شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج7 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج7 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج7 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج7 – أثناسيوس الرسولي

 

73- مكتوب “بالحكمة أسس الله الأرض”(1). فإن كانت الأرض إذن قد تأسست بالحكمة فكيف تأسس هذا الذي أسسها؟. ولكن هذا النص قد قيل بأسلوب الأمثال. ويجب أن نبحث عن المقصود من هذا لكى نعرف أن الله خلق الأرض واسسها بالحكمة لكى تكون ثابتة وطيدة وتظل باقية. والحكمة نفسها تأسست لأجلنا لكى تصير بداية وأساس خليقتنا الجديدة وتجديدنا. وهنا أيضاً لا يقول في هذه النصوص أنه “قبل الدهر (العالم) قد صنعنى كلمة أو إباً لكى لا يبدو أن له بداية صنع، فقبل كل شئ يجب أن نبحث إن كان هو إبناً وأن نفتش الكتب بخصوص هذا الأمر. فهذا ما أجاب به بطرس حينما سئل الرسل، قائلاً: “أنت هو المسيح إبن الله الحى”(2). فإن أب الهرطقة الأريوسية(3) سأل هذا السؤال أيضاً في البداية: “إن كنت ابن الله؟”(4) لأنه عرف أن هذا هو الحق وأساس إيماننا، وأنه ان كان هو الإبن فيكون هذا هو نهاية حكم الشيطان الاستبدادى، أما إن كان مخلوقاً فإنه يكون واحداً من ذري أدم الذي خدعه الشيطان، وبذلك فلا يكون لديه داعٍ لأى اكتراث.

وكان يهود ذلك الزمان ساخطين لأنه دعا نفسه إبن الله وكان يقول أن الله أبوه. لأنه لو كان قد دعا نفسه واحداً من بين المخلوقات أو لو كان قد قال “إنى مصنوع” لما اندهشوا وهم يسمعون ولما ظنوا أن هذه الأقوال تجديف، ما داموا يعرفون أن الملائكة كانت تظهر لآبائهم أيضاً. ولكن حينما دعا نفسه إبناً بدأوا يعتبرون أن هذا اللقب لم يكن يميز المخلوق بل يميز الألوهية والطبيعة الأبوية.

74- وكان ينبغى على الأريوسيين – محاكاة لأبيهم الشيطان – أن يبحثوا هذا الأمر بدقة، لو كان قد قال “أسسنى كلمة أو إبناً”، وأن يفكروا كما يفكرون. ولكن إن لم يكن قد قال هكذا فلا ينبغى أن يبتدعو لأنفسهم أموراً لا وجود لها. لأنه لم يقل “قبل الدهر أسسنى كلمة أو ابناً” بل قال ببساطة “أسسنى” لكى يوضح – كما قلت – أنه يقول هذا بأمثال ليس عن نفسه بل عن هؤلاء الذين يُبنون فوقه. ولان الرسول قد عرف هذا لذا فإنه يكتب “لا يستطيع أحد أن يصنع أساساً آخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح”(5) وأيضاً “فلينظر كل واحد كيف يبنى عليه”(6). ومن الضرورى أن يكون الأساس مماثلاً لتلك الأشياء التي تبنى عليه حتى يمكنها أن تلتئم معه وتتحد به. ولكونه الكلمة، فإنه من حيث كونه كلمة حقاً فلا يوجد هناك من يماثلونه حتى يمكن أن يتحدوا معه – وذلك لأنه وحيد الجنس، ولكن بصيرورته إنساناً فقد صار له مماثلون وهم الذين إرتدى جسدهم المماثل لجسده. وتبعاً لذلك فإنه “تأسس” بحسب بشريته لكى يمكننا نحن أيضاً أن نُنبنى فوقه كحجارة كريمة ونصير هكيلاً للروح القدس الساكن فينا. وكما أنه هو أساس حقاً، فنكون نحن الحجارة التي تبنى عليه وأيضاً يكون هو الكرمة ونصير نحن أغصانه ليس بحسب جوهر اللاهوت – لأن هذا مستحيل حقاً – بل بحسب بشريته، لأن الأغصان يلزم أن تكون مشابهة للكرمة، حيث أننا نحن مشابهون له بحسب الجسد.

وأيضاً حيث أن الهراطقة يفكرون بطريقة بشرية فمن الملائم أن ندحض أقوالهم بأمثلة بشرية. فهو لم يقل “قد جعلنى أساساً” لكى لا يجدوا في هذا القول حجة وقحة للكفر زاعمين أنه منوع وأن له بداية وجود، بل قال أنه “أسسنى”. فالذى يُؤسس إنما يُؤسس بسبب الحجارة التي توضع فوقه وهذا يحدث ليس كيفما إتفق، بل بنقل الحجارة من جبل أولاً ثم بعد ذلك توضع في عمق الأرض. وطالما كانت الحجارة موجودة في الجبل فهى لا تكون قد تأسست بعد، إلا عندما تستدعى الحاجة فيتم نقلها وتوضع في عمق الأرض. وعندئذ لو كانت تستطيع أن تتكلم لقالت “الآن أسسنى هذا الذي نقلنى من الجبل إلى هنا”. إذن فالرب عندما “أسس” لم يكن هذا هو بداية وجوده (لأنه قبل التأسيس كان كلمة)، لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد مريم عندئذ يقول “أسسنى” كما لو كان قد قال: “لكونى كلمة فقد ألبسنى جسداً ترابياً”. لأنه هكذا تأسس من أجلنا، آخذاً ما يخصنا على عاتقه. لكى بإتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد وبه نصل إلى إنسان كامل(7).

75- أما الكلمات: “قبل الدهر” و”قبل أن يصنع الأرض” و”قبل أن تُرسى الجبال”(8) فلا ينبغى لأحد أن ينزعج بسببها، لأنه ربطها بتناسق تام مع لفظ “أسس” ولفظ “خلق”. لأن هذا ينسجم أيضاً مع التدبير بحسب الجسد. لأنه رغم أن النعمة التي صارت نحونا من المخلص قد ظهرت كما قال الرسول(9) وقد حدث هذا عندما أقام بيننا، إلا أن هذه النعمة كانت قد أعدت قبل أن يخلقنا بل حتى من قبل أن يخلق العالم. والسبب في هذا صالح ومذهل. فلم يكن من اللائق أن يفكر الله بخصوصنا بعد أن خلقنا لكى لا يظهر أنه يجهل الأمور التي تتعلق بنا. فإله الجميع إذن – عندما خلنا بكلمته الذاتى ولأنه كان يعرف أمورنا أكثر منا ويعرف مقدماً أننا رغم أنه قد خلقنا صالحين إلا أننا سنكون فيما بعد مخالفين للوصية، وأننا سنطرد من الجنة بسبب العصيان – ولأنه هو محب البشر وصالح فقد آعد من قبل تدبير خلاصنا بكلمته الذاتى – الذي به أيضاً خلقنا. لأننا حتى إن كنا قد خدعنا بواسطة الحية وسقطنا فلا نبقى أمواتاً كلية بل يصير لنا بالكلمة الفداء والخلاص الذي سبق إعداده لنا لكى نقوم من جديد ونظل غير مائتين، وذلك عندما “خُلِقَ” هو من أجلنا “بدء الطرق” وصار “بكر الخليقة” و “بكر إخوة” وقام “باكورة الأموات”.

ان بولس الرسول المغبوط يعلّم بهذا – كتفسير للنص الذي جاء في الأمثال: “قبل الدهر” و”قبل أن تكون الأرض”، وذلك عندما كتب إلى تيموثاوس قائلاً: “إشترك في إحتمال المشقات لأجل الإنجيل بحسب قوة الله الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح قبل الأزمة الأزلية، وإنما أظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأنار الحياة”(10). بل وقال إلى أهل أفسس “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح يسوع. كما إختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قدامه في المحبة قديسين وبلا لوم. إذ سبق فعيننا للتبنى بيسوع المسيح لنفسه”(11).

76- وكيف اختارنا قبل أن نُخلَق، إن لم نكن مُمَثلين فيه من قبل كما قال هو نفسه؟ وعموما، كيف سبق فعيننا للتبنى قبل أن يخلق البشر إن لم يكن الإبن نفسه قد “تأسس قبل الدهر” أخذاً على عاتقه تدبير خلاصنا؟ أو كيف يصيف الرسول قائلاً: “نلنا نصيباً معينين سابقاً”(12) لو لم يكن الرب نفسه قد تأسس قبل الدهر”، حتى يكون له قصد من أجلنا أن يأخذ على عاتقه نصيب الدينونة الكامل من أجلنا عن طريق الجسد وبهذا نكون نحن مُتبنُون فيه؟ وكيف حصلنا على النعمة “قبل الأزمنة الأزلية” بينما لم نكن قد خُلقنا بعد، بل خلقنا في الزمن، لو أن النعمة التي وصلت إلينا لم تكن مودعة في المسيح؟ لهذا ففى الدينونة عندما ينال كل واحد بحسب عمله، يقول: “تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم”(13). كيف إذن أو بواسطة من أُعد الملكوت قبل أن يخلقنا، إن لم يكن بواسطة الرب الذي “تأسس قبل الدهر” لأجل هذا الغرض، لكى ببنياننا عليه كحجارة ملتئمة، نشترك في الحياة والنعمة الممنوحتين معه؟ ولقد حدث هذا مثلما يحدث عموماً بإستقامة لمن يفكر بتقوى. وذلك لكى نستطيع أن نحيا إلى الأبد – كما سبق أن قلت – ما دمنا قد قمنا من الموت المؤقت. وهذا لم يكن في إمكاننا أصلاً حيث أننا بشر من تراب، لو لم يكن رجاء الحياة والخلاص قد أعد في المسيح من “قبل الدهر”. إذن فمن الإنصاف، إذ إنحدر الكلمة إلى جسدنا و “وخٌلق فيه أول الطرق من أجل أعماله” فإنه تأسس تماماً حسب مشيئة الآب التي كانت فيه كما قيل: “قبل الدهر” “وقبل أن تكون الأرض” و “قبل أن ترسى الجبال” و”قبل تدفق الينابيع”(14) لكى عندما تزول الأرض والجبال والطبيعة المنظورة فنحن لا نعتق ونبلو مثل هذه المخلوقات، بل سنتمكن أن نحيا بعدها، إذ قبل أن توجد هذه الأشياء قد أُعد لنا حياة وبركة روحية بواسطة الكلمة نفسه حسب الإختيار. لأنه هكذا سيكون لنا ليس حياة مؤقتة بل نبقى أحياء في المسيح بعد هذه الأشياء، إذ أن حياتنا كانت قد تأسست وأعدت بالمسيح يسوع قبل هذه الأشياء.

77- ولم يكن من اللائق إذن أن نؤسس حياتنا بأى طريقة أخرى سوى أن تؤسس في الرب الذي هو كائن منذ الأزل، والذى به قد خُلقت العالمين، لكى نستطيع نحن أيضاً أن نرث حياة أبدية إذ أن هذه الحياة كائنة فيه. ولأن الله صالح، وهو صالح على الدوام وهو يعرف طبيعتنا الضعيفة التي تحتاج إلى معونته وخلاصه، لذا فقد خطط هذا. وذلك مثلما لو كان مهندس حكيماً يريد أن يبنى منزلاً فإنه يخطط في نفس الوقت كيفيه تجديده مرة أخرى لو تدمر يوماً ما بعد أن يتم بناؤه، وهو يعد لهذا من قبل عندما يخطط، ويعطى للقائم على العمل الإستعدادات اللازمة للتجديد، وهكذا يكون هناك استعداد مسبق للتجديد قبل بناء المنزل. وبنفس الطريقة فإن تجديد خلاصنا قد تأسس في المسيح قبلنا، لكى يمكن إعادة خلقنا من جديد فيه، فالإرادة والتخطيط قد أعداً منذ الأزل، أما العمل فقد تحقق عندما إستدعت الحاجة وجاء المخلص إلى العالم. لأن الرب نفسه سيكون في السماء من أجلنا أجمعين وسيأخذنا معه إلى الحياة الأبدية.

هذا إذن يكفى لكى يوضح أن كلمة الله ليس بمخلوق، بل إن العبارة لها معنى مستقيم، وبما أنه عند إستقصاء معنى هذه العبارة يتضح أن لها معنى مستقيماً من جميع وجهات النظر إذن يلزم أن نتحدث بتوسع في هذا المعنى، لعل الأغبياء يخجلون من كثرة كلامنا. فهم في حاجة من جديد لما سبق أن قيل لأن جوهر الموضوع يدور حول نفس المثل ونفس الحكمة، فالكلمة لم يقل أنه هو نفسه مخلوق بالطبيعة بل قال في الأمثال: “الرب خلقنى” ومن الواضح أن هذا القول له معنى غير صريح ولكنه يشير إلى أمر مستتر يمكننا أن نكشف عنه بإزاحة الغطاء عن المثل. لأنه من ذا الذي عندما يسمع الحكمة الخالقة تقول: “الرب خلقنى أول طرقه”، ولا يبحث في الحال عن مغزى هذا القول، لأنه يفكر متمعناً كيف يمكن أن الخالق يُخلق؟ ومن عندما يسمع ابن الله الوحيد الجنس يقول أنه “قد خُلِقَ أول الطرق”، لا يفتش عن معنى هذا، لأنه يعجب كيف أن الإبن الوحيد الجنس يمكن أن يكون الأول لآخرين كثيرين؟ أنه لحقاً لغز. “الرجل ذو الفهم” “سيفهم المثل والحديث الغامض وأقوال الحكماء وألغازهم”(15).

78- والآن فإن ابن الله الوحيد وحكمته المطلقة هو خالق وبارئ جميع الكائنات لأنه مكتوب “بحكمة صنعت كل الأشياء”، “ملآنة الأرض بخليقتك”(16) حتى أن المخلوقات لا توجد فقط بل يكون وجودها صالحاً. ولهذا سُرَّ الله أن تنحدر حكمته إلى مستوى الخليقة حتى تطبع صورتها بشكل ما على الجميع معاً وعلى كل منها على حدة، حتى يتضح أن المخلوقات متصفة بالحكمة وهي أعمال الله الجديرة به. لأنه كما أن كلمتنا هي صورة الكلمة الذي هو إبن الله، هكذا أيضاً فإن الحكمة الموجودة فينا هي صورة الابن الذي هو الحكمة التي بها ينبغى أن يكون لنا المعرفة والفهم ونصير قابلين للحكمة الخالقة، وبواسطة هذه الحكمة نستطيع أن نعرف أباها. لأنه مكتوب: “من له الإبن له الآب ايضاً”(17) و “من يقبلنى يقبل الذي أرسلنى”(18) وحيث أنه قد خلق فينا نموذجاً مثل هذا للحكمة، وهو موجود أيضاً في جميع “الأعمال”، فمن الطبيعى أن يأخذ الحكمة الحقيقى والخالق ما يختص بنموذجه ويقول: “الرب خلقنى لأجل أعماله”.

لأن الأشياء التي تقولها الحكمة التي في داخلنا، هي التي يقولها الرب نفسه كأنها من ذاته هو. وليس لكونه هو غير مخلوق – إذ أنه هو الخالق – ولكن بسبب صورته المخلوقة في “الأعمال” فإنه يقول هذا كما لو كان قد قيل عنه. وكما قال الرب نفسه “من يقبلكم يقبلنى” وبسبب أن صورته موجودة فينا – فرغم أنه ليس من بين المخلوقات، إلا أنه بسبب ن صورته ونموذجه قد خلقا في “الأعمال”، فإنه يقول كأنه يتكلم عن نفسه: “الرب خلقنى أول طرقه لأجل أعماله”. ولهذا فقد صار نموذج الحكمة هذا في “الأعمال”، لكى بواسطتها يعرف العالم الكلمة خالقه وبواسطته يعرف الآب كما سبق أن قلت. وهذا ما قاله بولس “لأن معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم لأن أموره غير المنظورة ترى بوضوح منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات”(19). لذلك فإن الكلمة ليس مخلوقاً بالجوهر ولكن القول الذي فىالأمثال إنما يشير إلى ما هو موجود بداخلنا نحن والذى يسمى حكمة.

79- وان كانوا يرفضون الإيمان، حتى بعد هذا الكلام، فليقولوا لنا إن كانت هناك أية حكمة موجودة في المخلوقات أم أن المخلوقات ليس فيها أية حكمة‍ وإن لم تكن هناك حكمة فكيف يلوم الرسول قائلاً: “لأنه إذ كان بحكمة الله لم يعرف العالم الله بالحكمة”(20). وإن لم تكن هناك حكمة فكيف توجد حكمات كثيرة في الكتاب المقدس(21)؟ لأن “الحكيم يخشى ويحيد عن الشر”(22) و “بالحكمة يبنى البيت”(23) وجاء في سفر الجامعة: “حكمة الانسان تنير وجهه”(24) وهو يوبخ المتهورين قائلاً: “لا تقل، ماذا حدث، لماذا كانت الأيام السابقة خيراً من هذه، لأنك لا تسأل بحكمة عن هذا”(25). وإن كانت الحكمة موجودة كما قال ابن سيراخ: “وسكبها على جميع أعماله فهى مع كل ذى جسد على حسب عطيته وقد منحها للذين أحبوه”(26)، فإن مثل هذا الانسكاب لا يكون سمة خاصة لجوهر الحكمة المطلقة والوحيدة الجنس بل هو سمة لتلك الحكمة التي صُورت في العالم بدقة. فلماذا يكون غير مُصَدّق ان كانت الحكمة الخالقة الحقيقية – التي هي نموذج الحكمة والمعرفة المنسكبة في العالم – تتحدث عن نفسها وتقول: “الرب خلقنى من أجل أعماله”؟ لأن الحكمة الموجودة في العالم ليست خالقة بل هي الحكمة المخلوقة داخل الأعمال، تلك الحكمة التي بها: “السموات تحدّث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه”(27). أما الناس فإن كانوا يحملون هذه الحكمة بداخلهم فإنهم سيدركون حكمة الله الحقيقية، ويعرفون أنهم قد تشكّلوا بحق على صورة الله.

ومثلما لو كان ابن أحد الملوك ينشئ مدينة – بإرادة والده – فإنه ينقش إسمه على كل الأعمال التي يجرى إنشاؤها، وذلك من أجل الأمن لكى تحفظ الأعمال بسبب ظهور إسمه في كل عمل ولكى يستطيعوا أن يتذكروه من إسمه. وعندما يفرغون من إنشاء المدينة، فإذا سأل أحد عن المدينة وكيف أنشئت فإنه سيجيب: “لقد أنشئت بإمان وفقاً لإرادة أبى، وخُطِطَ لها بدقة في كل عمل، وإسمى قد خُلِقَ في الأعمال”. وعندما يقول هذا فإنه لا يعنى ان جوهره قد خلق بل إنطباع صورته من خلال إسمه.

وعلى نفس المنوال إذ نطبق على المثال، فإن الحكمة الحقيقية تجيب على المندهشين من الحكمة الموجودة داخل الخليقة قائلة: “الرب خلقنى من أجل أعماله” لأن “إنطباع الصورة الموجودة فيها هو إنطباع صورتى، ولأجل ذلك فأنا قد تنازلت إلى الخليقة”.

80- ومرة أخرى لا ينبغى أن يدهش أحد لو أن الابن تحدث عن النموذج المطبوع فينا كما لو كان يتحدث عن نفسه (لأن تكرار نفس الكلام لا يجب أن يبعث على الضجر والملل)، حيث أن شاول حينما كان يضطهد الكنيسة التي كان يوجد فيها نموذجه وصورته فإن (الكلمة) تحدث كما لو كان هو المضطَّهد قائلاً: “شاول لماذا تضطهدنى”(28). لذلك (كما سبق القول)، لو كان نموذج الحكمة ذاته الموجود في الأعمال هو الذي قال “الرب خلقنى لأجل الأعمال” لما اندهش أحد. وهكذا فإن كان الحكمة الحقيقى الخالق وكلمة الله الوحيد يتحدث عن صورته كما لو كان يتحدث عن ذاته بقوله “الرب خلقنى لأجل الأعمال”، فلا يجب أن يجهل أحد أن المقصود هو الحكمة المخلوقة في العالم وفى الأعمال، ويظن أن لفظ “خلق” قد قيل عن جوهر الحكمة المطلق كى لا يبدو بمزجه الخمر بالماء(29) أنه يسلب الحقيقة. فالحكمة نفسها جابلة وخالقة، ولكن نموذجها مخلوق بداخل الأعمال كنموذج للصورة نفسها تماماً، وهو يقول “أول الطرق” حيث أن مثل هذه الحكمة صارت كنوع من البداية وكمرشد إلى معرفة الله. فلو أن أحداً سار في أول هذا الطريق حافظاً إياه بخوف الله (كما قال سليمان: “بدء الحكمة مخافة الرب”(30)) فإنه عندما يتقدم بالفكر مدركاً عمل الحكمة الخالقة الذي في الخلق، سيدرك بها أباها أيضاً كما قال الرب نفسه: “الذى رآنى فقد رأى الآب”(31) وكما كتب يوحنا: “من يعترف بالإبن فله الآب أيضاً”(32). والأبن يقول “قبل الدهر أسسنى”(33)، حيث أن الأعمال تبقى في نموذجها راسخة دائماً. ولئلا عندما يسمع أحد عن الحكمة المخلوقة في الأعمال يظن أن الحكمة الحقيقية إبن الله هو مخلوق بالطبيعة، فإنه يضيف بالضرورة “قبل أن تكون الجبال” و “قبل أن تكون الأرض” و “قبل المياه” و “قبل كل الجبال ولدنى”(34) وإذ يشير بهذه إلى كل الخليقة فإنه يوضح بقوله “قبل كل خليقة” أنه لم يُخلق بحسب الجوهر مع الأعمال. لأنه لو كان قد خُلق من أجل الأعمال وهو الموجود قبل الأعمال، فواضح أنه موجود قبل أن يُخلق فهو إذن ليس مخلوقاً بحسب الطبيعة والجوهر، بل كما أضاف هو نفسه أنه مولود. أما فيما يختلف “المخلوق” عن “المولود” وكيف يتميز عنه بحسب الطبيعة فهذا قد سبق بيانه من قبل.

81- وحيث أنه أضاف قائلاً: “عندما أعد السموات كنت أنا في نفس الوقت معه”(35) ينبغى أن نعرف أنه لم يقل هذا كما لو أن الآب أعد السماء أو السحب العليا بدون الحكمة، لأنه لا ريب أن جميع الأشياء قد خلقت بالحكمة، وبغيرها لم يكن شئ ما. وما قاله يعنى هذا أن “كل الأشياء قد صارت بى وبواسطتى، وعندما صار هناك إحتياج أن تُخلق الحكمة لأجل الأعمال، فإنى وأنا موجود مع الآب حسب الجوهر، لكن بالتنازل إلى المخلوقات قد طبعت صورتى على الأعمال، حتى يكون العالم كأنه في جسد واحد غير متمرد بل يكون متوافقاً مع نفسه”. فكل الذين يتأملون المخلوقات بفكر مستقيم بحسب الحكمة المعطاه لهم يستطيعون أن يقولوا: “كل الأشياء تثبت بتدبيرك”(36). أما الذين يستهينون بهذا الأمر فيلزم أن يسمعوا: “وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء”(37) لأن: “معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة ترى بوضوح منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر، لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه كإله”(38) بل “عبدو المخلوق دون خالق الكل الذي هو مبارك إلى الأبد. آمين”(39). وهم بالتأكيد سيخجلون عندما يسمعون: “لأنه إذ كان (العالم) في حكمة الله (وفقا لما شرحناه سابقاً) لم يعرف الله بالحكمة، إستحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة”(40) لأن الله لا يريد بعد – مثلما حدث في العصور السابقة – أن يُعرف عن طريق صورة وظل الحكمة الموجودة في المخلوقات بل جعل الحكمة الحقيقية ذاتها تتخذ جسداً وتصير إنساناً وتعانى موت الصليب، لكى يتمكن جميع الذين يؤمنون أن يخلصوا بالإيمان به. وطبعاً فإن الحكمة ذاتها هي التي أظهرت نفسها من قبل في صورتها الموجودة في المخلوقات، والتى يقال أنها قد خُلِقت، وهكذا فقد أظهرت أباها أيضاً بواسطة ذاتها. وفيما بعد فإن نفس الحكمة التي هي الكلمة “قد صار جسداً” كما قال يوحنا(41).وبعد إبطال الموت وتخليص جنسنا فإنه أكثر من ذلك أظهر نفسه وأظهر أباه أيضاً من خلال نفسه بقوله: “اعط هؤلاء لكى يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”(42).

82- إذن فكل الأرض إمتلأت بمعرفته، لأن معرفة الآب من خلال الإبن ومعرفة الإبن من الآب هي معرفة واحدة. والآب يفرح بالإبن وبهذا الفرح عينه يبتهج الإبن بالآب قائلاً: “كنت أنا موضع فرح، وكنت أفرح كل يوم قدامه”(43). وهذا يبرهن مرة أخرى أن الإبن هو من ذات جوهر الآب وليس غريباً عنه. فهو إذن لم يوجد من أجلنا كما يدعى الكافرون، وهو ليس من العدم، لأن الله لم يتخذ لنفسه موضوعاً للفرح من خارجه، بل من الواضح أن هذه الكلمات هي عن ذاك الذي هو خاص به ومماثل له. فمتى إذن لم يكن الآب يفرح؟ لأنه إن كان يفرح دائماً إذن فلابد أن ذلك الذي كان يفرح به كان موجوداً دائماً. فبماذا يفرح الآب إلا بأن يرى نفسه في صورته التي هي كلمته؟ وحتى إن كان يبتهج ببنى البشر عندما أكمل خلق المسكونة كما كتب في الأمثال(44) نفسها، ولكن هذا أيضا له معنى مناسب، لأنه إبتهج ليس لأن الفرح أضيف إليه، بل أيضاً لأنه رأى الأعمال صائرة حسب صورته، ولهذا يكون فرح الله هو بسبب صورته. وايضاً كيف يبتهج الإبن إلا وهو يرى نفسه في الآب؟ فهذا مماثل لقوله: “من رآنى فقد رأى الآب”(45)، “أنا في الآب والآب فىّ”(46).

إذن يا أعداء المسيح، لقد ظهر أن مجادلتكم باطلة من جميع النواحى، وعبثاً عرضتم في تباه أراء غير مستقيمة وأذعتموها في كل مكان عن القول “الرب خلقنى أول طرقه” وأسأتم فهم معناه، وبدلاً من فكر سليمان أعلنتم بدعتكم. وها هو رأيكم يتضح أنه خيال فقط أما قول سفر الأمثال وكل ما سبق أن شرنا إليه من أقوال، فهو يبرهن أن الإبن ليس مخلوقاً بحسب الطبيعة والجوهر، بل هو مولود الآب الذاتى وهو حكمته كلمته الحقيقى، و “كل شئ به كان، وبغيره لم يكن شئ مما كان”(47).

 

(1) ام 19:3.

(2) مت 16:16.

(3) ابو الهرطقة الأريوسية هو الشيطان.

(4) مت 6:4.

(5) 1كو 11:3.

(6) 1كو 10:3.

(7) انظر اف 13:4.

(8) أم 23:8،25.

(9) انظر تيطس 11:2.

(10) 2 تيمو 8:1-10.

(11) افسس 3:1-5.

(12) أفسس 11:1.

(13) مت 34:25.

(14) انظر ام 22:8 – 25.

(15) أم 5:1،6.

(16) مز 24:104 (سبعينية).

(17) 1يو 23:2.

(18) متى 40:10.

(19) رو 19:1،20.

(20) 1كو 21:1.

(21) سفر الحكمة 24:6 (سبعينية).

(22) أم 16:14.

(23) أم 3:24.

(24) جا 1:8.

(25) جا 10:7.

(26) إبن سيراخ 9:1،10.

(27) مز 1:19.

(28) أع 4:9.

(29) انظر اش 22:1.

(30) أم 7:1.

(31) يو 9:14.

(32) 1يو 23:2.

(33) أم 23:8 سبعينية.

(34) انظر امثال 23:8-25.

(35) أم 27:8 سبعينية.

(36) مز 91:119 سبعينية.

(37) رو 22:1.

(38) رو 19:1-21.

(39) رو 25:1.

(40) 1كو 21:1.

(41) انظر يو 14:1.

(42) انظر يو 3:17.

(43) أم 30:8 سبعينية.

(44) أم 31:8.

(45) يو 6:14.

(46) يو 10:14.

(47) يو 3:1.

