ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

مقدمة

القديس ايرونيموس (جيروم)

ولد ايرونيموس من أبوين مسيحيين ببلدة ستريدون قرب أكويلا بإيطاليا حوالى سنة 345م. وفى حداثته ذهب إلى روما حيث درس الخطابة واشتغل فترة بالمحاماة. ويقول عن نفسه إنه سقط فى الخطية ولكنه انجذب بعدها إلى صداقة مجموعة من الشبان المسيحيين الذين أثروا فى حياته وكان يزور معهم قبور الشهداء فى سراديب روما. وفى سنة 366 اعتمد بيد البابا ليباريوس.

          كان جيروم منذ شبابه مغرمًا بالدراسة وبدأ يكوّن لنفسه مكتبة خاصة منذ شبابه المبكر. وقال بجولة فى بلاد الغال (فرنسا) عن طريق شمال إيطاليا، وفى أثنائها تعرّف بروفينوس، وقضى فترة فى تريف، وكان يقوم بنسخ المخطوطات، وكتب تفسيرًا رمزيًا لسفر عوبديا. ثم رجع إلى إيطاليا، وقضى هناك ثلاثة سنوات فى أكويلا حيث بدأ فى السير نحو هدفى حياته وهما. دراسة الكتاب المقدس، وممارسة الجهاد النسكى.

          فى 373 سافر ايرونيموس إلى الشرق مع بعض أصدقائه من النساك عن طريق شمال اليونان ….. وغلاطية وكبادوكية وكيليكيا إلى أن وصل إلى أنطاكية حيث استراحوا لبعض الوقت، وهناك أصيب ايرونيموس بحمى شديدة قارب الموت بسببها، وأثناء هذه الأزمة قرر ترك كل الاهتمامات والقراءات الرومانية وتكريس نفسه للدراسات المسيحية وخاصة الكتاب المقدس.

          تعلم ايرونيموس اللغتين اليونانية والعبرية. وقام بترجمة العهد القديم من العبرية إلى اللاتينية لغته الأم، وهذه أول مرة تترجم فيها التوراة من العبرية إلى اللاتينية مباشرة بعد أن كانت الكنيسة اللاتينية تستخدم النسخة السبعينية اليونانية. وهذه الترجمة هى المعروفة باسم الفولجاتا Volgate.

          ومن أشهر كتب القديس ايرونيموس كتاب “مشاهير الرجال” (Viris Illustratus) الذى أشرنا إليه فى كتاب “مدخل إلى علم الآباء” كأحد المراجع عن عدد كبير من الآباء بعد كتاب “تاريخ الكنيسة ” لأوسابيوس.

          وقضى ايرونيموس 40 سنة فى بيت لحم يعيش الحياة النسكية مع عدد من الأصدقاء والتلاميذ والتلميذات. وترجم نصوصًا كثيرة لبعض المعلمين السابقين من بينهم أوريجينوس إلى اللاتينية، وكتب تفسيرات لعدد كبير من أسفار الكتاب المقدس خاصة العهد القديم. وتنيح ايرونيموس سنة420 م ودُفن فى بيت لحم.

العظة على ميلاد الرب:

          لم يستطع العلماء أن يحددوا تاريخًا دقيقًا لإلقاء هذه العظة. وكل ما وُجد عنها فى هوامش كتابات ايرونيموس باللاتينية أنها أُلقيت فى عيد الميلاد 25 ديسمبر فى حضور الأسقف ودون تحديد من هو الأسقف الذى ألقى ايرونيموس العظة فى حضوره. ويرجع العلماء أنها أُلقيت فى إحدى السنوات بين 394 ـ 405.

          ونود أن نشكر الأخ ريمون يوسف الذى ساهم فى ترجمة هذه العظة عن اللغة الإنجليزية.

          فليبارك المسيح مخلصنا المتجسد لأجل خلاصنا فى هذه العظة لبنيان المؤمنين بشفاعة العذراء والدة الإله، وصلوات الآباء القديسين، والقديس ايرونيموس، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث وشركائه الآباء المطارنة والأساقفة. والسجود والتسبيح والتمجيد للآب والابن والروح القدس الإله الواحد الآن وإلى الأبد. آمين.

4 ديسمبر 2004م

25 هاتور 1721ش

شهادة القديس مرقوريوس أبو سيفين

المركز الأرثوذكسى

للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

على ميلاد الرب

عظة للقديس ايرونيموس (جيروم)[1]

 

 “ اضجعته فى المذود، إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” (لو7:2) “ اضجعته أمه فى المزود. لم يجرؤ يوسف على أن يلمسه، لأنه كان على يقين تام، أن الطفل لم يكن ابنه بالجسد. ابتهج يوسف بالطفل وهو مندهش، بيد أنه لم يجرؤ على أن يلمسه. اضجعته أمه فى المذود. فلماذا فى مذود؟ لكى تتم النبؤة التى قيلت على لسان إشعياء النبى ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه” (إش3:1) وقيل أيضًا فى موضع آخر “ الناس والبهائم تخلّص يارب” (مز6:36). فإذا كنت إنسانًا تناول الخبز؛ وإذا كنت حيوانًا فتعال إلى المذود.

 

          وبسبب أنه لم يكن لهم موضع هناك، لذلك قال لوقا الإنجيلى بصواب: “ إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” وذلك لأن عدم إيمان اليهود قد امتد إلى كل شئ. لم يجد موضعًا فى قدس الأقداس الذى يتألق بالذهب، والأحجار الثمينة، والحرير الطبيعى والفضة. لم يولد المسيح وسط الذهب والثروة، بل وُلد وسط روث الحيوانات فى حظيرة للبهائم، “وحيث توجد الحظيرة، يوجد الروث، بينما خطايانا هى أقذر بكثير من ذلك الروث. وُلد الرب فى مزبلة، كى يرفع أولئك الذى أتوا منها، كما يقول المرتل: “ الرافع البائس من المزبلة” (مز7:113) وُلد الرب فى المزبلة، حيث جلس أيوب الصديق أيضًا، وتُوّج بعد ذلك.

          “ لم يكن لهم موضع فى المنزل” هنا تعزية عظيمة للفقراء فيوسف ومريم، أم الرب، لم يكن لهما خادم أو خادمة. أتوا بمفردهم من الناصرة التى فى الجليل، ولم يكن لهما دابة تحملهما. فلقد كانا لنفسيهما سادة وعبيدًا. توجد هنا ملاحظة أخرى وهى أنهما قد ذهبا إلى الفندق الذى بجانب الطريق، وليس إلى داخل المدينة، فحيث كان الفقر كان يجعل الإنسان أجبن من أن يتجرأ للدخول وسط الأغنياء. أتلاحظون مدى شدة عوزهما. فقد ذهبا إلى الفندق الذى على الطريق. لم يقل الكتاب المقدس إن الفندق كان على الطريق، بل كان جانبًا خارج الطريق؛ ليس على طريق الناموس، بل على طريق الإنجيل. لم يكن هناك فى ذلك الوقت مكان آخر خاليًا لكى يولد فيه المخلص سوى مذود، مذود للماشية والحمير. فإنى أتمنى لو كان يُتاح لى أن ألقى بنظرة إلى ذلك المذود الذى وُلد فيه المسيح. ولكى نكرِّم المسيح الآن، نأخذ مذود الطين ونستبدله بسلة فضية، ولكن ذاك الذى وُلد فيه المسيح نفيس جدًا بالنسبة لى. الفضة والذهب يتناسبان مع عبادة الأوثان، أما الإيمان بالمسيح فإنه يستحق ذلك المذود المصنوع من الطين. وُلد المسيح فى ذلك المذود فهو لا يبالى بالذهب أو الفضة. لذلك فإنى لا ألوم أولئك الذين باعوا ممتلكاتهم فى سبيل إكرام الآلهة، ولا أنظر بازدراء إلى أولئك الذين صنعوا أوعية من الذهب فى الهيكل، ولكنى أتعجب من الرب خالق الكون. الذى وُلد وهو غير مُحاط بالذهب والفضة، بل مُحاط بالطين والروث.

          “ وكان فى تلك الكورة رعاة متبدّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو8:2). إنهم لن يجدوا المسيح إن لم يسهروا، إذ أن هذا هو واجب الرعاة. فلن يجد المسيح إلا الإنسان اليقظ الساهر. فلهذا تقول عروس النشيد: “ إنى نائمة ولكن قلبى يقظ” (نش2:5) حقًا “ لا ينعس ولا ينام حارس إسرائيل” (مز4:120).

 

          كان هناك فى نفس الكورة رعاة، وكان هيرودس ورؤساء الكهنة والفريسيون هناك أيضًا فى نفس الكورة، وبينما هم نيام، وجد الرعاة المسيح مضجعًا فى مغارة منعزلة.

 

          كان الرعاة يحرسون حراسات الليل على رعيتهم“. لقد كان الرعاة يحرسون قطيعهم، لئلا تفترسه الذئاب أثناء نومهم. كانوا يحرسون القطيع بحرص وعناية؛ ولقد كان الخطر بالنسبة للقطيع من غدر الوحوش سببًا كافيًا لكى يسهروا لحراسة قطيعهم. كانوا يحرسونه، كما لو كان قطيع الرب، ولكنهم لم يستطيعوا حفظه؛ ولهذا طلبوا من الرب أن ينقذ القطيع. ” وإذا ملاك الرب وقف بهم” (لو9:2). والذين كانوا يقظين هكذا استحقوا أن يأتى إليهم ملاك الرب: “ ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفًا عظيمًا” (لو9:2). إن خوف الإنسان سببه هو عدم قدرته أن يتفرس فى منظر مهيب وسامٍ جدًا. وبسبب خوفهم خوفًا عظيمًا، قال لهم الملاك “ لا تخافوا” (لو10:2)، فكان كلامه كالمرهم الذى يداوى الجروح لكى يطمئنوا. فشدة الخوف تجعلك عاجزًا عن فهم ما أقوله.

إنه وُلد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو11:2) يا لها من كلمات عظيمة جدًا وبينما هم فى حالة دهشة عظيمة “ ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين” (لو13:2). ملاك واحد أعلن ميلاد الرب، ولكى لا يبدو أنه هو الوحيد الشاهد لهذه الحادثة، ردد كل جمهور الملائكة تسبحة تمجيد واحدة:       “ المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبين أناس المسرة” (لو14:2).

              

          إذا كانت الخطايا بحسب ما يقوله الهراطقة، تحدث يوميًا فى السماء، فكيف يكون هناك إذًا مجد فى السماء، ولماذا نصلى من أجل السلام على الأرض؟ لاحظوا ما يقوله الإنجيل فى السماء حيث لا يوجد خصام، يسود المجد، وعلى الأرض، حيث كل يوم هو يوم حرب يملك السلام.

 

          “ على الأرض السلام” يحل السلام على مَنْ؟ يحل السلام بين الناس. فلماذا كانت الأمم الوثنية تحيا بدون السلام؟ ولماذا كان اليهود أيضًا ليس عندهم سلام؟ هذا هو بالضبط الذى يجعل السلام يحل بين أناس محددين: والسلام يحل بين الناس ذوى الإرادة الصالحة، بين هؤلاء الذين رحبوا بميلاد المسيح.

 

          قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: “ لنذهب الآن إلى بيت لحم” (لو15:2) فلنترك الهيكل المهجور ولنذهب إلى بيت لحم. “ وننظر هذا الأمر الواقع الذى أعلمنا به الرب” (لو15:2). وإذ كانوا منتبهين فهم لم يقولوا، لنذهب ونرى الطفل، أو لنذهب لنكتشف ما قد أعلنه الملاك لنا، بل قالوا لنذهب “ وننظر الأمر الواقع” (الكلمة).

 

          فى البدء كان الكلمة” (يو1:1) “ والكلمة صار جسدًا(يو14:1) الكلمة كائن دائمًا منذ البدء، فلننظر إذًا كيف صار من أجلنا. “ وننظر هذا الكلمة الذى صار، الذى صنعه الرب والذى أعلمنا به الرب” (لو15:2).

 

          بقدر هذا نفسه صار، إذ أن هذا الكلمة نفسه هو الرب، فلننظر إذًا كيف أن هذا الكلمة نفسه، الرب ذاته، جعل نفسه يظهر، وجعل جسده معروفًا لنا. ولأننا لا نقدر أن نراه، مادام هو الله الكلمة الذى لا يُرى، دعنا نرى جسده، لأنه جسد (يُرى)؛ دعنا نرى كيف أن الكلمة صار جسدًا.

 

          “ لذا فقد جاءوا مسرعين” (لو16:2). إن غيرة أرواحهم المتلهفة صارت أجنحة لأرجلهم؛ فلم يستطيعوا أن يمسكوا سرعتهم بسبب لهفتهم على رؤية الطفل، لذلك قال الإنجيلى: “ جاءوا مسرعين” (لو16:2) ووجدوا من يبحثون عنه، لأنهم ركضوا بحماس شديد.

 

          دعنا نرى ماذا وجدوا “ وجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا فى المذود” (لو16:2). إذا كانت مريم زوجة يوسف حقًا، لكان من الخطأ القول ” وجدوا الزوجة والزوج”، ولكن ذكر لنا الإنجيل المرأة أولاً ثم الرجل. فماذا قال الكتاب      “ وجدوا مريم ويوسف” وجدوا مريم الأم ويوسف الحارس   “ والطفل مضجعًا فى المذود“. ولما أبصروا فهموا ما قاله الملاك لهم عن الصبى.

 

          “ وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به فى قلبها” (لو19:2) ماذا تعنى كلمة “متفكرة” إنها تعنى بالتأكيد أن العذراء كانت تتأمل مليًا فى قلبها وفى أعماق نفسها وتفكر داخلها، فيما قد صنعه الرب.

 

          “ متفكرة به فى قلبها” لأنها كانت امرأة قديسة، وقرأت الكتب المقدسة وتعرف الأنبياء وتتذكر أن ما قاله الملاك جبرائيل لها هو نفس الأمور التى سبق وتنبأ بها الأنبياء. كانت تتأمل فى قلبها ما إذا كان الأنبياء قد سبق وأشاروا للكلمات: “ الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك، لذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يدعى ابن الله” (لو35:1). لقد قال الملاك جبرائيل للعذراء نبؤة إشعياء فى بشارته لها “ ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (إش14:7). لقد قرأت العذراء نبؤة إشعياء وسمعت بشارة الملاك لها.

 

          تطلعت العذراء إلى الطفل وهو مضجع أمامها؛ ونظرت الطفل وهو يبكى فى المذود، رأت العذراء هناك ابن الله، ابنها، ابنها الواحد والوحيد؛ وتطلعت إليه، وفى تأملها، كانت تقارن ما سمعته بما قرأت وبما أدركته هى نفسها. وحيث إن العذراء كانت تتأمل فى قلبها، فلنتأمل بالمثل، نحن فى قلوبنا إنه فى هذا اليوم وُلد المسيح. ولكن هناك البعض يعتقدون أن المسيح وُلد فى يوم “الابيفانيا”، بيد أننا لا ننتقد رأى الآخرين، ولكننا نتبع مسار نتائج دراستنا الخاصة. “ فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئًا بخلافه، فالله سيعلن لكم هذا أيضًا” (فى15:3) فمن يقول إن الله قد سبق ووُلِدَ فعلاً، ونحن نقول إن الله وُلد اليوم، فكلانا على حدٍ سواء نعبد ربًا واحدًا، ونعترف بطفل واحد. دعونا نستعرض بعض الحقائق القليلة، وذلك ليس لتوبيخ الآخرين ببراهيننا الخاصة، إنما لكى ندعم ونعزز موقفنا. نحن لا ننشر آراءنا الخاصة ولكننا نؤيد التقليد. فالرأى الشائع فى العالم يتعارض مع تفكير هذه المنطقة. قد يعترض أحد ويقول: “إن المسيح وُلد هنا، فهل أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن هذا المكان لهم دراية أكبر من أولئك الذين يعيشون فى بلد ميلاده؟ من أخبرك بهذا؟ إن أولئك الذين كانوا من تلك المقاطعة، هم بالطبع الرسولان بطرس وبولس وبقية التلاميذ. بذلك أنت قد رفضت التقليد؛ وأما نحن فقبلناه. فبطرس الذى كان هنا مع يوحنا، الذى عاش أيضًا هنا مع يعقوب، علّمنا أيضًا نحن الذين فى الغرب. فالرسل هم معلموك ومعلمونا.

 

          توجد هنا حقيقة أخرى، وهى أن اليهود كانوا يحكمون اليهودية فى ذلك الوقت، وعلاوة على ذلك يقص لنا أعمال الرسل هذه الحادثة “ وحدث فى ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى أورشليم فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل” (أع1:8). ذهبوا إلى قبرص وأنطاكيا، وانتشر اليهود الذين تشتتوا فى العالم كله. لقد كان اليهود يحكمون لمدة 42 سنة بعد صعود الرب، وكان هناك سلام فى كل مكان، ولكن هنا فقط توجد حرب. ولذا لقد كان من الممكن أن يُحفظ التقليد بسهولة فى الغرب أكثر من اليهودية حيث يوجد نزاع. وبعد 42 سنة، وصلت جيوش فيسبيان وتيطس، ودمروا أورشليم وخربوها (70 م)؛ وطردوا منها كل اليهود والمسيحيين. وحتى عصر هادريان ظلت أورشليم مقفرة؛ ولم يكن فى تلك المنطقة بأسرها يهودى واحد أو مسيحى واحد. ثم جاء هادريان وقام بتدمير ما بقى من المدينة، بسبب اندلاع ثورة أخرى لليهود فى الجليل. وبعد ذلك أصدر قانون بعدم السماح لأى يهودى أن يقترب من أورشليم. ثم أتى بمستوطنين من مقاطعات مختلفة ليقيموا فى أورشليم. وأذكر أن اسم هادريان هو أيليوس هادريان وبعد أن أخرب أورشليم أطلق على المدينة الجديدة اسم أيليا.

 

          لماذا أقول كل هذه الأمور؟ أقول هذا لأنهم يقولون لنا إن فى ذلك المكان عاش الرسل؛ وأقيم التقليد. ونحن نقول الآن إن المسيح وُلد اليوم؛ ووُلد ثانية فى الابيفانيا (عيد الظهور) وأنت يا من تدافع وتقول إن المسيح وُلد فى عيد الغطاس، فاثبت لنا الولادة والتجديد (إعادة الولادة). ومتى نال المسيح صبغة المعمودية، وإلا ستواجه النتيجة وهى أنه فى نفس اليوم وُلد وتجدد؟ فحتى الطبيعة تتفق مع رأينا؛ والعالم نفسه شاهدًا لرؤيتنا هذه. حتى هذا اليوم تزداد الظلمة على الأرض، أما منذ ذلك اليوم الذى وُلد فيه تتناقص الظلمة ويزداد النور، النهار يطول، ويتضاءل الإثم؛ يرتفع الحق. أما بالنسبة لنا، ففى هذا اليوم وُلد شمس البر. والخلاصة، خذ بعين الاعتبار نقطة أخرى؛ وهى أنه بين الرب ويوحنا هناك ستة أشهر، فإذا درست ميلاد يوحنا المعمدان بالنسبة إلى ميلاد المسيح، فإنك ستجد أن هناك ستة شهور بينهما.

 

          وبعد حديثنا هذا عن كثير من الأمور، وبعد سماعنا للطفل وهو يبكى فى المذود، وبعد أن كرمناه هناك، فلنستمر فى تكريمنا له اليوم. فلنحمله على أيدينا اليوم ونمجده كابن الله. الإله القدير الذى طالما أرعد فى السماء لوقت طويل جدًا ولم ينقذ الإنسان، نجده اليوم يبكى وكطفل رضيع يخلص الإنسان. فلماذا أقول كل هذه الأمور؟ لأن الكبرياء لا يجلب الخلاص أبدًا ولكن التواضع يصنع الخلاص. وطالما كان ابن الله كائنًا فى السماء، لم يعبده إنسان، ولكن لما نزل على الأرض صار معبودًا. ذلك الذى له تحت قدميه الشمس والقمر والملائكة، لم يُعبد على الأرض، لقد وُلد إنسانًا كاملاً، إنسانًا صحيحًا كاملاً، لكى يشفى العالم كله. أى عنصر من طبيعة الإنسان لا يتخذه لنفسه لا يقدر أن يخلصه. فلو أنه كان قد اتخذ الجسد فقط ولم يتخذ النفس أيضًا، لما كان قد خلّص النفس. فهل يخلص ما هو ذا قيمة أقل ولا يخلص ما هو أهم وأعظم؟ وإذا قالوا إنه خلّص النفس التى اتخذها، فخذ بعين الاعتبار كما أن النفس أسمى من الجسد هكذا بالمثل فإن العقل هو القوة الحاكمة فى النفس ذاتها. فلو أن المسيح لا يخلص العقل الإنسانى فلا يكون قد خلص النفس التى هى أقل. وأنت تجيب إنه لم يتخذ لنفسه عقلاً بشريًا لكى يكون قلبه حرًا من الرذائل الإنسانية والأفكار الشريرة والشهوات. أتعنى إذًا بذلك أنه لو كان لم يستطع أن يضبط ما خلقه هو فإنى يجب أن أعتبر نفسى بغير جدارة إن كنت لا استطيع أن أغلب ما كان ينبغى أن يغلبه هو.

