ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

كتاب لمؤلفَيه: بنيامين شاو (Benjamin Shaw) وغاري هابرمس (Gary Habermas)

 

منذ سنوات، التقيت بـ”بنيامين شاو” في مؤتمر دفاعيات مسيحية، وكان وقتها مساعدًا بحثيًّا لـ”غاري هابرمس” – الذي يُعتَبَر أحد أعظم المتخصصين فيما يتعلق بقيامة يسوع. من الرائع أن نرى “شاو” ينشر كتابه الأول حول موثوقية العهد الجديد، في حين أن هناك كتبًا كثيرة عن تاريخية العهد الجديد (مثل كتاب كريغ بلومبرغ Craig Blomberg الضخم “الموثوقية التاريخية للعهد الجديد”) لطالما شعرت أننا بحاجة إلى المزيد من الموارد التي تكون موجزة وتتطرّق إلى النقاط الحقيقية والهامّة حول موثوقية العهد الجديد. يرجى ملاحظة أنني لا أقول أننا لم نعد بحاجة إلى كتاب بلومبرغ. إنه كتاب رائع. لكن كتاب شو يساعد في سد الفجوة هنا!

يقدم شاو عرضًا منهجيًا وتمهيديًا لموثوقية العهد الجديد من خلال استناده إلى 13 نقطة (انظر الصفحات 6-8).  سأقدم ملخصًا صغيرًا بالإضافة إلى بعض المداخلات أيضًا.

بنيامين شاو (Benjamin Shaw)

أدلة نصية للعهد الجديد

هل العهد الجديد الذي نقرأه اليوم هو نفسه الذي كُتب قديمًا؟ وكيف نعرف ذلك؟

يقول شاو:

“النقاد النصّيون هم علماء يقارنون مخطوطات مختلفة من كتابة قديمة مثل أفلاطون أو إنجيل متى. ولأنّنا لا نملك المخطوطات الأصلية (autographs)، فإنهم يقارنون النسخ المختلفة للتأكد إن كان النصّ الحالي، كما نقرأه، يعكس النصّ الأصلي على نحو وثيق. العهد الجديد يُعدّ أفضل نصّ موثّق في العالم القديم. هناك أكثر من 5000 مخطوطة باللغة اليونانية وحدها – بعضها يعود إلى قرن أو قرنين بعد وقت تأليف الأصل. ومع هذا الكمّ من النُّسَخ، من الطبيعي حدوث اختلافات بين المخطوطات (خصوصًا وأنها جميعها مكتوبة يدويًا). أغلب الاختلافات عرضي مثل أخطاء هجاء، ويقر النقّاد النصّيون، حتى المشكّكون منهم، بأنّ جوهر المسيحية لم يتأثر بأيّة اختلافات نصّية.” – صفحة 21.

من المفيد أيضًا أن نتذكر كلام “بارت إيرمان” (Bart Ehrman)، أحد أبرز نقّاد الكتاب المقدس الناقد لفكرة الثبات النصي، عندما يقول:

“لقد نجح علماء النصّ الكتابي إلى حدّ مقبول في إعادة بناء النصّ الأصلي للعهد الجديد. وباستثناء اكتشافات مستقبلية غير عادية أو تغييرات جذرية في الأسلوب، فمن غير المحتمل أن يتغيّر جوهر نص العهد الجديد اليوناني المطبوع بشكل كبير.” (من The Text of the New Testament in Contemporary Research, الطبعة الثانية، ص. 825)

غاري هابرمس (Gary Habermas)

أنواع نصوص العهد الجديد وتوقّعات الجمهور

كيف كان القراء القدامى يفهمون أسفار العهد الجديد؟

إذا كان القراء يتوقعون أن تكون الروايات تاريخية، فإن هذا من شأنه أن يضيف إلى مصداقية النص من حيث أنه كان من المتوقع أن يؤخذ على محمل الجد. ومن ناحية أخرى، إذا كان الجمهور يعرف أنها روايات خيالية، فإن ذلك سيشير إلى أن المؤلفين كانوا أحراراً في اختراع مادة خيالية.

يشرح شاو، باعتماد جزئي على دراسات “ريتشارد بورّيدج” (Richard Burridge):

الأناجيل تُصنّف ضمن السير اليونانية–الرومانية (Greco-Roman biographies)، وليس ضمن الروايات الخيالية، وهذا يعني أنّ كُتّاب الأناجيل لم يكونوا حرّين في تأليف أحداث خيالية، خلافًا لما يحدث في الروايات. وأما رسائل بولس، فكانت موجهة داخل الكنائس، وتُعدّ جزءًا من التواصل الداخلي، وليست موجهة لتشكيل رأي أو دعاية لغير المؤمنين. – صفحة 31.

يجدر بي أن أذكر أن هناك نقاشًا مستمرًا حول التصنيف الأدبي للأناجيل. أوصي بقراءة الفصل المعنون “تصنيف الأناجيل الأدبي” (The Genre of the Gospels) بقلم وِس أولمستيد (Wes Olmstead)، ضمن كتاب حالة دراسات العهد الجديد The State of New Testament Studies، وهو سلسلة من المقالات حررها سكوت مكنايت (Scot McKnight) ونيجاي ك. غوبتا (Nijay K. Gupta).

لكن عندما سمعت لأول مرة بالدعوة لتصنيف الأناجيل ضمن السير الذاتية اليونانية-الرومانية (Graeco-Roman Biography)، وجدت نفسي أتساءل:

هل من الممكن أن الأناجيل تندرج أكثر ضمن سيرة ذاتية يهودية؟

مع ذلك، مما أستخلصه، فرغم أن الأناجيل تحتوي على العديد من العناصر اليهودية، فإنّه باستثناء محتمل لكتاب “حياة موسى” لفيلو السكندري (Philo’s Life of Moses)—والذي لا يعتبره كثير من العلماء سيرةً بالمعنى الدقيق—فليست لدينا أمثلة واضحة على سير ذاتية مكتوبة لرجال دين يهود معاصرين للمسيح.

تأريخ أسفار العهد الجديد

متى كُتبت هذه الأسفار؟ إن الأحداث التي يتم توثيقها بشكلٍ مكتوب في وقت أقرب إلى وقت حدوثها هي المفضَّلة بشكل عام على تلك التي تُوثَّق في وقت لاحق. إذا كانت هذه الأعمال قد كُتبت خلال حياة الرسل، فهذه علامة جيدة.

يشير شاو إلى أن هناك بحثًا حديثًا لـ “جوناثان بيرنييه” (Jonathan Bernier) في كتابه Rethinking the Dates of the New Testament، يرى أنه من الممكن أن الأناجيل الأربعة جميعها كُتبت قبل رسائل بولس نفسها. لكن هذا الرأي لم يُعتمد إجماعيًا بعد، وَفقًا لكريج بلومبرغ الذي لا يقبله لتأريخ إنجيل يوحنا قبل 90م.

شاو يجد أن الأناجيل كلها كُتبت خلال حياة جيل شهود العيان على حياة يسوع وخدمته. من المقبول على نطاق واسع أن الأناجيل كُتبت خلال عقود من حياة يسوع. بينما تُعد رسائل بولس أقدم، إذ كُتبت بعد نحو 20 عامًا من موت يسوع. – صفحة 42.

تأليف أسفار العهد الجديد

من كتب هذه الأسفار؟ وهل هم مشاركون مباشرون (أو كانوا يعرفون مشاركين مباشرين) في الأحداث؟

يقول شاو أنه من بين الرسائل الـ13 المنسوبة إلى بولس، فإن سبعًا منها يقبلها حتى المشككون من النقاد كأصيلة ومكتوبة من قبل بولس نفسه، بالنسبة لي، هناك حجج قوية تؤيد أصالة الرسائل كلّها.

ويقول أيضاً “رغم أن الأناجيل تُعتبَر من الناحية الفنية مجهولة الاسم (technically anonymous)، إلا أنه من غير المرجّح أنها كانت مجهولة عمليًا (functionally anonymous)، أو أنها كُتبت بنية إخفاء هوية كُتّابها.”

ويُضيف:

“هناك توافق مذهل على أسماء الكتّاب المرتبطة بكل إنجيل، وقد ظهر هذا التوافق في وقت مبكر. الأسماء الوحيدة المرتبطة بالأناجيل الأربعة هي: متى (Matthew)، ومرقس (Mark)، ولوقا (Luke)، ويوحنا (John).” – ص. 52

ما معنى “مجهولة عمليًا”؟

يقول شاو: “وفقًا لهذا، حتى ينجح الادّعاء القائل إن الأناجيل كانت مجهولة عمليًا، فسيكون علينا أن نُصدّق أن الأناجيل نُسِخت مرات عديدة، بواسطة أشخاص مختلفين وكنائس مختلفة، وعلى مدى مناطق جغرافية واسعة، ولفترة زمنية طويلة. وأثناء هذه العملية، قررت هذه الكنائس المختلفة في مناطق متفرقة من حوض البحر الأبيض المتوسط أن تبدأ فجأة بإعطاء أسماء مؤلفين لهذه الكتابات. وحدث أن جميعها اختارت نفس الاسم لكل إنجيل.

وليس مرة واحدة فقط، بل أربع مرات – لكل إنجيل من الأناجيل الأربعة. هذا السيناريو يبدو مستبعدًا جدًا، بل عشوائيًا وملفّقًا. الأرجح أن الأناجيل كانت تحمل هذه الأسماء منذ البداية، لأنها ببساطة لم تكن مجهولة.” – ص. 48-49.

تقاليد العقائد في العهد الجديد (New Testament creedal traditions)

أولاً: ما المقصود بـ “تقليد عقائدي” (creedal tradition)؟

وفقًا لشاو، التقليد العقائدي هو عبارة عن مقطع قصير محفوظ شفهيًا، كان يُتداول داخل الكنيسة الأولى قبل تدوين العهد الجديد.

ثانيًا: ما علاقتها بالمزاعم في العهد الجديد؟

هذه الصيغ ليست تلك التي ظهرت لاحقًا مثل قانون نيقية، بل هي صيغ داخلية داخل العهد الجديد نفسه وتستخدم كأدلة قوية.

يقول شاو:

“يوجد العديد من التقاليد العقائدية في العهد الجديد. هذه العقائد تعبّر عن تقاليد شفهية كانت موجودة قبل كتابة العهد الجديد نفسه. من المقبول على نطاق واسع بين العلماء أن التقاليد التي يذكرها بولس تعود إلى حوالي الثلاثينيات الميلادية. نعلم أن بولس التقى بشخصيتين كبيرتين في المسيحية: بطرس (Peter) ويعقوب (James) بحسب غلاطية 1، واحدة من أقدم العقائد في العهد الجديد تبدأ في 1 كورنثوس 15:3، وهذه العقيدة مرتبطة بشهود عيان مثل بطرس ويعقوب وبولس نفسه. وتعتبر أقدم دليل تاريخي على قيامة يسوع، لأنها سبقت الأناجيل ورسائل بولس.” (ص. 61–62)

عليَّ أن أذكر أن هذه الحُجَّة تدحض فكرة أن العقائد ظهرت كزخرفة أسطورية بعد زمن طويل؛ بل إن الأناجيل والشهادات بدأت تُشكّل بُعيد وقت قريب من موت وقيامة يسوع.

المعايير التاريخية (Historical criteria)

ما الذي يُقنع المؤرخين أن حدثًا ما قد وقع فعلاً؟

يستخدم المؤرخون معايير عدة تزيد من احتمال وقوع الحدث إذا ما تم استيفاؤها، وهي تساعدهم في البحث حتى في المصادر التي يعتبرونها غير موثوقة، مشكوكًا فيها أو منحازة.

يقدم شاو أربعة معايير تنطبق على تنبؤ يسوع بموته وقيامته:

  • التواتر أو الشهادات المتعددة (Multiple attestation):

تكررت هذه التنبؤات في مصادر متعددة: على سبيل المثال، يخبر يسوع تلاميذه عن موته الوشيك وقيامته، فيقوم بطرس بتوبيخه. فيرد عليه يسوع بكلمات قوية: “اذهب عني يا شيطان”.

هذا الحدث مذكور في:

  • مرقس 8:31–33
  • متى 16:21–23
  • أما في لوقا 9:22، فذُكرت النبوّة فقط، دون ردّ بطرس أو توبيخ الرب له.

ومع ذلك، حين يرد الحدث نفسه في مرقس ومتى ولوقا (وهي الأناجيل الإزائية أو “Synoptic Gospels”)، يُعتبر في البحث النقدي عادةً كمصدر واحد فقط، [لأن هذه الأناجيل تعتمد جزئيًا على نفس المصادر أو التقاليد الشفهية.]

  • تعدد الصيغ (Multiple forms):

مذكورة في الأناجيل، وفي عقائد كـ 1 كورنثوس 11:24–25، ومن خلال الأمثال التي ضربها يسوع كمثل الكرّامين الأشرار (مرقس 12: 1-12). وعلامة يونان (متّى 12: 38-40) مثال آخر. وهكذا نجد تقارير عن هذه النبوءات في صيغ متعددة (روايات، عقائد، أمثال… إلخ).

  • التوثيق المبكّر (Reported early):

الأحداث الموجودة في صيغ متعددة، مثل تلك التي ذكرناها، تعتبر مبكرة. بالإضافة إلى ذلك، نجد المادة العقائدية في بولس تشير إلى العشاء الأخير. وبالطبع، نجدها أيضًا في أقدم إنجيل، إنجيل مرقس.

  • الشهادة المحرجة (Embarrassing testimony):

على سبيل المثال، توبيخ بطرس (Peter) للرب يسوع يمكن أن يُعد أمرًا محرجًا بحد ذاته (مرقس 8:32)،

لكن ما هو أكثر إحراجًا هو أن يسوع نفسه ينادي بطرس: “اذهب عني يا شيطان” (مرقس 8:33)!

وهذه الحادثة أكثر حساسية لأنها تتعلق بـ”بطرس”، الذي أصبح لاحقًا من أعمدة الكنيسة الأولى كما يشهد بولس في غلاطية 2:9.

والأمر اللافت أن هذا الحدث مذكور في إنجيل مرقس، الذي بحسب التقليد الكنسي يُعتبر مترجم بطرس.

لذلك، من غير المنطقي أن يكون بطرس قد اخترع رواية تظهره في موقف كهذا، ما يؤكد مصداقيتها.

لا يقف الأمر هنا، بل هناك أمور أخرى محرجة في النص: طريقة موت يسوع محرجة للغاية (1 كو 1: 23)، والبعض يرى أن صلاة يسوع في بستان جثسيماني قبل الصلب مربكة للغاية (مرقس 14: 32-41). – الصفحات. 69-70.

ويضيف شاو:

“المعايير التاريخية هنا شائعة الاستخدام اليوم للتقارير الحالية. وهي تزيد من احتمال وقوع الحدث، وتطبق على مصادر يُحتمل أن تكون موثوقة أو غير موثوقة على حد سواء.” (ص. 71)

المصادفات غير المقصودة (Undesigned coincidences)

لماذا تبدو نفس الرواية مختلفة عندما ترد في مصدرين مختلفين؟ ما الذي يجب أن نفكر فيه إذا كانت الروايتان تتفقان معًا مثل قطع الأحجية وتشكلان صورة أكبر؟ عندما يضيء توثيقان مستقلان بعضهما البعض بطرق تبدو غير مصمَّمة أو مقصودة، يمكن أن يزيد ذلك من احتمالية وقوع الحدث.

يرجع شاو إلى عمل “ليديا مكغرو” (Lydia McGrew):

“المصادفات غير المقصودة تحدث عندما تؤكّد نصوص مختلفة بعضها البعض دون قصد. من الصعب تصور وجود مثل هذا التطابق في مصدرين خياليين. هذه المطابقة تزيد من موثوقية الروايات لأنها تقدم تأكيدًا متبادلًا.” (ص. 80)

علم الآثار (Archaeology)

هل هناك أي دليل مادي يدعم الادعاءات الواردة في العهد الجديد؟ هل وصلتنا أية بقايا مادية تؤثر على فهمنا للعهد الجديد؟ هل هناك اكتشافات أثرية تتحدى العهد الجديد؟ يمكن للأدلة المادية التي نجت حتى الوقت الحاضر أن تلقي الضوء على جوانب مختلفة من الادعاءات الواردة في العهد الجديد، والتي يمكن أن تظهر إما أنها متسقة أو غير متسقة.

كما يقول شاو:

“علم الآثار يشكل بُعدًا خاصًا لدراسة الماضي، فهو يؤكّد البقايا المادية، ويضيف مصداقية للأحداث الموصوفة مثل قبر قيافا مقارنة بأدواره في النصّ. هناك اكتشافات أثرية تسهم في تعزيز موثوقية العهد الجديد، مثل تحذير الهيكل و’يوحنا’ Yohanan ضحية الصلب.” (ص. 89)

يجب أن أشير إلى أن هناك العديد من الاكتشافات الأثرية التي تؤيد شهادة العهد الجديد. انظر عمل تيتوس كينيدي Titus Kennedy في هذا الشأن.

المصادر غير المسيحية (Non-Christian sources)

ماذا تذكر المصادر غير المسيحية؟ هل هناك مصادر تؤكد تعاليم العهد الجديد أو تتفق معها؟ هل هناك مصادر تطعن في تقارير العهد الجديد؟ إذا كانت المصادر غير المسيحية تؤيد مزاعم العهد الجديد، فيبدو أن هذا سيضيف موثوقية لنصوص العهد الجديد.

يقول شاو:

“هناك مصادر غير مسيحية خارج العهد الجديد تشير إلى يسوع أو المسيحيين الأوائل: مثل نصوص موسّعة ليوسيفوس، وتاسيطوس، وبلينيوس الأصغر. رغم الطعون عليها، يُمكن استعادة نص يوسيفوس وتثبيته كمصدر غير مسيحي يدعم الرواية المسيحية. لا تذكر هذه المصادر مثلًا أن المسيح صُلب في مصر أو اليونان.” (ص.99)

وبينما أتفق مع هذا، عندما يطلب مني الناس كتابات خارج العهد الجديد، أسألهم دائمًا لماذا لا يمكنهم الوثوق بالعهد الجديد؟ يجيبون عمومًا بالقول إن المؤلفين متحيزون.

وعن التحيز المسيحي، يوضح شاو:

“أريد أن أؤكد أنه لمجرد أن المؤلف مسيحي، فإن هذا لا ينفي تلقائيًا ما يقوله ذلك المؤلف. ما يُطلب منا حينها فقط أن نكون على دراية بتحيز المؤلف (وكذلك تحيزنا). يرى المتشكك بارت إيرمان Bart Ehrman أنّ أياً من المؤرخين لن يرفض الروايات المبكرة من حرب الاستقلال الأمريكية فقط لأن مؤلفيها كانوا أمريكيين، بل ينبغي استخدامها كمصادر هامة. ويتضمن ذلك روايات جورج واشنطن وأنصاره. “إن رفض استخدامها كمصادر،” يكتب إيرمان، “يعني التضحية بأهم السبل المتاحة لنا للماضي، وعلى أسس أيديولوجية بحتة، وليس تاريخية.” ما هو تأثير ذلك على الأناجيل؟ يجيب: “وكذلك الأناجيل.”- ص. 92.

المصادر المسيحية غير القانونية (Noncanonical Christian sources)

ماذا تقول هذه المصادر؟

بمعنى آخر، ما الذي كانت الكنيسة الأولى تقوله عن يسوع والرسل؟ هل ترسم هذه المصادر صورة متسقة مع العهد الجديد؟ أم أنها تقدم تعاليم جديدة ومختلفة؟ إن كانت هذه المصادر تؤكد ما ورد في العهد الجديد، فهذا يعزز موثوقيته ويضيف طبقة أخرى من الاعتماد عليه.

يشير شاو:

“هذه المصادر ليست ضمن العهد الجديد، لكنها مبكرة وتقدم نظرة قيّمة على المسيحية الأولى، مثل:

  • كليمنضس الروماني (Clement of Rome)
  • إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch)
  • بوليكاربوس أسقف سميرنا (Polycarp of Smyrna)

(ص.107)

الأسفار القانونية ومصداقية العهد الجديد (New Testament Canon and Credibility)

كيف أصبح العهد الجديد مجموعة واحدة من الأسفار؟

وماذا عن الكتب التي لم تُدرج ضمن هذه المجموعة؟

هل هي أفضل من حيث الشهادة التاريخية؟

وإذا كانت الكنيسة قد جمعت العهد الجديد بناءً على معايير اعتمدت على النصوص الموثوقة، فهل هذا يدل على أن هذه الأسفار فعلاً يمكن الوثوق بها؟

يشرح شاو هذه المسألة قائلًا: “المعايير تساعد فعلاً على فهم تكوين القانون، لكن سيكون من الخطأ التاريخي (an anachronism) أن نقول إن الكنيسة الأولى كانت تبحث هنا وهناك عن كتابات موثوقة لتجميعها. بل بالحقيقة، كانت الكنيسة تملك بالفعل بعض الكتابات التي كانت تؤمن أنها موثوقة بدرجات متفاوتة.

بمعنى آخر، فإن المعايير التي استُخدمت لاحقًا لتحديد قانونية الأسفار، لم تكن عملية تقرير لما يجب أن يُضم، بل كانت محاولة من الكنيسة لـتفسير وتوضيح ما كان بين يديها أصلًا.

وهكذا، فإن هذه المعايير المعقولة تُقدّم زاوية واحدة فقط لفهم كيفية تكوُّن الأسفار القانونية للعهد الجديد.

ويقتبس شاو من العالِم الشهير بروس متزجر (Bruce Metzger) قوله:

“الكنيسة لم تُنشئ قانون العهد الجديد، بل جاءت لتعترف به، وتقبله، وتؤكده، وتُثبت الصفة الذاتية للتوثيق التي تميّزت بها بعض الأسفار، والتي فرضت نفسها على الكنيسة باعتبارها معتمدة وموحى بها. وإذا تم تجاهل هذه الحقيقة، فإن المرء لا يقع في صراع مع العقيدة فحسب، بل مع التاريخ ذاته.” (ص. 111)

التحوّل الروحي والحياتي (Spiritual and life transformation)

هل يوجد دليل على تغيُّر حقيقي في حياة الناس بما يتوافق مع تعاليم العهد الجديد؟

بمعنى آخر: إن كانت روايات العهد الجديد عن حياة يسوع وأعماله صحيحة، ومعها تعاليم الكنيسة الأولى، فينبغي أن نرى آثارًا واضحة لذلك من خلال التغيير في حياة الأفراد.

أعتقد أن هذه النقطة كثيرًا ما يُتغافل عنها، وأنا سعيد لأن شاو قد أشار إليها.

لقد قابلت عددًا كافيًا من المورمون والمسلمين الذين قالوا لي إن كتاب المورمون أو القرآن قد غيّر حياتهم.

ويقول شاو:

“لأكون واضحًا، أنا لا أقول إن مجرد تأثير كتاب ما يجعله موثوقًا، ولا أقول إن التحوُّل في حياة الإنسان يعني تلقائيًا أن مصدره موثوق.

ما أريد التأكيد عليه هو أن الحجّة هنا تتعلق بالاتساق (consistency).

من الواضح أن هناك كتبًا قد يكون لها تأثير كبير، ومع ذلك تكون خاطئة أو غير موثوقة.

فالأثر أو التغيير لا يُثبت الموثوقية، ولكنه يتّسق معها.

الفكرة هنا هي: إن كانت تعاليم العهد الجديد، على وجه التحديد، صحيحةً بالفعل، فمن الطبيعي أن يشعر الأفراد والمجتمعات بتأثيرها في حياتهم.” – ص. 119

ويتابع قائلاً:

“أنا لا أزعم أن تأثير المسيحية بحد ذاته يثبت موثوقيتها، بل أقول إن هذا التأثير ينسجم مع كونها موثوقة.

فإن كانت المسيحية حقًا، فنتوقّع أن يكون لها الآثار التي وصفها المؤرخ ليكي (Lecky).

وكما يشير المفكّر مانغالوادي (Mangalwadi)، فعندما نقرأ العهد الجديد ونفهمه بعمق، فإن تعاليمه تواجهنا وتتحدّانا.

ملايين الناس قرأوا هذه النصوص، اكتشفوا خطاياهم، وتابوا، وتركوا حياة الشر، وتبعوا يسوع.

