ما هو المانع الذي منع كتبة الأناجيل أن يعبروا بلفظ “الله الابن” كما عبروا بلفظ “الله الآب”؟ (18)
https://youtu.be/iaslqSHbKKM
أولا: فساد منطق السؤال
منطق السؤال يفترض عدم وجود عقيدة “ألوهية الابن” طالما لا توجد عبارة “الله الابن”. وهذا منطق فاسد يدل على قلة دراية صاحبه. لماذا؟ لأنه يمكن لأي انسان أن يختار ألفاظا معينة ويسأل عنها ذات الأسئلة، فمثلا:
أين قال إله القرآن “أنا الله” لمحمد؟ لا يوجد، فهل يعني هذا أن إلهكم ليس هو الله لأنه لم يقل لمحمد “أنا الله” حرفيا؟ ما هو المانع الذي منع إلهكم من كتابة هذه العبارة نصا؟
أين قال إله القرآن “المسيح لم يصلب”؟ لا يوجد، فهل يعني هذا أن القرآن لا ينف صلب المسيح وقتله وفقًا لعقيدتكم، بسبب أنه لم يقل هذه العبارة حرفيا؟ ما هو المانع الذي منع إلهكم من كتابة هذه العبارة نصا؟
أين ذكر -مجرد ذكر- القرآن الآب والابن والروح القدس، الثالوث المسيحي؟ لا يوجد، فهل يعني هذا أن القرآن يوافق على الثالوث المسيحي (الآب والابن والروح القدس)؟ ما هو المانع الذي منع إلهكم من كتابة هذه العبارة نصا؟
أين ذُكر عدد الركعات وطريقة أداة الصلاة الإسلامية في القرآن؟ لا يوجد، فهل هذا يعني أن القرآن لا يدعو للصلاة بهذه الطريقة بالتحديد؟
ما هو المانع الذي منع كاتب القرآن من كتابة “الإسلام دين توحيد”؟ أو كلمة “توحيد”؟ وهل يعني هذا أن كاتب القرآن لا يؤمن أن الإسلام دين توحيد؟
وهكذا فإن السؤال عن عدم ورود أي عبارة حرفيا، هو أمرٌ لا قيمة له إذ أن كل كاتب له الحق في الكتابة ما شاء بالطريقة التي يراها مناسبة طالما سيقدم ما يريد تقديمه بطريقة أو بأخرى
ثانيًا: هل المسلم يؤمن بما ورد عن المسيح فعلا، لكي يسأل عن عبارات يراها لم ترِد عن المسيح؟
بالطبع لا، فالمسلم لا يؤمن بما ورد عن المسيح في الكتاب المقدس حرفيا. فمثلا، ورد عن المسيح أنه “رب لمجد الله الآب” (فيلبي 2: 11) وورد عنه أن “مهما عمل الآب فهذا يعمله الابن كذلك” (يوحنا 5: 19)، وورد عن الابن أن به وله خُلق كل شيء حتى المسلم نفسه مخلوق من المسيح (يوحنا 1: 3؛ 1كو 8: 6؛ كولوسي 1: 16؛ عبرانيين 1: 2) وورد عن المسيح أن له “كل ملء اللاهوت” (كولوسي 2: 9) وورد عنه أنه الابن الوحيد لله (يوحنا 3: 18) وقال عن نفسه أنه “رب السبت” (متى 12: 8)، وأنه “الله” (عبرانيين 1: 8؛ يوحنا 20: 28؛ أعمال الرسل 20: 28؛ رومية 9: 5؛ 1يوحنا 5: 20؛ تيطس 2: 13؛ 2بطرس 1: 1 إلخ.
فإن كان المسلم لا يؤمن أصلا بما جاء حرفيًا عن المسيح في العهد الجديد، فما قيمة وجود عبارة “الله الابن”؟ لا يوجد، فالمسلم لن يؤمن بها هي أيضًا، فما قيمة السؤال؟
وهنا نسأل سؤالا عكسيًا ونقول: ما هو المانع الذي منع كتبة العهد الجديد أن يقولوا عن الآب أن فيه “يحل كل ملء اللاهوت”؟ وهل يعني هذا أن الآب ليس له لاهوت فيه لأن النص لم يقل هذا إلا عن الإبن؟
هذا قياسًا على الفهم الخاطيء لميمو.
ثالثًا: عقيدة لاهوت الابن، موجودة حرفيا في العهد الجديد
حتى إن كتبة العهد الجديد ينسبون له اسم يهوه وأفعال يهوه، فمثلًا:
رسالة يهوذا 5:
فأريد أن أذكركم، ولو علمتم هذا مرة، أن الرب بعدما خلص الشعب من أرض مصر، أهلك أيضا الذين لم يؤمنوا.
ونضيف للرسل السابقين، رسولًا آخرًا، وهو يهوذا أخا يعقوب، فبمجرد قراءة هذا النص لن يلحظ المسيحي دليلاً لألوهية المسيح، وإن سألنا غير المسيحي وقلنا له، من المقصود بكلمة “الرب” الذي يقول عنه النص أنه خلص شعب بني إسرائيل قديما من أرض مصر؟ سيقول سريعًا بغير تردد، أنه يهوه إله العهد القديم.
فنسأله: وكيف عرفت أنه يهوه؟ سيقول لنا أنه هو الذي تذكره نصوص العهد القديم الخاصة بقصة خروج شعب بني إسرائيل من مصر، فنقول له بالصواب أجبت.
وهنا نقدم لك المفاجئة، وهي أن كلمة “الرب” هنا في أقدم وأصح وأفضل المخطوطات والترجمات وأقوال الآباء هي “يسوع”!
نعم، فالنص في أصله يقول إن يسوع هو من أخرج الشعب من أرض مصر! نعم، النصوص في العهد القديم تقول إن يهوه هو من فعل هذا، والنصوص في العهد الجديد تقول إن يسوع هو نفسه يهوه إله العهد القديم -باعتباره أقنوم الابن- وهو الذي خلص الشعب من أرض مصر، كما رأينا في الآيات السابقة للآباء الرسل، وكما سنرى أيضًا في النصوص التالية
مثل النص السابق تمامًا، وتأكيدًا أن المسيح هو يهوه إله العهد القديم، وأن هذه هي عقيدة كتبة العهد الجديد، أن يسوع هو إله العهد القديم باعتباره الابن، فهنا أيضًا نجد أن بولس الرسول يحكي لنا عن حدث من أحداث خروج شعب بني اسرائيل وتيه الشعب العبراني في الصحراء وحاجتهم للماء، ويقول إن الماء الروحي الذي كانوا يشربوه، شربوه لأن الصخرة الروحية التي هي في حقيقة الأمر “المسيح” الذي كان يتابعهم في سيرهم. وأن هذا الشعب العبراني في العهد القديم قد جرب المسيح، فيهوه إله العهد القديم المذكور طولا وعرضًا في هذه القصة في كل تفاصيلها، كان المسيح كما قال الرسل أجمعين الذين ذكرنا كلامهم.
كولوسي 10: 9
ولا نجرب المسيح كما جرب أيضا أناس منهم فأهلكتهم الحيات.