 

          لقد نسينا ما عزمنا عليه وتكلمنا أكثر مما نقصد فى نفس الوقت. فالعقل خطط أنه يفعل شيئًا ما، ولكن اللسان فى حماسة انزلق وسبق العقل. فلنستعد الآن لكى نصغى بعناية إلى الأسقف ونخبئ باجتهاد فى قلوبنا ما سيقوله عن ما لم أتطرق إليه أنا، فلنبارك الله الذى له المجد إلى أبد الأبد آمين.

[1] أُلقيت فى 25 ديسمبر أمام الأسقف .

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

 

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

 

مقدمة

          ألقى القديس غريغوريوس النيسى شقيق القديس باسيليوس الكبير هذه العظة على ميلاد المسيح في الاحتفال بعيد الميلاد الذي جاء موافقًا ليوم 25 ديسمبر سنة 386م. ويقول البروفيسور جوهانز كواستن عالِم الآباء الشهير في مجلده الثالث لعلم الآباء Patrology III أن هذه العظة لها أهمية كبيرة جدًا من جهة تاريخ تعييد عيد الميلاد.

 

         ورغم أن أحد الباحثين الحديثين أنكر نسبتها إلى ق. غريغوريوس إلاّ أن غالبية علماء الآباء يؤكدون أصالتها ونسبتها إليه. الأصل اليونانى لهذه العظة موجود بالمجلد رقم 46 مجموعة مينى Migne اليونانية (P.G 46, 1128-1149).

 

         من جهة حياة القديس غريغوريوس النيسى وكتاباته نرجو الرجوع إلى مقدمة كتاب “قيامة الجسد” لنفس القديس والذي نشره المركز في أبريل سنة 2004.

         فليبارك الله في هذه العظة في احتفالنا بميلاد مخلّصنا الحبيب لبنيان كنيسته بشفاعة العذراء والدة الإله وصلوات الآباء القديسين والقديس غريغوريوس النيسى وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث والآباء المطارنة والأساقفة ولإلهنا الثالوث القدوس كل المجد والسجود والتسبيح الآن وإلى الأبد آمين.

 

4 ديسمبر 2004م

25 هاتور 1721ش

شهادة القديس

مرقوريوس أبو سيفين

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

 

 

 

ميلاد المسيح

للقديس غريغوريوس النيسى

 

          يقول داود النبى ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق ليوم عيدنا المبهج[1]. إن الوصايا الخاصة بتعليم الملهم من الله (داود النبى) هى على أية حال، قانون لكل من يسمع. إذًا فلأن يوم احتفالنا المفرح قد أتى، فيجب علىّ أنا أيضًا أن أطبق هذا القانون، وأصير نافخًا بالبوق لهذا اليوم المقدس. إن بوق الناموس كما يشير الرسول بولس هو الكلمة. لأنه يقول لا ينبغى أن يكون صوت البوق غير واضح[2]. بل يجب أن تكون الأصوات مميزة، لكى تكون واضحة لكل مَن يسمعها. إذًا لندع نحن أيضًا أيها الاخوة صوتًا بهيًا يُسمع في الأفق البعيد، وهو ليس بأقل أبدًا من صوت البوق القرنى. يرجع ذلك أيضًا لأن الناموس الذي سبق ورسم الحقيقة من خلال رموز وظلال، شرّع أمرًا بإطلاق صوت الأبواق في يوم عيد المظال[3]. وموضوع هذا الاحتفال (أى الاحتفال بميلاد المسيح) هو سر عيد المظال الحقيقي. في هذا الاحتفال اتحدت الخيمة البشرية بذاك الذي لأجلنا لبس الجسد الإنسانى. وأجسادنا التي تتحلل بالموت تعود مرة أخرى إلى حالتها، بواسطة ذاك الذي أقام مسكننا منذ البداية. لنُردد نحن أيضًا كلام المزمور متهللين معًا، بصوت داود العظيم ” مبارك الآتى باسم الرب[4].

          وكيف يأتى؟ بالطبع ليس كما بسفينة أو بعربة، لكنه عبر إلى الحياة الإنسانية ووهبها حياة نقية بلا فساد. ” الرب هو الله وقد أنار لنا. أوثقوا الذبيحة يُربط إلى قرون المذبح[5].

          وعلى أية حال نحن لا نجهل أيها الاخوة، السر المختفي في هذه الكلمات، أن كل الكون هو مسكن لخالق الكون. عندما دخلت الخطية، أُغلقت أفواه أولئك الذين سادت عليهم، وصمت صوت الفرح، وتوقفت الترنيمة اللائقة بالاحتفالات، طالما أن الجنس البشرى لم يحتفل مع القوات السمائية، ولهذا أتت أبواق الأنبياء والرسل، والتي دعاها الناموس (قرنيات)، لأنها تصنع من القرن الحقيقي لحيوان وحيد القرن. هذه الأبواق بُوّقت بكلمة الحقيقة بقوة الروح، حتى ينفتح السمع الموصود بالخطية، ويقام احتفال لائق، هذا الذي من خلال الإعداد أو التهيئة لمظلة الكون كله، يمكن للمحتفلين فيه أن يعزفوا أو يرنموا معًا، بالاشتراك مع القوات السمائية التي تقف حول المذبح السمائى. لأن قرون المذبح العقلى هى القوات الفائقة والمتميزة للطبيعة العاقلة، رئاسات، وسلطات، وعروش، وربوبيات. هذه القوات تشترك في بهجة هذا الاحتفال بانضمامها إلى الطبيعة الإنسانية في ثوبها الجديد، الذي تجدد بتغيير الأجساد في القيامة. لأن كلمة (puk£zomai) تعنى أتجمل أو أرتدى شيئًا جديدًا، كما يفسرها كل من يعرف هذه الأشياء. إذًا هلم ننهض أنفسنا للنشوة الروحية، ولنضع داود في بداية الخورس كقائد وقمة هذا الخورس الخاص بنا، ولنقل معًا تلك الآية العذبة الإيقاع، التي صلينا بها منذ قليل، لنكررها مرة أخرى ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه[6]. في هذا اليوم يبدأ الظلام في التراجع وينحصر ذلك الليل الممتد أمام النور الغامر انحصارا دائمًا. إن هذا التدبير المتعلق بهذا الاحتفال، حيث تستعلن الحياة الإلهية داخل الحياة الإنسانية في هذه اللحظة، لا يكون من قبيل المصادفة يا اخوتى ولا هو أمر تلقائى، أن الكون بكل ما فيه من ظواهر يروى سرًا لأكثر الناس فطنة، وكأنه يصرخ ويقول لذاك الذي يمكن أن يسمع ما يريد أن يقول له في هذا اليوم الذي تعظّم بمجيء الرب، إذ الليل قد انقطعت أوصاله أو بُتر. وأنا أعتقد أننى أسمع الكون يروى شيئًا مثل هذا. أيها الإنسان، وأنت ترى كل هذا، فلتفكر في الأمر المختفي الذي تُعلنه لك تلك الظواهر الكونية. أرأيتم الليل (ليل الخطية) الذي تمادى حتى أحلك فترات ظلامه، لقد توقف هناك عن المضى، وبدأ مرة أخرى في التراجع؟ ضع في اعتبارك أن ليل الخطية الردئ لم يعد قادرًا اليوم على المضى قدمًا، ذلك بعد أن بلغ مداه في الاتساع، ووصل إلى أقصى درجات الشر، من خلال ابتداع جميع أنواع الشرور، التي ستضطر من الآن فصاعدًا، إلى الانكماش والاختفاء.

 

لماذا لم يظهر الرب متجسدًا منذ البداية؟

          أرأيت أن إشراقه النور، تمتد أكثر، وأن الشمس تشرق بصورة تفوق المعتاد؟ فكر في استعلان النور الحقيقي، الذي يُنير بأشعة البشارة كل المسكونة. وحيث إن الرب لم يستعلن من البداية، لكنه في هذه الأزمنة الأخيرة منح الإنسانية إعلان ألوهيته، فإن ذلك قد يجعل المرء يفكر منطقيًا في هذا السبب، وهو أن ذاك الذي كان ينبغى أن ينزل إلى داخل الحياة الإنسانية، للقضاء على الخطية، كان يجب عليه أن ينتظر بالضرورة حتى يكتمل نبت الخطية التي زرعها العدو، وحينئذٍ دعا إلى وضع الفأس على أصل الشجرة كما يقول الإنجيل[7]. فالأطباء المتميزون في عملهم، لا يقدمون للمريض أى مساعدة من خلال الأطعمة حتى عندما يزداد ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى الحد الأقصى. أما عندما تختفي أعراض المرض وتتضح مسبباته فيبدأ الأطباء في ممارسة عملهم، ورويدًا رويدًا يتشدد المريض ويتعافى من مسببات المرض التي تبدأ في التراجع. هكذا المسيح أيضًا، ذاك الذي يداوى جميع الذين أصاب المرض نفوسهم، فقد انتظر حتى تظهر جميع علل الشر الذي أسر طبيعة البشر، حتى لا يبقى أى شر من الشرور ـ التي كانت مختبئة بلا شفاء ـ وإلاّ فكان سيعالج فقط المرض الظاهر. إن الإنسانية لم تكن قد فسدت بالكامل وسقطت في شرورها حتى في زمن نوح ولذلك فلو كان الرب قد ظهر في تلك الفترة لما كان قد شفى الإنسانية بالكامل، ذلك لأن نبتة شرور سدوم لم تكن قد نبتت بعد. ولم يُستعلن الرب أيضًا في زمن هلاك سدوم، لأن شرور كثيرة كانت لازالت مختبئة داخل الطبيعة الإنسانية. حقًا فأين كان فرعون المقاوم لله؟ أين كانت شرور المصريين الغير المروضة أو التي لم تُقمع؟

          وأيضًا لم تكن هذه اللحظة وأقصد زمن شرور المصريين هى اللحظة المناسبة لإصلاح كل شئ، أن يتحد الكلمة بحياتنا، بل كان لابد أن تظهر شرور الإسرائيليين. وأيضًا كان يجب أن تستعلن وتظهر إلى الوجود مملكة الأشوريين، وتباهى نبوخذ نصر الذي كان يشتعل خفية. كان ينبغى أن يسقط ـ مثل شئ خبيث ـ ذلك الخداع المؤدى لقتل الأبرار، وأن تسقط كل أشواك النبات، من جذرها الشيطانى. كان ينبغى أن يشتد نباح اليهود ضد قديسى الله، هؤلاء الذين قتلوا الأنبياء، ورجموا المرسلين، وأخيرًا ارتكبوا جريمة حمقاء حيث قتلوا زكريا بين الهيكل والمذبح[8]. ثم تُضاف إلى هذه القائمة، الجرائم والقتل الذي ارتكبه هيرودس ضد أطفال بيت لحم. إذًا فبعد أن استعلنت كل قوة الشر بكل جذرها الخبيث وازدادت الوقاحة في رغبات الغنوسيين الشريرة والمتنوعة والممتدة في كل جيل، عندئذٍ، كما يقول الرسول بولس لأهل أثينا، تغاضى الله عن أزمنة الجهل، وأتى في أواخر الأيام[9]، عندما لم يكن هناك أحد لديه معرفة، أو لديه رغبة البحث عن الله. فعندما فسد الجميع ورجسوا[10]، عندما انتشر الشر في كل مكان[11] وكثر الظلم، عندما بلغت ظلمة الخطية أقصى حد لها، عندئذٍ استعلنت النعمة. وهنا أشرقت أشعة النور الحقيقي علينا، وأشرق شمس البر على الجالسين في الظلام وفي ظلال الموت[12]، وقتها قصف رؤوس كثيرة للتنين، مُسقطًا إياه بقدمه، وسحقه وطرحه أرضًا. ولا ينبغى لأحد وهو ينظر إلى الشرور الحالية، أن يعتقد أن الكلام الذي يقول، إن الرب في أواخر الأزمنة أشرق كالشمس في حياتنا، هو كلام كاذب.

 

 

بماذا نفسر عمل الشيطان بعد مجيء الرب؟

          ربما سيقول المعترض على هذا الكلام، إن ذاك الذي انتظر طوال هذه الفترة حتى يُستعلن الشر ويزداد، ثم ينتزعه من جذوره، من الطبيعى له أن يقضى عليه كليةً، وألا يبقى له أى بقية في حياتنا. إلاّ أنه لا يزال القتل يُرتكب بجرأة وأيضًا السرقة والزنا بل وأسوأ الجرائم. غير أن شكوك مَن يقول هذا الكلام يمكن أن تتبدد بمثال من الأمثلة المعروفة. فمثلاً عندما نقتل ثعبانًا، فإننا نرى أنه لا يموت كليةً عندما يموت رأسه، فبينما يموت الرأس، يظل باقي الجسد حيًا ويعلن عن غضبه، دون أن تنقصه القوة، هكذا صنع ذاك الذي قتل التنين. فإن الله سحق رأس التنين عندما نمى الوحش وتضخم في كل الأجيال، بمعنى أنه سحق القوة المبطلة للصلاح والتي لها رؤوس كثيرة، ولكنه لم يتكلم بعد عن باقي الجسد، وسمح أن تبقى الحركة في الوحش الميت، كدافع للأجيال القادمة لممارسة الفضيلة. فما هى الرأس التي سحقت؟ هو هذا الذي أحضر الموت إلى البشر، بواسطة مشورته الشريرة، والذي بلدغته، قطّر في الإنسان سمه المميت.

          إذًا فالرب قد نقض سلطان الموت، وسحق قوة رأس الحية، كما يقول النبى، أما باقي جسد الوحش فلا يزال منثورًا داخل حياة الإنسان ويجعل حياتنا باستمرار مُجمدة، ببثور الخطية، على قدر ما يتواجد الإنسان داخل مجالات الشر. إن قوته بالطبع هى بعد ميتة، بعد أن صار الرأس بلا نفع. ولكن عندما يعبر أو يمر الزمن وتتوقف الأجزاء المتحركة عن الحركة عند نهاية هذه الحياة، عندئذٍ يبطل وينتهى الذيل وآخر جزء للعدو، وهذا هو الموت. وهكذا سيتم الاختفاء التام للشر، طالما أن الجميع سيدعون إلى الحياة بالقيامة من الموت. الأبرار سينتقلون إلى الحياة السمائية الطوباوية، بينما الخطاة الأشرار سيُسلمون إلى جهنم.

 

بشارة فرح يوم الميلاد:

          لنعد إلى فرح اليوم الذي بشر به الملائكة الرعاة، والتي أخبرت به السموات المجوس، هذا اليوم الذي يعلو فيه صوت النبوة الذي يُنادى بأمور كثيرة ومختلفة، حتى أن المجوس صاروا مبشرين لعهد النعمة. لأن ذاك الذي يُشرق شمسه على الأبرار والظالمين، والذي يُمطر على الصالحين والطالحين، حمل نور المعرفة وندى الروح، إلى الأفواه الغريبة أيضًا، حتى أن مع شهادة المتضادات أو المتقابلات، تصير الحقيقة لدينا مؤكدة. اسمع بلعام المنجّم وهو يُبشر الأجناس الأخرى بإلهام فائق قائلاً: ” يبرز كوكب من يعقوب[13]. رأيت المجوس الذين انسحبوا من بنى جنسهم، وتبعوا النجم الجديد في المشرق بحسب نبؤة أجدادهم، ذلك النجم الذى يختلف وحده عن طبيعة بقية النجوم، والذي تحرك وتوقف، بحسب ما يريد هو، فتارة يريد شيئًا وتارة أخرى يريد شيئًا آخر. بينما بالنسبة للنجوم الأخرى هناك مجموعة منها موضوعة في فلك غير سيّار، في وضع ثابت، والنجوم الأخرى لا تتوقف إطلاقًا عن الحركة، هذا النجم تحرك وقاد المجوس، وتوقف حيث أشار إلى المكان (حيث كان الصبى) اسمع إشعياء وهو يصرخ قائلاً: “ لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا[14].

 

العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء:

فلتعرف من النبى نفسه، كيف وُلد الولد وكيف نُعطى ابنًا. ترى، هل ولد حسب الناموس الطبيعى؟ يُجيب إشعياء النبى بالنفي. فخالق الطبيعة لا يصير عبدًا لها. أخبرنى إذًا كيف ولد الولد. ها هو يقول ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل[15]. يا للعجب ما هذه المعجزة! العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء.

          أرأيت تجديد الطبيعة. فبالنسبة للنساء الأخريات، مَن هى عذراء، لا تعتبر أمًا، أما عندما تصير أمًا فإنها لا تحمل بعد صفة عذراء. إلاّ أن الصفتين هنا (أى في حالة العذراء مريم) تتفقان وتلتقيان. هى نفسها أم وعذراء، فلا البتولية أعاقت الميلاد، ولا الميلاد أبطل البتولية. كان ينبغى لذاك الذي أتى إلى حياة الإنسان، لكى يجعل الجميع بلا فساد أو لكى يُطهر الجميع، أن يبدأ بتطهير أو تنقية تلك التي خدمت ميلاده. العادة لدى البشر أن يدعوا تلك التي ليست لها خبرة الزواج “بالعفيفة”.

 

العليقة والعذراء:

هذا هو ما يبدو لى، قد فهمه أولاً موسى العظيم، بالظهور الإلهى الذي حدث له في العليقة المشتعلة عندما اشتعلت فيها النار ولم تحترق. لأنه قال: ” أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم[16]. أعتقد أنه لا يُعلن بكلمة “أميل” عن حركة مكانية، بل يعنى بها عبور الزمن. بمعنى أن هذا الذي اُستعلن آنذاك في هذه المعجزة من خلال النار والعليقة، بعدما عبر الزمن المتوسط، ظهر هذا السر بوضوح في العذراء. فكما أن العليقة كانت مشتعلة آنذاك إلاّ أنها لم تحترق، هكذا هنا أيضًا العذراء تلد النور، لكنها لا تُصاب بأى ضرر.

          الآن إن كانت العليقة هى انعكاس لجسد العذراء، فلا تخجل أو تستحى لأجل هذا اللغز. لأن كل جسد يتقبل الخطية، هو خطية بالضبط من حيث أنه هو جسد فقط[17]، إذ الخطية في الكتاب تأخذ اسم الشوكة.

 

ولادة يوحنا المعمدان قبل ميلاد المسيح وشهادة زكريا:

والآن قد يكون الوقت قد حان لنُشير إلى زكريا الذي قُتل بين الهيكل والمذبح، كشاهد للأم العفيفة أو النقية. فزكريا كان كاهنًا، وليس فقط كاهنًا، لكنه كان يحمل موهبة النبوة[18]، التي أُعلنت قوتها في الإنجيل. فعندما أعدت النعمة الإلهية الناس لكى لا يعتبروا ولادة العذراء للكلمة أمرًا مستحيلاً، فقد هيئ لقبول هذا الأمر لدى غير المؤمنين بواسطة معجزات قليلة، مثلما حدث على سبيل المثال مع العاقر المسنة التي أنجبت ولدًا (أليصابات). وكان ذلك مقدمة لمعجزة العذراء (أن العذراء تلد). وكما أن أليصابات لم تَصْر أمًا بقوتها الطبيعية إذ أنها كانت قد بلغت سن الشيخوخة دون أن تنجب ولدًا، فإن ولادة الولد تُنسب إلى الإرادة الإلهية، هكذا فإن ألم البطن العذراوية التي لا تُصدق صارت مُصدقة بالإشارة إلى التدبير الإلهى.

          إذًا فلأن الولد الذي أتى من العاقر سبق ذاك الذي أتى من العذراء، هذا الابن الذي ارتكض بابتهاج في بطن أمه حين سمعت صوت تلك التي حملت الرب في أحشائها، فقد إنفك آنذاك صمت زكريا بواسطة الإلهام النبوى عندما وُلد السابق للكلمة. وكل ما قاله زكريا شكّل نبوءة للمستقبل. إذًا فذاك الذي قاده الروح النبوى لمعرفة الأمور المخفية، قد فهم سر البتولية في الميلاد الذي بلا فساد، لم يعزلها أو يفرز الأم البتول وهى داخل الهيكل، من المكان المُعد سابقًا للعذارى من قبل الناموس، أراد أن يُعلّم اليهود بأن خالق الكل وملك الكون، بالإضافة لكل الأمور الأخرى، قد وضع على نفسه التزامًا تجاه الطبيعة الإنسانية ليوجهها وفق إرادته، وكما يرتأى له، ولا تسود عليه هذه الطبيعة، إذ أن في سلطانه وفي قدرته أن يخلق ميلادًا جديدًا. هذا الميلاد لن ينزع عن تلك التي صارت أمًا صفة البتولية أى أنها تبقى عذراء. ولهذا لم يفرزها أو يعزلها داخل الهيكل من مكان سكنى العذارى. وهذا المكان، كان هو الموضع بين الهيكل والمذبح. إذًا لأنهم سمعوا (أى اليهود) أن ملك الكون سيولد كإنسان بحسب التدبير، قتلوا ذاك الذي أعطى الشهادة (أى زكريا) لهذا الميلاد، الكاهن الذي كهن بالقرب من نفس المذبح[19]، بسبب الخوف من أن يصيروا عبيدًا لملك. لقد ابتعدنا عن موضوعنا قليلاً، بينما كان ينبغى لحديثنا أن يتوجه نحو بيت لحم حيث بشارة الفرح. لو أننا بالحق رعاة حقيقيون مُتيقظون ونسهر من أجل خدمة رعيتنا، فحينئذٍ سيكون صوت الملائكة الذي بشّر بهذا الفرح العظيم مُوجه لنا[20].

