ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

 

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

 

مقدمة

          ألقى القديس غريغوريوس النيسى شقيق القديس باسيليوس الكبير هذه العظة على ميلاد المسيح في الاحتفال بعيد الميلاد الذي جاء موافقًا ليوم 25 ديسمبر سنة 386م. ويقول البروفيسور جوهانز كواستن عالِم الآباء الشهير في مجلده الثالث لعلم الآباء Patrology III أن هذه العظة لها أهمية كبيرة جدًا من جهة تاريخ تعييد عيد الميلاد.

 

         ورغم أن أحد الباحثين الحديثين أنكر نسبتها إلى ق. غريغوريوس إلاّ أن غالبية علماء الآباء يؤكدون أصالتها ونسبتها إليه. الأصل اليونانى لهذه العظة موجود بالمجلد رقم 46 مجموعة مينى Migne اليونانية (P.G 46, 1128-1149).

 

         من جهة حياة القديس غريغوريوس النيسى وكتاباته نرجو الرجوع إلى مقدمة كتاب “قيامة الجسد” لنفس القديس والذي نشره المركز في أبريل سنة 2004.

         فليبارك الله في هذه العظة في احتفالنا بميلاد مخلّصنا الحبيب لبنيان كنيسته بشفاعة العذراء والدة الإله وصلوات الآباء القديسين والقديس غريغوريوس النيسى وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث والآباء المطارنة والأساقفة ولإلهنا الثالوث القدوس كل المجد والسجود والتسبيح الآن وإلى الأبد آمين.

 

4 ديسمبر 2004م

25 هاتور 1721ش

شهادة القديس

مرقوريوس أبو سيفين

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

 

 

 

ميلاد المسيح

للقديس غريغوريوس النيسى

 

          يقول داود النبى ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق ليوم عيدنا المبهج[1]. إن الوصايا الخاصة بتعليم الملهم من الله (داود النبى) هى على أية حال، قانون لكل من يسمع. إذًا فلأن يوم احتفالنا المفرح قد أتى، فيجب علىّ أنا أيضًا أن أطبق هذا القانون، وأصير نافخًا بالبوق لهذا اليوم المقدس. إن بوق الناموس كما يشير الرسول بولس هو الكلمة. لأنه يقول لا ينبغى أن يكون صوت البوق غير واضح[2]. بل يجب أن تكون الأصوات مميزة، لكى تكون واضحة لكل مَن يسمعها. إذًا لندع نحن أيضًا أيها الاخوة صوتًا بهيًا يُسمع في الأفق البعيد، وهو ليس بأقل أبدًا من صوت البوق القرنى. يرجع ذلك أيضًا لأن الناموس الذي سبق ورسم الحقيقة من خلال رموز وظلال، شرّع أمرًا بإطلاق صوت الأبواق في يوم عيد المظال[3]. وموضوع هذا الاحتفال (أى الاحتفال بميلاد المسيح) هو سر عيد المظال الحقيقي. في هذا الاحتفال اتحدت الخيمة البشرية بذاك الذي لأجلنا لبس الجسد الإنسانى. وأجسادنا التي تتحلل بالموت تعود مرة أخرى إلى حالتها، بواسطة ذاك الذي أقام مسكننا منذ البداية. لنُردد نحن أيضًا كلام المزمور متهللين معًا، بصوت داود العظيم ” مبارك الآتى باسم الرب[4].

          وكيف يأتى؟ بالطبع ليس كما بسفينة أو بعربة، لكنه عبر إلى الحياة الإنسانية ووهبها حياة نقية بلا فساد. ” الرب هو الله وقد أنار لنا. أوثقوا الذبيحة يُربط إلى قرون المذبح[5].

          وعلى أية حال نحن لا نجهل أيها الاخوة، السر المختفي في هذه الكلمات، أن كل الكون هو مسكن لخالق الكون. عندما دخلت الخطية، أُغلقت أفواه أولئك الذين سادت عليهم، وصمت صوت الفرح، وتوقفت الترنيمة اللائقة بالاحتفالات، طالما أن الجنس البشرى لم يحتفل مع القوات السمائية، ولهذا أتت أبواق الأنبياء والرسل، والتي دعاها الناموس (قرنيات)، لأنها تصنع من القرن الحقيقي لحيوان وحيد القرن. هذه الأبواق بُوّقت بكلمة الحقيقة بقوة الروح، حتى ينفتح السمع الموصود بالخطية، ويقام احتفال لائق، هذا الذي من خلال الإعداد أو التهيئة لمظلة الكون كله، يمكن للمحتفلين فيه أن يعزفوا أو يرنموا معًا، بالاشتراك مع القوات السمائية التي تقف حول المذبح السمائى. لأن قرون المذبح العقلى هى القوات الفائقة والمتميزة للطبيعة العاقلة، رئاسات، وسلطات، وعروش، وربوبيات. هذه القوات تشترك في بهجة هذا الاحتفال بانضمامها إلى الطبيعة الإنسانية في ثوبها الجديد، الذي تجدد بتغيير الأجساد في القيامة. لأن كلمة (puk£zomai) تعنى أتجمل أو أرتدى شيئًا جديدًا، كما يفسرها كل من يعرف هذه الأشياء. إذًا هلم ننهض أنفسنا للنشوة الروحية، ولنضع داود في بداية الخورس كقائد وقمة هذا الخورس الخاص بنا، ولنقل معًا تلك الآية العذبة الإيقاع، التي صلينا بها منذ قليل، لنكررها مرة أخرى ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه[6]. في هذا اليوم يبدأ الظلام في التراجع وينحصر ذلك الليل الممتد أمام النور الغامر انحصارا دائمًا. إن هذا التدبير المتعلق بهذا الاحتفال، حيث تستعلن الحياة الإلهية داخل الحياة الإنسانية في هذه اللحظة، لا يكون من قبيل المصادفة يا اخوتى ولا هو أمر تلقائى، أن الكون بكل ما فيه من ظواهر يروى سرًا لأكثر الناس فطنة، وكأنه يصرخ ويقول لذاك الذي يمكن أن يسمع ما يريد أن يقول له في هذا اليوم الذي تعظّم بمجيء الرب، إذ الليل قد انقطعت أوصاله أو بُتر. وأنا أعتقد أننى أسمع الكون يروى شيئًا مثل هذا. أيها الإنسان، وأنت ترى كل هذا، فلتفكر في الأمر المختفي الذي تُعلنه لك تلك الظواهر الكونية. أرأيتم الليل (ليل الخطية) الذي تمادى حتى أحلك فترات ظلامه، لقد توقف هناك عن المضى، وبدأ مرة أخرى في التراجع؟ ضع في اعتبارك أن ليل الخطية الردئ لم يعد قادرًا اليوم على المضى قدمًا، ذلك بعد أن بلغ مداه في الاتساع، ووصل إلى أقصى درجات الشر، من خلال ابتداع جميع أنواع الشرور، التي ستضطر من الآن فصاعدًا، إلى الانكماش والاختفاء.

 

لماذا لم يظهر الرب متجسدًا منذ البداية؟

          أرأيت أن إشراقه النور، تمتد أكثر، وأن الشمس تشرق بصورة تفوق المعتاد؟ فكر في استعلان النور الحقيقي، الذي يُنير بأشعة البشارة كل المسكونة. وحيث إن الرب لم يستعلن من البداية، لكنه في هذه الأزمنة الأخيرة منح الإنسانية إعلان ألوهيته، فإن ذلك قد يجعل المرء يفكر منطقيًا في هذا السبب، وهو أن ذاك الذي كان ينبغى أن ينزل إلى داخل الحياة الإنسانية، للقضاء على الخطية، كان يجب عليه أن ينتظر بالضرورة حتى يكتمل نبت الخطية التي زرعها العدو، وحينئذٍ دعا إلى وضع الفأس على أصل الشجرة كما يقول الإنجيل[7]. فالأطباء المتميزون في عملهم، لا يقدمون للمريض أى مساعدة من خلال الأطعمة حتى عندما يزداد ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى الحد الأقصى. أما عندما تختفي أعراض المرض وتتضح مسبباته فيبدأ الأطباء في ممارسة عملهم، ورويدًا رويدًا يتشدد المريض ويتعافى من مسببات المرض التي تبدأ في التراجع. هكذا المسيح أيضًا، ذاك الذي يداوى جميع الذين أصاب المرض نفوسهم، فقد انتظر حتى تظهر جميع علل الشر الذي أسر طبيعة البشر، حتى لا يبقى أى شر من الشرور ـ التي كانت مختبئة بلا شفاء ـ وإلاّ فكان سيعالج فقط المرض الظاهر. إن الإنسانية لم تكن قد فسدت بالكامل وسقطت في شرورها حتى في زمن نوح ولذلك فلو كان الرب قد ظهر في تلك الفترة لما كان قد شفى الإنسانية بالكامل، ذلك لأن نبتة شرور سدوم لم تكن قد نبتت بعد. ولم يُستعلن الرب أيضًا في زمن هلاك سدوم، لأن شرور كثيرة كانت لازالت مختبئة داخل الطبيعة الإنسانية. حقًا فأين كان فرعون المقاوم لله؟ أين كانت شرور المصريين الغير المروضة أو التي لم تُقمع؟

          وأيضًا لم تكن هذه اللحظة وأقصد زمن شرور المصريين هى اللحظة المناسبة لإصلاح كل شئ، أن يتحد الكلمة بحياتنا، بل كان لابد أن تظهر شرور الإسرائيليين. وأيضًا كان يجب أن تستعلن وتظهر إلى الوجود مملكة الأشوريين، وتباهى نبوخذ نصر الذي كان يشتعل خفية. كان ينبغى أن يسقط ـ مثل شئ خبيث ـ ذلك الخداع المؤدى لقتل الأبرار، وأن تسقط كل أشواك النبات، من جذرها الشيطانى. كان ينبغى أن يشتد نباح اليهود ضد قديسى الله، هؤلاء الذين قتلوا الأنبياء، ورجموا المرسلين، وأخيرًا ارتكبوا جريمة حمقاء حيث قتلوا زكريا بين الهيكل والمذبح[8]. ثم تُضاف إلى هذه القائمة، الجرائم والقتل الذي ارتكبه هيرودس ضد أطفال بيت لحم. إذًا فبعد أن استعلنت كل قوة الشر بكل جذرها الخبيث وازدادت الوقاحة في رغبات الغنوسيين الشريرة والمتنوعة والممتدة في كل جيل، عندئذٍ، كما يقول الرسول بولس لأهل أثينا، تغاضى الله عن أزمنة الجهل، وأتى في أواخر الأيام[9]، عندما لم يكن هناك أحد لديه معرفة، أو لديه رغبة البحث عن الله. فعندما فسد الجميع ورجسوا[10]، عندما انتشر الشر في كل مكان[11] وكثر الظلم، عندما بلغت ظلمة الخطية أقصى حد لها، عندئذٍ استعلنت النعمة. وهنا أشرقت أشعة النور الحقيقي علينا، وأشرق شمس البر على الجالسين في الظلام وفي ظلال الموت[12]، وقتها قصف رؤوس كثيرة للتنين، مُسقطًا إياه بقدمه، وسحقه وطرحه أرضًا. ولا ينبغى لأحد وهو ينظر إلى الشرور الحالية، أن يعتقد أن الكلام الذي يقول، إن الرب في أواخر الأزمنة أشرق كالشمس في حياتنا، هو كلام كاذب.

 

 

بماذا نفسر عمل الشيطان بعد مجيء الرب؟

          ربما سيقول المعترض على هذا الكلام، إن ذاك الذي انتظر طوال هذه الفترة حتى يُستعلن الشر ويزداد، ثم ينتزعه من جذوره، من الطبيعى له أن يقضى عليه كليةً، وألا يبقى له أى بقية في حياتنا. إلاّ أنه لا يزال القتل يُرتكب بجرأة وأيضًا السرقة والزنا بل وأسوأ الجرائم. غير أن شكوك مَن يقول هذا الكلام يمكن أن تتبدد بمثال من الأمثلة المعروفة. فمثلاً عندما نقتل ثعبانًا، فإننا نرى أنه لا يموت كليةً عندما يموت رأسه، فبينما يموت الرأس، يظل باقي الجسد حيًا ويعلن عن غضبه، دون أن تنقصه القوة، هكذا صنع ذاك الذي قتل التنين. فإن الله سحق رأس التنين عندما نمى الوحش وتضخم في كل الأجيال، بمعنى أنه سحق القوة المبطلة للصلاح والتي لها رؤوس كثيرة، ولكنه لم يتكلم بعد عن باقي الجسد، وسمح أن تبقى الحركة في الوحش الميت، كدافع للأجيال القادمة لممارسة الفضيلة. فما هى الرأس التي سحقت؟ هو هذا الذي أحضر الموت إلى البشر، بواسطة مشورته الشريرة، والذي بلدغته، قطّر في الإنسان سمه المميت.

          إذًا فالرب قد نقض سلطان الموت، وسحق قوة رأس الحية، كما يقول النبى، أما باقي جسد الوحش فلا يزال منثورًا داخل حياة الإنسان ويجعل حياتنا باستمرار مُجمدة، ببثور الخطية، على قدر ما يتواجد الإنسان داخل مجالات الشر. إن قوته بالطبع هى بعد ميتة، بعد أن صار الرأس بلا نفع. ولكن عندما يعبر أو يمر الزمن وتتوقف الأجزاء المتحركة عن الحركة عند نهاية هذه الحياة، عندئذٍ يبطل وينتهى الذيل وآخر جزء للعدو، وهذا هو الموت. وهكذا سيتم الاختفاء التام للشر، طالما أن الجميع سيدعون إلى الحياة بالقيامة من الموت. الأبرار سينتقلون إلى الحياة السمائية الطوباوية، بينما الخطاة الأشرار سيُسلمون إلى جهنم.

 

بشارة فرح يوم الميلاد:

          لنعد إلى فرح اليوم الذي بشر به الملائكة الرعاة، والتي أخبرت به السموات المجوس، هذا اليوم الذي يعلو فيه صوت النبوة الذي يُنادى بأمور كثيرة ومختلفة، حتى أن المجوس صاروا مبشرين لعهد النعمة. لأن ذاك الذي يُشرق شمسه على الأبرار والظالمين، والذي يُمطر على الصالحين والطالحين، حمل نور المعرفة وندى الروح، إلى الأفواه الغريبة أيضًا، حتى أن مع شهادة المتضادات أو المتقابلات، تصير الحقيقة لدينا مؤكدة. اسمع بلعام المنجّم وهو يُبشر الأجناس الأخرى بإلهام فائق قائلاً: ” يبرز كوكب من يعقوب[13]. رأيت المجوس الذين انسحبوا من بنى جنسهم، وتبعوا النجم الجديد في المشرق بحسب نبؤة أجدادهم، ذلك النجم الذى يختلف وحده عن طبيعة بقية النجوم، والذي تحرك وتوقف، بحسب ما يريد هو، فتارة يريد شيئًا وتارة أخرى يريد شيئًا آخر. بينما بالنسبة للنجوم الأخرى هناك مجموعة منها موضوعة في فلك غير سيّار، في وضع ثابت، والنجوم الأخرى لا تتوقف إطلاقًا عن الحركة، هذا النجم تحرك وقاد المجوس، وتوقف حيث أشار إلى المكان (حيث كان الصبى) اسمع إشعياء وهو يصرخ قائلاً: “ لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا[14].

 

العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء:

فلتعرف من النبى نفسه، كيف وُلد الولد وكيف نُعطى ابنًا. ترى، هل ولد حسب الناموس الطبيعى؟ يُجيب إشعياء النبى بالنفي. فخالق الطبيعة لا يصير عبدًا لها. أخبرنى إذًا كيف ولد الولد. ها هو يقول ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل[15]. يا للعجب ما هذه المعجزة! العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء.

          أرأيت تجديد الطبيعة. فبالنسبة للنساء الأخريات، مَن هى عذراء، لا تعتبر أمًا، أما عندما تصير أمًا فإنها لا تحمل بعد صفة عذراء. إلاّ أن الصفتين هنا (أى في حالة العذراء مريم) تتفقان وتلتقيان. هى نفسها أم وعذراء، فلا البتولية أعاقت الميلاد، ولا الميلاد أبطل البتولية. كان ينبغى لذاك الذي أتى إلى حياة الإنسان، لكى يجعل الجميع بلا فساد أو لكى يُطهر الجميع، أن يبدأ بتطهير أو تنقية تلك التي خدمت ميلاده. العادة لدى البشر أن يدعوا تلك التي ليست لها خبرة الزواج “بالعفيفة”.

 

العليقة والعذراء:

هذا هو ما يبدو لى، قد فهمه أولاً موسى العظيم، بالظهور الإلهى الذي حدث له في العليقة المشتعلة عندما اشتعلت فيها النار ولم تحترق. لأنه قال: ” أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم[16]. أعتقد أنه لا يُعلن بكلمة “أميل” عن حركة مكانية، بل يعنى بها عبور الزمن. بمعنى أن هذا الذي اُستعلن آنذاك في هذه المعجزة من خلال النار والعليقة، بعدما عبر الزمن المتوسط، ظهر هذا السر بوضوح في العذراء. فكما أن العليقة كانت مشتعلة آنذاك إلاّ أنها لم تحترق، هكذا هنا أيضًا العذراء تلد النور، لكنها لا تُصاب بأى ضرر.

          الآن إن كانت العليقة هى انعكاس لجسد العذراء، فلا تخجل أو تستحى لأجل هذا اللغز. لأن كل جسد يتقبل الخطية، هو خطية بالضبط من حيث أنه هو جسد فقط[17]، إذ الخطية في الكتاب تأخذ اسم الشوكة.

 

ولادة يوحنا المعمدان قبل ميلاد المسيح وشهادة زكريا:

والآن قد يكون الوقت قد حان لنُشير إلى زكريا الذي قُتل بين الهيكل والمذبح، كشاهد للأم العفيفة أو النقية. فزكريا كان كاهنًا، وليس فقط كاهنًا، لكنه كان يحمل موهبة النبوة[18]، التي أُعلنت قوتها في الإنجيل. فعندما أعدت النعمة الإلهية الناس لكى لا يعتبروا ولادة العذراء للكلمة أمرًا مستحيلاً، فقد هيئ لقبول هذا الأمر لدى غير المؤمنين بواسطة معجزات قليلة، مثلما حدث على سبيل المثال مع العاقر المسنة التي أنجبت ولدًا (أليصابات). وكان ذلك مقدمة لمعجزة العذراء (أن العذراء تلد). وكما أن أليصابات لم تَصْر أمًا بقوتها الطبيعية إذ أنها كانت قد بلغت سن الشيخوخة دون أن تنجب ولدًا، فإن ولادة الولد تُنسب إلى الإرادة الإلهية، هكذا فإن ألم البطن العذراوية التي لا تُصدق صارت مُصدقة بالإشارة إلى التدبير الإلهى.

          إذًا فلأن الولد الذي أتى من العاقر سبق ذاك الذي أتى من العذراء، هذا الابن الذي ارتكض بابتهاج في بطن أمه حين سمعت صوت تلك التي حملت الرب في أحشائها، فقد إنفك آنذاك صمت زكريا بواسطة الإلهام النبوى عندما وُلد السابق للكلمة. وكل ما قاله زكريا شكّل نبوءة للمستقبل. إذًا فذاك الذي قاده الروح النبوى لمعرفة الأمور المخفية، قد فهم سر البتولية في الميلاد الذي بلا فساد، لم يعزلها أو يفرز الأم البتول وهى داخل الهيكل، من المكان المُعد سابقًا للعذارى من قبل الناموس، أراد أن يُعلّم اليهود بأن خالق الكل وملك الكون، بالإضافة لكل الأمور الأخرى، قد وضع على نفسه التزامًا تجاه الطبيعة الإنسانية ليوجهها وفق إرادته، وكما يرتأى له، ولا تسود عليه هذه الطبيعة، إذ أن في سلطانه وفي قدرته أن يخلق ميلادًا جديدًا. هذا الميلاد لن ينزع عن تلك التي صارت أمًا صفة البتولية أى أنها تبقى عذراء. ولهذا لم يفرزها أو يعزلها داخل الهيكل من مكان سكنى العذارى. وهذا المكان، كان هو الموضع بين الهيكل والمذبح. إذًا لأنهم سمعوا (أى اليهود) أن ملك الكون سيولد كإنسان بحسب التدبير، قتلوا ذاك الذي أعطى الشهادة (أى زكريا) لهذا الميلاد، الكاهن الذي كهن بالقرب من نفس المذبح[19]، بسبب الخوف من أن يصيروا عبيدًا لملك. لقد ابتعدنا عن موضوعنا قليلاً، بينما كان ينبغى لحديثنا أن يتوجه نحو بيت لحم حيث بشارة الفرح. لو أننا بالحق رعاة حقيقيون مُتيقظون ونسهر من أجل خدمة رعيتنا، فحينئذٍ سيكون صوت الملائكة الذي بشّر بهذا الفرح العظيم مُوجه لنا[20].

 

تسبيح الملائكة:

          إذًا لنرفع نظرنا إلى الجند السمائى، لننظر خورس الملائكة، ولنسمع تسبيحهم الإلهى. وما هو تسبيح المحتفلين؟ هو أن يصرخوا “ المجد لله في الأعالى“. ولماذا تُسبّح الملائكة الله الذي تراه في سموه؟ لأنهم يقولون إن السلام قد حلّ على الأرض. قد صاروا ممتلئين بالفرح لأنهم رأوا ” على الأرض السلام“. هذه الأرض التي لُعنت سابقًا، التي أنبتت شوكًا وحسكًا، التي صارت مكانًا للتشاحن والنزاع وموضعًا لنفي المحكوم عليهم، هذه الأرض استقبلت السلام. يا للعجب ما هذه المعجزة! ” الحق من الأرض نبت والبر من السماء يطلع[21]. إن هذا الثمر قد أثمرته أرض البشر. وهذا قد حدث لكى تستعلن الإرادة الصالحة تجاه البشر، الله اتحد بالطبيعة الإنسانية، لكى يسمو الإنسان إلى سمو الله. وإذ نسمع هذه الأمور لنذهب إلى بيت لحم، ولنرَ هذا المشهد الجديد، كيف تفرح العذراء لأجل هذا الميلاد، كيف أن تلك التي ليس لها علاقة بالزواج، هى الآن ترعى الطفل المولود. أولاً من تكون هذه، ومن أي مصدر سنسمع عن الأمور المتعلقة بها، ومن سيرويها لنا.