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج7 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج6 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج6 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج6 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج6 – أثناسيوس الرسولي

 

57- إن موسى عندما تكلم عن الخليقة لم يقل “فى البدء ولد” ولا “فى البدء كان” بل قال: “فى البدء خلق الله السماء والأرض”(1) وداود لم يترنم بالقول يداك ولدتانى، بل “يداك صنعتانى وأنشأتانى”(2). فهو يقول في كل مكان “صنع” عن المخلوقات. في حين يتكلم عن الابن عكس ذلك. فهو لم يقل عن الابن “صَنَعتُ”، بل “وَلدتُ”(3). و “وَلَدَنى” و “فاض قلبى بكلام صالح”(4). فبينما يقول عن الخليقة في البدء خلق” يقول عن الابن “فى البدء كان الكلمة”. وهذا الاختلاف راجع إلى أن المخلوقات قد صُنعت ولها بداية وجود في مرحلة زمنية محددة. ولذا فإن ما قيل عنها “فى البدء خلق” مساوٍ للقول “منذ البدء خلق” – كما أن الرب إذ قد عرف ما صنع علّم الفريسيين موبخاً إياهم قائلاً “إن الذي خلقهما منذ البدء خلقهما ذكراً وأنثى”(5). لأن المخلوقات أتت إلى الوجود وخلقت من بداية ما، قبل أن يكون هناك أى وجود. وهذا هو ما قصده الروح القدس أيضاً بقوله في المزامير “وأنت يا رب منذ البدء أسست الأرض”(6). ويقول أيضاً “أذكر جماعتك التي اقتنيتها منذ القدم”(7). وواضح أن الذي يكون منذ البدء له بداية خلق، وأن الله اقتنى الجماعة في وقت معين. فإن القصد من القول “خلقَ” في عبارة “فى البدء خَلَقَ”، أنه بدأ يخلق. وموسى نفسه أوضح هذا بعد تمام عمل كل الأشياء قائلاً: “وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه في هذا اليوم استراح من أعماله التي بدأ الله أن يخلقها”(8). إذن فإن المخلوقات قد بدأت أن تُخلق، أما كلمة الله فحيث أنه ليس له بداية وجود فإنه لم يبدأ أن يوجد ولا بدأ أن يصير، بل كان موجوداً دائماً. والأعمال لها بداية لصنعها، وبايتها تسبق صيرورتها في الوجود أما الكلمة فإنه ليس من بين الأشياء التي تصير، بل بالأحرى هو خالق هذه الأشياء التي لها بداية. ووجود المخلوقات يرجع إلى صيرورتها. ومن بداية ما، يبدأ الله يصنع هذه الأشياء بواسطة الكلمة، لكى يكون معروفاً أن هذه الأشياء ليس لها وجود قبل أن تصير. أما الكلمة فإن وجوده ليس له بداية أخرى سوى في الآب الذي هو بلا بداية كما يعترنون هم، فالابن أيضاً موجود بلا بداية في الآب، إذ أنه في الواقع هو مولوده وليس مخلوقه.

58- هكذا فإن الكتاب الإلهى يفرق بين “المولود” وبين “المصنوعات”، ويوضح أن المولود هو ابن ليس مبتدئاً من أية بداية، بل هو أزلى. أما الشئ المصنوع فلأنه من عمل الذي صنعه من الخارج، فهذا يشير إلى أن له بداية خلق. ويوحنا عندما كان يعلّم عن ألوهية الابن وهو يعرف الفرق بين اللفظين لم يقل “فى البدء قد صار” أو “فى البدء قد صُنع”، بل قال “فى البدء كان الكلمة”، فكلمة “كان” تتضمن “المولود” لكى لا يظن أحد أن هناك فرقاً زمنياً، بل ليؤمنوا أن الابن أزلى وموجود دائماً.

ومع كل هذه البراهين، فكيف لم تستوعبوا أيها الآريوسيون الأقوال التي جاءت في سفر التثنية وتتجاسرون أن تكفروا بالرب مرة أخرى بقولكم أنه “مصنوع” أو “مخلوق” بينما هو “مولود”؟ وأنتم تزعمون أن “المولود” و”المصنوع” لهما نفس المعنى. ومن هنا – مع ذلك – سيتضح أنكم غير عارفين كما أنكم عديمى التقوى. لأن القول الأول هو هذا: “اليس هذا هو أبوك الذي أوجدك وصنعك وخلقك”(8). ويقول بعد قليل في نفس الأنشودة: “تركت الله الذي ولدك ونست الله الذي أطعمك”(9). وهذه الفكرة غريبة للغاية، فهو لم يقل أولاً ولَدَ لئلا يبدو القول غير مختلف عن “صنع””، ولوجد هؤلاء مبرراً أن يقولوا أن موسى منذ البدء ذكر أن الله قد قال “لنصنع انساناً”(10)، وبعد ذلك قال “تركت الله الذي ولدك” كما لو أن الألفاظ غير مختلفة. أى أن “المولود” و “المصنوع” هما نفس الشئ. ولكن بعد أن ذكر لفظى “أوجد” و “صنع” أضاف أخيراً لفظ “ولد” لكى يظهر أن العبارة تحمل تفسيرها فيها. لأن اللفظ “صنع” يشير في الحقيقة إلى طبيعة البشر. أى أنهم أعمال ومصنوعات. أما لفظ “ولد” فيوضح مبة الله للبشر التي صارت للناس بعد أن خلقهم. ولأن الناس أظهروا جحوداً لمحبة الله للبشر هذه، لهذا وبخهم موسة وقال أولاً: “هل تكافئون الرب بهذه الأمور؟” ثم أضاف “أليس هذا هو أبوك الذي أوجدك وصنعك وخلقك”(11). وقال ثانياً: “قدموا الذبائح للشياطين وليس لله لآلهة لم يعرفوها، ودخلت آلهة جديدة وحديثة ولم يعرفها آباؤهم، تركت الله الذي ولدك”(12).

59- فإن الله لم يخلقهم بشراً فقط بل دعاهم أيضاً أبناء لأنه ولدهم. لأن لفظ “ولد” له معنى هام. لأنه يشير إلى أبن كما قال بواسطة النبى “ولدت بنيناً ونشأتهم”(13). وعموماً فإن الكتاب عندما يريد أن يشير إلى “ابن” يعبر عنه ليس بواسطة لفظ “خُلقتُ”، بل حتماً بواسطة اللفظ “وُلدتُ”. ويتضح هذا من قول يوحنا “أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون بأسمه، الذين ولدوا ليس من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله”(14). وهذا النص واضح لأنه حين يذكر عبارة “أن يصيروا” يقول إن هؤلاء أبناء ليس بحسب الطبيعة بل بحسب التبنى. ثم يقول “وُلِدوا” لأن هؤلاء قد حصلوا على لقب ابن بالكامل ولكن الشعب كما يقول النبى تمرد على الذي فعل معه “الخير”(15). فهذه هي محبة الله للبشر أنه بالنسبة لأولئك الذين صنعهم فقد صار لهم أباً أيضاً بعد ذلك بحسب النعمة. وقد صار لهم أباً أيضاً بعد ذلك بحسب النعمة، وقد صار لهم أباً – كما قال الرسول – عندما حصل الناس المخلوقون على “روح ابنه في قلوبهم صارخاً: أبانا أيها الآب”(16). فهؤلاء هم الذين قبلوا “الكلمة” ونالوا منه سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. لأنه لم يكن في إمكانهم – حيث أنهم مخلوقات بالطبيعة – أن يصيروا أبناء بأية طريقة أخرى إلا بأن يتقبلوا روح الابن الحق بالطبيعة. لذا فلكى يحدث هذا فقد “صار الكلمة جسداً” لكى يجعل الانسان قادراً على تقبل الألوهية، ويمكن أن نتعلم هذه الفكرة أيضاً من ملاخى النبى الذي قال “ألم يخلقكم إله واحد؟ أليس لكم أب واحد”(17). وهنا أيضاً وضع أولاً “خلق” وثانياً لفظ “أب” لكى يثبت هو أيضاً أننا كنا منذ البدء مخلوقات بحسب الطبيعة وأن الله هو خالقنا بواسطة الكلمة وبعد ذلك جعلنا أبناء، وهكذا صار الله الخالق هو أبونا أيضاً.

إذن فإن “الآب” هو خاص “بالابن”(18) وليس بالخليقة، كما أن “الابن” خاص بالآب. ويضتح من هذا أننا لسنا أبناء بالطبيعة. أما الذي جاء وسطنا فهو ابن بالطبيعة. وأيضاً فإن الله ليس أبانا بالطبيعة، بل هو أب الكلمة الموجود فينا والذى به نصرخ: “أبانا أيها الآب”. وبنفس الطريقة فإنه يدعو أولئك الذين يرى ابنه فيهم، أبناءً له ويقول:  “وَلدتُ”، حيث أن الولادة تدل على الابن حقاً، أما “الصنع” فهو لفظ يدل على “الأعمال”. لهذا فإننا نحن لم “نُولد أولاً” بل “صُنعنا” كما هو مكتوب “لنصنع انساناً”، وبعد ذلك بواسطة قبولنا نعمة الروح قال: إننا “نُولَد”. لهذا فإن موسى العظيم قال بمعنى جيد في أنشودته، أولاً: “أوجد” وبعد ذلك “وَلد”، لئلا عند سماع لفظ “وَلد” ينسون طبيعتهم من البداية، وبهذا يعرفون أنهم من البدء مخلوقات. وعندما يقال أن الناس يولدون كأبناء بالنعمة فإنهم مع ذلك هم أيضاً مصنوعات بالطبيعة.

60- إن “المخلوق” ليس في الواقع هو “المولود”، بل هما يختلفان أحدهما عن الآخر في الطبيعة وفى معنى الألفاظ نفسها. والرب نفسه أوضح هذا في الأمثال. لأنه عندما قال: “الرب خلقنى أول طرقه”(19)، أضاف: “لكنه قبل كل الجبال ولدنى”(20). فإن كان الكلمة مخلوقاً بالطبيعة وبالجوهر، والمولد يختلف عن المخلوق فما كان له أن يضيف “ولدنى” بل لكان قد اكتفى بلفظ “خلق” ما دام هذا اللفظ يعنى أيضاً “ولد”. ولكنه هنا يقول “خلقنى أول طرقه لأجل أعماله”. وأضاف عبارة “ولدنى” ليس عن غير قصد، بل بعد ربطها بأداة الربط “لكن”، وبذلك بعطى حماية كافية للفظ “خلق” قائلاً “لكنه قبل كل الجبال ولدنى”، لأن عبارة “ولدنى” إذ تأتى مع لفظ خلق فإنها تضفى عليها معنّى معيناً. وهو يوضح أن لفظ “خلق” إنما قيل لأجل غرض معين. أما عبارة “ولدنى” فهى تتخذ وضعاً قبل “خَلَقَ”. لأنه لو كان قد قيل بالعكس تماماً: “الرب ولدنى” ثم أردف بالقول “ولكن قبل كل الجبال خلقنى”، لكان لفظ “خلق” يعتبر سابقاً على لفظ “ولد”. وهكذا بقوله أولاً “خلق”. وبقوله “ولدنى قبل الكل” يشير إى أن ذاته هي شئ آخر غير الكل. وقد أتضحت الحقيقة فيما سبق من أقوال، أنه فيما يتعلق بالمخلوقات لم يصر أى واحد منها قبل غيره، بل إن جميع المخلوقات خُلقت معاً في نفس الوقت وبنفس الأمر الواحد. ولهذا فإن لفظ “ولدنى” لا يرتبط به ألفاظ مثل التي ترتبد بلفظ “خلق”، ولكن لفظ خلق يرتبط به “أول طرقه”، أما لفظ ولدنى فلم يقل معه “فى البدء ولدنى”، بل “قبل الكل ولدنى”، فهذا هو الذي قبل الكل لا يكون أول الكل، بل هو شئ آخر غير الكل. فإن كان مختلفاً عن كل الأشياء، التي من بينها يعتبر هو أول الجميع، فيتضح من ذلك أنه مختلف عن المخلوقات، ويظهر بوضوح أنه بما أن الكلمة مختلف عن الكل وموجود قبل الكل، فإنه بعد ذلك يُخْلقَ “أول طرقه من أجل أعماله” بسبب التجسد. كما قال الرسول “الذى هو البداية، البكر من الأموات لكى يكون هو متقدماً في كل شئ”(21).

61- وإن كان يوجد مثل هذا الفرق بين “خَلقَ” و “ولدنى”، وبين “أول الطرق” و “قبل الكل”، فإن الله أولاً هو خالق البشر وقد صار فيما بعد أباً لهم بسبب كلمته الساكن فيهم. والعكس بالنسبة للكلمة، إذ أن الله هو أبوه بالطبيعة، لكنه صار فيما بعد خالقه وصانعه عندما لبس الكلمة الجسد الذي خُلِقَ وصُنِعَ، وصار انساناً. لأنه كما أن البشر الذين حصلوا على روح الابن صاروا به أولاداً، هكذا كلمة الله عندما لبس هو أيضاً جسد البشر، فيقال حينئذ أنه خُلق وصُنع. إذن فلو كنا نحن أبناء بالطبيعة يكون هو أيضاً مخلوقاً ومصنوعاً بالطبيعة. ولكن إن كنا نحن أبناء بالتبنى وبالنعمة فمن الواضح أن الكلمة حينما صار انساناً بسبب النعمة من نحونا، قال: “الرب خلقنى”. وبعد ذلك حينما لبس ما هو مخلوق فإنه صار مشابهاً لنا بحسب الجسد، ولهذا فمن الصواب أن يدعى أيضاً “أخانا” و “بكرنا”. ورغم أنه صار إنساناً بعدنا ومن أجلنا وهو أخونا بسبب مشابهة الجسد، إلا أنه بهذا يدعى أيضاً “بكرنا”. لأنه بما أن كل البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان هو أول ما تم تخليصه وتحريره إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة نفسه. وهكذا إذ قد صرنا متحدين بجسده قد خلصنا على مثال جسده. وبهذا الجسد صار الرب هو قائدنا إلى ملكوت السموات وإلى أبيه نفسه لأنه يقول “أنا هو الطريق”(22)، “وأنا هو الباب”(23)، ويجب على الجميع “أن يدخلوا بى”. من أجل ذلك يدعى أيضاً “بكر من بين الأموات” لا لأنه مات أولنا – إذ أننا قد متنا قبله – بل لأنه قد أخذ على عاتقه أن يموت لأجلنا – وقد أبطل هذا الموت، فإنه هو الأول الذي قام كإنسان، إذ قد أقام جسده من أجلنا. وتبعاً لذلك حيث أن ذلك الجسد قد أقيم، هكذا نحن أيضاً نقوم من بين الأموات منه وبه.

62- وإن سُمى أيضاً “بكر الخليقة”(24)، لكنه لم يلقب بكراً كمساوٍ للمخلوقات، أو أولهم زمنياً (لأنه كيف يكون هذا وهو نفسه الوحيد الجنس بحق؟). لأنه بسبب تنازل الكلمة إلى المخلوقات فإنه قد صار أخاً لكثيرين. وهو يعتبر “وحيد الجنس” قطعاً إذ أنه وحيد وليس له إخوة آخرون والبكر يسمى بكراً بسبب وجود إخوة آخرين. لذلك فلم يُذكر في أى موضع في الكتب “بكر الله” ولا “مخلوق الله”، بل ذُكر “الوحيد الجنس”، و”الابن” و”الكلمة” و”الحكمة”. وهذه تشير إلى علاقته الخاصة المتميزة بالآب. وهكذا كُتب “رأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب”(25) و “أرسل الله ابنه الوحيد”(26) و “كلمتك يا رب ثابت إلى الأبد”(27) و “فى البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله”(28) و “المسيح قوة الله وحكمة الله”(29) و “هذا هو ابنى الحبيب”(30) و “أنت هو المسيح ابن الله الحى”(31).

أما لفظ “البكر” فيشير إلى التنازل إلى الخليقة، لأنه بسببها سُمى بكرا. ولفظ “خَلَق” يشير إلى النعمة “من أجل الأعمال”، فإنه يُخلَق من أجلها فإن كان هو “الابن الوحيد” تماماً مثلما هو في الحقيقة، فإن كلمة بكر تحتاج إلى تفسير، لأنه لو كان “بكراً” لما كان “وحيداً” لأنه غير ممكن أن يكون هو نفسه “وحيداً” و “بكراًُ” إلا إذا كان يشير إلى أمرين مختلفين. فهو “الابن الوحيد” بسبب الولادة من الآب، ولكنه يسمى “بكراً” لسبب التنازل للخليقة ومؤاخاته للكثيرين. فإن كان اللفظان متعارضين أحدهما مع الآخر، فإنه سيكون في إمكان أى شخص أن يقول أن اصطلاح “الوحيد الجنس” متعلق “بالكلمة” وذلك بسبب عدم وجود “كلمة” آخر أو “حكمة” آخر، بل إنه هو وحده ابن الآب الحقيقى. لأنه كما قيل سابقاً فإن اصطلاح “وحيد الجنس” لم يُذكر مرتبطاً بأى سبب، بل ذُكر بصورة مطلقة أنه: “الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب”(32). أما اصطلاح “البكر” فهو مرتبط بالخليقة التي أشار إليها بولس عندما قال: “لأنه فيه خُلق الكل”(33). فإن كانت كل المخلوقات قد خلقت بواسطته فإنه يكون مختلفاً عن المخلوقات، ولا يكون مخلوقاً بل هو خالق المخلوقات.

63- إذن فهو لم يُدعَ “بكراً” بسبب كونه من الآب، بل بسبب أن الخليقة قد صارت به. وكما كان الابن نفسه موجوداً قبل الخليقة وهو الذي به قد صارت الخليقة، هكذا أيضاً فإنه قبل أن يُسمى “بكر كل الخليقة” كان هو الكلمة ذاته عند الله. ولكن حيث أن الكافرين لم يفهموا هذا صارون يجولون قائلين: “إن كان هو بكر كل خليقة فمن الواضح أنه هو نفسه أيضاً واحد من الخليقة”. يا لهم من حمقى! فإن كان هو بكر كل الخليقة جمعاء فهو إذن مغاير لكل الخليقة، لأنه لم يقل أنه كان بكر بقية الخلائق لكى لا يظن أنه مثل واحد من الخلائق، بل قد كُتب “بكر كل خليقة” كى يتضح أنه مختلف عن الخليقة. فرأوبين مثلاً لم يُدعَ بكر جميع أولاد يعقوب، بل بكر يعقوب وبكر إخوته، لكى لا يظن أنه شخص آخر ولا ينتمى إلى أولاد يعقوب(34). أما بخصوص الرب نفسه فلم يقل الرسول: “لكى يصير بكر الجميع”، لكى لا يُظن أنه يلبس جسداً مختلفاً عن جسدنا، بل قال: “إنه بكر بين إخوة كثيرين”(35) وذلك بسبب مشابهة الجسد. فلو كان الكلمة واحداً من بين الخلائق، لكان الكتاب قد قال عنه أنه بكر المخلوقات الأخرى. أما الآن حيث يقول القديسون أنه “بكر كل الخليقة” فإنه يتضح العكس تماماً لأنه غير كل الخليقة، وأن ابن الله ليس بمخلوق. لأنه إن كان مخلوقاً فسيكون هو بكراً بالنسبة لنفسه.

فكيف يكون ممكناً أيها الآريوسيون أن يكون هو الأول لذاته والثانى بالنسبة لنفسه؟ وبعد ذلك، فإن كان هو مخلوقاً، وكل الخليقة قد صارت به وتتكون فيه، فكيف يستطيع أيضاً أن يخلق الخليقة وأن يكون هو في نفس الوقت واحداً من أولئك الذين خُلِقوا فيه؟ فبدعتهم هذه تظهر منافي للعقل وسقيمة، فهم يحيدون عن الحق، لأنه قد دُعى “بكراً بين إخوة كثيرين” بسبب علاقة الجسد. وسُمى “البكر من بين الأموات” لأن قيامة الموتى قد صارت منه ومن بعده. وقد دعى “بكر كل الخليقة” من أجل محبة الآب للبشر التي بسببها، ليس أن الكل فقط قد تكون بكلمته، بل إن الخليقة نفسها – التي تحدث عنها الرسول أنها “تنتظر ظهور أبناء الله”(36)، هي أيضاً سوف “تعتق يوماً من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله”(37). وهكذا فبعد أن تتحرر الخليقة فسيكون الرب أيضاً هو بكرها وبكر كل الأولاد المولودين، لكى بتسميته “الأول” فإن الذين يتبعونه يظلون مرتبطين به كبداية لهم.

64- وأعتقد أن الكافرين أنفسهم سيخجلون من مثل هذه الفكرة، لأنه لو أن الأمر لم يكن هكذا مثلما قلنا، بل هم يريدونه أن يكون – بحسب الجوهر – مخلوقاً بين الخلائق. وبهذا المعنى يفهمون “بكر كل الخليقة”، فدعهم إذن يعترفون أنهم – في هذه الحالة – سيفهمونه أنه أخ ومشابه للكائنات غير الناطقة والتى بلا نفس. لأن هذه الأشياء هي أيضاً أجزاء من كل الخليقة، ولذلك يكون البكر بالضرورة هو الأول من الناحية الزمنية فقط، أما من ناحية النوع والتشابه فيكون هو والجميع شئ واحد. فكيف إذن لا يفوقون كل كفر عندما يقولون هذا؟ ومن سيحتملهم عندما يتكلمون هكذا؟ وكيف يستطيع أحد ألا يشمئز منهم بسبب أنهم يتفكرون في مثل هذه الأمور؟

لأن واضح للجميع أنه دُعى “بكر الخليقة” ليس بسبب نفسه كما لو كان مخلوقاً، ولا بسبب أن له علاقة ما من جهة الجوهر مع كل الخليقة، بل لأن الكلمة – منذ البدء – عندما خلق المخلوقات، تنازل إلى مستوانا حتى يتيسر لها أن تأتى إلى الوجود. لأن المخلوقات ما كان ممكناً لها أن تحتمل طبيعته – التي هي بها الآب الخالص – لو لم يتنازل بحب الآب للبشر ويعضدها ويمسك بها ويحضرها إلى الوجود. ونكرر أيضاً أنه بنزول الكلمة، قد صار تبنى الخليقة نفسها به، لكى يصير هو بكرها في كل شئ كما سبق أن قيل، سواء في الخلق أم في دخوله إلى العالم نفسه من أجل الكل لأنه مكتوب “ومتى أدخل البكر إلى العالم، يقول ولتسجد له كل ملائكة الله”(38). فليسمع أعداء المسيح وليمزقوا أنفسهم بشدة. لأن إدخاله إلى العالم ساهم في تسميته “بكر” الكل، حتى يكون هو ابن الآب الوحيد الجنس بسبب أنه هو الوحيد الذي من الآب، كما أنه “بكر” الخليقة من أجل تبنى الجميع. ولأنه هو بكر بين الإخوة، وقد قام من بين الأموات ليكون هو باكورة الراقدين(39)، لذلك كان من الواجب أن يكون متقدماً في كل شئ، لهذا فقد “خُلِقَ أول الطرق”. لكى إذ نتبعه وندخل بواسطته هو القائل “أنا هو الطريق” و”الباب” ونشترك في معرفة الآب، فإننا نسمع الكلمات: “طوباهم الذين بلا عيب في الطريق”(40) وايضاً “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله”(41).

65- وهكذا إذ قد ظهر الحق وإتضح أن الكلمة ليس مخلوقاً بالطبيعة، فمن المناسب الآن أن نوضح كيف قيل عنه “أول الطرق”. لأنه حيث أن  الطريق الأول الذي كان من خلال آدم، قد ضاع وانحرفنا إلى الموت بدل الفردوس وسمعنا القول: “إنك تراب وإلى التراب تعود”(42)، لذا فإن كلمة الله المحب للبشر ليس الجسد المخلوق بمشيئة الآب لكى يحيى بدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الانسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: “وكرس لنا طريقا حياً حديثاً بالحجاب أى جسده”(43). وهو ما أشار إليه في موضع آخر حينما قال: “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً”(44). فإن كان كل شئ قد صار خليقة جديدة فإنه من الضرورى أن يكون هناك شخص هو أول هذه الخليقة. ولا يمكن أن يكون هو الانسان الضعيف الترابى، وهي حالتنا نحن بسبب التعدى. لأنه في الخليقة الأولى قد صار البشر عديمى الايمان وهلكت الخليقة الأولى بسببهم، ولذا صارت هناك حاجة إلى آخر وهو الذي يقوم بتجديد الخليقة الأولى والذى يحفظ الخليقة الجديدة التي ستصير. لذلك فمن محبته للبشر لم يخلق أى شخص غير الرب ليكون أول طريق الخليقة الجديدة. ومن الصواب أن يقول: “الرب خلقنى أول طرقه لأجل أعماله” لكى لا يحيا الانسان فيما بعد بحسب الخليقة الأولى. وإذ توجد بداية خليقة جديدة والمسيح هو بدء طرقها، إذن فلنقتف أثره هو القائل لنا “أنا هو الطريق”. وأيضاً يعلَّم الرسول المغبوط في رسالته إلى أهل كولوسى قائلاً: “هو رأس الجسد الكنيسة، الذي هو البداية، البكر من بين الأموات لكى يكون متقدماً في كل شئ”(45).

66- لأنه إن كان المسيح – كما قيل – يعتبر بداية بسبب القيامة من الأموات، إذ قد حدثت قيامة عندما لبس جسدنا وبعد أن سلَّم ذاته للموت من أجلنا، فإنه يكون واضحاً أن ما قاله هو: “خلقنى أول طرقه” يشير ليس إلى جوهره بل إلى وجوده الجسدى. لأن الموت خاص بالجسد. وكما أن الموت صفة خاصة للجسد، هكذا أيضاً فإن الوجود الجسدى يكون خاصاً بالقول “الرب خلقنى أول طرقه”. لأنه هكذا خُلق المخلص بحسب الجسد وصار أول الذين خُلقوا من جديد واتخذ باكورتنا التي هي الجسد البشرى الذي لبسه، وبعده يأتى الشعب الآتى الذي خُلق كما قال داود “يُكتب هذا لجيل آخر، وشعب سيُخلق يسبح الرب”(46). ويقول في المزمور الحادى والعشرين: “الجبل الآتى سيُخبَّر عن الرب. وسيعُلنون بره للشعب الذي سيُولد الذي صنعه الرب”(47). لأننا لن نسمع بعد: “لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت”(48)، بل نسمع: “حيثما أكون أنا تكونون أنتم أيضاً”(49). وهكذا نستطيع أن نقول: “لأننا نحن عمله مخلوقين لأعمال صالحة”(50). ومرة أخرى حيث أن عمل الله – أى الانسان – الذي خُلِق كاملاً، قد صار ناقصاً بسبب المخالفة، وصار ميتاً بالخطيئة، فلم يكن لائقاً أن يظل عمل الله ناقصاً. ولأجل هذا توسل جميع القديسين قائلين في المزمور 137 “يا رب جازهم بسببى.. يا رب لا تتخل عن أعمال يديك”(51). لأجل ذلك فإن كلمة الله الكامل قد لبس الجسد الناقص. ولهذا يُقال أنه “خُلق من أجل الأعمال”، لكى بعد أن يوفى الدين بدلاً منا يكمّل بنفسه ما هو ناقص عند الانسان. فالانسان ينقصه الخلود والطريق إلى الفردوس. وهذا يتضح مما قاله المخلص: “انا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتنى لأعمل قد أكملته”(52) وأيضاً “الأعمال التي أعطانى الآب إياها لأكملها. هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لى”(53). إن الأعمال التي يتحدث عنها هنا أن الآب قد أعطاها له ليكملها، هي تلك التي خُلق من أجلها كما يقول في الأمثال “الرب خلقنى أول طرقه لأجل أعماله”. وهذا كأنه يقول “الآب أعطانى الأعمال” و”الرب خلقنى لأجل الأعمال”.

67- إذن يا محاربى الله، متى أخذ الأعمال لكى يكملها؟ فمن هذا أيضاً سيتضح معنى اللفظ “خلق”. فإن قلتم أن هذا قد حدث في البدء عندما صنع الأشياء من العدم، يكون هذا كذباً وغير حقيقى، ذلك لأن الأعمال لم تكن قد وجدت بعد. وواضح أنه يقول أنه أخذ “أعمالاً” كانت موجودة عندئذ. وليس من التقوى أن نقول أن هذا حدث قبل الزمن الذي صار فيه الكلمة جسداً، لكى لا يبدو أن مجيئه إلى العالم كان عديم النفع، لأن مجيئه كان من أجل هذ “الاعمال”. إذن عينا أن نداوم القول انه عندما صار إنساناً، فإنه عندئذ فقط أخذ “الأعمال”. لأنه عندئذ أكملها أيضاً شافياً جراحنا ومانحاً إيانا القيامة من الأموات. لأنه إن كانت “الأعمال” قد أعطيت عندئذ للكلمة أى عندما صار جسداً، فإنه يكون واضحاً أنه عندما صار إنساناً فإنه حينئذ أيضاً “خُلِقَ لأجل الأعمال”. إذن فلفظ “خَلَقَ” لا يشير إلى جوهره – كما قلنا مراراً – بل إلى تكوينه الجسدى. ولأن الأعمال صارت ناقصة ومشوهة بسبب التعدى، لذا يقال عنه أنه “خُلِقَ” من جهة الجسد، لكى بعد أن يكمل هذه الأعمال ويتمم صنعها يحضر الكنيسة إلى الآب كما قال الرسول “لا دنس فيها ولا غضن أو شئ من مثل ذلك، بل تكون مقدسة وبلا عيب”(54).