 

تسبيح الملائكة:

          إذًا لنرفع نظرنا إلى الجند السمائى، لننظر خورس الملائكة، ولنسمع تسبيحهم الإلهى. وما هو تسبيح المحتفلين؟ هو أن يصرخوا “ المجد لله في الأعالى“. ولماذا تُسبّح الملائكة الله الذي تراه في سموه؟ لأنهم يقولون إن السلام قد حلّ على الأرض. قد صاروا ممتلئين بالفرح لأنهم رأوا ” على الأرض السلام“. هذه الأرض التي لُعنت سابقًا، التي أنبتت شوكًا وحسكًا، التي صارت مكانًا للتشاحن والنزاع وموضعًا لنفي المحكوم عليهم، هذه الأرض استقبلت السلام. يا للعجب ما هذه المعجزة! ” الحق من الأرض نبت والبر من السماء يطلع[21]. إن هذا الثمر قد أثمرته أرض البشر. وهذا قد حدث لكى تستعلن الإرادة الصالحة تجاه البشر، الله اتحد بالطبيعة الإنسانية، لكى يسمو الإنسان إلى سمو الله. وإذ نسمع هذه الأمور لنذهب إلى بيت لحم، ولنرَ هذا المشهد الجديد، كيف تفرح العذراء لأجل هذا الميلاد، كيف أن تلك التي ليس لها علاقة بالزواج، هى الآن ترعى الطفل المولود. أولاً من تكون هذه، ومن أي مصدر سنسمع عن الأمور المتعلقة بها، ومن سيرويها لنا.

 

قصة عن نشأة مريم العذراء:

          سمعت قصة منحولة تروى الآتى: والد العذراء كان معروفًًا بحياته الصارمة وفقًا للناموس، ومعروفًا بفضائله. ووصل إلى مرحلة الشيخوخة دون أن ينجب ولدًا، لأن إمرأته لم تكن في وضع يسمح لها بالولادة. والناموس كان يُكرّم الأمهات، وهذا التكريم لم تكن العاقرات يحظين به. هذه المرأة سارت في خُطى أم صموئيل كما تحكيها الروايات. تدخل إلى قدس الأقداس، تتضرع إلى الله، ألا تفقد بركات الناموس، دون أن تكون قد خالفت الناموس أبدًا، بل أن تصير أمًا وتكرس ابنها لله. تشددت وتقوت بالعلاقة الإلهية وأخذت النعمة التي طلبتها. وعندما ولدت الطفلة سمتها مريم، لكى تُعلن بهذا الاسم أنها كانت عطية إلهية. عندما كبرت مريم قليلاً بحيث لم تعد تحتاج إلى رضاعة، سلمتها أمها على الفور لله، لكى تفي بوعدها، وأودعتها الهيكل. وتعهد الكهنة مريم داخل الهيكل، كما كان صموئيل، وعندما كبرت فكروا فيما ينبغي أن يفعلوه بهذا الجسد المقدس حتى لا يخطئوا إلى الله، بأن يلزموها أو يقيدوها بالناموس الطبيعى، وأن يخضعوها عن طريق الزواج، لذاك الذي سوف يأخذها، إلاّ أن هذا سيكون أمرًا غير مقبول على الإطلاق. لأنه كون إنسان ما يصير سيدًا على إنسانة نُذرت لله فهذا يُعد تدنيسًا للمقدسات، إذ أن النواميس حددت أن الرجل هو سيد المرأة. غير أنه بالنسبة للكهنة لم يكن الشرع يسمح بأن تعيش امرأة معهم داخل الهيكل أو تخالطهم، وأن يرونها في المقدسات، ولكن التقوى أو الورع لم يغب عن هذا الأمر بجملته. وبينما هم يُفكرون فيما ينبغى أن يُقرروه تجاه هذه الأمور، أتاهم إرشاد من الله أن يُعطونها لشخص،على أن تكون مخطوبة له، أما هذا الإنسان فيجب أن يكون لائقًا بالمحافظة على بتوليتها. وجدوا أن ما طلبوه كان يتوفر في يوسف، من نفس سبط العذراء، وخُطبت مريم حسب نصيحة الكهنة. وظلت العلاقة في إطار الخطوبة. عندئذٍ استقبلت مريم البشارة السرية من جبرائيل.

 

سلام لك أيتها الممتلئة نعمة:

وكلام البشارة كان يحمل بركة “سلام” يقول: ” سلام لك أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك[22]. والكلام للعذراء الآن هو عكس الكلام الذي قيل لحواء. فحواء أُدينت لأجل خطيتها بالألم والوجع في الولادة[23]، بينما في حالة العذراء فقد طرد الفرح الحزن. بالنسبة لحواء سبقت الأحزان ألم الولادة، أما في حالة العذراء فإن الفرح يُبعد الألم. يقول لها الملاك “لا تخافي” لأن انتظار الألم يُثير الخوف بالنسبة لأية امرأة، كما أن الوعد بأن يكون ألم المخاض سهلاً، يطرد الخوف. قال لها “ها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع” وسيخلّص شعبه من خطاياه. وبماذا أجابت مريم؟ اسمع كلام العذراء الطاهرة النقية. الملاك بشرها بالولادة وهى قد ثبتت على بتوليتها، مُقررة أنه أمر أفضل لها أن تبقى عذراء نقية، لكنها لم تظهر شك تجاه بشارة الملاك، ولا المعرفة قد غابت عنها. وقالت إنها لم تعرف رجلاً    ” كيف يكون لى هذا وأنا لست أعرف رجلاً“.

          كلام مريم هذا هو يعد دليلاً لأولئك الذين حكوا القصة المنحولة، لأنه لو أن يوسف كان قد تزوجها، فكيف تفاجأ أو تدهش عندما يخبرها الملاك بالميلاد، مادام كان من المنتظر أن تصبح مريم أمًا في وقت ما بحسب الناموس الطبيعى؟ ولكن لأن الجسد الذي خصص لله، كان ينبغى أن يُحفظ دون أن يمسه شئ، مثل نذر مقدس لله، فإن لسان حالها كما لو كان قد قال لجبرائيل: حتى ولو كنت ملاك، وحتى ولو أتيت من السماء، وأن ما أراه لا ينتمى إلى عالم الإنسان، إلاّ أننى لم أعرف رجلاً لأن هذا مستحيل. وكيف سأصبح أمًا بدون معرفة رجل؟ أما يوسف فقد عرفته كخطيب، وليس كرجل.

الروح القدس يحلّ عليك وقوة العلى تظلّلك:

فماذا قال جبرائيل؟ وأية غرفة عرس سيقدم لهذا الزواج النقي؟ “الروح” يقول الملاك “ الروح القدس يحل عليك وقوة العلىّ تُظللك“. آه أيتها الأحشاء الطوباوية التي جذبت الخيرات الكثيرة للنفس الإنسانية بسبب تلك النقاوة الوفيرة. إن النفس النقية هى فقط التي يمكنها أن تقبل حضور الروح القدس بالنسبة لسائر البشر الآخرين، أما هنا (في حالة العذراء)، فالجسد صار إناء للروح القدس. “قوة العلى تظللك” ماذا يعنى هذا الكلام السرى؟ يعنى أن “المسيح هو قوة الله وحكمة الله”[24] كما يقول الرسول بولس. إذًا فقوة الله العلى، الذي هو المسيح يكوّن جسدًا لنفسه في بطن العذراء بحلول الروح القدس عليها. بمعنى أنه كما أن ظل الأجسام يأخذ شكل الجسم الذي يسبق، هكذا فإن ملامح وصفات ألوهية الابن ستُستعلن في حينها، ستظهر في قدرته عندما يولد، فالصورة والختم والظل وبهاء المصدر سيُستعلن بأعمال معجزية.

 

نعود لنراقب أسرار المذود:

          غير أن الخبر المفرح الذي حمله الملاك، يحثنا على أن نعود إلى بيت لحم ونرصد أو نراقب أسرار المذود. وما هو هذا السر؟ هو أن هناك طفلاً مُقمطًا في لفائف، مُضطجعًا في هدوء وراحة داخل المذود، والعذراء التي ظلت عذراء حتى بعد الولادة، تلك الأم العفيفة، ترعى طفلها. ولنردد نحن مع الرعاة كلام النبى “ كما سمعنا هكذا رأينا في مدينة رب الجنود في مدينة إلهنا[25]. هل حدثت هذه الأحداث مصادفةً، كما هى هكذا وصارت تُروى عن المسيح، أم أن للقصة بعدًا آخرًا؟ ما المعنى بالنسبة للكلمة من حيث أن أخذ المغارة مأوى له، واضطجع في مذود، ودخل الحياة الإنسانية وخاصةً في الوقت الذي تتم فيه عملية تعداد للسكان بهدف جمع الضرائب؟ صار واضحًا أنه كما حررنا من لعنة الناموس بأن صار هو نفسه لعنة لأجلنا[26]، وحمل على نفسه جراحاتنا، لكى نُشفى نحن بجراحاته[27]، هكذا حدث مع الدين الذي كان علينا، لكى يحررنا من قيود الخطية التي قيدت الجنس البشرى، الذي كان مُدانًا بالموت. ولكنه عندما تتطلع نحو المغارة حيث ولد المسيح، ضع في ذهنك شكل الحياة المظلمة التي كان البشر يحيون فيها، تلك التي كانت في القباء أو السراديب، حتى جاء ذاك الذي ظهر للسالكين في الظلمة والجالسين في ظلال الموت[28]. ذاك الذي حمل أرتال خطايانا، قمط جيدًا في لفائف. إن المذود حيث ولد الكلمة، هو اسطبل للحيوانات غير العاقلة، حيث يعرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه[29]. الثور هو ذاك الخاضع لنير الناموس، بينما الحمار هو ذلك الحيوان الذي يحمل وينقل الأشياء، ذلك المحمّل بخطايا العبادة الوثنية.

          وبالطبع فإن أنسب طعام وحياه بالنسبة للحيوانات هو العشب الأخضر “المنبت عشبًا للبهائم”[30]، هكذا يقول النبى، بينما الحيوان العاقل يأكل الخبز ولهذا فإن خبز الحياة الذي نزل من السماء، وُضع في المذود، والذي هو مأوى الحيوانات غير العاقلة، لكى يتناول الغير العاقلين طعام عقلى ويصيروا عاقلين أو حكماء. إذًا فقد صار الرب داخل المذود بين الثور والحمار (أى بين اليهود والأمم) وسيطًا للاثنين، لكى ينقض حائط السياج المتوسط أى العداوة، ويخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا[31]، مُبطلاً النير الثقيل للناموس، ومُبطلاً نير ناموس الأمم أيضًا مُحررًا إياهم من ثقل العبادة الوثنية. لنرفع أعيننا نحو العجائب السمائية، لأنه ليس أنبياء وملائكة فقط قد أخبرونا بهذا الخبر المفرح، بل السموات أيضًا بمعجزاتها تُرنم ترنيمة المجد من أجل هذه البشارة المفرحة.

 

بين اليهود والمجوس:

المسيح طلع من سبط يهوذا لأجلنا[32] كما يقول الرسول بولس، أما اليهود فلم يستنيروا بذلك الذي أشرق عليهم. لم يكن للمجوس صلة أو علاقة بعهود الموعد، وكانوا غرباء عن بركة الآباء، لكنهم سبقوا الشعب الإسرائيلى في المعرفة وعرفوا دلالة النجم السمائى، ولم يجهلوا طبيعة الملك الذي كان في المذود. لقد حمل المجوس معهم هدايا، بينما هؤلاء (أى اليهود) تآمروا عليه. المجوس سجدوا له، بينما الآخرون طاردوه. المجوس فرحوا عندما وجدوا ذاك الذي كانوا يبحثون عنه. والآخرون اضطربوا عند ولادة ذاك الذي تنبأ عنه الأنبياء. لأن متى البشير يقول ” حتى جاء ووقف حيث كان الصبى. فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا[33] بينما هيرودس لما سمع “ اضطرب وجميع أورشليم معه[34]. المجوس قدموا له لبانًا كما لإله، كرموه بذهب، إشارة إلى المقام الملوكى، والألم الذي ينتظره بحسب التدبير، أعلنوا عنه بالمر، وفقًا للنبوات. بينما الآخرون حكموا عليه بالإعدام طوال فترة طفولته، وهو الأمر الذي لأجله، قد أدانهم كما يبدو لى أنه، لا بسبب قساوتهم فقط، بل من أجل حماقتهم أيضًا.

 

قتل أطفال بيت لحم:

فلأى سبب حدث قتل الأطفال (أطفال بيت لحم)؟ ما الهدف الذي لأجله تجرأوا على ارتكاب تلك الجريمة الحمقاء؟ لأن الإنجيل يُخبرنا بأن ظاهرة سمائية معجزية جعلت المجوس يدعون المولود ملكًا “أين هو المولود ملك اليهود”. ماذا إذًا؟ ألا تؤمن أن العلامة التي أخبرت عن مكان ولادة المسيح هى علامة حقيقية، أم أنك تعتبر أن كل ما قيل لا صحة له؟ فإن كان قد جعل السموات تخضع، فإن هذا لا يُعد البتة أمرًا يفوق قدرتك وفهمك، فإن كان قد أعطاك سلطانًا على حياته (على الأرض) وموته، فإن الخوف منه لا مُبرر له. لأن ذاك الذي سلك أو تصرّف هكذا حتى يكون خاضعًا لسلطانك، لأى سبب يتآمرون عليه؟ لماذا صدر هذا الأمر الشنيع، هذا القرار البشع ضد أطفال بيت لحم، بأن يُعدم الأطفال المولودون حديثًا؟ أى ظلم اقترفوا؟ أى سبب قد أعطوا لكى يرتكب الموت أو العقاب في حقهم؟ جريمتهم الوحيدة، هى أنهم ولدوا ورأوا النور. ولهذا كان يجب أن تمتلئ المدينة بالجلادين وأن يجتمع حشد من الأمهات والرضع، وجمع من الأقارب قد أتى لكى يقفوا إلى جوارهم ويشددهم، وهو أمر طبيعى أن يأتى هذا الجمع ليساندوا الوالدين في هذه الكارثة. مَن يستطيع أن يصف هذه المصائب؟ مَن يستطيع أن يروى لنا هذه الحالة المأساوية ويضعها أمام أعيننا؟ مَن يمكنه أن يصف هذه المشاعر الحزينة المختلطة، والمناحة التي حدثت بسبب قتل الأطفال، وموقف الأمهات والأقارب والآباء المستحقين للشفقة وهم يصرخون أمام تهديد الجلادين؟ كيف يمكن للمرء أن يرسم صورة للجلاد وهو يقف بالقرب من الرضيع ويحمل سيفه مستلاً من جرابه، بنظرة مملوءة شرًا وقتلاً ويسحب الطفل نحوه بيد، وباليد الأخرى يرفع السيف ليهوى به على عنقه، بينما من الجهة الأخرى نرى الأم وهى تجذب طفلها نحوها، وتضع عنقها هى تحت سيف الجلاد بدلاً من طفلها، لكى لا ترى يد الجلاد وهى تقتل طفلها أمام عينيها؟

          أيضًا كيف يمكن للمرء أن يقص أو يروى الاختبارات التي جازها الآباء؟ نداء أبنائهم المرتفع بالصراخ، واحتضانهم لأبنائهم بشدة، وأشياء أخرى مثل هذه فعلوها معًا؟ مَن يستطيع أن يصف لنا هذه النكبة كثيرة الأبعاد، وآلام المخاض المضاعفة للأمهات اللاتى ولدن للتو، والطبيعة المكتوية بالآلام؟ كيف كان الطفل التعس ملتصق بثدى أمه، وكيف استقبل في أحشائه الضربة المميتة؟ كيف يمكن وصف الأم الحزينة وهى تعطى ثديها للطفل، وابنها يُسفك دمه وهو على صدرها؟ ومرات كثيرة عندما كان الجلاد يهوى بسيفه على الطفل، كان السيف يُصيب الأم مع طفلها، ويصنع الدم مجرى له من جرّاء إصابة الأم وجرح الطفل المميت. وكان الأمر الأحمق الذي أصدره هيرودس هو ألا يطبق قرار القتل على الأطفال المولودين حديثًا فقط، بل والأطفال من سن عامين[35]، (لأنه كُتب من سن عامين فيما دون)، كارثة أخرى يريد أن يُركز عليها النص الإنجيلى، لأن كما هو معروف، مرات كثيرة خلال فترة العامين يمكن أن تصير المرأة ذاتها أم لطفلين. مشهد فظيع هنا أيضًا، حيث اثنان من الجلادين ينشغلان بأم واحدة، فجلاد يسحب الطفل الذي يركض حول أمه، والآخر ينزع عنها رضيعها الذي في أحضانها. ما هو الطبيعى في هذا الأمر ألا تُعانى هذه الأم التعيسة؟ ألا يتمزق قلبها بين طفليها ويعتصر الألم أحشائها أيضًا على طفليها، وهى لا تعرف أيًا من الجلادين تُلاحق، حيث الواحد يسحب طفل إلى هذه الجهة والآخر يسحب الطفل الآخر إلى جهة أخرى لكى يذبحه؟ هل ستركض نحو المولود حديثًا؟ فبكاءه لم يعد له جدوى ولا ينم عن تعبير معين. لكنها تسمع الطفل الآخر وهو يصرخ نحوها باكيًا، وبصوت متقطع. ماذا تفعل؟ كيف تتجاوب؟ وإلى أى صرخة تستجيب؟ ومع أى صرخة توّحد صرختها؟ وعلى أى موت تنوح وتحزن، طالما أن طبيعتها تكتوى بالتساوى لمقتل الاثنين؟ (وأمام هذه المشاهد الحزينة يبزغ نور جديد ويظهر في الأفق خبر يبعث على الفرح العظيم ويُنسينا الآلام).

 

لنفرح بالميلاد وإشراق شمس البر:

          فلنُبعد أسماعنا عن النواح والعويل من أجل ذبح الأطفال، ولنتوجه بأذهاننا نحو أفكار أكثر بهجة وفرحًا، تلك التي تتناسب بالأكثر مع بهاء هذا الاحتفال، وإن كانت راحيل تصرخ بشدة كما يقول النبى[36]، تبكى وتنوح لأجل ذبح أولادها. إلاّ أننا في هذا اليوم (الميلاد) الذي نحتفل فيه  يقول سليمان الحكيم، يجب أن ننسى المصائب. فأى احتفال هو أكثر فرحًا من احتفالنا اليوم؟ الذي فيه يبدد شمس البر، ظلام الشر الذي للشيطان، ويُنير الكون بنفس الطبيعة التي لنا، فكل ما سقط في هذه الطبيعة يجعله يقوم، وكل من هو في حرب يُقاد للسلام، والمرذول أو المرفوض يعود إلى الشركة، وكل من سقط من الحياة، يعود إلى الحياة مرة أخرى، وكل من خضع لنير العبودية وسُبى يعود إلى مقامه الملوكى، وكل من كان مقيدًا بقيود الموت يعود محررًا إلى كورة الأحياء. الآن وبحسب النبوة، تُسحق أبواب الموت النحاسية[37]. وتُقطّع عوارض الحديد، التي أمسكت الجنس البشرى في سجن الموت، الآن كما يقول داود النبى يفتح باب البر[38]. اليوم يسمع جميع المحتفلين في كل المسكونة ترانيم مفرحةً. فبإنسان واحد دخل الموت إلى العالم، وبإنسان أتى الخلاص. الأول سقط في الخطية، والثانى أقام ذاك الذي سقط. المرأة دافعت عن المرأة. الأولى فتحت الباب للخطية، والثانية (العذراء) خدمت الطريق المؤدى إلى البر. الأولى قبلت مشورة الحية، والثانية منحتنا المقدرة على سحق الحية أو إبطالها، وولدت خالق النور. الأولى أتتنا بالخطية بواسطة الأكل من الشجرة، والثانية بواسطة الخشبة أتتنا بالخلاص بدلاً من الخطية.

 

الميلاد والآلام:

الخشبة أعنى بها الصليب. ثمر هذه الخشبة، لم يغب مطلقًا، وصار لأولئك الذين تذوقوه حياة لا تذبل. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن سر البصخة (أى العبور من الموت للحياة)، هو فقط الذي يليق به الشكر. ولنعلم أن سر البصخة يأتى في نهاية التدبير الإلهى. وكيف تأتى النهاية إن لم تسبقها البداية؟ أيهما أسبق من الآخر؟ بالطبع الميلاد هو أسبق من تدبير الآلام.

 

ميلاد المسيح هو بداية كل الخيرات التى تتبعه:

          والذين يمتدحون البصخة هم جزء من أولئك الذي يمتدحون الميلاد. ولو عدّد المرء الإحسانات التي أشارت إليها الأناجيل، وإذا رُويت معجزات الشفاء، ومعجزة إشباع الجموع بقليل من الطعام، وقيامة الأموات من القبور، وتحويل الماء إلى خمر، وطرد الشياطين، وشفاء الأمراض الجسدية المستعصية، مثل شفاء العرج، وتفتيح عيون العمى، أيضًا التعاليم الإلهية، ومعرفة الأسرار الفائقة بواسطة الأمثال، سيجد أن كل هذه الأمور هى عطية هذا اليوم (ميلاد المسيح). لأنه منذ هذا اليوم صارت البداية لكل الخيرات التي لحقته أو تبعته. “لنفرح” إذًا “ولنبتهج”[39]. وعلينا ألا نخشى اتهامات البشر، وألا نُهزم من محاولاتهم لإهابتنا، كما يحثنا النبى على ذلك. هؤلاء يسخرون أو يتهكمون على الكلام عن التدبير، ويقولون إنه من غير اللائق أن يأخذ الرب جسدًا إنسانيًا (كما يدّعون)، ويدخل الحياة الإنسانية بواسطة الميلاد، متجاهلين كما هو واضح، سر الأمور غير المعلنة كما دبرتها الحكمة الإلهية من أجل خلاصنا. لقد بعنا أنفسنا اختيارًا بواسطة خطايانا، واستعبدنا أنفسنا لعدونا مثل عبيد تم بيعهم.