يكمل الرسول بولس كلامه، ليؤكد مفهومه أن المسيح هو يهوه، فيشير إلى تجربة شعب العبرانيين ليهوه الذين جربوه طوال فترة خروجهم من مصر وبعدها، ويوصي أهل كورنثوس ألا يجربوا المسيح كما جربه شعب العبرانيين قديما فأهلكتهم الحيات. فنجد القصة في سفر العدد والأصحاح الحادي والعشرين:
Num 21:5-6 وتكلم الشعب على الله وعلى موسى قائلين: «لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية! لأنه لا خبز ولا ماء وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف». 6 فأرسل الرب على الشعب الحيات المحرقة فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل.
وبعيدا عن هذه الأوصاف الإلهية، مثل تأسيس الأرض، وأن السموات هي عمل يديه، وأنه سيبقى وكل شيء يفنى، فهذه الأوصاف وحدها تشير إلى أن الموصوف بها هو الله لا محالة، والقديس بولس الرسول ينسبها للمسيح (وأما عن الإبن) فعندما أراد القديس بولس مقارنة من هو المسيح بالنسبة للملائكة، ذكر هذا القول، وكثير لا ينتبه له كما يجب، فهذا القول ما هو إلا اقتباس من العهد القديم، من مزمور 102: 25 – 27. حيث يقول النص العربي:
من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك. 26 هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير. 27 وأنت هو وسنوك لن تنتهي. (مزمور 102: 25-27)
والكلام هنا حرفيا عن يهوه، نعم، فالقديس بولس الرسول ينسب للمسيح حرفيا ما قيل أصلاً في حق يهوه إله العهد القديم
Heb 11:24 بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، 25 مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، 26 حاسبا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة.
هنا نجد أيضًا صدى للعقيدة الراسخة المترسخة في أذهان وقلوب كل الرسل، ألا وهي أن يسوع هو يهوه حرفيًا. فنجد هنا أن بولس الرسول ينسب لموسى النبي أنه لما كبر شاء أن يذل مع شعب يهوه على أن يتنعم في قصر فرعون، وفضَّلَ عار المسيح على غنى خزائن مصر، فهل كان المسيح موجودا لكي يُفَضل موسى عاره على كنوز وخزائن مصر؟ نعم، إنه سرمدي بلا بداية وبلا نهاية، لأنه هو يهوه الذي فضل موسى ان يذل مع شعبه حتى أخرجه من مصر.
أعمال الرسل 2: 25 – 28
لأن داود يقول فيه: كنت أرى الرب أمامي في كل حين أنه عن يميني لكي لا أتزعزع. 26 لذلك سر قلبي وتهلل لساني. حتى جسدي أيضا سيسكن على رجاء. 27 لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادا. 28 عرفتني سبل الحياة وستملأني سرورا مع وجهك. (أعمال الرسل 2: 25 – 28)
هنا نجد القديس بطرس، يقول إن داود النبي قال هذا الكلام “فيه” أي قاله “في المسيح”، ثم نجد ان داود النبي يتحدث عن يهوه، فهل المسيح هو يهوه؟ نعم، هذه هي العقيدة المستقرة لدى كتبة العهد الجديد. ملحوظة: كلمة “الرب” الموجودة في النص العربي هنا هي الترجمة لكلمة “يهوه” في النص العبري للعهد القديم.
فهذا النص فيه دليلين حرفيين صريحين على أن بطرس بنفسه يؤمن بألوهية المسيح المطلقة:
فالدليل الأول الذي يمكن أن يلاحظه أي شخص تقريبًا هو أن بطرس الرسول ينسب للمسيح وجودًا سابقًا على ميلاده بالجسد، فالمسيح موجود منذ الأزل وإلى الأبد.
أما الدليل الثاني فهو دليل لغوي، فكلمة “الرب” الموجودة في (أعمال الرسل 2: 25) هي في أصلها العبري هي “يهوه יהוה” وهو الاسم الخاص بالإله في العهد القديم، حيث جاء النص في سفر المزامير 16: 8-11:
فهاتين الدلالتين، أي دلالة الوجود قبل الميلاد الجسدي للمسيح ودلالة الاسم تدلان بشكل حرفي صريح على استقرار عقيدة لاهوت المسيح في العقل الباطن لبطرس، فهو لا يحتاج أن يشرح لهم كيف أن يسوع هو يهوه، بل يقولها في معرض كلامه عرضًا وهذا لا يحدث إلا إن كان المتكلم مستقر عنده هذه العقيدة جدا، تماما كما يتكلم أي إنسان بلهجته الأم، فهو لا يفكر كثيرا في مخارج الحروف ولا النطق، بل يتكلم فقط.
فها هو العهد الجديد لا ينسب الألوهية للمسيح وحسب، بل يقول ولأكثر من مرة أن المسيح هو يهوه إله العهد القديم. فهل سيؤمن ميمو بكل هذه الألقاب والأوصاف عن المسيح أم أن للهروب رأي آخر؟
فإن كان مذكورٌ عن المسيح أنه “الابن” الوحيد، ومذكور عنه حرفيًا أنه الله وأنه يهوه وأن له كل ملء اللاهوت، فما مشكلة ميمو من دمج الكلمتين معا: الله + الابن = الله الابن!؟
أما عن “الله الروح القدس” فالنص في قصة حنانيا وسفيرة، يقول صراحة بهذا اللفظ، ولنضع النصوص لكل عاقل:
المسيح هو الله حرفيا – ألوهية المسيح حرفياً في العهد الجديد
المسيح هو الله حرفيا – ألوهية المسيح حرفياً في العهد الجديد
هل دُعيَّ الرَّبَ يسوع حرفيّاً في العهد الجديد أنه الله ؟! ألوهية المسيح حرفياً في العهد الجديد
سلام ملك السلام ، في هذه المقالة سوف نطرح فكرة ساذجة جداً لميمو ، وهي أن إله العهد القديم هو يهوه، ويهوه في العهد القديم قد أعلن عن نفسه، وأعلن الكتاب المقدس أنه هو الإله، فما كان من ميمو إلا أنه إستخدم خاصية البحث في الكتاب المقدس عن عبارة “أنا الله” في العهد القديم، ثم أتى ببضع نصوص يقول فيها الكتاب المقدس “أنا الله”، ومن هنا خَلُص ميمو إلى أن إله العهد القديم قد أعلن عن نفسه أنه هو الله، ثم بعد هذا قال أن النصارى يقولون أن إله العهد القديم هو إله العهد الجديد وهو الثالوث، ثم بدأ بفصل كل أقنوم ليبحث عن نصوص تعلن ألوهيته، وهذا كله لكي يقول أن الله في العهد القديم أعلن الكتاب عنه أنه الله، وهكذا أيضاً، الآب، فقد أعلن عنه أيضاً الكتاب أنه الله، لكن بخصوص الإبن والروح القدس، فلم يعلن عنهما الكتاب أنهما الله! وسنتحدث عن هذا في النقاط التالية، لكن ما أود الإشارة إليه هنا هو أن أوضح أن إله العهد القديم أعلن كثيراً أنه الله لأنه كان بصدد تأسيس أُمّة وشعب خاص له من بين الشعوب الوثنية الباقية، وهذا الشعب بدأه من إبراهيم ثم إسحق ثم يعقوب ثم الأسباط… إلخ، وهذا الأمر من الأمور شديدة الوضوح في الكتاب المقدس، ويلاحظها كل قارئ في سفر التكوين في ظهورات الله للآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب، فميمو يتخيل أن الله لديه عقدة نقص، أو أن الله إله يحب أن يتباهى أمام من خلقهم بأنه الله، ولهذا يجب ان يقول دائماً وكثيراً: أنا الله، أنا الله، أنا الله!! وكأن الله طفلاً صغيراً حاشاه من كل هذا!، فالإله يعلن عن نفسه لسبب، وليس لكي يتباهى بنفسه! ولكن، بنفس منطق ميمو السقيم، فلو فرقنا الثالوث وجزأناه إلى ثلاثة كيانات مختلفة، فأيضاً لن نجد أي أقنوم منهم قال عن نفسه “أنا الله”، ولا ذُكرت أصلاً في العهد الجديد هذه اللفظة بهذا التركيب! فعلى مبدأ ميمو، يكون العهد الجديد لم يعلن عن الله، هذا إذا كانت هذه هي الصيغة الوحيدة المقبولة لدى ميمو!
