداخلة على مستوى عالٍ جدًا. يجب أن أستخدم عقلي لفهم ما تقوله -وعليك استخدام عقلك لفهمي.
إنه مشابه لله. بما أن الله شخص وليس نظرية، فلا يمكننا التعرف عليه إلا إذا كشف نفسه لنا. الادعاء المركزي للكتاب المقدس هو أن الله تكلم. لقد كشف لنا جوانب مجده في روعة الكون. لقد تحدث إلينا عبر القرون بطرق عديدة ومتنوعة كما هو مسجل لنا في الكتاب المقدس. ولكن على وجه التحديد، لقد تحدث إلينا في ابنه.
وهذا بالضبط ما فعله المسيحيون الأوائل. خرجوا وحثوا الناس على الرجوع (التوبة) عن أسلوب حياتهم القديم، وقالوا لهم أنهم عندما يؤمنون بيسوع، فإنهم سينالون الغفران.
اصغ إلى الرسول بولس وهو يعلن هذه الرسالة للمفكرين في أثينا:
لا تؤكد المسيحية فقط حقيقة أن المسيح مات وقام مرة أخرى. تقول أن هذه الأحداث لها آثارها علينا جميعًا، وتتحدانا أن نستجيب لها.
يمكن للعلم أن يثير قضايا أخلاقية خطيرة لضمائرنا تتطلب العمل. على سبيل المثال، أخبرنا العلم عن ظاهرة الاحتباس الحراري وتلوث الغلاف الجوي ومخاطر المواد البلاستيكية في المحيطات. تخبرنا ضمائرنا أننا بحاجة إلى القيام بشيء حيال هذه القضايا للأجيال القادمة. لكن الأخلاق يجب أن تأخذنا إلى ما وراء العلم؛ إنها تشير إلى شيء أكبر وأكثر جوهرية -علاقتنا مع الله. هذه قضية أخلاقية بهذا الحجم لدرجة أن علاجها يتطلب موت يسوع المسيح، ابن الله.
فهم أنفسنا
إذا كنت صادقًا مع نفسك، فستدرك أن الخطية مثل السرطان: إنها تفسد حياتنا وتبتلع إمكانية السلام والفرح والسعادة الحقيقيين. هناك انكسار في الناس بشكل عام، وإذا كنا صادقين، فهذا الانكسار في أنفسنا أيضًا.
يحاول علماء النفس وعلماء الأحياء التطورية شرح سبب ذلك ويقدمون إجابات، بعضها أكثر إقناعًا من البعض الآخر. لكن لا أحد منهم يقدم تفسيراً أو إجابة تتوافق بعمق مع غرائزنا ومشاعرنا تجاه حياتنا كما تفعل المسيحية. إن السبب الذي يجعل المسيحية لديها الكثير لتقوله عن مسألة الخطية ليس بسبب انشغالها المَرَضي بالذنب. لأن المسيحية تقدم لنا تشخيصًا واقعيًا لمشكلة الخطية البشرية، وعلاجًا لها يجلب معه حياة جديدة مُرضية وذات مغزى.
لذلك، قبل أن نتجاهل المسيحية، سيكون من الحكمة بالتأكيد أن نفكر في ماهية هذا التشخيص والعلاج بالضبط. تم تقديم التشخيص الكتابي إلينا في تقرير سفر التكوين في جنة عدن، وهي إحدى أشهر القصص في الأدب. كما أنها واحدة من أكثر الأدبيات عُمقًا. إنها تتعلق بكيفية وضع الخالق للبشر الأوائل في جنة مليئة بالآمال والفائدة. كانوا أحرارًا في الاستمتاع بالجنة واستكشافها والمناطق المحيطة بها على نحو يرضي قلوبهم. ومع ذلك، فقد منعهم الله حقًا من ثمرة واحدة -“شجرة معرفة الخير والشر” (تكوين 2: 17). ومع ذلك، وبعيدًا عن الانتقاص من مكانة الإنسانية، فإن هذا المنع كان ضروري لترسيخ الكرامة الفريدة للبشر ككائنات أخلاقية.
لكي تكون الأخلاق حقيقية، يجب أن يتمتع البشر بدرجة معينة من الحرية. ولكي نكون كائنات أخلاقية، يجب أن يكون هناك خيار أخلاقي حقيقي بين الصواب والخطأ. يجب أن يكون هناك حد أخلاقي. فكانت ثمرة واحدة ممنوعة. كانوا أحرارًا في الأكل من أي شجرة في الجنة -باستثناء شجرة واحدة. أخبرهم الله أنهم في يوم أكلهم سيموتون بالتأكيد.
ثم تروي هذه القصة القديمة كيف شوّه العدو -الحية صورة الله أمامهما، مشيرًا إلى أن الله كان يسخر من البشر، بوضعهم في بيئة رائعة بأشجارها الجميلة وثمارها الفاتنة ثم منعهم من أكل تلك الفاكهة. كما ألمح العدو أيضًا إلى أن الله يريد أن يحد من حرية الإنسان من خلال عدم ترك البشر يصبحون مثل الله. لقد قامت الحية بخداعهم.
كانت الخطية “الأصلية” التي أصابت الجنس البشري منذ بدايته هي ثورة الروح البشرية ضد الله الذي خلقها -ثورة غيرت موقف المخلوق تجاه خالقه، تجاه البشر الآخرين والمخلوقات من حولنا. بمجرد أن تناول البشر الأوائل الثمرة المحرمة، شعروا بالخزي وعدم الارتياح، وقبل كل شيء، الاغتراب عن الله. سيتبع موت علاقتهم مع الله حتماً، ولكن ليس على الفور، بالموت الجسدي. شعر الرجل والمرأة اللذان استمتعا بفرح الله وصداقته، الآن أن الله أصبح عدوهما، فهربا للاختباء منه.
فيالطريق
وبالمثل، نهرب نحن البشر منذ ذلك الحين. يكمن في قلب الإنسان شك في أن الله، إن وجد أصلاً، هو معادٌ لنا بالفطرة. يمنعنا من الاستمتاع بالملذات الطبيعية ويقمعنا نفسياً. إنه يمنعنا من تطوير إمكاناتنا البشرية الكاملة. ربما تفكر في هذه الأفكار بالذات الآن -تتخيل أن الله طاغية ومتنمر، وأنه هو المُلام عن كل شيء.
حتى نظرة سطحية على نص سفر التكوين تظهر أن هذه الشكوى تقوم على تشويه شديد. من المؤكد أن الله خلق آدم ليكون فضوليًا ولكن ليس ساخطًا. لم يُمنع البشر الأوائل من إثارة فضولهم. العكس هو الصحيح: كانوا محاطين بعالم كامل من الإمكانات. شجعهم الله على الانخراط في المهمة الرائعة المتمثلة في تسمية الأشياء -في حالتهم، الحيوانات -وهي مهمة تمثل جوهر العلم. أراد الله لهم أن يستكشفوا كونه -خليقته -ويكتشفوا كنوز حكمته.
أما بالنسبة لـ “المنع”، فلاحظ أن شيئًا واحدًا فقط كان ممنوعًا وأن هذه الفاكهة بالذات كانت ممنوعة، ليس لتقييد البشرية ولكن حتى يتمكنوا من تطوير علاقة ثقة مع الخالق. يمكنهم حقًا اختيار ما إذا كانوا سيثقون في الخالق ويصدقون كلمته أو يفهمون ما تخيلوا أنه سيحدث لهم من خلال تأكيد استقلالهم عنه.
التشخيص الكتابي، إذن، هو أننا ورثنا طبيعة خاطئة ثم شرعنا في ارتكاب الخطية لحسابنا الخاص. نحن، من جميع الجوانب، نعيش مجبرين ومتأثرين بروح سائدة لعالم ساقط. كما يقول العهد الجديد، “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رومية 3: 23). ومع ذلك، يبدو هذا غير عادل بشكل صارخ لكثير من الناس. يقولون، “لم نطلب أن نولد من عرق تضرر من جذوره. لماذا يجب إدانتنا نتيجة لما فعله شخص آخر في الأصل؟ ” ياتي الرد على هذا الاعتراض المعقول في تصريح لاحق للقديس بولس في نفس الرسالة: “لأنه بعصيان الإنسان الواحد أصبح الكثيرون خطاة، هكذا بطاعة الإنسان الواحد سيُبرر الكثيرون” (رومية 5: 19).
لأننا لسنا مسؤولين شخصياً عن دخول الخطية إلى العالم، لسنا شخصياً في وضع يسمح لنا بتصحيح الوضع برمته. هذا هو السبب في أن الخلاص من الخطية المقدم البشرية في العهد الجديد منطقي، لأنه (وحده) يتناسب مع حجم المشكلة. نظرًا لأننا جعلنا خطاة بسبب ما فعله شخص آخر، فإن الإنقاذ والفداء يقدمان لنا مجانًا بنفس الشروط: من خلال ما فعله شخص آخر، وليس من خلال ما يمكننا فعله بأنفسنا. هذا ما ادعى يسوع أنه جاء ليفعله:
نظرًا لأنهم لا يدركون مدى خطورة المشكلة، يبدو أن العديد من الناس يجدون صعوبة في فهم مبدأ المعاناة النيابية، ونتيجة لذلك، فإن سوء الفهم منتشر. وأحد أسباب ذلك هو تداعيات أخرى للاغتراب البشري عن الله: الفكرة الشائعة القائلة بأنه يمكننا استحقاق قبول الله من خلال تكديس وتجميع الكثير من أعمالنا الصالحة. بعد كل شيء، تعتمد أشياء كثيرة في الحياة على الجدارة -الحصول على مؤهل جامعي، ووظيفة، وترقية، وما إلى ذلك.
نتيجة لذلك، يعتقد الكثير من الناس أن “الخلاص”، إذا كان يعني أي شيء على الإطلاق، هو ببساطة نوع من الرموز الدينية التي يتعين علينا الاحتفاظ بها لكسب قبول الله، مثل المبدأ الأخلاقي المتمثل في حب قريبك كنفسك أو اتباع طقوس واحتفالات معينة. هذا يقودهم إلى محاولة جاهدة الاحتفاظ بهذا الرمز لفترة، ولكن في النهاية فقط يجدوا أن محاولة القيام بذلك يمكن أن تكون نوعًا غير سارة للغاية من العبودية. ثم يستنتجوا (بشكل صحيح، في الواقع) أن المشروع ميؤوس منه، ويستسلمون. يعتقدون أنهم فهموا المسيحية، وجربوها ووجدوا أنها لا تعمل، ورفضوها.
محادثةعلىالقطار
الصعوبة الرئيسية هنا هي مفهوم “الدين”. لقد اختبرت هذا من خلال سؤال العديد من الناس عن رأيهم في الدين. الإجماع العام هو أن الدين هو وسيلة لربط البشر بشيء يتجاوز ذواتهم، بشيء متسامٍ، باستخدام التعليم والطقوس والاحتفالات. يتكون الدين عادة من طقوس القبول في الدين -التوعية أو الإستهلال، والمسار الذي يجب اتّباعه على أساس التعليم المحدد لهذا الدين، والدخول إلى العالم على أساس الجدارة المكتسبة في المسار.
أتذكر بوضوح مناقشة هذا في مجموعة غير عادية من الظروف. كنت ألقي محاضرة في كنيسة في شمال المجر وكنت في طريقي بالقطار عبر بودابست من أجل العودة إلى الوطن من فيينا. وجدت مقعدي المحجوز في عربة من الدرجة الثانية وجلست. على الفور بدأت أشعر بعدم الارتياح بشأن المقعد -وهي تجربة لم يسبق لي أن خضتها من قبل. اعتقدت في البداية أنني كنت في المقعد الخطأ، لكن التحقق من تذكرتي أظهر أن الأمر لم يكن كذلك. ثم خطر لي أن عليّ أن أذهب وأجلس في الدرجة الأولى. أصبحت هذه القناعة قوية لدرجة أنني نزلت من العربة وسرت إلى مقدمة القطار ووجدت أن هناك عربتان من الدرجة الأولى -إحداهما كانت رديئة وقديمة، والأخرى بدت جديدة تمامًا. عندما كان القطار على وشك المغادرة، حاولت الدخول إلى العربة الجديدة اللامعة، لكنني وجدت بشكل غريب أنني لا أستطيع تحريك ساقيّ. بدأت أشعر بالذعر، معتقداً أنني أعاني من نوع من النوبات. لكن عندما استدرت نحو العربة المتهالكة، وجدت أنه يمكنني التحرك، ولذا ذهبت وجلست هناك قبل أن يخرج القطار من المحطة.
لقد استلقيت للتو على المقعد بالقرب من باب المقصورة لأن المقعدين القريبين من النافذة كانا مشغولين. في الحال شعرت بالاسترخاء والعودة إلى طبيعتي مرة أخرى، لكنني في حيرة شديدة لما حدث.
أغمضت عيني لأخذ قسطًا من الراحة وأدركت أن الرجلين في المقعدين القريبين من النافذة يتحدثان بهدوء مع بعضهما البعض بلغة لا أستطيع فهمها. بعد فترة، غيّرا لغتهما إلى اللغة الفرنسية، والتي كنت أستطيع أن أفهمها وأتحدث بها، لذلك تمنيت لهما يومًا سعيدًا وتحدثنا قليلاً حول وظائفنا. وكان كلاهما محاميين دوليين كبيرين: أحدهما سفير والآخر قاض من محكمة دولية. شرحت أنني كنت عالم رياضيات.
انتهت المحادثة وبدأت أغفو عندما قال أحدهم فجأة، “!Voyez les croix” (“انظر إلى الصلبان!”). أشار إلى مقبرة عبر النافذة ثم أطلق سؤالاً غير موجه لأحد، “هل يوجد مسيحيون في هذا البلد؟” أجبتهم بإخبارهم أن هناك بالفعل العديد من المسيحيين، وقد قضيت أسبوعاً مع بعضهم، أُعلّمهم بواسطة الكتاب المقدس.
جاء الرد: “لكن هذا ليس عقلانيًا”. “أنت عالم رياضيات؛ كيف يمكنك أن تأخذ الكتاب المقدس على محمل الجد؟ وعلى أي حال، يمكننا الاقتراب مباشرة من الله، حتى في الصحراء. لسنا بحاجة إلى وسطاء مثل يسوع ومريم لمساعدتنا”.
بعد محادثة أخرى، قلت خلالها إن إيماني المسيحي قائم على الأدلة، قال الرجل الآخر: “انظر، لدينا ثلاث ساعات أخرى في هذا القطار. هل أنت مستعد لتشرح لنا الفرق بين المسيحية وديننا؟”
سألتهما ما هو جوهر دينهما ثم نظرت حولي بحثًا عن الورق والقلم لتوضيح إجابتي. لم أجد أي شيء، لقد لاحظت أن أرضية العربة كانت مُغبّرة تمامًا ولذلك رسمت الرسم التوضيحي أدناه بإصبعي في التراب متسائلاً: “هل من العدل أن تقول إن دينك يصل إلى هذا الحد؟”
“هناك باب للاستهلال في البداية، ربما حفل من نوع ما، أو ربما يكون ولادتك في مجموعة معينة، مما يؤدي إلى بدء مسار أو طريق ما ويشير إليه الخط المتموج. لديك أشخاص لتعليمك وإرشادك (يُشار إليهم بالقبعات الأكاديمية)، والمسار يتجه صعودًا وهبوطًا وفقًا لنجاحك في اتّباع المسار. ثم تأتي عند الموت إلى تقييم نهائي، تدل عليه مقاييس العدالة حيث يتم فحص حياتك؛ وما إذا كان مسموحًا لك بالتقدم إلى عالم مجيد قادم يعتمد على أعمالك الصالحة التي تفوق أعمالك السيئة.”
“نظرًا لأنه نظام قائم على الجدارة، بغض النظر عن مدى جودة المعلمين أو المستشارين أو الأئمة أو الكهنة أو الرابيّيّن، فلا يمكنهم ضمان النجاح في التقييم النهائي. بمعنى آخر، إنها تشبه إلى حد كبير دورة جامعية: عليك أن تفي بمتطلبات أولية معينة، وتتابع الدورة، ثم تقدم الامتحانات النهائية. بغض النظر عن مدى جودة ولطف أساتذتك ومعلميك، لا يمكنهم ضمان حصولك على درجة لأن ذلك يعتمد كليًا على جدارتك في الامتحانات النهائية “.
اتفق الرجلان على أن هذا لم يكن فقط ما يؤمنان به ولكن هذا ما يعتقده جميع المتدينين -أنه جوهر الدين. ليس هذا فقط، لكنهما اتفقا أيضًا على أن الأديان تشترك في قدر كبير من التعاليم الأخلاقية.
قلت: “حسنًا، هذا يعني أنني لست شخصًا متدينًا”.
فأجابا: “لكنك قلت إنك مسيحي”.
“نعم، أنا مسيحي، وما يجب أن أقوله الآن هو إجابة مباشرة على سؤالكما الأصلي: ما الفرق بين ما أؤمن به وما تؤمنان به؟ لكن دعاني أقول أولاً إنني أتفق معكما في أن هناك الكثير من التعاليم الأخلاقية المشتركة. إليكما، على سبيل المثال، ما يُطلق عليه غالبًا “القاعدة الذهبية”، والتي تقول إحدى نسخها، “عامل الآخرين بالطريقة نفسها التي تحب أن يعاملوك بها”. ستجد ذلك في كل دين وفلسفة تحت الشمس، بما في ذلك تلك الأديان والفلسفات التي لا تؤمن بالآلهة من أي نوع.
“تنشأ الاختلافات فيما يجب أن تقوله الأديان عن علاقتك بالله أو الآلهة. يُظهر رسمي التوضيحي وجهة النظر المشتركة التي تشاركها -المسيحية -مع العديد من الآخرين. ومع ذلك، فإن الرسالة المسيحية مختلفة تمامًا. وهي لا تتألف من قبول الله القائم على الجدارة عند الدينونة النهائية. تُعلّم المسيحية شيئًا راديكاليًا تمامًا في هذه المرحلة. تُخبرنا أنه يمكن قبولنا في بداية المسار. تُعلِّم أن الخطوة الأولى ليست طقوسًا أو شعائر أو احتفالًا يتم إجراؤه على رضيع أو بالغ، ولكنها خطوة التزام تجاه شخص، وهو يسوع المسيح، يتضمن ذلك الإيمان بأنه الله المتجسد، وقد جاء إلى العالم ليبذل حياته فدية عن خطايانا، التي تبعدنا عن الله”.
في هذه المرحلة، رسمت صليبًا في المدخل في بداية الرسم الذي رسمته مُسبقاً في الغبار على الأرض.
قلت لهما: “الآن، إذا كنتما تريدان إجابتي على سؤالكما، فيُرجى الاستماع ومحاولة فهمها قبل إصدار الحكم عليها”.
قالا “استمر”.
“هذا ما قاله يسوع: من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله الحياة الأبدية. إنه لا يأتي إلى الدينونة، لكنه ينتقل من الموت إلى الحياة. “(يوحنا 5: 24). السياق هو ادعاء يسوع المذهل بأنه سيكون آخر ديان للبشرية”.
التفتُّ إلى القاضي في المقعد بجوار النافذة. وقلت: “ياسيدي القاضي، لنفترض أنني عرضت قضيتي عليك، وأنت أعلنت أني برئ؛ هل من المنطقي أن أصدّق كلامك؟”
أظهر موجة من السخط: “بالطبع” ثُمّ قال، “أنا القاضي، المقيم النهائي، وإذا قلت إنك حر، فأنت حر.”
أجبته “حسنًا، هذا هو بالضبط”. “يسوع هو أعلى قاضٍ في الكون. ويقول إننا إذا وثقنا به شخصيًا، فسوف يعلن أننا على صواب مع الله على أساس أنه دفع هو نفسه على الصليب ثمن حكم الإدانة التي تستحقها خطايانا. علاوة على ذلك، فإن الدليل على صحة هذا هو، كما قال الرسول المسيحي الأول بولس للفلاسفة في أثينا، أن الله قد أثبت ذلك للجميع من خلال إقامة يسوع من بين الأموات “.
ساد الصمت في العربة لفترة طويلة ثم قال السفير للقاضي، “هناك فرق كبير بين المسيحية وما نعتقده عادة كدين”. التفت إليّ فقال، “وكل هذا يتوقف على من هو يسوع المسيح حقًا”.
أجبته: “بالضبط”.
ثم أخبراني القصة التالية. في عطلة نهاية الأسبوع تلك كانا يحضران مؤتمراً رفيع المستوى في فيينا ووجدا أن يومهما خالٍ. طلبا سيارة من السفارة لنقلهما إلى بودابست، وبعد قضاء معظم اليوم هناك، بدءا رحلة العودة. تعطلت سيارتهما خارج محطة القطار. لم يكن لديهما خيار سوى ركوب القطار.
أوضحا، “نحن لا نسافر بالقطار، لم نقم بذلك منذ سنوات.”
“ثم نلتقي بك في القطار ونجري محادثة من النوع الذي لم نشهده من قبل، ولا حتى في الجامعات الرائدة في العالم التي حضرناها. كيف تفسر ذلك؟”
أجبتهما “بكل بساطة، أعتقد أن هناك شيئًا اسمه التوجيه الإلهي وهذا مثال على ذلك.”
أنا أروي هذه القصة ليس فقط لمساعدتنا على رؤية الفرق بين وجهات النظر التقليدية للدين وجوهر الرسالة المسيحية. أنا أرويها لإثارة نقطة مهمة أخرى. كما ترون، فإن الله لا “يوجد” فقط بطريقة أكاديمية وفلسفية. إنه حي ونشط في العالم، يعمل في حياتنا، ويتواصل معنا، ويتحدث إلينا من خلال الخليقة وفي النهاية من خلال ابنه يسوع المسيح. لقد كان لدي الكثير من “الصدف” في حياتي للقول إنها حظ أعمى؛ كان هذا اللقاء مجرد واحد من بين العديد منها.
وأنت أيها القارئ العزيز تجد نفسك تقرأ هذا الكتاب. قد يكون قد أُعطيَ لك من قبل صديق، أو التقطته عشوائيا. قد تكون لديك أسئلة عميقة عن الله، أو ربما تكون ببساطة فضوليًا. هل يمكنني أن أكون جريئًا لدرجة أن أقترح أنك تقرأ هذا لسبب ما؟ أن إله الكون قد وضعك في مكانك، وهذا الكتاب في يدك، حتى تتمكن، ربما، من الوصول إليه؟
ربما لديك، مثل كثيرين غيرك، نظرة خاطئة عن الله وكيف نتعامل معه، وهذه هي طريقته في تنبيهك إلى هذه الحقيقة. الأمر يستحق أن تفكر فيه.
كيف نُكوّن علاقة مع الله
كثيرا ما كنت أستخدم تلك الصورة[102] التي رسمتها على أرضية القطار، وأحيانًا أعزز رسالتها من خلال تكبيرها بأخرى. تخيل أنني قابلت فتاة، ووقعت في حبها وقررت أن أتقدم لها. فاقتربت منها وأعطيتها طردًا مغلفًا بالهدايا. فتسأل ما هو ثم أقول لها أن تفتحه وسأشرح. فتجد فيه كتاب طبخ شهير. فتعرب عن تقديرها، ثم أقول لها إن الكتاب مليء بالقواعد والتعليمات حول كيفية الطبخ الممتاز. الآن، أنا معجب بها حقًا وأود أن تكون زوجتي؛ ولذا أقول لها إنها إذا حافظت على القواعد والتعليمات وطهت لي بمستوى عالٍ جدًا، على سبيل المثال، للأربعين عامًا القادمة، فسأفكر في قبولها كزوجة. إذا لم يكن الأمر كذلك، يمكنها العودة إلى منزل والدتها!
إنه سيناريو سخيف بالطبع، وإذا ألقت الكتاب في وجهي ولم تتحدث معي مرة أخرى، فسوف أحصل على أقل بكثير مما أستحقه. لماذا؟ لأن اقتراحي يهينها كشخص إلى أقصى الحدود. اقتراح يقول إنني سأنتظر لسنوات لأرى كيف تؤدي في المطبخ قبل أن أقبلها زوجة.
لن نحلم أبدًا بمعاملة شخص مثل هذا. هذه ليست الطريقة التي تتشكل بها العلاقات. ومع ذلك، فإن الشيء الملحوظ هو أن هذا هو بالضبط الموقف الذي يتخذه كثير من الناس تجاه الله: إنهم يحاولون تكديس استحقاقاتهم على أمل أن ينالوا يومًا ما قبول الله، كما في إيضاحي للمسار المتموج. يمكن لأي شخص أن يرى أن هذه الطريقة لا تعمل مع زملائنا الرجال والنساء. لن تعمل مع الله أيضًا، لأن الله هو الشخص الذي خلقنا على صورته. وغالبًا ما يكون كبرياءنا هو الذي يخفي هذا عنا. من اللافت للنظر كم من الناس يبدو أنهم مستعدين للعمل من أجل الله لكسب خلاصهم، لكنهم غير مستعدين للثقة به.
يجدر التأكيد مرة أخرى: وفقًا للمسيحية، “الخلاص” يعني بالضبط ذلك -عمل من جانب الله لإنقاذ أولئك الذين لا يستطيعون مساعدة أنفسهم. في قلبها عقيدة نعمة الله الرائعة. تقول أنه، إن شاءوا، يمكن أن يُغفر لأي شخص وأن يجد حياة جديدة وصداقة مع الله -أياً ما كانوا عليه ومهما فعلوا.
إيجاد غفران الله
يقودنا هذا إلى عنصر أساسي آخر في الرسالة المسيحية التي ذكرتها في إيضاحي للمحامين في القطار: أن يسوع سيكون الدّيّان النهائي.
ادعى المسيح نفسه هذا الدور خلال حياته على الأرض وقال هذا عن كيفية عمل الدينونة:
من الواضح أن الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يمكن أن ينالوا القبول مع الله من خلال استحقاقهم ليسوا على دراية بموقفهم تجاه دينونة الله. لأننا جميعًا نعلم أننا نقصر، وأحيانًا نقصّر كثيرًا جدًا، عن معاييرنا، ناهيك عن معايير الله. كلما أخذنا شريعة الله على محمل الجد، كلما رأينا كم نحن خطاة. ومع ذلك، يأمل الكثير من الناس أنه عندما يتعلق الأمر بالدينونة، فإن الله لن يأخذ معاييره على محمل الجد، ولكن سيكون له موقف هادئ ويتستر على آثامنا ويقبلنا. هذا هو الفشل في رؤية أن قداسة الله لا يمكن ولن يتم المساس بها. معياره هو الكمال، لذا فإن الشخص الذي “يحافظ على الناموس بأكمله ولكنه يفشل في نقطة واحدة يصبح خاطئا في الكل “. (يعقوب 2: 10). والقول بأن هذا ليس عدلاً مثل القول بأنه ليس من العدل أن ينقطع رابط واحد فقط في السلسلة التي تربط السفينة بالمرساة، فتذهب السفينة على غير هدى وتضيع. هذا هو الحال في طبيعة العلاقة.
الطريقة الوحيدة لتجنب الدينونة، كما يخبرنا المسيح في محبته، هي التوقف عن محاولة الحصول على القبول بالاستحقاق والثقة بدلاً من ذلك في المسيح للخلاص. اسمحوا لي أن أكرر: لا يعتمد القبول عند الله على بلوغ مستوى الكمال الذي يستحيل على الإنسان على أي حال بلوغه. الخبر السار هو أن الخلاص الذي به يكون الله مستعدًا لقبولنا، كما يقول العهد الجديد مرارًا، “هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.” (أفسس 2: 8 -9).
ومع ذلك، مثل كل الهدايا، يجب أن يتم قبولها. وهذا لايحدث بشكل تلقائي. إنه ينطوي على التوبة ووضع ثقتنا في الله كعمل متعمد من إرادتنا. المنطق في ذلك مهم: بما أن التمرد البشري الأصلي ضد الله انطوى على عدم الثقة والتمسك بالاستقلال، فإن طريق العودة يتضمن حتمًا التوبة عن هذا الموقف، والثقة بالله وتعلم الاعتماد عليه. وهذا يشمل:
التوبة -أي تغيير القلب والفكر لإدراكنا أننا خطاة وقد أساءنا إلى الله؛ والاتفاق مع حكم الله على الخطية في حياتنا التي أضرت بنا؛ الابتعاد عن خطايانا. وإدراك أن يسوع أخذ على نفسه الدينونة التي نستحقها.
الإيمان -أي قبول المسيح من خلال عمل متعمد من الالتزام والثقة في عطية الخلاص التي لم نتمكن من كسبها أو توفيرها لأنفسنا.
يتفاعل البعض بالقول إن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، لأنه إذا كان الخلاص لا يعتمد على استحقاقنا، فيمكننا الاستمرار في العيش بمرح كما نحب وسيظل الله يقبلنا. ليس الأمر كذلك. يُظهر الشخص الذي يتخذ هذا الموقف أنه لم يبدأ في فهم معنى التوبة. لا خلاص لمن ينوي الاستمرار في الخطية.
لأنه، كما هو الحال مع الزواج -حيث، كما قلنا أعلاه، يحدث القبول في بداية العلاقة -كذلك مع المسيح؛ هو بالضبط نفس الشيء. نحن نُقبَل في اللحظة التي نتوب فيها ونثق به. بعد ذلك، نرغب في العيش لإرضائه، ليس من أجل الحصول على القبول ولكن لأننا نمتلكه بالفعل. إن القيام بخلاف ذلك يدل على أننا لم نفهم أبدًا ما يعنيه الخلاص حقًا.
بقولي، “كل هذا يتوقف على من يكون يسوع”، أدرك شريكي في المحادثة في القطار في ذلك اليوم في المجر أن قلب المسيحية هو شخص يسوع المسيح. تكون رسالتها منطقية فقط إذا كان هو الشخص الذي ادعى أنه ما هو عليه: الله المتجسد، المخلص. هذا ادعاء مذهل، ولهذا السبب قدمنا في هذا الكتاب أدلة على صحة هذا الادعاء من مجموعة متنوعة من المصادر.
في هذا الفصل، قد يبدو أننا قد ابتعدنا عن الاعتبارات العلمية السابقة، وفي الواقع، من ناحية ما لدينا. ولكن ليس تمامًا. أولاً، لأننا تقدمنا مثل كل العلم بأسلوب البحث العقلاني. ثانيًا، لأننا الآن في وضع يسمح لنا برؤية مدى نجاح المسيحية عندما نطبق مفهومًا علميًا للغاية عليها –قابلية الاختبار.
لا تزال هناك خطوة أخيرة في رحلتنا الاستكشافية …
عاشراً. الدخول إلى المعمل: إختبار حقيقة المسيحية
في العلم، يلعب اختبار الأفكار والفرضيات والنظريات الجديدة دورًا مهمًا للغاية. على سبيل المثال، عندما يقوم مهندس طيران بتصميم طائرة جديدة، يتم بناء نموذج أولي واختباره بدقة وفحصه وإعادة اختباره للتأكد من أنه يمكن الوثوق به لنقل مئات الركاب حول العالم بأمان.
في ضوء ذلك، كثيرًا ما يسألونني كيف يمكنني أن أكون عالمًا ومسيحيًا لأن كل شيء في العلم قابل للاختبار ولكن لا شيء في المسيحية كذلك. مرة أخرى، هذا التعليق ينم عن سوء فهم أساسي لكل من العلم والإيمان المسيحي. أولاً، يجب أن نتذكر أن بعض النظريات العلمية المهمة لم يتم اختبارها بعد -على سبيل المثال، توقع الراحل ستيفن هوكينج أن الثقوب السوداء تشع. يُعتقد على نطاق واسع أن أي شخص يبتكر اختبارًا يؤكد توقعات هوكينج سيفوز بجائزة نوبل.
ثانيًا، يمكن اختبار المسيحية. لقد فعلنا بالفعل قدرًا كبيرًا من ذلك على المستوى الواقعي، في التفكير في الطريقة التي تقف بها الرسالة المسيحية ضد وجهة نظر عالمية إلحادية، وفي مناقشة مصداقية الوثائق الكتابية، وفي التحقيق في أدلة القيامة.
المسيحية هي أيضًا قابلة للاختبار بشكل بارز على المستوى الشخصي. إذا لم يكن الأمر كذلك، فأنا شخصياً لن أهتم بها. كيف نختبرها؟ فكر فيما وعد به يسوع لأولئك الذين يتوبون عن خطاياهم ويثقون به للخلاص -سلام مع الله، ومغفرة، وحياة جديدة مع قوى ورغبات وفُرص جديدة، وشركة جديدة وصداقة مع الله، حب عميق لمجتمع جديد من المسيحيين، وسُبُل جديدة للخدمة، وإمكانية ازدهار الإنسان، بالإضافة إلى موارد للتعامل مع آلام الحياة ومعاناتها -كل ذلك يغمر الحياة بمعنى جديد.
ليس من الصعب اختبار ذلك.
أولاً، يمكنك قراءة العهد الجديد ومعرفة تأثير الرسالة التي جلبها يسوع والرسل على أولئك الذين تعاملوا معهم -تقديم الحب إلى غير المحبوبين، وإحضار العقل إلى غير المستقرين عقليًا، الصحة للمرضى، أمل جديد لليائسين وخلاص للمفقودين.
وما حدث بعد ذلك لا يزال يحدث الآن.
صرخةمنالمعرض
منذ فترة، كنت ألقي محاضرة في إحدى الجامعات الأمريكية الكبرى، أتحدث عن مصداقية المسيحية. بعد أن انتهيت مباشرة، في الشرفة، وقف طالب صيني وصرخ بصوت عالٍ، “انظروا إليّ!” كان الأمر مذهلاً للغاية ونظرنا جميعًا. خاطبته وقلت: لماذا ننظر إليك؟ جاء رده كالتالي: “منذ ستة أشهر كانت حياتي في حالة من الفوضى: لم أشعر بالسلام ولم أر أي مخرج. لقد تم اصطحابي إلى محاضرة ألقيتها في جامعة أخرى، وشيء قلته أثار رد فعل داخلي. بعد أسابيع قليلة أعطيت حياتي للمسيح. فقط انظر إليّ الآن!” وكان يشع بهجة يمكن أن نراها جميعًا. لقد اختبر المسيحية ووجدها صحيحة.
يمكن تكرار هذا النوع من القصص مرارًا وتكرارًا في حياة جميع أنواع الناس: مدمنو المخدرات والمديرون ذوو السلطة. السباكين وضباط الشرطة. العلماء والطلاب وعُمال نظافة الشوارع. وبروح البحث العلمي الحقيقية، يضيف كل تكرار إلى الدليل على أن المسيحية صحيحة.
غالبا ما يحدث مثل هذا نلتقي بأشخاص ويخبرونا عن مشاكلهم في العلاقات والمال وربما الكحول والمخدرات والتوتر والاكتئاب وأشياء أخرى لا حصر لها. ثم نلتقي بهم بعد ذلك ببعض الوقت ونجدهم قد تغيروا تمامًا – عادت حياتهم الزوجية، واستبدلوا الكحول والمخدرات بالطعام على المائدة، تحسنت أعصابهم، وأصبح لديهم إحساس واضح بالرفاهية والمعنى في حياتهم. نسأل ماذا حدث. قد تأخذ الإجابة أشكالاً مختلفة:
قابلت المسيح
أدركت أنه لا يوجد مخرج وشرح لي أحدهم الرسالة المسيحية وتحولت عن طرقي السيئة ووثقت بالمسيح.
لقد قرأت العهد الجديد وتم تبكيتي داخليًا، لذا التفت إلى المسيح.
أصبحت مسيحياً
عندما يرى المرء أن هذا يحدث مرارًا وتكرارًا، فليس من الصعب إضافة اثنين واثنين والحصول على أربعة. على مستوى الخبرة، هناك أدلة دامغة على قدرة المسيح على التغيير في حياة أولئك الذين يلجأون إليه للخلاص.
ما وراء الشك
الكلمة اليونانية التي اشتقت منها كلمة “متشكك” هي skeptein، والتي تعني “التحقق من على بُعد”. ومن المهم القيام بذلك من أجل تجنب الخداع. لهذا السبب قضينا الكثير من الوقت في هذا الكتاب نتحقق من الأشياء -الأسباب والحجج والأفكار والأدلة. ولكن تأتي نقطة، بعد أن نتحقق من أكبر قدر ممكن، عندما يتعين علينا التخلي عن بعدنا من أجل إحراز تقدم.
لن تتعرف عليّ أو على أي شخص آخر إذا بقيت على مسافة. إذا كنت ترغب في التعرف عليّ، فسيتعين عليك اتخاذ خطوة التخلي عن المسافة والمشاركة معي في محادثة. لا يمكنك حتى معرفة ما هي العلاقة بدون مشاركة. نفس الشيء مع الله. يمكننا ويجب علينا فحص الأشياء من مسافة بعيدة، ولكن هذه مجرد خطوة أولى. من أجل الحصول على الدليل النهائي لحقيقة المسيحية، علينا أن نتخلى عن تلك المسافة ونتوب ونثق في المسيح.
لقد اتخذت هذه الخطوة منذ أكثر من 60 عامًا واختبرت أن وعود المسيح صحيحة في كل طريق من حياتي: في عائلتي، في حياتي المهنية، وفي توضيح الرسالة المسيحية للمجتمع الأوسع. لكن تجربتي لن تفيدك. يمكنك ويجب أن تختبر هذا التحول بنفسك.[103]
التجربةالنهائية
هل يُمكن للعلم أن يفسر كل شيء؟ أعتقد أنه من الواضح تمامًا أنه لا يمكنه ذلك.
هل يختلط العلم والمسيحية؟ نعم، آمل أن أكون قد أوضحت لك أنهما يختلطان جيدًا. ومع ذلك، يجب ألا ننسى أن العلم، رغم أنه رائع، هو مجرد استكشاف للعالم من حولنا. المسيح هو الشخص الذي أوجد عالمنا وأنفسنا. من الصعب علينا إدراك حجم هذا الأمر. هذا ما قاله الرسول بولس:
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
في نهاية كتابه المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية Philosophiae Naturalis Principia Mathematica (London, 1687) كتب نيوتن:
هذا أجمل نظام للشمس والكواكب والمذنبات يمكن أن ينطلق فقط من مشورة وسيطرة كائن ذكي وقوي. هذا الكائن يتحكم في كل شيء، ليس كروح العالم، بل كسيد على الكل.[104]
يترتب على سيادته الحقيقية أن الإله الحقيقي هو كائن حي، ذكي وقوي؛ ومن كمالاته الأخرى، أنه هو الأسمى أو الأكثر كمالًا. إنه خالد ولانهائي، كلي القدرة وقادر على كل شيء؛ أي أن مدته تمتد من الأزل إلى الأبد؛ حضوره من اللانهاية إلى اللانهاية؛ إنه يحكم كل الأشياء، ويعرف كل الأشياء التي يمكن القيام بها أو التي يمكن القيام بها.[105]
خلق الله العالم وحكمه بشكل غير مرئي، وأمرنا أن نحبه ونعبده دون أي إله آخر؛ وأن نكرم آبائنا وأسيادنا، ونحب جيراننا كأنفسنا؛ وأن نكون معتدلين عادلين ومسالمين ورحماء حتى مع الوحوش المتوحشة. وبنفس القوة التي أعطى بها الحياة في البداية لكل أنواع الحيوانات، فهو قادر على إحياء الموتى، وقام بإحياء يسوع المسيح مخلصنا، الذي ذهب إلى السماء ليحصل على ملكوت، ويهيئ مكانًا لنا، وهو التالي في كرامة الله، ويمكن أن يُعبد كحمل الله، وقد أرسل الروح القدس ليعزينا في غيابه، وسيعود طويلًا ويملك علينا.[106]
على عكس التقوى الإلحاد من جهة المهنة وعبادة الأصنام من جهة الممارسة. الإلحاد أمر لا معنى له وبغيض للبشرية، لدرجة أنه لم يكن لديه أساتذة كثيرون. هل يمكن أن يكون لجميع الطيور والوحوش والرجال شكل جانبهم الأيمن والجانب الأيسر على حد سواء (ما عدا في أمعائهم)؛ وعينان فقط، وليس أكثر، على جانبي الوجه؛ وأذنان فقط على جانبي الرأس؛ وأنف بفتحتين. وإما راجلان أم جناحان أم ذراعان على الكتفين ورجلين على الوركين ولا أكثر؟ من أين ينشأ هذا التوحيد في جميع أشكالها الخارجية إن لم يكن من مشورة المؤلف واختراعه؟ من هنا تكون عيون جميع أنواع الكائنات الحية شفافة إلى الأسفل، والأعضاء الشفافة الوحيدة في الجسم، التي لها من الخارج بشرة شفافة صلبة، ومن الداخل أخلاط شفافة، مع عدسة بلورية في المنتصف، وبؤبؤ أمام العدسة، كلهم مصممين بدقة ومناسبين للرؤية بحيث لا يستطيع أي فنان إصلاحهم؟ هل علمت المصادفة العمياء أن هناك ضوءًا، وما هو انكساره، وتناسب أعين جميع المخلوقات، بأشد الطرق غرابة، للاستفادة منه؟ هذه الاعتبارات، وما شابهها، كانت دائمًا، وستسود دائمًا مع البشرية، للاعتقاد بأن هناك كائنًا صنع كل الأشياء، ولديه كل الأشياء في قوته، وبالتالي يجب أن يُهاب. لذلك، يجب أن نعترف بإله واحد، غير محدود، أبدي، كلي الوجود، كلي العلم، كلي القدرة، خالق كل الأشياء، الأكثر حكمة، الأكثر عدالة، الأكثر صلاح، الأكثر قداسة. يجب أن نحبه، نخافه، نُكرِمَهُ، نثق به، نُصلِّي له، نشكره، نحمده، نُقدِّس اسمه، نُطيع وصاياه.[107]
وعندما تقتنع، لا تخجل من الاعتراف بالحقيقة. وإلا فقد تصبح حجر عثرة للآخرين، وترث نصيب حُكّام اليهود الذين آمنوا بالمسيح، لكنهم مع ذلك كانوا يخشون الاعتراف به لئلا يُطردوا من المجمع. لذلك، عندما تقتنع، لا تخجل من الحق، بل اعترف به علانية واعمل على إقناع أخيك أيضًا أنك قد ترث في القيامة الوعد الذي قطعناه في دانيال 12: 3، أن “الْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ.” وابتهج إذا حسبت مستحقًا أن تتألم في سمعتك أو بأي طريقة أخرى من أجل الإنجيل، إذًا، “عظيم هو أجرك”![108]
الإله الأسمى موجود بالضرورة، وبنفس الضرورة فهو موجود دائمًا وفي كل مكان.[109]
الإلحاد لا معنى له. عندما أنظر إلى النظام الشمسي، أرى الأرض على مسافة مناسبة من الشمس لتلقي الكميات المناسبة من الحرارة والضوء. هذا لم يحدث بالصدفة.[110]
لدي إيمان أساسي في الكتاب المقدس باعتباره كلمة الله، التي كتبها رجال موحى بهم. انا ادرس الكتاب المقدس يوميا.[111]
أجد علامات موثوقة للأصالة في الكتاب المقدس أكثر من أي تاريخ وثني على الإطلاق.[112]
جاليليو جاليلي (1564-1642)، مؤسس الفيزياء التجريبية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
إلى الرب الذي أعبده وأشكره، الذي يحكم السماوات بجفنه إليه أعود متعبًا ولكن مليئًا بالحياة.[113]
عندما أفكر في الكثير من الأشياء الرائعة التي استوعبها الأشخاص وسعوا إليها وفعلوها، أدرك بشكل أكثر وضوحًا أن العقل البشري هو عمل الله، وواحد من أفضل الأعمال.[114]
لا يمكن للكتاب المقدس أن يخطئ والقرارات الواردة فيه صحيحة تمامًا ولا تمس. لكن مفسريها ومترجميها عرضة للخطأ من نواح كثيرة.[115]
لا يمكن للكتاب المقدس أن يتكلم بالكذب -متى ما فهمنا معناه الحقيقي.[116]
نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543)، مؤسس نموذج مركزية الشمس
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
لمعرفة أعمال الله العظيمة، لفهم حكمته وجلالته وقدرته، لتقدير العمل الرائع لشرائعه، من المؤكد أن كل هذا يجب أن يكون طريقة عبادة مرضية ومقبولة لدى العليّ، الذي لا يمكن أن يكون الجهل أكثر إرضاء له من المعرفة.[117]
لا أرغب في النعمة التي نالها بولس، ولا النية الحسنة التي غفرت بها لبطرس، ولكن فقط ما أعطيته للسارق على الصليب، تلك الرحمة التي أطلبها منك.[118]
كتب كوبرنيكوس في عمله الثوري De Revolutionibus orbium caelestium (حول ثورات الأجرام السماوية، 1543): لأنه بعد أن يتوجه إلى الأشياء التي يراها مثبتة في أحسن ترتيب ويتم توجيهها بحكم إلهي، …لأن المرتل الإلهي بالتأكيد لم يَقٌل دون مبرر أنه كان مسرورًا بأعمال الله وابتهج بأعمال يديه، إلا إذا تم نقلنا عن طريق هذه الأشياء، وبواسطة نوع من الوسائل، إلى التأمل في الصالح الأعلى.[119]
يوهانس كبلر (1571-1630)، مؤسس علم الفلك الفيزيائي والبصريات الحديثة
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
يا من زاد فينا بنور الطبيعة اشتياق إلى نور نعمتك حتى نصل من خلالها إلى نور جلالتك، أشكرك يا خالقي وإلهي، لأنك أعطيتني هذا الفرح في خليقتك، وأن أفرح بأعمال يديك.[120]
عالم الطبيعة، عالم الإنسان، عالم الله -الثلاثة جميعًا متلائمون معًا. نرى كيف اقترب الله، مثل مهندس معماري بشري، من تأسيس العالم وفقًا للنظام والقواعد، وقياس كل شيء بهذه الطريقة.[121]
بما أننا علماء الفلك كهنة للإله الأعلى فيما يتعلق بسفر الطبيعة، فإنه يليق بنا أن نكون مدركين، ليس لمجد أذهاننا، بل بالأحرى، قبل كل شيء، مجد الله.[122]
السير فرانسيس بيكون (1561-1626)، مؤسس المنهجية الاستقرائية العلمية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
هناك كتابان معروضان أمامنا للدراسة، لئلا نقع في الخطأ؛ الأول، كتب “الكتاب المقدس”، الذي يكشف عن إرادة الله؛ ثم كتاب المخلوقات التي تعبر عن قوته.[123]
صحيح أن القليل من الفلسفة يوجه عقل الإنسان إلى الإلحاد. لكن العمق في الفلسفة يجذب عقول الناس إلى الدين. لأنه بينما ينظر عقل الإنسان إلى الأسباب الثانية مبعثرة، فإنه قد يستقر فيها أحيانًا ولا يذهب أبعد من ذلك؛ ولكن عندما ينظر إلى سلسلة منهم، متحالفين ومرتبطين معًا، يجب أن يُحلِّق تجاه التدبير والعناية الإلهيين.[124]
في الفصل الأول بعنوان “الحقيقة” من مقالاته (1601)، كتب اللورد بيكون: “كان أول مخلوق الله، في أعمال الأيام، نور المعنى. وكان الأخير نور العقل. وعمله في السبت منذ ذلك الحين هو نور روحه. أولاً نفخ نور على وجه المادة أو الفوضى. ثم نفخ نوراً في وجه انسان. ولا يزال يتنفس وينفخ النور في وجه مختاره “.[125]
رينيه ديكارت (1596-1650)، مؤسس الهندسة التحليلية والفلسفة الحديثة
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
في بداية كتابه “تأملات” (1641) كتب ديكارت: “لطالما كان رأيي أن السؤالين المتعلقين بالله والروح هما رئيسان يجب تحديدهما بمساعدة الفلسفة بدلاً من اللاهوت؛ لأنه على الرغم من أنه يكفي بالنسبة لنا، نحن المؤمنين، أن نعتبر أن النفس البشرية لا تهلك مع الجسد، وأن الله موجود، إلا أنه يبدو بالتأكيد من المستحيل إقناع غير المؤمنين بواقع أي دين، أو حتى أي فضيلة أخلاقية تقريبًا، ما لم يتم إثبات هذين الأمرين للعقل الطبيعي أولاً وقبل كل شيء. وبما أنه في هذه الحياة غالبًا ما تكون المكافآت الممنوحة للرذيلة أكبر من الفضيلة، فإن القليل منهم يفضلون الحق على المفيد، إذا لم يقيدهم الخوف من الله ولا توقع حياة أخرى “.[126]
من الصحيح تمامًا أننا يجب أن نؤمن بالله، لأنه أيضًا مُعلَّم من الكتاب المقدس. من ناحية أخرى، يجب أن نؤمن بالكتب المقدسة لأنها من عند الله.[127]
وهكذا أرى بوضوح أن اليقين والحقيقة في كل العلم يعتمدان على معرفة الإله الحقيقي وحده، لدرجة أنه قبل معرفتي به، لم يكن لدي معرفة كاملة بأي شيء آخر. والآن بعد أن عرفته، فإنني أمتلك الوسائل لاكتساب معرفة كاملة تحترم أمورًا لا حصر لها، وكذلك تتعلق بالله نفسه والأشياء الفكرية الأخرى وكذلك الطبيعة الجسدية.[128]
بليز باسكال (1623-1662)، مؤسس علم توازن الموائع، والديناميكا المائية، ونظرية الاحتمالات
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
في كتابه Pensees (خواطر، 1660)، كتب بليز باسكال: “يسوع المسيح هو الله الذي نقترب منه دون كبرياء، وأمامه نتواضع بدون يأس.”[129]
لم يفعل يسوع المسيح شيئًا سوى تعليم الناس أن يحبوا أنفسهم، الذين كانوا عبيد وعميان ومرضى وبؤساء وخطاة. أن ينقذهم وينيرهم ويباركهم ويشفيهم. أن هذا سيحدث بكراهية الذات، وباتباعه من خلال الألم والموت على الصليب. بدون يسوع المسيح يجب أن يكون الإنسان في رذيلة وبؤس. مع يسوع المسيح يتحرر الإنسان من الرذيلة والبؤس. فيه كل فضائلنا وكل سعادتنا. بعيداً عنه لا يوجد سوى الرذيلة والبؤس والظلام والموت واليأس.[130]
المسيحية غريبة. إنها تطلب من الإنسان أن يدرك أنه حقير، بل ومقيت، وتطلب منه أن يكون مثل الله. بدون مثل هذا الثقل الموازن، ستجعل منه هذه الكرامة مغرور بشكل رهيب، أو سيجعله هذا الإذلال مذلًا بشكل فظيع.[131]
إن معرفة الله بدون معرفة شقاء الإنسان تُسبب الكبرياء. إن معرفة شقاء الإنسان بدون معرفة الله تُسبب اليأس. تُشكِّل معرفة يسوع المسيح الطريق الوسط، لأننا فيه نجد الله وشقائنا معًا.[132]
نحن نعرف الله فقط بيسوع المسيح. بدون هذا الوسيط تنتزع كل شركة مع الله. من خلال يسوع المسيح نعرف الله. كل أولئك الذين ادعوا أنهم يعرفون الله ويثبتونه بدون يسوع المسيح كانت لديهم براهين ضعيفة فقط. ولكن في إثبات ليسوع المسيح، لدينا النبوءات، وهي براهين صلبة وملموسة. وهذه النبوءات، التي تحققت وأثبتت صحتها بالحدث، تشير إلى يقين هذه الحقائق، وبالتالي، لاهوت المسيح. إذًا به، ومن خلاله نعرف الله.[133]
لا نعرف الله فقط بيسوع المسيح، ولكننا نعرف أنفسنا فقط بيسوع المسيح. نحن نعرف الحياة والموت فقط من خلال يسوع المسيح. باستثناء يسوع المسيح، لا نعرف ما هي حياتنا ولا موتنا ولا الله ولا أنفسنا. وهكذا بدون الكتاب المقدس، الذي كان يسوع المسيح وحده هو موضوعه، لا نعرف شيئًا، ولا نرى سوى الظلام والاضطراب في طبيعة الله وفي طبيعتنا.[134]
هناك طريقان لإثبات حقائق ديننا؛ واحد بقوة العقل، والآخر بسلطة المتكلم. نحن لا نستفيد من الأخير، بل الأول. نحن لا نقول: يجب أن نصدق هذا، لأن الكتاب المقدس الذي يقوله هو إلهي. لكننا نقول إنه يجب تصديقه لسبب كذا وكذا، وهي حجج واهية، لأن العقل قد ينحني على كل شيء.[135]
سير مايكل فاراداي (1791-1867)، مؤسس المبادئ الكامنة وراء الإلكترونيات والكهرومغناطيسية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
أنحني أمام رب الكل، وأتمنى أن أبقى منتظراً بصبر لوقته وطريقته في إطلاق سراحي حسب كلمته الإلهية والوعود العظيمة والثمينة التي بموجبها يكون شعبه شركاء في الطبيعة الإلهية.[136]
كتاب الطبيعة الذي يجب أن نقرأه مكتوب بإصبع الله.[137]
قال فاراداي في إحدى عظاته (لندن، 7 يوليو 1861): “وبالتالي، أيها الإخوة، يجب علينا أن نقدر امتياز معرفة حقيقة الله إلى أبعد من أي شيء يمكننا الحصول عليه في هذا العالم. كلما رأينا كمال شريعة الله قد تحقّق في المسيح، يجب علينا أن نشكر الله على هديته التي لا توصف.[138]
وعن طبيعة الكنيسة المعاصرة في إحدى عظاته (7 يونيو 1863)، قال فاراداي: “فكروا لحظة أيها الإخوة في كنيسة المسيح، في معناها وما يجب أن تكون عليه. حيثما تكلمت كلمة الله، هناك اجتمع شعبه. في الشركات الصغيرة (ويمكن أن نعتبر أن هناك الكثير من هؤلاء منتشرين في جميع أنحاء العالم ولا نعرف شيئًا عنهم)، مجتمعين من العالم، لطاعة كل الأشياء التي أوصى بها المسيح.[139]
وعلى الرغم من أن فكرة الموت تأتي بفكرة الدينونة التي هي فوق كل المشاكل التي تنشأ عن قطع الروابط الأرضية، إلا أنها تجلب للمسيحي أيضًا فكرة الذي مات، حُكم عليه وقام من جديد لتبرير أولئك الذين يؤمنون به.[140]
السير جيمس كليرك ماكسويل (1831-1879)، مؤسس الديناميكا الحرارية الإحصائية
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
وفقًا لموسوعة بريتانيكا (1997): “يعتبر معظم الفيزيائيين المعاصرين جيمس كليرك ماكسويل أكثر علماء القرن التاسع عشر تأثيراً على فيزياء القرن العشرين؛ تم تصنيفه مع السير إسحاق نيوتن وألبرت أينشتاين نظرًا للطبيعة الأساسية لإسهاماتهم”.
الله القدير، يا من خلقت الإنسان على صورتك، وجعلته روحًا حية تسعى وراءك وتسيطر على مخلوقاتك، علِّمنا أن ندرس أعمال يديك حتى نخضع الأرض لاستخدامنا، ونقوي عقولنا لخدمتك؛ ولكي نقبل كلمتك المباركة، حتى نؤمن بمن أرسلته ليمنحنا معرفة الخلاص وغفران خطايانا. كل ما نطلبه باسم شخص يسوع المسيح ربنا.[141]
أعتقد أنه كلما دخلنا معًا في عمل المسيح، سيكون لديه مساحة أكبر ليعمل عمله فينا. لأنه يرغب دائمًا في أن نكون واحدًا حتى يكون واحدًا معنا. عبادتنا اجتماعية، وسيكون المسيح حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه.[142]
أعتقد أن رجال العلم وكذلك الرجال الآخرين بحاجة إلى التعلم من المسيح، وأعتقد أن المسيحيين الذين أذهانهم علمية ملزمون بدراسة العلوم التي قد تكون رؤيتهم لمجد الله واسعة بقدر ما يمكن لوجودهم أن يفعله.[143]
في رسالة إلى زوجته (ديسمبر 1873)، كتب ماكسويل: “أنا معك دائمًا في الروح، ولكن يوجد شخص أقرب إليك وإليّ أكثر مما يمكن أن نكون عليه من بعضنا البعض، ومن خلاله فقط يمكننا أن نتعرف حقًا على بعضنا البعض. دعينا نحاول أن ندرك السر العظيم في الإصحاح الخامس من رسالة أفسس، وبعد ذلك سنكون في وضعنا الصحيح فيما يتعلق بالعالم الخارجي، الرجال والنساء الذين أتى المسيح ليخلصهم من خطاياهم.”[144]
في رسالة إلى زوجته (23 يونيو 1864)، كتب ماكسويل: “فكّري فيما قرر الله أن يفعله لكل أولئك الذين يسلمون أنفسهم لبرّه ومستعدون لتلقي هبته. يجب أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه، وعندما يتم ذلك، ويرى الله أنهم مشابهون لصورة المسيح، لا يمكن أن تكون هناك إدانة فيما بعد، لأن هذا هو المديح الذي يمنحه الله بنفسه، ودينونته عادلة”.[145]
لورد كيلفن (1824-1907)، مؤسس الديناميكا الحرارية وعلم الطاقة
كتاب هل يستطيع العلم تفسير كل شيء؟ جون لينوكس – ترجمة وتعليق مينا مكرم
أغلق اللورد كلفن (السير ويليام طومسون) خطابه الرئاسي أمام الجمعية البريطانية لتقدم العلوم (إدنبرة، أغسطس 1871) على النحو التالي: “البراهين القوية للغاية على التصميم الذكي والخيري تكمن في كل مكان حولنا؛ وإذا كانت الحيرة، سواء كانت ميتافيزيقية أو علمية، تبعدنا عنها لبعض الوقت، يعودون إلينا بقوة لا تقاوم، ويظهرون لنا من خلال الطبيعة تأثير الإرادة الحرة، ويعلموننا أن جميع الكائنات الحية تعتمد على خالق وحاكم واحد دائم التصرف”.[146]
قال السير ويليام طومسون في محاضرته الأولى في “الدورة التمهيدية للفلسفة الطبيعية”: “نشعر أن قوة التحقيق في القوانين التي وضعها الخالق للحفاظ على انسجام أعماله واستمراريتها هي أسمى امتياز منحه لحالتنا الفكرية. مع زيادة عمق رؤيتنا لأعمال الله الرائعة، يزداد بقوة شعورنا بالرهبة والتبجيل في التأمل فيها والسعي إلى الاقتراب من مؤلفها”.[147]
الفكرة الإلحادية غير منطقية لدرجة أنني لا أستطيع أن أصفها بالكلمات.[148]
[4] لم أكن أعرف ذلك في ذلك الوقت، لكن الغريب أن بيرجسون، الذي كان يهوديًا، تحرك في السنوات اللاحقة نحو وجهات النظر الأرثوذكسية عن الله، وفي وصيته عام 1937، اعترف بأنه كان سيتحول إلى المسيحية لولا الموجة المتزايدة من معاداة السامية في أوروبا.
[5] فقاً لـ 100 Years of Nobel Prizes (2005) بواسطة Baruch Aba Shalev في مراجعة لجوائز نوبل الممنوحة بين عامي 1901 و2000، حدد 65.4 ٪ من الحائزين على جائزة نوبل المسيحية في أشكالها المختلفة على أنها تفضيلهم الديني (423 جائزة). بشكل عام، فاز المسيحيون بما مجموعه 78.3٪ من جميع جوائز نوبل للسلام، و72.5٪ في الكيمياء، و65.3٪ في الفيزياء، و62٪ في الطب، و54٪ في الاقتصاد، و49.5٪ من جميع جوائز الأدب.
[6] Sean Carroll, The Big Picture (Penguin Random House, 2016), p 3-5.
[10] كتب جاليلو في مقدمة رسالته للدوقة كريستينا: “منذ بضع سنوات، وكما تعلمي سموك، اكتشفت في السماء أشياء كثيرة لم نشهدها قبل عصرنا. حداثة هذه الأشياء، وكذلك بعض النتائج المترتبة عليها بما يتعارض مع المفاهيم المادية الشائعة بين الفلاسفة الأكاديميين، أثارت ضدي عددًا لا يُحصى من الأساتذة -كما لو كنت قد وضعت هذه الأشياء في السماء بيدي من أجل قلب الطبيعة وقلب العلوم. يبدو أنهم نسوا أن زيادة الحقائق المعروفة تُحفِّز التحقيق في الفنون وتأسيسها ونموها؛ لا الانتقاص منها أو تدميرها. أظهروا ولعًا أكبر بآرائهم الخاصة أكثر من اهتمامهم بالحقيقة سعوا إلى إنكار ودحض الأشياء الجديدة التي، إذا كانوا قد اهتموا بالبحث فيها بأنفسهم، لكانت حواسهم قد أظهرتها لهم. ولهذه الغاية وجهوا تُهمًا مختلفة ونشروا العديد من الكتابات المليئة بالحجج الباطلة، وارتكبوا خطأً فادحًا برشها بمقاطع مأخوذة من أماكن في الكتاب المقدس لم يفهموها بشكل صحيح، والتي كانت غير مناسبة لأهدافهم.”
ربما لم يكن هؤلاء الرجال ليقعوا في مثل هذا الخطأ لو أنهم انتبهوا إلى تعاليم القديس أغسطينوس الأكثر فائدة، فيما يتعلق بإدلائنا بتصريحات إيجابية حول أشياء غامضة ويصعب فهمها عن طريق العقل وحده. بالحديث عن استنتاج مادي معين عن الأجرام السماوية، كتب أغسطينوس: “الآن مع الحفاظ دائمًا على احترامنا للاعتدال في التقوى المتزنة، يجب ألا نصدق أي شيء غير مُستحسن في نقطة مشكوك فيها، لئلا بتأييد خطأنا نتصور تحيزًا ضد شيء قد تكشفه الحقيقة في النهاية على أنه لا يتعارض بأي شكل مع الكتب المقدسة سواء في العهد القديم أو العهد الجديد.“
[11] كتب أيضاً في رسالته للدوقة كريستينا: “إصرارهم على تصميمهم الأصلي لتدميري وتدمير كل ما يخصني بأي وسيلة يمكنهم التفكير بها، هؤلاء الرجال على دراية بآرائي في علم الفلك والفلسفة. إنهم يعلمون أنه فيما يتعلق بترتيب أجزاء الكون، فإنني أعتبر أن الشمس تقع بلا حراك في مركز دوران الأجرام السماوية بينما تدور الأرض حول الشمس. وهم يعرفون أيضًا أنني أؤيد هذا الموقف ليس فقط بدحض حجج بطليموس وأرسطو، ولكن أيضًا من خلال تقديم العديد من الحجج المضادة؛ على وجه الخصوص، بعضها يتعلق بالآثار الفيزيائية التي ربما لا يمكن تحديد أسبابها بأي طريقة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، هناك حجج فلكية مستمدة من أشياء كثيرة في اكتشافاتي السماوية الجديدة التي تدحض بوضوح النظام البطلمي بينما تتفق بشكل مثير للإعجاب مع الفرضية المعاكسة وتؤكدها. ربما لأنهم منزعجون من الحقيقة المعروفة لمقترحاتي الأخرى التي تختلف عن تلك المقترحات الشائعة، وبالتالي لا يثقون في دفاعهم طالما أنهم يحصرون أنفسهم في مجال الفلسفة، هؤلاء الرجال قرروا اختلاق درع لمغالطاتهم من عباءة الدين وسُلطة الكتاب المقدس. إنهم يطبقونها بقليل من الحكم على تفنيد الحجج التي لا يفهمونها ولم يستمعوا إليها.”
[12] كتب جاليليو أيضاً في رسالته السابق ذكرها: “لدينا من فم الروح القدس أن الله قد سلم العالم للنزاعات، حتى لا يتمكن الإنسان من معرفة العمل الذي قام به الله من البداية حتى النهاية. (جامعة 3: 11) في رأيي، لا ينبغي لأحد، على عكس هذا القول الفصل، أن يُغلق الطريق أمام الفلسفة الحرة حول الأشياء الدنيوية والمادية، كما لو أن كل شيء قد تم اكتشافه بالفعل وكُشِفَ عنه على وجه اليقين. ولا ينبغي اعتبار عدم الاكتفاء بتلك الآراء الشائعة أمرًا متهورًا. لا ينبغي ازدراء أي شخص في الخلافات المادية لعدم التمسك بالآراء التي ترضي الآخرين بشكل أفضل، خاصة فيما يتعلق بالمشكلات التي نوقشت بين أعظم الفلاسفة لآلاف السنين. أحد هذه العوامل هو استقرار حركة الشمس على الأرض، وهي عقيدة يؤمن بها فيثاغورس وجميع أتباعه، بواسطة هيراكليدس بنطوس (الذي كان أحدهم)، وفيلولاوس، معلم أفلاطون، وأفلاطون نفسه وفقًا لـ أرسطو.”
[13] كتب جاليليو أيضاً: “أعلن (وسيظهر إخلاصي نفسه) ليس فقط أنني أعني الخضوع بحرية والتخلي عن أي أخطاء قد أقع فيها في هذا الخطاب من خلال الجهل بالأمور المتعلقة بالدين، لكني لا أرغب في هذه الأمور في الخوض في خلافات مع أي شخص، حتى في النقاط محل الخلاف. هدفي هو هذا وحده. أنه من بين الأخطاء التي قد تكثر في هذه الاعتبارات لموضوع بعيد عن مهنتي، إذا كان هناك أي شيء يمكن أن يخدم الكنيسة المقدسة في اتخاذ قرار بشأن النظام الكوبرنيكي، يمكن أخذه واستخدامه على النحو الذي يبدو أفضل للرؤساء. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فليُمزّق كتابي ويُحرَق، فأنا لا أنوي ولا أتظاهر أن أستفيد منه أي نتيجة ليست من التقوى والكاثوليكية. وعلى الرغم من أن الكثير من الأشياء التي سأعزم على توبيخها قد سمعتها بأذني، إلا أنني سأمنح من تحدثوا بها بكل حرية أنهم لم يقلوها أبدًا، إذا كان هذا هو ما يريدونه، وسأعترف بنفسي أنني كنت مخطئًا. فليتوجه كل ما أردته ليس إليهم، بل لمن كان لديه مثل هذه الآراء.
إن سبب إدانة الرأي القائل بأن الأرض تتحرك والشمس ثابتة أنه في العديد من الأماكن في الكتاب المقدس يمكن للمرء أن يقرأ أن الشمس تتحرك والأرض ثابتة. لأن الكتاب المقدس لا يمكن أن يخطئ. ويترتب على ذلك كنتيجة ضرورية أن من يؤكد أن الشمس بطبيعتها بلا حراك والأرض متحركة فهو يتخذ موقفًا خاطئًا وهرطوقيًا.
فيما يتعلق بهذه الحجة، أعتقد في المقام الأول أنه من التقوى أن نقول ومن الحكمة التأكيد على أن الكتاب المقدس لا يمكن أبدًا أن يتكلم بالكذب -عندما يُفهم معناه الحقيقي. لكنني أعتقد أنه لا أحد سينكر أنه غالبًا ما يكون شديد التعقيد، وقد يقول أشياء مختلفة تمامًا عما تدل عليه كلماته المجردة. ومن ثم في شرح الكتاب المقدس، إذا كان على المرء أن يحصر نفسه دائمًا في المعنى النحوي غير المزخرف، فيمكن للمرء؛ الوقوع في الخطأ.”
وأضاف عن سابقه كوبرنيكوس: “كوبرنيكوس لم يُناقش أبدًا مسائل الدين أو العقيدة، ولا يستخدم حجة تعتمد بأي شكل من الأشكال على سلطة الكتابات المقدسة التي ربما يكون قد فسرها بشكل خاطئ. إنه يقف دائمًا على الاستنتاجات الفيزيائية (المادية) المتعلقة بالحركات السماوية، ويتعامل معها من خلال البراهين الفلكية والهندسية، التي تأسست أساسًا على الخبرات الحسية والملاحظات الدقيقة للغاية. لم يتجاهل الكتاب المقدس، لكنه كان يعلم جيدًا أنه “إذا تم إثبات تعاليمه، فلن تتعارض مع الكتب المقدسة عندما يتم فهمها بشكل صحيح.” “
[14] C.A. Russell, “The Conflict Metaphor and Its Social Origins”, Science and Christian Belief, 1 (1989), p 3 -26.
[15] S. Hawking and L. Mlodinow, The Grand Design (Bantam Books, 2010), p 5.
[16] رد أخر على هذا هو أن بيان “العلم هو السبيل الوحيد للحقيقة” بيان يدحض ذاته فهو لم يتم استخلاصه من تجارب معملية وإذا كان البيان صحيحاً في معناه فسيكون بيان خاطئ بسبب أنه لم يتم استخلاصه من العلم ذاته بل هو بيان عقلي “فوق علمي” يمكن اختبار صحته بالوسائل العقلية المنطقية.
[27] رد أينشتاين على رسالة تلميذة في عام 1936 والتي سألته: “هل يصلّي العلماء؟” قال أينشتاين أيضًا في نفس الرسالة، “كل من يشارك بجدية في السعي وراء العلم يصبح مقتنعًا بأن الروح تتجلى في قوانين الكون-روح تتفوق كثيرًا على روح الإنسان، وواحد امامه يجب أن نشعر بالتواضع نظراً لقدراتنا البسيطة”. goo.gl/m9Shk2
[28] Dorothy Sayers, “The Lost Tools of Learning” in Ryan N.S. Topping (ed), Renewing the Mind (Catholic University of America Press, 2015), p 230.
[29] Stephen Hawking and Leonard Mlodinow, The Grand Design (Bantam Press, 2010), p 180.
[30] Stephen Hawking, A Brief History of Time (Bantam Press, 1988), p 174.
[31] إنني أدرك جيدًا أن الاعتبارات الفوضوية (الحساسية للظروف الأولية) تجعل هذا التنبؤ مستحيلًا عمليًا على الإطلاق باستثناء عدد قليل من الارتدادات الأولى للكرة.
[32] Clive Cookson, “Scientists who glimpsed God”, Financial Times, April 29, 1995, p 50.
[35] هذا السؤال خاطئ منطقيّاً ويُسمّى بمغالطة السؤال المشحون أو السؤال المركب loaded question complex question))، فهو يفترض أن الله مخلوق مسبقاً.
السؤال المشحون أو المركَّب هو تكنيك يعمد إلى دس «فروض مسبقة» presuppositions غير مبرَّرة وغير داخلة في التزامات الخصم، داخل سؤال واحد، بحيث إنَّ أي جواب مباشر يعطيه المجِيب يوقعه في الاعتراف بهذه الفروض، والمثال التقليدي على المغالطة.
«هل توقَّفت عن ضرب زوجتك؟»
فأيًّا ما كان الجواب، نعم أو لا، فإن المجيب يعترف بالفرض المسبق وهو أنه كان في وقتٍ ما يضرب زوجته، حين يكون هذا الفرض المسبق كاذبًا أو غير مبرهن عليه يكون هذا مثالًا لمغالطة السؤال المركب أو الملغوم، إنه شَرَكٌ أو أحبولة؛ لأنه يُضيِّق على المُجيب نطاق الخيارات إلى صنف واحد من الإجابة المباشرة، أو عدد ضئيل من احتمالات الجواب المباشر من شأنها جميعًا أن تزعزع موقفَه في الحوار.
انظر أيضًا إلى هذا السؤال المفخخ:
«متى أقلعت عن تعاطي المخدرات؟»
إنه مَصوغٌ بحيث يتضمن داخله عبارتين أخريين لم تتم البرهنة عليهما، ويسلِّم بهاتين القضيتين تسليمًا دون دليل؛ أي أنه ينطوي على «مصادرة على المطلوب» petitio principii؛ لأنه يفترض مسبقًا أجوبةً محددة عن أسئلةٍ سابقة غير مصرح بها، مثل هذا السؤال لا يمكن الرد عليه ببساطة بالإيجاب أو بالامتناع، إنه ليس سؤالًا بسيطًا بل يتركب من عدة أسئلة معبأة معًا في سؤال واحد:
(1) هل كنت تتعاطى المخدرات فيما مضى؟
(2) وإذا كنتَ قد تعاطيتَ المخدرات فهل توقفتَ عن التعاطي؟
[61] وفقاً لبروفيسور العهد القديم والعبرية الكتابية جاك كولينز
John Collins, Genesis 1–4 (P&R publishing, 2012), p 51.
[62] إذا كنت مهتمًا بقراءة فهمي للفصول الأولى من سفر التكوين، يرجى الاطلاع على كتابي Seven Days That Divide the World الأيام السبعة التي تقسم العالم. نحن نعمل على ترجمته في الوقت الحالي.
[68] قال أنتوني فلو: “إن الأدلة على القيامة أفضل من أدلة المعجزات المزعومة في أي دين آخر. إنها مختلفة بشكل مذهل من حيث الجودة والكم”
Gary R. Habermas, “My Pilgrimage from Atheism to Theism: An Exclusive Interview with Former British Atheist Professor Antony Flew.”
[69] يوجد اعتراض أخر على المعجزات وهو أنه لو لم يصنع الله المعجزات سابقاً فلا يمكن أن يصنع المعجزات حالياً أو إذا لم يصنع المعجزات حالياً فلا يمكن أن يكون قد صنعها سابقاً وهو مبني على جمع العينات من الماضي والقول إنه بما أن المعجزات لم تحدث في الماضي فلا يمكن لها أن تحدث الآن او العكس إذا لم تحدث الآن فلا يمكن أن تكون قد حدثت في الماضي وهذا الإعتراض خاطئ من وجهين. أولهما، انه يفترض أن لدينا كل العينات من الماضي والحاضر مع تحليلها واثبات ان جميع ادعاءات المعجزة غير صحيحة وهو أمر لم يحدث أبداً إلا إذا كان المعترض لا يؤمن بالمعجزات بشكل مُسبق فيفترض بناءاً على رفضه المسبق أن جميع ادعاءات المعجزة باطلة. أما ثانيهما أن هذا الإعتراض مغالطة منطقية تُعرف بمغالطة المُقامر يمكنكم القراءة عنها من هنا.
[70] إذا لم يكن الله موجوداً فلا يمكن ان تكون لدينا أي فكرة عما هو الشر من الأساس.
[71]Suffering Life’s Pain: Facing the Problems of Moral and Natural Evil (Myrtlefield House, 2018).
[72] “على الرغم من هذا النطاق الهائل من الآراء، هناك العديد من النقاط التي يتفق عليها جميع علماء العصور القديمة تقريبًا. كان يسوع رجلاً يهوديًا معروفًا بكونه واعظًا ومعلمًا، وقد صُلِب (شكل روماني للإعدام) في أورشليم في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس، عندما كان بيلاطس البنطي حاكمًا على اليهودية. على الرغم من أن هذه هي وجهة نظر كل باحث مدرب على هذا الكوكب تقريبًا، إلا أنها ليست وجهة نظر مجموعة من الكتاب الذين عادةً ما يطلق عليهم، وغالباً ما يطلقون على أنفسهم، أسطوريون.”
Ehrman, Did Jesus Exist? , An Introduction to the Mythical View of Jesus. p. 14.
[73]“Sources and Methods” in The Cambridge Companion to Jesus (Cambridge University Press, 2001), p 124.
[74] ولمقدمة عن صمت المعاصرين عن ذكر يسوع يمكنك قراءة المقال على الرابط التالي:
[75] يُمكن للمهتم بالنقد النصي للعهد الجديد متابعة مدونة النموذج لصاحبها جورج ناصر فهي مُتخصصة في هذا المجال.
[76] J. and S. McDowell, Evidence That Demands a Verdict (Harper Collins, 2017), p 55 -60.
[77]Our Bible and the Ancient Manuscripts (Harper, 1958), p 55.
[78] A.N. Sherwin-White, Roman Society and Roman Law in the New Testament (Clarendon Press, 1963), p 189.
للحصول على باحث كلاسيكي أحدث يشير إلى نقاط مماثلة، انظر:
Mark D. Smith, The Last Days of Jesus (Lutterworth, 2017).
[79] هناك العديد من المصادر المتعلقة بيسوع، بما في ذلك روايات القرن الأول الأربعة، والعديد من الرسائل من بولس، وعمل يوسيفوس، الذي يصف العديد من الناس والأحداث في ذلك الوقت. لمزيد من المعلومات حول القضايا النصية، راجع المناقشة في
Stewart (ed.), The Reliability of the New Testament (Fortress, 2007).
لمناقشة أهمية التقليد الشفهي، انظر:
Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses; and D. Wenham, Did St Paul Get Jesus Right? (Lion, 2010).
[80] على الرغم من أن العلماء يعتقدون أن روايته ربما تم تزيينها لاحقًا، إلا أن الإجماع العام هو أن النص الأصلي احتوى على إشارة حقيقية إلى إعدام يسوع.
[81] مينا مكرم، تاريخ يسوع: القضية التاريخية بوجوده وصلبه وقيامته، 7-9.
[85] كتب عالم العهد الجديد اليهودي جيزا فيرميش: “لكن في النهاية، عندما يتم النظر في كل حجة ووزنها، يجب أن يكون الاستنتاج الوحيد المقبول للمؤرخ أن آراء الأرثوذكس، والليبرالي المتعاطف واللاأدري النقدي على حد سواء -وربما التلاميذ أنفسهم -هم ببساطة تفسيرات للحقيقة المربكة: أي أن النساء اللواتي انطلقن لتقديم احترامهن الأخير ليسوع وجدن في رعبهن، ليس جسداً، بل قبرًا فارغًا”.
Geza Vermes, Jesus the Jew: A historian’s Reading of the Gospels (Fortress Press; 1st Fortress Press ed edition April 1, 1981), 41.
[86] قبل ذلك، كان من الممكن أن تُنقل روايات يسوع من خلال التقليد الشفهي، والتي كانت الطريقة الرئيسية التي تم بها حفظ الأفكار المهمة ونقلها في المجتمعات غير المتعلمة.
City Lives: True Stories of Changed Lives from the Workplace by Marcus Nodder (10 Publishing, 2018). يروي قصص العديد من الرجال والنساء الذين آمنوا بالمسيح
[104] Newton, Isaac. 1687. Philosophiae Naturalis Principia Mathematica. First edition. London: Printed by Joseph Streater by order of the Royal Society, 504.
[106] Newton, as cited in Memoirs of the Life, Writings, and Discoveries of Sir Isaac Newton by Sir David Brewster, Edinburgh, Thomas Constable and Co., 1855, Vol. II, 354.
[117] Neff, Merlin L. The Glory of the Stars. Mountain View, California: Pacific Press Publishing Association, 1952, 191-92.
[118] Trepatschko, Anatoly. “Scholars Speak of God,” in Orthodox Life, Vol.44, No.6, November – December. New York: Jordanville, 1994.
[119] Copernicus, Nicolaus. De revolutionibus orbium caelestium (On the Revolutions of the Celestial Spheres). Thorn: Societas Copernicana, 1873, 10-11.
[120] Beer, Arthur, and Peter Beer, eds. Kepler: Four Hundred Years. (Proceedings of conferences held in honour of Johannes Kepler). Oxford: Pergamon Press, 1975, 526.
[121] Tiner, John Hudson. Johannes Kepler: Giant of Faith and Science. Milford, Michigan: Mott Media, 1977, 172.
[126] Descartes, Rene. The Philosophy of Descartes: Containing the Method, Meditations, and Other Works. Translated by John Veitch. New York: Tudor Publishing Co, 1901, 206.
[127] Descartes, Rene. “Les Meditations,” in The Meditations and Selections from the Principles of Rene Descartes. La Salle, Illinois: Open Court Publishing Co, 1950, 2.
[129] Pascal, Blaise. Pensees (Thoughts). Translation – W. F. Trotter. The Harvard Classics, Vol. 48. Ed. Charles W. Eliot. New York: P. F. Collier & Son. (1st Edition – 1660), 1910, 173.
[136] Jones, Henry Bence. The Life and Letters of Faraday, Vol. II. London: Longmans, Green, and Co. 1870, 471.