هذه الخبرات المباشرة قادت إلى تغيّرات جذرية، لدرجة أن حتى من حولهم شهدوا على التغيير في حياتهم بشكل غير مباشر.” – ص. 127

المقاربة القائمة على “الوقائع الدنيا” (Minimal Facts approach)

هل يمكن تأكيد الوقائع الأساسية في رسالة الإنجيل، حتى لو كانت بعض جوانب العهد الجديد غير موثوقة بنظر البعض؟

هل هناك حقائق تاريخية عن موت يسوع وقيامته يتفق عليها العلماء من خلفيات لاهوتية مختلفة، لأنها مدعومة بأدلة قوية؟

إن كان الجواب نعم، فهذا يعطي قوة إضافية للحجج التي سبقت في النقاط الاثنتي عشرة أعلاه.

يعرض شاو هنا ما يُعرف بـ”المقاربة القائمة على الوقائع الدنيا” (Minimal Facts Approach). وتقوم هذه المقاربة على معيارين:

  • أن تكون هذه الوقائع مدعومة بأدلة تاريخية متعددة.
  • أن يكون هناك إجماع واسع بين العلماء من مختلف الخلفيات (من المشككين إلى المؤمنين) حول صحة هذه الوقائع.

وتعتمد هذه المقاربة على نهج من الأسفل إلى الأعلى يبدأ بالأحداث الأكثر موثوقية.

ويورد شاو أهم هذه الوقائع الدنيا:

  • أن يسوع مات مصلوبًا.
  • أن التلاميذ اختبروا ظهورات ليسوع القائم من الموت.
  • أن التلاميذ كانوا مستعدّين أن يتألّموا ويموتوا من أجل إيمانهم.
  • أن يعقوب، أخا يسوع الجسدي والذي كان مشكّكًا، تحوّل وآمن به بعد القيامة.
  • أن بولس، مضطهد الكنيسة، آمن بالمسيح وتحول جذريًا.

بشكلٍ عام، أنا معجب جدًا بالطريقة التي قدّم بها شاو هذا المحتوى.

أنا شخصيًا أفضل العرض المنهجي المبني على نقاط واضحة، وهذا الكتاب لم يخيب ظني.

أراه مصدرًا ممتازًا للتعليم للمدافعين والباحثين، بل وحتى الشخص العادي الباحث عن الحق.

كما أنه يمكن أن يكون كتابًا مناسبًا لإعطائه لشخص يتساءل عن موثوقية العهد الجديد. آمل أن تحصل على نسخة منه.

كاتب المقال: chab123

رابط المقال:  https://chab123.wordpress.com/2024/08/26/trustworthy-thirteen-arguments-for-the-reliability-of-the-new-testament-by-benjamin-shaw-and-gary-habermas/

ترجمة: عبدالمسيح

ثلاث عشرة حُجَّة جديرة بالثقة على مصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت
 

الفهرست

المقدمة

الفصل الأول المصادر المسيحية (هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟)

الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)

الفصل الثالث (المسيح والالهة الأخرى)

الفصل الرابع (هلاوس تلاميذ يسوع والقيامة الروحية)

 

المقدمة

لقد بنيتُ ايماني عن موضوع قيامة المسيح من خلال المادة الدفاعية التي طرحها المسيحيين المؤمنين في كتبهم ولكن طرحت على نفسي سؤالاً قلت فيه (هل انا حقاً اتبع الايمان الذي اقتنعت به ام اتبع أفكار الاخرين؟) وفي النهاية وجدت نفسي اتبع فقط ما قدمه المدافعين في كتابتهم وطريق هم من قاموا بإنشائه ولم يكن لي يد غير السير فيه فقط وبنيت في وقت من الأوقات معتقدي عليه ولكن مع الوقت وكثرة القراءات تطور عقلي وقفزت من مكان إلى اخر وقلت لنفسي ان القيامة هي الدليل النهائي على صدق كل ما قدم بخصوص العقائد المسيحية

وهي الإجابة الحقيقية على الأسئلة الوجودية عند الانسان لذلك قلت لنفسي هناك حقيقة واحدة ووحيدة يجب ان ادرسها بنفسي من خلال بحث شخصي حتى اعطي في النهاية الناتج الذي أكون راضياً عنه او على الأقل طريق به ضوء قمت بحرفه واتخذت قول بولس (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ،” (1 كو 15: 14) وجعلت من هذا القول هو القياس النهائي ان استطعت ان اثبت لنفسي انه حقا قام إذا أكون قد فتحت طريقي لينطلق ايماني ويحلق وان لم اثبت شيء في نهاية هذه البحث اكون قد أغلقت باب الايمان على الأقل حتى ثبوت الأدلة التي تكسر او تزيد من شدة القفل على الباب

 

فحين قررت البحث قلت لنفسي هي بنا نعود 2000 عام إلى الوراء لنعرف لماذا امن هؤلاء اليهود بالقيامة وما السر الذي غير مجموعة من صيادين المسك إلى مبشرين او ما السر وراء التغير في حالة شاول الطرسوسي فنعم عزيزي القارئ ان القيامة هي حجر الأساس الذي قامت عليه المسيحية وهذا ما أكده بولس كما ذكرنا مسبقاُ في الاقتباس وهذا أيضا كتب فيه أستاذ العهد الجديد Jirair Tashjian في مقاله (The Resurrection: Influence on the Church in the First Decades)[1]

 

ولهذا سوف أصب كل جهدي لمعرفة لماذا امن هؤلاء بالقيامة وسوف اعتمدت في كل فصل على مجموعة مختلفة من العلماء الذين قدموا دراسات محايدة تتعلق بعنوان الفصل

 

الفصل الأول: المصادر المسيحية: هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟

 

لسوء الحظ ليس لدينا الة زمن للرجوع إلى الماضي ولكن يستطيع الماضي ان يأتي الينا من خلال ما سجله الاقدمون فقد سجل الانسان الأول تفاصيل يومه وهذا ما تذكره لنا المؤرخة الامريكية Cynthia Stokes Brown:

 

وأكثر ما يشير إلى بزوغ ضمير إنساني أكثر تعقيداً هي الآثار التي تركوها على صورة رسوم في الكهوف وهي موجودة في كل أرجاء العالم [2]

 

ومن هنا نستطيع معرفة كيف فكر وعاش الانسان القديم ولحسن الحظ فقد سُجل ايمان اتباع يسوع الأوائل في وثائق وهذه تعتبر نقطة هامة في دراسة التاريخ

 

فيذكر لنا المؤرخ المصري حسين مؤنس:

ولكي يكون التاريخ جديرًا بهذا الاسم والوصف ينبغي أن يقوم على أصول والأصول هي الوثائق، والوثائق تشمل كل ما يمكنك أن تعتمد عليه في كتابة تاريخ أو رجل أو حادث أو أمة[3]

 

ولكن أيضا عزيزي القارئ الأمور ليست بهذه البساطة فهناك الكثير من الكتابات التي تعود لفترة حدوث الاحداث وحملت اقوال مختلفة ومتناقضة او حملت احداث لم تحدث من الأساس واستطيع ان ابرهن على صحة اقوالي هذه من خلال احداث عصرنا الحالي اذهب إلى التلفاز في منزلك وافتح قنوات الاخبار مثلا تجد الحق والباطل وتجد الخيال والواقع فمن خلال تجربة نحن بالفعل نعيشها نستطيع ان نبرهن انه ليس بالضرورة ما ينقل لنا من الماضي ان يكون صحيحاً تماماً او خطأُ تماماً أيضاً.

لذلك هناك ما يسمى بالنقد التاريخي ولكن هذا سوف نأتي له فيما بعد ولكن الان نحن لدينا مصادر قديمة نقلت لنا ايمان الكنيسة تعرف باسم كتابات العهد الجديد فهي الكتابات التي انتهت في القرن الأول الميلادي حسب شهادة الناقد بارت إيرمان:

 

لا أحد يعرف على وجه اليقين متى مات يسوع، لكن العلماء يتفقون على أنه كان في وقت ما حوالي 30 بم. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد معظم المؤرخين أن مرقس كان أول أناجيلنا التي كتبت، في وقت ما بين منتصف الستينات إلى أوائل السبعينيات. من المحتمل أن متى ولوقا كتبا بعد حوالي عشر أو خمسة عشر عامًا، ربما حوالي عام 80 أو 85. وقد كتب يوحنا ربما بعد ذلك بعشر سنوات، في عام 90 أو 95. وهذه تقديرات تقريبية بالضرورة، لكن جميع العلماء تقريبًا يتفقون عليها في غضون بضع سنوات [4]

 

ويقدم لنا ايرمان أيضا خريطة بسيطة تعطي لنا معلومات عن تاريخ تأليف تلك الكتابات [5]

 

حياة يسوع بدأت من القرن الرابع قبل الميلاد إلى سنة 30 بعد الميلاد وأول الكتابات كانت لبولس من 50 إلى 60 بعد الميلاد وثاني الكتابات كان انجيل مرقس من 65 إلى 70 وهكذا إلى ان نصل إلى انجيل يوحنا الذي كتب سنة 95 بعد الميلاد هذا ان ارادنا ان نعرف ماهي الكتابات التي نستخلص منها احداث القيامة

 

والان لنعود مرة أخرى إلى النقد التاريخي نحن الان لدينا مجموع من الوثائق المختلفة التي ركزت على القيامة تعود إلى فترات مختلفة ولكنها جميعاً ترجع إلى القرن الأول ولكن قبل الشروع في تداولها يجب علينا اولاً معرفة كيفية التعامل معها وسوف اقتبس من المؤرخ الفرنسي Charles Seignobos الاتي:

 

فإنه لأجل الاستدلال من وثيقة مكتوبة على الواقعة التي كانت سببها البعيد، أى لأجل معرفة العلاقة التي تربط بين هذه الوثيقة وتلك الواقعة، ينبغي إعادة تركيب كل سلسلة العلل الوسطى التي أنتجت الوثيقة. ولا بد من تمثل كل سلسلة الأفعال التي قام بها مؤلف الوثيقة ابتداء من الواقعة التي شاهدها، حتى المخطوط (أو المطبوع) الذى أمام أعيننا الآن. فهذه السلسلة علينا أن نستعيد تكوينها في اتجاه عكسي بأن نبدأ بفحص المخطوطة (أو المطبوعة) ابتغاء الوصول إلى الواقعة القديمة. وتلك هي غاية التحليل النقدية وكيفية سيره[6]

 

يبدا المؤرخ بدراسة المخطوطات والمصادر المتاحة له التي نقلت نسخ عن نسخ من النص الأصلي وهذا في الحقيقة ليس موضوع في الوقت الحالي ولكن موضوع الأساسي هو الوثيقة الأولى التي كتبها المؤلف بخط يده التي نسخ عنها فيما بعد ونحن لدينا كتابات كما ذكرنا مسبقاً وكما ذكرنا أيضا تواريخ هذه الكتابات ولكن يفضل دائماً ان يأخذ الكتابات الأكثر قرابة من الاحداث وهذه نقطة مهمة فحين نحدث عن انجيل يوحنا الذي كتب بعد 65 سنة من الاحداث لا نستطيع ان نقارنه مثلا مع رسائل مثل رسائل بولس او انجيل مرقس التي كتبت بعد حوالي 20 او 30 سنة من الاحداث ولها سبب بسيط وهو لعبة الهاتف يذكر لنا ايرمان:

 

 

[لم يكن] كل هؤلاء الرواة في وقت مبكر لديهم معرفة مستقلة بما حدث [ليسوع]. لا يتطلب الأمر سوى القليل من الخيال لإدراك ما حدث للقصص. ربما تكون على دراية بلعبة “الهاتف” القديمة الخاصة بحفلات أعياد الميلاد. مجموعة من الأطفال يجلسون في دائرة، الأول يروي قصة قصيرة لمن يجلس بجانبه، والذي يرويها للتالي، ثم للتالي، وهكذا حتى تعود دائرة كاملة للشخص الذي بدأها. دائمًا ما تتغير القصة كثيرًا أثناء عملية إعادة سردها، مما يجعل الجميع يضحكون كثيرًا. تخيل أن هذا النشاط نفسه يحدث، ليس في غرفة معيشة منعزلة مع عشرة أطفال بعد ظهر أحد الأيام، ولكن على مساحة الإمبراطورية الرومانية (حوالي 2500 ميل)، مع آلاف المشاركين[7]

 

وهذا امر طبيعي لان طبيعة ذاكرة الانسان ليست صور فوتوغرافية على العكس من ذلك ذاكرة الانسان يمكن التلاعب بها:

 

فقد وجد علماء النفس أن تذكرنا للأحداث اليومية قد لا يكون موثوقًا به كما نعتقد. علاوة على ذلك، حتى بعد حفظ المعلومات في الذاكرة، يمكن تغييرها. يمكن التلاعب بذكرنا للذكريات ويمكن حتى الخلط بين مجموعات كاملة من الأحداث [8]

 

ويمكن أيضا زراعة ذاكرة لم تحدث ويظن العقل انها حدثت:

 

سنة 2002 امرأة تدعى Kimberly wade حاولت ان تقوم بعملية زرعة ذاكرة ذهبت لمنزل أحد العائلات وطلبت منهم صورة للأطفال وكان الشرط ان لا يكون هؤلاء الاطفال قد ركبوا المنطاد في حياتهم ابدا وبعد ان اخدت الصورة قامت بالتعديل عليها وجعلت هؤلاء الاطفال يركبون المنطاد وبعد ان كبر هؤلاء الاطفال اخذوا الصورة ونظروا لها وتفعلوا معها بالعكس بال قاموا بتأليف احداث لم تحدث اصلا فقط بعد ان شاهدوا الصورة مع انهم لم يركبوا المنطاد في حياتهم ابدا [9]

 

إذا فإذا أردنا البحث الدقيق لا نستطيع ان نأخذ كتاباً كتب بعد 65 سنة من وقت الحدث لأنه من الطبيعي وحتى ان كان الكاتب شاهد عيان ان يسطر الحدث كما حدث فعلاً بال على العكس سيكون هناك الكثير من المدخلات غير الصحيحة في كلامه لذلك سوف نستبعد انجيل يوحنا من القائمة وهذا الشيء لا يعني بالضرورة ان الانجيل غير دقيق

 

کتب رینولد پرایس (Reynold (Price) وهو أستاذ الأدب الإنكليزي البارز في جامعة ديوك لسنوات عديدة، والروائي الشهير أيضًا – كتابًا أسماه “ثلاثة أناجيل“ (Three Gospels)، وقد فسَّرَ فيه إنجيلي مرقس ويوحنا وحللهما، ثم كتب صياغته هو لحياة يسوع. ويتحدث پرايس بوصفه خبيرا في الأدب قائلا إنَّه لم يكن إنجيل يوحنا عملًا من نتاج الخيال، ولكنه عمل مكتوب من شاهد عيان صافي الذهن وثاقب الفكر، عاين أعمال يسوع وفكره [10]

 

ولكن سوف نركز على ما دونه بولس ومرقس لأنهم الأقرب زمنياً للحدث ونعم يا عزيزي 20 سنة ليست زمناً بعيداً ان احتك هؤلاء المؤلفين مع أقرباء يسوع سيكون لدنيا وثيقة هامة نقلت الكثير من الحقائق عنه فالذين كانوا في عمر يسوع ونقول انهم من اقربائه او أصدقائه أصبح عمرهم 50 عام ولكن مازالوا يتذكرونه ويتذكرون كيف مات وأيضا لماذا مات وكيف كانت طبيعة حياته وهذه شيء طبيعي يحدث حتى في وقتنا الحاضر لان هذه الذاكرة ممزوجة بالعاطفة والذاكرة الممزوجة بالعواطف تبقى فالعواطف تؤثر على الاحتفاظ بالذاكرة او استرجاعها [11]

 

فكما يقول James Dunn:

تعتبر معمودية يسوع وصلبه من أكثر الحقائق المؤكدة تاريخياً عن يسوع [12]

 

 ويذكر لنا GRANT ALLEN:

ومهما قيل عن أصل المسيحية، فمن المتفق عليه إلى حد ما على الأقل من كلا الجانبين، سواء من قبل الأصدقاء أو الأعداء، أن هذا الدين العظيم نشأ حول شخصية معلم جليلي معين، اسمه يسوع، فيما يتعلق الذي، إذا كنا نعرف أي شيء على الإطلاق بأي قدر من اليقين، فإننا نعرف على الأقل أنه كان رجلاً من الشعب، معلقًا على الصليب في القدس تحت ولاية كايوس البطني بيلاطس. إن نواة الحقيقة تلك، الإنسان، وموته يسوع المسيح وصلبه، هي النواة التاريخية التي لا شك فيها [13]

 

وبما انه ثابت فعلاً ان يسوع قد صلب فمن الطبيعي ان تحفر هذه الذاكرة في عقول كل من يعرفه او راه معلقاً ولهذا لان طبيعة الصلب كانت تتم على القمم العالية حتى يراه الكل فيذكر لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans:

 

كان من المعتاد أن تضع السلطات الرومانية الصلبان على الطرق التي يستخدمها المسافرون كثيرًا، على قمم التلال، وعلى أبواب المدن. كان الشخص المدان يحمل خشبة صليبه patibulum (انظر: Plautus، Carbonaria 2; Miles gloriasus 2.4.6-78359-360; Plutarch، Mor. 554A-B حاملاً في بعض الأحيان لافتة titulus حول عنقه مسجل عليها اسمه وعقابه، ليتم تثبيتها لاحقا على الصليب حينما يُرفع راجع: Suetonius، Caligula 32.2 Dio 54.3.6-7 Cassius) [14]

 

إذا بعد كل هذا من الطبيعي ان يتذكر المعاصرين ليسوع هذا المشاهد الصعب وبالطبع سوف يطبع هذا المشهد وأيضا الكثير من جوانب شخصية يسوع في عقل اقربائه إلى نهاية حياتهم لذلك سوف نطرح السؤال الهام هل حقاً نقل بولس ومرقس الشهادة من عائلة يسوع او من تلاميذه وأصدقائه؟ نبدأ أولا بدراسة قدمها ‏David A. deSilva عالم في العهد الجديد واللغة اليونانية في كتابه مقدمة للعهد الجديد الجزء الثاني ولكن قبلها يجب ان نعرف كيف كانت تتم كتابة الادبيات في هذه الفترة أي الطريقة اليونانية لكتابة الادب يذكر لنا الناقد حنا عبود:

 

في العالم أسلوبان: الأسلوب اليوناني والأسلوب الروماني. الأول أسلوب هادئ رزين واقعي يبتعد عن التطرف والمغالاة، ويراعي السمو الإنساني ويسعى الى ترويض وحوش الغرائز الحيوانية في أعماق الإنسان. والثاني نقيض الأول تماماً [15]

 

ولكن هل بولس حقاً اتبع الأسلوب اليوناني الرزين في الكتابة؟ يذكر لنا DeSilva عن الحياة التي كان يعيش فيها بولس الاتي:

 

كانت التَّربِيَةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي كُلِّ هذه المجالات ستَكُونُ مُتَوَفِّرَةً لِبُولُس في أُورشليم، التي كانَت مَدينَةً عالَمِيَّةً مُرتَبِطَةً بالعالم اليوناني الرُّوماني، ولم تكُن مُنفَصِلَةً عَنْهُ إِنَّ هَلِيَئَةَ فلسطين حَقَّقَت تَقَدُّمًا هائلاً خلال الحقبتين اليونانية والهلينيَّة، وأُعطيت اهتمامًا مُتَجَدِّدًا خلالَ حَقَبَةِ السَّيطرةِ الرُّومانِيَّة في وضع مدرسة غمالائيل، المُشابِه رُبَّما لما كُنَّا سَتَجِدُهُ في مَدرَسَةِ يَشُوع بن سيراخ قبل ذَلِكَ بِقَرنَين، لا بُدَّ أَنَّ بُولُس تعلم ليس فقط عن التَّوراة وقواعد تطبيقها، بل وعن فَنَّ المُجادَلَةِ وعن تقليدِ الحِكمَةِ التي تَضَمَّنَتْ الحكمة اليونانية [16]

 

فمن دراسة البيئة المحيطة ببولس نستطيع القول انه كان اخذ تعليم يوناني وبالطبعة سوف يأخذ منه أسلوب الكتابة وهذا ما قال به أيضا Martin Hengel عن تَلَقَّي بولس لثقافَةِ يَهُودِيَّةٍ باللُّغَةِ اليُونانِيَّة، مع وُجُوبِ الأخذ بعين الاعتبار أهميَّة الوجهين، وذلِكَ فِي مُوْلَفِهِ [17]

 

ويقدم لنا بولس بنفسه اعتراف عن مصدره فيقول (“فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ،” (1 كو 15: 3) ومن تفسير كمبردج:

فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا] إن التشابه الوثيق بين هذا المقطع وقانون إيمان الرسل يُظهر أن هذا الملخص لعقائد إيماننا هو في الواقع ما يُعلن عنه، وهو ملخص قصير للتعليم الرسولي. يقدم إيريناوس، وهو كاتب من القرن الثاني، ومراقب دقيق للتقليد الرسولي، ملخصًا مشابهًا جدًا في أطروحته ضد الهرطقات، الكتاب الثالث. ج. 4.

يلفت ستانلي الانتباه إلى حقيقة أن هذا التأكيد الجريء على حقيقة القيامة، ربما هو الأقدم لدينا (انظر أعلاه الفصل 1 كو 11: 23) تمت كتابته بالكاد بعد خمسة وعشرين عامًا من الحدث الذي لم يذكره القديس بولس هنا. الذي تلقى منه عقيدته، ولكن لا بد أنه قد حصل على بعض التعليم الأولي في المبادئ الأولى للإيمان المسيحي من مخالطته مع التلاميذ (أع 9: 19) [18]

 

ويقول أيضا DeSilva: لهذا، يُظهِرُ بُولُس معرِفَةً عَميقَةً واحترامًا واستخداما لتقاليد يسوع التي كانت قد أصبَحَت معرُوفَةً في تلك الفترة عبر مَرقُس وعبر تقليد Q المادَّة المُشْتَرَكَة بينَ متَّى ولوقا)، وصار ينظُرُ إلى هذه التَّقاليد بأنَّها ذات سُلطَةٍ وتكوين لمُجتَمَعاتِ أتباع المسيح في دائِرَتِهِ [19]

 

ويذكر لنا أيضا اندرو ملر مؤرخ الكنيسة المبكرة: ولكننا نعود إلى أورشليم حيث قضى الرسول خمسة عشر يوما مع بطرس ويعقوب يباحث اليونانيين، ثم أن الأخوة انحدروا به إلى قيصرية وأرسلوه إلى طرسوس، وأما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام، وكانت تبنى وتسير في خوف الرب، وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر (اع ۹: ۳۰،۳۱) [20]

 

وهذا أيضا قال به ايرمان: من الواضح في كل من سفر الأعمال ورسائل بولس أن بولس كانت له علاقات مع أولئك الذين كانوا رسلًا قبله، وعلى رأسهم تلاميذ يسوع السابقين (بطرس، يوحنا، إلخ.) ويعقوب شقيق يسوع [21]

 

ولكن ما هو الدليل على صحة كل هذا من الممكن ان يكون كل ذلك تم اختراعه لإعطاء شرعية لبولس وما دونه؟ هذه وجهة نظر ولكن على ما اظن ليست لها فائدة لأنه بكل بساطة من يريد ان يقول ان بينه وبين هذا الشخص علاقة وثيقة ويريد من الناس ان تصدق كلامه ان يذكر خلاف دار بينهم مثلا ونعم عزيزي أعني بكلامي الخلاف الذي دار بين بولس والتلاميذ ولكن قبل الذهاب له اريد ان ابرهن على هذه الجزئية من خلال التحليل النفسي وأعني بكلامي هنا هو انكار حدوث الخلاف لتثبيت شرعية لكلامك يذكر لنا المؤلف Dave Lakhani:

 

يحدث انتقال السلطة كل يوم في عشرات المواقف؛ فأنت ترشّح حلاقك لجارك، فيبدأ هو في التعامل مع هذا الحلاق، وكذلك عندما تريد الذهاب إلى أفضل طبيب في المدينة، فيكون لديك صديق ينصحك بطبيب جيد كذلك عندما تريد الحصول على أفضل وظيفة، يكون لديك أفضل معارف يمكن الرجوع إليهم للسؤال عنك. في كلٌّ من الأمثلة السابقة حدث انتقال فعّال للسلطة، بعضها أكثر صراحةً من الآخر، لكن في كل منها ساعَدَ شخص ما غيره قائلًا بفاعلية: «أنت تستطيع الثقة في هذا الإنسان لأنني أقول لك هذا وأنت تثق بي.»[22]

 

فهذه هي الفكرة من أراد ان ينقل لنفسه شرعية من احد لا يذكر مشاكل بينهم ولكنه سوف يسترسل كثيراً جداً في مدى علاقتهم القوية التي يغلب عليها المحبة والود ولكن على العكس فقد ذكر مشكلة بولس مع التلاميذ الذي من المفترض ان يأخذ منهم الشرعية فيقول لنا الاب هنري هولستاين اليسوعي:

 

حين انفجر النزاع علانية، كانت العلاقات بين كنيسة أورشليم وبولس متوترة، وكانت على أهبة الاحتدام في أي لحظة. في الحقيقة، كان ارتياب مسيحي أورشليم حيال بولس يعود إلى زمن اهتدائه: إذ إن معرفتهم للعداوة التي كان الرابي الشاب شاول يكنها لهم كانت أكبر من أن لا يترددوا في التسليم بصدق اهتدائه [23]

 

وهذا أكبر دليل على ان بولس بالفعل ذهب إلى اتباع يسوع من تلاميذه او اقاربه واحتك به واختلف معهم وذكر الاختلاف معهم هو أكبر دليل على صدق التعامل معهم وبتالي عرف بولس معلومات عن يسوع من المقربين من يسوع شخصياً

 

نترك بولس ونذهب مباشرة إلى المرجع الثاني وهو انجيل مرقس ونطرح السؤال لماذا نثق في هذا الانجيل بعد 30 عام من يسوع قام شخص ذكرت عنه المصادر القديمة انه لم يرى يسوع أصلا ولم يعرفه [24]

 

سوف نعتمد على ما قدمه لنا الناقد الكاثوليكي ريموند بروان كبداية لهذا البحث يذكر في البداية ريموند بروان هذه الشخصية التي اسمها مرقس ويقول عنها الاتي:

 

وبغض النظر عن القيمة التاريخية لتقليد بابياس، دعونا نسأل عن مرقس الذي يتحدث عنه. لم يكن الاسم مرقس نادرًا (على سبيل المثال، مارك أنتوني)، وهذا يساعد على تعقيد إشارات العهد الجديد إلى شخص يحمل هذا الاسم. يقدم سفر الأعمال معلومات عن رجل يدعوه ثلاث مرات “يوحنا ولقبه مرقس” ولكن مرة واحدة فقط (15: 39) ببساطة “مرقس”، والذي يربطه ببطرس [25]

 

ولكن أيضا هذا لا يكفي وليس من الضرورة ان يكون هو مرقس الكاتب او ممكن ان يكون شخصية انتحلت شخصية مرقس ما الدليل على ان الكاتب هو فعلاً رفيق بطرس؟

 

يكمل ريموند بروان ويقول:

يشير بابياس إلى أن مرقس لم يكن شاهد عيان، وأنه اعتمد على الوعظ، وأنه فرض أمره الخاص على ما كتبه – كل ما يمكن أن يطابق الدليل الداخلي للإنجيل عن المبشر. ومع ذلك فإن العلاقة الوثيقة والمباشرة التي طرحها بابياس بين الإنجيلي وبطرس (شاهد عيان) هي علاقة صعبة؛ لأن بعض روايات أقوال وأفعال يسوع في مرقس تبدو ثانوية مقارنة بالروايات الواردة في Q أو الأناجيل الأخرى. مرة أخرى، إذا أراد المرء أن يمنح مصداقية محدودة على الأقل لبابياس، فيمكن للمرء أن يعتبر “بطرس” شخصية نموذجية تم تحديدها مع التقليد الرسولي في القدس ومع الوعظ الذي يجمع بين تعاليم يسوع وأفعاله وعواطفه [26]

 

ويطرح لنا جون درين هذه النقاط الاتية:

وعلى هذا دارت مجادلات، فالبعض اقترح أن المحتوى ما زال من شاهد عيان خصوصا في بعض الأجزاء مثل دعوة بطرس (١٤:١ – (۲۰) شفاء حماة بطرس (۱: ٢٩- ٣٤). بعض التلميحات للتلاميذ، وخاصة بطرس. لم تكن في صالحهم، كما أن التلاميذ يتم تصويرهم عادة في صورة عدم المعرفة وعدم القدرة على فهم ما كان يسوع يحاول أن يعلمهم لذا فليس من السهل أن يرسم مرقس صورة كهذه للتلاميذ إن لم يكن بطرس نفسه مصدر المعلومات. [27]

 

ولكن يحسم DeSilva هذه النقطة ويقول:

ينفرُ العَديدُ مِنَ الدَّارسين بشكل مُبَرَّر من تأكيد تفسير بابياس لأصل إنجيل مرقس بسُرعَةِ، وَلَكِن يَستَحيلُ القَولُ قطعًا أَنَّ عَزْوَهُ مَعْلُوط على أية حال، ما تُخبرنا بهِ الشَّهَادَةُ هُوَ أَنَّ الكنيسة الأولى منَحَت ختم مُوافَقَتِها من دون تَحَفْظِ لهذا النَّص الذي رُغمَ أنَّهُ لم يُكتب كشهادَةِ عِيان إِلَّا أَنَّهُ وفَرَ تَمثيلاً مَوثُوقًا ودقيقًا لتقليد يسوع كما تمت صياغته وتمريره إلينا عبر الوعظ الرَّسُولي. هذا التَّناغُمُ مَعَ الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّة، كما أشار Lane بحَقِّ، هو “السؤال المركزي” في النِّقَاشَاتِ الدَّائِرَة حولَ هُويَّةِ الكاتب [28]

 

ولكن ان اتبعنا منهج الشك الديكارتي فأول شيء سوف نشك به هو هذه الاقتباسات المتضاربة بمعنى هناك العدد من الآراء التي تنفي او تؤكد ان انجيل مرقس منقول عن شاهد عيان وهو بطرس ولكن هناك طريقة وحيدة تحسم حقاُ هذا الجدال الا وهي النصوص المذكورة نفسها فشاهد العيان سوف يذكر احداث ونقاط معينة يستحيل ان يعرفها احد غيره وهذا أيضا ما عول عليه جون درين لذلك علينا البحث في ثنايا نصوص الانجيل حتى نعطي بالأدلة التي كشفها الانجيل بنفسه الرد الحاسم

 

يذكر لنا D. A. Carson بعد دراسة في نص انجيل مرقس الاتي:

هل القليل الذي نعرفه عن يوحنا مرقس من العهد الجديد يمثل أي صعوبة في تحديد هويته ككاتب الإنجيل الثاني؟ يعتقد بعض العلماء ذلك، مشيرين إلى جهل مرقس المزعوم بالعادات اليهودية والأخطاء المتعلقة بالجغرافيا الفلسطينية. لكن أيًا من الصعوبتين لا تصمد أمام التدقيق؛ إن التفسير الدقيق والمتعاطف لمقاطع المشكلة المزعومة لا يكشف عن أي أخطاء في مثل هذه الأمور. في المقابل، هناك سمتان من سمات مرقس ومسيرته كما وردتا في العهد الجديد تناسبان كاتب الإنجيل الثاني. إن الأسلوب اليوناني لإنجيل مرقس بسيط ومليء بالساميات التي يتوقعها المرء من مسيحي نشأ في أورشليم. وقد تساعد علاقة مرقس ببولس في تفسير ما وجده العديد من العلماء أنه تأثير لاهوتي بولسي في الإنجيل الثاني. كلتا الميزتين عامتان جدًا بحيث لا تقدمان أي دليل إيجابي لتحديد الهوية. لكن النقطة المهمة هي أنه لا يوجد شيء في الإنجيل الثاني يقف في طريق قبول التقليد الأقدم الذي يحدد يوحنا مرقس كمؤلف له [29]

 

اذن بعد الذي قدم من خلال دراسة نص انجيل مرقس لا ينفي ان الكاتب نقل من شاهد عيان ولا ينفي ان يكون كاتب الانجيل هو مرقس كما ذكر التقليد القديم عنه

 

إذا نختم هذا الفصل بقول ايرمان عرف بولس عن يسوع خلال عام واحد فقط، أو على الأكثر من خلال عامين من وفاته. يحافظ بولس أيضًا على التقاليد التي تنبع من الفترة المبكرة من حياته المسيحية، مباشرة بعد تحوله حوالي 32-33 م. يدعي بولس أنه زار أقرب تلاميذ يسوع، بطرس، ومع أخيه يعقوب بعد ثلاث سنوات من تحوله، أي حوالي 35-36 م. ولذلك فإن الكثير مما قاله بولس عن يسوع ينبع من نفس الطبقة المبكرة من التقليد التي يمكننا تتبعها، بشكل مستقل تمامًا، في الأناجيل. [30]والاستنتاج النهائي انه بالفعل يحمل بولس ومرقس ايمان الكنيسة من المنبع نفسه من المسيحيين الأوائل أنفسهم اتباع يسوع من تلاميذه وأصدقائه واقاربه الخ..

 

 

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

 

الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)

 

بعد ان وصلنا انه نقل لنا ايمان اتباع يسوع هل نستطيع ان نثق في هذا الايمان اصلاً؟ بمعنى ما المانع انه يكون هذا الحدث مختلق؟ شيء تم اختراعه من اتباع يسوع لهدف ما مثلاً؟ لماذا يجب علينا مباشرة ان نفترض انها القيامة؟ وهذه الأسئلة يجب ان تسأل قبل الشروع في البحث عن حقيقة ايمان تلاميذ بالقيامة فنحن لا نعيش معهم الان ولكن نستطيع ان نفهم تفكريهم من خلال دراسة ثقافتهم والبيئة المحيطة بهم فيذكر لنا الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:

 

إذا كان من الصحيح أن سجية النفس وأهواء القلب تختلفان إلى الغاية في مختلف الأقاليم؛ فإن على القوانين أن تكون تابعة لاختلاف هذه الأهواء واختلاف هذه السجايا [31]

 

ويذكر لنا الفيلسوف الألماني فيورباخ:

الشعور بالتبعية عند الإنسان هو مصدر الدين ولكن موضوع هذه التبعية، أي التي يكون ويشعر الإنسان بتبعيته لها هي في الأصل ليست إلا الطبيعة، فالطبيعة هي الموضوع الأصلي الأول للدين، كما يبرهن على ذلك تاريخ كل الديانات والامم بدرجة كافية [32]

 

إذا فتلعب الطبيعة والبيئة المحيطة بالإنسان دور هام في تكوين معتقداته الأخلاقية والدينية ويمكننا نطبق هذا الامر على اتباع يسوع الأوائل ولكن السؤال الهام هنا هل حقاً علم اتباع يسوع بما يسمى القيامة بشكل عام أي هل هناك في عقيدتهم او بيئتهم الذين ولدوا فيها وتأثروا بها هذه الفكرة القيامة والخلود والحياة الأخرى؟

 

ننظر أولا إلى البيئة اليهودية التي كان يعيشها بها هؤلاء البشر ونسأل هل كان هناك اعتقاد أصلا ظهر مع هذا المعتقد يقول بالقيامة والحياة الأخرى؟

 

يذكر لنا الفيلسوف الفرنسي فولتير: فموسى يكرر لمرات عدة:

إن الرب يعاقب الآباء في أبنائهم إلى رابع الله عن أجيالهم». وقد كان هذا التهديد ضرورياً بالنسبة إلى شعب لم يكشف له خلود النفس، ولا عن العذابات والمكافآت في الآخرة. فهذه الحقائق لم يأت لها ذكر في «الوصايا العشر»، ولا في شرائع «سفر اللاويين» أو «سفر التثنية». فتلك عقائد كانت سائدة عند الفرس والبابليين، والمصريين والإغريق، وأهل جزيرة كريت، ولكنها لم تكن تؤلف البتة جزءاً من عقائد الدين اليهودي فموسى لا يقول: «أكرم أباك وأمك، إن أردت أن تصعد إلى السماء»، وإنما «أكرم أباك وأمك كي تعيش طويلاً على الأرض». وهو لا يهدد اليهود إلا بالآلام الجسدية [33]

 

إذا لم يكن في اصل الدين اليهودي نفسه أي شيء له علاقة بالحياة الأخرى او الخلود ولكن على العكس كان الموضوع ارضي فقط بمعنى الثواب والعقاب في الأرض وليس في حياة أخرى او عالم اخر ولذلك نجد ان اليهود كان عندهم خلاف في حقيقة هل هناك حياة أخرى ام لا

 

يذكر لنا دكتور الفلسفة وحاخام كنيس برمنجهام أ. كوهن:

لقد كانت القيامة واحدةً من المواضيع الهامة للخلاف بين الفريسيين والصدوقيين. يقول الصدوقيون إن الروح تنطفئ أثناء موت الجسد، وهذا الموت يعتبرونه نهاية الكائن البشري، فهم لا يعترفون بالعالم الآخر، ويرفضون عقيدة الثواب والجزاء والقصاص التي يمنحها الفريسيون أهمية عالية جداً، يدافعون عنها بحماسة شديدة فقد جعلوا منها موضوع الصلاة الثامنة عشرة التي تُردد كل يوم [34]

 

ويذكر أيضا:

يبدو أن هناك سبباً من أجله كان الصدقيون يرفضون هذه العقيدة، يأتي من أنه وبحسبهم لم يذكر في الكتب الخمسة التي تشكل جزءاً من التورا الشفهية التي كانوا لا يقبلون إلا بسلطتها [35]

 

وحتى ان نظرنا للردود الحاخامية المدافعة عن وجود عقيدة القيامة في التوراة لوجدناه عبارة عن مغالطات ليس أكثر فمثلاً يذكر لنا الكاتب في نفس الكتاب:

باسم الحاخام شمعون بن حزقيال: عندما يتعلق القرار الشرعي العائد لسلطة دينية متوفاة فهو يذكر في هذا العالم شفاه أولئك النائمين أخيراً يذكر لهم هذا النص: ولكي تطول أيامكم على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرضاً تدر لبناً وعسلا تثنية الاشتراع (11،9) ولم يقل «يعطيها لكم» بل «لهم» إذن العقيدة المتعلقة بالقيامة يمكن استنتاجها من التورا يؤكد آخرون أنه يمكن استنتاجها من هذا النص أيضاً [وأما انتم المستعصمين بالرب إلهكم فكلكم أحياء اليوم (تثنية الإشتراع (4،4) وبصريح العبارة: انتم جميعاً أحياء في هذا اليوم، إذن حتى اليوم حيث الشعوب ميتة، ستعيشون، وبما أنكم كلكم أحياء في ذلك اليوم، فإنكم ستعيشون في العالم الآتي. مكتوب [انظروا الآن. إنني أنا هو ولا إله معي أميت وأحيي وأجرح وأشفي وليس من يُنقذ من يدي] (تثنية الاشتراع 32، 39) [36]

 

وحين نحلل هذا الرد لا يعطينا بالضرورة أي تأكيد على ثبوت عقيدة القيامة في التوراة على العكس من ذلك نجد ان الرد هو مغالطة قياس باطل بمعنى هو هنا اتى بنصوص لا تتحدث عن القيامة بشكل واضح وصريخ ويمكن تفسيرها بصور أخرى ولكن قاسها على القيامة واستنتج في النهاية انها تتحدث عن القيامة والان لننظر إلى النصوص ونرى هل هي فعلاً لها علاقة بالقيامة ام لا ولكن في البداية قبل التفسير يجب علينا معرفة كيف نفسر النصوص الكتابية

 

يذكر لنا W. Randolph Tate :

وحتى إذا كان الله هو مؤلف القصص والشعر المقدس، لكنه استخدم الشطر والنثر الخاصين بالثقافتين العبرية والهلنستية. لذلك، حتى إذا كان الكتاب المقدس جزء من الإعلان الإلهي والانكشاف الذاتي له للبشرية، لكنه إعلان معبّر عنه بلغة بشرية. من ناحية وظف كتاب النصوص الكتابية محدودية الحديث المكتوب ليقولوا شيئًا عن الله غير المحدود [37]

 

إذا يجب علينا ان نعود لنفس الثقافة التي كان يكتب فيها الكاتب حتى نعلم ماذا يريد ان يقول لنا لنرجع لسياق النص ونفهم الحدث كاملاً

 

فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِكَيْ تَتَشَدَّدُوا وَتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا،” (تث 11: 8) “وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا.” (تث 11: 9). “لأَنَّ الأَرْضَ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا لَيْسَتْ مِثْلَ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا، حَيْثُ كُنْتَ تَزْرَعُ زَرْعَكَ وَتَسْقِيهِ بِرِجْلِكَ كَبُسْتَانِ بُقُول.” (تث 11: 10) “بَلْ الأَرْضُ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكُوهَا، هِيَ أَرْضُ جِبَال وَبِقَاعٍ. مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ تَشْرَبُ مَاءً.” (تث 11: 11)

 

فمن خلال قرأه السياق نجده لا يتحدث عن عالم اخر ولكنه يتحدث عن مكان هنا على الأرض فيقول في البداية يجيب ان تحفظ الوصايا (فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا) حتى يعيشوا مدة أطول على الأرض التي سوف يأخذنها هنا على هذا الكوكب وليس في عالم اخر (وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا) وهم بالفعل كانوا على وشك الدخول لها (أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا) فمن خلال دراسة سياق النص نجده لا يتحدث ابداً عن ارض خارج هذا العالم على العكس هي ارض هم بالفعل ذاهبون لها وسوف يدخلونها

 

يذكر جون جيل اقتباساً من ترجوم يوناثان:

ولكي تطيلوا الأيام في الأرض…. لا تدخلوها وتمتلكوها فقط، بل أطيلوا فيها، وذلك حسب طاعتهم لشرائع الله التي أقسم الرب لآبائكم. ليعطيهم ونسلهم. لقد وعدوا بقسم، ليتأكدوا من التمتع بها، مع أنهم لا يستطيعون الاستمرار فيها ما لم يطيعوا الأوامر الإلهية: أرض تفيض لبنا وعسلا؛ تزخر بكل الخيرات، وثمرها سمينة كاللبن وحلوة كالعسل [38]

 

وحين نكمل في باقي الاصحاح ناجد انه بالفعل لا يتحدث عن عالم اخر ولكن عن هذه الأرض فيقول الكاتب:

 

“أَرْضٌ يَعْتَنِي بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ. عَيْنَا الرَّبِّ إِلهِكَ عَلَيْهَا دَائِمًا مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ إِلَى آخِرِهَا.” (تث 11: 12). “«فَإذا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَايَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَتَعْبُدُوهُ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ،” (تث 11: 13) أُعْطِي مَطَرَ أَرْضِكُمْ فِي حِينِهِ: الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ. فَتَجْمَعُ حِنْطَتَكَ وَخَمْرَكَ وَزَيْتَكَ.” (تث 11: 14) “وَأُعْطِي لِبَهَائِمِكَ عُشْبًا فِي حَقْلِكَ فَتَأْكُلُ أَنْتَ وَتَشْبَعُ.” (تث 11: 15)

 

فمن الواضح جداً ان النص يتحدث رضا الاله لكي يعيطهم امطار وخير وغيرها من الأمور في الأرض التي هنا على الكوكب وليس له أي علاقة بأي ارض في عالم اخر وهذا ما نجده حتى في الحضارات القديمة

 

تحتاج الآلهة في الفكر السومري إلى جميع ما یحتاج إليه البشر من طعام وشراب؛ فنرى الإنسان یُقدِّم لها القرابين المختلفة من أغنامٍ وأبقارٍ لكسب الرضا، من هنا نجد العلاقة الوثيقة بین الإنسان والآلهة والتي تجسَّدَت بشكلٍ واضح من خلال الميثولوجيا السومرية والأكدیة والمخلفات الفنية عن طريق الخصائص المماثلة للإنسان [39]

 

فطبيعة الالهة في الشرق القديم كنت قد تكلمت فيها مسبقاً في بحث (ملخص عن طبيعة الله في الشرق الأدنى القديم) فنجد ان يهوه هنا مثله مثل أي اله اخر في الشرق القديم في وصفه وطبيعته وحتى الأرض نفسها هي ارض على هذا الكوكب وليست ارض في عالم اخر ونستطيع اتباع هذا المنوال لنقد استدلال الحاخام بالتوراة لأثبات انه بها أي تلميح لوجود حياة أخرى

 

ويذكر لنا أيضا أ. كوهن:

إلى جانب الصدوقيين هناك مذهب السامريين الذي يرفض نفس العقيدة. هؤلاء يحاربهم النص التالي: كان الحاخام أليعازر بن جوزي يقول: هي ذي الكيفية التي أثبت بها بطلان كتاب السامريين. التي تؤكد أن التورا تتكلم عن القيامة. كنت أقول لهم: لقد زوّرتم تصحيحكم للتورا، غير أن هذا لم يسد إليكم أي خدمة تدعم نفيكم للقول على أنها غير موجودة في التورا [40]

 

فبين كل هذه الخلافات التي كانت بين الصدوقيين والفرسيين والسامريين حول وجود هذه العقيدة في التوراة بين الجانب الرافض لوجودها مثل الصدوقيين والسامريين او القائلين بها من الفريسيين ولكن ما مدى تأثير هذا على المجتمع اليهودي الأول

 

وحتى كان مفهوم الدينونة الأخيرة حسب ما ورد في مكتبة قمران ليس دينونة نهاية العالم ولكن دينونة تطهير العالم من الشر فيذكر لنا هارتموت شتيغيمان:

بعد ذلك، وفق الأسانيون بين العدد ۳۹۰ في حزقيال ٤ ٥، والأسابيع السنوية السبعين، أي ٤٩٠ سنة، في دانيال ٩، وحدّدوا الموعد النهائي للدينونة الأخيرة المستقبلية في السنة ۷۰ ق.م. بفضل الأنبياء عرفوا أخيرا، لماذا لم يبدأ الله الدينونة الأخيرة العام ۱۷۰ ق.م. ولم يمح كل ما هو شرير من هذا العالم [41]

 

بجانب الثقافة اليهودية كانت هناك الثقافات الأخرى المحيطة باليهود منها الثقافة الهلنستية التي سيطرة على هذه المنقطة وعلى تفكير هذا الشعب الذي ولد بها فيذكر لنا مايكل باركر:

وبعد أن اجتاح الإسكندر الأكبر العالم القديم، أصبحت إسرائيل تحت حكم المحتلين اليونانيين في مصر. (البطالمة). ثم أصبحت تحت حكم المحتلين اليونانيين في سوريا (السلوقيين). وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير (١٦٨-١٤٢ ق. م). وقد استولوا على أورشليم وطهروا الهيكل في عام ١٦٤ ق.م، ويحيي اليهود ذكرى هذا اليوم في العيد المقدس المعروف باسم الحانوكا (عيد التجديد) [42]

 

وهنا نقف قليلاً عند هذه الجزئية (وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير) يذكر لنا فراس السواح الاتي:

 

كان التيار الإصلاحي بقيادة النخبة المتعلمة في أورشليم، راغباً في تحويل النظام السياسي الديني المتخلف إلى نظام حديث يتفق وروح العصر. ورغم أن الدوافع وراء هذا التوجه كانت اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى، إلا أن بعض الإصلاحيين كان يتوق إلى أبعد من ذلك، وكانت النوايا تتجه إلى إصلاح الدين اليهودي والمزاوجة بين اليهودية واليهلينية فلقد رأوا أن التوحيد اليهودي ينطوي على أفكار شمولية عالمية، ولكن التفسير الحرفي الأصولي قد كبتها من خلال فهمه الضيق لفكرة الإله الواحد الذي يختص بشعب واحد من دون بقية الشعوب. كما رأوا أن هذه الأفكار الشمولية المكبوتة تتفق مع فكرة الثقافة العالمية الواحدة التي آمن بها الاسكندر وعمل على تطبيقها. [43]

 

ويذكر أيضا: لم تصلنا أفكار هؤلاء الإصلاحيين عبر نصوص مباشرة بل عبر كتابات نقادهم اللاحقين الذين اتهموهم بالهرطقة ومحاولة تقويض أصول الدين [44]

 

ويقول أيضا بخصوص عصيان المكابيين:

بعد عامين من حرب العصابات ضد السلوقيين ومناصريهم في الداخل، استطاع الأخوة الخمسة بقيادة يهوذا الملقب بالمكابي طرد الحامية السلوقية خارج منطقة أورشليم عام ١٦٤ ق.م، وطهروا المعبد من كل رموز الإصلاح الديني [45]

 

إذا فنستطيع ان نلقي نظرة ان التأثر بالثقافة الهيلينية لم يكن بين عامة ً الشعب ولكن كان بين الفئة المثقفة فقط وحتى هذه الفئة تمت محاربتها وتطهيرها وتطهير الإصلاح الدين الذي اعتمد على الثقافة الهيلينية ورجع الحاخامات يعلمون بما توارثه مسبقاً ونجد C. D. ELLEDGE بروفسور الدين يقول:

 

أولئك الذين أنكروا الحياة الآخرة كان لديهم تركيبتهم الهائلة من التقاليد السابقة، والتي ظلت حية إلى حد كبير في العصور الهلنستية الرومانية [46]

 

لذلك لا يمكنا القول بالتأكيد ان الشعب اليهود قد كان متأثراً بالقيامة او الحياة الأخرى لأنه مثل أي شعب متدين يتبع الكهنة ورجال الدين التي كانت عندهم تقاليدهم التي تنفي وجود حياة وتحارب التأثير اليوناني عليهم ولكن كان لدى هذا الشعب امل واحد مهم هو المسيا المنتظر وهذا الامل كان يسيطر عليهم بكل ما تعنيه الكلمة لذلك يجب ان نعود 2000 سنة إلى الخلف لنعرف كيف فكر هؤلاء الناس في طبيعة المسيا وهل المسيا في مفهومهم قائم من الأموات ام لا

 

يذكر لنا Trevan G. Hatch هو متخصص في الأنثروبولوجيا والكتاب المقدس والشرق الأدنى القديم والشرق الأوسط والدراسات الدينية: وفي القرن الثاني قبل الميلاد، بدأت التوقعات بشأن الملك المنقذ تتوسع. وتشمل الأسباب الرئيسية ما يلي. أولاً، اشتد القمع من جانب السادة اليونانيين، وبلغ ذروته بتدنيس المعبد (164 قبل الميلاد).