إذن فقد كمل فيه الجنس البشرى وأعيد تأسيسه كما كان في البدء، بل بالأحرى بنعمة أعظم من الأول. لأننا بعد القيامة من بين الأموات لن نخاف الموت بعد، بل سنملك في السموات مع المسيح على الدوام. وهذا لأن نفس كلمة الله الذاتى الذي من الآب، قد لبس الجسد وصار إنساناً، لأنه لو كان مخلوقاً ثم صار إنساناً فإن الإنسان يبقى كما كان دون أن يتحد بالله. لأنه كيف يمكن لمخلوق أن يتحد بالخالق بواسطة مخلوق؟ لأن أية معونة يمكن أن يحصل عليها متماثلون من مماثليهم ما داموا هم أيضاً محتاجين إلى نفس المعونة؟ وإن كان الكلمة مخلوقاً فكيف يمكنه أن يبطل حكم الله ويصفح عن الخطيئة وهو أمر كتب عنه الأنبياء أنه خاص بالله؟ لأن “من هو إله مثلك غافر للإثم ومتغاضٍ عن الخطايا”(55). فإن الله قال “إنك تراب وإلى التراب تعود”(56)، والبشر قد صاروا مائتين. إذن فكيف يكون في إمكان المخلوقين أن يبطلوا الخطية؟ فإن الرب نفسه هو الذي أبطلها كما قال هو نفسه: “إن لم يحرركم الابن”(57)، وأوضح حقاً أن الابن الذي حرر ليس مخلوقاً وليس من بين المخلوقات، بل هو الكلمة الذاتى وصورة جوهر الآب، وهو الذي “أصدر الحكم”(58)، في البداية، وهو الذي صفح عن الخطايا. وإذ قيل بواسطة الكلمة “أنت تراب وإلى التراب تعود” هكذا أيضاً قد تحققت الحرية بالكلمة نفسه وفيه، وبه قد صار إبطال الدينونة.

68- ولكنهم يقولون أنه كان فىاستطاعة الله أن يقول كلمة واحدة يبطل بها اللعنة حتى لو كان المخلص مخلوقاً. ومن المحتمل أن يسمعوا نفس الشئ من آخر يقول: “كان فىالإمكان ألا يأتى الابن إلى العالم على الإطلاق، وأن يتكلم الله فقط ويبطل اللعنة”. ولكن يلزم التفكير في تحديد ما هو ملائم للبشر وليس في ما يكون في استطاعة الله. لأنه كان قادراً أن يهلك البشر المخالفين قبل فلك نوح، ولكنه فعل هذا بعد الفلك. وكان يستطيع بدون موسى أن يخرج الشعب من مصر بكلمة فقط، ولكن كان من المفيد أن يفعل هذا بواسطة موسى. وكان الله يستطيع أيضاً أن يخلص الشعب بغير القضاة ولكن كان من مصلحة الناس أن يقيم لهم قاضياً في كل عصر. وكان من الممكن أن يقيم المخلص بيننا منذ البداية، أو بعد أن جاء كان يمكنه ألا يستسلم لبيلاطس. لكنه جاء عند إنقضاء الدهر. فعندما سألوه قال “أنا هو”(59). لأن ما صنعه كان هو بعينه النافع للبشر. ولم يكن من المناسب أن يكون هناك شئ آخر. وبرعايته قد صنع أيضاً ما هو نافع ولازم.

إذن فهو قد “جاء لا لكى يُخدَم”، بل لكى يَخدم وأن يصنع لنا خلاصاً”(60). وبالتأكيد كان يستطيع أن يُملى الشريعة من السماء غير أنه رأى أنه لصالح البشر أن يمليها من سيناء. وهذا ما قد صنعه بالفعل حتى يستطيع موسى أن يرتقى الجبل ويتمكن أولئك الذين يسمعون الكلام عن قرب أن يؤمنوا أكثر.

ويمكن أيضاً أن ندرك صواب ما قد فعله من الآتى:

لو أن الله قال كلمة واحد – لسبب قدرته – وأبطل بها اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر ولكن الانسان كان سيظل كما كان آدم قبل العصيان، لأنه كان سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متحدة مع الجسد (فهذه كانت الحالة عندما وُضِع في الجنة) بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلَّم كيف يعصى. فلو كانت حالته هكذا وأُغوِىَ مرة أخرى بواسطة الحية لصارت هناك حاجة مرة أخرى أن الله يأمر ويبطل اللعنة وهكذا تستمر الحاجة إلى مالا نهاية، ولظل البشر تحت الذنب بسبب استعبادهم للخطية  – إذ هم يقترفون الإثم، ولظلوا على الدوام في حاجة لمن يعفو عنهم ولما خلصوا قط. ولكونهم أجساداً بحسب طبيعتهم فإنهم يظلون مقهورين دائماً بواسطة الناموس لسبب ضعف الجسد.

69- ومرة أخرى، لو كان الابن مخلوقاً لظل الانسان مائتاً كما كان قبلاً، حيث أنه لم يتحد بالله. فإنه لا يستطيع مخلوق أن يوّحد المخلوقات مع الله، إذ أنه هو نفسه في حاجة لمن يوَّحده بالله. وليس في وسع جزء من الخليقة أن يكون خلاصاً للخليقة إذ هو نفسه في حاجة إلى الخلاص. ولكى لا يحدث هذا أرسل الله ابنه وصار ابن الانسان بإتخاذه الجسد المخلوق. وحيث أن الجميع كانوا خاضعين للموت، وكان هو مختلفاً عن الجميع فقد قدم جسده الخاص للموت من أجل الجميع. إذن حيث أن الجميع ماتوا بواسطته هكذا قد تم الحكم (إذ أن الجميع ماتوا في المسيح). وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحراراً من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات ولابسين عدم موت وعدم فساد. وكما قلنا مراراً وتكراراً فإن الكلمة بلبسه للجسد بدأ يبطل منه كلية كل لدغة من لدغات الحية، ويقطع منه أى شئ ينبع من حركات الجسد، ويبطل معها أيضاً الموت الذي يتبع الخطية كما قال الرب نفسه: “رئيس هذا العالم يأتى وليس له في شئ”(61). وحيث أن أعمال إبليس(62) قد نُقِضت من الجسد فقد تحررنا جميعاً بسبب علاقتنا بجسده، وصرنا متحدين مع الكلمة “ولأننا متحدون مع الله فلن نمكث كثيراً بعد على الأرض، بل كما قال هو نفسه: “حيث يكون هو هناك نكون نحن أيضاً”(63). وعندئذ لن نخاف الحية بعد لأنها أُبطلت بواسطة الجسد بعد أن طردها المخلص عندما سمعتْ “اذهب عنى يا شيطان”(64). و”هكذا طُرد خارج الفردوس وأُلقى في النار الأبدية. ولن تحترس بعد من المرأة التي خدعتنا لأنه في “القيامة لا يُزوجون ولا يَتَزَوجون بل يكونون كالملائكة(65). وستكون خليقة جديدة في المسيح يسوع “حيث ليس ذكر وأنثى”(66). بل سيكون المسيح الكل في الكل(67)، وحيث يكون المسيح فأى خوف أو خطر يكون هناك؟

70- ولكن كل هذا لم يكن ممكناً أن يحدث لو أن الكلمة كان مخلوقاً فالشيطان إذ هو مخلوق فإنه يواصل الحرب دئماً ضد المخلوق، وحيث أن الانسان موجود في وسط هذا الصراع فهو خاضع للموت، إذ ليس له من بواسطته وعن طريقه يتحد بالله لكى يتحرر من كل خوف. ولذلك فإن الحق يوضح أن الكلمة لا ينتمى إلى المخلوقات، بل بالحرى هو نفسه خالقهم. ولذلك فقد لبس الجسد البشرى المخلوق، لكى بعد أن يجدده كخالق فإنه يُؤلَّهه في نفسه، وهكذا يدخلنا جميعاً إلى ملكوت السموات على مثال صورته. لأنه ما كان للإنسان أن يتأله لو أنه اتحد بمخلوق أو لو أن الابن لم يكن إلهاً حقيقياً. وما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب لو لم يكن الذي لبس الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقى.

وكما أنه لو لم يكن الجسد الذي لبسه الكلمة جسداً بشرياً لما كنا قد تحررنا من الخطيئة واللعنة (حيث أنه في هذه الحالة لا يكون هناك شئ مشترك بيننا وبين ما هو غريب)، هكذا لم يكن للانسان أن يُؤَله لو لم يكن الكلمة الذي صار جسداً هو ابن طبيعى حقيقى وذاتى من الآب. لهذا إذن صار الاتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، ويصير خلاص الانسان وتأليهه مؤكداً. ولذلك فإن الذين ينكرون أن الابن هو بالطبيعة من الآب وأنه مولوده الذاتى من جوهره، فلينكروا أيضاً أنه قد حصل على جسده البشرى الحقيقى من مريم الدائمة البتولية. لأنه لن يكون لنا نحن البشر أى ربح بعد، إن لم يكن الكلمة هو ابن الله الحقيقى بالطبيعة، وإن لم يكن الجسد الذي إتخذه هو جسد حقيقى. ولكنه بالتأكيد قد إتخذ جسداً حقيقياً برغم ما يهذى به فالنتينوس(68)، ذلك لأن الكلمة هو إله حق بالطبيعة رغم هذيان مجانين الآريوسية. فهو بهذا الجسد قد صار بدء خليقتنا الجديدة لأنه قد خُلِقَ كإنسان لأجلنا وقد كرس لنا ذلك الطريق كما قد كُتب.

71- إذن فالكلمة ليس مخلوقاً، لأن ألفاظ “المخلوق” و”المصنوع” و”العمل” تعنى نفس الشئ. فلو كان “مخلوقاً” لكان أيضاً “مصنوعاً” و”عملاً” لهذا فإنه لم يقل “خلقنى عملاً”، و”صنعنى مع الأعمال” لكى لا يظن من الناحية الأخرى حسب نية الكافرين أنه صار أداة من أجلنا. وأيضاً لم يعلن: “خلقنى قبل الأعمال”، لئلا وهو موجود قبل الكل “كمولود”، وهكذا قيل أيضاً أنه “مخلوق قبل الأعمال”، فإن اللفظ “مولود” واللفظ “خلق” يظهران كأن لهما نفس المعنى. ولكنه قال بتمييز دقيق “من أجل الأعمال” كأنه يقول “الآب صنعنى جسداً لكى أصير إنساناً، حتى يظهر من هذا أيضاً أنه ليس “عملاً”، بل هو “مولود”. لأنه كما أن من يدخل إلى المنزل لا يعتبر جزءاً من المنزل، بل هو مختلف عن المنزل، هكذا من يُخلَق من أجل الأعمال فإنه بالطبيعة مغاير للأعمال.

لأنه لو كان كلمة الله “عملاً” – وفقاً لمعتقداتكم أيها الآريوسيون فبأية “حكمة” إذن وبأية “يد” قد وُجد هو أيضاً؟ لأن كل الكائنات قد وُجدت بيد الله وحكمته. فإن الله نفسه يقول “كل هذه صنعتها يدى”(69). وداود يرتل قائلاً: “منذ البدء يارب أسست الأرض والسموات هي عمل يديك”(70). ويقول ايضاً في المزمور المئة والثانى والأربعين: “تذكرت أياماً قديمة، تأملت في جميع أعمالك، بصنائع يديك كنت أتأمل”(71). إذن فإن كانت يد الله هي التي صنعت الصنائع، وقد كُتِب: “كل الأشياء قد صارت بالكلمة وبغيره لم يكن شئ مما كان”(72)، وأيضاً “رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء”(73)، وأيضاً “فيه يقول الكل”(74)، فإنه من الواضح أن الابن لا يمكن أن يكون “عملاً” ولكنه هو يد الله وحكمته. وقد عرف هذا الذين صاروا شهوداً في بابل أى حنانيا وعزاريا وميصائيل، وهم يدحضون الكفر الآريوسى لأنهم قالوا: “باركى الرب يا جميع أعمال الرب”(75). وقد أعتبروا كل ما في السماء وعلى الأرض والخليقة جمعاء أنها “أعمال” أما الابن فلم يذكروه بين الأعمال لأنهم لم يقولوا “بارك أيها الكلمة وسبحى أيتها الحكمة”. وهذا يوضح أن كل الأشياء غيرهما تسبح وهي “أعمال” أما الابن فلم يذكروه بين الأعمال لأنهم لم يقولوا “بارك أيها الكلمة وسبحى أيتها الحكمة”. وهذا يوضح أن كل الأشياء غيرهما تسبح وهي “أعمال”، أما الكلمة فهو ليس “عملاً” ولا ينتمى إلى الأشياء التي تسبح، بل هو مُسبَّح مع الآب ومعبود ويُعترف به إلهاً لأنه هو كلمة الآب وحكمته وهو خالق “الأعمال”. وقد قال الروح هذا أيضاً في المزامير بتمييز بديع للغاية: “لأن كلمة الرب مستقيمة وكل أعماله موثوق بها”(76)، كما يقول أيضاً في مزمور آخر “ما أعظم أعمالك يارب، كلها صنعتها بحكمة”(77).

72- فلو كان الكلمة “عملاً” فإنه يكون قد وُجد بواسطة الحكمة، ولما ميزه الكتاب عن “الأعمال”، ولما سمى الكتاب تلك “أعمالاً” بينما يبشر به هو أنه كلمة الله وحكمته الذاتية. أما الآن فإن الكتاب إذ يميزه عن “الأعمال” فإنه يوضح أن “الحكمة” هي خالقة “الأعمال” وهي ليست “عملاً”. ونفس هذا التمييز قد استخدمه بولس عندما كتب إلى العبرانيين: “لأن كلمة الله حّى وفعَّال، وأمضى من كل سيف ذى حدين، وخارق إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميز لأفكار القلب ونياته، وليست خليقة غير ظاهرة أمامه، بل كل شئ عريان ومكشوف أمام عينىّ ذاك الذي تقدم له الحساب”(78). لأنه ها هو يدعو الكائنات “خليقة” أماالابن فيعرفه أنه “كلمة الله” الذي هو مختلف عن المخلوقات. وهو يقول أيضاً: “كل شئ عريان ومكشوف أما عينّى ذاك الذي نقدم له الحساب”، وهذا يعنى أنه غير الكائنات.

لهذا إذن فهو الذي يدين، أما كل واحد من الكائنات فهو مسئول أن يقدم حساباً أمامه. وهكذا فإن كل الخليقة تئن معاً من أجل أن تتحرر من عبودية الفساد(79)، وبهذا يظهر أن الابن هو غير المخلوقات لأنه لو كان مخلوقاً لكان واحداً من أولئك الذين يئنون ويحتاج إلى من يعطيه التبنى ويحرره أيضاً مع الكائنات الأخرى. فإن كانت كل الخليقة تئن معاً من أجل التحررمن عبودية الفساد، إلا أن الابن ليس من بين الذين يئنون ولا من بين الذين يحتاجون إلى الحرية، بل هو الذي يعطى التبنى والحرية للجميع كما قال لليهود في تلك الأيام: “العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد. فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً”(80). فمن ذلك يصير واضحاً أكثر من النور أن كلمة الله ليس مخلوقاً، بل هو ابن الآب الحقيقى الأصيل بالطبيعة.

إذن فيما يتعلق بالعبارة “الرب خلقنى أول الطرق”، وإن كنا تناولناها بإيجاز فإن هذا يكفى كما أعتقد ليعطى مادة للعارفين لكى يعدوا ردوداص على البدعة الآريوسية. ولكن عندما قرأ الهراطقة الآية المكتوب بعدها: “أسسنى قبل أن يكون الدهر”(81)، أسأوا التفكير بصوصها وظنوا أنه يشير بها إلى ألوهية الكلمة، وليس إلى حضوره الجسدى لذا فمن الضرورى أن نشرح هذه الآية لكى نثبت ضلالهم.

(1) تك 1:1.

(2) مز 73:119.

(3) مز 7:2و 3:101.

(4) مز 2:45.

(5) مت 4:19.

(6) مز 25:102.

(7) مز 2:74.

(8) تك 3: سبعينية.

(8) تث 6:32.

(9) تك 18:32.

(10) تك 26:1.

(11) تك 6:32.

(12) تك 17:32، 18.

(13) اش 2:1.

(14) يو 12:1،13.

(15) انظر اش 3:1.

(16) غل 6:4.

(17) مل 10:2 سبعينية.

(18) أى أن الآب هو أب للابن وليس للخليقة.

(19) أم 22:8.

(20) أم 25:8.

(21) كو 18:1.

(22) يو 6:14.

(23) يو 7:10.

(24) كو 15:1.

(25) يو 14:1.

(26) 1 يو 9:4.

(27) مز 89:119.

(28) يو 1:1.

(29) 1 كو 24:1.

(30) مت 17:3.

(31) مت 16:6.

(32) يو 18:1.

(33) كو 16:1.

(34) أنظر تك 23:35.

(35) رو 29:8.

(36) رو 19:8.

(37) أنظر رو 21:8.

(38)  عب 6:1.

(39) انظر 1كو 20:15.

(40) مز 1:119.

(41) مت 8:5.

(42) تك 19:3.

(43) عب 20:10.

(44) 2 كو 17:5.

(45) كو 18:1.

(46) مز 18:102.

(47) أنظر 30:22،31 (رمز 21 بالسبعينية).

(48) تك 17:2.

(49) يو 3:14.

(50) أنظر أف 10:2.

(51) مز 8:138 (مز 137 بالسبعينية).

(52) يو 4:17.

(53) يو 36:5.

(54) أف 27:5.

(55) ميخا 18:7.

(56) تك 19:3.

(57) انظر يو 36:8.

(58) يقصد أن الكلمة هو الذي أصدر حكم الموت “لأنك تراب وإلى التراب تعود”.

(59) يو 5:18.

(60) مت 28:20.

(61) يو 30:14.

(62) 1يو 8:3.

(63) انظر يو 13:14.

(64) مت 10:4.

(65) مت 30:22.

(66) أنظر 28:3.

(67) انظر 1 كو 28:15.

(68) انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين صفحة 104 هامش 75.

(69) اش 2:66.

(70) مز 25:102.

(71) مز 5:143 (142 سبعينية).

(72) أنظر يو 3:1.

(73) 1 كو 6:8.

(74) كو 17:1.

(75) دا 57:3 (سبعينية).

(76) مز 4:33 (سبعينية).

(77) مز 24:104.

(78) عب 12:4،13.

(79) انظر رو 21:8،22.

(80) يو 35:8،36.

(81) أم 23:8.

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج6 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج5 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج5 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج5 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج5 – أثناسيوس الرسولي

 

أما العبارة الواردة في الأمثل – كما سبقت أن قلت فهى لا تشير إلى جوهر الكلمة، بل إلى ناسوت الكلمة. لأنه إن كان يقول أنه قد خُلق “لأجل الأعمال” فإنه لا يريد أن يشير إلى جوهره، بل إلى التدبير الذي صار لأجل أعماله، وهو الأمر الذي يكون تالياً لوجوده. لأن تلك الأشياء الصائرة والمخلوقة قد صُنِعت أولاً وأساساً من أجل أن تكون وأن تُوجد، وثانياً أن يكون لهذه الأشياء أن تعمل بما يأمرها به الكلمة مثلما يمكن أن يُرى مثل هذا الأمر في جميع الأشياء.

لأن آدم خُلق لا لكى يعمل بل لكى يوجد أولاً كإنسان، لأنه بعد ذلك تلقى أمراً أن يعمل. ونوح خُلِق ليس من أجل الفلك، بل ليوجد أولاً ويصير أنساناً، لأنه بعد ذلك تلقى أمراً أن يصنع الفلك. ومن يبحث ويفتش فإنه سيجد نفس الشئ مع كل واحد من المخلوقات. لأن موسى العظيم أيضاً قد كان إنساناً أولاً وبعد ذلك عُهِدَ إليه بقيادة الشعب. وهكذا هنا أيضاً من الممن أن نفهم نفس الشئ لأنك ترى أن الكلمة لم يُخلَق لكى يكون له وجود، بل “فى البدء كان الكلمة”، ولكنه بعد ذلك أُرسِل “لأجل الأعمال” وتدبير خلاصها.

لأنه من قبل أن توجد “الأعمال” كان الابن موجوداً دائماً ولم تكن هناك أية حاجة لكى يُخلَق، وعندما خُلِقت “الأعمال” وصارت الحاجة ماسة بعد ذلك إلى تدبير إصلاحها، عندئذ قدم الكلمة ذاته لكى ينزل ويصير مشابهاً “للأعمال”. وهذا ما يوضح لنا معنى لفظ “خلق”(1). ولأنه يريد أن يثبت التشابه فإنه يقول مرة أخرى بإشعياء النبى: “والآن هكذا يقول الرب الذي جبلنى من الرحم لأكون له عبداً. لأرجع إليه يعقوب واسرائيل. وسأتجمع وأتمجد أمام الرب”(2).

52- فأنت ترى هنا أنه لا يُجبل لكى يوجد، بل من أجل تجميع الأسباط التي كانت موجودة قبل أن يُجبَل. فكما أن هناك كلمة “خلق”(3)، هكذا هنا كلمة “جبل”(4). ومثلما هناك عبارة من “أجل الأعمال”، هكذا هنا عبارة من “أجل التجميع” حتى تبدو كلمتا “خلق” و “جبل” أنهما تأتيان بعد وجود الكلمة. وكما أن الاسباط التي من أجلها جُبل كانت موجودة قبل أن يُجبَل، هكذا يتضح أنه قد وُجدت “الأعمال” التي من أجلها “خُلق” أيضاً. وعندما “كان الكلمة في البدء” لم تكن “الأعمال” موجودة بعد كما سبق أن أشرت، وعندما صارت “الأعمال” وأصبحت الحاجة ملّحة، عندئذ قيلت لقظة “خلَق”.

وكما أن أى ابن فُقدت أملاكه وسطا عليها الأعداء بسبب إهمالها، فإن اقتضت الحاجة فربما يرسله أبوه لاستردادها وتجميعها. وعندما يتوجه لهذا الغرض فإنه قد يرتدى رداء مشابهاً لردائهم، ويتشكل بشكلهم كى لا يتعرف عليه المستولون عليها أنه السيد فيهربوا، وبهذا يتعذر عليه أن ينزل ويكتشف الكنوز التي خبئوها تحت الأرض. وعندئذ إذا سأله أحد، لماذا أنت هكذا، فإنه قد يجيب قائلاً: “جبلنى أبى هكذا وأعدنى لأجل أعماله”. وكأنه بهذا القول لا يعنى أنه عبد ولا أنه واحد من أعماله.

ولا يتحدث عن بدء ميلاده، بل عن المهمة الموكلة إليه فيما بعد “من أجل الأعمال”. وبنفس الطريقة أيضاً فإن الرب قد لبس جسدنا، “وُجد في الهيئة كإنسان”(5). فلو أنه سئُل من الذين رأوه وتعجبوا لكان يقول لهم: “الرب خلقنى أول طرقه لأجل أعماله” و “جبلنى لكى أجمع أسرائيل” وهذا ما يقوله الروح في المزامير “أقمته على أعمال يديك”(6). وهذا الأمر هو ما يشير به الرب عن ذاته قائلاً “أنا أقمت ملكاً بواسطته على صهيون جبله المقدس”(7).

وكما أنه حينما “أشرق جسدياً”(8) على صهيون لم يكن هذا له بداية وجود أو مُلك، بل لكونه كلمة الله ومَلِكاً أبدياً، فإنه حُسِبَ مستحقاً من الناحية البشرية أن تشرق مملكته في صهيون أيضاً، لكى بعد أن يفديهم ويفدينا من الخطية المتملكة عليهم، يجعلهم تحت مملكته الأبوية. وهكذا إذ قد أقيم من أجل الأعمال، فإن هذا ليس من أجل الأشياء التي لم تكن موجودة بعد، بل من أجل الأشياء التي كانت موجودة عندئذ وكانت في حاجة إلى إصلاح.

53- إذن فإن الكلمات “خلق” و “جبل” و “أقام” لها نفس المعنى ولا تعنى بدء وجوده ولا أن جوهره مخلوق، بل تعنى التجديد الذي صار لأجلنا كعمل خيرَّ منه. وبينما كان يقول هذه الكلمات، فإنه كان يعلّم في نفس الوقت أنه هو نفسه كان موجوداً قبل هذه الأشياء وذلك عندما قال: “قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن”(9). وايضاً “عندما هيأ السموات كنت أنا موجوداً هناك معه”(10). و”كنت عنده أقوم بترتيبها”(11). وكما كان هو كائنا قبل ابراهيم وجاء اسرائيل بعد ابراهيم، فيتضح أنه رغم أنه كان موجوداً من قبل فإنه جُبِل بعد ذلك.

والجَبْل(12) لا يعنى بداية وجوده، بل يشير إلى تأنسه الذي فيه يجمع أسباط اسرائيل. وهكذا إذن حيث أنه موجود دائماً مع الآب، فإنه هو خالق الخليقة. وواضح أن أعماله وُجدت بعده. وأن لفظ “خَلَق” لا يعنى بداية وجوده بل يعلن التدبير الذي تم في الجسد “من أجل الأعمال”. لأنه كان من اللازم أن يكون هو مختلفاً عن الأعمال، بل بالحرى يكون هو خالقها. وأن يتكفل هو نفسه بتجديدها، لكى إذ قد خُلِقَ لأجلنا فإن جميع الأشياء تخلق به من جديد.

لأنه عندما قال “خَلَقَ” أضيف السبب في الحال وذكر لفظ “الأعمال”، وذلك لكى يتضح أنه خُلِقَ “من أجل الأعمال”، وأن صيرورته إنساناً هي من أجل تجديد هذه الأعمال”. وهذا أمر مألوف في الكتب الإلهية. لأنه عندما يشير إلى ميلاد الكلمة بحسب الجسد يذكر السبب الذي من أجله قد صار إنساناً. وحينما يتحدث هو وخدامه بخصوص ألوهيته فإن كل شئ يقال بألفاظ بسيطة وفكر صافٍ، ولا يقال أبداً بطريقة معقدة.

وذلك لأنه هو بهاء الآب، وهو مثل الآب لم يوجد عن طريق أية علة، ولذلك لا يجب أن نبحث عن سبب هذا البهاء، لأنه مكتوب “فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”(13). ولم يكن هناك تساؤل بكلمة “لماذا” وعندما كُتِبَ “الكلمة صار جسداً” حينئذ ذكر السبب الذي من أجله قد صار “وحل فينا”(14) وعندما يقول الرسول أيضاً: “الذى إذ كان في صورة الله” فإنه لم يذكر السبب إلا عندما أخذ صورة عبد. لأنه حينئذ أشار كنتيجة لذلك قائلاً: “وضع نفسه حتى الموت موت الصليب(15). ولهذا فقد صار جسداً متخذاً صورة عبد.

54- وكثيراً ما تحدث الرب نفسه بأمثال، ولكن عندما كان يشير إلى نفسه كان يقول بطريقة مطلقة: “أنا في الآب والآب فىّ”(16)، و”أنا والآب واحد”(17)، و “من رآنى فقد رأى الآب”(18) و”أنا هو نور العالم”(19) و “أنا هو الحق”(20)، دون أن يذكر السبب في كل قول ولا التساؤل “لماذا”، لكى لا يبدو تالياً لتلك الأشياء التي من أجلها قد صار أيضاً.

لأنه من الضرورى أن يكون السبب سابقاً لمجيئه، والذى بدونه فإنه حتى هو نفسه لا يكون ممكناً أن يصير. فمثلاً بولس “الرسول المقرر للإنجيل الذي سبق فوعد به بأنبيائه”(21)، كان الإنجيل الذي صار خادماً له، سابقاً عليه. ويوحنا الذي ان قد عُيَّن لكى يعد الطريق فقد كان الرب سابقاً عليه. أما الرب فلأنه لم يكن له سبب قبله لكى يكون كلمة سوى أنه هو مولود الآب وحكمته الوحيد، فإنه عندما صار إنساناً، عندئذ فقط ذُكِرَ السبب الذي كان مزمعاً من أجله أن يلبس الجسد.

لأن حاجة البشر تسبق صيرورته إنساناً، هذه الحاجة التي بدونها ما كان ليرتدى الجسد. إن الحاجة التي بسببها قد صار الرب نفسه إنساناً هو ما يشير إليه هو نفسه عندما قال: “قد نزلت من السماء ليس لكى أعمل مشيئتى، بل مشيئة الذي أرسلنى.

وهذه هي مشيئة الذي أرسلنى أن كل ما أعطانى لا أتلف منه شيئاً. بل أقيمه في اليوم الأخير. هذه هي مشيئة أبى أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير”(22). وكما يقول أيضاً أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى أن كل من يؤمن بى لا يمكث في الظلمة”(23). ويقول أيضاً: “لهذا قد وُلدت أنا ولهذا قد جئت إلى العالم لكى أشهد للحق”(24). وقد كتب يوحنا: “لهذا أظهر ابن الله لكى ينقض أعمال إبليس”(25).

55- إذن فقد جاء المخلص إلى العالم من أجل الشهادة، ولكى يقاسى الموت من أجلنا، ويقيم البشر، وينقض أعمال ابليس، وكان هذا هو سبب حضوره بالجسد. لأنه بغير هذا ما كان للقيامة أن تتحقق لو لم يكن هناك موت. وكيف يكون هناك موت إن لم يكن له جسد؟ والرسول نفسه تعلَّم هذا من الرب عندما قال: “فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكى يبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أى ابليس، ولكى يعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية”(26).

وأيضاً “فإنه إذ جاء الموت بواسطة انسان، بإنسان أيضاً قيامة الأموات”(27)، وأيضا “لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه إذ كان ضعيفاً بالجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد. لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح(28). ويقول يوحنا: “لأن الله لم يرسل ابنه إلى العالم لكى يدين العالم بل ليخلص به العالم”(29). والمخلص أيضاً قد تكلم عن نفسه قائلاً: “لدينونة أنا قد جئت إلى هذا العالم لكى يبصر الذين لا يبصرون والذين يبصرون يصيرون عمياناً”(30).