[137] Seeger, Raymond. “Faraday, Sandemanian,” in The Journal of the American Scientific Affiliation, 35 (June 1983): 101. The American Scientific Affiliation. 1983, 101.
[138] Eichman, Phillip. “The Christian Character of Michael Faraday as Revealed in His Personal Life and Recorded Sermons,” in Perspectives on Science and Christian Faith, 43 (June 1993): 92-95. The Journal of the American Scientific Affiliation. 1993, 93-94.
[146] Seeger, Raymond. “Kelvin, Humble Christian,” in The Journal of the American Scientific Affiliation, 37 (June 1985): 99-101. The American Scientific Affiliation. 1985a, 100.101.
على الرغم من أن الإنجيل الثاني لا يذكر من كتبه، إلا أن مسيحيي القرن التالي لم يكن لديهم أدنى شك. كان رأيهم بالإجماع أن مَرقُس كتبه على أساس المعلومات التي قدمها بطرس. وقت كتابته حوالي عام 110 م في هيرابوليس في آسيا الصغرى، قال بابياس، “سامع يوحنا”:
مرقس. . . بعد أن كان مترجم بطرس، كتب. . . كل ما تذكره مما قاله الرب أو فعله. لأنه لم يسمع الرب ولم يكن من أتباعه بل في وقت لاحق. . . من بطرس. (مقتبس في تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 3. 39)
وهذا أيضًا رأي يوستينوس الذي كتب في روما حوالي 150 م، ورأي إيريناوس في بلاد الغال حوالي 170 م وإكليمندس السكندري حوالي 180 م. ولكن هل كان بطرس ومرقس قادرين على كتابة إنجيل مرقس؟ يعتقد العديد من العلماء المعاصرين الآن أن هذا الإنجيل، على الرغم من بساطته الواضحة، هو قطعة أدبية عميقة ومكتوبة بمهارة. هل كان قوم متواضعون مثل بطرس ومرقس قادرين على إنشاء وثيقة كهذه؟
بطرس ويوحنا مرقس
هل كان بطرس هو الشخص الفقير والأمي الذي يُفترض في كثير من الأحيان أنه كان كذلك؟ في الواقع، كان يشارك في صيد الأسماك (لوقا 5: 10)، وكان يمتلك، مع أخيه أندراوس، منزلاً في كفرناحوم (مرقس 1: 29). اسمه الأصلي، سمعان، هو اسم يوناني؛ جاء من منطقة جليل الأمم، وهي منطقة ثنائية اللغة. نظرًا لأنه كان شخصًا ذا إمكانيات متواضعة على الأقل، فقد يُفترض أنه كان متعلمًا، لأن الناس من فئته الاجتماعية والاقتصادية كانوا متعلمين عادةً إلى حد ما.
بعد فترة من قيامة يسوع، انتقل بطرس إلى أورشليم، حيث ظل لمدة عشر سنوات (33-43) زعيمًا للجماعة المسيحية في أورشليم والمتحدث باسمها أمام الجموع (أعمال الرسل 2: 14-42؛ 3: 12-26) وكذلك لرؤساء الكهنة (أعمال الرسل 4: 8-12؛ 5: 29-32). لا شك أن بعض التطور الشخصي والفكري حدث عندما انتقل بطرس من شركة صيد الأسماك في كفرناحوم إلى أورشليم، عاصمة العالم للشعب اليهودي، حيث شارك في أنشطة مثل القيادة والوعظ والتعليم (أعمال الرسل 2: 40، 42؛ 6: 2).
لكن خلال هذه الفترة، لم يكن بطرس محصوراً في أورشليم؛ بعد مقتل إسطفانوس وتشتت المسيحيين الهيلينيين، سافر بطرس (مع يوحنا زبدي) إلى السامرة (أعمال الرسل 8: 14-25) للتحقق من كرازة فيليبس للسامريين وتعزيزها. في وقت لاحق، زار مجموعات مسيحية في لُدة ويافا (أعمال الرسل 9: 32-43)، وربما زار مجموعات أخرى في الشريط الساحلي ثنائي اللغة من أزوت إلى قيصرية حيث كان فيليبس نشطًا (أعمال الرسل 8: 40). في النهاية جاء إلى قيصرية، المدينة الحامية الرومانية حيث استقر فيليبس (أعمال الرسل 8: 40؛ 21: 8) وتحدث في منزل مسئول روماني كبير، كرنيليوس (أعمال الرسل 10: 24-48).
في حوالي 43 م، انتقلت قيادة كنيسة أورشليم إلى يعقوب، شقيق الرب، منذ أن أجبر بطرس على الفرار بسبب اضطهادات هيرودس أغريباس (أعمال الرسل 12: 1-3، 17).
ومع ذلك، فقد بقي في مدار كنيسة أورشليم، يشار إليه على أنه أحد “أعمدتها”، على الرغم من أنه بحلول ذلك الوقت (حوالي 47) ورد اسمه بعد اسم يعقوب (غلاطية 2: 9).
في اجتماع “القمة” التبشيري حوالي 47 م (غلاطية 2: 7-9) تم الاتفاق على أن يذهب بطرس ويعقوب ويوحنا إلى اليهود بالرسالة المسيحية. من الواضح أن هذا ما شرع بطرس في فعله. نسمع عنه في أنطاكية حوالي 49 م (غلاطية 2: 11-14) وفي كورنثوس حوالي 53 م (1 كورنثوس 1: 12؛ 9: 5). يبدو أن الرسالة الأولى لبطرس قد كُتبت من روما (بطرس الأولى 5: 13 “بابل” = روما) في أوائل الستينيات.
إن قصة بطرس هي قصة رائعة. بدأ كصياد مغمور في كفرناحوم النائية وعندما سُمِعَ عنه آخر مرة كان في روما، عاصمة الإمبراطورية. في العقود الثلاثة الفاصلة، رافق يسوع في الجليل واليهودية، وقاد الكنيسة في أورشليم، وكان قائدًا إرساليًا متجولًا في فلسطين، وسافر كمبشر إلى يهود الشتات في سوريا واليونان وإيطاليا. هل من غير المعقول حقًا أن يقوم شخص يتمتع بهذا الاتساع من الخبرة، على الرغم من أصوله المتواضعة نسبيًا، بتوفير المعلومات الأساسية للإنجيل الثاني؟
ماذا عن يوحنا مرقس؟ كان منزل والدته على ما يبدو مكانًا رئيسيًا للقاء لكنيسة أورشليم، أو ربما ذلك الجزء منه الذي كان ينظر إلى قيادة بطرس على عكس يعقوب (أعمال 12: 12-17؛ راجع غلاطية 1: 18-19). تشير الإشارة إلى “بيت مريم” إلى أنها كانت أرملة؛ لم يتم ذكر والد مرقس أبدًا. كان منزلًا كبيرًا على ما يبدو لأن “الكثيرين اجتمعوا معًا. . . يصلون “(أعمال 12: 12). إن وجود الخادمة (أعمال الرسل 12: 13) يضيف إلى صورة مؤسسة كبيرة، ربما ثرية، ينتمي إليها يوحنا مرقس. إسميه، يوحنا (بالعبرية) ومرقس (باليونانية أو اللاتينية)، جنبًا إلى جنب مع خلفية غنية على الأرجح، يجعلان من المرجح أن هذا الرجل كان متعلمًا وثنائي اللغة، مع اليونانية كلغته الثانية.
كان يوحنا مرقس مرتبطًا بقادة مشهورين. كان ابن أخت برنابا (كولوسي 4: 10)، الذي رافقه حوالي 50 في ما كان على الأرجح جولة تبشيرية في قبرص (أعمال الرسل 15: 39). في وقت سابق، حوالي 47، كان الزميل الأصغر لبرنابا وبولس في الجزء الأول من الرحلة التبشيرية لقبرص وجنوب غلاطية (أعمال الرسل 13:13). تم حل الخلاف بين بولس ويوحنا مرقس (أعمال الرسل 15: 37-39) فيما بعد، حيث أشار بولس إليه لاحقًا على أنه “زميل عامل” (فيليمون 23) وكشخص يحتاج إلى مساعدته (2 تيموثاوس 4: 11). بطرس، الذي يكتب من روما حوالي 63، يشير بمودة إلى مرقس على أنه “ابني” (1 بطرس 5: 13)، ربما يعكس علاقة أب بديل تعود إلى أورشليم في الثلاثينيات والأربعينيات.
يحتوي الإنجيل الذي يحمل اسم مرقس على تفاصيل لا توجد بشكل ملحوظ في أي إنجيل آخر. عند القبض على يسوع في أورشليم، “تبعه شاب، ولم يكن في جسده سوى قماش من القماش؛ فأمسكوه وترك القماش وركض عريانا “(مرقس 14: 51-52). هذا، وفقًا لوليام باركلي، “حادث تافه للغاية وغير ذي صلة لإدخاله في المأساة الكبيرة للأحداث في البستان.”[1] يقتبس من تي زان: “يرسم مرقس صورة صغيرة لنفسه في زاوية عمله”. لو كان مَرقُس في الواقع “الشاب”، فهل نقول، عشرين عامًا في حوالي العام 33 م، بحلول أوائل الستينيات عندما افترض الكثيرون أنه كتب إنجيله، لكان قد بلغ الخمسين عامًا تقريبًا.
كان يوحنا مرقس، إذن، من خلفية مالية قوية، وبالتالي فهو متعلم وثنائي اللغة. لقد كان زميلًا مقربًا لبرنابا وبولس وبطرس، وبحلول الوقت الذي بلغ الخمسين من عمره كان قد عمل كزميل تبشيري مع قادة الكنيسة المشهورين لمدة عقد ونصف.
دعونا نفكر في معلومة أخرى. في مقدمة كتابه المكون من مجلدين، يقر لوقا أنه تلقى معلومات مكتوبة عن يسوع من “خدام” معينين قبله، ومن المؤكد أن أحدهم كان كاتب مرقس، حيث أن الكثير من إنجيله مدرج في الإنجيل بحسب لوقا. الكلمة اليونانية التي تعني خادم هي ὑπηρέτηςهوبيراتس، والتي عرّفها جيرهارد كيتل بأنها “مساعد للآخر كأداة لإرادته” وهي كلمة استخدمها لوقا ليوحنا مرقس في الجولة التبشيرية الأولى. برنابا وبولس كان يوحنا كـ ” ὑπηρέτης “-خادمهما أو مرافقهما. هل يُطابق لوقا يوحنا مرقس ὑπηρέτης (أعمال الرسل 13: 5) بمؤلف النص الذي اعتمد عليه (لوقا 1: 2)؟
استنتاجنا هو أنه فيما يتعلق بالتعليم والخبرة، كان من الممكن أن يكتب بطرس ويوحنا مرقس الإنجيل الثاني، كما ادعى كتّاب مسيحيون في القرن الثاني. لكن هل فعلوا ذلك؟ لسوء الحظ، كما رأينا، لا يذكر هذا الإنجيل من كتبه، إلا ربما للإشارة إلى أن المؤلف كان “الشاب” في أورشليم الذي فر عارياً في الظلام ليلة القبض على يسوع. إن مسار التحقيق الوحيد المتاح لنا هو أن نقرر ما إذا كانت المعلومات الواردة في الإنجيل وطريقة تقديمها متوافقة مع سلطة بطرسية-مرقسية. إذا كان بطرس هو مصدر المعلومات التي استخدمها مرقس، فإننا نتوقع اكتشاف عناصر السيرة والتاريخية. لكن هل نجدهم؟
إعلان أم تاريخ؟
“بداية إنجيل يسوع المسيح، ابن الله” -هذه هي الكلمات التي بدأ بها الإنجيلي الثاني كتابه وأصبح عنوانه. ما كتبه هو “إنجيل”، وهو الوحيد من بين الأربعة التي ندعوها أناجيل الذي أطلق على نفسه اسم الإنجيل. في أماكن أخرى من العهد الجديد، الإنجيل هو “إعلان” أو “كلام”؛ هذه هي الحالة الوحيدة التي تمت كتابته فيها. لذلك فإن إنجيل مرقس هو إعلان مكتوب وإنجيل مكتوب.
يوجد عدد من ملخصات الإنجيل “المُعلَن” في أعمال الرسل، على سبيل المثال، عندما تحدث بطرس إلى كرنيليوس وعائلته في قيصرية (أعمال الرسل 10: 34-43). كانت النقاط الرئيسية التي ذكرها بطرس لهم هي:
بعد المعمودية التي أعلنها يوحنا المعمدان
مَسَحَ الله يسوع الناصري بقوة
حتى أعلن الإنجيل ابتداءً من الجليل وفي جميع أنحاء اليهودية.
كان الله معه وهو يتجول في شفاء كل من يضطهده الشيطان.
صلبه أهل أورشليم
ولكن الله أقامه في اليوم الثالث
في عام 1932، لاحظ سي إتش دود أن هذا الملخص لخطاب بطرس يشبه إلى حد بعيد تسلسل وهيكل “الإنجيل” المكتوب، وخاصة إنجيل مرقس. وفقًا لدود، كان الإنجيل المكتوب نسخة موسعة من الإنجيل المنطوق.
كتب الإنجيلي الثاني إنجيله للقراءة العامة للكنيسة. وهذا واضح من تعليمات المؤلف لقارئ الكنيسة لشرح مادة غامضة (“دع القارئ يفهم” مر 13: 14). هل من المناسب أن يكون طول ثلثي أحداث هذا الإنجيل أقل من عشر جمل؟ من المؤكد أن السرد سريع الحركة وجذاب، مع حد أدنى من الكلام المسجل. كان أحد أكثر العروض المسرحية نجاحًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في لندن، والذي تم عرضه ليلاً في منازل ممتلئة، يتألف من طاقم من شخص واحد كان نصه الوحيد هو نص إنجيل مرقس. بالرغم من كتابته، يظل إنجيل مرقس بطريقة ما “إعلان”. هل المقصود هو إثارة عواطفنا وتحريك إرادتنا للإيمان بيسوع؟
لا توجد طريقة يمكن اعتبارها مجرد “حياة يسوع”. يدخل يسوع البالغ ببساطة القصة بالقرب من البداية ويكون محور الاهتمام في الحلقات التالية. هناك غياب شبه كامل لتفاصيل السيرة مثل اسم والده أو مكان ولادته أو تعليمه أو عمره أو مظهره.[2] تُروى القصة بإحساس كبير بالدراما، بحيث أنه على الرغم من أن يسوع كان سيزور أورشليم للاحتفال بالأعياد اليهودية تسع أو عشر مرات خلال فترة الثلاث سنوات من حياته العامة، إلا أن هذا الإنجيلي جعله يذهب إلى هناك مرة واحدة فقط -ليموت!
تاريخية وجغرافية إنجيل مرقس
هل هذا الإنجيل، إذن، لا علاقة له بالسيرة وغير تاريخي؟ الجواب هو أنه على الرغم من أنه يأتي بشكل أساسي في شكل “إعلان”، إلا أن هناك أيضًا أربعة عناصر تاريخية على الأقل تميز إنجيل مرقس.
السياق التاريخي العام. يسمح لنا إنجيل مرقس بوضع يسوع في سياق تاريخي معروف. بدأ حياته العامة في الجليل بعد إلقاء القبض على النبي الشهير يوحنا المعمدان (مر 1: 14). مهمته، وكذلك مهمة تلاميذه، حدثت خلال الفترة التي كان هيرودس أنتيباس رئيس رباعي الجليل وبيرية (6: 14). حوكم من قبل حاكم اليهودية الروماني، بيلاطس البنطي، وصلب بقراره (15: 15). هؤلاء الثلاثة هم علامات تاريخية لخدمة يسوع في إنجيل مرقس، لأنهم معروفون جيدًا في مصادر تاريخية أخرى -يوحنا موجود في يوسيفوس؛ أنتيباس في يوسيفوس وتاسيتوس؛[3] وبيلاطس في فيلو ويوسيفوس وتاسيتوس.
يعطي مرقس ويوسيفوس أسماء مختلفة لزوج هيروديا السابق قبل أن تتزوج من أنتيباس (مرقس 6: 17؛ الآثار 18. 136)،[4] ولكن هذه تفاصيل ثانوية نسبيًا ولا تنتقص من التوافق الكلي لمرقس في سياق تاريخي معروف.
الهيروديون. يشير إنجيل مرقس إلى جماعة تعرف باسم الهيروديين،[5] عارضوا يسوع بشدة في كل من الجليل وأورشليم (مر 3: 6؛ 12: 13). على الرغم من أن العلماء غير متأكدين من تكوينهم الدقيق ومنطقهم، إلا أن تاريخيتهم ليست موضع تساؤل. من المهم أن إنجيل مرقس هو المصدر الأساسي الوحيد للمعلومات التاريخية لهذه المجموعة. من الواضح أن إشارة متّى الوحيدة مشتقة من مَرقُس (متى 22: 16 = مر 12: 13). لم يرد ذكر الهيروديين في لوقا أو يوحنا.
التفاصيل الجغرافية. يصور إنجيل مرقس يسوع على أن مقره في كفرناحوم (انظر أيضًا متى 4: 13) على الشاطئ الشمالي للجليل، لكنه يذكر أنه احتاج بشكل متزايد إلى الانسحاب خارج الجليل لأسباب مختلفة وعلى ما يبدو لفترات طويلة أكثر فأكثر.[6] على الرغم من أن المؤلف لم يوضح ذلك، إلا أن القراءة المتأنية تجعل الأمر على الأرجح كذلك.
بعد أنشطته الأولية والمذهلة في كفرناحوم (مرقس 1: 28، 33) انسحب يسوع بسبب الجموع (1: 37 -38) إلى “كل الجليل، يكرز في مجامعهم” (1: 39).
بالعودة إلى كفرناحوم (2: 1) أصبح من الضروري المغادرة بسبب مؤامرة الفريسيين والهيروديين (3: 6). انخرط في الخدمة العامة على ضفاف بحيرة طبريا (3: 7) وذهب إلى جبل غير معروف لتعليم الاثني عشر (3: 13).
مرة أخرى في كفرناحوم (3: 19)، بعد خلاف مع الكتبة من أورشليم، انسحب إلى شاطئ البحر للتعليم العام (3: 22 -4: 1). مكث في القارب الذي كان يتحدث منه وسافر مباشرة إلى ديكابوليس [المدن العشر] (4: 1، 35 -36؛ 5: 1). بعد أن عبروا البحر إلى المدينة التي عاش فيها يايرس (5: 21 -43)، زار الناصرة (6: 1-6) ثم زار قرى الجليل (6: 6).
عندما عاد يسوع إلى كفرناحوم، أرسل الاثني عشر لمهمتهم في القرية (6: 7)؛ رجعوا إليه (6: 30)، تبعهم رجال من “جميع المدن” (6: 33)، بعد أن لفتت مهمتهم انتباه هيرودس أنتيباس (6: 14). انسحب مرة أخرى، وأخذ تلاميذه معهم، إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحيرة عند بيت صيدا أو بالقرب منها (انظر لوقا 9: 10) حيث سعى الشعب إلى جعله ملكًا (انظر يو 6: 14-15).
تم العثور على يسوع بعد ذلك في جينيسارت في الجليل (مر 6: 53)، حيث عاد إلى كفرناحوم وانخرط في نزاع خطير مع الفريسيين المحليين وكتبة أورشليم (7: 1). غادر مرة أخرى، وتوجه هذه المرة إلى مناطق صور وصيدا على الساحل البعيد لفينيقيا (7: 24)، ومن هناك إلى منطقة ديكابوليس (7: 31)، حيث أطعم أربعة آلاف (8: 1-9).
كانت زيارة يسوع التالية للجليل قصيرة. عندما ذهب هو والتلاميذ من ديكابوليس إلى دلمانوثة (8: 10)، كان هناك خلاف آخر مع الفريسيين (8: 11-12)، لذلك غادروا على الفور على متن قارب إلى بيت صيدا (8: 13، 22)، مع تحذير يسوع لتلاميذه من “خميرة الفريسيين و. ..هيرودس [أنتيباس] “(8: 15)، مصدرا المقاومة اللذان دأبا على إجباره على الخروج من الجليل. من بيت صيدا سافروا إلى المناطق الشمالية والجبلية من قيصرية فيلبي (8: 27)، بالقرب من منبع الأردن. بعد ستة أيام من إعلان بطرس أن يسوع هو “المسيح” (8: 29)، أخذ يسوع ثلاثة من التلاميذ إلى “جبل عالٍ” (من المحتمل أن يكون جبل حرمون، على مقربة من ارتفاع ميلين وحوالي اثني عشر ميلاً ونصفًا شمال شرق قيصرية فيليبي). – نصف ميل شمال شرق قيصرية فيليبي)، حيث حدث التجلي (9: 2-8). من هناك انطلقوا إلى أورشليم، عائدين إلى الجليل، لكن في سرية شديدة (9: 30)، ورجعوا إلى “البيت” في كفرناحوم (9: 33). ثم تبع يسوع والإثني عشر وادي الأردن (10: 1)، وأتوا في النهاية إلى أريحا (10: 46) وفي النهاية إلى أورشليم (11: 1، 11).
وهكذا ينقل إنجيل مرقس إحساسًا قويًا بالنشاط المكثف في الجليل، ومقره كفرناحوم ولكن مع فترات انسحاب إجباري إلى المناطق المجاورة في الغرب والشرق والشمال. رواية مَرقُس، التي تُروى من منظور المعارضة المستمرة للفريسيين المحليين والأورشليميين ومع التهديد الدائم لرئيس الربع هيرودس أنتيباس (والهيروديين)، يُعبَّر عنها بمصطلحات حركة جغرافية محددة داخل الجليل وخارجه، وبالتالي فهي معقولة تاريخياً.
الروابط بين الأحداث. إن إنجيل مرقس، على الرغم من ادعاءات بعض العلماء بأنه مجموعة عشوائية من الأحداث بدون قصة متطورة، إلا أنه يحتوي في الواقع على عدد من روابط السيرة والتاريخ بين الأحداث.
أحد الأمثلة على ذلك هو المنزل في كفرناحوم الذي كان يخص سمعان (وشقيقه أندراوس؟) الذي جاء إليه يسوع (مر 1: 29) وحيث أقام في البداية (1: 33، 35-36). عاد إلى هذا المنزل بعد انسحاباته الطوعية والقسرية المختلفة من كفرناحوم (2: 1؛ 3: 19؛ [7: 17]؛ 9: 33). من الواضح أن هذا المنزل أصبح منزله الخاص وقاعدة عملياته للخدمة في الجليل الأكبر والمناطق خارج الجليل.[7] تشير إشارات “بيت” كفرناحوم هذا، والتي تمتد عبر أحداث مختلفة لأكثر من نصف الإنجيل، إلى أن إنجيل مرقس، بشكل عام، له طابع تاريخي.
مثال آخر هو علاقة يسوع بأناس في بلدة أخرى -مدينته، الناصرة. غادر الناصرة ليعتمد على يد يوحنا في نهر الأردن (مرقس 1: 9)، واستقر بعد ذلك في كفرناحوم (1: 29؛ متى 4: 13). يُشار إليه بانتظام باسم “يسوع من الناصرة” (1: 24؛ 10: 47؛ 16: 6) أو “يسوع الناصري” (14: 67). بصرف النظر عن زيارته إلى الناصرة بعد معموديته (لوقا 4: 16-30)، يبدو أنه لم يعد هناك لبعض الوقت. عندما عاد، كان أهل الناصرة متشككين للغاية (مر 6: 2) لدرجة أنه أدلى بملاحظته الشهيرة أن “النبي ليس بلا كرامة إلا في بلده” (6: 4). أولئك الذين لم يكرّموا هذا النبي هم أبناء “وطنه” (مقاطعة أو منطقة)، و “أقاربه” (العائلة الممتدة) و “بيته” (عائلته المباشرة، كما في 6: 3 -مريم،[8] والدته وإخوته يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان وأخواته [الذين لم يذكروا بالاسم]). كانت شكوك الناصرة شاملة، وامتدت من عائلته المباشرة عبر شبكة الأقارب إلى المجتمع الأوسع.
لم يكن هذا الشك في الناصرة جديدًا. في وقت سابق “عائلته” (مر 3: 21)، أي أمه وإخوته (3: 31)، انطلقوا من الناصرة إلى كفرناحوم “ليأخذوه” (3: 21) لأنهم اعتقدوا أنه “فاقد لصوابه “(3: 21 NRSV). عند وصولهم وقفوا “في الخارج” (3: 31)، على الأرجح خارج المنزل في كفرناحوم، حيث علق يسوع على ذلك بأن أمه (الحقيقية) وإخوته هم الذين فعلوا مشيئة الله (3: 35).
هنا إذن رابط آخر، يمتد على أربعة فصول، يشير إلى عدم إيمان أهل الناصرة، بما في ذلك عائلته، على عكس “العائلة” الجديدة في كفرناحوم، كما كان الحال في منزل سمعان وأندراوس. هذان المثالان المتقاطعان للمراجع التي تغطي عدة فصول وأحداث هما دليل على الطابع التاريخي الكامن وراء إنجيل مرقس.
في الختام نسأل: هل للإعلان المكتوب أيضًا خصائص سيرة الحياة وله تاريخية تتوافق مع تأليف بطرسي-مرقسي؟ والدليل على الإجابة الإيجابية هو أن قصة مرقس تتوافق مع سياقها التاريخي؛ أنها تشير إلى وجود مجموعة “الهيروديين”؛ أن انسحاب يسوع يتوافق مع الظروف التاريخية للجليل ومع جغرافيته؛ وأن بعض الروابط الدقيقة بين الحلقات تشير إلى أن السرد يقوم على الحقيقة التاريخية. لكن هل هناك المزيد الذي يمكن قوله؟
الدليل على شهادة شاهد عيان
سنحاول في هذا القسم أن نبين أنه بالإضافة إلى المعلومات ذات الطابع التاريخي، هناك أيضًا آثار للأدلة التي من المحتمل أن تعود إلى شاهد عيان.
تفاصيل حية. هناك العديد من الأمثلة على التفاصيل الحية في إنجيل مرقس. من أين أتوا؟ هل نشأوا من خيال المؤلف المفعم بالحيوية أم من تذكره لأشياء تركت انطباعًا في ذاكرته؟ إذا كانت الأمثلة عبارة عن مقاطع وصفية طويلة، فسنميل إلى أن ننسبها إلى خياله. ومع ذلك، نظرًا لأنها محصورة في التفاصيل الصغيرة، فمن المرجح أنها نشأت من تذكره للأحداث المذهلة والمفعمة بالحيوية. دعونا نتأمل بعض الأمثلة.
هذه صورة فوتوغرافية تقريبًا لأشخاص يجلسون في مجموعات، وتعطي ثيابهم الملونة مظهر أسرة الزهور الموضوعة على العشب الأخضر.
كلمات مرقس هذه تقفز من الصفحة. في رأيي لا يمكن أن تأتي إلا من ذكرى شخص صدمته دراما المشهد أو لونه أو صوته أو غرابته. وراء هذه الكلمات ذكريات شخص كان حاضرا.
عواطف يسوع. من أبرز التفاصيل الحية في إنجيل مَرقُس ردود أفعال يسوع العاطفية والشخصية في مواقف معينة. كيف نفسر هذه في الإنجيل؟ هل هي نتيجة خيال المؤلف أم من ذكرياته؟ المؤلف لا يطورها بشكل منهجي، وليس هناك ما يدل على أنها قد اختلقت بأي شكل من الأشكال. بدلا من ذلك، يذكرها الكاتب بشكل عابر. وفيما يلي بعض الأمثلة أدناه.
وإلا كيف نفسر هذه الإشارات إلى السلوك البشري والعاطفي الشديد ليسوع -شفقته، وغضبه، وتعبه، واهتمامه بالآخرين، وغيظه، ومحبته، وخوفه، وإحساسه بالتخلي -أكثر من ردود أفعال سجلت بقوة مع شخص كان حاضراً في ذلك الوقت؟ يبدو من غير المحتمل أن تكون مثل هذه الإشارات قد نشأت من خيال المؤلف.
يذكر هذا المؤلف في خمس مناسبات أن يسوع “نظر حوله” (كما في دائرة): في المجمع عندما كانوا يشاهدون ما إذا كان سيشفى يوم السبت (3: 5)؛ في بيت كفرناحوم مع والدته وإخوته في الخارج (3: 34)؛ عند الحشد، ليرى من لمسه (5: 32)؛ للتلاميذ عندما قال مدى صعوبة دخول الأثرياء إلى ملكوت الله (10: 23)؛ وعند وصوله إلى الهيكل (11: 11). هذه “النظرة” التي حدثت في المناسبات الدرامية لم يسجلها متى ولم يسجلها لوقا سوى مرة واحدة. تكمن وراء رواية مَرقُس ذكرى شخص رأى -وتأثر بعمق -بالطريقة التي “نظر بها” يسوع في هذه الأوقات الدرامية العالية.
مقاطع “هم”. في عام 1928، لاحظ سي إتش تيرنر C. H. Turner، في تعليقه على مرقس، أن الإنجيلي الثاني كثيرًا ما استخدمهم في روايته، متحدثًا عن التلاميذ، في حين أن متى ولوقا كثيرًا ما حذفاهم، مشيرين فقط إلى يسوع والشخص الآخر في القصة. مع الأخذ في الاعتبار تصريح بابياس بأن مَرقُس كتب ما سمعه من بطرس، اقترح تيرنر أن بطرس غالبًا ما قال “نحن”، متحدثًا عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين الحاضرين مع يسوع. بما أن مَرقُس لم يكن حاضرًا مع بطرس والآخرين، فلا يمكنه أن يكتب “نحن”؛ يجب أن يكتب “هم”. عندما تولى متى ولوقا مسؤولية مادة مرقس، تم حذف الكلمة، تاركين المفرد “هو” أي يسوع. وهكذا، في إعادة بناء تيرنر، كانت العملية
تعليم بطرس لعناصر القصة
كتابة مرقس لعناصر القصة
تكميل وتكييف متى ولوقا لمادة مرقس
نحن + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
هم + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
هناك العديد من قصص مرقس التي يمكننا فيها بسهولة تخيل “هم” على أنها في الأصل، من فم بطرس تعني “نحن”، على سبيل المثال:
في حين أنه من غير الممكن إثبات تصريح بابياس بأن مرقس كان “مترجم بطرس” (وهو تصريح يوافق عليه كل كاتب من القرن الثاني يغامر برأيه حول مؤلف الإنجيل الثاني)، الأدلة الداخلية متوافقة تمامًا مع هذا البيان. في حين أن وجهة نظر C.H. Turner يجب ألا تكون أكثر من احتمال مثير للاهتمام، يبدو لي أن التفاصيل الحية والإشارات إلى مشاعر يسوع تتطلب أن تكمن وراء النص المكتوب شهادة شاهد عيان.
يسوع في أورشليم
يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحاً، ستة منها على الأقل مخصصة لما حدث ليسوع في أورشليم. من حيث الكلمات الفعلية، يخصص مَرقُس ثلث إنجيله تقريبًا لأحداث تلك الأيام القليلة في أورشليم. قد يكون من المهم أن تكون هذه الفصول دقيقة للغاية ومفصلة في مسائل الزمان والمكان والناس. يقدم الجدول القادم أمثلة على تفاصيل وقت ومكان مرقس.
تفاصيل الأشخاص. بصرف النظر عن هؤلاء التلاميذ الذين تم تسميتهم والحاكم الروماني بيلاطس البنطي، يذكر مرقس الأسماء التالية: باراباس، قاتل شارك في “التمرد” (15: 6-15)؛ سمعان القيرواني “والد ألكسندر وروفس” (15: 21)؛ مريم المجدلية، وكذلك “مريم أم يعقوب الأصغر ويوسى” و “سالومة” (15: 40؛ 16: 1)؛ ويوسف الرامي (15: 43-46).
تفاصيل الزمان
تفاصيل المكان
فدخل اورشليم ودخل الهيكل. . .. وكان الوقت قد أمسى. (مر 11: 11)
في الغد. . . (11: 12)
في الصباح أذ كانوا مجتازين. . . (11: 20)
وجاءوا أيضاً الى اورشليم. (11: 27)
كان الآن قبل عيد الفصح بيومين. (14: 1)
وفي اليوم الأول من الفطير. . . (14: 12)
وعندما كان المساء. . . (14: 17)
وبمجرد أن كان الصباح. . . (15: 1)
وكانت الساعة الثالثة. (15: 25)
ولما جاءت الساعة السادسة. . . (15: 33)
ولما حل المساء. . . (15: 42)
ولما كان السبت قد مضى. . . (16: 1)
وقربوا من اورشليم الى بيت فاجي وبيت عنيا على جبل الزيتون. (مر 11: 1؛ 11: 15، 27؛ 14: 16)
خرج إلى بيت عنيا. (11: 11؛ 14: 3)
ولما خرج من الهيكل. . . (13: 1)
وبينما هو جالس على جبل الزيتون مقابل الهيكل. . . (13: 3؛ 14: 26).
وذهبوا الى مكان يقال له جثسيماني. (14: 32)
وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة. (14: 54)
واقتادوه الجنود بعيدًا داخل القصر (أي دار الولاية). (15: 16)
وأتوا به إلى الموضع الذي يقال له الجلجلة. . .. وصلبوه. (15: 22، 24)
وهو [يوسف الرامي] . . . وضعه في قبر [قبره] المنحوت في الصخر. (15: 46)
نظرًا لوجود الكثير من التفاصيل في تلك الإصحاحات الستة الأخيرة، فقد اقترح أنها كانت موجودة في الأصل منفصلة باعتبارها الجزء الأول من الإنجيل الذي يتخذ شكلًا مكتوبًا. يشير هذا الجزء من إنجيل مرقس خمس مرات إلى رئيس الكهنة (14: 53، 54، 60، 61، 63) دون ذكر اسمه. وتم افتراض أن قيافا كان لا يزال رئيس الكهنة عندما كُتبت القصة، ولم تكن هناك حاجة لذكر اسمه. بما أن قيافا كان رئيس كهنة حتى عام 37 بعد الميلاد، فمن المحتمل أن يكون إنجيل أورشليم هذا قد ظهر قبل ذلك التاريخ.
أما بالنسبة للمؤلف، فإننا نخمن أنه إذا كان بطرس في تلك المرحلة مرتبطًا بمنزل يوحنا مرقس (انظر أعمال الرسل 12: 12-17)، من المحتمل جدًا أن يكون هذا الجزء من الإنجيل قد نشأ عن جهد تعاوني لبطرس ومرقس في منتصف الثلاثينيات.
عند الفحص، وجد أن إنجيل مرقس يتوافق مع تصريح بابياس بأن مرقس استخدم بطرس كمصدر له. بالنظر إلى هذا الإنجيل ككل، يتوافق هذا الإنجيل مع مخطط وعظ بطرس كما في الخطاب الذي ألقاه على كرنيليوس. بالنظر إلى الأجزاء المكونة له، وجد أنه غني بالمعلومات التاريخية والتفاصيل الحية، مما يدعم الافتراض بأن شاهد عيان كتب أو كان مصدر إنجيل مرقس.
هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟
تخيل للحظة أنك تتصفح أرفف مكتبتك المحلية، ووجدت سيرتين للبابا فرانسيس. كتب أحدها صديق قديم ومعاصر للبابا. السيرة الأخرى مجهولة. أي واحدة سوف تشتري؟ معظم الناس، أجرؤ على التخمين، سيختارون التي كتبها شخص قضى وقتًا معه بالفعل، شخص كان صديقًا لـ جورج بيرجوجليو Jorge Bergoglio، الرجل الذي أصبح البابا فيما بعد.[9] في الوقت نفسه، أعتقد أن معظم الناس قد ينظرون أيضًا إلى السيرة المجهولة بدرجة من الشك. من كتب هذا؟ من أين حصلوا على معلوماتهم؟ لماذا يجب أن أثق في أنهم يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؟ وإذا كانوا يريدون أن يصدقهم أحد، فلماذا لم يضعوا اسمهم في الكتاب؟
عندما يتعلق الأمر بسيرة يسوع الناصري -أو أي شخصية تاريخية في هذا الصدد -نجد أنفسنا في موقف مشابه. السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نعرف ما نعرفه عن يسوع؟ كيف يمكن لأناس القرن الحادي والعشرين أن يعرفوا بأي قدر معقول من اليقين ما فعله وقاله في القرن الأول؟ من الواضح أنه لم يكن أحد منا هناك عندما سار يسوع على الأرض. فكيف نصل إليه كشخص تاريخي؟
بالنسبة للكثير من الناس، الإجابة على هذا السؤال بسيطة: افتح كتابك المقدس واقرأ إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ يخبروننا بما فعله يسوع وقاله. في الواقع، منذ ما يقرب من تسعة عشر قرنًا، اعتقد معظم المسيحيين -وكل شخص آخر تقريبًا في هذا الصدد -أن إنجيلي متى ويوحنا كتبهما شهود عيان وتلاميذ ليسوع وأن إنجيلي مرقس ولوقا قد كتبهما رفقاء الرسولين بطرس وبولس.
ومع ذلك، كما ذكرت في الفصل الأول، في القرن الماضي أو نحو ذلك، ظهرت نظرية جديدة على الساحة. وفقًا لهذه النظرية، فإن الأفكار المسيحية التقليدية حول من كتب الأناجيل ليست صحيحة في الواقع. بدلاً من ذلك، بدأ العلماء في اقتراح أن الأناجيل الأربعة كانت في الأصل مجهولة. على وجه الخصوص، تم صياغة هذه النظرية في أوائل القرن العشرين من قبل العلماء المعروفين باسم “نقاد الشكل”، الذين اعتقدوا أن الأناجيل لم تكن سيرة بل هي فولكلور.[10] على حد تعبير عالم العهد الجديد ريتشارد باوكهام:
الافتراض بأن تقاليد يسوع كانت تُنشر بشكل مجهول في الكنيسة الأولى، وبالتالي فإن الأناجيل التي تم جمعها فيها وتسجيلها كانت أيضًا مجهولة في الأصل كانت شائعة جدًا في دراسات الأناجيل في القرن العشرين. تم نشره من قبل نقاد الشكل كنتيجة طبيعية لاستخدامهم لنموذج الفولكلور، الذي تم تمريره بشكل مجهول من قبل المجتمعات. كانوا يعتقدون أن الأناجيل كانت أدبًا شعبيًا، كما أنها مجهولة الاسم/المصدر. هذا الاستخدام لنموذج الفولكلور قد فقد مصداقيته … ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود اختلاف كبير بين التقاليد الشعبية المتوارثة عبر القرون والفترة الزمنية القصيرة -أقل من عمر الفرد – التي انقضت قبل كتابة الأناجيل. ولكن من اللافت للنظر إلى أي مدى كانت فكرة أن ليس فقط التقاليد ولكن الأناجيل نفسها كانت في الأصل مجهولة المصدر.[11]
“عنيد” هي الكلمة الصحيحة فقط. بحلول نهاية القرن العشرين، عندما كنت طالبًا، كان الافتراض بأن الأناجيل الأربعة في العهد الجديد لم تُنسب في الأصل إلى أي شخص واسع الانتشار لدرجة أنه نادرًا ما تمت مناقشته على الإطلاق، ناهيك عن التشكيك فيه. نتيجة لذلك، يعتقد العديد من العلماء اليوم أننا لا نعرف من كتب الأناجيل الأربعة، وهي مصادرنا التاريخية الأساسية لما فعله يسوع وقاله.
ماذا سنفعل من هذه النظرية؟ ما الدليل على أن الأناجيل كانت في الحقيقة مجهولة المصدر؟ في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة فاحصة على النظرية ونرى سبب وجود بعض الأسباب الوجيهة للشك فيها.
نظرية الأناجيل مجهولة الاسم
في كتابه الأخير كيف أصبح يسوع إلهًا، يقدم بارت إيرمان ملخصًا موجزًا لنظرية الأناجيل المجهولة. يمكن تقسيمها إلى أربع ادعاءات أساسية.
أولاً، وفقًا لهذه النظرية، تم نشر جميع الأناجيل الأربعة في الأصل دون أي عناوين أو ألقاب تحدد هوية المؤلفين.[12] هذا يعني عدم وجود “الإنجيل حسب متى”، ولا “الإنجيل حسب مرقس”، ولا “الإنجيل بحسب لوقا”، ولا “الإنجيل حسب يوحنا”. ليس لأحد الأربعة. فقط الفراغات. وفقًا لهذه النظرية، على عكس العديد من السير القديمة الأخرى المنشورة تحت اسم مؤلف حقيقي، اختار المؤلفون الأصليون للأناجيل عمداً إخفاء هوياتهم.[13]
ثانيًا، من المفترض أن الأناجيل الأربعة تم تداولها دون أي ألقاب لمدة قرن تقريبًا قبل أن ينسبها أي شخص إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.[14] تذكر أنه في العالم القديم، كانت جميع الكتب نسخًا يدوية الصنع تُعرف باسم المخطوطات. وهكذا، وفقًا لهذه الفرضية، في كل مرة يُنسخ فيها أحد الأناجيل يدويًا لعقد بعد عقد، لم يضيف أحد أي ألقاب.
ثالثًا، لم يتم إضافة العناوين أخيرًا إلى المخطوطات إلا بعد وقت طويل -في وقت ما بعد موت تلاميذ يسوع ودفنهم. وفقًا للنظرية، كان سبب إضافة الألقاب هو إعطاء الأناجيل الأربعة “سلطة مطلوبة بشدة”.[15] بمعنى آخر، كان إدراج العناوين محاولة متعمدة لخداع القراء للاعتقاد الكاذب بأن الأناجيل كتبها الرسل وتلاميذهم. كما كتب بارت إيرمان في مكان آخر، فإن عناوين الأناجيل الأربعة هي شكل “ليس بريئًا على الإطلاق” من الإسناد أو التزوير القديم – وهي ممارسة يدينها على نطاق واسع كل من الوثنيين والمسيحيين.[16]
رابعًا وأخيرًا، وربما الأهم من ذلك كله، وفقًا لهذه النظرية، نظرًا لأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة الاسم، فمن المنطقي الاستنتاج أن أيا منها لم يكتبه شاهد عيان.[17] على سبيل المثال، بالنسبة لإيرمان، فإن الأناجيل الأربعة هي الحلقات الأخيرة في سلسلة طويلة من كتابات رواة القصص المجهولين الذين لم يكونوا هم أنفسهم شهود عيان ليسوع والذين ربما لم يلتقوا أبدًا بأي شاهد عيان.
هذه باختصار نظرية الأناجيل المجهولة.[18] تنتشر النظرية بشكل ملحوظ بين العلماء وغير العلماء على حد سواء. وقد تم التأكيد عليه بشكل خاص من قبل أولئك الذين يرغبون في إثارة الشكوك حول المصداقية التاريخية لصورة يسوع في الأناجيل الأربعة.[19] المشكلة الوحيدة هي أن النظرية تكاد تكون بلا أساس. لا أساس لها في أقدم مخطوطات الأناجيل، ولا تأخذ على محمل الجد كيفية نسخ الكتب القديمة وتداولها، وتعاني من نقص عام في المعقولية التاريخية. دعونا نلقي نظرة فاحصة على كل من نقاط الضعف هذه.
لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان
المشكلة الأولى وربما الأكبر لنظرية الأناجيل المجهولة هي: لم يتم العثور على نسخ مجهولة من متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. لا وجود لها. على حد علمنا، لم يوُجدوا أبدًا.
بدلاً من ذلك، كما أوضح الباحث في العهد الجديد سيمون جاثركول، فإن المخطوطات القديمة مُجمعة على نسب هذه الكتب إلى الرسل ورفاقهم. تأمل، على سبيل المثال، الجدول التالي للعناوين الموجودة في أقدم المخطوطات اليونانية لكل من الأناجيل.[20]
أولاً، هناك غياب صارخ لأية مخطوطات إنجيلية مجهولة الاسم/المصدر. هذا لأنهم غير موجودين. ولا واحدة. السبب وراء أهمية هذا الأمر هو أن إحدى القواعد الأساسية في دراسة مخطوطات العهد الجديد (وهي ممارسة تُعرف بالنقد النصي) هي أنك تعود إلى أقدم وأفضل النسخ اليونانية لترى ما تقوله بالفعل. ليس ما كنت ترغب في قوله، ولكن ما يقولونه بالفعل. عندما يتعلق الأمر بعناوين الأناجيل، ليس فقط أقدم وأفضل المخطوطات، ولكن جميع المخطوطات القديمة – بدون استثناء، في كل لغة – تنسب الأناجيل الأربعة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا.[22]
ثانيًا، لاحظ أن هناك بعض الاختلاف في شكل العناوين (على سبيل المثال، بعض المخطوطات اللاحقة تحذف كلمة “الإنجيل”). ومع ذلك، كما يلاحظ الباحث في العهد الجديد مايكل بيرد، هناك “اتساق مطلق” في المؤلفين الذين يُنسب إليهم كل كتاب.[23] أحد أسباب أهمية ذلك هو أن بعض العلماء سيدعون أن المخطوطات اليونانية تدعم فكرة أن عناوين الأناجيل قد أضيفت لاحقًا. على سبيل المثال، كتب بارت إيرمان:
نظرًا لأن المخطوطات اليونانية الباقية توفر مجموعة متنوعة من العناوين (المختلفة) للأناجيل، فقد أدرك علماء النصوص منذ فترة طويلة أن أسمائهم المألوفة (على سبيل المثال، “الإنجيل بحسب متى”) لا تعود إلى عنوان “أصلي” واحد، ولكن أضيف لاحقًا بواسطة الكتبة.[24]
انظر إلى الرسم البياني الذي يظهر عناوين أقدم المخطوطات اليونانية. أين هو “التنوع الكبير” للألقاب الذي يتحدث عنه؟ الاختلاف الوحيد المهم هو أن كلمة “الإنجيل” مفقودة في بعض النسخ اللاحقة، ربما بسبب اختصار العنوان.[25] في الواقع، هي بالضبط الأسماء المألوفة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا التي توجد في كل مخطوطة واحدة لدينا! ووفقًا للقواعد الأساسية للنقد النصي، إذا كان هناك شيء أصلي في العناوين، فهو أسماء المؤلفين.[26] هي على الأقل أصلية مثل أي جزء آخر من الأناجيل التي لدينا أدلة مخطوطة بالإجماع عليها.
ثالثًا – وهذا مهم – لاحظ أيضًا أن العناوين موجودة في أقدم نسخ كل إنجيل لدينا، بما في ذلك الأجزاء الأولى، المعروفة باسم البرديات (من أوراق البردي التي صنعت منها). على سبيل المثال، تحتوي المخطوطة اليونانية الأولى لإنجيل متى على العنوان “الإنجيل بحسب متى” (اليونانية euangelion kata Matthaion) (بردية 4). وبالمثل، فإن أقدم نسخة يونانية من بداية إنجيل مرقس تبدأ بالعنوان “الإنجيل بحسب مرقس” (اليونانية euangelion kata Markon). تعتبر هذه المخطوطة الشهيرة – التي تُعرف باسم المخطوطة السينائية لأنها اكتُشفت على جبل سيناء – على نطاق واسع واحدة من أكثر النسخ القديمة الموثوقة للعهد الجديد التي تم العثور عليها على الإطلاق. على نفس المنوال، تبدأ أقدم نسخة معروفة من إنجيل لوقا بكلمات “الإنجيل بحسب لوقا” (اليونانية euangelion kata Loukan) (بردية 75). أخيرًا، المخطوطة الأولى الموجودة لإنجيل يوحنا ليست سوى جزء صغير من الإنجيل. لكن لحسن الحظ، تم حفظ الصفحة الأولى ونصها: “الإنجيل بحسب يوحنا” (اليونانية euangelion kata Iōannēn) (بردية 66).
باختصار، تُنسب النسخ الأولى والأفضل من الأناجيل الأربعة بالإجماع إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا يوجد دليل مخطوطي على الإطلاق – وبالتالي لا يوجد دليل تاريخي فعلي – لدعم الادعاء بأن الأناجيل “في الأصل” ليس لها ألقاب. في ضوء هذا النقص الكامل في النسخ المجهولة، كتب عالم العهد الجديد مارتن هينجل:
دعوا أولئك الذين ينكرون العصر العظيم وبالتالي الأصالة الأساسية في عناوين مخطوطات الأناجيل من أجل الحفاظ على ضميرهم النقدي “الصالح” يعطون تفسير أفضل للإجماع الكامل والشهادة المبكرة نسبيًا لهذه العناوين وأصلها وأسماء المؤلفين المرتبطين بها. لم يتم تقديم مثل هذا التفسير بعد، ولن يتم تقديمه أبدًا.[27]
سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول
المشكلة الرئيسية الثانية في نظرية الأناجيل المجهولة هي اللامعقولية المطلقة بأن كتابًا يدور حول الإمبراطورية الرومانية بدون عنوان لما يقرب من مائة عام يمكن أن يُنسب بطريقة ما إلى المؤلف نفسه بالضبط من قبل الكتبة في جميع أنحاء العالم ولا يترك أي أثر للخلاف في أي مخطوطات.[28] وبالمناسبة، من المفترض أن هذا لم يحدث مرة واحدة فقط، ولكن مع كل واحد من الأناجيل الأربعة.
فكر في الأمر لدقيقة واحدة. وفقًا لنظرية الأناجيل المجهولة الاسم، فإن إنجيل متى كان “في الأصل” الإنجيل وفقًا لأي شخص. نُسخ هذا الكتاب المجهول باليد، وأعيد نسخه، وأعيد نسخه، ووزع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية لعقود. وبالمثل، فإن إنجيل مرقس، الذي كان أيضًا “في الأصل” إنجيلًا بالنسبة لأي شخص، تم نسخه وإعادة نسخه وتعميمه وإعادة نسخه لعقود. وهكذا بالنسبة للإنجيل الثالث المجهول، ثم الإنجيل الرابع المجهول. بعد ذلك، في وقت ما في أوائل القرن الثاني الميلادي، من المفترض أن العناوين نفسها تمت إضافتها ليس إلى واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، ولكن جميع هذه الكتب الأربعة المختلفة والمجهولة الاسم. علاوة على ذلك، من المفترض أن يكون سبب التأليف هذا قد حدث على الرغم من أن الأناجيل الأربعة قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن الثاني: في الجليل وأورشليم وسوريا وأفريقيا ومصر وروما وفرنسا وغيرها، أينما وجدت النسخ.
هذا السيناريو لا يصدق تماما. حتى لو كان من الممكن كتابة إنجيل واحد مجهول ونشره ومن ثم نسبه بأعجوبة إلى نفس الشخص من قبل المسيحيين الذين يعيشون في روما وإفريقيا وإيطاليا وسوريا، فهل من المفترض حقًا أن أصدق أن الشيء نفسه لم يحدث مرة واحدة، وليس مرتين، ولكن مع أربعة كتب مختلفة، مرارًا وتكرارًا، في جميع أنحاء العالم؟ كيف عرف هؤلاء الكتبة المجهولون الذين أضافوا العناوين لمن ينسبون الكتب؟ كيف تواصلوا مع بعضهم البعض بحيث انتهت جميع النسخ بنفس العناوين؟
علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بأن إضافة العناوين كانت ستستغرق ما يقرب من مائة عام لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أنه منذ اللحظة التي كان هناك حتى أكثر من إنجيل واحد متداول، كان القراء بحاجة إلى طريقة ما لتمييزهم. من بعضنا البعض. على حد تعبير جراهام ستانتون:
بمجرد أن تستخدم المجتمعات المسيحية بانتظام أكثر من رواية مكتوبة لأفعال يسوع وتعاليمه، كان من الضروري التمييز بينها من خلال شكل من أشكال العنوان، لا سيما في سياق القراءات في العبادة.[29]
الآن، نعلم من إنجيل لوقا أن العديد من الروايات عن حياة يسوع كانت متداولة بالفعل بحلول الوقت الذي كتب فيه (انظر لوقا 1: 1-4). لذا فإن الإيحاء بعدم إضافة أي عناوين على الإطلاق إلى الأناجيل حتى أواخر القرن الثاني الميلادي يفشل تمامًا في مراعاة حقيقة أن العديد من الأناجيل كانت متداولة بالفعل قبل أن يضع لوقا قلمًا على ورق البردي، وأنه ستكون هناك حاجة عملية لتحديد هوية هذه الكتب.
أخيرًا، إذا حدثت الأشياء بالطريقة التي تقترحها النظرية المجهولة، فلماذا لا تُنسب بعض النسخ إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا، ولكن نُسبت نسخ أخرى إلى شخص آخر – على سبيل المثال، أندراوس، أو بطرس، أو يهوذا؟ إذا كانت الأناجيل قد حصلت بالفعل على عناوينها من الكتبة الذين أضافوها زورًا إلى المخطوطات حتى قرن من الزمان، فإننا نتوقع العثور على (1) نسخ مجهولة الهوية – والتي، كما رأينا بالفعل، غير موجودة – وكذلك ( 2) عناوين متناقضة، حيث ينسب بعض الكتبة نسخة واحدة من الإنجيل إلى متى وتنسب أخرى نفس الإنجيل إلى بطرس أو يسوع أو أي شخص آخر.
إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم مقارنة الدليل المخطوطي للأناجيل الأربعة بالدليل المخطوطي لرسالة العهد الجديد إلى العبرانيين. على عكس الأناجيل الأربعة، فإن الرسالة إلى العبرانيين هي في الواقع مجهولة. لم تحدد أبدًا مؤلفها صراحةً، ولا حتى في العنوان.[30] لذا خمن ماذا يحدث عندما يكون لديك كتاب حقيقي مجهول الاسم؟ ينتهي الأمر إما بالبقاء مجهول الهوية أو يُنسب إلى مؤلفين مختلفين، كما هو موضح في الجدول التالي.
إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا، على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 1739
القرن العاشر
إلى العبرانيين، مكتوبة من روما، على يد بولس للذين هم في أورشليم
مخطوطة الخط الصغير 81
القرن الحادي عشر
إلى العبرانيين، مكتوبة بالعبرية من إيطاليا، مجهولة الهوية على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 104
القرن الحادي عشر
لاحظ تنوع المؤلفين المقترحين: بعض المخطوطات تظل مجهولة المصدر، والبعض يقول أن العبرانيين كتبها “تيموثاوس”، والبعض الآخر كتبها “بولس”. يشير عنوان إحدى المخطوطات صراحةً إلى أنها كُتبت “مجهول الهوية” (اليونانية anonymōs)! نفس الشيء ينطبق على الكتاب المسيحيين القدماء: يقول بعض كتّاب الكنيسة الأوائل أن بولس كتب العبرانيين لكنه لم يعرّف عن نفسه ؛ ويقول آخرون إن لوقا ترجم رسالة بولس من العبرية إلى اليونانية ؛ ويقول آخرون إن العبرانيين كتبها برنابا رفيق بولس ؛ ولا يزال آخرون يقولون إن الرسالة كتبها كليمندس أسقف روما.[32] في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، رفع أوريجانوس السكندري يديه ببساطة وصرح: “أما من كتب الرسالة [إلى العبرانيين]،” فقط “الله أعلم” (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 6. 25. 14).
هذا ما تحصل عليه مع كتاب مجهول حقًا من العهد الجديد: مخطوطات فعلية مجهولة، ومناقشات قديمة فعلية حول من كتبه. ولكن هذا هو بالضبط ما لا تجده عندما يتعلق الأمر بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا توجد نسخ مجهولة، و-كما سنرى في المقال القادم-لا جدال بين المسيحيين القدماء حول من كتب الأناجيل. العلماء الذين يستمرون في الادعاء بأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة لا يمكنهم تفسير سبب عدم وجود نفس التنوع من المؤلفين المقترحين كما يحدث مع الرسالة إلى العبرانيين. مرة أخرى، على حد تعبير مارتن هينجل:
إذا كانت [الأناجيل] قد عممت لأول مرة بشكل مجهول ولم تُمنح ألقابها إلا في مرحلة ثانوية وبصورة مستقلة عن بعضها البعض في المجتمعات المختلفة، لأن العنوان كان ضروريًا لإعلان القراءة في العبادة، يجب أن يكون هذا قد أدى بالضرورة إلى مجموعة متنوعة من العناوين، كما يتضح من العديد من الأمثلة من العصور القديمة…. لا يوجد أي أثر لمثل هذه المجهولية.[33]
باختصار، لا تعاني نظرية الأناجيل المجهولة من نقص الأدلة المخطوطة فحسب، بل تعاني أيضًا من نقص المنطق. إنها ببساطة لا تنجح عندما يتعلق الأمر بالمعايير الأساسية للمعقولية التاريخية.
لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟
المشكلة الرئيسية الثالثة في نظرية الأناجيل المجهولة تتعلق بالادعاء بأن الأنساب الخاطئة قد أضيفت بعد قرن من الزمان لمنح الأناجيل “السلطة المطلوبة بشدة”.[34] إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا يُنسب اثنان من الأناجيل الأربعة إلى غير شهود العيان؟ لماذا يختار الكتبة القدامى مرقس ولوقا، من بين كل الناس، والذين لم يعرفوا يسوع أبدًا؟
مرة أخرى، ضع نفسك مكان الكتبة القدامى الذين من المفترض أنهم أضافوا عن قصد ألقابًا مزيفة إلى الأناجيل. إذا أردت إعطاء السلطة لكتابك المجهول، فهل ستختار لوقا، الذي لم يكن شاهد عيان بنفسه ولا من أتباع شاهد عيان، بل رفيق بولس، الذي لم يلتق بيسوع أبدًا خلال حياته الأرضية؟ وإذا أردت أن تمنح السلطة لسيرة حياة يسوع المجهولة، فهل ستختار مرقس، الذي لم يكن هو نفسه تلميذاً ليسوع؟ إذا كانت السلطة هي ما كنت تبحث عنه، فلماذا لا تنسب إنجيلك المجهول الهوية مباشرة إلى بطرس، رئيس الرسل؟ أم لأخيه أندراوس؟ في هذا الصدد، لماذا لا تذهب مباشرة إلى القمة وتنسب إنجيلك إلى يسوع نفسه؟
كما سنرى في المقالات القادمة، فإن مثل هذه الصفات إلى الرسل وشهود العيان الآخرين هي بالضبط ما نجده عندما ننظر إلى ما يسمى بـ “الأناجيل المفقودة” – المعروفة أيضًا باسم الأناجيل الملفقة (من الكلمة اليونانية apocryphon، والتي تعني ” كتاب مخفي”). يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن الأناجيل الملفقة – مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل يهوذا – هي مزيفة نُسبت زورًا إلى تلاميذ يسوع بعد فترة طويلة من موت الرسل.[35] لاحظ أنه لا يوجد أي من الأناجيل الملفقة اللاحقة تُنسب إلى غير شهود العيان مثل مرقس ولوقا.[36] تُنسب الأناجيل الكاذبة اللاحقة إلى أشخاص لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى يسوع: أشخاص مثل بطرس، أو الرسول توما، أو مريم المجدلية، أو يهوذا، أو حتى يسوع نفسه. لا يُنسبون أبدًا إلى مجرد أتباع أو رفقاء الرسل. لماذا؟ لأن مؤلفي الأناجيل الملفقة هم الذين أرادوا إعطاء السلطة المطلوبة بشدة لكتاباتهم عن طريق نسبها زورًا إلى أشخاص لديهم أقرب صلات ممكنة بيسوع.
باختصار، فشلت نظرية الأناجيل المجهولة في تفسير ليس فقط عدم وجود أدلة مخطوطة ولكن أيضًا لماذا لا تُنسب إنجيلا مرقس ولوقا إلى شهود عيان ورفاق يسوع. في الواقع، عند إخضاعها للتدقيق النقدي، فإن اللامعقولية الكلية للنظرية تكون لافتة للنظر.
[1] William Barclay, The Gospels and Acts, vol. 1 (London: SCM Press, 1976), p. 116.
[2] يقصد بارنيت السيرة الحديثة ولكن السير اليونانية الرومانية القديمة لم تكن فيها هذه العناصر مهمة.
[3] التاريخ Histories 5. 9. لم يتم ذكر أنتيباس بالفعل بالاسم.
[4] Harold Hoehner, Herod Antipas (Grand Rapids: Eerdmans, 1980), pp. 131-36.
Meyers and James F. Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity, (London: SCM Press, 1981), pp. 59-60, 128-30.
[8] يرى بعض الدارسين ان مريم أمه أتت معهم لتهدئتهم لكيلا تحدث مشاجرات بين يسوع وإخوته
[9] Compare Alejandro Bermúdez, Pope Francis: Our Brother, Our Friend: Personal Recollections about the Man Who Became Pope (San Francisco: Ignatius, 2013). See also Georg Ratzinger, My Brother, the Pope, trans. Michael Hesemann (San Francisco: Ignatius, 2012).
[10] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 65, 162n1.
وفقًا لهينجل، تعود النظرية في المقام الأول إلى اثنين من العلماء الألمان البارزين في أواخر القرن التاسع عشر: أدولف فون هارناك وثيودور زان، الذين توصلا (بالخطأ) إلى هذا الاستنتاج قبل اكتشافات القرن العشرين لأوراق البردي من القرن الثاني كاملة العناوين. انظر
Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. John Moore Trout et al., 3 vols. (repr., Minneapolis: Klock & Klock, 1977), 2.386–400.
[11] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 300.
لسوء الحظ، لا يقوم باوكهام بدمج دليل المخطوطة بشكل كافٍ على أصالة عناوين الإنجيل في نظريته الشاملة عن أصول الإنجيل. وبدلاً من ذلك، فهو يعتمد بشدة على نظرية مشكوك فيها حول إدراجات شهود العيان الضمنية في الأناجيل كمؤشرات على أصالة التأليف. ومع ذلك، إذا كان باوكهام محقًا ولم تكن الأناجيل في الأصل مجهولة المصدر، فستعمل العناوين نفسها كإشارات كافية للقراء فيما يتعلق بالتأليف، وسيبدو استخدام مثل هذه الإضافات الدقيقة زائداً عن الحاجة.
[16] Bart D. Ehrman, Forgery and Counterforgery: The Use of Literary Deceit in Early Christian Polemics (Oxford: Oxford University Press, 2013), 51–52, 6.
[18] في عمله السابق، تضمن بارت ايرمان حجة خامسة، ادعى فيها أن شكل العناوين -“الإنجيل حسب X” – يثبت أن العناوين قد أضافها “شخص آخر” غير المؤلف. انظر
Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 42.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مقنعًا للقراء المعاصرين الذين اعتادوا على المؤلفين الذين يشيرون إلى أنفسهم حصريًا بصيغة المتكلم. لكن من منظور تاريخي، فشلت الحجة في ثلاث نقاط: (1) كما سنرى لاحقاً، الأناجيل هي شكل من أشكال السيرة اليونانية الرومانية القديمة. كما أشار خبراء في السير القديمة، “مؤلفو السير… عادة ما يتم تسميتهم”.
Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 40.
علاوة على ذلك، كانت إحدى “السمات الافتتاحية” القياسية للسيرة اليونانية الرومانية القديمة عادةً نوعًا من “العنوان”.
Richard Burridge, What Are the Gospels?, 156–57.
تحدد هذه العناوين أحيانًا المؤلف بصيغة الغائب، على سبيل المثال.
(Josephus, Life of Josephus; Tacitus’s Agricola; Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers).
هذا منطقي تمامًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بالسيرة ، سيرغب القارئ في معرفة من الذي يقدم سردًا لحياة الشخص، وكيف حصل على معلوماته. في الواقع، حتى مؤلفو السير الذاتية الذين يشيرون إلى أنفسهم بصيغة المتكلم لا يذكرون أسمائهم في نص الكتاب.
(Josephus, Life 1–2, 430; Lucian, Demonax, 1–2).
لكن هذا لا يحول أعمالهم إلى كتب “مجهولة”. باختصار، لم تعد الأناجيل “مجهولة تمامًا” من السير القديمة الأخرى التي لا توجد فيها معلومات صريحة عن التأليف في متن الكتاب. غالبًا ما يتم الاحتفاظ بالمعلومات حول تأليف مثل هذه الأعمال للعنوان.
(2) لدينا إشارات إلى كتب قديمة تتشابه عناوينها بشكل لافت مع عناوين الأناجيل، مثل “المذكرات بحسب نحميا” (اليونانية tois hypomnēmatismois tois kata ton Neemian) (مكابيين الثاني 2: 13) أو “ولادة وحياة أبقراط وفقًا لسورانوس “(اليونانية Hippokratous genos kai bios kata Sōranon) أو” التواريخ وفقًا لهيرودوت “(اليونانية hē kat ‘hērodoton history).
في إحدى الحالات، يشير يوسيفوس إلى تاريخ ثيوسيديدس على أنه “عمله التاريخي” (اليونانية tēn kat’ auton historian) (يوسيفوس ضد أبيون، 1. 18). انظر
Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 163n8.
في ضوء هذه المتوازيات، لا يوجد شيء غير قابل للتصديق حول استخدام الإنجيليين لعنوان “الأخبار السارة وفقًا لـ [المؤلف]”، خاصةً إذا رأوا أنفسهم على أنهم يعلنون الأخبار السارة عن يسوع باستخدام شكل السير التاريخية. علاوة على ذلك، تُظهر هذه الأمثلة أيضًا أن الادعاء أحيانًا بأن “وفقًا لـ” (اليونانية kata) لا تشير إلى التأليف هو ادعاء خاطئ. (3) حتى إذا تمت إضافة عنوان أول إنجيل مكتوب من قبل كاتب عرف هوية المؤلف بعد فترة وجيزة من نشر الكتاب أو بالتزامن مع نشره، فإن هذا لا يزال مختلفًا عن كتاب “مجهول تمامًا”. علاوة على ذلك، بمجرد إضافة العنوان الأول إلى الإنجيل الأول، فإنه من السذاجة القول بأن مؤلفي الإنجيل اللاحقين سيقلدون وينسخون من كل شيء تقريبًا في الكتاب باستثناء العنوان. على العكس من ذلك، فمن المعقول تمامًا أن نقترح أن كتّاب الإنجيل اللاحقين سيقلدون شكل العنوان (“الأخبار السارة حسب …”) لكنهم يغيرون اسم المؤلف. إذا كنا نعرف شيئًا عن مؤلفي الإنجيل، فهو أنهم لم يكن لديهم أي تأنيب على الإطلاق عن نسخ المواد من بعضهم البعض! لا يوجد سبب لا ينبغي أن يكون هذا صحيحًا بالنسبة للعناوين أيضًا. حول كل هذا، راجع.
Michael F. Bird, The Gospel of the Lord: How the Early Church Wrote the Story of Jesus (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2014), 257–58.
[19] Reza Aslan, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth (New York: Random House, 2014).
أحد الأشياء الأولى التي يقوم بها أصلان هو الإصرار على أنه “لم يكتب أي من الأناجيل الشخص الذي سميت باسمه” (xxvi). هذا يحرره ليبني يسوع الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الذي تقدمه الأناجيل.
[20] Simon J. Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” Zeitschrift für die Neutestamentliche Wissenschaft 104 (2013): 33–76.
Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (Oxford: Oxford University Press, 2005), 52–94. See also D. C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).
[22] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. John Bowden (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2000), 48–56. See also Hengel, Studies in the Gospel of Mark, 64–84.
[25] Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” 71:
“يبدو أن النسخة الأطول كانت أقرب إلى العنوان” الحقيقي “، والنسخة الأقصر هي اختصار، بدلاً من أن تستشهد الحواشي السفلية العلمية اليوم أولاً بالعنوان بالكامل ثم تختصره بعد ذلك.” أنظر أيضا
David E. Aune, “The Meaning of Euangelion in the Inscriptiones of the Canonical Gospels,” in Jesus, Gospel Traditions and Paul in the Context of Jewish and Greco-Roman Antiquity: Collected Essays, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 303 (Tübingen: Mohr-Siebeck, 2013), 24.
[26] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperOne, 2005), 130:
“ربما يكون المعيار الخارجي الأكثر أهمية الذي يتبعه العلماء هو هذا: لكي تُعتبر القراءة” أصلية “، يجب عادةً العثور عليها في أفضل المخطوطات وأفضل مجموعات المخطوطات.” في الواقع، لم يتم العثور على عناوين الأناجيل فقط في “أفضل المخطوطات” و “أفضل مجموعات المخطوطات” ؛ تم العثور عليها في جميع المخطوطات – دون استثناء واحد. ومن ثم، وفقًا لمعيار إيرمان النقدي للنص، يجب اعتبار عناوين الأناجيل أصلية.
[27] Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, 55.
[29] Graham Stanton, Jesus and Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 79.
[30] Harold Attridge, The Epistle to the Hebrews, Hermeneia (Minneapolis: Fortress, 1989), 1–2, 410n87; see also Barbara and Kurt Aland et al., Novum Testamentum Grace, 27th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1993), 587.
[31] لتواريخ المخطوطات، انظر
Metzger and Ehrman, The Text of the New Testament, 52–94
[32] Eusebius, Church History, 6.1–3, 20.3; 25.13–14; Jerome, Lives of Illustrious Men, 5.59.
[35] Ehrman, Forgery and Counterforgery, 324–44. See also John P. Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus, 4 vols., Anchor Yale Bible Reference Library (New Haven: Yale University Press, 1991, 1994, 2001, 2009), 1.112–66.
[36] يتم تجاهل هذه النقطة باستمرار من قبل العلماء الذين يزعمون أن الإسناد الخاطئ لمرقس ولوقا لا يمثل مشكلة. انظر، على سبيل المثال، Ehrman, in Forgery and Counterforgery, 51–52 حيث فشل في شرح سبب عدم قيام الكتبة بنسب الأناجيل إلى بطرس وبولس أنفسهم فقط بدلاً من تلاميذ بطرس وبولس.
إن مخافة الله مكروهة من فاعلي الشر، وهذا القول صحيح لأن الكتاب المقدس لا يمكن أن يكذب، لأن الرغبة في الحياة باستقامة وقداسة هو أمر غريب تمامًا عند أولئك الذين يحبون الشر، ولأن عنف أهوائهم يهاجمهم كوحشٍ كاسرٍ فهم لن ينصتوا لكلام من ينصحهم، بل يعتبرون كل من يعلِّمهم كيف ينبغي أن يحيوا الحياة الصالحة، بمثابة عدوٍّ لهم. كان هذا هو الشعور الذي جعل جموع اليهود يبغضون المسيح، مع أنَّ ما دعاهم إليه كان هو الخلاص وغفران الخطية، وإلى نمط من الحياة جدير بالإعجاب، وإلى برٍّ أسمى من برِّ الناموس، وإلى عبادة روحية أعلى من الرموز والظلال.
لقد أتوا بالقدوس والبار إلى بيلاطس ونطقوا ضده بكلام عنيف ومتهوِّر، وانهالوا عليه باتهامات كاذبة ملفَّقة، واستمرُّوا طويلاً في كَيْل الاتهامات له بحدَّة حتى إن بيلاطس أخيرًا حكم أن تُلبَّى طلبتهم مع أنه قال علانية: ” أنا لا أجد علَّة في هذا الإنسان“، لكنهم ـ بحسب النص ـ صرخوا قائلين: ” خذه، اصلبه“. وكان الرب قد وبَّخهم لأجل هذه الصرخة بالذات ـ الصرخة القاسية وغير الشرعية ـ بصوت النبي إشعياء، لأنه هكذا مكتوب: ” إنَّ َكْرم رب الجنود، الغرس الجديد والمحبوب هو بيت يهوذا، فانتظرتُ أن يصنع عدلاً ولكنه عمل إثمًا، وليس استقامة بل صراخًا” (إش7:5س). وفي موضع آخر قال عنهم: ” ويل لهم لأنهم هربوا عنِّي. إنهم تعساء لأنهم أخطأوا ضدِّي، ولكن أنا افتديتهم أمَّا هم فتكلموا عليَّ بكذب” (هو13:7س)، وأيضًا: “سيسقط رؤساؤهم بالسيف بسبب فظاظة لسانهم” (هو16:7س).
لذلك ـ بحسب النص ـ حكم بيلاطس أن تلبَّى طلبتهم، لكن كان من الأفضل لهم لو تغلَّبتْ رغبة بيلاطس وصار الحكم هو بإطلاق سراح الرب وتبرئته من كل جرم، وتمَّ فك البار البريء من قيوده لكنهم قاوموا وعارضوا بشدة، وهكذا فازوا بمأربهم الذي كان هو علَّة فسادهم، والذي أَعدَّ لهم الشرك الذي كان سبب خرابهم، وجلب عليهم البؤس الشديد والمُحتَّم.
لكن أتوسل إليكم أن تلاحظوا هنا كيف أنَّ الحية المتمرِّدة، تُطرد من سيادتها علينا، وتحفر لنفسها هي ولرَهطِ الأشرار الذين يخدمونها هُوَّة الهلاك. لأنه كما يقول المرنم: ” وَقَعَت الأمم في الهلاك الذي صنعوه، وفي الفخ الذي نصبوه انتَشَبَت أرجلهم، سيُعرَف الرب أنه هو صانع الأحكام، والشرِّير يُؤخذ بعمل يديه” (مز16،15:9س)، ” إذ ثبت أنَّ أعمال يديه هي بمثابة فخ له، وسقط هو في الحفرة التي حفرها، وارتدَّ تعبه على رأسه، وعلى هامته هبط إثمه” (مز16،15:7س). لأنه كما قلت، قد طُرد من طغيانه علينا. وهذا ما علَّمنا المخلِّص إياه، لأنه عندما كان مزمعًا أن يحتمل آلامه الخلاصية لأجلنا قال: ” الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا، وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع” (يو31:12و32). لذلك فإن يسوع جاء إلى الصليب حتى إذا ما رُفع يمكنه أن يجتذب إليه الجميع، ولكيما بهذا يجرِّد الشيطان من عابديه، وهو الذي في علوِّ كبريائه تجاسر على أن يقول: “سأُمسِك العالم كله في يدي كعش، وكما يُجمع بيض مهجور جمعتُ أنا كل الأرض، ولن يوجد من يفلت مني أو يتكلم ضدي” (إش14:10س).
إذًا، أنت لم تكن تتوقع أن ينهض أحد ضدك حينما كنت مستوليًا على ما ليس هو لك. ولكن مع ذلك فالأنبياء تجاسروا أن يفعلوا ذلك، مع أنَّ الإسرائيليين كانوا بتهيُّجِك وإغرائك يندفعون باستمرار إلى العنف وارتكاب جرائم قتل شنيعة. ثم قام ضدّك رب الكل وتكلم ضدّك، وإذ قد أخذ شكل العبد وتكلم كنبي، مع أنه هو المُعطِي كل نبوة ومعرفة، وهو العالي الذي يفوق الكل تخلَّى عن مجده، وظهر في ضعفٍ مثلنا مع أنه رب الجنود. وأنت لم تعرف المخلِّص، وكما يقول إرميا النبى: ” قد وُجدتَ وأُمسكتَ لأنك قد وقفت ضد الرب” (إر24:50س). وكيف أُمسكتَ؟ بِكَوْن أولئك الذين كانوا في الظلمة والجهل الذي سبَّبته لهم نالوا نورًا، وأولئك الذين كانوا تائهين في الضلال جيء بهم إلى الطريق الصحيح، وسَقَطَت سيادتك الطاغية والقاسية، وبادت شوكة الخطية، وقُتل الموت بموت المسيح. هذه هي المنافع التي صُنِعَت لنا بواسطة آلام المخلِّص، لذلك قُدْ يسوع! نعم قُده إلى الصليب الذي سيؤدِّي إلى خرابك، واخزن لنفسك النار التي لا تُطفأ، واحفر لنفسك الحفرة التى ستُطرح فيها إذ ستداس تحت أقدام أولئك الذين يخافون الرب. لذلك إن كنت تضحك عندما تراه مصلوبًا ومعلَّقًا على خشبة، لكن سرعان ما سوف تراه وقد قام من الأموات، وآنذاك سوف تُولوِل على الموت لأنه قد سقط. إبكِ بغزارة لدى رؤيتك للهلاك وهو ينهزم، إبكِ لأن الله يُعيد تشكيل طبيعة الإنسان لتتأهَّل للحياة، إذ هو سحق الخطية وأخضعها، هذه التى بفعلك تسَلَّطَت علينا بوحشية، وأنت لن تعود بعد تشتكي على أي إنسان، لأن ” الله هو الذي يُبرِّر فمن هو الذي يدين” (رو34،33:8)، وكما يقول المرنم: ” كل إثم يسدُّ فاه” (مز42:107).
وهكذا اقتيد المخلِّص إلى آلامه المخلِّصة، لكنهم ـ يقول الكتاب ـ وضعوا صليبه على سمعان القيرواني، لكن إنجيلي قديس آخر قال إن المخلص نفسه حمل الخشبة (يو17:19)، كلاهما حتمًا صادق فيما يقوله، لأن المخلِّص حمل الصليب فعلاً، ولكن ربما لاقاهم سمعان القيرواني في وسط الطريق فأمسكوه وجعلوه يحمل الصليب بدلاً منه. ويوجد سبب هام لحقيقة أنَّ المسيح مخلِّص الكل حَمَل الصليب، هو أنه قد قيل عنه بفم إشعياء النبى:” إنه يولَد لنا ولد ونُعطَى أيضًا ابنًا وتكون الرياسة على كتفه” (إش6:9س). لأن الرياسة كانت بالصليب الذي به صار مَلِكًا على العالم. وذلك لأنه أطاع الآب حتى الموت موت الصليب، فلأجل هذا السبب أيضًا رَفَّعه الله وعظَّمه جدًّا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء ومَن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أنَّ يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (فى8:2ـ11).
وأعتقد أنه من المهم أن نلاحظ هذا الأمر أيضًا هنا، هو أنه عندما صعد الطوباوي إبراهيم إلى الجبل الذي أراه الله إياه ليُصعِد هناك إسحق ذبيحة بحسب أمر الله، فإن إبراهيم وضع الحطب على الصبي الذي كان مثالاً للمسيح وهو يحمل صليبه الخاص على كتفيه وهو صاعد إلى مجد آلامه، لأن كَوْن آلام المسيح هي مجده، فهذا هو ما علَّمه لنا المسيح بنفسه عندما قال: ” الآن تمجد ابن الإنسان وتمجَّد الله فيه. إن كان الله قد تمجَّد فيه، فإن الله سيمجِّده في ذاته ويُمجِّده سريعًا” (يو32،31:13).
كان يسوع ماضيًا إلى موضع الصلب وتبعته آنذاك نساء تبكين وكذلك آخرون كثيرون، لأن جنس النساء على الدوام يستسلم للبكاء، ولديهم استعداد أن يتأثَّروا بشِدَّة عندما يقترب أي شيء مُحزِن. أما يسوع فقال لهن: يا بنات أورشليم وفِّرن دموعكن لأجلي، وتوقَّفوا عن نحيبكن بخصوصي، بل ” بالأحرى لا تبكين علىَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن، لأنه هوذا أيام تأتي سيكون فيها أفضل للنساء أن تكنَّ عواقر من أن تَلِدن“. كيف هذا أو بأية طريقة؟ لأنه عندما وقعت الحرب على بلاد اليهود، هلك الجميع تمامًا كبيرهم مع صغيرهم، الأطفال مع أمهاتهم، والأبناء مع آبائهم، والجميع بادوا بلا تفريق. ويقول الرب إنه آنذاك سيعتبرونه أثمن شيء لديهم هو أن يُسحقوا تحت الجبال والآكام؛ لأنه في أثناء تلك الكوارث الفظيعة، فإن هذه المحن التي هي أقل وحشية وقسوة، تصير كأنها مرغوبة. لأنه يقول: ” لأنه إن كان بالعود الرطب يفعلون هذا، فماذا يكون باليابس؟” (لو31:23).