 

قصة عن نشأة مريم العذراء:

          سمعت قصة منحولة تروى الآتى: والد العذراء كان معروفًًا بحياته الصارمة وفقًا للناموس، ومعروفًا بفضائله. ووصل إلى مرحلة الشيخوخة دون أن ينجب ولدًا، لأن إمرأته لم تكن في وضع يسمح لها بالولادة. والناموس كان يُكرّم الأمهات، وهذا التكريم لم تكن العاقرات يحظين به. هذه المرأة سارت في خُطى أم صموئيل كما تحكيها الروايات. تدخل إلى قدس الأقداس، تتضرع إلى الله، ألا تفقد بركات الناموس، دون أن تكون قد خالفت الناموس أبدًا، بل أن تصير أمًا وتكرس ابنها لله. تشددت وتقوت بالعلاقة الإلهية وأخذت النعمة التي طلبتها. وعندما ولدت الطفلة سمتها مريم، لكى تُعلن بهذا الاسم أنها كانت عطية إلهية. عندما كبرت مريم قليلاً بحيث لم تعد تحتاج إلى رضاعة، سلمتها أمها على الفور لله، لكى تفي بوعدها، وأودعتها الهيكل. وتعهد الكهنة مريم داخل الهيكل، كما كان صموئيل، وعندما كبرت فكروا فيما ينبغي أن يفعلوه بهذا الجسد المقدس حتى لا يخطئوا إلى الله، بأن يلزموها أو يقيدوها بالناموس الطبيعى، وأن يخضعوها عن طريق الزواج، لذاك الذي سوف يأخذها، إلاّ أن هذا سيكون أمرًا غير مقبول على الإطلاق. لأنه كون إنسان ما يصير سيدًا على إنسانة نُذرت لله فهذا يُعد تدنيسًا للمقدسات، إذ أن النواميس حددت أن الرجل هو سيد المرأة. غير أنه بالنسبة للكهنة لم يكن الشرع يسمح بأن تعيش امرأة معهم داخل الهيكل أو تخالطهم، وأن يرونها في المقدسات، ولكن التقوى أو الورع لم يغب عن هذا الأمر بجملته. وبينما هم يُفكرون فيما ينبغى أن يُقرروه تجاه هذه الأمور، أتاهم إرشاد من الله أن يُعطونها لشخص،على أن تكون مخطوبة له، أما هذا الإنسان فيجب أن يكون لائقًا بالمحافظة على بتوليتها. وجدوا أن ما طلبوه كان يتوفر في يوسف، من نفس سبط العذراء، وخُطبت مريم حسب نصيحة الكهنة. وظلت العلاقة في إطار الخطوبة. عندئذٍ استقبلت مريم البشارة السرية من جبرائيل.

 

سلام لك أيتها الممتلئة نعمة:

وكلام البشارة كان يحمل بركة “سلام” يقول: ” سلام لك أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك[22]. والكلام للعذراء الآن هو عكس الكلام الذي قيل لحواء. فحواء أُدينت لأجل خطيتها بالألم والوجع في الولادة[23]، بينما في حالة العذراء فقد طرد الفرح الحزن. بالنسبة لحواء سبقت الأحزان ألم الولادة، أما في حالة العذراء فإن الفرح يُبعد الألم. يقول لها الملاك “لا تخافي” لأن انتظار الألم يُثير الخوف بالنسبة لأية امرأة، كما أن الوعد بأن يكون ألم المخاض سهلاً، يطرد الخوف. قال لها “ها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع” وسيخلّص شعبه من خطاياه. وبماذا أجابت مريم؟ اسمع كلام العذراء الطاهرة النقية. الملاك بشرها بالولادة وهى قد ثبتت على بتوليتها، مُقررة أنه أمر أفضل لها أن تبقى عذراء نقية، لكنها لم تظهر شك تجاه بشارة الملاك، ولا المعرفة قد غابت عنها. وقالت إنها لم تعرف رجلاً    ” كيف يكون لى هذا وأنا لست أعرف رجلاً“.

          كلام مريم هذا هو يعد دليلاً لأولئك الذين حكوا القصة المنحولة، لأنه لو أن يوسف كان قد تزوجها، فكيف تفاجأ أو تدهش عندما يخبرها الملاك بالميلاد، مادام كان من المنتظر أن تصبح مريم أمًا في وقت ما بحسب الناموس الطبيعى؟ ولكن لأن الجسد الذي خصص لله، كان ينبغى أن يُحفظ دون أن يمسه شئ، مثل نذر مقدس لله، فإن لسان حالها كما لو كان قد قال لجبرائيل: حتى ولو كنت ملاك، وحتى ولو أتيت من السماء، وأن ما أراه لا ينتمى إلى عالم الإنسان، إلاّ أننى لم أعرف رجلاً لأن هذا مستحيل. وكيف سأصبح أمًا بدون معرفة رجل؟ أما يوسف فقد عرفته كخطيب، وليس كرجل.

الروح القدس يحلّ عليك وقوة العلى تظلّلك:

فماذا قال جبرائيل؟ وأية غرفة عرس سيقدم لهذا الزواج النقي؟ “الروح” يقول الملاك “ الروح القدس يحل عليك وقوة العلىّ تُظللك“. آه أيتها الأحشاء الطوباوية التي جذبت الخيرات الكثيرة للنفس الإنسانية بسبب تلك النقاوة الوفيرة. إن النفس النقية هى فقط التي يمكنها أن تقبل حضور الروح القدس بالنسبة لسائر البشر الآخرين، أما هنا (في حالة العذراء)، فالجسد صار إناء للروح القدس. “قوة العلى تظللك” ماذا يعنى هذا الكلام السرى؟ يعنى أن “المسيح هو قوة الله وحكمة الله”[24] كما يقول الرسول بولس. إذًا فقوة الله العلى، الذي هو المسيح يكوّن جسدًا لنفسه في بطن العذراء بحلول الروح القدس عليها. بمعنى أنه كما أن ظل الأجسام يأخذ شكل الجسم الذي يسبق، هكذا فإن ملامح وصفات ألوهية الابن ستُستعلن في حينها، ستظهر في قدرته عندما يولد، فالصورة والختم والظل وبهاء المصدر سيُستعلن بأعمال معجزية.

 

نعود لنراقب أسرار المذود:

          غير أن الخبر المفرح الذي حمله الملاك، يحثنا على أن نعود إلى بيت لحم ونرصد أو نراقب أسرار المذود. وما هو هذا السر؟ هو أن هناك طفلاً مُقمطًا في لفائف، مُضطجعًا في هدوء وراحة داخل المذود، والعذراء التي ظلت عذراء حتى بعد الولادة، تلك الأم العفيفة، ترعى طفلها. ولنردد نحن مع الرعاة كلام النبى “ كما سمعنا هكذا رأينا في مدينة رب الجنود في مدينة إلهنا[25]. هل حدثت هذه الأحداث مصادفةً، كما هى هكذا وصارت تُروى عن المسيح، أم أن للقصة بعدًا آخرًا؟ ما المعنى بالنسبة للكلمة من حيث أن أخذ المغارة مأوى له، واضطجع في مذود، ودخل الحياة الإنسانية وخاصةً في الوقت الذي تتم فيه عملية تعداد للسكان بهدف جمع الضرائب؟ صار واضحًا أنه كما حررنا من لعنة الناموس بأن صار هو نفسه لعنة لأجلنا[26]، وحمل على نفسه جراحاتنا، لكى نُشفى نحن بجراحاته[27]، هكذا حدث مع الدين الذي كان علينا، لكى يحررنا من قيود الخطية التي قيدت الجنس البشرى، الذي كان مُدانًا بالموت. ولكنه عندما تتطلع نحو المغارة حيث ولد المسيح، ضع في ذهنك شكل الحياة المظلمة التي كان البشر يحيون فيها، تلك التي كانت في القباء أو السراديب، حتى جاء ذاك الذي ظهر للسالكين في الظلمة والجالسين في ظلال الموت[28]. ذاك الذي حمل أرتال خطايانا، قمط جيدًا في لفائف. إن المذود حيث ولد الكلمة، هو اسطبل للحيوانات غير العاقلة، حيث يعرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه[29]. الثور هو ذاك الخاضع لنير الناموس، بينما الحمار هو ذلك الحيوان الذي يحمل وينقل الأشياء، ذلك المحمّل بخطايا العبادة الوثنية.

          وبالطبع فإن أنسب طعام وحياه بالنسبة للحيوانات هو العشب الأخضر “المنبت عشبًا للبهائم”[30]، هكذا يقول النبى، بينما الحيوان العاقل يأكل الخبز ولهذا فإن خبز الحياة الذي نزل من السماء، وُضع في المذود، والذي هو مأوى الحيوانات غير العاقلة، لكى يتناول الغير العاقلين طعام عقلى ويصيروا عاقلين أو حكماء. إذًا فقد صار الرب داخل المذود بين الثور والحمار (أى بين اليهود والأمم) وسيطًا للاثنين، لكى ينقض حائط السياج المتوسط أى العداوة، ويخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا[31]، مُبطلاً النير الثقيل للناموس، ومُبطلاً نير ناموس الأمم أيضًا مُحررًا إياهم من ثقل العبادة الوثنية. لنرفع أعيننا نحو العجائب السمائية، لأنه ليس أنبياء وملائكة فقط قد أخبرونا بهذا الخبر المفرح، بل السموات أيضًا بمعجزاتها تُرنم ترنيمة المجد من أجل هذه البشارة المفرحة.

 

بين اليهود والمجوس:

المسيح طلع من سبط يهوذا لأجلنا[32] كما يقول الرسول بولس، أما اليهود فلم يستنيروا بذلك الذي أشرق عليهم. لم يكن للمجوس صلة أو علاقة بعهود الموعد، وكانوا غرباء عن بركة الآباء، لكنهم سبقوا الشعب الإسرائيلى في المعرفة وعرفوا دلالة النجم السمائى، ولم يجهلوا طبيعة الملك الذي كان في المذود. لقد حمل المجوس معهم هدايا، بينما هؤلاء (أى اليهود) تآمروا عليه. المجوس سجدوا له، بينما الآخرون طاردوه. المجوس فرحوا عندما وجدوا ذاك الذي كانوا يبحثون عنه. والآخرون اضطربوا عند ولادة ذاك الذي تنبأ عنه الأنبياء. لأن متى البشير يقول ” حتى جاء ووقف حيث كان الصبى. فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا[33] بينما هيرودس لما سمع “ اضطرب وجميع أورشليم معه[34]. المجوس قدموا له لبانًا كما لإله، كرموه بذهب، إشارة إلى المقام الملوكى، والألم الذي ينتظره بحسب التدبير، أعلنوا عنه بالمر، وفقًا للنبوات. بينما الآخرون حكموا عليه بالإعدام طوال فترة طفولته، وهو الأمر الذي لأجله، قد أدانهم كما يبدو لى أنه، لا بسبب قساوتهم فقط، بل من أجل حماقتهم أيضًا.

 

قتل أطفال بيت لحم:

فلأى سبب حدث قتل الأطفال (أطفال بيت لحم)؟ ما الهدف الذي لأجله تجرأوا على ارتكاب تلك الجريمة الحمقاء؟ لأن الإنجيل يُخبرنا بأن ظاهرة سمائية معجزية جعلت المجوس يدعون المولود ملكًا “أين هو المولود ملك اليهود”. ماذا إذًا؟ ألا تؤمن أن العلامة التي أخبرت عن مكان ولادة المسيح هى علامة حقيقية، أم أنك تعتبر أن كل ما قيل لا صحة له؟ فإن كان قد جعل السموات تخضع، فإن هذا لا يُعد البتة أمرًا يفوق قدرتك وفهمك، فإن كان قد أعطاك سلطانًا على حياته (على الأرض) وموته، فإن الخوف منه لا مُبرر له. لأن ذاك الذي سلك أو تصرّف هكذا حتى يكون خاضعًا لسلطانك، لأى سبب يتآمرون عليه؟ لماذا صدر هذا الأمر الشنيع، هذا القرار البشع ضد أطفال بيت لحم، بأن يُعدم الأطفال المولودون حديثًا؟ أى ظلم اقترفوا؟ أى سبب قد أعطوا لكى يرتكب الموت أو العقاب في حقهم؟ جريمتهم الوحيدة، هى أنهم ولدوا ورأوا النور. ولهذا كان يجب أن تمتلئ المدينة بالجلادين وأن يجتمع حشد من الأمهات والرضع، وجمع من الأقارب قد أتى لكى يقفوا إلى جوارهم ويشددهم، وهو أمر طبيعى أن يأتى هذا الجمع ليساندوا الوالدين في هذه الكارثة. مَن يستطيع أن يصف هذه المصائب؟ مَن يستطيع أن يروى لنا هذه الحالة المأساوية ويضعها أمام أعيننا؟ مَن يمكنه أن يصف هذه المشاعر الحزينة المختلطة، والمناحة التي حدثت بسبب قتل الأطفال، وموقف الأمهات والأقارب والآباء المستحقين للشفقة وهم يصرخون أمام تهديد الجلادين؟ كيف يمكن للمرء أن يرسم صورة للجلاد وهو يقف بالقرب من الرضيع ويحمل سيفه مستلاً من جرابه، بنظرة مملوءة شرًا وقتلاً ويسحب الطفل نحوه بيد، وباليد الأخرى يرفع السيف ليهوى به على عنقه، بينما من الجهة الأخرى نرى الأم وهى تجذب طفلها نحوها، وتضع عنقها هى تحت سيف الجلاد بدلاً من طفلها، لكى لا ترى يد الجلاد وهى تقتل طفلها أمام عينيها؟

          أيضًا كيف يمكن للمرء أن يقص أو يروى الاختبارات التي جازها الآباء؟ نداء أبنائهم المرتفع بالصراخ، واحتضانهم لأبنائهم بشدة، وأشياء أخرى مثل هذه فعلوها معًا؟ مَن يستطيع أن يصف لنا هذه النكبة كثيرة الأبعاد، وآلام المخاض المضاعفة للأمهات اللاتى ولدن للتو، والطبيعة المكتوية بالآلام؟ كيف كان الطفل التعس ملتصق بثدى أمه، وكيف استقبل في أحشائه الضربة المميتة؟ كيف يمكن وصف الأم الحزينة وهى تعطى ثديها للطفل، وابنها يُسفك دمه وهو على صدرها؟ ومرات كثيرة عندما كان الجلاد يهوى بسيفه على الطفل، كان السيف يُصيب الأم مع طفلها، ويصنع الدم مجرى له من جرّاء إصابة الأم وجرح الطفل المميت. وكان الأمر الأحمق الذي أصدره هيرودس هو ألا يطبق قرار القتل على الأطفال المولودين حديثًا فقط، بل والأطفال من سن عامين[35]، (لأنه كُتب من سن عامين فيما دون)، كارثة أخرى يريد أن يُركز عليها النص الإنجيلى، لأن كما هو معروف، مرات كثيرة خلال فترة العامين يمكن أن تصير المرأة ذاتها أم لطفلين. مشهد فظيع هنا أيضًا، حيث اثنان من الجلادين ينشغلان بأم واحدة، فجلاد يسحب الطفل الذي يركض حول أمه، والآخر ينزع عنها رضيعها الذي في أحضانها. ما هو الطبيعى في هذا الأمر ألا تُعانى هذه الأم التعيسة؟ ألا يتمزق قلبها بين طفليها ويعتصر الألم أحشائها أيضًا على طفليها، وهى لا تعرف أيًا من الجلادين تُلاحق، حيث الواحد يسحب طفل إلى هذه الجهة والآخر يسحب الطفل الآخر إلى جهة أخرى لكى يذبحه؟ هل ستركض نحو المولود حديثًا؟ فبكاءه لم يعد له جدوى ولا ينم عن تعبير معين. لكنها تسمع الطفل الآخر وهو يصرخ نحوها باكيًا، وبصوت متقطع. ماذا تفعل؟ كيف تتجاوب؟ وإلى أى صرخة تستجيب؟ ومع أى صرخة توّحد صرختها؟ وعلى أى موت تنوح وتحزن، طالما أن طبيعتها تكتوى بالتساوى لمقتل الاثنين؟ (وأمام هذه المشاهد الحزينة يبزغ نور جديد ويظهر في الأفق خبر يبعث على الفرح العظيم ويُنسينا الآلام).

 

لنفرح بالميلاد وإشراق شمس البر:

          فلنُبعد أسماعنا عن النواح والعويل من أجل ذبح الأطفال، ولنتوجه بأذهاننا نحو أفكار أكثر بهجة وفرحًا، تلك التي تتناسب بالأكثر مع بهاء هذا الاحتفال، وإن كانت راحيل تصرخ بشدة كما يقول النبى[36]، تبكى وتنوح لأجل ذبح أولادها. إلاّ أننا في هذا اليوم (الميلاد) الذي نحتفل فيه  يقول سليمان الحكيم، يجب أن ننسى المصائب. فأى احتفال هو أكثر فرحًا من احتفالنا اليوم؟ الذي فيه يبدد شمس البر، ظلام الشر الذي للشيطان، ويُنير الكون بنفس الطبيعة التي لنا، فكل ما سقط في هذه الطبيعة يجعله يقوم، وكل من هو في حرب يُقاد للسلام، والمرذول أو المرفوض يعود إلى الشركة، وكل من سقط من الحياة، يعود إلى الحياة مرة أخرى، وكل من خضع لنير العبودية وسُبى يعود إلى مقامه الملوكى، وكل من كان مقيدًا بقيود الموت يعود محررًا إلى كورة الأحياء. الآن وبحسب النبوة، تُسحق أبواب الموت النحاسية[37]. وتُقطّع عوارض الحديد، التي أمسكت الجنس البشرى في سجن الموت، الآن كما يقول داود النبى يفتح باب البر[38]. اليوم يسمع جميع المحتفلين في كل المسكونة ترانيم مفرحةً. فبإنسان واحد دخل الموت إلى العالم، وبإنسان أتى الخلاص. الأول سقط في الخطية، والثانى أقام ذاك الذي سقط. المرأة دافعت عن المرأة. الأولى فتحت الباب للخطية، والثانية (العذراء) خدمت الطريق المؤدى إلى البر. الأولى قبلت مشورة الحية، والثانية منحتنا المقدرة على سحق الحية أو إبطالها، وولدت خالق النور. الأولى أتتنا بالخطية بواسطة الأكل من الشجرة، والثانية بواسطة الخشبة أتتنا بالخلاص بدلاً من الخطية.

 

الميلاد والآلام:

الخشبة أعنى بها الصليب. ثمر هذه الخشبة، لم يغب مطلقًا، وصار لأولئك الذين تذوقوه حياة لا تذبل. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن سر البصخة (أى العبور من الموت للحياة)، هو فقط الذي يليق به الشكر. ولنعلم أن سر البصخة يأتى في نهاية التدبير الإلهى. وكيف تأتى النهاية إن لم تسبقها البداية؟ أيهما أسبق من الآخر؟ بالطبع الميلاد هو أسبق من تدبير الآلام.

 

ميلاد المسيح هو بداية كل الخيرات التى تتبعه:

          والذين يمتدحون البصخة هم جزء من أولئك الذي يمتدحون الميلاد. ولو عدّد المرء الإحسانات التي أشارت إليها الأناجيل، وإذا رُويت معجزات الشفاء، ومعجزة إشباع الجموع بقليل من الطعام، وقيامة الأموات من القبور، وتحويل الماء إلى خمر، وطرد الشياطين، وشفاء الأمراض الجسدية المستعصية، مثل شفاء العرج، وتفتيح عيون العمى، أيضًا التعاليم الإلهية، ومعرفة الأسرار الفائقة بواسطة الأمثال، سيجد أن كل هذه الأمور هى عطية هذا اليوم (ميلاد المسيح). لأنه منذ هذا اليوم صارت البداية لكل الخيرات التي لحقته أو تبعته. “لنفرح” إذًا “ولنبتهج”[39]. وعلينا ألا نخشى اتهامات البشر، وألا نُهزم من محاولاتهم لإهابتنا، كما يحثنا النبى على ذلك. هؤلاء يسخرون أو يتهكمون على الكلام عن التدبير، ويقولون إنه من غير اللائق أن يأخذ الرب جسدًا إنسانيًا (كما يدّعون)، ويدخل الحياة الإنسانية بواسطة الميلاد، متجاهلين كما هو واضح، سر الأمور غير المعلنة كما دبرتها الحكمة الإلهية من أجل خلاصنا. لقد بعنا أنفسنا اختيارًا بواسطة خطايانا، واستعبدنا أنفسنا لعدونا مثل عبيد تم بيعهم.

          ماذا تريد أن يقدم لك إلهنا أكثر من هذا؟ ألا يكفي أن تُعفى من النكبة؟ ولما التدقيق في الطريقة؟ لماذا تشرّع قوانين للمشرّع، دون أن تفهم إحساناته؟ مثلما يرفض أو يصد أحد الطبيب، ويوبخ تدخله النافع، لأنه تمم الشفاء بهذه الطريقة، وليس بطريقة أخرى.

 

عظمة التدبير الإلهى:

          لو أن فضولك يدفعك للبحث عن معرفة مقدار عظمة التدبير الإلهى، يكفيك فقط أن تعرف أن الأمر الإلهى ليس محصورًا فقط في بعض الخيرات أو أنه صلاح محدود، بل كل ما هو ممكن أن تصل إليه، من قدرة، وبر، وصلاح، وحكمة، وكل الألقاب والقيم التي تحمل معنى لائقًا ومناسبًا لهذا الأمر الإلهى، فذاك هو (هذا الصلاح). إذًا فلنتنبه ربما أن كل ما قلناه لم يصل إلى مستوى الإحسان الذي صار لنا، متمثلاً في الصلاح والحكمة، والقدرة، والبر. فهو كصالح أحب العاصى، وكحكيم وجد طريقة لعودة المستعبدين، وكبار لا يقمع ذاك الذي استعبد الآخر وامتلكه وفقًا لقانون السوق، لكنه قدم ذاته عوضًا عن المستعبدين، حتى أنه يتعهد المدين كضامن له، ويحرر السجين. وكقادر لم يُمسك من الجحيم، وجسده لم يرى فسادًا. وأيضًا لم يكن ممكنًا أن يهزم رئيس الحياة من الفساد أو الفناء. ولكن هل قبوله الميلاد بحسب الجسد، وخبرة الآلام الجسدية، يعد أمرًا يدعو للخجل؟ إن قبوله كل هذا هو إفراط في الإحسان.

حقًا لأنه إذ لم يكن ممكنًا أن يتخلص الجنس البشرى من هذا القدر الكبير من المآسى والشدائد، فقد قبل الملك طبيعتنا الإنسانية المائتة، وأن يُبدل مجده الذاتى بحياتنا. هكذا اخترق النقاء حياتنا الملوثة، بينما لم يستطع التلوث أن يمس هذا النقاء، كما يقول الإنجيل “والنور يضىء في الظلمة والظلمة لم تدركه[40]. الظلام تلاشى بظهور النور، والشمس لا يسود عليها الظلام، والمائت أُبتلع من الحياة[41] كما يقول الرسول بولس، وانهزم الموت أمام الحياة. وكل ما فسد خلُص في ذاك الذي لا يفنى. والفساد لا يستطيع أن يؤثر في الخلود، ولهذا صار تسبيح الكون كله، تسبيحًا مشتركًا، حيث الجميع يرفعون معًا تمجيدًا لخالق الكون. إن كل فم سمائى، وأرضى، وأسفل الأرض، يصرخ أن يسوع المسيح مخلّصنا هو رب لمجد الله الآب، وينبغى أن يُبارك إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] مز3:81.