الخطأ الثاني لميمو في هذه المحاضرة، أنه بدأ بتقسيم الأقانيم، فهذا الآب وهذا الإبن وهذا الروح القدس، ثم بدأ بالبحث بشكل منفصل عن ألوهية كل منهم، فبدأ بالبحث مثلاً عن لفظ “الله الآب” ثم قال أنه موجود 14 مرة في العهد الجديد، ثم قال أنه لا يوجد ولا مرة “الله الإبن” أو “الله الروح القدس”، وهذا من الجهل الشديد، لماذا؟ لأنه بمجرد أن يعلن الكتاب المقدس أن الآب هو الله، فقد أعلن تلقائياً أن الإبن والروح القدس هو الله أيضاً، فالإبن والروح القدس لا ينفصلان عن الآب، فهو آب للإبن وباثق للروح القدس على الدوام، كما أن الإبن في الآب والآب في الإبن، ليس هذا فحسب، بل أن إعلان ألوهية أي أقنوم من الثلاثة، هو إعلان لألوهية الثلاثة أقانيم، لأن الأقانيم من ذات الجوهر الإلهي الواحد، فليس الغرض تأليه أقنوم دون الآخر، بل الغرض إعلان ألوهية طبيعة أقنوم، والتي هي نفسها طبيعة الأقنومين الآخرين، فالآب دائماً وأزلاً وأبداً والد للإبن بلا فارق زمني، والآب دائماً وأزلاً وأبداً باثق للروح القدس، فالإبن والروح القدس ليسا خارجين عن ذات الإله الواحد، بل في وحدة معه في الطبيعة الإلهية.
ثم، من قال أن الإبن لم يعلن عنه صراحة أنه “الله”؟ هذا من جهل ميمو!، فمثلاً في يوحنا 1: 18، يقرأ النص النقدي ” الإله الوحيد الذي هو في حضن الآب” بدلا من “الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب”، حيث جاء النص اليوناني النقدي μονογενὴς θεὸς، والتي تترجم إلى “الإله الوحيد”، أو “الله الإبن الوحيد” أو “الله المولود الوحيد” حيث قد إعتمدتها UBS4 و UBS5 وNA27 و NA28، فإن كان الإبن هو الإله الوحيد وذُكر عنه أنه “الله” صراحة، فكيف يقول ميمو ما قال؟، هذا بالإضافة إلى أعمال الرسل 20: 28، والتي قيل فيها “لترعوا كنيسة الله التي إقتناها بدمه”، فمع أن الله روح، وليس جسد، وهو بالطبع ليس له دم بحسب طبيعته اللاهوتية الروحية، إلا أن المقصود هو الله الإبن بحسب جسده، ومع ذلك قال عنه النص صراحة “الله”، ليس هذا فحسب، بل أيضاً في رسالة يهوذا 5، فحسب النص النقدي لـ UBS5 و NA28، وحسب أدق وأقدم وأفضل الشواهد النصية فإن النص يقرأ “ان يسوع بعدما خلّص الشعب من ارض مصر اهلك ايضا الذين لم يؤمنوا” بدلا من “ان الرب بعدما خلّص الشعب من ارض مصر اهلك ايضا الذين لم يؤمنوا”، فمع أن يسوع هو إسم للإله المتجسد، إلا أنه، كما قلنا سابقاً، بسبب الإتحاد الفائق الوصف بين الطبيعتين، فيتم إستخدام لقب “إبن الله” الذي يدل حسب الظاهر على اللاهوت في الإشارة للأمور الناسوتية، ولقب “إبن الإنسان” الذي يدل حسب الظاهر على الناسوت، في الإشارة للأمور اللاهوتية، وهنا أيضاً، يقول النص “يسوع” والمقصود في النص هو زمن العهد القديم، أي المقصود هو إله العهد القديم، يهوه، أي أن يسوع هو يهوه، وبسبب الإتحاد الفائق قال النص “يسوع” ولم يقل “الإبن” ليؤكد على إتحاد الطبيعتين، وأيضاً ذات الفكرة نجدها في نصوص أخرى في العهد الجديد، ففي رسالة كورنثوس 10: 4، 5، 9 “4 وجميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا. لانهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح5 لكن باكثرهم لم يسرّ الله لانهم طرحوا في القفر … 9 ولا نجرب المسيح كما جرب ايضا اناس منهم فاهلكتهم الحيّات” (راجع: العدد 21: 5؛ الخروج 17: 2، 5؛ المزامير 78: 18)، فالنص يقول صراحة بأن الصخرة كانت المسيح، وهذا النص يتكلم عن قصة خروج بني إسرائيل من أرض مصر، ويقول أيضاً، أن “الله” لم يسر بهم، وأنهم جربوا المسيح، ويقول أننا لا نجرب المسيح كما جرب أيضاً أناس منهم، فكيف كان المسيح هو إله العهد القديم (يهوه)؟ وكيف جربوا المسيح هؤلاء الذين كانوا في العهد القديم؟ وكيف يقول العهد الجديد عليه أنه “الله”؟
كل هذه الأسئلة جوابها سهل وبسيط، فعن طريق الإتحاد الفائق بين الطبيعتين، فالوصف جاء للإله المتجسد بحسب لاهوته أنه هو ذات اللاهوت الذي كان في العهد القديم، وبالطبع نحن لا نسقط في الخطأ الفادح الطفولي الذي سقط فيه ميمو، فلا نقصد أن نقول أن هذا يخص الله الإبن دون الله الآب والروح القدس، كأننا نفصلهم، بل بسبب وحدة الطبيعة، الجوهر، فإن إله العهد القديم هو إله العهد الجديد، الثالوث كطبيعة، وأيضاً في الرسالة إلى العبرانيين 11: 26 يقول النص عن موسى النبي “حاسبا عار المسيح غنى اعظم من خزائن مصر لانه كان ينظر الى المجازاة”، والسؤال هنا، كيف يحسب موسى عار المسيح غنى، مع ان موسى قبل المسيح بحسب الجسد؟ هذا بالطبع يدل على وجود لاهوت المسيح قبل موسى وقبل كل ما كان، لأن به “كان” كل شيء، فهذا كله يوضح أن العهد الجديد يعلن بنصوص صريحة أن المسيح هو يهوه، الرب، الله، وكائن قبل كل شيء، فكيف يقول ميمو أن العهد الجديد لم يعلن ألوهية المسيح؟ ألم تتأكدوا إلى الآن من جهله؟
المسيح هو الله حرفيا – ألوهية المسيح حرفياً في العهد الجديد
كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع
كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع
كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع
1 ـ كنت أحسب أن أولئك المنافقين، مجانين الأريوسية، سيقنعون بالأدلة السابقة، والتي سبق أن سقتها ضدهم [1]. وأنهم سيكتفون بالبراهين المتعلقة بالحقيقة، وأنهم عندئذٍ سيكفّون عن الحديث ويندمون عن كل فكر رديء أو كلام شرير تحدثوا به عن المخلّص. إلاّ إنني لا أدرى كيف أنهم لم يخجلوا، بل هم يتمرغون في الوحل كالخنازير ويلعقون قيأهم كالكلاب، بل وأكثر من هذا فقد اخترعوا لأنفسهم بدعًا للكفر وعدم التقوى.