إنه أمر جدير باهتمامنا أن نفهم ماذا كان يقصد المخلِّص بهذه الكلمات، لأن القول صيغ في هيئة مَثَل أو بالحري مِثال، لكنه مليء بالمعاني الروحية، وأنا أعتقد أنه ربما يقصد أن يوحِى بما يلى: فهو يشبِّه نفسه بالشجرة الخضراء التى لها أوراق وأزهار وثمر، وأثماره كانت تعاليم وعظات وأيضًا مظاهر قوته الإلهية في معجزاته الإلهية فائقة الوصف، فأي عمل من أعماله لا يفوق مستوى إعجابنا؟ فهو قد أقام الموتى وطهَّر البرص وشفى الأعمى وأعمال أخرى صنعها أثارت فينا كل التسبيح والتمجيد له. ورغم أنَّ هذه كانت هي أعماله، لكن جنود الرومان أو بالأحرى بيلاطس أدانه وحكم عليه بحكم جائر، وابتلاه بهذه الاستهزاءات القاسية، لذلك عندما يقول إن رؤساء الرومان قد أوقعوا بي كل هذه الأمور مع أنهم رأوني أتحلَّى بمثل هذا المجد والمديح العظيم، فماذا سيفعلون بإسرائيل عندما يجدون أنه عود يابس غير مثمر؟ لأنهم لن يجدوا فيه شيئًا يستحق الإعجاب مِن الأشياء التي ربما يعتبرونها جديرة بالتكريم والرحمة. من الواضح أنهم سيحرقونه بالنار بدون أن يُظهروا له أيَّة رحمة، بل وسيكابد بالأحرى القساوات التى ستتأتَّى من هياج وحشي. فهذه كانت فعلاً البلايا التى أصابت الإسرائيليين عندما حتَّم الله الذي يحكم بعدل، بالعقوبة التي استوجبها شرهم ضد المسيح. أمَّا نحن الذين نؤمن به، فإن المسيح ينعم علينا بالنعمة والبركة، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.
يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
سألنا الذكاء الاصطناعي ChatGPT عن صلب المسيح تاريخيا – فماذا قال؟
سألنا الذكاء الاصطناعي ChatGPT عن صلب المسيح تاريخيا – فماذا قال؟
نترككم أولا مع الصور ثم النص باللغة العربية ثم النص الأصلي باللغة الإنجليزية
سألنا الذكاء الاصطناعي ChatGPT عن صلب المسيح تاريخيا – فماذا قال؟سألنا الذكاء الاصطناعي ChatGPT عن صلب المسيح تاريخيا – فماذا قال؟سألنا الذكاء الاصطناعي ChatGPT عن صلب المسيح تاريخيا – فماذا قال؟
سألنا الذكاء الاصطناعي ChatGPT عن صلب المسيح تاريخيا بين الكتاب المقدس والقرآن، فماذا قال؟
هل يمكنك أن تعطيني أدلة تاريخية عن صلب يسوع؟
نعم، هناك دليل تاريخي على صلب يسوع المسيح. فيما يلي بعض المصادر الرئيسية:
إنجيل العهد الجديد: الأناجيل الأربعة للعهد الجديد – متى ومرقس ولوقا ويوحنا – تصف جميعها صلب يسوع بالتفصيل. على الرغم من أنها ليست وثائق تاريخية بحتة، إلا أنها توفر سياقًا تاريخيًا وثقافيًا قيمًا للفترة الزمنية والأحداث التي يصفونها.
أعمال فلافيوس يوسيفوس: كان يوسيفوس مؤرخًا يهوديًا عاش في القرن الأول الميلادي وكتب كثيرًا عن تاريخ وثقافة الشعب اليهودي. في كتابه “آثار اليهود”، يذكر صلب المسيح على يد بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني ليهوذا. بينما يناقش بعض العلماء صحة هذا المقطع، يعتقد الكثيرون أنه إشارة حقيقية إلى يسوع.
كتابات تاسيتوس: كان تاسيتوس مؤرخًا رومانيًا عاش في القرن الثاني الميلادي. يصف في حولياته اضطهاد المسيحيين من قبل الإمبراطور نيرون في الستينيات بعد الميلاد، ويذكر أن مؤسسهم “كريستوس” قد أعدم على يد بيلاطس البنطي في عهد طيباريوس.
كتابات بليني الأصغر: كان بليني حاكمًا رومانيًا كتب إلى الإمبراطور تراجان في أوائل القرن الثاني الميلادي عن محاولاته لقمع المسيحية. يذكر في رسائله أن المسيحيين عبدوا المسيح “كإله” وأنهم غنوا له الترانيم “كإله مصلوب”.
كتابات آباء الكنيسة الأوائل: كتب آباء الكنيسة الأوائل، مثل إغناطيوس الأنطاكي وكليمندس الروماني ويوستينوس الشهيد، جميعهم عن صلب المسيح وأهميته بالنسبة لإيمانهم. في حين أن كتاباتهم ليست وثائق تاريخية بحتة، إلا أنهم يقدمون رؤى قيمة حول معتقدات وممارسات المسيحيين الأوائل.
بشكل عام، في حين أنه قد لا يكون هناك ثروة من الأدلة التاريخية المباشرة لصلب يسوع، هناك العديد من المصادر من كل من المؤرخين اليهود والرومان التي تشهد على حدوثه.
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ، فهل هذه الآية صحيحة تاريخيًا أم أن يسوع قد صلب حقًا؟
من منظور تاريخي، فإن صلب المسيح مقبول على نطاق واسع كحقيقة من قبل علماء المسيحية والديانات الأخرى. كما ذكرت في إجابتي السابقة، هناك أدلة قوية على صلب المسيح في إنجيل العهد الجديد، وكذلك في كتابات المؤرخين اليهود والرومان.
ومع ذلك، فإن الآية التي نقلتها مأخوذة من القرآن، وهي تقدم منظورًا مختلفًا لهذا الحدث. يعتقد المسلمون أن المسيح لم يُصلب في الواقع، لكن فقط هذا ما يبدو. هذه مسألة إيمان وتفسير ضمن التقاليد الإسلامية.
بصفتي نموذجًا للغة في الذكاء الاصطناعي، فأنا لا أعتنق أي معتقدات دينية ولا يمكنني تقديم إجابة نهائية بشأن مسائل العقيدة. الأمر متروك للأفراد لتفسير وفهم النصوص الدينية بطريقتهم الخاصة. المهم هو التعامل مع هذه الاختلافات باحترام معتقدات وتقاليد بعضنا البعض.
أنا لا أسأل عن المعتقدات الدينية، أنا أسأل تاريخيًا
من منظور تاريخي، فإن صلب المسيح مقبول على نطاق واسع كحقيقة من قبل علماء المسيحية والديانات الأخرى. هناك عدة مصادر تاريخية خارج الكتاب المقدس تؤكد صلب المسيح. على سبيل المثال، كتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس، الذي لم يكن مسيحيًا، عن صلب المسيح في كتابه آثار اليهود. كتب المؤرخ الروماني تاسيتوس أيضًا عن صلب المسيح في حولياته.
علاوة على ذلك، يعتبر العلماء عمومًا روايات الصلب في أناجيل العهد الجديد موثوقة تاريخيًا. بينما قد تكون هناك بعض الاختلافات في تفاصيل الروايات، فإن الحقائق الأساسية لاعتقال يسوع ومحاكمته وإعدامه بالصلب تدعمها مصادر متعددة.
لذلك، من منظور تاريخي بحت، تدعم الأدلة بقوة حقيقة أن يسوع قد صلب.
Can you give me historical proofs for the crucifixion of Jesus
Yes, there is historical evidence for the crucifixion of Jesus Christ. Here are some of the key sources:
1. The New Testament Gospels: The four Gospels of the New Testament – Matthew, Mark, Luke, and John – all describe the crucifixion of Jesus in detail. While they are not strictly historical documents, they do provide valuable historical and cultural context for the time period and events they describe.
2. The works of Flavius Josephus: Josephus was a Jewish historian who lived in the first century AD and wrote extensively about the history and culture of the Jewish people. In his Antiquities of the Jews, he mentions the crucifixion of Jesus by Pontius Pilate, the Roman governor of Judea. While some scholars debate the authenticity of this passage, many believe that it is a genuine reference to Jesus.
3. The writings of Tacitus: Tacitus was a Roman historian who lived in the second century AD. In his Annals, he describes the persecution of Christians by Emperor Nero in the 60s AD, and mentions that their founder, “Christus,” was executed by Pontius Pilate during the reign of Tiberius.
4. The writings of Pliny the Younger: Pliny was a Roman governor who wrote to Emperor Trajan in the early second century AD about his attempts to suppress Christianity. In his letters, he mentions that Christians worshipped Christ “as to a god” and that they sang hymns to him “as if to a god who had been crucified.”
5. The writings of the early Church Fathers: The early Church Fathers, such as Ignatius of Antioch, Clement of Rome, and Justin Martyr, all wrote about the crucifixion of Jesus and its significance to their faith. While their writings are not strictly historical documents, they provide valuable insights into the beliefs and practices of early Christians.
Overall, while there may not be a wealth of direct historical evidence for the crucifixion of Jesus, there are several sources from both Jewish and Roman historians that attest to its occurrence.
“We killed the Messiah, Jesus, son of Mary, the messenger of Allah.” But they neither killed nor crucified him—it was only made to appear so”, is that verse historically right or Jesus was really crucified?
From a historical perspective, the crucifixion of Jesus is widely accepted as a fact by scholars of Christianity and other religions. As I mentioned in my previous answer, there is strong evidence for the crucifixion of Jesus in the New Testament Gospels, as well as in the writings of Jewish and Roman historians.
However, the verse you quoted is from the Quran, and it offers a different perspective on this event. Muslims believe that Jesus was not actually crucified, but that it was made to appear so. This is a matter of faith and interpretation within the Islamic tradition.
As an AI language model, I do not hold any religious beliefs and cannot provide a definitive answer on matters of faith. It is up to individuals to interpret and understand religious texts in their own way. What is important is to approach these differences with respect for one another’s beliefs and traditions.
I’m not asking about the religious beliefs, I’m asking historically
From a historical perspective, the crucifixion of Jesus is widely accepted as a fact by scholars of Christianity and other religions. There are several historical sources outside of the Bible that confirm the crucifixion of Jesus. For example, the Jewish historian Josephus, who was not a Christian, wrote about the crucifixion of Jesus in his book Antiquities of the Jews. The Roman historian Tacitus also wrote about the crucifixion of Jesus in his Annals.
Furthermore, the accounts of the crucifixion in the New Testament Gospels are generally considered to be historically reliable by scholars. While there may be some differences in the details of the accounts, the basic facts of Jesus’ arrest, trial, and execution by crucifixion are corroborated by multiple sources.
Therefore, from a purely historical perspective, the evidence strongly supports the fact that Jesus was crucified.
كان كورنيليوس تاسيتوس (حوالي 55 -120 م) مؤرخًا رومانيًا عاش في فترات حكم أكثر من ستة أباطرة رومانيين. لقد أطلق عليه لقب “أعظم مؤرخ” لروما القديمة، وهو فرد معترف به عمومًا بين العلماء بسبب “نزاهته الأخلاقية وصلاحه الأساسي”.[1]
اشتهر تاسيتوس بعملين هما (الحوليات Annals والتاريخ (Histories. يُعتقد أن الكتاب الأول قد اشتمل على ثمانية عشر جزءاً، بينما اشتمل الأخير على اثني عشر جزءاً، ليصبح المجموع ثلاثين.[2] تغطي الحوليات الفترة من وفاة أغسطس في عام 14 م إلى وفاة نيرون عام 68 م، بينما يبدأ التاريخ بعد وفاة نيرون وينتقل إلى وفاة دوميتيان في عام 96 م.
سجل تاسيتوس إشارة واحدة على الأقل إلى المسيح واثنتين إلى المسيحية المبكرة، واحدة في كل من أعماله الرئيسية. وأهمها ما وجد في الحوليات، الذي كتب حوالي عام 115 م، وقد رُوي ما يلي بشأن الحريق العظيم الذي اندلع في روما في عهد نيرون:
وبالتالي، للتخلص من التقرير، شدد نيرون الذنب وألحق أفظع أشكال التعذيب بفئة مكروهة بسبب رجاساتهم، يطلق عليهم المسيحيون من قبل الجمهور. عانى كريستوس، الذي نشأ منه الاسم، من العقوبة القصوى في عهد طيباريوس على يد أحد وكلاءنا، بيلاطس البنطي، وهي خرافة شريرة، تم التحقق منها في الوقت الحالي، اندلعت مرة أخرى ليس فقط في اليهودية، المصدر الأول للشر، ولكن حتى في روما، حيث تجد كل الأشياء البشعة والمخزية من كل جزء من العالم مركزها وتصبح شائعة. وبناءً عليه، تم القبض أولاً على كل من اعترف بالذنب؛ ثم، بناءً على معلوماتهم، أدين عدد هائل، ليس بجريمة إشعال النار في المدينة، بقدر ما أُدينَ بالكراهية ضد البشرية. تمت إضافة السخرية من كل نوع إلى وفاتهم. تمت تغطيتهم بجلود الوحوش، ومزقتهم الكلاب وهلكوا، أو تم تسميرهم على الصلبان، أو حُكم عليهم بالنيران والحرق، ليكونوا بمثابة إضاءة ليلية، عندما انتهى ضوء النهار. قدم نيرون حدائقه للمشهد، وكان يعرض عرضًا في السيرك، بينما كان يختلط مع الناس في لباس العجلة أو يقف عالياً في سيارة. ومن ثم، حتى بالنسبة للمجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد والمثالي، نشأ شعور بالشفقة؛ لأنه لم يكن، كما يبدو، إهلاكهم من أجل الصالح العام، ولكن لإشباع قسوة رجل واحد.[3]
من هذا التقرير يمكننا أن نتعلم عدة حقائق، صريحة وضمنية، تتعلق بالمسيح والمسيحيين الذين عاشوا في روما في الستينيات بعد الميلاد، بالتسلسل الزمني، يمكننا التأكد من المعلومات التالية.
(1) تم تسمية المسيحيين على اسم مؤسسهم كريستوس (من اللاتينية)، (2) الذي قتل على يد الوكيل الروماني بيلاطس البنطي (لاتيني أيضًا)، (3) في عهد الإمبراطور طيباريوس (14 -37 م). و (4) أنهى موته “الخرافة” لفترة قصيرة، (5) لكنها اندلعت مرة أخرى، (6) خاصة في اليهودية، حيث نشأ التعليم.
(7) حمل أتباعه عقيدته إلى روما. (8) عندما دمر الحريق الكبير جزءًا كبيرًا من المدينة في عهد نيرون (54 -68 م)، ألقى الإمبراطور باللوم على المسيحيين الذين عاشوا في روما. (9) يذكر تاسيتوس أن هذه المجموعة كانت مكروهة لرجاساتهم. (10) تم القبض على هؤلاء المسيحيين بعد الإقرار بالذنب، (11) وأدين العديد منهم بتهمة “الكراهية للبشرية”. (12) تعرضوا للسخرية و (13) ثم تعرضوا للتعذيب، بما في ذلك “تسميرهم على الصلبان” أو حرقهم حتى الموت. (14) وبسبب هذه الأعمال، تعاطف الناس مع المسيحيين. (15) لذلك خلص تاسيتوس إلى أن مثل هذه العقوبات لم تكن من أجل الصالح العام ولكنها كانت ببساطة “لإشباع قسوة رجل واحد”.[4]
العديد من الحقائق هنا ذات أهمية. كما لاحظ ف. ف. بروس F. F. Bruce ربما كانت موجودة في أحد تقارير بيلاطس إلى الإمبراطور، والتي من المحتمل أن يكون تاسيتوس قد تمكن من الوصول إليها بسبب مكانته مع الحكومة.[5] بالطبع، لا يمكننا أن نكون متأكدين في هذه المرحلة، لكن اثنين من الكتاب الأوائل يزعمون أنهم يعرفون محتويات مثل هذا التقرير، كما سنرى لاحقًا.
ومما يثير الاهتمام أيضًا السياق التاريخي لموت يسوع، لأنه مرتبط بكل من بيلاطس وطيباريوس. بالإضافة إلى ذلك، يرى جي إن دي أندرسون J. N. D. Anderson مضامين في اقتباس تاسيتوس بخصوص قيامة يسوع.
بالكاد يكون من الوهم أن نقترح أنه عندما يضيف أن “أكثر الخرافات المؤذية، التي تم التحقق منها في الوقت الحالي، اندلعت مرة أخرى” فإنه يقدم شهادة غير مباشرة وغير واعية على قناعة الكنيسة الأولى بأن المسيح المصلوب قد قام من القبر.[6]
على الرغم من أننا يجب أن نكون حريصين على عدم المبالغة في هذا المعنى الضمني، إلا أنه لا يزال هناك احتمال أن يكون تاسيتوس قد أشار بشكل غير مباشر إلى إيمان المسيحيين بقيامة المسيح، لأن تعاليمه “اندلعت مرة أخرى” بعد موته.
ومن المثير للاهتمام أيضًا أسلوب التعذيب الذي استُخدِمَ ضد المسيحيين الأوائل. إلى جانب الحرق، صُلب عدد منهم “بالتسمير على الصلبان”. ليست هذه هي الطريقة المستخدمة مع يسوع فحسب، بل تشير التقاليد إلى أن نيرون كان مسؤولاً عن صلب بطرس أيضًا، ولكنه كان مقلوبًا رأسًا على عقب. وتجدر الإشارة أيضًا إلى التعاطف الذي أثاره الشعب الروماني.
تم العثور على الإشارة الثانية إلى يسوع في كتابات تاسيتوس في التاريخ. بينما تم فقد المرجع المحدد، كما هو الحال في معظم هذا الكتاب، يتم الاحتفاظ بالمرجع بواسطة Sulpicius Severus سولبيسيوس سيفيروس[7] يخبرنا أن تاسيتوس كتب عن إحراق الرومان هيكل أورشليم عام 70 بعد الميلاد، وهو حدث دمر المدينة. تم ذكر المسيحيين كمجموعة مرتبطة بهذه الأحداث. كل ما يمكننا استخلاصه من هذه الإشارة هو أن تاسيتوس كان أيضًا على علم بوجود مسيحيين غير الموجودين في روما. من المسلم به أن الحقائق التي يرويها تاسيتوس (ومعظم المصادر الكتابية الإضافية الأخرى) عن يسوع معروفة جيدًا في ثقافتنا الحالية. ومع ذلك نجد أهمية في التأكيد المفاجئ لحياة يسوع.
يوسيفوس
ولد المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس عام 37 أو 38 م وتوفي عام 97 م في عائلة كهنوتية وأصبح فريسيًا في سن التاسعة عشرة. بعد أن نجا من معركة ضد الرومان خدم القائد فيسباسيان في أورشليم. بعد تدمير أورشليم عام 70 م، انتقل إلى روما، حيث أصبح مؤرخ البلاط للإمبراطور فيسباسيان.[8]
تقدم الآثار Antiquities (أحد أهم أعمال يوسيفوس)، بعض الأدلة القيمة ولكن المتنازع عليها فيما يتعلق بيسوع. كتبت حوالي 90 -95 م، وهي أقدم من شهادات المؤرخين الرومان. يتحدث يوسيفوس عن العديد من الأشخاص والأحداث في فلسطين في القرن الأول ويشير إلى يسوع مرتين. الإشارة الأولى موجزة للغاية وتأتي في سياق الإشارة إلى يعقوب، “أخو يسوع الذي دُعي المسيح.”[9] نجد هنا علاقة وثيقة بين يسوع ويعقوب والاعتقاد لدى البعض بأن يسوع هو المسيّا
الإشارة الثانية هي الأكثر أهمية والأكثر مناقشة بسهولة، حيث يبدو أن بعض الكلمات ترجع إلى الاقحام المسيحي. على سبيل المثال، جزء من تقارير الاقتباس:
الآن كان هناك في ذلك الوقت يسوع، رجل حكيم، إذا جاز أن ندعوه رجلاً. لأنه كان الشخص الذي حقق أعمالاً مدهشة…. كان هو المسيح…. ظهر لهم حيًا مرة أخرى في اليوم الثالث، كما تنبّأ الأنبياء الإلهيون بهذه الأمور وعشرة آلاف أمر رائع آخر يخصه.[10]
بما أن يوسيفوس كان يهوديًا، فمن غير المرجح أنه كان سيكتب عن يسوع بهذه الطريقة. يخبرنا أوريجانوس أن يوسيفوس لم يؤمن أن يسوع هو المسيا.[11] ولكن يوسابيوس يقتبس الفقرة هذه بما في ذلك الكلمات أعلاه.[12] لذلك، ربما يعتقد غالبية المعلقين أن جزءًا على الأقل من الاقتباس (الكلمات “المسيحية” المميزة، على وجه الخصوص) هو إقحام مسيحي. ومع ذلك، فقد أيد علماء آخرون أيضًا النهاية الأصلية.[13] هناك موقف وسيط اتخذه العديد من الناس، وهو أن المقطع نفسه كتبه يوسيفوس مع تعدسل أو حذف الكلمات المشكوك فيها. لذا فإن السؤال الرئيسي هنا يتعلق بالكلمات الفعلية ليوسيفوس.
هناك مؤشرات جيدة على أن غالبية النص أصلي. لا يوجد دليل نصي ضده، وعلى العكس من ذلك، هناك أدلة مخطوطية جيدة جدًا لهذه الفقرة عن يسوع، مما يجعل من الصعب تجاهلها. بالإضافة إلى ذلك، شهد العلماء البارزون في أعمال يوسيفوس أن هذا الجزء مكتوب بأسلوب هذا المؤرخ اليهودي.[14] وهكذا نستنتج أن هناك أسبابًا وجيهة لقبول هذه النسخة من تصريح يوسيفوس عن يسوع، مع تعديل الكلمات المشكوك فيها. في الواقع، من الممكن أن يتم التحقق بدقة من هذه التعديلات.
في عام 1972 أصدر البروفيسور شلومو باينز Schlomo Pines من الجامعة العبرية في أورشليم نتائج دراسة حول مخطوطة عربية تحتوي على تصريح يوسيفوس عن يسوع. يتضمن عرضًا مختلفًا ومختصرًا للمقطع بأكمله، بما في ذلك التغييرات في الكلمات الرئيسية المذكورة أعلاه:
في ذلك الوقت كان هناك رجل حكيم يُدعى يسوع. كان سلوكه حسنًا وعرف عنه أنه فاضل. وكثير من اليهود ومن الأمم الأخرى صاروا تلاميذه. حكم عليه بيلاطس بالصلب والموت. لكن أولئك الذين أصبحوا تلاميذه لم يتخلوا عن تلمذته. وأخبروا أنه ظهر لهم بعد صلبه بثلاثة أيام وأنه حي. وعليه، ربما كان هو المسيا الذي روى عنه الأنبياء العجائب.[15]
وهنا من العبارات الثلاثة المتنازع عليها، لم يتغير شيء. تم إسقاط العبارة الإشكالية الأولية “إذا جاز أن ندعوه رجلاً” بالكامل، وتروي فقط أن يسوع كان رجلاً حكيمًا. كما تم حذف عبارة “لأنه كان الشخص الذي حقق أعمالاً مدهشة”. وبدلاً من عبارة “كان (المسيح)” نجد “ربما كان هو المسيا”. العبارة: ظهر لهم في اليوم الثالث “الآن تقول “أخبروا (التلاميذ) أنه ظهر لهم”، وهي عبارة صحيحة تمامًا عبّر عنها شهود العيان في القرن الأول. أخيرًا، تم اختزال العبارة القائلة بأن “الأنبياء الإلهيين قد تنبأوا بهذه الأمور وعشرة آلاف أمر رائع آخر يتعلق به” بشكل كبير إلى “الذي روى عنه الأنبياء العجائب”، والتي تتعلق بالمسيح وربما حتى يسوع، وفقًا ليوسفوس. لذلك، في حين تم حذف بعض الكلمات تمامًا، يتم تعديل البعض الآخر بواسطة “ربما” و “أخبروا”.
هناك بعض الأسباب الوجيهة التي تجعل النسخة العربية هي بالفعل الكلمات الأصلية ليوسيفوس قبل أي إقحام مسيحي. كما ذكر شلومو باينز وديفيد فلوسر David Flusser، من الجامعة العبرية، أنه من المعقول تمامًا ألا تنطبق أي من الحجج ضد كتابة يوسيفوس الكلمات الأصلية على النص العربي، خاصة وأن الأخير كان سيواجه فرصة أقل للرقابة من قِبَل الكنيسة. بالإضافة إلى ذلك، يشير فلوسر إلى أن سبب الأصالة يأتي من حقيقة أن النسخة العربية حذفت الاتهام بأن اليهود هم المسؤولون عن موت المسيح، والذي تم تضمينه في القراءة الأصلية.[16]
بعد التحقيق في المسألة، شرح تشارلزوورث Charlesworth وجهة نظره بأن النسخة الأصلية ليوسيفوس هي “اقحام وتنقيح في نفس الوقت”.[17] لكنه يقدم ثلاثة أسباب لاستمرار الإعتقاد في أن كتابة معظم المقطع كانت من يد يوسيفوس: بعض الكلمات من الصعب جدًا تخصيصها لكاتب مسيحي، والمقطع مناسب نحويًا وتاريخيًا، ويبدو أن الإشارة الموجزة إلى يسوع في الآثار 20 تفترض ذكراً مسبقًا ليسوع.[18]
يستنتج تشارلزوورث أن النسخة العربية المنقحة دقيقة جوهرياً، حتى لو كان لا يزال هناك بعض التعديلات المسيحية الماهرة. ويختتم هذا المقطع ببعض الكلمات القوية: “يمكننا الآن أن نكون على يقين من أن البحث التاريخي سيسمح حاليًا بأن يوسيفوس أشار بالفعل إلى يسوع”، ويقدم “دعمًا لرواية الإنجيل”.[19]
نستنتج أن يوسيفوس كتب بالفعل عن يسوع، ليس فقط في البيان الموجز المتعلق بـ يعقوب، ولكن أيضًا في هذه الرواية الأطول. تشير الأدلة إلى تأليفه لهذا المقطع الأخير مع حذف وتعديل عدد من العبارات الرئيسية التي ربما تكون مضافة من قبل المصادر المسيحية.
ما هي الحقائق التاريخية التي يمكن التحقق منها من الأجزاء المحذوفة والمعدلة من بيان يوسيفوس مثل تلك التغييرات التي تم إجراؤها في النسخة العربية؟
(1) كان يسوع معروفًا بأنه رجل حكيم وفاضل، معروف بسلوكه الحسن. (2) كان له تلاميذ كثيرون من اليهود والأمم. (3) حكم عليه بيلاطس بالموت، (4) مع ذكر الصلب صراحة على أنه الكيفية. (5) أخبر التلاميذ أن يسوع قد قام من بين الأموات و(6) أنه ظهر لهم في اليوم الثالث بعد صلبه (7) لذلك استمر التلاميذ في إعلان تعاليمه. (8) ربما كان يوع هو المسيا الذي تكلم عنه أنبياء العهد القديم وتنبأوا بالعجائب. نضيف هنا حقيقتين من اقتباس يوسيفوس السابق أيضًا. (9) كان يسوع أخو يعقوب و(10) أطلق عليه البعض اسم المسيح.[20]
لا يوجد شيء مثير حقًا في مثل هذه القائمة من الحقائق من مؤرخ يهودي. سلوك يسوع الأخلاقي، وأتباعه وصلبه بأمر بيلاطس هي ما نتوقع أن يذكره المؤرخ. حتى رواية التلاميذ التي تحدثت عن ظهورات قيامة يسوع (إذا سلمنا بذلك) لها طابع أصيل بشكل خاص. يوسيفوس، مثل العديد من المؤرخين اليوم، كان ببساطة يكرر الادعاءات، التي ربما كانت معروفة إلى حد ما في فلسطين في القرن الأول. إن قيام التلاميذ بنشر تعاليمه-يسوع -سيكون نتيجة طبيعية.
قدم يوسيفوس سردا هاما لعدة حقائق رئيسية عن يسوع وأصول المسيحية. على الرغم من بعض التساؤلات حول الصياغة الدقيقة، يمكننا أن ننظر إلى أقواله على أنها تقدم دليلاً محتملاً، على وجه الخصوص، لبعض العناصر في خدمة يسوع العلنية، وموته بالصلب، وتقرير التلاميذ عن ظهورات قيامته، وما بعدها تعليم رسالة يسوع.
ما هي الحقائق التي ذكرها المسيحيون الأوائل عن يسوع في السنوات الأولى بعد صلبه؟ ما الذي كان يتألف من أقدم كريستولوجيا قبل تكوين العهد الجديد؟ هل من الممكن العودة الى شهادات شهود العيان والى الحقائق التاريخية المتعلقة بيسوع؟ هذه أسئلة رائعة ومهمة للغاية، وكان أحد الجهود الرئيسية للمعرفة المعاصرة هو معالجة هذه القضايا. هذا هو أيضا مصدر اهتمام كبير في هذا الكتاب.
سنسعى في هذا الفصل الى استكشاف مجال يرى الكثيرون أنه الوسيلة الواعدة لوصف طبيعة الفكر المسيحي قبل كتابة العهد الجديد. يتعلق هذا الموضوع العام بوجود قوانين إيمان مسيحية مبكرة تكررت شفهياً أولاً ثم كتبت في أسفار العهد الجديد. وبالتالي، بمعنى ما، هذه المادة ليست خارج الكتاب المقدس لأننا نعتمد على المادة الكتابية لمعتقدات الإيمان. في الوقت نفسه، تمت صياغة هذه البيانات قبل كتابة أسفار العهد الجديد، التي تظهر فيها قوانين الإيمان هذه. باختصار، تم نقل هذه قوانين الإيمان شفهيًا قبل سنوات من كتابتها، وبالتالي فهي تحتفظ ببعض التقارير المبكرة عن يسوع من حوالي 30-50 م. لذلك، بالمعنى الحقيقي، تحافظ قوانين الإيمان على مادة ما قبل العهد الجديد، وهي أول مصادرنا لحياة يسوع.
يتضمن هذا الفصل أيضًا قائمة بالحقائق المقبولة من قبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا الذين درسوا هذا الموضوع. بعبارة أخرى، فإن علماء اللاهوت والمؤرخين والفلاسفة الذين درسوا العهد الجديد قد تأكدوا من عدد من الحقائق من حياة يسوع من خلال الفحص النقدي للمصادر الكتابية. الإجراء في هذا الفصل هو أولاً فحص بعض المذاهب الكريستولوجية فيما يتعلق بالمعلومات المتعلقة بحياة وموت وقيامة يسوع. سيكون هذا الموضوع الأخير-القيامة-هو الاهتمام الخاص في القسم الثاني من هذا الفصل، حيث سنبحث في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، والتي ربما تكون أهم قانون إيمان في العهد الجديد (على الأقل لأغراضنا). ويلي ذلك عرض الحقائق المقبولة بشكل نقدي، كما ذكرنا أعلاه. أخيرًا، سيتبع ذلك فحص هذه البيانات.
المذاهبالكريستولوجية
في الكنيسة الأولى كانت هناك صيغ عقائدية/اعترافات متعددة تتوافق مع ظروف مختلفة في الإيمان المسيحي. كانت أكثر هذه الاعترافات confessions شيوعًا ذات طبيعة كريستولوجية بحتة.[21] كان العنصران الأكثر شيوعًا في هذه العقائد يتعلقان بموت وقيامة يسوع والوهيته.[22] وهكذا نلاحظ الاهتمام الرئيسي بحياة وشخص يسوع المسيح.
حياةيسوعالمسيح
كان المسيحيون الأوائل واثقين من أن “يسوع المسيح جاء في الجسد”، كما أُعلِنَ في الاعتراف الموجود في يوحنا الاولى 4: 2.[23] نادرًا ما كان الإيمان بتجسد يسوع معبرًا عنه بوضوح أكبر من “ترنيمة ما قبل بولس pre-Pauline ” في فيلبي 2: 6 وما يليها،[24] والتي تتحدث عن طبيعة يسوع البشرية والالهية. حيث تتناقض حياته المتواضعة على الأرض بشكل واضح مع مكانته السماوية “في صورة الله” وتمجيده وعبادته اللاحقين.
هناك قانون إيمان قديم آخر يعبر عن التناقض بين جوانب حياة يسوع، وهو تيموثاوس الثانية 2: 8. [25] هنا تتناقض ولادة يسوع من نسل داود مع قيامته من بين الأموات، مما يُظهر مرة أخرى الاهتمام المسيحي المبكر بربط يسوع بالتاريخ.[26] وبالمثل، فإن رومية 1: 3-4 هي أيضًا عقيدة قديمة سابقة لبولس.[27] إنها تُقارن بين الرجل يسوع “الذي من نسل داود حسب الجسد” مع يسوع الالهي الذي تم إثبات ادعاءاته بقيامته من الأموات.[28] لأغراضنا الحالية، نحتاج فقط إلى ملاحظة الاهتمام المبكر بروابط يسوع الأرضية والجسدية، لأنه ولد من نسل عائلة داود. كما يقول مول، كان نفس الإنسان يسوع هو الذي عاش ومات وتبرر لاحقًا.[29]
عقيدة واحدة في وقت مبكر هي تيموثاوس الأولى 3: 16[30] . (يشار اليها أحيانًا باسم “ترنيمة المسيح”[31])، والتي تقدم عرض مختصر لكل من يسوع البشري والالهي:
لا يشير مول الى التاريخ المبكر لهذا العقيدة فحسب، بل يشير أيضًا الى نمط القافية الخاص بها، والذي ربما تم استخدامه في العبادة والتسبيح. [32] يقدم هذا البيان أيضًا تباينًا بين ولادة يسوع البشرية “في الجسد” والوهيته،[33] يذكر كذلك موافقته من الروح وشهادة الملائكة. وأنه تم التبشير به بين أمم العالم وآمن به الناس قبل أن “يُرفع في المجد”.
اعتراف مبكر آخر قد يعكس حدثًا في حياة المسيح هو رومية 10: 9. [34] في الوقت الحاضر نحن مهتمون فقط بالاحتمال القوي أن يكون هذا في الواقع عقيدة معمودية، كما ذكرها المتقدمون المسيحيون للمعمودية. [35] على هذا النحو، سيكون إشارة غير مباشرة الى معمودية يسوع نفسه.
على الرغم من أن قوانين الإيمان المبكرة هذه كانت مهتمة بالعناصر اللاهوتية لطبيعة المسيح، إلا أنها بالتأكيد تقارير مبكرة عن أحداث في حياة يسوع. قيل لنا أن (1) يسوع ولد بالفعل في الجسد البشري (فيلبي 2: 6؛ تيموثاوس الأولى 3: 16؛ يوحنا الأولى 4: 2). (2) من سلالة وعائلة داود (رومية 1: 3-4؛ تيموثاوس الثانية 2: 8). نجد (3) تلميحاً لمعموديته (رومية 10: 9) و(4) أنه تم التبشير بكلمته، (5) مما أدى الى تصديق الأشخاص لرسالته (تيموثاوس الأولى 3: 16).
موتوقيامةيسوع
قبل محاكمة يسوع وصلبه مباشرة، روى كل من الأناجيل الإزائية وبولس أن يسوع قد حضر عشاء خاصًا مع تلاميذه. رواية بولس في 1 كورنثوس 11: 23 وما يليها. تُقدِّم تقليدًا ثابتًا يعتمد على الأرجح على مادة مستقلة عن مصادر الأناجيل الإزائية. [36] يشير إرمياس الى أن كلمات بولس “تَسَلَّمْتُ” و “سَلَّمْتُكُمْ” ليست مصطلحات بولس النموذجية، ولكنها “تمثل المصطلحات التقنية الرابينية” لتمرير التقليد. [37] بالإضافة الى ذلك، هناك عبارات أخرى غير بولسية non-Pauline مثل “أُسْلِمَ”، “وَشَكَرَ” و “جَسَدِي” (11: 23- 24)، وهي مؤشرات أخرى على الطبيعة المبكرة لهذا التقرير. في الواقع، يؤكد إرمياس أن مادته تمت صياغتها “في أقرب وقت ممكن؛ على أي حال قبل بولس … صيغة ما قبل بولس.” يشير بولس في الواقع الى أن “سلسلة التقاليد تعود دون انقطاع الى يسوع نفسه”. [38]
يُعتقد على نطاق واسع أن هذا التقليد المبكر يقدم أحداثًاً تاريخية حقيقية وقعت في مساء ما يسمى “العشاء الأخير“. [39] هذا ما يعترف به بولتمان. [40] كما يوضح مارتن هينجل، “يشير بولس الى حدث تاريخي بتاريخ محدد….” [41] يشير هذا التقليد الى أن يسوع قد حضر عشاءً في نفس المساء الذي تعرض فيه للخيانة. إنه يشكر الله قبل الأكل وبعد ذلك يتقاسم الخبز والشراب، وهو ما أشار اليه على أنه تضحية بجسده ودمه للمؤمنين. هنا نجد رؤى ليس فقط لبعض أحداث المساء، ولكن أيضًا للكلمات الفعلية التي ربما تكررت في الاحتفالات المسيحية المبكرة بالعشاء الأخير.[42] حدث آخر قبل صلب يسوع مباشرة تم سرده في 1 تيموثاوس 6: 13، وهو أيضًا تقليد مبكر[43] وربما حتى جزء من اعتراف مسيحي شفهي إيماني كان منتشراً على نطاق واسع. [44] تؤكد هذه العبارة أن يسوع وقف أمام بيلاطس البنطي والقى اعترافًا جيدًا. [45] يشير نيوفيلد الى أن شهادة يسوع كانت على الأرجح إجابته الإيجابية على سؤال بيلاطس حول ما إذا كان هو ملك اليهود (راجع مرقس 15: 2). [46] على أي حال، “لم ينكر يسوع هويته في المحاكمات ولكنه اعترف أمام اليهود وبيلاطس”.[47]
لقد لاحظنا بالفعل كيف قدمت بعض التقاليد المسيحية المبكرة تجاورًا بين يسوع البشري والالهي. عارضت عدة تقارير مبكرة الهزيمة الظاهرة على الصليب مع انتصار قيامة يسوع. ذكرنا سابقاً، ترنيمة فيلبي 2: 6 وما يليها. التي عبّرت عن هذه المقارنة الأولى بين يسوع البشري الذي سيرفعه الله. وبشكل أكثر تحديدًا، تذكر فيلبي 2: 8 أيضًا تواضع يسوع عندما مات على الصليب في تناقض مباشر مع هذا التمجيد اللاحق. يوجد مثال آخر في رومية 4: 25، والذي يشير اليه بولتمان على أنه “تصريح كان موجودًا بوضوح قبل بولس وتم تسليمه اليه.” [48] ومضمون هذا التقليد هو أن يسوع مات من أجل خطايانا وبعد ذلك قام من بين الأموات ليضمن تبرير المؤمن. وبالمثل، فإن رسالة بطرس الأولى 3: 18 (راجع 1 تيموثاوس 2: 6) تقارن أيضًا بين موت يسوع عن خطايا البشرية (على الرغم من بره) والقيامة كوسيلة لجلب الناس الى الله “[49]
إن الروايات المبكرة عن قيامة يسوع محفوظة أيضًا في التقاليد المسيحية. بجانب كورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها، فإن أكثر النصوص أهمية للأغراض التاريخية هي العديد من المقاطع المبكرة في سفر أعمال الرسل (خاصة عظات بطرس). [50] إن موت وقيامة يسوع هما محور كل عظة “. [51] وقد أظهر بحث نقدي أن هذه النصوص تعكس لاهوتًا مبكرًا غير متطور الى حد كبير، ربما من مجتمع اورشليم. يشرح درين ذلك بهذه الطريقة:
أقرب دليل لدينا على القيامة يعود بشكل شبه مؤكد مباشرة الى الوقت الذي يُزعم فيه أنه قد حدثت القيامة. هذا هو الدليل الوارد في العظات الأولى في أعمال الرسل…. ولكن لا يمكن أن يكون هناك شك في أنه في الإصحاحات القليلة الأولى من سفر أعمال الرسل، احتفظ مؤلفها بمواد من مصادر مبكرة جدًا. اكتشف العلماء أن اللغة المستخدمة في الحديث عن يسوع في هذه العظات المبكرة في سفر أعمال الرسل مختلفة تمامًا عن تلك المستخدمة في الوقت الذي تم فيه تجميع السفر في شكله النهائي. [52]
جادل العديد من العلماء بأن لدينا في هذه النصوص المبكرة ملخصًا واضحًا لأقدم الكرازات الرسولية. [53]
يرى إرمياس أن إشارة لوقا القصيرة لظهور يسوع لبطرس من الأموات في لوقا 24: 34 هي أقدم من كورنثوس الأولى 15: 5، مما يجعلها شاهدًا مبكرًا للغاية على هذه الظهورات. [54] لاحظ دود وبولتمان أيضًا الروابط بين حقيقة ظهور بطرس في كل من لوقا 24: 34 وكورنثوس الأولى 15: 5. [55] التقليد المذكور سابقًا، تيموثاوس الثانية 2: 8، يقدم تناقضًا آخر من خلال ربط يسوع الذي ولد من داود بنفس الشخص الذي أقيم من بين الأموات. لم يتم الإعلان عن قيامة يسوع فقط كحدث تاريخي، ولكن أيضًا تؤكد قوانين الإيمان المبكرة، على أساس هذا الحدث، أن ادعاءات يسوع كانت مبررة في عينيّ الله. على وجه الخصوص، يُقال إن القيامة كشفت عن شخص يسوع الفريد.
إن رومية 1: 3-4 هي عقيدة قديمة ما قبل بولس. يظهر هذا من خلال التوازي بين الجمل[56] والذي يظهر بشكل خاص في التناقض بين يسوع باعتباره ابن داود وابن الله. [57] نفس يسوع الذي ولد في المكان والزمان قام من الأموات.[58] يعلن قانون الإيمان هذا أن يسوع قد ظهر على أنه ابن الله، المسيح (أو المسيا) والرب وانه تم تبريره بقيامته من بين الاموات. [59] يضيف كولمان أن الفداء وتمجيد يسوع النهائي تم تضمينهما أيضًا في هذا التأكيد العقائدي المهم.”[60] مثل هذا البيان الشامل، بما في ذلك ثلاثة القاب كريستولوجية رئيسية وتلمح الى بعض أفعال يسوع، لا يكشف فقط عن واحدة من أقدم الصيغ عن طبيعة المسيح، ولكن أيضًا ينقل فكرة رسولية في ربط كل هذا اللاهوت بالتبرير الذي توفره قيامة يسوع (راجع أعمال الرسل 2: 22 وما يليها).
هناك عقيدة مبكرة أخرى تربط القيامة بشخص المسيح وادعاءاته وهي رومية 10: 9-10.[61] في هذا المقطع، يرتبط الإيمان بهذا الحدث التاريخي بالاعتراف بأن يسوع هو الرب. نتيجة لذلك يكون خلاص المرء مضموناً. [62] في وقت سابق أشير الى أن هذا قد يكون في الواقع عقيدة معمودية، حيث يعلن المؤمن المختار إيمانه (وولائه) بيسوع المسيح.
أخيرًا، تعترف بعض قوانين الإيمان أيضًا بصعود يسوع الى السماء وما يترتب على ذلك من تمجيد. تم ذكر مثالين على قوانين الإيمان المبكرة هذه سابقاً فيما يتعلق بحياة يسوع. في 1 تيموثاوس 3: 16، أُعلن أن يسوع بعد تجسده “رُفع في المجد”. في فيلبي 2: 6 وما يليها. يُقال أنه بعد أن أذل يسوع نفسه كإنسان، فقد تعالى للغاية ويجب أن يعبد من قبل جميع الأشخاص (2: 9-11)[63] هذا المقطع الأخير مأخوذ من إشعياء 45: 23 حيث يستقبل الله الآب مثل هذا التسبيح والمجد.
قبل الشروع في الفحص الموسع لكورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها. سيكون من المفيد أن نلخص بإيجاز الحقائق الواردة في العديد من العقائد الأخرى المتعلقة بموت وقيامة يسوع. تم ذكر بعض الأحداث السابقة من حياة يسوع، وكلها من قوانين الإيمان في أعمال الرسل: (6) ولد يسوع من نسل داود (13: 23؛ رومية 1: 3؛ 2 تيموثاوس 2: 8) و (7) جاء من مدينة الناصرة (2: 22؛ 4: 10؛ 5: 38). (8) سبق يوحنا خدمة يسوع (10: 37؛ 13: 24-25)، (9) التي بدأت في الجليل، (10) ثم توسعت في جميع أنحاء اليهودية (10: 37). (11) صنع يسوع المعجزات (2: 22؛ 10: 38) و (12) تمم العديد من نبوءات العهد القديم (2: 25-31؛ 3: 21-25؛ 4: 11؛ 10: 43؛ 13: 27-37). كما تعلمنا من قانون الإيمان في 1 كورنثوس 11: 23 وما يليها. أن (13) يسوع حضر مأدبة عشاء (14) مساء يوم خيانته. (15) شكر قبل الوجبة و (16) تقاسم الخبز والشراب، (17) الذي أعلن أنه يمثل ذبيحته الكفارية الوشيكة عن الخطية. (18) في وقت لاحق، وقف يسوع أمام بيلاطس (أعمال 3: 13؛ 13: 28) و (19) أدلى باعتراف جيد، الأمر الذي ربما كان مرتبطاً جداً بهويته كملك لليهود (1 تيموثاوس 6: 13). (20) بعد ذلك، قُتِلَ يسوع (أعمال 3: 13-15؛ 13: 27-29) (21) لأجل خطايا البشرية “(1 بطرس 3: 18; رومية 4: 25؛ 1 تيموثاوس 2: 6) (22) على الرغم من حياته الصالحة (1 بطرس 3: 18). (23) تم تحديد الصلب على أنه وسيلة الموت (أعمال الرسل 2: 23؛ 2: 36؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 39)، التي تم تنفيذها (24) في مدينة أورشليم (أعمال الرسل 13: 27؛ راجع 10: 39)، (25) من قبل رجال أشرار (أعمال الرسل 2: 23). (26) ثم دفن (أعمال 13: 29). (27) بعد وفاته قام (أعمال 2: 24، 31-32؛ 3: 15، 26؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40؛ 13: 30-37؛ 2 تيموثاوس 2: 8)، (28) في اليوم الثالث (أعمال 10: 40) و (29) ظهر لأتباعه (أعمال الرسل 13: 31)، وحتى (30) تناول الطعام معهم (أعمال 10: 40-41). (31) كان تلاميذه شهودا على هذه الأحداث (أعمال الرسل 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31). بعد قيامته، صعد يسوع الى السماء وتمجد وسُبّح (أعمال الرسل 2: 33؛ 3: 21؛ 5: 31؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ فيلبي 2: 6 وما يليها). (33) أصدر يسوع المُقام تعليماته بأن يبشَّر بالخلاص باسمه (أعمال الرسل 2: 38-39؛ 3: 19-23؛ 4: 11-12؛ 5: 32؛ 10: 42-43؛ 13: 26، 38-41). (34) أظهر هذا الحدث موافقة الله على يسوع، من خلال إثبات صحة شخصه ورسالته (أعمال الرسل 2: 22-24، 36؛ 3: 13-15؛ 10: 42؛ 13: 32-33؛ 13: 32-33؛ رومية 1: 3-4؛ 10: 9-10).
شخصيسوعالمسيح
وفيما يتعلق بشخصه، دُعي يسوع
(35) ابن الله (أعمال 13: 33 رومية 1: 3-4)، (36) الرب (لوقا 24: 34؛ أعمال 2: 36؛ 10: 36؛ رومية. 1: 4؛ 10 9؛ فيلبي 2: 11)، (37) المسيح أو المسيا (أعمال 2: 36، 38؛ 3: 18،20؛ 4: 10؛ 10: 36؛ رومية 1: 4؛ فيلبي 2: 11؛ 2 تيموثاوس 2: 8)، (38) المخلص (أعمال الرسل 5: 31؛ 13: 23)، (39) الرئيس (أعمال الرسل 5: 31) و (40) القدوس البار (أعمال الرسل 3: 14؛ راجع 2: 27؛ 13: 35) (41) ويقال أنه فيما يتعلق بطبيعته الجوهرية، فهو الله (فيلبي 2: 6).
مع استمرار المقطع، يسجل بولس ظهور المسيح المُقام لبطرس، للتلاميذ “الاثني عشر”، لأكثر من 500 شخص في وقت واحد، ليعقوب، لجميع الرسل ثم لبولس نفسه (الآيات 5-8).
أن قانون الإيمان المسيحي هذا مبكر جداً، وعقيدة ما قبل بولس معترف بها تقريبًا من قبل جميع العلماء النقديين عبر طيف لاهوتي واسع جدًا. [64] هناك العديد من المؤشرات التي تكشف عن هذا الاستنتاج.
أولاً، إن كلمات بولس “سَلَّمْتُ اليْكُمْ” و “قَبِلْتُهُ” هي مصطلحات تقنية لتمرير التقليد. على هذا النحو، لدينا تصريح بولس بأن هذه المادة لم تكن خاصة به، ولكنها وردت من مصدر آخر. [65]
ثانيًا، عدد من الكلمات في قانون الإيمان ليست كلمات خاصة ببولس، مما يشير مرة أخرى الى أصل آخر لهذه المادة. [66] إرمياس، وهو مرجع رئيسي في هذه القضية، يلاحظ عبارات غير بولسية مثل:
ثالثًا، من المرجح أن العقيدة منظمة في شكل منمق متوازي، مما يوفر مؤشرًا إضافيًا على الطبيعة الشفوية والعقائدية لهذه المادة. [68]
رابعًا، هناك دلائل على أنه قد يكون هناك مصدر سامي، مثل استخدام كلمة “صفا” الآرامية لبطرس (العدد 5)، ومن ثم الإشارة الى مصدر سابق قبل ترجمة بولس اليونانية.[69]
خامسًا، تشمل الدلائل الأخرى للرواية العبرية القديمة الاستخدام الثلاثي لكلمة “وأنه” جنبًا الى جنب مع الإشارتين الى “حسب الكتب”، أي النبوات التي تم تحقيقها.[70]
ما هو تاريخ هذه العقيدة؟ سعى العديد من اللاهوتيين الناقدين للإجابة على هذا السؤال المهم بنتائج مذهلة للغاية. يؤكد أولريك ويلكنز أن هذه العقيدة “تعود بلا شك الى أقدم مرحلة في تاريخ المسيحية البدائية”[71] يواكيم إرمياس يدعوها “أقدم تقليد على الإطلاق”[72] فيما يتعلق بوقت أكثر دقة، من الشائع جدًا تحديد تاريخ هذه العقيدة في منتصف الثلاثينيات من القرن الأول. وبشكل أكثر تحديدًا، فإن العديد من اللاهوتيين الناقدين يؤرخونها من ثلاث إلى ثماني سنوات بعد صلب يسوع. [73]
حتى المتشككين يتفقون في كثير من الأحيان. يعتقد جيرد لودمان أن “العناصر الواردة في التقليد تعود إلى العامين الأولين بعد صلب المسيح. . . في موعد لا يتجاوز ثلاث سنوات بعد موت يسوع. . .. ظهور تشكيل التقاليد المذكورة في 1 كورنثوس 15: 3-8 يقع في الفترة ما بين 30 و33 م. ” [74] يقول مايكل غولدر أن شهادة بولس حول ظهورات يسوع من بين الأموات “تعود على الأقل إلى ما علمه بولس عندما تحول، بعد عامين من الصلب[75] يوافق توماس شيهان على أن صيغة بولس “من المحتمل أن تعود إلى ما لا يقل عن 32-34 م، أي في غضون عامين إلى أربعة أعوام من الصلب.[76]
كيف كان يمكن لبولس أن يحصل على قانون الإيمان هذا؟ توصل عدد من العلماء الى نفس السيناريو. تأريخًا لصلب يسوع حوالي 30 بعد الميلاد، كان من الممكن أن يحدث تحول بولس بعد ذلك بوقت قصير، حوالي 33-35 بعد الميلاد. بعد ثلاث سنوات من اهتدائه (36-38 م) زار أورشليم والتقى على وجه التحديد مع بطرس ويعقوب (غلاطية 1: 18-19). لذلك من المنطقي أن يكون إنجيل موت وقيامة يسوع في جميع الاحتمالات مركز المناقشة الطبيعي،[77] وأن وجود بطرس ويعقوب في قائمة الظهورات (1 كورنثوس 15: 5، 7) يشير الى احتمال أن بولس تلقى قانون الإيمان من هؤلاء الرسل عندما زارهم في أورشليم.[78] الاحتمال الآخر هو أن بولس قد تلقى هذه المادة في دمشق فور تحوله، مما يجعلها حتى قبل ثلاث سنوات، لكن وجود الساميات في قانون الإيمان، كما ذكرنا سابقًا، بالإضافة الى الاسمين المناسبين، يفضل أن تكون أورشليم المكان الذي تلقاه فيه بولس لأول مرة.
في تعليق مثير للاهتمام، صرح سي إتش دود، “في ذلك الوقت مكث [بولس] مع بطرس لمدة أسبوعين، وقد نفترض أنهم لم يقضوا كل الوقت في الحديث عن الأحوال الجوية.”[79] وما يعطي أفضلية لسيناريو أورشليم، يستخدم بولس مصطلح هيستوريو ιστορήσαι في غلاطية 1: 18، يشير إلى أن زيارته لبطرس ربما شكلت تحقيقًا استقصائيًا. يجادل ويليام فارمر بأن اختيار بولس لهذا المصطلح يدل على أنه عمل كممتحن أو مراقب لبطرس.[80] في دراسة قديمة ولكنها لا تزال مفيدة للغاية والتي توصلت إلى استنتاجات مماثلة، ترجم جي دي كيلباتريك هذا المصطلح في غلاطية 1: 18 على أنه التعرف ببطرس “أي الحصول على معلومات من صفا”[81] يشير بول بارنيت بشكل مفيد إلى أن نفس الكلمة استخدمها الكتاب اليونانيون القدماء مثل هيرودوت وبوليبيوس وبلوتارخ، الذين تعني لهم “التحقيق”.[82] ما الموضوع الذي كان بولس مهتمًا بفحصه؟ يشير السياق المباشر قبل وبعد هذه الرحلة إلى أورشليم إلى أن موضوع بولس كان طبيعة رسالة الإنجيل (غلاطية 1: 11-17؛ 2: 1-10). بالطبع، كانت القيامة محور إعلان الإنجيل (1 كورنثوس 15: 3-4). في ختام دراسة مفصلة، يبدو أن هانز ديتر بيتز يوافق على أن هدف بولس في الرحلة الأولى كان جمع معلومات موثوقة عن يسوع. [83] يشرح بولس في غلاطية 2: 1-10 أن رحلته الأخيرة إلى أورشليم كانت على وجه التحديد لغرض التحقق من دقة وعظه بالإنجيل مع الرسل بطرس ويعقوب ويوحنا (راجع 2: 2). [84]
كان موقع أورشليم يؤرخ لاستقبال بولس لقانون الإيمان بعد حوالي خمس الى سبع سنوات من الصلب. لكن يمكننا في الواقع أن نعود الى الوراء على مرحلتين في وقت أبكر من هذا. بما أن التقليد/قانون الإيمان قد تمت صياغته بالفعل قبل أن يسمعه بولس لأول مرة، فسيتم تأريخ قانون الإيمان نفسه حتى قبل ذلك. بالإضافة الى ذلك، فإن المعتقدات المستقلة نفسها، والتي شكلت فيما بعد قانون الإيمان الرسمي، تعود بعد ذلك الى الأحداث التاريخية الفعلية. لذلك، نحن نتعامل مع مادة تنبثق مباشرة من الأحداث المعنية، وبالتالي فإن قانون الإيمان هذا مهم في مناقشتنا لموت وقيامة يسوع.
لم يتم الإبلاغ عن هذه الحقائق في وقت مبكر فحسب، بل تم الإبلاغ عنها مباشرة بواسطة شهود العيان أنفسهم. يقول بولس أنه راجع رسالته بالتحديد مع الرسل (غلاطية 2: 1-10) ومن المحتمل أنه تلقى قانون الإيمان مباشرة من شهود العيان هؤلاء أنفسهم (غلاطية 1: 18-19)، كما سبق أن أشرنا. كنتيجة مباشرة، لم يكتف بولس برؤية المسيح المقام بنفسه (1 كورنثوس 15: 8-9)، ولكن شهادته بشأن حقائق الإنجيل تتفق مع شهود العيان الرسوليين (الآيات 11، 14، 15). [85] وهكذا، كانت رواية بولس الواقعية هي نفسها رواية الرسل الآخرين، على الرغم من حقيقة أن بولس ميز نفسه عن الآخرين.[86]
نتيجة لهذه الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان، فإن التعاليم المسيحية المتعلقة بموت ودفن وقيامة يسوع مفتوحة للاختبار التاريخي. كما يقول فولر فيما يتعلق بالشهادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: “لا يمكن المبالغة في تقدير أهمية تصريح بولس.” تقليد ما قبل بولس في 15: 3 وما يليها. يقدم الأساس لمناقشة قيامة يسوع. يربط هذا الإعلان تقديمًا واضحًا للادعاءات المسيحية الأولى مع أولئك الذين كانوا حاضرين وعايشوا هذه الأحداث. [87] يقول ويديربيرن أن الأحداث هنا “هي أسس الكنيسة”.[88] الغالبية العظمى من العلماء الناقدين يدركون هذه الأهمية. يؤكد العالم اليهودي بينشاس لابيد أن التقليد الذي استشهد به بولس “يمكن اعتباره بيانًا لشهود عيان. [89] يشهد المؤرخ الألماني هانز فون كامبنهاوزن بشكل مفاجئ، فيما يتعلق بهذه العقيدة المبكرة: “هذا التقرير يلبي جميع متطلبات الموثوقية التاريخية التي يمكن أن تكون مصنوعة من مثل هذا النص”[90] يعلن أ. م. هانتر أنه بسبب مشاركة بولس، وبطرس، ويعقوب، فإن هذا التقليد “مفتوح للاختبار”…”هذا المقطع يحافظ بشكل فريد على شهادة مبكرة وقابلة للتحقق. إنه يلبي كل مطلب معقول من الموثوقية التاريخية.”[91] يذهب هوارد كلارك كي إلى أبعد من ذلك: تقاليد بولس المبكرة “يمكن فحصها بشكل نقدي ومقارنتها بشهادات أخرى من شهود عيان ليسوع، تمامًا كما يمكن تقييم الأدلة في محكمة حديثة أو بيئة أكاديمية”. [92]
نبدأ الآن في إدراك الأهمية الهائلة لهذه العقيدة من حيث الحقائق والإيمان. في البداية، تكشف عن بعض الحقائق الحاسمة المتعلقة بإنجيل الوهية وموت ودفن وقيامة يسوع. كما يُظهر أن بولس كان قريبًا جدًا من هذه الحقائق.[93] كما يؤكد دود بخصوص هذه العقيدة:
وهكذا تقدم كرازة بولس تيارًا خاصًا من الإشعاع المسيحي الذي اشتُق من التيار الرئيسي في نقطة قريبة جدًا من مصدره. . .. أي شخص يدعي أن الإنجيل المسيحي البدائي كان مختلفًا جوهريًا عن الإنجيل الذي وجدناه في بشارة بولس يجب أن يتحمل عبء الإثبات.[94]
هذه الشهادة الواقعية لموت وقيامة يسوع أصبحت أيضًا دفاعاً للإيمان المسيحي.[95] إن الاعتقاد بأن نفس يسوع الذي مات ودُفن قد قام من جديد (1 كورنثوس 15: 3-4) يشير أيضًا بقوة الى القبر الفارغ، لا سيما في سياق الفكر اليهودي. [96] من ناحية أخرى، أشار البعض الى قانون الإيمان هذا باعتباره أهم صياغة فردية للإيمان في الكنيسة الأولى. [97]
أهمية قانون الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. لا يمكن المبالغة في تقديرها. لم يعد من الممكن اتهام أنه لا توجد شهادة شهود عيان مبكرة يمكن إثباتها عن القيامة أو لأهم مبادئ المسيحية الأخرى، لأن هذا العقيدة لا توفر فقط مثل هذه البيانات الإثباتية المتعلقة بحقائق الإنجيل، والتي هي مركز الإيمان المسيحي. إنها تربط الأحداث نفسها مع أولئك الذين شاركوا بالفعل في الزمان والمكان. على هذا النحو، يقدم قانون الإيمان هذا أساسًا واقعيًا قويًا للمسيحية من خلال التقارير المبكرة وشهود العيان عن موت ودفن وقيامة يسوع.
قلنا سابقًا أن النظريات الطبيعية تفشل في تفسير هذه البيانات. بالإضافة الى ذلك، تُظهر الأدلة أن هؤلاء الشهود رأوا بالفعل يسوع المقام، كما زعموا.
الحقائقالتاريخيةالمعروفة
بسبب شهادة هذه المذاهب المسيحية المبكرة، بالإضافة الى بيانات أخرى، حتى العلماء الناقدون المعاصرون يدركون قدرًا معينًا من الحقائق التاريخية المحيطة بموت ودفن وقيامة يسوع. بعبارة أخرى، حتى في التعامل مع العهد الجديد على أنه ليس أكثر من مجرد كتاب من الأدب القديم، استنتج النقاد العديد من الحقائق التاريخية المتعلقة بحياة يسوع. على وجه الخصوص، 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. لعبت دورًا مهمًا في عملية إعادة الإعمار هذه.
هناك حد أدنى من الحقائق يتفق عليها عمليًا جميع العلماء الناقدين، بغض النظر عن مدرستهم الفكرية. تعتبر اثنتا عشرة حقيقة منفصلة على الأقل تاريخًا يمكن معرفته.
(1) مات يسوع بالصلب و (2) دُفِنَ. (3) تسبب موت يسوع في يأس التلاميذ وفقدانهم للأمل، معتقدين بذلك أن حياته قد انتهت. (4) على الرغم من عدم قبولها على نطاق واسع، الا أن العديد من العلماء يرون أن القبر الذي دفن فيه يسوع اكتشف أنه فارغ بعد أيام قليلة فقط.
يتفق العلماء الناقدون أيضًا على أن (5) التلاميذ لديهم تجارب اعتقدوا أنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من بين الأموات. بسبب هذه التجارب (6)، تحوّل التلاميذ من مشككين يخافون من التواجد مع يسوع الى مبشرين جريئين بموته وقيامته. (7) كانت هذه الرسالة مركز الكرازة في الكنيسة الأولى (8) وتم إعلانها بشكل خاص في أورشليم، حيث مات يسوع ودُفن قبل ذلك بوقت قصير.
نتيجة لهذا الوعظ، (9) ولدت الكنيسة ونمت، (10) مع الأحد باعتباره اليوم الأساسي للعبادة. (11) لقد تحول يعقوب، الذي كان متشككًا، الى الإيمان عندما آمن أيضًا أنه رأى يسوع المُقام. (12) بعد سنوات قليلة، اهتدى بولس باختبار كان يعتقد أيضًا أنه ظهور للمسيح المقام.
هذه الحقائق حاسمة في تحقيقنا المعاصر عن قيامة يسوع. باستثناء القبر الفارغ، يتفق جميع العلماء الناقدين تقريبًا الذين يتعاملون مع هذه المسالة على أن هذه هي الحد الأدنى من الحقائق التاريخية المعروفة المحيطة بهذا الحدث. على هذا النحو، فإن أي استنتاج يتعلق بتاريخية القيامة يجب أن يفسر هذه الحقائق بشكل صحيح. سيتم شرح وظيفة حيوية إضافية (وكبيرة) لهذه الحقائق التاريخية المعروفة في القسم التالي أدناه.
هذه الحقائق التاريخية المعروفة لها جانب مزدوج في حالتنا الخاصة بالقيامة والتي تم تناولها في هذا القسم. أولاً، يجيبون على الفرضيات المختلفة التي تم اقتراحها من أجل تفسير قيامة يسوع على أسس طبيعية. هذه الفرضيات، التي روج لها العلماء الليبراليون في القرن التاسع عشر بشكل رئيسي، نادرًا ما يتبناها النقاد اليوم، خاصة أنهم فشلوا في تفسير الحقائق التاريخية المحيطة بهذا الحدث (مثل تلك المذكورة أعلاه). يمكن تعداد عدة أسباب لهذا الرفض.
كل نظرية طبيعية تعاني من العديد من الاعتراضات الرئيسية التي تبطلها باعتبارها فرضية قابلة للتطبيق[98] مجموعات من هذه النظريات غير المحتملة تفشل بالمثل، مرة أخرى على أسس وقائعية. ثلاثة أسباب تاريخية أخرى توضح هذه النقطة الرئيسية الأولية. مقال ديفيد هيوم ضد المعجزات، وكذلك التحديثات الأخيرة، هو رفض غير صالح لاحتمال وقوع أحداث معجزة، وبالتالي القضاء على مثل هذا المنطق كخلفية تقليدية لهذه الأطروحات البديلة.[99] دمر العلماء الليبراليون في القرن التاسع عشر أنفسهم كل نظرية بديلة على حدة[100] بينما رفض العلماء النقاد في القرن العشرين من مختلف المدارس الفكرية هذه النظريات بالجملة.[101] في الختام، وبالتالي فقد ثبت أن الفرضيات البديلة الطبيعية غير قادرة على تفسير هذه الحقائق المتعلقة بقيامة يسوع.
وهذا يقودنا الى الحجة الرئيسية الثانية للقيامة على أساس الحقائق التاريخية المعروفة. لا تفشل النظريات الطبيعية فقط بسبب هذه الحقائق التاريخية، ولكن هذه الحقائق نفسها تؤسس أيضًا العديد من الأدلة الإيجابية التي تدعم الطبيعة التاريخية والحرفية/الفعلية لهذا الحدث. سيتم سرد تسعة من هذه الأدلة هنا، تم أخذها جميعًا من قائمة الحقائق التاريخية المقبولة المدرجة أعلاه. وبالتالي، فإن الأساس الواقعي لهذه الأدلة التسعة مقبول من قبل جميع العلماء تقريبًا. ومع ذلك، بسبب القيود المفروضة على هذا الفصل، سيتم ببساطة ذكر هذه التسعة مع القليل من التفصيل.
الدليل الرئيسي على قيامة يسوع هو (1) خبرات التلاميذ، التي اعتقدوا أنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من بين الأموات، حيث لا يمكن تفسير هذه التجارب من خلال النظريات الطبيعية (كما هو موضح للتو) ولأنها موثقة في وقت مبكر. ومصادر شهود عيان، على النحو المشار اليه أعلاه. تشمل الأدلة الإيجابية الأخرى (2) تحول التلاميذ الى شهود جريئين، (3) القبر الفارغ، (4) حقيقة أن قيامة يسوع كانت مركز الكرازة الرسولية، وكلها تتطلب تفسيرات مناسبة. ووجد أيضًا أن التلاميذ أعلنوا هذه الرسالة في أورشليم نفسها، حيث قيل إنه في المواجهات المتكررة مع السلطات (5) لم يتمكن القادة اليهود من دحض رسالتهم (أعمال الرسل 1-5). بالإضافة الى ذلك، (6) وجود الكنيسة ونموها، (7) ظهور يوم الأحد باعتباره اليوم الأساسي للعبادة يتطلب أسبابًا تاريخية أيضًا.
هناك حقيقتان رئيسيتان إضافيتان تدافعان عن تاريخية القيامة، وهما أن اثنين من المتشككين، (8) يعقوب، شقيق يسوع، و (9) بولس، أصبحا مؤمنين بعد أن خاضا تجارب اعتقدا أنها كانت أيضًا ظهورات ليسوع المقام. يستنتج فولر أنه حتى لو لم يسجل بولس ظهور يعقوب (1 كورنثوس 15: 7)، لا يزال يتعين افتراض مثل هذا الحدوث على أي حال من أجل تفسير كل من تحول يعقوب وترقيته اللاحقة الى منصب سلطة في الكنيسة الأولى.[102] يمكن قول الشيء نفسه بشكل أكثر تأكيدًا عن بولس.[103]
عندما يقترن بفشل النظريات الطبيعية، فإن هذا الحد الأدنى من الأدلة التسعة يوفر حجة قوية لتاريخية قيامة يسوع. وينطبق هذا بشكل خاص على أن كل من هذه الأدلة استند الى حقيقة تاريخية معروفة.[104] على وجه الخصوص، عندما يتم النظر في التجارب المبكرة والتلاميذ كـ شهود عيان، يعقوب وبولس، جنبًا الى جنب مع التحولات المنسجمة،[105] القيامة التاريخية تصبح أفضل تفسير للحقائق، خاصة وأن النظريات الطبيعية فشلت.
أربعحقائقتاريخيةمهمةورئيسية
في وقت سابق، تم تعداد اثنتي عشرة حقيقة على أنها تاريخ قابل للمعرفة، وقبلها جميع العلماء تقريبًا على هذا النحو. إن اقتناع هذا الكاتب أنه حتى من خلال استخدام أربع حقائق فقط من هذه الحقائق المقبولة، يمكن تقديم حجة كافية لتاريخية القيامة، مما سيعزز الدفاع السابق.[106]
الحقائق الأربع التي يجب استخدامها هنا هي (1) موت يسوع بسبب الصلب، (5) والتجارب اللاحقة التي اقتنع التلاميذ بأنها ظهورات فعلية ليسوع القائم من الموت، (6) والتحول المقابل للتلاميذ، و (12) ظهور اهتداء بولس، الظهور الذي يعتقد أيضًا أنه ظهور للمسيح المقام. هذه الحقائق الأربع “الجوهرية” مقبولة على نطاق واسع على أنها تاريخ معروف أكثر من بقية الحقائق الاثني عشر، وقد تم قبولها من قبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا. [107]
يتم تأسيس كل من هذه الحقائق الأربع عن طريق المنهجية التاريخية العادية. تم إثبات موت يسوع بالصلب ليس فقط في كورنثوس الأولى 15: 3، ولكن تم إثباته أيضًا من خلال طبيعة الصلب (بما في ذلك هيكل يوهانان، الذي نفحصه في الفصل التالي)، والشهادة الطبية المتعلقة بجرح قلب يسوع، ونقد شتراوس الشهير لنظرية الإغماء. كما أن عقائد إيمان أخرى في العهد الجديد (مثل فيلبي 2: 8؛ 1 كورنثوس 11: 23-26)، بالإضافة الى بعض المصادر المبكرة الغير مسيحية وبالمثل التي من خارج العهد الجديد (انظر الفصول أدناه) مفيدة أيضًا.
حقيقة تجارب التلاميذ التي اعتقدوا أنها ظهورات للمسيح المقام، تؤكدها الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. تعتبر عقائد الإيمان الأخرى (مثل لوقا 24: 34)، وخاصة البحث المعاصر عن الاعترافات المبكرة في سفر أعمال الرسل[108] ذات قيمة خاصة.
نظرًا لأن النظريات الطبيعية قد فشلت والأدلة تؤكد بقوة هذه المذاهب المبكرة، فإن العلماء الناقدون يعتبرون عمومًا التجارب المسيحية الأولى (للجماعات والأفراد) راسخة تمامًا مثل أي حقيقة في حياة يسوع. باختصار، يعترف الجميع تقريبًا أن التلاميذ كانت لهم تجارب حقيقية دفعتهم الى الاعتقاد بأن يسوع قد قام من بين الأموات. [109] بل إن فولر يقول بجرأة أن هذه “حقائق لا جدال فيها … يتفق عليها كل من المؤمن وغير المؤمن”! [110]
إن تحوّل التلاميذ نتيجة هذه التجارب تؤكده المادة التي تلي قانون الإيمان المبكر هذا مباشرة (1 كورنثوس 15: 9-11)، التي تُخبر عن خدمة شهود العيان. مرة أخرى، يؤكد العهد الجديد بأكمله أيضًا هذا الاستنتاج، وكذلك شهادة مؤلفي الكنيسة الأوائل، بما في ذلك تقارير التلاميذ الذين ماتوا من أجل إيمانهم كشهداء. [111]
أخيرًا، تم تسجيل اهتداء بولس بسبب تجربة يعتقد أيضًا أنها ظهور للمسيح المقام، من قبله شخصيًا في كورنثوس الأولى 9: 1 و15: 8-10، وتم الإبلاغ عنها ثلاث مرات في أعمال الرسل (9: 1-9؛ 22: 5-11؛ 26: 12-18). النظريات الطبيعية أيضًا لا تنطبق على بولس. [112]
لذلك، تم تأسيس هذه الحقائق الأساسية الأربع على أسس تاريخية قوية. يتم قبولها بشكل عام ليس فقط من قبل علماء اللاهوت النقديّيّن ولكن أيضًا من قبل المؤرخين والفلاسفة الذين يدرسون هذا الموضوع. [113]
من بين هذه الحقائق الأربع الأساسية، فإن طبيعة تجارب التلاميذ هي الأكثر أهمية. كما يؤكد المؤرخ مايكل غرانت، فإن التحقيق التاريخي يثبت في الواقع أن شهود العيان الأوائل كانوا مقتنعين بأنهم رأوا يسوع المقام. [114] يضيف كارل براتن أن المؤرخين المتشككين الآخرين يتفقون أيضًا مع هذا الاستنتاج:
حتى المؤرخون الأكثر تشككًا يتفقون على ذلك بالنسبة الى المسيحية البدائية … كانت قيامة المسيح من بين الأموات حدثًا حقيقيًا في التاريخ، وأساس الإيمان ذاته، ولم تكن فكرة أسطورية ناشئة عن الخيال الإبداعي للمؤمنين.[115]
تتمثل إحدى الميزات الرئيسية لهذه الحقائق الأساسية في أنها ليست مقبولة بشكل نقدي على أنها تاريخ معروف فحسب، بل إنها تتعلق بشكل مباشر بطبيعة تجارب التلاميذ. على هذا النحو، فإن هذه الحقائق التاريخية الأربع قادرة، على نطاق أقل، على دحض النظريات الطبيعية وتقديم أدلة إيجابية رئيسية تتعلق باحتمالية قيامة يسوع الفعلية. [116] ستشير بعض الأمثلة الآن الى هذه الادعاءات.
أولاً، باستخدام هذه الحقائق التاريخية الأربع فقط، يمكن دحض النظريات الطبيعية. على سبيل المثال، تم استبعاد نظرية الإغماء من الحقائق المتعلقة بموت يسوع وبتحول بولس. تدحض تجارب التلاميذ الهلوسة والنظريات الذاتية الأخرى لأن هذه الظواهر ليست جماعية أو معدية، ويلاحظها شخص واحد فقط، وبسبب التنوع الكبير في عوامل الزمان والمكان المعنية. كانت الشروط النفسية المسبقة للهلوسة بعيدة أيضًا عن هؤلاء الرجال. تستبعد خبرة بولس أيضًا هذه النظريات لأنه بالتأكيد لن يكون في الإطار اللاهوتي المناسب.
كما أن التلاميذ وغيرهم من شهود العيان الأوائل الذين مروا بهذه التجارب يستبعدون أيضًا نظريات الخرافة أو الأسطورة، نظرًا لأن التعليم الأصلي المتعلق بالقيامة يستند بالتالي الى الشهادة المبكرة لشهود عيان حقيقيين وليس على الأساطير اللاحقة (كما هو موضح في قانون الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها). وبالمثل، لا يمكن تفسير تجربة بولس من خلال الأساطير، لأن مثل هذا لا يمكن أن يفسر ارتداده عن الشك. أخيرًا، تم دحض نظريات الجسد المسروق والاحتيال من خلال تجارب التلاميذ وبتحولهم، لأن هذا التغيير يظهر أن التلاميذ آمنوا حقًا بأن يسوع قام من الموت وبسبب احتمال أن هؤلاء الكذابين لن يصبحوا شهداء. وبالمثل، لم يكن بولس ليقتنع بمثل هذا الاحتيال. [117]
ثانيًا، توفر هذه الحقائق الأساسية الأربع أيضًا الأدلة الإيجابية الرئيسية لظهور قيامة يسوع الحرفية، مثل تجارب التلاميذ المبكرة وشهود العيان التي لم يتم شرحها بطريقة طبيعية، وتحولهم الى رجال على استعداد للموت من أجل إيمانهم وخبرة وتحول بولس. وهكذا، فإن هذه الحقائق التاريخية الأساسية تقدم أدلة إيجابية تؤكد بشكل أكبر ادعاءات التلاميذ بشأن قيامة يسوع الحرفية، خاصة في أن هذه الحجج لم يتم تفسيرها من الناحية الطبيعية. [118]
نظرًا لأن هذه الحقائق التاريخية الأساسية (والحقائق المقبولة سابقًا بشكل عام) قد تم تأسيسها من خلال الإجراءات النقدية والتاريخية، فلا يمكن للعلماء المعاصرين رفض الأدلة ببساطة عن طريق الإشارة الى “التناقضات” في نصوص العهد الجديد أو الى “عدم موثوقيتها” العامة. لم يتم دحض هذه الادعاءات النقدية فقط من خلال الأدلة التي نوقشت في فصول أخرى، ولكن تم الاستنتاج أن القيامة يمكن إثباتها تاريخيًا حتى عند استخدام الحد الأدنى من الحقائق التاريخية. ولا يمكن استنتاج أن “شيئًا ما” قد حدث بشكل لا يمكن وصفه بسبب المقدمات الطبيعية، أو لطبيعة التاريخ أو بسبب “الغموض” أو “الطابع الأسطوري” لنصوص العهد الجديد. ولا يمكن أن يقال إن يسوع قام روحياً، لكن ليس بالمعنى الحرفي. مرة أخرى، تم دحض هذه الآراء وغيرها لأن الحقائق التي اعترف بها جميع العلماء تقريبًا على أنها تاريخ معروف كافية لإثبات قيامة يسوع الحرفية تاريخيًا وفقًا للاحتمالية.
باختصار، بدلاً من ذكر ما يعتقدون أنه لا يمكننا معرفته بشأن روايات الإنجيل، من الأفضل للعلماء الناقدين التركيز على ما يعترفون أنه يمكن معرفته عن النصوص في هذه المرحلة. على الرغم من أن يسوع لم يتم تصويره في جسد قيامته لمساعدة التلاميذ، الا أن الأساس الواقعي كافٍ لإثبات أن قيامة يسوع هي الى حد بعيد أفضل تفسير تاريخي. بينما قد تكون هناك شكوك حرجة فيما يتعلق بقضايا أخرى في العهد الجديد، فإن الحقائق المقبولة كافية في حد ذاتها لإظهار أن يسوع قام من بين الأموات في جسد روحي جديد. كما هو مفصل في الفصل الأول، يمكن أن يؤدي البحث التاريخي الى اليقين. بقيت القيامة في وجه النقد قرابة 2000 سنة. إن الأنواع المختلفة من الأدلة على هذا الحدث بارزة، متجاوزة ما حدث في الغالبية العظمى من الأحداث القديمة. إن التملص من الدليل أو رفضه غير صالح، كما رأينا. هناك بالفعل دليل تاريخي على هذا الحدث.[119] لقد قام يسوع من بين الأموات في التاريخ الحقيقي.
ملخصالمذاهبوالحقائق
لقد بحثنا في هذا الفصل على الأرجح عن أقوى فئة منفردة من الأدلة على موت يسوع وقيامته. البيانات التي قدمتها المذاهب الشفوية التي تم تداولها قبل التكوين الفعلي للعهد الجديد، والتي تتوافق غالبًا مع هذه المذاهب، الحقائق التي يعترف بها العلماء الناقدون كتاريخ يمكن معرفته، توفر معًا أساسًا هائلاً للمعرفة عن يسوع.