[2] 1كو7:14.

[3]  لا24:23.

[4]  مز26:118.

[5]  مز27:118.

[6]  مز24:118.

[7]  مت10:3.

[8]  مت35:23.

[9]  أع30:17.

[10]  مز2:14.

[11]  رو3:3.

[12]  إش2:9.

[13]  عد17:24.

[14]  إش6:9.

[15]  إش14:7.

[16]  خر3:3، مت22:13.

[17]  2مل6:23.

[18]  لو3:1.

[19]  مت25:23.

[20]  لو10:2.

[21]  مز12:85.

[22]  لو26:1.

[23]  تك16:3.

[24]  1كو24:1.

[25]  مز8:48.

[26]  غل13:3.

[27]  إش5:53.

[28]  إش2:9.

[29]  إش3:1.

[30]  مز14:104.

[31]  أف14:2.

[32]  عب14:7.

[33]  مت10:2.

[34]  مت3:2.

[35]  مت16:2.

[36]  إر15:31.

[37]  مز16:107.

[38]  مز19:118.

[39]  مز24:118.

[40] يو5:1.

[41] 2كو4:5.

 

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

خضوع الابن للآب – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

خضوع الابن للآب – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

خضوع الابن للآب – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

”خضوع الابن للآب”

(1كو28:15)       

(شرح المعنى الصحيح للآية)

للقديس غريغوريوس النيسى

ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب

 

”خضوع الابن للآب”

(1كو28:15)

 

(شرح المعنى الصحيح للآية )

 

          جميع ” كلام الرب كلام نقى” كما يقول النبى[1]. وعندما يكون العقل نقيًا من كل فكر هرطوقى، مثلما تتنقى الفضة بالنار، تكون له هذه النقاوة إنعكاسًا لكلام الرب النقى وتشرق الحقيقة داخله إشراقة طبيعية. وعلى أية حال أعتقد أنه ينبغى أن نُظهر تعاليم القديس بولس بإشراقها الكامل ونقاوتها، فهو قد أدرك الأسرار الخفيّة، وتكلّم المسيح فيه. لقد علّم بتلك الأمور التي كان من الطبيعى أن يعرفها ذاك الذي تعلّم من هذا المعلّم، أى الكلمة الذي كان يقوده ويعلّمه. إن الخبثاء الغاشين يحاولون أن يجعلوا الفضة الإلهية بلا نفع، ويطفئوا وهج الكلمة الإلهية عن طريق مزجها بمعانى هرطوقية ومزّيفة، ويحرّفون المعانى السرية التي تكلّم بها الرسول بولس، فهم إما لا يفهمونها، وإما أنهم يشرحونها بحسب رؤيتهم بشكل مُزّيف، لكى يصيروا مدافعين عن شرورهم، ثم يدّعون أن الكلمة الرسولية التي تقول: ” فحينئذٍ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل” تتفق مع رؤيتهم، وذلك لكى يُجردوا الابن الوحيد الجنس من مجده. لأن تعبير كلمة “الخضوع”، بحسب فكرهم، يُظهر نوعًا من العبودية فى استكانة وخنوع، ولهذا كما يبدو لى أننا نحتاج أن نفحص هذا الكلام بالتدقيق، حتى أقدِّم الفضة الرسولية نقية وحقيقية، وغير مزّيفة، بل وخالية من كل معنى دنس وهرطوقى.

          لقد تأكدت من خلال قراءة الكتاب المقدس، أن لهذه التعبير أهمية كبيرة ولا يُعبّر عن معنى واحد في كل الأحوال، لكنه تارة يعنى شيئًا، وتارة أخرى يعنى شيئًا آخر. على سبيل المثال يقول الكتاب: ” والعبيد أن يخضعوا لسادتهم[2]. وبالنسبة للطبيعة غير العاقلة، فقد وضعها الله تحت سلطان الإنسان، يقول عنها النبى: “جعلت كل شئ تحت قدميه[3]. ومن جهة هؤلاء الذين خضعوا في الحروب يقول ” نُخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا[4]. وأيضًا عندما أشار إلى أولئك الذين خَلصوا بالمعرفة يقول: “الذى يُخضِع الشعوب”[5] كمن يتكلّم من نحو الله. وما نفحصه يتفق كما هو واضح مع ما ورد بالمزمور الثانى والستون ” انتظرت نفسى (الرب) من قِبله خلاصى[6]. وبالإضافة إلى كل هذا، نجد أن أعدائنا يشيرون إلى ما جاء بالرسالة إلى كورنثوس: ” فحينئذٍ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل“. ولأن هذه الكلمة تُستخدم بمعانى كثيرة، من المفيد أن نفصل كل معنى على حده، لكى نفهم المعنى الذي يقصده الرسول بولس في كلامه عندما يتكلّم عن “الخضوع”.

          لقد قلنا إنه في حالة أولئك الذين خضعوا بالقوة للمنتصرين في فترات الحروب، إن معنى “الخضوع” هنا يعلن عن خضوع لا إرادى وإجبارى للمنتصرين، وهذا يعنى لو أن الأسرى اكتسبوا قوة ما تعطيهم رجاءً فى أن  يتفوقوا على أعدائهم، فإنهم سوف يثورون مرة أخرى ضد المحتلين، مُعتبرين أن الخضوع للأعداء هو هوان وخزى. أيضًا الكائنات غير العاقلة تخضع للكائنات العاقلة بطريقة أخرى، إذ أن طبيعة الكائنات غير العاقلة خالية من الصلاح الأعظم أى العقل. وكون أن هناك خضوع من جانب من هو أقل فهذا يعتبر أمرًا تتميز به الطبيعة. وكل من هم يخضعون بنير العبودية لأسباب قانونية، حتى لو كان لهم نفس الكرامة في الطبيعة، فإنهم لا يستطيعون أن يقاوموا القانون، ولذلك فإنهم يقبلون وضع الخاضعين، مُجبرين على الخضوع للضرورة التي لا مفر منها. إلاّ أن هدف خضوعنا نحن والذى نقدمه لله، هو الخلاص كما تُعلّمنا النبوة التي تقول: ” إنما الله انتظرت نفسى. من قبله خلاصى[7].

          إذًا عندما يستشهد خصومنا بكلام الرسول بولس الذي يقول إن الابن سيخضع للآب، فستكون النتيجة الطبيعية وفقًا للمعنى الدقيق لهذا الكلام، هى أن نسألهم عن معنى الخضوع الذي يرونه ويعتقدون أنه ينبغى أن يُنسب للابن الوحيد الجنس من خلال هذه الآية (1كو28:15). ولكنهم من الواضح لن يستطيعوا أن يقولوا بخضوع الابن من خلال أى شرح لهذه الكلمات. لأنه لم يكن هو عدو خضع عن طريق الحرب حتى يكون له رجاء التخلّص من الأَسر والثورة ضد المحتل، ولا بحسب الرؤية الخاصة بالحيوانات غير العاقلة والتي بسبب غياب العقل، تكون مُلزمة بحسب طبيعتها بالخضوع، مثلما تخضع الخراف والأبقار للإنسان. ولا هو مثل العبيد الذين يُشترون، أو مثل العبيد الذين يعملون في البيوت والذين يخضعون بحكم القانون وينتظرون عطف ورضا أسيادهم لكى يُحررونهم من نير العبودية، بل ولا بهدف الخلاص أيضًا يمكن أن يقول أحد إن الابن الوحيد الجنس يخضع للآب، لأنه لا يصح من أجل هذا الهدف أن يكون مثل البشر يترجى ويطلب خلاصه من الله. لأن بالنسبة للطبيعة الإنسانية المتغيّرة التي تصل إلى الصلاح بإشتراكها في الصلاح الإلهى، فإن الخضوع لله هو أمر ضرورى، لأن من هنا يأتى إشتراكنا في الصلاح، لكن لا مكان للخضوع بالنسبة للقوة غير المتغيّرة وغير المتحولة، إذًا ما قصدنا هو تحديد المعنى الكامل للصلاح، أى الصلاح المطلق، الذي لا يفنى، المطوب، الدائم إلى الأبد، هذا الذي لا يمكن أن يصير أفضل ولا أن يصير أسوأ. لأنه من جهة الصلاح لا يقبل الإضافة وليس فيه توجه نحو الأسوأ. فذاك الذي يُعطى الخلاص للآخرين لا يحتاج لمَن يُخلّصه.

          إذًا ما هى الفحوى الدقيقة التي يدّعون بحسب منطقهم نسبتها إلى معنى الخضوع، كل ما فحصناه لا يمكن أن يُقال تحديدًا على الابن الوحيد الجنس. ولو إحتاج  الأمر (لتوضيح) سأضيف لما قلناه نوعًا آخر للخضوع هذا الذي ذُكر في إنجيل لوقا أنه ” جاء إلى الناصرة وكان خاضعًا لهما[8]. وذلك حتى سن الثانية عشر، لكن ولا هذا أيضًا من المناسب أن يُقال عن الابن المولود قبل كل الدهور، الإله الحق من الإله الحق. أما هنا على الأرض فقد جُرّب في كل شئ مثل البشر وهو بلا خطية[9]، وقَبِل أن يعبر في كل مراحل عمرنا. وكما أنه صار طفلاً وأكل الطعام الخاص بالطفل، زبد وعسل، هكذا فعندما صار شابًا لم يهمل السلوك اللائق والمناسب لهذا السن، بأن يصير مثالاً للخضوع في هذه الحياة. لأنه بالنسبة للآخرين يكون الذهن غير كامل في مثل هذه الأمور، والشباب يحتاج أن يُقاد إلى الأفضل عن طريق الإقتداء بالمثال الأكمل، ولهذا السبب فإن (يسوع) ابن الاثنى عشر عامًا خضع لأمه. إن من الصواب بالنسبة لمن يكتمل وهو يتقدم في النعمة بصفة دائمة أن يقبل “الخضوع” ليكون مثالاً له فى طريق الصلاح. أما بالنسبة لذاك الذي هو على الدوام كامل في كل صلاح، والذي من غير الممكن أن يقبل في ذاته تقدمًا ولا تراجعًا، لأن طبيعته لا تعرف النقص أو العجز، فإن أولئك الذين يتكلّمون بعدم تبصر لن يستطيعوا أن يذكروا سببًا يدعوه للخضوع. أى أنه وهو في الجسد وهو مختلط بالناس قد شرّع الخضوع من خلال سلوكه وهو في مرحلة الطفولة حتى يقتدى به الأحداث، وهذا صار واضحًا من حيث إنه لم يهتم فيما بعد بسلطة أمه وذلك عندما وصل سن البلوغ. لأنها عندما حثته أن يُظهر قوته في عرس قانا الجليل، ويكمّل مائدة العرس الغنية، بتوفير الخمر الذي كان قد فرغ، من المؤكد أنه لم يرفض أن يُقدم الخدمة لهؤلاء الذين ترجوه، ولكنه لم يقبل نصيحة أمه، لأنها (أى النصيحة) لم تأتِ في الوقت المناسب، قائلاً: “ما لى ولك يا إمرأة[10]. وكأنه أراد أن يقول هل تريدين أن توجهينى وأنا فى مثل هذا السن؟ ألّم يحن الوقت الذي يُمنح فيه المرء قيادة وحرية ذاتية؟

          فإذا كان بحسب حياته الجسدية، قد رفض الخضوع لأمه في هذه المرحلة المناسبة من العمر، فإنه لا يمكن لأحد أن يتكلّم عن الخضوع في حياة ذاك الذي يسود على العالم بقوة غير محدودة. إن من خصائص الحياة الإلهية الطوباوية احتفاظها بهويتها التي لا تقبل أى تحلّل أو تحوّل. إذًا طالما أن الكلمة الذي هو من البدء الابن الوحيد الجنس، بعيد عن كل تقدم أو تحوّل، فكيف يمكن لهذا الخضوع غير الموجود الآن أن يكون موجودًا فيما بعد، لأن الرسول لم يكتب أن الابن كان خاضعًا على الدوام للآب، لكن سيخضع عند الإكتمال النهائى لكل شئ. لكن إن كان الخضوع هو أمر حسن ويحق أن يُقال عن الله، فكيف غاب هذا الأمر الحسن عن الله في هذه الحياة الحاضرة؟ لأنه على كل حال هو حسن للاثنين، للابن الذي يخضع وللآب الذي يقبل خضوع الابن. وبناء على ذلك فإن هذا الأمر الحسن في هذا الزمن الحاضر يغيب عن الآب وعن الابن، وهذا “الخضوع” الذي لم يكن لدى الآب ولا لدى الابن منذ الأزل، سيتحقق حين تكتمل الأزمنة، فيخضع الابن كإنسان وهو يأخذ بهذا “الخضوع” إضافة وزيادة لمجده، وهى إضافة لم تكن له حتى ذلك الحين. فهل يمكن أن يكون هناك خضوع في وقت ما، ولا يوجد خضوع في وقت آخر؟ فالخضوع الذي يصير فيما بعد، وليس موجودًا الآن، هو خاص بالطبيعة المتغيّرة[11]. إذًا إن كان الخضوع هو أمر حسن، فيجب أن نثق أن هذا الأمر الحسن هو في الله الآن (أى في الزمن الحاضر)، أما إن كان الخضوع هو أمر غير لائق بالله، فإنه لن يكون موجودًا لا الآن ولا مستقبلاً. لكن الرسول بولس يقول إن الابن سيخضع، وليس أنه خاضع الآن.

          إذًا هل هذا الكلام (عن الخضوع) له هدف آخر، ومعنى آخر بعيد عن سفسطات الهراطقة؟ نعم. إذًا ما هو هذا الكلام؟ ربما يستطيع أحد أن يفهم المعنى أفضل إذا ربط بين كل ما كُتب في هذا الجزء. فهو يوجه إنتقادًا إلى أهل كورنثوس، الذين قبلوا الإيمان بالرب، لكنهم اعتبروا عقيدة القيامة من الأموات، أسطورة، لذلك قال لهم: ” يقول قائل كيف يُقام الأموات؟ وبأى جسم يأتون[12]، أولئك الذين بعد الموت قد فنت أجسادهم بطرق كثيرة ومختلفة، سواء بالتحلل، أم بواسطة الطيور الجارحة آكلة اللحوم، أو بواسطة الأسماك والطيور وذوات الأربع؟ ولهذا فقد عبّر لهم بأفكار كثيرة، محاولاً أن يُقنعهم بألا يساوون بين قوة الله وقوتهم، ولا أن ينسبوا إلى الله ضعف البشر، بل أن يفكروا في القدرة الإلهية الفائقة، بالأمثلة المعروفة لدينا. وهكذا يعرض لهم العمل العجيب الخاص بنمو البذور، في علاقتها بالأجساد التي تتجدّد بصفة دائمة بواسطة القوة الإلهية، ويبيّن أن حكمة الله لم تُستنفذ، فهى تُستعلن في هذا الكون عن طريق عشرات الآلاف من الأجساد المتنوعة العاقلة وغير العاقلة الموجودة في الجو وعلى الأرض، وكل ما يُقدم لنا من السماء، الشمس والنجوم الأخرى والتي كل واحدة منها بعدما خُلقت بواسطة القوة الإلهية تصير دليلاً على أنه في القيامة سنلبس الجسد مرة أخرى. أى أنه لو أن الكائنات لم تُخلق من مادة كانت موجودة سابقًا، بل إنها أتت إلى الوجود بواسطة الإرادة الإلهية، فهذا معناه أن هناك إمكانية أكبر لأن يعيد الإنسان إلى الحياة مرة أخرى بالشكل الذى كان عليه بالفعل، على أن يعطى كيان وجوهر لما لم يكن موجودًا من البداية.

          إذًا بعدما أوضح لهؤلاء، بأن الإنسان الأول انحلّ أو فسد في الأرض من خلال خطيته، ولهذا دُعى أرضيًا، فإن النتيجة التالية وفقًا لذلك هى أن يصير بالتتابع جميع أحفاده أرضيين وفاسدين لأنهم ولدوا من إنسان أرضى، ثم أضاف بحسب الضرورة، التتابع الثانى والذي بحسبه انتقل الإنسان مرة أخرى من الفناء إلى الخلود قائلاً بنفس الطريقة إن الصلاح زُرع داخل الطبيعة فانتقل من الواحد إلى آخرين، مثلما انتشر الشر من الواحد إلى الجميع، بتتابع الأحفاد. ولكى يُبرهن على هذا التعليم يستخدم الكلمات الآتية: ” الإنسان الأول من الأرض ترابى. الإنسان الثانى الرب من السماء كما هو الترابى هكذا الترابيون أيضًا. وكما هو السماوى هكذا السماويون أيضًا. وكما لبسنا صورة الترابى سنلبس أيضًا صورة السماوى[13]. بهذه الأفكار، وأفكار أخرى مشابهة يكون قد أكّد حديثه عن القيامة، وأبطل حجج الهراطقة بواسطة أفكار أخرى برّهن بها على أن مَن لا يؤمن بقيامة البشر، فلن يقبل قيامة المسيح. وبرّهن من خلال أولئك الذين إتحدوا معًا في نسيج واحد على النتائج التي لا مفر منها، أى أنه: ” إن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضًا إيمانكم[14]. وطالما أن قيامة المسيح من الأموات هى حقيقة، فينبغى أن يتحقق في كل الأحوال، الأمر الذي يعقب ذلك والمرتبط به وهو أنه توجد قيامة للأموات. لأنه بإقامة الدليل على الأمر الجزئى، يُقام الدليل على الأمر الأعم. وبشكل عكسى إن قال أحد إن الأمر الأعم أو الشامل هو أكذوبة، أى الذي يختص بقيامة الأموات عمومًا، فإن الأمر الجزئى لن يكون حقيقيًا، أى فيما يتعلق بقيامة المسيح من الأموات. لأن ما يستحيل تحقيقه بشكل عام، لن يكون أمرًا ممكنًا لأى أحد. ولكن بالنسبة لأولئك الذين قبلوا “الكلمة“، فإن قيامة المسيح من الأموات هى أمر يثقون به ولا يقبلون الشك فيه، وبناءً على ذلك يكون بالضرورة أن الإيمان بالجزء فيما يتعلق بقيامة المسيح سينسحب على الإيمان بالقيامة العامة.

          هكذا فإنه يُلزمهم منطقيًا أن يقبلوا الإيمان (بالقيامة)، قائلاً ” إن لم تكن قيامة أموات”، (لأن هذا الذي لا يسرى بشكل عام، لن يكون جزئيًا أمرًا ممكنًا، فإن كنا نؤمن أن المسيح قد قام فإن الإيمان بقيامته يصير برهانًا على القيامة العامة للبشر). ثم يُقدم الدليل الكامل على هذا الإيمان (بالقيامة)، فيقول ” كما في آدم يموت الجميع. هكذا في المسيح سيحيا الجميع[15]. فهو يكشف بوضوح عن كل ما يتعلق بهذا السر، والذي يعلنه في الآيات اللاحقة، موجهًا حديثه لكل مَن له رجاء القيامة، في تتابع حتمى حتى يصل إلى هذه النتيجة. فالقيامة إذًا هى القصد النهائى من كل تغيير يحدث فينا.

          سأعرض أولاً لمعنى ما كتبه الرسول بولس، حتى نصل إلى الهدف من وراء كتابة هذا الجزء من الرسالة. إذًا ما هو الهدف الذي يُعلّم به الرسول بولس في هذا الجزء؟ إنه يهدف إلى شرح أن طبيعة الشر ستتحول في يوم ما وستختفى بالكامل وأن الصلاح الإلهى الدائم إلى الأبد سيحوى داخله كل طبيعة عاقلة ولن يسقط من ملكوت الله أى شئ مما خلقه الله وذلك عندما يزول كل الشر الذي اختلط بالكائنات وينحل بالنار مثلما تذوب المادة المغشوشة، وكل شئ أخذ وجوده من الله سيصير مثلما كان في البداية عندما كان نقيًا من الشر. وهذا الأمر صار بالطريقة الآتية: أن الألوهة الحقيقية النقية التي للابن الوحيد الجنس أتت إلى طبيعة البشر الفاسدة والفانية. إذًا إلى هذه الطبيعة الإنسانية قد جاء الكلمة، وصار هناك اتحادًا بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية كبداية لعجين[16] واحد، هكذا اتحدت الطبيعة الإنسانية بالطبيعة الإلهية.

          إذًا طالما أنه لا يوجد شر في طبيعة ذاك الذي لم ” يعمل ظلمًا ” كما يقول النبى: ” ولم يكن في فمه غش[17]، فقد أُبيدت فيه الخطية ونتائجها أى الموت (لأن الموت لا يأتى من أى شئ آخر سوى الخطية). لقد كانت البداية في تلاشى الشر وإنحلال الموت، هى من المسيح، وبعد ذلك فإن ما حدث قد استوجب نظامًا معينًا وفقًا لتتابع محدد. هذا يعنى أن علاقة المرء بالصلاح، سواء وجد على مسافة بعيدة أم قريبة من الأول (أى آدم الأول)، هى علاقة مرتبطة بالكائن الذى كان (أى الكلمة) من حيث القدرة والقوة التي له. حتى تكون حياة الإنسان فيما بعد بحسب المسيح، هذا الذي صار  ” باكورة طبيعتنا[18]، بعدما إتحد ناسوته بلاهوته وصار “باكورة الراقدين[19]، و “بكر من الأموات[20]، الذي ” نقض أوجاع الموت[21]، وبعد ذلك فإنه من جهة إنسانيته التي هى بلا خطية تمامًا، فهو الذي ” أباد سلطان الموت[22] و” أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة[23]، ولو أن هناك شخصًا ـ بحسب كلام الرسول بولس ـ اقتفى آثار المسيح على قدر ما يستطيع، من جهة بُعده عن الشر، فإن هذا الإنسان سيلحق بالباكورة (أى المسيح) في مجىء المسيح.