إذن فالمخلص لم يأتِ لأجل ذاته بل لأجل خلاصنا ولكى يبطل الموت ولكى يدين الخطية، ولكى يعيد أبصار العميان، ولكى يقيم الجميع من بين الأموات. فإن كان قد أتى ليس لأجل ذاته بل لأجلنا فهو إذن لم يُخلَق”(31) لأجل نفسه بل لأجلنا. وإن كان لم يُخلق لأجل نفسه بل لأجلنا فلا يكونم إذن هو نفسه مخلوقاً بل هو يقول هذا حيث أنه قد ارتدى جسدنا.

وهذه الفكرة هي ما تعنيه الكتب المقدسة. وهذا هو ما نتعلمه من الرسول لأنه يقول في رسالته إلى أهل أفسس: “ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض. لكى يخلق الاثنين في نفسه انساناً واحداً جديداً، صانعاً سلاماً”(32). فلو أنالاثنين خُلِقا في نفسه ووُجداَ في جسده، فمن الطبيعى إن كان يلبس الاثنين في نفسه، فإنه يكون كما لو كان هو نفسه الذي يُخلَق.

لأن الذين يخلقهم يتحدون به ويكون هو فيهم مثلما يكونون هم فيه. هكذا إذن فما دام قد خُلِقَ الاثنان فيه فيكون من الملائم تماماً أن يقول “الرب خلَقَنى”. فلأنه يأخذ على عاتقه ضعفاتنا يقال عنه أنه يضعُف رغم أنه هو لا يضعف لأنه هو قوة الله وقد صار خطية ولعنة من أجلنا، بالرغم من أنه غير خاطئ، ولكنه يقال هذا لأنه حمل خطايانا ولعنتنا. وهكذا إذ قد خُلِقنا فيه فيقال أيضاً “خلقنى من أجل الأعمال” رغم أنه هو غير مخلوق.

56- وبحسب فكر أولئك يعتبر جوهر الكلمة مخلوقاً بسبب قوله “الرب خلقنى”، وبالتالى لكونه مخلوق فهو لم يُخلَق من أجلنا، وإن لم يكن قد خُلِقَ من أجلنا فنحن لم نُخلَق به، وإن لم نخلق به فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون من خارجنا كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من معلم. ولو كان الأمر هكذا معنا لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل لظلت ملتصقة به وليست بعيدة عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليل قائلاً: “لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع”.

فإن كنا قد خُلقنا في المسيح فلا يكون هو الذي خُلِقَ، بل نحن الذين خُلِقنا بواسطته. لذا فإن القول “خلق” هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضاً لقب المخلوقين. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ أنه هو الكلمة، ولكن اللقب “خَلَقَ” هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته.

وأيضاً كما أن الآب موجود دائماً فإن كلمته موجود دائماً أيضاً، ولأنه موجود دائماً فهو يقول “وكنت أنا موضع بهجته، فَرِحاً في حضرته كل يوم”(33) وأيضاً “أنا في الآب والآب فىّ”(34). هكذا فإنه حينما صار انساناً تابعاً لجنسنا البشرى مثلنا، قال “الرب خلقنى” لكى يستطيع أن يطرد الخطية بعيداً عن الجسد بسكناه فيه ولكى نحصل نحن على فكر حر”(35).

إذن فماذا كان يناسبه أن يقول عندما صار إنساناً. أيقول “فى البدء كنت انساناً؟” ولكن هذا ليس لائقاً به وليس حقيقياً. وكما أنه لم يكن من الواجب أن يقول هذا القول، فمن المناسب ومما يميز صفات الانسانية أن يقول “خلقه” و “صنعه”. ولهذا يضاف أيضاً سبب قوله: “خَلَقَ” وهو حاجة “الأعمال”. وحيث أنه يذكر السبب فإن هذا السبب بلا شك يعطى المعنى الصحيح تماماً للفقرة المكتوبة، وخاصة وأنه هنا في لفظ “خلَقَ” يذكر السبب أى “الأعمال”.

بينما أنه عندما يشير بصورة مطلقة إلى الميلاد من الآب فإنه يضيف في الحال: “قبل كل الجبال ولدنى”(36). فهو لم يقل لماذا وُلِد مثلما حدث في عبارة “خلقنى” حيث ذكر “من أجل الأعمال”. بل إنه يقول بصورة مطلقة “ولدنى”، كما جاء في القول : “فى البدء كان الكلمة”. لأنه حتى وإن لم تكن الأعمال قد خُلِقت، إلا أن كلمة الله كان موجوداً، “وكان الكلمة الله”. أما صيرورته انساناً فما كانت لتحدث لو لم تكن حاجة البشر هي السبب.

فتبعاً لذلك لا يكون الابن مخلوقاً، لأنه لو كان مخلوقاً لما قال “ولدنى”. لأن المخلوقات هي أعمال الصانع من خارجه، أما المولود فليس من خارجه وليس عملاً، بل هو مولود جوهر الآب الذاتى. لذا فبينما “الأعمال” هي مخلوقات، إلا أن كلمة الله هو ابن وحيد الجنس.

(1) أصلها اليونانى أكنيسى ektice.

(2) اش 5:49 سبعينية.

(3) باليونانية اكنيسى.

(4) باليونانية إبلاسى.

(5) في 8:5.

(6) مز 6:8.

(7) مز 6:2.

(8) “أشرق جسدياً” هو نفس التعبير في ثيؤطوكية الاثنين (المعرب).

(9) يو 58:8.

(10) أم 27:9.

(11) أم 30:8.

(12) الجبل معناها الصياغة أو التشكيل.

(13) يو 1:1.

(14) يو 14:1 نص الآية في الأصل اليونانى حرفيا هو خيم أو سكن.

(15) في 6:2، 8.

(16) يو 10:14.

(17) يو 30:10

(18) يو 9:14.

(19) يو 12:8.

(20) يو 6:14.

(21) أنظر رو 1:1،2.

(22) يو 38:6-40.

(23) يو 46:12.

(24) يو 37:18.

(25) 1يو 8:3.

(26) عب 14:2،15.

(27) 1 كو 21:15.

(28) رو 3:8،4.

(29) يو 17:3.

(30) يو 39:9.

(31) أى لم يُخلق بالجسد.

(32) أف14:2،15.

(33) أم 30:8.

(34) يو 10:14.

(35) خر من الخطية.

(36) أم 25:8.

 

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج5 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج4 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج4 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج4 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج4 – أثناسيوس الرسولي

 

44- لقد سبق أن عالجنا النص الذي جاء في الأمثال داحضين خرافاتهم الملفقة الخارجة من قلوبهم، لكي يعرفوا أنه من غير اللائق أن يقولوا أن ابن الله مخلوق، وأن يتعلموا أيضاً أن يقرأوا جيداً النص الذي جاء في سفر الأمثال والذى يحمل المعنى المستقيم. لأنه قد كُتب: “الرب خلقنى (قنانى) أول طرقه لأجل أعماله”(1). وحيث أنها أمثال وكتبت على شكل مثل التعبير، فليس من الواجب تفسير أية عبارة بطريقة ارتجالية أو ببساطة هكذا، بل يجب أن نتقصى أولاً عن الشخص ثم ننسب المعنى إليه بورع وتقوى. لأن كل ما يقال بأمثال لا يقال بطريقة واضحة، بل يعلن بطريقة غامضة، مثلما علَّم الرب نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا قائلاً: “قد كلمتكم بهذه الأشياء بأمثال، ولكن تأتى ساعة حين لا أكلمكم فيما بعد بأمثال… بل علانية”(2). ولذلك ينبغى كشف معنى القول والتقصى عنه لكونه خفياً، وألا يفسر ببساطة كما لو كان قد قيل علانية، لكى لا نضل عن الحقيقة عندما نسئ الفهم.

إذن، فإن كان المكتوب يشير إلى ملاك أو أى كائن آخر من المخلوقات، كما لو قيل عن أى واحد منا نحن المصنوعون. فإنه يمكن أن يقال “خلقنى (قنانى) ektice“، ولكن إن كان الكلام عن حكمة الله الذي به قد خُلِقَت جميع المخلوقات، فما الذي يجب أن يفهمه الواحد منا سوى أنه عندما يقال “خلق” فإنه لا يقصد شئ آخر مضاد للفظ “وَلَدَ” egennece”. ولا يُحسب الحكمة بين المخلوقات كأننا ننسى أنه هو الخالق والمصّور أو ننكر الفرق بين الخالق والمخلوقات.

ولكن الحكمة لها معنى آخر يبدو مخيفاً في الأمثال، وليس ظاهراً علانية، وهي التي أوحت إلى القديسين أن ينطقوا بالوحى الإلهى. بينما هي تعطى في الأمثال بعد قليل معنّى موازياً لـ “قنى” فنقول بألفاظ أخرى “أن الحكمة بنت لنفسها بيتاً”(3). وواضح أن بيت الحكمة هو جسدنا الذي عندما إتخذه الكلم صار إنساناً. وقال عنه يوحنا بحق “الكلمة صار جسداً”(4). وبواسطة سليمان تقول الحكمة عن ذاتها بإدراك وتبصر: ليس أننى أنا مخلوق، بل قالت: “الرب قنانى أول طرقه من أجل أعماله”، دون أن تقول: “إنه قنانى لكى أوجد، وليس لأن لى بداية وميلاد كمخلوق”.

45- لأن الكلمة هنا لم يتحدث من خلال سليمان مشيراً إلى جوهر ألوهيته ولا إلى ميلاده الأزلى والحقيقى من الآب، ولكنه يشير إلى ناسوته وعمل تدبير خلاصنا. ولهذا – كما سبق أن قلت – فإنه لم يقل إلى “مخلوق” أو “صرت مخلوقاً”، بل قال فقط “قنى” (أو خلق) أى أن المخلوقات حيث أنها ذات جوهر مخلوق، فإنها تنتمى إلى المخلوقات، ويقال عنها أنها تُخلقَ. وبديهى فإن المخلوق يُخلَق. ولكن اللفظة المذكورة “خَلقَ” لا تعنى الجوهر أو الولادة إطلاقاً. بل توضح أن شيئاً آخر قد حدث لذاك الذي يشير إليه، فليس كل ما يقال عنه أنه يُخلَق يكون مخلوقاً بحسب الطبيعة والجوهر.

والكتاب الإلهى يعرف هذا الفرق عندما يتحدث عن المخلوقات قائلاً “امتلأت الأرض بخليقتك”(5) و “الخليقة تئن وتتوجع معاً”(6). ويقول في الرؤيا “ومات ثلث الخلائق الحية التي في البحر التي لها نفوس”(7). ويقول بولس أيضاً “كل خليقة الله جيدة، ولا يُرفض أى شئ عندما يؤخذ مع الشكر”(8). أما في سفر الحكمة فقد كتب “بحكمتك صوّرت الانسان كى يسود على الخلائق التي تكوَّنت بك”(9). ولأن هذه خلائق فإنه يقول أنها تُخلَق. وهكذا أيضاً يمكننا أن نسمع الرب وهو يقول: “منذ البدء صنعهما ذكراً وأنثى”(10).

أما موسى فقد كتب في أنشودته “فاسأل عن الأيام التي كانت قبلك من اليوم الذي خلق الله فيه الانسان على الارض، ومن أقصاء السماء إلى أقصائها”(11). ويقول بولس في رسالته إلى أهل كولوسى “الذى هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة، فإنه فيه خُلِقَ الكل ما في السموات وما على الارض، ما يُرى وما لا يُرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رئاسات أم سلاطين. كل الأشياء خُلِقَت به وله. الذي هو قبل جميع الأشياء”(13).

46- إذن فتلك الأشياء ذات الجوهر المخلوق بالطبيعة، تسمى مخلوقات وتُخلقَ. وما ذكرناه من آيات الكتاب يكفى لإثبات ذلك. وقد قيلت هنا للتذكير والتنبيه. ولكن الكتاب مملوء بأمثالها. أما عندما يُقال اللفظ “خَلَقَ” فهو لا يقال عن الجوهر إطلاقاً، ولا يعنى الولادة. فداود يترنم: “ليُكتَب هذا لجيل آخر وشعب عندما يُخلَق سيسبح الرب”(13). ويقول أيضاً: “قلباً نقياً اخلق في يا الله”(14). ويقول بولس في رسالته إلى أهل أفسس: “مبطلاً ناموس الوصايا في فرائض لكى خلق الاثنين في نفسه إنسانا واحداً جديداً”(15). وأيضاً “البسوا الانسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق”(16).

فإن داود لم يشر إلى أى شعب مخلوق بحسب الجوهر، ولا كان يتضرع لكى يحصل على قلب آخر غير القلب الذي كان له. بل كان يقصد التجديد ونوال الحياة بحسب الله. وبولس أيضاً لم يكن يقصد شخصين مختلفين مخلوقين في الرب بحسب الجوهر. ولا كان يوصينا بأن نلبس أنساناً آخر، لكنه دعا الحياة بحسب الفضيلة أنها “الانسان بحسب الله”، أما الاثنان المخلوقان في المسيح فيقصد بهما شعبين مُجدّدين به. وهذا مشابه لما يقوله أرميا: “خلق الله خلاصاً لأجل زرع جديد الذي به سيتجول الناس في أمان”(17).

وعندما قال هذا لم يقصد أى جوهر خاص بمخلوق، بل هو يتنبأ بالخلاص المتجدد بين البشر، ذلك الخلاص الذي صار بالمسيح لأجلنا. وحيث أن هناك فرقاً بين المخلوقات وبين القول المذكور “خَلَقَ”(18)، فإن وجدتم الرب يُدعى مخلوقاً في أى موضع في الكتاب فأوضحوه وحاربوا. أما إن لم يكن قد كُتب في أى موضع أنه مخلوق سوى ما قاله عن ذاته في الأمثال “الرب خلقنى” فأخجلوا إذن من الفرق السابق ذكره.

ومن الآن فصاعداً لا تستمعوا إلى لفظ “خلقَ” على أن معناه أنه هو مخلوق، بل أفهموا به الطبيعة البشرية الخاصة بالرب، لأن لهذه الطبيعة خاصية مميزة لها وهي أنها مخلوقه. وكيف لا تكونون ظالمين ما دمتم عندما تسمعون لفظ “خَلَقَ” من داود ومن بولس لا تفهمون به الجوهر والكيان، بل التجديد بينما عندما تسمعون لفظ “خَلَق” من الرب فإنكم تحسبون جوهره في عداد المخلوقات؟ وأيضاً عندما تسمعون القول: “الحكمة بنت لنفسها بيتاً وأقامت سبعة أعمدة”(19).

فإنكم تفهمون “بيتاً” بمعنى مجازى. أما لفظ “خلق” فتقبلونه كما هو(20)، وتحوَّلونه إلى معنى “مخلوق” فكونه هو نفسه خالقاً ليس كافياً لإقناعكم، وكذلك لم تخشوا كونه هو وحده مولوج الآب الذاتى، بل تحاربون بغير اكتراث كما لو كنتم تسجلون هذه الألفاظ ضده، وتعتبرونه أنه أقل بكثير من البشر.

47- لأن نفس العبارة توضح أيضاً إنه إختراع منكم أن تقولوا أن الرب مخلوق. لأن الرب حيث أنه يعرف جوهره وأنه هو الحكمة وحيد الجنس ومولود الآب وأنه مختلف عن الأشياء الصائرة والمخلوقة بالطبيعة، وأنه هو محب للبشر فهو يقول الآن: “الرب خلقنى أول طرقه” كما لو كان يقول “الآب هيأ لى جسداً”(21) وخلقنى للبشر من أجل خلاص الناس. لأنه كما أننا عندما نسمع من يوحنا: “الكلمة صار جسداً” فإننا لا نفهم من ذلك أن الكلمة كله جسد، بل أنه لبس جسداً صائراً إنساناً. وعندما نسمع “صار المسيح لعنة لأجلنا”(22).

وأيضاً “جعل الذي لم يعرف خطيئة، خطيئة لأجلنا”(23). فإننا لا نفهم من كل هذا أنه هو نفسه قد صار لعنة وخطية، بل تحمل اللعنة الموجهة ضدنا كما قال الرسول “افتدانا من اللعنة”(24). ومثلما قال أشعياء “حمل خطايانا”(25)، ومثلما كتب بطرس “حمل خطايانا في جسده على الصليب”(26). لهذا فإذا سمعنا في الأمثال لفظ “خلق” فلا يجب أن نفهم أن الكلمة مخلوق بحسب الطبيعة، بل إنه لبس الجسد المخلوق. وأن الله خلقه من أجلنا و “هيأ له جسداً مخلوقاً من أجلنا” كما هو مكتوب(27)، لكى ما نستطيع أن نتجدد ونُؤله.

أيها الاغبياء ما الذي خدعكم إذن لكى تقولوا أن الخالق مخلوق؟ أو من أين اشتريتم لأنفسكم هذا الاعتقاد الجديد الذي تتفاخرون به؟ فالأمثال تقول “خلق” ولكنه لا تقول أن “الابن مخلوق” بل “مولود” ووفقاً لما سبق أن أتضح من تمييز الأسفار المقدسة بين “خلق” و “مخلوق”. فهى تعتبر ان الابن بطبيعته الذاتية هو الحكمة الوحيدة الخالصة وأنه خالق المخلوقات. وحينما تقول الأمثال “خلق” فإنها لا تشير إلى جوهره، بل تؤكد أنه صار أول كل طرقه. وهكذا يكون لفظ “خلق” متارضاً مع لفظ “مولود”، وما تقوله عنه الأمثال أنه “أول طرقه” يتعارض مع كونه الكلمة الوحيد الجنس.

48- لأنه لو كان مولوداً فكيف تسمونمه مخلوقاً؟ لأنه لا أحد يقول أنه يلد ما يخلقه. ولا أحد يسمى المولود الذاتى مخلوقاً. ومرة أخرى فإن كان هو وحيد الجنس فكيف يصير هو نفسه “اول الطرق”؟ لأنه من الضرورى أنه إن كان هو نفسه قد خُلِقَ أول كل طرقه فهو لا يكون بعد موجوداً وحده، بل يكون معه أولئك الذين خُلِقوا بعده. فرأوبين الذي كان أول الأبناء لم يكن الوحيد، بل الأول زمنياً، ولكنه بحسب الطبيعة والقرابة كان واحداً بين أولئك الذين ولدوا بعده. إذن فإن كان الكلمة هو “أول الطرق” فإنه سيكون مثلما تكون الطرق أيضاً، وتكون هذه الطرق مثلما يكون الكلمة أيضاً، حتى إن كان من جهة الزمن، يُخلق هو الأول بينها.

ولأن بداية المدينة هي مثل أجزاء المدينة الأخرى، فإن الأجزاء نفسها تكون مرتبطة ببداية المدينة تماماً، وتكون كلها مدينة واحدة مثل الأعضاء الكثيرة التي تكوّن جسداً واحداً. ولا يكون جزء من المدينة صانعاً وجزء آخر مصنوعاً – أى يكون خاضعاً للأول، بل كل المدينة تخضع لحكم ورعاية ذلك الذي قام بصنعها وصياغتها وتشكيلها أيضاً.

إذن فإن كان الرب أيضاً يُخلق هكذا أول جميع الأشياء، فمن الضرورى أن يكوَّن هو مع كل الأشياء الأخرى خليقة واحدة. ولا يختلف عن الأشياء الأخرى حتى إن كان هو أول جميع الأشياء. ولا يكون هو رب أجزاء الخليقة الأخرى حتى إن كان هو أقدم منها زمنياً. بل يكون له هو أيضاً كلمة خالق واحد ورب واحد كما لكل الأشياء الأخرى. وعلى وجه العموم فإن كان هو مخلوقاً فكيف يمكن أن يُخلق هو وحده بإعتباره الأول ليكون بداية الجميع؟ بينما يبدو مما سبق أن قيل أنه لا يوجد بين المخلوقات ما له طبيعة راسخة وثابتة وله الأولوية في الوجود.

بل كل منها يأخذ وجوده مع بقية المخلوقات حتى لو إختلف عن الأشياء الأخرى في المجد. لأن أى نجم من النجوم ولا أى كوكب من الكواكب العظمى يظهر الواحد منها كالأول والآخر كالثانى، بل إنها دعيت جميعها إلى الوجود في يوم واحد وبنفس الأمر(28). وهكذا تشكَّلت خلقة ذوات الأربع والطيور والأسماك والحيوانات والنباتات. وهكذا أيضاً قد خُلِق جنس البشر على صورة الله. لأنه وإن كان آدم وحده قد خِلق من التراب، إلا أنه توجد فيه كل ذرية الجنس البشرى.

49- ومن خليقة العالم الظاهرة نعرف بوضوح أن “أموره غير المنظورة المدركة بواسطة المصنوعات”(29)، لا نرى كل واحد منها منفصلاً عن الآخر إذ لا يوجد بينها أول وآخر، بل إنها خُلِقت كلها سوياً بحسب نوعها. لأن الرسول لم يحصِ كل واحد منها منفصلاً فيقول مثلاً: سواء كان ملاكاً أم عرشاً أم سيادة أم سلطاناً، بل إنه أشار إليها كلها معاً بحسب الدرجة بقوله “سواء ملائكة أو رؤساء ملائكة أو رئاسات”(30). فإنه هكذا تكون خلقة المخلوقات. فكما سبق أن قلت أنه إن كان الكلمة مخلوقاً فلم يكن من اللازم أن يكون هو أولها بل يكون مع سائر القوات الأخرى، حتى وإن تفوق في المجد عن الآخرين بدرجة أكبر. وهذا ما يمكن أن نجده في القوات الأخرى لأنها وإن كانت قد خُلِقت كلها في نفس الوقت ولا يوجد أول أو ثانٍ، إلا أنها تختلف بعضها عن بعض في المجد، فيقف البعض عن اليمين والبعض حول العرش والبعض الآخر عن اليسار، والجميع يسبحون معاً ويقفون في خدمة الرب.

إذن فإن كان الكلمة مخلوقاً لما كان هو أول الآخرين ولا بدايتهم، أما إن كان قبل الجميع كما هو الواقع فعلاً، وهو نفسه وحده أول وابن، فلا يترتب على ذلك أن يكون هو بداية الجميع بحسب الجوهر، لأن أول الجميع يُحسب في عداد الجميع. وإن كان هو ليس بداية ولا خليقة، فإنه يكون واضحاً تماماً أنه ختلف عن المخلوقات في الجوهر وأنه مغاير لها. وهو مثال وصورة الله الفريد الحق إذ هو نفسه أيضاً فريد. لذلك فالكتب لم تضعه بين المخلوقات، بل إن داود يوبخ أولئك الذين يتجاسرون أن يفكروا أنه واحد من مثل هؤلاء عندما قال: “من مثلك يا رب بين الآلهة”(31)، وأيضاً “من يشبه الرب بين أبناء الله”(32) أما باروخ فيقول “هذا هو إلهنا ولن يُقارَن به آخر”(33). لأن الكلمة يَخلِق بينما المخلوقات تُخلَق، وهو ذاته كلمة جوهر آب وحكمته. بينما المخلوقات التي لم تكن موجودة قبلاً قد صُنِعت بواسطة الكلمة نفسه.

50- أما تلك الثرثرة التي تدأبون على ترديدها بقولكم أن الابن مخلوق، فهذا أمر غير صحيح بل ه من نسج خيالكم وحده، وقد أدانه سليمان إذ أنه كثيراً ما كذبه، لأنه لم يذكر أن الابن مخلوق، بل هو مولود وهو حكمة الله بقوله “أسس الله الأرض بالحكمة”(34). و”الحكمة بنت لها بيتاً”(35). ومثل هذا القول عندما يُفحص فإنه يثبت مدى كفركم، لأنه مكتوب “الرب خلقنى أول طرقه من أجل أعماله”. فإن كان هو موجوداً قبل الجميع فإنه يقول “خلقنى” ليس لكى أصنع الأعمال بل “من أجل الأعمال”، وإن لم تكن عبارة “خلقنى” تشير إلى شئ لاحق له فسيبدو هو كلاحق للأعمال حيث أنه عندما خُلِقَ وجد الأعمال التي قد صار من أجلها، قائمة قبله. فلو كان الأمر هكذا فكيف يظل هو موجوداً قبل جميع الأشياء؟ وكيف أن “كل شئ به كان؟” وكيف تتحد فيه كل الأشياء وتتماسك؟ وها أنتم تقولون أن الأعمال التي من أجلها خُلِقَ وأُرسل، اتحدث وتماسكت قبله.

ولكن حقيقة الأمر ليست هكذا – حاشا! إن فكر الهراطقة كاذب، لأن كلمة الله ليس مخلوقاً بل خالقاً. وعندئذ فهو يتكلم بواسطة الأمثال فيقول “خلقنى” عندما ليس الجسد المخلوق، وهناك شئ آخر يمكن استنتاجه من نفس اللفظ. لأنه بالرغم من كونه ابناً وله أب هو الله إذ أنه هو مولوده الذاتى، إلا أنه هنا يدعو الآب رباً ليس لأنه كان عبداً، بل لأنه اتخذ شكل عبد. لأنه من ناحية كان يلزم – لكونه الكلمة من الآب – أن يدعو الله أباً. فهذه هي خاصية الابن تجاه الآب، ومن الناحية الأخرى عندما يأتى لينجز العمل آخذاً صورة عبد فهو يدعو الآب رباً. وقد علَّم هو نفسه هذا الاختلاف بتمييز حسن عندما قال في الأناجيل: “أحمدك أيها الآب” وبعد ذلك “رب السماء والأرض”(36).

لأنه يقول أن الله هو أبوه ولكنه يدعوه رب المخلوقات مثلما يتضح من هذا بجلاء أنه عندما لبس الجسد المخلوق كان عندئذ يدعو الآب رباً. وكذلك في صلاة داود أوضح الروح القدس نفس الاختلاف عندما قال في المزامير “إعطِ قوتك لعبدك وخلَّص ابن أمتك”(37). لأن ابن الله الحقيقى بالطبيعة هو شئ وأبناء الأمة الذين هم طبيعة المخلوقات شئ آخر. لذلك فالواحد كابن تكون له قوة الآب. أما أبناء الأمة فهم في حاجة إلى الخلاص.

51- فإن كان يهذون بسبب أنه سُمى ولداً، فليعرفوا أن اسحق دُعى ولداً لإبراهيم(38)، وابن الشونمية سُمى ولداً(39). وحيث أننا عبيد فمن الصواب إذن أنه عندما صار هو مثلنا، يدعو هو نفسه الآب رباً كما ندعوه نحن. وقد صنع هذا لمحبته للبشر، لكى نتشجع نحن الذين بحسب الطبيعة عبيد – نتشجع بقبولنا روح الابن – أن ندعو الآب أباً لا ننكر عبوديتنا له بحسب الطبيعة لأننا نحن عمله “وهو صنعنا لا نحن”(40)، هكذا أيضاً عندما اتخذ الابن شكل عبد وقال “الرب خلقنى أول طرقه”. فدعهم إذا لا ينكرون إزلية ألوهيته وأنه “فى البدء كان الكلمة”، و”كل شئ به كان”، و “به خلقت كل الأشياء”.

(1) أم 22:8.

(2) انظر يو 25:16.

(3) أم 1:9.

(4) يو 14:1.

(5) مز 24:103 سبعينية.

(6) رو 22:8.

(7) رؤ 9:8.

(8) 1 تيمو 4:4.

(9) حكمة سليمان 2:9.

(10) مر 6:10.

(11) تث 32:4.

(13) كو 15:1-17.

(13) مز 18:102.

(14) مز 10:51.

(15) اف 15:2.

(16) اف 24:4.

(17) أر 22:38 سبعينية.

(18) باليونانية (إكتيسى)

(19) ام 1:9.

(20) أى حرفياً وليس مجازياً.

(21) انظر عب 5:10.

(22) غل 13:3.

(23) 2كو 21:5.

(24) غل 13:3.

(25) انظر اش 4:53.

(26) انظر 1 بط 24:2.

(27) انظر عب 5:10.

(28) أى الأمر الذي خلقت به جميعها.

(29) أنظر رو 20:1.

(30) أنظر كو 16:1.

(31) أنظر مز 8:86.

(32) مز 6:89.

(33) باروخ 36:3.

(34) أم 19:3.

(35) أم 1:9.

(36) مت 25:11.

(37) مز 16:86.

(38) تك 8:21.

(39) 2مل 18:4.

(40) انظر مز 3:100.

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج4 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج3 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج3 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج3 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج3 – أثناسيوس الرسولي

 

31- لا يجب الصمت عن مبدأ الحق بل في الواقع ينبغى النطق به بصوتٍ عالٍ، لأن كلمة الله لم يصر من أجلنا بل بالحرى نحن قد صرنا من أجله، وبه خلقت كل الأشياء(1). وليس بسبب ضعفنا نحن كان هو قوياً وصائراً من الآب وحده، لكى يخلقنا بواسطته كأداة! حاشا! فالأمر ليس كذلك. لأنه حتى لو لم يستحسن الله أن يخلق المخلوقات، فالكلمة مع ذلك كان عند الله وكان الآب فيه. وفى نفس الوقت كان من المستحيل أن تكون المخلوقات بغير الكلمة لأنها قد صارت به – وهذا هو الصواب.

وحيث أن الإبن هو الكلمة ذاته حسب الطبيعة الخاصة بجوهر الله، وهو منه وهو فيه كما يقول هو نفسه، لذلك لم يكن ممكناً أن تصير المخلوقات إلا به. لأنه مثلما يضئ النور كل شئ بأشعته وبدون إشعاعه ما كان شئ قد أضاء – هكذا أيضاً فإن الآب خلق كل الأشياء بالكلمة كما بواسطة يد، وبدونه لم يخلق شيئاً.