ثانيًا، عندما انتزع مقاتلو حرب العصابات اليهود يهودا والهيكل بعيدًا عن اليونانيين، سيطرت الأسرة الحشمونائية اليهودية (142-63 قبل الميلاد) على العرش؛ لكن المشكلة بالنسبة للعديد من اليهود هي أن الحشمونيين لم يكونوا من نسل داود. وبالتالي، فإن الملك الداودي المنتظر لن يأتي من سلالة الحشمونائيم. ثالثًا، تم اغتصاب الكهنوت الأعظم وإفساده من قبل الأرستقراطيين الأثرياء من غير آرون (أي أولئك الذين لم ينحدروا من هارون). شهد الشعب اليهودي هجمات على دينهم وعبادة معبدهم من جميع الجهات، بما في ذلك من الغرب [47]

 

ويذكر أيضا:

تدهورت معنويات الأمة اليهودية الشابة المستقلة، وازدادت التوقعات المسيانية عندما اجتاح الرومان، بمساعدة بعض اليهود، وأطاحوا بسلالة الحشمونائيم في عام 63 قبل الميلاد. قامت روما في نهاية المطاف بتعيين حاكم غير شرعي (أي نصف يهودي) في المنطقة. هيرودس، بموافقة روما، حكم بقبضة من حديد. وفقًا ليوسيفوس، أعدم هيرودس العديد من الأشخاص الذين اشتبه في معارضتهم له. وكان من بينهم صهره (رئيس الكهنة)، وحماته، وزوجته الثانية، وثلاثة من أبنائه، وثلاثمائة من القادة العسكريين. ولم يهرب الفساد والعنف من الشعب، حتى بعد هيرودس. مات. وفي مناسبات عديدة، احتجت الحشود على الظلم الذي تعرضت له.

جلب بيلاطس البطني، الحاكم الروماني للمنطقة (حوالي 26-36 م)، إلى القدس (وربما إلى مجمع المعبد) “تماثيل قيصر” بموافقة الطبقة الكهنوتية. وعندما اكتشفت الجماهير التماثيل النصفية، طالب “جموع” بيلاطس بإزالتها. وفي مناسبة أخرى، سمح الكهنة لبيلاطس باستخدام الأموال من خزانة الهيكل لدفع ثمن قناة مائية إلى أورشليم. وعندما اندلعت الاحتجاجات، أرسل بيلاطس جنودًا لتفريق الحشود بالتهديد بقتلهم. وفي مواجهة هذا القمع والفساد، انتشرت حماسة مسيانية أكثر حدة. في هذين القرنين قبل خدمة يسوع، اختبر اليهود توقعًا واسع النطاق لظهور المسيح، الذي سيكون ملكًا من نسل داود ليحرر إسرائيل من خلال التخلص من نير العبودية الإمبراطورية. بحلول الوقت الذي بدأ فيه يسوع خدمته، وفي العقود التي تلت انتهاء خدمته، كانت التوقعات المسيحانية عالية [48]

 

إذا فالمسيا لم يكن سوى ملك محارب في هذه الفترة بمعنى ان الشعب اليهودي كان ينظر إلى المسيا في هذه الفترة إلى انه ملك محارب فموضوع قيامة المسيا من الأموات او انه سوف يموت لم يسيطر على عقول الشعب اليهودي لذلك يظهر لنا الانجيل ان التلاميذ لم يكونوا يفهموا اقوال يسوع بخصوص موته وقيامته لان هذا الشئ كان بعيد عن تفكيرهم في المسيا المنتظر لذلك لا يمكننا القول باختراع اتباع يسوع الأوائل قصة القيامة

 

 

 

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

 

 

الفصل الثالث: المسيح والالهة الأخرى

 

كما وضحنا في الفصل السابق انه من غير الممكن اختلاق قصة القيامة لأنها كانت بعيدة كل البعد عن الخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل ولكن ما المانع من سرقتها من الأديان الأخرى مثلا؟ بمعنى انظر معي لهذا القول من الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز:

 

فبما أن كل الأديان القائمة مؤسسة أوّلاً على إيمان مجموعة بشخص واحد لا يعتقدون أنه إنسان حكيم فحسب، وأنه يعمل لتأمين سعادتهم، بل كذلك أنه إنسان مقدّس عهد الله إليه إعلان مشيئته بصورة فائقة للطبيعة [49]

 

وبالنظرة إلى حياة يسوع التاريخي الذي كان يشفق على الفقراء ويريد تحرير اليهود من خطاياهم حتى لا تأتيهم الدينونة كما ذكر الاب البرت نولان الدومينيكاني:

 

ربّما يسوع قد بدأ بالسير على نهج يوحنا المعمدان بتعميد الشعب في نهر الأردن (يو: ٢٢ – ٢٦. إذا كان الأمر كذلك، فإنّه سرعان ما تخلّى عن تلك الممارسة (يو ١:٤ – فلا دليل أيا كان يشير إلى أنه بعد أن غادر الأردن والبرية، قام بتعميد أي شخص، أو أرسل أي شخص لكي يعمده يوحنّا، أو أي أحد آخر. نظر إليه كثيرون اعتباره خليفة يوحنا المعمدان، ولكن سواء أكان خليفته أم لم يكن، فإنّ يسوع لم يعمد حدا. فعوضا عن ذلك خرج ليطلب، ويساعد ويخدم خراف إسرائيل الضالة.

هنا نحن أمام قرار ثانٍ وإشارة ثانية لا يمكن الجدال بشأنها تشير إلى فكر يسوع نواياه. فهو لم يشعر أنه دعي الخلاص إسرائيل بأن يأتي بكل واحد منهم إلى معمودية لتوبة في نهر الأردن بل رأى أنّ هناك شيئًا آخر لا بد منه، شيئًا له علاقة بالفقراء، الخطأة والمرضى؛ خراف بيت إسرائيل الضالة. إن الشعب الذي أولاه يسوع اهتمامه أشير إليه في الأناجيل بتعبيرات متنوعة: لفقراء، العمي، العرج، البرّص الجوعى، البؤساء، الخطأة، الزناة، العشارين، والذين بهم مس شيطاني، المضطهدين المظلومين، المسبيين، ثقيلي الأحمال، الغوغاء الذين لا يعرفون شيئًا عن القانون، الصغار، خراف بيت إسرائيل الضالة [50]

 

فلا مانع بعد ذلك ان تلاميذه أرادوا ان يكملوا مسيرته فاخترعوا قصة القيامة هذه وكان معهم بولس الذي في الأصل كان فريسي (أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ (سفر أعمال الرسل 23: 6) وذكرنا مسبقاً ان الفريسيين كانوا يؤمنون بقيامة الأموات وموضوع قيامة المسيح كان قد ساعد بولس في نشر تعاليمه عن قيامة الأموات (لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ ٱلرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ ٱللهُ أَيْضًا مَعَهُ (تَسَالُونِيكِي ٱلأُولَى ٤:‏١٤) فأخذوا قصة قيامة الاله يسوع من الأديان الأخرى وهذا تفسير واضح وعقلي عن الحدث

 

ولكن عزيزي هذه الفكرة بعيدة كل البعد لأنه اولاً ليس لدينا دليل على صحتها بل هي تفسير فقط للحدث وهناك على الجانب الاخر دليل ضدها وهي الحالة النفسية لاتباع يسوع الأوائل وهو الخوف من مواجهة نفس مصير يسوع فلا يمكن لهم ان يخترعونها من الأساس بمعنى لم يكن تلاميذ يسوع فعلاً قادرين على اختراع هكذا قصة خوفاً من الموت وكذلك بولس لم يكن ليدمج هذا بذاك لأنه في الأصل كان مضطهد لاتباع يسوع من البداية (“وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ.” (أع 7: 58). “فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي».” (أع 7: 59).

“وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ (أع 8: 1) فإذا أراد بولس ان يخترع هذه القصة لكان معهم منذ البداية ولم يكن بحاجة للهجوم عليهم بل كان منذ ان قالوا بالقيامة لكان ذهب معهم فيعترف بولس بنفسه انه كان يضطهد الكنيسة (“فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلًا فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا.” (غل 1: 13) ومن ثم تحول إلى شخص اخر مباشرة بالإيمان ومؤمن بالقيامة ولم يكن بولس بحاجة لشخص مصلوب مثل يسوع حتى يقوم بتأكيد تعاليمه ويذكر إيرمان الاتي:

 

إنها حقيقة تاريخية أن بعض أتباع يسوع اعتقدوا أنه قام من بين الأموات بعد وقت قصير من إعدامه. نحن نعرف بعض هؤلاء المؤمنين بالاسم؛ أحدهم، الرسول بولس، يدعي بوضوح تام أنه رأى يسوع حياً بعد موته [51] فهذا إذا دليل على ان بولس لم يلفق شيء

 

والنقطة الأهم في كل هذا عزيزي القارئ هو انه لا يوجد شيء اسمه الهة قائمة من الأموات وهذا هو موضوع البحث في هذا الفصل هل حقاً هناك ما يسمى الهة قائمة من الأموات؟

 

في الحقيقة يا عزيزي القارئ لا يمكن لتلاميذ يسوع ان يسرقوا هذه الفكرة من الحضارات الاخرى لانها لم تكن موجودة أصلا لان الله في الحضارات القديمة لم تكن تموت فيذكر لنا جاك شورون:

 

هوميروس يجعل ظل أخيل يعبر عن وجهة النظر السائدة: «أناشدك، يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت، فلن تعيش على الأرض عبدا لأخر… خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية» أن الموت هو الشر الأعظم، تقول سافو.. sapho: « أن الآلهة تعده كذلك وإلا لكانت قد ماتت» [52]

 

فالإنسان خلق الله على صورة الانسان ومثاله بمعنى ان الانسان اعطى لله صفات الكمال التي كانت يريدها وهناك نقطة هامة يذكرها فيورباخ:

 

في كتب زندافستا يعبر عن الشمس والقمر بوضوح على أنهما خالدين بسبب استمرارهم وقال Inca البيروني [من بيرو] الى راهب من الدومنيكان: «إنك تعبد الها مات على الصليب ولكني أعبد الشمس التي أبداً لا تموت» [53]

 

وهنا يجب ان نتوقف لنتسأل إذا كان موت الاله شيء طبيعي في الوثنية لما كان حدث هذا النقد على إله المسيحية بمعنى ان كنت انا أؤمن بشيء واعرف شخصاً يوم بنفس الشيء فكيف اذهب له وأقول هذا وهذاك ولكن على العكس هنا هو يقول له انظر انت تعبد كذا الذي مات وانا اعبد كذا الذي هو لا يموت وهذه نقطة هامة لا يجب ان تمر هكذا مرور الكرام! واحد اهم الاكتشافات الاثرية التي تؤكد حقيقة حدوث السخرية هو نقش Alexamenos graffito

عادةً ما يُنظر إلى النقش على أنه تصوير ساخر للمسيحي أثناء العبادة. في ذلك الوقت، كان الوثنيون يسخرون من المسيحيين لأنهم يعبدون رجلاً مصلوباً [54]

 

ولكن أيضا يا عزيزي نجد ان يوستينوس المدافع المسيحي من القرن الثاني يعترف بالأمر ويقول:

 

وعندما نقول إن المسيح شفى العرج والمشلولين والعميان منذ ولادتهم وأقام الموتى، ألا تنسبون مثل هذه الأعمال إلى أسكلبيوس؟ [55]

 

ومن هنا نستطيع ان نقول ان القصة انتهت بالفعل اعتراف واضح من احد مدافعين الكنيسة في القرن الثاني قال بوضوح هناك تشابه بين يسوع واله الطب عند اليونانيين أسقليبيوس إذا نحن قفلنا هذا الملف بهذا الاعتراف الصريح، ولكن عزيزي هذه سطحية ليس اكثر فمن الحضارات القديمة وفي العهد القديم نجد ان الاله تقوم بالمعجزات هذه ليس المشكلة هنا ولكن النقطة الأهم هي إقامة الموتى فالحقيقة يقول يوستينوس في الاقتباس (وأقام الموتى) هذه الجملة لا يمكن الاخذ بها قبل القول المسيحي بالقيامة لأنه بكل بساطة في الفلسفة او الميثولوجيا اليونانية ليس هناك ما يسمى بقيامة الأموات مرة أخرى وهذا نجده في الالياذة [56] الكتاب المقدس عند اليونانيين

 

ان هذه التحفة هي جنازة باتروكلوس من القرن الرابع قبل الميلاد وتذكر الالياذة الاتي:

ادفِنِّي بأسرعِ ما يمكن حتى يَتسنَّى لي عبور بوابات هاديس؛ فالأرواح psychai، أشباح الرجال الموتى الذين عبَروا، تدفعني وتُبقيني بعيدًا ولن تسمح لي بأن أنضم إليها فيما وراء النهر، ولكني أَهِيم بلا هدفٍ عبْر بيت هاديس ذي البوابات الهائلة [57]

 

ويذكر لنا واحد من اعظم العلماء الكلاسيكيين Erwin. Rohde:

إن طبيعة هذا الثنائي الغامض للبشرية، التي تنفصل عن الإنسان عند الموت وترحل بعد ذلك، يمكن أن تتحقق على أفضل وجه إذا أوضحنا لأنفسنا أولاً ما هي الصفات التي لا تمتلكها. إن نفسية المعتقد الهوميري، كما كان من المفترض، لا تمثل ما اعتدنا أن نطلق عليه «الروح» في مقابل «الجسد». إن كل قوى “الروح” الإنسانية بالمعنى الأوسع – والتي يمتلك الشاعر مفردات كبيرة ومتنوعة بشأنها – هي في الواقع نشطة وممكنة فقط طالما أن الإنسان لا يزال على قيد الحياة: عندما يأتي الموت، لا تعود الشخصية الكاملة مكتملة. في وجود. الجسد، أي الجثة، يصبح الآن مجرد “أرض لا معنى لها” ويتساقط إلى أشلاء، بينما تبقى النفس دون أن تمس [58]

 

ويذكر ايضاً جاك شورون:

ينظر إلى النفس على أنها ذات أصل سماوي وأنها تقطن الجسم كما لو كانت سجينة، وبوسعها الهرب عند الموت واستعادة ألوهيتها. وكما يشير کورنفورد، فليس ثمة هوة هنا بين الإلهي والإنساني على نحو ما نجد في اللاهوت الهومري والخلود بهذا المعنى يتميز على نحـو حـاد عـن الدوام المحض» [59]

 

وعن الجانب الفلسفي كانت الفلسفة الرواقية هي المنتشرة في هذه الفترة حتى ان بولس كما هو مشهور عنه تعلم منهم الفلسفة فتبالي يجب ان ينظر إلى الفلسفة الرواقية كيف كانت ترى قيامة الموتى او الخلود في عالم اخر وكان من الفلاسفة المشهورين في هذا العصر واعني بكلامي عصر التلاميذ هو الفيلسوف الرواقي سينيكا فيقول عنه الفيلسوف المصري عثمان امين:

 

فلسنا ندرى مثلا إذا كان سنكا يرى أن الله شخص مستقل عن الكون – كما هو الحال عند أرسطو – أم أن الله والكون أمر واحد، كما رأى أهل الرواق الأولون. ولسنا نعرف على التحقيق إذا كان العالم عنده يحكمه «القدَر» المحتوم أو تسهر عليه عناية مديرة، ولا إذا كانت الروح – كما يرى أفلاطون – من فيض الله وإلى الله تعود، أم هي كما يقول الرواقيون تفنى بفناء الجسد والحقيقة أن سنكا لا يرى لهذه الأمور أهمية عظيمة. ذلك أنه كغيره من فلاسفة الرواق فى رومه لا يتمثل العلم الحقيقي إلا ما كان متجها إلى الأخلاق من أجل هذا نراه يعد الميتافيزيقا منفصلة عن الأخلاق جدلا باطلا، ومضيعة للعمر فيما لا يستحق أن يلتفت إليه [60]

إذا لا يمكننا القول انه قبل انتشار المسيحية وانتشار معها قيامة المسيح ان هناك مفهوم عن القيامة الجسدية كما هو موضح في ترنيمة فيلبي [61] كان هناك نفس المفهوم في الثقافات القديمة بخصوص موضوع الالهة التي كانت تموت وتقوم في الاساطير القديمة

 

فيقول عالم الاشوريات Gerfrid G. W. Müller: أن العصور القديمة غير المسيحية لم تعرف أبدًا شيئًا مشابهًا للفصح المسيحي [62]

 

ومن هنا نأتي لدراسة قدمها المؤرخ السويدي Tryggve N.D. Mettinger في كتابه لغز القيامة “الآلهة المحتضرة والقائمه” في الشرق الأدنى القديم فيقول:

 

كبار العلماء في مجالات مقارنة الأديان والكتاب المقدس يجدون أن فكرة موت الآلهة وقيامتها مشبوهة أو لا يمكن الدفاع عنها [63]

 

ولكنه يقول أيضا بخصوص موت أدونيس:

يبدو من الصعب القول بأن موضوع موت أدونيس وقيامته كان نتيجة لمصادرة فكرة مسيحية. فقط إذا كان التاريخ ما قبل المسيحي لفكرة قيامة أدونيس غير محتمل بشكل مباشر، سيكون من الممكن الجدال لصالح مثل هذا التفسير. لكن هذا ليس هو الحال بالتأكيد [64]

 

حسناً إذا؟ ما الصواب هنا فهناك تناقضات في هذه القصص التي لها علاقة بموت الالهة وقيامتها في الحضارات القديمة فمن يقول انه لم يحدث ذلك ومن يقول انها حدثت نحن نريد دليل قاطع على هذا الفعل حتى ننهي هذه القصة، يقدم المؤرخ نفس التساؤل ويقول:

 

والسؤال المطروح أمامنا، حول ما إذا كان هناك في الشرق الأدنى القديم فكرة ثابتة عن الثلاثية، يجب أن يكون في النهاية ومن الحكمة أن نعترف باحتمالية حدوث ذلك، ولكن هذا لا يزال بعيدًا عن كونه حقيقة [65]

 

يقصد هنا بالثلاثية هو الموت والقيامة بعد ثلاث أيام كما في قصة المسيح ولكنه يقول ان هذا الموضوع لا يزال بعيداً عن كونه حقيقة بل هو احتمالية أي ليس الموضوع مؤكد وهذا بالطبع نتج عن دراسة للمصادر المتضاربة في القصص واختلاف الاقوال فنحن اذن لا يمكننا القول بصريح العبارة على تأكيد موت وقيامة الالهة في الحضارات القديمة وهذا الشيء قدم فيه المؤرخ وعالم العهد الجديد N. T. Wright دراسة في كتابه (قيامة ابن الله)

 

فيقول:

كان الطريق إلى العالم السفلي يسير في اتجاه واحد فقط. في جميع أنحاء العالم القديم، بدءًا من “الكتاب المقدس” لهوميروس وأفلاطون [66]

 

ويقول أيضا:

كان الشعور بالموت بمثابة خسارة فادحة لكل من المحتضر والثكلى، وكان من النادر حقًا أن يتغلب هؤلاء (سقراط، وربما سينيكا) على مثل هذه المشاعر. ما هو الحل؟ إذا تم النظر إلى التجسيد أو إعادة التجسيد على أنه مشكلة، فإن الحل النهائي سيكون الهروب منها تمامًا. ولكن إذا كان الموت، أي انفصال الروح عن الجسد، هو المشكلة – كما كان الحال من قبل الغالبية العظمى من الناس، كما تشهد بذلك نقوش المقابر والطقوس الجنائزية في جميع أنحاء العالم القديم – فلا يوجد حل.

كان الموت قويا. لا يمكن للمرء الهروب منه في المقام الأول ولا كسر قوته بمجرد مجيئه. وهكذا انقسم العالم القديم إلى أولئك الذين قالوا إن القيامة لا يمكن أن تحدث، على الرغم من أنهم ربما أرادوا ذلك، وأولئك الذين قالوا إنهم لا يريدون أن يحدث ذلك، مع العلم أنه لا يمكن أن يحدث على أي حال [67]

 

ولكن نحن لدينا أقدم شهادة بعيداً عن كل هذه التناقضات في قصص موت الالهة وهي قصة ايزيس واوزوريس هي قصة قبل المسيحية بقرون عديدة وهي مذكورة في نصوص الأهرام هذه النقوش القديمة وثقت الحدث فلا داعي إذا للخلاف والجدال بشأن القصة يبدوا ان المسيحيين اقتبسوا قيامة المسيح منها! ولكن يا عزيزي القصة لا تتحدث ابدا عن اله مات وقام وهذا ما تذكره لنا الموسوعة البريطانية

 

منذ حوالي عام 2000 قبل الميلاد فصاعدًا، كان يُعتقد أن كل رجل، وليس فقط الملوك المتوفين، أصبح مرتبطًا بأوزوريس عند وفاته. ومع ذلك، فإن هذا التماهي مع أوزوريس لا يعني القيامة، فحتى أوزوريس لم يقم من بين الأموات [68]

 

على العموم نحن ليس لدينا دليل قاطع يؤكد حقيقة قيامة الالهة من الموت كما حدث في قصة يسوع حتى لو كان هناك قيل هنا وهناك فهذا ليس دليلاً قاطعاً على العكس من ذلك نجد ان الموت كان شراً والالهة لا تموت وحتى الحياة الأخرى كانت ليست حياة جسدية بل روحية لان المادة كانت تعد شراً وحتى ان قلنا بوجود هذه الأفكار هذا لا يعني بالضرورة انها سرقت لتوضع على يسوع فكما قلنا في الفصل السابق عن طبيعة الحياة الثقافة والاجتماعية التي عاش فيها تلاميذ يسوع هي بعيدة كل البعد عن اختلاق قصة موت وقيامة المسيا المنتظر وفي النهاية اريد ان اختم هذا الفصل بقول الفيلسوف الألماني فيورباخ:

 

وهكذا فقد أزالت المسيحية «الروحانية» الصبغة الروحية عما كان روحانياً بالنسبة للمسيحيين فإن خلود العقل، النفس، كان تجريدياً وسلبياً إلى درجة كبيرة؛ فلم يكن لهم في قلوبهم غير الخلود الشخصي، وهو بحد ذاته كان سيرضي مشاعرهم، وضمان هذا يكمن في قيامة جسدية فحسب. قيامة الجسد هي أكبر انتصار للمسيحية على روحانية وموضوعية القدامى الساميتين، لكنهما حتماً تجريديتان. لهذا السبب لم يكن ممكناً قط استيعاب فكرة القيامة من قبل العقل الوثني [69]

 

 

الفصل الرابع: هلاوس تلاميذ يسوع والقيامة الروحية

 

حسناً لم يخترع تلاميذ يسوع قيامته ولكنهم قالوا بشيء هم رأه بأنفسهم وهو يسوع نفسه فقول بولس (“وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.” (1 كو 15: 5). “وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.” (1 كو 15: 6).