          وأقول الآتى بشأن هذا الأمر: فإن كان تيموثاوس قد اقتدى بمعلّمه بكل ما يملك من قوة، وإن كان أى شخص آخر مثله قد حاكى معلّمه، وأى أحد تالى يأتى فيما بعد ويكون أقل في الصلاح سيقتفى آثار معلّمه، وهكذا على التوالى فإن أولئك الذين هم أقل في الصلاح والذين بسبب زيادة الشر فيهم، يكون نصيبهم من الصلاح قليل، يقتفون آثار أولئك الذين يتقدمون في الصلاح حتى يصلوا إليهم بدورهم ، وعلى نفس النسق فإن الذي يحقق هذا الأمر هو الترتيب الذي يحتله أولئك الذين ينتهون إلى الصلاح بالنسبة لهؤلاء الذين ينمون في النعمة ويبتعدون عن الشر بالنسبة لأولئك الذين قد استحوذ عليهم الشر، وعندما يصل الشر إلى أقصى درجاته، يتحقق الصلاح ويختفى الشر. وهذا بكل تأكيد هو تاج الرجاء، ألاّ يبقى شئ مُضاد للأتقياء، لكن الذي يبقى هو الحياة الإلهية، فبعدما تسود على كل شئ سيختفى الموت بالكامل من البشر، طالما أنه قد مُحيت الخطية، تلك التي بها ساد الموت على الجميع كما قيل.

          عندما تبطل كل سلطة وكل سيادة للشر علينا، وعندما لا تُسيطر أى شهوة على طبيعتنا، فهناك إحتياج مطلق لأن يخضع الكل لمن هو أصل وبداية الكل. والخضوع لله هو التغرب الكامل عن الخطية. إذًا عندما نوجد جميعًا بحسب محاكتنا للباكورة، خارج دائرة الشر أو الخطية، فحينئذٍ ستخضع طبيعتنا كلها لسيادة الصلاح، طالما أنها قد إتحدت بالباكورة، وصارت واحدة معها على الدوام. وهكذا بعدما إتحدت طبيعتنا الإنسانية بالطبيعة الإلهية غير المائتة، فى شخصه المبارك يتحقق فينا مقولة “خضوع الابن”، طالما أن الخضوع الذي يتحقق بالجسد تم في الابن، الذي وضع فينا نعمة الخضوع.

          هذا هو المعنى كما أتصور، فيما علّم به الرسول بولس. لكن من المناسب الآن أن أعرض كلام الرسول بولس نفسه وهو الآتى: ” لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع. ولكن كل واحد في رتبته المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه. وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه. آخر عدو يبطل هو الموت. لأنه أخضع كل شئ تحت قدميه. ولكن حينما يقول إن كل شئ قد أُخضع فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل. ومتى أخضع له الكل فحينئذٍٍ الابن نفسه أيضًا سيخضع للذي أخضع له الكل كى يكون الله الكل في الكل[24]. والملاحظ فى هذه العبارة الأخيرة يصور أو يصف بالكلمة وبوضوح إختفاء الخطية، قائلاً إن الله سيسود على كل شئ ويصير الكل لكل أحد. أى من الواضح أنه في ذلك الوقت سيتحقق حضور الله في الكل عندما لا يكون هناك أية خطية داخل البشر. فمن المؤكد أنه ليس أمرًا طبيعيًا أن يأتى الله وسط الخطية أو وسط الشر. ولن يوجد الله في الكل عندما تبقى بقية للخطية في البشر، فإن كان ينبغى علينا أن  نؤمن أن الله يوجد حقًا في الكل، فحينئذٍ سيتضح أنه لا مكان للخطية فى هذه الحالة. لأنه من غير الممكن أن يوجد الله وسط الشر.

          وأيضًا أن يصير الله الكل في الكل، هو برهان على بساطة وفرادة الحياة التي نترجاها. من حيث إن هذه الحياة التى نترجاها ستكون مختلفة تمامًا عن الحياة الحاضرة، وهذا ما قصده بعبارة: ” يكون الله الكل في الكل“، وفيما يختص بهذه الحياة يُعد التحول نحو الأمور الإلهية أمرًا ضروريًا لكل أحد، حيث يكون الله هو طعامنا وشرابنا، وأيضًا يصير لنا الملبس والغطاء والهواء والمكان والغنى والمتعة والجمال والصحة والقوة والفكر والمجد والسعادة وكل شئ يختص بالصلاح باعتباره مُعد لنا. إذًا أهمية هذا الكلام تظهر حين يتحد الإنسان بالله، حتى أننا بهذا نتعلم أن كل من هو مُتحد بالله، يمتلك كل شئ بإعتباره يحيا بالله. وأن يحيا أحد بالله، ليس هو أمر آخر سوى أنه اتحد بالله. ولا توجد طريقة أخرى لإتحاد أحد بالله إن لم يصر جسدًا واحدًا معه، كما يقول القديس بولس. بمعنى أننا عندما نتحد معًا فى جسد واحد، نصير جميعًا جسد المسيح الواحد. إذًا عندما يسود الصلاح على الجميع، فحينئذٍ كل جسد الإنسان سيخضع للقوة المحيية، وهكذا فإن خضوع جسده يُقال عنه بأنه خضوع للابن الذي إتحد بالكنيسة التي هى جسده، الأمر الذي يشير إليه الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسى بقوله: ” الذي الآن أفرح في آلامى لأجلكم وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمى لأجل جسده الذي هو الكنيسة[25] وإلى كنيسة كورنثوس يكتب: “ وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا[26]. هذا التعليم ذَكره بوضوح في رسالته إلى أهل أفسس حيث يقول: ” بل صادقين في المحبة ننمو في كل شئ إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح الذي منه كل الجسد مُركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو للجسد لبنيانه في المحبة[27]. لأن المسيح يكمّل بنيان جسده (أى الكنيسة) بواسطة هؤلاء الذين ينضمون باستمرار إلى الإيمان، وسيتوقف عن بنيان جسده عندما يصل نمو وكمال هذا الجسد إلى قياسه هو، ولا يصبح هناك شيئًا ناقصًا من هذا الجسد، بعدما يكون كل البشر قد تأسسوا على أساس الأنبياء والرسل[28]، وإتحدوا في الإيمان عندما: ” ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح[29].

          فإذا كان المسيح هو الرأس، وهو يبنى جسده بأولئك الذين ينضمون باستمرار (إلى هذا الجسد)، مؤلفًا الجميع معًا ومحددًا لكل واحد بحسب طبيعته وفق معيار طاقته ما هو مناسب له، حتى يصير هو اليد والرِجل والعين وكل ما يؤلف الجسد، على حسب إيمان كل واحد، فإنه بهذا، يبنى جسده كما قيل. لقد صار واضحًا من خلال كل هذا، أنه بواسطة حضوره في الجميع يقبل في نفسه كل من إتحد به عن طريق الشركة في الجسد الواحد، ويجعل الجميع أعضاء جسده وبرغم أنهم أعضاء كثيرون فهم جسد واحد. إذًا فإن ذاك الذي وحّدنا معه وإتحد بنا، وصار واحدًا معنا، جعل كل ما هو لنا هو له. وتاج صلاحنا هو في الخضوع للأمور الإلهية، وذلك عندما تتوافق كل الطبيعة مع نفسها: ” وتجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب[30]. حينئذٍ بعدما يصير الكل جسدًا واحد، وبعدما يتحد الجميع فيما بينهم في المسيح من خلال الخضوع، فإنه هنا يشير إلى خضوع جسده (أى الكنيسة) للآب. إذًا لا ينبغى أن يشك أحد فيما قيل. لأننا نحن أيضًا في كل ما يصير لجسدنا، من خلال عادة ما، ننسبها للنفس. مثل ذاك الذي تحدث إلى نفسه، عندما صار في وطنه رخاء، قائلاً لها: ” كلى واشربى وافرحى[31]، فهو يُشير إلى النفس حين يتحدث عن شبع الجسد، هكذا هنا خضوع جسد الكنيسة ينسب إلى الابن الذي اتحد بالطبيعة الإنسانية. لأن كل من هو متحد به يخلص، والخلاص يُفسر بالخضوع، كما تفرض علينا مزاميرنا أن نفكر. نتعلّم بحسب التتابع المنطقى لهذا الجزء من كورنثوس، أن نؤمن أنه لا يوجد أى شئ خارج أولئك الذين يخلصون. وهذا المعنى هو الذي يُعلن عنه كلام الرسول بولس من خلال بطلان الموت وخضوع الابن. لأنهما يتفقان فيما بينهما من حيث أن الموت لن يوجد، وأن الكل سيوجد داخل الحياة. الحياة هى الابن، والذي به صار ـ بحسب الكلمة الرسولية ـ إحضار كل البشرية أمام الآب بواسطة جسده. وجسده كما قيل مرات كثيرة، هو كل الطبيعة الإنسانية التي إتحد بها. وبهذا المعنى دُعى السيد وسيط بين الله والناس[32]. بمعنى أن ذاك الذي كان في الآب وأتى وحلّ داخل البشر قد إكتملت فيه الوساطة، أى يوجد الجميع فيه، ومن خلاله يتحد الجميع بالآب، كما يقول: ” كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا[33]. وهذا يُظهره الرسول بولس بوضوح، فطالما أن الابن الذي هو في الآب قد وحّدنا به، فإن بواسطته يتحقق إرتباطنا بالآب.

          بل والآيات اللاحقة في إنجيل يوحنا تتفق مع كل ما قاله: ” وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى[34]. وأنا أعتقد أن الحديث عن المجد هنا هو حديث عن الروح القدس، الذي أعطاه للتلاميذ حين نفخ في وجوههم. لأنه بكل تأكيد من غير الممكن أن تحدث وحدة فيما بين أولئك الذين تفرقوا، إن لم يتحدوا بواسطة الروح القدس. لأنه: ” إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له[35]. الروح القدس هو المجد، مثلما يقول في موضع آخر حين يتوجه إلى الآب قاائلاً: ” مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لى عندك قبل كون العالم[36]. لأن الله الكلمة الذي كان له مجد الآب قبل خلق العالم، صار في الأيام الأخيرة جسدًا وكان ينبغى مع اتحاد الكلمة بالجسد أن ما هو للكلمة يصير للجسد، وهذا قد صار بالفعل، فقد أخذ الجسد هذا الذي كان للكلمة قبل إنشاء العالم. وهذا الذي كان للابن هو الروح القدس. لأنه لا يوجد أحد قبل الدهور سوى الآب والابن والروح القدس. ولهذا يقول هنا: ” وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى ليكونوا واحد كما أننا واحد“. لنرى الكلام اللاحق لذلك مباشرةً في الإنجيل (أى إنجيل يوحنا) ” ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكملين إلى واحد[37]. إننى أتصور أن هذه الأمور لا تحتاج إلى أى توضيح، ما تحتاجه هو الإتفاق مع المعنى المطروح، لأن الكلمات ذاتها تعرض بوضوح التعليم الخاص بهذه الأمور ” ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد“. وبالتأكيد من غير الممكن أن يصير الجميع واحدًا، مثلما نحن واحد، إن لم يتخلصوا من كل ما يفصلهم الواحد عن الآخر، وإن لم يتحدوا بنا لكى يكونوا واحدًا، كما نحن واحدًا. وكيف أكون أنا فيهم؟ لأنه ليس ممكنًا أن أوجد أنا فقط فيهم، لكن يجب على كل حال أن تكون أنت فيهم، لأننا نحن واحد. وهكذا سيكمّلون إلى واحد، هؤلاء الذين إكتملوا فينا. هذه النعمة يُعلن عنها الابن بوضوح في الكلام اللاحق قائلاً الآتى ” وأحببتهم كما أحببتنى [38]. أى أن الآب يحب الابن فإن كنا نوجد في الابن، نحن الذين صرنا جسده من خلال الإيمان به، فبالنتيجة من يُحب الابن يُحب جسده، ونحن جسده. إذًا قد صار واضحًا من خلال كل ما قلناه، أن المعنى الذي يقصده الرسول بولس في هذا الجزء من الرسالة إلى كورنثوس بخصوص خضوع الابن للآب، هو الاعلان بكل وضوح عن معرفة الله والخلاص الذي تحقق لكل الطبيعة الإنسانية.

          ولكن يمكن أن يصير كلام الرسول بولس في هذا الجزء من كورنثوس أكثر وضوحًا من خلال بعض المعانى الرسولية في مواضع أخرى، والتي سأشير إلى واحدة فقط منها، وسأتجاوز عن شهادات أخرى كثيرة، وذلك لكى لا أعطى لحديثى إمتدادًا أكثر. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: “مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ[39]. إذًا لو أن بولس الذي صلب مع المسيح لا يحيا هو بل يحيا بالمسيح، فإن كل ما يصنعه كما يقول بولس يكون بالطبع من خلال المسيح الذي يحيا فيه. لأن الرسول بولس يقول إن كلامه هو كلام المسيح: ” إذ أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ[40]. ويؤكد الرسول بولس على أن كل إنجازات فى العمل الكرازى ليست بقوته هو، لكنه ينسبها إلى نعمة المسيح الساكن فيه. إذًا إن كان يقال ـ تبعًا لهذه الرؤية ـ إن المسيح الساكن فيه هو الذي يعمل ويتكلم بما يقوله القديس بولس، فإن هذا قد حدث بعدما تحرر من كل قيود الفساد والموت، إذ كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا[41]، وقد صار هدفه هو الصلاح الحقيقي فقط، وفي هذا خضع وأطاع، وبناء على ذلك فإن خضوع القديس بولس لله يتحقق بالمسيح الذي يسكن فيه، والذي يتكلّم داخله بالصلاح، ويعمل من داخله، وقمة الصلاح كله هو في “الخضوع” لله. والآن فإن ما تبرهن عليه بالنسبة لشخص واحد، سيسرى منطقيًا على كل الطبيعة الإنسانية، عندما يحدث كما يقول الرب: ” ويُكرز بالإنجيل للخليقة كلها[42]. لأنه عندما يتخلص الجميع من إنسانهم العتيق بأعمالهم ورغباتهم، ويقبلون الرب داخلهم، فبالضرورة يكون ذاك الذي يحيا فيهم هو الذي يفعل كل صلاح يصنعونه. والسعادة العظمى التي تفوق كل شئ، هو في الصلاح الذي وُهب لنا بالإبتعاد عن فعل الشر. ولا توجد طريقة أخرى بها نستطيع أن نبتعد عن الشر إن لم نتحد بالله من خلال الخضوع له. وبناء على ذلك فإن الخضوع لله يتم في الابن الذي يسكن فينا. فإن كان هناك شئ حسن فهو منه، وإن كان هناك صلاح ما فإنه يأتى منه كما يقول أحد الأنبياء. إذًا طالما قد تبرهن أن الخضوع هو أمر حسن وصالح ويأتى من الابن، فعلى كل الأحوال الابن هو الصلاح الكامل الذي منه ينبع كل صلاح، كما يقول النبى. ولا ينبغى لأحد أن يحتقر كلمة “الخضوع” واضعًا في إعتباره المعنى السئ للكلمة كما يراه الكثيرون. لأن حكمة بولس العظيم تعرف أن تستخدم الكلمات بحرية، كما يعتقد هو أن ذلك حسن ويلائم بين معانى الكلمات من خلال ترابط أفكاره، حتى ولو كانت العادة تقود إلى استخدام هذه الكلمات تجاه معانى أخرى مختلفة. فمن أين أخذ إستعمال عبارات ” أخلى نفسه[43]، “عطيته التي لا يعبر عنها[44]، و” تعطل الإيمان[45] و”لئلا يتعطل صليب المسيح”[46]. وعندما استخدم هذه الكلمات في رسائله بأى كيفية قد إستخدمها؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يتهمه لأنه قال “حانين إليكم[47]، وهى كلمة تبيّن علاقة محبة؟ وكيف استخدم عبارة: ” لا تنتفخ[48]، لكى يُبيّن أن الإنتفاخ لا علاقة له بالمحبة؟.

          أيضًا الرغبة في النزاع وحب المشاجرة، كيف يقدمها الرسول بولس بكلمة (erqe…a) وهى تعنى عمل مقابل أجر، وهو معروف للجميع أن الكتاب المقدس أخذ كلمة (šriqoj – eriqe…a) من كلمة (eriourg…a) وهى تعنى صناعة الصوف، وقد إعتدنا أن نعرض لكلمة (eriqe…a) بمعنى الإنشغال بالمنازعات.

          لكن بولس لا يبالى بالجذور الجامدة للكلمات، ويُعبّر عما يعتقد أنه مناسب للمعنى الذي يريده بأى كلمات. ويمكن لمَن يفحص كلام الرسول بولس بدقة وهو غير مُستعبد للإستخدام المعتاد للكلمات، بل يستخدمها بحرية بالمعنى الذي يراه، ودون مراعاة مطلقًا للعادة، أن يجد فيه أمور أخرى كثيرة. هكذا هنا أيضًا فإن الرسول بولس فيما يختص بمعنى “الخضوع”، يُعطى معنى مختلف عن المعنى العام المعتاد.

          والدليل على ما أقوله، أنه ولا حتى فيما يختص بخضوع الأعداء، فى علاقته بهذا الجزء من الرسالة، هو خضوع إضطرارى وغير إرادى، مثلما يقول كل مَن هو عبد للعادة، لكن من خلال كلمة “الخضوع” يُستعلن الخلاص في هؤلاء. الدليل على هذا هو التمييز الذي صنعه الرسول بولس فيما يتعلق بكلمة عداوة في هذا الجزء من خلال معنيين. لأنه يقول إن من الاعداء مَن سيخضع ومنهم مَن سيُبطلون. سيبطل العدو الطبيعى أى الموت، وستُبطل الخطية وسلطانها وقوتها. وسيخضع لسبب آخر المدعون أعداء الله، أولئك الذين فضّلوا السلوك في الخطية على ملكوت الله، هذا ما أشار إليه في الرسالة إلى أهل رومية قائلاً: ” لأنه وإن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله[49]. الخضوع الذي يتحدث عنه هنا يُسميه هناك (أى في رسالة رومية) “صلح” وكلا الاسمين يعلن عن الخلاص. لأنه مثلما يأتى الخلاص من الخضوع، هكذا فإنه في موضع آخر يقول ” فبالأولى كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته[50].

          إذًا هؤلاء الأعداء ـ كما يقول الرسول بولس ـ سيخضعون لله، والموت لن يوجد بعد وسيبطل سلطانه. هذا ما تعنيه كلمة “سيبطلون” حتى أنه يصير واضحًا من خلال هذا أن سيادة الشر ستُستأصل بالكامل، بينما أولئك الذين عصوا، دُعوا أعداء الله، هؤلاء بالخضوع سيصيرون أحباء المسيح، حين يقتنعون بذاك الذي يقول: ” نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله[51]. بحسب وعد الإنجيل عندما يتصالحون سيُحصَون مع الأصدقاء وليس مع الأعداء. وهو (أى الابن) أيضًا: ” لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه[52]. وكما أعتقد سيكون أمرًا صالحًا أن نفهم بكلمة “يملك” أنه “يمتاز”. حينئذٍ يتوقف القوى عن أن يمتاز في الحرب، عندما يختفى كل شئ مقاوم للصلاح، عندما يجمع كل مُلكه ويقدمه لله الآب، موحدًا كل شئ فيه. والقول بأنه يُسلم ملكه لأبيه، نفس المعنى يحمله القول بأنه يقود الجميع إلى الله، ذاك الذي فيه لنا قدوم لدى الآب. إذًا فهؤلاء الذين كانوا ذات مرة أعداءً له، ثم صاروا تحت أقدام الله، عندما يبطل الموت (طالما أنه لن يوجد أموات، فبالطبع لن يوجد موت)، عندئذٍ من خلال خضوعنا جميعًا، والذي لا يُفهم بالتأكيد على أنه خضوع عبودية، بل هو ملكوت لا يفنى وسعادة دائمة، عندها كما يقول الرسول بولس فإن ذاك الذي يحيا داخلنا (أى الابن) سيخضع لله، ذاك الذي به يكتمل صلاحنا ويصنع بنا ما هو مُسر أمام الله.

          على قدر قدراتنا الذهنية، قد فهمنا على قدر ما نستطيع هذا الجزء (أى المتعلق بخضوع الابن) والخاص بحكمة بولس العظيم، وقد أردنا أن نُبيّن أن المقاومين للإيمان من الهراطقة، لم ينتبهوا إلى هدف الرسول بولس الذي من أجله كتب هذا الكلام. أخيرًا إن كان التفسير الذي قدمته لك بشأن هذا الموضوع يكفيك، فلنعطِ المجد لله. أما إن إتضح لك أن هناك شيئًا ناقصًا في هذا الإيضاح، فسأقبل برغبة كاملة أن تكمل ما نقص، لو أوضحت لنا ذلك برسالة منك، وأصلي أن تُستعلن المعانى المختفية بالروح القدس.

[1] مز6:12.

[2] تيطس 9:2.

[3] مز6:8.

[4] مز3:47.

[5] مز3:18.

[6] مز1:62.

[7] مز1:6.

[8] لو 51:2.

[9] عب15:4.

[10] يو4:2.

[11] أى بالطبيعة البشرية للكلمة المتجسد

[12] 1كو35:15.

[13] 1كو47:15ـ49.

[14] 1كو13:15ـ14.

[15] 1كو22:15.

[16] ” كل عجينة البشرية أعطتها بالكمال لله الخالق وكلمة الآب” (ثيوطوكية الخميس).

[17] إش9:53.

[18] 1كو23:15.

[19] 1كو20:15.

[20] كو18:1.

[21] أع24:2.

[22] عب14:2.

[23] 1كو24:15.

[24] 1كو22:15ـ28.

[25] كو24:1.

[26] 1كو27:12.

[27] أف15:4ـ16.

[28] أف20:2.

[29] أف13:4.

[30] في10:2ـ11.

[31] لو19:12.

[32] 1تيمو5:2.

[33] يو21:17.

[34] يو22:17.

[35] رو9:8.

[36] يو5:17.

[37] يو21:17ـ22.

[38] يو23:17.

[39] غلا20:2.

[40] 2كو3:13.

[41] 1تيمو13:1.

[42] مر15:196.

[43] في7:2.

[44] 1كو15:9.

[45] رو14:4.

[46] 1كو17:1.

[47] 1تس8:2.

[48] 1كو4:13.

[49] رو10:5.

[50] رو10:5.

[51] 2كو20:5.

[52] 1كو25:15.