من هذه المصادر نجد تقارير عن بعض الحوادث التي حدثت في حياة يسوع، ولكن بشكل خاص العديد من التفاصيل المتعلقة بموته وقيامته. كان يسوع شخصًا حقيقيًا من لحم ودم (فيلبي 2: 6؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ يوحنا الأولى 4: 2) الذي ولد جسديًا من نسل داود (أعمال الرسل 13: 23؛ رومية 1: 3-4؛ 2 تيموثاوس 2: 8) وجاء من مدينة الناصرة (أعمال الرسل 2: 22؛ 4: 10؛ 5: 38). لقد سبق يوحنا يسوع (أعمال الرسل 10: 37؛ 13: 24-25)، وهذا يعني أن يسوع قد تعمد (رومية 10: 9). بدأت خدمة يسوع في الجليل، وامتدت الى جميع أنحاء اليهودية (أعمال الرسل 10: 37). صنع يسوع المعجزات (أعمال الرسل 2: 22؛ 10: 38) وتمم العديد من نبوءات العهد القديم (2: 25-31؛ 3: 21-25؛ 4: 11؛ 10: 43؛ 13: 27-37). تم التبشير برسالته بين الناس، مما أدى الى تصديق الناس له (تيموثاوس الأولى 3: 16).
في ليلة خيانة يسوع، حضر أولاً مأدبة عشاء، حيث صلى وشكر قبل الوجبة. بعد ذلك، مرر يسوع الخبز والخمر، والذي أشار اليه على أنه ذبيحة جسده ودمه من أجل الخطية (1 كو 11: 23 وما يليه). في وقت لاحق، ظهر يسوع أمام بيلاطس (أعمال الرسل 3: 13؛ 13: 28)، حيث قدم اعترافًا جيدًا، والذي من المحتمل جدًا أن يتعلق بهويته على أنه المسيا (1 تيموثاوس 6: 13).
على الرغم من حقيقة أن يسوع كان رجلاً بارًا (بطرس الأولى 3: 18)، فقد مات من أجل خطايا الآخرين (بطرس الأولى 3: 18؛ رومية 4: 25؛ تيموثاوس الأولى 2: 6). قُتل (أعمال الرسل 3: 13-15؛ 13: 27-29؛ 1 كورنثوس 15: 3؛ فيلبي 2: 8) بالصلب (أعمال الرسل 2: 23؛ 2: 36؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 39)، ومات في مدينة أورشليم (أعمال الرسل 13: 27؛ راجع 10: 39)، بأيدي رجال أشرار (أعمال الرسل 2: 23). بعد ذلك، دُفن (أعمال الرسل 13: 39؛ 1 كورنثوس 15: 4). هذه الأحداث جعلت التلاميذ يشكون وييأسون.
في اليوم الثالث بعد الصلب (أعمال الرسل 10: 40، كان القبر فارغًا (1 كورنثوس 15: 4، ضمنيًا) وقام يسوع من الموت (أعمال الرسل 2: 24، 31-32؛ 3: 15، 26؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40؛ 13: 30-37؛ 2 تيموثاوس 2: 8). ظهر يسوع للعديد من شهود العيان (لوقا 24: 34؛ أعمال 13: 31؛ 1 كورنثوس 15: 4 وما يليها)، حتى أنه أكل معهم (أعمال الرسل 10: 40-41) اثنان من هؤلاء الأشخاص -وهما يعقوب (1 كورنثوس 15: 7) وبولس (1 كورنثوس 15: 8-9) كانا في السابق متشككين قبل أن يقابلا يسوع المقام. كان التلاميذ شهودًا على الظهورات (أعمال الرسل 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31)، والتي تم الإبلاغ عنها في وقت مبكر جدًا (أعمال الرسل 10: 40-41؛ 13: 31؛ 1 كورنثوس 15: 4-8) بعد قيامته، صعد يسوع الى السماء حيث تمجد وتعالى (أعمال الرسل 2: 33؛ 3: 21؛ 5: 31؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ فيلبي 2: 6 وما يليها).
غيّرت هذه الخبرات التلاميذ (راجع 1 تيموثاوس 3: 16) وجعلوا الإنجيل مركز كرازتهم المبكرة (1 كورنثوس 15: 1-4). في الواقع، كان يسوع القائم من بين الأموات هو الذي علم أنه يجب أن يُكرز باسمه للخلاص (أعمال الرسل 2: 38-39؛ 3: 19-23؛ 4: 11-12؛ 5:32؛ 10: 42-43؛ 13: 26، 38-41). كانت القيامة بمثابة التحقق الرئيسي من صحة شخص يسوع ورسالته (أعمال الرسل 2: 22-24، 36؛ 3: 13-15؛ 10:42؛ 13: 32-33؛ رومية 1: 3-4؛ 10: 9-10). تركزت الكرازة الرسولية في البداية في أورشليم، المكان نفسه الذي قُتل فيه يسوع. هنا ولدت الكنيسة ونمت، وكان يوم الأحد هو يوم العبادة الرئيسي.
في الوعظ المسيحي المبكر حصل يسوع على القاب عديدة: ابن الله (أعمال الرسل 13: 33؛ رومية 1: 3-4)، الرب (لوقا 24: 34؛ أعمال 2: 36؛ 10: 36؛ رومية 1: 4؛ 10: 9؛ فيلبي 2: 11)، المسيح أو المسيا (أعمال الرسل 2: 36، 38؛ 3: 18،20؛ 4: 10؛ 10: 36؛ رومية 1: 4؛ فيلبي 2: 11؛ 2 تيم 2: 8)، المخلص (أعمال الرسل 5: 31؛ 13: 23)، الرئيس (أعمال الرسل 5: 31) والقدوس البار (أعمال الرسل 3: 14؛ راجع 2: 27؛ 13: 35). فيما يتعلق بطبيعته الأساسية، حتى أنه دُعي الله (فيلبي 2: 6).
تم الإبلاغ عن معظم هذه الحقائق في قوانين الإيمان المسيحية الأولى وهي في الواقع تسبق كتابة العهد الجديد. يتم قبول البعض الآخر بالإجماع تقريبًا من قبل العلماء الناقدين، عادة بسبب هذه المذاهب وغيرها من البيانات التاريخية المبكرة. وتجدر الإشارة الى أن هذه الحقائق الحاسمة الأخيرة لم يتم قبولها في هذا الفصل لمجرد أن النقاد يقبلونها أيضًا، ولكن لأنها تثبتها الحقائق، مثل المذاهب التي بحثنا عنها في هذا الفصل ومن خلال عمل منهجية تاريخية دقيقة. [120] وبالتالي، لا ينبغي للعلماء الناقدين الاعتراض على هذه البيانات، حيث يتم تقييمها من خلال أساليبهم ومقبولة من قبل زملائهم.
الملخصوالاستنتاج
ربما قدم هذا الفصل أقوى دليل على موت يسوع وقيامته. من المسلم به أن كمية المواد المتعلقة بحياة يسوع وخدمته قبل موته لم تكن هائلة. ومع ذلك، عندما ندخل “أسبوع الآلام” في حياة يسوع قبل صلبه وبعد ذلك، يتغير الوضع بشكل جذري.
تأتي قوة الشهادة عن موت يسوع وقيامته من عدة جوانب من الأدلة. أولاً، كانت المادة الواردة في هذا الفصل مبكرة جدًا. تسبق هذه التقاليد المسيحية المبكرة كتابة العهد الجديد، وبالتالي تعطينا نظرة مبكرة على البيانات التي تتناول حياة يسوع. في حالة كورنثوس الأولى 15: 3 وما يليها. وقوانين الإيمان في أعمال الرسل (مع بعض الأمثلة الأخرى)، تعود هذه المواد في غضون سنوات قليلة من الأحداث الفعلية. هذا لا يجادل فيه المجتمع النقدي.
ثانيًا، تقدم هذه المذاهب شهادات شهود عيان على الحقائق التي تنقلها. مرة أخرى، 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. وتقاليد أعمال الرسل هي المفاتيح من حيث أنها تربطنا بالرسل، فرديًا وجماعيًا، بشكل أساسي من خلال شهادات شاهدي العيان بولس وبطرس. مثال إضافي هو لوقا 24: 34، والذي قد يعود أيضًا الى الكنيسة الأولى وبطرس.
ثالثًا، تشمل الأدلة الإضافية على قيامة يسوع اعتبارات قوية مثل القبر الفارغ، والتحولات الجذرية للتلاميذ واستعدادهم للموت من أجل حق الإنجيل، والذي كان رسالتهم المركزية، جنبًا الى جنب مع تحولات المتشككين بولس ويعقوب. يجب شرح هذه الاعتبارات وغيرها.
خامسًا، الحقائق المقبولة، والحد الأدنى من الحقائق على وجه الخصوص، لم يتم تأسيسها تاريخيًا فحسب، بل يتم التعرف عليها أيضًا من قِبل جميع العلماء الناقدين تقريبًا. المزايا هي أن هذه الحقائق توفر أساسًا قويًا للإيمان بموت وقيامة يسوع، وفي الوقت نفسه، لا ينبغي رفضها نظرًا لأنه يتم الاعتراف بها على أسس تاريخية بحتة. الحقائق التي يقبلها جميع العلماء تقريبًا توفر أساسًا قويًا للاعتقاد في قيامة يسوع الحرفية من بين الاموات، خاصة في غياب النظريات الطبيعية القابلة للتطبيق.
على هذا الأساس، يمكننا أن نستنتج أن المذاهب المسيحية الأولى والحقائق التاريخية المقبولة تثبت تاريخية موت وقيامة يسوع. هذه البيانات كافية لدحض النظريات البديلة، ولتقديم أدلة قوية لهذه الأحداث (مثل الشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان)، كل ذلك على أساس التاريخ المعروف. لا يمكن للشكوك الحاسمة في المجالات الأخرى دحض هذه الحقائق الأساسية وتغييرها.
يسوعالتاريخيفيكتاباتالآباءالأوائل – جاريهابرماس
بالإضافة إلى العهد الجديد، أنتج الكتاب المسيحيون الأوائل مجلدات من الأعمال الهامة التي تعطي نظرة ثاقبة للمعتقدات والعقائد والعادات المسيحية المبكرة، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الوعظ. تحتوي العديد من هذه الكتابات أيضًا على بيانات موجزة تتعلق بتاريخية يسوع
لا يتمثل هدفنا في هذا الفصل في استقصاء كل هذه العبارات، ولكن دراسة المقاطع التي تظهر اهتمامًا تاريخيًا صريحًا فقط. بسبب هذا التركيز على الادعاءات ذات التوجه التاريخي، فإن معالجتنا لهذه المصادر المسيحية القديمة ستكون مختصرة نسبيًا على الرغم من العدد الكبير من الأعمال التي تتناسب مع هذه الفئة.[121] نكتفي بالكُتَّاب الأوائل، الذين يشار إليهم عادةً باسم “الآباء الرسوليين” (حوالي 90-125 م).[122]
إكليمندسالروماني
واحدة من أهم الوثائق الرسولية، تعتبر رسالة إكليمندس الروماني إلى كنيسة كورنثوس بشكل عام أقدم الكتابات المسيحية خارج العهد الجديد. كان إكليمندس أكبر شيوخ الكنيسة في روما وكتب رسالة كورنثوس حوالي عام 95 م للمساعدة في إنهاء النزاع بين أعضاء الكنيسة وشيوخها في كورنثوس.
أخذ الرسل لنا الإنجيل من الرب يسوع المسيح؛ يسوع المسيح أُرسل من الله. فالمسيح من الله والرسل من المسيح. لذلك جاء كلاهما من إرادة الله بالترتيب المعين. إذن بعد أن تلقوا الوصايا، وتأكدوا تمامًا من خلال قيامة ربنا يسوع المسيح وثبتوا في كلمة الله مع اليقين الكامل من الروح القدس، خرجوا ببشارة قدوم ملكوت الله. فكانوا يكرزون في كل مكان في البلاد والمدن، لقد عينوا باكوراتهم، بعد أن أثبتوا لهم بالروح، أنهم قادرين أن يكونوا أساقفة وشمامسة لخدمة الذين يؤمنون.[123]
يدعي إكليمندس الروماني في هذا المقطع عدة حقائق. (1) كان الإنجيل أو الأخبار السارة لملكوت الله هو الرسالة المسيحية الرئيسية. (2) هذا الإنجيل قد أعطاه يسوع نفسه للرسل حتى كما جاء-يسوع-من الله. (3) قيامة يسوع كانت بمثابة التأكيد على صدق هذه التعاليم. (4) مع اليقين الإضافي في الكتاب المقدس، نشر الرسل الإنجيل. (5) حيثما تم التبشير بالإنجيل وبدأت التجمعات المحلية، تم اختيار القادة لخدمة المؤمنين.
إن هذه الشهادة لسلسلة السلطة من الله إلى يسوع إلى الرسل إلى شيوخ المسيحيين الأوائل مثيرة للاهتمام ليس فقط من حيث أنها كانت أساس إعلان العقائد وتنظيم الكنيسة في وقت مبكر. بالإضافة إلى ذلك، يثبت إكليمندس الروماني هذه السلطة في الإيمان بأن يسوع قام من بين الأموات وفي الكتاب المقدس. وهكذا تم اعتبار حدث معجز في التاريخ كعلامة أساسية للسلطة وراء التبشير بالرسالة المسيحية الأولى.
أغناطيوسالأنطاكي
بصفته أسقفًا لأنطاكية وقائدًا في الكنيسة الأولى، حُكم على أغناطيوس بالموت في روما. في طريق إعدامه وجه سبع رسائل إلى ست كنائس وشخص واحد (بوليكاربوس). هذه الرسائل هي شهادات مبكرة على العقيدة المسيحية وللتسلسل الهرمي للكنيسة المبكرة، حيث تم كتابتها حوالي 110-115 م. كما أنها تحتوي على العديد من الإشارات التاريخية إلى يسوع. يقول إغناطيوس في رسالته إلى التراليين:
يسوع المسيح الذي كان من نسل داود، ابن مريم، الذي ولد حقًا وأكل وشرب، تعرض حقًا للاضطهاد في عهد بيلاطس البنطي، صُلب حقًا ومات أمام أعين من في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض؛ الذي أيضًا قام حقًا من بين الأموات، وقد أقامه أبوه، الذي بهذه الطريقة سيقيمنا نحن أيضًا نحن الذين نؤمن به.[124]
في هذا الجزء يؤكد اغناطيوس عدة حقائق عن يسوع. (1) هو من نسل داود و (2) ولد من مريم. (3) على هذا النحو، فقد عاش حقًا وأكل وشرب على الأرض. (4) يسوع صلب ومات على يد بيلاطس البنطي. (5) بعد ذلك أقامه الله من بين الأموات، (6) كمثال على قيامة المؤمن. مرة أخرى، ندرك كيف كانت القيامة هي العلامة الرئيسية للمؤمنين، في هذه الحالة أنهم سيُقامون من بين الأموات مثل يسوع.
في رسالته إلى سميرنا، يشير إغناطيوس مرتين إلى يسوع التاريخي. في المقام الأول، يؤكد بخصوص يسوع:
إنه حقًا من نسل داود حسب الجسد، ولكنه ابن الله بمشيئة الله وقوته، مولود من عذراء حقًا واعتمد على يد يوحنا لكي يتم من خلاله كل بر، مسمرًا-مصلوباً-حقًا في الجسد من أجلنا تحت حكم بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الربع. ليقيم علامة لجميع الدهور من خلال قيامته.[125]
يؤكد إغناطيوس مرة أخرى (7) أن يسوع كان من نسل داود حسب الجسد، مضيفًا (8) أنه كان أيضًا ابن الله كما يتضح من الولادة العذرية. (9) يسوع تعمد على يد يوحنا (10) ثم سمر (صلب) في عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الربع. (11) بعد ذلك قام يسوع من بين الأموات.
في إشارة ثانية في رسالته إلى سميرنا، يركز إغناطيوس على قيامة يسوع:
لأني اعلم وأؤمن انه كان في الجسد بعد القيامة. ولما جاء إلى بطرس ورفاقه، قال لهم: “المسوني وامسكوا بي، وانظروا أنني لست شيطانًا بلا جسد”. وفي الحال لمسوه وآمنوا، إذ هو متحد اتحادا وثيقاً بجسده ودمه. لذلك احتقروا الموت ايضا، لا بل كانوا أعظم من الموت. وبعد قيامته أكل معهم وشرب معهم.[126]
بالحديث عن القيامة، يؤكد إغناطيوس أن يسوع (12) قد قام في الجسد. (13) بعد ذلك ظهر لبطرس والتلاميذ وقال لهم أن يلمسوا جسده المادي، وهذا ما فعلوه. (14) ثم أكل يسوع وشرب معهم بعد قيامته. (15) في تصريح يذكرنا ب لوسيان، يروي إغناطيوس أيضًا أنه عند الإيمان، احتقر التلاميذ الموت.
توجد إشارة أخيرة قدمها إغناطيوس عن يسوع التاريخي في رسالته إلى أهل مغنيسا:
فلتكونوا مقتنعين تمامًا بالولادة والآلام والقيامة التي حدثت في عهد بيلاطس البنطي؛ لان هذه الامور فعلها حقا وبشكل مؤكد يسوع المسيح رجاؤنا.[127]
هنا يؤكد إغناطيوس لقرائه أنه يمكن إقناعهم بالتأكيد بحقيقة (16) ولادة يسوع، (17) موته وقيامته (18) وقد حدث الاثنان الأخيران أثناء ولاية بيلاطس البنطي.
كما هو الحال في إشارات أخرى، يحاول إغناطيوس وضع مثل هذه الأحداث بحزم في عالم التاريخ. هدفه، جزئيًا على الأقل، هو تقديم إجابة على تهديد الغنوصية، التي غالبًا ما تنكر التفسيرات المادية لبعض هذه الأحداث.
كوادراتوس
كتب كوادراتوس، أحد أوائل المدافعين الذين بدأوا الرد على الادعاءات التي أثيرت ضد المسيحية، دفاعه للإمبراطور هادريان حوالي عام 125 م. لسوء الحظ، لا يُعرف هذا العمل حاليًا إلا من خلال بيان واحد حفظه يوسابيوس في القرن الرابع.
يروي يوسابيوس أن كوادراتوس كتب دفاعه للرد على الادعاءات الخبيثة التي تهدف إلى مضايقة المسيحيين. يذكر أن هذا الدفاع كان سليمًا في العقيدة وكشف معرفة كوادراتوس بالظروف المحيطة. ثم اقتبس يوسابيوس جملة من دفاع كوادراتوس:
كانت أعمال مخلصنا أمامكم دائمًا، لأنها كانت معجزات حقيقية؛ أولئك الذين شُفوا، والذين قاموا من الأموات، الذين شوهدوا، ليس فقط عند شفائهم وعند قيامهم، ولكنهم كانوا حاضرين دائمًا. لقد بقوا على قيد الحياة لفترة طويلة، ليس فقط عندما كان ربنا على الأرض، ولكن أيضًا عندما ترك الأرض. حتى أن البعض منهم قد عاش أيضًا إلى عصرنا.[128]
يذكر هذا الاقتباس المختصر من دفاع كوادراتوس عدة أشياء مهمة تتعلق بمعجزات يسوع. (1) يمكن التحقق من حقيقة معجزات يسوع من قبل الأشخاص المهتمين، حيث تم إجراؤها علنًا. وأما أنواع المعجزات الفعلية، (2) تم شفاء البعض و (3) البعض أُقيمَ من الموت. (4) كان هناك شهود عيان على هذه المعجزات وقت حدوثها. (5) العديد من أولئك الذين شُفيوا أو أُقيموا كانوا لا يزالون على قيد الحياة عندما “ترك يسوع الأرض” وبعضهم كان لا يزال على قيد الحياة في زمن كوادراتوس.
بولسويسوعالتاريخي – بولبارنيت
كتب بولس رسائله في الفترة ما بين 50-65 م (؟).[129] بقدر ما نعلم، لم تكن الأناجيل المكتوبة موجودة عندما بدأ في الكتابة. ماذا نتعلم عن يسوع التاريخي من بولس؟ ما مقدار ما سنعرفه عن يسوع إذا لم تكن الأناجيل موجودة وكنا نعتمد فقط على بولس؟
الوحيوالتقليد
يمكن تلخيص معرفة بولس بيسوع في كلمتين يونانيتين: apokalypsis وparadosis. ترتبط الكلمة الأولى بفعل “يحجب” (kalyptein). عندما يسبقه المقطع apo، فهذا يعني “كشف” أو “أوحى”. وبالتالي فإن الاسم apokalypsis يدل على “الكشف” أو “الوحي”. كتب بولس الى أهل غلاطية:
على الطريق بالقرب من دمشق “سُرَّ الله أن يكشف له ابنه” (غلاطية 1: 16). بدأت حياة بولس كمسيحي وكرسول في لحظة ذلك الحدث الرائع. علاوة على ذلك، فإن ما أعلنه الله لبولس في المسيح في تلك اللحظة سيصبح إطار تفكير بولس عن المسيح. من الآن فصاعدًا، سيتحدث بولس عن يسوع باعتباره “ابن الله” (غلاطية 1: 16؛ أعمال الرسل 9: 20؛ راجع 1 تسالونيكي 1: 10؛ 2 كورنثوس 1: 19؛ رو 1: 4)؛ كـ “الرب. . .المتعالي “(أعمال الرسل 9: 5؛ 22: 10؛ 26: 15؛ في 2: 9، 11؛ 2 كورنثوس 4: 5)؛ كـ “صورة الله” (2 كورنثوس 3: 18؛ 4: 4)؛ بأنه “مجيد” (أعمال الرسل 22: 11؛ 9: 3؛ 22: 6؛ 2 كورنثوس 4: 4، 6)؛ وباعتباره “رجل السماء” (1 كورنثوس 15: 49).
إن القول بأن حدث طريق دمشق قد غير اتجاه حياة بولس بشكل جذري هو مجرد سرد لجزء من القصة. وجهة نظره حول من كان المسيح وكيف أصبح صارت جزءًا دائمًا من تفكيره في تلك المرحلة. بينما كان محور اهتمام بولس دائمًا هو الرب السماوي، فقد كان يعرف أشياء معينة عن الرب التاريخي. هذه هي التفاصيل التاريخية التي تهمنا في هذا الفصل.
ننتقل الى الكلمة الثانية، paradosis (“التقليد”). معنى paradosis هو “تسليم” مثل تسليم سجين من سجّان الى آخر أو معلومة من معلم الى تلميذ. تم استخدامها في هذا المعنى الأخير للدرس أو التعليم الذي سيقدمها الرابي لتلميذه. وهكذا سلم الرابيون تعاليمهم على حالها، جيلًا بعد جيل، لتلاميذهم، الذين سيصبحون بدورهم رابيين. الترجمة الإنجليزية المعتادة “تقاليد”، وهي كلمة غالبًا ما تُؤخذ على أنها تعني “أشياء قديمة”، تفشل في التقاط فكرة “التسليم” الديناميكية المتأصلة في كلمةparadosis .
التقاليد: منالذيأعطاهالبولس؟
خلال الوقت، كان بولس، مثل رابي، يسلم معلومات مهمة (paradoseis) عن يسوع الى الكنائس. لكن أولاً، كان عليه أن يستقبل تلك المعلومات من المعلمين المسيحيين الذين كانوا قبله. في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس، يذكر بولس كلاً من “قبول” و “تسليم” الـ paradosis بشأن الإنجيل:
هذا المقطع مذهل. إنه يشير الى الرب السماوي (“الرب”) الذي نال بولس منه التقاليد paradosis وأيضًا الى الرب التاريخي (“الرب يسوع”). يُنظر الى الرب السماوي على أنه الشخص الذي تلقى منه بولس التقاليد، على الرغم من أنه نشأ في التاريخ مع الرب التاريخي الذي “أخذ الخبز في الليلة التي تعرض فيها للخيانة”.
ما أغفل بولس عن إخبارنا به هو من خلاله من نال تلك التقاليد. أفترض أنه نفس الشخص (الأشخاص) الذين تلقى بولس منهم التقاليد حول الإنجيل المذكورة أعلاه. متى تلقى بولس هذه التقاليد ومِن من؟
كان أول اتصال لبولس كمسيحي مع مسيحيين آخرين في دمشق مباشرة بعد لقائه الخطير بالمسيح في الطريق الى هناك (أعمال الرسل 9 و22). قال حنانيا لبولس: “قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ” (أعمال الرسل 22: 16).[130]
دُفع بولس على الفور الى عالم جديد كان عليه أن يتعلم فيه عن المعمودية والغفران واسم يسوع (إلهه) والإيمان والعديد من الأشياء الأخرى بلا شك. على الأرجح أنه في دمشق تلقى بولس التقاليد حول الإنجيل والعشاء الرباني لأنه منذ ذلك الوقت بدأ يكرز بيسوع باعتباره ابن الله والمسيح (أعمال الرسل 9: 20-22).
من أين إذن تلقى بولس مزيدًا من المعلومات عن يسوع التاريخي؟ بقدر ما نستطيع أن نرى، بولس نفسه لم ير ولم يسمع يسوع الناصري. ومع ذلك فقد تحول بعد فترة وجيزة من القيامة، على الأرجح في غضون عام.[131] لذلك، كان اتصاله بالمسيحيين في دمشق (أعمال الرسل 9: 19) قريبًا جدًا في الوقت من يسوع الناصري. اعتنق بولس المسيحية مبكراً.
في غضون ثلاث سنوات من اهتدائه (غلاطية 1: 18 = أعمال الرسل 9: 26)، جاء الى أورشليم حيث “زار” بطرس و “رأى” يعقوب. هذا لا يعني أن قصص وأقوال يسوع قد تم جمعها بشكل منهجي بحلول وقت زيارة بولس الأولى الى أورشليم.
تمت زيارته الثانية بعد أربعة عشر عامًا من اهتدائه (غلاطية 2: 1 = أعمال 21: 17)، أي في حوالي 47 م. من المنطقي أن نفترض أن بعض المصادر التي أشار اليها لوقا (1: 2) والموجودة في إنجيلي لوقا ومتى قد اكتملت بحلول ذلك الوقت. قد يُفترض أيضًا أن بولس أصبح على دراية بهذه المصادر في هذه الزيارة والزيارات اللاحقة الى أورشليم (حوالي 49 م -أعمال الرسل 15: 4؛ حوالي 52 م أعمال الرسل 18: 22).
إذا كان أحد الجسور من بولس الى يسوع التاريخي هو اتصاله بكنيسة أورشليم من خلال زيارات في 36 م و47 م و49 م و52 م، كان جسر آخر من خلال علاقته خارج أورشليم مع برنابا، الذي تعود عضويته في كنيسة أورشليم الى أقرب وقت ممكن (أعمال الرسل 4: 36-37).
كان برنابا على اتصال يومي ببولس لمدة أربع أو خمس سنوات (أعمال الرسل 11: 25، 30؛ 12: 25؛ 13: 1-14: 28؛ 15: 2، 4، 12، 36-39). لا بد أن برنابا، الذي كان تحوله الى المسيحية أقرب في الوقت من تحول بولس والذي كان لمدة عقد ونصف في شركة رفاق يسوع الأصليين، تحدث كثيرًا الى بولس عن الرب التاريخي.
باختصار، أُتيحَت لبولس العديد من الفرص لتلقي التقاليد في كنيسة أورشليم والتعرف على حياة وتعاليم يسوع الناصري.
لقد ثبت أن الارتباط الوثيق بين بعض الأقسام المحددة جيدًا في كتابات بولس، على سبيل المثال رومية 12-14، مع تقارير تعاليم يسوع، من المصدر المشترك الذي يكمن وراء لوقا 6: 27-38 ومتى 5: 38-48، هو دليل على أن بولس كان لديه إمكانية الوصول الى مثل هذه التعاليم ونقلها الى كنائس الأمم.[132] صلاة بولس الى الله باسم “أبّا” (رومية 8: 15؛ غلاطية 4: 6) مستمدة بوضوح من يسوع (انظر مرقس 14: 36)، كما هو الحال بالنسبة للإشارة المحتملة الى الصلاة الربانية في عبارة “نتحمل بعضنا بعضاً و..متسامحين “(كو 3: 13). يعتقد بعض العلماء أن بولس يشير الى الصور الرعوية ليسوع، وكذلك الى الأمثال.[133]
يسوعالتاريخي: ولادتهوموته
الولادة والموت أساسيان للتجربة البشرية. يهتم كاتب السيرة الذاتية الحديث بالتفاصيل المحيطة بميلاد وموت شخصيته الرئيسية. بينما يصف اثنان فقط من الإنجيليين ولادة يسوع، يدخل الأربعة في تفاصيل كثيرة عن موته. ومع ذلك، لا يقدم الرسول بولس أي تفاصيل تاريخية حول ولادة أو موت يسوع.
ما يسهب بولس في الحديث عنه هو حقيقة ومعنى ولادة وموت يسوع، وكلها جزء من هذه الجملة الشهيرة:
هنا نرى حقيقة تجسده وموته (“فَقِرَ”) ومعناها (“نعمة ربنا يسوع المسيح”)، ولكن لم يتم إعطاء تفاصيل تاريخية.
من وجهة نظر بولس، كان مجيء يسوع الى العالم ضروريًا حتى يموت. وهكذا، “لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفدي” (غلاطية 4: 4-5). عرف بولس أن يسوع نشأ كيهودي صارم (“وُلِدَ في ظل الناموس”). قد يعني عدم وجود إشارة الى والد يسوع أن بولس كان على علم بميلاد المسيح من عذراء.
تم توضيح حقيقة موت الرب التاريخي ومعناه بقوة في البيان التالي:
من أجلنا جعله [الله] خطية الذي لم يعرف خطية، حتى نصبح بر الله فيه. (2 كورنثوس 5: 21)
لاحظ أنه على الرغم من عدم وجود تفاصيل تاريخية في هذه العبارات حول ولادة يسوع وموته، يبدو أن الكاتب يعرفها.
وهكذا، “أصبح فقيرًا” (2 كورنثوس 8: 9) يتوافق تمامًا مع التفاصيل الواردة في قصص ميلاد متى ولوقا. يشير التعليق العام “مولود من امرأة” الى أن الكاتب كان يعرف على وجه التحديد أي امرأة. فيما يتعلق بموت يسوع، غالبًا ما يشير الرسول الى الصلب باعتباره طريقة الإعدام (غلاطية 3: 1)، وقد رأى الكثيرون في الكلمات “جعل [الله] [يسوع] خطية” إشارة الى صرخة يسوع من على الصليب (مرقس 15: 34). الطريقة التي يتحدث بها بولس عن حقيقة ومعنى ولادة وموت يسوع تتضمن بعض المعرفة بالتفاصيل التاريخية، والتي، مع ذلك، لا يوفرها.
يسوعالتاريخي: حياته
لا يقدم بولس سوى القليل من التفاصيل من حياة يسوع:
من نسل إبراهيم (غلاطية 3: 16).
كان ابن داود (رومية 1: 3).
لقد وُلِدَ بشكل طبيعي ولكن [ربما] حُبل به بطريقة خارقة للطبيعة (غلاطية 4: 4).
وُلِد وعاش في ظل الناموس اليهودي (غلاطية 4: 4).
قبل ورحب بالناس (رومية 15: 5، 7).
كان أسلوب حياته يتسم بالتواضع والخدمة (فيلبي 2: 7-8).
تعرض للإساءة والسب خلال حياته (رومية 15: 3).
كان له أخ اسمه يعقوب (غلاطية 1: 19) وإخوة آخرين (1كو 9: 5).
بطرس تلميذه كان متزوج (1 كو 9: 5؛ راجع مر 1: 30).
أقام وجبة تذكارية في ليلة خيانته (1 كو 11: 23-25).
لقد تعرض للخيانة (1 كو 11: 23).
أدلى بشهادته أمام بيلاطس البنطي (1 تي 6: 13).
قُتل على يد يهود اليهودية (تسالونيكي الأولى 2: 14-15).
تم دفنه وقام في اليوم الثالث وشوهد بعد ذلك حياً عدة مرات من قبل العديد من الشهود (1 كو 15: 4-8).
على الرغم من محدودية المعلومات، الا أنها جديرة بالملاحظة من ناحيتين.
أولاً، يتم نقل التفاصيل بشكل عرضي وبعفوية. يبدو أنه إذا تم طرح نقطة لاهوتية أخرى، فقد كان بولس قادرًا على تقديم المزيد من الحقائق التاريخية. المعنى الضمني هو أن بولس الرسول عرف عن يسوع التاريخي أكثر مما قال؛ من المفترض أنه رأى أنه لا داعي لإعطاء مزيد من المعلومات.
ثانيًا، تؤكد روايات الإنجيل كل التفاصيل التي قدمها بولس بدون استثناء. أقواله خالية من المغالاة والتشويه. كل هذا مثير للإعجاب لأن تركيز بولس الرئيسي لم يكن الرب التاريخي، بل السماوي.
يسوعالتاريخي: تعاليمه
أعاد الرسول بولس إنتاج عدد قليل نسبيًا من تعاليم يسوع بشكل كامل. من ناحية أخرى، هناك مقتطفات عديدة من التعاليم التي ستظهر في النسخ الأخيرة من الأناجيل. كان بولس يقتبس من مجموعة من التعاليم التي كانت متداولة آنذاك.
كُل ما هو موجود أمامك 1 كورنثوس 10: 27؛ راجع لوقا 10: 7
الجزية لمن له الجزية رومية 13: 7؛ راجع مرقس 12: 13-17
لص في الليل 1 تسالونيكي 5: 2-5؛ راجع لوقا 12 :39، 40
بالإضافة الى هذه الأقوال المباشرة، يقدم بولس إشارات غير مباشرة عديدة الى تعاليم يسوع. مثلاً:
الأخلاق العملية رومية 12: 9 -13: 10؛ راجع متى 5-7
عودة يسوع 1-2 تسالونيكي؛ راجع متى 24
إنه خارج نطاق هذا العمل الدخول في التفاصيل في هذه المرحلة. على القارئ المهتم الرجوع الى كتاب ف. ف. بروس F. F. Bruce، بولس، رسول الروح الحرة Paul, Apostle of the Free Spirit، الصفحات 100-112. التعليقات التي أُدلي بها حول حياة يسوع التاريخي صحيحة هنا أيضًا. أولاً، يستطيع بولس إعطاء المعلومات كلما دعت الحاجة الى ذلك. من الواضح أن ما هو مذكور أعلاه لا يستنفد معرفة بولس بتعاليم يسوع. ثانيًا، ما نقرأه في بولس من كلمات يسوع تؤكده الأناجيل. في النقاط التي يمكننا التحقق منها، يثبت بولس أنه جدير بالثقة، كما سيلاحظ القارئ وهو يفحص المراجع المقارنة.
يسوعالتاريخي: صفاته
كان الرسول بولس على علم بالصفات الشخصية ليسوع التاريخي. عند الحاجة، حثّ قرائه على العيش والعمل وفقًا لمثال يسوع. دعونا نتأمل كيف استخدم بولس شخصية يسوع المعروفة في خدمته لأربع مجموعات من القراء.
مسيحيو رومية. كان المسيحيون الرومان مقسمين الى مجموعات عرقية كل واحدة منها انقسمت ضد المجموعات الأخرى. لذلك كتب بولس، ” فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ، لأَجْلِ البُنْيَانِ. لأَنَّ المَسِيحَ أَيْضًا لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ “(رو 15: 2-3). تذكرنا إشارة بولس الى سلوك المسيح المطيع (“لم يرض نفسه”) بقول المسيح: ” لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الذِي أَرْسَلَنِي ” (يوحنا 5: 30).
لذلك، قال بولس لأهل رومية المعزولين عرقياً، ” لِذلِكَ اقْبَلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَنَّ المَسِيحَ أَيْضًا قَبِلَنَا ” (رومية 15: 7). كثيرا ما استخدم المسيح كلمات الترحيب، خاصة للمحتاجين؛ على سبيل المثال: ” تَعَالوْا اليَّ يَا جَمِيعَ المُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَال، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ “(متى 11: 28).
أهل فيلبي. المجموعة الثانية، أهل فيلبي، كانوا يتصرفون بفخر في تعاملهم مع بعضهم البعض. شجعهم بولس على أن ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الفِكْرُ الذِي فِي المَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: …….وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ “(فيلبي 2: 5، 8).
مرة أخرى نرى بولس يقدم للناس مثال يسوع. في الدعوة الشهيرة ” تَعَالوْا اليَّ ” المذكورة أعلاه، مضى يسوع ليقول، ” لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ القَلْبِ ” (متى 11: 29). كلمة بولس ” وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ ” هي من نفس مجموعة الكلمات اليونانية مثل إعلان يسوع “أنا متواضع”.
أهل كورنثوس. مجموعة ثالثة من القراء، أهل كورنثوس، رفضوا أسلوب بولس في الخدمة باعتباره ضعيفًا. فيقول: ” أَطْلُبُ اليْكُمْ بِوَدَاعَةِ المَسِيحِ وَحِلْمِهِ ” (2 كورنثوس 10: 1).
كلمة “وداعة” هي في الأساس نفس كلمة ” وَدِيعٌ “، الكلمة الأخرى في متى 11: 29 المقتبسة أعلاه. وهكذا فإن كلمات يسوع عن نفسه “وديعاً” و “متواضعًا”، كما اقتبس في متى 11: 29، استفاد منها بولس مرتين، ولكن بطريقة غير واضحة بحيث يتم إغفال هذه النقطة بسهولة.
في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس، حث بولس القراء على “طلب” خير جيرانهم “ليخلصوا”. مرة أخرى، يُعطى المسيح كمثال: ” كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالمَسِيحِ ” (1 كو 11: 1). تذكرنا هذه الكلمات ببيان يسوع المهم لعشار الضرائب زكا: ” لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ ” (لوقا 19: 10). باستخدام كلمات “طلب” و “خلّص”، ردد بولس معنى الهدف الذي نجده في كلمات يسوع هذه.
أهل غلاطية. أخبر الرسول مجموعة رابعة من القراء، الغلاطيّيّن، عن محبة المسيح، ” ابْنِ اللهِ، الذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي ” (غل 2: 20؛ 2 كو 5: 14).
كان الإنجيلي الرابع الذي لفت الانتباه بشكل خاص الى محبة يسوع في موته من أجل الخطاة. في المساء الذي سبق الصلب، عمل يسوع على معنى الحب من خلال غسل أقدام التلاميذ. علق يوحنا: ” إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الذِينَ فِي العَالمِ، أَحَبَّهُمْ الى المُنْتَهَى ” (يو 13: 1). هل ناقش بولس هذه الأمور مع يوحنا في “القمة” التبشيرية في أورشليم حوالي 47 م (راجع غلاطية 2: 7-9)؟ بينما يبدو أن الرسول بولس كتب قبل اكتمال الأناجيل، فمن المحتمل جدًا أنه في زياراته العديدة الى أورشليم كان على علم بالمصادر التي ستصبح جزءًا من الأناجيل في صورتها النهائية. يعرض بولس فهماً شاملاً لشخصية يسوع التاريخي -طاعته، وترحيبه الكريم، ووداعته وتواضعه، ومحبته للخطاة ورغبته في خلاصهم. كل ما يؤكده بولس عن صفات يسوع يمكن تأكيده من الأناجيل.
ومع ذلك، في حديثه عن شخصية يسوع التاريخي، لا يشير الرسول الى شخصية من الماضي البعيد. إن الرب التاريخي من خلال الموت والقيامة هو الآن الرب السماوي الذي أخذ شخصيته الروحية والعاطفية كما هي معه الى يمين الآب. أحيانًا يجد المسيحيون صعوبة في تخيل ما كان عليه ربهم ولا يعرفون كيفية الاقتراب منه. الشخص الذي هو الآن ربنا السماوي كان الرب التاريخي ذات يوم. كان يتفاعل مع المعاناة بالرحمة والظلم بالغضب. أظهر يسوع مجموعة واسعة من المشاعر البشرية. وكان وديعًا ومهيبًا في نفس الوقت. النقطة هي، كما كان، هكذا هو؛ هو الآن ما كان عليه حينها. نحن نتواصل معه الآن كما لو كنا مرتبطين به في ذلك الوقت. للرب السماوي نفس الصفات الشخصية للرب التاريخي.
على الرغم من أن الرسول بولس كان مهتمًا في المقام الأول بيسوع باعتباره الرب السماوي المعاصر له، الا أنه لم يكن بأي حال من الأحوال غير مدرك لسيرة حياة الرب التاريخي. من خلال الـ paradoseis أو “التقاليد” عن يسوع، التي وردت من أولئك الذين كانوا شهود عيان للرب، يقدم بولس معلومات حول ولادة المسيح وحياته وموته وصفاته الشخصية وأقواله. تثبت حقائق بولس، وإن لم تكن شاملة، عند مقارنتها بالأناجيل أنها صحيحة في كل حالة. من الواضح أن بولس لم يصنع تفاصيل عن يسوع أو يبالغ في التفاصيل التي لديه. يبدو أن استخدام بولس للأدلة التاريخية كان حذرًا ورصينًا.
تذكر كل أناجيل العهد الجديد الأربعة أن يسوع قد صلب وأنه مات نتيجة لذلك. هل الأدلة كافية لتبرير الاستنتاج بأن هذه التقارير دقيقة؟ قبل التحقق من الإجابة، أود أن أشير إلى أهمية هذا السؤال. إن موت يسوع الكفاري وقيامته هما حجر الزاوية في العقيدة المسيحية. إذا لم يحدث أي منهما، فإن المسيحية التي بشر بها الرسل كانت خاطئة. لأنه إذا لم يمت يسوع على الصليب، فلا يوجد موت كفاري من أجل خطايانا، كما يُعلِّم العهد الجديد. علاوة على ذلك، بما أن مصطلح القيامة يشير إلى تحول الجثة إلى جسد خالد، إذا لم يمت يسوع، فمؤكد أنه لم تكن هناك جثة يمكن أن تتغير بالقيامة.
بدون القيامة تكون المسيحية مزورة. علّم الرسول بولس: “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ” (1 كورنثوس 15: 17). تذكر الأناجيل أن يسوع قال بالمثل أن قيامته ستكون بمثابة دليل على صحة ادعاءاته عن نفسه (انظر متى 12: 39-40؛ يوحنا 2: 18-22). وهكذا، وفقًا ليسوع وبولس، إذا لم تحدث قيامة يسوع، فقد حان الوقت لإيجاد وجهة نظر أخرى للعالم-غير العقيدة المسيحية. وفقًا لذلك، بما أن القيامة تتطلب الموت، فإن موت يسوع بالصلب هو رابط لا يمكن كسره إذا كان يجب أن تعتبر المسيحية حقيقية.
في هذا الفصل، أود أن أقدم أربعة أسباب تدعم مصداقية الادعاء بأن يسوع مات نتيجة للصلب. ولكن قبل ذلك أود إلقاء نظرة سريعة عن ممارسة الصلب في وقت يسوع.
كان الصلب شكلاً شائعًا من أشكال الإعدام التي استخدمها الرومان لمعاقبة أفراد الطبقة الدنيا والعبيد والجنود والمتمردين العنيفين والمتهمين بالخيانة.[134] وعادة ما يسبق ذلك تعذيب الضحية بوحشية. كان الرومان يقومون عادة بجلد الضحية قبل الصلب.[135] من أواخر القرن الأول قبل الميلاد. حتى نهاية القرن الأول بعد الميلاد، أفاد المؤرخ الإغريقي ديونيسيوس من هاليكارناسوس Dionysius of Halicarnassus، وتيتوس ليفي Livy أحد أشهر المؤرخين الرومان، وفيلو Philo الفيلسوف السكندري المعاصر للمسيح، ويوسيفوس المؤرخ اليهودي المعاصر لشهود عيان المسيح عن أناس عُذبوا بالسياط والنار وجميع أنواع التعذيب قبل صلبهم.[136] في القرن الثاني، روى لوسيان عن رجل تعرض للجلد وقلعت عيناه وقطع لسانه قبل صلبه.[137] الجلد بالسوط نفسه يمكن أن يكون وحشيًا للغاية. على الرغم من عدم ذكر الصلب اللاحق، في منتصف القرن الثاني، فإن استشهاد بوليكاربوس يشير إلى أشخاص “مُزِّق لحمهم بالسياط” لدرجة أن “عروقهم وشرايينهم” أصبحت مرئية.[138] يوسيفوس يخبرنا عن رجل قبل دمار أورشليم في 70م، تعرض للجلد حتى العظام من قبل أحد خلفاء بيلاطس في اورشليم.[139] كما أفاد بأن مجموعة تعرضت للجلد حتى انكشفت أمعاؤهم.[140] بعد أن خضعنا لهذا النوع من المعاملة قبل الصلب، لا يمكننا إلا أن نتخيل كيف كان شكل الضحية على الصليب. في القرن الأول، وصف سينيكا (ت 65 م) الضحايا المصلوبين بأنهم “جثث مضروبة وغير فعالة”، و “معاقة”، و “مشوهة”، و “مسمرة” و “تجذب أنفاس الحياة وسط عذاب طويل الأمد”.[141] بعد التعذيب، كان الضحية المحكوم عليه بالصليب يتبعه في كثير من الأحيان حشود أثناء اصطحابه خارج أسوار المدينة حيث تم تسميره أو ربطه في صليب أو شجرة.[142] يبدو أن عملية التسمير كانت الطريقة المفضلة.[143] في بعض الأحيان تم تسمير الضحايا في مواقع مختلفة.[144] يُمكن للمرء أن يفهم بسهولة لماذا أشار شيشرون إلى الصلب على أنه “تلك العقوبة الأكثر قسوة وإثارة للاشمئزاز”، و “أسوأ أشكال التعذيب” و “رعب الصليب”.[145] ويوسيفوس الذي يشير إلى الصلب على أنه “أشد الميتات حقارة وبشاعة”.[146]
أولاً، تم الإبلاغ عن إعدام يسوع في عدد من المصادر القديمة: مسيحية وغير مسيحية. بالإضافة إلى الأناجيل الأربعة[147] وعدد من الرسائل الواردة في العهد الجديد،[148] والتي كُتبت جميعها في القرن الأول، تم الإبلاغ عن إعدام يسوع من قبل عدد من المصادر القديمة غير المسيحية. يوسيفوس[149] (أواخر القرن الأول)، تاسيتوس[150] (أوائل القرن الثاني)، لوسيان[151] (أوائل إلى منتصف القرن الثاني)، ومارا بار سيرابيون[152] (من القرن الثاني إلى القرن الثالث) هؤلاء أبلغوا عن الحدث. حقيقة أن هؤلاء غير المسيحيين ذكروا يسوع في كتاباتهم تظهر أن موت يسوع كان معروفًا خارج الدوائر المسيحية ولم يكن شيئًا اخترعه المسيحيون. وأيضاً بالإضافة إلى النطاق الواسع من المصادر التي أبلغت عن صلب يسوع هناك العديد من التقارير المبكرة.[153] بالإضافة لتقارير الآباء الرسوليين أمثال أغناطيوس.[154]
ثانيًا، كان احتمال النجاة من الصلب منخفضًا جدًا. ربما كان الصلب والتعذيب الذي كان يتم قبله في كثير من الأحيان أسوأ طريقة للموت في العصور القديمة. شاهد الكثير منا فيلم ميل جيبسون “آلام المسيح” وشهدوا ممارسة الجلد الوحشية (كما هو مُفصل في مقدمة الفصل).
كما يوجد رواية واحدة فقط عن شخص نجا من صلبه. ذكر يوسيفوس أنه رأى صلب ثلاثة من أصدقائه. ناشد بسرعة صديقه القائد الروماني تيطس الذي أمر بإنزال الثلاثة على الفور وقدم أفضل رعاية طبية قدمتها روما. على الرغم من هذا، مات اثنان من الثلاثة.[155] وهكذا، حتى لو نُقل يسوع قبل موته وبمساعدة طبية، فإن فرصه في البقاء على قيد الحياة كانت ضئيلة جداً. حتى مع ذلك، لا يوجد دليل على أن يسوع أُنزِلَ وهو على قيد الحياة أو أنه حصل على أي رعاية طبية على الإطلاق، ناهيك عن أفضل رعاية في روما.
ثالثًا، أجمعت الآراء الطبية المهنية على استنتاج أن يسوع مات بالتأكيد نتيجة صلبه. سألت كل واحد منهم إذا كان هناك أي أسباب طبية لكيفية تسريع موت الضحية المصلوب نتيجة كسر الساقين. أجابوا أن هناك احتمالات قليلة، لكنها بالتأكيد ستكون نادرة. فكيف يعجل كسر ساقي الضحية المصلوب بموته؟[156]
خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، غالبًا ما عذب الألمان الضحايا من خلال ممارسة تسمى aufbinden، يتم خلالها ربط الضحايا من معاصمهم ورفعهم بحيث لا تلمس الأرض إلا أصابع قدمهم إذا حاولوا ذلك. عندما يتعب الضحايا، كانوا يسترخون. ونتيجة لذلك، سيجدون صعوبة في التنفس. نظرًا لأن العضلات المستخدمة في الشهيق أقوى من العضلات المستخدمة في الزفير، فإن ثاني أكسيد الكربون سيتراكم ويموت الضحية موتًا مزعجًا. أُجريت تجارب على متطوعين أحياء حيث تم تعليقهم مع عدم القدرة على لمس الأرض، كانت النتائج أنه لا يمكن للمرء أن يظل واعيًا لمدة تزيد عن اثنتي عشرة دقيقة في هذا الوضع، طالما كانت أذرعهم بزاوية 45 درجة أو أقل. كسر رجلي الضحية المصلوب سيمنعه من الضغط على المسمار في أقدامه، وهي حركة مؤلمة، من أجل تسهيل التنفس، وإن كان ذلك مؤقتًا. في رأي صديقيّ وهما اثنان من أطباء غرفة الطوارئ أنه بسبب الصدمة التي تعرض لها بالفعل الضحية المصلوب، بمجرد موته على صليب بسبب نقص الأكسجين، وبقي ميتًا في هذا الوضع لمدة خمس دقائق، فلن تكون هناك فرصة لإنعاشه. بالإضافة إلى ذلك، يخبرنا إنجيل يوحنا أن أحد الحراس قد طعن يسوع ليؤكد أنه مات بالفعل (انظر يوحنا 19: 34-37)، وهي ممارسة ذكرها بالمثل كوينتيليان (ت 100 م)، وهو مؤرخ روماني في القرن الأول.[157]
هل هناك سبب للاعتقاد بأن الرومان يرغبون في التعجيل بموت يسوع على الصليب؟ يذكر يوسيفوس أنه قبل تدمير الرومان أورشليم في عام 70 بعد الميلاد، كان من عادة اليهود هناك إزالة المصلوبين عن الصلبان ودفنهم قبل غروب الشمس.[158] هناك تقارير عن ضحية مصلوب يعيش ما يصل إلى ثلاثة أيام على صليبه وعن ضحايا تركوا على صلبانهم لفترة طويلة من الزمن بعد الموت ليكونوا طعامًا للطيور والكلاب والحشرات. ومع ذلك، لم تكن هذه هي الممارسة في أورشليم قبل تدميرها عام 70 بعد الميلاد. تم صلب يسوع إما في 30 أو 33 م. وبالتالي، لدينا سبب وجيه جدًا للاعتقاد بأن موت يسوع قد تم السماح بدفنه من قبل الرومان قبل غروب الشمس في اليوم الذي تم إعدامه فيه.
رابعًا، حتى لو نجح يسوع بطريقة ما في النجاة من الصلب، فلن يلهم تلاميذه للاعتقاد بأنه قد قام من الأموات. تخيل أن يسوع نصف ميت في القبر. يتعافى من غيبوبة ويجد نفسه خائفًا في الظلام. يضع يديه المثقوبتين بمسامير على الحجر الثقيل للغاية الذي يمنع خروجه ويدفعه بعيدًا عن الطريق. ثم يقابله الحراس، الذين يقولون، “أين تعتقد أنك ذاهب يا صديقي؟” فيجيب، “أنا أخرج من هذه الحفرة.” ثم يقوم بضرب الحراس، وبعد ذلك يمشي على بعد شوارع إن لم يكن أميال على أقدام مثقوبة ومصابة من أجل العثور على تلاميذه. أخيرًا، يأتي إلى المنزل حيث يقيمون ويقرع الباب. يفتح بطرس الباب ويرى يسوع منحنياً في حالته المثيرة للشفقة والمشوهة ويقول، “واو! لا أطيق الانتظار حتى أحصل على جسد قيامة مثل جسدك تمامًا!”[159] يجب على المؤرخ أن يسأل عن مدى احتمالية أن يقنع يسوع تلاميذه في حالته الجريحة بأنه رب الحياة القائم في جسد خالد. قد يكون على قيد الحياة؟ بالكاد. أمّا أن يكون قد قام؟ مستحيل.
باختصار، الأدلة التاريخية قوية جدًا على أن يسوع مات بالصلب. يشهد عليه عدد من المصادر القديمة، بعضها غير مسيحي وبالتالي غير منحاز للتفسير المسيحي للأحداث؛ كانت فرص النجاة من الصلب قاتمة للغاية؛ الرأي الطبي المتخصص بالإجماع هو أن يسوع مات بالتأكيد بسبب قسوة الصلب، وحتى لو نجح يسوع بطريقة ما في النجاة من الصلب، فلن يؤدي ذلك إلى اعتقاد التلاميذ بأنه قد قام من الأموات.
وبسبب كل هذا والإحراج الذي مثله موت يسوع للمسيحيين والذي جعل بولس يقول أنه يكرز بالمسيح مصلوباً عثرة لليهود وجهالة لليونانيين (1 كو 1: 23) وأيضاً الكم الهائل والمبكر من التقارير عن موت يسوع من روايات الأناجيل وتقاليد 1 كورنثوس 15 ومايليها وعظات سفر الأعمال وشهادات المؤرخين المبكرين ونقد شتراوس لنظرية الإغماء فإن موت يسوع بالصلب أصبح الآن حقيقة لا تقبل الجدل حتى أن عالم العهد الجديد الملحد جون دومينيك كروسان أعلن: “أن صلبه أمر مؤكد مثل أي شيء تاريخي يمكن أن يكون على الإطلاق.”[160] وبالمثل يعتقد ماركوس بورغ أن إعدام يسوع هو “الحقيقة الأكثر تأكيدًا عن يسوع التاريخي”[161] يقول المتشكك جيمس تابور، “أعتقد أنه ليس لدينا أي شك في أنه نظرًا لإعدام يسوع بالصلب الروماني، فقد مات حقًا.”[162] وينقل ريموند براون إجماع العلماء: “يقبل معظم العلماء الشهادة الموحدة للأناجيل بأن يسوع مات أثناء ولاية بيلاطس البنطي لليهودية والتي كانت في الفترة ما بين 26 و36 م”[163] يكتب الملحد جيرد لودمان، “موت يسوع نتيجة صلبه لا جدال فيه.”[164] واليهودي بينشاس لابيد: “المسيحية كدين تاريخي للوحي تقوم على حدثين أساسيين -موت يسوع الناصري على الصليب وقيامته. في حين أن الحدث الأول يمكن اعتباره مؤكدًا تاريخيًا، سواء وفقًا لتصريحات الإنجيليين المتفقين بشكل أساسي وجوهري، وكذلك من مصادر غير مسيحية، لكن لايزال الحدث الأخير مثيرًا للجدل، ولا يمكن تصوره تاريخيًا، وقد أدى منذ البداية إلى الشك والشقاق والمعارضة.”[165] واللاأدري بارت إيرمان: “على الرغم من هذا النطاق الهائل من الآراء، هناك العديد من النقاط التي يتفق عليها جميع علماء العصور القديمة تقريبًا. كان يسوع رجلاً يهوديًا معروفًا بكونه واعظًا ومعلمًا، وقد صُلِب (شكل روماني للإعدام) في أورشليم في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس، عندما كان بيلاطس البنطي حاكمًا على اليهودية. على الرغم من أن هذه هي وجهة نظر كل باحث مدرب على هذا الكوكب تقريبًا، إلا أنها ليست وجهة نظر مجموعة من الكتاب الذين عادةً ما يطلق عليهم، وغالباً ما يطلقون على أنفسهم، أسطوريون.”[166]
وهكذا، نظرًا للأدلة القوية على موت يسوع بالصلب، دون دليل جيد على عكس ذلك، يجب على المؤرخ أن يستنتج أن يسوع قد صُلب وأن العملية أدت إلى قتله.
هلقاميسوعمنالموت؟ –وليملينكريج
مقدمة
يُبنى الإيمان المسيحي على الادعاء اللافت للنظر أن الشخص التاريخي، يسوع الناصري، قد قام من بين الأموات، وبالتالي كان، كما زعم هو، ابن الله بمعنى فريد. ولكن ما مدى مصداقية ادعاء قيامة يسوع؟ سوف نقوم بالتحقيق في هذا السؤال تاريخياً.
الآن لا يأتي المرء لدراسة قيامة يسوع في الفراغ. يأتي كل محقق معه بافتراضات معينة يفترضها مسبقًا في تحقيقه والتي، في حالة الطعن فيها، قد تصبح هي نفسها موضوع تحقيق وتبرير. اسمحوا لي، إذن، أن أذكر بوضوح شديد الافتراضين اللذين أتناولهما في مسألتنا.
أولاً، أفترض وجود الله، كما يتضح من حجج اللاهوت الطبيعي، مثل الحجج الكونية cosmological والغائية teleological والأكسيولوجية axiological. هذا هو النهج الذي اتبعه المدافعون الكلاسيكيون عن تاريخية قيامة يسوع مثل هوغو غروتيوس Hugo Grotius وصمويل كلارك Samuel Clarke وويليام بالي William Paley، وكذلك من قبل علماء معاصرين مثل وولفارت بانينبيرج Wolfhart Pannenberg وريتشارد سوينبرن Richard Swinburne وستيفن ديفيس Stephen Davis.
الآن أدرك أن الكثير من الناس اليوم لا يشاركوننا هذا الافتراض؛ الملحدين واللاأدريين لا يعترفون بوجود خالق ومصمم متسام للكون. هذا فرق كبير في نظرة المرء للعالم وسيؤثر جذريًا بالطبع على كيفية تقييم المرء للتفسيرات المتنافسة للحقائق. لكن مساحتنا وموضوعنا محدودان، لذلك إذا كان المرء مهتمًا بتبرير الإيمان بوجود الله، فيمكن للمرء الرجوع إلى كتابي القادم في هذه السلسلة نفسها حول هذا الموضوع.[167]
ثانيًا، أفترض مسبقًا أن معرفتنا الخلفية تتضمن قدرًا كبيرًا من المعلومات حول يسوع التاريخي، بما في ذلك ادعاءاته الشخصية الراديكالية، وتعاليمه، وصلبه.[168] وبذلك، فإنني أقف بشكل صريح في الاتجاه السائد لدراسات العهد الجديد فيما يتعلق بيسوع التاريخي. مرة أخرى، أدرك أن النقاد الراديكاليين لا يشاركوننا هذا الافتراض. لكن غالبية علماء العهد الجديد يتفقون اليوم على أن يسوع التاريخي كان يمتلك إحساسًا لا مثيل له بالسلطة، وسلطة الوقوف والتحدث بدلاً من الله نفسه. لقد ادعى أن ملكوت الله قد جاء في ذاته، وقام بتنفيذ خدمة المعجزات وطرد الأرواح الشريرة كعلامات على هذه الحقيقة. وفقًا لعالم اللاهوت الألماني Horst George Pohlmann هورست جورج بولمان:
اليوم هناك إجماع تقريبًا … أن يسوع ظهر على الساحة بسلطة لم يُسمَع بها من قبل، مع ادعاء السلطة للوقوف في مكان الله والتحدث إلينا وإحضارنا إلى الخلاص. فيما يتعلق بيسوع، هناك طريقتان محتملتان فقط من السلوك: إما أن نؤمن بأن الله يقابلنا به أو أن نسمره على الصليب كمجدف Tertium non datur. [ليس هناك طريق ثالث.][169]
لذا فأنا أيضًا في موقع آمن جدًا فيما يتعلق بافتراضي الثاني.
سيتضمن التحقيق في تاريخية قيامة يسوع خطوتين: أولاً، يجب على المرء أن يحدد الحقائق التي يجب شرحها، وثانيًا، يجب على المرء أن يسأل عما إذا كانت قيامة يسوع هي أفضل تفسير لهذه الحقائق. هناك ثلاث حقائق رئيسية مزعومة في القضية:
اكتشاف قبر يسوع الفارغ من قبل مجموعة من أتباعه النساء في صباح يوم الأحد بعد صلبه؛[170]
اختبر العديد من الأفراد والجماعات ظهورات يسوع حياً بعد موته؛[171]
أصل إيمان التلاميذ الأوائل بأن الله قد أقام يسوع من بين الأموات.
إذا كان من الممكن إثبات هذه الحقائق الثلاث باعتبارها حقائق تاريخية، فسيكون السؤال عندئذ هو ما إذا كان يمكن تفسيرها بشكل أفضل من خلال ما سأطلق عليه “فرضية القيامة Resurrection Hypothesis ” -أي أن الله أقام يسوع من بين الأموات، أو من خلال تفسير آخر.
يدرك جميع المؤرخين أن يسوع الناصري لقي موته المفاجئ بالصلب الروماني في وقت عيد الفصح اليهودي في أورشليم. لذلك نحن نأخذ هذه الحقيقة التاريخية كمُعطى. السؤال الذي يواجه المؤرخ هو: ماذا حدث بعد صلب يسوع؟ يبحث هذا الكتاب أولاً في الحقائق المراد شرحها، ثم في التفسيرات المتنافسة لهذه الحقائق.
الجزءالأول: القبرالفارغ
هناك ما لا يقل عن خمسة خطوط مستقلة من الأدلة التي تدعم حقيقة أن القبر الذي دُفِنَ فيه يسوع مساء الجمعة بعد صلبه وجدته مجموعة من النسوة فارغًا في يوم الأحد التالي.
الفصلالأول: المصداقيةالتاريخية
المصداقية التاريخية لدفن يسوع تدعم تاريخية القبر الفارغ. إذا كانت روايات دفن يسوع في الأناجيل دقيقة أساسًا، حتى مع وجود بعض الاختلاف في التفاصيل الثانوية، فإن موقع قبر يسوع كان معروفًا في أورشليم لكل من اليهود والمسيحيين على حدٍ سواء. لأنه وفقًا للروايات، دُفن يسوع على يد عضو في المجمع اليهودي يُدعى يوسف الرامي، والنساء اللواتي تبعن يسوع لاحظن دفنه. لكن في هذه الحالة، يجب أن يكون القبر فارغًا عندما بدأ التلاميذ يكرزون بأن يسوع قد قام من بين الأموات.
هناك ثلاثة أسباب تكمن وراء هذا الاستنتاج:
لم يكن بوسع تلاميذ يسوع أن يصدقوا أن يسوع قد قام إذا كانت جثته لا تزال موضوعة في القبر. كان من غير اليهودي تمامًا، حتى لا نقول أنه من المنافي للعقل، الاعتقاد بأن رجلاً عُرف أن جثته موضوعة في قبره قد قام من بين الأموات.
حتى لو كان التلاميذ متسرعين لدرجة إعلان قيامة يسوع على الرغم من قبره المشغول بجثته، فلن يصدقهم أي شخص آخر. من أكثر الحقائق الجديرة بالملاحظة حول الإيمان المسيحي المبكر بقيامة يسوع أنها ازدهرت في نفس المدينة التي صلب فيها يسوع علنًا. طالما اعتقد سكان أورشليم أن جثة يسوع موضوعة في القبر، فإن قلة منهم كانت مستعدة لتصديق سخافة مثل الادعاء بأن الله أقام يسوع من بين الأموات.
أخيرًا، حتى لو اعتقد الناس أن يسوع قد قام، لكانت السلطات اليهودية قد سحقت الأمر بأكمه ببساطة من خلال الإشارة إلى قبر يسوع المشغول بجثته أو ربما حتى فتح القبر للكشف عن الجثة كدليل حاسم على أن يسوع لم يعد من جديد إلى الحياة.
حتى لو لم يعد من الممكن التعرف على بقايا الجثة بسبب التعفن، فإن عبء الإثبات سيظل يقع على عاتق أي شخص قال إنها ليست بقايا جثة يسوع. ولكن لا يبدو أن مثل هذا الخلاف حول التعرف على جثة يسوع قد حدث؛ تكمن الخلافات بين اليهود غير المسيحيين واليهود المسيحيين الأوائل في مكان آخر، كما سنرى قريبًا.
لن يكون من المفيد الإيحاء بأن السلطات اليهودية لم تأخذ الحركة المسيحية على محمل الجد ولذا لم تكلف نفسها عناء التعامل معها. كانوا، بعد كل شيء، نفس الرجال الذين كانوا مسؤولين عن إدانة يسوع وتسليمه إلى الرومان لإعدامه. كما يوضح إشراكهم الفريسي المسمى شاول الطرسوسي لاضطهاد اليهود المسيحيين، كانت السلطات اليهودية في أورشليم عازمة على سحق حركة يسوع الناشئة.
وبالتالي، إذا كانت قصة دفن يسوع تاريخية في جوهرها، فهي إذن استنتاج قصير جدًا لحقيقة أن قبر يسوع وجد أيضًا فارغًا. لهذا السبب، شعر النقاد الذين ينكرون حقيقة القبر الفارغ بأنهم مضطرون إلى المجادلة ضد تاريخية الدفن أيضًا. هذا أمر محرج، لأن غالبية نقاد العهد الجديد يدركون اليوم أن دفن يسوع في قبر يوسف الرامي هو أحد أفضل الحقائق الثابتة عن يسوع التاريخي. في حين أنه يمكن إجراء نقاش طويل حول الدليل على دفن يسوع، فإنه تكفي نقطتان.
النقطةالأولى: شهاداتشهودعيانفيوقتمبكر
أولاً، تم الإبلاغ عن دفن يسوع في مصادر مبكرة ومستقلة. إن إنجيل مرقس هو الأقدم من بين الأناجيل الأربعة، ويُعتقد عمومًا أنه كُتب قبل 70 م. ومع ذلك، يعتقد معظم العلماء أن مَرقُس استخدم مصدرًا سابقًا حتى عند كتابة روايته عن معاناة يسوع وموته (ما يسمى قصة الآلام Passion Story)، والتي يعتقد معظم النقاد أنها تستند إلى شهادات شهود العيان. إن قصة دفن يسوع في قبر على يد يوسف الرامي هي جزء من مصدر الآلام هذا المؤرخ قبل مرقس. وبالتالي، لدينا هنا مصدر مبكر جدًا لدفن يسوع على يد يوسف.
علاوة على ذلك، يستشهد بولس في رسالته الأولى إلى الكنيسة في كورنثوس بتقليد مسيحي قديم حصل عليه من التلاميذ الأوائل (1 كورنثوس 15: 3-5).[172] ربما تلقى بولس هذا التقليد في موعد لا يتجاوز زيارته لأورشليم في 36 م بعد تحوله في 33 م (غلاطية 1: 18)، إن لم يكن قبل ذلك أثناء إقامته في دمشق. يعود هذا التقليد، بالتالي، إلى السنوات الخمس الأولى بعد صلب يسوع في 30 م. التقليد هو ملخص للنقاط المركزية للإعلان المسيحي المبكر. كان من الممكن أن يُسهّل شكله المتوازي من عملية حفظه، وربما تم استخدامه في التعليم المسيحي. ونصه:
لاحظ أن السطر الثاني من هذا التقليد يشير إلى دفن يسوع.
إذن، هل الدفن المذكور في تقليد بولس هو نفس حدث دفن يوسف الرامي؟ يمكننا الإجابة على هذا السؤال من خلال مقارنة تقليد بولس المكون من أربعة أسطر مع روايات الإنجيل من ناحية والعظات في سفر أعمال الرسل.
هذا التطابق الرائع للتقاليد المستقلة هو دليل مقنع على أن تقليد بولس المكون من أربعة أسطر يلخص الأحداث الأساسية لآلام يسوع وقيامته، بما في ذلك دفنه في القبر. في مصدر آلام ما قبل مرقس وتقليد ما قبل بولس الذي تم تسليمه إلى أهل كورنثوس، لدينا أدلة من بعض أقدم المصادر المستقلة في العهد الجديد لدفن يسوع في القبر.
وهناك المزيد؛ توجد أيضًا شهادات مستقلة أخرى عن دفن يوسف ليسوع في المصادر الكامنة وراء أناجيل متى ولوقا ويوحنا. على الرغم من أن غالبية العلماء يتفقون على أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقس كأحد مصادرهما، فإن الاختلافات بين رواية مَرقُس عن الدفن وتلك الخاصة بمتى ولوقا تشير إلى أن لديهما أيضًا مصادر أخرى غير مرقس فقط. علاوة على ذلك، بما أن العلماء يتفقون بشكل عام على أن إنجيل يوحنا كتب بشكل مستقل عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، فلدينا مصدر مستقل آخر للدفن في رواية يوحنا. أخيرًا، هناك العظات المبكرة في سفر أعمال الرسل، والتي ربما تحافظ على الوعظ المبكر للرسل. تشير هذه العظات أيضًا إلى دفن يسوع في قبر. وهكذا، لدينا عدد غير عادي من خمسة مصادر مستقلة على الأقل لدفن يسوع، بعضها مبكر للغاية.
النقطةالثانية: يوسفالرامي
تصف الأناجيل يوسف بأنه رجل ثري، عضو في السنهدريم اليهودي. كعضو في السنهدريم اليهودي الذي أدان يسوع، من غير المحتمل أن يكون يوسف الرامي اختراعًا مسيحيًا.
كان السنهدريم بمثابة محكمة يهودية عليا مكونة من سبعين رجلاً من قادة اليهودية الذين كانوا يترأسون أورشليم. كان هناك عداء مفهوم بين المسيحيين الأوائل تجاه اليهود أعضاء مجمع السنهدريم، حيث ألقى المسيحيون باللوم على أعضاء مجمع السنهدريم لقيامهم بالتدبير لقتل يسوع على يد الرومان. العظات الرسولية في سفر أعمال الرسل، على سبيل المثال، تذهب إلى حد القول إن القادة اليهود هم الذين صلبوا يسوع (أعمال الرسل 2: 23، 36؛ 4: 10)!
لذلك، من المحتمل جدًا أن يكون دفن يسوع على يد يوسف أمرًا تاريخيًا، لأنه لن يكون من الممكن تفسير سبب اختراع المسيحيين قصة عن رجل دين يهودي يعطي يسوع دفنًا لائقًا.
لهذه الأسباب وغيرها، هناك اتفاق واسع النطاق بين الغالبية العظمى من علماء العهد الجديد أنه بعد صلبه (يسوع) يأتي دفنه في قبر على يد يوسف الرامي. وفقًا للراحل جون إيه تي روبنسون John A. T. Robinson من جامعة كامبريدج، فإن دفن يسوع في القبر هو “أحد أقدم الحقائق وأكثرها إثباتًا عن يسوع”.[173] ولكن إذا تم دفن جسد يسوع بهذه الطريقة، فمن الصعب للغاية إنكار حقيقة أن القبر وُجِدَ لاحقًا فارغًا.
الفصلالثاني: تقاريرمستقلة
تم الإبلاغ عن اكتشاف قبر يسوع الفارغ بشكل مستقل في مصادر مبكرة جدًا. ربما لم ينته مصدر آلام مرقس بقصة دفن يسوع، ولكن بقصة اكتشاف النساء لقبر يسوع الفارغ. بالنسبة لقصة الدفن وقصة القبر الفارغ هي في الحقيقة قصة واحدة، تشكل سردًا سلسًا ومتواصلاً. تجمعهما روابط نحوية ولغوية. علاوة على ذلك، يبدو من غير المرجح أن يروي المسيحيون الأوائل قصة آلام يسوع، التي انتهت للتو بموته ودفنه؛ قصة الآلام غير مكتملة بدون انتصار القيامة في النهاية. لذا من المحتمل أن يكون مصدر آلام مرقس متضمنًا وربما انتهى برواية اكتشاف النساء للقبر الفارغ.
لقد رأينا أيضًا أنه في 1 كورنثوس 15: 3-5 يستشهد بولس بتقليد مبكر للغاية يشير إلى دفن المسيح وقيامته. على الرغم من أن التقليد لا يذكر صراحة القبر الفارغ، فإن مقارنتنا السابقة للصيغة المكونة من أربعة أسطر مع روايات الإنجيل والعظات في سفر أعمال الرسل تكشف أن السطر الثالث من التقليد هو، في الواقع، ملخص لقصة اكتشاف القبر الفارغ. علاوة على ذلك، فإن القبر الفارغ مضمن في سمتين أخريين لتقليد بولس.
أولاً، عبارة “قام” بعد عبارة “دُفِنَ” تدل على قبر فارغ. فكرة أنه يمكن دفن شخص ما ثم قيامه من بين الأموات ومع ذلك يظل جسده في القبر هي من سمات اللاهوت الحديث! في أذهان يهود القرن الأول، لم يكن هناك شك في أن قبر يسوع كان سيصبح فارغًا نتيجة قيامته. لذلك، عندما ينص التقليد على أن المسيح “دُفن وقام”، فإنه يشير تلقائيًا إلى أن قبرًا فارغًا قد تُرك وراءه.[174]
ثانيًا، تشير عبارة “في اليوم الثالث” إلى القبر الفارغ. بما أنه لم يرَ أحدُ يسوع يقوم بالفعل ويخرج من القبر، يجب أن نسأل لماذا أعلن التلاميذ الأوائل أنه قام “في اليوم الثالث”؟ لماذا ليس اليوم السابع؟ الجواب الأكثر ترجيحًا هو أنه في اليوم الثالث بعد صلبه اكتشفت النساء قبر يسوع فارغًا؛ وبطبيعة الحال، فإن القيامة نفسها جاءت في ذلك اليوم.
لدينا، إذن، في وقت مبكر للغاية، دليل مستقل على حقيقة وجود قبر يسوع الفارغ في مادة ما قبل مرقس وما قبل بولس. لذلك لا يمكن شطب اكتشاف قبر يسوع الفارغ على أنه تطور أسطوري لاحق.
لكن هناك مصادر أخرى مستقلة تفسر القبر الفارغ، وجدت في الأناجيل الأخرى وأعمال الرسل. من الواضح أن متى يعمل مع مصدر مستقل، لأنه يتضمن قصة حارس القبر، وهي قصة غير مشتقة من مرقس وهي فريدة من نوعها في إنجيله. علاوة على ذلك، تعليقه على الإشاعة بأن التلاميذ قد سرقوا جسد يسوع، “وقد انتشرت هذه القصة بين اليهود حتى يومنا هذا” (متى 28: 15) يُظهر هذا أن الحارس ليس من صنع متى، ولكنه كان جزءًا من تقليد سابق. لدى لوقا أيضًا مصدر مستقل، لأنه يروي قصة، غير موجودة في مرقس، عن اثنين من التلاميذ يتفقدون القبر للتحقق من صحة تقرير المرأتين بأن القبر كان فارغاً. لا يمكن اعتبار هذه القصة على أنها من صنع لوقا لأن الحادثة مذكورة بشكل مستقل في إنجيل يوحنا. ومرة أخرى، نظرًا لاستقلال يوحنا عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، لدينا تقرير مستقل آخر عن القبر الفارغ.
أخيرًا، في العظات في سفر أعمال الرسل، لدينا إشارات غير مباشرة إلى قبر يسوع الفارغ. على سبيل المثال، يقارن بطرس بين قبر الملك داود وقبر يسوع، قائلاً: ” رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذَا الْيَوْمِ “، ولكن “[يسوع] هذَا أَقَامَهُ اللهُ” (أعمال 2: 29-32؛ قارن 13: 36-37).
يعتقد المؤرخون أن لديهم اكتشاف تاريخي مفيد ومربح عندما يكون لديهم روايتان مستقلتان للحدث نفسه. لكن في هذه الحالة -اكتشاف القبر الفارغ -لدينا ما لا يقل عن ستة مصادر مستقلة، بعضها من بين أقدم المواد التي تم العثور عليها في العهد الجديد.
الفصلالثالث: تقريرمرقسوالإحراجالناتجمنشهادةالنساء
قصة القبر الفارغ الخاصة بمرقس بسيطة وتفتقر إلى علامات التطور الأسطوري. إن روايته لاكتشاف النساء للقبر الفارغ محفوظة بشكل ملحوظ وغير مجددة بزخارف لاهوتية من المحتمل أن تميز قصة أسطورية لاحقة.
على سبيل المثال، من المدهش حقًا أن القيامة نفسها لم يتم وصفها فعليًا أو حتى شهادتها، ولا يوجد أي تفكير لاهوتي في انتصار يسوع على الخطية والموت، ولا استخدام للألقاب الإلهية للمسيح،[175] ولا اقتباس من نبوءة تحققت، ولا وصف للرب القائم من بين الأموات. تختلف قصة مرقس تمامًا عما قد يتوقعه المرء من أسطورة مسيحية -فقط قارن بين رواية مرقس والطريقة التي يتم بها تصوير قيامة يسوع بوضوح في مسرحيات الآلام الحديثة!
لتقدير مدى تقييد رواية مَرقُس، نحتاج فقط إلى قراءة الرواية الواردة في إنجيل بطرس الملفق في القرن الثاني. يصف خروج المسيح المظفّر من القبر كشخص عملاق يصل رأسه فوق الغيوم، مدعوم بملائكة عملاقة، يتبعه صليب ناطق، يبشر به صوت من السماء، وكل ذلك شهده حارس روماني والقادة اليهود والكثير من المتفرجين! هكذا تبدو الأساطير الحقيقية: إنها مزينة بزخارف لاهوتية ودفاعية. على النقيض من ذلك، فإن تقرير مرقس صارخ في بساطته.
وبعد ذلك، الشهود من النساء
تم اكتشاف القبر فارغًا من قبل مجموعة من أتباع يسوع النساء. من أجل تقدير هذه النقطة، نحتاج إلى فهم شيئين عن مكانة المرأة في المجتمع اليهودي في القرن الأول.
أولاً، لم يتم اعتبار النساء شهوداً موثوقين. يتجلى الموقف السلبي تجاه شهادة النساء في وصف المؤرخ اليهودي يوسيفوس للقواعد اليهودية للشهادة المقبولة: “لا تُقبل شهادة النساء، بسبب طيش ووقاحة جنسهن”.[176] لا توجد مثل هذه الضوابط في الكتاب المقدس العبري. بل هو بالأحرى انعكاس للمجتمع الذكوري ليهودية القرن الأول. يُشار إلى أن المرات الوحيدة التي استشهد فيها يوسيفوس بشهادات نساء في تواريخه كانت بعد معارك جمالا ومسادا عندما أُجبر على العودة إلى النساء لسبب بسيط هو أنهم كانوا الناجين الوحيدين من هذه المذابح.
ثانياً، احتلت النساء مرتبة متدنية في السلم الاجتماعي اليهودي. بالمقارنة مع الرجال، كانت النساء، بصراحة، مواطنات من الدرجة الثانية. قال الرابيون: “لتُحرق كلمات الشريعة أفضل من أن تصل إلى النساء!”[177] ومرة أخرى: “السعادة لمن أولاده ذكور، ولكن التعاسة لمن أولاده إناث!”[178] تضمنت الصلاة اليومية لكل رجل يهودي البركة، “مبارك أنت، يا رب إلهنا، سيد الكون، الذي لم يخلقني أمميًا أو عبدًا أو امرأة”.[179]
نظرًا لوضعهن الاجتماعي المتدني وعدم مصداقيتهن كشهود، فمن المدهش جدًا أن النساء هن المكتشفات والشهود الرئيسيون على حقيقة القبر الفارغ! إذا كانت قصة القبر الفارغ أسطورة، لكان التلاميذ الذكور هم الذين يكتشفون القبر الفارغ. حقيقة أن النساء -اللواتي اعتُبرت شهادتهن عديمة القيمة -كن الشاهد الرئيسي على حقيقة القبر الفارغ لا يمكن تفسيره بشكل معقول إلا إذا، شئنا أم أبينا، كن في الواقع مكتشفات القبر الفارغ، وكتاب الإنجيل يسجلون بأمانة ما كان (بالنسبة لهم) حقيقة صعبة ومحرجة.[180]
الفصلالرابع: السياسةاليهودية
إذا فكرت في الأمر، فإن الجدال اليهودي الأول يفترض حقيقة القبر الفارغ. كمثال، انظر محاولة متى لدحض الرد اليهودي المبكر للإعلان المسيحي عن القيامة:
الآن اهتمامنا ليس بتاريخية قصة متى عن الحارس عند القبر ولكن بالأحرى في ملاحظته العرضية في ختام القصة: ” فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.” تكشف هذه الملاحظة عن قلق متى بشأن دحض تفسير يهودي للقيامة والذي كان واسع الانتشار وقتها.