حقاً قد راه ولكنها كانت مجرد هلاوس وهذا له تفسير علمي وهي Grief hallucinations او هلاوس الحزن ويظن المصاب بها انه يرى الميت كانه مازال معه [70] فهي حدثت لاتباع يسوع وظنوا انه قام ولكن القيامة هنا ليست جسدية بل روحية لانهم تأثروا بمفهوم القيامة الروحية التي كانت عند الفريسيين والحضارات الأخرى وظنوا انه تمجد كاله في السماء (“لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ” (في 2: 9) وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ: أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ” (عب 8: 1) وبهذا لم يكذب تلاميذه ولم يختلقوا شيء بل ما حدث ان القصة تطورت فيما بعد كما حدث مع غيرها من القصص في العالم القديم بمعنى

 

يسوع صلب مات شاهد تلاميذه مجموعة من الهلاوس ظنوا انه قام بمفهوم القيامة الروحية بشروا به تطورت الفكرة إلى ان وصلت للقيامة الجسدية

 

وهكذا أصبح لدينا تفسير عقلاني عن الحدث وقريب من ثقافة التلاميذ ونستطيع ان نستدل عليه علمياُ ويفسر سبب ايمان التلاميذ الشديد والتضحية بأنفسهم من اجل يسوع ومن هنا نستطيع القول انتهت القصة، ولكن لا لم نقل انتهت القصة لأننا كما ذكرنا في الفصل الأول ان بولس ومرقس نقلوا ايمان التلاميذ وعائلته مباشرة منهم وفي هذه الكتابات لم تكن قيامة المسيح روحية ابدا

 

وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ.” (مر 16: 1)”وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.” (مر 16: 2) وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: «مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟»” (مر 16: 3)”فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا.” (مر 16: 4)”وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ.” (مر 16: 5) فَقَالَ لَهُنَّ: «لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ.” (مر 16: 6) لكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ: إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ».” (مر 16: 7)

 

وهذه نقطة تاريخية وهي نقطة قبر المسيح الفارغ هل كان فعلاً قبر المسيح فارغاُ كما ذكر في انجيل مرقس ام لا؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا ان نطرح سؤال اخر وهو هل دفن المسيح أصلا؟

 

في البداية حسب نصوص الكتاب المقدس اليهودي (العهد القديم) انه يجب ان يتم دفن المتوفي

(تث 21: 23 23) فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا. “وَكَانَتْ حَيَاةُ سَارَةَ مِئَةً وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِنِي حَيَاةِ سَارَةَ. وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا. وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلًا: «أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي».” (تك 23: 1-4)

 

والنقطة الثانية يذكرها لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans الا وهي الدليل الاثري الذي يؤكد دفن المصلوب، فيقول:

 

يقدم الاكتشاف المهم في عام ١٩٦٨م لمعظمة (مَعظَمة رقم ٤ في مقبرة، Givat ha-Mivtar خاصة برجل يهودي يسمى ياهوحنان Yehohanan، والذي قد صُلب على الأغلب، دليلاً أثريا ورؤية للكيفية التي قد تم بها صلب يسوع. ترجع المعظمة ومحتوياتها إلى أواخر العشرينيات بعد الميلاد – أي خلال فترة حكم بيلاطس ذات الحاكم الروماني الذي حكم على يسوع بالموت صلبًا [71]

 

ان هذه القطعة هي جزء من جسد هذا الرجل الميت

ويذكر أيضا Craig A. Evans:

يمكن رؤية بقايا المسمار الحديد (طوله ١١،٥ سم) مغروسة في عظم الكعب الأيمن. يبدو أنَّ أولئك الذين أنزلوا ياهوحنان لم يقدروا على إزالة المسمار، مما أدى إلى أنَّ قطعة من الخشب (من شجرة زيتون) ظلت متصلة بالمسمار[72]

 

ويذكر أيضا الناقد ريموند بروان: من الممكن أن تكون بعض العوامل التاريخية قد أثرت على ذكرى المكان. أحد أقرباء يسوع، يعقوب “أخ الرب”. كان شخصية رئيسية في المجتمع المسيحي في القدس (غل 2: 9) بعد قيامة يسوع مباشرة (1 كور 15: 7: “ظهر ليعقوب”) حتى عام 62 م عندما تم إعدامه على يد رئيس الكهنة حنانوس الثاني. (Josephus، Ant. 20.9.1; 200) في تلك الفترة ربما كان لديه اهتمام عائلي بالقبر، وهو اهتمام يمكن أن يكون تقليدًا حيًا بين أقارب يسوع الذين من المفترض أنهم كانوا بارزين في فلسطين. المسيحية حتى القرن الثاني (Eusebius، EH 3.19-20) [73]

 

اذن نحن لدينا هنا ثلاث نقاط هامة (الدفن هو فرض على اليهودي، الاكتشافات الاثرية تؤيد حقيقة دفن المصلوبين وخاصة اليهود منهم، حقيقة اهتمام عائلة يسوع بقبره وكان تقليداً ليعقوب حتى سنة 62 م) فنستطيع ان نقول نعم يسوع دفن فلا يوجد دليل ينفي انه لم يدفن ولكن على العكس الأدلة تقف في صف الدفن اذن فلا يمكننا رفض عدم دفن يسوع ولكن نستطيع القول بحقيقة دفنه

 

والنقطة الثانية هي القول بحقيقة ان قبره كان فارغاً كما ذكر في (مر 16: 6) ماذا لدينا من معطيات نستطيع دراستها؟ يقدم لنا متى هذه المعطيات (فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً” (مت 28: 12) قَائِلِينَ: «قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلًا وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ.” (مت 28: 13) فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.” (مت 28: 15)

 

إذا كان هناك ادعاء واضح وصريح ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع ولكن أيضا الا يبدوا هذا الادعاء ينفي حقيقة قيامة المسيح من الأساس اعني لماذا لا نأخذ ادعاء اليهود على محمل الجد ونقول فعلاً ان تلاميذه سرقوا جسده؟

بكل بساطة يا عزيزي هذا الادعاء لا يصح بسبب عقوبة مذكورة في نقش الناصرة فيذكر لنا Joseph M. Holden وNorman Geisler: تم اكتشاف نقش في الناصرة عام 1878 يحظر سرقة المقابر، يعود تاريخه إلى زمن أغسطس قيصر وكلوديوس قيصر. وبما أن الناصرة كانت قرية صغيرة، فقد توقع العلماء أن المرسوم ربما صدر رداً على الشائعات التي نقلتها السلطات في إسرائيل بشأن سرقة قبر يسوع، ولكن ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح [74]

 

وماذا بعد؟ المرجع نفسه يقول (ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح) فلا يمكننا الاستدلال عليه أصلا من اجل اثبات حقيقة القيامة فيصبح النقش بلا فائدة والاستدلال به مجرد استخفاف بالعقول!!

 

ولكن من قال ان الاستشهاد بالنقش الهدف منه هو اثبات حقيقة القيامة؟ بالطبع من يستخدمه لأثبات حقيقة القيامة هو الذي يجعل مشاعره تقوده ولكن ليس الهدف منه هو التأكيد على القيامة ولكن التأكيد على الحكم المترتب على سرقة القبور وهذا أيضا ما وضحه الناقد ريموند بروان من فائدة هذا النقش فيقول:

 

لا يوجد دليل جدي على أن بيلاطس قدم أي تقرير من هذا القبيل، أو أن روما كانت مهتمة بالمشكلة، أو أن مثل هذا النقاش حدث مباشرة بعد قيامة يسوع. ومع ذلك، فإن النقش يملأ خلفية قصة حارس القبر. فمن ناحية، يُظهر أن انتهاك القبر كان خطيرًا للغاية وربما ارتكاب الجنود الرومانيين للانتهاكات عندما كان هناك سبب لتوقع سرقة جثة شخص كانت وفاته ذات سمعة سيئة. ومن ناحية أخرى، فإن المعرفة العامة بأن أولئك الذين يسرقون جسداً سوف يعاقبون بشدة من قبل الرومان قد تجعل القراء يدركون سخافة الادعاء اليهودي بأن التلاميذ الذين فروا عندما تم القبض على يسوع قد اكتسبوا الآن الشجاعة لسرقة جسد يسوع [75]

 

فإذا هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد وهذا يدل على ان قبر يسوع كان فارغاً وهناك على الجانب الاخر تأكيد على انه من المستحيل ان يسرق تلاميذ يسوع جسده خوفاً من الموت ولكن هل حقاً كان هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد؟ أي ما الدليل على ان موضوع القبر الفارغ كان مشهوراً في اليهودية بعد موت يسوع او على الأقل قبل كتابة متى لأنجليه؟

 

في مناظرة وليم لين كريج وعالم العهد الجديد الملحد ليدمان قام كريج بوضع سؤال واضح وهو لماذا لم يكشف اليهود لاتباع يسوع جسد يسوع؟

 

فيقول اللاهوتي Paul Copan واستاذ الفلسفة Ronald K.Tacelli الذين قاموا على جمع هذه المناظرة في كتاب:

هنا يبدو أن ليدمان قد ترك جناحه مكشوفًا عن غير قصد؛ لأنه إذا كان أعداء يسوع قد دفنوه فلا بد أنهم عرفوا مكان قبره. فقط لو كان تلاميذه قد دفنوه وأبقوا الموقع سرا عن أعدائه، لكان من الممكن أن لا يتمكن الأخير من الإشارة إلى قبر يحتوي على جثة يسوع. حسنا، ليس تماما “فقط”. مثل أعداء يسوع، يمكن لليندمان أن يقترح السرقة من قبل تلاميذ يسوع. ما يفعله ليندمان بدلاً من ذلك هو الإشارة إلى أن التلاميذ لم يبدأوا بالتبشير بقيامة يسوع إلا بعد وقت طويل من موته (بعد خمسين يومًا وفقًا لأعمال الرسل 1: 3 مع 2: 1، 24-28) بحيث “لن ترى” بقي الكثير [من الجسم).” لكنك سترى شيئًا ما، على الأقل الهيكل العظمي؛ وسترون أن القبر كان مشغولا، وليس فارغا. لذا فإن سؤال كريج يحتفظ بقوته: لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟ [76]

 

ولكن هذا الاقتباس الاعزال لا يثبت قول اليهود بسرقة الجسد بأي شكل من الاشكال فهو اقتباس تم القول به على اثبات انه بالفعل اليهود قالوا ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع فبدون التأكيد على هذا الحدث يصبح هذا الاقتباس بلا فائدة

 

ولكن الدليل واضح امامنا هو ما قدمه الانجيل نفسه فيذكر عالم اللاهوت الأمريكي Hagner، D. A:

 

كتب الإنجيلي (μέχρι τῆς σήμερον [ἡμέρας]، “إلى الحاضر [اليوم]”)، قصة أن تلاميذ يسوع سرقوا الجسد استمرت في انتشار على نطاق واسع بين الشعب اليهودي (بعد عدة عقود انعكس هذا في حوار يوستينوس (، Dial. 108.2). لا تشير هذه العبارة إلى تاريخ الإنجيل ولكنها متوافقة تمامًا مع تاريخ ما قبل سنة سبعين [77]

 

إذا كانت هذه القصة منشرة قبل سنة 70 ميلادياً وقد اثرت هذه القصة في اليهود حتى بعدها بقرن وقال بها أيضا تريفون في حواره مع يوستينوس في القرن الثاني:

 

وبالرغم من أن السيد المسيح أعلن لكم أنه سيعطيكم آية يونان طالبًا منكم أن تتوبوا عن خطاياكم على الأقل بعد قيامته من الأموات وأن تنوحوا أمام الله كما فعل أهل نينوى حتى لا تهلك أُمتكم ومدينتكم كما حدث ولكنكم لم ترفضوا التوبة بعد علمكم بقيامته من الأموات فحسب، بل أيضًا. كما قلتُ من قبل. اخترتم بعض الرجال وكلفتموهم ليطوفوا المسكونة جمعاء ويقولوا: “إن هرطقة كافرة ومخالفة للناموس أسسها رجل جليلي مُضِل يُدعى. يسوع وقد صلبناه ولكن سرق تلاميذه الجسد من القبر ليلا [78]

 

ونطرح أيضا السؤال الاتي ما الذي يجعل الإنجيلي يخترع هذه القصة أصلا؟ فموضوع اختراع هذه القصة ليس له أي أهمية بالعكس كان يستطيع ان يخترع شيء اخر أكثر اقناعاً بحقيقة القيامة كمثال ان رئيس الكهنة رأى القيامة وقتله او مثلا ان أحد مجمع السنهدرين رأى القيامة هناك الكثير من القصص التي نستطيع ان نضعها في هذا المكان لذلك نجد عالم العهد الجديد Robert Stein يقول:

 

“[حتى] لو أنها نشأت في وقت متأخر، لما كانت هناك حاجة لخلق مثل هذا الجدل. في مثل هذا التاريخ كان من الممكن أن يثير المرء أسئلة مثل “أي قبر فارغ؟ ومن أين يأتي هذا الادعاء الجديد بأن القبر الفارغ كان خاليا؟ لم نسمع قط أي شيء عن قبر فارغ». إن حقيقة أن الجدل اليهودي لم يعترض أبدًا على وجود القبر الفارغ يشير إلى أن هذا التقليد قديم جدًا. يفترض مثل هذا التنازل أن المسيحيين منذ البداية أعلنوا أن قبر يسوع كان فارغاً. وربما يشير أيضًا إلى أن زعماء اليهود وجدوه فارغًا [79]

ويضع ريموند براون هذه الجزئية الخطيرة فيقول لقد دفن يسوع في مكان معين. ولو كان هذا المكان معروفا، لكان من الممكن زيارته في وقت معين. إذا تمت زيارة القبر وكان يحتوي على جثة أو هيكل عظمي ليسوع، فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نفهم كيف كان يمكن للتلاميذ أن يكرزوا بأن الله أقام يسوع من بين الأموات، لأنه سيكون هناك دليل دامغ على أنه لم يقم. ومن المؤكد بشكل معقول أن القبر لم يكن معروفًا، أو أنه كان فارغًا إذا كان معروفًا [80]

إذا اما قبر يسوع لم يكن معروفاً او كان معروفاً وفارغاً ولكن ما الاصح بينهم؟

 

يكمل بروان ويقول:

إن التقليد القائل بأن القبر كان معروفًا وكان فارغًا هو أقدم بكثير من روايات الإنجيل التي تم بناؤها حول اكتشاف القبر الفارغ. وهي تستحق الأفضلية على الفرضية غير المدعومة بشكل جيد بأن مكان دفن يسوع كان غير معروف [81]

 

وكما قلنا مسبقاً ان قبر يسوع كان معروفاً لدى اتباعه اقتباس عن ريموند بروان وبتالي سيكون معروفاً أيضا لأعداءه وهنا تظهر حجة وليم لين كريج مجدداً (لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟) وموضوع سرقة جسد يسوع ليس له فائدة كما واضحنا مسبقاً ويقدم أيضا كريج شيء مهم في كلامه وهو الاجماع العلمي فيقول:

وجد غاري ها بيرماس (Gar Habermas) في، مسح لأكثر من ۲۲۰۰ منشورًا عن القيامة بالإنكليزية والفرنسية والألمانية منذ ١٩٧٥ أنَّ ٧٥٪ من العلماء يقبلون تاريخية اكتشاف قبر يسوع الفارغ. ” ويُعد الدليل قاطعًا حتى إن عددًا من العلماء اليهود، مثل فينحاس لا پيد وجيزا فيرمس (Geza Vermes)، صرَّحوا أنهم مقتنعون على أساس البرهان أن قبر يسوع وجد فارغا [82]

 

إذا يمكننا إعادة رسم المخطط على النحو التالي:

مات يسوع – دفن يسوع – قبره كان فارغاً – ظهر لتلاميذه – بشر تلاميذه بقيامته

 

 

 

[1] The Resurrection: Influence on the Church in the First Decades (crivoice.org)

[2] تاريخ الاحداث الكبرى – ص 106

[3] كتاب التاريخ والمؤرخون – حسين مؤنس – ص 51

[4] The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings by Bart D. Ehrman، P. 40

[5] Ibid، P. 41

[6] النقد التاريخي لـ أنجلو اوسينوبوس وبول ماس وامانويل كنت، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص 45

[7] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings، 5th ed. (New York: Oxford University Press، 2012)، 72–74

[8] Coan، J.A. (1997). Lost in a Shopping Mall: An Experience with Controversial Research. Ethics & Behavior

[9] https://www.eurekalert.org/pub_releases/2016-12/uow-hop120716.php

[10] لقاءات شخصية مع يسوع – تيموثي كلر – ص 82

[11] The Influences of Emotion on Learning and Memory – PMC (nih.gov)

[12] Dunn، James D. G. (2003). Jesus Remembered، p. 339

[13] THE EVOLUTION OF THE IDEA OF GOD: AN INQUIRY INTO THE ORIGINS OF RELIGION BY GRANT ALLEN)، P. 3

[14] موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الايام الاخيرة ليسوع؟ ص 56

[15] مكتبة عين الجامعة» اللغة العربية» الأسلوب الروماني في الأدب والفن والحياة – أديث هاملتون – ترجمة حنا عبود – ص 5

[16] مقدمة للعهد الجديد ج2 – القرائن المنهجيات وتكوين الخدمة – ديفيد أ ده سيلفا – ترجمة بيار فرنسيس – ص 17

[17] The Pre-Christian Paul [London: SCM Press، 1991]، p. 38

[18] Cambridge Bible commentary، 1 CO 15: 3

[19] [19] مقدمة للعهد الجديد ج2 – القرائن المنهجيات وتكوين الخدمة – ديفيد أ ده سيلفا – ترجمة بيار فرنسيس – ص 27

[20] مختصر تاريخ الكنيسة – ص 58

[21] Did Paul Get Along with the Other Apostles? – The Bart Ehrman Blog

[22] الاقناع – ديف لاكاني – ترجمة زينب عاطف – ص 52

[23] تاريخ الكنيسة المفصل – المجلد الأول – ترجمة صبحي حموي اليسوعي – ص 34

[24] كان مرقس ترجمان بطرس فكتب بدقة، لا بترتيب، كل ما تذكّره من أقوال الرب وأعماله. فهو لم يسمع الرب ولم يتبعه، بل كما قلت، تبع بطرس فيما بعد. قدَّم بطرس تعليماً حسب الحاجة ولم يؤلف أقوال الرب تأليفاً مرتباً. وهكذا لم يخطئ مرقس حين دوّن بعض هذا التعليم كما تذكَّره. لم يكن لديه إلا هَمّ واحد؛ أن لا يهمل شيئاً مما سمعه، أن لا يقول شيئاً كاذباً (بولس الفغالي – الأناجيل الإزائية، متى – مرقس – لوقا (1994) الفصل العاشر: مدخل إلى إنجيل مرقس)

[25] An Introduction to the New Testament: The Abridged Edition by Raymond E. Brown، P. 158

[26] Ibid، P. 160

[27] مدخل إلى العهد الجديد – ص 187، 188

[28] مقدمة للعهد الجديد ج1 – – ديفيد أ ده سيلفا – ص 265

[29] An Introduction to the New Testament by D. A. Carson and Douglas J. Moo) P، 175

[30] Bart D. Ehrman، Did Jesus Exist?: The Historical Argument for Jesus of Nazareth، (New York: HarperOne، 2012) 172، Kindle edition، ch. 4–5، “Evidence for Jesus Outside the Gospels” and “Two Key Data for the Historicity of Jesus

[31] روح الشرائع – الباب الرابع عشر – الفصل الأول

[32] اصل الدين – فيورباخ – ترجمة احمد عبد الحليم عطية – ص 41

[33] رسالة في التسامح – فولتير – الفصل الثالث عشر

[34] التلمود عرض شامل – أ. كوهن – ص 443

[35] المرجع السابق – ص 444

[36] المرجع السابق – ص 445

[37] التفسير الكتابي اتباع نهج تكاملي – دبليو راندولف تاتي – ترجمة د عادل زكري – ص 113

[38] John Gill’s Exposition of the Bible، Deuteronomy 11:9

[39] جاسم حسین یوسف، العلاقة بين البشر والآلهة في بلاد الرافدَيْن في ضوء النصوص المسمارية، مجلة مركز دراسات الكوفة، العدد ٤٩، ٢٠١٨، ص١٤٧

[40] التلمود عرض شامل – أ. كوهن – ص 446

[41] الاسانيون وقمران ويوحنا المعمدان ويسوع – هارتموت شتيغيمان – تعريب الاب خليل شحادة – ص 198

[42] نظرة عامة على تاريخ المسيحية – مايكل باركر – ص 29

[43] تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود – فراس السواح – ص 253

[44] الصفحة السابقة

[45] المرجع السابق – ص 256

[46] Resurrection of the Dead in Early Judaism 200 bce–ce 200 by C. D. ELLEDGE. P 106

[47] New Testament History، Culture، and Society A Background to the Texts of the New Testament Lincoln H. Blumell، P. 74

[48] Ibid

[49] اللفياثان – توماس هوبز – ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب – ص 127

[50] يسوع قبل المسيحية – البرت نولان الدومينيكاني – ص 47، 48

[51] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings. Third Edition (New York، Oxford: Oxford University Press، 2004)، 276

[52] الموت في الفكر الغربي – جاك شورون – ص 34

[53] أصل الدين – فيورباخ – ترجمة احمد عبد الحليم – ص 50

[54] The Incarnation In Herbermann، Charles Catholic Encyclopedia. Vol. 7

[55] الدفاع الأول – الفصل الثاني والعشرون

[56] يذكر لنا سليمان البستاني مترجم الالياذة عن الزمن الذي عاش فيه مؤلفها فيقول: أن مؤرخي الرومان مجمعون على أن هوميروس نبغ قبل بناء رومية بقرن ونصف، فإذا أضفنا ذلك إلى ٧٥٣ وهي السنة التي بنيت فيها رومية كان نبوغ هوميروس نحو سنة 903ق.م (الالياذة – سليمان البستاني – ص 20) وهذا يدل على ان عمر تأليف هذه الملحمة كانت قبل المسيح ب 9 قرون تقريباً

[57] الإلياذة، ٢٣، ٧١–٧٤

[58] Psyche: the cult of souls and belief in immortality among Greeks. by Erwin. Rohde، P.5

[59] الموت في الفكر الغربي – جاك شورون – ص 53، 54

[60] الفلسلة الرواقية – عثمان امين – ص 194

[61] الاصحاح الثاني من الرسالة إلى فيلبي وبالتحديد هذا المقطع: +[2:6 الذي اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله 2:7 لكنه اخلى نفسه اخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس 2:8 واذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب 2:9 لذلك رفعه الله ايضا واعطاه اسما فوق كل اسم 2:10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض 2:11 ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب]

[62] Müller، G.G.W. 1994. “Akkadische Unterweltsmythen.” TVAT 3: fascicle 4 ([S]o etwas wie ein Osterfest hat die ausserchristliche Antike offenbar nicht gekannt)

[63] The Riddle of Resurrection “Dying and Rising Gods” in the Ancient Near East by Tryggve N.D. Mettinger، P. 17

[64] Ibid، P. 153، 154

[65] Ibid، P. 215

[66] THE RESURRECTION OF THE SON OF GOD by N. T. Wright، P. 82

[67] Ibid

[68] Osiris | Description، Myth، Symbols، & Facts | Britannica

[69] جوهر المسيحية – فيورباخ – ص 217

[70] Baethge، Chr.2002). Grief hallucinations: True or pseudo? Serious or not? An inquiry into psychopathological and clinical features of a common phenomenon. Psychopathology، 35، 296-302.

[71] موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الايام الاخيرة ليسوع؟ – ص 87، 88

[72] المرجع السابق – ص 88

[73] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1281

[74] The Popular Handbook of Archaeology and the Bible: Discoveries That Confirm the Reliability of Scripture by Joseph M. Holden and Norman Geisler، P. 363

[75] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1294

[76] Jesus’ Resurrection: Fact or Figment?: A Debate Between William Lane Craig Gerd Ludemann by Paul Copan (Editor)، Ronald K. Tacelli، P. 88

[77] Hagner، D. A. (2002). Vol. 33B: Word Biblical Commentary: Matthew 14-28. Word Biblical Commentary (877). Dallas: Word، Incorporated.