 

خضوع الابن للآب – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

وقام في اليوم الثالث

 

أشعة النور الروحية[1]

إن كانت هناك بركة أبوية قد تأكدت بروح الله، وإن كان هناك أى صلاح للناموس الروحي، قد ترّجى المجاهدون بالروح أن يحصلوا عليه، مؤمنين بالوعد، وإن كنا نؤمن بأن الحقيقة قد صيغت مُسبقًا من خلال تلميحات التاريخ، وإن كان هناك صوت نبوي قد بشّر بالأمور السمائية، فإن كل هذه الأمور مجتمعة تُمثّلها النعمة الحاضرة ” التي نحن فيها مقيمون“. ووفقًا لهذا المشهد الذي يمتد أمام أعيننا ويبهر أبصارنا من كل جهة، كما من نور مُركّز ينبثق من عشرات الألوف من المشاعل، هكذا هى بركة المسيح التي تُشرق، فتبعث فينا هذا النور العظيم والذي يتشكل من أشعة الكتاب المقدس الكثيرة والمتنوعة. لأنه يمكن للمرء أن يأخذ من كل واحد من أولئك الملهمين بالروح، نماذج تناسب احتفال هذا اليوم. اطلب البركة التي نالها إبراهيم (تك4:26). إذا كان لديك إيمانًا بما تطلبه ستراه في الحاضر. هل ترى نجوم السماء؟ أعني بها تلك النجوم التي جعلها الروح تُشرق لأجلنا، والتي حوّلت الكنيسة فجأة إلى سماء، والتي بها استُعلنت النعمة المبهرة للنفس، من خلال أشعة النور الروحية. إن قال أحد بأن هؤلاء هم بالحقيقة أبناء لإبراهيم، والذين وهبهم الله له بالوعد الإلهي، والذين هم مثل نجوم السماء، فهذه حقيقة، والحقيقة لا تُخطئ. يجب أن تندهش لموسى النبي الذي وصف كل خليقة الله بالتفصيل، بقوة المعرفة. وأن تضع أمامك السبت المبارك الذي حدده الله لأول مرة عندما خلق العالم، ولتدرك من خلاله، يوم التوقف عن العمل، الذي باركه الله أكثر من الأيام الأخرى. لأن في هذا اليوم بالحقيقة قد استراح ابن الله الوحيد الجنس من أعماله، بتدبير موته، الذي بحسبه قد استراح بالجسد. وبعدما قام من بين الأموات، أقام معه كل الأموات، وأصبحت هناك حياة، وقيامة، وشروقًا، وفجرًا جديدًا، ونورًا لكل من كان يحيا في الظلمة وظلال الموت.

 

سر الموت والقيامة:

         والتاريخ المقدس ملئ بالبركة، إبراهيم لم يشفق على ابنه المحبوب وحيده، الذي صار تقدمة وذبيحة، ثم أرسل له الله الخروف الذي ذبح بدلاً منه (تك13:22). أى أنه يمكن للمرء أن يرى سر إيماننا في أحداث التاريخ المقدس. الخروف علّقوه من قرنيه على الخشب، بينما الابن الوحيد الجنس حمل خشب ذبيحته على كتفه (تك6:22). أرأيت كيف أن ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب3:1)، هو نفسه يحمل ثقل أحمالنا، ليرفعها على الصليب الذي حمله كإله، وأيضًا الذي حمل الخشبة كحمل، قسّم الروح القدس للاثنين أُعطى للابن المحبوب، وللخروف الذي أشار إليه الله نصيبًا من الروح القدس، وهذا سر عظيم، حتى يُظهر أنه بالخروف يُستعلن سر الموت، وبالابن الوحيد تُستعلن الحياة التي لا تنقطع بالموت؟ وإن أردت سأوضح لك هذا، من خلال موسى النبي الذي برفع يديه، رَسم شكل الصليب، وبهذا الشكل هزم عماليق (خر11:17)، إنك تستطيع أن ترى المثال وهو يتحقق في الواقع، فعماليق يُهزم بالصليب. أمامك أيضًا إشعياء النبي الذي يقدم لك تقدمة كبيرة، توضح لك مقدار عطية الله في هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة). لأنني تعلّمت منه أمور كثيرة، عن الأم العذراء، عن الطفل الذي بلا أب، عن المخاض الذي بلا ألم، عن الميلاد غير الدنس، يقول النبي: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل والذي تفسيره الله معنا” (إش14:7، مت21:1 ـ22). من جهة أن المخاض لم يصاحبه ألم، فهذا ما يُعلّمك إياه المنطق أولاً، فمن المحتم أن كل شهوة يصاحبها ألم، وإذا غاب عامل من العوامل المصاحبة لبعضها البعض فلن يكون هناك وجود للجانب الآخر. إذًا فحيث إن الولادة يسبقها ألم، فبالضرورة لن يلحقها ألم. هذا ما يؤكده النبي بقوله: ” قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا” (إش7:66)، وعن هذه الأم العذراء يقول:   ” لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مُشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام” (إش6:9). هذا هو الوعد، هذا الابن ” سيق للذبح كشاه. وكنعجة صامتة أمام جازيها” (إش7:53). أو من الأفضل كما يقول إرميا ” كخروف داجن يُساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد اسمه” (إر9:11). لكن ما هو أفضل وأكثر جلاء ووضوح من كل شئ، نأخذه من النبوة التي سبقت وصوّرت السر (سر الموت والقيامة) بكل وضوح. أقصد يونان النبي الذي كان في بطن الحوت، دون أن يُصاب بأى أذى، وخرج من بطن الحوت دون أن يعتريه أى شئ، وبقى في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وهى إشارة لبقاء الرب في القبر (ثلاثة أيام وثلاث ليال) (يونان1:2).

 

نعمة الحياة الجديدة:

         هذه وأمور أخرى شبيهة بها، ينبغي أن تختارها من كل سفر لتفحصها. لأن كل هذه الأمور، تراها متحققة في فرح هذا اليوم (الاحتفال  بالقيامة). لأن “الناموس كله والأنبياء”، يتعلق بهذه الرؤية، كما يقول الإنجيل في موضع ما (مت40:22). وأيضًا ” كل الكتاب هو موحى به من الله” (2تى16:3). كل هذا يتجمع ويتلخص وفقًا لكلام الرسول بولس في هذه النعمة (أى نعمة الحياة الجديدة التي نلناها بالقيامة). إذ أن نهاية الأحزان، وبداية الخيرات قد تحققت بالقيامة. ما أعنيه هو الآتي، أن الموت قد ساد على الجميع، وجعل بداية طغيانه المدمر اعتبارًا من آدم، وظل سلطانه البائس حتى موسى نفسه (رو14:5). لأن الناموس لم يستطع مُطلقًا أن يُقلل أو يحد من سلطان الموت. ولكن ملكوت الحياة قد أتى، وبطل سلطان الموت، وصار هناك ميلادًا آخر، وحياة أخرى، ونوعية أخرى للحياة، لقد حدث تغيير في طبيعتنا ذاتها.

         وما هو هذا الميلاد؟ هو ميلاد ” ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل. بل من الله” (يو13:1). وكيف حدث هذا؟ سأشرح لك الأمر بعروض. إن هذه الولادة تأتي بالإيمان، تأتي إلى النور بميلاد المعمودية الثاني (يو5:3)، فالكنيسة هى المرضعة، والتعاليم هى الثدي، والخبز السمائي (يو31:6ـ33) هو الغذاء، والمدينة السمائية هى تمام أو كمال العمر، زواج وحياة مشتركة بالحكمة، البيت هو الملكوت، الميراث والغنى هو حياة الفردوس الهنيئة، وأخيرًا الحياة الأبدية المطوبة التي تنتظر المستحقين بدلاً من الموت. هذه الأمور كلها يراها زكريا النبي العظيم كبداية للتغيير نحو الصلاح،ويتشكك فيما يتعلق بنطق الاسم الذي ينبغي أن يدعو به هذه النعمة. أى أنه بعدما روى المعجزات الأخرى المتعلقة بالألم، قال عن هذه اللحظة الآتي: ” لا نهار ولا ليل بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نور” (زك7:14) ، وهذا يعني أنه لا يمكنه أن يدعو تلك اللحظة نهارًا، طالما أنه لا توجد شمسًا، بل ولا يستطيع أن يدعوها ليلاً، طالما أنه لا يوجد ظلامًا. لأن الله دعى الظلمة ليلاً (تك3:1)، كما يقول موسى.

 

السماء الجديدة والأرض الجديدة:

         إذًا لأنه بحسب الزمن فالظلام ليل، أما بالنسبة للنور فهو نهار، ولهذا السبب يقول النبي ” لا نهار ولا ليل“. إذًا إن كانت تلك اللحظة لا هى نهار ولا هى لليل، بحسب كلام النبي، حينئذٍ فإن هذه النعمة على كل الأحوال تُدعى شيئًا آخر. أتريدون أن تعرفوا فيما أفكر؟ أفكر فيما قاله المرنم ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب (مز24:118)، يوم مختلف عن سائر الأيام التي صارت من بداية الخليقة، والتي بها نقيس الزمن. هذا اليوم هو بداية خليقة أخرى. لأن الله في هذا اليوم يخلق سماءً جديدة وأرضًا جديدة (إش17:65)، كما يقول النبي. أى سماء هذه؟ هى الثبات في الإيمان بالمسيح (لو15:8). وأى أرض؟ هى القلب الصالح (إش11:61)، أقول كما قال الرب، الأرض التي تشرب المطر الذي يسقط عليها، وتجعل السنابل حاملة الثمار تنضج. في هذه الخليقة الجديدة، الشمس هى الحياة النقية، النجوم هى الفضائل، الهواء هو المدينة الطاهرة، البحر هو عمق غنى الحكمة والمعرفة، الخضرة والعشب هى التعاليم الصالحة الإلهية، حيث يرعى شعب مرعاه (مز7:95)، أى رعية الله، الشجر الذي يثمر هو تتميم الوصايا. في هذا اليوم خُلق الإنسان الحقيقي الذي صار بحسب صورة الله ومثاله (تك26:1). رأيت أى خليقة قد صارت في “ هذا اليوم الذي صنعه الرب“، والذي عنه يقول النبي ” لا نهار ولا ليل” أى لأنها مثل الأنهُر الأخرى، ولا ليل مثل الليالي الأخرى (زك1:14ـ11). ولم يحدث أن بُشر أحد بالعطايا المتميزة لهذا اليوم. في هذا اليوم نقض أوجاع الموت (أع24:2)، أصبح هذا اليوم بمثابة استقبال للبكر من بين الأموات (كو18:1)، في هذا اليوم سُحقت أبواب الموت الحديدية (مز16:107)، وكُسرت مصاريع الجحيم النحاسية. اليوم فُكّت أربطة الموت، اليوم يُكرز بإطلاق المأسورين (إش7:42)، اليوم العميان يُبصرون (لو79:1)، اليوم يُشرق النور السمائي على الجالسين في الظلمة وظلال الموت (إش2:9).

 

ليس بعد موت:

         أتريدون أن تعرفوا شيئًا عن مدة الثلاثة أيام؟ يكفي أن أقول هذا فقط، أنه في مدة زمنية قصيرة استطاعت الحكمة كلية القدرة أن تصل إلى قلب الأرض (مت40:12)، ويُجّهل عظمة قلب ذلك الذي كان يحيا هناك (1كو20:1). لأنه هكذا قد دعاه النبي، داعيًا إياه ” عظمة قلب ملك أشور” (إش12:10)، لأن القلب يعني موطن الذهن، ولهذا ذهب الرب إلى قلب الأرض، الذي يعتبر بمثابة مسكن القلب الخبيث (إش11:19) لكي يُجّهل فكره (أى13:5)، كما تقول النبوة ” الآخذ الحكماء بحيلتهم فتتهور مشورة الماكرين“. ولأنه كان من المستحيل أن يهين رئيس الظلام حضور النور المبهر، طالما أنه لم يرى فيه أى أثر للجسد، لذلك بمجرد أن رأى الجسد الإلهي، ورأى العجائب التي صنعتها الألوهية فيه، تمنى لو أنه هزم هذا الجسد بالموت، لأنه بهذا كان سيهزم كل قوة الألوهية. ولذلك فقد ابتلع طعم الجسد، أُمسك في صنارة الألوهية وهكذا سحب التنين بالصنارة كما يقول أيوب، الذي سبق وتكلم عما سيحدث قائلاً: “يثقب فمه بخزامه” (أى24:40).

         الآن لنستمع إلى صوت النبي الذي تكلم عن هذه الأمور وفحصها، إذ تحدث عن قلب الأرض الذي فتح فمه ضد جسد الرب. ماذا قال عنه إشعياء حتى يوضح أفكاره؟ قال: ” وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسيّ فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العليّ” (إش13:14ـ14). هذا ما يفكر فيه القلب الخبيث. أيضًا ماذا قال القلب المليء بالشرور في داخله أى ملك أشور الخبيث، لنستمع مرة أخرى إلى صوت إشعياء القائل: ” بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم. ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائر وحطمت الملوك كبطل. فأجابت يدي ثروة الشعوب كعش وكما يجمع بيض مهجور جمعت أيأكل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف” (إش13:10ـ14).

         لقد قبل السيد المسيح ـ بسبب محبته للبشر ـ أن يفتقد عالم الأموات، فماذا أصاب رئيس الظلام؟ تروي النبوة بوضوح أن ما أصابه كان عكس ما ترجاه، تقول النبوة ” كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح. كيف قُطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم” (إش12:14). وأمور أخرى كثيرة رويت عن هلاكه. ومن يريد التعرف عليها بالتدقيق يعود إلى الكتاب المقدس. الآن يجب عليّ أن أعود إلى موضوعنا. من أجل هذا نزلت الحكمة الحقيقية إلى الفم الواسع لقلب الأرض، لكي تمحو من هذا القلب الفكر الموغل في الشرور، وأن تُنير خفايا الظلام (1كو5:4)، وأن ” يُبتلع المائت من الحياة” (2كو4:5)، وينتهي إلى العدم، بعدما يبطل العدو الأخير الذي هو الموت (1كو26:15). هذه الأمور جميعها هى عطية فترة الثلاثة أيام التي قضاها الرب في القبر من أجلك. هل جاءت النعمة متأخرة؟ هل هذا الصلاح قد تحقق في مدة قصيرة جدًا؟ أتريد أن تعرف كم الأمور الضخمة التي تحققت في زمن قصير جدًا؟ أحصي كل أجيال البشر، من بداية دخول الشر حتى بطلانه، كم عدد البشر في كل جيل، وكيف يمكن إحصاء أعداد لا تُحصى. تُرى هل هناك رقم يمكن أن يُحدد أعداد تلك الجموع التي لا تُحصى، والتي في تتابعها بجموع أخرى، يتسع الشر معها أيضًا بل ويزيد بقدر ما يتوزع على كل واحد من هذه الأعداد؟ وهكذا فقد تزايد الشر خلال مسيرة طويلة وعامة في أجيال متعاقبة، حتى وصل إلى أقصى حد له، إذ أُخضعت الطبيعة الإنسانية، وهذا ما أثاره النبي، مؤكدًا على سيادة الشر على الجميع، بقوله: ” الكل زاغوا وفسدوا ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد” (مز3:14ـ رو12:3).

         إذًا هل يعتبر تراكم هذا القدر الكبير من الشرور التي تجمعت من وقت خلق العالم، حتى وقت آلام الرب، والتي أبطلت في ثلاثة أيام، دليلاً بسيطًا على قوته الفائقة، أم هو أقوى من كل عجائب التاريخ المقدس؟ إن كل هذا الشر تلاشى بعمل الرب دون أى صعوبة، الأمر الذي يعد برهانًا عظيمًا جدًا على قوته الفائقة (أف19:1). ويمكن تشبيه ذلك بشمشون (قض6:14)، الذي بهر كثيرين بقوته، لا لأنه هزم الأسد فقط، بل لأنه قتله بسهولة بأيدي مجردة، ومزّقه بدون سلاح، مزّق هذا الوحش الكبير القوي، كما لو كان يلهو أو يمزح معه. وما صنعه الرب لم يتطلب طوفانًا ضخمًا تسقط فيه مياه غزيرة من شلالات السماء لتغمر الأرض، ولا بحارًا عميقة تفيض المياه على جانبيها فتغطي وجه الأرض، ولا صارت المسكونة كلها كقارب يغوص ويغرق ويستقر في القاع، ولا جبال تغمرها المياه، ولا قمم جبال تختفي في أعماق البحار (تك17:7ـ20)، ولا أمورًا شبيهة بسدوم (تك24:19)، التي أُمطرت بالنار لكي يصنع تطهيرًا من الفساد بلهيبها، ولا يأتي شئ آخر مشابه لذلك. إن عمل الرب هذا هو فكر بسيط وغير مُدرك في إشراق متفرد للحياة والنور على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، أدى إلى تلاشي وفناء تام للظلام والموت.

 

ثلاثة أيام في القبر:

         هل لي أن أقول شيئًا قريبًا مما قلته؟ لقد نبت الشر داخل الحية، هُزمت المرأة من تجربة الحية، ثم بعد ذلك هُزم الرجل من المرأة (تك1:3ـ6). لقد وُلد الشر في ثلاث مراحل. فما الهدف الذي ترمي إليه الملاحظة؟ نستطيع من خلال التتابع الذي سار فيه الشر، أن نفهم ترتيبًا ما في  مراحل الصلاح. أرى أن هناك ثلاث مُستقبلين للشر. المرحلة الأولى هى التي فيها تكوّن الشر، الثانية هى التي انتقل إليها الشر، والثالثة هى التي فيها تقدم الشر فيما بعد. إذًا لأنه في المراحل الثلاث هذه، ملأ الشر أعني الطبيعة الشيطانية، جنس النساء والرجال، ولهذا تحديدًا، فإن المرض اختفى في ثلاثة أيام، من الجنس البشري، أى من هؤلاء الذين مرضوا بالخطية، وحُرموا من الشفاء يومًا ما. ففي اليوم الأول تحرّر الرجال من مرضهم. وفي اليوم الثاني شُفى جنس النساء، وفي اليوم الثالث بطل العدو الأخير أى الموت، وتلاشى مع رئيس الموت والرئاسات والسلاطين وكل القوات المضادة التي وضعها لمساندته (1كو26:15، 24). لا تتحير إذا رأيت الصلاح يتم على فترات زمنية متعاقبة. فالقوة الإلهية لم تكن عاجزة بكل تأكيد على أن تُكمّل كل شئ بالتمام عند بداية خلقة العالم. إن خلق الكائنات تم في إطار زمني حتى أن تنتهي مرحلة من خلق الكون في اليوم الأول، والمرحلة الثانية في اليوم الثاني، وبنفس الطريقة تم خلق المراحل المتبقية فيما بعد، إلى أن اكتملت الكائنات، طالما أن الله قد أكمل الكون في عدة أيام. هكذا هنا أيضًا، عن طريق حكمته التي لا يُعبر عنها، أبطل الشر وابتعد عن الكائنات في ثلاثة أيام، عن الرجال، عن النساء، وعن نسل الحية، حيث ولد الشر أولاً.

         هذا ما كنت أُفكر فيه بخصوص الأيام الثلاثة. وما إذا كان هذا الفكر فكرًا صحيحًا أم لا، فهذا أتركه لتقييم السامعين. لأن كلامي ليس قانونًا، بل تمرينًا للذهن وبمثابة بحث. وإن أردت أن ترى بالتدقيق مدة الأيام الثلاثة في إطار الآلام (آلام المسيح)، انتظر قليلاً، وربما يوضح حديثي لك هذا، (لأن ما يتبقى من الرقم ثلاثة أيام ليس زمنًا قليلاً، إذا حسبته بعد الساعة التاسعة يوم الجمعة، بعد أن أسلم الروح بين يدي الآب). إذًا ما هو فحوى كلامي؟ أقول حوّل نظرك نحو عظمة القدرة الإلهية، وعندئذٍ لن تجهل هذا الذي نطلبه هنا. تذكّر كلام الرب، وماذا أعلن عن نفسه، ذاك الذي له السيادة على كل شئ، كيف أنه بقوة سلطانه الذاتي، يستطيع أن يفصل النفس عن الجسد، قائلاً: ” ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا” (يو18:10). ليكن هذا مفهومًا، وقد اتضح المطلوب. لأن من يدبر كل شئ بسلطانه الإلهي، فبكل تأكيد لا يمكن أن يصير رئيسًا وسببًا لخلاص كل البشر مجبرًا، بسبب خيانة وهجوم اليهود وحكم بيلاطس. لقد عرف مسبقًا وبطريقة معجزية لا يُعبر عنها، أن هذا الهجوم سيحدث، وقدم نفسه للبشر، تقدمة غير مرئية، ليصير ذبيحة لأجلنا. وهو الكاهن وفي نفس الوقت هو حمل الله، الذي يرفع خطية العالم (يو29:1). متى حدث هذا؟ عندما جعل جسده مأكلاً لتلاميذه وجعل دمه مشربًا لهم. لأنه من الواضح لكل واحد، أن الإنسان لا يمكنه أكل الخروف ما لم يسبق ذبحه. إذًا فذاك الذي قدم جسده مأكلاً لتلاميذه، أظهر بكل وضوح، أن ذبيحة الحمل كانت قد اكتملت بالفعل. لأنه بالتأكيد لن يكون جسد الذبيح مناسبًا للأكل، لو كان حيًا. إذًا فعندما أعطى لتلاميذه أن يأكلوا من جسده ويشربوا من دمه، بشكل لا يُدرك وسلطان من دبّر السر بصورة لا يُعبر عنها، وبشكل غير مرئي، يكون بهذا قد قدم جسده ذبيحة بالفعل.

         إذًا طالما أن رئيس الكهنة الأعظم قد قدم ذبيحته لله بشكل غير مرئي ولا يُعبر عنه، من أجل خطايانا جميعًا، فلن يحيد المرء عن الحقيقة إذا حسب الوقت الذي أمضاه الرب في أعماق الأرض. بدءً من الخميس مساء حين أكلوا ذلك الجسد المقدس، وأعقبه الليل الذي قبل يوم الجمعة. ثم بعد ذلك نهار الجمعة مع الليل الذي انتصف وقسّم إلى نصفين، أى يُحسب هذا ليل واحد ونهاران. لأنه إن كان الله قد دعا الظلام ليلاً (تك5:1)، إذ أن الظلمة قد حلت على الأرض لمدة ثلاث ساعات (مت45:27). هذه الظلمة تعتبر ليل يعرف كسابقة حدثت لأول مرة في منتصف النهار وحددت قسمّي اليوم، الأول من الشروق حتى الساعة السادسة (الظُهر)، والثاني من الساعة التاسعة حتى المساء، وقد كان ذلك الوقت، ليلين ونهارين. ثم بعد ذلك جاء الليل الذي قبل السبت، وفيما بعد نهار السبت، وسيكون لديك ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. إذًا أرجو أن تبحث في وقت حدوث القيامة، وستجد الحقيقة فيما أقوله. إذًا متى حدثت؟ يقول متى الإنجيلي ” وبعد السبت” (مت1:28). هذا هو وقت القيامة بالوضوح الذي يقدمه الإنجيل، هذا هو الحد الفاصل لبقاء الرب في أعماق الأرض. أى أنه بينما كان المساء متقدمًا كثيرًا (والمساء كان بداية لتلك الليلة الذي أعقبه نهار أول السبت)، ففي هذا الوقت حدثت الزلزلة، وفيه أيضًا ظهر الملاك الذي كان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج، والذي دحرج الحجر عند باب القبر (مت2:28ـ3). لكن النسوة اللائي استيقظن باكرًا جدًا، وعند بزوغ نور النهار، الذي بدأ يلوح في الأفق علامة لشروق الشمس، عندئذٍ بدأن يُخبرن التلاميذ بالقيامة التي حدثت، حيث تأكدن بالفعل من المعجزة، لكنهن لم يتكلمن عن وقت القيامة. أما كونه قام، فهذا ما أخبرهن به الملاك، لكنه لم يخبرهن بتوقيت القيامة، متى حدثت. لكن متى العظيم وحده من بين الإنجيليين، أعلن بدقة وقت القيامة، قائلاً إن وقت القيامة كان بعد السبت. بما أن هذه الأمور قد صارت بهذه الطريقة، فالمسافة الزمنية التي عرضها من مساء الخميس إلى مساء السبت مع حساب الوقت والليل الذي توسط كما قلت، والذي قسم يوم الجمعة إلى نهارين وليل واحد. لأنه لا توجد ضرورة تُجبر ذاك الذي له سلطان على هذا الدهر أن تدخل أعماله في إطار بعض المقاييس الزمنية، بل أن هذا قد حدث لإرساء معايير جديدة للزمن، طالما أن القوة الإلهية تختصر (الزمن) لتحقيق الأعمال الصالحة بحيث تُخطط المقاييس الزمنية بشكل مُنفصل، حتى أنه لا يُحصى الزمن بأقل من ثلاثة أيام وثلاث ليال، لأن الحديث السري غير المعلن يشير إلى هذا العدد، فالقوة الإلهية لن تُعاق عن تنفيذ عملها بسرعة، ولن تنتظر المعايير المعتادة لعدد الأيام والليالي. فذاك له السلطان وحده أن يضع ذاته وأن يأخذها، عندما يريد، له السلطان كخالق للدهور، لا أن يُخضع ذاته وأعماله للزمن، بل بالحرى يُحرك الزمن وفقًا لأعماله.