          ماذا تريد أن يقدم لك إلهنا أكثر من هذا؟ ألا يكفي أن تُعفى من النكبة؟ ولما التدقيق في الطريقة؟ لماذا تشرّع قوانين للمشرّع، دون أن تفهم إحساناته؟ مثلما يرفض أو يصد أحد الطبيب، ويوبخ تدخله النافع، لأنه تمم الشفاء بهذه الطريقة، وليس بطريقة أخرى.

 

عظمة التدبير الإلهى:

          لو أن فضولك يدفعك للبحث عن معرفة مقدار عظمة التدبير الإلهى، يكفيك فقط أن تعرف أن الأمر الإلهى ليس محصورًا فقط في بعض الخيرات أو أنه صلاح محدود، بل كل ما هو ممكن أن تصل إليه، من قدرة، وبر، وصلاح، وحكمة، وكل الألقاب والقيم التي تحمل معنى لائقًا ومناسبًا لهذا الأمر الإلهى، فذاك هو (هذا الصلاح). إذًا فلنتنبه ربما أن كل ما قلناه لم يصل إلى مستوى الإحسان الذي صار لنا، متمثلاً في الصلاح والحكمة، والقدرة، والبر. فهو كصالح أحب العاصى، وكحكيم وجد طريقة لعودة المستعبدين، وكبار لا يقمع ذاك الذي استعبد الآخر وامتلكه وفقًا لقانون السوق، لكنه قدم ذاته عوضًا عن المستعبدين، حتى أنه يتعهد المدين كضامن له، ويحرر السجين. وكقادر لم يُمسك من الجحيم، وجسده لم يرى فسادًا. وأيضًا لم يكن ممكنًا أن يهزم رئيس الحياة من الفساد أو الفناء. ولكن هل قبوله الميلاد بحسب الجسد، وخبرة الآلام الجسدية، يعد أمرًا يدعو للخجل؟ إن قبوله كل هذا هو إفراط في الإحسان.

حقًا لأنه إذ لم يكن ممكنًا أن يتخلص الجنس البشرى من هذا القدر الكبير من المآسى والشدائد، فقد قبل الملك طبيعتنا الإنسانية المائتة، وأن يُبدل مجده الذاتى بحياتنا. هكذا اخترق النقاء حياتنا الملوثة، بينما لم يستطع التلوث أن يمس هذا النقاء، كما يقول الإنجيل “والنور يضىء في الظلمة والظلمة لم تدركه[40]. الظلام تلاشى بظهور النور، والشمس لا يسود عليها الظلام، والمائت أُبتلع من الحياة[41] كما يقول الرسول بولس، وانهزم الموت أمام الحياة. وكل ما فسد خلُص في ذاك الذي لا يفنى. والفساد لا يستطيع أن يؤثر في الخلود، ولهذا صار تسبيح الكون كله، تسبيحًا مشتركًا، حيث الجميع يرفعون معًا تمجيدًا لخالق الكون. إن كل فم سمائى، وأرضى، وأسفل الأرض، يصرخ أن يسوع المسيح مخلّصنا هو رب لمجد الله الآب، وينبغى أن يُبارك إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] مز3:81.

[2] 1كو7:14.

[3]  لا24:23.

[4]  مز26:118.

[5]  مز27:118.

[6]  مز24:118.

[7]  مت10:3.

[8]  مت35:23.

[9]  أع30:17.

[10]  مز2:14.

[11]  رو3:3.

[12]  إش2:9.

[13]  عد17:24.

[14]  إش6:9.

[15]  إش14:7.

[16]  خر3:3، مت22:13.

[17]  2مل6:23.

[18]  لو3:1.

[19]  مت25:23.

[20]  لو10:2.

[21]  مز12:85.

[22]  لو26:1.

[23]  تك16:3.

[24]  1كو24:1.

[25]  مز8:48.

[26]  غل13:3.

[27]  إش5:53.

[28]  إش2:9.

[29]  إش3:1.

[30]  مز14:104.

[31]  أف14:2.

[32]  عب14:7.

[33]  مت10:2.

[34]  مت3:2.

[35]  مت16:2.

[36]  إر15:31.

[37]  مز16:107.

[38]  مز19:118.

[39]  مز24:118.

[40] يو5:1.

[41] 2كو4:5.

 

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

 

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

أنشودة الميلاد

           

1 ـ وُلد المسيح فمجدوه،              أتى المسيح من السموات فاستقبلوه،

أتى المسيح إلى الأرض فعظموه

سبحى الرب يا كل الأرض ” (مز1:96)

لتفرح السموات وتبتهج الأرض                   بالسماوى الذي صار على الأرض.

المسيح تجسد                                                                  ابتهجوا بفرح وخوف.

الخوف بسبب الخطية،                                   والفرح بسبب الرجاء.

جاء المسيح من عذراء،

فعشن عذارى يا نساء                                     لتصَّرن أمهات للمسيح.

مَنْ الذي لا يسجد للذي كان منذ البدء؟

مَنْ الذي لا يمجد ذاك الذي هو الآخِر؟

2 ـ مرة أخرى ينقشع الظلام[1]،         مرة أخرى يُشرق النور.               

مرة أخرى يحل الظلمة كعقاب على مصر[2]،

مرة أخرى يستنير شعب الله بعمود من نار (انظر خر21:13)

الشعب الجالس في الظلمة            أبصر نور معرفة الأسرار الإلهية،

الأشياء العتيقة قد مضت           هوذا الكل صار جديدًا” (2كو17:5).

الحرف يتراجع،                                            والروح يتقدم.

الظلال تهرب                                             بينما الحق[3] يحل مكانها.

مثال ملكى صادق قد تحقق (مز4:110)،

الذي كان بلا أم                                           صار الآن بلا أب.

النواميس الطبيعية انحلت.            العالم السماوى ينبغى أن يكتمل[4].

المسيح يأمر                                                         أن لا نضع أنفسنا ضده

هيا صفقوا بأيديكم يا كل الأمم” (مز1:47)،

لأنه وُلد لنا ولد                                            وأُعطى لنا ابنًا،

تكون الرئاسة على كتفه                         (لأن كتفه رُفع بالصليب)،

ويُدعى اسمه ملاك المشورة العظيم (انظر إش5:9س).

دعوا يوحنا يصرخ ” أعدوا طريق الرب ” (مت3:3)،

وأنا سوف أتحدث عن قوة هذا اليوم:

الذي بلا جسد تجسد                                      الكلمة صار له جسم

غير المنظور صار منظورًا           غير الملموس صار ملموسًا

غير الزمنى                                                         صارت له بداية زمنية

ابن الله                                                               يصير ابن الإنسان

يسوع المسيح هو هو                          أمسًا واليوم وإلى الأبد

اليهود يعثرون، واليونانيون يسخرون، والهراطقة يثرثرون.

سوف يؤمنون به                                عندما يرونه صاعدًا إلى السماء،

وإن لم يؤمنوا وقتذاك،                           فسوف يرونه

آتيًا من السموات                                          وجالسًا كديان.

هذه الأمور سوف تحدث فيما بعد.

 

اسمان للاحتفال: ثيئوفانيا والميلاد[5]:

          3 ـ أما اليوم، فالإحتفال هو بالظهور الإلهى أى الميلاد. هذا الإحتفال الواحد يطلق عليه اسمان لأن الله ظهر للبشر بواسطة الميلاد. الكلمة هو كائن أبدى من الكائن الأبدى فوق كل عِلة وكلمة (لأنه لا توجد كلمة قبل اللوغوس) صار جسدًا لأجلنا لكى ـ كما منحنا الوجود ـ يعطيينا أيضًا الوجود الأفضل الذي سقطنا منه بسبب شرورنا أو بالحرى لكى يعيدنا إليه بتجسده. هكذا أطلق اسم “ثيئوفانيا” إشارة إلى هذا الظهور، وكذلك أيضًا أُطلق اسم الميلاد إشارة إلى مولده.

 

لماذا نحتفل بهذا العيد؟:

          4 ـ بالنسبة لنا هذا هو مفهوم الاحتفال، وهذا هو ما نحتفل به اليوم: نُعيد لسكنى الله بين البشر الذى يرفعنا لنسكن بجوار الله، أو بالحرى لنرجع إليه، لكى بخلعنا الإنسان العتيق، نلبس الإنسان الجديد. وكما متنا في آدم، هكذا يمكننا أن نحيا في المسيح، إذ نولد معه، ونُصلب معه ونُدفن معه لكى نقوم بقيامته. لأنه ينبغى أن نتغير التغيير الحسن الصالح. فكما أن الأمور الحسنة (الحالة الفردوسية الأولى) تبعتها الأمور التعسة (حالة السقوط)، هكذا ينبغى بالأحرى أن تأتى الأمور الحسنة من الأمور التعيسة. ” لأنه حيثما تكثر الخطية تزداد النعمة جدًا” (رو20:5).

          وإذا كان تذوق الأكل[6] قد جَلَب الإدانة فكم بالأكثر تُبررنا آلام المسيح. إذن فلنُعيد، ليس بطريقة الإحتفالات الوثنية الصاخبة، لكن بطريقة إلهية، ليس بطريقة العالم لكن بطريقة روحية. لا باعتباره عيدنا نحن بل باعتباره عيد ذاك الذي هو لنا (أى المسيح) أو بالأحرى عيد ربنا. نعيد ليس بما للمرض بل بما للشفاء. نُعيد ليس بما يخص الخلق، بل بما يخص إعادة الخلق.

 

كيف نحتفل بالعيد؟:

          5 ـ وكيف يصير هذا التعييد؟ لا بأن نزين الأبواب، ولا نقيم حفلات رقص، ولا نزين الشوارع ولا نبهج عيوننا، ولا نُطرب أسماعنا بموسيقى صاخبة، ولا نلذذ أنوفنا بروائح أنثوية غير لائقة، دعونا لا نفسد حاسة التذوق، ولا نسمح لحاسة اللمس أن تتلذذ بلمس أشياء غير لائقة. هذه الحواس التي يمكن أن تكون مداخل سهلة للخطية؛ لنكن غير متخنثين بلبس الملابس الناعمة والكثيرة الثمن، والتي لا نفع لها. ولا نتزين بأحجار ثمينة وبذهب لامع، وبأصباغ تشوه الجمال الطبيعى الذي خُلِقَ على صورة الله، ولا للهزء والسكر الذي يصاحبه دائمًا الفسق والدعارة (انظر رو13:13)، لأن التعاليم الشريرة تأتى من المعلّمين الأشرار، أو بكلام أفضل، لأن البذرة الشريرة تنبت نباتًا شريرًا، فلا نفترش الفرش الناعم الذي يرضى لذّات البطن والشهوات العابرة. ولا نُقبِل على شرب الخمور الممزوجة برائحة الزهور، ولا على الطعام الشهى الذي يتفنن الطهاه في طهيه. ولا نُدهن بطيب غالى الثمن. لا ندع الأرض والبحر يقدمان نفاياتهما الثمينة كهدية ـ لأنى أُسمَّى الرفاهية نفاية ـ دعونا لا ننافس أحدنا الآخر في إرتكاب المعاصى، فكل شئ زائد عن الحاجة الضرورية هو إفراط. بينما يوجد آخرون ـ من نفس طينتنا وطبيعتنا ـ يتضورون جوعًا، وهم في غاية العوز.

          6 ـ فلنترك كل هذه الأمور للوثنيين ولإحتفالات الوثنيين، الذين تسر آلهتهم برائحة شواء الذبائح، ويقدمون لها العبادة بالطعام والشراب، فهم مخترعون للشر، وكهنة وخدام للشياطين. أما نحن الذين نقدم عبادتنا “للكلمة”، إن كان يجب أن نستمتع بشئ، فلنستمتع بالكلمة، بالناموس الإلهى وبالشواهد الكتابية خاصةً تلك التي تحدثنا عن موضوعات مثل موضوع إحتفال اليوم، حتى تكون متعتنا قريبة من ذاك الذي جمعنا معًا للإحتفال به (أى المسيح) وليست بعيدة عنه. هل تريدون (لأنى أنا اليوم سوف أقدم لكم المائدة يا ضيوفى) أن أضع أمامكم رواية هذه الأحداث (الميلادية) بأكثر غزارة وأجمل كلام أستطيعه، لكى تعرفوا كيف يستطيع شخص غريب[7] أن يُغذى مواطنى البلد، وساكن الريف أن يغذى سكان المدينة، والذي لا يهتم بالمتع أن يُغذى أولئك الذين يسرون بالمتعة، ومَنْ هو فقير وليس له بيت ولا يملك أى شئ أن يغذى أولئك المشهورون بسبب غناهم.

 

 

افتتاحية تعليمية عن الله (الثيولوجيا):

          سوف أبدأ بالآتى: نقوا عقولكم وآذانكم وأفكاركم أنتم الذين تبتهجون بهذه الأشياء، لأن حديثنا سيكون حديثًا مقدسًا عن الله؛ حتى حينما تغادرون المكان تكونون قد استمتعتم حقًا بسماع تلك الأمور المبهجة التي لن تنتهى ولا تخبو.

          سوف يكون الحديث ملىء تمامًا وفي نفس الوقت سيكون موجزًا، حتى لا تتضايقوا بسبب غياب بعض الحقائق، كما أنه لن يكون مملاً بسبب الإطالة الزائدة.

          7 ـ الله كان كائنًا دائمًا وهو كائن في الحاضر وسيكون دائمًا إلى الأبد، أو بالحرى، هو كائن دائمًا. لأن “كان” و “سيكون” هى أجزاء من الزمن ومن طبيعتنا المتغيرة. أما هو فهو “كائن” أبدى، وهذا هو الاسم الذي أعطاه لنفسه عندما ظهر لموسى ” أنا هو الكائن” (خر 14:3). لأنه يجمع ويحوى كل “الوجود”، وهو بلا بداية في الماضى، وبلا نهاية في المستقبل؛ مثل بحر عظيم لا حدود لوجوده، لا يُحد ولا يُحوى، وهو يتعالى كلية فوق أى مفهوم للزمان وللطبيعة، وبالكاد يمكن أن يُدرك فقط بالعقل ولكنه إدراك غامض جدًا وضعيف جدًا، ليس إدراك لجوهره، بل إدراك بما هو حوله[8]، أى إدراكه من تجميع بعض ظواهر خارجية متنوعة، لتقديم صورة للحقيقة سرعان ما تفلت منا قبل أن نتمكن من الإمساك بها، إذ تختفى قبل أن نُدركها. هذه الصورة تبرق في عقولنا فقط عندما يكون العقل نقيًا كمثل البرق الذي يبرق بسرعة ويختفى. أعتقد أن هذا الإدراك يصير هكذا، لكى ننجذب إلى ما يمكن أن ندركه، (لأن غير المدرك تمامًا، يُحبط أى محاولة للإقتراب منه). ومن جهة أخرى فإن غير المدرك يثير إعجابنا ودهشتنا، وهذه الدهشة تخلق فينا شوقًا أكثر، وهذا الشوق ينقينا ويطهرنا، والتنقية تجعلنا مثل الله. وعندما نصير مثله، فإنى أتجاسر أن أقول إنه يتحدث إلينا كأقرباء له باتحاده بنا، وذلك بقدر ما يعرف هو الذين هم معروفين عنده. إن الطبيعة الإلهية لا حد لها ويصعب إدراكها. وكل ما يمكن أن نفهمه عنها هو عدم محدوديتها، وحتى لو ظن الواحد منا أن الله بسبب كونه من طبيعة بسيطة، لذلك فهو إما غير ممكن فهمه بالمرة، أو أنه يمكن أن يُفهم فهمًا كاملاً. ودعنا نسأل أيضًا، ما هو المقصود بعبارة “من طبيعة بسيطة”؟ لأنه أمر أكيد أن هذه البساطة لا تمثل طبيعته نفسها، مثلما أن التركيب ليس هو بذاته جوهر الموجودات المركبة.

          8 ـ يمكن التفكير في اللانهائية من ناحيتين، أى من البداية ومن النهاية (لأن كل ما يتخطى البداية والنهاية ولا يُحصر داخلها فهو لانهائى). فعندما ينظر العقل إلى العمق العلوى، وإذ لا يكون لديه مكان يقف عليه، بل يتكئ على المظاهر الخارجية لكى يكوّن فكرة عن الله، فإنه يدعو اللانهائى الذي لا يُدنى منه باسم غير الزمنى. وعندما ينظر العقل إلى الأعماق السفلى وإلى أعماق المستقبل فإنه يدعو اللانهائى باسم غير المائت وغير الفانى. وعندما يجمع خلاصته من الإتجاهات معًا فإنه يدعو اللانهائى باسم الأبدى لأن الأبدية ليست هى الزمان ولا هى جزء من الزمان لأنها غير قابلة للقياس. فكما أن الزمان بالنسبة لنا هو ما يُقاس بشروق الشمس وغروبها هكذا تكون الأبدية بالنسبة للدائم إلى الأبد.

          نكتفى الآن بهذا الحديث الفلسفى عن الله، لأن الوقت الحاضر غير مناسب، إذ أن موضوع حديثنا الآن هو عن تدبير التجسد وليس عن طبيعة الله (ثيؤلوجيا). ولكن عندما أقول الله فأنا أعنى الآب والابن والروح القدس. لأن الألوهية لا تمتد إلى ما يزيد عن الثالوث وإلاّ كان هناك حشد من الآلهة، كما أنها لا تحد بنطاق أصغر من الثالوث حتى لا نتهم بأن مفهومنا عن الألوهية فقير جدًا وهزيل، وحتى لا ينسب إلينا أننا نتهود بالحفاظ على الوحدانية، أو أننا نسقط في الوثنية بتعدد الآلهة. إذ أن نفس الشر موجود في الاثنين اليهودية أو الوثنية، حتى إن كان موجودًا في إتجاهين متعارضين. هذا إذَا هو “قدس الأقداس”[9] المخفى عن السيرافيم وهو الذي يُسبّح بنشيد الثلاثة تقديسات، والثلاثة يُنسب إليها لقب واحد هو الرب والإله، كما تحدث عن ذلك أحد سابقينا[10] بطريقة جميلة وسامية جدًا.

 

خلق العالم العقلى:

          9 ـ ولكن حيث إن حركة التأمل الذاتى لا تستطيع وحدها أن تشبع “الصلاح”[11]، بل كان يجب أن يُسكب الصلاح وينتشر خارج ذاته، لكى يكثر الذين ينالون من إحسانه (لأن هذا كان أساسيًا للصلاح الأسمى)، لذلك فإن الله فكر أولاً في خلقة الملائكة والقوات السمائية. وفكره هذا صار عملاً تحقق بواسطة كلمته واكتمل بواسطة روحه. وكذلك أيضًا خُلقت المخلوقات النورانية الثانية، كخُدام للنور الأول، الذين ندركهم كأرواح عقلية أو كنار غير مادية وغير فانية، أو كطبيعة أخرى تقترب بقدر الإمكان من كل الوصف السابق. وأريد أن أقول، إنهم لم يكن في إستطاعتهم أن يتحركوا نحو الشر، بل كانوا يستطيعون أن يتحركوا فقط نحو الخير لأنهم موجودون بالقرب من الله ويحصلون على الإنارة بالإشعاعات الأولى من الله، لأن الأرضيين يحصلون على الإنارة الثانية. لكنى مضطر للتوقف عن إعتبارهم أنهم لم يكن في استطاعتهم بالمرة أن يتحركوا ناحية الشر، بل أتكلم عنهم فقط على أنه كان من الصعب أن يتحركوا نحو الشر بسبب ذاك الذي بسبب بهائه سمى يوسيفوروس[12]، ولكنه صار ظلمة ودُعى ظلمة بسبب كبريائه، هو والقوات التي تحت رئاسته، وصاروا خالقين للشر بتمردهم على الله، وأيضًا صاروا محرضين لنا على الشر.

 

خلق العالم المادى:

          10 ـ هكذا خُلق هذا العالم العقلى من فيض صلاح الله، بقدر ما أستطيع أن أتفكر في هذه الأمور وأتناول أمورًا عظيمة بلغتى الفقيرة. وبعد أن وجد خليقته الأولى في حالة حسنة، فكر في إبداع عالم ثانى، عالم مادى ومنظور، وهذا العالم هو منظومة مركّبة بين السماء والأرض وكل ما هو موجود بينهما، وهى خليقة جديرة بالإعجاب حينما ننظر إلى جمال كل شئ فيها، وهى أكثر جدارة بالإعجاب حينما نلاحظ التوافق والإنسجام بين المخلوقات وبعضها، إذ يتوافق الواحد مع الآخر، والكل فيما بينهم في نظام جميل لكى يُكوّنوا كمنظومة كاملة متكاملة لعالم واحد. وهذا لكى يوضح أنه يستطيع أن يحضر إلى الوجود ليس فقط طبيعة شبيهة به، بل وطبيعة مختلفة تمامًا عنه. لأن الكائنات العقلية هى شبيهة بالألوهية، وتُدرك فقط بواسطة العقل؛ أما كل المخلوقات التي تُعرَف بالحواس الجسدية فهى مختلفة تمامًا عن الألوهية، وأكثر هذه المخلوقات ابتعادًا هى تلك التي بلا نفس وعديمة الحركة. لكن قد يقول أحد المندفعين، ما الذي يعنينا من كل هذا؟ وقد يتساءل أحد من المشاركين في الاحتفال من المؤمنين المتحمسين “أُنخس الحصان لكى تصل إلى الهدف”، “حدثنا عن العيد وعن الأمور التي من أجلها إجتمعنا اليوم “. هذا ما سوف أفعله. حالاً، رغم أنى قد ابتدأت بأمور عالية إضطرنى إليها حبى لها، بالإضافة إلى ما يحتاجه حديثنا عن العيد.