إذن فلأنهم لم يفهموا حتى ما كُتب في الأمثال: ” الرب أقامني أول طرقه لأجل أعماله”[2]، ولا حتى ما قيل بواسطة الرسول: ” كونه أمينًا للذي أقامه”[3]، لذلك فهم يتجادلون بلا داعٍ قائلين إن ابن الله هو “مصنوع”، و”مخلوق”. وكان يكفيهم استيعاب الأمور وإدراكها مما سبق أن قلناه، ذلك إن لم يكونوا قد فقدوا عقلهم تمامًا. لأن الحق يشهد أن الابن لم يوجد من عدم، وهو لا ينتمي مُطلقًا إلى الأشياء المخلوقة لأنه حيث إن الابن هو إله، فلا يمكن أن يكون مصنوعًا، وليس من الصواب أن يقول أحد عنه إنه مخلوق. فالمخلوقات والمصنوعات وحدها هي التي من المناسب أن يُقال عنها أنها من “العدم” وأنها لم تكن موجودة قبل أن تنشأ.
لكن يبدو أنهم يخشون أن يتخلوا عن أساطيرهم المبتدعة، ولذلك فهم يتعللون على الدوام بالأقوال التي سبق ذكرها من الكتب الإلهية. ورغم أنها صحيحة، إلاّ أنهم يقومون بتحريف معناها. لذلك سوف نشرح مرة أخرى معنى الأقوال التي أوردناها لكي نذكّر بها المؤمنين ونوضح لهم بواسطة كل قول من هذه الأقوال إن هؤلاء لا يعرفون المسيحية على الإطلاق. لأنهم لو كانوا يعرفونها لما أغلقوا على أنفسهم في عدم الإيمان [4] كاليهود المعاصرين [5].
بل كانوا سيسألون فيخبرونهم أنه ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”[6]. وهكذا بمشيئة الآب صار الكلمة نفسه إنسانًا، وهذا ما قاله عنه يوحنا بحق ” أن الكلمة صار جسدًا”[7]. وما قاله بطرس: ” جعله ربًا ومسيحًا”[8]. والرب نفسه يتكلم على لسان سليمان ويقول: ” الرب أقامني أول طرقه لأجل أعماله”[9].
وبولس يقول: ” بهذا المقدار صار أعظم من الملائكة”[10]، وأيضًا: ” أخلى نفسه آخذًا صورة عبد”[11]، ومرة أخرى: ” ومن ثم أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية تأملوا رسول ورئيس كهنة اعترافنا، يسوع، حال كونه أمينًا للذي أقامه”[12]، لأن كل هذه الأقوال لها قوتها الذاتية ولها مضمونها الذي يقود إلى التقوى ويظهر ألوهية الكلمة، وأن ما قيل عنه بحسب بشريته قد قيل بسبب أن الكلمة صار أيضًا ابن الإنسان.
ولكن رغم أن هذه الأمور كافية من تلقاء ذاتها لدحض أي اعتراض، إلاّ أنهم نظرًا لعدم فهمهم لقول الرسول، يعتقدون أن كلمة الله هو واحد من المخلوقات وذلك بسبب ما هو مكتوب ” كونه أمينًا للذي أقامه”. لهذا رأيت أنه من الضروري أن أواصل هذا الكلام كي أخجلهم بمثل كلامي السابق مستمدًا مادة النقاش من أقوالهم نفسها.
كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع
2 ـ فلو لم يكن هو الابن، لأمكن أن يُسمّى “مخلوقًا” وكل ما يُنسب إلى المخلوقات سيُنسب إليه، ولن يُلقب وحده “ابنًا” ولا كلمة ولا “حكمة” ولن يُلقب الله أيضًا “بالآب”، بل فقط “بالخالق” و”البارى” للأشياء “الصائرة” بواسطته. وستكون الخليقة هي صورة وملامح إرادته الخلاّقة. ووفقًا لتعاليمهم فهو ذاته (الآب) لن تكون طبيعته مثمرة. وبذلك لن يكون لجوهره الذاتي أي “كلمة” ولا “حكمة” ولا “صورة” إطلاقًا. فلو لم يكن هو “ابنًا” فلن يكون “صورة”.
ولكن لو لم يكن هناك وجود للابن فكيف يمكن أن تقولوا إذن أن الله خالق؟ فالمخلوقات إنما قد خُلقت قطعًا بواسطة الكلمة و”الحكمة”. وبغير الكلمة لَما كان ممكنًا أن يوجد أي شيء. والآب كما يقولون عنده الكلمة الذي فيه وبواسطته يخلق كل شيء وإلاّ لكان الجوهر ليس خصبًا بل عقيمًا ومجدبًا حسب رأيهم ـ كالنور الذي لا يضيء وكالنبع الجاف، فكيف لا يخجلون عندما يقولون إن الله لديه طاقة خلاّقة؟ وكيف لا يحمّرون خجلاً وهم ينكرون الذي هو بحسب الطبيعة ويريدون أن يجعلوا الذي بحسب المشيئة متقدمًا عليه؟
فإن كانت الأشياء التي معه خارج جوهر الله والتي لم تكن موجودة من قبل ـ قد خلقها عندما شاء أن يجلبها إلى الوجود، وأصبح هو خالقها وصانعها، لكان هو ـ قبل ذلك بكثير ـ أبًا لمولود من جوهره الذاتي. لأنهم إن كانوا ينسبون لله أنه بالمشيئة يُوجِد الأشياء غير الموجودة، فلِما لا يقرون بأن في الله شيء أعلى من المشيئة، ألا وهو الطبيعة الخصبة، وأن يكون أبًا لكلمته الذاتي؟ وعلى ذلك فإن كان الأول الذي هو بحسب الطبيعة لم يكن موجودًا بحسب جنون أولئك، فكيف يمكن أن يوجد الثاني، الذي هو بحسب المشيئة؟ لأن الكلمة هو الأول، والخليقة هي الثانية.
فالكلمة كائن موجود مهما تجاسر الكافرون وتمادوا في أفكارهم، وذلك لأن الخليقة قد صارت إلى الوجود بواسطته. فمن الواضح أنه إن كان الله هو الصانع، فعنده أيضًا كلمته الخلاّق الذي هو ليس من خارجه بل من ذاته هو نفسه، وهذا ما ينبغي أن نكرره كثيرًا، فإن كان الله لديه المشيئة، وكانت المشيئة مبدعة وكافية لإيجاد الأشياء المخلوقة، فإن كلمته أيضًا يكون مبدعًا وخالقًا.