 

كيف وجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد:

         لكن الحديث لم يتناول بعد النقطة الأكثر أهمية. لأنه من الطبيعي أن يبحث محبو المعرفة، عن كيفية تسليم الرب ذاته لثلاثة في الوقت نفسه، أى لقلب الأرض، وللفردوس مع اللص، وليدي الآب. لأنه قال للفريسيين: ” لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان” (مت40:12)، وقال للص ” اليوم تكون معي في الفردوس” (43:23)، وقال للآب: ” في يديك أستودع روحي” (لو23:46). وبالتأكيد لا يستطيع أحد أن يضع الفردوس كمكان في بطن الأرض. ولا أن يضع قلب الأرض في الفردوس، حتى يُقصد بالاثنين نفس الشئ، أو أن يقال عن هذين الاثنين (قلب الأرض والفردوس)، أنهما هما يدي الآب. بل أن هذا الأمر ربما لا يستحق ولا حتى أن يُناقش لمن يفكر تفكيرًا منطقيًا. لأن من هو حاضر في كل مكان بقوته الإلهية يكون موجودًا في كل موضع ولا يغيب عن أى مكان. عندما حلّ الروح القدس على العذراء وظلّلتها قوة العلي (لو35:1)، لكي يحل فيها أقنوم الإنسان الجديد وقد دُعى جديدًا، لأنه تكوّن كما أراد الله، وليس بالطريقة المعتادة لدى البشر، حتى أن العذراء أصبحت مسكنًا لله، غير مصنوع بالأيدي. ” لأن القدير لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيدي” (أع24:17)، وأقصد التي تصنع بالأيدي الإنسانية، وعندما بنت الحكمة لنفسها بيتًا (أم1:9)، وبقوتها الفائقة قبلت داخلها شكل المخلوق كنموذج متكامل وموثوق في صحته، عندئذٍ اتحدت الطبيعة الإلهية بالعنصرين المؤلفين للطبيعة الإنسانية، أى النفس والجسد، متحدة بشكل مناسب بكل عنصر. أى أنه كان ينبغي لهذين العنصرين اللذين ماتا بالعصيان (لأن موت النفس هو فقدانها للحياة الحقيقية، وموت الجسد هو سبب الفساد والتحلل)، كان ينبغي أن يُطرد الموت من خلال الإتحاد بالحياة. إذًا عندما اتحدت الألوهية بشكل مناسب بكل واحدة من عنصري الإنسان فإن ملامح الطبيعة السامية قد اتضّحت تمامًا في هذين العنصرين. فبالنسبة للجسد، تتضح الألوهية العاملة فيه بالشفاء باللمس، بينما بالنسبة للنفس، قد عبّرت عن القوة الإلهية (الحالة فيها) من خلال إرادتها القوية. أى أنه كما أن هناك إحساس خاص باللمس بالنسبة للجسد، هكذا تكون هناك إرادة للنفس أيضًا. لقد اقترب من المسيح مريض بالبرص وهو يحمل جسدًا مشوهًا وعلى وشك الانهيار، فكيف شفاه الرب؟ النفس تريد والجسد يُلمس، فيذهب المرض من الاثنين. لأنه يقول: ” وللوقت ذهب عنه المرض” (لو13:5، مت3:8). أيضًا آلاف الناس الذين أحاطوا بالرب في الجبل، لم يُرد أن يتركهم صائمين، بل قسّم لهم الخبز بيديه (مت32:15). أرأيت كيف أنه من خلال الاثنين (النفس والجسد) تُستعلن الألوهية والتي تُرافق كل منهما، تعمل مع الجسد، ومع الإرادة القوية التي تُخلق في النفس. ربما يجب أن أروي المعجزات التي تحققت بنفس الطريقة، وأن أنشغل في حديثي بأشياء واضحة. ولكني سأنتقل إلى ذلك الأمر الذي لأجله أشرت إلى كل هذا.

         كيف وُجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد؟ التفسير الأول لهذا الموضوع، أنه لا يوجد شيئًا غير ممكن لدى الله، الذي ” فيه يقوم الكل” (كو17:1)، والتفسير الثاني الذي يتجه إليه الحديث الآن هو: بعدما أعاد الله بقوته صياغة الإنسان كله في شخصه، وجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لم ينفصل في وقت الآلام بحسب التدبير عن هذا العنصر الآخر (أى الجسد) الذي اتحد به مرة واحدة، لأن هبات الله ودعوته هى بلا ندامة (رو29:11). فإن كانت الألوهية بإرادتها فصلت النفس عن الجسد، إلاّ أنها أوضحت أنها هى ذاتها بقيت في النفس والجسد. في الجسد الذي يعتريه الفساد بالموت كما جاء بالمزمور ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادًا” (أع27:2)، وهكذا أبطل ذاك الذي له سلطان الموت (عب14:1)؛ بينما بالنفس فتح الطريق للص للدخول إلى الفردوس. وهذا الأمران تحققا في آن واحد. أى أن الألوهية تُحقق الصلاح للاثنين، فقد تحقق بطلان الموت بعدم فساد الجسد، وبعودة النفس إلى موضعها، يُفتح الطريق لعودة البشر مرة اخرى إلى الفردوس.

         إذًا فلأن التركيبة الإنسانية لها عنصران، بينما طبيعة الألوهية بسيطة، ففي وقت انفصال النفس عن الجسد، لم ينفصل الغير المنقسم (أى الألوهية)، والمركب (أى الإنسان)، بل صارا أيضًا واحدًا. لأنه من خلال الطبيعة الإلهية الواحدة الموجودة بالتساوي في الاثنين (في الجسد والنفس) توحدت من جديد الطبيعة التي انفصلت. وهكذا فقد حدث الموت بانفصال العنصرين المتحدين، بينما القيامة قد صارت باتحاد الطبيعة التي انفصلت. وإذا سألت، كيف أن ذاك الذي في الفردوس، يُسلّم نفسه في يدي أبيه، فسيبدد لك إشعياء النبي والرائي حيرتك هذه. لأنه قال على فم الله، عن أورشليم السمائية التي نؤمن بها، أنها ليست سوى الفردوس. ” هوذا على كفيّ نقشتك. أسوارك أمامي دائمًا” (إش16:49). إذًا إن كانت أسوار أورشليم في يدي الآب، والتي هى الفردوس، فمن الواضح أن من هو في الفردوس، هو في كل الأحوال في أيدي الآب، حيث هناك أسوار المدينة الإلهية. لكن يلزم أن يشمل حديثنا أيضًا ما يقوله اليهود، فهم يهاجمون إيماننا بإتهامات حادة. فهم يقولون من جهة البصخة أنها شُرعت لليهود بواسطة موسى (خر6:12ـ8)، في اليوم الرابع عشر من الشهر في فترة اكتمال القمر، حيث يؤكل الفطير غير المختمر لمدة سبعة أيام، ويكون الأكل مع أعشاب مرة. إذًا حفظ اليوم الرابع عشر، كما يقول اليهودي، يستتبع معه حفظ الأعشاب المرة والفطير غير المختمر. فإن كانت هذه الأمور موضع ازدراء، فأي معنى يحمله الاهتمام بالأول (أى حفظ اليوم الرابع عشر)؟ لأنه بحسب أوامر المشرع ذاته، لا يُحكم على شريعة بأنها نافعة، والأخرى بلا نفع ومرفوضة، (وكأنهم يقولون لنا) حتى انه يصير إلزاميًا إما أن تمارسوا كل ما قد تحدد للبصخة، وإما ألا تحفظوا أى شئ، وأنتم ماذا تفعلون؟ (نجيب بالقول): فلنتذكر ذاك الذي أوصانا ألا نخاف اتهامات البشر، حتى لا نسقط في فخ السفهاء منهم (إش7:51). نحن نعرف فائدة حفظ شريعة أكل الفطير غير المختمر كما نعرف معنى الأعشاب المرة، وفائدة اليوم الرابع عشر. سنوضح حديثنا في عجالة، إن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة (عب1:10)، له هدف أساسي، هو كيف يتنقى الإنسان، بواسطة الوصايا المختلفة من الخطايا التي اختلطت بطبيعته. هذا يتم بالختان، بحفظ السبت، بالتدقيق في أنواع الأطعمة، بذبائح الحيوانات المختلفة، وهكذا. والأمر يحتاج لزمن أطول كي تذكر كل ما يُشير إليه الناموس، فيما يتعلق بنا من جهة كل واحدة من هذه الأمور، من أجل نقاوة حياتنا. مثلما يحدث في الختان الروحي، فإننا نتجنب الشهوات وننفصل عن الحياة الجسدية، أما حفظ السبت فيعني الامتناع عن الشر، وأما تقديم ذبيحة الحيوانات فتُشير إلى ذبح الشهوات، وكذلك التمييز بين الأطعمة. فإن الأطعمة النجسة توضح لك ضرورة الابتعاد عن الحياة الدنسة، هكذا فإن هذا الاحتفال (بعيد القيامة) أيضًا، يقدم لك الاحتفال المشار إليه، والذي لأجله تستعد النفس بالفطير غير المختمر، مبتعدة سبعة أيام عن الخبز المختمر، وحل اللغز هو هذا. رقم السبعة أيام يظهر الزمن الفاني أو الزائل الذي يتكرر أو يعود أسبوعيًا، والذي طبقًا له ينبغي أن نحرص على ألا تبقى أى بقية من خطية الأمس في اليوم التالي، لكي لا يُفسد ويُحمض عجين اليوم، بسبب اختلاطه بخطية أو شر أول أمس ” لا تغرب الشمس على غيظكم (أف26:4) هكذا يقول الرسول بولس، والذي يوصينا قائلاً: ” إذًا لنُعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة للشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (1كو8:5). إن ما نعرفه هو نوع واحد للشر، وهذا ما نتعلمه عن الأنواع الأخرى للشر. العشب المر يُبعد كل حماقة وفجور عن حياتنا، ويضع مكانها حياة العفة والنسك الشديد، الذي يرتفع على مستوى الحس البشري، لأنه يبدو أن كل معرفة أو علم لا تجلب فرحًا في الوقت الحاضر بل حزنًا. إذًا كل من يُحقق في حياته مباهج هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة) وبصفة دائمة في كل يوم من أيام أسبوع الحياة، بدون خمير، ودون أن يخلط به الشر القديم ثابتًا في العفة كطعام للحياة، فهذا يعزل نفسه عن كل ما هو ظلمة (لو35:11ـ36). لأن الأيام التي يحددها مدار القمر في الفلك، هى تسعة وعشرون ونصف، والتي فيها يظهر القمر بداية من أول الشهر ثم يستدير تدريجيًا حتى يصل إلى اكتماله بدورانه، ثم يقل حجمه مرة أخرى ويرجع حتى لا يعطي نورًا البتة. ومن الواضح أن نصف عدد الأيام الذي ذكرته هو أربعة عشر يومًا مع إضافة قليلة. وبناء عليه، حين يحدث ويكون القمر في هذا الشكل ويتقدم في طريقه خلال فترة الليل، يُضيف للدائرة الجزء الذي ينقصها، حتى أنه مع اكتمال قرص القمر، يوّحد لمعانه مع نور شمس النهار، ولا يمكن لأي تسلل للظلام، ولا المساء، ولا السحر أن يقطع استمرارية النور (نور القمر)، بل يبقى النور غير منقسم أو غير متجزئ خلال تعاقب ظهور النجوم (لأنه تحديدًا قبل أن تشرق الشمس، يظهر القمر في الطرف الآخر للأفق، على الطرف المقابل لقطر الدائرة مع الشمس، وبنوره يُنير العالم. ومرة أخرى قبل أن يختفي كل قرص القمر في الأفق مع بقية نوره، يتوحد مع نور النهار). وهكذا فإن اليوم الذي يكون فيه القمر مكتملاً، يختفي الظلام، والسحر، والمساء، كذلك تكف النجوم الكبيرة عن الظهور تباعًا[2].

         إذًا هذا الذي يحدث مع النور المحسوس في اليوم الرابع عشر، من حيث إن الارتباط بالظلمة أمر مرفوض طوال الليل والنهار، هذا الحدث هو ما يريد الناموس الروحي أن يجعله رمزًا لكل الذين يحتفلون روحيًا، حتى يشمل كل الأسبوع، أى أن يجعلوا كل أوقات حياتهم بصخة مُشرقة غير مُظلمة. هذه هى الوصايا التي تُوّجه للمسيحيين بالنسبة للبصخة. ولهذا يمكننا أن نرى ونتخيل في اليوم الرابع عشر، بالإضافة إلى هذا النور المادي المحسوس، رؤية النور غير المادي الذي يُدرك بالعقل فقط، هكذا يتضح لنا كيف أننا نطلب أو نبحث عن القمر المكتمل الذي يهبنا نوره طوال الليل، بل وبصفة دائمة. وعلينا أن نحفظه على الدوام، ويصير هذا ناموسًا لنا، وألا نسمح للأعمال المظلمة أن تختلط بالنور.

 

سر الآلام المحييّة:

         يكفي الكلام من جهة هذا الأمر. الآن كل المعاني التي طُرحت تتجلى في الصليب الذي به يكتمل سر الآلام، ومن يستطيع أن يشرح هذه الآلام بالكلام؟ ترى، ألا توجد طرق عديدة تقود للموت، كان من الممكن أن يُتمم بها الله تدبير الموت لأجلنا؟ لكنه اختار الصليب من كل هذه الطرق، ليجوز الآلام بإرادته الكاملة. لأنه يقول ” ينبغي أن ابن الإنسان ” ولم يقل إن هذه الأمور وتلك سيُعانيها ابن الإنسان مثلما يمكن لشخص أن يتنبأ عن المستقبل، لكنه أراد أن يؤكد وبطريقة سرية، أنه بالضرورة ينبغي أن يجوز الآلام، وأن هذه الآلام لابد أن تحدث، إذ يقول: ” ينبغي أن ابن الإنسان يتألم ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم” (لو22:9، 7:24، مر31:8). لاحظوا المعنى في كلمة “ينبغي” إنها تؤكد على أن الآلام لن تتم بطريقة أخرى إلاّ بواسطة الصلب فقط، وما هو السبب في ذلك، السبب قد عرفه العظيم بولس، الذي صارت لديه الإمكانية أن يشرح لنا هذا الأمر، بواسطة تلك الكلمات السرية (2كو4:12)، التي سمعها حين اختطف إلى أعماق الفردوس، إذ سمع كلمات لا يُنطق بها، هو وحده الذي يشرح لنا هذا السر أيضًا، وقد أشار إليه في رسالته إلى أهل أفسس ” وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو. وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله” (أف18:3ـ19). بالحقيقة إن نظرة الرسول بولس الإلهية، جعلته حين يُقدم صورة للصليب، لا يقدمها بصورة باهتة أو مهتزة، وهو بهذا قد أظهر بوضوح أنه بعدما سقطت من عينيه كل قشور الجهل (أع18:9)، بدأ في رؤية الحقيقة بكل وضوح. أى أنه رأى صورة الصليب لها أربع امتدادات، تنطلق من المركز، والذي يُشير إلى القوة، والمحبة التي تشمل كل المسكونة، ولهذا فكل امتداد يطلق عليه اسم خاص. العمق هو الامتداد من المنتصف إلى أسفل، والعلو هو الامتداد إلى أعلى، بينما العرض والطول هما الامتدادان من الجهتين. يتضح لي من كل ذلك أن الرسول بولس، يقصد بكلامه هذا، أنه لا يوجد كائن في الخليقة كلها لا تسود عليه الألوهية، الذين فوق السموات، أو في أعماق الأرض، ومن هم في كل الاتجاهات (من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب). ويُشير بالارتفاع إلى الذين في السماء، وبالعمق إلى من هم تحت الأرض، والطول والعرض إلى ما هو تحت سلطان القوة التي تسود على كل شئ. وبرهان كلامي، هو ما يحدث داخل نفسك، فيما يختص بمعنى كلمة الله. ارفع نظرك إلى السماء، وفكر في الأعماق السفلى، اطلق ذهنك إلى أطراف العالم المخلوق، وحاول أن تدرك مقدار القوة التي تضبطه، كقوة تشمل كل المسكونة، وسترى أنه سيُحضر في ذهنك تلقائيًا شكل الصليب، من الارتفاع ننزل إلى الأعماق، وتمتد إلى الجانبين من ذلك الطرف إلى الطرف الآخر.

         هذا الشكل (شكل الصليب) قد ترنم به العظيم داود في مزاميره قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب وإن صعدت إلى السموات (هذا هو الارتفاع) فأنت هناك. وإن فرشت في الهاوية (هذا هو العمق) فها أنت. إن أخذت جناحي الصبح والذي هو شروق الشمس (وهذا هو العرض) وسكنت في أقاصي البحر (هكذا يتكلم عن الغروب ـ وهذا هو الطول)” (مز7:139ـ10).

         أرأيت كيف أنه بكلامه هذا، يرسم الصليب أمامنا؟ وهكذا يتضح أنك أنت يا من تعبر داخل كل شئ، وصرت تجمع كل شئ، فإنك تحتوى داخلك كل الكمالات. أنت يا من أنت فوق، أنت حاضر في العمق، ذراعك في أحد الأطراف، ويمينك تقود الطرف الآخر. ولهذا فإن الرسول العظيم بولس، بعدما تأكد أن معرفة الله قد امتدت إلى العالم كله، قال ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” (فى10:2). وبهذا أيضًا يُحدّد السجود بحسب شكل الصليب. فالذين هم في السماء يخصهم بالجزء العلوي من الصليب، ومن هم على الأرض، يخصهم بمنتصف الصليب، أما من هم تحت الأرض، فيخصهم بالجزء السفلي من الصليب. هذه هى الجزئية التي أشير إليها أنا بالحرف (…) يوتا، والذي هو أكثر استقرارًا من السماء، وأكثر ثباتًا من الأرض، وأكثر استمرارًا من كل النظم الخاصة بالكائنات المخلوقة كما هو مكتوب:  ” إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (مت35:24، 1كو31:7، مت18:5). الخط العمودي للصليب والذي يأتي من فوق إلى أسفل يقال له حرف (…) يوتا، والخط الذي يتقدم أفقيًا من الجانبين يُسمى صاري، وهذا ما يمكن أن نعرفه من البحارة. أى الخشبة التي هى في الجنب في الصاري حيث يمدون منه قطعة قماش، وهذا الشكل يدعونه صاري. ولهذا أرى أن هذا هو ما تعنيه كلمة الإنجيل، أنه هو ذاك ” الذي فيه يقوم الكل” (كو17:1)، من حيث إنه يسود على كل شئ، هو أزلي، وهو يُظْهِر، كما في لغز في مرآه، من خلال شكل الصليب، قوته التي ترعى كل الكائنات. ولهذا تحديدًا قال ” إن ابن الإنسان ينبغي ليس فقط أن يموت، بل أن يُصلب“، لكي يصير الصليب لأكثر اللاهوتيين فطنة هو ذلك الذي يكرز به من خلال شكله بسلطان القوة الكامل لذاك الذي صعد عليه، وهو الكل في الكل (كو11:3). وينبغي ألا نتجاهل أن نُشير يا اخوتي إلى ذلك التقي يوسف الذي من الرامة، الذي أخذ الجسد المقدس كعطية ولفه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد (مت57:27ـ60).

         ليكن لنا، هذا العمل الذي أقدم عليه ذلك التقي (يوسف الرامي) بمثابة قانون لكي نُفكر نحن أيضًا بنفس الطريقة، عندما نأخذ عطية ذلك الجسد. فلا يجب أن نلفه في كتان ضميرنا غير النقي، وألا نسمح بوضعه في قبر قلوبنا الذي تفوح منه رائحة عظام ورائحة كل شئ دنس. بل كما يقول الرسول بولس ليمتحن كل واحد نفسه لكي لا تصير النعمة التي ينالها بدون استحقاق دينونة له (1كو27:11ـ29). بل الآن وأنا أتكلم أشعر أن لباس الملاك الأبيض يُنيرنا ويهز قلبي ذلك الزلزال الحلو الذي يُحرك الحجر الثقيل عن القبر الإنساني، والذي به تُفتح بوابة القيامة مرة أخرى.

         فلنسرع نحن أيضًا لنرى المعجزة العجيبة (لأن السبت قد عبر)، ربما نصل بعد النسوة. فلنُعطر أيدينا بالأطياب، وضمائرنا بالإيمان. هذه هى رائحة المسيح الزكية (أف2:5). يجب ألاّ نطلب الحيّ بين الأموات. الرب يصد كل من يطلبه بهذه الطريقة، قائلاً: ” لا تلمسني(يو17:20). فعندما أصعد إلى أبي، عندئذٍ أسمح لك أن تلمسني. يريد أن يقول لا يجب ان يكون إيمانك بعد في شكله الجسدي الضعيف، بل  أنك الآن تسجد لذاك الذي يوجد في مجد الآب، وهو في صورة الله، وهو كلمة الله.