فماذا كان يقول اليهود غير المؤمنين ردًا على إعلان التلاميذ “قام من الأموات”؟ أن هؤلاء الرجال كانوا ممتلئين بنبيذ جديد؟ أن جثة يسوع ما زالت ملقاة في القبر؟ لا. كانوا يقولون، “أتى تلاميذه ليلا وسرقوا جثته.”
فكر في ذلك: “جاء تلاميذه ليلا وسرقوا جثته.” لم تنكر السلطات اليهودية حقيقة أن قبر يسوع كان فارغًا. وبدلاً من ذلك، تورطوا في سلسلة ميؤوس منها من السخافات، في محاولة لتفسير حقيقة فراغ القبر. وبعبارة أخرى، فإن ادعاء اليهود بأن التلاميذ سرقوا الجسد يفترض مسبقًا أن الجسد، في الواقع، مفقود. لذلك، لدينا أدلة من أعداء الحركة المسيحية الأولى على حقيقة القبر الفارغ.
هذه الخطوط الخمسة من الأدلة، مجتمعة، تعطي أسبابًا كافية للاعتقاد بأن قبر يسوع قد عثر عليه، في الواقع، فارغًا في اليوم الأول من الأسبوع من قبل مجموعة من أتباعه النساء. لذلك يعتبر معظم العلماء أن حقيقة وجود قبر يسوع الفارغ أمر راسخ. وفقًا لجاكوب كريمر Jacob Kremer، ناقد العهد الجديد المتخصص في دراسة القيامة: “إلى حد بعيد، يتمسك معظم المفسرين بقوة بمصداقية التصريحات الكتابية عن القبر الفارغ”.[181] في الواقع، في دراسة استقصائية لأكثر من ألفي منشور حول القيامة باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية منذ عام 1975، وجد جاري هابرماس أن 75 بالمائة من العلماء الذين كتبوا عن هذا الموضوع يقبلون تاريخية اكتشاف النساء لقبر يسوع الفارغ.[182] أقنعت الأدلة حتى عددًا من العلماء اليهود، مثل بينشاس لابيد Pinchas Lapide وجيزا فيرميس[183] Geza Vermes، بأن قبر يسوع قد تم العثور عليه فارغًا. لذلك، يمكننا اعتبار أول الحقائق الثلاث التي يجب شرحها، إن لم تكن غير قابلة للنزاع، فهي راسخة تاريخياً.
الجزءالثاني: ظهورات – القيامة –مابعدالموت
هل حقا رأى الناس يسوع حيا بعد موته؟ سنبدأ تحقيقنا من خلال النظر أولاً في الأدلة على ظهورات قيامة يسوع: هناك ثلاثة خطوط رئيسية من الأدلة التي يجب فحصها.
قائمة شهود عيان بولس، المذكورة في 1 كورنثوس 15: 3-8، على ظهورات يسوع قيامة تثبت حدوث مثل هذه الظهورات. دعونا نلقي نظرة سريعة على كل ظهور في قائمة بولس لنرى ما إذا كان من المعقول وقوع مثل هذا الحدث بالفعل.
لا تحتوي الأناجيل على قصة ظهور المسيح لبطرس (أو “صفا” كما كتب بولس اسمه بالآرامية). ولكن تم تضمينه في التقليد المسيحي القديم الذي نقله بولس، والذي خرج من كنيسة أورشليم. علاوة على ذلك، بولس نفسه يؤيد هذا الظهور. نعلم من رسالة بولس إلى غلاطية 1: 18 أنه بعد ثلاث سنوات من اهتدائه على طريق دمشق، أمضى بولس حوالي أسبوعين مع بطرس في أورشليم. لذلك عرف بولس ما إذا كان بطرس قد ادعى أن لديه مثل هذه التجربة أم لا. علاوة على ذلك، فإن ظهور بطرس مذكور بشكل مستقل في تقليد مسيحي مبكر آخر موجود في لوقا 24: 34: “لقد قام الرب حقًا وظهر لسمعان!” إن كون لوقا ينقل تقليدًا سابقًا وليس مجرد التأليف الحر هنا يتضح من الطريقة الغريبة التي تم بها إدخال هذا القول في قصته عن الظهور لتلميذي عمواس. إذن، لدينا مصادر متعددة ومستقلة ومبكرة جدًا لظهور بطرس هذا. لذلك، يتفق جميع علماء العهد الجديد تقريبًا على أنه بغض النظر عن اهتمامك بشرح ذلك، فقد رأى بطرس ظهور ليسوع بعد موته.
التلاميذ
الظهور التالي المذكور كان لـ “الاثني عشر”، بلا شك المجموعة الأصلية المكونة من اثني عشر تلميذًا الذين اختارهم يسوع أثناء خدمته -باستثناء يهوذا، الذي لم يؤثر غيابه على اللقب الرسمي للمجموعة. هذا هو أفضل ظهور مشهود له بخصوص قيامة يسوع. إنه أيضًا جزء من هذا التقليد المبكر جدًا الذي يوجهه بولس. علاوة على ذلك، كان لبولس نفسه اتصال شخصي مع أعضاء الاثني عشر. بالإضافة إلى ذلك، لدينا في الواقع روايتان مستقلتان عن هذا الظهور في لوقا 24: 36-42 ويوحنا 20: 19-20. يمكن أن يكون هناك القليل من الشك في أن مثل هذا الظهور قد حدث، لأنه مشهود له في التقليد المسيحي المبكر، الذي أكده بولس، ووصفه كل من لوقا ويوحنا بشكل مستقل.
الخمسمئة
لأي سبب من الأسباب، لم يكن الخمسمائة شاهد (وغيرهم ممن ذكرهم بعد ذلك) جزءًا من الصيغة التقليدية التي كان يستخدمها، ولكنهم كانوا معروفين له رغم ذلك. عدد الأشخاص المعنيين -خمسمائة، في وقت واحد -جدير بالملاحظة، ومع ذلك لا يوجد أي ذكر على الإطلاق لهذا الظهور في أي مكان آخر في العهد الجديد. قد يتم العفو عن المرء لكونه متشككًا إلى حد ما في أن حدثًا غير عادي، في حالة حدوثه، كان من الممكن أن يمر دون أن يلاحظه أحد من قبل المؤلفين الكتابيين، لكن يبدو أن بولس نفسه كان على اتصال شخصي بهؤلاء الأفراد، لأنه كان يعلم أن بعضهم قد مات بحلول ذلك الوقت.
ويشير إلى ذلك في تعليقه العابر، ” أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا “. لماذا أضاف بولس هذه الملاحظة؟ يجيب عالم العهد الجديد العظيم في جامعة كامبريدج، سي إتش دود، “لا يمكن أن يكون هناك أي غرض من ذكر حقيقة أن معظم الـ 500 ما زالوا على قيد الحياة، إلا إذا قال بولس، في الواقع، “الشهود مازالوا موجودين هناك ليتم استجوابهم”.[184] ما كان بولس ليقول هذا لو لم يكن الحدث قد وقع. لم يكن ليتحدى الناس للتحدث مع شهود العيان لو لم يكن الحدث قد حدث ولم يكن هناك شهود عيان. لكن من الواضح أنه كان هناك شهود على هذا الحدث، وعلم بولس أن بعضهم قد مات بحلول ذلك الوقت. لذلك، يجب أن يكون الحدث قد حدث بالفعل.
ولعل هذا الظهور ليس له صلة بالأناجيل لأنه حدث في الجليل. عندما يتتبع المرء الظهورات المختلفة الواردة في الأناجيل، يبدو أنها حدثت أولاً في أورشليم، ثم في الجليل، ثم عادت مرة أخرى في أورشليم. كان لابد أن يظهر ظهور لخمسمائة شخص في الهواء الطلق، ربما على منحدر تل بالقرب من قرية في الجليل. تذكر أنه كان في الجليل أن الآلاف قد توافدوا لسماع تعاليم يسوع. بما أن الأناجيل تركز على الظهورات التي حدثت في أورشليم وليس في الجليل، فلا أحد منهم يروي قصة الظهور إلى الخمسمائة. هناك احتمال مثير للاهتمام، مع ذلك، هو أن الظهور إلى الخمسمائة كان الظهور في الجليل الذي تنبأ به الملاك عند القبر ثم وصفه متى (28: 16-17).
الفصلالسادس: يعقوبوالرسلأجمعينبمنفيهمشاولالطرسوسي
ربما يكون ظهور يسوع بعد موته لأخيه الأصغر يعقوب أحد أكثر الأشياء المدهشة على الإطلاق، لأنه كان من الواضح أن لا يعقوب ولا أي من إخوة يسوع الأصغر يؤمن بيسوع خلال حياته (مرقس 3: 21، 31-35؛ يوحنا 7: 1-10). لم يعتقدوا أنه هو المسيا أو نبي أو حتى شخص مميز. بمعيار الإحراج، فإن عدم إيمان عائلة يسوع هو بلا شك حقيقة تاريخية.
ولكن بعد القيامة، اندهشنا عندما وجدنا إخوة يسوع بين المؤمنين المسيحيين مجتمعين في العلية في أورشليم (أعمال الرسل 1: 14). لم يتم ذكرهم مرة أخرى حتى تم ذكرهم في قصة تحرير بطرس من السجن بواسطة الملاك (أعمال الرسل 12 :17). كانت كلمات بطرس الأولى بعد هروبه، “أبلغوا يعقوب بهذا”. في رسالته إلى كنائس غلاطية، يخبرنا بولس عن زيارته التي استمرت أسبوعين إلى أورشليم بعد حوالي ثلاث سنوات من تجربته على طريق دمشق. يقول أنه باستثناء بطرس، لم ير أيًا من الرسل الآخرين باستثناء يعقوب، أخا الرب (غلاطية 1: 19). يشير بولس على الأقل إلى أن يعقوب يُعتبر الآن أحد الرسل. يخبرنا بولس أنه عندما زار أورشليم مرة أخرى بعد أربعة عشر عامًا، تشاور مع “أعمدة” الكنيسة الثلاثة في أورشليم: بطرس ويوحنا ويعقوب (غلاطية 2: 9). أخيرًا، نجد في أعمال الرسل 21: 18، أن يعقوب هو الرئيس الوحيد لكنيسة أورشليم ومجلس الشيوخ. لا توجد معلومات عن حياة يعقوب اللاحقة في العهد الجديد. ولكن من المؤرخ اليهودي يوسيفوس، اكتشفنا أنه في وقت ما بعد 60 بعد الميلاد رجم السنهدريم يعقوب حتى الموت بشكل غير قانوني بسبب إيمانه بالمسيح [يسوع].[185]
أصبح إخوة يسوع الآخرين مؤمنين أيضًا، وكانوا نشطين في الكرازة المسيحية، كما نرى من تعليق بولس في 1 كورنثوس 9: 5: إخوة الرب وصفا؟” الآن، كيف يمكن تفسير ذلك؟ من ناحية، يبدو من المؤكد أن إخوة يسوع لم يؤمنوا به خلال حياته؛ من ناحية أخرى، من المؤكد أيضًا أنهم أصبحوا مسيحيين متحمسين ونشطاء في الخدمة. لن يفسر صلب يسوع هذا التحول، لأن إعدام يسوع سيؤكد فقط في ذهن يعقوب أن ادعاءات أخيه بالمسيانية كانت وهمية، تمامًا كما كان يعتقد.
معظمنا لديه إخوة. ما الذي يجعلك تؤمن بأن أخيك هو الرب، حتى تموت من أجل هذا الإيمان، كما فعل يعقوب؟ هل يمكن أن يكون هناك أي شك في أن سبب هذا التحول المذهل هو حقيقة أنه “وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ”؟ حتى ناقد العهد الجديد المتشكك هانز جراس يعترف بأن تحول يعقوب هو أحد الأدلة الأكيدة على قيامة يسوع المسيح.[186]
الرسل أجمعين
الظهور التالي الذي يدونه بولس هو “ِللرُّسُلِ أَجْمَعِينَ”. لا يمكننا التأكد من هوية هذه المجموعة الغامضة، ولكن على الأرجح أنها اقتصرت على دائرة محدودة من المبشرين المسيحيين كانت أوسع إلى حد ما من الاثني عشر. تم إثبات وجود مثل هذه المجموعة في أعمال الرسل 1: 21-22. يتم ضمان الطابع التاريخي لهذا الظهور من خلال اتصال بولس الشخصي بالرسل أنفسهم.
شاول الطرسوسي
الظهور الأخير الذي ذكره بولس مذهل تمامًا مثل الظهور ليعقوب: ” وَآخِرَ الْكُلِّ،” كتب، ” ظَهَرَ لِي أَنَا.” يروي لوقا قصة ظهور يسوع لشاول الطرسوسي (الملقب بولس) خارج دمشق مباشرة في أعمال الرسل 9: 1-9 ويكررها مرتين. إن كون هذا الحدث قد حدث بالفعل تم إثباته بما لا يدع مجالاً للشك من خلال إشارات بولس إليه في رسائله الخاصة.
حادثة طريق دمشق غيرت حياة شاول كلها. كان رابياً، فريسيًا، زعيمًا يهوديًا محترمًا. كان يكره البدعة المسيحية وبذل كل ما في وسعه للقضاء عليها. يقول في رسائله إنه كان مسؤولاً حتى عن إعدام المؤمنين المسيحيين! ثم فجأة تخلى عن كل شيء -بما في ذلك منصبه كزعيم يهودي محترم -وأصبح مبشرًا مسيحيًا. لقد دخل في حياة الفقر والعمل والمعاناة.
تعرض للجلد والضرب والرجم. تُرِكَ ليموت؛ تحطمت السفينة به ثلاث مرات. وظل في خطر دائم وحرمان وقلق. أخيرًا، قدم التضحية القصوى واستشهد لإيمانه في روما. وكان كل هذا لأنه في ذلك اليوم خارج دمشق، رأى “يَسُوعَ رَبَّنَا” (1 كورنثوس 9: 1).
للتلخيص، تثبت شهادة بولس تاريخيًا أن العديد من الأفراد والجماعات في مناسبات مختلفة قد شهدوا ظهور يسوع حياً بعد موته.
الفصلالسابع: الاستنتاجات
تقدم تقارير الإنجيل روايات متعددة ومستقلة لظهورات يسوع بعد الموت، حتى بعض الأشخاص أنفسهم المذكورين في قائمة بولس. هناك العديد من الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذه المصادر، والتي تدعمها أيضًا مصادر أخرى غير موجودة في الأسفار القانونية.
يشهد بولس ولوقا بشكل مستقل على ظهور بطرس (1 كورنثوس 15: 5؛ لوقا 24: 34) ومعترف به عالميًا من قبل النقاد على أنه تاريخي. تم إثبات ظهور الاثني عشر بشكل مستقل من قبل بولس ولوقا ويوحنا (1 كورنثوس 15: 5؛ لوقا 24: 36-43؛ يوحنا 20: 19-20) وأيضًا لا يجادل فيه علماء التاريخ. يشهد متى ويوحنا بشكل مستقل على الظهور للنساء (متى 28: 9-10؛ يوحنا 20: 11 -17) ويتمتع أيضًا بالتصديق على معيار الإحراج، نظرًا لتدني المصداقية الممنوحة لشهادة المرأة في ذلك الوقت. يعتقد معظم العلماء أن سبب عدم إدراج هذا الظهور في قائمة الشهود التي اقتبسها بولس هو عدم جدوى الاستشهاد بشهادات الإناث. وأخيرًا، يشهد مرقس ومتى ويوحنا بشكل مستقل على ظهور يسوع للتلاميذ في الجليل. (مرقس 16: 7؛ متى 28: 16-17؛ يوحنا 21)
حدثت الظهورات في أورشليم، ثم الجليل، ثم أورشليم مرة أخرى، مطابقة لرحلة التلاميذ عندما عادوا إلى الجليل بعد عيد الفصح / عيد الفطير في أورشليم ثم سافروا مرة أخرى إلى أورشليم بعد شهرين للاحتفال بعيد العنصرة.
فماذا نستنتج من هذا الدليل؟ يمكننا أن نفسر هذه الظهورات على أنها هلوسة إذا أردنا ذلك، لكن ما لا يمكننا فعله بمسؤولية هو إنكار حدوثها في أي وقت. حتى الناقد الألماني المتشكك جيرد لودمان يؤكد: “يمكن اعتباره مؤكدًا تاريخيًا أن بطرس والتلاميذ قد مروا بتجارب بعد موت يسوع ظهر فيها يسوع لهم على أنه المسيح القائم من بين الأموات.”[187] تثبت الأدلة بحزم أنه في مناسبات منفصلة، اختبر أفراد ومجموعات مختلفة رؤية يسوع حياً من بين الأموات. نادرًا ما يجادل أي عالم تاريخي اليوم في هذا الاستنتاج.
يمكننا أيضًا أن نستنتج أن ظهورات المسيح المُقام كانت ظهورات جسدية ومادية. إن الأدلة التي قدمتها حتى الآن تترك الباب مفتوحًا سواء كانت ظهورات القيامة جسدية أو مجرد أثيرية في طبيعتها. سوف نفحص فيما بعد ما إذا كان من الممكن تفسير حتى تجارب الظهورات ليسوع المُقام من الموت على أسس نفسية بحتة. ولكن إذا كانت الظهورات جسدية ومادية بطبيعتها، فإن تفسيرًا نفسيًا بحتًا يصبح مستحيلًا فعليًا -لذا يجدر طرح السؤال، ما الذي يمكننا معرفته عن طبيعة ظهورات القيامة؟
يشير بولس إلى أن الظهورات كانت جسدية/مادية من ناحيتين. يتصور جسد القيامة كجسد مادي. يدرك جميع المفسرين أن بولس لا يعلم خلود النفس وحدها، بل قيامة الجسد. في 1 كورنثوس 15: 42-44، رسم بولس أربعة تباينات/تناقضات أساسية بين الجسد الأرضي الحاضر وجسد القيامة المستقبلي.
الجسد الأرضي هو:
ولكن جسد القيامة هو:
فان
خالد
مُخز
مُمجّد
ضعيف
قوي
طبيعي او حيواني
روحاني
فقط آخر هذه التباينات قد تقودنا إلى الاعتقاد بأن بولس لم يؤمن بجسد القيامة المادي. لكن يجب أن نسأل ما الذي قصده بولس بالكلمات، التي ترجمتها على أنها “طبيعي / روحاني”؟
الكلمة اليونانية التي تعني “طبيعي”، عند ترجمتها، تعني حرفيًا “روحي”. من الواضح الآن أن بولس لا يعني أن أجسادنا الأرضية مصنوعة من الروح. وبدلاً من ذلك، فإن استخدامه لكلمة “طبيعي/حيواني” يعني “خاضع للطبيعة البشرية أو مُتعلق بها”.
على نفس المنوال، عندما يقول أن أجساد قيامتنا ستكون “روحية”، فإنه لا يعني أنها ستكون من الروح. بالأحرى، فهو يعني “يسيطر عليه الروح أو يتجه نحوه”. إنه نفس المعنى “الروحي” كما هو الحال عندما نقول أن شخصًا ما هو شخص روحي.
يمكننا أن نتأكد من المعنى الذي قصده بولس من خلال النظر إلى الطريقة التي يستخدم بها بولس هذه الكلمات بالضبط في 1 كورنثوس 2: 14-15، قبل عدة إصحاحات وفي نفس الرسالة.
من الواضح أن الشخص الطبيعي لا يعني أنه شخص مادي[ملموس]؛ بدلا من ذلك، شخص موجه نحو الطبيعة البشرية. وبالمثل، لا يعني الشخص الروحي شخصًا غير ملموس وغير مرئي. إنه يشير إلى شخص موجه نحو الروح. نجد نفس التباين في 1 كورنثوس 15. سيتحرر الجسد الأرضي الحالي من سيطرة الطبيعة البشرية الخاطئة وسيصبح، بدلاً من ذلك، مفوضًا وموجهًا بالكامل بواسطة روح الله. لذلك فإن عقيدة بولس عن جسد القيامة تتضمن قيامة جسدية.
الطريقة الثانية التي يشير بها بولس، جنبًا إلى جنب مع بقية العهد الجديد، إلى القيامة الجسدية هي أنه يميز بين ظهور قيامة يسوع ورؤيته. سرعان ما توقفت ظهورات قيامة يسوع، لكن الناس استمروا في رؤية رؤى ليسوع في المجد. والسؤال الآن هو: ما الفرق بين ظهور القيامة ورؤية يسوع؟
يبدو أن إجابة العهد الجديد واضحة: الرؤية، رغم أنها من صنع الله، كانت في ذهن صاحب الرؤيا تمامًا، في حين أن ظهور القيامة كان حدثًا خارج الذهن في العالم الخارجي.
يمكننا مقارنة رؤية اسطفانوس عن يسوع الموصوفة في أعمال الرسل 7 بمختلف ظهورات قيامة يسوع. رأى اسطفانوس رؤيا لرجل -وليس رجلاً كان حاضرًا جسديًا، لأنه لم يختبر أي شخص آخر أي شيء على الإطلاق -وكانت تجربة خاصة تمامًا. على النقيض من ذلك، لم تكن ظهورات القيامة تجارب ذاتية داخلية – بل بالعكس يمكن أن يختبرها أي شخص كان هناك.
كانت لدى بولس رؤى عن يسوع في حياته كمسيحي. ولكن يمكنه أن ينظر بشكل صحيح إلى تجربته على طريق دمشق على أنها ظهور لقيامة يسوع بدلاً من كونها رؤية، على الرغم من أنها حدثت بعد صعود يسوع، لأنها تضمنت ظواهر في العالم الخارجي، مثل النور والصوت، الذي اختبره رفقاء بولس في السفر بدرجات متفاوتة. لذلك، فإن التمييز بين الرؤية وظهور القيامة يعني أيضًا أن ظهورات القيامة كانت جسدية.
الآن، تُظهِر تقارير ظهورات-الإنجيل أيضًا أن الظهورات كانت جسدية ومادية؛ في الواقع، كل ظهور للقيامة مذكور في الأناجيل يشهد بالإجماع على الظهور الجسدي والمادي. إذا فكرت في الأمر، فهذا مثير للإعجاب حقًا؛ لو لم يكن أي من الظهورات الأصلية ظهورًا جسديًا ماديًا، فسيكون من الغريب جدًا الحصول على شهادة بالإجماع تمامًا في الأناجيل بأن جميعها كانت جسدية، دون أي أثر للظهورات الأصلية المفترضة. من غير المحتمل أن يحدث مثل هذا الفساد الشامل للتقاليد الشفوية في وقت قصير جدًا، خاصةً عندما كان شهود العيان الأصليون لا يزالون موجودين.
الآن، إذا كانت جميع الظهورات في الأصل رؤى غير مادية، فإننا في حيرة من أمرنا لشرح ظهور/وجود روايات الظهورات في الإنجيل. لأن الظهورات الجسدية والمادية ستكون حماقة بالنسبة للأمم وعثرة لليهود -حيث لا يمكن لأي منهما أن يتبنى فكرة القيامة الجسدية للموتى -لكن كلاهما كان سيكون سعيدًا جدًا لقبول ادعاءات الظهورات الرؤيوية للمتوفى.
بكل صدق، علينا أن نقول إن الأساس الوحيد لإنكار الطبيعة الجسدية والمادية لظهورات يسوع بعد وفاته ليس تاريخيًا، بل فلسفيًا؛ أي أن مثل هذه الظهورات ستكون معجزات هائلة، ولا يستطيع العديد من النقاد ببساطة استيعاب هذا الادعاء. ولكن إذا كانت هذه هي المشكلة، فنحن بحاجة إلى العودة إلى الميدان الأول والتفكير في مسألة وجود الله؛ إذا كان الله موجودًا، فلا يوجد سبب وجيه للشك في المعجزات. لأنه كما عبر الفيلسوف اللاأدري بيتر سليزاك Peter Slezak بلطف في مناقشتنا حول وجود الله، بالنسبة لإله قادر على خلق الكون بأسره، فإن القيامة الفردية ستكون لعبة أطفال! لسوء الحظ، لم يتم تدريب معظم علماء العهد الجديد في الفلسفة، وبالتالي يرتكبون أخطاء طفولية عندما يتعلق الأمر بهذه الأسئلة.
على أساس الأدلة المذكورة أعلاه، يمكننا أن نستنتج أن حقيقة ظهورات يسوع بعد وفاته للعديد من الأفراد والجماعات في ظل ظروف متنوعة ثابتة تاريخياً، وعلاوة على ذلك، فإن هذه الظهورات كانت جسدية ومادية.
الجزءالثالث: أصلالإيمانالمسيحي
نأتي الآن إلى الحقيقة الثالثة التي يجب شرحها: أصل الإيمان المسيحي. يعلم الجميع أن المسيحية نشأت في منتصف القرن الأول الميلادي، لكن هذا يثير السؤال الواضح: لماذا نشأت؟ ما سبب بدء هذه الحركة؟ حتى علماء العهد الجديد المتشككون يدركون أن الإيمان المسيحي يدين بأصله إلى اعتقاد التلاميذ الأوائل أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. في الواقع، لقد ربطوا كل شيء تقريبًا بهذا الاعتقاد.
الفصلالثامن: إدانةوتجريمالمسياالمنتظر
لم يكن لدى اليهود أي تصور على الإطلاق عن المسيا الذي، بدلاً من الانتصار على أعداء إسرائيل، سيتم إعدامه بشكل مخجل كمجرم. كان من المفترض أن يكون المسيا شخصية مظفرة يحظى باحترام اليهود والأمم على حد سواء، ويؤسس عرش داود في أورشليم. ومع ذلك، كان تلاميذ يسوع مقتنعين بعمق بأنه المسيا الموعود به -المسيا الذي فشل في أن يخلص ويملك. تعرض للهزيمة والإذلال والقتل على يد أعدائه؛ وكان مناقضاً للأوصاف. لا تتحدث النصوص اليهودية القديمة في أي مكان عن هذا النوع من “المسيا”. لذلك من الصعب المبالغة في حجم الكارثة التي كان من الممكن أن يسببها صلب يسوع للتلاميذ. لم يكن الأمر مجرد رحيل معلمهم المحبوب. بالأحرى، كان موت يسوع على الصليب يعني الهزيمة الساحقة لأي آمال كانت لديهم في أنه المسيا المنتظر.
إذن كيف استمرت حركة يسوع؟ توصل التلاميذ فجأة وبصدق إلى الإيمان بأن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. قلبت قيامة يسوع كارثة الصلب رأساً على عقب. منذ أن أقام الله يسوع من بين الأموات، كان يُنظر إلى يسوع على أنه المسيا في نهاية المطاف.
لذلك، يعلن بطرس في أعمال الرسل 2: 23، 36: “هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. . .. فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا”. على أساس الإيمان بقيامته استطاع التلاميذ أن يؤمنوا أن يسوع هو في الحقيقة المسيا.
ليس من المستغرب إذن أن يكون الإيمان بقيامة يسوع عالميًا في الكنيسة الأولى. يُظهر التقليد الذي يستشهد به بولس في كورنثوس الأولى 15: 3-7، والذي يُعرِّف الإنجيل بأنه موت ودفن وقيامة وظهورات المسيح، أن هذا الفهم للإنجيل يعود إلى بداية الكنيسة في أورشليم.
إيمان القيامة نفسه
وهكذا، فإن أصل الحركة المسيحية يتوقف على اعتقاد التلاميذ الأوائل أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. لكن الآن لا يمكن تجنب السؤال الواضح: كيف نفسر أصل هذا الاعتقاد؟ كما يقول R.H. Fuller، حتى أكثر النقاد تشككًا يجب أن يفترض وجود X غامض لبدء الحركة.[188] لكن السؤال هو: ماذا كان X هذا؟
ملخص
قبل المضي قدمًا، دعونا نراجع جميع نقاطنا الرئيسية الثلاثة:
أولاً، رأينا أن عدة خطوط من الأدلة التاريخية تثبت أن قبر يسوع وجدته فارغًا مجموعة من أتباعه النساء.
ثانيًا، رأينا أن عدة خطوط من الأدلة التاريخية تثبت أنه في مناسبات عديدة وفي أماكن مختلفة، رأى العديد من الأفراد والجماعات ظهورات ليسوع حياً من بين الأموات.
وأخيرًا، ثالثًا، رأينا أن أصل الإيمان المسيحي يعتمد على إيمان التلاميذ الأوائل بأن الله قد أقام يسوع الناصري من بين الأموات.
تمثل هذه الحقائق الثلاث العظيمة التي تم تأسيسها بشكل مستقل رأي الأغلبية لنقاد العهد الجديد اليوم. النقطة الوحيدة للخلاف الجاد ستكون على الطبيعة المادية لظهورات القيامة. لكن الوضع الحالي للمنح الدراسية يدعم بقوة الحقائق الثلاث كما ذكرتهم. هذه ليست مجرد استنتاجات علماء محافظين أو إنجيليين؛ هذه هي الاستنتاجات التي توصل إليها نقد العهد الجديد العام. كما رأينا، فإن ثلاثة أرباع العلماء الذين كتبوا عن هذا الموضوع يقبلون حقيقة القبر الفارغ؛ عمليا لا أحد ينكر اليوم أن التلاميذ الأوائل قد اختبروا ظهورات يسوع بعد الوفاة. وأبعد جدا من ذلك، يتفق معظم العلماء على أن التلاميذ الأوائل اعتقدوا على الأقل أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات. والناقد الذي ينكر هذه الحقائق يجد نفسه اليوم في موقف دفاعي.
الفصلالتاسع: التناقضات
لذلك لا داعي للقلق بشأن التناقضات في التفاصيل الظرفية لروايات القيامة في الأناجيل. حجة تاريخية قيامة يسوع لا تعتمد على مثل هذه التفاصيل. تشهد الأناجيل الأربعة على الحقائق المفتاحية الأساسية؛ يمكن توفير المزيد من التفاصيل عن طريق إضافة الحقائق الموثقة في ثلاثة من أصل أربعة.
التناقضات البسيطة في روايات القيامة لا تؤثر على حالتنا هنا، في الواقع، يتوقع المؤرخون العثور على تناقضات حتى في أكثر المصادر موثوقية. لا يوجد مؤرخ يتجاهل ببساطة مصدرًا لأنه يحتوي على تناقضات؛ وبهذا الشكل، يجب أن نكون متشككين بشأن جميع الروايات العلمانية والتاريخية التي تحتوي أيضًا على مثل هذه التناقضات. والنتيجة ستكون شكاً تاريخياً غير معقول على الإطلاق.
علاوة على ذلك، في حالة الأناجيل، فإن التناقضات ليست حتى داخل مصدر واحد. إنها بين مصادر مستقلة. ومن الواضح أنه لا يتم استنتاج من وجود تناقض بين مصدرين مستقلين أن كلا المصدرين على خطأ؛ في أسوأ الأحوال، يكون أحد المصدرين مخطئًا إذا تعذر تحقيق الانسجام بينهما.
المسألة المتبقية، إذن، هي كيف يتم شرح الحقائق الثلاث الراسخة التي ذكرتها على أفضل وجه.
الجزءالرابع: شرحالدليل
ننتقل بإسهاب إلى الخطوة الثانية في حالتنا: تحديد أفضل تفسير للأدلة.
الفصلالعاشر: تقييمالفرضيات
المؤرخون يزنون العوامل المختلفة في تقييم الفرضيات المتنافسة.
التفسير الأفضل هو الذي له نطاق تفسيري أكبر من التفسيرات الأخرى. وهذا يعني أنه يشرح الكثير من الأدلة.
التفسير الأفضل هو الذي له قوة تفسيرية أكبر من التفسيرات الأخرى. أي أنه يجعل الأدلة أكثر احتمالاً.
أفضل تفسير هو الذي له منطقية تفسيرية أكثر من التفسيرات الأخرى. أي أنه يتناسب بشكل أفضل مع المعتقدات الحقيقية المعروفة مسبقاً.
أفضل تفسير هو الأقل اختراعًا من التفسيرات الأخرى. وهذا يعني أنه لا يتطلب تبني العديد من المعتقدات الجديدة التي ليس لدينا دليل مستقل عليها.
أفضل تفسير هو الذي إذا تعارض فلا يكون نطاق تعارضه كبير مع الأدلة مقارنة بالتفسيرات الأخرى. وهذا يعني أنه لا يتعارض مع العديد من المعتقدات المقبولة.
أفضل تفسير يلبي الشروط من 1 إلى 5 أفضل بكثير من التفسيرات الأخرى بحيث لا توجد فرصة كبيرة في أن يكون أحد التفسيرات الأخرى، بعد مزيد من التحقيق، أفضل في تلبية هذه الشروط.
نظرًا لأن الفرضيات المقترحة قد تؤدي بشكل جيد حقًا في تلبية بعض هذه المعايير ولكنها ليست جيدة في تلبية المعايير الأخرى، فإن اكتشاف الفرضية التي هي أفضل تفسير قد يكون صعبًا ويتطلب مهارة. ولكن إذا كان النطاق التوضيحي وقوة الفرضية عظيمين للغاية، وتقوم بعمل أفضل بكثير في شرح مجموعة متنوعة من الحقائق، فمن المحتمل أن تكون هذه الفرضية هي التفسير الأفضل.
والآن بعد أن غطينا كيفية تقييمنا، دعنا الآن نطبق هذه المعايير على الفرضيات النموذجية التي تم تقديمها عبر التاريخ لشرح القبر الفارغ، وظهورات ما بعد الوفاة، وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. باستخدام معيار التقييم هذا، كل فرضية لديها نفس الفرصة للقيام بعمل أفضل أو كذلك في شرح هذه الحقائق مثل فرضية القيامة بأن الله أقام يسوع من بين الأموات.
الفصلالحاديعشر: فرضيةالمؤامرة
وفقًا لفرضية المؤامرة، سرق التلاميذ جسد يسوع من القبر ثم كذبوا على الناس بشأن ظهوراته، لذا كانت قيامة يسوع خدعة. كان هذا هو التفسير الأول المضاد للقبر الفارغ، المذكور في إنجيل متى، وأعاد الربوبيون الأوروبيون إحياء هذا التفسير خلال القرن الثامن عشر. اليوم، ومع ذلك، تم التخلي عن هذه الفرضية تمامًا من خلال الدراسات الحديثة. لمعرفة السبب، دعنا نطبق عليها المعايير القياسية لاختبار الفرضيات التاريخية.
النطاق التوضيحي: تقدم فرضية المؤامرة تفسيرات للمجموعة الكاملة من الأدلة: فهي تقدم شرحًا للقبر الفارغ (أي أن التلاميذ سرقوا جسد يسوع)؛ ظهورات ما بعد الوفاة (اختلقها التلاميذ)؛ وأصل إيمان التلاميذ (المفترض) بقيامة يسوع (مرة أخرى، اختلقوها). السؤال هو ما إذا كانت هذه التفسيرات تلبي المعايير المتبقية.
القوة التفسيرية: إذن ماذا عن القوة التفسيرية لفرضية المؤامرة؟ أولاً، تأملوا حقيقة القبر الفارغ؛ إذا كان التلاميذ قد سرقوا جسد يسوع، فلماذا يختلقون قصة عن نساء يكتشفن القبر فارغًا؟ لن تكون هذه هي نوعية القصص التي قد يخترعها الرجال اليهود. علاوة على ذلك، تقوم فرضية المؤامرة بعمل ضعيف في شرح بساطة قصة القبر الفارغ. أين هي نصوص العهد القديم والنبوات التي تحققت؟ لماذا لا يوجد وصف لقيامة يسوع كما نجد في حالات تزوير لاحقة مثل إنجيل بطرس؟ علاوة على ذلك، فإن فرضية المؤامرة لا تفسر الجدل بين اليهود المسيحيين واليهود غير المسيحيين جيدًا؛ إذا كان التلاميذ قد اختلقوا للتو قصة الحارس عند القبر، فلماذا لا يروي إنجيل مرقس القصة؟ حتى في قصة متى، تم تعيين الحارس بعد فوات الأوان لمنع سرقة الجسد: كان من الممكن أن يكون التلاميذ قد سرقوه قبل وصول الحارس صباح السبت، بحيث كان في الواقع يحرس قبرًا فارغًا! لترى كيف ستبدو القصة المخترعة، انظر مرة أخرى إنجيل بطرس المزيف، حيث تم تعيين الحارس على الفور يوم الجمعة، عندما يتم دفن يسوع.
تواجه فرضية المؤامرة أيضًا مشكلة في تفسير الأدلة الخاصة بالظهورات. من المحتمل أن يصف الشخص اليهودي الذي يختلق مثل هذه القصص ظهورات قيامة يسوع من حيث رؤى الله، وأوصاف قيامة نهاية الزمان في العهد القديم (كما في دانيال2 :12 ) ولكن بعد ذلك، ألا تصف القصص ظهور يسوع للتلاميذ بمجد باهر؟ ولماذا لم يتم وصف القيامة نفسها؟ لماذا لا توجد قصص مختلقة عن ظهورات لرئيس الكهنة قيافا أو لأعضاء السنهدريم، كما تنبأ يسوع؟ إن اختلاق قصص عن كيفية ظهور يسوع لهم -أعضاء السنهدريم-سيكون له ميزة أنه يمكن بعد ذلك وصفهم بأنهم الكذابون الحقيقيون، وليس التلاميذ، لأنهم ينكرون أنّ يسوع ظهر لهم!
لكن فرضية المؤامرة هي بلا شك الأضعف عندما يتعلق الأمر بشرح أصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. لأن الفرضية تنفي هذه الحقيقة حقًا؛ بدلاً من ذلك، تسعى فقط إلى شرح سبب لماذا يبدو أن التلاميذ يؤمنون بقيامة يسوع. ولكن كما اعترف العلماء عالميًا، لا يمكنك إنكار أن التلاميذ الأوائل على الأقل آمنوا بصدق أن الله قد أقام يسوع من بين الأموات بقناعة كبيرة لدرجة أنهم كانوا على استعداد للموت من أجل هذا الاعتقاد. لا يمكن تفسير التحول في حياة التلاميذ بشكل معقول بالقول إنهم كذابون ومخادعون. لقد أدت هذه المشكلة وحدها إلى إغراق فرضية المؤامرة القديمة إلى الأبد.
المعقولية: يزداد الأمر سوءًا عندما نصل إلى معقولية فرضية المؤامرة. هنا قد نذكر الاعتراضات على التعقيد غير المعقول لمثل هذه المؤامرة أو عدم احتمال أن يكون التلاميذ مُعرّضين نفسيًا لمثل هذه المؤامرة؛ لكن المشكلة التي تجعلها تافهة هي أنه من غير المناسب تمامًا تخيل أن يهود القرن الأول سيحاولون انتحال قيامة يسوع.
كما ترى، تنظر فرضية المؤامرة إلى التلاميذ في بأثر رجع من اللاهوت المسيحي بدلاً من أن تنظر إليهم على أنهم يهود من القرن الأول. في اليهودية القديمة، لم يكن هناك تصور عن المسيا الذي، بدلاً من قهر أعداء إسرائيل وإعادة تأسيس عرش داود في أورشليم، سيتم إعدامه بشكل مخجل على يد أعدائه كمجرم. علاوة على ذلك، فإن فكرة القيامة من بين الأموات لم تكن ذات صلة بفكرة المسيا بل وحتى غير متوافقة معها، حيث لم يكن من المفترض أن يُقتل المسيا! كما قال مؤرخ العهد الجديد البريطاني إن تي رايت N. T. Wright بشكل جيد، إذا كنت يهوديًا من القرن الأول، والمسيا المفضل لديك قد لقى حتفه بالصلب، فلديك خياران أساسيان: إما أن تعود إلى المنزل، أو تحصل على مسيا جديد لنفسك. لكن التلاميذ لم ليكونوا ليأتوا أبدًا بالفكرة الغريبة وغير اليهودية لسرقة جثة يسوع والقول إن الله أقامه من بين الأموات.
يقترح العديد من المؤيدين للتشابهات اليوم أن المسيحيين الأوائل قد توصلوا إلى فكرة قيامة يسوع من خلال تأثير الأساطير الوثنية. بالعودة إلى مطلع القرن العشرين، قام العلماء في الدين المقارن بمسح أدب الأساطير القديمة بحثًا عن أوجه تشابه مع المعتقدات المسيحية، حتى أن البعض فكر في تفسير المعتقدات المسيحية، مثل الإيمان بقيامة يسوع، كنتيجة لتأثير مثل هذه الأساطير. سرعان ما انهارت الحركة لسببين: الأساطير لم تكن متوازية حقًا ولم تكن هناك علاقة سببية.
المتوازيات
كما ترى، كان العالم القديم عبارة عن وفرة من أساطير العديد من الآلهة والأبطال. تتطلب الدراسات المقارنة في الدين حساسية من جانب العالم لأوجه الشبه والاختلاف بينهم. وإلا فإن النتيجة هي تشويه وتشويش لا مفر منه.
لسوء الحظ، فشل العلماء المتحمسون لإيجاد أوجه تشابه مع قيامة يسوع عند ممارسة مثل هذه الحساسية، لذا فإن العديد من أوجه التشابه المفترضة هي في الواقع قصص عن انتقال البطل إلى السماء (هركليز/هرقل Hercules، رومولوس Romulus). البعض الآخر عبارة عن قصص اختفاء، تدعي أن البطل قد اختفى في عالم أعلى (بليناس الحكيم Apollonius of Tyana، أمبادوقليس Empedocles). لا يزال البعض الآخر مجرد رموز موسمية لدورة المحاصيل، حيث تموت المحاصيل في موسم الجفاف وتعود للحياة في موسم الأمطار (تموز Tammuz، أوزوريس Osiris، أدونيس Adonis). وأخيرًا، بعض التعبيرات السياسية عن عبادة الإمبراطور (يوليوس قيصر Julius Caesar، قيصر أوغسطس Caesar Augustus).
لا توجد في أي من هذه الأفكار موازاة للفكرة اليهودية عن قيامة الموتى. في الواقع، تشكك معظم العلماء فيما إذا كانت هناك بالفعل أية أساطير عن موت الآلهة وقيامها على الإطلاق في الشرق الأدنى القديم. على سبيل المثال، في أسطورة أوزوريس، التي كانت واحدة من أشهر الأساطير الرمزية الموسمية، لم يعد أوزوريس حقًا إلى الحياة -إنه يستمر في الوجود في عالم الموتى.
بشكل عام، أدرك العلماء أن الأساطير الوثنية هي مجرد إطار تفسيري خاطئ لفهم يسوع الناصري بشكل صحيح. كان يسوع وتلاميذه من اليهود الإسرائيليين في القرن الأول، وفي هذا السياق يجب فهمهم. إن زيف المتوازيات المزعومة هو أحد المؤشرات المحددة على أن الأساطير الوثنية هي سياق تفسيري خاطئ لفهم إيمان التلاميذ بقيامة يسوع.
العلاقات السببية
لذلك مع وضع هذه النقطة في الاعتبار، لم تكن هناك علاقة سببية بين الأساطير الوثنية وإيمان التلاميذ بقيامة يسوع. كان اليهود بالتأكيد على دراية بالآلهة الموسمية (حزقيال 37: 1-14) . . . ووجدوهم بغيضين. لهذا السبب، لا نجد أي أثر للطوائف التي تؤمن بـ الآلهة المائتة والقائمة من الموت في إسرائيل في القرن الأول.
على أي حال، من المستبعد جدًا أن يأتي تلاميذ يسوع بفكرة أن يسوع قد قام من الموت لأنهم سمعوا أساطير وثنية عن موت الآلهة الموسمية وقيامتها. نتيجة لذلك، تخلى علماء التاريخ عن هذا النهج.[190] إن استمرار تكرار مثل هذه الفرضية إلى ما لا نهاية حتى اليوم في الأدب الشعبي هو شهادة محزنة على الهوة القائمة بين العمل الأكاديمي حول يسوع والثقافة الشعبية.[191]
إذا لم يكن تأثير الأساطير الوثنية هو مصدر فكرة قيامة يسوع، فماذا عن التأثيرات اليهودية؟ لقد آمن اليهود بالفعل بقيامة الأموات. ربما جاء التلاميذ بفكرة تقول بأن يسوع قد قام نتيجة لتأثير المعتقدات اليهودية حول الحياة الآخرة؟
مرة أخرى، هذا غير مرجح، لأن عقيدة القيامة اليهودية اختلفت على الأقل بطريقتين أساسيتين عن قيامة يسوع؛ بكل بساطة، اختلفت في متى ومَن.
اعتقد اليهود أن القيامة إلى المجد والخلود لن تتم إلا بعد نهاية العالم. لم يكن لديهم فكرة عن القيامة في التاريخ، ناهيك عن الإيمان بها. لا عجب إذن أن التلاميذ كانوا مرتبكين للغاية من تنبؤات يسوع عن قيامته -بطبيعة الحال، اعتقدوا أنه كان يتحدث عن القيامة في نهاية العالم. في مرقس 9: 9-11، على سبيل المثال، قيل لنا ما يلي:
تنبأ يسوع بقيامته، وماذا سأل التلاميذ؟ ” لِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟” اعتقد اليهود أن النبي إيليا سيأتي مرة أخرى قبل يوم الرب، يوم القيامة الذي سيقام فيه الأموات. لم يكن لدى التلاميذ أي فكرة عن حدوث القيامة قبل نهاية العالم؛ لذلك، فإن نبوءات يسوع عن قيامته هي التي أربكتهم.
لذلك، بالنظر إلى عقليتهم اليهودية، فإن التلاميذ بعد صلب يسوع لم يأتوا بفكرة أنه قد قام بالفعل من بين الأموات. كانوا يتطلعون فقط إلى القيامة في يوم القيامة الأخير، وتماشياً مع الممارسات اليهودية، ربما احتفظوا بقبره كضريح حيث يمكن أن ترتاح عظامه حتى القيامة.[192]
يعتقد اليهود الآن أيضًا أن القيامة هي قيامة جميع الأموات الصالحين -وليس القيامة المنفردة لفرد. علاوة على ذلك، لم تكن هناك علاقة بين قيامة المؤمن الفردية وقيامة المسيا السابقة، وفي الواقع، لم يكن هناك أي إيمان بقيامة المسيا السابقة على الإطلاق. لهذا السبب لا نجد أمثلة على حركات مسيانية أخرى تدعي أن زعيمها الذي تم إعدامه قد قام من بين الأموات. لقد أكد إن تي رايت هذه النقطة:
كل أتباع تلك الحركات المسيانية في القرن الأول كانوا ملتزمين بتعصب للقضية. . . ولكن لم نسمع بأي حال من الأحوال خلال القرن الذي سبق يسوع والقرن الذي تلاه عن أي جماعة يهودية تقول إن زعيمها الذي تم إعدامه قد قام من بين الأموات، وأنه في الحقيقة هو المسيا المنتظر بعد كل شيء.[193]
لم يكن لدى اليهودية القديمة مكان لقيامة فرد منعزل، وخاصة المسيا. لذلك، بعد صلب يسوع ودفنه، كان كل ما استطاع التلاميذ فعله هو الانتظار بشوق إلى قيامة الأموات العامة حتى يتحدوا بـ سيدهم.
إذا تُرك التلاميذ وفقًا لأفكارهم الخاصة، فلن يأتوا بفكرة أن الله، على عكس المعتقدات اليهودية، قد أقام يسوع من بين الأموات. هذه النقطة لا تقوض فقط نظريات المؤامرة، التي تتخيل أن التلاميذ أعلنوا بصدق قيامة يسوع، ولكن أيضًا أي نظرية تشير إلى أنهم، على أساس التأثيرات الوثنية أو اليهودية، يؤمنون بصدق بقيامته ويكرزون بها.
أقل اختراعًا: فرضية المؤامرة -مثل كل نظريات المؤامرة في التاريخ -مفتعلة في افتراض أن ما تدعمه جميع الأدلة هو، في الواقع، مجرد مظهر فقط، يمكن تفسيره بعيدًا من خلال فرضيات لا يوجد دليل عليها. على وجه التحديد، فإنها تفترض الدوافع والأفكار والأفعال من جانب التلاميذ الأوائل والتي ليس لدينا دليل عليها. يمكن أن تصبح مفتعلة بشكل متقن، حيث يتم مضاعفة الفرضيات لصد الاعتراضات على النظرية؛ على سبيل المثال، افتراض تواطؤ هائل لتفسير الظهور لـخمسمائة من الإخوة، أو اختراع أسباب لشرح الدور غير المتوقع للمرأة في القبر الفارغ وقصص الظهورات.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: فرضية المؤامرة مرفوضة من خلال معرفتنا العامة بالمؤامرات، لأنها تميل إلى أن تكون غير مستقرة وتتفكك بمرور الوقت. علاوة على ذلك، فإن الفرضية غير مؤكدة من خلال المعتقدات المقبولة على نطاق واسع حول صدق التلاميذ،[194] والتوقعات اليهودية المسيانية في القرن الأول، وما إلى ذلك.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: من الواضح أن هذا الشرط لم يتحقق، لأن هناك فرضيات (مثل فرضية الهلوسة)، والتي لا تستبعد إيمان التلاميذ بقيامة يسوع باعتباره كذبة فاضحة وبالتالي تقوم بعمل أفضل لتلبية المعايير.
لا يوجد عالم يدافع عن فرضية المؤامرة اليوم. المكان الوحيد الذي تقرأ فيه عن مثل هذه المفاهيم هو في الصحافة الشعبية والإثارة أو على الإنترنت.
الفصلالثانيعشر: فرضيةالموتالظاهري/تزييفالموت
طرح نقاد الكتاب المقدس فرضية الموت الظاهري في أوائل القرن التاسع عشر. اقترحوا أنه عندما أُنزل يسوع عن الصليب، لم يكن ميتًا حقًا، بل فاقدًا للوعي فقط. ثم عاد إلى الحياة في القبر وهرب بطريقة ما لإقناع تلاميذه بأنه قام من الموت. مرة أخرى، دعونا نرى كيف تسير هذه الفرضية عند تقييمها وفقًا لمعاييرنا للحصول على أفضل تفسير:
النطاق التوضيحي: تقدم فرضية الموت الظاهري تفسيرات للقبر الفارغ، وظهورات ما بعد الوفاة، وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع، وبالتالي فإن لها نطاقًا توضيحيًا مناسبًا. وهذه نقطة لصالحها.
القوة التفسيرية: هنا تبدأ النظرية في الانهيار. كانت بعض فرضيات الموت الظاهري التي قدمها النقاد في الواقع نسخًا من فرضية المؤامرة القديمة. بدلاً من سرقة الجسد، كان من المفترض أن يكون التلاميذ (وأحيانًا يسوع نفسه!) جزءًا من مؤامرة لتزييف موت يسوع على الصليب. وبالتالي، فإن هذه النسخ من النظرية تشترك في جميع نقاط الضعف في فرضية المؤامرة.
كانت النسخة غير التآمرية للنظرية هي أن يسوع نجا من الصلب بمجرد الحظ. هذا الإصدار من الفرضية مُثقل أيضًا بمشاكل مستعصية؛ على سبيل المثال، كيف تفسر قبر يسوع الفارغ، حيث أن الرجل المحبوس في الداخل لا يستطيع تحريك الحجر الضخم الموجود فوق المدخل؟ كيف تفسر ظهورات يسوع من بين الأموات، حيث إن نصف ميت في حاجة ماسة إلى رعاية طبية ما كان ليقود التلاميذ إلى الاعتقاد بأنه الرب القائم من بين الأموات وغالب الموت؟ كيف تفسر أصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع بما أن رؤيتهم له مرة أخرى ستقودهم فقط إلى استنتاج أنه تمكن من خداع الموت، وليس أنه قام من بين الأموات على عكس الفكر اليهودي (وكذلك أعينهم)؟
المعقولية: فرضية الموت الظاهري غير قابلة للتصديق بشكل رهيب. يمكن الاعتماد على الجلادين الرومان للتأكد من موت ضحاياهم! نظرًا لأنه من الصعب تمييز اللحظة الدقيقة للموت بالصلب، فإن الجلادين الرومان يضمنون أحيانًا الموت بحربة في جانب الضحية. هذا ما حدث في حالة يسوع (يوحنا 19: 34). علاوة على ذلك، فإن السيناريو الذي تتخيله الفرضية يكاد يكون مستحيلًا من الناحية الطبية.
يروي المؤرخ اليهودي يوسيفوس كيف تم صلب ثلاثة رجال من معارفه، تمكن من إنزالهم من صلبانهم. على الرغم من تقديم أفضل رعاية طبية، توفي اثنان من الثلاثة على أي حال.[195] كان مدى تعذيب يسوع لدرجة أنه لم يستطع أن ينجو من صلبه ودفنه. وفكرة أن رجلاً مصابًا بجروح خطيرة بعد ذلك يظهر للتلاميذ في مناسبات مختلفة في كل من أورشليم والجليل هي مجرد فكرة خيالية.
أقل اختراعًا: يمكن أن تصبح فرضية الموت الظاهري، خاصة في نسخها التآمرية، مفتعلة بشكل لا يصدق. من المفترض أن نتخيل مجتمعات سرية تتآمر لتزييف موت يسوع، والجرعات التي يتم إعطاؤها خلسة، والتحالفات التآمرية بين تلاميذ يسوع وأعضاء السنهدريم، وما إلى ذلك، كل ذلك بدون أي دليل يدعمه.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: فرضية الموت الظاهري غير مؤكدة بشكل كبير من خلال ما يخبرنا به علم الأحياء والطب الحديث عن أمراض شخص تعرض للجلد والصلب. كما أن الدليل الإجماعي على أن يسوع لم يستمر في العيش بين تلاميذه بعد صلبه يؤكد هذا الأمر.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: فرضية الموت الظاهري تفشل تمامًا في هذا المعيار. لا يوجد أي مدافعين عنها تقريبًا بين مؤرخي العهد الجديد اليوم.
الفصلالثالثعشر: فرضيةنقلالجسدمنالقبر
كانت إحدى المحاولات اليهودية الحديثة القليلة لشرح الحقائق المتعلقة بمصير يسوع اقتراح جوزيف كلاوسنر في عام 1922 بأن يوسف الرامي وضع جسد يسوع في قبره بشكل مؤقت فقط، بسبب تأخر الساعة وقرب قبر عائلته من مكان صلب يسوع. يذهب كلاوسنر ليقول إن يوسف نقل الجثة في وقت لاحق إلى المقبرة العامة المخصصة للمجرمين. غير مدركين أن جسد يسوع قد تم نقله، وجد التلاميذ غير العالمين بالنقل القبر فارغًا، واستدلوا على أن يسوع قد قام من بين الأموات.
على الرغم من عدم وجود علماء يدافعون عن فرضية كلاوسنر اليوم، فقد رأيت محاولات على الإنترنت لإحيائها. تتجلى نقاط ضعفها في ضوء ما قلته بالفعل عن النظريات الأخرى:
النطاق التوضيحي: تحاول فرضية الجسد المنقول شرح القبر الفارغ، لكنها لا تقول شيئًا عن ظهورات ما بعد الوفاة وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. يجب اعتماد فرضيات مستقلة لشرح النطاق الكامل للأدلة.
القوة التفسيرية: من الواضح أن فرضية كلاوسنر ليس لها قوة تفسيرية فيما يتعلق بالظهورات أو أصل الإيمان المسيحي. ولكن ماذا عن القبر الفارغ؟ هنا تواجه الفرضية مشكلة واضحة إلى حد ما: منذ أن عرف يوسف، وكذلك أي خدم يساعده، ما فعلوه بالجثة، كانت النظرية في حيرة من أمرها لتفسير سبب عدم تصحيح خطأ التلاميذ الفادح بمجرد أن بدأوا في إعلان أن يسوع قد قام من الموت -ما لم يلجأ المرء، أي، إلى التخمينات المفتعلة لتفادي هذا الأمر، أن يوسف وخدمه ماتوا فجأة بعد نقل الجسد!
في بعض الأحيان، يعترض الناس بالقول إنه لا يمكن أن يتم تصحيح خطأ التلاميذ، لأن جسد يسوع كان سيتحلل بشكل لا يمكن التعرف عليه. لذلك، كان من غير المجدي أن تشير السلطات اليهودية إلى المكان الحقيقي لجثة يسوع؛ ومع ذلك، هذا ليس صحيحًا أيضًا. عادة ما تضمنت عادات الدفن اليهودية الحفر لجلب عظام المتوفى بعد مرور عام ووضعها في صندوق عظام.[196]
لذلك تمت ملاحظة المقابر بعناية، حتى بالنسبة للمجرمين.[197] وبالتأكيد، كان يمكن التعرف على جثة الرجل المصلوب من الإصابات التي لحقت به. على أي حال، فإن الاعتراض يخطئ النقطة المركزية: لم تكن الخلافات اليهودية/المسيحية المبكرة بشأن قيامة يسوع حول مكان قبره أو هوية الجثة، ولكن حول سبب كون القبر فارغًا. فكان بديل القيامة هو السرقة. لو كان يوسف الرامي قد نقل الجثة، لكان الجدل اليهودي/المسيحي قد اتخذ مسارًا مختلفًا تمامًا عن المسار الذي اتخذه.
المعقولية: فرضية الجسد المنقول غير قابلة للتصديق من عدة نواحٍ. بقدر ما يمكننا الاعتماد على المصادر اليهودية، كانت مقبرة المجرمين على بعد أقل من ستمائة ياردة من موقع صلب يسوع. علاوة على ذلك، كانت اللوائح اليهودية تتطلب دفن المجرمين الذين تم إعدامهم على الفور في يوم إعدامهم.[198] لذلك، كان من الممكن أن يضع يوسف الجسد مباشرة في مقبرة المجرمين، وبذلك يستبعد أي حاجة لنقله لاحقًا أو تدنيس قبر عائلته بجثة مجرم. في الواقع، نهى القانون اليهودي في الواقع نقل الجثة في وقت لاحق، ما لم يكن ذلك إلى قبر عائلة المتوفى نفسه.[199] كان لدى يوسف وقت كافٍ قبل غروب الشمس لدفن بسيط، والذي ربما تضمن غسل الجثة ولفها في ملاءة بالبهارات الجافة.
أقل اختراعًا: النظرية مفتعلة بعض الشيء في إسناد دوافع وأنشطة يوسف التي ليس لدينا دليل عليها على الإطلاق. يصبح الأمر مفتعلًا للغاية إذا كان علينا البدء في اختراع أشياء مثل موت يوسف من أجل إنقاذ الفرضية.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: فرضية الجسد المنقول غير مؤكدة من خلال ما نعرفه عن إجراءات الدفن اليهودية للمجرمين، والتي تم ذكرها في النقطة الثالثة.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تلبية الشروط 1-5: مرة أخرى، لا يشارك أي مؤرخ هذا التقدير لقيمة النظرية.
الفصلالرابععشر: فرضيةالهلوسة
في عام 1835، اقترح الناقد الكتابي الألماني ديفيد فريدريك شتراوس في كتابه حياة يسوع The Life of Jesus، الذي تم فحصه بشكل نقدي، أن ظهورات القيامة كانت مجرد هلوسات من جانب التلاميذ. أبرز مدافع عن فرضية الهلوسة اليوم هو الناقد الألماني في العهد الجديد جيرد لودمان. كيف إذن تسير الأمور عند تقييمها وفقًا لمعاييرنا؟
النطاق التوضيحي: فرضية الهلوسة ليس لها نطاق توضيحي كافٍ. أولاً، لا تقول شيئًا لتفسير القبر الفارغ. لذلك، يجب على المرء إما إنكار حقيقة القبر الفارغ (وبالتالي الدفن أيضًا) أو ربط فرضية مستقلة بفرضية الهلوسة لتفسير القبر الفارغ.
ثانيًا، فشلت فرضية الهلوسة في تفسير أصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع. لقد حقق بعض العلماء قدرًا كبيرًا من التشابه المزعوم بين ظهورات يسوع بعد الوفاة ورؤى الأحباء الراحلين حديثًا من جانب الأشخاص الذين توفي أحد أحبائهم. لكن في حين أن مثل هذه الرؤى مثيرة للاهتمام بالتأكيد، فإن العبرة المهيمنة لهذه التجارب هو أن الشخص الذي فقد عزيز له بسبب الموت لم يكن نتيجة لمثل هذه الرؤى -مهما بدت حقيقية وملموسة -أن يستنتج أن حبيبه /عزيزه المتوفى قد عاد إلى الحياة جسديًا. بدلاً من ذلك، يعتقد أولئك الأشخاص أنهم رأوا حبيبهم المتوفى في الآخرة. كما يلاحظ إن تي رايت، بالنسبة لشخص ما في العالم القديم، لم تؤخذ رؤى المتوفى كدليل على أن الشخص على قيد الحياة، ولكن كدليل على أنه كان ميتاً بالفعل!
علاوة على ذلك، في السياق اليهودي هناك تفسيرات أكثر ملاءمة لمثل هذه التجارب باستثناء القيامة. لو قدم التلاميذ رؤى عن يسوع بعد موته، فبالنظر إلى معتقدات اليهود عن الحياة بعد الموت، كانوا قد رأوا يسوع في السماء أو في حضن إبراهيم، حيث اعتقد اليهود أن أرواح الموتى الصالحين ستبقى حتى القيامة الأخيرة. لكن هذه الرؤى لم تكن لتؤدي، مع ذلك، إلى الإيمان بقيامة يسوع؛ على الأكثر، كانت ستقود التلاميذ فقط ليقولوا إن يسوع قد صعد إلى السماء، ولكنه لم يقم من الموت.
في الفكر اليهودي، الافتراض بأن الصعود للسماء يختلف عن القيامة. الافتراض هو أن الله يأخذ شخصًا ما بجسده من هذا العالم إلى السماء. على سبيل المثال، في قصص العهد القديم عن أخنوخ وإيليا، لم يمت هؤلاء الرجال ولكن نقلهم الله مباشرة إلى السماء. قد يُفترض أيضًا أن شخصًا ميتًا في السماء. في كتابات يهودية خارج الكتاب المقدس تسمى The Testament of Job عهد أيوب (40)، تحكي القصة عن مقتل طفلين في انهيار منزل. عندما قام رجال الإنقاذ بإزالة الأنقاض، لم يتم العثور على جثث الأطفال في أي مكان. في هذه الأثناء، ترى والدتهما رؤية للطفلين ممجدين في السماء، حيث رفعهما الله.[200]
على النقيض من الصعود إلى السماء، فإن التصور اليهودي عن القيامة هو قيام الله بإقامة شخص ميت في الكون المكاني والزماني. لم يخرج الإنسان من هذا العالم، بل يُقام فيه. ولذلك، فإن الانتقال إلى السماء والقيامة تصنيفان متميزان في الفكر اليهودي.
بالنظر إلى المعتقدات اليهودية المتعلقة بالانتقال للسماء والقيامة، فإن اكتشاف القبر الفارغ وهلوسة يسوع كان من شأنه أن يدفع التلاميذ على الأكثر إلى الاعتقاد بأن يسوع قد انتقل للمجد، لأن هذا كان متسقًا مع إطار تفكيرهم اليهودي. لكنهم لم يكونوا ليؤمنوا بأن يسوع قد قام من الموت، لأن هذا يتناقض بشكل أساسي مع المعتقدات اليهودية حول قيامة الأموات. وهكذا، حتى مع وجود الهلوسة، يبقى الإيمان بقيامة يسوع غير مبرر.
القوة التفسيرية: لا تقول فرضية الهلوسة شيئًا لتفسير القبر الفارغ وأصل إيمان التلاميذ بقيامة يسوع، ولكنها أيضًا تتمتع بقدرة تفسيرية ضعيفة حتى عندما يتعلق الأمر بشرح الظهورات. لنفترض أن بطرس قد اختبر رؤية عن يسوع بسبب الذنب، كما يتخيل لودمان، أو، على نحو أكثر منطقية، كان [بطرس] أحد هؤلاء الأشخاص الذين عانوا من رؤية شخص محبوب متوفى. فهل يكفي هذا الافتراض في تفسير ظهورات القيامة؟ ليس حقًا، لأن تنوع الظهورات يتفوق على حدود أي شيء موجود في دفاتر الحالات النفسية. فكر في الأمر: لم يظهر يسوع مرة واحدة فقط، بل مرات عديدة؛ ليس في مكان واحد فقط وتحت ظرف واحد، ولكن في مجموعة متنوعة من الأماكن وفي ظل ظروف متنوعة؛ ليس لفرد واحد فقط، ولكن لأشخاص مختلفين؛ ليس فقط للأفراد، ولكن لمجموعات مختلفة؛ ليس فقط للمؤمنين ولكن لغير المؤمنين. . . وحتى الأعداء. إن طرح سلسلة من التحفيز بين التلاميذ لن يحل المشكلة، لأن أشخاصًا مثل يعقوب وبولس لا يقفان في السلسلة؛ لذا فإن أولئك الذين يفسرون ظهورات القيامة من الناحية النفسية عليهم بناء صورة مركبة من خلال تجميع حالات مختلفة وغير مرتبطة ببعضها من التجارب الهلوسة. إن ضرورة هذه الوسيلة لا تفيد إلا في التأكيد على حقيقة أنه لا يوجد شيء مثل ظهورات القيامة في دفاتر الحالات النفسية.
المعقولية: يحاول لودمان جعل فرضيته الخاصة بالهلوسة معقولة عن طريق التحليل النفسي لبطرس وبولس. وهو يعتقد أن كلاهما جاهد في ظل عقدة الذنب، والتي وجدت تحررًا في هلوسة يسوع. لكن التحليل النفسي الذي وضعه لودمان غير معقول لثلاثة أسباب على الأقل: أولاً، يعتمد استخدام لودمان لعلم نفس اللاواعي على نظريات معينة ليونج وفرويد، والتي تم رفضها على نطاق واسع. ثانيًا، لا توجد معلومات كافية لإجراء تحليلات نفسية لبطرس أو بولس. التحليل النفسي صعب بما يكفي لإجرائه حتى مع المرضى الجالسين على الأريكة أمام المحلل النفسي، إذا جاز التعبير، ولكنه أقرب إلى المستحيل مع الشخصيات التاريخية. لهذا السبب يرفض المؤرخون أسلوب السيرة النفسية اليوم. أخيرًا، ثالثًا، تشير الأدلة التي لدينا إلى أن بولس لم يصارع مع عقدة الذنب كما يفترض لودمان.
منذ ما يقرب من خمسين عامًا، أشار الباحث السويدي كريستر ستيندال Krister Stendahl إلى أن القراء الغربيين يميلون إلى قراءة بولس من خلال عدسات جهادات مارتن لوثر مع الذنب والخطية. لكن بولس (أو شاول) الفريسي لم يختبر مثل هذا الجهاد. كتب ستيندال:
بولس على النقيض من ذلك، وهو يهودي سعيد للغاية وناجح، يمكنه أن يقول ” مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ” (فيلبي 3: 6). هذا ما يقوله. لا يعاني من إضطرابات ولا مشاكل ولا تأنيب ضمير. إنه تلميذ نابغة، طالب يحصل على منحة الدراسات العليا بألف دولار في مدرسة غمالائيل الإكليريكية …. لا يوجد أي مؤشر في كتابات بولس. . . أن بولس من الناحية النفسية كان يعاني من مشكلة في الضمير.[201]
من أجل تبرير تصوره لبولس الغارق في الذنب، اضطر لودمان إلى تفسير رومية 7 على أنها وصف لتجربة بولس قبل التحول إلى المسيحية. ولكن منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، رفض جميع المفسرين تقريبًا تفسير السيرة الذاتية هذا لرومية 7، لذا فإن التحليل النفسي الذي وضعه لودمان غير قابل للتصديق بشكل ثابت.
الطريقة الثانية التي تكون فيها فرضية الهلوسة غير قابلة للتصديق هي تحديد الظهورات على أنها مجرد تجارب رؤيوية. يدرك لودمان أن فرضية الهلوسة تقف أو تسقط على افتراض أن ما اختبره بولس على طريق دمشق هو نفس ما اختبره جميع التلاميذ الآخرين. لكن هذا الافتراض لا أساس له من الصحة. بإدراج نفسه في قائمة شهود العيان لظهورات قيامة المسيح، لا يشير بولس بأي حال من الأحوال إلى أن الظهورات الأخرى كانت تمامًا مثل الظهور الذي رآه. أنكر العديد من معارضي بولس في كورنثوس أنه كان رسولًا حقيقيًا، لذلك كان بولس حريصًا على ضم نفسه إلى جانب الرسل الآخرين الذين رأوا المسيح. يحاول بولس أن يرفع خبرته على طريق دمشق إلى نفس مستوى موضوعيتهم وواقعيتهم [أي، الرسل]، وليس نقل خبرتهم إلى مجرد تجارب رؤيوية.
لذا فإن فرضية الهلوسة غير قابلة للتصديق فيما يتعلق بتحليلها النفسي للشهود وفيما يتعلق باختزالها الشامل للظهورات إلى تجارب رؤيوية.
أقل اختراعًا: نسخة لودمان من فرضية الهلوسة مصطنعة بعدة طرق؛ على سبيل المثال، يفترض أن التلاميذ فروا عائدين إلى الجليل بعد اعتقال يسوع؛ أن بطرس كان مهووسًا بالذنب لدرجة أنه توقع هلوسة ليسوع؛ أن التلاميذ الآخرين كانوا أيضًا عرضة للهلوسة؛ وأن بولس كان لديه صراع مع الشريعة اليهودية، وانجذاب سري للمسيحية. لا يوجد دليل على أي من هذه الافتراضات.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: تميل بعض المعتقدات المقبولة لعلماء العهد الجديد اليوم إلى عدم تأكيد فرضية الهلوسة، على الأقل بالطريقة التي قدمها بها لودمان. الامثله تشمل: الاعتقاد بأن يوسف الرامي وضع يسوع في قبر؛ أن قبر يسوع اكتشفته النساء فارغًا؛ أن التحليل النفسي للشخصيات التاريخية غير ممكن؛ أن بولس كان قانعًا في الأساس بحياته في ظل الشريعة اليهودية؛ وأن العهد الجديد يميز بين الرؤية المجردة وظهور القيامة.
تتجاوز الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: تظل فرضية الهلوسة خيارًا حيًا اليوم وفي هذا الصدد، تفوقت على منافسيها. لكن السؤال الحاسم هو ما إذا كانت تتفوق على فرضية القيامة.
الفصلالخامسعشر: فرضيةالقيامة
لقد رأينا مدى سوء التفسيرات التقليدية للقبر الفارغ، وظهورات ما بعد الوفاة، وأصل إيمان التلاميذ عند تقييمها بالمعايير القياسية لاختبار الفرضيات التاريخية. تكون ضعيفة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالنطاق والقوة التفسيرية وغالبًا ما تكون غير قابلة للتصديق إلى حد كبير.
لكن هل فرضية القيامة أفضل تفسير للأدلة؟ هل هو تفسير أفضل من التفسيرات الطبيعية غير المعقولة التي قُدمت سلفاً؟ للإجابة على هذه الأسئلة، دعونا نطبق نفس المعايير على الفرضية القائلة بأن “الله أقام يسوع من بين الأموات”.
النطاق التوضيحي: تمتلك فرضية القيامة نطاقًا توضيحيًا أكبر من بعض التفسيرات الأخرى مثل فرضية الهلوسة أو فرضية الجسد المنقول على وجه التحديد لأنها يمكن أن تشرح جميع الحقائق الثلاث الرئيسية المعنية — بينما تحاول الفرضيات المتنافسة تفسير حقيقة واحدة فقط.
القوة التفسيرية: أعتقد أن هذه هي أعظم أفضلية لفرضية القيامة. لا تفسر فرضية المؤامرة وفرضية الموت الظاهري بشكل مقنع القبر الفارغ أو ظهورات القيامة أو أصل الإيمان المسيحي؛ بناءً على هذه النظريات، يصبح الدليل (مثل تحول التلاميذ) بعيد الاحتمال. على النقيض من ذلك، بناءً على فرضية قيامة يسوع، يبدو من المحتمل جدًا أن يكون القبر فارغًا، وأن يرى التلاميذ ظهورات ليسوع حياً، وأن يؤمنوا بقيامته.
المعقولية: تزداد معقولية قيامة يسوع أضعافا مضاعفة بمجرد أن نأخذها في الاعتبار في سياقها الفلسفي المناسب: أي النظرة الإيمانية للعالم، في سياقها التاريخي، وحياة يسوع / ادعاءاته الشخصية الراديكالية التي لا مثيل لها. بالنظر إلى وجود الله، فإن الفرضية القائلة بأن الله سيقيم يسوع الناصري من بين الأموات لا يمكن اعتبارها غير قابلة للتصديق.
أقل اختراعًا: تمتلك فرضية القيامة نطاقًا توضيحيًا وقوة تفسيرية كبيرة، لكن بعض العلماء اتهموها بأنها مصطنعة. إن كون الفرضية مصطنعة، إذا كنت تتذكر، فإن الأمر يتعلق بعدد الافتراضات الجديدة التي يجب أن تقدمها الفرضية والتي لا تتضمنها المعرفة الحالية.
من حيث التعريف، من الصعب أن نرى لماذا فرضية القيامة مفتعلة بشكل غير عادي. يتطلب الأمر افتراضًا واحدًا جديدًا: أن الله موجود. من المؤكد أن الفرضيات المنافسة لها تتطلب العديد من الافتراضات الجديدة. على سبيل المثال، تتطلب فرضية المؤامرة منا أن نفترض أن الشخصية الأخلاقية للتلاميذ كانت معيبة، وهذا بالتأكيد لا تضمنه معرفتنا ولا يوجد في المعرفة الموجودة بالفعل؛ تتطلب فرضية الموت الظاهري الافتراض بأن رمح قائد المئة الذي تم دفعه في جانب يسوع كان مجرد وخزة سطحية أو هو تفصيل غير تاريخي في السرد، والذي يتجاوز المعرفة الموجودة مرة أخرى؛ تتطلب فرضية الهلوسة أن نفترض نوعًا من الاستعداد العاطفي للتلاميذ، مما جعلهم يهيئون لعرض رؤى عن يسوع حيًا -مرة أخرى، هذا ليس مضموناً /موجوداً خلال معرفتنا. وهناك العديد من الأمثلة التي يمكن إدراجها -ما سبق ذكره مجرد أمثلة قليلة.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الفرضيات العلمية تتضمن بانتظام افتراض وجود كيانات جديدة، مثل الكواركات، والأوتار، والجرافيتونات، والثقوب السوداء، وما شابه ذلك، دون وصف تلك النظريات بأنها مفتعلة. علاوة على ذلك، بالنسبة للشخص الذي يؤمن بالفعل بالله، فإن فرضية القيامة لا تقدم حتى الافتراض الجديد لوجود الله، حيث أن ذلك ضمني بالفعل من خلال معرفته الحالية. لذلك لا يمكن القول بأن فرضية القيامة قد اختُلِقت/افتُعِلت/اصطُنِعت ببساطة بسبب عدد الافتراضات الجديدة التي تقدمها.
إذا كانت فرضيتنا مفتعلة، فلا بد أن تكون كذلك لبعض الأسباب الأخرى. وجد فلاسفة العلم أنه من الصعب للغاية شرح ما يجعل الفرضية مفتعلة. يبدو أن هناك جوًا من الاصطناعية حول فرضية متهمة بأنها مفتعلة، والتي يمكن أن يشعر بها أولئك المتمرسون في العلوم ذات الصلة.
الآن أعتقد أن الإحساس بعدم الراحة الذي يشعر به كثير من الناس، حتى المسيحيين، بشأن استدعاء الله كجزء من فرضية تفسيرية لبعض الظواهر في العالم هو أن القيام بذلك ينطوي على هذا الجو الاصطناعي حيال ذلك -يبدو الأمر سهلاً للغاية عند مواجهة بعض الظواهر غير المبررة ثم رفع اليدين والقول، “الله فعل ذلك!” هل الفرضية القائلة بأن “الله أقام يسوع من بين الأموات” مفتعلة بهذا المعنى؟
أنا لا أعتقد ذلك. إن التفسير الخارق للطبيعة للقبر الفارغ، وظهور القيامة، وأصل الإيمان المسيحي لم يتم اختلاقه وذلك يُفهم في ضوء سياق حياة يسوع، وخدمته، وادعاءاته الشخصية التي لا مثيل لها. الفرضية الخارقة للطبيعة مناسبة في مثل هذا السياق. وبسبب هذا السياق التاريخي أيضًا بالتحديد، لا تبدو فرضية القيامة مفتعلة عند مقارنتها بالتفسيرات المعجزية من أنواع أخرى في الفرضيات المنافسة لها؛ على سبيل المثال، حدثت “معجزة نفسية”، جعلت الرجال والنساء العاديين متآمرين وكذابين يستشهدون طواعية بسبب أكاذيبهم؛ أو أن “معجزة بيولوجية” قد حدثت، والتي حالت دون موت يوع على الصليب (على الرغم من الطعن بالرمح في صدره، وما إلى ذلك). هذه الفرضيات المعجزية هي التي تصدمنا على أنها مصطنعة ومفتعلة، وليست فرضية القيامة، التي تبدو منطقية للغاية في سياق خدمة يسوع والادعاءات الشخصية الراديكالية. وبالتالي، يبدو لي أن فرضية القيامة لا يمكن وصفها بأنها مفرطة في الافتعال.
تم رفضها من خلال عدد أقل من المعتقدات المقبولة: لا يمكنني التفكير في أي معتقدات مقبولة لا تؤكد فرضية القيامة -إلا إذا اعتقد المرء أن “الموتى لا يقومون” فهذا ينفي هذه الفرضية. لكن هذا التعميم لا يفعل شيئًا لنفي فرضيتنا بأن الله أقام يسوع من بين الأموات. قد نؤمن على الدوام بكليهما -أن الرجال لا يقومون بشكل طبيعي من الأموات وأن الله أقام يسوع من بين الأموات. على النقيض من ذلك، فإن النظريات المنافسة غير مؤكدة من خلال المعتقدات المقبولة حول، على سبيل المثال، عدم استقرار المؤامرات، واحتمال الموت نتيجة الصلب، والخصائص النفسية لتجارب الهلوسة، وما إلى ذلك، كما رأينا.
تتخطى الفرضيات الأخرى في تحقيق الشروط 1-5: هناك بالتأكيد احتمال ضئيل في أن تتخطى أي من الفرضيات المنافسة فرضية القيامة في تحقيق الشروط المذكورة أعلاه. عندما نواجه حقائق القبر الفارغ، وظهورات القيامة، وأصل الإيمان المسيحي، فإن ذهول العلم المعاصر يشير إلى أنه لا يوجد منافس أفضل في أي مكان في الأفق. بمجرد التخلي عن التحيز ضد المعجزات، من الصعب إنكار أن قيامة يسوع هي أفضل تفسير للحقائق.
ملخصختامي
في الختام، إذن، هناك ثلاث حقائق عظيمة ومُؤسَّسة بشكل مستقل -القبر الفارغ، وظهور القيامة، وأصل الإيمان المسيحي -تشير جميعها إلى نفس النتيجة الرائعة: أن الله أقام يسوع من بين الأموات. بالنظر إلى وجود الله، لا يمكن منع هذا الاستنتاج من أي شخص يبحث عن حقيقة يسوع.
هلكانالقبرفارغاًحقًا؟ – روبرتإتششتاينRobert H. Stein
“وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ” (1 كو 15 :14). بالنسبة للمسيحيين، تشكل قيامة المسيح حجر الأساس للإيمان. وإذا صرفنا النظر عن القيامة فلن يوجد إنجيل ولا “بشرى سارة”، لأنه لا يوجد رجاء باستثناء القيامة، ولكن كما شهد التلاميذ الأوائل، لا يوجد سوى اليأس. لكن القيامة حوّلت الرجال الخائفين واليائسين إلى رجال مملؤين شجاعة وثقة، رجال آمنوا أن القيامة لم تثبت فقط كل ما قاله يسوع وعلّمه، بل أكدت لهم هزيمة الموت والضمانة التي سيشاركونها في نصر ربهم العظيم (يوحنا 14: 19).