ومما لا شك فيه أن الكلمة ذاته هو مشيئة الآب الحيّة، وقوته الجوهرية، وهو الكلمة الحقيقي الذي به تتكون جميع الأشياء وهو يضبطها جيدًا. ولن يتردد أحد في القول بأن ذلك الذي ينظم، هو سابق على التنظيم نفسه، وعلى الأشياء المنظَمَة. وكما سبق أن قلنا، يكون عمل الله كخالق هو تالٍ لكونه أب. لأن الابن هو خاصته وهو حقًا من ذلك الجوهر الأزلي المُطوّب. أما الأشياء المنظَمَة فقد صارت إلى الوجود من مشيئته الذاتية، من خارجه، وقد خُلقت بواسطة ابنه الذي من ذات جوهره.
3 ـ إذن فبما أن الحديث يوضح السخف الشديد للقائلين بأن الرب ليس هو ابن الله بل هو مخلوق، لذلك فمن الضروري أن نعترف نحن بأن الرب هو الابن. وإن كان هو ابن ـ كما هو هكذا بالحقيقة ـ فالابن يجب أن يُعترف به أنه ليس من خارج أبيه بل هو الذي وَلَده. لذا يلزم ـ كما سبق أن قلنا ـ أن يكفوا عن تحوير الأقوال التي يستعملها القديسون بخصوص الكلمة نفسه. لأنهم يستخدمون عبارة “الذي أقامه” بدلاً من “الذي وَلَده”، لأنه لا علاقة لهذه الأمور بالألفاظ طالما أن الابن قد اُعترف به أنه من طبيعة أبيه.
فليست الألفاظ هي التي تقلل من قدر طبيعة الأشياء، بل بالأحرى فإن طبيعة الأشياء هي التي تضفي المعنى على الألفاظ وغيرها. لأن الألفاظ ليست سابقة على جواهر الأشياء بل أن الجواهر هي الأولى والألفاظ تأتى تالية لها. ولذلك فعندما يكون الجوهر “مصنوعًا” أو “مخلوقًا” عندئذٍ فإن الألفاظ: “صنع” و”صار” و”خلق” تُقال عنه بصفة خاصة ويقصد به أنه “مصنوع”.
ولكن حينما يكون الجوهر مولودًا وابنً، عندئذٍ فإن ألفاظ “صنع” و”صار” و”الخلق” لا تُستخدم بحسب مفهومها الحرفي، ولا تعنى أنه “مصنوع”، بل تكون كلمة “صنع” قد استُخدمت بدلاً من “وُلِدَ” بدون تحديد. وفي أحيان كثيرة يلقب الآباء أبناءهم الذين ينجبونهم عبيدًا لهم، دون أن ينكروا أصالة طبيعتهم. وأحيانًا يجاملون عبيدهم ويسمونهم أبناء دون أن يفقدوا حق امتلاكهم منذ البداية.
إلاّ أنهم في الحالة الأولى يسمّون أبناءهم عبيدًا من خلال سلطانهم كآباء، وفي الحالة الثانية يسمّون عبيدهم أبناء بدوافع إنسانية، فسارة كانت تدعو إبراهيم سيدًا[13] رغم أنها لم تكن عبدة له، بل كانت زوجة. وكان الرسول يصف أونسيموس العبد كأخ لفليمون الذي كان “سيدًا”[14]، أما بتشبع فرغم كونها أمًا دعت ابنها عبدًا قائلة “عبدك سليمان”[15].
وكذلك ناثان النبي أيضًا بعد أن وصل قال لداود نفس كلامها بأن “سليمان عبدك”[16]. إنهم لم يبالوا أن يقولوا عن الابن إنه “عبد”، لأن داود الذي سمع هذا القول كان يعرف طبيعة سليمان. وهم أيضًا بقولهم هذا لم يكونوا يجهلون أصالة سليمان. وكانوا يطالبون أن يكون وارثًا لأبيه، رغم أنهم كانوا يلقبونه عبدًا، إذ كان هو ابنًا لداود بالطبيعة.
4 ـ لذلك حينما نقرأ هذه الأقوال ونتمعن فيها جيدًا، وعندما نسمع أن سليمان عبد، فلا يجب أن نظن أنه كان عبدًا، بل هو ابن طبيعي وأصيل. وهكذا أيضًا في حالة المخلّص المُعتَرف به حقًا أنه ابن، لكونه هو الكلمة بالطبيعة فعندما يقول القديسون عنه: ” كونه أمينًا للذي أقامه”[17] أو عندما يقول هو نفسه عن ذاته: ” الرب قناني”[18] وأيضًا: ” أنا عبدك وابن أَمتك”[19]. ومثل هذه الأقوال كثير، فإن هذا لا يجب أن يجعل البعض ينكر أصالته من الآب، بل كما حدث في حالة داود وسليمان، هكذا فلنتأمل باستقامة فيما يخص الآب والابن.
فإن كانوا عندما يسمعون أن سليمان عبد يعترفون به ابنًا، أليس من العدل أن يلحقهم الدمار مرات كثيرة لأنهم لا يحفظون للرب نفس اللقب؟! ولكنهم حينما يسمعون الكلمات “ابن”، وكلمة، و”حكمة” يسارعون إلى تحريف وإنكار البنوة الأصلية التي بالطبيعة أعنى ولادة الابن من الآب. وعندما يسمعون كلمات أو أقوالاً تخص ما هو مخلوق ففي الحال يتعجلون الظن أن “الابن” مخلوق بالطبيعة، وينكرون الكلمة رغم أنه في استطاعتهم أن ينسبوا مثل تلك الأقوال كلها إلى بشريته ـ حيث إن الكلمة صار إنسانًا ـ فكيف لا يكون هؤلاء مكروهين لدى الرب.
طالما أنهم هم أنفسهم يقيسون الأمور بمعيارين[20]: بأحدهما يفسرون الأقوال الأولى وبالآخر يجدّفون على الرب؟ بالواحد يفهمون كلمة عبد حسب هواهم، وبالآخر يركزون على كلمة “الصانع”[21] كسند قوى لهرطقتهم. وهذا السند يكون كقصبة محطمة بالنسبة لهم. وذلك لأنهم سيدينون أنفسهم لو عرفوا أسلوب الكتاب. فقد دُعى سليمان “عبدًا” رغم كونه “ابنًا”. كذلك أيضًا ـ ونكرر القول ـ قد يقول الآباء عن أبنائهم الذين أنجبوهم إنهم مخلوقون ومصنوعون وصائرون.
فقد قال حزقيا وهو يصلى: ” لأنه من هذا اليوم سأصنع أبناء يعلنون: يا إله خلاصي”[22]. فهو يقول “سأصنع” في حين أن النبي في نفس السفر وفي سفر الملوك الرابع[23] يقول هكذا: ” وأبناؤك الذين يخرجون منك”[24]، فهو يستعمل كلمة “سأصنع” بدلاً من كلمة “سألد”، ويقول عن المولودين منه إنهم “مصنوعون”، ولكن لا يشك أحد أن هذا اللفظ إنما يخص الميلاد بالطبيعة.
وعندما وَلَدت حواء قايين قالت: ” اقتنيت رجلاً من عند الرب”[25]. إذن فقد قالت “اقتنيت” بدلاً من “وَلدتُ”، لأنها بعد أن رأت الطفل قالت إنها “اقتنت”. ولا يظن أحد أنها بسبب قولها “اقتنيت” أنها اشترت قايين من الخارج، أو أنها لم تلده من بطنها. ويعقوب البطريرك قال ليوسف ” والآن إذن ابناك الولدان اللذان وُلدا لك في مصر قبل مجيئي إليك في مصر هما لي: أفرايم ومنسى”[26]. ويقول الكتاب عن أيوب: ” وصار له سبعة أبناء وثلاث بنات”[27]، مثلما قال موسى أيضًا في الشريعة: ” إن صار لأحد أبناء”، إن ” صنع ولدًا”[28].
كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع
5 ـ هوذا مرة أخرى يُقال عن المولودين أنهم “صائرون” و”مصنوعون”، إذ طالما أننا نعترف أنهم أبناء فالأمر لا يختلف إن قال أحد إنهم قد صاروا سواء قيل “اقتنيت” أم “صنعت” لأن الطبيعة والحق يجعلان المعنى قريبًا منهما. ولهذا فبالنسبة لهؤلاء الذين الذين يتساءلون إن كان الرب مخلوقًا أو “مصنوعًا” فينبغي عليهم أولاً أن يبحثوا إن كان هو “ابنًا”، و”كلمة”، و”حكمة”. لأنه عندما تثبت هذه الأمور، فإن الظن بخصوص “المصنوع” و”المخلوق” سيتوقف ويُطرح خارجًا في الحال.
لأن “المصنوع” لا يمكن أن يكون “ابنًا” و”كلمة”، ولا الابن يمكن أن يكون “مصنوعًا”، فإن كانت الأمور تجرى هكذا فيكون البرهان واضحًا للجميع أن العبارة التي تقول “للذي أقامه”، و”الذي صنعه” لا تخدم هرطقتهم بل بالحرى تدينهم. لأنه قد اتضح أن تعبير “صنع” قد استُخدم في الكتب الإلهية عن الأطفال الأصليين بالطبيعة وهو كلمته وحكمته، فإنه حتى إذا قيل بخصوصه “صنع” أو “صار” فلا يُقال عنه كما لو كان كائنًا مصنوعًا.
إن القديسين استخدموا التعبير بلا تمييز ـ مثلما حدث بالنسبة لسليمان وابنا حزقيا ـ لأنه مع أن هؤلاء الأبناء وُلِدوا من آبائهم أنفسهم، فقد كُتب عنهم: قد “صنعت”، و”خلقت” و”صار”. إذن فإن أعداء الله الذين يتعللون كثيرًا بمثل هذه العبارات هم ملزمون الآن بعد هذا الذي قيل إن يتخلوا عما يتشدقون به من أفكار بتجديفهم، وبهذا يعتقدون ـ بخصوص الرب ـ إنه ابن حقيقي وكلمة الآب وحكمته، وإنه ليس مصنوعًا أو مخلوقًا لأنه إن كان الابن مصنوعًا، فأية علة، وأية حكمة إذن هي التي أوجدته؟
لأن كل المخلوقات قد صارت بواسطة الكلمة والحكمة، كما قد كُتب ” كلها بحكمة صُنعت”[29] وأيضًا ” كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان”[30]. فإن كان هو الكلمة والحكمة الذي به قد صار كل شيء، فينتج من ذلك أنه لا ينتمي إلى الأشياء المصنوعة ولا إلى الأشياء المخلوقة إطلاقًا، ولكنه هو مولود الآب.
6 ـ تأملوا إذن إلى أي انحطاط وصل قولهم عن كلمة الله إنه مصنوع. فسليمان يقول في موضع ما في سفر الجامعة: ” لأن الله سيُحضر كل عمل إلى الدينونة بكل خفاياه، إن كان خيرًا أو شرًا”[31]. وهكذا فإن كان الكلمة مصنوعًا أو مخلوقًا، فإنه وفقًا لكلامهم، سيُقدم هو أيضًا كغيره للدينونة. فأين تكون الدينونة إذن، إن كان الدّيان نفسه يُدان؟ ومن هو الذي سيُعطى البركات للأبرار والعقوبات لغير المستحقين، عندما يقف الرب نفسه ـ حسبما تقولون ـ ليُدان مع الجميع. فبأية شريعة سيُدان واضع الشريعة نفسه؟ فإن من خصائص المخلوقات أنها تُدان أي تُثاب أو تُعاقب بواسطة الابن.
إذن، خافوا الدّيان، وافهموا ما سبق أن قاله سليمان. لأنه إن كان الله سيُحضر كل عمل إلى الدينونة، إلاّ أن الابن ليس من بين المُدانين، بل هو بالأحرى الدّيان لكل المخلوقات. أفلا يكون واضحًا أكثر من الشمس أن الابن ليس مخلوقًا بل هو كلمة الآب، والذي به تصير المخلوقات وبه تُدان؟ وإن كانت عبارة: ” كونه أمينًا”[32] تثيرهم من جديد ظانين أن لفظ “الابن” يُقال عنه كما يُقال عن جميع الناس، وأنه، لأجل أمانته، فهو ينتظر أجر أمانته.
إذن حان الوقت ليتهموا موسى من جديد، لأنه قال ” الله أمين وحق”[33]. ويتهموا بولس الذي كتب ” ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون”[34]. فالقديسون عندما يقولون هذا فإنهم لا ينسبون لله خصائص بشرية، بل يعترفون أن كلمة “أمين” في الكتاب المقدس لها معنيان: المعنى الأول أنه “مؤمن”، والآخر أنه “أمين”. فالمعنى الأول يناسب البشر، والثاني يناسب الله. إذن فإبراهيم “مؤمن” لأنه قد آمن بالله، أما الله فهو أمين مثلما يرنم داود: ” أمين هو الرب في كل أقواله”[35].
وهو أمين لأنه من المستحيل أن يكون الرب كاذبًا. وعندما يقول بولس: ” إن كان لمؤمن أو مؤمنة أرامل”[36] فالمرأة هنا تُدعى مؤمنة بسبب استقامتها. وأيضًا ” أمينة هي الكلمة”[37] لأن ما قاله يستوجب الإيمان، لأنه حق، ولا يمكن أن يكون غير ذلك.
إذن فعبارة ” كونه أمينًا للذي أقامه”، لا تدل على أنه يشابه الآخرين ولا تعنى أنه لكونه أمينًا قد صار مقبولاً، بل إذ هو ابن الله الحق فهو أيضًا أمين، ويجب أن يوثق به فيما يقول وفيما يعمل. وهو نفسه ظل ثابتًا دون أن يتغير في تدبير تجسده وحضوره بالجسد.
7 ـ هكذا إذن فإن من يواجه وقاحتهم يستطيع حتى من لفظ “صنع” (= أقام) [38] أن يدحض هؤلاء المضللين الذين يحسبون أن كلمة الله مصنوع أو مخلوق. وحيث إن القصد من هذا اللفظ هو قصد مستقيم ـ إذ أنه يوضح الوقت والمناسبة التي قيل فيها ـ فإنه بالضرورة يتضح من هذا اللفظ عدم تبصر الهراطقة لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار وقت كتابته والحاجة إليه، كما سبق أن قلنا، فإن الرسول لم يقل هذه الأقوال لكي يسرد بالتفصيل ماذا كان قبل الخليقة، ولكنه يتحدث عن الوقت الذي فيه: ” صار الكلمة جسدًا”، لأنه كتب هكذا: ” لذا أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية، تأملوا يسوع رسول ورئيس كهنة اعترافنا كونه أمينًا للذي أقامه (صنعه)”[39].