فعلى سبيل المثال كما ذكر موسى “قال الله ليكن نور”(2)، و “لتتجمع المياه”(3) و “لتنبت الأرض”(4) و “لنصنع الإنسان”(5). وترنم أيضاً داود القديس “هو فال فصارت هو أمر فخلقت”(6). أما أنه “قال” فليس كما يحدث في حالة البشر أن يستمع خادم ما وبمجرد علمه بمشئته المتكلم يسارع إلى التنفيذ والعمل، لأن هذا يختص بالمخلوقات. أما بالنسبة للكلمة فإنه لا يليق أن يفكر أحد هكذا عنه. لأن كلمة الله خالق وصانع وهو نفسه مشيئة الآب. من أجل هذا لم يقل الكتاب الإلهى بأن المستمع سمع وأجاب فيما يخص الكيفية التي يريد أن تكون عليها المخلوقات، بل قال الله “ليكن” ثم أضاف “وكان هكذا”(7).

لأن ما رآه الله حسناً وأراده، فعله الكلمة وأتمه في الحال. أما عندما أمر الله آخرين سواء ملائكة أو عندما كلم موسى، أو عندما أمر ابراهيم، عندئذ فإن الذي إستمع اجاب. فقال الواحد “كيف سأعرف”(8). وقال الآخر: “أقم آخر”(9) وأيضاً “عندما يسألوننى ما إسمه فماذا سأقول لهم”(10). وقال الملاك لزكريا “هكذا يقول الرب”(11). وسأل الملاك الرب “يا رب يا ضابط الكل الى متى لا ترحم أورشليم”(12)، وكان ينتظر أن يسمع “كلمات طيبة ومعزية”(13) لأن كل واحد من هؤلاء يوجد عنده الكلمة الوسيط وحكمة الله العارف بمشيئة الآب.

ولكن عندما الآب يعمل والإبن يخلق فلن يكون هناك سؤال وجواب – لأن الآب موجود في الكلمة والكلمة في الآب – بل تكفى المشيئة فيصير العمل. ولفظة “قال” هذه من أجلنا لكى نعرف مشيئته. ومن ناحية أخرى فعبارة “كان هكذا” تشير إلى العمل الذي تم بواسطة الكلمة والحكمة، وهو الحكمة الذي فيه أيضاً توجد مشيئة الآب. ونفس التعبير “قال الله” يشير إلى الكلمة لأنه يقول “صنعت كل الأشياء بالحكمة”(14) و “بكلمة الرب ثبتت السموات”(15). و”رب واحد يسوع المسيح الذي صارت به جميع الأشياء ونحن به”(16).

32- من هذا إذن ندرك أن الآريوسيين لا يجاوننا من أجل هرطقتهم، بل يستعرضون أنفسهم أمامنا وهم يحاربون الألوهية ذاتها. لأنه إن كان الصوت القائل “هذا هو إبنى”(17) هو صوتنا لكان اللوم الذي يستحقونه منا قليل. ولكن إن كان الصوت هو صوت الآب والتلاميذ سمعوه، والإبن نفسه أيضاً يقول عن ذاته “قبل كل الجبال ولدنى”(18)، ألا يكونون بهذا يحاربون الله مثل العمالقة الأسطوريين ولسانهم نحو عدم التقوى “سيف ماضٍ” كما يقول المرنم. لأنهم لم يخافوا صوت الآب، ولم يحترموا كلمات المخلص، ولم يطيعوا القديسين، حيث كتب أحدهم “الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره”(19).

و”المسيح قوة الله وحكمة الله”(20) وترنم آخر “لأن عندك ينبوع الحياة، وبنوك نرى نوراً”(21) و “كلها بحكمة صنعت”(22). ويقول الأنبياء “كلمة الرب صارت إلىّ”(23). ويقول يوحنا “فى البدء كان الكلمة”(24) ويقول لوقا “مثلما سلمه إلينا الذين صاروا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة”(25). كما يقول داود أيضاً “أرسل كلمته فشفاهم”(26). وكل هذه الأقوال تفضح الهرطقة الآريوسية في كل مكان، بل توضح أزلية الكلمة، وأنه من جوهر الآب وليس غريباً عنه. لأنه متى رأى أحد نوراً بغير إشعاع؟ أو من يجرؤ أن يقول أن “رسم الجوهر شئ آخر غير الجوهر”؟ وألا يكون قد أصيب بالجنون بدرجة كبيرة ذلك الذي يفكر أيضاً بأن الله كان في وقت ما بلا كلمة وبلا حكمة؟.

لأن الكتاب وضع مثل هذه الأمثلة، ومثل هذه الصور –  نظراً لعجز الطبيعة البشرية عن إدراك الله، وذلك لكى يمكننا أن نكّون فكرة ولو طفيفة وباهتة بقدر المستطاع. كما أن الخليقة فيها أمثلة كافية لمعرفة وجود الله وعنايته، “لأنه بقدر عظمة وجمال المخلوقات، هكذا يُرى خالقها بطريقة المقايسة”(27). ونحن نتعلم من المخلوقات بدون أن نطلب منها أصواتاً، بل إذ نسمع الكتب المقدسة فإننا نؤمن، وبرؤيتنا لنظام جميع الأشياء وإنسجامها فإننا نعرف أن هذا خالق جميع الكائنات وربها وإلهها. ندرك عنايته المذهلة وسيادته على الكل.

وهكذا نفس الحال بالنسبة لألوهية الأبن، فإن ما سبق ذكره من أقوال يكفى كشاهد على ألوهيته. فيكون من نافلة القول أو بالأحرى من الجنون أن يشك أحد، ويسأل بطريقة هرطوقية: كيف يمكن أن يكون الابن أزلياً؟ أو كيف يمكن أن يكون من جوهر الآب وليس جزءاً منه؟ لأن ما ينتج من شئ يعتبر جزءاً منه، وما يمكن تقسيمه لا يكون كاملاً.

33- هذه هي أفكار الهراطقة الشريرة ومغالطاتهم بالرغم من أننا سبق أن توصلنا إلى دحض ما في تعاليمهم من هراء. فإن دقة هذه الأقوال والأمثال تدحض مجمل عقيدتهم النكراء. لأننا نرى أن الكلمة موجود دائماً، ووجوده هو من الآب ومن جوهره وليس عنده سابق ولاحق. ونرى أيضاً أن الإشعاع هو من الشمس وهو جوهره وليس عنده سابق ولاحق. ونرى أيضاً أن الإشعاع هو من الشمس وهو خاص بها، وأن جوهرها لا ينقسم ولا يُتنقص، بل هو كامل. والإشعاع بالغ حد الكمال والتمام بغير أن يُنتقص جوهر النور، بل أنه مولود حقيقى منه. وبالمثل فإنن نرى أن الابن ليس من خارج الآب، بل هو مولود منه وأن الآب يبقى كاملاً و”رسم جوهره”(28) كائن دائماً ومحتفظاً بمشابهة الآب ومطابقة صورته حتى أن من يراه يرى فيهالجوهر الذي هو رسم له. ومن عمل الرسم ندرك ألوهية الجوهر الحقيقة. لأن هذا هو ما علَّم به المخلص نفسه عندما قال “الآب الحال في هو يعمل الأعمال التي أنا أعملها”(29)، و”أنا والآب واحد”(30)، و “أنا في الآب والآب فىّ”(31).

لذلك فلندع الهرطقة المحاربة للمسيح تحاول أولاً أن تفصل الأمثلة الموجودة في المخلوقات، وتقول أن الشمس كانت يوماً بدون إشعاع، أو أن هذا الإشعاع ليس من ذات جوهر النور، أو أنه من ذاته ولكنه – بمنطق التجزئة – يعتبر جزءاً من النور. ودع الهرطقة أيضاً تفصل الكلم وتقول أنه غريب عن العقل، أو أنه كان هناك وقت ما لم يكن فيه موجوداً، أو أنه ليس من جوهره الذاتى، أو أنه جزء من العقل قابل للتجزئة. أما بالنسبة إلى “الرسم” و”النور” و “القوة” فدع الهرطقة هكذا تفصلها كما فعلت بالنسبة “للكلمة” و”الإشعاع”، وعندئذ فلتتخيل بخصوصها كما تشاء. فإن كان مثل هذا التهور مستحيلاً عليهم فكيف لا يكون من الجنون المطبق أن يقحموا أنفسهم عبثاً فيما هو أسمى من الأشياء المخلوقة وأعلى من طبيعتها، وهم بذلك يحاولون المستحيلات؟.

34- لأنه إن كانت الأشياء المخلوقة والجسدية لها مواليد دون أن تكون أجزاء من الجواهر التي تولدت منها، وهي لا توجد عن طريق الألم ولا تنتقص من جواهر والديها، فكيف لا يكونون قد أصيبوا بالجنون وهم يتصورون وجود التجزئة والآلام في إله حقيقى غير جسدى ناسبين الانقسام إلى إله غير متألم وغير متغير لكى يبلبلوا مسامع البسطاء ويضلوهم عن الحق؟.

لأن من ذا الذي يسمع كلمة ابن ولا يتبادر إلى ذهنه أنه من ذات جوهر الآب؟ ومن – عندما سمع أثناء تعلمه أصول الإيمان في المرحلة الأولى أن الله له ابن وأنه قد صنع كل الأشياء بواسطة كلمته الذاتى – لم يدرك هذا الأمر بنفس الطريقة التي نفهم بها نحن الآن. ومن – عند ظهور هرطقة الأريوسيين الشائنة – لم يندهش حالما سمع ذلك الكلام الذي يقولونه، حيث أنهم يرددون كلاماً مخالفاً للحق وينفثون تعاليماً مغايرة لتلك التعاليم التي سبق بذرها منذ البداية؟ لأن ما بُذر منذ البداية في كل نفس هو أن الله له ابن وهو الكلمة، والحكمة، والقوة، وهو صورته وبهاؤه، وتبعاً لهذا فهو مودود دائماً، وأنه هو من الآب وأنه المماثل، وأنه له أزلية الولادة من الجوهر، ولا توجد هنا أية فكرة عن كونه مخلوقاً أو مصنوعاً.

ولكن “الانسان العدو بينما الناس نيام”(32)، زرع أنه “مخلوق”، وأنه “كان هناك وقت عندما لم يكن موجوداً”، وأنه “كيف يمكن أن يكون”؟ وعندئذ انتشرت هرطقة أعداء المسيح الأثيمة حالاً كالزوان وهي خالية من كل فكر قويم، وصاروا يطوفون مثل لصوص ويتجاسرون أن يقولوا “كيف يمكن أن يكون الابن موجوداً مع الآب على الدوام؟” لأن الناس يصبحون أبناء من الناس بعد مضى فترة من الزمن. وإذ يبلغ الآب ثلاثين عاماً يبدأ الابن عندئذ ميلاده. وعلى العموم كل إبن انسان لم يكن له وجود قبل أن يولد. ومرة يهمسون: “كيف يمكن أن يكون الابن كلمة، أو أن يكون الكلمة صورة الله؟ لأن كلمة الناس تتركب من مقاطع وتدل فقط على مشيئة المتكلم، ثم تتوقف وتتلاشى في الحال؟.

35- إن أولئك إذن – كما لو كانوا قد نسوا البراهين التي سبق أن قيلت ضدهم – يورطون أنفسهم أيضاً في قيود الكفر وعدم الإيمان شاغلين عقولهم بمثل هذه الأفكار. ولكن كلمة الحق تدحضهم هكذا:

إن كانوا يجادلون بخصوص انسان ما، فدعهم يفكرون بطريقة بشرية بخصوص كلمة هذا الانسان وبخصوص ابنه. أما إن كانوا يفكرون بخصوص الله خالق البشر فدعهم لا يتفكرون بعد في هذا الأمر بطريقة بشرية، بل بطريقة أخرى أعلا من طبيعة البشر. لأنه مثلما يكون الذي يلد، هكذا يكون بالضرورة المولود منه أيضاً. ومثلما يكون “أب الكلمة” هكذا يكون أيضاً كلمته. وعلى هذا فيما أن الانسان يولد في وقت ما، فهو نفسه يلد ابنه أيضاً في وقت ما. وحيث أن الانسان قد وُجد من العدم، لذلك فإن كلمته تتوقف ولا تبقى. أما الله فهو ليس كالانسان لأن هذا ما قاله الكتاب(33). لكنه “هو الكائن”(34). وهو الموجود دائماً، ولهذا فإن كلمته أيضاً كائن وأزلى مع الآب مثل إشعاع النور.

وكلمة البشر تتركب من مقاطع وهي لا تحيا ولا تعمل شيئاً، بل تعبر فقط عن قصد المتكلم. وبمجرد أن تخرج من الفم تضيع ولا تظهر بعد حيث أنها لم تكن موجودة إطلاقاً قبل أن يُنطَق بها، ولهذا فهى لا تحيا ولا تعمل شيئاً. وهي ليست انساناً إطلاقاً. بل يحدث لها هذا – كما سبق أن قلت – لأن الانسان الذي ولدها طبيعته نفسها هي من العدم. أما كلمة الله فهو ليس مجرد كلمة منطوقة مثلاً قد يقول أحد، ولا هو همس كلمات. وليس “الابن” هو أمر صادر من الله، بل هو كإشعاع النور مولود كامل من كامل. ولهذا فهو الله كما أنه صورة الله.

لأنه مكتوب “وكان الكلمة الله”(35). في حين أن كلام البشر لا يستطيع أن يعمل شيئاً، ولهذا فإن الانسان لا يعمل بواسطة الكلمات، بل بيديه. لأن يديه لهما وجود أما كلمته فليس لها وجود فعال. لكن كلمة الله يقول الرسول: “كلمة الله حىّ وفعال. وأمضى من كل سيف ذى حدين – وخارق إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميز لأفكار القلب ونياته. ولا توجد خليقة غير ظاهرة أمامه، بل كل شئ مكشوف وعريان لعينى ذاك الذي نقدم له الحساب”(36). فهو إذن خالق “وبغيره لم يكن شئ واحد”(37)، ولا يمكن أن شيئاً يكون بدونه.

36- فلا ينبغى إذن أن يتساءل أحد: لماذا لا يكون كلمة الله مثل كلمتنا نحن؟… لأن الله ليس مثلنا كما سبق القول. بل لا يجب التساؤل: كيف يكون الكلمة من الله؟ أو كيف يكون هو إشعاع الله؟، أو كيف الله يلد، وما هي طريقة ولادته؟ فإن من يجرؤ على مثل هذه الأقوال يكون مجنوناً. لأن هذا الأمر لا ينطق به، وهو خاص بطبيعة الله، ومعروف له ولابنه فقط لأن من يسأل هكذا إنما يطلب تفسيراً بالكلام. لأنه يشبه من يسأل “أين الله”؟ وكيف يكون الله؟، وما هو نوع طبيعة الآب؟ وكما أن مثل هذه الأسئلة تدل على عدم تقوى، وعلى جهل بالله، هكذا فإنه ليس من اللائق التجاسر بمثل هذه الأقوال عن ميلاد ابن الله، ولا أن يقاس الله وحمته بطبيعتنا وعجزنا.

ولا يحق لأحد أن ينحرف بفكره بعيداً عن الحق. وإن كان أحد يرتبك وهو يفتش ويبحث في هذه الأمور، فلا يجب أن ينكر المكتوب. لأنه من الأفضل في حالة الارتباك أن نصمت وتؤمن، بدلاً من ألا نؤمن بسبب هذه الحيرة. ذلك لأن الذي يتحير يستطيع بطريقة ما أن يجد غفراناً طالما أنه قد هدأ كلية بعد أن تساءل. أما ذلك الذي – بسبب حيرته – يفكر في نفسه تلك الأفكار غير الملائمة، ويتكلم عن الله بأمور لا تليق به، فإن إدانته تكون بغير مغفرة بسبب تطاوله.

لأنه في مثل هذه الارتباكات يمكن للشخص أن يجد بعض الراحة من الكتب الإلهية إلى أن يستوعب تلك الأقوال المكتوبة استيعاباً صحيحاً وأن يتفهم الكلام الذي قلناه كمثال. لأنه كما أن مثل هذا القول هو قولنا ونابع منا وليس عملاً ناتجاً من خارجنا، هكذا بالمثل أيضاً كلمة الله هو من ذات الله ونابع منه، وليس مصنوعاً، ومع ذلك فهو ليس مثل كلمة البشر، حيث أنه في هذه الحالة سنضطر أن نفهم الله كإنسان.

لاحظ إذن أن كلام الناس كثير ومختلف ويزول كل يوم بسبب أن الكلام السابق لغيره لا يبقى بل يتلاشى. وهذا يحدث لأن الناطقين بهذا الكلام هم بشر وأعمالهم زائلة، وأفكارهم تتلاحق وتتتابع. وهم ينطقون الكلام وفقاً للأفكار التي يفكرون بها ويتدارسونها أولاً بأول إلى أن يكون لديهم كلمات كثيرة، ولكن بعد هذه الكلمات الكثيرة لا يتبقى منه شئ إطلاقاً، لأنه بمجرد أن يكف المتكلم عن الكلام فسرعان ما يتلاشى. أما كلمة الله فهو واحد، وهو هو نفسه، كما هو مكتوب “كلمة الله تثبت إلى الأبد”(38). دون أن يتغير، وليس هو سابقاً أو لاحقاً لغيره، بل يبقى كما هو على الدوام. لأنه من المناسب، بما أن واحد فإن صورته أيضاً تكون واحدة، وكلمته أيضاً واحد، وكذلك أيضاً حكمته واحدة.

37- ولهذا فإنى أتعجب أنه طالما أن الله واحد، فكيف يدخل هؤلاء صوراً، وحكمات، وكلمات متعددة بحسب بدعهم واختراعاتهم، ويصرون على أن كلمة الآب الذاتى بالطبيعة هو غير الابن، وأنه بالكلمة قد صنع الابن أيضاً، أما من هو ابن بالحقيقة فيقولون عنه أنه كلمة بالاسم فقط، مثلما قيل أنه كرمة، وطريق، وباب وشجرة حياة. ويتشدقون أيضاً أنه يلقب بالحكمة بالاسم فقط، وأن حكمة الآب هو حقيقة ذاتية أخرى مصاحبة له في الوجود بغي ولادة. والذى عن طريقه صنع الابن ودعاه حكمة أيضاً بحسب مشاركته في الحكمة.

وهم لا يقتصرون في هذا على كلمات فقط، بل نجد أن أريوس صنّف شعراً في كتابه “ثاليا”، وأستيريوس السفسطائى كتب ما سبق أن ذكرناه هكذا: (لم يقل بولس المبارك أنه كرز بالمسيح قوة الله وحكمة الله، بل “قوة لله وحكمة لله”، بدون أداة تعريف، وكرز أن قوة الله الذاتية شئ آخر، وهي قوته الطبيعية الموجوده معه بغير ولاده، وأنها هي التي ولدت المسيح وخلقت العالم كله. وبخصوصها يعّلم في رسالته إلى أهل رومية ويقول “لأن أموره غير المنظورة تُرى بوضوح منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية وألوهيته”.. وكما أنه لا يستطيع أحد أن يقول أن الألوهية المشار إليها هنا هي المسيح، بل هي ذات الآب، كذلك أظن أن قوته السرمدية وألوهيته ليست هي الابن الوحيد الجنس، بل الآب الذي ولده). ويعلم أنه توجد قوة أخرى وحكمة أخرى لله، وأنها هي التي تتضح من خلال المسيح. وبعد قليل يقول استيريوس نفسه: (إن قوته السرمدية وحكمته التي تعبَّر عنها التأملات الحقيقة أنها بلا بداية، وأنها غير مولودة هي حتماً واحدة بذاتها.

لأنه توجد قوات كثيرة قد خُلقت واحدة فواحدة بواسطة الله، والتى من بينها المسيح هو البكر والوحيد الجنس، وجميعها – بطريقة مماثلة – تعتمد على من يمتلكها. فجميعها تدعى بحق قواته المخلوقة التي يستخدمها، كما يقول النبى أن الجراد الذي أرسل من الله بسبب الخطايا البشرية قد سماه الله ليس قوة، بل “قوة عظيمة”(39). والمطَّوب داود في كثير من مزاميره يحث ليس الملائكة فقط، بل القوات لتسبح الله)(40).

38- والآن ألا يكونون مستحقين لكل مقت لمجرد قولهم هذا؟

لأنه إن كان هو – بحسب ما يعتقدون – ليس ابناً بسبب ولادته من الآب ومن ذات جوهره، بل يسمى كلمة بسبب الأشياء المدركة، ويسمى حكمة بسبب الأشياء التي نالت حكمة، ويسمى قوة بسبب الأشياء التي اكتسبت قوة، فإنه بالتالى ينبغى أن يسمى ابناً بسبب أولئك الذين نالوا البنوة. وربما حتى وجوده يكون بسبب الأشياء التي لها وجود، وذلك بحسب بدتهم.

إذن، فمن يكون هو هذا؟ لأنه لن يكون هو واحداً من هذه الأشياء، حتى لو كانت هذه الأشياء هي أسماء له فقط، وكان له وجود خيالى فحسب، وكانت هذه الأسماء قد أضيفت عليه بواسطتنا. بل بالحرى فإن هذا يعتبر حماقة شيطانية قصوى، وربما أكثر من ذلك، لأنهم يريدون أن يكونون هم أنفسهم موجودين حتماً بينما يظنون أن كلمة الله هو موجود بالاسم فقط. فكيف لا تكون أقوالهم هذه عبارات متناقضة إذ يقولون أن الحكمة هي المسيح؟ ويقولون إنه توجد قوات خالقة وحكمات كثيرة، وأن الرب هو واحد من بين هذه، وهم يقارنونه “بالدودة”، و”الجرادة”؟ وأيضاً أليسوا خبثاء إذ أنهم حينما يسمعون منا أن الكلمة موجود مع الآب، فإنهم يتذمرون محتجين ويقولون “ألستم بذلك تتحدثون عن اثنين غير مخلوقين؟ وهم أنفسهم عندما يتحدثون عن “حكمته غير المخلوقة” لا يرون أن الاتهام الباطل الذي يوجهونه ضدنا إنما يتجه ضدهم؟.

فكيف إذن، لا تكون بدعتهم هذه حماقة بالغة أيضاً، وهي التي بمقتضاها يقولون أن “الحكمة غير المخلوقة” الموجودة مع الله هي الله نفسه؟ فإن الذي يشترك في الوجود، لا يشترك في الوجود مع نفسه، بل مع شخص ما، مثلما يقول البشيرون عن الرب أنه كان موجوداً مع التلاميذ، لأنه لم يكن موجوداً مع نفسه، بل مع التلاميذ، إلا إذا كانوا يقولون أن الله مركب، أى أن لديه حكمة مختلطة به، أو متممة لجوهره، وهي أيضاً غير مخلوقة مثله ويقدمونها بدلاً من خالق الكون، وذلك لكى يُسقطِوا عن الابن خاصة الخلق. لأنهم يتلاعبون بكل الأمور لكى لا يفكروا عن الرب بإستقامة.

39- فأين وجدوا في الكتاب الإلهى إطلاقاً، أو ممن سمعوا أنه يوجد كلمة آخر وحكمة أخرى غير الابن نفسه، لكى يشكلوا مثل هذه الأقوال في مخيلتهم؟ لأنه مكتوب “أليس كلمتى كنار، وكمطرقة تحطم الصخر”(41). وجاء في سفر الأمثال “سأعلمكم كلماتى”(42). فإن هذه وصايا وأوامر قد تكلم بها الله للقديين عن طريق كلمته الذاتى، الوحيد، الحق، والتى بخصوصها يقول المرنم “منعت قدمى عن كل طريق شر لكى أحفظ كلامك”(43). وقد أوضح المخلص أن هذه “الكلمات” هي شئ آخر غيره هو ذاته، وذلك حينما يقول بنفسه “الكلام الذي أنا كلمتكم به”(44). فليست إذن مثل هذه “الكلمات” مواليد أو أبناء، ولا توجد كلمات خالقة بمثل هذا العدد، ولا صور للإله الواحد بمثل هذا العدد. وليس كثيرون صاروا بشراً من أجلنا، وليس من بين العدد الكثير واحد صار جسداً بحسب يوحنا، بل إن يوحنا بشر به ككلمة الله الوحيد قائلاً: “الكلمة صار جسداً” و “كل شئ به كان”(45).

لهذا فإن شهادة الآب التي تؤكد أن الابن واحد، وشهادة القديسين الذين فهموا هذا ويقولون أن الكلمة واحد ووحيد الجنس، هذه الشهادات تشير إلى ربنا يسوع المسيح بمفرده وإلى وحدته مع الآب، وأن الأعما التي قد صارت به إنما تشهد بنفس الأمور لأن “كل الأشياء” المنظورة وغير المنظورة “به كانت وبغيره لم يكن شئ مما كان”(46).

إنهم لا يفكرون عن شخص آخر أو شخص مغاير، بل هم يصورون لأنفسهم كلمات وحكمات لم يشر الكتاب لا إلى إسمها ولا إلى عملها، بل هم وحدهم الذين يطلقون عليهم هذه الأسماء. ويخترعون أفكاراً وظنوناً معادية للمسيح ويسيئون استخدام اسم “الكلمة” و “الحكمة”. وإذ يصورون لأنفسهم أفكاراً أخرى ينكرون كلمة الله الحقيقى وحكمة الآب الحقيقية الفريدة. وهكذا فإن هؤلاء التعساء يسيرون في إثر خطوات المانويين، ذلك لأنهم وإن كانوا يرون أعمال الله فإنهم ينكرون الإله الكائن الوحيد والحقيقى، ويصورون لأنفسهم إلهاً آخر لا يستطيعون إثباته بأى عمل ولا بأية شهادة من الأقوال الإلهية.

40- فإن لم يكن هناك في الأقوال الإلهية حكمة أخرى غير هذا الابن، وإن كنا لم نسمع من الآباء شيئاً مثل هذا، بل هم قد اعترفوا وكتبوا أن الحكمة موجودة أزلياً مع الآب حيث أنها هي وجوده الذاتى وخالقة العالم هذه – حسبما يقول الآباء – يلزم أن تكون هي الابن نفسه، وهو الموجود مع الآب أزلياً. فهى أيضاً خالقة كما هو مكتوب “صنعت كل الأشياء بالحكمة”(47). ولأن استيرويوس نفسه – كما لو كان قد نسى ما سبق أن كتبه – فإنه فيما بعد – ودون أن يقصد مثلما فعل قيافا أيضاً – وقف ضد اليونانيين، ولم يتكلم عن حكمات كثيرة ولم يسمها دودة، ولكنه إعترف بحكمة واحدة فقط عندما كتب ما يلى: “واحد هو الكلمة الإلهى، أما الكائنات العاقلة فهى كثيرة. وواحد هو جوه الحكمة وطبيعتها، أما الأشياء الحكيمة والحسنة فهى كثيرة” وبعد قليل يقول أيضاً: “من هم أولئك الذين يستحقون أن يلقبهم هؤلاء بلقب أبناء الله؟ فهم طبعاً لا يقولون عنهم أنهم كلمات ولا أنه توجد حكمات أكثر، فإن هذا غير ممكن إذ أن الكلمة واحد. وقد ثبت أن الحكمة واحدة، ولا يكن أن يوزع “جوهر الكلمة” على عدد كثير من الأبناء ولا أن يعطى لهم لقب “الحكمة”.

إذن فليس من المستغرب أبداً أن يحارب الآريوسيون ضد الحق. فإنهم يصطدمون ببعضهم بعضاً، إذ تتعارض أفكارهم فيما بينها. فأحياناً يقولون أن الحكمات كثيرة، وأحياناً أخرى يقولون أن الحكمة واحدة. وأحياناً يوحدون بين الحكمة والدودة، وأحياناً أخرى أنها موجودة مع الآب وأنها من ذاته. وأحيانا أخرى أن الآب واحد غير مخلوق. ومرة أخرى يقولون أن حكمته وقوته أيضاً غير مخلوقتين. وهم يحاربوننا لأننا نقول أن كلمة الله موجود دائماً، بينما هم أنفسهم يقولون أن الحكمة موجودة مع الله أزلياً، ويتناسون أقوالهم نفسها. وهكذا يعانون من الدوار في كل الأمور ذلك لأنهم إخترعوا ما لا وجود له وأنكروا الحكمة الحقيقية، مثلما فعل المانويون الذين إبتدعوا لأنفسهم إلهاً آخر وأنكروا الله الكائن حقيقة.

41- لكن فلتسمع الهرطقات الأخرى وليسمع المانويون أن أب المسيح هو واحد، وهو رب الخليقة وصانعها بكلمته الذاتى. وعلى وجه الخصوص فليسمع أصحاب الجنون الأريوسى أن كلمة الله هو واحد، وهو الابن الوحيد والذاتى الحقيقى الذي هو من جوهره، وله وحدة الألوهية مع أبيه بلا انفصال كما قلنا مراراً وتكراراً. لأننا تعلمنا هذا من المخلص نفسه. ولو لم يكن الأمر كذلك فلماذا يخلق الآب بواسطته ويعلن نفسه بواسطته للذين يريدهم والذين ينير عليهم؟ أو لماذا يسمى باسم الابن مع الآب عند إتمام المعمودية؟ فإن قالوا أن الآب غير كافٍ بذاته فيكون هذا التعبير كفراً، أما إن كان كافياً بذاته (لأنه من الصواب قول هذا) فما هو الاحتياج للابن لخلق العالم أو لإتمام المعمودية المقدسة؟ لأنه أية مشاركة هناك بين المخلوق والخالق؟

ولماذا يحسب المخلوق مع الخالق عند إنجاز كل الأشياء؟ أو لماذا تقولون أن الإيمان بخالق واحد وبمخلوق واحد هو إيمان مسلم لنا؟ لأنه إن كان الأمر هكذا لكى نتحد نحن بالألوهية فما الحاجة إلى المخلوق؟ أما إن كان هذا بغرض أن نتحد مع الابن – وهو مخلوق حسب قولكم، يكون من غير اللازم – وفقاً لمعتقداتكم – ذكر اسم الابن عند اتمام المعمودية، لأن الله الذي تبناه وجعله ابناً قادر أن يتبنانا ويجعلنا أبناء. ومن جهة أخرى فإن كان الابن مخلوقاً – ولأن طبيعة المخلوقات العاقلة هي واحدة – فليس باستطاعة مخلوق أن يقدم أية معونة لمخلوق آخر، حيث أن الجميع محتاجون لنعمة الله.