لقد سعت الدفاعات الإنجيلية إلى دعم التاريخية “الواقعية” للقيامة من خلال عدة حجج. أهم هذه الحجج في العهد الجديد هي ظهورات القيامة. (لاحظ الصيغة العقائدية السابقة لبولس في 1 كورنثوس 15: 3-11، وخاصة الآيات 5-8). محاولات تفسير هذه الظهورات عن طريق الاحتيال الرسولي، والهلوسة والرؤى، أو التخاطر في علم النفس لم تكن أبدًا مقنعة، وسارع الإنجيليون [المدافعون] إلى الإشارة إلى عدم كفاية هذه المحاولات العقلانية.[202]
الحجة الثانية لدعم القيامة هي وجود الكنيسة. كيف يفسر المرء ظاهرة مثل الكنيسة؟ بصرف النظر عن القيامة، ربما يكون من المعقول أن يكون قد نشأ “مجتمع تذكاري” لإحياء ذكرى وفاة معلم محبوب للغاية، ولكن بالتأكيد لن يكون هناك اجتماع للكنيسة يوميًا للاحتفال بكسر الخبز “بفرح وسخاء قلوب” (أعمال الرسل 2: 46). إن مجرد وجود الكنيسة يشهد على حقيقة القيامة.
الشهادة الثالثة على القيامة هي التجربة الوجودية للمسيح المقام في قلب المؤمن. كما تقول ترنيمة مألوفة، “تسألني كيف أعرف أنه حي؟ إنه حي في قلبي.” بالنسبة لأولئك الذين يقللون من شأن هذه الحجة ويرفضونها باعتبارها غير علمية وذاتية، قد يشير الإنجيليون إلى أن ملايين المسيحيين قدموا هذا الادعاء منذ ما يقرب من ألفي عام. إنها لحقيقة بسيطة أن الشاهد الوحيد الأكثر أهمية لقيامة يسوع طوال تاريخ الكنيسة هو شهادة المسيح القائم من بين الأموات في قلب المؤمن!
الحجة الرابعة للقيامة هي شهادة القبر الفارغ. إذا كان لكل نتيجة سبب، فكيف يمكن تفسير القبر الفارغ (النتيجة) باستثناء القيامة (السبب)؟ إذا أنكر المرء القيامة، فما السبب الآخر الذي يمكن أن يقترحه المرء لتفسير القبر الفارغ؟ ومع ذلك، شعر العديد من العلماء الذين لا يؤمنون بالقيامة أنهم مضطرون لتفسير هذه “النتيجة” من خلال سبب منطقي. بعض هذه المحاولات هي:
النظرية القائلة بأن النساء ذهبن إلى القبر الخطأ؛[203]
النظرية القائلة بأن يوسف الرامي سرق جسد يسوع؛[204]
النظرية القائلة بأن يسوع لم يمت حقًا على الصليب بل “أغمي عليه”؛[205]
النظرية القائلة بأن بستاني القبر أزال جسد يسوع ووضعه في مكان آخر حتى لا يضر الخس من حشود الزائرين.[207]
كانت هناك نظريات أخرى أيضًا (مثل النظرية القائلة بأن جسد يسوع تحلل تمامًا أو “تلاشى” في غضون ست وثلاثين ساعة!)،[208] لكن كل هذه المحاولات العقلانية لشرح القبر الفارغ لم تؤد إلا إلى تأكيد قناعة الإنجيليين بأن التفسير المرضي الوحيد لحقيقة القبر الفارغ هو قيامة يسوع من بين الأموات.
تم تحدي هذه الشهادة الرابعة للقيامة في السنوات الأخيرة من خلال الادعاء بأن تقرير القبر الفارغ هو تقليد متأخر أنشأته الكنيسة الأولى للمساعدة في تفسير ظهورات القيامة. ووفقًا لهذا الرأي، فإن ظهورات القيامة هي التي أدت إلى الرأي القائل بأن القبر يجب أن يكون فارغًا، وليس العكس. لذلك يُنظر إلى قصة القبر الفارغ على أنها ثانوية تمامًا، أسطورة دفاعية، غير معروفة لبولس وليست لها أهمية في الوعظ الرسولي.[209] يجب الاعتراف بأن الشاهد الرئيسي للقيامة كان ظهورات الرب القائم من بين الأموات، وليس القبر الفارغ، لأن القبر الفارغ بحد ذاته لم يؤد إلى الإيمان بالقيامة (راجع لوقا 24: 21-24؛ يوحنا 20: 13). لذلك كانت في المقام الأول الشهادة الإيجابية لظهورات القيامة بدلاً من الشهادة السلبية للقبر الفارغ التي أدت إلى الإيمان بالرب القائم من بين الأموات. ومع ذلك، حتى لو لم يثبت فراغ القبر أن يسوع قد قام، بالاقتران مع الأدلة الأخرى، فهو مع ذلك شاهد على القيامة.[210] علاوة على ذلك، إذا لم يكن القبر فارغًا، فإنه يستبعد الادعاء المسيحي بأن يسوع قام من بين الأموات، لأنه إذا كان بإمكان شخص ما في أورشليم أن يُقدّم جسد يسوع، فلن تكون أي شهادة لصالح قيامة يسوع مقنعة.
ومع ذلك، هناك العديد من الحجج القوية التي يمكن طرحها لدعم حقيقة أن التقليد المسيحي للقبر الفارغ مبكر جدًا وأن القبر الذي وضع فيه جسد يسوع كان فارغًا بالفعل. وهذه هي:
توجد قصة القبر الفارغ في الأناجيل الأربعة جميعها وفي ثلاث طبقات على الأقل من طبقات الإنجيل: مرقس، م-M (مادة متى الخاصة)، ويوحنا. إن الاختلاف الكبير في الروايات المختلفة للقبر الفارغ، والذي يعد محرجًا إلى حد ما، يجادل بأن هذه الروايات تنبع من تقاليد منفصلة ومستقلة، وكلها تشهد على أن القبر فارغ.
يشير وجود العديد من الساميات والعادات السامية في روايات إنجيل القبر الفارغ إلى أن هذه الروايات كانت مبكرة ونشأت على الأرجح في محيط فلسطيني. (راجع “في أول أيام الأسبوع” [مرقس 16: 2]؛ “ملاك الرب” [متى 28: 2]؛ “مريم” [متى 28: 1] “[الإجابة] قال” [متى 28: 5]؛ “حنوا وجوههم إلى الأرض” [لوقا 24: 5]؛ إلخ.).[211]
استلزم إيمان اليهود بالقيامة قبرًا فارغًا. في حين أن أفكار الخلود بين الإغريق وبعض اليهود انفصلت عن فكرة القيامة الجسدية، بل وحتى معادية لها، فإن اليهود في أورشليم، وخاصة الفريسيين وأولئك المتأثرين بالتعليم الفريسي، يربطون فكرة القيامة بالجسد. لذلك، لا يمكن أن يكون هناك وعظ رسولي في أورشليم بقيامة يسوع ما لم يكن القبر فارغًا في الواقع.[212]علاوة على ذلك، من الصعب تصديق أن معارضي يسوع ما كانوا ليفحصوا مكان الدفن لمعرفة ما إذا كان القبر فارغًا بالفعل، لأن عرض جسد يسوع سيكون طريقة بسيطة لدحض ادعاء قيامته.
حقيقة أن شهود القبر الفارغ كانوا من النساء اللواتي منع اليهود شهادتهن، مما يجعل الفبركة الدفاعية للرواية احتمال غير مرجح. من الصعب فهم سبب إنشاء الكنيسة لأسطورة قبر فارغ كان الشهود الرئيسيون فيه من النساء، لأن النساء كن شهودًا غير صالحين وفقًا لمبادئ الأدلة اليهودية.[213] إذا كانت قصة القبر الفارغ مجرد أسطورة، فلماذا لا نجعل الشهود رجالًا؟ يبدو من المعقول أكثر أن نستنتج أن سبب عدم قيام الكنيسة بجعل الشهود على القبر الفارغ رجال هو ببساطة لأن شهود القبر الفارغ في صباح عيد الفصح هذا لم يكونوا في الواقع رجالًا بل نساء.
من الصعب أن نفهم سبب نشوء جدال يهودي ضد القبر الفارغ إذا كانت قصة القبر الفارغ قد تطورت في وقت متأخر كما يدعي النقاد. في وقت لاحق لم يكن هناك جدوى من المجادلة ضد هذه “الأسطورة” حيث كان من الممكن أن تحدث أشياء كثيرة في السنوات التي تلت ذلك لإبطال صحتها. إن تطور مثل هذا الجدل وحقيقة أنه اعترف بفراغ القبر يشير إلى أن سرد القبر الفارغ كان منذ البداية مركزاً مهمًا في إعلان الكنيسة الأولى عن القيامة.[214]
تشير الإشارة إلى يوسف الرامي إلى أن القبر الذي دفن فيه يسوع كان معروفًا جيدًا، لأن اسم يوسف الرامي ثابت بشدة في تقاليد كيف وأين دُفن يسوع (راجع مرقس 15: 43-46؛ متى 27: 57-60؛ لوقا 23: 50-53؛ يوحنا 19: 38-42). وتؤيد تاريخية القبر الفارغ حقيقة أن قبرًا محددًا، والذي كان يُعرف في أورشليم باسم قبر يوسف الرامي، كان مرتبطًا بدفن يسوع. إن حقيقة أن يوسف الرامي لم يكن له أي منصب سلطة معين أو شهرة في الكنيسة الأولى تدل أيضًا على أهمية تاريخية هذا التقليد.[215]
تقاليد القبر الفارغ تضع الحادثة على أنها تقع في اليوم الأول من الأسبوع. ما هو الحدث الرئيسي الذي حدث في هذا اليوم والذي من شأنه أن يتسبب في تغيير بالغ الأهمية في الحياة الدينية للكنيسة الأولى بحيث يفسر سبب نقل يوم العبادة من السبت إلى الأحد؟ الحدث الوحيد (في العهد الجديد) المرتبط باليوم الأول من الأسبوع هو اكتشاف القبر الفارغ. من ناحية أخرى، ارتبط ظهور القيامة بـ “اليوم الثالث” (راجع مرقس 8 :31؛ 9 :31؛ 10 :34؛ 14 :58؛ 15 :29؛ متى 12: 40؛ 27: 63-64؛ لوقا 13 :32؛ 24: 7؛ 21؛ يوحنا 2: 19؛ 1 كورنثوس 15: 4). مع ذلك، فإن تقليد القبر الفارغ مؤرخ في اليوم الأول من الأسبوع، وأفضل شرح لممارسة الكنيسة الأولى في العبادة يوم الأحد (راجع أعمال الرسل 20: 7؛ 1 كورنثوس 16: 2؛ رؤيا 1: 10). حسب التقليد القائل بأن أتباع يسوع اكتشفوا القبر الفارغ في اليوم الأول من الأسبوع. من الواضح أيضًا أنه في حين أن القيامة في اليوم الأول من الأسبوع يمكن أن تحدث في “اليوم الثالث”، حيث أنه من خلال حساب اليهود لأي جزء من اليوم على أنه يساوي يومًا كاملاً، فليس من المؤكد أنه، بالنظر إلى القيامة في اليوم الثالث، كان من الممكن تأريخ القيامة في يوم أحد باستثناء وجود تقليد القبر الفارغ في اليوم الأول.[216]
أقدم تقليد لدينا يتحدث عن القيامة هو على الأرجح 1 كورنثوس 15: 3-4. هناك إجماع مشترك اليوم بين العلماء على أن بولس هنا يقتبس اعتراف الكنيسة الأولى. هذا الاعتراف، الذي من المحتمل أن يكون مؤرخًا قبل 40 م،[217] ينص على وجه التحديد على أن المسيح مات وأنه دفن. ولكن إلى ماذا تشير عبارة “الدفن”؟ جادل البعض بأن “مات” و “دفن” يسيران معًا وأن العبارة الأخيرة تؤكد ببساطة على الحقيقة القاطعة لموت يسوع.[218] لكن هل هذا كل ما يقوله التقليد؟ الكلمات “مات” و “دفن” و “قام” لا يمكن فهمها إلا إذا كان ما “مات ودفن” في الواقع “قام”. بينما لا يذكر بولس في أي مكان أن القبر كان فارغًا، يبدو أنه في 1 كورنثوس 15: 3-4 هذا واضح. بالنسبة لبولس كفريسي، وبلا شك بالنسبة لكنيسة أورشليم أيضًا (التي كان لها عنصر فريسي قوي؛ راجع أعمال الرسل 15: 5)، فإن موت المسيح ودفنه وقيامته يتطلب كل هذا قبرًا فارغًا.
في رومية 6: 4 وكولوسي 2 :12 يستخدم بولس نفس التعبيرات (“دفن” و “قام”) التي نجدها في 1 كورنثوس 15: 4. هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن فكرة “دفن” و “قام” مع المسيح في المعمودية كما هي موجودة في هاتين الآيتين هي فكرة تقليدية، لأن بولس يقدم مناقشته لهذا الموضوع في رومية 6: 3 بعبارة “ألا تعرف … “، مشيرًا إلى أن ما يقوله هو عقيدة ثابتة ليس فقط في كنائسه، ولكن أيضًا في كنيسة لم يؤسسها -الكنيسة في روما.[219] لقد كانت تقليداً، لذلك، لفهم معمودية المؤمن على أنها تعكس بطريقة ما قيامة يسوع أو تعيد تمثيلها.[220] إذا تم تذكير المؤمن في معموديته بدفن ربه، فيبدو على الأرجح أنه سيقارن دفنه وقيامته بدفن يسوع وقيامته. علاوة على ذلك، فإن دفن المؤمن أثناء ارتباطه بـ “موته” بالخطية يختلف مع ذلك عن هذا الموت (راجع رومية 6: 4). نتيجة لذلك، من المحتمل أن “دفن” المسيح لن يُنظر إليه على أنه مجرد مرادف لموت المسيح فحسب، بل على أنه يختلف بطريقة ما عن موته، على الرغم من ارتباطه بالطبع بموته. ولكن في دفن المؤمن لم يبقى ما دفن مدفوناً بل تغير وقام. وبالتالي، فإن موت ودفن وقيامة المسيحي في المعمودية، مع عدم إثبات أن المسيحيين الأوائل كانوا بالضرورة يؤمنون بأن قبر يسوع يجب أن يكون فارغًا، من المحتمل أن يُقارن بموت ودفن وقيامة يسوع، بحيث أنه مع يسوع، كما هو الحال مع المؤمن، تحولت الوردة المدفونة، ولم تترك شيئًا وراءها.
يمكن سرد حجتين أخريين لدعم الرأي القائل بأن “مات، دُفن، قام” يعني على الأقل أن القبر كان فارغًا. الأول يتضمن المصطلحات المستخدمة لوصف قيامة يسوع. أحد هذه المصطلحات هو “قام”[egeirō].[221] الذي مات ودفن قام. وهذا يعني، على الأقل بالنسبة لمعظم الناس، أن “ما” تم دفنه قد تمت إقامته وأن القبر نتيجة لذلك كان فارغًا.
توجد حجة ثانية يمكن ذكرها في أعمال الرسل 2: 29-31، حيث يقارن بطرس تجربة داود الذي مات ودفن ورأى فسادًا مع يسوع الذي صلب وقتل (آية 23) ولكن لحمه، على عكس داود. لم ير فسادا لأن الله أقامه. يكمن الاختلاف بين داود ويسوع في حقيقة أن قبر داود كان لا يزال مشغولاً بعظام داود، لأنه رأى فسادًا. من ناحية أخرى، كان قبر يسوع فارغًا، لأنه لم ير فسادًا. صحيح أن لدينا هنا وصف لوقا عن عظة بطرس في يوم الخمسين، ولكن يبدو أن لوقا إما استخدم التقليد القديم لصياغة عظة بطرس أو على الأقل شهودًا لتقليد مبكر تم فيه الاعتراف بأن قبر يسوع فارغ. هذه المقارنة نفسها بين داود ويسوع موجودة أيضًا على لسان بولس في أعمال الرسل 13: 29-37.[222]
قد يكون عدم وجود إشارة محددة إلى القبر الفارغ من قبل بولس نابع من دافع دفاعيّ وليس من الجهل. عندما يتعلق الأمر بظهور القيامة، يمكن أن يجادل الرسول على قدم المساواة مع التلاميذ الآخرين. لقد رأى الرب هو أيضًا! ومع ذلك، لم يستطع قول الشيء نفسه عن القبر الفارغ. ولعل هذا هو سبب عدم الإشارة إليه على وجه التحديد في رسائله.
إذا نشأ تقليد القبر الفارغ من تجربة أتباع يسوع الأوائل في صباح ذلك اليوم الأول من عيد الفصح وكان من بداية جزء لا يتجزأ من الوعظ المسيحي المبكر، يبقى السؤال، “ما الذي جعل القبر فارغًا في الصباح الأول من عيد الفصح؟ ” ما “السبب” وراء هذه “النتيجة”؟ لا يزال الإنجيليون يجدون أبسط وأسهل تفسير لشهادة كتاب العهد الجديد أن “المسيح قام من بين الأموات”! لم يستطع القبر أن يحمله، لأن “المسيح قد قام من بين الأموات، وهو باكورة الراقدين” (1 كو 15: 20).
أدلةإضافيةعلىظهوراتقيامةيسوع – جاريهابرماس
أنتقل الآن إلى دلائل إضافية على أن ظهورات قيامة المسيح حدثت في التاريخ.[223] كما كان من قبل، أستمد حججي حصريًا تقريبًا من البيانات التي تدعم قائمة الحقائق التاريخية المؤكدة بشكل نقدي.
(1) لقد أظهرت أن التقليد في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها. من المتفق عليه بشكل حاسم أن يكون (أ) سردًا مبكرًا بشكل استثنائي لظهورات قيامة المسيح و (ب) يمكن إرجاعه إلى مصادر ممتازة (ربما شهود عيان)، باستخدام الضوابط والتوازنات التي قد تكون مفروضة إلى حد ما من نص قديم. بالنظر إلى سلطة بولس، وربما أنه تلقّاه من كبار الرسل في أوائل إلى منتصف الثلاثينيات بعد الميلاد، يوفر هذا الاعتراف العقائدي بعض المعلومات المهمة للغاية، مثل تقرير ظهور يسوع لعدة مجموعات، بما في ذلك خمسمائة شخص في وقت واحد. يسمي هينجل هذا النص “تقريراً تاريخيًا مضغوطًا للغاية”.[224]
من المهم أن نلاحظ، مع ذلك، أن هذه الحجة الأولى لا تعتمد على معرفة التاريخ الدقيق الذي تلقى فيه بولس هذه المادة، أو على وجه التحديد من أعطاه إياها. عمليًا، لا يجادل أي باحث ناقد في أن هذه المادة التقليدية، على أقل تقدير، تسبق كتابة رسالة كورنثوس الأولى في حوالي 55 م. يقول بولس إنه كرز بنفس الرسالة قبل بضع سنوات عندما زار كورنثوس (15: 1-2). يوضح بولس أيضًا أنه تلقى محتوى الإنجيل هذا من شخص آخر (15: 3). لا يمكن إنكار إذن أن بولس تلقى البيانات في وقت مبكر. علاوة على ذلك، لكونه رسولًا، فمن المنطقي أنه سمعه من شخص اعتبره مصدرًا موثوقًا به. حتى هذا الحد الأدنى من الإطار يساعد في إنشاء السيناريو التاريخي.
(2) ومع ذلك، لم يكن بولس بحاجة إلى الاعتماد على شهادة شخص آخر ليسمع عن القيامة. يشرح [بولس] أن يسوع القائم قد ظهر له أيضًا. (أ) قدم بولس هذه المعلومات أكثر من مرة (1 كورنثوس 9: 1، 15: 8؛ قارن غلاطية 1: 16). (ب) تأكيد غير بولسي لشهادة بولس يظهر ثلاث مرات في أعمال الرسل (9: 1-9؛ 22: 1-11؛ 26: 9-19).
لا يُنكَر أن بولس قد تحول إلى الإيمان المسيحي. ومع ذلك، فإن مثل هذا التحول الجذري-من كونه باحثًا شابًا استثنائيًا ومضطهد الكنيسة الرئيسي (1 كورنثوس 15: 9؛ غلاطية 1: 13-14؛ فيلبي 3: 4-7) -يتطلب بالتأكيد تفسيرًا مناسبًا. كان بولس واثقًا من أنه التقى بيسوع القائم من بين الأموات.
أحد الجوانب اللافتة للنظر في هذه الحجة هو الإجماع حتى بين المتشككين، الذين يعترفون بأن بولس لديه بالتأكيد تجربة يعتقد أنها ظهور للمسيح المقام. وبناءً على ذلك، فإنهم يعتبرون بولس شاهد عيان. يقول الفيلسوف الملحد مايكل مارتن: “ومع ذلك، لدينا رواية شاهد عيان واحد فقط عن ظهور يسوع بعد القيامة، ألا وهو بولس”.[225] يشرح عضو حلقة يسوع الدراسية seminar jesus روي هوفر سبب اعتبار رواية بولس هي المكان المناسب للبدء: “سبب البدء هنا بسيط ومقنع: شهادة بولس هي أول دليل موثوق به تاريخياً لدينا حول قيامة يسوع.”[226] وبشكل أكثر تحديدًا، يؤكد هوفر: إن أهم دليل على القيامة الذي قدمه لنا بولس هو. . . ادعاء مباشر أنه رأى يسوع المقام”.[227] يتفق المشككون الآخرون أيضًا على الطبيعة الحاسمة لشهادة بولس.[228]
(3) بالطبع، من المهم أن نعرف ما إذا كان تقرير بولس عن ظهورات قيامة يسوع هو تقرير دقيق. (أ) لقد رأينا أن بولس قام برحلتين على الأقل إلى أورشليم لتقديم المشورة للقادة الرسل للتأكد من طبيعة الإنجيل الذي كان يكرز به (غلاطية 1: 18-20؛ 2: 1-10)، والذي تركز على قيامة المسيح (1 كو 15: 3-4؛ رومية 10: 8-10). وقد وافقت القيادة الرسولية، أي بطرس ويعقوب-أخو يسوع-ويوحنا، على رسالة بولس على وجه التحديد وقبلت خدمته (غلاطية 2: 6-10). (ب) إن إثبات الاعتراف الرسولي ببولس مدعوم أيضًا في أعمال الرسل 15: 1-31. هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الرواية تصف نفس الحادثة التي رواها بولس في غلاطية 2، أو ما إذا كانت تصف رحلة ثالثة مذهلة إلى أورشليم من قبل بولس لنفس الغرض من التأكيد! في كلتا الحالتين، هناك العديد من المصادر التي تؤكد رواية بولس بأن كرازته بالإنجيل قد تم تأكيدها من قبل الرسل الرئيسيين، وهم الشهود أنفسهم الذين سيعرفون ما إذا كانت ظهورات القيامة قد حدثت أم لا. كما يشهد هينجل، “من الواضح أن تقليد (1 كورنثوس 15: 3) قد تعرض للعديد من الاختبارات” بواسطة بولس.[229]
يتفق العلماء الناقدون على أن رسالة بولس الإنجيلية قد تمت الموافقة عليها من قبل الرسل الرئيسيين الآخرين. يذكر لوك تيموثي جونسون الحقائق التاريخية التي حتى “يمكن أن يؤكدها المؤرخ الأكثر نقدًا دون تردد. هل يمكن لأي شخص أن يشك، على سبيل المثال. . . لقاء بين بولس وقيادة أورشليم بخصوص شرعية الإرسالية الأممية؟”[230] أما عن مضمون اللقاءات، “التلاميذ. . . قبلوا [بولس] على أنه مدعو إلى الرسولية من قبل المسيح القائم من بين الأموات، تمامًا كما كانوا.”[231] في ختام دراسته لرحلة بولس الثانية إلى أورشليم، يلاحظ بيتس أن “النتيجة الإيجابية تتمثل في حقيقة أن رسل أورشليم قد اعترفوا بإنجيله ورسالته. . .. [كان هناك] اعتراف بأن بولس وإنجيله صحيحان لاهوتياً “.[232]
(4) لكن التأكيد لا يتدفق فقط من رسل أورشليم إلى بولس. من جانبه، كان بولس يعرف ويوافق على رسالة قيامة الرسل الآخرين. (أ) من خلال الاستشهاد بقانون (قوانين) الإيمان في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، يوضح بولس أنه على الأقل علم بظهور بطرس، والاثني عشر، والخمسمئة، ويعقوب، وجميع الرسل. (ب) في رحلاته إلى أورشليم، التقى بالعديد من هؤلاء الرسل، بمن فيهم الأفراد الواردة أسماؤهم في القائمة. تعليقه في 15: 6 أن معظم الشهود الخمسمئة كانوا لا يزالون على قيد الحياة ربما يشير إلى أنه يعرف بعضًا منهم أيضًا. (ج) ولأغراضي الأهم، بعد الاستشهاد بقانون الإيمان المبكر، أعلن بولس أن الرسل الآخرين كانوا يكرزون بنفس الرسالة التي كان يتحدث عنها فيما يتعلق بظهورات قيامة المسيح (1 كورنثوس 15: 11، 14-15). إذن لدينا تصريح بولس المباشر بأنه كان على علم بالظهورات للرسل الآخرين ووافق على حكمهم. (د) تذكر الأناجيل أيضًا ظهورات لتلاميذ يسوع ولآخرين (متى 28؛ لوقا 24؛ يوحنا 20-21؛ راجع مرقس 16: 6-7). أي تأكيد تقدمه روايات الإنجيل المنفصلة هذه يشير إلى وجهة نظر بولس، ولكن من وجهات نظر أخرى.[233]
يتفق العلماء الناقدون بسهولة على أن بولس كان على علم بظهورات القيامة للرسل الآخرين وما كانوا يخبرونه عن تجاربهم. يقول جونسون: “يصر بولس على أنه أعلن لجماعاته ما قد تلقاه أيضًا، وأن كرازته كانت متفقة مع الرسل الآخرين”[234] يعتقد ويذرنجتون أن “بولس كان على اتصال مباشر مع شهود عيان مختلفين عن ظهورات يسوع وموته وقيامته.” هذا “يظهر أين تكمن الأرضية المشتركة حقًا.”[235] مجموعة واسعة من العلماء يتفقون.[236]
(5) يعترف العلماء الناقدون دائمًا أن يعقوب، أخو يسوع، كان أيضًا غير مؤمن وربما كان متشككًا أثناء خدمة يسوع العلنية (يوحنا 7: 5؛ مرقس 3: 21). فيما بعد نجد يعقوب كقائد لكنيسة أورشليم (غلاطية 1: 18-19؛ أعمال الرسل 15: 13-21). وفقًا لبيان العقيدة المبكر (1 كورنثوس 15: 7)، فإن الحدث الرئيسي الذي حدث بين هذه الأوقات هو أن يسوع المُقام ظهر ليعقوب.
يستخلص النقاد استنتاجهم فيما يتعلق بعدم إيمان يعقوب السابق ليس فقط من المصادر المستقلة المتعددة التي تشهد على ذلك، ولكن أيضًا بناءً على الإحراج الذي كان من الممكن أن يسببه عدم الإيمان هذا. من المستبعد جدًا أن تتضمن الكنيسة الأولى هذه التعليقات حول أحد قادتها الرئيسيين وأحد أفراد عائلة يسوع أيضًا، ما لم تكن صحيحة.[237] لكي يتم تذكره على مدى عقود عديدة، ربما كان عدم إيمان يعقوب قويًا إلى حد ما.
إن هذا الاقتناع النقدي فيما يتعلق بتحول يعقوب راسخ للغاية لدرجة أن ريجنالد فولر يخلص إلى أنه حتى لو لم يُضمن بولس الاعتراف المبكر الذي يسجل ظهور يسوع ليعقوب، “يجب علينا أن نبتكر واحدًا” من أجل حساب كل من اهتداء يعقوب بعد القيامة والسرعة اللاحقة لترقيته إلى منصب قيادي ثقيل في الكنيسة الأولى. استنتج فولر مع غالبية العلماء أن ظهور يسوع ليعقوب أدى إلى اهتدائه.[238]
حتى العلماء الأكثر تشككًا يقبلون عمومًا موقف الأغلبية هذا. يقول لودمان: “بسبب 1 كورنثوس 15: 7 فمن المؤكد أن يعقوب “رأى أخاه”.[239] يوافق هيلموت كويستر على ذلك بقوله: “لقد ظهر يسوع أيضًا إلي. . . يعقوب وهذا لا يمكن التشكيك فيه بشكل جيد”.[240] بعبارات عامة، يلخص جون شيلبي سبونج الأمر بشكل جيد: “يمكننا أن نكون على يقين من حقيقة أن إخوة يسوع لم يكونوا منبهرين، ولم يكونوا أتباعًا ليسوع خلال حياته. كانوا مستهزئين، ساخرين، مرتابين من عقل يسوع. لكن حدث شيء ما. . .. انظر إلى يعقوب قبل عيد الفصح. انظر إلى يعقوب بعد عيد الفصح. ما الذي تسبب في التغيير الذي كان بهذه الدراماتيكية؟”[241]
(6) بالإضافة إلى التقليد المبكر في 1 كورنثوس 15: 3 وما يليها، هناك فقرات عقائدية أخرى في العهد الجديد تذكر أيضًا الشهادة الرسولية لظهورات يسوع من بين الأموات. عدد جدير بالملاحظة من هذه التعليقات مأخوذ من الاعترافات المبكرة المضمنة في العظات المسجلة في سفر أعمال الرسل.[242] يعتقد معظم العلماء أن بعض هذه العظات على الأقل تعكس الوعظ المسيحي المبكر، لأنها تحتوي على مقتطفات مختصرة وغير متطورة من الناحية اللاهوتية، ولأنها تختلف عن الأنماط اللغوية المعتادة للمؤلف.[243] تحتل ظهورات قيامة يسوع مركز كل تقليد.
من المحتمل أن توفر قوانين الإيمان هذه بعضًا من أفضل رؤانا حول الوعظ الرسولي المبكر بعد يوم الخمسين. يعتقد أوكولينز أن هذه المادة “تتضمن صيغ القيامة التي تنبع من الثلاثينيات”[244] يقول جون درين: “أقرب دليل لدينا على القيامة يعود بشكل شبه مؤكد إلى الوقت الذي يُزعم فيه أن حدث القيامة مباشرة. هذا هو الدليل الوارد في العظات الأولى في أعمال الرسل.” ويضيف: “لكن ليس هناك شك في أن مؤلفها قد احتفظ في الفصول القليلة الأولى من سفر أعمال الرسل بمواد من مصادر مبكرة جدًا”.[245]
(7) إن اكتشاف أن القبر الذي دفن فيه يسوع فارغ فيما بعد لا يثبت أن جسد يسوع قد قام، ولكنه يقوي قضية القيامة. لسبب واحد، أنه يجعل صياغة النظريات الطبيعية أكثر صعوبة. من ناحية أخرى، يشير إلى اتجاه حدث مادي.
تم تقديم العديد من الدلائل على أن قبر يسوع لم يكن مأهولًا بعد وقت قصير من وفاته. لسوء الحظ، سنتمكن من سرد القليل منها فقط. (أ) التقليد الأول في كورنثوس الأولى 15: 3-4 يشير على الأقل إلى قبر فارغ. يتقدم البند السردي الثلاثي (وأنه καϊ ότι)، خاصة عندما يُفهم في السياق اليهودي، من موت يسوع، إلى دفنه، إلى قيامته، إلى ظهوره، وبالتالي يجادل بأن شيئًا ما قد حدث لجسده. باختصار، ما دخل إلى الأرض هو ما ظهر لاحقًا، ولكن تغير. (ب) نص قديم آخر في أعمال الرسل 13: 29-31، 36-37 يعلن بشكل أوضح أن يسوع قد وُضع في قبر، ثم قام وظهر دون أن يعاني من أي تدهور جسدي.
(ج) لم يفشل القادة اليهود فقط في دحض إعلان أن القبر كان فارغًا، ولكنهم اعترفوا بهذه الحقيقة (متى 28: 11-15). شهادة العدو هذه هي مؤشر آخر على تفضيل القبر الفارغ، حيث لم تستطع القيادة اليهودية إزالة هذا العنصر المادي من الإعلان المبكر. (د) يتم توثيق تقارير القبر الفارغ بشكل مضاعف، حيث يتم العثور عليها على الأقل في مرقس ومتي ويوحنا وعلى الأرجح في لوقا الشهادة في تقليدين مستقلين أو أكثر هو مؤشر قوي على التاريخية. يشهد المؤرخ بول ماير: “العديد من الحقائق من العصور القديمة تستند إلى مصدر قديم واحد فقط، في حين أن مصدرين أو ثلاثة مصادر تتفق عليها-الحقيقة-تجعل الحقيقة بشكل عام لا يرقى إليها الشك”.[246]
وفقًا للباحثين، ربما تكون حجتان أخريان للقبر الفارغ أقوى من السابقين. (هـ) لقد أجمعت الأناجيل على ادعائهم أن النساء كن أول شهود على القبر الفارغ (متى 28: 1-10؛ مرقس 16: 1-8؛ لوقا 24: 1-9؛ يوحنا 20: 1-2). يعد هذا مؤشرًا قويًا على صحة التقرير، نظرًا لأن شهادة المرأة كانت غير مسموح بها عمومًا في محكمة قانونية، لا سيما في الأمور الحاسمة. إن استخدام النساء كشاهد رئيسي في مثل هذه الحالة سيكون بمثابة انتحار فكري، ما لم يكن بالفعل الشهود الأوائل. (و) مدينة أورشليم هي بالتأكيد آخر موقع جغرافي سيكرز فيه التلاميذ بالقيامة إذا كان قبر يسوع لا يزال مشغولاً بجثته. أي شيء غير القبر الفارغ كان سيجعل من رسالة القيامة نقطة خلافية.
لقد أدركنا بالفعل أن القبر الفارغ لم يتم قبوله جيدًا مثل الحقائق التاريخية الأخرى المذكورة في قائمتي أعلاه، والتي تم الاتفاق على كل منها بالإجماع تقريبًا من قبل العلماء. لكن في الوقت الحاضر، يبدو أن أغلبية قوية لا تزال تقبل تاريخية القبر الفارغ.[247] المؤرخ مايكل غرانت يخلص إلى أن “المؤرخ. . . لا يمكنه تبرير إنكار القبر الفارغ “، لأن التطبيق العادي للمعايير التاريخية على النصوص يشير إلى أن” الدليل ثابت ومعقول بما يكفي لاستنتاج أن القبر وجد بالفعل فارغًا.”[248]
يلخص جيمس دي جي دن: “يجب أن أقول بقوة: الاحتمال هو أن القبر كان فارغًا. كمسألة إعادة بناء تاريخية، يشير ثقل الأدلة بقوة إلى الاستنتاج القائل بأن قبر يسوع قد تم العثور عليه فارغًا”. البدائل الرئيسية كلها أسوأ[249] يتحدث توماس تورانس بإيجاز، مدرجًا القبر الفارغ كواحد من “الارتباطات التجريبية في المكان والزمان” التي هي “مفتوحة للاختبار”.[250]
(8) أحد مقاييس قوة اقتناع التلاميذ بأنهم رأوا ربهم القائم بالفعل هو تحولهم، خاصةً رغبتهم في الموت من أجل إيمانهم. قبل صلبه تركه الرسل وأنكروه وهربوا في ذعر.[251] في المقابل، غيّرت ظهورات قيامته ما تبقى من حياتهم بشكل جذري، حتى إلى الاستشهاد[252] يشهد ما تبقى من العهد الجديد أيضًا على تحول التلاميذ كما يظهر في كرازتهم وأخلاقهم وتعاليمهم. وتفيد مصادر خارج الكتاب المقدس، مسيحية وغير مسيحية، عن هذه الأنشطة.[253]
إن تحول التلاميذ، كونهم على استعداد للموت، لا يجادل فيه أحد تقريبًا. صحيح أن التحولات تحدث غالبًا حتى بناءً على أسباب خاطئة، ولكن هناك فرق نوعي هنا. من المسلم به عمومًا أن أي شخص على استعداد للموت من أجل شيء ما يؤمن حقًا به. لكن أوجه التشابه الرئيسية تتوقف هنا. عانى تلاميذ يسوع ليس فقط بسبب إيمانهم بقضية ما، ولكن بالتحديد لأنهم اعتقدوا أنهم رأوا يسوع بعد موته. باختصار، لم يكن تحولهم ببساطة بسبب معتقداتهم، كما هو الحال بالنسبة لأولئك الذين يعيشون ويموتون من أجل أسباب أخرى، ولكنه كان قائمًا صراحةً على تجربتهم مع يسوع القائم من بين الأموات. بدون تجربة القيامة، لم يكن هناك تغيير.
اعتراف العلماء الناقدين، كما يوضح غرانت، بأن اعتقاد التلاميذ أن القيامة حدثت هو الذي غير حياتهم.[254] يؤكد رايت أن “الجيل الأول من المسيحيين. . . أعلن واحتفل بانتصار يسوع على الشر. . .. كان هذا أساس فرحتهم الرائعة”.[255] يوافق ماير على ذلك قائلاً: “إن تجارب القيامة هي التي أثرت على تحول [التلاميذ] أمر معقول لا شك فيه”[256]
يمكن أن تتضاعف مثل هذه الهتافات: “المسيحية ولدت بإيمان القيامة”.[257] فقط ظهورات يسوع هي التي أحدثت تغييراً جديداً في طباعهم”.[258]
(9) إن كون قيامة المسيح كانت مركز الإيمان المسيحي المبكر يشير أيضًا إلى واقعيتها. وتعني مركزيتها أنه تم التحقيق فيها من قبل المؤمنين وتحديها من قبل غير المؤمنين. لقد رأينا أن بولس زار رسل أورشليم مرتين أو ثلاث مرات فقط للتأكد من أن كرازته كانت صادقة، لأنه كان يعلم أنه لا يوجد إيمان مسيحي بدون القيامة (1 كو 15: 14، 17). قيل لنا أن القيامة كانت إعلانًا محوريًا في الكنيسة الأولى (أعمال الرسل 4: 33) وأن هذا أزعج قادة اليهود (أعمال الرسل 4: 1-2). نُصِح المؤمنون في تحمل معاناتهم لأن قيامة المسيح أمّنت لهم السماء (1 بطرس 1: 3-5). أدت أهمية القيامة إلى زيادة اهتمام المؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء. ومع ذلك، فقد اجتازت الاختبار مرارًا وتكرارًا.
مرة أخرى، يعترف العلماء الناقدون بسهولة بالدور المركزي الذي لعبته قيامة يسوع. يؤكد إليوت Elliott، “لولا هذا الاعتقاد لكانت طائفة الناصريين قد ماتت بشكل عام كما اختفت الجماعات المسيانية الأخرى.”[259] يعلق ماير Meyer: “القيامة كانت نداء لهم، لأنها أرست آمالهم.”[260] وفقًا لرايت Wright، ألقت القيامة نورها على الأناجيل لدرجة أن القضية الرئيسية هي محاولة تحديد ما لم يتم تفسيره في ضوء القيامة![261] مع تفسير المؤمنين لكل شيء في ضوء القيامة ومحاولة الأعداء باستمرار استبعادها، كانت هناك مناسبات عديدة للتحقيق فيها. لكن تم تأكيد ذلك مرارًا وتكرارًا.
(10) الاعتبار الأخير هو فشل القادة اليهود في أورشليم في دحض القيامة، على الرغم من أنهم عاشوا بالضبط حيث مات يسوع ودُفن قبل فترة وجيزة فقط. كان هؤلاء العلماء القدامى في أفضل وضع لفضح أي خطأ، لأنهم عارضوا بشدة تعاليمه ولأن موقعهم سمح بإجراء فحص شامل. باختصار، كان لهؤلاء القادة دافع ومركز رائع وفرصة سانحة، لكن حتى بصفتهم المتشككين المقيمين، لم يدحضوا الأدلة.
كما يذكر دن، باستثناء الادعاء الضعيف في متى 28: 13-15، من الجدير بالذكر أن هناك “غياب أي ادعاء مضاد في أي كتابات متاحة في تلك الفترة.”[262] كان رد كرانفيلد Cranfield أكثر تفصيلاً: “هناك أيضًا حقيقة بالغة الأهمية مفادها أنه لا السلطات اليهودية ولا السلطات الرومانية قد قدمت أبدًا دليلًا لدحض الادعاء بأن يسوع قد قام. السلطات اليهودية، على وجه الخصوص، لديها كل الأسباب للقيام بذلك، ومن المؤكد أنها كانت في وضع يُمكِّنها من الاستجواب والبحث بدقة “.[263]
كما أن هناك بعض الاعتبارات الصغيرة التي تتعلق بظهورات القيامة التي يمكن ذكرها.[264] نظرًا لأننا مهتمون بالوثائق القديمة، والتي غالبًا ما تكون غير متساوية في أحسن الأحوال، يجب أن ندرك أن الأدلة المذكورة هنا تقدم بالتأكيد مجموعة مذهلة من البيانات، وكلها تدعم الاعتقاد بأن يسوع ظهر للعديد من الأشخاص بعد موته.
في العقود الأخيرة، ازداد تقدير العلماء الناقدين لجودة وكمية هذه البيانات بشكل نموذجي. يعلن فولر بشكل مفاجئ، فيما يتعلق بحالة البحث في الإيمان المسيحي المبكر بالقيامة: “في غضون أسابيع قليلة بعد الصلب، اعتقد تلاميذ يسوع أن هذه واحدة من حقائق التاريخ التي لا جدال فيها”. فيما يتعلق بظهور يسوع، السبب التقليدي لهذا الاعتقاد، يعترف فولر: “أن التجارب حدثت بالفعل، حتى لو تم شرحها بمصطلحات طبيعية بحتة، هي حقيقة يمكن أن يتفق عليها كل من المؤمن وغير المؤمن”.[265] يتحدث دن بالمثل: “يكاد يكون من المستحيل المجادلة في ” أن المؤمنين الأوائل لديهم تجارب اعتقدوا أنها ظهورات قيامة ليسوع.[266] حتى العالم اليهودي لابيد استنتج أن يسوع قام من الموت وظهر لأتباعه.[267]
من الواضح أن المفتاح هنا هو أن تلاميذ يسوع كانت لديهم تجارب حقيقية جعلتهم يستنتجون أنهم شهدوا ظهورات ليسوع من بين الأموات.[268] من المؤكد أن الاستجابة الأولية هي افتراض أن نظرية بديلة قابلة للتطبيق. ولكن إذا لم تكن هناك نظريات طبيعية، مثل نظريات الهلوسة، تفسر هذه الظهورات بشكل قابل للتطبيق، فإن الحالة تبدو مختلفة بعض الشيء. إذا كان هناك عدد من الأدلة القوية لصالح القيامة أيضًا، فنحن بحاجة إلى الانفتاح على مثل هذا الحدث، ما لم نعلم مسبقًا أنه لن يحدث أبدًا.
يبدو أن المتشكك يحتاج إلى شرح جميع الأدلة العشرة على قيامة يسوع، وكذلك اقتراح نظرية طبيعية محتملة. على وجه الخصوص، عندما يتم النظر في وجهات النظر المتعددة التي تفضل تجارب شهود العيان للتلاميذ، بولس ويعقوب، جنبًا إلى جنب مع التحولات المقابلة للشهود والقبر الفارغ، تصبح قيامة يسوع أفضل تفسير للحقائق. هذا هو الحال بشكل خاص طالما أن النظرية الطبيعية الممكنة التي تفسر جميع الحقائق التاريخية لا تزال بعيدة المنال.
لماذا يجب أن نعتبر قصص أوزوريس وديونيسوس وأدونيس وأتيس وميثرا وغيرهم من المُخلّصين الغامضين/السريين الوثنيين كـ خرافات أسطورية، ومع ذلك، نمر عبر نفس القصة التي تُروى في سياق يهودي ونعتقد أنها سيرة نجار من بيت لحم؟
بصفتي مراسلاً شابًا في صحيفة شيكاغو تريبيون، شاهدت بتعاطف مشهدًا مفجعًا يتجلى في غرفة التحرير. تلقى المحرر ظرفًا مجهولاً يحتوي على عمود [في صحيفة] حديث لكاتب تريبيون الصاعد، بالإضافة الى نسخة من مقال كُتِبَ قبل ثماني سنوات من قبل بيت هاميل Pete Hamill من نيويورك بوست New York Post وأُعيدَ طبعه في مجموعة من أعماله.
كانت لغة الموضوع والأجزاء الأساسية متطابقة تقريبًا، مما أدى الى تهمة الانتحال-ادعاء مهين وتقزم وظيفي أدى الى تعليق الصحفي لمدة شهر دون أجر. الكشف اللاحق عن مخالفة أخرى أدى الى استقالة الكاتب. كان مؤلمًا أن أرى مسيرة زميل واعد تنحرف عن مسارها، ولكن كما قال رئيس تحرير صحيفة “تريبيون” في ذلك الوقت، “ندين الخداع في الآخرين؛ لا يمكننا أن نقبله بيننا دون عقوبة”.
على مر السنين، أثارت مزاعم السرقة الأدبية حفيظة الكثير من الصحفيين والعلماء والسياسيين والطلاب -حتى هيلين كيلر الشابة.[271] إنها مشكلة خطيرة ومتصاعدة في الجامعات. حيث جعل الوصول السهل الى الإنترنت اليوم الانتحال باستخدام طريقة القص واللصق سهلاً على الطلاب الذين يواجهون مواعيد نهائية وشيكة لأبحاث الفصل الدراسي، مما يدفع رواد الأعمال الى إنشاء موارد مؤسسة على شبكة الويب تساعد الأساتذة على اكتشاف المقاطع المنشورة مسبقًا.
من الناحية الفنية، لا يعتبر ارتكاب الانتحال جريمة، ولكن يمكن أن يكون من الجرائم المدنية الجسيمة الادعاء بأن كلمات شخص آخر أو مفاهيمه الأدبية هي ملك له/لها – أي المنتحل.[272] ومع ذلك، في معظم الأوقات، تكون العقوبات غير رسمية ولكنها مع ذلك مدمرة: فقدان محرج للمصداقية.
بطريقة مماثلة، زعمت موجة من الكتب الحديثة أن المبادئ الأساسية للمسيحية عن يسوع -بما في ذلك ولادته من عذراء وقيامته -ليست تاريخية، بل نُقِلَت من “الأديان الغامضة” السابقة التي ازدهرت في عالم البحر الأبيض المتوسط. إن الادعاء بأن المسيحية هي مجرد ديانة “منسوخة”، ومجرد إعادة تدوير لعناصر من الأساطير القديمة، قد أهلك مصداقيتها لدى كثير من الناس.
“لا شيء أصلي في المسيحية” هو واحد من بين السطور الأكثر شهرة في واحدة من أعظم قصص نجاح الكتب المنشورة، The Da Vinci Codeشفرة دافنشي. يطبق الكتاب تهمة أن كل شيء مهم في المسيحية، من الشركة/التناول إلى يوم ميلاد المسيح إلى العبادة في يوم الأحد، “مأخوذ مباشرة من الديانات الوثنية الغامضة السابقة.”[273]
في الواقع، حتى تلك الادعاءات ليست أصلية. منذ أكثر من قرن مضى، نشر العلماء كتبًا ومقالات تشير الى أوجه التشابه بين حياة يسوع كما هو مسجل في الأناجيل والآلهة الأسطورية مثل ميثرا وأوزوريس وأدونيس وديونيسوس. لقد تناولت الكتب الشعبية ومواقع الإنترنت هذه الموضوعات بالتفصيل في السنوات الأخيرة، مما يجعل هذه القضية واحدة من أكثر الاعتراضات الحالية تدميراً لتاريخية يسوع.
قال الكاهن الأنجليكاني السابق توم هاربور: “بدأت المسيحية كعبادة ذات أصول ودوافع وثنية بالكامل تقريبًا في القرن الأول”.[274] “كانت المسيحية في أرثوذوكسيتها الأخيرة مجرد إعادة إصدار لحكمة قديمة في شكل حقيقي حرفي وإقصائي للغاية. وكانت النتيجة نوعًا من الانتحال، ولكن في إصدار ضعيف ومشوه بشكل سيئ”.[275]
كتاب بعنوان The Jesus Mysteries، والذي روج لموضوعات مماثلة، حصل على لقب كتاب العام من قبل صحيفة Daily Telegraph بلندن في عام 1999. قال المؤلفان، تيموثي فريك وبيتر غاندي: “إن قصة يسوع والتعاليم التي يقدمها في العهد الجديد مذكورة مسبقًا في أساطير وتعاليم الديانات السرية الوثنية القديمة”.[276] وأضافا:
علّمت كل ديانة غامضة/سرية نسختها الخاصة من أسطورة الاله-الإنسان المائت والقائم من الموت، والذي كان معروفًا بأسماء مختلفة في أماكن مختلفة. في مصر، حيث بدأت الديانات السرية، كان أوزوريس. في اليونان أصبح ديونيسوس، في آسيا الصغرى، يُعرف باسم أتيس، في سوريا هو أدونيس، في بلاد فارس هو ميثرا، في الإسكندرية هو سيرابيس، على سبيل المثال لا الحصر.[277]
قال هيو ج. شونفيلد في كتابه Those Incredible Christiansهؤلاء المسيحيون المذهلون: “ظل المسيحيون مترابطين تحت الاحتيال يُناصرون بإخلاص أدونيس وأوزوريس وديونيسوس وميثرا”.[278] أكد الفيلسوف جون هـ. راندال أنه بفضل الرسول بولس، أصبحت المسيحية “نظامًا صوفيًا للخلاص، يشبه الى حد كبير عبادة إيزيس والديانات السرية أو الغامضة الأخرى في ذلك الوقت.”[279]
للوهلة الأولى، يبدو أن أوجه الشبه بين قصة يسوع وأساطير الآلهة القديمة مدهشة. على سبيل المثال، قال الكُتّاب أن الإله ميثرا في مرحلة ما قبل المسيحية ولد من عذراء في كهف في 25 ديسمبر، كان يُعتبر معلمًا جوالاً عظيمًا، وكان لديه اثنا عشر تلميذًا، ووعد أتباعه بالخلود، وضحى بنفسه من أجل السلام العالمي، ودُفن في قبر وقام مرة أخرى بعد ثلاثة أيام، وأسس القربان المقدس أو “العشاء الرباني”، وكان يعتبر هو اللوغوس والفادي والمسيا و “الطريق والحق والحياة”.[280] هل هذا يبدو مألوفاً؟
قال فريك وغاندي: “لا يمكن للتاريخ التقليدي للمسيحية أن يفسر بشكل مقنع سبب تشابه قصة يسوع مع الأساطير الوثنية القديمة”.[281] ومع ذلك، فإنهما يعتقدان أن لديهما الجواب. أعلنا أن “المسيحية كانت نتاج هرطوقي للوثنية!”[282]
قال هاربور: “ما من تعليم أو طقس أو عقيدة أو استخدام واحد في المسيحية كان في الواقع مساهمة جديدة للعالم”.[283] ومضى يقول:
الاختلاف الوحيد -وكان جذريًا تمامًا -بين قصة يسوع في العهد الجديد والعديد من الأساطير القديمة … هو أنه لا يوجد أحد من القدماء، قبل الحركة المسيحية الكاملة، اعتقد ولو للحظة أن أيًا من الأحداث في مسرحياتهم كان تاريخياً بأي شكل من الأشكال…. لكن في المسيحية، تحولت الأسطورة في النهاية الى حقيقة. حيث تم تأريخ يسوع…. حولت الكنيسة مجموعة كاملة من الأساطير أو الخرافات الرومانسية الى ما يسمى بالتاريخ، وهو تكاثر لـ “القصص الخيالية”. ما ظهر أنه كان من نواح كثيرة عبادة للجهل.[284]
إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة، فإن ما يسمى بـ “يسوع الحقيقي” ليس له قوة أكثر من “إله الشمس” الخيالي الذي عبدته القبائل البدائية منذ آلاف السنين. إذا كانت حياته وتعاليمه وقيامته مجرد أصداء لشخصيات أسطورية، فلن يكون هناك سبب وجيه لاتّباعِه أو عبادته أو الاعتماد عليه. يصبح عاجزًا مثل زيوس الخيالي، لا فائدة منه مثل ميثرا المنسي منذ زمن طويل.
لكن هل هذه التهم دقيقة؟ قررت التركيز في البداية على الادعاء بأن قيامة يسوع -الحدث المحوري الذي يقول المسيحيون أنه أكد الوهيته -كانت مسروقة أساسًا من قصص وثنية سابقة. ومن بين أولئك الذين يؤيدون هذه النظرية المحرر الديني في مجلة شكيSkeptic، تيم كالاهان. حيث قال: “التأثيرات المحتملة على اليهود والتي من الممكن أن تنتج الإيمان بالقيامة هي عدد لا يحصى من طقوس الخصوبة بين جميع شعوب العالم القديم”.[285]
كانت خطوتي الأولى هي إثارة هذه المسالة مع المؤرخ وخبير القيامة مايكل ليكونا، المؤلف المشارك في الكتاب الحائز على جائزة قضية قيامة يسوعThe Case for the Resurrection of Jesus وهو كان ذي النفوذ الذيسألته في وقت سابق عن التحديات التي تواجه قيامة يسوع من بين الأموات.
إنهتقريباًإجماععالمي!
سألت ليكونا، “لماذا، يجب أن تتمتع قصة قيامة يسوع بمصداقية أكبر من القصص الوثنية عن موت الآلهة وقيامتها -مثل أوزوريس، وأدونيس، وأتيس، ومردوخ -والتي من الواضح أنها أسطورية؟”
كان ليكونا على دراية جيدة بهذا الجدل. وأشار الى أنه “بادئ ذي بدء، من المهم أن نفهم أن هذه الادعاءات لا تنفي بأي شكل من الأشكال الأدلة التاريخية الجيدة التي لدينا لقيامة يسوع، والتي أوضحتها في مناقشتنا السابقة،” “لا يمكنك رفض القيامة الا إذا كنت تستطيع دحض جوهرها الراسخ من الأدلة الداعمة”.[286] وافقت على أن هذا كان تحذيرًا مهمًا يجب أخذه في الاعتبار -وهو تحذير ينساه واضعوا نظرية “الانتحال” بشكل دائم.
“ثانيًا، كتب تي إن دي ميتينجر T.N.D Mettinger -باحث سويدي كبير وأستاذ في جامعة Lundلوند وعضو في الأكاديمية الملكية للآداب والتاريخ والآثار في ستوكهولم -أحد أحدث المعالجات الأكاديمية للآلهة المائتة والقائمة من الموت في العصور القديمة. يعترف في كتابه لغز القيامةThe Riddle of Resurrection بأن الإجماع بين العلماء المعاصرين –شبه عالمي -وهو أنه لم تكن هناك الهة مائته وقائمة من الموت سبقت المسيحية. كلهم يعودون الى ما بعد القرن الأول”.
من الواضح أن هذا التاريخ بالغ الأهمية: لا يمكن للمسيحية أن تستعير فكرة القيامة إذا لم تكن الأساطير حول موت الآلهة وقيامتها منتشرة عندما ولدت المسيحية في القرن الأول الميلادي.
واستكمل ليكونا: “ثم قال ميتينجر إنه سوف يستثني تلك القناعة العلمية العالمية تقريبًا”. “إنه يتخذ موقف الأقلية بالتأكيد ويدعي أن هناك ما لا يقل عن ثلاثة وربما ما يصل الى خمسة آلهة مائته وقائمة من الموت سبقت المسيحية. لكن السؤال الرئيسي هو هذا: هل هناك أوجه تشابه فعلية بين هذه الأساطير وقيامة يسوع؟”
سألته: “ماذا استنتج ميتينجر؟”.
أكد ليكونا: “في النهاية، بعد تمشيط كل هذه الروايات وتحليلها بشكل نقدي، يضيف ميتينجر أن أيا من هذه لا يمكن أن تكون نظير لـ [قيامة] يسوع. ولا واحدة منهن“
“إنها تختلف كثيرًا عن تقارير قيامة يسوع من بين الأموات. لقد حدثت-الأساطير-في الماضي غير المحدد والبعيد وكانت مرتبطة عادةً بدورة الحياة والموت الموسمية للحياة النباتية. في المقابل، لا تتكرر قيامة يسوع، ولا ترتبط بالتغيرات في الفصول، وكان يُعتَقَد بصدق أنها حدث حقيقي من قبل أولئك الذين عاشوا في نفس جيل يسوع التاريخي. بالإضافة الى ذلك، خلص ميتينجر الى أنه ‘لا يوجد دليل على موت الآلهة وقيامتها باعتبارها ألم من أجل الخطايا'”.[287]
حصلت لاحقًا على كتاب ميتينجر للتحقق مرة أخرى من رواية ليكونا لأبحاثه. من المؤكد أن ميتينجر يختم دراسته بهذا البيان المذهل: “على حد علمي، لا يوجد دليل ظاهري على أن موت وقيامة يسوع هما بناء أسطوري، يعتمد على أساطير وطقوس الآلهة المائتة والقائمة من الموت في العالم المحيط.”[288]
باختصار، يعتبر تحليل هذا الباحث الرائد توبيخًا حادًا للمؤلفين من المستوى الشعبي والمدونين على الإنترنت الذين يدلون بادعاءات كبيرة حول الأصول الوثنية لعودة يسوع من بين الأموات. في النهاية، أكد ميتينجر، “إن موت وقيامة يسوع يحتفظان بطابعهما الفريد في تاريخ الأديان.”[289]
الرقصفيالسماء
كان تقييم ميتينجر بالغ الأهمية، لكنني أردت التعمق في الأساطير. فسالت: “هل أفهم بشكل صحيح أن هذه الأساطير القديمة كانت تستخدم لمحاولة شرح سبب موت الأشياء في الخريف وعودتها في الربيع؟”
أجاب ليكونا “نعم، أشياء من هذا القبيل”. “عندما كنت طفلاً، سألت أمي،” ما هو الرعد؟ “قالت،” إنها ملائكة ترقص في السماء. ” من الواضح أن هذه مجرد قصة. وبالمثل، في كنعان القديمة، كان الطفل يسال أمه، “لماذا يتوقف المطر في الصيف؟” وكانت والدته تحكي له قصة بعل.”
سألت: “هل هذه إحدى الأساطير التي يعتقد ميتينجر أنها سبقت المسيحية؟”.
“هذا صحيح. في إحدى القصص الأكثر شعبية، يعتبر بعل إله العاصفة في السماء. إنه مسؤول عن المطر وخصمه هو الإله Mot موت، الموجود في العالم السفلي. ذات يوم، يتراشق بعل وموت بالكلام. يقول موت، “هل تعتقد أنك قاسي للغاية يا بعل؟ أترك وراءك غيومك وصواعقك الصاعقة والرياح والمطر وتعال إلى هنا -سأريك من هو والدك”. إذن يترك بعل كل شيء وراءه ويذهب الى العالم السفلي -حيث يبتلعه موت. كيف لنا أن نعرف أنه ابتلعه حقاً؟ يتوقف المطر!
“في وقت لاحق، تنزل والدة بعل وتقول لـ موت، ‘دع ابني يذهب!’ فيقول موت، ‘لا!’ لذا تقوم بمهاجمته بوحشية حتى يقول أخيرًا، ‘حسنًا، الرحمة! اذهبي بعيداً وسأسمح له بالذهاب!’ تُغادر العالم السفلي، وبعد شهرين، يقول والد بعل، ‘ابننا على قيد الحياة.’ كيف يعرف ذلك؟ إنها تُمطر مجدداً!
“هذا مثل محاولة أمي شرح الرعد لي عندما كنت طفلاً. لقد تحدثوا عن هذا كل عام: مات بعل وعاد بعل. لم يره أحد من قبل. لم يكن هناك شهود عيان. من المفترض أنه حدث في الماضي الرمادي، البعيد، غير المؤرَّخ. لقد كانت حكاية لشرح سبب عدم هطول الأمطار في الصيف -ولا شيء أكثر من ذلك. الآن، هل هذا يبدو مثل قيامة يسوع؟ بالطبع لا! الأمر مختلف تمامًا. إن قيامة يسوع مدعومة ببيانات تاريخية قوية يمكن تفسيرها على أفضل وجه من خلال عودته من الموت”.
هذه مجرد خرافة لا أكثر، وقلت لنفسي. لا يزال هناك آخرون للنظر فيهم. فسألت: “ماذا عن الخرافات الأخرى التي يتم ذكرها بشكل شائع؟”.
”أتيس؟ هذه الأسطورة أقدم من المسيحية ولكن أول تقرير لدينا عن قيامة أتيس يأتي بعد وقت طويل من القرن الأول. بعد يسوع المسيح بأكثر من مائة عام. لا يوجد تفسير واضح في العصور القديمة حتى لموت مردوخ -وبالتالي فإن قيامته أقل وضوحًا. يقول بعض العلماء إن تموز هو رواية لإله مائت وقائم -ولكن هذا محل خلاف، والى جانب ذلك، إنه ليس نظيراً جيدًا لأنه لا توجد تقارير عن ظهورات أو قبر فارغ وهذه الأسطورة مرتبطة بتغيير الفصول”.
“ماذا عن أوزوريس؟”
قال مبتسماً: “أوزوريس ممتع”. “الرواية الأكثر شعبية تقول إن شقيق أوزوريس قتله، وقطعه الى أربع عشرة قطعة، ونشرهم في جميع أنحاء العالم. حسنًا، تشعر الإلهة إيزيس بالتعاطف مع أوزوريس، لذا فهي تبحث عن أجزاء جسده لتدفنه بشكل لائق. فتجد ثلاثة عشر منهم فقط، وتعيدهم معًا، وتدفن أوزوريس. لكنه لا يعود الى هذا العالم. لقد حصل على مكانة إله العالم السفلي -مكان كئيب ومظلم من شبه الوعي. كما يقول صديق لي، “هذه ليست قيامة، إنها التحول إلى زومبي!” هذا لا يوازي قيامة يسوع، التي لها دعم تاريخي قوي.”
لقد اكتشفت عيبًا واضحًا في منطق ليكونا: أحد أوائل المدافعين عن المسيحية، أو المدافعين عن الإيمان، كان يوستينوس الشهيد، الذي عاش من حوالي 100 الى 164 بعد الميلاد. في رسالة كتبها في حوالي 150م، ناقش العديد من أوجه التشابه بين المسيحية والآلهة القائمة من الموت الخاصة بـ الأديان الوثنية. أشرت الى هذا الى وسألت ليكونا، “أليس هذا دليلًا على أن المسيحيين أدركوا أن قيامة يسوع كانت مجرد شكل من أشكال الأساطير؟”
كان ليكونا على دراية بكتابات يوستينوس. “أولاً، علينا أن ننظر في سبب كتابة يوستينوس لهذا. كان الرومان يضطهدون المسيحيين بشدة، وكان يوستينوس يقول للإمبراطور، ‘انظر، أنت لا تضطهد الناس الذين يعبدون آلهة أخرى مشابهة للمعتقد المسيحي، فلماذا تضطهد المسيحيين؟’ في الأساس، يحاول استخدام بعض الحجج لنزع فتيل الهجمات الرومانية على الكنيسة.
“لكن انظر الى أوجه التشابه التي يقدمها. عليه أن يقوم بضغط -مثل محاولة خلق تشابهات من لا شيء -ليصنعها. يتحدث عن أبناء جوبيتر Jupiter: أصاب البرق إسكولابيوس Aesculapius وذهب الى السماء؛ ركب باخوس Bacchus وهرقل Hercules وآخرون إلى السماء على ظهر الحصان بيجاسوس Pegasus. يصف أريادني Ariadne وآخرين “تم الإعلان عن تعيينهم بين النجوم”. حتى أنه ذكر أنه عندما تم حرق جثة الإمبراطور أوغسطس، أقسم شخص ما في الحشد أنه رأى روحه تتصاعد من خلال النيران.
“هذه ليست قيامة! لا أعرف اليوم أي عالم يحظى باحترام كبير يقترح أن هذه الخرافات الغامضة تتوازى مع قيامة يسوع. نحن نسمع فقط هذا الادعاء من المجتمع شديد الشك على الإنترنت والكتب الشعبية التي يتم تسويقها للأشخاص الذين يفتقرون الى الخلفية لتحليل الحقائق بشكل نقدي”.
سرعان ما قللت إجابات ليكونا من العديد من الادعاءات التي سمعتها وقرأتها عن انتحال قيامة يسوع من العصور القديمة ومع ذلك، كان لا يزال لدي أسئلة حول التداعيات الأوسع لمزاعم “الانتحال/التقليد”. قررت أن أبحث عن باحث رائد في التاريخ القديم وهو أيضًا خبير في الميثرائية، وهي “ديانة غامضة” كانت ذات يوم منافسًا رئيسيًا للمسيحية -وبعض الاتهامات تقول أنها مصدر العديد من المعتقدات التي أخذها المسيحيون وطبقوها على يسوع.
كادت رحلتي الى أكسفورد الخلابة بولاية أوهايو أن تُلغى بسبب هطول الأمطار الشتوية. كانت الأنهار المحلية تنتفخ نحو مرحلة الفيضان. لكنني تمكنت من الوصول في إحدى الرحلات الأخيرة في اليوم. في صباح اليوم التالي، وباستخدام مظلة لحمايتي، طرقت باب بيت أخضر نظيف حيث يعيش إدوين ياموكي مع كيمي، زوجته البالغة من العمر 44 عامًا.
المقابلةرقم 5: إدوينم. ياموكي،دكتوراه.
حصل إدوين ياموكي على درجة الدكتوراه في دراسات البحر الأبيض المتوسط من جامعة برانديز Brandeis، وبعد أن درّس في جامعة ميامي في أوهايو لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا، أُطلِقَ على إدوين ياموكي لقب “الباحثالعلمي“.[290] وكما قال أحد الزملاء المعجبين به، فقد “حفر في علم الآثار، وعلَّم ببراعة، وقرأ بنهم، وبحث بدقة، ونشر إلى ما لا نهاية”.[291]
درس ياموكي اثنتين وعشرين لغة، بما في ذلك الأكادية، والآرامية، واليونانية، والعبرية، والصينية، والكومانشية، والقبطية، والمصرية، والمندائية، والسريانية، والأوجاريتية. حصل على ثماني زمالات من برانديز وروتجرز وأماكن أخرى؛ سلم ثمانية وثمانين ورقة عن الميثرائية، الغنوصية، وموضوعات أخرى في المجتمعات العلمية؛ نشر ما يقرب من مائتي مقالة ومراجعة في المجلات المتخصصة؛ حاضر في أكثر من مائة كلية وجامعة، بما في ذلك كورنيل، برينستون، تمبل، ييل، وجامعة شيكاغو؛ وشارك في الحملات الأثرية، بما في ذلك الحفريات الأولى للمعبد الهيرودي في القدس.
تتضمن كتب ياموكي السبعة عشر كتابًا مؤلفًا من 578 صفحة من الكتاب المقدس وبلاد فارس Persia and the Bible، والذي يتضمن النتائج التي توصل اليها عن الميثرائية، بالإضافة الى اليونان وبابل Greece and Babylon، الأخلاق الغنوصية والأصول المندائية Gnostic Ethics and Mandaean Origins،الأحجار والكتاب المقدس The Stones and the Scriptures، الغنوصية قبل المسيحية Pre-Christian Gnosticism، علم آثار العهد الجديد The Archaeology of the New Testament، عالم المسيحيين الأوائل The World of the First Christians، و أفريقيا والكتاب المقدس Africa and the Bible. في عام 1975 تمت دعوته لتقديم ورقة بحثية في المؤتمر الدولي الثاني للدراسات الميثرائية في طهران، وهو مؤتمر استضافته إمبراطورة إيران في ذلك الوقت.
وُلد ياموكي في عائلة بوذية يابانية ولكنه مسيحي منذ عام 1952، ويتمتع بسمعة طيبة في العالم الأكاديمي. وصفه أحد الكتب بأنه “عالم معروف باهتمامه الشديد وحكمه المتزن بالنصوص التاريخية”.[292] قال المؤرخ الحائز على جائزة Paul Maier بول ماير إن ياموكي يستخدم “المنطق البلوري والأدلة القوية والفعالة”، مضيفًا:
لا يمكن لأي شخص في العالم الأكاديمي اليوم أن يستبدل الإدراك ويضعه في مكان الكلام الذي يهدف إلى الإثارة، والإسراف الذي يتجاوز الأدلة، والتخمين بدلاً من البحث العلمي. مهما كانت الموضة التاريخية أو اللاهوتية التي قد تأتي – وهناك الكثير منهم! – فإن مقالة رائعة بقلم ياموكي قادرة على أن تقدم الدليل لدحض أي ادعاءات متضخمة ضد قضية الحقيقة.[293]
هذا هو بالضبط ما كنت أحتاجه لهذا الموضوع، حيث العديد من الأصوات المشكوك في مصداقيتها تقدم مثل هذه الادعاءات الخطيرة. ولهذا أجريت مقابلة معه في كتابي السابق، القضية المسيح The Case for Christ، حول الدليل لـ يسوع في المصادر القديمة خارج الكتاب المقدس.[294] في ذلك الوقت، وجدته متواضعًا، ولطيف الكلام، وشاملًا، وذو مصداقية عالية. لم يكن ثرثارًا مثل بعض العلماء الذين استجوبتهم، لكن تصريحاته تميل الى أن تكون ثقيلة بالمعنى.
استقبلني هو وكيمي عند الباب قبل أن تغادر للقيام ببعض الأعمال التطوعية في المجتمع. على الرغم من تقاعده مؤخرًا من جامعة ميامي، الا أن ياموكي يواصل تدريس بعض دورات التاريخ هناك. الآن على أعتاب السبعين من عمره، كان العالم الذي يرتدي نظارة رشيقًا ومنتبهاً، وشعره مظلل بالفضة.
قادني الى قبو منزله، الذي كان معظمه مليئًا برفوف الكتب، وجلسنا على طاولة صغيرة رأيت عليها أكوامًا من الأوراق. عرفت على الفور ما كانوا. كنت قد سمحت لياموكي بمعرفة الموضوعات التي أردت تغطيتها مسبقًا، لأنني كنت على دراية بميله لدعم آرائه بمقالات علمية من قبل خبراء آخرين. استطعت أن أرى أنه كان جاهزًا من أجلي.
الأديانالغامضة/السرية
“ربما يمكنك أن تبدأ بإعطائي بعض المعلومات الأساسية عن الأديان الغامضة،” بدأت بينما كنا نتقدم للجلوس على الكراسي الموضوعة على الجوانب المجاورة للطاولة. “متى كانت مشهورة؟ ما هي السمات المشتركة بينها؟”
أجاب، وهو يرتشف فنجان قهوة: “كانت ما يسمى بـ “الديانات الغامضة” مجموعة متنوعة من الحركات الدينية من شرق البحر الأبيض المتوسط التي ازدهرت في بدايات الإمبراطورية الرومانية”. لقد قدموا الخلاص في مجتمع متماسك. كان يُطلَق عليهم الديانات الغامضة لأن أولئك الذين بدأوا فيها أقسموا على السرية. كانت لديهم طقوس مقدسة، وغالبًا ما تكون وجبة مشتركة، وملاذًا خاصًا”.[295]
سألته: “وماذا كان أقدمهم؟”.
أجاب: “إنها العبادة الالوسينية Eleusinian لـ ديميتر Demeter، والتي تم تأسيسها بالفعل في العصر القديم لليونان، والذي سيكون من 800 الى 500 قبل الميلاد. أحدثها، والأكثر شهرة بالتأكيد في أواخر الإمبراطورية الرومانية، كانت أسرار ميثرا، الذي بدأ كإله فارسي. كانت هناك أيضًا أسرار سيبيل Cybele وأتيس، والتي اقتصرت على غير الرومان حتى منتصف القرن الأول أو أواخره”.
سألت، وأنا أُعيد التفكير في تعليقات ليكونا: “هل كانت بعض هذه الأديان مرتبطة بدورة الحياة النباتية؟”.
وأكَّدَ “أوه، نعم، كثير منهم كانوا كذلك”.
في محاولة لتضييق الموضوع قليلاً، سألت، “من الذي أشاع فكرة أن قيامة يسوع مشتقة من عبادة آلهة الخصوبة المائتة والقائمة من الموت؟”
“في العالم الأكاديمي، تم الترويج لهذه المقارنات من قبل مجموعة من العلماء تسمى مدرسة Religionsgeschichtliche،” نطق بـ الألمانية وكان يتدحرج لسانه. “هذا ما يسمى بمدرسة تاريخ الأديان، والتي ازدهرت في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. نُشر العمل الأساسي لريتشارد ريتزنشتاين باللغة الألمانية عام 1910 ولكن لم يُترجم إلى الإنجليزية حتى عام 1978.[296] كان يعتقد أن تضحية المسيح تتماشى مع قتل ثور على يد ميثرا.
انتقد كارستن كولبي Carsten Colpe وآخرون بشدة استخدام هؤلاء العلماء للمصادر التي عفا عليها الزمن.
وتابع ياموكي: “على المستوى الشعبي، جمع السير جيمس فريزر قدرًا كبيرًا من المتوازيات في عمله متعدد الأجزاء المسمى The Golden Bough، والذي نُشر في عام 1906. “ناقش أوزوريس من مصر، وأدونيس من سوريا، وأتيس من آسيا الصغرى، وتموز من بلاد ما بين النهرين، وخلص الى أن هناك إله خصوبة مشترك يموت ويقوم من الموت. لسوء الحظ، كان الكثير من عمله مبنيًا على قراءة خاطئة للأدلة، ولكن مع ذلك ساعد هذا في تقديم هذه الأفكار للثقافة الشعبية. في وقت لاحق، في ثلاثينيات القرن الماضي، ادعى ثلاثة علماء فرنسيين مؤثرين أن المسيحية تأثرت بالديانات الغامضة الهلنستية”.
التقط ياموكي نسخة من مقال كتبه ومسحه ضوئيًا للحصول على اقتباس. قال “أحد هؤلاء العلماء،” وأضاف: “قال بأن المسيح كان ‘إله مُنقِذ، على طريقة أوزوريس، أتيس، ميثرا…. مثل أدونيس وأوزوريس وأتيس، مات موتًا عنيفًا، ومثلهم عاد الى الحياة'”.[297]
ألقيت نظرة خاطفة على ملاحظاتي. “قال ألبرت شفايتسر إن الكُتّاب المشهورين ارتكبوا خطأ أخذ أجزاء مختلفة من المعلومات وصنعوا ‘نوعًا من الدين الغامض العالمي الذي لم يكن موجودًا في الواقع، على الأقل في زمن بولس'”.[298] هل توافق؟”
أجاب: “نعم، كان هناك رأي واسع الانتشار بأن هناك دين سرّي عام ومشترك، ولكن عند فحص المصادر عن كثب، لم يعد أحد يعتقد ذلك بعد الآن”. “كانت تلك معتقدات مختلفة تمامًا. في الواقع، بحلول منتصف القرن العشرين، أثبت العلماء أن المصادر المستخدمة في هذه الكتابات كانت بعيدة عن أن تكون مرضية وأن أوجه التشابه كانت سطحية للغاية. لقد كانت الى حد كبير قضية مغلقة في المجتمع الأكاديمي، ولكن يبدو أنها أعيد إحياؤها في السنوات الأخيرة بين الكتاب على المستوى الشعبي -نوعًا ما مثل فرانكشتاين.”
ذكّرتني تعليقات ياموكي بكلمات الباحث الراحل رونالد إتش ناش Ronald H. Nash، الأستاذ الذي يحظى باحترام كبير وحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة سيراكيوز ومؤلف أكثر من ثلاثين كتابًا، والذي قال في كتاب The Gospel and the Greeks الإنجيل واليونانيين:
خلال فترة زمنية تمتد تقريبًا من عام 1890 الى عام 1940، غالبًا ما زعم العلماء أن المسيحية البدائية قد تأثرت بشدة بالأفلاطونية أو الرواقية أو الديانات الوثنية الغامضة أو غيرها من الحركات في العالم الهلنستي.[299] الى حد كبير، كنتيجة لسلسلة من الكتب والمقالات العلمية التي كُتبت كدحض لهذه الأفكار، بدأت المزاعم المتعلقة باعتماد المسيحية المبكرة على بيئتها الهلنستية في الظهور بشكل أقل تكرارًا في منشورات علماء الكتاب المقدس والعلماء الكلاسيكيين. يعتبر معظم علماء الكتاب المقدس اليوم أن هذه المسالة ميتة.[300]
ذهب ناش في رثاء إحياء هذه النظريات التي فقدت مصداقيتها. قال إن عددًا قليلاً من الكتب المدرسية الحالية، بالإضافة إلى المزيد من المنشورات الشعبية، الذين كانوا “يكررون الادعاءات والحجج التي كان من المفترض وضعها جانباً منذ عقود”، وينشرون “الحجج المنحازة والمضللة”، ويتجاهلون “الرأي العلمي الثقل” الذي تم نشره بالفعل لدحض تأكيداتهم.[301] أصر على أن “الجهود المبذولة لإضعاف تفرد الوحي المسيحي عبر الادعاءات القائلة بـ التأثير الوثني للأديان الغامضة [على المسيحية] تنهار بسرعة بمجرد توفر سرد كامل للمعلومات”.[302]
كان هذا بالضبط ما كنت عازمًا على التحقيق فيه عندما حولت مقابلتي مع ياموكي الى قضايا تتعلق بالدين الغامض الأكثر شيوعًا: الميثرائية.
المسيحيةوالميثرائية
للتأكد من أننا كنا على نفس المنوال، طلبت من ياموكي تقديم نظرة عامة عن المعتقدات الميثرائية. تناول شرابًا من القهوة قبل أن يبدأ في الرد.
قال “الميثرائية كانت ديانة رومانية غامضة متأخرة كانت شائعة بين الجنود والتجار وأصبحت منافسًا رئيسيًا للمسيحية في القرن الثاني وما بعده”. “كان المبادرون جميعًا من الرجال، على الرغم من أن أحد طلابي، جوناثان ديفيد، نشر مؤخرًا بحثًا يجادل في احتمال مشاركة بعض النساء.[303] التقى المشاركون في هيكل يشبه الكهف يسمى ميثرايوم mithraeum، والذي كان يحوي -كنوع من أنواع العبادة -تمثالاً لميثرا يطعن ثورًا بالسكين، ما يسمى بـ تاوروكتوني tauroctony”.
“ما مقدار المعلومات الموجودة حول الميثرائية؟”
“هناك نصوص قليلة نسبيًا من الميثرائيين أنفسهم. لدينا بعض الكتابات والنقوش، وكذلك أوصاف الدين من معارضيه، بما في ذلك الأفلاطونيون الجدد والمسيحيون. استند الكثير مما تم تداوله عن الميثرائية على نظريات عالم بلجيكي يُدعى Franz Cumont فرانز كومون. كان الباحث الرائد في الميثرائية في عصره، ونشر عمله الشهير، ألغاز ميثرا Mysteries of Mithras، في عام 1903. أدى عمله الى تخمينات من قبل مدرسة تاريخ الأديان بأن الميثرائية قد أثرت على المسيحية الناشئة. ومع ذلك، فقد تبين أن الكثير مما اقترحه كومون لا أساس له من الصحة. في سبعينيات القرن الماضي، جاء العلماء في المؤتمر الأسطوري الثاني في طهران لانتقاد كومون.”
أخرج ياموكي صورة كبيرة من الأوراق الموجودة على المكتب، تظهر حشدًا من العلماء في المؤتمر مع إمبراطورة إيران على الدرجات الأمامية لمبنى فخم. قمت بمسح الوجوه وسرعان ما التقطت ياموكي في الصف الأول.