[78] الحوار – الفصل 108

[79] Jesus the Messiah: A Survey of the Life of Christ by Robert H. Stein، P. 265

[80] The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus by Raymond E. Brown، P. 126

[81] Ibid

[82] مستعدون للمجاوبة – ص 266

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

وقام في اليوم الثالث

 

أشعة النور الروحية[1]

إن كانت هناك بركة أبوية قد تأكدت بروح الله، وإن كان هناك أى صلاح للناموس الروحي، قد ترّجى المجاهدون بالروح أن يحصلوا عليه، مؤمنين بالوعد، وإن كنا نؤمن بأن الحقيقة قد صيغت مُسبقًا من خلال تلميحات التاريخ، وإن كان هناك صوت نبوي قد بشّر بالأمور السمائية، فإن كل هذه الأمور مجتمعة تُمثّلها النعمة الحاضرة ” التي نحن فيها مقيمون“. ووفقًا لهذا المشهد الذي يمتد أمام أعيننا ويبهر أبصارنا من كل جهة، كما من نور مُركّز ينبثق من عشرات الألوف من المشاعل، هكذا هى بركة المسيح التي تُشرق، فتبعث فينا هذا النور العظيم والذي يتشكل من أشعة الكتاب المقدس الكثيرة والمتنوعة. لأنه يمكن للمرء أن يأخذ من كل واحد من أولئك الملهمين بالروح، نماذج تناسب احتفال هذا اليوم. اطلب البركة التي نالها إبراهيم (تك4:26). إذا كان لديك إيمانًا بما تطلبه ستراه في الحاضر. هل ترى نجوم السماء؟ أعني بها تلك النجوم التي جعلها الروح تُشرق لأجلنا، والتي حوّلت الكنيسة فجأة إلى سماء، والتي بها استُعلنت النعمة المبهرة للنفس، من خلال أشعة النور الروحية. إن قال أحد بأن هؤلاء هم بالحقيقة أبناء لإبراهيم، والذين وهبهم الله له بالوعد الإلهي، والذين هم مثل نجوم السماء، فهذه حقيقة، والحقيقة لا تُخطئ. يجب أن تندهش لموسى النبي الذي وصف كل خليقة الله بالتفصيل، بقوة المعرفة. وأن تضع أمامك السبت المبارك الذي حدده الله لأول مرة عندما خلق العالم، ولتدرك من خلاله، يوم التوقف عن العمل، الذي باركه الله أكثر من الأيام الأخرى. لأن في هذا اليوم بالحقيقة قد استراح ابن الله الوحيد الجنس من أعماله، بتدبير موته، الذي بحسبه قد استراح بالجسد. وبعدما قام من بين الأموات، أقام معه كل الأموات، وأصبحت هناك حياة، وقيامة، وشروقًا، وفجرًا جديدًا، ونورًا لكل من كان يحيا في الظلمة وظلال الموت.

 

سر الموت والقيامة:

         والتاريخ المقدس ملئ بالبركة، إبراهيم لم يشفق على ابنه المحبوب وحيده، الذي صار تقدمة وذبيحة، ثم أرسل له الله الخروف الذي ذبح بدلاً منه (تك13:22). أى أنه يمكن للمرء أن يرى سر إيماننا في أحداث التاريخ المقدس. الخروف علّقوه من قرنيه على الخشب، بينما الابن الوحيد الجنس حمل خشب ذبيحته على كتفه (تك6:22). أرأيت كيف أن ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب3:1)، هو نفسه يحمل ثقل أحمالنا، ليرفعها على الصليب الذي حمله كإله، وأيضًا الذي حمل الخشبة كحمل، قسّم الروح القدس للاثنين أُعطى للابن المحبوب، وللخروف الذي أشار إليه الله نصيبًا من الروح القدس، وهذا سر عظيم، حتى يُظهر أنه بالخروف يُستعلن سر الموت، وبالابن الوحيد تُستعلن الحياة التي لا تنقطع بالموت؟ وإن أردت سأوضح لك هذا، من خلال موسى النبي الذي برفع يديه، رَسم شكل الصليب، وبهذا الشكل هزم عماليق (خر11:17)، إنك تستطيع أن ترى المثال وهو يتحقق في الواقع، فعماليق يُهزم بالصليب. أمامك أيضًا إشعياء النبي الذي يقدم لك تقدمة كبيرة، توضح لك مقدار عطية الله في هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة). لأنني تعلّمت منه أمور كثيرة، عن الأم العذراء، عن الطفل الذي بلا أب، عن المخاض الذي بلا ألم، عن الميلاد غير الدنس، يقول النبي: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل والذي تفسيره الله معنا” (إش14:7، مت21:1 ـ22). من جهة أن المخاض لم يصاحبه ألم، فهذا ما يُعلّمك إياه المنطق أولاً، فمن المحتم أن كل شهوة يصاحبها ألم، وإذا غاب عامل من العوامل المصاحبة لبعضها البعض فلن يكون هناك وجود للجانب الآخر. إذًا فحيث إن الولادة يسبقها ألم، فبالضرورة لن يلحقها ألم. هذا ما يؤكده النبي بقوله: ” قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا” (إش7:66)، وعن هذه الأم العذراء يقول:   ” لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مُشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام” (إش6:9). هذا هو الوعد، هذا الابن ” سيق للذبح كشاه. وكنعجة صامتة أمام جازيها” (إش7:53). أو من الأفضل كما يقول إرميا ” كخروف داجن يُساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد اسمه” (إر9:11). لكن ما هو أفضل وأكثر جلاء ووضوح من كل شئ، نأخذه من النبوة التي سبقت وصوّرت السر (سر الموت والقيامة) بكل وضوح. أقصد يونان النبي الذي كان في بطن الحوت، دون أن يُصاب بأى أذى، وخرج من بطن الحوت دون أن يعتريه أى شئ، وبقى في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وهى إشارة لبقاء الرب في القبر (ثلاثة أيام وثلاث ليال) (يونان1:2).

 

نعمة الحياة الجديدة:

         هذه وأمور أخرى شبيهة بها، ينبغي أن تختارها من كل سفر لتفحصها. لأن كل هذه الأمور، تراها متحققة في فرح هذا اليوم (الاحتفال  بالقيامة). لأن “الناموس كله والأنبياء”، يتعلق بهذه الرؤية، كما يقول الإنجيل في موضع ما (مت40:22). وأيضًا ” كل الكتاب هو موحى به من الله” (2تى16:3). كل هذا يتجمع ويتلخص وفقًا لكلام الرسول بولس في هذه النعمة (أى نعمة الحياة الجديدة التي نلناها بالقيامة). إذ أن نهاية الأحزان، وبداية الخيرات قد تحققت بالقيامة. ما أعنيه هو الآتي، أن الموت قد ساد على الجميع، وجعل بداية طغيانه المدمر اعتبارًا من آدم، وظل سلطانه البائس حتى موسى نفسه (رو14:5). لأن الناموس لم يستطع مُطلقًا أن يُقلل أو يحد من سلطان الموت. ولكن ملكوت الحياة قد أتى، وبطل سلطان الموت، وصار هناك ميلادًا آخر، وحياة أخرى، ونوعية أخرى للحياة، لقد حدث تغيير في طبيعتنا ذاتها.

         وما هو هذا الميلاد؟ هو ميلاد ” ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل. بل من الله” (يو13:1). وكيف حدث هذا؟ سأشرح لك الأمر بعروض. إن هذه الولادة تأتي بالإيمان، تأتي إلى النور بميلاد المعمودية الثاني (يو5:3)، فالكنيسة هى المرضعة، والتعاليم هى الثدي، والخبز السمائي (يو31:6ـ33) هو الغذاء، والمدينة السمائية هى تمام أو كمال العمر، زواج وحياة مشتركة بالحكمة، البيت هو الملكوت، الميراث والغنى هو حياة الفردوس الهنيئة، وأخيرًا الحياة الأبدية المطوبة التي تنتظر المستحقين بدلاً من الموت. هذه الأمور كلها يراها زكريا النبي العظيم كبداية للتغيير نحو الصلاح،ويتشكك فيما يتعلق بنطق الاسم الذي ينبغي أن يدعو به هذه النعمة. أى أنه بعدما روى المعجزات الأخرى المتعلقة بالألم، قال عن هذه اللحظة الآتي: ” لا نهار ولا ليل بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نور” (زك7:14) ، وهذا يعني أنه لا يمكنه أن يدعو تلك اللحظة نهارًا، طالما أنه لا توجد شمسًا، بل ولا يستطيع أن يدعوها ليلاً، طالما أنه لا يوجد ظلامًا. لأن الله دعى الظلمة ليلاً (تك3:1)، كما يقول موسى.

 

السماء الجديدة والأرض الجديدة:

         إذًا لأنه بحسب الزمن فالظلام ليل، أما بالنسبة للنور فهو نهار، ولهذا السبب يقول النبي ” لا نهار ولا ليل“. إذًا إن كانت تلك اللحظة لا هى نهار ولا هى لليل، بحسب كلام النبي، حينئذٍ فإن هذه النعمة على كل الأحوال تُدعى شيئًا آخر. أتريدون أن تعرفوا فيما أفكر؟ أفكر فيما قاله المرنم ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب (مز24:118)، يوم مختلف عن سائر الأيام التي صارت من بداية الخليقة، والتي بها نقيس الزمن. هذا اليوم هو بداية خليقة أخرى. لأن الله في هذا اليوم يخلق سماءً جديدة وأرضًا جديدة (إش17:65)، كما يقول النبي. أى سماء هذه؟ هى الثبات في الإيمان بالمسيح (لو15:8). وأى أرض؟ هى القلب الصالح (إش11:61)، أقول كما قال الرب، الأرض التي تشرب المطر الذي يسقط عليها، وتجعل السنابل حاملة الثمار تنضج. في هذه الخليقة الجديدة، الشمس هى الحياة النقية، النجوم هى الفضائل، الهواء هو المدينة الطاهرة، البحر هو عمق غنى الحكمة والمعرفة، الخضرة والعشب هى التعاليم الصالحة الإلهية، حيث يرعى شعب مرعاه (مز7:95)، أى رعية الله، الشجر الذي يثمر هو تتميم الوصايا. في هذا اليوم خُلق الإنسان الحقيقي الذي صار بحسب صورة الله ومثاله (تك26:1). رأيت أى خليقة قد صارت في “ هذا اليوم الذي صنعه الرب“، والذي عنه يقول النبي ” لا نهار ولا ليل” أى لأنها مثل الأنهُر الأخرى، ولا ليل مثل الليالي الأخرى (زك1:14ـ11). ولم يحدث أن بُشر أحد بالعطايا المتميزة لهذا اليوم. في هذا اليوم نقض أوجاع الموت (أع24:2)، أصبح هذا اليوم بمثابة استقبال للبكر من بين الأموات (كو18:1)، في هذا اليوم سُحقت أبواب الموت الحديدية (مز16:107)، وكُسرت مصاريع الجحيم النحاسية. اليوم فُكّت أربطة الموت، اليوم يُكرز بإطلاق المأسورين (إش7:42)، اليوم العميان يُبصرون (لو79:1)، اليوم يُشرق النور السمائي على الجالسين في الظلمة وظلال الموت (إش2:9).

 

ليس بعد موت:

         أتريدون أن تعرفوا شيئًا عن مدة الثلاثة أيام؟ يكفي أن أقول هذا فقط، أنه في مدة زمنية قصيرة استطاعت الحكمة كلية القدرة أن تصل إلى قلب الأرض (مت40:12)، ويُجّهل عظمة قلب ذلك الذي كان يحيا هناك (1كو20:1). لأنه هكذا قد دعاه النبي، داعيًا إياه ” عظمة قلب ملك أشور” (إش12:10)، لأن القلب يعني موطن الذهن، ولهذا ذهب الرب إلى قلب الأرض، الذي يعتبر بمثابة مسكن القلب الخبيث (إش11:19) لكي يُجّهل فكره (أى13:5)، كما تقول النبوة ” الآخذ الحكماء بحيلتهم فتتهور مشورة الماكرين“. ولأنه كان من المستحيل أن يهين رئيس الظلام حضور النور المبهر، طالما أنه لم يرى فيه أى أثر للجسد، لذلك بمجرد أن رأى الجسد الإلهي، ورأى العجائب التي صنعتها الألوهية فيه، تمنى لو أنه هزم هذا الجسد بالموت، لأنه بهذا كان سيهزم كل قوة الألوهية. ولذلك فقد ابتلع طعم الجسد، أُمسك في صنارة الألوهية وهكذا سحب التنين بالصنارة كما يقول أيوب، الذي سبق وتكلم عما سيحدث قائلاً: “يثقب فمه بخزامه” (أى24:40).

         الآن لنستمع إلى صوت النبي الذي تكلم عن هذه الأمور وفحصها، إذ تحدث عن قلب الأرض الذي فتح فمه ضد جسد الرب. ماذا قال عنه إشعياء حتى يوضح أفكاره؟ قال: ” وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسيّ فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العليّ” (إش13:14ـ14). هذا ما يفكر فيه القلب الخبيث. أيضًا ماذا قال القلب المليء بالشرور في داخله أى ملك أشور الخبيث، لنستمع مرة أخرى إلى صوت إشعياء القائل: ” بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم. ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائر وحطمت الملوك كبطل. فأجابت يدي ثروة الشعوب كعش وكما يجمع بيض مهجور جمعت أيأكل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف” (إش13:10ـ14).

         لقد قبل السيد المسيح ـ بسبب محبته للبشر ـ أن يفتقد عالم الأموات، فماذا أصاب رئيس الظلام؟ تروي النبوة بوضوح أن ما أصابه كان عكس ما ترجاه، تقول النبوة ” كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح. كيف قُطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم” (إش12:14). وأمور أخرى كثيرة رويت عن هلاكه. ومن يريد التعرف عليها بالتدقيق يعود إلى الكتاب المقدس. الآن يجب عليّ أن أعود إلى موضوعنا. من أجل هذا نزلت الحكمة الحقيقية إلى الفم الواسع لقلب الأرض، لكي تمحو من هذا القلب الفكر الموغل في الشرور، وأن تُنير خفايا الظلام (1كو5:4)، وأن ” يُبتلع المائت من الحياة” (2كو4:5)، وينتهي إلى العدم، بعدما يبطل العدو الأخير الذي هو الموت (1كو26:15). هذه الأمور جميعها هى عطية فترة الثلاثة أيام التي قضاها الرب في القبر من أجلك. هل جاءت النعمة متأخرة؟ هل هذا الصلاح قد تحقق في مدة قصيرة جدًا؟ أتريد أن تعرف كم الأمور الضخمة التي تحققت في زمن قصير جدًا؟ أحصي كل أجيال البشر، من بداية دخول الشر حتى بطلانه، كم عدد البشر في كل جيل، وكيف يمكن إحصاء أعداد لا تُحصى. تُرى هل هناك رقم يمكن أن يُحدد أعداد تلك الجموع التي لا تُحصى، والتي في تتابعها بجموع أخرى، يتسع الشر معها أيضًا بل ويزيد بقدر ما يتوزع على كل واحد من هذه الأعداد؟ وهكذا فقد تزايد الشر خلال مسيرة طويلة وعامة في أجيال متعاقبة، حتى وصل إلى أقصى حد له، إذ أُخضعت الطبيعة الإنسانية، وهذا ما أثاره النبي، مؤكدًا على سيادة الشر على الجميع، بقوله: ” الكل زاغوا وفسدوا ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد” (مز3:14ـ رو12:3).

         إذًا هل يعتبر تراكم هذا القدر الكبير من الشرور التي تجمعت من وقت خلق العالم، حتى وقت آلام الرب، والتي أبطلت في ثلاثة أيام، دليلاً بسيطًا على قوته الفائقة، أم هو أقوى من كل عجائب التاريخ المقدس؟ إن كل هذا الشر تلاشى بعمل الرب دون أى صعوبة، الأمر الذي يعد برهانًا عظيمًا جدًا على قوته الفائقة (أف19:1). ويمكن تشبيه ذلك بشمشون (قض6:14)، الذي بهر كثيرين بقوته، لا لأنه هزم الأسد فقط، بل لأنه قتله بسهولة بأيدي مجردة، ومزّقه بدون سلاح، مزّق هذا الوحش الكبير القوي، كما لو كان يلهو أو يمزح معه. وما صنعه الرب لم يتطلب طوفانًا ضخمًا تسقط فيه مياه غزيرة من شلالات السماء لتغمر الأرض، ولا بحارًا عميقة تفيض المياه على جانبيها فتغطي وجه الأرض، ولا صارت المسكونة كلها كقارب يغوص ويغرق ويستقر في القاع، ولا جبال تغمرها المياه، ولا قمم جبال تختفي في أعماق البحار (تك17:7ـ20)، ولا أمورًا شبيهة بسدوم (تك24:19)، التي أُمطرت بالنار لكي يصنع تطهيرًا من الفساد بلهيبها، ولا يأتي شئ آخر مشابه لذلك. إن عمل الرب هذا هو فكر بسيط وغير مُدرك في إشراق متفرد للحياة والنور على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، أدى إلى تلاشي وفناء تام للظلام والموت.

 

ثلاثة أيام في القبر:

         هل لي أن أقول شيئًا قريبًا مما قلته؟ لقد نبت الشر داخل الحية، هُزمت المرأة من تجربة الحية، ثم بعد ذلك هُزم الرجل من المرأة (تك1:3ـ6). لقد وُلد الشر في ثلاث مراحل. فما الهدف الذي ترمي إليه الملاحظة؟ نستطيع من خلال التتابع الذي سار فيه الشر، أن نفهم ترتيبًا ما في  مراحل الصلاح. أرى أن هناك ثلاث مُستقبلين للشر. المرحلة الأولى هى التي فيها تكوّن الشر، الثانية هى التي انتقل إليها الشر، والثالثة هى التي فيها تقدم الشر فيما بعد. إذًا لأنه في المراحل الثلاث هذه، ملأ الشر أعني الطبيعة الشيطانية، جنس النساء والرجال، ولهذا تحديدًا، فإن المرض اختفى في ثلاثة أيام، من الجنس البشري، أى من هؤلاء الذين مرضوا بالخطية، وحُرموا من الشفاء يومًا ما. ففي اليوم الأول تحرّر الرجال من مرضهم. وفي اليوم الثاني شُفى جنس النساء، وفي اليوم الثالث بطل العدو الأخير أى الموت، وتلاشى مع رئيس الموت والرئاسات والسلاطين وكل القوات المضادة التي وضعها لمساندته (1كو26:15، 24). لا تتحير إذا رأيت الصلاح يتم على فترات زمنية متعاقبة. فالقوة الإلهية لم تكن عاجزة بكل تأكيد على أن تُكمّل كل شئ بالتمام عند بداية خلقة العالم. إن خلق الكائنات تم في إطار زمني حتى أن تنتهي مرحلة من خلق الكون في اليوم الأول، والمرحلة الثانية في اليوم الثاني، وبنفس الطريقة تم خلق المراحل المتبقية فيما بعد، إلى أن اكتملت الكائنات، طالما أن الله قد أكمل الكون في عدة أيام. هكذا هنا أيضًا، عن طريق حكمته التي لا يُعبر عنها، أبطل الشر وابتعد عن الكائنات في ثلاثة أيام، عن الرجال، عن النساء، وعن نسل الحية، حيث ولد الشر أولاً.

         هذا ما كنت أُفكر فيه بخصوص الأيام الثلاثة. وما إذا كان هذا الفكر فكرًا صحيحًا أم لا، فهذا أتركه لتقييم السامعين. لأن كلامي ليس قانونًا، بل تمرينًا للذهن وبمثابة بحث. وإن أردت أن ترى بالتدقيق مدة الأيام الثلاثة في إطار الآلام (آلام المسيح)، انتظر قليلاً، وربما يوضح حديثي لك هذا، (لأن ما يتبقى من الرقم ثلاثة أيام ليس زمنًا قليلاً، إذا حسبته بعد الساعة التاسعة يوم الجمعة، بعد أن أسلم الروح بين يدي الآب). إذًا ما هو فحوى كلامي؟ أقول حوّل نظرك نحو عظمة القدرة الإلهية، وعندئذٍ لن تجهل هذا الذي نطلبه هنا. تذكّر كلام الرب، وماذا أعلن عن نفسه، ذاك الذي له السيادة على كل شئ، كيف أنه بقوة سلطانه الذاتي، يستطيع أن يفصل النفس عن الجسد، قائلاً: ” ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا” (يو18:10). ليكن هذا مفهومًا، وقد اتضح المطلوب. لأن من يدبر كل شئ بسلطانه الإلهي، فبكل تأكيد لا يمكن أن يصير رئيسًا وسببًا لخلاص كل البشر مجبرًا، بسبب خيانة وهجوم اليهود وحكم بيلاطس. لقد عرف مسبقًا وبطريقة معجزية لا يُعبر عنها، أن هذا الهجوم سيحدث، وقدم نفسه للبشر، تقدمة غير مرئية، ليصير ذبيحة لأجلنا. وهو الكاهن وفي نفس الوقت هو حمل الله، الذي يرفع خطية العالم (يو29:1). متى حدث هذا؟ عندما جعل جسده مأكلاً لتلاميذه وجعل دمه مشربًا لهم. لأنه من الواضح لكل واحد، أن الإنسان لا يمكنه أكل الخروف ما لم يسبق ذبحه. إذًا فذاك الذي قدم جسده مأكلاً لتلاميذه، أظهر بكل وضوح، أن ذبيحة الحمل كانت قد اكتملت بالفعل. لأنه بالتأكيد لن يكون جسد الذبيح مناسبًا للأكل، لو كان حيًا. إذًا فعندما أعطى لتلاميذه أن يأكلوا من جسده ويشربوا من دمه، بشكل لا يُدرك وسلطان من دبّر السر بصورة لا يُعبر عنها، وبشكل غير مرئي، يكون بهذا قد قدم جسده ذبيحة بالفعل.

         إذًا طالما أن رئيس الكهنة الأعظم قد قدم ذبيحته لله بشكل غير مرئي ولا يُعبر عنه، من أجل خطايانا جميعًا، فلن يحيد المرء عن الحقيقة إذا حسب الوقت الذي أمضاه الرب في أعماق الأرض. بدءً من الخميس مساء حين أكلوا ذلك الجسد المقدس، وأعقبه الليل الذي قبل يوم الجمعة. ثم بعد ذلك نهار الجمعة مع الليل الذي انتصف وقسّم إلى نصفين، أى يُحسب هذا ليل واحد ونهاران. لأنه إن كان الله قد دعا الظلام ليلاً (تك5:1)، إذ أن الظلمة قد حلت على الأرض لمدة ثلاث ساعات (مت45:27). هذه الظلمة تعتبر ليل يعرف كسابقة حدثت لأول مرة في منتصف النهار وحددت قسمّي اليوم، الأول من الشروق حتى الساعة السادسة (الظُهر)، والثاني من الساعة التاسعة حتى المساء، وقد كان ذلك الوقت، ليلين ونهارين. ثم بعد ذلك جاء الليل الذي قبل السبت، وفيما بعد نهار السبت، وسيكون لديك ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. إذًا أرجو أن تبحث في وقت حدوث القيامة، وستجد الحقيقة فيما أقوله. إذًا متى حدثت؟ يقول متى الإنجيلي ” وبعد السبت” (مت1:28). هذا هو وقت القيامة بالوضوح الذي يقدمه الإنجيل، هذا هو الحد الفاصل لبقاء الرب في أعماق الأرض. أى أنه بينما كان المساء متقدمًا كثيرًا (والمساء كان بداية لتلك الليلة الذي أعقبه نهار أول السبت)، ففي هذا الوقت حدثت الزلزلة، وفيه أيضًا ظهر الملاك الذي كان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج، والذي دحرج الحجر عند باب القبر (مت2:28ـ3). لكن النسوة اللائي استيقظن باكرًا جدًا، وعند بزوغ نور النهار، الذي بدأ يلوح في الأفق علامة لشروق الشمس، عندئذٍ بدأن يُخبرن التلاميذ بالقيامة التي حدثت، حيث تأكدن بالفعل من المعجزة، لكنهن لم يتكلمن عن وقت القيامة. أما كونه قام، فهذا ما أخبرهن به الملاك، لكنه لم يخبرهن بتوقيت القيامة، متى حدثت. لكن متى العظيم وحده من بين الإنجيليين، أعلن بدقة وقت القيامة، قائلاً إن وقت القيامة كان بعد السبت. بما أن هذه الأمور قد صارت بهذه الطريقة، فالمسافة الزمنية التي عرضها من مساء الخميس إلى مساء السبت مع حساب الوقت والليل الذي توسط كما قلت، والذي قسم يوم الجمعة إلى نهارين وليل واحد. لأنه لا توجد ضرورة تُجبر ذاك الذي له سلطان على هذا الدهر أن تدخل أعماله في إطار بعض المقاييس الزمنية، بل أن هذا قد حدث لإرساء معايير جديدة للزمن، طالما أن القوة الإلهية تختصر (الزمن) لتحقيق الأعمال الصالحة بحيث تُخطط المقاييس الزمنية بشكل مُنفصل، حتى أنه لا يُحصى الزمن بأقل من ثلاثة أيام وثلاث ليال، لأن الحديث السري غير المعلن يشير إلى هذا العدد، فالقوة الإلهية لن تُعاق عن تنفيذ عملها بسرعة، ولن تنتظر المعايير المعتادة لعدد الأيام والليالي. فذاك له السلطان وحده أن يضع ذاته وأن يأخذها، عندما يريد، له السلطان كخالق للدهور، لا أن يُخضع ذاته وأعماله للزمن، بل بالحرى يُحرك الزمن وفقًا لأعماله.