فمتى صار رسولاً إذن؟ ومتى صار رئيس كهنة اعترافنا؟ وبعدما بذل نفسه لأجلنا، متى أقام الجسد من بين الأموات؟ ومتى جاء بهؤلاء الذين يتقدمون إليه بالإيمان ويقدمهم إلى الآب بعد أن يحررهم مكفرًا عنهم جميعًا أمام الله؟[40]. فالرسول حينما قال ” كونه أمينًا للذي أقامه” لم يكن يشير إلى جوهر الكلمة ولا إلى ميلاده الطبيعي من الآب، حاشا، لأن الكلمة هو الذي يصنع وليس المصنوع.
ولكنه قال هذا لأنه أراد أن يُظهر نزوله إلى البشر، ووظيفة رئاسة الكهنوت التي “صارت”. وهو ما يمكن لأي شخص أن يراه بوضوح من التاريخ الذي كُتب عن الشريعة وعن هارون. فإن هارون لم يُولد رئيس كهنة بل وُلد إنسانًا ثم بعد فترة، عندما أراد الله صار رئيس كهنة. وهو لم يصر هكذا ببساطة، ولم يُعرف من ملابسه العادية ولكن عندما ارتدى القميص، والصدرة، وجبة الرداء وهي الثياب التي صنعتها النساء بحسب أمر الله.
وبهذه الثياب كان يدخل إلى الأقداس ويقدم الذبيحة عن الشعب وبها أيضًا كان كوسيط لمعاينة الله ولتقديم ذبائح عن الناس [41]. وهكذا الرب أيضًا، فإنه ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”[42]. وعندما أراد الآب أن تُقدم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة للكل، عندئذٍ فمثلما ارتدى هارون الجبة ـ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض [43]، متخذًا له من مريم أمًا بالجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له ـ كرئيس كهنة ـ شيء يقدمه، فهو يقدم ذاته للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ويقيمنا من بين الأموات.
8 ـ وهذا الأمر كانت له ظلال في القديم، فإن ما حققه المخلّص في مجيئه، هو الأمر الذي كان هارون رمزًا له بحسب الناموس. فلقد كان هارون هو هو نفسه، ولم يتغير بارتدائه ثياب الكهنة، بل ظل كما هو، إنما قد ارتدى الثياب فقط. فإن قال شخص ما عندما يراه وهو يقدم القرابين ” ها هوذا هارون قد صار اليوم رئيس كهنة” فلا يعنى بذلك أنه قد صار عندئذٍ إنسانًا، إذ أنه كان إنسانًا حتى قبل أن يصير رئيس كهنة، لكنه صار رئيس كهنة بسبب وظيفته متسربلاً بالثياب المصنوعة والمُجهزة لوظيفة رئاسة الكهنوت.
وبنفس الطريقة من الممكن أن يفكر أحد جيدًا بخصوص الرب أنه لم يصر شخصًا آخر بعد أن اتخذ الجسد، بل ظل هو نفسه كما كان قبل ان يتسربل بالجسد. وإن عبارة “قد صار” و”قد صُنع”، لا ينبغي أن تُفهم كما لو أن الكلمة باعتباره الكلمة قد صُنع بل لكونه الكلمة فهو خالق، وفيما بعد صار رئيس كهنة مرتديًا جسدًا مصنوعًا ومخلوقًا. وهو الذي يستطيع أيضًا أن يقدم تقدمة لأجلنا، لذلك يُطلق عليه أيضًا ” إنه قد صُنِعَ”.
فإن لم يكن السيد قد صار إنسانًا، إذن فليحارب الأريوسيون، أما إن كان ” الكلمة صار جسدًا”[44] فماذا يكون من الواجب أن يُقال عنه وقد صار إنسانًا، إلاّ ” كونه أمينًا للذي أقامه”[45]؟. لأنه كما هو لائق بالنسبة للكلمة أن يُقال عنه ” في البدء كان الكلمة”[46]، فإنه ما يليق بالإنسان هو أن يُولد ويُخلق.
فمن إذن يرى الرب وهو يمشى كإنسان ـ وقد ظهر من أعماله أنه إله[47] ـ ولا يتساءل قائلاً: “من الذي صنع هذا إنسانًا؟” ومَنْ أيضًا لا يجيب على هذا السؤال بأن: “الآب هو الذي صنعه إنسانًا وأرسله إلينا كرئيس كهنة”؟ وما كتبه الرسول نفسه قائلاً: ” كونه أمينًا للذي أقامه (صنعه)” يوضح هذا المعنى ويحدد هذا الوقت، ويشير إلى هذا الشخص. وهذا يتضح أكثر عندما نقرأ ما كتبه الرسول قبل هذه الكلمات. إذ أن تسلسل الفكر الواحد وما جاء في هذا الفصل من الرسالة يشير إلى نفس الموضوع.
فهو يكتب في رسالته إلى العبرانيين ما يلي: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو نفسه أيضًا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل أيام حياتهم تحت العبودية. لأنه حقًا ليس يمسك الملائكة، بل يمسك نسل إبراهيم. ومن ثم كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء، لكي يكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا فيما لله. حتى يكفر عن خطايا الشعب.
لأنه فيما هو قد تألم مجربًا يقدر أن يعين المجربين”[48]. وأيضًا ” من ثَمّ أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية، تأملوا يسوع رسول ورئيس كهنة اعترافنا كونه أمينًا للذي أقامه”[49].
9 ـ فمن الذي يقرأ كل هذه الفقرة ولا يدين الأريوسيين، ولا يُبدى إعجابه بالرسول المُطوّب لأنه قد تكلم بالصواب. لأنه متى “صُنِعَ”، ومتى “صار” المسيح رسولاً إلاّ عندما اشترك هو نفسه ” في اللحم والدم” بطريقة مماثلة لنا؟ ومتى صار ” رئيس كهنة أو رحيمًا وأمينًا”، إلاّ عندما صار “مشابهًا لأخوته في كل شيء”؟ ولقد حدثت المشابهة عندما صار إنسانًا لابسًا جسدنا نحن.
ولذلك فعندما يقول بولس ” كونه أمينًا للذي أقامه” فإنه يتحدث عن تدبير تجسد الكلمة وليس بخصوص جوهر الكلمة. إذن فلا يجب أن تنخدعوا وتقولوا إن كلمة الله مصنوع، لأنه بحسب الطبيعة هو ابن وحيد الجنس، ثم صار له “اخوه” عندما ارتدى جسدًا شبيهًا بنا، والذي به بذل ذاته بذاته وحده وسُمّى “رئيس كهنة”، ودعي رحيمًا وأمينًا. فمن ناحية هو “رحيم” لأنه بذل نفسه عنا[50]، ومن ناحية أخرى هو “أمين” ليس لأنه مشارك لنا في الإيمان، وليس لأنه يؤمن بشخص ما مثلنا، بل لأنه هو الذي يجب أن نؤمن به في كل ما يقوله وما يفعله.
ولأنه قَدَّم ذبيحة أمينة أبدية وليست زائلة. لأن الذبائح المقدمة بحسب الشريعة ليست أمينة، إذ أنها تُقدم كل يوم. وهي أيضًا تحتاج إلى تطهير، أما ذبيحة المخلّص فقد كانت مرة واحدة وأَكَملتْ (خلاص) الكلّ وظَلّت أمينة لأنها باقية على الدوام.