         لنستمع إلى بشارة المرأة التي سبقت الرجال في الإيمان، حتى أنها حين تبدأ في الحياة الصالحة، يكون لديها ما تُعبر به عن نفسها، بعد أن كانت قد عاشت في الشر.

         إذًا ما هو الخبر المفرح الذي تريد المجدلية أن تبشر به؟ إنه خبر حقيقي لا ” من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح” (غل1:1). لأنها تتكلم عن الخبر الذي طلب الرب منها أن تنقله للتلاميذ، والذين يدعوهم اخوته ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو17:20). كم هو رائع هذا الخبر المُفرح المملوء بالرجاء! هذا الذي صار إنسانًا مثلنا، حتى يصير قريبًا لنا ويجعلنا اخوة له، فهو يقدم لأبيه ذبيحة جسده، لكي يجذب إليه بواسطة نفسه كل أقربائه. هكذا كل من استعبدوا للذين ليسوا بالطبيعة آلهة (غل8:4)، يرجعون مرة أخرى للإله الحيّ الحقيقي، ولا يكون عليهم أى دينونة، ولا يُحرموا من ميراث الآب. لقد صاروا بالتبني اخوة للابن، هذا الذي صار بكر بين إخوة كثيرين (كو15:1)، وتعهد الطبيعة الإنسانية التي أخذها حين تجسد. أما الخبز غير المختمر قبل الفصح الذي يؤكل على أعشاب مرّة، لنرى بأي شئ حلو، يُحلى الخبر بعد القيامة. ألا ترى أن الرب بعد أن قام ناولوه جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد عسل (لو42:24). انظر كيف تتحول مرارة الحياة إلى حلاوة. إذًا لننهض نحن أيضًا ولنركض الآن نحو الخبر الذي يعطيه شهد عسل الرجاء الصالح، مذاقًا حلوًا للغاية في المسيح يسوع ربنا، الذي يليق به المجد والقوة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] هذه الأفكار ترتكز على أن نور الشمس والقمر هو نور مشترك أو واحد، وأن وقت غروب الشمس، يشرق القمر من الطرف الآخر في الأفق في اتجاهه نحو الاكتمال.

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

خلق الإنسان – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

خلق الإنسان – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

خلق الإنسان – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

خلق الإنسان

على صورة الله ومثاله

للقديس غريغوريوس النيسى

 

خلق الإنسان

على صورة الله ومثاله

 

معنى الصورة والمثال[1]

لا توجد طريقة أخرى أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد، والتي بها يتطلعون إلى صورتهم، سوى مرآه نقية جدًا، يتلامسون فيها مع صورة وجوههم، ويرون فيها بوضوح شكلاً يعكس أيقونتهم التي تشبههم تمامًا. ونحن إذ ننظر بالتدقيق كما في مرآه إلى الأشعة الإلهية التى للشمس العقلية، ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا ” بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة، على الأقل كما أتصور أنا، أن خلق الإنسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. وتمامًا كما أن طبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها، إلاّ أنها لا يُمكنها أن تدرك ذاتها، هكذا بالنسبة لعين الذهن الإنسانية، فإن مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب إدراكه.

         الحقيقة إن الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية، ثم خلق العالم المادى المرئى قال عندئذٍ ” ونعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا[2]. لقد خلق الله حينئذٍ كائنًا حيًا، كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين، فهو مكوّن من نفس غير جسدانية وغير مائتة وغير فاسدة، ومن جسد مادى ومرئى من أربعة عناصر[3]. وبعد أن تم ذلك، يقول الكتاب أيضًا ” فخلق الله الإنسان على صورته[4]. وعندما يقول إن الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح والقدس.

         لقد عبّر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع ـ عن آراء كثيرة ومختلفة ـ قال البعض: إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُشير إلى قدرة الإنسان على أن يسود وأن يتسلط، وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية، والبعض الآخر يربطه بالإنسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم، والبعض اعتبر أن ” بحسب الصورة والمثال ” يمثل نبوءة عن المعمودية. وآخر الكل كما للسقط، بدا لى أنا أيضًا أنه أمر حسن أن أعبّر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع، وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن: لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين، والملائكة الذين هم بالقرب منه؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الإنسان، ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا على الأرض كلها وعلى الإنسان نفسه. وعلى نفس السياق فإن غير الفانى، وغير المرئي، والطاهر أو النقي، وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم، يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.

         إذًا يُشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” إلى شئ عميق. بمعنى أن الإنسان ليس لديه صورة واحدة ومثالاً واحد لله، بل لديه صورة ثانية وثالثة، ومثالاً ثانيًا وثالثًا، كما لو كانت هناك مرآه عاكسة لملامح شكلية، ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الإلهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل إنها تعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس، الله الكلمة. ولكن من الأفضل أن نرجع إلى بداية الأمر ونبحث أولاً، ترى لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة، أى الملائكة، ليكونوا مساويين الكائنات الروحانية؟ فالله قد أحضر آدم إلى الوجود بدون إنسان، بدون أب وولادة ـ بينما الإنسان الثانى بعده، أى ابنه، أحضره إلى الوجود بالولادة. أيضًا حواء قد أتت إلى الوجود، لا بالولادة، ولا بسبب الإنسان بل أتت بانبثاق غير موصوف، من آدم بدون ولادة. ترى، هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولى (آدم ـ حواء ـ الابن)، الكيانات المتساوية في الجوهر، كما يتصور ميثوديوس لكى تعطى صورة شكلية (وليست جوهرية) للثالوث القدوس الواحد في الجوهر؟ فآدم الذي أتى بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة لله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده، بل هو علة كل الموجودات. الابن أيضًا الذي ولد من آدم وحواء، يرسم صورة للابن كلمة الله المولود. وحواء التي أتت من الانبثاق، ترمز إلى انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة، لأنها هى نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لأنه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع.

         هكذا نستطيع أن نرى وأن نندهش أن آدم غير المولود، ليس له شبيه بين البشر، فهو غير مولود، وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة، حتى أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق. أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر، الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له. وهذا الابن يُشكّل صورة ومثالاً ونموذجًا للمسيح، الابن المولود، الذي صار بكرًا بين اخوة كثيرين[5]، بدون وساطة رجل. فلو أن الأمر ليس هكذا، وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقًا لهذا الشرح، فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاثة كيانات، ولماذا هم  مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود، المولود، والمنبثق، بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم؟ وبناء على ذلك فإن تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث، ثلاثة أقانيم في وحدة. وبالتالى ينبغي أن تفهم الآن أيضًا، معنى الوحدة في ثالوث.

 

افهم ذاتك لتفهم الله:

         ولكن كيف يمكنك أن تميز هذا بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك ” إن أردت أن تفهم الله، ينبغي أولاً أن تفهم ذاتك، من خلال تكوينك، من خلال خلقتك، من خلال عالمك الداخلي. انسحب وادخل إلى داخل نفسك، انظر داخل نفسك كما في مرآه، ميّز خلقتها، وسترى أنك مخلوق على صورة الله ومثاله”. إن جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف، وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أى إنسان من الذين ولدوا عبر العصور، قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس. النفس تعطى حياة، تؤلف وترعى طبيعة الجسد رباعية التركيب، صورة لله، ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هى سمائية أيضًا. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعرف حتى المكان الذي يسكن فيه الله، لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضًا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد، نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.

         النفس أيضًا تملك شيئًا آخر باعتبارها صورة الله، وأعنى أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ، والتي تحمله خلقتنا على صورة الله، أنه لا جوهر النفس، كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتى إلى الوجود، تعد أمورًا لا يمكن للذهن الإنسانى أن يفهمها. ولهذا فكل مَن ادّعوا خطئًا أنهم قد فهموا، فهؤلاء قد تعثروا جدًا. لقد قال البعض إن النفوس تأتى إلى الأجساد من السماء، وآخرون يرون أن النفوس تأتى إلى الوجود إذ أن الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضًا بأن الإنسان الذي خُلق على صورة الخالق، أصبح سببًا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدّعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين، الرجل والمرأة، كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر، فإن هذا الاحتكاك يوّلد الشعلة. البعض أيضًا يُعلّم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودًا. البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتى فيه بالنفس كما يتصورون، باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هى واحدة في الجوهر مع الملائكة، وآخرون قالوا إنها أقل من الملائكة، بينما يرى غيرهم أنها تهيم في الهواء، والبعض قال إنها تتحرك في الكون كحقيقة إلهية. ومن أجل هذا، على الرغم من أنها تتحد بالجسد، وهى مخلوقة على صورة الله، وتُحيّي الجسد، إلاّ أنها تبقى خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة، ولا نستطيع أن نراها، ولا أن نفسرها ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها ووجودها ومما تتألف وجمالها.

         ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته[6] إن النفس لها جمال فائق لا يوصف، ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المضادة تحسدها، لأنها أخذت شكلاً أسمى من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار إليه إلاّ لأنها تعتبر بالحقيقة، وعلى سبيل الحصر، صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فقط داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئى. لنأتِ إلى النقطة الأساسية لموضوع الخلق “بحسب الصورة والمثال”، لكى نُبيّن، كما وعدنا، فرادة الثالوث الإلهى.

وما هى النقطة الأساسية؟ من الواضح أنها النفس أيضًا، وكلمتها العاقلة، التي دعاها الرسول بولس، روحًا، عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح[7]. النفس أيضًا غير مولودة ولا علّة لها، وهى مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علّة لوجوده. إلاّ أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة، بل تولد من النفس بطريقة لا يُعبّر عنها وغير منظورة ولا تُفسر، وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علّة أو سبب وهو ليس بدون ولادة، ولكنه ينبثق، يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئى، على مثال الروح كلّى القداسة، والذي ينبثق أيضًا والذي قيل عنه “ الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله[8]. النفس حين توجد داخل الجسد فهى لا تعتبر منبثقة، لأنها إذا كانت منبثقة، لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة، لأنه إذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور التي تثير الدهشة أننا لدينا نفسًا بسيطة، وعقلاً واحد غير مركب، أما كلمتنا فهى مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير مُنقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة، غير متجسدة، وتبقى مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه، وحينئذٍ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها، حتى أننا نستطيع أن ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”.

         حقًا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور، بصورة غير مرئية، لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف، كما لو كان داخل الآب إلى أن ولد جسديًا من العذراء القديسة بدون فساد، بدون رجل، وظهر في العالم، دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء على ذلك ترى أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية، عدم ولادة النفس، ولادة الكلمة، وانبثاق الروح، أى الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول إنه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس، قال الرسول بولس إن الإنسان خلق بحسب صورة الله غير المرئى. فإن لم يكن هذا حقيقيًا، فلماذا لم تُخلق النفس إذًا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام، بل لها ثلاثة أقسام فقط، والتي لا تختلط فيما بينها وفقًا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر، حتى أنه لو كان مسموحًا أن أقول إن داخل الإنسان وبالأحرى الإنسان البار يسكن، بصورة شكلية وليس جوهريًا، كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فإن حكماء العالم قد حددوا، من منظور آخر، أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام، مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة، الفكر، الإحساس، حتى أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتى من الله، وبإحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة، مُبينين أيضًا من خلال هذه الأمور الثلاث، معنى “بحسب صورة الله”. لأن الله الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أى السماويات، والأرضيات، وما تحت الأرض، من خلال قدرته الخالقة، وعنايته، وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله، فإنه يعمله وفقًا لإحدى هذه الطرق الثلاث، إما أنه يخلق، أو أنه يعتنى، أو يُهذب. وصورة الله الخالق هى في الرغبة. لأن الرغبة تقود إلى العمل، أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضًا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هى في الرغبة. لأن الأطفال حتى قبل أن يتكلموا، باعتبارهم نفوس، نجدهم يشتهون على الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضًا القدرة الفكرية من الواضح انها خاصية العقل، بينما الاحساس يرافق العقل، وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابًا.

 

طبيعة النفس العاقلة:

         إذًا فإن أراد أحد أن يعرف كيف خُلِقَ الإنسان بحسب “صورة الله ومثاله”، فليأتِ إلى هذه الأمور غير المطروقة، والمعانى المشابهة لها، وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق، وأقسام أقسامها، كلماتها، طرقها، وحداتها، تميّزاتها، تفرّدها، وحدتها، ثالوثيتها، كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة، بحسب صورة الله ومثاله، ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة. وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر، لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة، وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا قد جعل هذا الأمر واضحًا جليًا “[9]. أيضًا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدًا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطى مثالاً لصورة الله، وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضًا البعض ممن يحملون نفسًا وكلمة، قد تجدهم فقراء في العقل تمامًا. أيضًا البعض لديهم عقلاً ونفسًا، ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فإن الرضيع، الذي يولد من داخل جو مظلم، ويأتى إلى النور، يُظهر على الفور أنه يحمل نفسًا هى مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة، تحمل أيضًا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع ، حيث ينمو الجسد ويكتمل، فيظهر الكلام بعد ذلك، والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ، بل أنه يتلعثم أولاً، مُعلنًا عن حضور ذهنى، عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل، وهذا يشير إلى الكلمة حين تجسد.

         لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نُباشره عن خلق الإنسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدًا، آه أيها الإنسان، إننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم، عندما أخذ جسدًا، هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقًا لقد حُمل بالإنسان من بذرة الشرير، كما لو كان في بطن الخداع، جالسًا في الظلمات وفي ظلال الموت. ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الإلهية، في البداية كطفل، تعهده الناموس، إذ أنه يحمل نفسًا، مدركًا أن الله الآب يحتوى الكلمة كأقنوم، والروح القدس أيضًا، كما هو الوضع بالنسبة للنفس. ولأن الإنسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية، لم يكن قادرًا على إظهار الكلمة والفكر، ولكى لا ينزلق إلى عبادة الآلهة المتعددة، فإن طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة، مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر، كما لو كان قد تعلّم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة، مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام، ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية، ثم إدراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.

         وبعد هذه الأمور المتلعثمة، وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازًا، وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية، كما تخرج الكلمة من الشفاه، ستعرف طبيعتنا الإنسانية ككل كمالها الثالوثى بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم، من خلال الكلمة، طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيًا، والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج، لكنه استعلن فيها، من خلال تلك الأمور التي هى في داخلها، أى النفس والكلمة، مقابل الآب والابن، فتلد النفس كلمتها الأقنومية، ليس كمخلوقة، ولا كشئ مُغاير، ولا كجنس مختلف، بل بشكل أساسى هو وجود شخصي فطرى يحمل طبيعة مشتركة. مظهرًا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن، كما لو كانت تشكل جسدًا واحدًا. وبالإضافة إلى هذه العناصر فإن النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية[10]، كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معًا، تلك التي هى فوق كل شكل وهيئة، وهى تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها، وكحياة لها، وتملك الكلمة كرفيق لها. فإذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور، فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة، تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله. ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب، والابن، لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة، توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت، ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها، هكذا فإن الله الكلمة هو كائن مع الآب، وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما إن فصلت وعزلت الكلمة عن النفس، فإن نفسك ستبقى بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق على صورة الله، أنك لو رفضت الله الكلمة، قائلاً إنه غير كائن مع الله الآب، فإنك تكرز حينئذٍ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة. ولو أنك فصلت الروح عن الله، فإنك تتحدث عن من هو ميت وليس عن إله حيّ. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا، وليس من قبل الأمور التي هى خارجك، بل من تلك التي هى داخلك. أن تعرف الله غير المعروف، من خلال الثالوث الذي في داخلك، اقتنِ معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقًا. هذه الشهادة هى شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أى شهادة أخرى للناموس وللكتاب.

 

 

خلق الإنسان وإدراك سر الثالوث:

         حقيقةً أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحيّ (أى الإنسان)، لأنه كان يرغب أن يُعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المُدرك، لكى تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله، الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التى توضّح سر الثالوث القدوس، ولكى لا تتذبذب بعد من جهة سر الثالوث، حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة. لا تُعبّر بالتساؤل الساخر، إن كان الله ثالوث، فكيف يكون واحدًا؟ وإن كان الكلمة هو ابن، فكيف يمكن أن يكون المولود موجودًا منذ البدء مع والده؟ وإن كان الروح يأتى من الآب، فلماذا لم يولد، لكنه ينبثق؟ أو مَن هو الذي أحضره الآب إلى النور أولاً؟ الابن أم الروح القدس؟ فإن كان الاثنان معًا في نفس الوقت، فهل يوجد يا ترى داخل الثالوث إلهان أخوة، وولادة توأم؟ وكيف ستُميّز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية، والغير متحركة والثابتة؟ وكيف يكون ممكنًا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُرى ولد بإرادته أم لا؟ ومَن يشهد على أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وإن كان الله الآب هو أقنوم كامل. وإن كان الله الكلمة هو أقنوم كامل، والروح القدس إله كامل، فمن لا يقول إن عقل الله هو أقنوم إلهى آخر لله، وإله آخر هو ذراع الله، وأقنوم آخر هو اصبع الله، وكذلك يمين الله، وكل الأمور الأخرى التي يُقال عنها إنها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟

         إذًا فلكى لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور، التي تعثّر فيها الهراطقة، وسقطوا بتفكيرهم، فإن الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثى، لتكون نموذجًا يحمل الشكل الثالوثي، والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وإن كانت لك رؤية مستقيمة، فستجد في هذا الثالوث، وبحق، كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله، كما في مرآه، وكنموذج أو شكل (للثالوث القدوس). وأقصد أن الأقانيم ثلاثة، والجوهر واحد غير منقسم، وغير مُدرك، وهو الذي لا هيئة له، الذي لا يُشار إليه، غير المولود، المولود، المنبثق، الخالق، الراعى، الديان، غير المحسوس، غير الجسدى، الأبدي، غير المتجزئ، غير المائت، الذي لا يُعبّر عنه، الفائق الجمال، وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوى عن النماذج والصور الإلهية كظلال مرسومة داخل نفسك. ولهذا قال الله “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”.

 

الانتقال من الأصل إلى الصورة:

         ومع هذا فإن هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها، لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة ” بحسب الصورة والمثال ” كملمح للإنسان، ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث، ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا إدعائهم المظلم، بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق بحسب “الصورة”، ما كان له أن يُعلّم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب. لو أن مقدونيوس تعرض بتقوى لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمى وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم، لم يعرفوها، وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون. لاحظ إذًا أن النفس هى “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح على الفور ما أقوله بوضوح. نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود، وينطبق نفس الشئ على الابن وعلى الروح القدس، ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين، يحملون أسماءً، يُعلن فيها الواحد عن الآخر، كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعنى أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنًا أن يُدعى أبًا، إن لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح، فهو يعلن عن الله، لأن الله روح كما يقول الكتاب[11].

         فلنأتِ بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس إلى صورته، أى إلى الثالوث الذي يوجد داخلنا، وسترى الأسماء الثلاثة، حيث يحوى الواحد الآخر وهم متحدين. بمعنى أنك عندما تُشير إلى النفس الناطقة العاقلة، فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ إذا ذكرت كلمة عقل، فإنك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأى شئ يتعلق الذهن، إن لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فإن اسم أحد الأقانيم يستدعى حتمًا الإشارة إلى الأقنوم الآخر، فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معًا. يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم، بمعنى أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هى واحدة ومتساوية، والقوة واحدة، والإرادة واحدة، والرأى واحد. فإن الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه، وأيضًا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فإن الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئًا بالانفصال عن الآب، ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس، بل ولا الروح القدس أيضًا يفعل شيئًا بدون الابن والآب.

         وعندما ننتقل من الأصل إلى الصورة، إلى صورة نفوسنا التي هى مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” سترى فينا أن الفعل هو واحد ومتساوى. لأن النفس لا تفعل شيئًا بدون الكلمة، ولا الكلمة بدون النفس، ولا أيضًا العقل يفعل شيئًا وحده بدون النفس وبدون الكلمة، بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية والمترابطة فيما بينها، بحسب خلقتها على صورة الله ومثاله. ولكن إذا قلت لى إن النفس لا تفعل أى شئ وحدها بدون الجسد، وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه، إذ أنها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فإنها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. إلاّ أنها عندما تنفصل عن الجسد أيضًا فإن الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها، إذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء، يمكن أن تُدعى وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.

         ولكن إذا تهكم المقاوم، كما هو متوقع، على كل ما قلته، لأننا لم نُدلل على أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس، فليعلم الأحمق أن النفس خلقت على شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضًا، إن لم يكن هذا أمرًا مخيفًا أن يقوله المرء، فإن هناك تمايز للآب عن الابن، وتمايز للروح القدس عن الابن. وفي تشابهك مع صورة الله، أنت لا تتجاوز هذا أيضًا، أى أنه بولادة الكلمة جسديًا من الشفاه تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديًا استعلنت للعالم القوة، المعرفة، الحكمة، وجميع أنواع الصلاح الأخرى التي للآب والروح القدس.

         لاحظ إذًا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم، من جهة التشبه بكلمة الله، وكيف أنه بواسطة الكلمة، يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة، وبالكلمة يُمجدون الخالق، وبالكلمة خلق كل ما نراه، بالكلمة أُنير سر الكون، بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات، بالكلمة تحققت الإنجازات، بواسطة الكلمة تجلى الكون. لقد بُشّر بمعرفة الله بواسطة الكلمة، وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة. بواسطة الكلمة توّحدت وانجمعت كل الأشياء معًا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس، إلى أن تولد الكلمة من شفتيه، هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد، عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا، حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس. ولأن نفوسنا هى مخلوقة من الله، فهى غير مُرسلة لخدمة ما، بعد انفصالها عن الجسد، كما يحدث بالعكس مع الملائكة، لأن الملائكة هى أرواح مُرسلة للخدمة، بينما أنفس القديسين هى بشكل أساسى مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله، لأنه إن كان الإنسان بعد عصيانه، قد طاله نقص بسيط عن الملائكة[12]، إلاّ أنه بإتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة، لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله، اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولاً صورة الله، يعكس الآن صورة الله، هذا الذي يليق به المجد إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] تك26:1.

[3] نار وماء وأرض وهواء. هذه العناصر كانت تمثل المعطيات العلمية لذلك العصر (القرن الرابع) وقد أشار ق. أمبروسيوس إلى هذه العناصر المكونة للإنسان في كتابه شرح الإيمان المسيحي.

[4] تك27:1.

[5] رو29:8.