 

خلق الإنسان:

          11 ـ إذًا، فالعقل والجسد (المادى) المتميزين الواحد عن الآخر، يظلان كل واحد ضمن حدود طبيعته، ويحملان في ذاتهما عظمة الكلمة الخالق، وهما مسبحان صامتان وشاهدان مثيران جدًا لعمله الكلى القدرة. لم يكن بعد يوجد كائن مكون من الاثنين (العقل والحس) معًا، ولا أى إتحاد من هذه الطبائع المتضادة، إنه مثال أسمى للحكمة والتنوع في خلق الطبائع، ولم يكن معروفًا بعد كل غنى الصلاح. ولأن الكلمة الخالق قرر أن يظهر غنى هذا الصلاح، ويخلق كائنًا حيًا واحدًا مكونًا من الاثنين معًا، ـ أى من الطبيعتين المنظورة وغير المنظورة ـ لذلك خلق الإنسان. ولقد خلق الجسد من المادة التي كانت موجودة، وبعد ذلك وضع فيه نفخة منه، التي عُرفت بأنها نفس عاقلة وصورة لله، ثم أقامه على الأرض كعالم ثانٍ عظيم في صغره؛ ملاك آخر، عابد مركب[13]. له معرفة كاملة بأعماق الخليقة المنظورة، أما الخليقة غير المنظورة فيعرفها جزئيًا فقط؛ ملك على الموجودات التي على الأرض ولكنه تحت سلطان الملك الذي في الأعالى. أرضى وسماوى، زمنى ومع ذلك غير مائت. منظور ولكنه عقلى. في وضع متوسط بين الوضاعة والعظمة. هو نفسه روح وجسد في شخص واحد. روح بسبب النعمة التي وُهبت له، وجسد لكى يسمو الإنسان بواسطته. الواحد لكى يحيا ويمجد الله المحسن إليه، والآخر لكى يتألم وبالألم يتذكر، ويتم إصلاحه إذا تكبر بسبب عظمته. كائن حى يتدرب على الأرض لكى ينتقل إلى عالم آخر، وكأن غاية السر هو أن يصير إلهًا[14] بميله إلى الله. فإنى أرى أن نور الحق الذي نناله هنا، ولكن بقدر معين يتجه بنا لكى نرى ونختبر بهاء الله. الذي هو بهاء ذاك الذي كوننا[15]، والذي سوف يحلنا ثم يعيد تكويننا بطريقة أكثر مجدًا[16].

 

 

الحالة الفردوسية للإنسان:

          12 ـ هذا الكائن (أى الإنسان) وضعه الخالق في الفردوس (أيًا كان هذا الفردوس)، وقد كرَّمه بهبة حرية الإرادة، لكى يكون تمتعه بالله عن اختيار حر، بفضل عطية الله الذي غرس فيه هذه الحرية، ولكى يفلّح النباتات الخالدة التي تعنى المفاهيم الإلهية، الأكثر بساطة والأكثر كمالاً معًا، عاريًا في بساطته وحياته غير المصطنعة، وبدون أى غطاء أو ستار، لأنه كان من الملائم لذاك الذي في البداية (أى الإنسان الأول) أن يكون هكذا. وأيضًا أعطاه ناموسًا ليظهر به حرية اختياره. هذا الناموس كان وصية من جهة النباتات التي يمكن أن يأكلها، والنبات الذي يجب أن لا يلمسه. هذا النبات الأخير كان شجرة المعرفة، وذلك ليس بسبب أنها كانت شريرة حينما غُرست في البداية، ولا حُرمت على الإنسان عن حسدٍ (من ناحية الله، ولا ندع ألسنة أعداء الله تتحدت هكذا، كما لا نقلد الحية!).

 

السقوط:

وهذه الشجرة كانت يمكن أن تكون صالحة لو أن الإنسان أكل منها في الوقت المناسب (لأن الشجرة، بحسب رؤيتى، كانت هى رؤية الله التي هى مأمونة فقط بالنسبة لأولئك الذين تكَّملوا بالتمرن والنسك للإقتراب منها بدون مخاطرة)، لكنها ليست صالحة للذين لم يتدربوا بعد وللشرهين من جهة الشهوة، وذلك كالطعام القوى الذي ليس له فائدة، للذين مازالوا ضعفاء ويحتاجون إلى اللبن (انظر عب12:5). لكن بسبب حسد إبليس وإغوائه للمرأة التي استسلمت لكونها أكثر ضعفًا، وبدورها حرضت آدم لأنها كانت ذات تأثير عليه، وأسفاه على ضعفى! (لأن ضعف أبى الأول هو ضعفى)، إذ نسى الوصية التي أُعطيت له، واستسلم للأكل من الثمرة المهلكة، وهكذا طُرد في الحال من الفردوس ومن شجرة الحياة ومن حضرة الله بسبب خطيته، ولبس الأقمصة الجلدية ربما يعنى أنه لبس الجسد الأكثر غلاظة، والقابل للموت والمناقض للأول)[17].

          وكأول نتيجة، شعرا بالخزى وإختفيا من وجه الله. وهنا حصل الإنسان الأول على ربح له وهو الموت، وقطع الخطية، حتى لا يصير الشر خالدًا، وهكذا فإن العقاب تحول إلى رحمة[18]، لأنى أعتقد أن الله يفرض العقاب بدافع الرحمة.

 

تدبير الله للخلاص:

          13 ـ وبعد أن عاقب الله الإنسان أولاً ـ بطرق كثيرة، لأن خطاياه كانت كثيرة (من التي نبتت من جذر الشر، والتي نشأت من أسباب مختلفة وفي أزمنة متفرقة)، أدَّبه بالكلمة، والناموس، والأنبياء، والإحسانات، والتهديدات، والفيضانات والنيران، والحروب، والانتصارات، والهزائم، والعلامات في السماء، وعلامات في الهواء وفي الأرض وفي البحر، وبتغييرات مفاجئة للأمم والمدن والشعوب ـ كل هذه الأمور كانت تهدف لإبادة الشر ـ وأخيرًا إحتاج الإنسان لدواء أكثر قوة لأن أمراضه كانت تزداد سوءً: مثل قتل الأخ والزنى والقسم الكاذب، والجرائم الشاذة، وأول وآخر كل الشرور أى عبادة الأصنام وتحويل العبادة تجاه المخلوقات بدلاً من الخالق (انظر رو18:1ـ32). وبما أن هذه كانت تحتاج إلى معونة أكبر، لذلك حصلت على مَن هو أعظم. ذلك هو كلمة الله ذاته ـ  الأبدى الذي هو قبل كل الدهور، وهو غير المنظور، غير المفحوص وغير الجسدى، البدء الذي من البدء، النور الذي من النور، مصدر الحياة والخلود، صورة الجمال الأصلى الأول، الختم الذي لا يزول، الصورة التي لا تتغير، كلمة الآب وإعلانه[19]، هذا أتى إلى صورته[20]، وأخذ جسدًا لأجل جسدنا، ووحد ذاته بنفس عاقلة لأجل نفسى لكى يطّهر الشبه بواسطة شبهه، وصار إنسانًا مثلنا في كل شئ ماعدا الخطية إذ وُلد من العذراء التي طُهّرت أولاً نفسًا وجسدًا، بالروح القدس (لأنه كان يجب أن تُكرم ولادة البنين وأيضًا أن تنال العذراوية كرامة أعظم)، وهكذا حتى بعد أن اتخذ جسدًا ظل إلهًا، إذ هو شخص واحد من الاثنين، ياله من اتحاد عجيب، الكائن بذاته يأتى إلى الوجود، غير المخلوق يُخلق[21]، غير المحوى يُحوى بواسطة نفس عاقلة تتوسط بين الألوهة والجسد المادى. ذاك الذي يمنح الغنى يصير فقيرًا، فقد أخذ على نفسه فقر جسدى، لكى آخذ غنى ألوهيته. ذاك الذي هو ملئ يخلى نفسه، لأنه أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة، ليكون لى نصيب في ملئه. أى صلاح هذا؟! وأى سر يحيط بى؟! إشتركت في الصورة؛ ولم أصنها، فاشترك في جسدى لكى يخلّص الصورة ولكى يجعل الجسد عديم الموت. هو يدخل في شركة ثانية معى أعجب كثيرًا من الأولى، وبقدر ما أعطى حينئذ الطبيعة الأفضل، فهو الآن يشترك في الأسوأ[22]. هذا العمل الأخير (التجسد) يليق بالله أكثر من الأول (الخلق)، وهو سامى جدًا في نظر الفاهمين.

 

اتضع لأجلك فلا تحتقر تواضعه:

          14 ـ ما الذي سوف يقوله المعترضون والمجدفون على الألوهية، أولئك المشتكون ضد كل الأمور الجديرة بالمديح، أولئك الذين يجعلون النور مظلمًا، والذين لم يتهذبوا بالحكمة، أولئك الذين مات المسيح لأجلهم باطلاً، أولئك المخلوقات غير الشاكرة الذين هم من صنع الشرير؟ هل تحوّل هذا الإحسان إلى شكوى ضد الله؟ هل تنظر إليه على أنه صغير بسبب أنه اتضع لأجلك؟ وهل تعتبره صغيرًا لأنه هو الراعى الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو11:10)، والذي أتى ليطلب الخروف الذي ضلّ فوق التلال والجبال والتي كانت تقدم فيها ذبائح لآلهة غريبة، وعندما وجده، حمله على منكبيه ـ اللتين حمل عليهما خشبة الصليب، وأعاده إلى الحياة الأسمى، وعندما أعاده حسبه مع أولئك الذين لم يضلوا أبدًا؟ هل تحتقره لأنه أضاء سراجًا الذي هو جسده، وكنس البيت، مطهرًا العالم من الخطية، وفتش عن الدرهم، أى الصورة الملكية التي دُفنت وغطتها الشهوات. وجمّع الملائكة أصدقاءه؛ عندما وجد الدرهم جعلهم شركاء في فرحه، والذين جعلهم أيضًا مشاركين في سر التجسد؟ فبعد سراج السابق الذي أعّد الطريق، يأتى النور الذي يفوقه في البريق، وبعد “الصوت” أتى “الكلمة” وبعد صديق العريس جاء العريس، صديق العريس الذي أعد الطريق للرب شعبًا مختارًا، مطهرًا إياهم بالماء ليجهزهم للروح القدس؟ هل تلوم الله على كل هذا؟ هل على هذا الأساس تعتبره وضيعًا لأنه شد الحزام على وسطه وغسل أرجل تلاميذه (يو4:13)، وأظهر أن التواضع هو أفضل طريق للرفعة؟ لقد اتضع لأجل النفس التي إنحنت إلى الحضيض لكى يرفعها معه، تلك النفس التي كانت تترنح لتسقط تحت ثقل الخطية؟ كيف لا تتهمه أيضًا بجرم الأكل مع العشارين وعلى موائد العشارين (انظر لو27:5)، وأنه يتخذ تلاميذًا من العشارين، لكى يربح… وماذا يربح؟ خلاص الخطاة. وإن كان الأمر هكذا، فيجب أن نلوم الطبيب بسبب أنه ينحنى على الجروح ويحتمل الرائحة النتنة لكى يعطى الصحة للمرضى، أو هل نلوم ذاك الذي من رحمته ينحنى لكى ينقذ حيوانًا سقط في حفرة كما يقول الناموس (انظر تث40:22، لو5:14).

          15 ـ المسيح أُرسل، لكنه أُرسل كإنسان لأنه من طبيعة مزدوجة[23]. لأنه شعر بالتعب وجاع وعطش وتألم وبكى حسب طبيعة كائن له جسد. وإذا استعمل تعبير “أُرسل” عنه، فمعناه أن مسرة الآب الصالحة يجب أن تعتبر إرسالاً، فهو يرجع كل ما يختص بنفسه إلى هذه الإرسالية، وذلك لكى يكرم المبدأ الأزلى، وأيضًا لأنه لا ينبغى أن يُنظر إليه على أنه مضاد لله. فقد كتب عنه أنه سُلم بخيانة وأيضًا سلّم ذاته، وأيضًا كتب عنه أنه أُقيم بواسطة الآب وأنه أُصعد، ومن جهة أخرى أنه أيضًا أقام ذاته وصعد. فما ذُكِر أولاً في كل عبارة فهو من إرادة الآب (أنه سُلِّم وأنه أُقيم)، أما الجزء الثانى من كل عبارة فيشير إلى قوته هو. فهل تفكر في الأمور الأولى التي تجعله يبدو وضيعًا، أما الثانية التي ترّفعه فأنت تتغافل عنها. وتضع في حسابك أنه تألم، ولا تحسب أن هذا الألم تم بإرادته. انظر فحتى الآن لا يزال الكلمة يتألم. فالبعض يكرمونه كإله ولكن يخلطون بينه وبين الآب، والبعض الآخر يحقرونه كمجرد جسد ويفصلونه عن اللاهوت. فعلى مَن يصب جام[24] غضبه بالأكثر؟ أو بالأحرى مَن هم الذين يغفر لهم؟ هل الذين يخلطونه بطريقة جارحة أم أولئك الذين يقسمونه؟ فالأولون كان يجب أن يميزوا (بين الأقانيم) والآخرون كان يجب أن يوحدوه[25] (مع الآب). الأولون من جهة عدد الأقانيم والآخرون من جهة الألوهية. هل تتعثر من جسده؟ هذا ما فعله اليهود. ربما تريد أن تدعوه سامريًا؟ ولن أذكر ما قالوه عن المسيح بعد ذلك (انظر يو48:8) هل تنكر ألوهيته؟ هذا لم يفعله حتى الشياطين. للأسف كم أنت أقل إيمانًا من الشياطين! وأكثر جهلاً من اليهود! فهؤلاء اليهود قد فهموا أن اسم ابن يدل على أنه مساوى في الرتبة (أى مساوى لله)، أما أولئك الشياطين فعرفوا أن الذي طردهم هو إله، لأنهم إقتنعوا بذلك بسبب ما حدث لهم. أما أنت فلا تعترف بالمساواة ولا تقر بلاهوته. كان من الأفضل أن تكون إما يهوديًا أو شيطانًا (لو عبّرت عن ذلك بطريقة مضحكة)، عن أن يتسلط على ذهنك الشر والكفر وأنت أغلف وبصحة جيدة.

 

كل هذا لأجلى:

          16 ـ بعد قليل سوف ترى يسوع ينزل ليتطهر في الأردن (مت17:3) لأجل تطهيرى أنا، أو بالحرى ليقدس المياه بطهارته (لأنه لم يكن في إحتياج إلى التطهير ذاك الذي يرفع خطية العالم). وإنشقت السماوات، وشهد له الروح الذي من نفس الطبيعة الواحدة معه؛ وسنراه يُجرب وينتصر على التجارب ويُخدم من الملائكة (انظر مت 1:4ـ11)، ويشفى كل مرض وكل ضعف (مت23:4)، ويمنح الحياة للأموات (وليته يهبك الحياة أنت الذي مت بسبب هرطقتك)، ويطرد الشياطين (مت33:9) أحيانًا بنفسه وأحيانًا أخرى بواسطة تلاميذه. ويُطعم بخبزات قليلة آلاف من البشر (مت14:14)، ويمشى على البحر كأرض جافة (مت25:14)، ويُسلّم ويُصلب صالبًا خطيتى معه، وقُدم ذبيحة كحمل، وأيضًا قدم ذاته ككاهن يقدم ذبيحة، ودُفن كإنسان وقام ثانية كإله، ثم صعد إلى السموات لكى يعود ثانية في مجده. كم من الأعياد توجد لأجلى في كل سر من أسرار المسيح! وغاية كل هذه الأسرار تجديدى وتكميلى أنا، لكى أرجع إلى حالة آدم الأولى.

          17 ـ إذًا، أرجوكم إقبلوا حمله في داخلكم (كما حملته العذراء في بطنها)، وإقفزوا فرحًا أمامه إن لم يكن مثل يوحنا المعمدان وهو في بطن أمه (لو1:1)، فعلى الأقل مثل داود أمام تابوت العهد (2صم 14:6). وعليك أن تحترم الإكتتاب الذي بسببه كُتبت أنت في السموات. واسجد للميلاد (لو1:2ـ5) الذي بواسطته فُككت من ولادتك الجسدية. واكرم بيت لحم الصغرى التي أرجعتك مرة أخرى إلى الفردوس. واسجد لطفل المزود الذي به تغذيت باللوغوس (الكلمة) بعدما كنت ضالاً. اعرف قانيك كما يعرف الثور قانيه، والحمار معلف صاحبه، حسب قول إشعياء (3:1)، ذلك إن كنت من الطاهرين الذين يكرمون الناموس وينشغلون بترديد أقواله باجترار، واللائقين للذبائح. أما إن كنت من أولئك الذين لا يزالون نجسين ولم يكن يحق لهم أن يأكلوا من المقدسات، وغير لائقين لتقديم الذبائح، وهم من الأمم الوثنيين، فإسرع مع النجم وقدم هدايا مع المجوس ذهبًا ولبانًا ومرًا كما لملك، وإله، ولواحد قد مات لأجلك. مجّده مع الرعاة، وسبحه مع خورس الملائكة، ورتل تسابيحك مع رؤساء الملائكة. فليكن هذا الإحتفال مشتركًا بين القوات السماوية والقوات الأرضية. لأننى أؤمن أن الأجناد السماوية يشتركون في التمجيد معنا، ويحتفلون بالعيد العظيم معنا اليوم، لأنهم يحبون البشر ويحبون الله، كما كتب داود عن أمثال هؤلاء الذين صعدوا مع المسيح بعد آلامه لكى يستقبلوه وهم ينادون أحدهم الآخر ان يرفعوا الأبواب الدهرية (مز7:24ـ9).

 

بيت لحم والصليب والقيامة:

          18 ـ هناك أمر واحد فقط مرتبط بمناسبة ميلاد المسيح، أريدكم أن تبغضوه، ألا وهو قتل الأطفال على يد هيرودس، أو بالحرى يجب أن تكرموا أيضًا، هؤلاء الذين ذُبحوا وهم من نفس عمر المسيح، هؤلاء صاروا ذبيحة قُدمت قبل الذبيحة الجديدة (أى الصليب).

 

 

كن ملازمًا للمسيح:

          عندما يهرب إلى مصر اهرب أنت معه؛ ورافقه فرحًا في المنفى. إنه عمل عظيم أن تشترك مع المسيح المضطهد. وإن أبطأ كثيرًا في مصر فادعوه من هناك بتقديم عبادة خاشعة له هناك. إتبع المسيح بلا لوم في كل مراحل حياته وكل صفاته. تطهر واختتن؛ إنزع البرقع الذي كان يغطيك منذ ولادتك. بعد ذلك علّم في الهيكل واطرد التجار من هيكل الله، اسمح لهم أن يرجموك لو لزم الأمر، فإنى أعرف جيدًا أنك سوف تفلت من بين هؤلاء الذين يرجموك مثل الله (انظر يو59:8). لأن الكلمة لا يُرجم. إن جاءوا بك إلى هيرودس لا تعطيه إجابة عن أغلب أسئلته؛ فسوف يحترم صمتك أكثر من احترامه لأحاديث الشعب الكثيرة. إذا جلدوك اطلب منهم أن يتمموا كل الجلدات. ذُق المر واشرب الخل؛ واطلب أن يبصقوا على وجهك؛ اقبل منهم اللطمات والشتائم، وتوج رأسك بإكليل الشوك، أى بأشواك حياة التقوى. إلبس ثوب الأرجوان وأمسك القصبة في يدك، واقبل السجود بسخرية من أولئك الذين يسخرون من الحق؛ أخيرًا فلتُصلب مع المسيح واشترك في موته ودفنه بفرح لكى تقوم معه وتتمجد معه وتملك معه. انظر إلى الله العظيم الذي يُسجد له ويمجد في ثالوث، ودعه ينظر إليك وليته يظهر الآن بوضوح أمامك، بقدر ما تسمح قيود الجسد، بيسوع المسيح ربنا الذي له المجد من الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1]  الظلمة تنقشع بولادة الرب مثلما حدث أثناء خلق العالم بخلق النور الذي جعل الظلمة التي كانت تغطى الأرض تنقشع (انظر تك2:1 وفيما بعده).

[2] انظر خر21:10. يقصد بمصر العالم الذي يعيش في ظلمة.

[3] يشير كل من “الحرف” و “الظلال” إلى “الناموس” الموسوى، بينما كل من “الروح” و “الحق” إلى الحياة الجديدة التي ظهرت في العالم بميلاد المخلّص.

[4] العالم السماوى يكتمل بعودة الجنس البشرى إلى الموطن السماوى.