لقد تكلمنا فيما سبق عن الآية: “كل شئ به كان”. وحيث أن سياق الحديث قد جعلنا نتحدث عن المعمودية المقدسة، فمن الضرورى أن نقول – كما اعتقد واؤمن – أن اسم الابن يسمى مع الآب ليس ببساطة ولا مصادفة. وذلك ليس لأن الآب غير كافٍ بذاته، بل حيث أن الابن هو كلمة الآب وحكمته فإنه موجود دائماً مع الآب، لأنه هو بهاؤه. لهذا فمن المستحيل عندما يعطى الآب نعمة ألا يعطيها بالابن، لأن الابن موجود في الآب مثلما يوجد الشعاع في الضوء. وذلك ليس لأن الله معوز أو ضعيف، بل كأب “قد أسس الأرض بحكمته”(48)، وصنع كل الأشياء بالكلمة المولود منه، ويختم على المعمودية المقدسة بالابن. وحيث يكون الآب هناك يكون الابن أيضاً، كما أنه حيث يكون النور هناك أيضاً يكون الشعاع. وأى عمل يعمله الآب فإنه يعمله بالابن، ويقول الرب نفسه “ما أرى الآب يصنعه أصنعه أنا أيضاً”(49). وهكذا أيضاً عندما تُعطى المعمودية فإن من يعمده الآب يعمده الابن أيضاً، ومن يعمده الابن فهذا يتم بالروح القدس.

وأيضاً عندما تنير الشمس قد يقول شخص أن الشعاع ينير، وذلك لأن النور واحد ولا يمكن أن يتجزأ ولا أن ينفصل الشعاع عنه. وهكذا أيضاً حيث يكون الآب أو يسمَّى، هناك قطعاً يكون الابن، وحيث أن الآب يسمَّى في المعمودية، فبالضرورة أن يسمَّى الابن أيضاً معه.

42- ولذلك أيضاً عندما وعد القديسين تكلم هكذا: “إليه نأتى – أنا والآب – وعنده نصنع منزلاً”(50). وأيضاً “لكى يكونوا هم أيضاً واحداً فينا.. كما أننى أنا وأنت واحد”(51). والنعمة المعطاة هي واحدة، وهي معطاة من الآب بالابن كما يكتب بولس في كل رسالة “نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح”(52). لأنه يلزم أن يكون النور مع الفجر وأن يشاهَد الشعاع في نفس الوقت مع نوره الخاص به. واليهود كذلك إذ أنكروا الابن فليس لهم الآب أيضاً، لأنهم تركوا “ينبوع الحكمة” كما قال باروخ(53) موبخاً إياهم، وأبعدوا عن أنفسهم الحكمة النابعة من هذا الينبوع أى ربنا يسوع المسيح.

لأن الرسول يقول “المسيح قوة الله وحكمة الله”(54). أما هم فكانوا يقولون “ليس لنا ملك إلا قيصر”(55). وقد لقى اليهود ما يستحقونه من عقاب بسبب إنكارهم، فقد تلاشت مدينتهم وأفكارهم معها. أما هؤلاء الأريوسيون فإنهم يخاطرون بفقدان إتمام السر وأعنى به المعمودية.

لانه إن كان إتمام الس يعطى باسم الآب والابن وهم لا يقرون بأب حقيقى بسبب إنكارهم للذى هو منه، الذي هو مثله في الجوهر، منكرين الابن الحقيقى ويسمون لأنفسهم ابناً آخر، إذ أنهم يصيغونه في مخيلتهم على أنه مخلوق من العدم، ألا يكون طقس المعمودية الذي يتممونه فارغاً تماماً وعديم الجدوى، إذ أن له مظهر خارجى، أما في الحقيقة فإنه ليس له شئ يعين على التقوى؟ لأن الأريوسيين لا يعمدون باسم الآب والابن، بل باسم خالق ومخلوق، وباسم صانع ومصنوع.

ومثلما يختلف المخلوق عن الابن، هكذا فإن تلك المعمودية التي يظنون أنهم يعطونها تختلف عن الحقيقة رغم أنهم يتظاهرون بأنهم يسمون اسم الآب والابن بسبب كلمات الكتاب. فليس من يقول ببساطة “يا رب” هو الذي يعطى المعمودية، بل هو ذلك الذي مع الاسم الذي يدعوه، عنده أيضاً إيمان مستقيم. لهذا السبب فإن المخلص لم يأمر فقط بالعماد، بل قال أولا “تلمذوا” ثم بعد ذلك قال “عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس”(56) لكى يأتى الإيمان المستقيم من التعليم، ومع الإيمان يأتى إتمام المعمودية.

43- وهناك هرطقات أخرى كثيرة تذكر الأسماء فقط، ولكن بدون إعتقاد مستقيم – كما سبق أن قيل – وبدون إيمان سليم. ولذلك فالمعمودية التي يعطونها عديمة الجدوى وتعوزها التقوى، حتى أن من يعمدونه يتلوث بإلحادهم بدلاً من أن يُفتدى. وهكذا الوثنيون أيضاً فرغم أنهم ينطقون بأسم الله بشفاهم، إلا أنهم يرزحون تحت وزر الإلحاد لأنهم لا يعرفون الكائن بالفعل الله الحق أبا ربنا يسوع المسيح. والمانويون أيضاً والفريجيون واتباع الساموساطى، رغم أنهم يستخدمون الأسماء فهم ليسوا أقل هرطقة. وهكذا أيضاً كل الذين يعتقدون بتعاليم آريوس بدورهم، فإنهم وإن قرأوا الكتب، أو ذكروا الأسماء إلا أنهم هم أنفسهم يسخرون من الذين ينالون المعمودية بواسطتهم. وهم أكثر كفراً وإلحاداً من الهرطقات الأخرى ويفوقونها قليلاً قليلاً، ويعطونها تبريراً بهذرهم وثرثرتهم.

لأن هذه الهرطقات تكذب على الحق، وذلك إما أنها تخطئ بخصوص جسد الرب زاعمة أن الرب لم يتخذ جسده من مريم، أو أنه لم يحدث له موت إطلاقاً، ولم يصر إنساناً قط، بل إنه ظهر كإنسان ولكنه لم يكن إنسانا حقيقة، وظهر كأن له جسداً بدون أن يكون له جسد. وأنه ظهر كإنسان كما يبدو في حلم. أما الأريوسيون فهم يكفرون بالآب ذاته لأنهم يجدفون على ألوهيته، رغم أنهم يسمعون الكتب تشهد لألوهيته في الابن كما في صورة، يقولون أن هذه الألوهية مخلوقة.

وهذا القول “أنه لم يكن كائناً”، ينقلونه معهم في كل مكان مثل وحل في حقيبة، وينفثون هذا القول مثلما تنفث الحية سمها. ومَنْ ثَم إذاً بما أن التعليم النابع منهم يثيرالأشمئزاز والمقت، فإنهم في الحال يصنعون حماية بشرية كدعامة لجيفة هرطقتهم، حتى أن الساذج عندما يراها أو يقبلها وهو خائف مرتعد فإنه لا يدرك الهلاك المميت لأقوالهم الفاحشة وضلالهم. فكيف لا يكون الذين ضلوا بواسطتهم مستحقين للشفقة والرثاء؟ وكيف لا يكون من الصواب ذرف الدمع السخين على هؤلاء، لأنهم يخونون منفعتهم الذاتية في سبيل خيال سريع للاستمتاع بملذات يفقدون بها رجاءهم الآتى؟ لأنهم لن يحصلوا على شئ ما دام إيمانهم في معموديتهم على اسم غير الكائن. وإذ يربطون أنفسهم بالمخلوق فلن ينالون من المخلوق أية معونة.

وإذ يؤمنون بمن هو مختلف عن الآب وغريب عن جوهره، فإنهم لن يتحدوا مع الآب طالما ليس لهم الابن الذاتى النابع منه بالطبيعة، الذي هو في الآب، والآب موجود فيه كما قال هو نفسه(57). ولكن حيث أن التعساء يُخدعوا من هؤلاء فقط ظلوا هكذا مقفرين وعراة من اللاهوت. لأن خيال الأشياء الأرضية لن يتبعهم عندما يموتون. لأنهم عندما يرون الرب الذي أنكروه، وهو جالس على عرش أبيه، ويدين الأحياء والأموات، فلن يتمكن أحد منهم أن يلتمس مساعدة أى واحد من أولئك الذين خدعوهم. لأنهم سيبصرون هؤلاء أنفسهم أيضاً وهم يدانون، فيندمون على ما أرتكبوه من إثم وتجديف!.

(1) كو 16:1.

(2) تك 3:1.

(3) تك 9:1.

(4) تك 11:1.

(5) تك 26:1.

(6) مز 9:33.

(7) تك 3:1،6،11،15.

(8) تك 8:15.

(9) خر 13:4.

(10) خر 13:3.

(11) زك 17:1.

(12) زك 12:1.

(13) زك 13:1.

(14) مز 24:104.

(15) مز 6:33.

(16) 1 كو 6:8.

(17) مت 5:17.

(18) أم 25:8.

(19) عب 3:1.

(20) 1كو 24:1.

(21) مز 9:36.

(22) مز 24:104.

(23) أر 4:1.

(24) يو 1:1.

(25) لو2:1.

(26) مز 20:107.

(27) حكمة 5:13.

(28) أى الابن انظر عب 3:1.

(29) يو 10:14،12.

(30) يو 30:10.

(31) يو 10:14.

(32) مت 25:13.

(33) أنظر يهوديت 16:8.

(34) انظر خر 14:3.

(35) يو 1:1.

(36) عب 12:4،13.

(37) يو 3:1.

(38) مز 89:119.

(39) أنظر يوئيل 25:2.

(40) أنظر مز 21:103.

(41) أر 29:23.

(42) أم 23:1.

(43) مز 101:119.

(44) يو 63:6.

(45) يو 14:1، يو 3:1.

(46) يو 3:1.

(47) مز 24:104.

(48) أم 19:3.

(49) أنظر يو 19:5.

(50) انظر يو 23:14.

(51) أنظر يو21:17 ، 22.

(52) رو 7:1، 1كو3:1، أف 2:1.

(53) أنظر باروخ 12:3.

(54) 1 كو 24:1.

(55) يو 15:19.

(56) مت 19:28.

(57) أنظر يو 10:14.

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج3 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج2 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج2 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج2 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج2 – أثناسيوس الرسولي

وجيد هنا أن نسألهم هذا السؤال أيضاًُ لكى يكون دحض هرطقتهم أكثر وضوحاً.

رغم أن “كل الأشياء” مخلوقة، وأصلها كلها من العدم وحتى الابن أيضاً حسب فكرهم – مخلوق ومصنوع، وهو واحد من الأشياء التي لم تكن موجودة قط، فلماذا نجد في نفس الوقت، أنه هو ذاته قد صُنعت به كل الأشياء، “وبغيره لم يكن شئ مما كان”(1). أو لماذا، حينما يكون الحديث عن “كل الأشياء” لا يفهم أحد أن الابن محسوب بين كل الأشياء، وإنما يفهم فقط أن المقصود هو المخلوقات فقط؟ في حين أنه عندما تتحدث الكتب المقدسة عن الكلمة، فهى لا تفهمه بإعتباره معدوداً بين “كل المخلوقات” بل تضعه مع الآب، إذ أنالآب يعمل ويحقق به العناية بالكل والخلاص للكل رغم أن نفس كلمة الأمر التي بها قد صارت كل الأشياء يمكن أن يوجد بها هو (الابن) من الله وحده؟ فإن الله لا يتعب من إصدار الأوامر ولا يضعف من خلق الأشياء كلها حتى يخلق الابن وحده فقط (حسب فكرهم) وحتى يحتاج للابن كخادم ومعين لأجل خلق الأشياء الأخرى. لأنه لا ولن يؤجل شيئاً مما يريده أن يصير، بل إنه فقط قد شاء، وكما شاء صار الكل في الحال. ولأن أحد “يقاوم مشيئته”(2).

إذن لماذا لم توجد كل الأشياء إلا بأمر الله، ذلك الأمر الذي به قد وُجد الابن أيضاً (حسب فكرهم)؟ أو فليقولوا: لماذا قد صارت به كل الأشياء بالرغم من أنه هو أيضاً صائر؟ فيالحماقتهم عندما يقولون عنه: “أن الله عندما أراد أن يوجد طبيعة مخلوقة، ورأى عدم قدرتها على احتمال لمسة يد الآب الشديدة، فإنه يصنع ويخلق أولاً واحداً مفرداً فقط، ويسميه ابناً وكلمة، لكن عن طريقه كوسيط، يوجد به كل الأشياء أيضاً” وهم لا يقولون هذا وحسب، بل أيضاً تجاسروا وكتبوه بيد كل من يوسيبيوس وآريوس وأستيرويوس مقدم الذبائح (للأوثان).

25- أليس هذا برهان كافِ على الكفر الذي مزجوا أنفسهم به بجنون متناهٍ، وهم لا يستحون هكذا من أين يهذوا كالسكارى ضد الحق؟ لأنهم إن كان يؤكدون أن الله قد صنع الابن فقط بسبب تعبه من خلق كل الأشياء الأخرى، فإن كل الخليقة ستصرخ هازئة بهم بإعتبار أنهم يقولون أشياء غير لائقة بالله. أما اشعياء فقد كتب قائلاً: “الله الأبدى الذي صاغ أطراف الأرض لا يجوع ولا يكل. وليس هناك فحص لفهمه”(3). أما إن كانوا يقولون أن الله يستنكف أن يخلق الأشياء الأخرى، ولهذا فقد صنع الابن فقط، وسلم خلقه الأشياء الأخرى للابن كمساعد، فإن هذا يكون غير لائق بالله لأن ليس عند الله كبرياء.

وهؤلاء يخجلهم الرب عندما يقول “أليس عصفوران يباعان بدرهم؟ وواحد منها لا يسقط على الأرض بدون إذن أبيكم”(4) وهو الذي في السموات؟ ويقول أيضاً “لا تهتموا لحياتكم ماذا ستأكلون وماذا ستشربون. ولا لأجسادكم ماذا ستلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس. تأملوا طيور السماء.

إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوة يقوتها. ألستم أنتم بالحرى أفضل منها؟ ومن منكم إذا اهتم بقدر أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة؟ ولماذا تهتمون باللباس؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو، وهي لا تتعب ولا تغزل. ولكن أقول لكم أنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غداً في الأتون، يلبسه الله هكذا أفليس بالأحرى جداً يلبسكم أنتم يا قليلى الإيمان”(5)

فإن لم يكن من غير اللائق بالله أن يعتنى بأصغر الأشياء إلى هذه الدرجة، مثل شعرة الرأس والعصفور، وعشب الحقل فإنه لا يكون من غير اللائق أن يخلق هذه الأشياء لأن الأشياء التي هي موضع عنايته، هي نفسها التي يكون هو خالقها بكلمته الذاتى. والذين يقولون هكذا سيواجهون سخافة وبطلاناً شديدين، لأنه يفرقون بين المخلوقات وبين عملية الخلق، بين عمل الآب وبين الأعمال التي أعطيت للابن، بينما من اللازم إما أن تكون كل الأشياء والابن معها قد خلقت من الآب، وإما – إن كانت كل المخلوقات قد خلقت بالابن – فينبغى ألا يقولوا أن الابن واحد من بين المخلوقات.

26- ومن ثم سيكون من الممكن دحض حماقتهم هكذا: فحتى لو كان الكلمة من الطبيعة المخلوقة، فطالما يستحيل على هذه الطبيعة أن تتقبل فعل الخلق المباشر من الله، فكيف استطاع الابن وحده من بين الجميع أن يُخلق من جوهر الله غير المخلوق والفائق النقاء كما تقولون أنتم؟ فالضرورة تقتضى أنه إن كان الكلمة يستطيع ذلك فكل الطبيعة المخلوقة تستطيع ذلك أيضاً. ولكن إذا لم يكن هذا في استطاعة كل الطبيعة المخلوقة، فإن الكلمة نفسه أيضاً لا يستطيع ذلك لأنه – حسب فكركم هو واحد من بين المخلوقات.

ومرة أخرى إن كانت الطبيعة بسبب عدم قدرتها أن تحتمل فعل الخلق المباشر من الله، إحتاجت إلى وجود وسيط، فالكلمة أيضاً لكونه مخلوقاً ومصنوعاً (حسب قولكم) فإنه يكون هو نفسه في حاجة إلى وسيط لخلقه بسبب كونه واحداً من الطبيعة المخلوقة التي لا تستطيع أن تحتمل فعل الله، بل يحتاج إلى وسيط.

حتى لو وجد هناك وسيط للكلمة فستكون هناك حاجة رة أخرى لوسيط آخر لهذا الوسيط وهكذا بإستمرار البحث والتنقيب سنجد حشداً عارماً من الوسطاء، وبذلك يكون من المستحيل أن تقوم للخليقة قائمة. إذ أنها ستحتاج دائماً إلى وسيط، وهذا الوسيط لن يستطيع أن يوجد بغير وسيط آخر لأنهم جميعاً من طبيعة مخلوقة وهي التي لا تستطيع – كما تقولون أنتم – أن تحتمل فعل الخلق الذي هو عمل الله وحده.

إذن، ما أكثر حماقاتهم إلى تجعلهم يعتبرون الأشياء الصائرة أنها مستحيلة الحدوث. أو ربما يتصورون أنها لم تكن قدوجدت ما داموا لا يزالون يطلبون وسيطاً. لأنه بحسب كفرهم وفكرهم الغبى لا يكون ممكناً للكائنات أن توجد حيث أنها لا تجد الوسيط.

27- ولكنهم أيضاً يدعون قائلين: “هوذا بواسطة موسى قد أخرج الله الشعب من مصر، وبواسطته أعطى الشريعة بالرغم من كونه انساناً، حتى يكون ممكناً أن تصير الأشياء الماثلة بواسطة ما يماثلها”. فكان ينبغى وهم يقولون هذا أن يخفوا وجوههم من الخجل الشديد، فإن موسى لم يُرسَل لكى يخلق ولا لكى يدعو إلى الوجود تلك الأشياء التي لم تكن موجودة، ولا لكى يصوغ أناساً مماثلين له، ولكن فقط لكى يبلغ أقوالاً للشعب وللملك فرعون. فهناك فرق كبير، إذ أن الخدمة تخص المخلوقين كعبيد، في حين أن الخلق والصياغة تخص الله وحده وتخص كلمته الذاتى وحكمته.

من أجل ذلك، ففيما يخص الخلق، لا يوجد من يقوم به سوى كلمة الله فقط، لأن “كل الأشياء قد صُنعت بالحكمة”(6)، و “بغير الكلمة لم يكن شئ مما كان”(7). أما فيما يخص الخدمة، فليس هناك واحد فقط، بل يوجد كثيرون يستطيع الرب أن يرسلهم متى أراد، فهناك كثيرون من رؤساء الملائكة، وكثيرون ه العروش والسلاطين والسيادات، “ألوف وربوات ربوات يقدمون له الخدمة”(8)، وهم على استعداد أن يُرسَلوا. وهناك أنبياء كثيرون واثنا عشر رسولاً وبولس، بل وموسى أيضاً لم يكن وحده بل معه هرون أيضاً، وبعد ذلك كان معه “سبعون آخرون أمتلأوا بالروح القدس”(9). وموسى خلفه يشوع بن نون، وهذا خلفه القضاة، وهؤلاء لم يخلفهم واحد بل ملوك كثيرون.

فلو كان الابن إذن مخلوقا،، وواحداً من المخلوقات لكان من اللازم أن يكون هناك أبناء كثيرون مثله، لكى يكون لله أيضاً خدام كثيرون من هؤلاء، كما أن له جمعاً غفيراً من أولئك الآخرين. وإن لم يكن في الإمكان أن يرى أحد هذا الرأى، فإن الكلمة واحد، لكن المخلوقات كثيرة. فمن من هؤلاء لا يفهم أن الابن يتميز عن الجميع، وليس له أى وجه شبه بالمخلوقات، بل هو من ذات الآب. من أجل ذلك فلا يوجد عدد كثير من الكلمات، بل هناك كلمة واحد للآب الواحد، وصورة واحدة للإله الواحد.

وهم يقولون “ها هي شمس واحدة فقط وأرض واحدة”. يا لهم من حمقى! فليقولوا أيضاً أن الماء واحد والنار واحدة، لكى نجيبهم بقولنا أن كل مخلوق بين المخلوقات هو واحد بحسب جوهره الخاص. أما من جهة الخدمة والعمل الموكلين إليه فليس كل مخلوق بمفرده كفاءاً ولا كافياً، لأن الله قال “لتكن لآيات وأوقات وأيام وسنين”(10). ثم قال “فصنع الله النيرين العظيمين، النيرّ الكبير لحكم النهار والنيّر الأصغر لحكم الليل. والنجوم ثبتها في جلد السماء لتضئ على الأرض فتحكم النهار والليل”(11).

28- ها هي كواكب كثيرة: وليست فقط الشمس وحدها ولا القمر وحده، بل كل منهما واحد بحسب جوهره، إلا أن خدمة الكل واحدة ومشتركة وما ينقص الواحد يكمله الآخر. وهكذا يشترك الكل في سد الحاجة إلى النور. فالشمس لديها السلطان أن تظهر في فترة النهار فقط، والقمر خلال الليل، أما النجوم فيتم بها مع الشمس والقمر الفصول والسنين، وتكون لآيات حسب الاحتياج المطلوب من كل منهما.

والأرض أيضاً ليست لكل شئ، بل للثمار وحدها، ولكى تكون أساساً للحيوانات التي تمشى عليها أما الجلد فهو الذي يفصل بين مياه ومياه: لكى يكون مكاناً للكواكب. وهكذا كل من النار والماء قد صارا مع كل الأشياء الأخرى لأجل تكوين الأجسام. وعموماً فليس هناك شئ واحد قائماً بمفرده. بل كل واحد من المخلوقات كما لو كان مع بقية المخلوقات كأعضاء بعضها لبعض، فيشكلون العالم معاً كأنه جسد واحد.

فإن كانوا يفترضون أن الابن أيضاً هكذا، فإنهم يستحقون أن يرجموا من جميع الناس. لأنهم يظنون أن الكلمة جزء من الكل، جزء لا يكفى بدون الأشياء الأخرى أن يقوم بالخدمة المسلمة له. فإن كان هذا كفر واضح، فدعهم يعترفون أن الكلمة ليس معدوداً بين المخلوقات، بل هو هو كلمة الآب الوحيد، الذاتى، وهو خالق المخلوقات ولكنهم قالوا عنه: “إنه مخلوق ومعدود بين المخلوقات، وقد تعلم فن الخلق كما من معلم وفنىّ، وهكذا خدم الله الذي علّمه”.

لأ، أستيريوس السفسطائى قد تجاسر على كتابة هذه الأقوال مثلما تعلم أن ينكر الرب غير مدرك للحماقة التي تترتب عليها. لأنه إن كان الخلق شئ ممكن أن يكتسب بالتعليم، فليحذروا أيضاً لئلا يقولوا عن الله نفسه أنه ليس خالقاً بالطبيعة بل بالتعلّم، فتكون النتيجة أنه ممكن أن يفقد خاصيته كخالق.

وعلى ذلك فلو حصل حكمة الله على الخلق بالتعلم، فكيف يكون حكمة إن كان لا يزال في حاجة إلى دروس؟ وماذا كان حاله قبل التعليم؟ فإن كان ينقصه التعليم فإنه لا يكون حكمة، بل يكون شيئاً فارغاً، وليس حكمة جوهرية، ويكون قد اتخذ اسم الحكمة عن طريق الترقى ويظل هكذا حكمة على مدى الوقت ما دام يحتفظ بما قد تعلمه. فالذى لا يُوجد من الطبيعة، بل من التعليم فمن الممكن أيضاً أن يُفقَد في وقت ما. ولكن من يقول مثل هذا الكلام عن كلمة الله فليس من بين المسيحيين، بل من بين الوثنيين.

29- لأنه إن كان عمل الخلق يمكن اكتسابه بواسطة التعليم فإن عديمى العقل هؤلاء ينسبون بذلك الحسد والضعف إلى الله. فمن ناحية ينسبون إليه الحسد لأنه لم يعلّم عمل الخلق لكثيرين، لكى مثلما يوجد كثيرون من الملائكة ورؤساء الملائكة، هكذا يوجد حوله أيضاً خالقون كثيرون. ومن ناحية أخرى ينسبون له الضعف لأنه عجز عن أن يقوم بالخلق وحده، بل احتاج إلى معين أو خادم وذلك بالرغم من البرهنة على أن الطبيعة المخلوقة يمكن أن توجد من الله وحده، إذ هم يقولون أن “الابن مخلوق وقد صار من الله وحده”.

ولكن الله ليس في حاجة إلى أحد، حاشا لله. لأنه هو قال: “إنى ممتلئ”(12). والكلمة لم يصر خالقاً بل إذ هو صورة الآب وحكمته فإنه يعمل أعمال الآب. والآب لم يجعل الابن من أجل عمل المخلوقات، لأنه هوذا رغم وجود الابن يظل الآب عاملاً أيضاً كما يقول الرب نفسه “أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل”(13).

فإذا كان الابن قد وُجِدَ – حسبما تقولون – لكى يخلق الأشياء التي جاءت بعده، ومع ذلك يُرى الآب عاملاً حتى بعد وجود الابن، فإن وجود مثل هذا الابن يكون – بحسب قولكم – لا لزوم له. وإلا فلماذا يبحث الآب عن وسيط عندما شاء أن يخلقنا كما لو أن مشيئته لم تكن كافية لخلق ما يبدو له حسناً؟ مع أن الاسفار المقدسة تقول “كل ما شاء صنع”(14) وأيضاً “من يقاوم مشيئته”(15). فلو أن مشيئته وحدها كانت كافية لخلق كل الأشياء، فإنه مرة أخرى تكون حاجته لوسيط – وفقاً لقولكم – من نافلة القول، ولذا فإن المثل الذي تضربونه عن موسى وعن الشمس والقمر يتضح أنه لا أساس له.

وبناء على ذلك فإن هذا القول يلجم ألسنتكم. فإن كان الله – حسبما تعتقدون – عندما أراد أن يخلق الطبيعة المخلوقة وقد عقد العزم على ذلك – خطط أن يخلق الابن أولاً لكى يخلقنا بواسطته، فتأملوا وأعتبروا أى قدر من الكفر قد تجاسرتم أن تنطقوا به.

30- فبحسب كلامكم يظهر أولاً أن الابن قد جُعل من أجلنا، ولسنا نحن من أجله، بمعنى أننا لم نخلق لأجله ولكنه هو قد صنع من أجلنا، وبذلك يكون هو مديناً بالفضل لنا ولسنا نحن المدينين له، كوضع المرأة بالنسبة للرجل. فالكتاب يقول: “لأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل”(16). ولذلك إذن “فإن الرجل هو صورة الله ومجده، أما المرأة فهى مجد الرجل”(17). وهكذا فنحن صورة الله، وقد صرنا من أجل مجده، أما الابن فيكون – على أساس كلامكم – هو صورتنا وأنه وجد من أجل مجدنا، ونحن قد جُعلنا لكى نوجد أما كلمة الله – حسب اعتقادكم – فإنه لم يُجعل لكى يوجد، بل قد جُعل ليكو أداة لأجل احتياجنا حتى أننا لم نتكون منه بل هو الذي قد تكون من احتياجنا.

أليس الذين يفكرون بهذه الافكار يفوقون كل جنون وحماقة؟ لأنه لو أن الكلمة قد صار من أجلنا فلا يكون سابق علينا سوى الله، لأن الله (فى هذه الحالة) لم يخطط بخصوص وجودنا والكلمة موجود في داخله، ولكنه خطط بخصوص وجود كلمته – كما يقولون ونحن في داخله. فلو كان الأمر كذلك، فلربما لم يكن الآب يريد الابن على وجه الإطلاق، لأنه خلقه حسب قولهم، لا لأنه كان يريده بل لأنه كان يريدنا نحن، فقد خلقه من أجلنا، لأنه فكر فيه بعدنا.

لذا فإنه حسب أفكار الكافرين يكون الابن الذي وُجد كأداة، لا لزوم له. لأنه يكون قد خُلِقَ من أجل أولئك الذين وُجدوا، فإن كان الابن وحده قد صار من الله مباشرة بسبب قدرته على إحتمال ذلك أما نحن فلقد صرنا من الكلمة بسبب عدم قدرتنا فلماذا لا يخطط الله بخصوص وجوده أولاً – وهو القادر (أى الابن) على إحتمال ذلك، بل يخطط بخصوصنا؟ ولماذا لا يُفضَل القادر على غير القادرين؟ ولماذا حيث أنه قد صنعه أولاً، لا يخطط بخصوصه أولاً؟ أما إن كان يخطط بخصوصنا أولاً، فلماذا لا يصنعنا نحن أولاً، ما دامت مشيئته كفيلة بتكوين الكل؟ بل يخلق ذاك أولاً ومع ذلك فإنه يخطط أولاً بخصوص وجودنا، ويردينا أولاً قبل الوسيط.