[6] ميثوديوس هو أسقف مدينتي أوليمبوس وبترا. وقد انتقل بحسب شهادة القديس جيروم إلى إيبارشية صور في فينيقية (لبنان). استشهد عام 213م في خالكيس. وقد عُرف عنه معارضته للعلاّمة أوريجينوس، برغم تأثره بفكر ومنهج أوريجانوس، كما أشار هو نفسه إلى ذلك. وهو ما يظهر في استخدامه للتفسير الرمزي للكتاب المقدس. “ Methodius – the Banget of the ten virgins “ Ante – Nicene Fathers – vol.6.P. 309-310.

[7] ” لتكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7).

[8] 1كو10:2.

[9] 1كو15:14.

[10] تعبير “أعضاء النفس” استخدمه القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة رومية، الاصحاح الرابع قائلاً: ” علينا أن نشدد أعضاء النفس ونحفظها بالملمح الروحى”. أيضًا استخدمه القديس مقاريوس في العظة 7 ردًا على تساءل، هل العقل شئ والنفس شئ آخر؟ أجاب كما أن أعضاء الجسد وهى كثيرة تُدعى إنسانًا واحدًا، هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهى (العقل ـ الضمير ـ الارادة) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة.

[11] يو24:4.

[12] عب7:2.

 

خلق الإنسان – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

خلق الإنسان

على صورة الله ومثاله

 

معنى الصورة والمثال[1]

لا توجد طريقة أخرى أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد، والتي بها يتطلعون إلى صورتهم، سوى مرآه نقية جدًا، يتلامسون فيها مع صورة وجوههم، ويرون فيها بوضوح شكلاً يعكس أيقونتهم التي تشبههم تمامًا. ونحن إذ ننظر بالتدقيق كما في مرآه إلى الأشعة الإلهية التى للشمس العقلية، ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا ” بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة، على الأقل كما أتصور أنا، أن خلق الإنسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. وتمامًا كما أن طبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها، إلاّ أنها لا يُمكنها أن تدرك ذاتها، هكذا بالنسبة لعين الذهن الإنسانية، فإن مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب إدراكه.

          الحقيقة إن الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية، ثم خلق العالم المادى المرئى قال عندئذٍ ” ونعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا[2]. لقد خلق الله حينئذٍ كائنًا حيًا، كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين، فهو مكوّن من نفس غير جسدانية وغير مائتة وغير فاسدة، ومن جسد مادى ومرئى من أربعة عناصر[3]. وبعد أن تم ذلك، يقول الكتاب أيضًا ” فخلق الله الإنسان على صورته[4]. وعندما يقول إن الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح والقدس.

          لقد عبّر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع ـ عن آراء كثيرة ومختلفة ـ قال البعض: إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُشير إلى قدرة الإنسان على أن يسود وأن يتسلط، وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية، والبعض الآخر يربطه بالإنسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم، والبعض اعتبر أن ” بحسب الصورة والمثال ” يمثل نبوءة عن المعمودية. وآخر الكل كما للسقط، بدا لى أنا أيضًا أنه أمر حسن أن أعبّر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع، وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن: لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين، والملائكة الذين هم بالقرب منه؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الإنسان، ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا على الأرض كلها وعلى الإنسان نفسه. وعلى نفس السياق فإن غير الفانى، وغير المرئي، والطاهر أو النقي، وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم، يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.

          إذًا يُشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” إلى شئ عميق. بمعنى أن الإنسان ليس لديه صورة واحدة ومثالاً واحد لله، بل لديه صورة ثانية وثالثة، ومثالاً ثانيًا وثالثًا، كما لو كانت هناك مرآه عاكسة لملامح شكلية، ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الإلهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل إنها تعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس، الله الكلمة. ولكن من الأفضل أن نرجع إلى بداية الأمر ونبحث أولاً، ترى لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة، أى الملائكة، ليكونوا مساويين الكائنات الروحانية؟ فالله قد أحضر آدم إلى الوجود بدون إنسان، بدون أب وولادة ـ بينما الإنسان الثانى بعده، أى ابنه، أحضره إلى الوجود بالولادة. أيضًا حواء قد أتت إلى الوجود، لا بالولادة، ولا بسبب الإنسان بل أتت بانبثاق غير موصوف، من آدم بدون ولادة. ترى، هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولى (آدم ـ حواء ـ الابن)، الكيانات المتساوية في الجوهر، كما يتصور ميثوديوس لكى تعطى صورة شكلية (وليست جوهرية) للثالوث القدوس الواحد في الجوهر؟ فآدم الذي أتى بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة لله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده، بل هو علة كل الموجودات. الابن أيضًا الذي ولد من آدم وحواء، يرسم صورة للابن كلمة الله المولود. وحواء التي أتت من الانبثاق، ترمز إلى انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة، لأنها هى نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لأنه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع.

          هكذا نستطيع أن نرى وأن نندهش أن آدم غير المولود، ليس له شبيه بين البشر، فهو غير مولود، وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة، حتى أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق. أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر، الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له. وهذا الابن يُشكّل صورة ومثالاً ونموذجًا للمسيح، الابن المولود، الذي صار بكرًا بين اخوة كثيرين[5]، بدون وساطة رجل. فلو أن الأمر ليس هكذا، وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقًا لهذا الشرح، فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاثة كيانات، ولماذا هم  مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود، المولود، والمنبثق، بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم؟ وبناء على ذلك فإن تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث، ثلاثة أقانيم في وحدة. وبالتالى ينبغي أن تفهم الآن أيضًا، معنى الوحدة في ثالوث.

 

افهم ذاتك لتفهم الله:

          ولكن كيف يمكنك أن تميز هذا بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك ” إن أردت أن تفهم الله، ينبغي أولاً أن تفهم ذاتك، من خلال تكوينك، من خلال خلقتك، من خلال عالمك الداخلي. انسحب وادخل إلى داخل نفسك، انظر داخل نفسك كما في مرآه، ميّز خلقتها، وسترى أنك مخلوق على صورة الله ومثاله”. إن جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف، وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أى إنسان من الذين ولدوا عبر العصور، قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس. النفس تعطى حياة، تؤلف وترعى طبيعة الجسد رباعية التركيب، صورة لله، ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هى سمائية أيضًا. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعرف حتى المكان الذي يسكن فيه الله، لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضًا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد، نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.

          النفس أيضًا تملك شيئًا آخر باعتبارها صورة الله، وأعنى أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ، والتي تحمله خلقتنا على صورة الله، أنه لا جوهر النفس، كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتى إلى الوجود، تعد أمورًا لا يمكن للذهن الإنسانى أن يفهمها. ولهذا فكل مَن ادّعوا خطئًا أنهم قد فهموا، فهؤلاء قد تعثروا جدًا. لقد قال البعض إن النفوس تأتى إلى الأجساد من السماء، وآخرون يرون أن النفوس تأتى إلى الوجود إذ أن الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضًا بأن الإنسان الذي خُلق على صورة الخالق، أصبح سببًا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدّعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين، الرجل والمرأة، كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر، فإن هذا الاحتكاك يوّلد الشعلة. البعض أيضًا يُعلّم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودًا. البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتى فيه بالنفس كما يتصورون، باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هى واحدة في الجوهر مع الملائكة، وآخرون قالوا إنها أقل من الملائكة، بينما يرى غيرهم أنها تهيم في الهواء، والبعض قال إنها تتحرك في الكون كحقيقة إلهية. ومن أجل هذا، على الرغم من أنها تتحد بالجسد، وهى مخلوقة على صورة الله، وتُحيّي الجسد، إلاّ أنها تبقى خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة، ولا نستطيع أن نراها، ولا أن نفسرها ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها ووجودها ومما تتألف وجمالها.

          ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته[6] إن النفس لها جمال فائق لا يوصف، ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المضادة تحسدها، لأنها أخذت شكلاً أسمى من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار إليه إلاّ لأنها تعتبر بالحقيقة، وعلى سبيل الحصر، صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فقط داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئى. لنأتِ إلى النقطة الأساسية لموضوع الخلق “بحسب الصورة والمثال”، لكى نُبيّن، كما وعدنا، فرادة الثالوث الإلهى.

وما هى النقطة الأساسية؟ من الواضح أنها النفس أيضًا، وكلمتها العاقلة، التي دعاها الرسول بولس، روحًا، عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح[7]. النفس أيضًا غير مولودة ولا علّة لها، وهى مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علّة لوجوده. إلاّ أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة، بل تولد من النفس بطريقة لا يُعبّر عنها وغير منظورة ولا تُفسر، وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علّة أو سبب وهو ليس بدون ولادة، ولكنه ينبثق، يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئى، على مثال الروح كلّى القداسة، والذي ينبثق أيضًا والذي قيل عنه “ الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله[8]. النفس حين توجد داخل الجسد فهى لا تعتبر منبثقة، لأنها إذا كانت منبثقة، لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة، لأنه إذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور التي تثير الدهشة أننا لدينا نفسًا بسيطة، وعقلاً واحد غير مركب، أما كلمتنا فهى مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير مُنقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة، غير متجسدة، وتبقى مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه، وحينئذٍ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها، حتى أننا نستطيع أن ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”.

          حقًا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور، بصورة غير مرئية، لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف، كما لو كان داخل الآب إلى أن ولد جسديًا من العذراء القديسة بدون فساد، بدون رجل، وظهر في العالم، دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء على ذلك ترى أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية، عدم ولادة النفس، ولادة الكلمة، وانبثاق الروح، أى الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول إنه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس، قال الرسول بولس إن الإنسان خلق بحسب صورة الله غير المرئى. فإن لم يكن هذا حقيقيًا، فلماذا لم تُخلق النفس إذًا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام، بل لها ثلاثة أقسام فقط، والتي لا تختلط فيما بينها وفقًا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر، حتى أنه لو كان مسموحًا أن أقول إن داخل الإنسان وبالأحرى الإنسان البار يسكن، بصورة شكلية وليس جوهريًا، كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فإن حكماء العالم قد حددوا، من منظور آخر، أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام، مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة، الفكر، الإحساس، حتى أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتى من الله، وبإحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة، مُبينين أيضًا من خلال هذه الأمور الثلاث، معنى “بحسب صورة الله”. لأن الله الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أى السماويات، والأرضيات، وما تحت الأرض، من خلال قدرته الخالقة، وعنايته، وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله، فإنه يعمله وفقًا لإحدى هذه الطرق الثلاث، إما أنه يخلق، أو أنه يعتنى، أو يُهذب. وصورة الله الخالق هى في الرغبة. لأن الرغبة تقود إلى العمل، أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضًا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هى في الرغبة. لأن الأطفال حتى قبل أن يتكلموا، باعتبارهم نفوس، نجدهم يشتهون على الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضًا القدرة الفكرية من الواضح انها خاصية العقل، بينما الاحساس يرافق العقل، وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابًا.

 

طبيعة النفس العاقلة:

          إذًا فإن أراد أحد أن يعرف كيف خُلِقَ الإنسان بحسب “صورة الله ومثاله”، فليأتِ إلى هذه الأمور غير المطروقة، والمعانى المشابهة لها، وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق، وأقسام أقسامها، كلماتها، طرقها، وحداتها، تميّزاتها، تفرّدها، وحدتها، ثالوثيتها، كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة، بحسب صورة الله ومثاله، ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة. وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر، لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة، وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا قد جعل هذا الأمر واضحًا جليًا “[9]. أيضًا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدًا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطى مثالاً لصورة الله، وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضًا البعض ممن يحملون نفسًا وكلمة، قد تجدهم فقراء في العقل تمامًا. أيضًا البعض لديهم عقلاً ونفسًا، ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فإن الرضيع، الذي يولد من داخل جو مظلم، ويأتى إلى النور، يُظهر على الفور أنه يحمل نفسًا هى مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة، تحمل أيضًا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع ، حيث ينمو الجسد ويكتمل، فيظهر الكلام بعد ذلك، والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ، بل أنه يتلعثم أولاً، مُعلنًا عن حضور ذهنى، عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل، وهذا يشير إلى الكلمة حين تجسد.

          لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نُباشره عن خلق الإنسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدًا، آه أيها الإنسان، إننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم، عندما أخذ جسدًا، هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقًا لقد حُمل بالإنسان من بذرة الشرير، كما لو كان في بطن الخداع، جالسًا في الظلمات وفي ظلال الموت. ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الإلهية، في البداية كطفل، تعهده الناموس، إذ أنه يحمل نفسًا، مدركًا أن الله الآب يحتوى الكلمة كأقنوم، والروح القدس أيضًا، كما هو الوضع بالنسبة للنفس. ولأن الإنسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية، لم يكن قادرًا على إظهار الكلمة والفكر، ولكى لا ينزلق إلى عبادة الآلهة المتعددة، فإن طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة، مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر، كما لو كان قد تعلّم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة، مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام، ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية، ثم إدراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.

          وبعد هذه الأمور المتلعثمة، وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازًا، وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية، كما تخرج الكلمة من الشفاه، ستعرف طبيعتنا الإنسانية ككل كمالها الثالوثى بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم، من خلال الكلمة، طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيًا، والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج، لكنه استعلن فيها، من خلال تلك الأمور التي هى في داخلها، أى النفس والكلمة، مقابل الآب والابن، فتلد النفس كلمتها الأقنومية، ليس كمخلوقة، ولا كشئ مُغاير، ولا كجنس مختلف، بل بشكل أساسى هو وجود شخصي فطرى يحمل طبيعة مشتركة. مظهرًا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن، كما لو كانت تشكل جسدًا واحدًا. وبالإضافة إلى هذه العناصر فإن النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية[10]، كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معًا، تلك التي هى فوق كل شكل وهيئة، وهى تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها، وكحياة لها، وتملك الكلمة كرفيق لها. فإذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور، فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة، تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله. ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب، والابن، لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة، توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت، ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها، هكذا فإن الله الكلمة هو كائن مع الآب، وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما إن فصلت وعزلت الكلمة عن النفس، فإن نفسك ستبقى بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق على صورة الله، أنك لو رفضت الله الكلمة، قائلاً إنه غير كائن مع الله الآب، فإنك تكرز حينئذٍ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة. ولو أنك فصلت الروح عن الله، فإنك تتحدث عن من هو ميت وليس عن إله حيّ. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا، وليس من قبل الأمور التي هى خارجك، بل من تلك التي هى داخلك. أن تعرف الله غير المعروف، من خلال الثالوث الذي في داخلك، اقتنِ معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقًا. هذه الشهادة هى شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أى شهادة أخرى للناموس وللكتاب.

 

 

خلق الإنسان وإدراك سر الثالوث:

          حقيقةً أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحيّ (أى الإنسان)، لأنه كان يرغب أن يُعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المُدرك، لكى تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله، الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التى توضّح سر الثالوث القدوس، ولكى لا تتذبذب بعد من جهة سر الثالوث، حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة. لا تُعبّر بالتساؤل الساخر، إن كان الله ثالوث، فكيف يكون واحدًا؟ وإن كان الكلمة هو ابن، فكيف يمكن أن يكون المولود موجودًا منذ البدء مع والده؟ وإن كان الروح يأتى من الآب، فلماذا لم يولد، لكنه ينبثق؟ أو مَن هو الذي أحضره الآب إلى النور أولاً؟ الابن أم الروح القدس؟ فإن كان الاثنان معًا في نفس الوقت، فهل يوجد يا ترى داخل الثالوث إلهان أخوة، وولادة توأم؟ وكيف ستُميّز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية، والغير متحركة والثابتة؟ وكيف يكون ممكنًا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُرى ولد بإرادته أم لا؟ ومَن يشهد على أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وإن كان الله الآب هو أقنوم كامل. وإن كان الله الكلمة هو أقنوم كامل، والروح القدس إله كامل، فمن لا يقول إن عقل الله هو أقنوم إلهى آخر لله، وإله آخر هو ذراع الله، وأقنوم آخر هو اصبع الله، وكذلك يمين الله، وكل الأمور الأخرى التي يُقال عنها إنها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟

          إذًا فلكى لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور، التي تعثّر فيها الهراطقة، وسقطوا بتفكيرهم، فإن الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثى، لتكون نموذجًا يحمل الشكل الثالوثي، والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وإن كانت لك رؤية مستقيمة، فستجد في هذا الثالوث، وبحق، كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله، كما في مرآه، وكنموذج أو شكل (للثالوث القدوس). وأقصد أن الأقانيم ثلاثة، والجوهر واحد غير منقسم، وغير مُدرك، وهو الذي لا هيئة له، الذي لا يُشار إليه، غير المولود، المولود، المنبثق، الخالق، الراعى، الديان، غير المحسوس، غير الجسدى، الأبدي، غير المتجزئ، غير المائت، الذي لا يُعبّر عنه، الفائق الجمال، وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوى عن النماذج والصور الإلهية كظلال مرسومة داخل نفسك. ولهذا قال الله “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”.

 

الانتقال من الأصل إلى الصورة:

          ومع هذا فإن هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها، لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة ” بحسب الصورة والمثال ” كملمح للإنسان، ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث، ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا إدعائهم المظلم، بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق بحسب “الصورة”، ما كان له أن يُعلّم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب. لو أن مقدونيوس تعرض بتقوى لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمى وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم، لم يعرفوها، وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون. لاحظ إذًا أن النفس هى “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح على الفور ما أقوله بوضوح. نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود، وينطبق نفس الشئ على الابن وعلى الروح القدس، ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين، يحملون أسماءً، يُعلن فيها الواحد عن الآخر، كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعنى أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنًا أن يُدعى أبًا، إن لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح، فهو يعلن عن الله، لأن الله روح كما يقول الكتاب[11].

          فلنأتِ بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس إلى صورته، أى إلى الثالوث الذي يوجد داخلنا، وسترى الأسماء الثلاثة، حيث يحوى الواحد الآخر وهم متحدين. بمعنى أنك عندما تُشير إلى النفس الناطقة العاقلة، فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ إذا ذكرت كلمة عقل، فإنك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأى شئ يتعلق الذهن، إن لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فإن اسم أحد الأقانيم يستدعى حتمًا الإشارة إلى الأقنوم الآخر، فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معًا. يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم، بمعنى أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هى واحدة ومتساوية، والقوة واحدة، والإرادة واحدة، والرأى واحد. فإن الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه، وأيضًا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فإن الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئًا بالانفصال عن الآب، ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس، بل ولا الروح القدس أيضًا يفعل شيئًا بدون الابن والآب.

          وعندما ننتقل من الأصل إلى الصورة، إلى صورة نفوسنا التي هى مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” سترى فينا أن الفعل هو واحد ومتساوى. لأن النفس لا تفعل شيئًا بدون الكلمة، ولا الكلمة بدون النفس، ولا أيضًا العقل يفعل شيئًا وحده بدون النفس وبدون الكلمة، بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية والمترابطة فيما بينها، بحسب خلقتها على صورة الله ومثاله. ولكن إذا قلت لى إن النفس لا تفعل أى شئ وحدها بدون الجسد، وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه، إذ أنها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فإنها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. إلاّ أنها عندما تنفصل عن الجسد أيضًا فإن الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها، إذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء، يمكن أن تُدعى وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.

          ولكن إذا تهكم المقاوم، كما هو متوقع، على كل ما قلته، لأننا لم نُدلل على أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس، فليعلم الأحمق أن النفس خلقت على شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضًا، إن لم يكن هذا أمرًا مخيفًا أن يقوله المرء، فإن هناك تمايز للآب عن الابن، وتمايز للروح القدس عن الابن. وفي تشابهك مع صورة الله، أنت لا تتجاوز هذا أيضًا، أى أنه بولادة الكلمة جسديًا من الشفاه تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديًا استعلنت للعالم القوة، المعرفة، الحكمة، وجميع أنواع الصلاح الأخرى التي للآب والروح القدس.

          لاحظ إذًا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم، من جهة التشبه بكلمة الله، وكيف أنه بواسطة الكلمة، يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة، وبالكلمة يُمجدون الخالق، وبالكلمة خلق كل ما نراه، بالكلمة أُنير سر الكون، بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات، بالكلمة تحققت الإنجازات، بواسطة الكلمة تجلى الكون. لقد بُشّر بمعرفة الله بواسطة الكلمة، وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة. بواسطة الكلمة توّحدت وانجمعت كل الأشياء معًا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس، إلى أن تولد الكلمة من شفتيه، هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد، عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا، حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس. ولأن نفوسنا هى مخلوقة من الله، فهى غير مُرسلة لخدمة ما، بعد انفصالها عن الجسد، كما يحدث بالعكس مع الملائكة، لأن الملائكة هى أرواح مُرسلة للخدمة، بينما أنفس القديسين هى بشكل أساسى مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله، لأنه إن كان الإنسان بعد عصيانه، قد طاله نقص بسيط عن الملائكة[12]، إلاّ أنه بإتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة، لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله، اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولاً صورة الله، يعكس الآن صورة الله، هذا الذي يليق به المجد إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] تك26:1.

[3] نار وماء وأرض وهواء. هذه العناصر كانت تمثل المعطيات العلمية لذلك العصر (القرن الرابع) وقد أشار ق. أمبروسيوس إلى هذه العناصر المكونة للإنسان في كتابه شرح الإيمان المسيحي.

[4] تك27:1.

[5] رو29:8.

[6] ميثوديوس هو أسقف مدينتي أوليمبوس وبترا. وقد انتقل بحسب شهادة القديس جيروم إلى إيبارشية صور في فينيقية (لبنان). استشهد عام 213م في خالكيس. وقد عُرف عنه معارضته للعلاّمة أوريجينوس، برغم تأثره بفكر ومنهج أوريجانوس، كما أشار هو نفسه إلى ذلك. وهو ما يظهر في استخدامه للتفسير الرمزي للكتاب المقدس. “ Methodius – the Banget of the ten virgins “ Ante – Nicene Fathers – vol.6.P. 309-310.

[7] ” لتكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7).

[8] 1كو10:2.

[9] 1كو15:14.

[10] تعبير “أعضاء النفس” استخدمه القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة رومية، الاصحاح الرابع قائلاً: ” علينا أن نشدد أعضاء النفس ونحفظها بالملمح الروحى”. أيضًا استخدمه القديس مقاريوس في العظة 7 ردًا على تساءل، هل العقل شئ والنفس شئ آخر؟ أجاب كما أن أعضاء الجسد وهى كثيرة تُدعى إنسانًا واحدًا، هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهى (العقل ـ الضمير ـ الارادة) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة.

[11] يو24:4.

[12] عب7:2.

 

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version