5 هذا العنوان وكل العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

[6] يشير هنا القديس غريغوريوس إلى “الأكل من الثمرة المحرمة ” الذي تسبب في سقوط الأبوين الأولين (تك3).

[7] يشير هنا إلى أنه غريب وليس من أهل القسطنطينية، وهو يلقى خطابه بعد وصوله إليها بفترة قصيرة بعد أن كان يعيش في كبادوكية البعيدة عن القسطنطينية ويخدم في مواضع صغيرة وغير مشهورة مثل نازينز التي جاء منها.

[8] أى من خلال أفعاله الإلهية.

[9] قدس الأقداس هنا يعنى الثالوث القدوس.

[10] على الأغلب يشير القديس غريغوريوس إلى القديس أثناسيوس الرسولى الذي انشغل بمهارة فائقة بالتعليم عن الله في كتابه ضد الآريوسيين.

[11] يدعو القديس غريغوريوس الله بالصلاح، وكان هذا معتادًا عند الآباء أن يستخدموا صفات الله كأسماء لله.

[12] يوسيفوروس يعنى حامل الفجر أى النور. أول إشارة إليه كانت في سفر إشعياء 12:14، لكن ظل يُدعى شيطان Satana وهى كلمة من الفعل العبرى Satan بمعنى المقاوم.

[13] أى من المادة والروح.

[14] طبعًا لا يقصد القديس غريغوريوس أن الإنسان يصير إلهًا مثل الله: يوجد في كل مكان وقادر على كل شئ، وأبدى … الخ، لكن يشير هنا إلى اكتساب الفضائل الإلهية.

[15] أى من المادة والروح.

[16] يشير القديس غريغوريوس إلى الخلق بواسطة إتحاد الجسد والنفس، والموت هو إنحلال هذا الإتحاد ثم يأتى بعد ذلك إعادة هذا الإتحاد في الدهر الآتى بأكثر مجدًا.

[17] هنا يشرح القديس غريغوريوس مفهوم الأقمصة الجلدية.

[18] هنا نتذكر قول القداس الغريغورى: ” حوّلت لى العقوبة خلاصًا “.

[19] انظر القداس الغريغورى الذي يخاطب المسيح الكلمة بقوله “الذي لا ينطق به، غير المرئى، غير المحوى، غير المبتدئ، الأبدى، غير الزمنى، الذي لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل (أى غير المتغير)”. وهذا يوضح أن القداس هو من وضع القديس غريغوريوس نفسه الذي تفوه بهذه العظة وغيرها من الخطب والعظات المعروفة باسمه.

[20] أى إلى الإنسان الذي خلق على صورته.

[21] بناسوت خلقه هو فى أحشاء العذراء.

[22] فى الخلق خلق الله الإنسان “على صورة الله”، بينما في التجسد أخذ الجسد: “أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له”.

[23] طبعًا من جهة طبيعته التي فيها اللاهوت متحد بالناسوت.

[24] يقصد أصحاب بدعة سابيليوس الذي قال إن الآب هو نفسه صار المسيح وصلب وبعد صعود المسيح جاء باسم الروح القدس أى الثالوث أقنوم واحد وليس ثلاثة أقانيم للاهوت واحد.

[25]  يقصد الآريوسيين.

 

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

مقدمة

          هذه العظة تحمل عنوان ” يوم ميلاد المخلص ” وقد أُلقيت كما هو واضح يوم عيد الميلاد، وفيها يعلّم القديس يوحنا ذهبى الفم عن ميلاد المسيح من العذراء، أى لماذا أخذ شكل إنسانى، وبأى طريقة أخذه، ولماذا اختار هذه الطريقة.

          وقد قدم فى هذه العظة تفسيرًا قيمًا مدعمًا هذا التفسير باقتباسات من العهدين القديم والجديد.

          غير معروف على وجه التحديد زمن إلقاء هذه العظة، لكنه واضح أن ذهبى الفم كان يقاوم الهرطقة الآريوسية دون أن يشير إليها صراحةً، والتى شغلت المجمع المسكونى الأول والمجمع المسكونى الثانى (325، 381م) ويبدو للمرء أنه فى جزء من العظة صار تحليل لجزء من قانون الإيمان الذى يتحدث عن ألوهية المسيح، وهذا يدعونا إلى الاعتقاد أن تاريخ هذه العظة ليس بعيدًا عن سنة 381م. ويرجح أنه ألقاها بعد سيامته كاهنًا فى إنطاكية سنة 386م، وربما فى سنة 387م بإنطاكية.

تُرجمت هذه العظة من باترولوجيا Migne الجزء 56 من ص 385 ـ 394.

ولإلهنا المحب الآب والابن والروح القدس الثالوث المساوى كل مجد وسجود وتسبيح الآن وإلى دهر الدهور . آمين .

المركز الأرثوذكسى

للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

ميلاد المسيح

للقديس يوحنا ذهبي الفم

        أرى سرًا عجيبًا ومدهشًا، أسمع أصوات رعاة يصلوّن بتسبيح سماوي. ملائكة يرتلون، رؤساء ملائكة يمجدون، الشاروبيم يسبحون، والساروفيم يمجدون، الجميع يحتفلون برؤية الله على الأرض والإنسان في السماوات. وهذا الكائن أصلاً في السماء، يرونه بسبب تنازله ـ كائنًا على الأرض، وهذا الذي هو أصلاً على الأرض (أي الإنسان)، يرونه ـ بسبب محبة الله للبشر ـ موجودًا في السماء.

            اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء وبدلاً من النجوم استقبلت الملائكة الذين يمجدون، وبدلاً من الشمس، قبلت شمس البر بأسلوب لا يوصف. ولا نطلب أن نعرف كيف حدث هذا. لأنه عندما يريد الله فإن القوانين الطبيعية تنهزم. لذلك فهو قد تمم ما أراده، نزل إلى الأرض, وخلّص الإنسان. اليوم وُلِدَ هذا الكائن منذ الدهور، والموجود منذ الأزل صار إنسانًا، دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لأنه لم يصر إنسانًا متخليًا عن ألوهيته، ولا أيضًا صار إلهًا نتيجة تقدم أخلاقي، لكن بينما هو كلمة  الله صار إنساناُ دون أن يعاني أي تغيير في طبيعته (الإلهية).

          عندما وُلِدَ رفض اليهود ميلاده العجيب، والفريسيين أساءوا تفسير الكتب الإلهية، والكتبة تكلموا وقالوا عكس الناموس. هيرودس طلب أن يجد الطفل الذي وُلد لا لكي يُكرمه بل لكي يقتله (متى13:2). اليوم رأوا أمورًا مختلفة. لأنه كما يقول المزمور” لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع ” (مز4:78).

          والملوك أتوا وهم مملوئين بالدهشة من الملك السماوي، كيف أتى إلى الأرض بدون ملائكة،بدون عروش، بدون قوات، بدون سلطات، لكن سار في طريق عجيب، لم يعبر فيه أحد ودون أن يترك ملائكته محرومين من حمايته ولا أخذ جسدًا إنسانيًا وهو تارك لألوهيته. الملوك إذن سجدوا للملك السماوي، أتت الأجناد السماوية لكي تخدم رئيس القوات، أتت النساء لكي يسجدن للذي وُلِدَ من امرأة، لكي يحول فيما بعد حزن المرأة إلى فرح، وأتت العذارى لكي يسجدن لطفل العذراء، مندهشين كيف أن هذا الذي خلق الثدي واللبن وجعل الثدي يخرج لبن من نفسه، أخذ شكل طفل من أم عذراء. أتى الأطفال لكي يسجدوا لذاك الذي صار طفلاً، لكي يُنشد تسبيح المجد من أفواه الأطفال والرضعان. أتى الرجال لكي يسجدوا لذاك الذي صار إنسانًا وخلص العبيد من الشرور التي أصابتهم. أتى الرعاة لكي يسجدوا للراعي الصالح الذي قدم حياته من أجل الخراف. أتى الكهنة لكي يسجدوا لذاك الذي أخذ شكل العبد لكي يمنح الحرية للمستعبدين. أتى الصيادون لكي يسجدوا لذاك الذي حّول الصيادين إلى صيادين للناس. أتى العشارون لكي يروا ويسجدوا لذاك الذي حولهم من عشارين إلى مبشرين. أتت الزانيات لكي يسجدن لذاك الذي ترك قدميه لدموع زانية. كل الخطاة أتوا لكي يروا حمل الله الذي يحمل على كتفية خطية العالم، المجوس وضعوه نصب أعينهم، الرعاة باركوه، العشارون بشروا به، الزانيات قدمن طيبًا، السامرية عطشت لمصدر الحياة، الكنعانية أظهرت إيمانًا ثابتًا.

          إذن فطالما أن الجميع ارتكضوا من الفرح، أريد أنا أيضًا أن ارتكض، أريد أن أحتفل، وأرقص لا عازفًا على قيثارة ولا محركًا لأوتار، ولا لاعبًا على مزمار ولا ماسكًا لشموع مضيئة ولكن ماسكًا أقماط المسيح بدلاً من الآلات الموسيقية. لأن هذه الأقماط هي رجائي، هي حياتي، هي خلاصي، هي قيثارتي. ولهذا أنا آتي ممسكًا بهذه الأقماط لكي آخذ منها قوة أن أتكلم وأقول مع الملائكة ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2). ذاك الذي وُلِدَ من الآب بأسلوب لا يوصف، وُلِدَ اليوم من العذراء بأسلوب لا يُعبر عنه. فهو وُلِدَ من الآب قبل كل الدهور حسب قوانين الطبيعة الإلهية، تلك القوانين المعروفة من ذاك الذي وَلَدَه، بينما اليوم وُلِدَ أيضًا لا بحسب القوانين الطبيعية ولكن بنعمة الروح القدس.

          وهنا الميلاد السماوي هو حقيقي والميلاد الأرضي أيضًا هو حقيقي ـ غير كاذب ـ بالحقيقة وُلِدَ إله من إله، وبالحقيقة هو نفسه وُلِدَ إنسانًا من العذراء. هو وحدة في السماء الابن الوحيد الجنس الذى وُلِدَ من الآب، بينما على الأرض هو وحده بذاته الابن الوحيد الجنس الذي وُلِدَ من العذراء. وبالضبط كما أنه في حالة ميلاده السماوي، يعتبر كفراُ أن نسأل عن وجود أم له، هكذا فإنه يعتبر تجديف أن نقول إن له أب في ميلاده الأرضي. الآب وَلَدَ الابن بأسلوب يفوق الإدراك، بينما العذراء ولدته محتفظة بنقاوتها بغير فساد. الله ولده بدون زرع، لأنه ولده بأسلوب إلهي وليس كالبشر، والعذراء لم يصبها فساد لأنها ولدته بالروح القدس. وعليه فلا ميلاده السماوي يمكن أن يُشرح، ولا ظهوره في ملء الزمان كإنسان يقبل البحث لمزيد من الفهم. إذن فمن حيث إن العذراء ولدته اليوم، فهذا أعرفه، ومن حيث إن الله ولده قبل الدهور، فهذا أؤمن به، لكن تعلمت أن أكرم بصمت أسلوب ميلاده، وألا أشرع في فهم كل هذا واضعًا إياه تحت الفحص. لأنه في حالة ولادة الابن من الآب، لا يجب أن يفكر المرء في كيفية هذه الولادة، ولكن فقط أن يؤمن بقوة ذاك الذي وُلد. لأنه ناموس طبيعي أن تلد امرأة متزوجه من رجل، ولكن عندما ولدت العذراء والتي لم تعرف رجلاً وبقيت أيضًا عذراء، فإن هذا الحدث يظل فوق النواميس الطبيعية. هذا الذي يحدث وفقًا للقوانين الطبيعية يمكن أن نفحصه، بينما ما يحدث وفقًا لأسلوب يفوق الطبيعة فلنحترمه بصمت، لا كشيء يجب أن نتجنبه، ولكن كشيء لا يمكن شرحه، ولهذا يجب أن نحترمه بصمت.

          ولكن سامحوني من فضلكم، لأنني أريد أن أوقف حديثي والذي لا يزال في بدايته. لأنني أشعر بخوف أمام بحث الأمور الإلهية، ولا أعرف كيف أو أين أُغير دفة الحديث.

          لأنه ماذا أقول، أو عن أى شيء أتكلم ؟ أرى تلك التي ولدت وأرى ذاك الذي وُلد، لكن لا أستطيع أن أفهم أسلوب أو طريقه الميلاد. لأنه عندما يريد الله فإن الطبيعة تنهزم، ويُهزم ناموس النظام الطبيعي. إن هذا الحدث حقًا لم يصر وفقًا للنواميس الطبيعية، لكن هذه المعجزة هي أمر فوق الطبيعة، لأن الطبيعة لم تعمل، ولكن الإرادة الإلهية هي التي عملت. أقول أنها نعمه كبيرة غير موصوفة.

          وحيد الجنس الذي هو قبل الدهور، الغير مقترب منه، المتفرد والغير جسدي، أتى إلى جسدي الفاسد والمرئي. لماذا ؟

          لكي يعلمنا عندما ننظر إليه، وعندما يعلمنا يقودنا إلى ذاك الذي لا يُرى. لأن الناس يؤمنون أكثر مما ينظرون، أكثر مما يسمعونه. ويتشككون في تلك الأمور التي لا يرونها. ولهذا قَبِلَ أن يأخذ جسدًا إنسانيًا، وأن يعطي لعيوننا إمكانية أن نراه لكي يزيل هذا الشك.

          وُلِدَ إذن من عذراء، ذاك (السر) الذي كان غير معروف لديها، فهى لم تصنع هذه المعجزة، لكنها كانت فقط أداة لهذه القوة غير الموصوفة. واضعة في اعتبارها فقط هذا الذي سمعته من جبرائيل الملاك بعد السؤال الذي سألته ” كيف يكون لي هذا وأنا لم أعرف رجلاً ” ـ فأجاب الملاك وقال ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك ” (لو34:1).

          كيف وُجد داخل العذراء وبعد قليل كيف خرج منها ؟ تمامًا مثل فنان، وجد مادة مفيدة جدًا ويصنع منها إناءً جميلاً جدًا، هكذا فإن المسيح عندما وجد الجسد المقدس ونفس العذراء، صنع لنفسه هيكلاً عاقلاً داخل العذراء بالطريقة التي أرادها هو. واليوم يُستعلن للعالم، دون أن يشعر بخجل من ضعف الطبيعة الإنسانية التي لبسها. فإن لبس هيئة خليقته لا يُعتبر أهانه له.

          لكن ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ لأن المعجزة تملأني بالدهشة. قديم الأيام صار طفلاً، ذاك الذي يجلس على العرش العالي بعظمة وجلال يوضع في مزود. الذي لا يُقترب منه، غير الجسدي، قُمط بأيدي إنسانية. ذاك الذي يفك رُبط الخطية، لُف في لفائف، لأن هذه هي إرادته. لأنه أراد للهوان أن يتحول إلى كرامة، وللعار أن يكتسي بالمجد، ولحالة الهوان أن تتحول إلى حالة الفضيلة. ولهذا أخذ جسدي لكي أسع الكلمة في داخلي. وما دام قد أخذ جسدي فقد أعطاني روحه حتى يقدم لي كنز الحياة الأبدية. يأخذ جسدي لكي يقدسني ويعطيني روحه لكي يخلصني.

          ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا ” (أش14:7). هذا لم يُكتب كشيء سيحدث، لكن أعجب له كشيء حدث. إنه تحقق لليهود الذى أُفرز من وسطهم ، لكن نحن آمنا به، رغم أنه لم يصر من عندنا كلام عنه(أى أن الأمم لم يتنبأوا عنه).

          ” ها العذراء تحبل ” هذه النبوءة هي للمجمع، أما تحقيق النبوءة فقد صار ميراثًا للكنيسة. المجمع وجد المخطوط القديم، الذي فيه كان مكتوبًا، بينما الكنيسة اكتشفت اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي كانت مختبئة فيه. المجمع لبس الصوف المطلي، بينما الكنيسة ارتدت الرداء الملوكي.

          لأن اليهودية ولدت المسيح، بينما المسكونة قبلته. المجمع غذاه بالنبوات، والكنيسة أخذته وأثمرت فائدة منه. في المجمع نبت فرع الكرم، بينما نحن تمتعنا بالكرمة الحقيقية. المجمع قطف العنب، والأمم شربوا الشراب السري. المجمع بذر بذرة القمح في اليهودية، والأمم حصدوا السنابل بمنجل الأيمان. الأمم بالأيمان قطفوا الرمّان، أما اليهود فبقى لهم شوك عدم الإيمان، العصفور طار، بينما الأغبياء يجلسون ويحرسون العش. اليهود يمسكون بالحرف والأمم يحصدون ثمار الروح.

          ” ها العذراء تحبل “. أخبرني أيها اليهودي وقل لي من وَلَدتْ ؟

أظهر شجاعة مثل شجاعتك التي أظهرتها أمام هيرودس. لكن ليست لديك شجاعة. وأنا أعرف لماذا. بسبب مكيدتك ودسيستك. لأنك تكلمت إلى هيرودس لكي تقتله (الطفل). لكنك لا تتكلم لي أنا وذلك لكي لا تسجد له.

          إذن من وَلَدتْ ؟ من ؟ سيد الطبيعة. لأنه حتى لو صمْتَ أنت، فالطبيعة تصرخ. ولدته إذن كما أراد هو أن يُولد. ففي الطبيعة، لا توجد مثل هذه الإمكانية للميلاد (العجيب)، ولكن كسيد الطبيعة أبتكر أسلوب ميلاد عجيب، لكي يظهر أن ذاك الذي وُلد لم يولد كما يولد الإنسان، بل وُلِدَ كما يليق بالله. اليوم وُلِدَ من عذراء، والتي هزمت الطبيعة وتجاوزت قانون الزواج. لأنه كان يجب أن يأتي ملك البر بطريقة ميلاد طاهرة ومقدسة. لأنه هو الذي من البدء خلق آدم من أرض عذراء ومن آدم أيضًا خلق امرأة دون أن تكون هناك امرأة. تمامًا مثلما حصل آدم على زوجة دون أن تكون هناك زوجة، هكذا اليوم العذراء ولدت رجلاً بدون رجل. ولأن الجنس النسائي مدين بوجوده للرجال، فالمرأة خُلقت من آدم دون أن تتوسط امرأة، هكذا اليوم ولدت العذراء دون أن يتوسط رجل مسددة للرجال دين حواء. ولكي لا يفتخر آدم الذي بدون امرأة صارت له امرأة، هكذا فإن العذراء ولدت رجلاً بدون رجل، حتى أنه بالمعجزة المشتركة تصير المساواة في الطبيعة. لأنه كما أخرج الله المرأة من جنب آدم دون أن يُقلل أبدًا من آدم، هكذا صنع الهيكل الحي داخل العذراء دون أن يفسد عذراويتها.

          لقد بقى آدم صحيحًا بعد أن أخذ ضلعًا من جنبه، وبقيت العذراء طاهرة بعد أن ولدت الطفل. ولهذا لم يخلق لنفسه هيكلاً من مكان آخر ولا خلق جسدًا آخر ولبسه، حتى لا يبدوا أنه يحتقر الطينة التي صنع منها آدم. لأن الإنسان عندما أنخدع صار أداة للشيطان، وأهان هذا الهيكل الحي الذي دُمِرَ، والله لأجل علاقته الحميمة مع الإنسان الذي خلقه أراد أن يبعده عن معاشرة الشيطان. والذي وُلد (من العذراء) لم يُولد مثل أي إنسان، لكن وُلد كإله. لأنه لو وُلد كما يولد الجميع، مثلما أُولد أنا بالضبط، سيعتبر من الكثيرين أكذوبة، ولهذا وُلد من العذراء. وبعد الميلاد بقيت الأم عذراء ونقية. حتى تصير طريقة الحمل العجيب سبب إيمان كبير. فلو سألني اليوناني أو اليهودي: هل المسيح الذي بحسب طبيعته إله يصير إنسانًا، بطريقة تفوق الطبيعة ؟. سأجيبه نعم، وأستدعي كشاهد على قولي هذا، الختم غير الدنس للعذراوية. لأنه هكذا هزم الله نواميس النظام الطبيعي. هكذا خلق بطن المرأة وخلق العذراوية، وابتكر طريقة غير دنسه لميلاده، وبنى لنفسه هيكلاً بطريقة لا يُعبّر عنها كما أراد هو.

          أخبرني أيها اليهودي إذن هل العذراء ولدت أم لا؟ لأنه إن كانت قد ولدت، اعترف بطريقة الميلاد العجيب، ولو أنها لم تلد، فلماذا تخدع هيرودس ؟ لأنة عندما أراد أن يعرف أين يولد المسيح، قلت له في بيت لحم اليهودية (متى4:2). فهل أنا الذي عرفت المدينة أو الطريقة؟ وهل أنا علمت بقيمة ذاك الذي وُلد؟ ألم يتكلم إشعياء عنه أنه هو الله؟ لأنه يقول “وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (أش14:7). هل تستطيعوا أيها الكتبة والفريسيين أن تعرفوا وأنتم حراس الناموس كل ما يتعلق به في الناموس ؟ وهل نحن نعرف لغة العبرانيين؟ ألم تفسروا أنتم الكتب؟ ألستم أنتم الذين ـ عندما ولدت العذراء وسألكم هيرودس ـ قدمتم شاهدًا من النبي ميخا لكي تؤكدوا كلامكم ؟ لأنه يقول ” أما أنت يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (ميخا2:5).