وحينما يريد أن يخلقنا ويخطط بخصوصنا فإنه يسمينا مخلوقات. أما هذا الذي يخلقه من أجلنا فيسميه إبناً ووارثاً ذاتياً. فكان ينبغى بالأحرى أننا نحن الذين من أجلنا قد صنعه. أن يمسينا أبناء. ولكن بلا شك فلأنه هو ابنه فإنه يفكر فيه أولاً ويريده وهو الذي به صنعنا جميعاً. هذه هي تقيؤات الهراطقة وتقززاتهم.

(1) يو 3:1.

(2) انظر رو 19:9.

(3) اش 28:40 سبعينية.

(4) مت 29:10.

(5) مت 25:6-20.

(6) مز 24:104.

(7) يو 3:1.

(8) أنظر دا 10:7.

(9) عدد 25:11.

(10) تك 4:1.

(11) تك 16:1-18.

(12) أش 11:1 سبعينية.

(13) يو 17:5.

(14) مز 6:135.

(15) رو 19:9.

(16) 1كو 9:11.

(17) 1كو 7:11.

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” ج2 – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” – أثناسيوس الرسولي

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” – أثناسيوس الرسولي

18 (تكملة) – هنا إذن فلنتأمل ما قيل في الأمثال: “الرب قنانى (خلقنى) أول طرقه لأجل أعماله” (أم 22:8 سبعينية). رغم أننا إذ قد أوضحنا أن الكلمة ليس مصنوعاً، فهذا يدل أيضاُ على أنه ليس مخلوقًاً. قإن يقال عنه أنه مصنوع هو نفسه أن يقال عنه أنه مخلوق، لذا فإن البرهان على أنه غير مصنوع هو نفس البرهان على أنه ليس مخلوقاً. لهذا قد يدهش البعض مما يخترعه هؤلاء من تبريرات لكفرهم، غير مستحين من البراهين التي اقمناها لك نقطة على حدة.

لأنهم قبل كل شئ، أخذوا يخدعون البسطاء بأسئلتهم مثل: “هل الكائن قد صنع من غير الموجود كائناً غير موجود أم كائناً موجوداً؟” وأيضاً “هل كان لك إبن قبل أن تلده؟” ولما اتضح أن كلامهم هذا فاسد وبلا اساس، أخذوا يخترعون هذا السؤال “هل يوجد واحد فقط غير مخلوق أم اثنان؟” وبعد أن دحضت أفكارهم سرعان ما أضافوا “هل له إرادة حرة؟ وهل طبيعته قابلة للتغيير؟”(1) ولكن بعد أن رفضت هذه أيضاًُ يقولون في الحال “صائراً أعظم من الملائكة بهذا القدر”(2). وحينما دحضت الحقيقة هذا الإدعاء أيضاُ، فهم الآن وقد ساقوا كل تلك الأقوال معاً يظنون أنهم عن طريق لفظتى “مصنوع” و “مخلوق” سيدعمون هرطقتهم.

فإن هذا هو ما يعنونه ايضاً، فهم لم يتخلوا عن خبثهم وسوء نيتهم، إذ هم يحورون ويدورون هرطقتهم نفسها بأشكال متنوعة لعلهم يستطيعون أن يخدعوا البعض عن طريق هذه الأشكال المتغيرة، رغم أن كل ما سبق أن قلناه يثبت بطلان حجتهم. ولكن حيث أنهم ملأوا كل مكان بهذا القول المأخوذ من الأمثال حتى يبدو هذا القول لدى كثيرين من الذين يجهلون العقيدة المسيحية أنه يعنى شيئاً ما، فإنه من الضرورى أن نوضح هنا القول مثلما أوضحنا عبارة “كونه أميناً للذى أقامه”(3) وبنفس الطريقة سنفحص لفظ “قنى” (خلق) كى يظهر للجميع أنهم في هذا الأمر، كما في غيره لا يملكون شيئاً آخر سوى الخيال.

19- أولاً، يلزم أن نرى الإجابات التي أجابوا بها على المطوب الذكر “الكسندروس”(4) في بادئ الأمر عندما ابتدعوا هرطقتهم، فقد كتبوا هكذا: “إنه مخلوق ولكن ليس واحداً من المخلوقات. إنه مصنوع ولكنه ليس واحداً من المصنوعات، إنه مولود ولكنه ليس واحداً من المولودين”. إذن فليحذر كل واحد خبث هذه البدعة ودهائها، ذلك لأنها بعد أن عرفت مرارة إنحرافها وضلالها، اضطرت أن تزين نفسها بإستعمال ألفاظ تحتمل معانى مختلفة، فتقول “إنه مخلوق” وهذا ما تعتقده، ولكنها تظن أنها تستطيع أن تخفى ذاتها بقولها “ولكنه ليس كواحد من المخلوقات”. فهم بكتاباتهم هكذا قد كشفوا كفرهم أكثر.

لأنه إن كان وفقاً لرأيكم أنه مخلوق، فكيف تتظاهرون بقولكم “لكن ليس كواحد من المخلوقات” وإن كان هو “مصنوعاً” فكيف يكون “ليس كواحد من المصنوعات” وفى هذا الكلام يمكن أن نرى سم الهرطقة. لأنه بقولهم “مولود” ولكن “ليس كواحد من المولودين” فإنهم يقدمون أبناء كثيرين ويقّرون أن الرب أيضاً واحد من بينهم، فإنه حسب اعتقادهم ليس بعد “وحيد الجنس” بل إنه واحد بين إخوة عديدين، وإنه يسمى مولوداً وإبناً.

فأية فائدة إذن من القول بأنه من ناحية مخلوق، ومن ناحية أخرى غير مخلوق؟ وأيضاً لو قلتم “ليس كواحد من المخلوقات” فإنى سأثبت أن مغالطتكم هذه خالية من الحكمة. فإنكم لا تزالون تقولون “أنه واحد منالمخلوقات”. والأشياء التي يمكن أن يقولها أحد الناس عن سائر المخلوقات، تفكرون بها أنتم هكذا عنالابن كجهلاء وعميان حقاً.

فهل أى مخلوق من المخلوقات هو مثل الآخر حتى تنسبوا هذا للابن كشئ مميز له؟ وكل الخليقة المرئية قد تكونت في ستة أيام. ففى اليوم الأول عمل النور الذي دعاه نهاراً. وفى اليوم الثانى كان الجلد، وفى اليوم الثالث بعد أن جمّع الماء أظهر اليابسة، وأنبت فيها مختلف الثمار. وفى اليوم الرابع صنع الشمس والقمر وكل النجوم. أما في اليوم الخامس فقد خلق جنس الأحياء في البحر، والطيور في الهواء. وصنع في اليوم السادس ذوات الأربع التي على الأرض، وبعد ذلك الإنسان. “إن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات”(5). فالنور ليس كالليل ولا الشمس كالقمر. ولا غير العاقل كالانسان العاقل، ولا الملائكة كالعروش، ولا العروش كالسلاطين، فكلها مخلوقات ولكن كل واحد حسب نوعه من المخلوقات، يوجد ويظل في جوهره الذاتى كما خلق.

20- وعندئذ إما أن يُستثنى الكلمة من بين المصنوعات، وكخالق يُنسَب إلى أبيه ويُعترف به أنه ابن بالطبيعة، أو أن يكون مجرد خليقة وعندئذ يعترف به أن له وضعه الخاص الذي للمخلوقات الأخرى تجاه بعضها البعض. فليقل إذن عن كل هذه المخلوقات كما يُقال عنه. “خليقة ولكن ليس كواحد من المخلوقات، مولود أو مصنوع وليس كواحد من المصنوعين أو المولودين؟” لأنكم قد قلتم أن “المولود” هو نفسه “المصنوع” عندما كتبتم: “مولود أو مصنوع”.

وبالإضافة إلى ذلك إن كان الأبن يتفوق على سائر المخلوقات الأخرى بالمقارنة فإنه كمخلوق يظل مثل سائر المخلوقات. فإنه بالنسبة لتلك المخلوقات التي هي بطبيعتها مخلوقة، ممكن أن نجد البعض يتفوق على البعض الآخر “لأن نجماً يمتاز عن نجم في المجد”(6).

لأنه يوجد اختلاف بين سائر المخلوقات عند مقارنتها بعضها ببعض، ولكن ليس معنى هذا أن بعضها سادة. والبعض الآخر تخدم الأسمى منها، ولا يكون البعض علة للمصنوعات والبعض الآخرة ناتجاً منها. ولكن عموماً فإن جميع الأشياء لها طبيعة صائرة ومخلوقة. وكلها تعترف في ذاتها بخالقها كما يترنم داود “السموات تحدث بمجد الله، والجلد يخبر بعمل يديه”(7). كما يقول أيضاً الحكيم زربابل “كل الأرض تنادى والسماء تباركه، وكل المصنوعات تتزلزل وترتعد”(8).

فإن كانت كل الأرض تسبح الخالق والحق وتباركه وترتعد أمامه، وإن كان خالقها من الكلمة، وهو ذاته يقول “أنا هو الحق”(9)، فتبعاً لذلك لا يكون الكلمة مخلوقاً، فهو الوحيد الذي من ذات الآب، والذى دبر كل الأشياء. وجميعها، تسبحه كخالق، كما يقول هو ذاته “كنت عنده مدبراً”(10) و”أبى يعمل حتى الآن وأنا أيضاً أعمل”(11)، إن تعبير “حتى الآن” يدل على أنه موجود ككلمة في الآب منذ الأزل، لأنه من خاصية الكلمة أن يعمل أعمال الآب ولا يكون خارجاً عنه

21- وإن كانت هذه الأشياء التي يعملها الآب يعملها الابن أيضاً، والأشياء التي يخلقها الابن هي مخلوقات الآب، ومع ذلك يكون عمل الابن هو عمل الآب وخلقه، فعندئذ إما أنه سيصنع نفسه ويكون هو خالق نفسه (حيث أن الأعمال التي يعملها الآب هي الأعمال التي يعملها الابن)، وهذا أمر غير معقول ومستحيل. أو أن كان يخلق ويعمل مخلوقات الآب، فلا يمكن أن يكون هو عملاً ولا خليقة. لأنه إن كان هو علة خالقه. وفى نفس الوقت مصنوعاً = مخلوقاً (حسب قولكم) فإن هذا يجعل نفس الشئ يحدث في حالة المخلوقات كما حدث معه (أى تصير مخلوقة وخالقة في نفس الوقت) وإلا فإنه لا يكون قادراً أن يصنع على الإطلاق.

لأنه كيف يكون قد صار من العدم – كما تقولون – ويكون في إمكانه أن يخلق ويجلب إلى الوجود الأشياء غير الموجودة؟ فإن كان وهو نفسه مخلوق يقوم بالخق، فمن الممكن أن يفهم أن هذا الأمر يحدث أيضاً لكل مخلوق حتى أنه يكون في وسع هذه المخلوقات أن تخلق.

فإن كنتم تريدون أن يكون الأمر هكذا، فما الحاجة إذن إلى وجود الكلمة طالما أنه سيكون في وسع المخلوقات الأقل منزلة أن تخلق من المخلوقات الأسمى منها – أو إن كان في إمكان كل مخلوق – على وجه الإطلاق – أن يسمع مباشرة من الله منذ البدء “كن” و “فلتُخلق” وتكون هذه هي الطريقة التي تكونت بها سائر الأشياء ولكن هذا لم يكتب، وليس ممكناً أن يكتب هكذا لأنه ليس من الممكن أن يكون أحد المخلوقات عِلّة خالقه، لأن كل الأشياء قد صارت بالكلمة، فلو كان الكلمة ذاته معدوداً بين المخلوقات لما كان في استطاعته أن يخلق كل الأشياء.

بل ولا الملائكة أيضاً يستطيعون أن يخلقوا لأنهم هم أيضاً من بين المخلوقات. حتى إن كان فالنتينوس وماركيون وباسيليدس يعتقدون بذلك وأنتم تتمثلون بهم. ولا الشمس لكونها مخلوق تستطيع أن تجلب إلى الوجود ما هو غير موجود، ولا يستطيع الإنسان أن يخلق إنساناً، ولا الحجر حجراً. ولا يتكاثر الخشب من خشب.

إنما هو الله “الذى صور الانسان في الرحم”(12). وهو الذي ثبت الجبال، والذى ينمى الأخشاب. أما الإنسان فلكونه قادراً على تحصيل المعرفة، فإنه يرتب هذه المادة ويصنفها، ويشتغل بالموجودات كما تعلّم، وهو يكون راضياً بمجرد أن هذه الأشياء وجدت. ولأنه عرف طبيعة نفسه، فإنه عندما يحتاج إلى شئ، يعرف أن يطلبه من الله.

22- إذن فإن كان الله أيضاً يقوم بالتنقيح والتصنيف من المادة (الموجودة) كما تعلّم الفلسفة اليونانية، فإن الله لن يدعى خالقاً بل فناناً، وهكذا فإن الكلمة لن يدعى خالقاً بل فناناً، وهكذا فإن الكلمة سيعمل بالمادة بأمر الله وفى خدمته.

ولكن إن كان الله قد دعا الأشياء غير الموجودة إلى الوجود بواسطة كلمته الذاتى، فلا يكون الكلمة من بين الأشياء غير الموجودة والتى دعيت (إلى الوجود)، وإلا فلنبحث عن كلمة آخر بواسطته دعى الكلمة نفسه أيضاً إلى الوجود – لأن كل الأشياء غير الموجودة قد صارت بالكلمة. وإن كان الآب يخلق ويصنع به، فلا يكون هو نفسه من بين الأشياء المخلوقة والمصنوعة بل بالأحرى هو كلمة الله الخالق، ومن أعمال الآب التي يعملها هو ذاته، يُعَرف أنه “فى الآب والآب فيه”، و “من رآه فقد رأى الآب”(13) وذلك بسبب أن جوهر الابن هو خاص بالآب ومماثل له في كل شئ.

فكيف إذن يخلق به إن لم يكن هو نفسه كلمته وحكمته؟ وكيف يمكن أن يكون كلمته وحكمته إن لم يكن هو مولود جوهره الذاتى، ولا يكون واحداً من المخلوقات مثل سائر الأشياء الأخرى؟ وإن كانت كل الأشياء قد صارت من العدم، وهي كائنات مخلوقة، وإن كان الابن – حسب معتقداتهم هو واحد من بين المخلوقات التي لم تكن موجودة في وقت ما، فكيف يكون هو وحده الذي يعلن الآب وليس أحد يعرف الآب سواه؟

لأنه إن كن ممكناً أن يعرف الآب بالرغم من كونه مخلوقاً، فإن جميع المخلوقات أيضاً إذن يمكنها أن تعرف الآب، بحسب قياس المخلوقات، لأن جميع المخلوقات أيضاً مصنوعة مثله. وإن كان من غير الممكن للمخلوقات أن ترى الآب وتعرفه لأن هذه الرؤية وهذه المعرفة تعلو على مستوى جميع المخلوقات، وفالله نفسه قد قال “لا أحد يرى وجهى ويعيش”(14). أما الابن فقال “ليس أحد يعرف الآب إلا الابن”(15) إذن فإن الكلمة مختلف عن المخلوقات، وهو وحده الذي يعرف الآب ويراه كما قال “ليس أحد يعرف الآب إلا الآب إلا الذي هو من الآب”(16)، وأيضاً “ليس أحد يعرف الآب إلا الابن”.

وإن كان هذا لا يروق لآريوس. فكيف إذن عرف (الآب) وحده إن لم يكن هو نفسه من ذات الآب؟ وكيف يمكن أن يكون من ذات الآب لو كان مخلوقاً ولم يكن ابناً حقيقياً منه؟ لأنه يجب ألا نمل من تكرار نفس الأقوال المتعلقة بالتقوى مراراً. ولذلك فإنه يعد تجديفاً أن يعتقد أحد بأن الابن هو واحد من بين جميع المخلوقات. وأنه من التجديف والغباء أن يقال “مخلوق” ولكنه ليس كواحد من المخلوقات” و”مصنوع ولكنه ليس كواحد من (المصنوعات)”، و “مولود ولكنه ليس كواحد من بين المولودين”.

لأنه كيف لا يكون واحداً من بين تلك المخلوقات لو أنه من وجهة نظرهم لم يكن موجوداً قبل أن يولد؟ لأن خاصية المخلوقات والمصنوعات هي أنها تكون غير موجودة قبل أن تخلق، وأنها توجد من العدم، حتى لو كانت هناك فروق بين المخلوقات بسبب اختلافها في المجد، فإن هذه الفروق بين الواحد والآخر توجد في جميع المخلوقات وتتضح في كل المرئيات.

23- ولكن إن كان الهراطقة يحسبون الابن “مخلوقاً أو مصنوعاً ولكن ليس كواحد من المخلوقات” بسبب تفوقه عنها في المجد، لكان من الواجب أن تظهره الأسفار المقدسة وتميزه في درجة أسمى بالمقارنة بالمصنوعات الأخرى، فمثلاً كان يجب أن يقال أنه أعظم من رؤساء الملائكة، وأنه أكثر كرامة من العروش، أو أكثر بهاء من الشمس والقمر، وأعظم أيضاً من السموات ولكن الواقع أن الكتب المقدسة لا تذكره هكذا، بل إن الآب يظهره أنه ابنه الذاتى والوحيد بقوله “إنك أنت ابنى”(17)، و”هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت”(18). ولهذا صارت “الملائكة تخدمه”(19).

حيث أنه كان مختلفاً عنهم وهم يسجدون له ليس لكونه أعظم منهم في المجد، بل لأنه مختلف تماماً عن جميع المخلوقات بما فيهم أولئك الملائكة، لأنه بحسب الجوهر هو الابن الوحيد الذاتى للآب. فلو كانوا يسجدون له لمجرد أنه متفوق في المجد لكان من الواجب عل كل كائن من الكائنات الأدنى أن يسجد للأسمى منه. ولكنه ليس الأمر هكذا، لأن المخلوق لا يعيد مخلوقاً آخر، بل أن العبد يعبد الرب. والمخلوق يعبد الله.

لذا فعندما أراد كرنيليوس أن يسجد لبطرس، منعه الرسول بطرس قائلاً “أنا أيضاً انسان”(20) وعندما أراد يوحنا أن يسجد للملاك في الرؤيا منعه الملاك قائلاً “أنظر لا تفعل فإنى عبد معك ومع إخوتك الأنبياء ومع الذين يحفظون أقوال هذا الكتاب. اسجد لله”(21) وتبعاً لذلك فإن السجود يكون لله وحده، وقد عرف الملائكة أنفسهم هذا رغم انهم يفوقون غيرهم في المجد. فهم جميعاً مخلوقات وليسوا من الذين يُسجد لهم، بل هم من بين الذين يسجدون للرب. فعندما أراد منوح أبو شمشون أن يقدم ذبيحة للملاك، منعه الملاك قائلاً “لا تقدم لى بل لله”(22). أما الرب فإنه يُسجد له من الملائكة لأنه مكتوب “فلتسجد له جميع ملائكة الله”(23).

ومن كل الأمم، كما يقول أشعياء: “مصر تعبت لأجلك، وتجارة الأثيوبيين، ورجال سبأ طوال القامة إليك يعبرون، وسيكونون عبيداً لك “ثم يقول: “ولك يسجدون وإليك يتضرعون قائلين فيك وحدك الله. لا يوجد إله سواك يا رب”(24). وعندما سجد له التلاميذ قبل منهم السجود وأخبرهم من يكون هو قائلاً: “أنتم تدعوننى رباً ومعلماً وحسناً تقولون لأنى أنا كذلك”(25) وحينما قال له توما “ربى وإلهى”(26)، سمح له بهذا القول، وبالأحرى قبله ولم يمنعه. لأنه كما يقول سائر الأنبياء، وكما يترنم داود “هو رب القوات”(27)، و”رب الصباؤوت” الذي تفسيره “رب الجنود” وهو إله حق ضابط الكل حتى ولو مزق الأريوسيين ثيابهم بسبب هذا.

24- فهو ما كان ليُسجد له، أو تُقال عنه تلك الأقوال لو أنه كان من بين المخلوقات. ولكنه الآن حيث أنه ليس بمخلوق، بل هو المولود الذاتى لجوهر الله المعبود، وهو ابنه بالطبيعة، لذلكفإنه يُسجد له ويُؤمن به أنه إله وأنه رب الجنود وله السلطان، وهو ضابط الكل مثل الآب، لأنه هو نفسه قد قال: “كل ما للآب فهو لى”(28). لأنه من خاصية الابن أن يكون له ما للآب، وأن يكون هكذا حتى أنالآب يُرى فيه، وأن جميع الأشياء تصير به، وأن خلاص الكل به يتم وفيه يتحقق.

(1) انظر المقالة الأولى الفصل العاشر.

(2) عب 4:1.

(3) عب 2:3.

(4) كان الكسندروس اسقف الاسكندرية عندما ظهرت الهرطقة الآريوسية، وهو أول من تصدى لها (أنظر الملحق المنشور في نهاية كتاب المقالة الأولى ضدالأريوسيين).

(5) رو 20:1.

(6) 1كو 41:15.

(7) مز 1:19.

(8) عزر الأول 6:4 (من الأسفار القانونية الثانيه).

(9) يو 6:14.

(10) أم 30:8 (السبعينية).

(11) يو 17:5.

(12) ارميا 5:1.

(13) يو 9:14.

(14) خر 20:33.

(15) مت 27:10.

(16) يو 46:6.

(17) مز 7:2.

(18) مت 17:3.

(19) مت 11:4.

(20) أع 26:10.

(21) رؤ 9:22.

(22) قض 16:13.

(23) مز 7:96، عب 6:1.

(24) اش 14:45 سبعينية.

(25) يو 13:13.

(26) يو 28:20.

(27) مز 10:23.

(28) يو 15:16.

شرح أمثال 8: 22 “الرب قناني أول طريقه” – أثناسيوس الرسولي

كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع

كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع

كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع

كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع

1 ـ كنت أحسب أن أولئك المنافقين، مجانين الأريوسية، سيقنعون بالأدلة السابقة، والتي سبق أن سقتها ضدهم [1]. وأنهم سيكتفون بالبراهين المتعلقة بالحقيقة، وأنهم عندئذٍ سيكفّون عن الحديث ويندمون عن كل فكر رديء أو كلام شرير تحدثوا به عن المخلّص. إلاّ إنني لا أدرى كيف أنهم لم يخجلوا، بل هم يتمرغون في الوحل كالخنازير ويلعقون قيأهم كالكلاب، بل وأكثر من هذا فقد اخترعوا لأنفسهم بدعًا للكفر وعدم التقوى.

إذن فلأنهم لم يفهموا حتى ما كُتب في الأمثال: ” الرب أقامني أول طرقه لأجل أعماله”[2]، ولا حتى ما قيل بواسطة الرسول: ” كونه أمينًا للذي أقامه”[3]، لذلك فهم يتجادلون بلا داعٍ قائلين إن ابن الله هو “مصنوع”، و”مخلوق”. وكان يكفيهم استيعاب الأمور وإدراكها مما سبق أن قلناه، ذلك إن لم يكونوا قد فقدوا عقلهم تمامًا. لأن الحق يشهد أن الابن لم يوجد من عدم، وهو لا ينتمي مُطلقًا إلى الأشياء المخلوقة لأنه حيث إن الابن هو إله، فلا يمكن أن يكون مصنوعًا، وليس من الصواب أن يقول أحد عنه إنه مخلوق. فالمخلوقات والمصنوعات وحدها هي التي من المناسب أن يُقال عنها أنها من “العدم” وأنها لم تكن موجودة قبل أن تنشأ.

لكن يبدو أنهم يخشون أن يتخلوا عن أساطيرهم المبتدعة، ولذلك فهم يتعللون على الدوام بالأقوال التي سبق ذكرها من الكتب الإلهية. ورغم أنها صحيحة، إلاّ أنهم يقومون بتحريف معناها. لذلك سوف نشرح مرة أخرى معنى الأقوال التي أوردناها لكي نذكّر بها المؤمنين ونوضح لهم بواسطة كل قول من هذه الأقوال إن هؤلاء لا يعرفون المسيحية على الإطلاق. لأنهم لو كانوا يعرفونها لما أغلقوا على أنفسهم في عدم الإيمان [4] كاليهود المعاصرين [5].

بل كانوا سيسألون فيخبرونهم أنه ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”[6]. وهكذا بمشيئة الآب صار الكلمة نفسه إنسانًا، وهذا ما قاله عنه يوحنا بحق ” أن الكلمة صار جسدًا”[7]. وما قاله بطرس: ” جعله ربًا ومسيحًا”[8]. والرب نفسه يتكلم على لسان سليمان ويقول: ” الرب أقامني أول طرقه لأجل أعماله”[9].

وبولس يقول: ” بهذا المقدار صار أعظم من الملائكة”[10]، وأيضًا: ” أخلى نفسه آخذًا صورة عبد”[11]، ومرة أخرى: ” ومن ثم أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية تأملوا رسول ورئيس كهنة اعترافنا، يسوع، حال كونه أمينًا للذي أقامه”[12]، لأن كل هذه الأقوال لها قوتها الذاتية ولها مضمونها الذي يقود إلى التقوى ويظهر ألوهية الكلمة، وأن ما قيل عنه بحسب بشريته قد قيل بسبب أن الكلمة صار أيضًا ابن الإنسان.

ولكن رغم أن هذه الأمور كافية من تلقاء ذاتها لدحض أي اعتراض، إلاّ أنهم نظرًا لعدم فهمهم لقول الرسول، يعتقدون أن كلمة الله هو واحد من المخلوقات وذلك بسبب ما هو مكتوب ” كونه أمينًا للذي أقامه”. لهذا رأيت أنه من الضروري أن أواصل هذا الكلام كي أخجلهم بمثل كلامي السابق مستمدًا مادة النقاش من أقوالهم نفسها.

كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع

2 ـ فلو لم يكن هو الابن، لأمكن أن يُسمّى “مخلوقًا” وكل ما يُنسب إلى المخلوقات سيُنسب إليه، ولن يُلقب وحده “ابنًا” ولا كلمة ولا “حكمة” ولن يُلقب الله أيضًا “بالآب”، بل فقط “بالخالق” و”البارى” للأشياء “الصائرة” بواسطته. وستكون الخليقة هي صورة وملامح إرادته الخلاّقة. ووفقًا لتعاليمهم فهو ذاته (الآب) لن تكون طبيعته مثمرة. وبذلك لن يكون لجوهره الذاتي أي “كلمة” ولا “حكمة” ولا “صورة” إطلاقًا. فلو لم يكن هو “ابنًا” فلن يكون “صورة”.

ولكن لو لم يكن هناك وجود للابن فكيف يمكن أن تقولوا إذن أن الله خالق؟ فالمخلوقات إنما قد خُلقت قطعًا بواسطة الكلمة و”الحكمة”. وبغير الكلمة لَما كان ممكنًا أن يوجد أي شيء. والآب كما يقولون عنده الكلمة الذي فيه وبواسطته يخلق كل شيء وإلاّ لكان الجوهر ليس خصبًا بل عقيمًا ومجدبًا حسب رأيهم ـ كالنور الذي لا يضيء وكالنبع الجاف، فكيف لا يخجلون عندما يقولون إن الله لديه طاقة خلاّقة؟ وكيف لا يحمّرون خجلاً وهم ينكرون الذي هو بحسب الطبيعة ويريدون أن يجعلوا الذي بحسب المشيئة متقدمًا عليه؟

فإن كانت الأشياء التي معه خارج جوهر الله والتي لم تكن موجودة من قبل ـ قد خلقها عندما شاء أن يجلبها إلى الوجود، وأصبح هو خالقها وصانعها، لكان هو ـ قبل ذلك بكثير ـ أبًا لمولود من جوهره الذاتي. لأنهم إن كانوا ينسبون لله أنه بالمشيئة يُوجِد الأشياء غير الموجودة، فلِما لا يقرون بأن في الله شيء أعلى من المشيئة، ألا وهو الطبيعة الخصبة، وأن يكون أبًا لكلمته الذاتي؟ وعلى ذلك فإن كان الأول الذي هو بحسب الطبيعة لم يكن موجودًا بحسب جنون أولئك، فكيف يمكن أن يوجد الثاني، الذي هو بحسب المشيئة؟ لأن الكلمة هو الأول، والخليقة هي الثانية.

فالكلمة كائن موجود مهما تجاسر الكافرون وتمادوا في أفكارهم، وذلك لأن الخليقة قد صارت إلى الوجود بواسطته. فمن الواضح أنه إن كان الله هو الصانع، فعنده أيضًا كلمته الخلاّق الذي هو ليس من خارجه بل من ذاته هو نفسه، وهذا ما ينبغي أن نكرره كثيرًا، فإن كان الله لديه المشيئة، وكانت المشيئة مبدعة وكافية لإيجاد الأشياء المخلوقة، فإن كلمته أيضًا يكون مبدعًا وخالقًا.