 

كيف وجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد:

         لكن الحديث لم يتناول بعد النقطة الأكثر أهمية. لأنه من الطبيعي أن يبحث محبو المعرفة، عن كيفية تسليم الرب ذاته لثلاثة في الوقت نفسه، أى لقلب الأرض، وللفردوس مع اللص، وليدي الآب. لأنه قال للفريسيين: ” لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان” (مت40:12)، وقال للص ” اليوم تكون معي في الفردوس” (43:23)، وقال للآب: ” في يديك أستودع روحي” (لو23:46). وبالتأكيد لا يستطيع أحد أن يضع الفردوس كمكان في بطن الأرض. ولا أن يضع قلب الأرض في الفردوس، حتى يُقصد بالاثنين نفس الشئ، أو أن يقال عن هذين الاثنين (قلب الأرض والفردوس)، أنهما هما يدي الآب. بل أن هذا الأمر ربما لا يستحق ولا حتى أن يُناقش لمن يفكر تفكيرًا منطقيًا. لأن من هو حاضر في كل مكان بقوته الإلهية يكون موجودًا في كل موضع ولا يغيب عن أى مكان. عندما حلّ الروح القدس على العذراء وظلّلتها قوة العلي (لو35:1)، لكي يحل فيها أقنوم الإنسان الجديد وقد دُعى جديدًا، لأنه تكوّن كما أراد الله، وليس بالطريقة المعتادة لدى البشر، حتى أن العذراء أصبحت مسكنًا لله، غير مصنوع بالأيدي. ” لأن القدير لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيدي” (أع24:17)، وأقصد التي تصنع بالأيدي الإنسانية، وعندما بنت الحكمة لنفسها بيتًا (أم1:9)، وبقوتها الفائقة قبلت داخلها شكل المخلوق كنموذج متكامل وموثوق في صحته، عندئذٍ اتحدت الطبيعة الإلهية بالعنصرين المؤلفين للطبيعة الإنسانية، أى النفس والجسد، متحدة بشكل مناسب بكل عنصر. أى أنه كان ينبغي لهذين العنصرين اللذين ماتا بالعصيان (لأن موت النفس هو فقدانها للحياة الحقيقية، وموت الجسد هو سبب الفساد والتحلل)، كان ينبغي أن يُطرد الموت من خلال الإتحاد بالحياة. إذًا عندما اتحدت الألوهية بشكل مناسب بكل واحدة من عنصري الإنسان فإن ملامح الطبيعة السامية قد اتضّحت تمامًا في هذين العنصرين. فبالنسبة للجسد، تتضح الألوهية العاملة فيه بالشفاء باللمس، بينما بالنسبة للنفس، قد عبّرت عن القوة الإلهية (الحالة فيها) من خلال إرادتها القوية. أى أنه كما أن هناك إحساس خاص باللمس بالنسبة للجسد، هكذا تكون هناك إرادة للنفس أيضًا. لقد اقترب من المسيح مريض بالبرص وهو يحمل جسدًا مشوهًا وعلى وشك الانهيار، فكيف شفاه الرب؟ النفس تريد والجسد يُلمس، فيذهب المرض من الاثنين. لأنه يقول: ” وللوقت ذهب عنه المرض” (لو13:5، مت3:8). أيضًا آلاف الناس الذين أحاطوا بالرب في الجبل، لم يُرد أن يتركهم صائمين، بل قسّم لهم الخبز بيديه (مت32:15). أرأيت كيف أنه من خلال الاثنين (النفس والجسد) تُستعلن الألوهية والتي تُرافق كل منهما، تعمل مع الجسد، ومع الإرادة القوية التي تُخلق في النفس. ربما يجب أن أروي المعجزات التي تحققت بنفس الطريقة، وأن أنشغل في حديثي بأشياء واضحة. ولكني سأنتقل إلى ذلك الأمر الذي لأجله أشرت إلى كل هذا.

         كيف وُجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد؟ التفسير الأول لهذا الموضوع، أنه لا يوجد شيئًا غير ممكن لدى الله، الذي ” فيه يقوم الكل” (كو17:1)، والتفسير الثاني الذي يتجه إليه الحديث الآن هو: بعدما أعاد الله بقوته صياغة الإنسان كله في شخصه، وجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لم ينفصل في وقت الآلام بحسب التدبير عن هذا العنصر الآخر (أى الجسد) الذي اتحد به مرة واحدة، لأن هبات الله ودعوته هى بلا ندامة (رو29:11). فإن كانت الألوهية بإرادتها فصلت النفس عن الجسد، إلاّ أنها أوضحت أنها هى ذاتها بقيت في النفس والجسد. في الجسد الذي يعتريه الفساد بالموت كما جاء بالمزمور ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادًا” (أع27:2)، وهكذا أبطل ذاك الذي له سلطان الموت (عب14:1)؛ بينما بالنفس فتح الطريق للص للدخول إلى الفردوس. وهذا الأمران تحققا في آن واحد. أى أن الألوهية تُحقق الصلاح للاثنين، فقد تحقق بطلان الموت بعدم فساد الجسد، وبعودة النفس إلى موضعها، يُفتح الطريق لعودة البشر مرة اخرى إلى الفردوس.

         إذًا فلأن التركيبة الإنسانية لها عنصران، بينما طبيعة الألوهية بسيطة، ففي وقت انفصال النفس عن الجسد، لم ينفصل الغير المنقسم (أى الألوهية)، والمركب (أى الإنسان)، بل صارا أيضًا واحدًا. لأنه من خلال الطبيعة الإلهية الواحدة الموجودة بالتساوي في الاثنين (في الجسد والنفس) توحدت من جديد الطبيعة التي انفصلت. وهكذا فقد حدث الموت بانفصال العنصرين المتحدين، بينما القيامة قد صارت باتحاد الطبيعة التي انفصلت. وإذا سألت، كيف أن ذاك الذي في الفردوس، يُسلّم نفسه في يدي أبيه، فسيبدد لك إشعياء النبي والرائي حيرتك هذه. لأنه قال على فم الله، عن أورشليم السمائية التي نؤمن بها، أنها ليست سوى الفردوس. ” هوذا على كفيّ نقشتك. أسوارك أمامي دائمًا” (إش16:49). إذًا إن كانت أسوار أورشليم في يدي الآب، والتي هى الفردوس، فمن الواضح أن من هو في الفردوس، هو في كل الأحوال في أيدي الآب، حيث هناك أسوار المدينة الإلهية. لكن يلزم أن يشمل حديثنا أيضًا ما يقوله اليهود، فهم يهاجمون إيماننا بإتهامات حادة. فهم يقولون من جهة البصخة أنها شُرعت لليهود بواسطة موسى (خر6:12ـ8)، في اليوم الرابع عشر من الشهر في فترة اكتمال القمر، حيث يؤكل الفطير غير المختمر لمدة سبعة أيام، ويكون الأكل مع أعشاب مرة. إذًا حفظ اليوم الرابع عشر، كما يقول اليهودي، يستتبع معه حفظ الأعشاب المرة والفطير غير المختمر. فإن كانت هذه الأمور موضع ازدراء، فأي معنى يحمله الاهتمام بالأول (أى حفظ اليوم الرابع عشر)؟ لأنه بحسب أوامر المشرع ذاته، لا يُحكم على شريعة بأنها نافعة، والأخرى بلا نفع ومرفوضة، (وكأنهم يقولون لنا) حتى انه يصير إلزاميًا إما أن تمارسوا كل ما قد تحدد للبصخة، وإما ألا تحفظوا أى شئ، وأنتم ماذا تفعلون؟ (نجيب بالقول): فلنتذكر ذاك الذي أوصانا ألا نخاف اتهامات البشر، حتى لا نسقط في فخ السفهاء منهم (إش7:51). نحن نعرف فائدة حفظ شريعة أكل الفطير غير المختمر كما نعرف معنى الأعشاب المرة، وفائدة اليوم الرابع عشر. سنوضح حديثنا في عجالة، إن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة (عب1:10)، له هدف أساسي، هو كيف يتنقى الإنسان، بواسطة الوصايا المختلفة من الخطايا التي اختلطت بطبيعته. هذا يتم بالختان، بحفظ السبت، بالتدقيق في أنواع الأطعمة، بذبائح الحيوانات المختلفة، وهكذا. والأمر يحتاج لزمن أطول كي تذكر كل ما يُشير إليه الناموس، فيما يتعلق بنا من جهة كل واحدة من هذه الأمور، من أجل نقاوة حياتنا. مثلما يحدث في الختان الروحي، فإننا نتجنب الشهوات وننفصل عن الحياة الجسدية، أما حفظ السبت فيعني الامتناع عن الشر، وأما تقديم ذبيحة الحيوانات فتُشير إلى ذبح الشهوات، وكذلك التمييز بين الأطعمة. فإن الأطعمة النجسة توضح لك ضرورة الابتعاد عن الحياة الدنسة، هكذا فإن هذا الاحتفال (بعيد القيامة) أيضًا، يقدم لك الاحتفال المشار إليه، والذي لأجله تستعد النفس بالفطير غير المختمر، مبتعدة سبعة أيام عن الخبز المختمر، وحل اللغز هو هذا. رقم السبعة أيام يظهر الزمن الفاني أو الزائل الذي يتكرر أو يعود أسبوعيًا، والذي طبقًا له ينبغي أن نحرص على ألا تبقى أى بقية من خطية الأمس في اليوم التالي، لكي لا يُفسد ويُحمض عجين اليوم، بسبب اختلاطه بخطية أو شر أول أمس ” لا تغرب الشمس على غيظكم (أف26:4) هكذا يقول الرسول بولس، والذي يوصينا قائلاً: ” إذًا لنُعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة للشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (1كو8:5). إن ما نعرفه هو نوع واحد للشر، وهذا ما نتعلمه عن الأنواع الأخرى للشر. العشب المر يُبعد كل حماقة وفجور عن حياتنا، ويضع مكانها حياة العفة والنسك الشديد، الذي يرتفع على مستوى الحس البشري، لأنه يبدو أن كل معرفة أو علم لا تجلب فرحًا في الوقت الحاضر بل حزنًا. إذًا كل من يُحقق في حياته مباهج هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة) وبصفة دائمة في كل يوم من أيام أسبوع الحياة، بدون خمير، ودون أن يخلط به الشر القديم ثابتًا في العفة كطعام للحياة، فهذا يعزل نفسه عن كل ما هو ظلمة (لو35:11ـ36). لأن الأيام التي يحددها مدار القمر في الفلك، هى تسعة وعشرون ونصف، والتي فيها يظهر القمر بداية من أول الشهر ثم يستدير تدريجيًا حتى يصل إلى اكتماله بدورانه، ثم يقل حجمه مرة أخرى ويرجع حتى لا يعطي نورًا البتة. ومن الواضح أن نصف عدد الأيام الذي ذكرته هو أربعة عشر يومًا مع إضافة قليلة. وبناء عليه، حين يحدث ويكون القمر في هذا الشكل ويتقدم في طريقه خلال فترة الليل، يُضيف للدائرة الجزء الذي ينقصها، حتى أنه مع اكتمال قرص القمر، يوّحد لمعانه مع نور شمس النهار، ولا يمكن لأي تسلل للظلام، ولا المساء، ولا السحر أن يقطع استمرارية النور (نور القمر)، بل يبقى النور غير منقسم أو غير متجزئ خلال تعاقب ظهور النجوم (لأنه تحديدًا قبل أن تشرق الشمس، يظهر القمر في الطرف الآخر للأفق، على الطرف المقابل لقطر الدائرة مع الشمس، وبنوره يُنير العالم. ومرة أخرى قبل أن يختفي كل قرص القمر في الأفق مع بقية نوره، يتوحد مع نور النهار). وهكذا فإن اليوم الذي يكون فيه القمر مكتملاً، يختفي الظلام، والسحر، والمساء، كذلك تكف النجوم الكبيرة عن الظهور تباعًا[2].

         إذًا هذا الذي يحدث مع النور المحسوس في اليوم الرابع عشر، من حيث إن الارتباط بالظلمة أمر مرفوض طوال الليل والنهار، هذا الحدث هو ما يريد الناموس الروحي أن يجعله رمزًا لكل الذين يحتفلون روحيًا، حتى يشمل كل الأسبوع، أى أن يجعلوا كل أوقات حياتهم بصخة مُشرقة غير مُظلمة. هذه هى الوصايا التي تُوّجه للمسيحيين بالنسبة للبصخة. ولهذا يمكننا أن نرى ونتخيل في اليوم الرابع عشر، بالإضافة إلى هذا النور المادي المحسوس، رؤية النور غير المادي الذي يُدرك بالعقل فقط، هكذا يتضح لنا كيف أننا نطلب أو نبحث عن القمر المكتمل الذي يهبنا نوره طوال الليل، بل وبصفة دائمة. وعلينا أن نحفظه على الدوام، ويصير هذا ناموسًا لنا، وألا نسمح للأعمال المظلمة أن تختلط بالنور.

 

سر الآلام المحييّة:

         يكفي الكلام من جهة هذا الأمر. الآن كل المعاني التي طُرحت تتجلى في الصليب الذي به يكتمل سر الآلام، ومن يستطيع أن يشرح هذه الآلام بالكلام؟ ترى، ألا توجد طرق عديدة تقود للموت، كان من الممكن أن يُتمم بها الله تدبير الموت لأجلنا؟ لكنه اختار الصليب من كل هذه الطرق، ليجوز الآلام بإرادته الكاملة. لأنه يقول ” ينبغي أن ابن الإنسان ” ولم يقل إن هذه الأمور وتلك سيُعانيها ابن الإنسان مثلما يمكن لشخص أن يتنبأ عن المستقبل، لكنه أراد أن يؤكد وبطريقة سرية، أنه بالضرورة ينبغي أن يجوز الآلام، وأن هذه الآلام لابد أن تحدث، إذ يقول: ” ينبغي أن ابن الإنسان يتألم ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم” (لو22:9، 7:24، مر31:8). لاحظوا المعنى في كلمة “ينبغي” إنها تؤكد على أن الآلام لن تتم بطريقة أخرى إلاّ بواسطة الصلب فقط، وما هو السبب في ذلك، السبب قد عرفه العظيم بولس، الذي صارت لديه الإمكانية أن يشرح لنا هذا الأمر، بواسطة تلك الكلمات السرية (2كو4:12)، التي سمعها حين اختطف إلى أعماق الفردوس، إذ سمع كلمات لا يُنطق بها، هو وحده الذي يشرح لنا هذا السر أيضًا، وقد أشار إليه في رسالته إلى أهل أفسس ” وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو. وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله” (أف18:3ـ19). بالحقيقة إن نظرة الرسول بولس الإلهية، جعلته حين يُقدم صورة للصليب، لا يقدمها بصورة باهتة أو مهتزة، وهو بهذا قد أظهر بوضوح أنه بعدما سقطت من عينيه كل قشور الجهل (أع18:9)، بدأ في رؤية الحقيقة بكل وضوح. أى أنه رأى صورة الصليب لها أربع امتدادات، تنطلق من المركز، والذي يُشير إلى القوة، والمحبة التي تشمل كل المسكونة، ولهذا فكل امتداد يطلق عليه اسم خاص. العمق هو الامتداد من المنتصف إلى أسفل، والعلو هو الامتداد إلى أعلى، بينما العرض والطول هما الامتدادان من الجهتين. يتضح لي من كل ذلك أن الرسول بولس، يقصد بكلامه هذا، أنه لا يوجد كائن في الخليقة كلها لا تسود عليه الألوهية، الذين فوق السموات، أو في أعماق الأرض، ومن هم في كل الاتجاهات (من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب). ويُشير بالارتفاع إلى الذين في السماء، وبالعمق إلى من هم تحت الأرض، والطول والعرض إلى ما هو تحت سلطان القوة التي تسود على كل شئ. وبرهان كلامي، هو ما يحدث داخل نفسك، فيما يختص بمعنى كلمة الله. ارفع نظرك إلى السماء، وفكر في الأعماق السفلى، اطلق ذهنك إلى أطراف العالم المخلوق، وحاول أن تدرك مقدار القوة التي تضبطه، كقوة تشمل كل المسكونة، وسترى أنه سيُحضر في ذهنك تلقائيًا شكل الصليب، من الارتفاع ننزل إلى الأعماق، وتمتد إلى الجانبين من ذلك الطرف إلى الطرف الآخر.

         هذا الشكل (شكل الصليب) قد ترنم به العظيم داود في مزاميره قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب وإن صعدت إلى السموات (هذا هو الارتفاع) فأنت هناك. وإن فرشت في الهاوية (هذا هو العمق) فها أنت. إن أخذت جناحي الصبح والذي هو شروق الشمس (وهذا هو العرض) وسكنت في أقاصي البحر (هكذا يتكلم عن الغروب ـ وهذا هو الطول)” (مز7:139ـ10).

         أرأيت كيف أنه بكلامه هذا، يرسم الصليب أمامنا؟ وهكذا يتضح أنك أنت يا من تعبر داخل كل شئ، وصرت تجمع كل شئ، فإنك تحتوى داخلك كل الكمالات. أنت يا من أنت فوق، أنت حاضر في العمق، ذراعك في أحد الأطراف، ويمينك تقود الطرف الآخر. ولهذا فإن الرسول العظيم بولس، بعدما تأكد أن معرفة الله قد امتدت إلى العالم كله، قال ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” (فى10:2). وبهذا أيضًا يُحدّد السجود بحسب شكل الصليب. فالذين هم في السماء يخصهم بالجزء العلوي من الصليب، ومن هم على الأرض، يخصهم بمنتصف الصليب، أما من هم تحت الأرض، فيخصهم بالجزء السفلي من الصليب. هذه هى الجزئية التي أشير إليها أنا بالحرف (…) يوتا، والذي هو أكثر استقرارًا من السماء، وأكثر ثباتًا من الأرض، وأكثر استمرارًا من كل النظم الخاصة بالكائنات المخلوقة كما هو مكتوب:  ” إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (مت35:24، 1كو31:7، مت18:5). الخط العمودي للصليب والذي يأتي من فوق إلى أسفل يقال له حرف (…) يوتا، والخط الذي يتقدم أفقيًا من الجانبين يُسمى صاري، وهذا ما يمكن أن نعرفه من البحارة. أى الخشبة التي هى في الجنب في الصاري حيث يمدون منه قطعة قماش، وهذا الشكل يدعونه صاري. ولهذا أرى أن هذا هو ما تعنيه كلمة الإنجيل، أنه هو ذاك ” الذي فيه يقوم الكل” (كو17:1)، من حيث إنه يسود على كل شئ، هو أزلي، وهو يُظْهِر، كما في لغز في مرآه، من خلال شكل الصليب، قوته التي ترعى كل الكائنات. ولهذا تحديدًا قال ” إن ابن الإنسان ينبغي ليس فقط أن يموت، بل أن يُصلب“، لكي يصير الصليب لأكثر اللاهوتيين فطنة هو ذلك الذي يكرز به من خلال شكله بسلطان القوة الكامل لذاك الذي صعد عليه، وهو الكل في الكل (كو11:3). وينبغي ألا نتجاهل أن نُشير يا اخوتي إلى ذلك التقي يوسف الذي من الرامة، الذي أخذ الجسد المقدس كعطية ولفه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد (مت57:27ـ60).

         ليكن لنا، هذا العمل الذي أقدم عليه ذلك التقي (يوسف الرامي) بمثابة قانون لكي نُفكر نحن أيضًا بنفس الطريقة، عندما نأخذ عطية ذلك الجسد. فلا يجب أن نلفه في كتان ضميرنا غير النقي، وألا نسمح بوضعه في قبر قلوبنا الذي تفوح منه رائحة عظام ورائحة كل شئ دنس. بل كما يقول الرسول بولس ليمتحن كل واحد نفسه لكي لا تصير النعمة التي ينالها بدون استحقاق دينونة له (1كو27:11ـ29). بل الآن وأنا أتكلم أشعر أن لباس الملاك الأبيض يُنيرنا ويهز قلبي ذلك الزلزال الحلو الذي يُحرك الحجر الثقيل عن القبر الإنساني، والذي به تُفتح بوابة القيامة مرة أخرى.

         فلنسرع نحن أيضًا لنرى المعجزة العجيبة (لأن السبت قد عبر)، ربما نصل بعد النسوة. فلنُعطر أيدينا بالأطياب، وضمائرنا بالإيمان. هذه هى رائحة المسيح الزكية (أف2:5). يجب ألاّ نطلب الحيّ بين الأموات. الرب يصد كل من يطلبه بهذه الطريقة، قائلاً: ” لا تلمسني(يو17:20). فعندما أصعد إلى أبي، عندئذٍ أسمح لك أن تلمسني. يريد أن يقول لا يجب ان يكون إيمانك بعد في شكله الجسدي الضعيف، بل  أنك الآن تسجد لذاك الذي يوجد في مجد الآب، وهو في صورة الله، وهو كلمة الله.

         لنستمع إلى بشارة المرأة التي سبقت الرجال في الإيمان، حتى أنها حين تبدأ في الحياة الصالحة، يكون لديها ما تُعبر به عن نفسها، بعد أن كانت قد عاشت في الشر.

         إذًا ما هو الخبر المفرح الذي تريد المجدلية أن تبشر به؟ إنه خبر حقيقي لا ” من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح” (غل1:1). لأنها تتكلم عن الخبر الذي طلب الرب منها أن تنقله للتلاميذ، والذين يدعوهم اخوته ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو17:20). كم هو رائع هذا الخبر المُفرح المملوء بالرجاء! هذا الذي صار إنسانًا مثلنا، حتى يصير قريبًا لنا ويجعلنا اخوة له، فهو يقدم لأبيه ذبيحة جسده، لكي يجذب إليه بواسطة نفسه كل أقربائه. هكذا كل من استعبدوا للذين ليسوا بالطبيعة آلهة (غل8:4)، يرجعون مرة أخرى للإله الحيّ الحقيقي، ولا يكون عليهم أى دينونة، ولا يُحرموا من ميراث الآب. لقد صاروا بالتبني اخوة للابن، هذا الذي صار بكر بين إخوة كثيرين (كو15:1)، وتعهد الطبيعة الإنسانية التي أخذها حين تجسد. أما الخبز غير المختمر قبل الفصح الذي يؤكل على أعشاب مرّة، لنرى بأي شئ حلو، يُحلى الخبر بعد القيامة. ألا ترى أن الرب بعد أن قام ناولوه جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد عسل (لو42:24). انظر كيف تتحول مرارة الحياة إلى حلاوة. إذًا لننهض نحن أيضًا ولنركض الآن نحو الخبر الذي يعطيه شهد عسل الرجاء الصالح، مذاقًا حلوًا للغاية في المسيح يسوع ربنا، الذي يليق به المجد والقوة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] هذه الأفكار ترتكز على أن نور الشمس والقمر هو نور مشترك أو واحد، وأن وقت غروب الشمس، يشرق القمر من الطرف الآخر في الأفق في اتجاهه نحو الاكتمال.

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          إن الفقراء الذين يحرصون على حضور الاحتفالات، يكرّمون هذه المناسبات بنفس مستعدة وباعتزاز كبير، حتى ولو لم يكن لديهم الإمكانيات لهذا الاحتفال المنشود، فإنهم يطلبون أفضل ما عند الأقارب والمعارف من أشياء تجعلهم يظهرون بأفضل صورة وأبهى منظر، من أجل المشاركة في مثل هذه المناسبات[1]. وكما أعتقد فإن هذا يحدث لى اليوم، فليس لدىّ أى شئ ثمين يمكن تقديمه في أمجاد هذا اليوم، لكنى سألجأ إلى نص التسبيح المقدس، الذي رتلناه منذ قليل.

من هناك سآخذ الدافع وسأسدد دينى من خلال هذا الترابط الذي يجمع بين كلماتى والكلمات الكتابية، على الرغم من أن العبد الفقير كان قد رتب بعض الأوقات، لكى يقدم كلمات الإمتنان والشكر للرب. هكذا قال داود وقلنا نحن معه ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب[2]. فهو يدعو للتسبيح كل أحفاد آدم ، وهو لا يترك أحد خارج هذه الدعوة، سواء في الغرب أو في الشرق، من هذا المكان أو من ذاك، في الشمال أو الجنوب، فهو يُنهض الجميع معًا للتسبيح.

وفي مواضع أخرى يتوجه لمجموعات من البشر، داعيًا إياهم أبرارًا، حاثًا الأطفال على التسبيح[3]. لكن الآن هو يجمع كل الأمم والشعوب من خلال هذا المزمور ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب “. أى عندما ” تزول هيئة هذا العالم[4] كما يقول الرسول بولس.