          حسن جدًا قال النبي ” فمنك يخرج ..” فكما أنه أتى منكم، وقُدم فيما بعد للأمم، هكذا فإن الله موجود وهو قبل الوجود وهو موجود على الدوام كإله ضابط الكل، ولكنه أتى منكم كإنسان يحكم الشعب، وكإله يخلص المسكونة.

          هؤلاء هم الذين أظهروا أن الذي وُلِدَ هو الله، هم الذين أظهروا ذاك الذي أختبئ في المزود كسيد،هم الذين دون أن يقصدوا أعلنوا عن ذاك الذي وُجد في المغارة، ودون أن يقصدوا صنعوا به خيرًا، من حيث أنهم أظهروه، بينما هم أرادوا ألا يعلنوا عنه. أرأيت أيها المعلم الجاهل. أولئك الذين يعلّمون لم يعرفوا، وبينما هم جوعي يقدمون غذاء للآخرين، وبينما هم عطشي يسقون الآخرين، وبينما هم فقراء يغنون الآخرين.

          إذن تعالوا بنا نحتفل ونفرح. بالحقيقة هو أمر عجيب أسلوب هذا العيد لأنه عجيب سبب الميلاد هذا، لأن اليوم حُلت رُبط الأزمنة البعيدة، إبليس خجل، الشياطين هربت، الموت بطل، الفردوس فُتح، واللعنة اختفت، الخطية طُردت بعيدًا، الخداع ابتعد، والحقيقة عادت مرة أخرى، وكلمة التقوى انتشرت في كل مكان، أسلوب الحياة السماوي نبت في الأرض، الملائكة يلتقون بالناس، والناس بلا خوف يتحدثون مع الملائكة. لماذا ؟

          لأن الله أتى إلى الأرض والإنسان صعد إلى السماء، والله بكليته يوجد على الأرض. وإذ هو الإله صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. إذ هو الكلمة غير المتحول، أخذ جسدًا، نعم أخذ جسدًا إنسانيًا لكي يسكن فينا. وبالتأكيد هو لم يصر إلهًا لأنه كان إلهًا ثم أخذ جسدًا إنسانيًا. حتى أن ذاك الذي لا تسعة السموات، يستقبله المزود. حتى أن ذاك الذي يعول الكون، يأخذ طعام الأطفال من الأم العذراء. ولهذا فأب الدهور الأبدية قبل أن يُحِملَ في الأحضان العذراوية كطفل يرضع، لكي يستطيع المجوس الاقتراب منه. اليوم أتى المجوس إلى المسيح، وضعوا بداية لرفضهم للطاغية (هيرودس)، وتباهت السماء لأن نجمها أظهر سيدها، والسيد يأتى فى الجسد، كما فوق سحابة رقيقة تسير نحو مصر. وواضح طبعًا أنه ذهب إلى هناك لكي يتجنب تسلط هيرودس، لكن في الحقيقة أكمل هذا الذي قيل من أشعياء ” في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاُ مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل ” (أش24:19).

          ماذا تقول أيها اليهودي ؟ أنت الذي كنت أولاً صرت ثالثًا. المصريون والأشوريون وُضعوا في الأمام وإسرائيل البكر حُسِبَ بعد هؤلاء. نعم حقًا إن الأشوريين سيصيرون أولاً لأنهم سجدوا أولاً مع المجوس للمسيح، بينما المصريين سيوضعون بعد الأشوريين، لأنهم استقبلوه عندما لجأ إلى مصر هاربًا من طغيان هيرودس. وفي النهاية يوضع الشعب الإسرائيلي، لأنهم عرفوه بواسطة الرسل بعد عودته من الأردن. أتى إلى مصر وأربك أوثان مصر لا مصادفة، ولكن لأنه أغلق أبواب مصر بفقدان الأبكار. ولهذا فهو اليوم أتى كبكر، لكي يمحو حزن ذلك الحدث القديم الشنيع. أما أن المسيح دُعي بكرًا، فهذا يؤكده اليوم لوقا الإنجيلي قائلاً “ فولدت أبنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ” (لو7:2). لجأ إذن إلى مصر لكي ينهي حزن ذلك الحدث القديم الشنيع، مانحًا بدلاً من الضربات، فرح، وبدلاً من الليل والظلام، نور الخلاص. كانت مياه النهر ملوثة وقتها بسبب ذبح الرضعان. أتى لمصر إذن ذاك الذي جعل ماء النهر في العصر السابق أحمر بالدم، وحول مياه النهر وسيلة الخلاص، منقيًا بقوة الروح هذه المياه الملوثة غير النقية. تعذب المصريون وساد عليهم الهوس ورفضوا أن يؤمنوا بالله. أتى إذن إلى مصر وملأ النفوس المتقية لله من معرفة الله. وبمياه هذا النهر صار هناك شهود للرب  كسنابل القمح.

          ولأن الوقت ضيق أريد أن أتوقف هنا عن الكلام، وأقول كيف وهو الكلمة غير المتألم، أخذ جسدًا، وبقيت طبيعته غير متغيرة. ماذا أقول أو كيف أتكلم ؟ أرى خالق، ومزود، وطفل، وأقمطة، وعذراء نفساء، دون أن يكون لديها ولا حتى الأمور الأكثر احتياجًا، كل شيء مليء بالعوز.

          هل رأيت غنى وسط الاحتياج الشديد ؟ كيف وهو الغني، افتقر لأجلنا؟ كيف وُضع في مزود خشن ولا يوجد به سرير ولا فراش. أقول هو الفقر الذى هو ينبوع للغنى، وأقول الغنى الذى لا يحد، الذي يحمل غطاء الفقر. داخل المزود يرقد ويحرك الكون. داخل اللفائف قُمِطَ وهو الذي فك رُبط الخطية قبل أن ينطق بكلمة، علّم المجوس وحّركهم أن يعودوا إلى الله.

          ماذا أقول وعن أي شيء أتحدث ؟ ها هو طفل ملفوف داخل أقمطة، موضوع في مزود، بالقرب منه توجد مريم التي هي عذراء وأم. وأيضًا بالقرب منه يوجد يوسف الذي يُدعى أبوه. يوسف يسمى رجل وهي تسمى امرأة، أسماء قانونية ولكن بدون رباط الزواج. فليذهب فكرك فقط حتى حدود الكلمات ولكن ليس إلى الحدث نفسه. قد خطبها فقط والروح القدس قد ظلّلها، ولهذا فإن يوسف مملوء بالدهشة ولم يعرف كيف يسمي الطفل. لم يستطع أن يقول كلمة تجديف ضد العذراء، ولم يقبل أن يجعله ابنه، لأنه لم يعرف كيف ومن أين وُلِدَ الطفل، ولذلك وهو في هذه الحيرة من نحو هذا الحدث تلقى إجابة من السماء برسالة من الملاك الذي قال ” يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل فيها هو من الروح القدس ” (متى20:1) لأن الروح القدس ظلل العذراء.

          لكن لماذا وُلِدَ من عذراء وترك عذراويتها بغير فساد ؟ لأن الشيطان قديمًا خدع حواء بينما كانت عذراء، ولهذا فإن جبرائيل حمل إلى مريم البشرى المفرحة بينما كانت عذراء.

          حواء حينما خُدِعت خرجت منها كلمة صارت سببًا للموت، بينما العذراء مريم بعدما قبلت البشارة المفرحة، ولد منها كلمة الله بجسد إنساني، وهو الذي صار لنا سبب حياة أبدية.

          الكلمة الذي أتي من العذراء أظهر الصليب، الذي به قاد اللص إلى الفردوس لخلاص أدم والبشرية. ولأن اليونانيون واليهود والهراطقة التابعين لهم لم يؤمنوا أن الله وَلَدَ ابنه بطريقة لا يُعبّر عنها وبدون أي تحول, لهذا وُلِدَ اليوم من جسد مُعرض للألم وحفظ الجسد الذي يعاني بلا تأثر لكي يظهر كيف وُلِدَ من عذراء ولم يفسد عذراويتها ، وهكذا بقى جوهر الله غير متغير و مقدس، وكإله ولد بطريقة إلهية.

          ولأن البشر هجروا الله وصنعوا لأنفسهم أوثانا وعبدوها، محتقرين هكذا الخالق، لهذا فإن اليوم كلمة الله ـ بينما هو إله ـ ظهر على هيئة إنسان حتى يبطل الضلال ويعيد الإنسان إلى العبادة الحقيقية. فلنعطِ إذن المجد للمسيح الذي فتح الطريق الذي لم يكن أحد يستطيع العبور فيه من قبل. الذي له المجد مع أبيه الصالح، و الروح القدس الآن و كل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

ميلاد يسوع المسيح تاريخيا – دانيال والاس – ترجمة: مينا عاطف

ميلاد يسوع المسيح تاريخيا – دانيال والاس – ترجمة: مينا عاطف

ميلاد يسوع المسيح تاريخيا – دانيال والاس – ترجمة: مينا عاطف

التمهيد

فيما يلي جزء من سلسلة قصيرة من البنود الإيمانية المتعلقة بولادة المسيح. بالنسبة إلى البعض، لا تُعتَبَر هذه المواد ايمانية على الاطلاق لأنها تركز بشكل رئيسي على التاريخ. ولكن يجب ان نُبقي في ذهننا ان يسوع الذي نعبده وُلد فعلا في زمن ما. وذلك الطفل الذي في المذود قد صُلب بحق … وبالتأكيد قام من الموت. يختلف الكتاب المقدس عن الاسفار المقدسة لأديان اخرى لأنه يدعو إلى تحقيق تاريخي. وعندما يجتاز الاختبار -كما يفعل بالتأكيد دائما، لا محالة -يغرس في قلب المؤمن قدرا أكبر من الإخلاص لمن نسميه ابن الله.

 

السنة التي ولد فيها يسوع

في نصف الكرة الغربي، نقسم الوقت بولادة يسوع المسيح. لكن هل حقا عاش على أرضنا؟ إذا كان الامر كذلك، فمتى وُلد؟ منذ فترة، بدأت محادثة مع رجل ادّعى ان الله غير موجود. كان ملحدا. ولكن ليس مجرد ملحد، كما تفهم. كما أصر ان يسوع المسيح لا وجود له ابدا! هذا الرجل كان قوياً.

 

الآن صديقي الملحد لديه إيمان لا يصدق -إيمان أعمى يمكنني أن اقول إن حماسته الدينية ستجلب الكثير من الخزي للعديد من الإنجيليين. لكن الدليل على ان يسوع المسيح غزا التاريخ لا يقتصر على الاكتفاء شهادة العهد الجديد -مهما كان ذلك دليلا دامغا! اعداء المسيحية ادّعوا انه عاش -وأنه صنع المعجزات! فالوثائق اليهودية القديمة مثل المشناه ويوسيفوس -بالإضافة إلى المؤرخين الامميين في القرن الاول -مثل تالوس وسرابيون وتاسيتوس -تشهد كلها ان الشخص المدعو المسيح عاش في فلسطين ومات تحت حكم بيلاطس البنطي. كما يقول ف ف بروس ان يسوع هو حقيقة تاريخية مثل يوليوس قيصر.

 

من المنطقي الآن أن يسوع المسيح لو عاش، فلا بد أنه ولد. تخبرنا الاناجيل انه وُلد قبيل موت هيرودس الكبير. يمكن تحديد موت هيرودس بشكل مؤكد.

 

يذكر يوسيفوس خسوف القمر قبيل موت هيرودس. وقد حدث ذلك في الثاني عشر أو الثالث عشر من مارس عام 4 قبل الميلاد، كما يخبرنا يوسيفوس أن هيرودس قد مات قبل عيد الفصح. حدث هذا العيد في 11 أبريل، في نفس العام، 4 قبل الميلاد، من التفاصيل الأخرى التي قدمها يوسيفوس، يمكننا أن نحدد أن وفاة هيرودس الكبير حدثت بين 29 مارس و4 أبريل في 4 قبل الميلاد.

 

قد يبدو غريبا أن نقترح أن يسوع المسيح ولد في موعد لا يتجاوز 4 قبل الميلاد بما أن قبل الميلاد تعني قبل المسيح لكن تقويمنا الحديث الذي يقسم الوقت بين قبل الميلاد وبعد الميلاد لم يُخترَع حتى 525 بعد الميلاد. في ذلك الوقت، طلب البابا يوحنا الأول من راهب يدعى ديونيسيوس إعداد تقويم موحد للكنيسة الغربية. لسوء الحظ، فقد فقد ديونيسيوس فرق بين قبل وبعد الميلاد على الأقل أربع سنوات!

 

والآن يخبرنا متى ان هيرودس قتل اطفال بيت لحم بعمر سنتين فما دون. من خلال مجموعة متنوعة من المؤشرات الزمنية الأخرى، يمكننا أن نكون واثقين نسبيا أن المسيح ولد في أواخر 5 أو أوائل 4 قبل الميلاد

 

صديقي الملحد يسخر من هذه المرونة يقول: “إذا كنتم لا تعرفون متى وُلد يسوع بالضبط، فكيف تعرفون انه عاش حقا؟”. هذا ليس سؤالا منطقيا ابدا! في ذلك اليوم اتصلت بأمي لأتمنى لها عيد ميلاد سعيد “أمي، كم شمعة على كعكة عيد الميلاد هذا العام؟” لقد تنهدت: “لا أعرف يا بني -لم أعد أتعقب هذا بعد الآن”. وبعد دقائق قليلة من المحادثة السعيدة، اقفلنا الخط.

 

الآن، بالطبع، لا أستطيع أن أكون متأكدا، لكنني أعتقد أن تلك كانت أمي على الطرف الآخر من الهاتف. فهي لا تستطيع أن تتذكر كم تبلغ من العمر (وهي ليست خرفة ولا كبيرة السن)، ولكن هذا لا يجعلها من نسج خيالي، أليس كذلك؟ لأنه إذا كانت مجرد شبح، إذن في الدقائق الثلاث الأخيرة، كنت تقرأ لا شيء على الإطلاق.

ميلاد يسوع المسيح تاريخيا – دانيال والاس – ترجمة: مينا عاطف

يوم ميلاد المسيح

في الخامس والعشرين من ديسمبر القادم معظم الآباء سيكذبون على أبنائهم بشأن القديس نيكولاس العجوز بعضنا سيحتفل بولادة مخلصنا. لكن هل هو حقا ولد في هذا اليوم؟ هل وُلد يسوع حقا في 25 ديسمبر؟ تقريبا كل شهر في التقويم يقترحه علماء الكتاب المقدس. فلماذا نحتفل بمولده في ديسمبر؟

 

تقليد 25 ديسمبر في الواقع قديم جدا. قال هيبوليتوس، في القرن الثاني بعد الميلاد، أن هذا هو عيد ميلاد المسيح. وفي الوقت نفسه، في الكنيسة الشرقية، كان 6 يناير هو التاريخ المُتَّبَع.

 

ولكن في القرن الرابع، قال يوحنا ذهبي الفم أن 25 ديسمبر هو التاريخ الصحيح ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، احتفلت الكنيسة في الشرق، وكذلك في الغرب، 25 ديسمبر كتاريخ رسمي لولادة المسيح.

 

في العصر الحديث، تم تحدي التاريخ التقليدي. يشير العلماء المعاصرون إلى انه عندما وُلد يسوع، كان الرعاة يراقبون خرافهم في التلال المحيطة ببيت لحم. يخبرنا لوقا ان ملاكا ظهر ‹ لبعض الرعاة الذين بقوا في الحقول يسهرون على رعيتهم ليلا › (٢: ٨). ويرى بعض العلماء أن الخراف تُجلب عادة تحت الغطاء (في الحظائر) من نوفمبر إلى مارس.

 

كذلك، لم يكونوا عادة في الميدان في الليل. ولكن لا يوجد دليل قوي على هذا. وفي الواقع، تشير المصادر اليهودية الباكرة ان الخراف المحيطة ببيت لحم كانت خارج البيت طوال السنة. لذا يمكنكم أن تروا، الخامس والعشرين من ديسمبر يتناسب مع التقاليد والسرد الإنجيلي بشكل جيد. ولا يوجد اعتراض سليم على ذلك.

 

والآن من المُعتَرَف به ان الخراف المحيطة ببيت لحم كانت الاستثناء وليس القاعدة. لكنَّ هذه الخراف لم تكن خرافا عادية. لقد كانوا كبش التضحية ففي اوائل الربيع كانوا سيُذبحون في عيد الفصح.

 

والله في البداية كشف ولادة المسيح لهؤلاء الرعاة الرعاة الذين حموا الخراف الوديعة التي ستموت قريبا نيابة عن الآثمين. كيف رأوا الطفل؟ أيمكن أن يعرفوا؟ ربما نُخِسوا في قلوبهم بشيء يُشبه ما قاله يوحنا المعمدان لاحقا: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم!”.

 

طبعا، لا يمكننا ان نكون على يقين تام من يوم ولادة المسيح. على الأقل ليس هذا الجانب من السماء ولكن الموعد في وقت مبكر من الشتاء يبدو معقولا كأي تخمين آخر. والخامس والعشرين من ديسمبر كان الأبرز لثمانية عشر قرناً وبدون المزيد من الأدلة، فلا يبدو أن هناك سبباً وجيهاً لتغيير تاريخ الاحتفال الآن.

 

 يمكننا أن نلوم الكنيسة القديمة على جزء كبير من عدم معرفتنا تحديدا كما ترى، لم يحتفلوا بولادة المسيح على الإطلاق. بالنسبة لهم لم يكن هذا ذا أهمية، فقد اهتموا بموته وقيامته أكثر بكثير.

 

 ولكن الانسان الحديث قد قلب ذلك. الطفل الذي يرقد في المذود ليس مؤذياً ولا مهدداً لكن رجل يموت على صليب رجل يدعي أنه إله ذلك الرجل تهديد إنه يطالب بولائنا! لا يمكننا تجاهله. يجب أن نقبله أو نرفضه إنه لا يترك لنا أي حل وسط.

 

 في موسم عيد الميلاد هذا، ألقوا نظرة فاحصة على مشهد المهد مرة أخرى. أزل نظارتك الوردية ربما يمكنك ان تشم الكريهة، شاهد الحيوانات الباردة المرتجفة وهي تمثل نظام التضحية في العهد القديم. إنها رموز الموت لكنها مجرد ظلال للطفل الذي في وسطهم لقد ولد ليموت ليحيا كل من يؤمن به

 

زيارة المجوس

 عندما ولد يسوع المسيح، جاء الرجال -المعروفون باسم المجوس -من الشرق لعبادته. فهل كَانُوا رجالا حكماء… أم منجمين؟ يستهل متى اصحاحه الثاني بهذه الكلمات: “الآن بعدما وُلد يسوع في بيت لحم اليهودية في ايام هيرودس الملك، ها هم مجوس من المشرق وصلوا إلى اورشليم قائلين: ‹ اين هو الذي وُلد ملكا لليهود؟ لِأَنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي ٱلشَّرْقِ، وَجِئْنَا لِعِبَادَتِهِ ›».

 

من كان هؤلاء الرجال الحكماء من الشرق؟ لم يخبرنا متى أي شيء تقريبا عنهم -لم يذكر أسمائهم، ولا كم عددهم -ولا حتى من أي بلد جاءوا. فهم يختفون في غموض من حيث أتوا. ومع ان متى لا يخبرنا الكثير، فقد ملأ المسيحيون الغيورين جدا في تاريخ الكنيسة الفراغات بشكل جازم. وبحلول القرن السادس الميلادي، تم إعطاء هؤلاء الغرباء.

 

عروش وأسماء: غاسبار، وملكيور، وبالتازار كانت الأسماء المزعومة لهؤلاء الملوك المزعومين. ولكن هذا لا علاقة له بالقصة الكتابية: فنحن لا نعرف حقاً ما هي أسمائهم ـ ولا حتى عددهم. قد يكون هناك ثلاثة أو ثلاثمائة على حد علمنا ولكن هناك شيء واحد نعرفه على وجه اليقين: أنهم لم يكونوا من الملوك. المجوس القدماء كانوا مستشارين سياسيين للملوك الشرقيين لكن لم يكن بينهم أي دم ملوكي.

 

ولكن أليس صحيحا أن المجوس كانوا منجمين؟ ألم يأمر الله بالموت للمنجمين في العهد القديم؟ “ليس دائماً” و”نعم” هما الأجوبة. ففي التثنية ١٧، يأمر الله شعبه بأن يقتلوا جميع المنجمين بالرجم. لن يكون لجين ديكسون فرصة للنجاة في مثل هذه الثيوقراطية! حقيقة أنها … وغيرها من أمثالها … يتم التسامح معها بشكل مريح … حتى أنها تحظى باحترام كبير! –في أمريكا الحديثة فهذا لأن أمريكا تعيش عصر ما بعد المسيحية في أحسن الأحوال.

 

لكن ماذا عن هذه المجوس القدامى؟ هل كانوا منجمين؟ فقد تبعوا نجما إلى بيت لحم. يمكننا ان نجيب عن هذا السؤال بثلاث طرائق:

اولا، لم يكن كل المجوس منجمين، لأن دانيال النبي كان رئيس المجوس في بلاط نبوخذنصر. ولا شك ان كثيرين من المجوس، من خلال تأثيره، اضطلعوا بواجباتهم الدينية والسياسية كعبّادٍ للإله الحقيقي الأوحد.