ومما لا شك فيه أن الكلمة ذاته هو مشيئة الآب الحيّة، وقوته الجوهرية، وهو الكلمة الحقيقي الذي به تتكون جميع الأشياء وهو يضبطها جيدًا. ولن يتردد أحد في القول بأن ذلك الذي ينظم، هو سابق على التنظيم نفسه، وعلى الأشياء المنظَمَة. وكما سبق أن قلنا، يكون عمل الله كخالق هو تالٍ لكونه أب. لأن الابن هو خاصته وهو حقًا من ذلك الجوهر الأزلي المُطوّب. أما الأشياء المنظَمَة فقد صارت إلى الوجود من مشيئته الذاتية، من خارجه، وقد خُلقت بواسطة ابنه الذي من ذات جوهره.

 

3 ـ إذن فبما أن الحديث يوضح السخف الشديد للقائلين بأن الرب ليس هو ابن الله بل هو مخلوق، لذلك فمن الضروري أن نعترف نحن بأن الرب هو الابن. وإن كان هو ابن ـ كما هو هكذا بالحقيقة ـ فالابن يجب أن يُعترف به أنه ليس من خارج أبيه بل هو الذي وَلَده. لذا يلزم ـ كما سبق أن قلنا ـ أن يكفوا عن تحوير الأقوال التي يستعملها القديسون بخصوص الكلمة نفسه. لأنهم يستخدمون عبارة “الذي أقامه” بدلاً من “الذي وَلَده”، لأنه لا علاقة لهذه الأمور بالألفاظ طالما أن الابن قد اُعترف به أنه من طبيعة أبيه.

فليست الألفاظ هي التي تقلل من قدر طبيعة الأشياء، بل بالأحرى فإن طبيعة الأشياء هي التي تضفي المعنى على الألفاظ وغيرها. لأن الألفاظ ليست سابقة على جواهر الأشياء بل أن الجواهر هي الأولى والألفاظ تأتى تالية لها. ولذلك فعندما يكون الجوهر “مصنوعًا” أو “مخلوقًا” عندئذٍ فإن الألفاظ: “صنع” و”صار” و”خلق” تُقال عنه بصفة خاصة ويقصد به أنه “مصنوع”.

ولكن حينما يكون الجوهر مولودًا وابنً، عندئذٍ فإن ألفاظ “صنع” و”صار” و”الخلق” لا تُستخدم بحسب مفهومها الحرفي، ولا تعنى أنه “مصنوع”، بل تكون كلمة “صنع” قد استُخدمت بدلاً من “وُلِدَ” بدون تحديد. وفي أحيان كثيرة يلقب الآباء أبناءهم الذين ينجبونهم عبيدًا لهم، دون أن ينكروا أصالة طبيعتهم. وأحيانًا يجاملون عبيدهم ويسمونهم أبناء دون أن يفقدوا حق امتلاكهم منذ البداية.

إلاّ أنهم في الحالة الأولى يسمّون أبناءهم عبيدًا من خلال سلطانهم كآباء، وفي الحالة الثانية يسمّون عبيدهم أبناء بدوافع إنسانية، فسارة كانت تدعو إبراهيم سيدًا[13] رغم أنها لم تكن عبدة له، بل كانت زوجة. وكان الرسول يصف أونسيموس العبد كأخ لفليمون الذي كان “سيدًا”[14]، أما بتشبع فرغم كونها أمًا دعت ابنها عبدًا قائلة “عبدك سليمان”[15].

وكذلك ناثان النبي أيضًا بعد أن وصل قال لداود نفس كلامها بأن “سليمان عبدك”[16]. إنهم لم يبالوا أن يقولوا عن الابن إنه “عبد”، لأن داود الذي سمع هذا القول كان يعرف طبيعة سليمان. وهم أيضًا بقولهم هذا لم يكونوا يجهلون أصالة سليمان. وكانوا يطالبون أن يكون وارثًا لأبيه، رغم أنهم كانوا يلقبونه عبدًا، إذ كان هو ابنًا لداود بالطبيعة.

 

4 ـ لذلك حينما نقرأ هذه الأقوال ونتمعن فيها جيدًا، وعندما نسمع أن سليمان عبد، فلا يجب أن نظن أنه كان عبدًا، بل هو ابن طبيعي وأصيل. وهكذا أيضًا في حالة المخلّص المُعتَرف به حقًا أنه ابن، لكونه هو الكلمة بالطبيعة فعندما يقول القديسون عنه: ” كونه أمينًا للذي أقامه”[17] أو عندما يقول هو نفسه عن ذاته: ” الرب قناني”[18] وأيضًا: ” أنا عبدك وابن أَمتك”[19]. ومثل هذه الأقوال كثير، فإن هذا لا يجب أن يجعل البعض ينكر أصالته من الآب، بل كما حدث في حالة داود وسليمان، هكذا فلنتأمل باستقامة فيما يخص الآب والابن.

فإن كانوا عندما يسمعون أن سليمان عبد يعترفون به ابنًا، أليس من العدل أن يلحقهم الدمار مرات كثيرة لأنهم لا يحفظون للرب نفس اللقب؟! ولكنهم حينما يسمعون الكلمات “ابن”، وكلمة، و”حكمة” يسارعون إلى تحريف وإنكار البنوة الأصلية التي بالطبيعة أعنى ولادة الابن من الآب. وعندما يسمعون كلمات أو أقوالاً تخص ما هو مخلوق ففي الحال يتعجلون الظن أن “الابن” مخلوق بالطبيعة، وينكرون الكلمة رغم أنه في استطاعتهم أن ينسبوا مثل تلك الأقوال كلها إلى بشريته ـ حيث إن الكلمة صار إنسانًا ـ فكيف لا يكون هؤلاء مكروهين لدى الرب.

طالما أنهم هم أنفسهم يقيسون الأمور بمعيارين[20]: بأحدهما يفسرون الأقوال الأولى وبالآخر يجدّفون على الرب؟ بالواحد يفهمون كلمة عبد حسب هواهم، وبالآخر يركزون على كلمة “الصانع”[21] كسند قوى لهرطقتهم. وهذا السند يكون كقصبة محطمة بالنسبة لهم. وذلك لأنهم سيدينون أنفسهم لو عرفوا أسلوب الكتاب. فقد دُعى سليمان “عبدًا” رغم كونه “ابنًا”. كذلك أيضًا ـ ونكرر القول ـ قد يقول الآباء عن أبنائهم الذين أنجبوهم إنهم مخلوقون ومصنوعون وصائرون.

فقد قال حزقيا وهو يصلى: ” لأنه من هذا اليوم سأصنع أبناء يعلنون: يا إله خلاصي”[22]. فهو يقول “سأصنع” في حين أن النبي في نفس السفر وفي سفر الملوك الرابع[23] يقول هكذا: ” وأبناؤك الذين يخرجون منك”[24]، فهو يستعمل كلمة “سأصنع” بدلاً من كلمة “سألد”، ويقول عن المولودين منه إنهم “مصنوعون”، ولكن لا يشك أحد أن هذا اللفظ إنما يخص الميلاد بالطبيعة.

وعندما وَلَدت حواء قايين قالت: ” اقتنيت رجلاً من عند الرب”[25]. إذن فقد قالت “اقتنيت” بدلاً من “وَلدتُ”، لأنها بعد أن رأت الطفل قالت إنها “اقتنت”. ولا يظن أحد أنها بسبب قولها “اقتنيت” أنها اشترت قايين من الخارج، أو أنها لم تلده من بطنها. ويعقوب البطريرك قال ليوسف ” والآن إذن ابناك الولدان اللذان وُلدا لك في مصر قبل مجيئي إليك في مصر هما لي: أفرايم ومنسى”[26]. ويقول الكتاب عن أيوب: ” وصار له سبعة أبناء وثلاث بنات”[27]، مثلما قال موسى أيضًا في الشريعة: ” إن صار لأحد أبناء”، إن ” صنع ولدًا”[28].

كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع

5 ـ هوذا مرة أخرى يُقال عن المولودين أنهم “صائرون” و”مصنوعون”، إذ طالما أننا نعترف أنهم أبناء فالأمر لا يختلف إن قال أحد إنهم قد صاروا سواء قيل “اقتنيت” أم “صنعت” لأن الطبيعة والحق يجعلان المعنى قريبًا منهما. ولهذا فبالنسبة لهؤلاء الذين الذين يتساءلون إن كان الرب مخلوقًا أو “مصنوعًا” فينبغي عليهم أولاً أن يبحثوا إن كان هو “ابنًا”، و”كلمة”، و”حكمة”. لأنه عندما تثبت هذه الأمور، فإن الظن بخصوص “المصنوع” و”المخلوق” سيتوقف ويُطرح خارجًا في الحال.

لأن “المصنوع” لا يمكن أن يكون “ابنًا” و”كلمة”، ولا الابن يمكن أن يكون “مصنوعًا”، فإن كانت الأمور تجرى هكذا فيكون البرهان واضحًا للجميع أن العبارة التي تقول “للذي أقامه”، و”الذي صنعه” لا تخدم هرطقتهم بل بالحرى تدينهم. لأنه قد اتضح أن تعبير “صنع” قد استُخدم في الكتب الإلهية عن الأطفال الأصليين بالطبيعة وهو كلمته وحكمته، فإنه حتى إذا قيل بخصوصه “صنع” أو “صار” فلا يُقال عنه كما لو كان كائنًا مصنوعًا.

إن القديسين استخدموا التعبير بلا تمييز ـ مثلما حدث بالنسبة لسليمان وابنا حزقيا ـ لأنه مع أن هؤلاء الأبناء وُلِدوا من آبائهم أنفسهم، فقد كُتب عنهم: قد “صنعت”، و”خلقت” و”صار”. إذن فإن أعداء الله الذين يتعللون كثيرًا بمثل هذه العبارات هم ملزمون الآن بعد هذا الذي قيل إن يتخلوا عما يتشدقون به من أفكار بتجديفهم، وبهذا يعتقدون ـ بخصوص الرب ـ إنه ابن حقيقي وكلمة الآب وحكمته، وإنه ليس مصنوعًا أو مخلوقًا لأنه إن كان الابن مصنوعًا، فأية علة، وأية حكمة إذن هي التي أوجدته؟

لأن كل المخلوقات قد صارت بواسطة الكلمة والحكمة، كما قد كُتب ” كلها بحكمة صُنعت”[29] وأيضًا ” كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان”[30]. فإن كان هو الكلمة والحكمة الذي به قد صار كل شيء، فينتج من ذلك أنه لا ينتمي إلى الأشياء المصنوعة ولا إلى الأشياء المخلوقة إطلاقًا، ولكنه هو مولود الآب.

 

6 ـ تأملوا إذن إلى أي انحطاط وصل قولهم عن كلمة الله إنه مصنوع. فسليمان يقول في موضع ما في سفر الجامعة: ” لأن الله سيُحضر كل عمل إلى الدينونة بكل خفاياه، إن كان خيرًا أو شرًا”[31]. وهكذا فإن كان الكلمة مصنوعًا أو مخلوقًا، فإنه وفقًا لكلامهم، سيُقدم هو أيضًا كغيره للدينونة. فأين تكون الدينونة إذن، إن كان الدّيان نفسه يُدان؟ ومن هو الذي سيُعطى البركات للأبرار والعقوبات لغير المستحقين، عندما يقف الرب نفسه ـ حسبما تقولون ـ ليُدان مع الجميع. فبأية شريعة سيُدان واضع الشريعة نفسه؟ فإن من خصائص المخلوقات أنها تُدان أي تُثاب أو تُعاقب بواسطة الابن.

إذن، خافوا الدّيان، وافهموا ما سبق أن قاله سليمان. لأنه إن كان الله سيُحضر كل عمل إلى الدينونة، إلاّ أن الابن ليس من بين المُدانين، بل هو بالأحرى الدّيان لكل المخلوقات. أفلا يكون واضحًا أكثر من الشمس أن الابن ليس مخلوقًا بل هو كلمة الآب، والذي به تصير المخلوقات وبه تُدان؟ وإن كانت عبارة: ” كونه أمينًا”[32] تثيرهم من جديد ظانين أن لفظ “الابن” يُقال عنه كما يُقال عن جميع الناس، وأنه، لأجل أمانته، فهو ينتظر أجر أمانته.

إذن حان الوقت ليتهموا موسى من جديد، لأنه قال ” الله أمين وحق”[33]. ويتهموا بولس الذي كتب ” ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون”[34]. فالقديسون عندما يقولون هذا فإنهم لا ينسبون لله خصائص بشرية، بل يعترفون أن كلمة “أمين” في الكتاب المقدس لها معنيان: المعنى الأول أنه “مؤمن”، والآخر أنه “أمين”. فالمعنى الأول يناسب البشر، والثاني يناسب الله. إذن فإبراهيم “مؤمن” لأنه قد آمن بالله، أما الله فهو أمين مثلما يرنم داود: ” أمين هو الرب في كل أقواله”[35].

وهو أمين لأنه من المستحيل أن يكون الرب كاذبًا. وعندما يقول بولس: ” إن كان لمؤمن أو مؤمنة أرامل”[36] فالمرأة هنا تُدعى مؤمنة بسبب استقامتها. وأيضًا ” أمينة هي الكلمة”[37] لأن ما قاله يستوجب الإيمان، لأنه حق، ولا يمكن أن يكون غير ذلك.

إذن فعبارة ” كونه أمينًا للذي أقامه”، لا تدل على أنه يشابه الآخرين ولا تعنى أنه لكونه أمينًا قد صار مقبولاً، بل إذ هو ابن الله الحق فهو أيضًا أمين، ويجب أن يوثق به فيما يقول وفيما يعمل. وهو نفسه ظل ثابتًا دون أن يتغير في تدبير تجسده وحضوره بالجسد.

 

7 ـ هكذا إذن فإن من يواجه وقاحتهم يستطيع حتى من لفظ “صنع” (= أقام) [38] أن يدحض هؤلاء المضللين الذين يحسبون أن كلمة الله مصنوع أو مخلوق. وحيث إن القصد من هذا اللفظ هو قصد مستقيم ـ إذ أنه يوضح الوقت والمناسبة التي قيل فيها ـ فإنه بالضرورة يتضح من هذا اللفظ عدم تبصر الهراطقة لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار وقت كتابته والحاجة إليه، كما سبق أن قلنا، فإن الرسول لم يقل هذه الأقوال لكي يسرد بالتفصيل ماذا كان قبل الخليقة، ولكنه يتحدث عن الوقت الذي فيه: ” صار الكلمة جسدًا”، لأنه كتب هكذا: ” لذا أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية، تأملوا يسوع رسول ورئيس كهنة اعترافنا كونه أمينًا للذي أقامه (صنعه)”[39].

فمتى صار رسولاً إذن؟ ومتى صار رئيس كهنة اعترافنا؟ وبعدما بذل نفسه لأجلنا، متى أقام الجسد من بين الأموات؟ ومتى جاء بهؤلاء الذين يتقدمون إليه بالإيمان ويقدمهم إلى الآب بعد أن يحررهم مكفرًا عنهم جميعًا أمام الله؟[40]. فالرسول حينما قال ” كونه أمينًا للذي أقامه” لم يكن يشير إلى جوهر الكلمة ولا إلى ميلاده الطبيعي من الآب، حاشا، لأن الكلمة هو الذي يصنع وليس المصنوع.

ولكنه قال هذا لأنه أراد أن يُظهر نزوله إلى البشر، ووظيفة رئاسة الكهنوت التي “صارت”. وهو ما يمكن لأي شخص أن يراه بوضوح من التاريخ الذي كُتب عن الشريعة وعن هارون. فإن هارون لم يُولد رئيس كهنة بل وُلد إنسانًا ثم بعد فترة، عندما أراد الله صار رئيس كهنة. وهو لم يصر هكذا ببساطة، ولم يُعرف من ملابسه العادية ولكن عندما ارتدى القميص، والصدرة، وجبة الرداء وهي الثياب التي صنعتها النساء بحسب أمر الله.

وبهذه الثياب كان يدخل إلى الأقداس ويقدم الذبيحة عن الشعب وبها أيضًا كان كوسيط لمعاينة الله ولتقديم ذبائح عن الناس [41]. وهكذا الرب أيضًا، فإنه ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”[42]. وعندما أراد الآب أن تُقدم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة للكل، عندئذٍ فمثلما ارتدى هارون الجبة ـ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض [43]، متخذًا له من مريم أمًا بالجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له ـ كرئيس كهنة ـ شيء يقدمه، فهو يقدم ذاته للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ويقيمنا من بين الأموات.

 

8 ـ وهذا الأمر كانت له ظلال في القديم، فإن ما حققه المخلّص في مجيئه، هو الأمر الذي كان هارون رمزًا له بحسب الناموس. فلقد كان هارون هو هو نفسه، ولم يتغير بارتدائه ثياب الكهنة، بل ظل كما هو، إنما قد ارتدى الثياب فقط. فإن قال شخص ما عندما يراه وهو يقدم القرابين ” ها هوذا هارون قد صار اليوم رئيس كهنة” فلا يعنى بذلك أنه قد صار عندئذٍ إنسانًا، إذ أنه كان إنسانًا حتى قبل أن يصير رئيس كهنة، لكنه صار رئيس كهنة بسبب وظيفته متسربلاً بالثياب المصنوعة والمُجهزة لوظيفة رئاسة الكهنوت.

وبنفس الطريقة من الممكن أن يفكر أحد جيدًا بخصوص الرب أنه لم يصر شخصًا آخر بعد أن اتخذ الجسد، بل ظل هو نفسه كما كان قبل ان يتسربل بالجسد. وإن عبارة “قد صار” و”قد صُنع”، لا ينبغي أن تُفهم كما لو أن الكلمة باعتباره الكلمة قد صُنع بل لكونه الكلمة فهو خالق، وفيما بعد صار رئيس كهنة مرتديًا جسدًا مصنوعًا ومخلوقًا. وهو الذي يستطيع أيضًا أن يقدم تقدمة لأجلنا، لذلك يُطلق عليه أيضًا ” إنه قد صُنِعَ”.

فإن لم يكن السيد قد صار إنسانًا، إذن فليحارب الأريوسيون، أما إن كان ” الكلمة صار جسدًا”[44] فماذا يكون من الواجب أن يُقال عنه وقد صار إنسانًا، إلاّ ” كونه أمينًا للذي أقامه”[45]؟. لأنه كما هو لائق بالنسبة للكلمة أن يُقال عنه ” في البدء كان الكلمة”[46]، فإنه ما يليق بالإنسان هو أن يُولد ويُخلق.

فمن إذن يرى الرب وهو يمشى كإنسان ـ وقد ظهر من أعماله أنه إله[47] ـ ولا يتساءل قائلاً: “من الذي صنع هذا إنسانًا؟” ومَنْ أيضًا لا يجيب على هذا السؤال بأن: “الآب هو الذي صنعه إنسانًا وأرسله إلينا كرئيس كهنة”؟ وما كتبه الرسول نفسه قائلاً: ” كونه أمينًا للذي أقامه (صنعه)” يوضح هذا المعنى ويحدد هذا الوقت، ويشير إلى هذا الشخص. وهذا يتضح أكثر عندما نقرأ ما كتبه الرسول قبل هذه الكلمات. إذ أن تسلسل الفكر الواحد وما جاء في هذا الفصل من الرسالة يشير إلى نفس الموضوع.

فهو يكتب في رسالته إلى العبرانيين ما يلي: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو نفسه أيضًا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل أيام حياتهم تحت العبودية. لأنه حقًا ليس يمسك الملائكة، بل يمسك نسل إبراهيم. ومن ثم كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء، لكي يكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا فيما لله. حتى يكفر عن خطايا الشعب.

لأنه فيما هو قد تألم مجربًا يقدر أن يعين المجربين”[48]. وأيضًا ” من ثَمّ أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية، تأملوا يسوع رسول ورئيس كهنة اعترافنا كونه أمينًا للذي أقامه”[49].

 

9 ـ فمن الذي يقرأ كل هذه الفقرة ولا يدين الأريوسيين، ولا يُبدى إعجابه بالرسول المُطوّب لأنه قد تكلم بالصواب. لأنه متى “صُنِعَ”، ومتى “صار” المسيح رسولاً إلاّ عندما اشترك هو نفسه ” في اللحم والدم” بطريقة مماثلة لنا؟ ومتى صار ” رئيس كهنة أو رحيمًا وأمينًا”، إلاّ عندما صار “مشابهًا لأخوته في كل شيء”؟ ولقد حدثت المشابهة عندما صار إنسانًا لابسًا جسدنا نحن.

ولذلك فعندما يقول بولس ” كونه أمينًا للذي أقامه” فإنه يتحدث عن تدبير تجسد الكلمة وليس بخصوص جوهر الكلمة. إذن فلا يجب أن تنخدعوا وتقولوا إن كلمة الله مصنوع، لأنه بحسب الطبيعة هو ابن وحيد الجنس، ثم صار له “اخوه” عندما ارتدى جسدًا شبيهًا بنا، والذي به بذل ذاته بذاته وحده وسُمّى “رئيس كهنة”، ودعي رحيمًا وأمينًا. فمن ناحية هو “رحيم” لأنه بذل نفسه عنا[50]، ومن ناحية أخرى هو “أمين” ليس لأنه مشارك لنا في الإيمان، وليس لأنه يؤمن بشخص ما مثلنا، بل لأنه هو الذي يجب أن نؤمن به في كل ما يقوله وما يفعله.

ولأنه قَدَّم ذبيحة أمينة أبدية وليست زائلة. لأن الذبائح المقدمة بحسب الشريعة ليست أمينة، إذ أنها تُقدم كل يوم. وهي أيضًا تحتاج إلى تطهير، أما ذبيحة المخلّص فقد كانت مرة واحدة وأَكَملتْ (خلاص) الكلّ وظَلّت أمينة لأنها باقية على الدوام.

ولقد كان لهرون خلفاء، وعمومًا فإن رجال الكهنوت بحسب الشريعة يحلّون محلّ سابقيهم بمرور الوقت أو بسبب الموت. أما الرب فله ” كهنوت ثابت لا يزول”[51]. لقد صار رئيس كهنة أمينًا باقيًا إلى الأبد، وقد صار أمينًا حسب الوعد لكي يستجيب لأولئك الذين يقتربون إليه ولا يخدعهم. هذا ما يمكن أن نتعلمه من رسالة بطرس العظيم الذي يقول: ” إذن فالذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين”[52]، لأنه هو أمين وغير متغير، بل هو ثابت إلى الأبد. وهو يهب تلك الأشياء التي وعد بها.

 

10 ـ ومن ناحية أخرى فإن تلك التي تُدعى آلهة عند اليونانيين دون أن تستحق هذا اللقب، هي ليست أمينة لا بحسب كيانها ولا بحسب وعودها إذ أنها ليست هي بعينها في كل مكان، بل هي آلهة محلية قد أفسدها الزمن واضمحلت من تلقاء ذاتها[53]، لذا يصرخ الكلمة ضدهم: إن الإيمان ليس قويًا فيهم بل هم ” مياه خادعة ” وأنه ” لا إيمان فيهم”، أما إله الجميع إذ هو واحد في الواقع وبالحقيقة فهو إله حق وآمين وثابت إلى الأبد.

وهو يقول: ” انظروا إلىَّ فترون إني أنا هو هو”[54]، و” إني ما تغيرت”[55]. ولهذا السبب فإن ابنه أمين وهو على الدوام غير متغير وغير مخادع لا في كيانه ولا في وعده. وكما كتب الرسول إلى أهل تسالونيكي قائلاً: ” أمين هو الذي يدعوكم الذي سيفعل أيضًا”[56]. لأنه إذ يعمل ما وعد به فهو أمين في أقواله. ولهذا يكتب عن معنى اللفظ الذي يفيد عدم التغير ” إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينًا لا يقدر أن ينكر نفسه”[57].

والرسول إذ يتحدث عن الحضور الجسدي للكلمة يقول: ” كونه رسولاً وأمينًا للذي أقامه”[58]، مبينًا أنه حتى بعد أن صار إنسانًا فإن يسوع المسيح ” هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد”[59]، أي لا يتغير. ومثلما أشار الرسول بواسطة رئاسة كهنوته إلى تأنس الرب عندما كتب في رسالته، فإنه لم يسكت طويلاً عن الحديث عن ألوهيته بل أشار إليها مباشرة، لكي يكون هناك أمان من كل ناحية وخاصة حينما يتحدث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب.

ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول “أمينًا في بيته” أما الثاني فكان “على بيته”[60] لأنه هو الذي أقامه وشيّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قد قدسه.

ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق في مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيّد وسط ما خُلق بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدت بالكلمة وخُلقت به هي عبدة له.

وبهذا يتضح أن ما قاله الرسول: ” للذي أقامه (صنعه)” لا يثبت أن الكلمة مصنوع، وإنما المصنوع هو الجسد المماثل لنا، الذي اتخذه، وبالتالي إذ قد صار إنسانًا فقد دُعى أخًا لنا.

 

11 ـ فإن كان قد اتضح أنه حتى عندما يستعمل لفظ “صُنِعَ” منسوبًا إلى الكلمة نفسه، فإنه يستعمله بمعنى “وُلِدً”، فأية حيلة خبيثة سيتمكنون من تلفيقها زورًا في سبيل تحقيق غرضهم، في حين أن حديثنا قد ألقى الضوء على هذا اللفظ من كل ناحية، فقد اتضح أن الابن ليس مصنوعًا بل هو ـ بحسب الجوهر ـ مولود الآب، بينما بحسب تدبير التجسد ومسرة الآب الصالحة فإنه من أجلنا صُنِعَ وتشكّل كإنسان.

ولذلك قيل بواسطة الرسول: ” كونه أمينًا للذي صنعه” وفي سفر الأمثال ” قناني”[61] لأنه مادمنا نعترف أنه قد صار إنسانًا، فلا يوجد ما يمنع أن يُقال عنه كما سبق أن قيل إنه: “قد صار”، أو “قد صُنع”، أو “قد خُلق”، أو “تشكّل” أو “إنه عبد” أو “ابن أمه” أو “ابن الإنسان”، أو إنه “تكوَّن” أو “رجل” أو إنه “عريس” أو “أخ”، لأن كل هذه الألفاظ إنما هي الخصائص المعروفة عن البشر، وهي لا تتحدث عن جوهر الكلمة بل عن صيرورته إنسانًا.

 

[1] كان أسلوب المجادلات والرد بالأدلة والبراهين هو الأسلوب المتبع بين الفلاسفة. أنظر كتاب “تجسد الكلمة” للقديس أثناسيوس الرسولي، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية، أغسطس 2003، فصل25، وفصل 50، وأيضًا هذا الأسلوب استخدمه الهراطقة، انظر ” ضد الأريوسيين” ترجمة أ. صموئيل كامل ود. نصحى عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء، الطبعة الثالثة 2002، 6:1، 10:3 وهنا يرد القديس أثناسيوس بنفس الأسلوب لإقناعهم.

[2] أم22:8.

[3] عب2:3.

[4] انظر رو32:11.

[5] يستعمل القديس أثناسيوس عبارة “اليهود المعاصرين” ليعبّر بها عن الآريوسيين، انظر المقالة الأولى، المرجع السابق، فقرة 8 ص38، وفقرة 10 ص 24.

[6] يو1:1.

[7] يو14:1.

[8] أع36:2.

[9] أم22:8.

[10] عب4:1.

[11] في7:2.

[12] عب2:3و2.

[13] 1بط6:3.

[14] فليمون16.

[15] 1مل16:1و19.

[16] 1مل26:1.

[17] عب2:3.

[18] انظر أم22:8.

[19] مز16:116.

[20] انظر أم23:20.

[21] يقول الآريوسيون عن المسيح إنه “مصنوع”.

[22] إش19:38و20 (سبعينية).

[23] وهو سفر الملوك الثانى في ترجمة دار الكتاب المقدس.

[24] 2مل18:20.

[25] تك1:4.

[26] تك5:48.

[27] أيوب2:1.

[28] انظر خر4:21 (س).

[29] مز24:104.

[30] يو3:1.

[31] جا14:12.

[32] عب2:3.

[33] انظر تث4:32.

[34] 1كو13:10.

[35] مز3:144 (سبعينية).

[36] 1تى16:5.

[37] تى8:3.

[38] انظر عب2:3.

[39] عب1:3، 2.

[40] انظر عب17:2.

[41] انظر خر28و29.

[42] يو1:1.

[43] كثيرًا ما يكرر القديس أثناسيوس هذه العبارة في كتاباته. انظر على سبيل المثال كتاب “تجسد الكلمة”، المرجع السابق، فصل 2:8.

[44] يو14:1.

[45] عب2:3.

[46] يو1:1.

[47] يشرح القديس أثناسيوس هذه الحقيقة فى الفصول 18 ـ 19 من كتابه “تجسد الكلمة” المرجع السابق ص51 ـ 55.

[48] عب14:2ـ18.

[49] عب1:3و2.

[50] يذكر القديس أثناسيوس أن السيد المسيح قد قدم نفسه عنا ذبيحة خالية من كل عيب ببذله لجسده كتقدمة مناسبة لهذا رفع حكم الموت فورًا عن نظرائه البشر، انظر كتاب “تجسد الكلمة”، المرجع السابق، فصل1:9.

[51] انظر عب47:7.

[52] 1بط19:4.

[53] انظر كتاب “تجسد الكلمة”، المرجع السابق فصل 45 حيث يوضح القديس أثناسيوس أن تجسد الكلمة أبطل أعمال الآلهة الكذبة أضلت الإنسان.

[54] تث39:32.

[55] ملا6:3.

[56] 1تس24:5.

[57] 2تى13:2.

[58] انظر عب1:3و2.

[59] عب8:13.

[60] انظر عب5:3و6.

[61] أم22:8.

كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع

Exit mobile version