ولقد كان لهرون خلفاء، وعمومًا فإن رجال الكهنوت بحسب الشريعة يحلّون محلّ سابقيهم بمرور الوقت أو بسبب الموت. أما الرب فله ” كهنوت ثابت لا يزول”[51]. لقد صار رئيس كهنة أمينًا باقيًا إلى الأبد، وقد صار أمينًا حسب الوعد لكي يستجيب لأولئك الذين يقتربون إليه ولا يخدعهم. هذا ما يمكن أن نتعلمه من رسالة بطرس العظيم الذي يقول: ” إذن فالذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين”[52]، لأنه هو أمين وغير متغير، بل هو ثابت إلى الأبد. وهو يهب تلك الأشياء التي وعد بها.
10 ـ ومن ناحية أخرى فإن تلك التي تُدعى آلهة عند اليونانيين دون أن تستحق هذا اللقب، هي ليست أمينة لا بحسب كيانها ولا بحسب وعودها إذ أنها ليست هي بعينها في كل مكان، بل هي آلهة محلية قد أفسدها الزمن واضمحلت من تلقاء ذاتها[53]، لذا يصرخ الكلمة ضدهم: إن الإيمان ليس قويًا فيهم بل هم ” مياه خادعة ” وأنه ” لا إيمان فيهم”، أما إله الجميع إذ هو واحد في الواقع وبالحقيقة فهو إله حق وآمين وثابت إلى الأبد.
وهو يقول: ” انظروا إلىَّ فترون إني أنا هو هو”[54]، و” إني ما تغيرت”[55]. ولهذا السبب فإن ابنه أمين وهو على الدوام غير متغير وغير مخادع لا في كيانه ولا في وعده. وكما كتب الرسول إلى أهل تسالونيكي قائلاً: ” أمين هو الذي يدعوكم الذي سيفعل أيضًا”[56]. لأنه إذ يعمل ما وعد به فهو أمين في أقواله. ولهذا يكتب عن معنى اللفظ الذي يفيد عدم التغير ” إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينًا لا يقدر أن ينكر نفسه”[57].
والرسول إذ يتحدث عن الحضور الجسدي للكلمة يقول: ” كونه رسولاً وأمينًا للذي أقامه”[58]، مبينًا أنه حتى بعد أن صار إنسانًا فإن يسوع المسيح ” هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد”[59]، أي لا يتغير. ومثلما أشار الرسول بواسطة رئاسة كهنوته إلى تأنس الرب عندما كتب في رسالته، فإنه لم يسكت طويلاً عن الحديث عن ألوهيته بل أشار إليها مباشرة، لكي يكون هناك أمان من كل ناحية وخاصة حينما يتحدث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب.
ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول “أمينًا في بيته” أما الثاني فكان “على بيته”[60] لأنه هو الذي أقامه وشيّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قد قدسه.
ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق في مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيّد وسط ما خُلق بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدت بالكلمة وخُلقت به هي عبدة له.
وبهذا يتضح أن ما قاله الرسول: ” للذي أقامه (صنعه)” لا يثبت أن الكلمة مصنوع، وإنما المصنوع هو الجسد المماثل لنا، الذي اتخذه، وبالتالي إذ قد صار إنسانًا فقد دُعى أخًا لنا.
11 ـ فإن كان قد اتضح أنه حتى عندما يستعمل لفظ “صُنِعَ” منسوبًا إلى الكلمة نفسه، فإنه يستعمله بمعنى “وُلِدً”، فأية حيلة خبيثة سيتمكنون من تلفيقها زورًا في سبيل تحقيق غرضهم، في حين أن حديثنا قد ألقى الضوء على هذا اللفظ من كل ناحية، فقد اتضح أن الابن ليس مصنوعًا بل هو ـ بحسب الجوهر ـ مولود الآب، بينما بحسب تدبير التجسد ومسرة الآب الصالحة فإنه من أجلنا صُنِعَ وتشكّل كإنسان.
ولذلك قيل بواسطة الرسول: ” كونه أمينًا للذي صنعه” وفي سفر الأمثال ” قناني”[61] لأنه مادمنا نعترف أنه قد صار إنسانًا، فلا يوجد ما يمنع أن يُقال عنه كما سبق أن قيل إنه: “قد صار”، أو “قد صُنع”، أو “قد خُلق”، أو “تشكّل” أو “إنه عبد” أو “ابن أمه” أو “ابن الإنسان”، أو إنه “تكوَّن” أو “رجل” أو إنه “عريس” أو “أخ”، لأن كل هذه الألفاظ إنما هي الخصائص المعروفة عن البشر، وهي لا تتحدث عن جوهر الكلمة بل عن صيرورته إنسانًا.
[1] كان أسلوب المجادلات والرد بالأدلة والبراهين هو الأسلوب المتبع بين الفلاسفة. أنظر كتاب “تجسد الكلمة” للقديس أثناسيوس الرسولي، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية، أغسطس 2003، فصل25، وفصل 50، وأيضًا هذا الأسلوب استخدمه الهراطقة، انظر ” ضد الأريوسيين” ترجمة أ. صموئيل كامل ود. نصحى عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء، الطبعة الثالثة 2002، 6:1، 10:3 وهنا يرد القديس أثناسيوس بنفس الأسلوب لإقناعهم.
[2] أم22:8.
[3] عب2:3.
[4] انظر رو32:11.
[5] يستعمل القديس أثناسيوس عبارة “اليهود المعاصرين” ليعبّر بها عن الآريوسيين، انظر المقالة الأولى، المرجع السابق، فقرة 8 ص38، وفقرة 10 ص 24.
[6] يو1:1.
[7] يو14:1.
[8] أع36:2.
[9] أم22:8.
[10] عب4:1.
[11] في7:2.
[12] عب2:3و2.
[13] 1بط6:3.
[14] فليمون16.
[15] 1مل16:1و19.
[16] 1مل26:1.
[17] عب2:3.
[18] انظر أم22:8.
[19] مز16:116.
[20] انظر أم23:20.
[21] يقول الآريوسيون عن المسيح إنه “مصنوع”.
[22] إش19:38و20 (سبعينية).
[23] وهو سفر الملوك الثانى في ترجمة دار الكتاب المقدس.
[43] كثيرًا ما يكرر القديس أثناسيوس هذه العبارة في كتاباته. انظر على سبيل المثال كتاب “تجسد الكلمة”، المرجع السابق، فصل 2:8.
[44] يو14:1.
[45] عب2:3.
[46] يو1:1.
[47] يشرح القديس أثناسيوس هذه الحقيقة فى الفصول 18 ـ 19 من كتابه “تجسد الكلمة” المرجع السابق ص51 ـ 55.
[48] عب14:2ـ18.
[49] عب1:3و2.
[50] يذكر القديس أثناسيوس أن السيد المسيح قد قدم نفسه عنا ذبيحة خالية من كل عيب ببذله لجسده كتقدمة مناسبة لهذا رفع حكم الموت فورًا عن نظرائه البشر، انظر كتاب “تجسد الكلمة”، المرجع السابق، فصل1:9.
[51] انظر عب47:7.
[52] 1بط19:4.
[53] انظر كتاب “تجسد الكلمة”، المرجع السابق فصل 45 حيث يوضح القديس أثناسيوس أن تجسد الكلمة أبطل أعمال الآلهة الكذبة أضلت الإنسان.
[54] تث39:32.
[55] ملا6:3.
[56] 1تس24:5.
[57] 2تى13:2.
[58] انظر عب1:3و2.
[59] عب8:13.
[60] انظر عب5:3و6.
[61] أم22:8.
كونه أمينا للذي أقامه عبرانيين 3: 2 للقديس أثناسيوس للرد على أن الإبن هو مخلوق ومصنوع