“أنتج المؤتمر مجلدين من الأوراق. خلص عالم يُدعى ريتشارد جوردون من إنجلترا وآخرون الى أن نظرية كومون لم تكن مدعومة بالأدلة، وفي الواقع، تم تحليل تفسيرات كومون الآن ورفضها في جميع النقاط الرئيسية.[304] على عكس ما اعتقده كومون، على الرغم من أن ميثرا كان إلهًا فارسيًا تم توثيقه في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ليس لدينا تقريبًا أي دليل على الميثرائية بمعنى الديانة الغامضة في الغرب حتى وقت متأخر جدًا -بعد فوات الأوان للتأثير على بدايات المسيحية.”
كان هذا تقييمًا مهمًا للغاية ويبدو أنه يستبعد نظرية “الانتحال/التقليد”. طلبًا لمزيد من الإيضاح، سألت ياموكي عن تفاصيل تتعلق بوقت إدخال الألغاز الميثرائية في الغرب. تناول رشفة أخرى من القهوة ثم أجاب.
“كان أول اعتراف علني بميثرا في روما هو الزيارة الرسمية التي قام بها تيريدات، ملك أرمينيا، في عام 66 بعد الميلاد. ويقال إنه خاطب نيرون بالقول، ‘وقد أتيت إليك، يا إلهي، لأعبدك كما أعبد ميثرا.’ هناك أيضًا إشارة سابقة إلى بعض القراصنة في كيليكيا الذين كانوا يعبدون ميثرا”، ولكن، كما أشار، ” ليست هذه هي نفسها الميثرائية كدين غامض.”
استقر في مقعده وتابع. “الميثرائية كدين غامض لا يمكن توثيقها قبل حوالي 90 بعد الميلاد، وهو الوقت الذي نرى فيه فكرة ميثرائية في قصيدة لـ ستاتيوس Statius. لم يتم العثور على ميثرايا/ميثرايوم [أو معابد ميثرائية] في بومبي، التي دمرت بسبب ثوران بركان فيزوف Vesuvius عام 79 م. أقدم نقش ميثرائي في الغرب هو تمثال لمُحافظ تحت حكم الإمبراطور تراجان في عام 101 بعد الميلاد. وهو الآن في المتحف البريطاني.”
“يعود تاريخ أقدم معبد ميثرائي إلى أوائل القرن الثاني. هناك عدد قليل من النقوش التي تعود إلى أوائل القرن الثاني، لكن الغالبية العظمى من النصوص مؤرخة بعد عام 140 بعد الميلاد. يأتي معظم ما لدينا كدليل على الميثرائية في القرن الثاني والثالث والرابع بعد الميلاد. هذا بشكل أساسي هو الخطأ في النظريات حول تأثير الميثرائية على بدايات المسيحية.”
لاحظت أن “التوقيت غير صحيح”.
قال، “هذا صحيح”، التقط نسخة من كتابه الضخم بلاد فارس والكتاب المقدس وتصفحه حتى وجد إشارة إلى جوردون، الزميل الأكبر في جامعة إيست أنجليا East Anglia الذي نشر على نطاق واسع في التاريخ وعلم الآثار. قال ياموكي: “يؤرخ جوردون تأسيس أسرار ميثرا الى عهد هادريان، الذي كان من 117 إلى 138 بعد الميلاد، أو أنطونينوس بيوس، الذي كان من 138 إلى 161”. “على وجه التحديد، قال جوردون، ‘لذلك من المنطقي القول بأن الميثرائية الغربية لم تكن موجودة حتى منتصف القرن الثاني، على الأقل بالمعنى المتقدم.'”[305]
ثم التقط نسخة من مقال من مجلة علمية تسمى ميثرا Mithras، نشرتها جمعية الدراسات الميثرائية في أعقاب الاجتماع السري للعلماء الإيرانيين عام 1974. قرأ كلمات إي جيه يارنولد من جامعة أكسفورد: “لقد تلاشى الآن الحماس الذي استخدمه المؤرخون للكشف عن الاستعارات المسيحية بالجملة من الألغاز الميثرائية وغيرها من الديانات الغامضة.”[306]
نظر ياموكي إليّ. وقال: “كما خَلُصَ رونالد ناش والعديد من العلماء الآخرين، فإن التأريخ يدحض أن المسيحية استعارت تعاليمها من الميثرائية”. في الواقع، ناش يؤكِّد: “لقد حدث ازدهار الميثرائية بعد إغلاق قانون العهد الجديد، بعد فوات الأوان بحيث لم تؤثر على تطور المسيحية في القرن الأول”.[307]
لقد حملني ياموكي نسخًا من المقالات الأكاديمية والكتب التي كتبها علماء مرموقون يدعمون هذا الادعاء. قال مانفريد كلاوس، أستاذ التاريخ القديم في الجامعة الحرة في برلين، في كتابه عبادة ميثرا الرومانية The Roman Cult of Mithras إنه لا معنى لتفسير الالغاز الميثرائية “على أنها تسبق المسيحية”.[308] في كتابه المسيحية والميثرائية Mithraism and Christianity، الذي نشرته مطبعة جامعة كامبريدج، خَلُصَ إل باترسون إلى أنه “لا يوجد اتصال مباشر بين الديانتين سواء في الأصل أو في التطور.”[309]
جاري ليز، أستاذ الدراسات الدينية بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز Santa Cruz والسكرتير التنفيذي لرابطة أمريكا الشمالية لدراسة الدين لفترة طويلة، أشار في مقال أكاديمي أن علماء بارزين مثل أدولف فون هارناك Adolf von Harnack، وآرثر داربي نوك Arthur Darby Nock، وسي جي إف براندون S. G. F. Brandon، وويليام أر هاليداي William R. Halliday، وإرنست بنز Ernst Benz “لم يروا سوى القليل من الأدلة لدعم مزاعم مثل هذا التأثير والاقتراض المتبادل” بين الميثرائية والمسيحية.[310]
أضاف ليز، الذي حصل على درجة الدكتوراه من جامعة ميونيخ ثم شغل كرسي رومانو جوارديني Romano Guardini الشهير لنظرية الثقافة والدين:
بعد ما يقرب من 100 عام من العمل المتواصل، يبدو أنه لا مفر من الاستنتاج بأن لا الميثرائية ولا المسيحية أُثبِتَ أنهما كان لهما تأثير واضح ومباشر كل منهما على الآخر في تطور وزوال أو بقاء أي من الديانتين. يتم تفسير معتقداتهما وممارساتهما جيدًا من خلال أصولهما الأكثر وضوحًا وليس هناك حاجة لشرح أحدهما من خلال الآخر.[311]
كان وزن الأدلة ثقيلًا: فالادعاء بأن المسيحية استعارت أفكارها المركزية من الميثرائية قد هُدِمَ تمامًا من خلال الفحص الدقيق للتواريخ التي فيها ترسخت جذور الميثرائية في الغرب. ولكن ماذا عن أوجه التشابه العديدة بين الميثرائية والمسيحية التي وصفها الكُتّاب المشهورون، بمن فيهم الروائي دان براون، بأنها دليل على انتحال المسيحية؟ كنت متشوقًا لمعرفة كيف سيتعامل ياموكي مع تلك التُهم المحددة.
ميثرامقابليسوع
لقد سحبت قائمة بـ أوجه التشابه بين يسوع وميثرا. قلت: “أولاً، يدعي الكتاب المشهورون أن ميثرا وُلِدَ من عذراء”. “هل صحيح أن هذا كان ما علّمته الميثرائية؟”
بدا ياموكي متضايقاً. وأصر “لا، هذا بالتأكيد ليس صحيحًا”. “لقد وُلِدَ من صخرة.”
“صخرة؟”
“نعم، يتم تصوير الميلاد الصخري بشكل شائع في نقوش ميثرائية،” أوضح أنه “يظهر ميثرا كامل النمو وعاريًا باستثناء قبعة فريجية -إقليم قديم في الوسط الغربي من الأناضول -، وهو يحمل خنجرًا وشعلة. في بعض الاختلافات، تنطلق ألسنة اللهب من الصخرة، أو أنه يحمل كرة في يده”.
ضحكت في نفسي ثم قلت: “لذا ما لم تُعتبر الصخرة عذراء، فإن هذا التشابه مع يسوع يتبخر.”
قال: “صحيح تماما”.
“وهذا يعني أنه لم يولد في كهف، وهو ما يزعم بعض الكتاب أنه موازٍ ثانٍ للمسيحية.”
“حسنًا، صحيح أن هناك معابد ميثرائية صممت لتبدو وكأنها كهوف”. قال ياموكي: “يناقش جاري ليز ذلك في فصله عن الميثرائية والمسيحية.”
لقد فحصت لاحقًا عمل ليز. إنه يقدم ملاحظة مهمة مفادها أنه لا يوجد مكان في العهد الجديد يوصف فيه يسوع بأنه وُلِد في كهف. وردت هذه الفكرة لأول مرة في رسالة برنابا في بداية القرن الثاني.
قال يوستينوس الشهيد في القرن الثاني أن كهف ميثرا كان محاكاة شيطانية للتقليد القائل بأن يسوع ولد في كهف. أشار ليز، مع ذلك، الى أن الباحث إرنست بنز “أظهر بشكل قاطع أن هذا التقليد المسيحي لا يأتي من الاعتماد على الميثرائية، بل من تقليد قديم في فلسطين نفسها من الأضرحة المقدسة في الكهوف”. يخلص ليز إلى أنه: “ليس هناك شك في أن التقليد المسيحي لا ينبع من الرواية الميثرائية.”[312]
بالعودة الى قائمتي، قلت لياموكي: “التشابه الثالث المفترض مع يسوع هو أن ميثرا ولد في 25 ديسمبر.”
أجاب: “مرة أخرى، هذا ليس تشابهاً”.
“لما لا؟”
قال: “لأننا لا نعرف تاريخ ميلاد يسوع”. “كان أول تاريخ يحتفل به المسيحيون هو 6 يناير -في الواقع، ما زال يحتفل به العديد من الكنائس في الشرق. بالطبع، 25 ديسمبر قريب جدًا من الانقلاب الشتوي. كان هذا هو التاريخ الذي اختاره الإمبراطور أوريليان لتكريس معبده الى سول إنفيكتوس Sol Invictus، الإله المسمى “الشمس غير القابلة للقهر”. ارتبط ميثرا ارتباطًا وثيقًا بسول إنفيكتوس؛ في بعض الأحيان يتم تصويرهما وهما يتصافحان. يبدو أن هذه هي الطريقة التي ارتبط بها ميثرا مع 25 ديسمبر.”
“متى أصبح ذلك التاريخ هو عيد الميلاد بالنسبة للمسيحيين؟”
“يبدو أن ذلك حدث في عام 336، أي قبل عام من وفاة قسطنطين، أول إمبراطور روماني اعتنق المسيحية. نحن نعلم أنه قبل تحوله، كان يعبد سول إنفيكتوس. نحن نعلم على وجه اليقين أن قسطنطين جعل الأحد، أو يوم الرب، عطلة رسمية، على الرغم من أن المسيحيين كانوا يحتفلون به بالفعل باعتباره اليوم الذي قام يسوع فيه. لذلك من الممكن تصور أن قسطنطين قد خصص 25 ديسمبر لعيد ميلاد المسيح. نحن نعلم أن الأباطرة والباباوات المسيحيين اقترحوا أنه بدلاً من مجرد منع الاحتفالات الوثنية، فإنهم يلائمونها للمسيحية”.[313]
“ماذا عن التشابه الرابع بأن ميثرا كان متجولاً عظيمًا أو سيدًا مع اثني عشر تلميذًا؟”
أجاب ياموكي: “لا، لقد كان إلهاً وليس معلماً”، وبدا نفاد صبره قليلاً.
“التشابه الخامس هو أن أتباعه وُعِدوا بالخلود.”
قال: “حسنًا، يمكن استنتاج ذلك، لكن بالتأكيد كان هذا هو أمل معظم أتباع أي دين”. “لذا فهذا ليس مفاجئًا.”
“ماذا عن الادعاء السادس، الذي يقول إن ميثرا ضحى بنفسه من أجل السلام العالمي؟”
تنهد ياموكي. “هذه مجرد إسقاطات للاهوت المسيحي لما هو غير موجود هنا. لم يضحِّ بنفسه -لقد قتل ثورًا”.
قلت: “التشابه السابع -والأكثر أهمية -هو أن ميثرا دُفن في قبر وقام بعد ثلاثة أيام”. “هل هناك أي حقيقة في ذلك؟”
قال ياموكي بحزم: “نحن لا نعرف شيئًا عن موت ميثراس”. “لدينا الكثير من الآثار، لكن ليس لدينا أي دليل نصي تقريبًا، لأن هذا كان دينًا سريًا. لكني لا أعرف أي إشارات إلى موت وقيامة مفترضة”. في الواقع، أعلن ريتشارد جوردون في كتابه الصورة والقيمة في العالم اليوناني الروماني Image and Value in the Greco-Roman World أنه “لا يوجد موت لميثرا” -وبالتالي، لا يمكن أن تكون هناك قيامة.[314]
واصلت، رغم أنه كان لدي شعور بأنني أستطيع أن أخمن ردوده. “ثمانية، ميثرا كان يعتبر الراعي الصالح، الطريق، الحق، والحياة، اللوغوس، الفادي، المخلص.”
“لا، مرة أخرى هذا مجرد إسقاطات للاهوت المسيحي في هذا الأمر.”
“تاسعاً، كانت هناك وجبة سرّية في الميثرائية تتوازى مع العشاء الرباني.”
أجاب: “توجد وجبات مشتركة في جميع الطوائف الدينية تقريبًا”. “الجدير بالملاحظة أن المدافعين المسيحيين يوستينوس الشهيد وترتليان يشيران الى أوجه التشابه مع العشاء الرباني، لكنهم كتبوا في القرن الثاني، بعد وقت طويل من تأسيس المسيحية للعشاء الرباني. زعما أن الوجبة الميثرائية كانت محاكاة شيطانية. من الواضح أن الوجبة المسيحية كانت مبنية على عيد الفصح، وليس على دين غامض.”
أحالني ياموكي الى كتاب كلاوس The Roman Cult of Mithras عبادة ميثرا الرومانية. وقال: “هذه الوجبة الأرضية هي إعادة إنتاج طقوس للاحتفال بانتصاره [على الثور] الذي قام به ميثرا مع إله الشمس قبل صعودهما المشترك في عربة الشمس”.[315] “ربما كانت الوجبة الطقسية مجرد مكون من وجبات الطعام العادية. لطالما كانت مثل هذه الوجبات جزءًا أساسيًا من التجمع الديني؛ الأكل والشرب معًا يخلقان مجتمعًا ويظهر حقيقة أن أولئك الذين يشاركون هم أعضاء في نفس المجموعة.”[316]
قال يارنولد من جامعة أكسفورد إن وصف كومون المنهجي لطقوس الوجبة المقدسة الميثرائية في المصطلحات المسيحية -لا سيما في إشارة الى الوجبة الميثرائية على أنها شركة -” يُنظر اليه الآن على أنه مضلل، ناهيك عن أنه مؤذ”.[317]
يوافق ليز على عدم وجود علاقة بين الاحتفالات المسيحية والميثرائية. “لا شيء في أي من المصادر التي لدينا يؤدي إلى نظرية قابلة للتطبيق مفادها أن أصل الوجبة المسيحية موجود في الميثرائية، ولا يمكن للمرء أن يشتق الوجبة الميثرائية من المسيحية.”[318]
وأشار الى أن القربان المسيحي “يتركز في التقليد اليهودي لعيد الفصح والتذكر التاريخي على وجه التحديد لأعمال يسوع الأخيرة”، في حين أن العيد الميثرائي “ترجع أصوله الى احتفالات مزدانية زرادشتية [أي، الفارسية].”[319] وختم قائلاً: “ببساطة ليست هناك حاجة لربط هذين الحدثين معًا من حيث الاشتقاق أو التأثير المباشر”.[320]
ألقيت بقائمة التشابهات التي فقدت مصداقيتها الآن على الطاولة. بشكل مثير للدهشة، على الرغم من وجود العديد من الكتاب الذين حاولوا تشويه سمعة المسيحية بمثل هذه الاتهامات بالسرقة الأدبية، إلا أن المزاعم تبخرت فقط تحت التدقيق. ومع ذلك، بقيت قضية واحدة ذات صلة: ما إذا كانت الطقوس الميثرائية الدموية هي مصدر تعليم الرسول بولس عن الفداء من خلال دم يسوع.
دمالثيران
اقتداءاً بقيادة ريتزنشتاين، اعتقد اللاهوتي الفرنسي الفريد لويزي، المتوفى عام 1940، أن إحدى الطقوس الميثرائية المسماة توروبوليوم taurobolium كانت أساس الاعتقاد المسيحي بأن الناس يخلُصونَ “من خلال دم” يسوع. لقد ربط هذه الطقوس تحديدًا بتصوير بولس في رومية 6، حيث يتحدث الرسول عن ” كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ المَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ”.[321]
لتعزيز أطروحته، قدم لويس دليلًا على نقش توروبوليكي يُقال فيه aeternum renatus -أو “يولد من جديد الى الأبد” -والذي قال إنه يوازي المفهوم المسيحي للولادة الروحية من جديد.[322]
طلبت من ياموكي أن يصف التوروبوليوم، الذي كتب عنه في كتابه بلاد فارس والكتاب المقدس.
قال: “هذه الطقوس كانت تمارس من قبل الميثرائيين فقط في حالات استثنائية. كانت مرتبطًة بشكل كامل تقريبًا بعبادة أتيس، التي كانت ديانة غامضة أخرى.” “في شكلها المتطور، يتم وضع المبتدئ في حفرة ويُذبَح ثور بشكل مزعج فوقه، ليغمره دم الثور.”
توقف مؤقتًا قبل إضافة القليل من التهويل: “لقد كانت طقوسًا حية للغاية”.
هذا، بالطبع، بدا غريبًا تمامًا عن ممارسات نظام الذبائح اليهودية وإشارتها لموت يسوع باعتباره “حمل الله الذي يرفع خطية العالم”.[323]
تابع ياموكي. “مرة أخرى، تأريخ ممارسات مثل هذه هو نقطة ضعف لهذه الدراسات المقارنة -فهي لا تولي اهتماما لتواريخ المصادر وقد تم استخدامها بشكل عفا عليه الزمن.”
سألت: “متى تم إنشاء التوروبوليوم؟”.
قال “تم الإبلاغ عن هذه الطقوس في القرن الثاني بعد الميلاد”، مشيرًا الى اقتباس من الباحث السويسري جونتر فاجنر في مقال كتبه ياموكي:
تم توثيق التوروبوليوم لعبادة أتيس لأول مرة في زمن أنطونينوس بيوس أو 160 م. بقدر ما يمكننا أن نرى في الوقت الحاضر، فقد أصبح تكريسًا شخصيًا فقط في بداية القرن الثالث الميلادي. لا تظهر فكرة الولادة الجديدة من خلال أداة التوروبوليوم الا في حالات منعزلة قرب نهاية القرن الرابع الميلادي.[324]
وشدد ياموكي على أنه “لا توجد طريقة يمكن أن تؤثر بها هذه الطقوس على لاهوت المسيحية حول الفداء”.
سألت: “ماذا عن النقش الذي يذكر أنه ‘يولد من جديد الى الأبد’؟”.
قال بابتسامة صغيرة: “آه، هذه قصة مثيرة للاهتمام”. “اتضح أن نقش ريناتوس renatus يرجع تاريخه الى عام 375 بعد الميلاد. هناك نقش آخر من نفس الفترة الزمنية تقريبًا يقول إن هذه الطقوس كانت فعالة لمدة عشرين عامًا فقط. اقترح بروس ميتزجر من برينستون أن هذا قد يكون مثالاً على تأثير المسيحية على الميثرائية. أي أن المسيحية وعدت أتباعها بالحياة الأبدية، وبالتالي ربما استجابةً لفعالية حمام الدم أثيرت في العبادة الميثرائية من عشرين عامًا الى الأبد”.[325]
واحدًا تلو الآخر، الادعاءات المُبالِغة أن المسيحية نسخت نفسها من الميثرائية ترجع خائبة نتيجة الدراسات القوية بشكل مقنع. لقد كان مذهلاً بالنسبة لي أن الكتاب يستطيعون بشكل غير مسؤول -أو بشكل خبيث -تقديم مزاعم حول أوجه التشابه التي هي ببساطة غير دقيقة.
سألت ياموكي: “هل ترى أي دليل على أن المسيحية استعارت أيا من معتقداتها من الميثرائية؟”.
قال: “ليس حقًا”. لقد كانا متنافسين في القرن الثاني وما بعده. في بعض الأحيان كان هناك معبد ميثرائي يقع بجوار معبد مسيحي في روما. عندما أصبحت المسيحية الدين الرسمي، دمر المسيحيون أحيانًا الميثرايوم/المعابد الميثرائية “.
“في كتابه أسرار ميثرا The Mysteries of Mithras، يقتبس بايام نابراز Payam Nabarz من مؤرخًا يُعرِّفه باسم جوزيف رينان Joseph Renan قوله، “إذا تم تقييد المسيحية في نموها بسبب بعض العوائق، لكان العالم قد أصبح ميثرائياً،” قلت: “هل تعتقد أن هذا صحيح؟”
هز ياموكي رأسه. “أولا وقبل كل شيء، اسمه خاطئ. إنه إرنست رينان Ernest Renan، وهو عالم فرنسي مُعادٍ للكاثوليكية كتب عملاً مثيرًا بعنوان Vie de Jesus، أو Life of Jesus حياة يسوع، في عام 1863 -وهو أحد الأعمال التي انتقدها ألبرت شفايتسر في نقده الشهير لسير يسوع التي الفها علماء ليبراليين”.
قدم ياموكي خلفية إضافية أدت الى مزيد من التشويه لمصداقية رينان، مشيرًا الى تعليقات ستيفن نيل وتوم رايت في كتاب نشرته مطبعة جامعة أكسفورد: “رينان يخلط بين البلاغة والعمق …. يدعي أنه يعمل كمؤرخ، فهو لا يتابع بالجدية المطلوبة المشاكل التاريخية لحياة يسوع”.[326]
وتابع ياموكي: “لا داعي للقول”، “إن عمل رينان، الذي نُشر منذ ما يقرب من 150 عامًا، ليس له قيمة كمصدر. كان يعرف القليل جدًا عن الميثرائية، وإلى جانب ذلك، نعرف الكثير عنها اليوم. ومع ذلك، يشيع استخدام هذا الاقتباس من قبل الأشخاص الذين لا يفهمون السياق. إنه ببساطة عفا عليه الزمن”.
راجعت ملاحظاتي للحصول على اقتباس آخر قرأته. “يدعي نابراز في كتابه أن: ‘استيعاب الميثرائية من قبل منافستها المسيحية أدى الى التراجع المبكر وفقدان المعنى الحقيقي في كلا الديانتين. لقد تضاءلت الرسالة المُحبة للسلام للمسيحية، كما علمها المسيح، واستُبدلت بعقلية المحارب من الميثرائية’ “.
لم يكن ياموكي يشتريها. “نابراز هو درويش وكاهن ممارس وعضو في جمعية الفجر الذهبي الغامض وأحد نشطاء معبد ميثرا. على الرغم من أنه حاصل على درجة الدكتوراه من أكسفورد، لكنها في العلوم. قال ياموكي: “إنه يفتقر الى المصداقية كمؤرخ للمسيحية”.
“لا يوجد دليل على تأثير الميثرائية على المسيحية في القرن الأول. بعيدًا عن استيعاب الميثرائية، استنكر آباء الكنيسة -من يوستينوس الشهيد الى ترتليان -الميثرائية باعتبارها محاكاة شيطانية. اقترح بعض العلماء أن المسيحية ربما استعارت بوعي أو بغير وعي ممارسات ثانوية في وقت لاحق، وهو ما قد يكون صحيحًا. ومع ذلك، فإن هذا ليس له أي تأثير على المعتقدات الأساسية للمسيحية.”
على هذا المنوال، يقترح يارنولد أن الميثرائية ربما أثرت على ممارسة مسيحية في القرن الرابع تتمثل في جعل المتحولين ينبذون الشيطان في احتفال خاص لم يعد يُمارَس. لكن يارنولد حذر من المبالغة في قراءة البقايا الضئيلة للميثرائية. قال: “الباحث الميثرائي الحديث غالبًا ما يغريه الافتقار الواضح للأدلة التي تمكنه من الإمساك بالقش والتي لا تقدم دعمًا يذكر لحجته أو لا تقدم أي دعم على الإطلاق”.[327]
المشتبهبهمالمعتادين
حولت حديثنا الى مسألة ما إذا كان أي آلهة أخرى في العصور القديمة قد قدمت النموذج الأوّليّ لقصص القيامة عن يسوع. بشكل أساسي، كنت أرغب في معرفة ما إذا كان ياموكي سيوافق على ما أخبرني به ليكونا حول هذه المسالة.
ذهب ياموكي الى أسفل قائمة “المشتبه بهم المعتادين” الذين يظهرون في الأدب الشعبي. قال: “بادئ ذي بدء، لا توجد قيامة لمردوخ أو ديونيسوس. هناك قيامة مزعومة لـ تموز، إله الخصوبة في بلاد ما بين النهرين، والمعروف في السومرية باسم دوموزي، ولكن اتضح أنه لم تكن هناك قيامة حقيقية “.
لقد كنت مشوشا. “ماذا تقصد؟”
“تم افتراض قيامته من قبل الإلهة إنانا عشتار على الرغم من أن نهاية النصوص حول الأسطورة كانت مفقودة. ثم في عام 1960، نشر إس إن كريمر S.N.Kramer قصيدة تم اكتشافها حديثًا تثبت أن إنانا لم تنقذ دوموزي من العالم السفلي ولكنها أرسلته الى هناك كبديل لها.[328] هناك أيضًا نص غامض ومجزأ يشير الى أن دوموزي ربما يكون قد جعل أخته تأخذ مكانه في العالم السفلي لمدة ستة أشهر من العام.[329] مرة أخرى، هذا مرتبط بالفصول ودورات الحياة النباتية. إنها ليست قيامة”.[330]
سألت: “وأدونيس؟”.
“عرّفَ الكُتاّب اللاحقون تموز على أنه أدونيس، الذي أحبته أفروديت. لم تكن عبادة أدونيس ذات أهمية كبيرة على الإطلاق وكانت مقتصرة على النساء. أوضح بيير لامبرختس Pierre Lambrechts أنه لا توجد مؤشرات على القيامة في المعلومات المبكرة التي لدينا عن أدونيس. بينما توجد أربعة نصوص تتحدث عن قيامته، الا أنها تعود الى الفترة من القرن الثاني الى القرن الرابع بعد الميلاد -بعد فترة طويلة من يسوع”.[331]
سألت: “وماذا عن سيبيل وأتيس؟”.
“كان أتيس شابًا تحبه سيبيل، والمعروفة أيضًا باسم الإلهة الأم العظيمة. كان أتيس غير مخلص، لذلك دفعته سيبيل الى الجنون؛ خصى نفسه ومات. هذا هو السبب في أن كهنة سيبيل كانوا خصيان،” أشار ياموكي. “لكن لامبرختس أثبت أن “القيامة “المفترضة لـ أتيس لا تظهر الا بعد 150 بعد الميلاد -بعد أكثر من قرن من يسوع.”[332]
مرة أخرى، ترتبط هذه الأسطورة بدورة الحياة النباتية. قال ناش: “اعتقد العديد من عابدي سيبيل أن البروفة السنوية لأسطورة أتيس كان وسيلة لضمان محصول جيد”.[333] وأشار الى أن “سيبيل يمكنها فقط الحفاظ على جثة أتيس. علاوة على ذلك، هناك إشارة إلى استمرار نمو شعر الجسم، إلى جانب بعض حركات إصبعه الصغير. في بعض إصدارات الأسطورة، اتخذت عودة أتيس الى الحياة شكل كيانه الذي تحول الى شجرة دائمة الخضرة”.[334]
لقد طرحت موضوع أوزوريس، الذي قُطع جسده الى أربعة عشر قطعة ثم أُعيد تجميعه -ناقص جزء -من قبل أخته إيزيس، كما وصفه ليكونا سابقًا.
قال ياموكي: “في الواقع، كانت هناك أيضًا حادثة سابقة قتله فيها شقيقه سيث وأغرق نعشه في النيل. بعد أن أعادت إيزيس إحيائه تم تقطيعه”.
“هل هذه الروايات تسبق المسيحية؟”
“تم العثور عليها في بلوتارخ، الذي كتب في القرن الثاني بعد الميلاد، لكن يبدو أنها متسقة مع التصريحات التي وردت في النصوص المصرية القديمة -لذا، نعم. ومع ذلك، فمن المضلل مساواة المفهوم المصري عن الحياة الآخرة بالقيامة في التقليد المسيحي. اعتقد المصريون أنه لتحقيق الخلود، يجب تحنيط الجسد وتوفير الغذاء واستخدام التعاويذ السحرية. لم يكن يستلزم المفهوم المصري القيامة من الموت. بدلاً من ذلك، تحوم كيانات منفصلة لشخصية الفرد – تسمى با Ba وKa كا -حول جسده”.
“إذن هذه ليست قيامة؟”
وشدد على ذلك قائلاً: “ليس بنفس المعنى الذي قام به يسوع”. “تم إحياء أوزوريس ولكنه ملك العالم السفلي”.[335]
يوافق ميتزجر. “ما إذا كان هذا يمكن أن يسمى بحق القيامة فهو أمر مشكوك فيه، خاصة أنه، وفقًا لبلوتارخ، كانت رغبة المؤمنين التقية في أن يُدفنوا في نفس الأرض حيث، وفقًا للتقاليد المحلية، لا يزال جسد أوزوريس راقدًا”.[336]
قال الباحث الفرنسي رولان دي فو، الذي كان مديرًا لمدرسة الكتاب المقدس في القدس، إن أوزوريس “لن يأتي أبدًا بين الأحياء وسيحكم فقط على الأموات”. وخلص إلى أن “هذا الإله المعاد إحيائه هو في الواقع إله ‘مومياء'”.[337] وافق فاجنر على ذلك. قال: “لم يعرف أوزوريس القيامة، لكنه أُحيى ليكون حاكمًا للعالم الآخر”.[338]
قال ياموكي إن التناقض مع يسوع لا يمكن أن يكون أكثر وضوحًا من هذا. أشار اإى أن “كل هذه الأساطير هي تمثيلات رمزية متكررة لموت وولادة النباتات من جديد. هذه ليست شخصيات تاريخية، ولم تكن وفاة أياً منهم تهدف إلى الخلاص.” “في حالة يسوع، حتى المؤلفين غير المسيحيين، مثل يوسيفوس وتاسيتوس، يذكرون أنه مات تحت حكم بيلاطس البنطي في عهد طيباريوس. إن تقارير قيامته مبكرة جدًا ومتأصلة في روايات شهود العيان.”
وشدد على أن “لديهم رنين الواقع، وليس الصفات الأثيرية لأسطورة.”
ادعاءاتعنولاداتعذريةأخرى
متّى، أحد أتباع يسوع، ولوقا، طبيب القرن الأول الذي قال إنه “بحث بعناية في كل شيء” عن يسوع “منذ البداية”،[339] يذكر كلاهما أن يسوع ولد من عذراء. إنه ادعاء بعيد الاحتمال بشكل غير عادي -الا إذا كانت قيامة يسوع صحيحة، في هذه الحالة – قيامته -تم إثبات ألوهيته بشكل مقنع وتصبح الولادة العذرية ليست قابلة للتصديق فحسب، بل تصبح منطقية بلا هوادة.
ومع ذلك، فإن أحد أكثر الاعتراضات شيوعًا على يسوع هو أن ولادته من عذراء لم تكن تاريخية ولكنها سُرقت من الأساطير السابقة، وبالتالي فهي خيالية مثل القصص الغريبة عن زيوس أو بيرسيوس.
قال روبرت جيه ميللر، أستاذ الدين المشارك في كلية جونياتا، “إن فكرة أنه ليس ليسوع أبًا بشريًا لأنه ابن الله … كانت في الأصل فكرة وثنية”.[340] “يتوقع الوثنيون في الثقافة الوثنية أن يكون للرجل الذي جسدت حياته الألوهية أبًا إلهيّاً وأمًا بشرية. وهكذا تتوافق الولادة العذراوية مع ما توقعه المسيحيون الوثنيون من سيرة حياة يسوع”.[341]
وافق والتر إي بوندي، الذي بدأ الكتابة عن الأناجيل الإزائية في عام 1919 ودرّس في جامعة ديباو، على أن “فكرة الولادة الخارقة للطبيعة أو من عذراء هي فكرة وثنية” وأنه “يجب أن تكون قد وجدت طريقها إلى قصة يسوع من خلال طرق مسيحية-وثنية.”[342]
وبالمثل، كتب المتشكك توم فلين في مجلة Free Inquiryاستفسار حر أنه إذا كان يسوع رجلاً “رائعًا بما يكفي لإطلاق آلية صنع الأساطير في عصره،” عندها من المتوقع أن ينتج عن ذلك “مثل هذه الادعاءات المصاغة والمشتقة” مثل الولادة العذراوية.[343]
سألت ياموكي عن تقييمه. “إن فكرة ولادة يسوع من عذراء مميزة لأنها تستند الى نبوءة قديمة، وتحديداً الترجمة السبعينية لإشعياء 7: 14″، بدأ رده. “كما تعلم، يستخدم إشعياء الكلمة العبرية ‘ علمهalmah ‘، والتي تعني أن ‘الشابة’ ستلد، وتوضح السبعينية عذريتها باستخدام الكلمة اليونانية بارثينوسparthenos، والتي تعني بالتحديد ‘عذراء’. بالطبع، ينبغي أن يقال إن الفتاة الشابة في تلك الأيام كان يُفترض أنها عذراء؛ لا يمكننا بالضرورة قول ذلك في مجتمعنا المعاصر”.[344]
سألت: “ماذا عن التشابهات التي كثيرًا ما يُستشهد بها بين ولادة يسوع من عذراء والآلهة الأسطورية؟”.
قال: “بعض هذه التشابهات المفترضة تتفكك عند الفحص الدقيق”. “بعض هؤلاء الذين غالبًا ما يتم الاستشهاد بهم -مثل زيوس، على سبيل المثال -هم آلهة مُجسّمة تشتهي النساء البشريات، وهو أمر يختلف بالتأكيد عن قصة يسوع. إن النسل الأسطوري هم أنصاف آلهة وأنصاف رجال وتبدأ حياتهم عند الحبل بهم، على عكس يسوع، الذي هو الله الكامل والإنسان الكامل والذي هو أزلي ولكنه جاء إلى هذا العالم من خلال التجسد. أيضًا، وضعت الأناجيل يسوع في سياق تاريخي، على عكس الآلهة الأسطورية. علاوة على ذلك، حتى لو كانت هناك قصة ولادة غير عادية في الأساطير سبقت المسيحية، فإن هذا لا يعني أن المسيحيين اخذوها من الأساطير”.
هذه النقطة الأخيرة ذكرها أيضًا روبرت جروماكي Robert Gromacki، الأستاذ في جامعة سيدارفيل، في كتابه عام 2002 The Virgin Birthالولادة العذراوية:
هذا مثال ممتاز على المغالطة المنطقية post hoc ergo propter hoc (“بعد هذا، وبالتالي، بسبب هذا”). كتب أفلاطون عن وجود الله قبل وقت طويل من تأليف بولس لرسائله، لكن الأخيرة لم تكن بأي حال من الأحوال معتمدة على الفيلسوف اليوناني. تفترض حجة الأصل الوثني الكثير في طريق التشابه وتتغاضى عن الاختلافات الجذرية.[345]
لقد سحبت قائمة بأكثر أوجه التشابه المذكورة شيوعًا مع رواية يسوع. وسألت: “ماذا عن ديونيسوس، إله النبيذ والخصوبة المعروف أيضًا باسم باخوس؟”. “كثيرا ما يُستشهد به على أنه نتاج ولادة عذراوية.”
“لا، لا يوجد دليل على ولادة ديونيسوس من عذراء،” قال ياموكي. “كما تقول القصة، زيوس الذي كان متنكرا كإنسان، وقع في حب الأميرة سيميلي Semelê، ابنة قدموس، وأصبحت حاملا. هيرا، التي كانت ملكة – زوجة -زيوس، رتبت أن تحترق – سيميلي -لتصبح هشّة، لكن زيوس أنقذ الجنين وخاطه في فخذه حتى ولادته. لذا فهذه ليست ولادة عذراوية بأي شكل من الأشكال.”[346]
سألت: “وماذا عن قصة زيوس أثناء تخصيبه لـ داناي Danaë خلال وابل من الذهب وولادة بيرسيوس؟”.
“هناك العديد من القصص عن زيوس وعلاقاته مع النساء. إليك الفارق الكبير: يمكن أن يكون الإله اليهودي -يهوه -مجسمًا، لكن هذه كانت استعارات لا يجب فهمها حرفيًا، بينما في الأساطير اليونانية، تم أخذ التجسيم بالمعنى الحرفي للكلمة. كانت الآلهة بشرًا بشكل كبير -كانوا يشتهون النساء الفانيات. هذا هو محور هذه الخرافات. على الرغم من أن الرب يُعبَّر عنه أحيانًا في الصور البشرية، الا أنه يختلف تمامًا عن البشر. لذا فإن هذه التشابهات تتحطم على مستوى جوهري للغاية. أنت تتحدث عن مفهومين مختلفين تمامًا عن الله”.[347]
العالم البارز جاي جريشام ماشين J. Gresham Machen، الذي درّس العهد الجديد في مدرسة برينستون اللاهوتية لمدة ثلاثة وعشرين عامًا، يشير الى نقطة مماثلة في أعظم مؤلفاته، The Virgin Birth of Christ ولادة المسيح العذراوية:
قد يكون اتحاد زيوس مع داناي ليس في شكل بشري، بل في وابل من الذهب، ولكن على الرغم من ذلك، فإن الاتحاد يرضي شهوته تجاه الفتاة البشرية. في كل مكان حب الله للمرأة الفانية موجود، وليس مجرد إقصاء الأب البشري للطفل، الذي يقف في صدارة اهتمامها … هل يمكن أن يكون أي شيء أبعد بشكل كامل عن التصور في متى ولوقا من قصص علاقات زيوس الجنسية هذه؟[348]
ويشير ماشين أيضًا الى أن المدافع المسيحي يوستينوس الشهيد، كتب في منتصف القرن الثاني، يجادل بأن ليسوع المسيح ولادة عذراوية “مثل” بيرسيوس. وقد استشهد البعض بكتابات يوستينوس كدليل على أن الاثنين مرتبطان بالفعل. ومع ذلك، يشير ماشين الى أن:
يجب ألّا ننسى أبدًا أن مناشدة يوستينوس الشهيد وأوريجانوس للقصص الوثنية عن الإنجاب الإلهي هي argumentum ad hominem مغالطة الشخصنة. يقول يوستينوس وأوريجانوس في الواقع لمعارضيهما الوثنيين: “أنت أيضاً لديك هذا،” “إن ولادة المسيح من عذراء لا تصدق؛ حسنًا، هل هذه لا تُصدق أكثر من القصص التي تؤمنون بها أنفسكم؟” … عندما يشير يوستينوس … إلى ولادة بيرسيوس على أنها ولادة من (أو من خلال) عذراء، فإنه يتجاوز ما تحتويه المصادر الوثنية. يبدو أنه لا يوجد دليل واضح على أن المصادر الوثنية استخدمت كلمة “عذراء” للإشارة الى أمهات الأبطال، الأسطوريين أو التاريخيين، الذين تم تمثيلهم على أنهم من مواليد الآلهة.[349]
كانت المزاعم حول الولادات غير العادية للآلهة الأسطورية شيئًا واحدًا، ولكن هناك مزاعم أخرى تمامًا هي أن بعض الشخصيات التاريخية ما قبل المسيحية -من بوذا الى الإسكندر الأكبر -هم نتاج ولادات عذراوية. خططت لمتابعة هذه التشابهات بعد ذلك.
تقاريرأخرىمنالتاريخ
سؤالي الأول على هذا المنوال يتعلق بـ “حمل” الإسكندر الأكبر. تدور العديد من القصص حول ولادته، وادعى بعض الكتاب أنه تم تصوره بطريقة صحيحة.
أوضح ياموكي: “ليس هناك شك في أن والدة الإسكندر كانت أوليمبياس وأن والده فيليب المقدوني”. “ورث الإسكندر العرش باعتباره ابن فيليب فقط عندما اغتيل والده عام 336 قبل الميلاد. كانت قصة إخصاب زيوس لـ أوليمبياس وفقًا لحلمها دعاية في وقت لاحق تهدف الى دعم طلب الإسكندر للعبادة.”
في الواقع، هناك تقرير من بلوتارخ أن أوليمبياس رفضت صراحة قصة حمل الإسكندر بواسطة زيوس، قائلة في إشارة إلى زوجة زيوس، “ألن يتوقف الإسكندر عن تشويه سمعتي أمام هيرا؟”[350] في الواقع، قال المؤرخ Peter Green بيتر جرين، “حقيقة الأمر هي أنه ليس لدينا سوى القليل من الأدلة المباشرة بشكل مفاجئ على طفولة الإسكندر من أي مصدر، وما هو موجود له قيمة تاريخية محدودة للغاية.”[351]
تابع ياموكي وقال: “غالبًا ما يُطلق على ولادة بوذا اسم عذراوية، لكن هذا ليس دقيقًا أيضًا”. “لا تظهر مصادر حياة بوذا في شكل مكتوب الا بعد مرور خمسة قرون على وفاته، لذا فهي غير موثوقة تاريخياً. وفقًا للأسطورة، كانت والدة بوذا تحلم أنه دخلها في شكل فيل أبيض -كامل التكوين! بالإضافة الى ذلك، كانت قد تزوجت لسنوات عديدة قبل ذلك، لذا فهي بالتأكيد لم تكن عذراء.[352]
“المصادر اللاحقة لبوذا، التي جاءت بعد خمسمائة إلى ألف وخمسمائة عام من حياته، تبالغ في العناصر الخارقة للطبيعة في حياته. بل إنه من الممكن أن تكون بعض أوجه التشابه المفترضة مع حياة يسوع قد تمت استعارتها من المسيحية”.[353]
جانبا، ذكّرتني إشارته إلى بوذا بشخصية مرتبطة بديانة شرقية أخرى. قلت: “ذكر بعض المؤلفين أن الإله الهندوسي كريشنا ولد من عذراء”.
هدم ياموكي هذا الادعاء بسرعة. أجاب: “هذا ليس دقيقا”. “وُلد كريشنا لأم لديها سبعة أبناء سابقين، حتى أن أتباعه يقرون بذلك بسهولة.”[354]
“وماذا عن زرادشت؟”
قال ياموكي: “عاش زرادشت قبل 1000 قبل الميلاد، وفقًا لماري بويس Mary Boyce، أو في القرن السادس قبل الميلاد، وفقًا لعلماء آخرين”. “فكرة أن والدته حملته بشرب مشروب هاوما haoma المقدس تظهر في دنكارد Denkard، التي يعود تاريخها الى القرن التاسع الميلادي. لقد مضى وقت طويل للغاية -وبعد فترة طويلة بعد يسوع”.
“ما هو رأيك، إذن، في هذا الادعاء بأن الولادة العذراوية ليسوع تم نسخها من هذه القصص الأخرى؟”
قال: “لا، هناك اختلافات كثيرة للغاية”. “لا أعتقد أن أي شخص يمكنه تقديم حجة مقنعة بأن الولادة العذراوية ليسوع -التي تم الإبلاغ عنها بعد وقوع الواقعة بفترة وجيزة وفي وثائق متزنة في تقاريرها -مشتقة من أي مصدر وثني أو من مصادر أخرى.”
يوافق رايموند إي براون. أحد كبار علماء العهد الجديد في أمريكا، قام بالتدريس في معهد اللاهوت التابع للاتحاد في نيويورك لمدة ثلاثة وعشرين عامًا وحصل على درجات فخرية من عشرين جامعة في الولايات المتحدة وخارجها.
وشدد على أن التشابهات المفترضة للولادة العذراوية “تتضمن باستمرار نوعًا من hieros gamos الزواج الالهي حيث يُخصِّب الذكر الإلهي في صورة بشرية أو في أي صورة غيرها امرأة ما، إما عن طريق الاتصال الجنسي الطبيعي أو من خلال شكل بديل من أشكال الإيلاج. إنها لا تشبه حقًا الحمل غير الجنسي العذراوي الذي يقع في صميم سرديات الطفولة، وهو حمل لا يوجد فيه إله ذكر أو عنصر ما لتخصيب مريم”.[355]
كان استنتاجه هو أنه “لم يعطنا أي بحث عن التشابهات تفسيرًا مرضيًا حقًا لكيفية حصول المسيحيين الأوائل على فكرة الحمل العذراوي ما لم يكن هذا بالطبع هو ما حدث بالفعل.”[356]
حتى توماس بوسلوبر، الأستاذ الليبرالي الذي كتب كتابًا عن الولادة العذراوية رغم رفضه لتاريخيتها، ومع ذلك سخر من الاقتراح بأنها مشتقة من الأساطير الوثنية. لقد وجدت أن استنتاجه القاسي كان ذكيًا:
يستخدم الكتاب المعاصرون دائمًا مصادر ثانوية فقط للتحقق من هذه الادعاءات. العلماء الذين يقبلون رأيهم نادرًا ما قدموا أو استشهدوا بالمصادر الأولية. أدب المدرسة الالمانية القديمة للتاريخ الديني Religiongeschichtliche schule، التي توصلت إلى هذا الاستنتاج والتي أصبحت مرجعية للعلماء المعاصرين الذين يرغبون في تخليد فكرة أن الولادة العذراوية في العهد الجديد لها مصدر غير مسيحي، يتميز باقتباسات مختصرة للكلمات والعبارات والجمل تم نزعها خارج السياق أو ترجمتها بشكل غير صحيح واستخدامها لدعم النظريات المسبقة. أصبحت التعميمات الشاملة المبنية على أدلة مشكوك فيها استنتاجات عقائدية لا يمكن إثباتها على أساس تحقيق دقيق.[357]
في النهاية، لم تكن المزاعم حول سرقة المسيحية لإيمانها بالولادة العذراوية أفضل من الادعاءات القائلة بأنها نسخت قيامة يسوع من الآلهة المائتة-القائمة من الموت في العصور القديمة. على حد تعبير مؤرخ الدين الشهير في جامعة شيكاغو، Mircea Eliade ميرسيا الياد: “لا يوجد سبب لافتراض أن المسيحية البدائية تأثرت بالأسرار الهلنستية.”[358]
بكفاءة وبشكل رسمي، قام ياموكي بتفكيك قضية الانتحال التي تم الترويج لها من قبل العديد من منتقدي المسيحية. مع وضع نقد بوسلوبر الصريح في الاعتبار، قررت أن أنهي مقابلتي بالسؤال عن الطرق التي يمكن للقراء المطمئنين أن يحموا أنفسهم بها من الخيال الذي يتنكر في شكل الحقيقة.
هلستنتصرالحقيقة؟
أثارت سلسلة أسئلتي الأخير إجابات قوية من ياموكي. سألته “هل تجد أن الناس الذين يكتبون عن هذه الموضوعات الخاصة بالديانات الغامضة يفتقرون الى الخلفية الأكاديمية المناسبة وغالبًا ما يكونون مهملين في طريقة التعميم؟”.
قال بصرامة: “كثيرا جدا”. “ليس لديهم اللغات، ولا يدرسون المصادر الأصلية، ولا ينتبهون للتواريخ، ويقتبسون كثيرًا من الأفكار التي كانت شائعة في القرنين التاسع عشر والعشرين ولكن تم دحضها بالفعل. أشار علماء مرموقون ودقيقون مثل كارستن كولبي من ألمانيا وجونتر فاجنر من سويسرا وبروس ميتزجر من الولايات المتحدة الى أن، أولاً، غالبًا ما يكون الدليل على التشابهات المفترضة هذه متأخرًا جدًا، وثانيًا، هناك الكثير من التعميمات التي يتم إجراؤها.
“يرى الناس أوجه تشابه ثم يقفزون الى استنتاجات مفادها أن دينًا ما أثر على آخر. بالطبع ستكون هناك بعض أوجه التشابه -تتحدث معظم الأديان عن نوع من الخلاص، أو تمارس طقوسًا معينة، أو تتناول وجبة مشتركة. لكن هذا لا يعني وجود تبعية بينها.”
“المسيحية مميزة تمامًا من حيث أنها نشأت من خلفية يهودية توحيدية، وتتركز حول شخصية تاريخية تم إعدامها بطريقة همجية، وهو ما تشهد عليه مصادر غير مسيحية. كان أتباع يسوع شهود عيان في الجيل الأول. تم تحول بولس من خلال لقائه بالمسيح القائم من بين الأموات وتمكن من الوصول الى شهود عيان مثل بطرس ويعقوب. ازدهرت المسيحية وانتشرت على الرغم من اضطهاد السلطات الرومانية. لقد كانت رسالة حب جديدة وتدخل الله في العالم، وضمت جميع الناس، بما في ذلك العبيد والنساء، والمتعلمين وغير المتعلمين -على عكس الميثرائية، التي اقتصرت في الأساس على الجنود.”
“لذا كانت هذه الرسالة الجديدة عالمية، لكنها كانت متجذرة في تقليد قديم، محققة النبوءات التي تم التنبؤ بها لقرون عديدة. وكان ذلك حصريًا. لم يكن من المريح، كما كانت الديانات الوثنية الشركيّة، أن تكون انتقائيًا أو توفيقيًا -أي أن تغرس المعتقدات والممارسات من الديانات الأخرى. لهذا السبب، في الواقع، تم اضطهاد المسيحية. كانت الديانات الغامضة شاملة -يمكنك عبادة الإمبراطور ولا يزال بإمكانك الالتزام بأكثر من واحدة منها في نفس الوقت.”
“هل تعتقد أنه في عصر الإنترنت هذا، حيث تستمر إعادة تدوير أنصاف الحقائق والمعلومات المضللة، فإن العلماء محكوم عليهم بالرد إلى الأبد على الادعاءات المبالغ فيها التي تم الرد عليها منذ فترة طويلة؟”
“نعم، لسوء الحظ، على الأرجح إنها كذلك”، قال هذا ونبرات صوته مستسلمة.
“هل تعتقد أن الحقيقة ستنتصر في النهاية؟”
أجاب: “بالنسبة لبعض الناس، نعم”. “بالنسبة للآخرين -فهم يبحثون عما يريدون العثور عليه”.
أردت بعض التوجيه للمهتمين بالسعي وراء الحقيقة. “ما هي النصيحة التي تقدمها للأشخاص الذين يبحثون عن معلومات موثوقة؟”
وضع ياموكي فنجان قهوته. “أولاً، كن حذرًا من المقالات الموجودة على الويب. على الرغم من أن الإنترنت هو مصدر سريع ومناسب للمعلومات، الا أنه يديم أيضًا نظريات عفا عليها الزمن وتم دحضها. “تحقق أيضًا من أوراق اعتماد المؤلفين. هل لديهم التدريب وعمق المعرفة للكتابة بشكل موثوق في هذه القضايا؟ وتأكد من مراجعة تواريخ المصادر المقتبسة. هل يعتمدون على ادعاءات عفا عليها الزمن أم علماء فاسدون؟ وأخيرًا، كن على دراية بالتحيزات لدى العديد من المؤلفين المعاصرين، الذين قد يكون لديهم بوضوح رأي يريدون فرضه بأي شكل”.
كل هذا منطقي. ومع ذلك، في الوقت نفسه، كنت أشعر بسخط متزايد تجاه الكتاب الذين يربكون القراء إما عن قصد أو بإهمال من خلال إطلاق مزاعم “انتحالية” كاسحة تزرع بذور الشك غير المبررة تجاه يسوع الحقيقي.
العديد من ادعاءاتهم غريبة جدًا -مثل المؤلف الذي شبّه غرق نعش أوزوريس في النيل بطقوس المعمودية المسيحية -لدرجة أنهم سيكونون مضحكين إذا لم يكن الضرر الذي أحدثوه بهذه الخطورة.[359] ومع ذلك، في كثير من الحالات، يصدقهم الناس -وهذا دليل رائع على المقولة القديمة القائلة بأن الباطل يمكن أن يقوم برحلة حول العالم قبل أن تتمكن الحقيقة حتى من الوصول الى مكانتها.
شكرت ياموكي على مساعدته في تصحيح الأمور. في مواجهة المطر والرياح مرة أخرى، صعدت الى سيارتي المستأجرة وبدأت الرحلة الطويلة الى مطار سينسيناتي. ومع ذلك، طوال الوقت، لم أستطع التخلص من الإحباط الذي شعرت به بسبب انتشار المعلومات المضللة التي أربكت الكثير من الناس. كان نفس الشعور الذي أطلق ناش في حملة صليبية لفضح عدم شرعية حجة “الانتحال” قبل وفاته المفاجئة في عام 2006.
فرصةالعلم
رونالد ناش، مؤلف كتب مثل الإيمان والعقلFaith and Reason ومعنى التاريخ Meaning of History، أخذ الحقيقة على محمل الجد. لقد كان أستاذاً صريحاً مع القليل من الصبر تجاه العلماء أو الكتاب المشهورين الذين اتخذوا طرقًا مختصرة فكرية أو قاموا بتحريف الحقائق لدعم معتقداتهم المسبقة.
سرعان ما تعلم طلابه ما الذي يعنيه عندما يهز ناش وركيه من جانب الى آخر ساخراً بينما يقتبس من كتاب. قال أحد الزملاء: “كان ذلك يعني أنه يعتقد أن ما كان يقرأه بصوت عال كان في أحسن الأحوال سخيفًا وفي أسوأ الأحوال هرطوقيًا”. بالنسبة لناش، قال، الحقيقة هي أكثر من مجرد لعبة صالون أيديولوجي: إن الحياة الحقيقية كانت على المحك.[360]
لذلك كان ناش غير متسامح بشكل مفهوم مع الكتب التي كررت ادعاءات مهترئة عن “انتحال” المسيحية والتي تم الرد عليها بدقة منذ عقود. بعد أن شعر بالإهانة من التحريفات الصارخة والمنطق القذر و “التشابهات” الملفقة، جلس لكتابة الإنجيل واليونانيين The Gospel and the Greeks كمعالجة في عام 1992. وعندما لم تتوقف الهجمات، قام بتحديث كتابه في عام 2003.
بالحقائق، والمنطق، والوضوح، يقاوم “اللغة غير المبالية”، “الكميات الهائلة من الإفراط في التبسيط والاهتمام بالتفاصيل”، و “رحلات الهوى” الموجودة في العديد من الأعمال “المبالغ فيها الى حد كبير” حول هذا الموضوع.[361]
قال بصراحة مميزة: “من الواضح أن الحجج الليبرالية تعرض أبحاثًا سيئة للغاية. في الواقع، قد يكون هذا الاستنتاج سخيا للغاية،”.[362] شغفه ينزف عبر الصفحات:
ما هي الآلهة الغامضة التي اختبرت قيامة من بين الأموات بالفعل؟ بالتأكيد لا توجد نصوص مبكرة تشير الى قيامة أتيس. محاولات ربط عبادة أدونيس بالقيامة ضعيفة بنفس القدر. كما أن حالة قيامة أوزوريس ليست أقوى… وبالطبع لا يمكن الادعاء بأن ميثرا كان إلهًا يموت ويقوم. استنتج الباحث الفرنسي André Boulanger أندريه بولانجر: “إن المفهوم القائل بأن الإله يموت ويُقام من أجل قيادة المؤمنين إلى الحياة الأبدية لا يتم تمثيله في أي ديانة هلنستية غامضة.”[363]
لخص ناش سبع حجج مختصرة ضد الاعتماد المسيحي على الأديان الغامضة.[364] أولاً، غالبًا ما يفترض مؤيدو “الانتحال” بشكل غير منطقي أنه لمجرد وجود شيئين جنبًا الى جنب، يجب أن يكون أحدهما قد تسبب في حدوث الآخر. ثانيًا، العديد من التشابهات المزعومة مبالغ فيها أو ملفقة. كثيرًا ما يستخدم الكتاب لغة مستعارة من المسيحية لوصف الطقوس الوثنية، ثم يتعجبون من “أوجه التشابه” التي اكتشفوها. ثالثًا، التسلسل الزمني الخاطئ. يستشهد الكتاب بالمعتقدات والممارسات التي تعود الى ما بعد القرن الأول في محاولة للقول بأنها أثرت في تشكيل المسيحية في القرن الأول. لمجرد أن طائفة ما لديها معتقد أو ممارسة في القرن الثالث أو الرابع الميلادي لا يعني أنها كانت لديها نفس المعتقد أو الممارسة في القرن الأول.
رابعًا، لم يكن بولس ليستعير بوعي من الديانات الوثنية. في الواقع، لقد حذر من هذا الأمر بالذات.[365] خامسًا، كانت المسيحية المبكرة حصرية. أي تلميح الى التوفيق بين المعتقدات في العهد الجديد كان سيؤدي الى جدل فوري. سادساً، على عكس الديانات الغامضة، ترتكز المسيحية على أحداث تاريخية فعلية. سابعاً، ما تبقى من تشابهات قليلة يمكن أن يعكس التأثير المسيحي على المعتقدات والممارسات الوثنية. وجود محاولات وثنية لمواجهة التأثير المتنامي للمسيحية من خلال محاكاتها ظاهرة بشكل واضح.[366]
شيء واحد كان مؤكدًا. قال ناش: “تحول تيار الرأي الأكاديمي بشكل كبير ضد محاولات جعل المسيحية المبكرة تعتمد على ما يسمى بـ آلهة الوثنية الهلنستية المائتة والقائمة من الموت”.[367]
قبل الفي عام، كان الرسول بطرس واضحًا بنفس القدر: لم تكن الروايات عن يسوع في صفحات العهد الجديد مستخلصة من قصص خيالية عن الآلهة الأسطورية. لم يكن بطرس يُبلغ عن شائعات أو تخمينات، وبالتأكيد لم يكن ليضع ثقة مستقبله في أيدي أمثال زيوس أو أوزوريس. كان مهتمًا فقط بيسوع الحقيقي.
هذا المُلحق هو قائمة بالأعلام المُساهمين في هذا الكتاب
جاري ر. هابرماس (حاصل على درجة الدكتوراه، جامعة ولاية ميشيغان) هو أستاذ الأبحاث المتميز ورئيس قسم الفلسفة واللاهوت في جامعة ليبرتي. نشر ستة وثلاثين كتابا (ثمانية عشر حول موضوع قيامة المسيح)، وأحدها هو يسوع المُقام ورجاء المستقبل The Risen Jesus and Future Hope الذي تم الاعتماد عليه في تقديم هذا الكتاب بالإضافة لكتاب يسوع التاريخي The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ. كما نشر أكثر من ستين فصلاً أو مقالاً في كتب أخرى، بالإضافة إلى أكثر من مائة مقال في مجلات ودوريات أخرى. يمكنكم زيارة موقعه الإلكتروني عن طريق الضغط على الرابط التالي http://www.garyhabermas.com.
مايكل ر. ليكونا حصل على درجة الدكتوراه في دراسات العهد الجديد من جامعة بريتوريا، والتي أكملها “بامتياز”. نالت أطروحته حول تاريخية قيامة يسوع -والتي تم الاعتماد عليها في هذا الكتاب-أعلى علامة أكاديمية. وهو المنسق الدفاعي في North American Mission Board مجلس إرسالية أمريكا الشمالية. وهو مؤلف كتاب بولس يُقابل محمد Paul Meets Muhammad: A Christian-Muslim Debate on the Resurrection والكتاب الحائز على جائزة The Case for the Resurrection of Jesus قضية قيامة يسوع، الذي اشترك في تأليفه مع جاري هابرماس. كان ليكونا أحد العلماء الذين قابلهم لي ستروبل في كتابه القضية ليسوع الحقيقي The Case for the Real Jesusوهو الكتاب الذي تمت الاستعانة به في الجزء الخاص باقتباس المسيح من الأساطير الوثنية. ظهر في العديد من المقابلات الإذاعية والتلفزيونية وألقى محاضرات في أكثر من أربعين حرم جامعي. يمكنكم زيارة موقعه الإلكتروني عن طريق الضغط على الرابط التالي https://www.risenjesus.com
روبرت هـ. شتاين حاصل على درجة الدكتوراه، عالم مشهور عالميًا في الأناجيل الإزائية ومؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك مرقس في شرح بيكر التوضيحي للعهد الجديد، ودراسة الأناجيل الإزائية، ولوقا، ويسوع المسيح. وقد عمل مؤخرًا كأستاذ أول في تفسير العهد الجديد في المدرسة اللاهوتية المعمدانية الجنوبية The Southern Baptist Theological Seminary وسبق أن درس في مدرسة بيت إيل Bethel Seminary.
وليم لين كريج أستاذ باحث في كلية تالبوت للاهوت وجامعة هيوستن المعمدانية. قام بتأليف أو تحرير أكثر من أربعين كتابًا، بما في ذلك تقييم أدلة العهد الجديد لتاريخية قيامة يسوع Assessing the New Testament Evidence for the Historicity of the Resurrection of Jesus (Edwin Mellen Press، 1989) وقيامة يسوع: حقيقة أم تلفيق؟ Jesus’ Resurrection: Fact or Figment? (بالاشتراك مع جيرد لودمان) (IVP Academic، 2000)، وقيامة الابن The Son Rises الذي تم الاعتماد عليه في هذا الكتاب، بالإضافة إلى أكثر من مائتي مقالة في المجلات المتخصصة مثل New Testament Studies، وJournal for the Study of the New Testament، وExpository Times، وKerygma und Dogma. يمكنكم زيارة موقعه الإلكتروني عن طريق الضغط على الرابط التالي www.reasonablefaith.org.
بول ويليام بارنيت هو أسقف أنجليكاني أسترالي، ومؤرخ قديم وعالم في العهد الجديد. كان أسقف شمال سيدني من عام 1990 إلى عام 2001. وهو كاتب تاريخي بارز عن صعود المسيحية ويسوع التاريخي. له العديد من المؤلفات منها وثائق العهد الجديد هل هي موثوقة؟ Is the New Testament Reliable? الذي تم الاعتماد عليه في هذا الكتاب وهو حاليًا زميل في التاريخ القديم في جامعة ماكواري في سيدني بأستراليا وزميل تدريس في كلية ريجنت، فانكوفر، كندا.
[1] Moses Hadas, “Introduction” to The Complete Works of Tacitus (New York: Random House, 1942), pp. IX, XIII-XIV.
[2] هناك نظرية بديلة هي أن الحوليات تضمنت ستة عشر جزءاً والتاريخ أربعة عشر جزءاً، ما مجموعه ثلاثين (راجع Hadas، XII).
[8] Henri Daniel-Rops (ed.), Silence of Jesus’ Contemporaries: The Sources for the Life of Christ (New York: Hawthorn),” pp. 19-21; Bruce, The New Testament Documents: are They Reliable? (Grand Rapids: Eerdmans, 1967), pp. 102-103.
[9] Josephus, Antiquities 20:9. The edition of Josephus used here is The Works of Josephus, transl. by William Whiston (Philadelphia: David McKay, n.d.).
[13] Daniel-Rops,”Silence of Jesus’ Contemporaries”, p. 21.
[14] Ibid.; Anderson, Christianity, p. 20; Bruce, The New Testament Documents, p. 108. Cf. also Bruce, p. 109 for the views of British historian H. St. John Thackery and Jewish scholar Joseph Klausner.
[15] James H. Charlesworth, Jesus Within Judaism (Garden City: Doubleday, 1988), p. 95.
[16] David Flusser, “New Evidence on Jesus’ Life Reported,” The New York Times, February 12, 1972, pp. 1, 24.
[24] Ibid., pp. 22-23, 28, 55, 57-62. Cf. Rudolf Bultmann, Theology of the New Testament, transl. by Kendrick Grobel (New York: Scribners, 1951), vol. 1, pp. 27, 125, 131, 175, 298; Neufeld, The Earliest Christian Confessions (Grand Rapids: Eerdmans, 1964), pp. 9, 49, 57, 61; Fuller, Foundations, pp. 204-206, 221-225, 248; Pannenberg. Jesus — God and Man, transl. by Lewis Wilkins and Duane Priebe (Philadelphia: Westminster, 1968), pp. 366-367.
[25] Bultmann, Theology of the New Testament, ibid., vol. 1, pp. 49, 81; Joachim Jeremias, Eucharistic Words, p. 102; Neufeld, ibid., p. 145, cf. p. 128.
Cullmann, Confessions, pp. 55, 58; C.F.D. Moule, The Birth of the New Testament, revised edition (New York: Harper and Row, 1982), p. 247; Neufeld, pp. 128-129, 133.
[27] Cullmann, ibid., p. 55; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 27; II, p. 121; Pannenberg. Jesus, pp. 118, 283, 367; Neufeld, pp. 7, 50; cf. C. H. Dodd, Apostolic Preaching and its Developments (Grand Rapids: Baker, 1980), p. 14.
[28] علي سبيل المثال انظر: Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 27, 50
[52] John Drane, Introducing the New Testament (San Francisco: Harper and Row, 1986), p. 99.
[53] See the influential treatment by Dodd, Apostolic Preaching, pp. 17-31; cf. Craig’s overview of the debate, pp. 36-38.
[54] Joachim Jeremias, “Easter: The Earliest Tradition and the Earliest Interpretation,” New Testament Theology: The Proclamation of Jesus, transl. by John Bowden (New York: Scribner’s, 1971), p. 306.
[55] CH. Dodd, “Risen Christ,” p. 125; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 45.
[56] Cf. Neufeld, Confessions, pp. 7, 50; Pannenberg, Jesus, pp. 118, 283, 367; Dodd, Apostolic Preaching, p. 14; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 27; vol. 2, p. 121; Reginald Fuller, The Foundations of New Testament Christology (New York: Scribner’s, 1965), pp. 187, 189.
[64] See Reginald H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives (New York: Macmillan, 1971), p. 10; Oscar Cullmann, The Early Church: Studies in Early Christian History and Theology, ed. by A.J.B. Higgins (Philadelphia: Westminster, 1966), p. 64; Pannenberg, Jesus, p. 90; Ulrich Wilckens, Resurrection, transl. by A.M. Stewart (Edinburgh: Saint Andrew, 1977), p. 2; Hengel, The Atonement, pp. 36-38, 40; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 45, 80, 82, 293; Willi Marxsen, The Resurrection of Jesus of Nazareth, transl. by Margaret Kohl (Philadelphia: Fortress, 1970), pp. 80, 86; Hans Conzelmann, 1 Corinthians, transl. by James W. Leitch (Philadelphia: Fortress, 1969), p. 251; Hans-Ruedi Weber, The Cross, transl. by Elke Jessett (Grand Rapids: Eerdmans, 1978), p. 58; Dodd, “Risen Christ,” pp. 124-125; A.M. Hunter, Bible and Gospel, p. 108; Raymond E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist Press, 1973), pp. 81, 92; Norman Perrin, The Resurrection According to Matthew, Mark and Luke (Philadelphia: Fortress, 1977), p. 79; George E. Ladd, I Believe in the Resurrection of Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 1975), p. 104; Neufeld, Confessions, p. 47.
[65] Fuller, Resurrection Narratives, p. 10; Wilckens, Resurrection, p. 2; Bultmann, Theology, vol. 1, p. 293; Dodd, Apostolic Preaching, pp. 13-14; “Risen Christ,” p. 125; Neufeld, Confessions, p. 27; Brown, Bodily Resurrection, p. 81.
[66] Cullmann, Early Church, p. 64; Fuller, Resurrection Narratives, p. 10; Marxsen, Resurrection, p. 80; Weber, The Cross, p. 59.
[68] See especially Fuller, Resurrection Narratives, pp. 11-12; Weber, The Cross, p. 59; Jeremias, Eucharistic Words, pp. 102-103.
[69] Jeremias, in particular, provides a list of such Semnitisms (Eucharistic Words, pp. 102-103). See also Pannenberg, Jesus, p. 90; Fuller, Resurrection Narratives, p. 11; Foundations, p. 160; Weber, The Cross, p. 59.
[73] للحصول على عينة من بعض أولئك الذين يتمسكون بهذه التواريخ المحددة لهذه العقيدة، انظر
Hans Grass, Ostergeschen und Osterberichte, Second Edition (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 1962), p. 96; Leonard Goppelt, “The Easter Kerygma in the New Testament,” The Easter Message Today transl. by Salvator Attanasio and Darrell Likens Guder (New York: Nelson, 1964), p. 36; Thomas Sheehan, First Coming: How the Kingdom of God Became Christianity (New York: Random House, 1986), pp. 110, 118; Cullmann, The Early Church, pp. 65-66; Pannenberg, Jesus, p. 90; Dodd, Apostolic Preaching, p. 16; Hunter, Jesus, p. 100; Brown, Bodily Resurrection, p. 81; Fuller, Foundations, pp. 142, 161; Resurrection Narratives, pp. 10, 14, 28, 48; Ladd, I Believe, p. 105.
يشير أوكولينز إلى أنه، على حد علمه، لا يؤرخ أي باحث هذه العقيدة بعد الأربعينيات بعد الميلاد. حتى مع وجود مثل هذا التاريخ في الأربعينيات، فإن الاستنتاجات العامة التي نستخلصها هنا، خاصة فيما يتعلق بالشهادة المبكرة وشهادة شهود العيان على القيامة، لا تزال قائمة. انظر:
Gerald O’Collins, What Are They Saying About the Resurrection? (New York: Paulist Press, 1978), p. 112.
[74] Gerd Lüdemann, The Resurrection of Jesus, trans. John Bowden (Minneapolis: Fortress Press, 1994), 38.
[75] Michael Goulder, “The Baseless Fabric of a Vision,” in Resurrection Reconsidered, 48.
[76] Thomas Sheehan, The First Coming: How the Kingdom of God Became Christianity (New York: Random House, 1986), 118; cf. 110-12, 135.
[77] من المثير للاهتمام أنه عندما عاد بولس الى أورشليم بعد 14 عامًا، واجتمع مرة أخرى مع بطرس ويعقوب، تم ذكر الإنجيل على وجه التحديد باعتباره محور النقاش (غلاطية 2: 1-10).
[78] انظر الحاشية 53 أعلاه، حيث يتبنى كل من هؤلاء العلماء أيضًا هذا الإطار العام. يفضل جراس موقع دمشق (ص 96)، بينما لا يذكر شيهان المكان في سياقه المباشر.
[80] من أجل دراسة أعمق لمعنى ίστορήσαι كما هو مستخدم في غلاطية 1: 18 والتلميح الذي يقدمه في تحديد طبيعة استفسار بولس أثناء زيارته للرسل في أورشليم، انظر:
“Peter and Paul, and the Tradition Concerning ‘The Lord’s Supper’ in I Corinthians 11:23-25,” Criswell Theological Review 2 (1987): 122-30,
على وجه الخصوص. راجع 135-38 بخصوص الطبيعة الرسولية البطرسية لهذا التقليد.
[81] G. D. Kilpatrick, “Galatians 1:18 ιστορήσει Κηφάν” in New Testament Essays: Studies in Memory of Thomas Walter Manson, ed. A. J. B. Higgins (Manches- ter, England: Manchester University Press, 1959), 144-49.
[82] Barnett, Jesus and the Logic of History, 41. For some similar thoughts, see Joseph Dore, “La Resurrection de Jesus: A L‘Epreuve du Discours Theologique,” Recherches de Science Religieuse 65 (1977): 291, n. 11.
[83] Hans Dieter Betz, Galatians: A Commentary on Paul’s Letter to the Churches in Galatia (Philadelphia: Fortress Press, 1979), 76.
[84] قد يتساءل البعض عما إذا كان هدف بولس في غلاطية 1: 11-17 هو تأكيد استقلاليته عن الرسل الآخرين. تلقى بولس مهمته للتبشير برسالة الإنجيل مباشرة من المسيح، وليس من أي رسول أخر. لكن يجب ألا نضغط على هذه اللغة بما يتجاوز نية بولس الواضحة والشاملة. إنه يتحدث هنا على وجه التحديد عن دعوته المباشرة من الرب، والتي خلالها اهتد ودُعي ليكرز بالإنجيل. ليس لدينا سبب للاعتقاد أنه بحث عن الرسولية في ذلك الوقت. لكنه من الواضح أيضًا أنه، بعد ثلاث سنوات، بدأ بالفعل استشارة مع بطرس ويعقوب (1: 18-20). ثم، بعد أربعة عشر عامًا، من الواضح أن بولس زار الرسل مرة أخرى، من أجل التحقق من الإنجيل الذي كان يكرز به، والتأكد مما إذا كان على الطريق الخطأ (2: 2). لذا فإن القول بأنه لم يستشر أبدًا أي شخص آخر لا يعني فقط إغفال وجهة نظره، ولكنه يتجاهل عبارتَي بولس المباشرتين على عكس ذلك.
[85] See Cullmann, The Early Church, pp. 65-66; cf. p. 73; Jeremias Eucharistic Words, p. 106; Hengel, The Atonement, p. 38; Dodd, Apostolic Preaching, pp. 16-17.
[95] Bultmann, Theology, vol. 1, p. 295; Neufeld, Confessions, pp. 66-67, 146.
[96] Cullmann, Earliest Confessions, p. 32; Wolfhart Pannenberg, “A Dialogue on Christ’s Resurrection,” in Christianity Today, 12/14, April 12, 1968, pp. 9-11.
[97] Weber, The Cross, p. 58; Hengel, The Atonement, p. 37.
Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry (Ann Arbor: University Microfilms, 1976), pp. 114 171; Orr, The Resurrection of Jesus,
الفصلين الثامن والتاسع على وجه الخصوص.
[99] ظهرت العديد من الانتقادات الممتازة لهيوم والمزيد من التحديثات الأخيرة، مما كشف بطلان مثل هذه المحاولات. على سبيل المثال، انظر
S. Lewis, Miracles (New York: Macmillan, 1961); Richard Swinburne, The Concept of Miracle; Werner Schaaffs, Theology, Pnysics and Mracles, transl. by Richard L. Renfield (Washington, DC: Canon Press, 1974); Gary R. Habermas, “Skepticism: Hume” in Norman L. Geisler, ed., Biblical Errancy: An Analysis of its Philosophical Roots (Grand Rapids: Zondervan, 1981).
[100] لمزيد من التفاصيل، بما في ذلك قائمة المصادر الأولية من هذا الرفض في القرن التاسع عشر لوجهات نظر بعضهم البعض، انظر
Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry, pp. 286-293.
[104] كما ذكرنا سابقًا، فإن البعض لا يشمل القبر الفارغ كحقيقة معروفة، لكن العديد من العلماء يقبلونه على أنه تاريخي. للحصول على دفاع ممتاز عن هذه الحقيقة، انظر
Edward Lynn Bode, The First Easter Morning, Analecta Biblica 45 (Rome: Biblical Institute, 1970), pp. 155-175; William Lane Craig, “The Empty Tomb of Jesus,” pp. 173-200; Robert H. Stein, “Was the Tomb Really Empty?” in the Journal of the Evangelical Theological Society 20 (1977), pp. 23-29.
[105] هذا لا يشمل حتى تجربة أكثر من 500 شخص الذين ادعوا أيضًا أنهم رأوا يسوع المقام، والذين أكد بولس بخصوصهم أن معظمهم لا يزالون على قيد الحياة ويمكن استجوابهم.
[106] ميزة استخدام أربع حقائق فقط هي أنه مع هذا العدد الصغير، هناك دعم أوسع لهذه الحقائق بين العلماء الناقدين. بالإضافة الى ذلك، تكشف هذه الأربعة عن مدى قوة حالة القيامة في الواقع. ولكن يجب التنبيه الى أن حجة القيامة لا تتوقف على هذه الحقائق الأربع وحدها. في الواقع، لا يوجد سبب محدد لاستخدام أربعة فقط، باستثناء توضيح نقطة تتعلق بشهادتهم القوية.
[107] للحصول على عينة من اللاهوتيين النقديين الذين يقبلون هذه الحقائق الأساسية الأربع، انظر
Fuller, Resurrection Narratives especially pp. 27-49; Bultmann, Theology, vol. 1, pp. 44-45; Tillich, Systematic Theology, vol. 2, pp. 153-158; Bornkamm, Jesus, pp. 179-186; Wilckens, Resurrection, pp. 112-113; Pannenberg, Jesus, pp. 88-106; Moltmann, Theology of Hope, especially PP. 197-202; Hunter, Jesus, pp. 98-103; Perrin, Resurrection, pp. 78-84; Brown, Bodily Resurrection, especially pp. 81-92; Paul VanBuren, The Secular Meaning of the Gospel (New York: Macmillan, 1963), pp. 126-134.
[108] انظر بشكل خاص (أعمال 1: 1-11؛ 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 30-32؛ 10: 39-43؛ 13: 30-31).
[109] قارن شهادة المؤرخ مايكل جرانت (Jesus: An Historian’s Review, p. 176) بشهادة عالم اللاهوت رودولف بولتمان (Theology, vol. 1, p. 45) الذي يتفق في هذه المرحلة مع الدراسة ككل.
Michael Grant, Jesus: An Historian’s Review of the Gospels (New York: Scribner’s, 1977), especially pp. 175-178; W.T. Jones, The Medieval Mind (New York: Harcourt, Brace, Jovanovich, 1969), pp. 34-35; Carl Braaten, History and Hermeneutic (Philadelphia: Westminster, 1966), p. 78.
[116] See Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: An Apologetic, chapter 1
لهذه الحجة في شكل موسع، بما في ذلك الدعم لهذه الحقائق.
[117] لا يمكن هنا تقديم توسعات لهذه الانتقادات والعديد من التفنيدات الإضافية التي تم جمعها من القائمة الأكبر للحقائق التاريخية المعروفة أعلاه. للحصول على معالجة أكثر اكتمالاً لهذه النظريات البديلة وغيرها، انظر
Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry, PP. 114-171.
[118] توفر الحقائق المعروفة الإضافية أيضًا حججًا مهمة أخرى لهذا الحدث، مثل الأدلة الأخرى المدرجة هناك. ربما يكون التوضيح باستخدام قضية محكمة مفيدًا. سوف نفترض أن أكثر من عشرة من شهود العيان قد لاحظوا بوضوح بعض الأحداث التي تضمنت رؤية شخص يقوم بسلسلة من الأعمال في مناسبات مختلفة. جاءت هذه الشهادة مباشرة بعد الوقائع نفسها، وكان شهود العيان حازمين في ادعاءاتهم، كما ثبت في نقاط عديدة. علاوة على ذلك، لا يمكن للمحامي الخصم ومساعديه دحض الشهادة حتى بعد سنوات من البحث حرفيًا، على الرغم من اهتمامهم بذلك. لا يمكن إثبات الكذب أو التواطؤ أو غيره من الاحتيال أو الهلوسة أو أي وسيلة أخرى للتزوير أو سوء الفهم. من المسلم به أن هناك حجة قوية للغاية مفادها أن هذا الشخص المعني قد تمت رؤيته، حقيقة، من قبل هؤلاء الأشخاص في تلك الأماكن والأوقات. لكن الأكثر دلالة، يمكن بناء قضية محدودة ولكن يمكن إثباتها فقط على أساس الحقائق التي اعترف خصومهم بصحتها. وهكذا يمكن أن تستند الحجة على الشهادة العدائية وحدها.
من الناحية النظرية، هل ستقتنع هيئة المحلفين إذا دافع المحامي الخصم أنه “ربما لم ير الشهود حقًا الشخص لسبب غير معروف على الرغم من الأدلة” أو “ليس مهمًا حقًا سواء رأوه أم لا”؟ من الواضح أن هذه ردود غير مناسبة لأن الشهادة تكشف أن شهود العيان قد رأوا الشخص حرفياً.