 

ثانيا، هناك بعض علماء الكتاب المقدس الذين يعتقدون أن إشعياء تنبأ بأن نجمة ستظهر عند ولادة المسيح. وإذا كان هذا التفسير صحيحا، فمن الواضح ان المجوس الذين عبدوا الملك المولود حديثا كانوا يتبعونه في درب دانيال، لأنه لا شك انه علّمهم من أشعياء.

 

ثالثا، على الرغم من أن قليلين يعتقدون أن “النجم” الذي رأوه كان ظاهرة طبيعية -مثل اقتران زحل والمشتري -هذا لا يمكن أن يفسر كيف وقف النجم فوق بيت لحم. من الواضح أن النجم كان من أصل خارق للطبيعة. إذا كان الامر كذلك، فلا علاقة له على الارجح بالتنجيم

 

لذلك، لم يشترك المجوس على الارجح في مثل هذه الحماقة الخرافية. إذا كان الامر كذلك، فقد كانوا حقا رجالا حكماء. رأيت ملصقا ذات يوم كتب عليه “الحكماء ما زالوا يبحثون عنه” في الحقيقة، ذلك لَيسَ دقيقَ جداً. يقول لنا الكتاب المقدس: “لا أحد يطلب الله ولا واحدا”. ولكن اذ هو يقودنا إلى نفسه هكذا نصبح حكماء. سيكون صحيح أكثر إذا قلنا إن الحكماء ما زالوا يعبدونه

 

أطفال بيت لحم

كان قتل هيرودس الكبير لأطفال بيت لحم من أبشع الفظائع في تاريخ البشرية. لكن هل حدث ذلك حقاً؟ في الاصحاح الثاني من انجيل متى، نقرأ انه عندما سمع هيرودس الكبير بولادة المسيّا، “كان مضطربا -وكل اورشليم معه”. ولاحقا، عندما لم يخبره الحكماء، غضب وأمر بذبح جميع الاولاد في بيت لحم ونواحيها حتى عمر سنتين!

 

تتبادر إلى ذهننا ثلاثة اسئلة فيما نتأمل في هذه الحادثة القاسية: اولا، كم عدد الاطفال الذين قتلهم هيرودس فعلا؟ ثانيا، كم كان عمر يسوع عندما حدث ذلك؟ وأخيرا، لماذا لا يسجل أي مؤرخ قديم آخر هذه الجريمة؟ بعبارة أخرى، هل حدث ذلك حقا؟

 

كم طفلاً قتل هيرودس؟ وقد اقترح بعض العلماء ما يصل إلى 200 شخص! ولكن أغلبهم يرفضون مثل هذه الأرقام. بيت لحم كانت مجتمعا صغيرا تقريبا ضاحية من ضواحي القدس والقرية نفسها -والريف المحيط بها -لا يكاد يوجد بها أكثر من 30 رضيعا من الذكور دون سن الثانية. يضع معظم العلماء اليوم العدد بين 20 و30.

 

لكن هذا لو أن الأطفال فقط قتلوا وفي الواقع، يمكن ان يعني النص اليوناني في متى ٢: ١٦ ‹ اطفالا › -لا مجرد ‹ اطفال اولاد ›. ومن الناحية النفسية، ربما لم يكلف أتباع هيرودس عناء التحقق من جنس ضحاياهم. قد يصل العدد إلى 50 أو 60.

 

ثانيا، كم كان عمر يسوع عندما حدث ذلك؟ وفقاً لأفضل دليل زمني، لا يمكن أن يكون عمره أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر. من المرجح أنه ولد في شتاء الخامس أو الرابع قبل الميلاد –هيرودس توفي في أوائل ربيع الرابع قبل الميلاد. إذن لماذا قتل هيرودس جميع الأطفال حتى سن الثانية؟ الجواب عن السؤال الثالث قد يساعدكم على الاجابة عن هذا السؤال.

 

ثالثا، لماذا لا يُسجَّل هذا الحدث خارج الكتاب المقدس؟ على وجه التحديد، لماذا لم يذكرها يوسيفوس، المؤرخ اليهودي في القرن الاول؟

يخبرنا يوسيفوس الكثير عن هيرودس. أفضل كلمة لوصف حكمه هي “سفاح”. قتل والد زوجته المفضلة، أغرق شقيقها، وحتى قتلها هي! وأعدم واحدا من أكثر أصدقائه ثقة، حلاقه، و300 من القادة العسكريين -كل ذلك في عمل يوم واحد! ثم قتل ثلاثة من أبنائه، واشتبه فيهم بالخيانة. ويخبرنا يوسيفوس أن “هيرودس ارتكب مثل هذه الجرائم على (اليهود) كما لا يمكن حتى لوحش أن يفعل لو كان لديه القدرة على الحكم على البشر” (آثار اليهود 17:310). قتل الأطفال ليس من المستبعَد على مثل هذا الملك القاسي وقتلهم حتى عمر السنتين ليتأكد من أنه جعل الطفل يسوع في صفوف الموتى بسبب غيرته المجنونة على السلطة.

 

ربما حذف يوسيفوس قتل الأطفال لأحد سببين: أولا، لم يكن صديقا للمسيحية وتركها عمدا؛ أو الثاني، قبل وفاة هيرودس مباشرة حبس 3000 من مواطني الأمة البارزين وأعطى أوامر بإعدامهم في ساعة وفاته. فقد اراد ان يتأكد ان يكون نوح عند موته… وقد انشغلت اسرائيل كثيرا بذلك حتى ان قتل بعض الاطفال لم يكن ليُلاحظ.

 

فقد ظن هيرودس انه انتصر على ملك اليهود. لكنَّ ذلك كان مجرد رمز إلى النصر الذي ظن الشيطان انه سيحققه عندما كان يسوع ميتا على صليب روماني. لكنَّ القبر الفارغ برهن ان تلك الجمعة المظلمة هي اسوأ هزيمة للشيطان!

 

خاتمة

لقد بحثنا في عدة جوانب من ولادة يسوع المسيح في هذه الدراسة القصيرة. الآن، نريد أن نضع كل ذلك معا. في شتاء 5 أو 4 قبل الميلاد، غزا الله التاريخ متخذا شكل الرجل. ولد في بلدة صغيرة جنوب القدس مباشرة. حتى ان بيت لحم، التي تعني ‹ بيت الخبز ›، استحقت اسمها ليلة شتاء وحيدة. لأنه هناك وُلد في تلك البلدة خبز الحياة.

 

وضعت والدته الملك الرضيع في مذود -أو حوض تغذية -لأن غرفة الضيوف التي كانوا يقيمون فيها كانت مشغولة. ولم يحتفل بولادة هذا الملك في تلك الليلة سوى امه وزوجها وعدد قليل من الرعاة. كان الرعاة في الحقول المحيطة ببيت لحم يحرسون الحملان التي ستموت في الفصح القادم ظهر لهم ملاك وأعطاهم إعلان الولادة: “اليوم في مدينة داود وُلد لكم مخلص، الذي هو المسيح الرب” (لوقا 2، 11). في إيمانهم البسيط، هرعوا لرؤية ملكهم المولود حديثا.

 

بفترة قصيرة بعد ولادة المسيَّا، وصل مجوس من الشرق إلى اورشليم وسألوا الملك هيرودس اين سيولد ملك اليهود الحقيقي. عرف اللاهوتيون في بلاط هيرودس الكتاب المقدس جيدا – فقالوا في “بيت لحم”. ومن المفارقات انهم برغم معرفتهم للكتب المقدسة فلمو يؤمنوا بها حتى انهم لم يكلفوا أنفسهم عناء السفر خمسة أو ست كيلومترات إلى بيت لحم لرؤية المسيَّا الخاص بهم. غير ان هيرودس آمن بالكتب المقدسة ولهذا السبب أرسل فيلقا من القتلة السفاحين إلى بيت لحم لذبح الأطفال الأبرياء، على أمل تدمير منافسه على عرشه. لكنه كان متأخراً جداً المجوس كان قد جاءوا ورحلوا ويسوع الآن في أمان في مصر.

 

والمجوس آمنوا بالكتاب المقدس لقد سافروا مئات الأميال لعبادة هذا الطفل لقد توجهوا إلى بيت لحم من خلال ظاهرة سماوية خارقة للطبيعة -ومن خلال الكتب المقدسة. فكما يظهر، كان دانيال النبي قد علَّم اسلافهم عن المسيَّا الآتي… فَلَمَّا رَأَوْا الْوَلَدَ سَقَطُوا وَعَبَدُوهُ هذا كان الرب الله المتجسد لم يكن بوسعهم فعل شيء آخر.

 

وأعطوه هدايا ذهب ولبان ومر كانت هذه هدايا غير تقليدية بأى معايير. الذهب بالطبع كلنا نفهم لكن اللبان والمر كانا غريبين فربما قرأوا نبوة اشعيا التي تقول: “ستأتي امم إلى نورك، وملوك إلى قيامتك… يجلبون ذهبا ولبانا ويحملون بشارة… “(اش ٦٠: ٣، ٦) وهذا ما يفسر اللبان وليس المرّ.

 

اما المرّ فكان عطرا كاللبان. ولكن على عكس اللبان، تفوح رائحة المرّ من الموت. في العالم القديم، كان يستخدم للتحنيط، وربما يسوع نفسه تم تحنيطه بهذا العطر (يو 19 :39)

 

إذا كان المجوس يفكرون في موت يسوع عندما جلبوا المرّ، فلا شك أنهم عرفوا ذلك من نبوة دانيال (9:24-27). في الفصل التاسع من دانيال نقرأ أن ‘المسيح سيقطع’ وهذا ‘سيكفِّر عن الظلم’ وفي النهاية ‘يجلب البر الأبدي’ (9، 26، 24) حتى عند ولادة مخلصنا، كان ظل الصليب يسقط على وجهه.

 

لم يصدق اللاهوتيون في بلاط هيرودس الاسفار المقدسة. لقد كانوا حمقى آمن هيرودس لكنه رفض الاطاعة كان رجلا مجنوناً الرعاة البسطاء والمجوس المهابون آمنوا بهذا المخلص الرضيع عسى ان نلحق بركابهم.

متى ولد المسيح؟ في أي سنة ولد المسيح؟​ – ماي روك (منتديات الكنيسة العربية)

متى ولد المسيح؟ في أي سنة ولد المسيح؟​ – ماي روك (منتديات الكنيسة العربية)

متى ولد المسيح؟ في أي سنة ولد المسيح؟​ – ماي روك (منتديات الكنيسة العربية)

في كل شهر ديسمبر من كل سنة يتكرر السؤال عن متى ولد المسيح وفي أي سنة وفي أي يوم بالتحديد. ونحن نتقرب من فترة الأحتفال بأعياد الميلاد المجيدة يتكرر هذا السؤال على بالنا وبال اشخاص كثيرين في حياتنا.
بطبيعة الحال الكتاب المقدس لا يُعلن تاريخ ولادة المسيح بالتحديد والموضوع كُتبت فيه الكثير من المقالات الذي فيه سألخص فيه وبصورة مبسطة ما يؤمن فيه اغلبية علماء الكتاب المقدس.

بالرغم من ان الكتاب المقدس لا يقدم تاريخ مُحدد بيوم وسنة الا ان فحص وتتبع الأحداث الزمنية والتاريخية والشخصيات التاريخية تساعدنا في حصر تاريخ ولادة المسيح في فترة صغيرة نستطيع الإعتماد عليها.

الإشارة الأولى هي موت هيرودس

إنجيل متى 2 : 1 يذكر لنا ان المسيح ولد ايام الملك هيرودس. نحن نعلم من التاريخ ان هيرودس مات في سنة 750 بحسب التقويم الروماني وهو ما يقابل سنة 4 قبل الميلاد بحسب التقويم الميلادي (سنأتي له في الاسطر القادمة).

 

الإشارة الثانية هي حكم أوغسطس قيصر

إنجيل لوقا 2: 1 يذكر لنا ان أوغسطس قيصر حكم بين سنة 27 قبل الميلاد والى سنة 14 بعد الميلاد.

 

الإشارة الثالثة هي ولاية كيرينيوس

إنجيل لوقا 2: 1 يذكر لنا ان كيرينيوس كان والي سورية وهناك سجلات تاريخية تذكر الإكتتاب الذي من المحتمل ان يكون هو نفسه المذكور بإنجيل لوقا. هذا الإكتتاب كان بين سنة 6 و 5 قبل الميلاد.

الإشارة الرابعة هي بدأ خدمة المسيح

إنجيل لوقا 3: 23 يذكر لنا ان المسيح أبتدأ خدمته وهو نحو الثلاثين سنة عندما كان يوحنا المعمدان في البرية والذي بدأ خدمته في سنة 15 من حكم طيباريوس قيصر والتي تقارب ما بين سنة 27 و 29 ميلادية. فاذا كان المسيح بين 32 سنة كما هو المرجح فأن تاريخ ولادة المسيح يتفق من جديد بكونه بين سنة 6 و 4 قبل التقوييم الميلادي

التقوييم الميلادي

من المهم جداً توضيح إن التاريخ الميلادي الحالي لا يؤرخ تاريخ ميلاد المسيح بصورة صحيحة اي إن سنة 1 ميلادية هي ليست سنة ميلاد المسيح.

قصة بدأ التاريخ الميلادي ترجع لسنة 525 ميلادية، عندما آمر البابا يوحنا الأول ديونيسيوس الصغير السيثي بتحضير تقويم للكنيسة الغربية. قام ديونيسيوس الصغير بالتعديل و الإضافة على التقويم الأسنكدري المبني من فترة حُكم حاكم الإمبراطورية الرومانية ديوكلتيانوس الذي كان مضطهِداً للكنيسة و قاتلاً و ملاحقاً للمسيحيين في أخر ايامه. سنة 1 ميلادية التي عينها ديونيسيوس في تقويمه قابلت سنة 754 بحسب التقويم الروماني الذي كان مبني على بداية تشييد مدينة روما.

الخلاصة

تاريخ ولايدة المسيح غير مُعلن في الإنجيل لكن من المرجح ان يكون بين سنة 6 الى 4 قبل الميلاد بحسب التقوييم الميلادي الذي تم إعداده في القرن السادس. من غير المعروف طريقة إعداد هذا التقوييم لكن لدينا إشارات كتابية ترجح وبقوة الى ان تاريخ ميلاد المسيح لم يكن في سنة 1 بحسب التقوييم الميلادي بل قبلها ب 6 الى 4 سنين.

للتعمق أكثر في الموضوع انصح بقراء الموضوع التالي: ولادة المسيح المذكورة في الأناجيل وتناسقها وتوافقها مع التاريخ والمؤرخين​ – ماي روك (منتديات الكنيسة العربية)

الموضوع القادم هو: هل ولد المسيح في يوم 25 ديسيمبر؟ وهل هذا اليوم هو عيد وثني؟

تابعونا.

سلام ونعمة.

متى ولد المسيح؟ في أي سنة ولد المسيح؟​ – ماي روك (منتديات الكنيسة العربية)

كتاب بستان الميلاد ج6 PDF – كنيسة الشهيدين أبي سيفين ودميانة بشبرا

كتاب بستان الميلاد ج6 PDF – كنيسة الشهيدين أبي سيفين ودميانة بشبرا

كتاب بستان الميلاد ج6 PDF – كنيسة الشهيدين أبي سيفين ودميانة بشبرا

كتاب بستان الميلاد ج6 PDF – كنيسة الشهيدين أبي سيفين ودميانة بشبرا

تحميل الكتاب PDF

كتاب شهود الميلاد المجيد PDF القمص بيشوى عبد المسيح

كتاب شهود الميلاد المجيد PDF القمص بيشوى عبد المسيح

كتاب شهود الميلاد المجيد PDF القمص بيشوى عبد المسيح

كتاب شهود الميلاد المجيد PDF القمص بيشوى عبد المسيح

تحميل الكتاب

كتاب تأملات في الميلاد – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب تأملات في الميلاد – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب تأملات في الميلاد – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب تأملات في الميلاد – البابا شنودة الثالث PDF

تحميل الكتاب PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

 

محتويات الكتاب:

هل يمكن الإجابة عن جميع أسئلتي؟

 * أسئلة عن الله

لماذا يبدو الله مختفيا ؟

ألا يتطلب التصديق في الله إيمانا؟

هل من الخطأ أن تكون لدينا شكوك نحو الله؟

ما هي البراهين والأدلة المتاحة بشأن وجود الله ؟

 6.ما هي الحجة الأولى لوجود الله؟

ما هي خجة التصميم على وجود الله؟

ما هي حجة القانون الأخلاقي لوجود الله؟

ما هي حجة التجربة الشخصية لوجود الله؟

۱۰. إن كان الله هو تبع كل شيء، فمن أوجد الله إذن؟ أو ما سبب وجوده؟

۱۱. من هو الله؟

 ۱۲. من هو الروح القدس؟

 ۱۳. ما المقصود بأن الله ثالوث؟

هل الله ذكر أم أنثى؟

هل يمكن أن يرتكب الله خطية مثل الغيرة؟

من أين يأتي الشر؟

 ۱۷. ما هو الشر؟

۱۸. ما الذي يجعل الناس يخطون اليوم؟

إن كان الله محبا للغاية، فلماذا لا يكون أكثر تساهلا مع الخطية؟!

۲۰. لماذا خلق الله البشر؟

 ۲۱. هل خلق الله كائنات ذكية عاقلة أخرى غير البشر؟

 ۲۲. هل من الممكن فعلا معرفة الحق؟

 ۲۳. هل بعض الحق هو تفضيل شخصي؟

هل الله متحيز جنسيا؟

هل الله عنصري؟

26.هل الله يتمسك بحرفية الشريعة؟

 ۲۷. هل الله عنيف؟

۲۸. هل الدين هو السبب الحقيقي للعنف في العالم؟

۲۹. هل يمكن أن يبيد الله البشر إبادة جماعية؟

۳۰. كيف يمكن لإله محب أن يلقي البشر في الجحيم؟

 ۳۱. هل الله يعاقب البشر من خلال الكوارث الطبيعية؟

۳۲. لماذا يسمح الله بالألم؟

 ۳۳. لماذا لا يوقف الله الألم؟

هل لدي الله مشاعر وعواطف؟

هل الله يحب جميع البشر بغض النظر عن توجههم الجنسي؟

هل الله ينخرط في السياسة؟

 ۳۷. كيف يمكن أن نعرف مشيئة الله في حياتنا؟

۳۸. هل ادعى يسوع حقا أنه الله؟

۳۹. أليس من العجرفة الادعاء بأن المسيحية هي الدين الحقيقي الوحيد؟

كيف نعرف أن يسوع عاش حقا على الأرض؟

كيف ادعى يسوع وأثبت أنه الله؟

ما هو الدليل على أن يسوع هو المسيح؟

هل يوجد دليل على ميلاد يسوع من عذراء؟!

هل يوجد دليل على قيامة يسوع من الأموات؟

لماذا احتاج يسوع أن يموت؟

لماذا تعد قيامة يسوع محورية للغاية في المسيحية؟

كيف كان البشر يكفرون عن خطاياهم ويصلون إلى الله قبل موت يسوع؟

ما هي كنيسة الله؟

ما الذي سيفعله يسوع في مجيئه الثاني؟

كيف أختبر شخصيا العلاقة مع الله؟

* أسئلة عن الكتاب المقدس

من أين أتى الكتاب المقدس؟

ماذا يعني أن الكتاب المقدس موحی به؟  

هل الكتاب المقدس منتج إلهي أم بشري أم كلاهما؟

أليس الكتاب المقدس مليئا بالأخطاء والتناقضات؟

هل أخطأ العهد الجديد باقتباسه من العهد القديم؟

كيف نعرف أن الكتاب الذي بين يدينا اليوم هو كلمة الله

هل حدث استبعاد لبعض الأسفار «الموحی بها» من كتابنا المقدس الحالي؟

كيف يمكن أن تكون تعاليم الثقافات القديمة بالكتاب المقدس مفيدة لنا اليوم؟

من أين تأتي التفسيرات الخاطئة للكتاب المقدس؟

كيف تفسر الكتاب المقدس تفسيرا صحيا؟

هل يمكن أن يبقى المسيحيون في وحدة إن احتفظوا بتعاليم متناقضة من الكتاب المقدس؟

هل كل شرائع العهد القديم ملزمة لنا اليوم؟

هل أي من الأعياد اليهودية في الكتاب المقدس لها مغزى للمسيحيين اليوم؟

ما هو الغرض الحقيقي للكتاب المقدس ؟

هل العهد القديم موثق تاريخيا؟

هل العهد الجديد موثق تاريخيا؟

ما الفرق بين الكتاب المقدس في المسيحية واليهودية؟

ما الفرق بين الكتاب المقدس والقرآن؟

ما الفرق بين الكتاب المقدس في المسيحية وكتاب المورمون؟

۷۰. كيف يختلف الكتاب المقدس للروم الكاثوليك عن نظيره لدى البروتستانت؟

۷1. متى ترجم الكتاب المقدس إلى لغات أخرى؟

۷۲. هل أي من ترجمات الكتاب المقدس موحي بها؟

۷۳. إن كان مترجمو الكتاب المقدس قد ارتكبوا أخطاء أفلا يجعله ذلك غير دقيق ؟

كيف يمكن اختيار ترجمة إنجليزية دقيقة للكتاب المقدس؟

لماذا يوجد عدد كبير من التراجم الإنجليزية للكتاب المقدس؟

ما هي المصادر التي أحتاجها لتفسير الكتاب المقدس بدقة؟

۷۷. كيف يمكنني اختبار الكتاب المقدس شخصيا؟

 

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version