ومع ذلك، فإن الدليل على قيامة يسوع هو في الواقع أفضل من هذا. من المؤكد، كما هو الحال في قضية المحكمة، أن يتخذ الأشخاص قرارًا بشأن هذا الحدث، ولكن على عكس قضية المحكمة، فإن قرارهم لا يحدد المشكلة. يتم تأسيس الحقيقة التاريخية على الدليل وحده وليس بأي قرار. وهنا تظهر أدلة القيامة أن شهود العيان الأوائل رأوا يسوع المقام، وكذلك الطبيعة الحرفية لهذه الظهورات. محاولات حاسمة تفشل في هذه المرحلة.
[119] وتجدر الإشارة هنا الى أن العهد الجديد يؤكد أن المؤمن قد حصل على تأكيد لهذا الحدث (بالإضافة الى حقائق أخرى عن الله) بشهادة الروح القدس (رومية 8: 16؛ يوحنا الأولى 5: 9-13). لا يحتاج المؤمنون الى الاعتماد على تحقيقات منهجية التأويل الحرجة، كما حدث هنا. يمكن لمثل هذه العمليات تأكيد ما تم اعتماده بالفعل، أو الإجابة على أسئلة المشككين.
[120] انظر Grant, Jesus: An Historian’s Review للحصول على مثال لعمل تاريخي نقدي يكشف عن بيانات سابقة أخرى (بالإضافة الى قوانين الإيمان) تتعلق بحياة يسوع. مرة أخرى، يعترف غرانت أيضًا بالحقائق الأساسية الأربع (الصفحات من 175 الى 178). انظر المجتمع الروماني لـ شيروين وايت
A.N. Sherwin-White, Roman Society and Roman Law in the New Testament (London: Oxford Univ. Press, 1963)
للحصول على مثال لمؤرخ قديم آخر يستخدم أيضًا المنهجية النقدية ويطبقها على محاكمة يسوع ورحلات بولس على وجه الخصوص. ومن المثير للاهتمام، أن شيروين وايت وجد أن نصوص العهد الجديد المناسبة جديرة بالثقة للغاية في هذه النقاط (انظر الصفحات 186 – 193).
[121] لذلك، لن يتم تضمين بعض الأعمال المعروفة مثل راعي هرماس في هذه المناقشة على الإطلاق، لأنها تحتوي على القليل مما يمكن اعتباره معلومات تاريخية عن يسوع.
[129] ربما من عام 48 بعد الميلاد إذا كانت غلاطية هي الرسالة الأولى لبولس.
[130] ربما تشير غلاطية 1: 19 الى استشارة أولية خاصة. راجع أعمال الرسل 9: 27-28، حيث التقى بولس بمجموعة أكبر في أورشليم.
[131] تشير قائمة ظهورات القيامة في كورنثوس الأولى 15: 4-8 الى أنها حدثت في فترة زمنية محدودة.
[132] Dale C. Allison, “The Pauline Epistles and the Synoptic Gospels: The Pattern of the Parables,” New Testament Studies, 28 (1982): 1-32.
[133] David Michael Stanley, The Apostolic Church in the New Testament (Westminster, Md.: Newman Press, 1967), pp. 34-37, 364-69.
[134] Martin Hengel, Crucifixion: In the Ancient World and the Folly of the Message of the Cross, Fortress Press; First American Edition (September 1, 1977), 46-63.
[136] ديونيسيوس، Roman Antiquities 5.51.3)) “أثناء ذلك، تم تشكيل مؤامرة ضد الدولة، واتفق العديد من العبيد معًا للاستيلاء على المرتفعات وإشعال النار في المدينة في العديد من الأماكن. ولكن، المعلومات التي قدمها شركاؤهم، تم إغلاق البوابات على الفور من قبل القناصل واحتلت جميع الأماكن القوية في المدينة من قبل الفرسان. وعلى الفور تم القبض على كل من أعلن المخبرون عن اهتمامهم بالمؤامرة إما في منازلهم أو تم إحضارهم من البلاد، وبعد تعرضهم للجلد والتعذيب تم صلبهم جميعًا.”
ليفي، The History of Rome 22.13.9)) “عندئذ قام بجلد المرشد، ولإرهاب الآخرين قام بصلبه.”
يوسيفوس، The Wars of the Jews, 5.449)) “بل شدة المجاعة جعلتهم يجرؤون على الخروج هكذا. فلم يبق شيء إلا إذا أخفوا عن اللصوص يجب أن يأخذهم العدو. وعندما كانوا سيؤخذون، أُجبروا على الدفاع عن أنفسهم خوفًا من العقاب؛ كأنهم بعد أن قاتلوا، ظنوا أن الأوان قد فات لتقديم أي دعاء للرحمة؛ لذلك جُلدوا أولاً، ثم عُذبوا بكل أنواع التعذيب، قبل موتهم، ثم صلبوا أمام سور المدينة.” راجع نفس الكتاب 550. وراجع أيضاً فيلو، ضد فلاكوس Against Flaccus 65-85.
[138] “فكل العذابات كانت مباركة ونبيلة بمشيئة الله. لأننا نحن الذين نعلن تقوى أعظم من غيرنا، ننسب إلى الله السلطان على كل الأشياء. وحقاً من لا يعجب بنبل عقلهم وصبرهم مع ذلك الحب الذي أظهروه لربهم؟ -الذين، عندما تمزقهم الويلات، فإن هيكل أجسادهم، حتى الأوردة والشرايين الداخلية للغاية، كانت مرئية، ولا يزالون يتحملون بصبر.” The Martyrdom of Polycarp, 2
[139] “حيث جلد حتى ظهرت عظامه للعيان. ومع ذلك لم يتضرع لنفسه ولم يذرف دموعًا، بل وجه صوته إلى أكثر نبرة حزينة ممكنة، فكان جوابه عند كل ضربة سوط: “وا أسفاه، وا أسفاه على أورشليم!” The Wars of the Jews, 6.304
[140] “فلما سمع رئيسهم وقادتهم دخلوا البيت. ثم جذبهم إلى الجزء الأكثر بعداً عن الناس في المنزل، وأغلق باب تلك الغرفة حيث وضعهم، ثم جُلدوا حتى ظهر كل جزء من أمعائهم عريانًا.” The Wars of the Jews, 2.612
[142] Lucian, The Death of Peregrine, 34. راجع لوقا 23 :27 والذي يؤكد مصداقية روايات الأناجيل
[143] راجع Hengel, Crucifixion,31-32) ) حاشية رقم 25.حيث يقدم هينجل قائمة بالمراجع التي تقول باستخدام المسامير في عملية الصلب. إلى قائمة هينجل قد نضيف يوسيفوس، الذي يكتب عن تسمير على الصليب (JW 4.451). وتاسيتوس (Annals 15.44)، الذي أفاد بأن نيرون ثبت المسيحيين على الصلبان ثم في المساء أضرموا فيهم النيران لإضاءة حدائقه. من الصعب تخيل استخدام الحبال هنا، لأن النار كانت ستحرقها.
[151] تحدث لوسيان، وهو كاتب ساخر يوناني من القرن الثاني، بسخرية إلى حد ما عن يسوع والمسيحيين الأوائل. كانت وجهة نظره هي انتقاد المسيحيين لكونهم أناسًا ساذجين لدرجة أنهم، مع القليل جدًا من الضمانات، يوافقون على الدجالين الذين يمثلون أنهم مُعلّمين، وبالتالي يدعمون هؤلاء الأشخاص حتى لدرجة جعلهم أثرياء. في سياق نقده يروي بعض الحقائق المهمة عن يسوع والمسيحيين:
“المسيحيون، كما تعلمون، يعبدون رجلاً حتى يومنا هذا -الشخص المتميز الذي قدم طقوسهم الجديدة، وصُلب على هذا الأساس. . .. كما ترون، تبدأ هذه المخلوقات الضالة بالاعتقاد العام بأنها خالدة إلى الأبد، وهو ما يفسر ازدراء الموت والتفاني الطوعي للذات، وهما أمران شائعان جدًا بينهم؛ ثم تأثرهم بمشرعهم الأصلي أنهم جميعًا إخوة، منذ لحظة تحولهم، وإنكار آلهة اليونان، ويعبدون الحكيم المصلوب، ويعيشون وفقًا لقوانينه. كل هذا يؤمنون به تمامًا، ونتيجة لذلك يحتقرون كل الخيرات الدنيوية على حد سواء، مُعتبرينها مجرد ملكية مشتركة.”
[152] في وقت ما بين أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثالث، كتب السوري مارا بار سرابيون إلى ابنه سرابيون وصفًا لامبالاة مؤامرة اليهود لقتل يسوع عندما أكد، “ما هي الفائدة التي اكتسبها اليهود من إعدام ملكهم الحكيم؟ وبعد ذلك بقليل ألغيت مملكتهم”.
Gary R. Habermas, The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ (Joplin, MO: College Press Publishing Company, 1996), 192-196.
[153] انظر الفصل بعنوان “يسوع التاريخي في التقليد الشفهي قبل تكوين العهد الجديد”.
[154] انظر الفصل بعنوان “يسوع التاريخي في كتابات الآباء الأوائل”.
[155] Josephus, The Life of Flavius Josephus, 420-421.
[156] ممارسة كسر ساقي الضحية لم تكن معتادة ولكنها كانت أداة لتعجيل الموت راجع Cicero, Philippics, 13.27. انظر يوحنا 19: 31-33.
من المشكوك فيه ما إذا كان كوينتليان كتب هذا العمل. ومع ذلك، فإن التأليف ليس وثيق الصلة، لأننا مهتمون فقط بما يقوله النص عن ممارسات الصلب.
[158] ” كلا، لقد وصلوا إلى هذه الدرجة من المعصية، حيث رموا جثثهم دون دفن، على الرغم من أن اليهود كانوا يهتمون كثيرًا بدفن الرجال، لدرجة أنهم أنزلوا أولئك الذين حكم عليهم وصلبوا ودفنوهم قبل غروب الشمس.”
Josephus, The Wars of the Jews, 4.317.
[159] حجة ليكونا هنا هي نفس حجة عالم العهد الجديد ديفيد شتراوس الذي يعود له الفضل في القضاء على نظرية الإغماء تماماً في الأوساط الأكاديمية. راجع:
David Friedrich Strauss, A New Life of Jesus volume 1, Williams and Norgate, 1865, 408-412.
[160] John Dominic Crossan, Jesus: A Revolutionary Biography (San Francisco: Harper Collins, 1994), 145; cf. 154, 196, 201.
[161] Marcus J. Borg, Jesus: A New Vision: Spirit, Culture, and the Life of Discipleship (San Francisco: Harper Collins, 1987), 179; cf. 178-84.
[162] James D. Tabor, The Jesus Dynasty: The Hidden History of Jesus, His Royal Family, and the Birth of Christianity, Simon & Schuster; Illustrated edition (April 24, 2007), 230.
[163] Raymond E. Brown, The Death of the Messiah: From Gethsemane to the Grave: a Commentary on the Passion Narratives in the Four, vol 2, Anchor Bible; First Edition (February 1, 1994), 1373.
[164] Gerd Lüdemann, The resurrection of Christ : a historical inquiry, Amherst, NY : Prometheus Books, 50.
[165] Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective, Wipf and Stock (March 12, 2002), 32. يجادل لابيد فيما بعد لإثبات صحة قيامة يسوع
[166] Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? : The Historical Argument for Jesus of Nazareth, HarperOne (March 19, 2013), 14.
[167] Craig, William L., “Does God Exist? Responding to the New Atheism” (working paper, Impact 360 Institute, Atlanta, 2014).
[168] انظر الفصل بعنوان “يسوع التاريخي في التقليد الشفهي” للاطلاع على أدلة بعض هذه الحقائق.
[169] Horst Georg Pohlmann, Abriss der Dogmatik, 3rd rev. ed. (Dusseldorf: Patmos Verlag, 1966), 230.
[170] راجع الفصل بعنوان “هل كان القبر فارغاً حقاً؟”
[172] راجع فصل “يسوع التاريخي في التقليد الشفهي” قسم بعنوان “1 كورنثوس 15: 3 ومايليها.”
[173] John A. T. Robinson, The Human Face of God (Philadelphia: Westminster, 1973), 131.
[174] يوافق عالم العهد الجديد الملحد جيرد لودمان عن هذا فيقول: “إذا انضم الرسول-بولس-إلى التقليد اليهودي ذاته الذي يفترض مسبقًا أن هوية الجثة هي نفسها هوية الجسد المُقام… علاوة على ذلك، في 1 كورنثوس 15: 5-8، قام بفهرس شامل لشهادات قيامة يسوع، وبعد ذلك في الآيات 16-19 يؤكد على ضرورة الإيمان بالقيامة الجسدية في المستقبل -التي تستند إلى قيامة المسيح بالجسد. لذلك، من المنطقي أن نفترض أن بولس اعتبر قبر يسوع فارغًا.”
Gerd Ludemann, The Resurrection Of Christ: A Historical Inquiry Prometheus (October 1, 2004), p. 70.
[175]يؤكد على هذا أيضاً العالم اليهودي بينشاس لابيد الذي أقر بحقيقة قيامة يسوع حيث قال “وفقًا لجميع تقارير العهد الجديد، لم ترَ عين بشرية القيامة نفسها، ولم يكن هناك إنسان، ولم يؤكد أي من التلاميذ أنه أدرك، ناهيك عن فهم، أسلوبها وطبيعتها. كم كان من السهل عليهم أو لخلفائهم المباشرين استكمال هذه الفجوة الفاضحة في تسلسل الأحداث بزخارف خيالية! ولكن على وجه التحديد، لأن أيًا من الإنجيليين لم يجرؤ على “تحسين” أو تجميل هذه القيامة غير المرئية، فإن الصورة الكلية للأناجيل تكتسب الثقة أيضًا.”
Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective, Wipf and Stock (March 12, 2002), p. 97.
[180] بحسب الأناجيل الأربعة، فإن النساء هن أول من يجدن قبر يسوع مفتوحًا وخاليًا. في رواية خيالية بحتة، كان يمكن للمرء أن يتجنب جعل النساء شهود رئيسيات على القيامة حيث تم اعتبارهن في اليهودية الحاخامية على أنهن غير قادرات على الإدلاء بشهادة صحيحة (قارن لوقا 24: 11).
يعود عدم الثقة تجاه تصريحات النساء في مسائل الإيمان إلى الكتاب المقدس العبري حيث جاء في مدراش قديم في سفر القضاة (13: 8 وما يليها) بشأن ولادة شمشون الموعودة:
قال منوح للملاك: “حتى الآن سمعت من المرأة أن لي ولداً … لكن لا يمكن للمرء أن يعتمد على كلام النساء، ولكن الآن قد تأتي الكلمة من فمك، أود أن اسمعها؛ لأنني لا أثق في كلامها؛ ربما تكون قد غيرت أو حذفت أو أضافت شيئًا” (Numbers Rabbah 10).
تنطبق قصة مماثلة على الأم سارة التي أنكرت ببساطة عدم إيمانها بميلاد ابنها الذي وُعد لها: “فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: «لَمْ أَضْحَكْ».” (تكوين 18: 15). من هذا المقطع تم تعليم أن النساء غير قادرات على الإدلاء بشهادتهن أمام المحكمة (Yalkut Shimoni I, 82)، ومع ذلك، في حالات استثنائية (Rosh Ha-Shanah 22a) سُمح للمرأة بالإدلاء بشهادتها أمام المحكمة بأن رجلاً قد مات حتى سُمح لأرملته بالزواج مرة أخرى، وكان لابد من ضرب التلاميذ كمفارقة حيث أرادت النساء هنا أن يشهدن على عكس ذلك، أي قيامة شخص ميت.
بالإضافة إلى ذلك، هناك حقيقة أن النساء في القبر الفارغ كن في حالة من الإثارة الشديدة، “لأنهن قد وصلن إلى رِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ”. حتى أنهن هربن في البداية من القبر “وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ.” (مرقس 16: 8). كان من المحتمل أن يكون أحد الشهود مريم المجدلية “الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ” (لوقا 8: 2) -وهو ما قد يشير على الأقل إلى الهستيريا -يقلل من مصداقية تقاريرها. لذلك، لا حاجة لمزيد من التوضيح عندما نسمع أن التقرير الأول عن القيامة لاقى آذانًا صماء حتى في دائرة التلاميذ الأوائل: “فَتَرَاءَى كَلاَمُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ.” (لوقا 24: 11).
إن الظروف التي أرادت فيها نفس النساء أن تدهن يسوع الميت بعد فترة وجيزة من دفنه، كما طالبت العادات اليهودية، تثبت أنه في الأساس لم يكن أي من التلاميذ أو النساء أنفسهن، اللائي كن بالتأكيد أكثر ميلًا إلى تصديق ذلك، توقع قيامته. إنه يزيد من مصداقية العبارات الإنجيلية الأساسية بأنه لا هذه الحقيقة التي من شأنها أن تضع كل تنبؤات المعاناة قبل الفصح موضع تساؤل، ولا ظهورات الملائكة للنساء التي سبقت كل شهادات الذكور عن القيامة، لم يتم التعامل معها بصمت.
Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective, p. 95-96.
[181] Jacob Kremer, Die Osterevangelien—Geschichten um Geschichte (Stuttgart: Katholisches Bibelwerk, 1977), 49—50.
[182] Gary Habermas, “Experience of the Risen Jesus: The Foundational Historical Issue in the Early Proclamation of the Resurrection,” Dialog 45 (2006): 292.
[183] ” لكن في النهاية، عندما يتم النظر في كل حجة ووزنها، يجب أن يكون الاستنتاج الوحيد المقبول للمؤرخ أن آراء الأرثوذكس، والليبرالي المتعاطف واللاأدري النقدي على حد سواء -وربما التلاميذ أنفسهم -هم ببساطة تفسيرات للحقيقة المربكة: أي أن النساء اللواتي انطلقن لتقديم احترامهن الأخير ليسوع وجدن في رعبهن، ليس جسداً، بل قبرًا فارغًا”
Geza Vermes, Jesus the Jew: A historian’s Reading of the Gospels (Fortress Press; 1st Fortress Press ed edition April 1, 1981), 41.
[184] C. H. Dodd, “The Appearances of the Risen Christ: A study in the form criticism of the Gospels,” in More New Testament Studies (Manchester: University of Manchester, 1968), 128.
[186] Hans Grass, Ostergeschehen und Osterberichte, 4th ed. (Gottingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1974), 80.
[187] Gerd Ludemann, What Really Happened to Jesus?, trans. John Bowden (Louisville, Kent.: Westminster John Knox Press, 1995), 80.
[188] R. H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives (London: SPCK, 1972), 2.
[189] C. Behan McCullagh, Justifying Historical Descriptions (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), 19.
[190] “على الرغم من أن مثل هذه الآراء حول الآلهة الوثنية كانت منتشرة على نطاق واسع في بعض الدوائر لسنوات، إلا أنها قوبلت بنقد مدمر بالقرب من نهاية القرن العشرين. هناك، بالتأكيد، علماء هنا أو هناك يواصلون الاعتقاد بأن هناك بعض الأدلة على موت الآلهة وقيامها. لكن حتى هؤلاء العلماء، الذين يبدو أنهم من الأقلية، لا يعتقدون أن هذه الفئة لها أي صلة بفهم التقاليد عن يسوع. “…” هل يمكن لأي شخص أن يذكر مصدرًا واحدًا من أي نوع يشير بوضوح إلى أن الناس في ريف فلسطين، على سبيل المثال، في أيام بطرس ويعقوب، كانوا يعبدون إلهًا وثنيًا مات وقام مرة أخرى؟ يمكنك الوثوق بي، إذا كان هناك مصدر كهذا، فسيتم التحدث عنه من قبل كل من يهتم بالمسيحية المبكرة. إنه غير موجود.”
Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? : The Historical Argument for Jesus of Nazareth, HarperOne (March 19, 2013), 195-196.
ويمكن الاطلاع على المزيد من التفنيدات لادعاءات اقتباس المسيحية من الوثنية في الفصل بعنوان “هل معتقدات المسيحية عن يسوع منسوخة من الديانات الوثنية؟”
[191] إن المؤرخين الحقيقيين للعصور القديمة يثورون فزعاً بسبب مثل هذه التأكيدات -أو سيكونون كذلك إذا كلفوا أنفسهم عناء قراءة كتاب فريك وغاندي. لا يقدم المؤلفان أي دليل على ادعاءاتهما المتعلقة بالأساطير المعيارية للآلهة البشرية. لم يذكرا أي مصادر من العالم القديم يمكن التحقق منها. ليس الأمر أنهم قدما تفسيرًا بديلاً للأدلة المتاحة. لم يستشهدا حتى بالأدلة المتاحة. ولسبب وجيه. لا يوجد مثل هذا الدليل.
ما الدليل، على سبيل المثال، على أن أوزوريس ولد في 25 ديسمبر أمام ثلاثة رعاة؟ أم أنه صلب؟ وأن موته أتى بالتكفير عن الخطية؟ أم أنه عاد إلى الحياة على الأرض بقيامته من الأموات؟ في الواقع، لا يوجد مصدر قديم يقول أي شيء من هذا القبيل عن أوزوريس (أو عن الآلهة الأخرى). لكن فريك وغاندي يدعيان أن هذه معرفة عامة. وهما “يثبتان” ذلك من خلال الاستشهاد بكتاب آخرين من القرنين التاسع عشر والعشرين قالوا ذلك. لكن هؤلاء الكتاب أيضًا لا يستشهدون بأي دليل تاريخي. كل هذا يعتمد على التأكيد، الذي صدقه فريك وغاندي لمجرد أنهما قرأه في مكان ما. هذه ليست دراسة تاريخية جادة. إنها كتابة مثيرة مدفوعة بالرغبة في بيع الكتب.
Ehrman, Did Jesus Exist?, 26.
[192] كتب الراحل جيمس دن بخصوص موضوع عدم تبجيل القبور عند حديثه عن مصداقية قبر يسوع الفارغ: ” هناك اعتبار قوي آخر لصالح تقارير القبر الفارغ التي تعتبر متأصلة في الحقائق التاريخية وهو عدم وجود أي تبجيل للمقابر في المسيحية المبكرة. نحن نعلم أنه كان من المعتاد في زمن يسوع أن يلتقي المصلين عند قبر النبي الميت للعبادة. تنعكس هذه الممارسة في متى 23: 29 (“تبني قبور الأنبياء وتزين آثار الصالحين”). ويستمر هذا اليوم في التبجيل الممنوح لمقابر إبراهيم في حبرون وداود في اورشليم. يسوع: الدليل قدم لقطات رائعة للعبادة التي لا تزال تمارس في قبر الشخص الأقل شهرة القريب زمنياً ليسوع، الحاخام ذو الشخصية الجذابة، Honi HaMe’agel هوني هاماجيل، “راسم الدائرة”.
ينظر المسيحيون اليوم بالطبع إلى موقع قبر يسوع بتقدير مماثل، وتعود هذه الممارسة على الأقل إلى القرن الرابع. لكن بالنسبة للفترة التي غطاها العهد الجديد وغيره من الكتابات المسيحية المبكرة، لا يوجد دليل على الإطلاق بالنسبة للمسيحيين فيما يتعلق بالمكان الذي دُفن فيه يسوع باعتباره ذا أهمية خاصة. لم يشهد المسيحيون الأوائل ممارسة تبجيل القبور، أو حتى الاجتماع للعبادة عند قبر يسوع. لو كانت هذه هي ممارسة المسيحيين الأوائل، مع كل الأهمية التي تفترضها الممارسة نفسها، فمن الصعب تصديق أن سجلاتنا عن مسيحية اورشليم والزيارات المسيحية لها لم تكن لتذكرها أو تلمح إليها بطريقة ما أو في مرحلة ما. هذا الصمت الغريب، الاستثنائي في ضوء الممارسة الدينية في ذلك الوقت، له تفسير واحد واضح. لم يعتبر المسيحيون الأوائل المكان الذي دُفن فيه يسوع ذا أهمية خاصة لأنه لم يُعتقد أن قبرًا يحتوي على بقايا يسوع الأرضية. لم يكن القبر مبجلاً، ولم يصبح مكانًا للحج، لأن القبر كان فارغًا!”
James D. G. Dunn, The Evidence for Jesus, Westminster John Knox Press; First Edition (January 1, 1985), 67-68.
[193] N. T. Wright, lecture at Asbury College and Seminary, 1999.
[194] بخصوص هذا أيضاً كتب دن بعد أن ساق العديد من الحجج لمصداقية تقارير ظهورات يسوع: ” عندما يجب احترام سلامة هذه التقارير المبكرة، فإن التفسير البديل الأكثر وضوحًا هو أن الشهود كانوا مخدوعين -ليسوا مخادعين، ولكن مخدوعين. بعبارة أخرى، لم تكن “ظهورات القيامة” في الواقع أكثر من مجرد إسقاطات هلوسة لآمال التلاميذ المحبطة، رؤى مولودة من الهستيريا. هنا أيضًا، تتعارض مثل هذه الفرضية مع احتمالية أكبر مما يتم إدراكه غالبًا.” ثم بعدها أثبت عدم جدوى نظرية الهلوسة.”
Dunn, Evidence for Jesus, 71.
[195] راجع فصل بمصداقية الصلب الخاص بـ مايكل ليكونا.
[196] “بمجرد أن يتحلل لحم المتوفى، كانوا يجمعون عظامه ويدفنونها في مكانها الصحيح في مقبرة دفن أجداده.”
Mishnah Sanhedrin 6: 5.
“عندما كان والدي يحتضر، أعطاني هذه التعليمات، “عند موتي، ادفنني أولاً في الوادي، ثم اجمع عظامي لاحقًا وضعها في تابوت …، لكن لا تجمعها بيديك. وقد فعلت.” semachot 12: 9
[197] “بعد أن يتم إنزال المخالف الذي تم إعدامه، يتم دفنه، ولن يدفنوه في مقبرة دفنه. بل تم إنشاء مقبرتان لدفن من أعدمتهم المحكمة: إحداهما لمن قُتِلوا بقطع الرأس أو الخنق، والأخرى لمن رُجِموا أو أُحرِقوا……. وبعد الإعدام بقليل يأتي أقارب المخالف الذي تم إعدامه ويستفسرون عن مصلحة القضاة وصالح الشهود، وكأنهم يقولون: لا نحمل عليكم ضغينة كما حكمتم بحكم صحيح. ولا يحزن أقارب الرجل الذي تم إعدامه عليه بطقوس الحداد المعتادة، حتى يكفر موته غير الحزين عن إثمه؛ لكنهم يحزنون على رحيله لأن الحزن محسوس في القلب فقط.” Mishnah Sanhedrin 6: 5-6
[198] “على الرغم من أن اليهود حريصون جدًا على طقوس الجنازة حتى أن المجرمين الذين حُكم عليهم بالصلب يتم إنزالهم ودفنهم قبل غروب الشمس.” Flavius Josephus, The Wars of the Jews 4. 317
[199] “لا يجوز لنا نقل جثة أو عظام من مكان شرف إلى آخر، أو من مكان عار إلى مكان شرف، وغني عن القول من مكان شرف إلى مكان عار؛ ولكن في ممتلكات [الميت] يجوز [النقل] حتى من مكان الشرف إلى مكان العار، لأنه من أجل شرفه.” semachot 13: 7
[200] “وعندما تحدثت إليهم هكذا، إذا زوجتي سيتيس جاءت راكضة مرتدية الخرق. لكنها سألته قائلة: “إني أسألكم، أيها السادة، أن تأمروا جنودكم بالحفر بين أنقاض منزلنا الذي سقط على أولادي، حتى يمكن جلب عظامهم إلى القبور في حالة ممتازة…. وقفت منتصبة، ونطقت أولاً بحمد الله وبعد الصلاة قلت لهم: “انظروا بأعينكم إلى الشرق”. ونظروا ورأوا أولادي بأكاليل بالقرب من مجد الملك، حاكم السماء.”
[201] Krister Stendahl, “Paul among Jews and Gentiles,” in Paul among Jews and Gentiles (Philadelphia: Fortess Press, 1976), 12—13.
E. Ladd, I Believe in the Resurrection of Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 1975) 136-142.
للاطلاع على مناقشة أقدم ولكن لا تزال مفيدة لبعض هذه النظريات، انظر
M. Smith, Therefore Stand (Boston: Wilde, 1945) 393-398.
[203] K. Lake, The Historical Evidence for the Resurrection of Jesus Christ (New York: Putnam, 1907) 251-252; P. Gardner-Smith, The Narratives of the Ressurection (London: Methuen, 1926) 134–139.
[204] J. K.lausner, Jesus of Nazareth (Boston: Beacon, 1925) 357.
لم يكن كلاوسنر بأي حال من الأحوال أول من اقترح هذا التفسير. في وقت مبكر من القرن الثامن عشر، صور ك.ف. باهردت يوسف الرامي على أنه يسرق جسد يسوع من الكهف، ولكن في تصوير باهردت، تم إحياء يسوع واستمر في خدمته سرًا عبر العديد من ظهورات “القيامة”. وبالتالي
Schweitzer, The Quest of the Historical Jesus (New York: Macmillan, 1966) 43-44.
وضع نظرية مشابهة إلى حد ما. وفقًا لبالدينسبيرغر، على الرغم من دفن يسوع في قبر جماعي من قبل اليهود، حصل يوسف الرامي على إذن من بيلاطس بنقل الجسد وإعادة دفنه في قبره. ومع ذلك، عادت النساء، اللائي رأين الدفن الأول، إلى مكان الدفن الأصلي ووجدته فارغًا افترضن أن يسوع قد قام من بين الأموات. على الرغم من إعلان قيامة يسوع في وقت لاحق والقبر الفارغ، فقد أبقوا هذا السر حتى وفاته. راجع أيضا
Pesch, “Zur Entstehung des Glaubens an die Auferstehung Jesu,” TQ 153 (1973) 206.
[205] هذه النظرية هي واحدة من أقدم التفسيرات العقلانية للقيامة وقد تم اقتراحها بالفعل في القرن الثامن عشر من قبل K.F Bahrdt وفي أوائل القرن التاسع عشر بواسطة K.H. Venturini و H.E.G Paulus.
[207] تم العثور على هذه “النظرية” الغريبة نوعًا ما في ترتليان، De Spectaculis, 30.
[208] L. D. Weatherhead, The Resurrection of Christ (London: Hodder and Stoughton, 1959) 43-45
[209] R. Bultmann, The History of the Synoptic Tradition (New York: Harper, 1968) 290,
الذي يقول، “إن قصة القبر الفارغ ثانوية تمامًا …. القصة هي أسطورة دفاعية مثل مرقس 16 8 • • • تظهر بوضوح. لا يعرف بولس شيئًا عن القبر الفارغ.” انظر أيضا
W. H. Lampe and D. M. MacKinnon, The Resurrection (London: Mowbray, 1966) 46-48: H.-W. Bartsch, Das Auferstehungszeugnis (Hamburg: Herbert Reich, 1965) 22; H. Grass, Ostergeschehen und Osterberichte (Gottingen: Vandenhoeck and Ruprecht, 1%2) 93. Yet P. Althaus, Die Wahrheit des kirchlichen Osterglaubens (Giitersloh: Bertelsmann, 1941) 26,
أشار إلى أنه إذا ظهرت قصة القبر الفارغ كدفاع عن القيامة، فمن الغريب أنها لا تخدم هذه الوظيفة في الحسابات نفسها (راجع مرقس 16: 8؛ لوقا 24: 22-24؛ يوحنا 20: 11-15). في هذا الصدد انظر أيضا
Leon-Dufour, Resurrection and the Message of Easter (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1971) 210.
[210] H. Schlier, Ober die Auferstehung Jesu Christi (Einsiedeln: Johannes, 1968) 28; F. Mussner, Die Auferstehung Jesu (Miinchen: Kosel, 1969) 69; G. O’Collins, The Resurrection of Jesus Christ (Valley Forge: Judson, 1973) 93.
[211] للاطلاع على مناقشة للسامية في روايات الإنجيل عن القبر الفارغ انظر
L. Bode, The First Easter Morning (Rome: Biblical Institute, 1970) 6, 58, 71.
[212] W. Pannenberg, “Did Jesus Really Rise from the Dead,” Dialog 4 (1965) 134; O’Collins, Resurrection, p. 43; Bode, First Easter, p. 177; Althaus, Wahrheit, p. 26; W. Künneth, The Theology of the Resurrection (St. Louis: Concordia, 1965), p. 92 n. 52.
هذا الأخير هو ملخص ممتاز ومختصر لهذه الحجة.
قيل أن مرقس 6 :14، 16 يدحض هذا الادعاء، حيث اعتقد البعض أن يسوع ربما كان يوحنا المعمدان الذي أقيم من الموت على الرغم من عدم وجود ادعاء بأن قبر يوحنا كان فارغًا. ومع ذلك، فإن مثل هذا التفكير في طبريا من قبل هيرودس أنتيباس، راعي الثقافة الهلنستية، لم يكن ممكنًا مع الفريسيين في أورشليم. بالنسبة لليهودي في أورشليم، وخاصة بالنسبة للفريسي المعادي والمتشكك، فإن أي ادعاء بالقيامة يتطلب قبرًا فارغًا.
[213] سي إف دي مول C. F. D. Moule في مقدمة المحرر لـ
The Significance of the Message of the Resurrection for Faith in Jesus Christ (London: SCM, 1968), 9.
تنص على أنه “من الصعب شرح كيف أن قصة [من المفترض] نشأت متأخرة وتشكلت فقط وفقًا للمطالب الدفاعية المفترضة تم تأطيرها في مصطلحات حصرية تقريبًا من النساء الشاهدات، اللواتي، على هذا النحو، اشتهرن بأنهن غير صالحين كشهود وفقًا لمبادئ الإثبات اليهودية. كلما تأخرت القصة وكلما كانت خيالية، كان من الصعب شرح سبب عدم إحضار الرسل إلى المقدمة كشهود “. أنظر أيضا Bode, First Easter, p. 158
[215] P. Benoit, The Passion and Resurrection of Jesus (New York: Herder, 1970) 228–229; Bode, First Easter, p. 160.
من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن بعض العلماء الذين يعتقدون أن قصة القبر الفارغ هي إضافة دفاعية متأخرة إلى روايات القيامة يؤكدون أن يوسف الرامي مرتبط بشكل ما تاريخيًا بقصة الدفن. انظر
يجادل في هذه النقطة بطريقة أكثر إقناعاً وإفحاماً. للحصول على ملخص لحجته انظر ص 179 -182
[217] R. H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives (New York: Macmillan, 1971) 10, and Bode, First Easter, pp. 91-93, لمناقشة تاريخ هذا التقليد.
[218] H. Conzelmann, A Commentary on the First Epistle to the Corinthians (Philadelphia: Fortress, 1975) 255; Fuller, Formation, pp. 15-16. For the opposing view see U. Wilckens, Auferstehung (Berlin: Kreuz, 1970) 20-22; A. Oepke, “egeir6,” TDNT (Grand Rapids: Eerdmans, 1964) II, 335. R. E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist, 1973),
بينما ينكر في الصفحات 83-84 أن مصطلح “دُفن” يشير إلى أن القبر كان فارغًا، يعتقد أن التعبير “قام في اليوم الثالث” ربما يشير إلى ذلك. انظر ص. 124.
[219] في كولوسي 2: 6، يجب أن نلاحظ أيضًا أن المقطع تم تقديمه من خلال “بما أنك قبلت المسيح يسوع الرب”، وهو نفس المصطلح الذي يقدم التقليد الموجود في كورنثوس الأولى 15: 3-4.
[220] يدرك المؤلف جيدًا الصعوبة التي ينطوي عليها معرفة معنى “التشابه” في رومية 6: 5 وما يرتبط به، ولكن من الواضح، على الأقل بالنسبة له، أنه بغض النظر عن كيفية الإجابة على هذه الأسئلة، فإن في الممعمودية يتذكر المؤمن بطريقة ما موت ودفن وقيامة يسوع. انظر
C. Tannehill, Dying and Rising with Christ (Berlin: Topelmann, 1966) 30-39,
لإجراء مناقشة ممتازة حول الطرق المختلفة التي تم تفسير “التشابه” بها.
[222] للحصول على مناقشة أكثر تفصيلا للآثار المترتبة على هذه المقاطع انظر
Manek, “The Apostle Paul and the Empty Tomb,” NovT2 (1957) 276-280.
[223] المناقشة هنا تتبع عن كثب العديد من كتابات المؤلف. للحصول على بعض التفاصيل، انظر
Gary R. Habermas, “The Evidential Method,” in Five Views on Apologetics, 108-1 2; Gary R. Habermas, “The Resurrection Appearances of Jesus,” in In Defense of Miracles: A Comprehensive Case for God’s Action in History, ed. R. Douglas Geivett and Habermas (Downers Grove, Ill.: Intervarsity Press, 1997), esp. 265-68; Habermas and Moreland, Beyond Death, 130-33; Habermas, The Historical Jesus, 160-61.
[228] Lüdemann, What Really Happened to Jesus, 4; Funk, Honest to Jesus, 36, 40; Marcus Borg, “Thinking about Easter,” Bible Review 10 (1994): 15; Perrin, Resurrection according to Matthew, Mark, and Luke, 80, 83; John Shelby Spong, Resurrection: Myth or Reality? (San Francisco: Harper San Francisco, 1994), 47; Grant, Saint Paul, 104.
Wolfhart Pannenberg, “Response to the Debate,” in Habermas and Flew, Did Jesus Rise from the Dead! 132; Wolfhart Pannenberg, Systematic Theology, vol. 2, trans. Geoffrey W. Bromily (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1991), 355; Hengel, The Atonement, 36-38; Barnett, Jesus and the Logic of History, 126-27, 142; cf. Meier, A Marginal Jew, 2: 219-20.
[233] موضوع روايات القيامة في الأناجيل موضوع منفصل يأخذنا إلى أبعد من تركيزنا على دليل بولس. يمكن للقارئ المهتم استشارة:
Osborne, The Resurrection Narratives, part 2; Craig, Assessing, part 2; C. H. Dodd, “The Appearances of the Risen Christ: An Essay in Form-Criticism of the Gospels,” in More New Testament Essays (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1968).
انظر أيضاً
Stephen T. Davis, “‘Seeing’ the Risen Jesus’’; William P. Alston, “Biblical Criticism and the Resurrection”; and Richard Swinburne, “Evidence for the Resurrection,” all in The Resurrection.
[235] Ben Witherington III, “Resurrection Redux,” in Will the Real Jesus! 140.
[236] Lüdemann, What Really Happened to Jesus, 13; Pannenberg, “Response to the Debate,” in Did Jesus Rise from the Dead? 129; Hengel, The Atonement, 38, 69; Stuhlmacher, Jesus of Nazareth, 8; Meier, A Marginal Jew, 1:118; O’Collins, Interpreting Jesus, 110; Meyer, The Aims of Jesus, 15; Samuel, “Making Room,” 107.
[238] Fuller, Formation of the Resurrection Narratives, 37.
يتفق غالبية العلماء الناقدين هنا. للحصول على بعض الأمثلة، انظر
Meier, A Marginal Jew, 2:70-71; Pannenberg, Jesus: God and Man, 97; Peter Stuhlmacher, “The Resurrection of Jesus and the Resurrection of the Dead,” trans. Jonathan M. Whitlock, Ex Auditu 9 (1993): 49; E. P. Sanders, “But Did It Happen?” The Spectator 276 (1996): 17; Kee, What Can We Know? 61; Oden, The Word of Life, 490; Lorenzen, Resurrection and Discipleship, 143-44; Davis, “‘Seeing’ the Risen Jesus,” 105-6, 138; William Lane Craig, “On Doubts about the Resurrection,” Modern Theology 6 (1989): 63-64; Ladd, I Believe in the Resurrection, 91, 105-6, 138; Osborne, The Resurrection Narratives, 229-31.
اثنان من العلماء المنفردين الذين يعتقدون أن يعقوب لم يكن غير مؤمن قبل ظهور يسوع هما ريتشارد باوكهام وجون بينتر. انظر مقالاتهما في
The Brother of Jesus: James the Just and His Mission, ed. Bruce Chilton and Jacob Neusner (Louisville, Ky.: Westminster John Knox Press, 2001). Even so, both Bauckham (“Jesus and James,” 106-7) and Painter (“Who Was James? Footprints as a Means of Identification,” 24) اعترف بأن الرأي السائد هو أن يعقوب كان غير مؤمن عندما ظهر له يسوع.
[239] Lüdemann, The Resurrection of Jesus, 109; also What Really Happened to Jesus, 102, cf. 14.
[240] Helmut Koester, Introduction to the New Testament, 2 vols. (Philadelphia: Fortress Press, 1982), 2:84.
ومن بين العلماء المتشككين الآخرين الذين يتبنون وجهة النظر التقليدية
Conzelmann, Corinthians, 258; Wedderburn, Beyond Resurrection, 116; Funk, Honest to Jesus, 33; Hoover, “A Contest,” 135; Betz, Galatians, 78; Duncan M. Derrett, The Anastais: The Resurrection of Jesus as an Historical Event (Shipston-on-Stour, England: P. Drinkwater, 1982), 98-99.
[242] لمقاطع العظات التي توجد فيها هذه المادة التقليدية، انظر أعمال الرسل (1 :21-22; 2 :22-36; 3 :13-16; 4 :8-10; 5 :29-32; 10 :39-43; 13 :28-31; 17 :1-3, 30-31.).
[243] للحصول على قائمة ببعض العلماء الذين وجدوا عبارات تقليدية مبكرة في أعمال الرسل، انظر
Gerd Lüdemann, Early Christianity According to the Traditions in Acts: A Commentary, trans. John Bowden (Minneapolis: Fortress Press, 1989), 47-49, 112-15; Helmut Merklein, “Die Auferweckung Jesu und die Anfange der Christologie (Messias bzw. Sohn Gottes und Menschensohn),” 2; Kloppenborg, “Analysis,” 361 ; Hengel, The Atonement, 34; Elliott, “The First Easter,” 215; Alsup, Post-Resurrection Appearance Stories, 6445, 81-85; Raymond E. Brown, An Introduction to New Testament Christology (Mahweh, N.J.: Paulist Press, 1994), 112-13, 164; Fuller, Formation of the Resurrection Narratives, 44-45; Pheme Perkins, Resurrection: New Testament Witness and Contemporary Reflection (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1984), 90, 228-31; J. Colin Hemer, The Book of Acts in the Setting of Hellenistic History, ed. Conrad H. Grempf (Winona Lake, Ind.: Eisenbrauns, 1990), 419-22, 427; Hugo Staudinger, “The Resurrection of Jesus Christ as Saving Event and as ‘Object’ of Historical Research,” Scottish Journal of Theology 36 (1983): 322; Gerald O’Collins, interpreting the Resurrection (Mahweh, N.J.: Paulist Press, 1988), 48-52; Fitzmyer, “The Ascension of Christ and Pentecost,” 404, 412-13; Durrwell, La Resurrection de Jesus: Mystere de Salut, 22; Johnson, Living Jesus, 34; Meyer, The Aims of Jesus, 61, 64, 66; Lapide, Resurrection of Jesus, 91; Rowan Williams, Resurrection: Interpreting the Easter Gospel (London: Darton, Longman and Todd, 1982), 7-1 1; Barnabas Lindars, “The Apocalyptic Myth and the Death of Christ,” Bulletin of the John Rylands University Library of Manchester 57 (1975): 367-68; Craig, Assessing, 36-38; Matthew Brook O’Donnell, “Some New Testament Words for Resurrection and the Company they Keep,” in The Resurrection, 138; Francis Schussler Fiorenza, “The Resurrection of Jesus and Roman Catholic Fundamental Theology,” in The Resurrection, 225-26; Drane, Introducing the New Testament, 99; Joost Holleman, Resurrection and Parousia: A Traditio-Historical Study of Paul’s Eschatology in 1 Corinthians 15 (Leiden, Netherlands: E. J. Brill, 1996), 141; Barnett, Jesus and the Logic of History, 29; Donald Goergen, The Death and Resurrection of Jesus: A Theology of Jesus (Wilmington, Del.: Michael Glazier, 1988), 2:233; Lawrence S. Cunningham, book review in Commonweal 125 (1998): 27-28; M. Gourges, A La Droite de Dieu: Resurrection de Jesus et Actualisation du Psaume 110: 1 dam in Noveau Testament (Paris: J. Gabalda et Cie Editeurs, 1978), esp. 169-78.
اثنين من أقدم الأعمال مع استنتاجات مدروسة جيدا
Dodd, Apostolic Preaching, 17-31; and Max Wilcox, The Semitisms of Acts (Oxford: Clarendon Press, 1965), esp. 79-80, 164-45. Hemer’s volume above has some similar research aims.
[247] في دراستي لأكثر من 1400 مصدر علمي حديث عن القيامة المذكورة أعلاه، قمت بتصنيف ثلاث وعشرين حجة للقبر الفارغ، بما في ذلك بعض الحجج المتداخلة. يقبل أكثر من مائة باحث معاصر واحدة أو أكثر من هذه الحجج. يقبل حوالي خمسة وثلاثين باحثًا واحدة أو أكثر من الحجج ضد القبر الفارغ. (بالطبع، العديد من المصادر الأخرى لا تتناول هذا الجانب بالذات).
[250] Thomas Torrance, Space, Time and Resurrection (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1976), 189-90.
[251] انظر متى 26: 56، 69-74؛ مر 14: 50، 66-72؛ لو 22: 55-72؛ يو 18: 25-27.
[252] توجد أمثلة على تحولهم في أعمال الرسل 2: 41-47؛ 4: 1-4، 8-21، 29-31؛ 5: 17-32، 40-42. 1 كو 15: 9-11 هو أحد تقارير بولس عن خدمة الرسل. تسجل الآية 1 تي 3: 16 اعترافًا مبكرًا آخر فيما يتعلق بالوعظ الرسولي. يظهر استعداد الرسل للموت في يو 21: 18-19؛ أعمال 7: 57-60، 12: 1-3، 21 :13، 25 :11؛ روم 14: 8؛ 1 كو 15: 30-32؛ 2 كو 4: 7-14، 11: 23-32؛ في 1: 20-24؛ راجع 2 بط 1: 13-15. استشهاد بطرس وبولس مذكوران في كليمندس الروماني (كورنثوس 5)، بينما روايات مختلفة إلى حد ما عن استشهاد يعقوب أخي يسوع، ذكرها كل من يوسيفوس (الآثار 20: 9: 1) وهيجسبوس (المسجل في يوسابيوس، التاريخ الكنسي 2: 23). ذكر يوسابيوس استشهاد يعقوب شقيق يوحنا وبطرس وبولس (التاريخ الكنسي 2: 9، 2 :25).
[253] انظر الشهادات المسيحية في إكليمندس الروماني (كورنثوس 42) وإغناطيوس (سميرنا 3 وبرنابا 5). تم العثور على التقارير العلمانية في تاسيتوس (حوليات 15: 44) والاقتباس المتنازع عليه من قبل يوسيفوس (الآثار 18: 3)؛ مثل هذا التقرير مضمن في رسالة مارا بار سيرابيون (في المتحف البريطاني).
[254] Michael Grant, Saint Peter: A Biography (New York: Scribner, 1994), 96.
[255] N. T. Wright, Jesus and the Victory of God, vol. 2 of Christian Origins and the Question of God (Minneapolis: Fortress Press, 1996), 659.
[260] Meyer, The Aims of Jesus, 68. See also Hans-Werner Bartsch, “Inhalt und Funktion des Urchristlichen Osterglaubens,” New Testament Studies 26 (1980): 180.
[261] N. T. Wright, Who Was Jesus? (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1992), 34.
Robinson, Can We Trust, 123; Maier, In the Fullness of Time, 200; Paul Maier, “The Empty Tomb as History,” Christianity Today 19 (1975): 4-6.
[263] Cranfield, “The Resurrection of Jesus Christ,” 170.
[264] تأسست مؤسسة الكنيسة المسيحية على القيامة (متى 28: 18-20؛ لوقا 24: 45-49؛ أعمال الرسل 1: 4-8). علاوة على ذلك، كان هذا الأحد هو يوم العبادة المسيحي منذ الكنيسة الأولى (1 كو 16: 1-2؛ أعمال الرسل 20: 7) يجب شرحه، لا سيما بالنظر إلى أن المسيحيين الأوائل كانوا يهودًا موحدين، اعتادوا على العبادة يوم السبت…كان يوم الأحد ذكرى يوم القيامة (مر 16: 1-2؛ 1 كو 15: 3-4).
[265] كلا الاقتباسين من Fuller, Foundations of New Testament Christology, 142.
[268] حتى عينة من عشرات العلماء الناقدين الجدد الذين يعتقدون أن تلاميذ يسوع لديهم تجارب حقيقية أدت بهم إلى استنتاج أنهم رأوا ظهورات ليسوع القائم من بين الأموات، سواء حدثت القيامة بالفعل أم لا، ستكون هائلة. مثل هذا الاستطلاع، بما في ذلك عدد كبير من العلماء الناقدين للغاية، يشمل:
Koester, Introduction to the New Testament, 284; Goulder, “The Baseless Fabric,” 48; Borg, “Thinking about Easter,” 15; Crossan, Jesus, 190; Funk, Honest to Jesus, 40, 266; Hoover, “A Contest,” 131, 92-97, 111, 141; Rudolf Pesch, “Zur Entstehung des Glaubens an die Auferstehung Jesu: Ein neuer Versach,” Freiburger Zeitschrift fur Philosophie und Theologie 30 (1983): 87; Anton Vogtle in Vogtle and Rudolf Pesch, Wie kam es zum Osterglauben! (Dusseldorf, Germany: Patmos-Verlag, 1975), 85-98; John Galvin, “Resurrection as Theologia Crucis Jesu: The Foundational Christology of Rudolf Pesch,” Theological Studies 38 (1977): 521-23; Conzelmann, Corinthians, 258-66; Perrin, The Resurrection, 80-83; Ludemann, The Resurrection of Jesus, 37, 50, 66; Kent, Psychological Origins, 18-19; James Keller, “Response to Davis,” Faith and Philosophy 7 (1990): 114; Hans Werner Bartsch, “lnhalt und Funktion des Urchristlichen Osterglaubens,” New Testament Studies 26 (1980): 180, 194-95; James M. Robinson, “Jesus from Easter to Valentinus (or to the Apostles’ Creed),” Journal of Bibilical Literature 101 (1982): 8, 20; Wells, Did Jesus Exist! 32, 207; Martin, The Case against Christianity, 83, 90; Spong, Resurrection, 51-53, 173; Sheehan, The First Coming, 91; Elliott, “The First Easter,” 209-10, 220; Wedderburn, Beyond Resurrection, 47, 188; Karl Rahner, Foundations of Christian Faith: An Introduction to the Idea of Christianity, trans. William V. Dych (New York: Seabury Press, 1978), 265, 277; Wolfhart Pannenberg, “Die Auferstehung Jesu: Historie und Theologie,” Zeitschrift fur Theologie und Kirche 91 (1994): 320-23; Moltmann, Theology of Hope, 172-73; Brown, Virginal Conception, 125-29; Dunn, The Evidence for Jesus, 75; Johnson, The Real Jesus, 136; Kasper, Jesus the Christ, 124-25; Davis, Risen Indeed, 182; Staudinger, “Resurrection of Jesus Christ,” 312, 318-20; Cranfield, “The Resurrection of Jesus Christ,” 169; Williams, Resurrection, 97, 11 7-19; Alsup, Post-Resurrection Appearance Stories, 274; Fuller, Formation of the Resurrection Narratives, 47-49, 181; Jacob Kremer, Die Osterevangelien-Geschichten um Geschichte, 2nd ed. (Stuttgart, Germany: Verlag Katholisches Bibelwerk, 1981), esp. 153-55; Meyer, The Aims of Jesus, 60; Meier, A Marginal Jew, 3:70, 235, 252; Sanders, The Historical Figure of Jesus, 10-13, 278-80; Wright, “Christian Origins,” 118; Joseph Dore, “Croire en la Resurrection de Jesus-Christ,” Etudes 356 (1982), 532; Fiorenza, “Resurrection of Jesus,” 238, 243-47; O’Collins, Jesus Risen, 118-19; Craig, Assessing, esp. part 3; Robinson, Can We Trust! 120-27; Philip Jenkins, Hidden Gospels: How the Search for the Historical Jesus Lost its Way (New York: Oxford University Press, 2001), 78; Grant, Jesus, 176; Drane, Introducing the New Testament, 101-4; Charles Austin Perry, The Resurrection Promise (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1986), 4; Lindars, “Resurrection and the Empty Tomb,” in The Resurrection of Jesus Christ, 127; Lapide, Resurrection of Jesus, 125-28; Samuel, “Making Room,” 108-1 0; HansJürgen Verweyen, “Die Ostererscheinungen in fundamentaltheologischer Sicht,” Zeitschrift fur Katholische Theologie 103 ( 1981): 429; Lorenzen, Resurrection and Discipleship, 123, 130-32; Goergen, Death and Resurrection, 127-28, 261; William P. Loewe, “The Appearances of the Risen Lord: Faith, Fact, and Objectivity,” Horizons 6 (1979): 190-91; Kee, What Can We Know! 1-2, 23, 86, 113; Witherington, “Resurrection Redux,” 13 1-32; John Pilch, “Appearances of the Risen Jesus in Cultural Context,” Biblical Theology Bulletin 28 (1998): 59; Adrian Thatcher, “Resurrection and Rationality,” in The Resurrection of Jesus Christ, 180; Traugott Holtz, “Kenntnis von Jesus und Kenntnis Jesu: Eine Skizze zum Verhaltnis zwischen historisch-philologisher Erkenntnis und historisch-theologischem Verstandnis,” Theologische Literaturzeitung 104 (1979): 10; Peter Stuhlmacher, Was geschah auf Golgatha? Zur Heilsbedeutung von Kreuz, Tod und Auferweckung Jesu (Stuttgart, Germany: Calwer Verlag, 1998), 58-64.
[269] Timothy Freke and Peter Gandy, The Jesus Mysteries (New York: Three Rivers, 1999), 9.
[270] Tom Harpur, The Pagan Christ (New York: Walker & Company, 2004), 10.
[272] يُعرِّف موقع Law.com الانتحال بأنه “أخذ كتابات أو مفاهيم أدبية (حبكة وشخصيات وكلمات) لآخر وبيعها و / أو نشرها كمنتج خاص.” انظر dictionary.law.com
[274] هاربور Harpur، المسيح الوثني Pagan Christ، 51. يقر هاربور في ملحقه أ بأنه قد تأثر بآراء جيرالد ماسي Gerald Massey (1828-1907) والفين بويد كون Alvin Boyd Kuhn (1880-1963). قال الباحث في العهد الجديد كريج أ. إيفانز: “إن عمل هؤلاء الرجال، وخاصة إعادة بناء التاريخ القديم ومحاولاتهم لرسم خطوط الاستمرارية بين الديانة المصرية والمسيحية، هو عمل خاطئ للغاية. لا يوجد مؤرخ مؤهل يأخذ نظريات هؤلاء الرجال على محمل الجد. يجب على أي شخص مفتون بكتاب المسيح الوثني لهاربور أن يحذر. نحن نتحدث هنا عن اشياء قديمة وغريبة. قد تكون الفلسفة الشخصية والاستبطان؛ التاريخ بأي شعور مسؤول ومعترف به ليس هكذا “. راجع
Craig A. Evans, Fabricating Jesus: How Modern Scholars Distort the Gospels (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 2006), 220-21.
[295] See Manfred Clauss, The Roman Cult of Mithras (New York: Routledge, 2000), 14–15, 21–22, 28.
[296] See Richard Reitzenstein (trans. John E. Steely), Hellenistic Mystery Religions (Pittsburgh: Pickwick, 1978).
[297] A. Loisy, “The Christian Mystery,” Hibbert Journal (1911–12), 51, quoted in Edwin M. Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?” Christianity Today (March 15, 1974).
[298] Albert Schweitzer, Geschichte der Paulinischen Forschung (Tubingen, 1911), 151; English translation, Paul and His Interpreters (London, 1912), 192,
مقتبس من بروس ميتزجر، “الدراسات التاريخية والأدبية: الوثنية واليهودية والمسيحية”
[299] “تمت صياغة الكلمة “هلنستي” في أوائل القرن التاسع عشر كـ اسم لفترة التاريخ التي بدأت مع وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد وانتهت بالغزو الروماني لآخر بقايا إمبراطورية الإسكندر الكُبرى، مصر تحت حُكم كليوباترا، في 30 قبل الميلاد. من الواضح أنه إذا كان هذا هو الاستخدام الحصري للمصطلح، فلن يكون من المنطقي الحديث عن “المسيحية والعالم الهلنستي”. لكن الحقيقة هي أن عبارة “العالم الهلنستي” تُستخدم للإشارة الى ثقافة الإمبراطورية الرومانية بأكملها. بينما حققت روما تفوقًا عسكريًا وسياسيًا في جميع أنحاء عالم البحر الأبيض المتوسط، فقد تبنت ثقافة العالم الهلنستي التي سبقت صعودها الى السلطة. وهكذا، في حين أن السيطرة السياسية على عالم البحر الأبيض المتوسط تنتمي الى روما، استمرت الثقافة الهلنستية.”
Ronald Nash, The Gospel and the Greeks (Phillipsburg, N.J.: P&R, 2003), 10–11.
يشير ناش الى أنه في عام 1956، وصفت مقالة كتبها المؤثر إتش. ريزينفيلد من جامعة أوبسالا في السويد دُعيت جاذبية الأديان الغامضة بأنها “عفا عليها الزمن”. أنظر:
Riesenfeld, “Mythological Background of the New Testament Christology,” in W. D. Davies and D. Daube, eds., The Background of the New Testament and Its Eschatology (Cambridge: Cambridge University Press, 1956), 81–95, esp. 81.
[308] Manfred Clauss (trans. Richard Gordon), The Roman Cult of Mithras (New York: Routledge, 2000), 7.
[309] L. Patterson, Mithraism and Christianity (Cambridge: Cambridge University Press, 1921), 94.
[310] Gary Lease, “Mithraism and Christianity: Borrowings and Transformations,” in Wolfgang Haase, ed., Aufstieg und Niedergang der Römischen Welt, vol. II (Berlin/New York: Walter de Gruyter, 1980), 1316.
[314] Richard Gordon, Image and Value in the Greco-Roman World (Aldershot: Variorum, 1996), 96, quoted in Holding, “Did the Mithraic Mysteries Influence Christianity?”
[324] Günter Wagner, Pauline Baptism and the Pagan Mysteries (Edinburgh: Oliver and Boyd, 1967), 266.
[325] Bruce Metzger, Historical and Literary Studies: Pagan, Jewish and Christian (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1968), 11:
“وهكذا، على سبيل المثال، يجب على المرء بلا شك تفسير التغيير في الفعالية المنسوبة الى طقوس الثوروبوليوم. في التنافس مع المسيحية، التي وعدت أتباعها بالحياة الأبدية، زادت عبادة سايبيل بشكل رسمي أو غير رسمي من فعالية حمام الدم من عشرين عامًا الى الأبد.”
[326] Stephen Neill and Tom Wright, The Interpretation of the New Testament 1861–1986 (Oxford: Oxford University Press, 1988), 208.
[328] See Edwin M. Yamauchi, “Tammuz and the Bible,” Journal of Biblical Literature 84 (1965), 283–90.
[329] See S. N. Kramer, Bulletin of the American Schools of Oriental Research 183 (1966), 31.
[330] قال صامويل ن. كريمر إن القيامة المزعومة لتموز لم تكن سوى استدلال وتكهن وظن وحدس. أنظر
Samuel N. Kramer, Mythologies of the Ancient World (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1961), 10.
[331] See P. Lambrechts, “La ‘résurrection’ d’Adonis,” Mélanges Isidore Lévy (1955), 207–40, quoted in Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?”
[332] P. Lambrechts, “Les Fêtes ‘phrygiennes’ de Cybèle et d’Attis,” Bulletin de l’Institut Historique Belge de Rome 27 (1952), 141–70, quoted in Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?”
[334] Nash, “Was the New Testament Influenced by Pagan Religions?”
[335] في اقتباس تم الاستشهاد به سابقًا، ذكر فريك وغاندي أيضًا الاله سيرابيس. قال ناش: “خلال مرحلة الغموض المتأخرة لعبادة إيزيس، لم يعد إلهها الذكر أوزوريس المائت بل سيرابيس؛ وغالبًا ما يُنظر الى سيرابيس على أنه إله الشمس. من الواضح أن سيرابيس من عبادة ما بعد البطالمة، إصدار غامض من إله لم يمت أصلاً. من الواضح، إذن، أنه لا يمكن أن يكون الهًا قائماً من الموت”. .Nash, Gospel and the Greeks, 128
[336] Bruce M. Metzger, “Methodology in the Study of the Mystery Religions and Early Christianity,” in Metzger, Historical and Literary Studies, 21.
[337] Roland de Vaux, The Bible and the Ancient Near East (New York: Doubleday, 1971), 236, quoted in Yamauchi, “Easter—Myth, Hallucination, or History?”
[338] Wagner, Pauline Baptism and the Pagan Mysteries, 261.
[342] Walter E. Bundy, Jesus and the First Three Gospels (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1955), 11.
[343] Tom Flynn, “Matthew vs. Luke: Whoever Wins, Coherence Loses,” available at www.secularhumanism.org/index.php? section=library&page=flynn_25_ 1 (January 29, 2007).
[344] لمناقشة نبوءة إشعياء 7: 14، راجع التحدي الخامس تحت عنوان “كان يسوع مرسلاً أخفق في تحقيق النبوءات المسيانية”
[345] Robert Gromacki, The Virgin Birth (Grand Rapids, Mich.: Kregel, second edition, 2002), 213.
[346] See Barry B. Powell, Classical Myth (Upper Saddle River, N.J.: Prentice Hall, third ed., 2001), 250.
لفحص العمل الفني لميلاد ديونيسوس على إناء زهور إيطالي، حوالي 380 قبل الميلاد، يظهره وهو يخرج من فخذ زيوس، انظر 251. وفقًا لـ J. Ed Komoszewski و M. James Sawyer وDaniel B. Wallace، فإن أي إشارة الى “ولادة عذراوية ” لديونيسوس تأتي في مصادر ما بعد المسيحية. انظر
Komoszewski, Sawyer, and Wallace, Reinventing Jesus, 242–43.
[347] See Edwin M. Yamauchi, “Anthropomorphism in Ancient Religions,” Bibliotheca Sacra 125 (1968): 99.
[348] J. Gresham Machen, The Virgin Birth of Christ (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1965, reprint of Harper & Row edition, 1930), 338.
[351] Peter Green, Alexander of Macedon (Berkeley: University of California Press, 1991), 37.
[352] عاش بوذا قبل المسيح بحوالي خمسمائة عام. كما يلاحظ ماشين: “في مقدمة كتاب جاتاكا Jâtaka الذي يعود تاريخه الى القرن الخامس بعد المسيح، لدينا القصة المعروفة للفيل الأبيض الذي دخل في جسد مايا Mâyâ، والدة بوذا، في الوقت الذي حملت فيه طفلها؛ ويبدو أن قصة الفيل الأبيض تظهر من خلال الأدلة المنقوشة على أنها كانت حديثة في وقت مبكر من عهد أسوكا في القرن الثالث قبل المسيح. تظهر القصة في شكلها الأول كسرد لحلم؛ حلمت مايا أن فيل أبيض رائع دخل في جانبها…. في المصادر البوذية اللاحقة، ما كان يعتبر في الأصل حلمًا لمايا أصبح يعتبر حدثًا حقيقيًا …. سيكون من الصعب تخيل أي شيء بخلاف قصة العهد الجديد عن ولادة المسيح من عذراء.” انظرMachen, Virgin Birth of Christ, 339–41
[353]See Edwin M. Yamauchi, “Historical Notes on the (In) comparable Christ,” Christianity Today (Oct. 22, 1971).
[355] Raymond E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist, 1973), 62; cited in Komoszewski, Sawyer, and Wallace, Reinventing Jesus, 247.
[366] قال ميتزجر: “لا يجب الافتراض بشكل غير نقدي أن الديانات السرية أثرت دائمًا على المسيحية، لأنه ليس من الممكن فقط ولكن من المحتمل أنه في حالات معينة، تحرك التأثير في الاتجاه المعاكس “. انظر
لماذا الصليب وموت المسيح؟ الا يقدر الله ان يغفر؟ لماذا كل هذا التعقيد؟
لماذا الصليب وموت المسيح؟ الا يقدر الله ان يغفر؟ لماذا كل هذا التعقيد؟
خلق الانسان على صورته
فخلق الله الإنسان على صورته سفر التكوين 1: 27
خلق الرب الانسان على صورته ومثاله كمرآه نقية تعكس صورته في النقاوة والقداسة والبر والصلاح. فخلق الانسان في صوره عدم فساد للشركة وليكون هذا الانسان سعيد. فيقول سفر الحكمة 2: 23 فإن الله خلق الإنسان خالدا، وصنعه على صورة ذاته، فالرب خلق الانسان ليعيش للأبد على صورته. في ملء القداسة، في ملء الطهارة في ملء البركة.
فساد الانسان
رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 3: 12 الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد.
حول الانسان نظره عن الرب والامور الابدية ورفض الله وبمشوره ابليس سقط وفسدت طبيعته وأصبح هناك مسؤلية شخصية للخطية لكل انسان فالصورة البريئة النقية الطاهرة المباركة تلوثه وتشوهه. هذا الانسان الذي اختاره الرب لحياة الشركة ذهب لشركة الموت. فأمات الانسان نفسه بنفسه والله طبيعته تكره الخطية فهذا الانسان الساقط المخلوق لشركة الله مجده ومحبته سقط وهوي من هذه الشركة الالهية ليعتني بالذات والانا.
هذه الحالة التي كنا محفوظين بها من الهبوط إليها بسبب اتحادنا بالرب، قبل السقوط، على نحو ما تحفظ الجثث اليوم في ذلك السائل المسمى (فورمالين)، الذي يحفظ الجثث من الفساد لفترة من الزمن، لكن الجثة ستكون معرضة للفساد حال خروجها من هذا السائل، تلقائيا وبدون جهد لأنها ليست محفوظة بذاتها.
على هذا النحو أيضا (والتشبيه مع الفارق طبعا) كنا محفوظين من هذا الفساد (الطبيعي) بسبب اتحادنا وشركتنا مع الرب، قبل السقوط، فالسقوط يعني خروجنا من شركة اللاهوت، خروجنا من هذه النعمة الحافظة، من ثم ظهر الفساد فينا، ذلك الذي كنا محفوظين منه بسبب الشركة، فلما قطعنا نحن الشركة بالسقوط ظهر فينا الفساد تلقائيا وإن أول من عانى هذا الموت هو إبليس الذي ابتعد عن الله بسبب عصيانه.
لقد نقل الشيطان المائت الموت إلى الإنسان أيضاً، لأن الإنسان استمع لنصيحته وترك شركة الرب وفقد نعمته. فالموت هو نتيجة اختيارنا ليس عقوبة او فعل من الله.
فموت الانسان الاول لا يعني عدم وجوده بل هو موت روحي يليه اختبار للموت الجسدي. فلم يدمر الانسان كلياً لقد مات بمقدار ما اختلت علاقته بالرب ولكن ما يزال يعيش في طبيعته الفاسدة بفضل رأفة الرب ومحبته. وقد سمح الرب بموت الانسان جسدياً كما قال أحد الاباء لكي لا يصبح الشر ابدياً خالداً. فسمح الرب بكسر الرباط بين الروح والجسد الذي لم يكن هناك كسر بينهما قبل السقوط ان تنحل وسمح للموت ان يحدث. فالإنسان لا يستطيع ان يعيش ابدياً في فساد ولم يطيق هذا. فالموت ليس نتيجة للخطية لكن سبباً ايضاً لها.
فكان من الممكن ان يهلك الجسد ايضاً لكن لم يفعل ذلك لمحبته لهذا لإنسان فأعطاه مانحاً له طريقاً للتوبة” وإمكانية تحقيق حياة روحية فالإنسان كما فسدت طبيعته لكن يوجد فيه الخير ايضاً. وبالتالي أصبحت كل الآلام المرتبطة بالفساد والموت فرصاً للاشتياق للحياة العليا ولتحقيق الشركة مع الله.
الله والانسان
رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 6: 23 لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا.
الله: قدوس مبارك نقي صالح محب عادل.. ألخ بشكل مطلق طبيعته لا تتحمل ما تشوهه به الصورة الانسانية. إذا كان هناك شخص يكره الشتيمة وذهب لمقهى بها الجميع يشتمون سنجد ان هذا الشخص لا يطيق الجلوس فطبيعته تكره الشتيمة
ما بالك الله الكلي القداسة والبر كيف سيحتمل تلوث وفساد طبيعة الانسان الذي سيشاركه؟
الانسان: فاسد خاطي حزين يائس، ميت منفصل عن مصدر حياته. وبانفصاله عن الله فقد كل معرفه وساد الفساد البشر ونزعت عنهم نعمة مماثلة صورة الله هذه النعمة التي كانت لهم لأجل الشركة. صنع الانسان الشر بل اخترع ايضاً الشرور شر ورا شر نشبت الحروب وقامت الامم ومزق المسكونة بفساد طبيعته.
والسؤال الان ماذا يفعل إله نقي بلا خطية لا يتحمل ان الخطية في انسان ساقط فاسد الطبيعة
في انسان احبه وخلقه ليتشارك معه رفض شركة الله فصار الموت فأمات هذا الانسان نفسه بنفسه وهذه اجره الخطية النتيجة الطبيعية بانفصاله عن الله. فالطبعتين أصبحوا كقطبي المغناطيس في تنافر طبيعة القداسة وطبيعة عم القداسة طبيعة البر وطبيعة عدم البر.. الخ
هل يستطيع الانسان ان يأتي الي الله من ذاته ويصلح ما فعل بتوبة؟
ان كان هناك قاضي وشخص قتل أحدهم فغفر له القاضي هل هذا القاضي طبق العدل؟ هل الله يستوي عنده الشر والخير هل هذا إله يعبد؟ اجره خطيتك اية؟ مش جهنم؟ فعدل الله ان يموت الانسان ولكن رحمته ستجعله يأخذ الموت عنه. ويزيل حكم الموت.
حينما يشوه الطفل لوحه اثرية ويذهب الي والده ليعتذر هذا امر جيد لكن من يعيد اللوحة الاثرية؟ فكيف للتوبة ان تستطيع ان تغير الطبيعة الفاسدة للإنسان؟ تستطيع التوبة ان تمنع الخطية للوقت لكن لا تستطيع ان ترجع الانسان لنقاوته الاولي. فبهد انحدار الانسان الي الفساد كان هناك حاجة لعلاج ضروري لما هو موجود يحتاج الي طبيب والمخلص.
فلا بشر ولا ملائكة قادرين على استعادة تجديد الخلقة الانسانية على صورة الله والملائكة ليسوا على صورة الله وهذا ما استدعاه التجسد. فالله الوحيد الذي لديه القدرة أن يُعيد للإنسان لتلك النعمة ويَرُدّه إلى حالته الأولى فهو الذي خَلَقَ في البدء كل شيء من العدم وهو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد.
ماذا يفعل الله؟
إنجيل يوحنا 3: 16 لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.
الله غير واقع تحت ضرورة الفعل ليفعل بل هو يفعل بناءاً على نعمته المبنية على محبته يريد ان يستعيد الاتي:
1- محبة الله تسترعي استعادة الصورة المفقودة لهذا الانسان الساقط والفاسد الطبيعة. للشركة من جديد
2- كيف يترك الرب الخليقة لتهلك هذا ضد صلاح الرب ومحبته بسبب غواية الشيطان.
3- كيف يترك الانسان للموت وتحت سلطان ابليس
فالله اراد ان يعيد تشكيل الانسان من جديد بحيث ان هذا التشكيل يتناسب مع صلاح الله. وحيث ان الانسان سقط وفسد ولا يصنع صلاح اذاً لا يمكن للإنسان ان يعود مره اخري لكي يتوافق مع طبيعة وصلاح الله بمفرده فلابد من وجود وساطة معينه او حل لجمع الله القدوس البار مع الانسان الخاطئ الذي أفسد ذاته. وأفسد صورة الله التي فيه بسبب خطيته. وكان الحل هو بالصليب..
كانت بداية هذا الحل هو التجسد وذلك لان التجسد هو الذي سيؤدي الي الموت.
رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 6: 23 لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا.
ماذا يريد الله؟
ان يجعل الانسان المائت بالفساد والخطية كنتيجة فهو مائت بنفسه الي انسان غير مائت وان يوفي الصك عنا.
ان يعيد هذا الانسان الي صورة الله بإعطائه مثال وهو صوره الانسان يسوع المسيح.
ان يعلم الانسان من خلال الانسان يسوع المسيح من هو الله لان الانسان يفهم من خلال الانسان نفسه وكان مسطره الانسانية يسوع مثال للإنسان كيف يحيا.
ماذا فعل الرب لتحقيق هذا؟
في ملئ الزمان اخذ نفس طبيعتنا البشرية هذه لكنه بلا خطية ومن غير زرع بشر ليقضي على الموت بموته على الصليب ويبيد سلطان ابليس فكما قلنا لم يميت الرب الانسان الاول لمحبته الي الابد لكن بناءاً على خطته الالهية جعله يحي بجسده ثم يموت موت جسدي كصك. فجميعنا مستحقين الموت وهذا الموت بسبب تلوث وفساد طبيعتنا ولا نستحق ان نحيا. لكن التجسد يعالج فساد طبيعتنا بالبر والنقاء
وكما ذكرنا ان الخطية مسؤولية شخصية ليست خطية لإنسان الاول فقط بل خطيتي انا ايضاً وانفصالي عن الله بخطيتي واجرة هذا الانفصال الموت الطبيعي فالله خلقني على صورته في البر والنقاوة وقد لوثة هذه الصورة بفسادي وطبيعتي.
فلابد من أن يقدم نفسه ذبيحه عن الجميع، ليبرننا ويحررنا ويثبت أن جسده الخاص أقوى من الموت وأنه عديم الفساد وهو باكورة لقيامة الجميع.
وقال اثناسيوس شارحاً ان الصليب اوقعه عليه الاخرين لم يكن اختيار الرب لكن بعلم الله السابق يعلم ان مجيئه في الزمن المناسب سيكون هذا الامر لاجل تبريرنا وتحريرنا.
كما أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد بل كان ملتصقا به لذا لابد وأن تلتصق الحياة به بدلا من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد تصير الحياة داخل الجسد أيضا.
” وقد يقول بعض الناس: إن كان يلزم أن يموت المسيح أمام الجميع، ليرون قيامته بعد ذلك لماذا لم يموت موتاً كريماً بعيداً عن عار الصليب
لو فعل الرب يسوع هذا، لأعطى سببا للتشكيك في سلطانه على الموت وأنه لم يكن يقوى على كل نوع من أنواع الموت، بل فقط على نوع الموت الذي اختاره هو لنفسه، ومن ثم يكون ثمت سند لعدم الإيمان بقيامته، لهذا جاء الموت إلى جسده، لا من قبله هو بل من فعل عدو، حتى يبيد المخلص الموت إبادة تامة في أية صورة يأتون إليه بها
وكما أن المصارع النبيل إذا كان قويا وشديدا لا يختار بنفسه خصومه الذين يبارزهم، لئلا يُظن به أنه يخشى بعضا منهم، وإنما يترك الاختيار للمشاهدين، لاسيما إذا كان هؤلاء المشاهدون خصوما له، حتى يهزم أيا من الناس يختارونه هم لمصارعته، مثبتا بذلك تفوقه وعظمة قوته
هكذا كان الحال مع المسيح. إن المسيح وهو حياة الكل، وهو ربنا ومخلصنا، لم يرتب بنفسه كيفية موته، لئلا يظن بأنه كان يخشى نوعا آخر من الموت غير موت الصليب. حاشا، فقد قبل المسيح واحتمل فوق الصليب موتا أوقعه عليه الآخرون، وهؤلاء الآخرون هم أعداؤه الألداء، موتا كان عندهم مرعبا ومخيفا بحيث لا يمكن مواجهته. وقد صنع المسيح ذلك، حتى إذا ما حطم ذلك النوع من الموت بالذات، آمن الجميع بأن المسيح هو ذاته الحياة.. وتحققوا بأن سلطان الموت قد زال به نهائيا
وهكذا حدث شئ محير، عجيب ومدهش، لأن الموت الذي أوقعوه عليه ليكون عارا وخزيا، أصبح علامة مجيدة على انتصاره على الموت. لهذا فإنه أيضا لم يمت بالكيفية التى مات بها يوحنا المعمدان الذي قطعت رأسه وفصلت من جسده، ولا مات كما مات إشعياء بنشر جسده وشطره نصفين، بل احتفظ في موته بجسده سليماً غير مجزأ. ”
ما هي بعض مفاعيل موت المسيح على الصليب؟
ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا”(رو7: 22-25). الانسان في عصر النعمة بطبيعته خاطئ وقديس فنحن خطاه لان الخطية تعمل فينا. ونحن قديسين لان الرب قدسنا بالصليب وبررنا في دمه.
ابطال الموت والفناء الذي اصاب الانسان بفعله الخطية كنتيجة. لأنه مات اخذاً موتي وموتك لكنه انتصر على الموت لنا. فلا يعود سلطان عليك او عليا بالمسيح القائم. مثل خوف الانسان من الصعود الي القمر حتى ذهب نيل أرمسترونغ لهذا القمر ومحي هذا الخوف بذهابه هناك. فأصبح صعوده هو فتح الباب لصعود اخرين.
هكذا فعل المسيح بتجسده وصليبه وانتصاره على الموت فتح لنا الباب للحياة الابدية وحياة الشركة بلا خوف. دافعاً الدين عن كل خطايانا الناتجة عن فساد طبيعتنا. ايضاً رجوعي ورجوعك من الفساد وحاله الخطية الي حاله عدم الفساد بحسب الجهاد الروحي في المسيح الدافع الثمن. فسيحيني الرب من الموت الجسدي الذي انتصر عليه بجسده. وبالقيامة سيبيد هذا الموت.
ومن خلال التجسد أصبح لنا مثال لتجديد الانسان ورجوعة على صورة الله من خلال انسانية يسوع المسيح وهذا من خلال الولادة الثانية وتجديد الخلقة. فكلي القداسة يسوع المسيح الذي دفع ثمن خطيتي يعيدني الي رحاب وفرح الله. عرفنا الله بأوضح صوره وكشف لنا عن طبيعة الله وسلطانه ورفع قيمة هذا الجسد المائت ولا يوجد قيامة الا ان يسبقها موت فهو مات اما شهود لتكون قيامته معلومة لنا. ازال الرب حائط السياج الموضوع وصالحنا معه.
حطم سلطان ابليس على اولاد الله هذا المتسلط على الارواح فهذا كان هدف التجسد والصلب هو تدمير التسلط والخطية والموت. فقد غلب الموت من خلال صلبه وقيامته ودمر ابليس من خلال تحرير الاتقياء وتقيد سلطانه باسم يسوع الناصري. فمن خلال المعمودية نصبح اعضاء في جسد المسيح القائم ومن خلال التناول نثبت به. وهذا يجعلنا نتغير داخلياً ويحول أنفسنا مع حياة الجهاد والتوبة.
فنري بالصليب امتداد يد الله لكي يتصالح مع الانسان في شخص الابن المتجسد فتعاد المصالحة المفقودة بين الله والانسان. ففي الصليب امتدة يد الله لكي يظهر ذاته بانه هو المحب والمخلص الذي يصلح هذا الانسان ويعيد اليه صوره الله المفقودة.
فتبدأ عملية الصلاح من خلال مد يدي الله للإنسان الدنس الخاطئ لكي يتلاقى مع الله المصلوب. فقد صلب الرب في جسده اجرامنا وعيوبنا وكل ما صنعناه. لكي يدرك الانسان مقدار العطية غير المحدودة والرائعة التي اصبحت لنا بالصليب.
ليكن للبركة aghroghorios
لماذا الصليب وموت المسيح؟ الا يقدر الله ان يغفر؟ لماذا كل هذا التعقيد؟