ويظهر المسيح كملك وإله، مسكتًا أيضًا كل فم، وواضعًا لجامًا على كل كلمة مجدفة، وعندما يتوقف عبث اليونانيين وخداع اليهود، وهذيان الهراطقة المنفلت، حينئذٍ فإن كل الأمم وكل الشعوب في كل العصور سيقدمون طوعًا، سجودًا بلا اضطرار، وسيمجد الأبرار والجاحدون اسم الله القدوس بحرارة. حينئذٍ سيُرتل الجميع تسبحة النصرة، المنهزمون والمنتصرون. حينئذٍ سيرى الجميع المسئول عن القلاقل (أى الشيطان) الذي حلم بعرش الرب، والملائكة تجره للعقاب المحتوم، هو وأعوانه وخدامه الأشرار، وسيُقَدمونهم للدينونة العادلة.

وسيُستعلن الملك والديان الواحد، الرب الذي يعترف له الجميع، وسيسود العالم الهدوء، عندما يجلس الديان على عرشه، والمبشر يلتزم الصمت، والشعوب بأعين وآذان مفتوحة تنتظر سماع صوت الخليقة.

ولهذا نقول مع المرنم ” سبحوا الرب يا كل الأمم، مجدوه يا كل الشعوب ” سبحوه كقادر، مجدوه كمحب البشر، لأنه حينما سقطنا ومتنا، أعطانا حياة وجعل إناءنا الضعيف جديدًا وشابًا، وغيّر الرفات الكريهة داخل القبر إلى حياة خالدة بسبب محبته غير المحدودة للبشر، والنفس التي تركت الجسد منذ آلاف السنين، كما لو كانت في رحلة بعيدة، أعادها إلى بيتها، دون أن يجد أى صعوبة في ذلك، على الرغم من عنصر الزمن وانفصال النفس عن الجسد منذ وقت بعيد، لكنه يصنع هذا، بطريقة أكثر سهولة من طيران طائر نحو عشه.

          لنتحدث إذن عن الأمور الخاصة بهذا الإحتفال (القيامة)، لكى نحتفل بما يتناسب مع طبيعة هذا الإحتفال. لأن كل ما هو غير لائق وبلا هدف، هو بلا نظام كما أنه يتسم بالغرابة، بجانب أنه لا ينفع في شئ،  ليس فقط من جهة العقيدة والإيمان، ولكن أيضًا فيما يختص بالأمور المتعلقة بالحكمة الخارجية العالمية.

لأنه أين هو الخطيب، الذي يحمل هذا القدر من الحماقة والمثير للهزل، الذي عندما يدعونه في احتفال زواج، يترك الحديث المناسب واللائق الملىء بفرح الاحتفال، ويبدأ في الرثاء بأغنيات حزينة وينوح داخل قاعة الفرح لأجل مصائب هذه الكارثة، أو العكس عندما يُعهد إليه أن يرثى إنسان توفى، فينسى الأسى ويبدو عليه الفرح وسط أناس مملوئين بالحزن؟ فإن كان النظام والمعرفة في الأمور العالمية هو أمر حسن، فبالطبع يكون الأمر أكثر ملاءمة في الأمور الأعظم والأسمى.

          إذن فقد قام المسيح اليوم، وهو الحى إلى الأبد، هذا الذي لم يُجبر على الآلام، ولم يلزمه أحد أن ينزل عن سمائه، ولم تكن قيامته بمثابة إحسان عليه من آخر أو كأمر غير متوقع وغير مأمول، لكنه كان يعرف سير الأحداث كلها حتى النهاية. فهو بعينه الإلهية لديه المعرفة بكل الأمور التي ستحدث، فقد رأى قبل أن ينزل من السموات، اضطرابات الأمم، وقساوة إسرائيل، وبيلاطس وهو يجلس على عرشه، وقيافا وهو يمزق ثيابه، رأى الشعب وهو يثور بحدة، ويهوذا يخون، وبطرس يدافع عنه، ورأى إستعلان قيامته المجيدة قبل أن تحدث.

فقد كان يعرف مسبقًا كل المستقبل، ولم يؤجل إحساناته للإنسان، ولم يجعل التدبير بعيدًا، لكن مثلما يصنع أولئك الذين ينظرون شخصًا ضعيفًا تسحبه المياه المتدفقة إلى الأخوار أو الوديان الضيقة، فعلى الرغم من معرفتهم أنهم قد ينزلقون في الوحل الكثيف ويتعرضون للإصطدام بالحجارة التي تحركها المياه المندفعة، لكنهم لا يترددون عن الدخول في هذه الوديان الضيقة، لأجل محبتهم لذاك الذي تهدده الأخطار، هكذا مخلّصنا محب البشر لقد قَبِل السباب والشتائم، من أجل محبته لذاك الذي خُدع، وسار نحو الضياع.

أتى إلى العالم، لأنه تنبأ بصعوده الممجد قبل أن يموت كإنسان، وعرف مسبقًا بقيامته. لم يخاطر مثل إنسان عادى لا يُدرك ما يحمله له المستقبل من عواقب، لأنه يعرف كل التفاصيل الخفية لهذا المستقبل، ولهذا فقد دبر خطته بطريقة حاسمة ومعروفة.

هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه[5] لا بسكر وضحكات، لا برقص ومشروبات، لكن ” نبتهج ونفرح ” بأفكار إلهية. اليوم نستطيع أن نرى كل المسكونة كعائلة واحدة، تجمعت من أجل هدف واحد. فقد تجمعت تحت شعار واحد، وهو الرغبة في التسبيح والصلاة.

ولهذا فإن الطرق الكبيرة قد خلت من مسافريها، والبحر اليوم يفتقد المراكب والبحارة، الفلاح ترك الفأس والمحراث وتزين بملابسه الإحتفالية، البيع والتجارة توقفا، الأحزان تراجعت، مثلما يتراجع الشتاء عندما يظهر الربيع، الضوضاء والاضطرابات ومتاعب الحياة تراجعت أيضًا أمام سلام الاحتفال.

الفقير تزّين مثل الغنى، والغنى يظهر أكثر إشراقًا مما إعتاد عليه، الشيخ يركض كشاب، لكى يأخذ نصيبه من الفرح، المريض يتجاوز مرضه، الطفل يبدل ملابسه ويحتفل بأحاسيسه لأنه لا يستطيع بعد أن يحتفل ذهنيًا. ونفس العذراء تستضئ، لأنها ترى أن رجاءها المنتظر يشرق لقبول مثل هذه الكرامة.

المتزوجة تحتفل وتفرح مع كل ملء بيتها. لأن الجميع يفرحون اليوم، الزوج والأولاد والخدم وكل أهل البيت. ومثلما يحدث مع مجموعات النحل المولودة حديثًا والتي تطير لأول مرة خارجة من الخلية ومن ثقوبها نحو الهواء والنور، متحدين جميعًا الواحدة مع الأخرى مجتمعين بفروع الأشجار، هكذا نرى في هذا الاحتفال أن كل العائلات تجتمع معًا في المدينة الأم.

وبالصواب يُقال إن هذا اليوم هو حقًا انعكاس لليوم المنتظر. لأن في الحالتين يجتمع الناس، في اليوم المنتظر، الجميع بشكل عام يجتمعون، وفي هذا اليوم تجتمع مجموعات مختلفة. ولكى نقول الحقيقة الأكثر وضوحًا، من جهة التساؤل عن أيهما يثير بهجة وفرح أكثر، فإن هذا اليوم (المحتفل به) هو أكثر فرحًا من اليوم المنتظر. لأن في اليوم المنتظر بالضرورة سنشاهد أولئك الذين ينوحون، وأولئك الذين تُستعلن خطاياهم، بينما سعادة اليوم لا يعتريها أى كآبة.

البار يبتهج، والذي لا  يحمل ضمير نقى، ينتظر تقويمه بالتوبة، ويختفى كل أسى في هذا اليوم، ولا أحد ينتابه أى حزن، بل يشعر بالراحة بسبب عظمة هذا الاحتفال. اليوم يُفك المربوط من قيوده، والمدين يُسدد عنه دينه، والعبد يُحرر بدعوة الصلاح ومحبة البشر التي للكنيسة، لا يُهان بصفعات على وجهه ولا بضربات، ويُسامح لأجل ضربات أعطاها، ولا يصنع استعراضًا أمام الشعب من فوق منصة عالية كبداية لتحرره، وهو مُهان ويشعر بالخجل، لكن كما هو معروف يُسامح بكرامة كبيرة، وذاك الذي مازال بعد في العبودية يُنعم عليه بالحرية. لأنه وإن كانت الخطايا كثيرة وثقيلة، تلك التي تتجاوز حدود الصفح والغفران، فإن السيد (الذي يملك العبد) يقدس قيم السلام ومحبة البشر التي يحملها هذا الاحتفال، ويعفو عن المنحرف والآثم، كما عفى فرعون عن رئيس السقاة، ورده إلى سقيه[6]. ولأننا نحتفل اليوم بالقيامة، والتي هى عربون قيامتنا العتيدة، فهو يدرك (أى السيد) أنه هو أيضًا في ذلك اليوم في احتياج لغفران وصلاح الرب. لذلك فإنه يُظهر هنا أحشاء رأفة، ويترجى المجازاة في يوم القيامة العتيدة. اسمعوا هذا أيها السادة، احفظوا إرشادى كأمر نافع، لا تتهموننى باطلاً من أجل دفاعى عن العبيد، كأننى أمتدح كذبًا هذا اليوم (أى يوم الاحتفال بعيد القيامة) اطردوا حزن النفوس المغتمة، كما محاه الرب من النفوس، غيروهم من أناس بلا كرامة، واجعلوهم مكرمين، ادخلوا الفرح لقلوب الحزانى وشجعوا الضعفاء ليصيروا أقوياء، وأخرجوهم من عزلتهم، كما يخرج الأموات من القبر، وليشرق بهاء هذا الاحتفال في الجميع، كما لو كان زهرة يانعة. فإن كانت السجون تُُفتح في احتفالات عيد ميلاد الملك أو الإحتفال بانتصار ما، ألا يُخلّص المسيح القائم، أولئك الحزانى؟ أيها الفقراء، احتضنوا مرضعتكم، وكل مَن يحمل جسد ضعيف ومهان، فإن هذه (الكنيسة) هى التي تشفى أوجاعكم. لأن رجاء القيامة يخلق فينا، شهوة الفضيلة وبغضة الخطية، لكن عندما تُنكر القيامة، سيكون هناك شئ واحد لدى الجميع ” فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت[7].

          في هذا اليوم، نجد الرسول بولس يستهين بهذه الحياة الحاضرة، ويترجى حياة الدهر الآتى. مُقللاً من شأن الأمور الظاهرة قائلاً ” إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس[8]. وبسبب هذا اليوم، فإن الناس، هم ورثة الله وورثة مع المسيح. في هذا اليوم، الأجزاء الجسدية التي التهمتها الطيور الجارحة منذ آلاف السنين ستكتمل، وأيضًا التي التهمتها الحيتان وكلاب البحر والحيوانات البحرية عندما يقوم الإنسان، ستقوم معه أيضًا هذه الأجزاء. الأجساد التي أحرقتها النيران والتي أكلتها الحشرات داخل القبور، وبشكل عام كل الأجساد التي أبادها الفساد، ستقوم بلا فساد، وكما يُعلّم القديس بولس، فإن القيامة ستحدث في طرفة عين[9]. لكن أنت تفكر كإنسان، وبحسب قدرتك، تحسب كم يحتاج الأمر من السنين لكى يتحقق هذا؟ أولاً: لكى يمكن أن تتجمع العظام التي فسدت، لكى تتحد مرة أخرى، في صلة طبيعية وترابط منسجم بعد أن كانت متفرقة. ثانيًا: تفكر في تغطية العظام بالأجساد، والتشابكات المعقدة للأعصاب، والأوعية الدموية الدقيقة والشرايين الممتدة تحت الجلد، بعددها الذي لا يحصى والذي ينتشر في الخلايا الدفينة، ومن أين تعرف كل واحدة مكانها المحدد، كزى خاص بها، وتتحد مباشرةً مرة أخرى بهذا الجسد وتختاره بدون خطأ، وسط هذا العدد الضخم من الأجساد المتشابهة. تأّمل النفوس والأجساد منذ آدم، أعداد غير متناهية من الأجساد تحللت، ثم عودة أصحابها بعد أحقاب زمنية طويلة، كل هذا يتم بأسلوب عجيب. فلا هذا الجسد يتأخر عن أن يُسكن، ولا ساكنه يضل عنه، ويسهر على الباب طالبًا سكنه الخاص به. لكنها تتقدم نحوه مباشرةً، كما تتجه الحمامة إلى عشها، حتى ولو كان هناك أبراج كثيرة ومتتابعة في نفس المكان، ولها تصميم واحد. كيف تتشكل الذاكرة والتفكير التي للحياة السابقة وبهذا القدر من السرعة، بينما الجسد الحى قد تحلل منذ قرون طويلة، على الرغم من أنه عندما يستيقظ الإنسان من نوم ثقيل، ينسى للحظة مَن هو وأين يوجد، وينسى أموره المعتاد عليها، إلى أن يفيق من غفلته، وتنشط الذاكرة مرة أخرى وتصير أكثر حيوية. هذه الأمور، وأخرى مماثلة، تمر في أفكار الكثيرين، وتملأ الذهن بأشياء مثيرة، ومع ذلك لا يؤمنون بالمعجزة. لأن الذهن لا يجد حلاً لكل ما يحيّره، ولا يستطيع أن يُشبع فضوله من جهة الاكتشاف والفهم، فيُقاد إلى عدم الإيمان، ومخالفة الحقيقة بسبب ضعف أو مرض في طريقة التفكير ذاتها. ولأن موضوع الاحتفال محبب لدينا، فلنحاول قليلاً، طالما أتينا بموضوعنا إلى البداية المناسبة، أن نُعلّم هؤلاء الذين يرتابون بلا مبرر في أمورًا واضحة.

عندما أراد الله أن يخلق الإنسان، أوجده لا ككائن بلا قيمة، لكن ككائن مكرم أكثر من أى خليقة أخرى، وأعطاه سلطان على كل الخليقة التي تحت السماء. هذه هى إرادته، فقد خلقه حكيمًا، وشبيهًا بالله، وزينه بنعمة غنية. فهل يا ترى قد أحضره إلى الحياة، بهذا القصد، أى أن يولد، ويفسد ويختفى كليةً؟ هذا القصد لا وجود له، فإنه أمر شائن جدًا، أن ننسب هذا القصد لله. لأن الله بهذه الصورة، يعكس صورة أطفال يصنعون بيوتًا صغيرة بحماس كبير، وبسرعة يهدمون ما يصنعوه، دون أن ينتهى تفكيرهم إلى أية نتيجة مفيدة. لكن نحن قد تعلمنا العكس تمامًا، إن الله خلق الإنسان الأول (آدم) خالدًا، وعندما خالف وصيته، وعوقب بسبب خطيته، حُرِم من الخلود[10]. بعد ذلك فإن الله منبع كل صلاح ـ من فيض محبته للبشر ـ قد رفع الدين عن أولئك الذين أراد لهم التجديد حتى لا يسيروا نحو الفناء، وأعادهم إلى حالتهم الأولى. هذه الأمور كلها جديرة أن تُنسب بالحقيقة إلى الله. لأنه بجانب أنها تُظهر صلاحه فهى أيضًا تؤكد قدرته. فإن كان من غير المقبول أن يتعامل المرء بقسوة وبلا رحمة مع تلاميذه ومع مَن يرعاهم، ويوصف هذا السلوك بأنه سلوك غير سوى، فبالأولى كثيرًا جدًا لا يمكننا أن ننسب هذا السلوك لله الذي هو منبع المحبة والرحمة والرأفة وكل صلاح. فالراعى على سبيل المثال يريد قطيعه صحيحًا معافًا تدب فيه الحياة، ويطمح في زيادة أبقاره وأغنامه برعايتها بطرق متنوعة، وبشكل عام فإن كل مَن يرعى قطعان يتمنى أن تُحفظ سالمة وأن تتزايد وهو يرمى بلا شك إلى هدف نافع ومفيد. فإن كانت هذه الرؤية هى رؤية صحيحة، وأن ما قلناه منذ قليل، يؤكد على مشيئة الله، خالق جنسنا البشرى، بأن يعيد خليقته التي فسدت للحياة، فإنه من الواضح أن أولئك الذين لا يقتنعون بما سبق وقلناه، يستمدون في آرائهم المعارضة هذه من فكرة استحالة أن الله يُقيم الذي مات وتحلل. غير أن كل مَن ينسب الضعف والحيرة إلى الله هو بالحقيقة من الأموات وبلا احساس، إذ ينسب ضعفه الشخصى إلى الله كلّى القدرة والقوة.

          ولكى نُوبّخ حماقتهم بكلمات دقيقة، يجب أن نؤكد على هذا الذي سيحدث ونسأل، كيف يمكن أن لا نؤمن بالقيامة؟ لقد سمعت أن الطينة صُنعت وصارت إنسانًا. أخبرنى إذن من فضلك أنت يا من تظن أن لديك حكمة تشمل كل شئ، كيف جُمع هذا التراب الدقيق المتفرق، وكيف صار أجسادًا، ومن نفس المادة صُنعت العظام والجلد والدهن والشعر؟ وكيف تكون هناك أعضاء متميزة عن بعضها مع انها تكوّن جسدًا واحدًا؟ كيف أتت حواء من عضو صغير من جنب آدم وصارت كيانًا كاملاً مثل آدم الذي خُلق من التراب. بمعنى أن الضلع الذي أُخذ من الجنب صار رأسًا، ويدين ورجلين. انظر إلى شكل الأمعاء بالتوائاتها المتشابكة، الجسد والشعر، العين والأنف والفم، وكل شئ بشكل عام، ولكى لا أسترسل في الكلام، فإن كل شئ فينا نحن الصغار هو عجيب ومدهش.

إن الكلام عن الخلق، هو أمر يمكن فهمه وقبوله بسهولة. إذن أولئك الذين يقبلون أن من الجنب صار إنسان، بينما لا يؤمنون بإعادة خلق الإنسان مرة أخرى كيف يدّعون بأنهم مفكرين؟ بالتأكيد ليس من السهل إدراك القدرات الإلهية من خلال التصورات الإنسانية. فإن كنا ندرك كل شئ فلن يكون هناك فارق بين الخالق والمخلوق. ولماذا أتكلم عن المقارنة بيننا وبين الله؟ لأنه في بعض الخواص لا يمكننا أن نقارن أنفسنا ولا حتى مع الحيوانات الغير العاقلة، لكننا (في بعض الأمور) نحن أقل منها. على سبيل المثال في الجرى، فإن الخيول وأيضًا الكلاب، وحيوانات أخرى تفوقنا في ذلك. أما في القوة، فإن الجِمال والبغال تتفوق علينا، وفي البصر الحاد، التيس أشد بصرًا. ولهذا فإن مَن لديه عقل عليه أن يؤمن بكلام الله، ولا يطلب معرفة الطرق والأسباب المختصة بالقدرات الإلهية، لأن هذه القدرات، تتجاوز إمكانياتهم الذهنية. اشرح لى كيف أخذ هذا العالم المرئى كيانًا ووجودًا؟ أخبرنى عن الفن الذي به تحقق هذا العمل متعدد الأشكال. ومع أنك تعرف أن هذه الأمور هى فوق قدرتك، إلاّ أنك تُظهر حيرة وغضب، لأنك تجهل موضوع إعادة تجديد الإنسان بحسب الميلاد الجديد، أنت يا مَن تجيد الكلام عن الميلاد. وإن كانت هذه الأمور، بالنسبة لك هى حلم، وخيال، وإدراكها من كل النواحى أمر مستحيل، فلا تغضب، إن كنت تجهل موضوع إعادة  الخلق، أو أنك لا تستطيع أن تفهم اصلاح ذاك الذي فسد، فالفنان الذي أوجد الخليقة الأولى، هو نفسه الذي يُعيد الخلق مرة أخرى[11]. فهو يعرف كيف يُعيد مرة أخرى عمله الذي أصابه فساد. هل  يحتاج إلى حكمة؟ هو نفسه مصدر كل حكمة وكل قدرة وليس في احتياج لمساعد أو معين. هذا هو الذي بحسب كلمات النبى الحكيم ” من كال بكفه المياه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكيل تراب الأرض[12]. انتبه إلى الصور، التي تعطى معانى واضحة للقدرة التي لا يُعبر عنها، والتي تجعل الحيرة تتملك على أفكارنا، باعتبار أننا لا نستطيع أن نتخيل شيئًا مساويًا في القيمة لطبيعة الله. فهو ضابط الكل، ولا يوجد شئ مستحيل وغير ممكن تحقيقه لدى الله لأنه يستطيع كل شئ.

إذًا فأمامك أمور كثيرة تقود إلى الإيمان وتفرض عليك أن تقبل الأمور التي تكلمت عنها. أولاً وقبل كل شئ، إن هذا الكون كثير التنوع والتراكيب، يُعلن بجلاء وأكثر من أى عظة، أن ذاك الذي أبدع كل ما تراه[13] هو إله عظيم، وخالق حكيم. لقد تعهد الله الخليقة بالرعاية، واهتم بنفوس غير المؤمنين الضعيفة، وأكد قيامة الأموات عمليًا، بأن أعطى حياة لكثير من الأجساد التي ماتت. ولهذا فإن لعازر قام بعد أربعة أيام من بقائه في قبره[14]. والابن الوحيد للأرملة، أُقيم من موته وسُلم لأمه، وبعد أن كانوا يحملونه ليُدفن، عاد حيًا[15]. وآلاف آخرين من الصعب أن أحصيهم الآن. لكن لماذا أتطرق بحديثى عن الله، وعن المخلّص عند الحديث عن القيامة؟ لكى يخجل بالأحرى كل مَن يشك، وأقول ألم  يُعطِ لعبيده الرسل، القدرة أن يقيموا أمواتًا؟ إذن فالدليل واضح على قدرته الإلهية، ولماذا أيها المتشاحنون، تُثيرون هذه الموضوعات، وهل نحن نتكلم بكلام غير مفهوم؟ فكما قام شخص من بين الأموات ، هكذا سيقوم عشرة أشخاص، ومثلما قام عشرة، هكذا سيقوم ثلاثمائة، وكما قام ثلاثمائة، هكذا سيقوم الكثيرون. النحات الذى ينحت تمثالاً ما على سبيل المثال، يستطيع بسهولة أن ينحت عددًا كبيرًا من التماثيل. ألم تروا كيف يُشكل الصناع بقليل من الشمع، الأشكال والنماذج للمبانى الكبيرة والرائعة؟

انظر إذًا إلى السماء التي لا نهاية لها، هى إبداع عمل الله، وقد خلق الله الإنسان، كائنًا عاقلاً، لكى يدرك الإبداعات الإلهية ويمجد الخالق الحكيم والمبدع، وها أنت ترى دائرة عالم الفلك، التي هى صغيرة، لكنها تتحرك بيد عَالِم الفلك، هكذا تتحرك السماء بيد الله. هكذا فإن الأعمال الفنية الصغيرة، تصير صورة للإبداعات الكبيرة، والكلمات القليلة، تُفسر الأعمال الضخمة. لماذا أذكر هذه الأمور؟ لكى تعرف، إذا ما سألتنى كيف ستحدث قيامة الأجساد التي رقدت منذ بداية الخليقة؟ سأُجيب متساءلاً، كيف قام لعازر بعد أربع أيام في القبر؟ فعندما تؤمن أن ذاك الذي يعمل، هو الله، فلن تقول إنه يوجد شئ مستحيل أمامه، ولا تعتقد أن ذهنك يستطيع أن يستوعب حكمة ذلك الذي هو غير مُدرك. لأنه لا يوجد شئ غير محدود أمام الله،  أما بالنسبة لك، فغير المحدود هو أمر لا ينبغى الفحص فيه. غير أننا يُمكننا أن نفهم هذا بطريقة أفضل لو أننا أضفنا إلى ما قلناه، الطريقة التي خُلقنا بها. لا أتكلم عن بداية جبلتنا الأولى من الله، لأنها غير مدركة ولا يمكن للذهن الإنسانى أن يصل إليها، لكنى أتكلم عن الخلق الذي يظهر من خلال الطبيعة ومن خلال الإنسان. كيف أن البويضة المخصبة والتي هى مادة سائلة، وبلا شكل، تصير جامدة، ثم تصبح رأسًا، وعضلات ساق، وتصير أضلاعًا متينة، كما أن المخ وهو لين وخفيف، تصير الجمجمة التي تحتويه، جامدة جدًا وخشنة، بالإضافة إلى الأعضاء الأخرى متعددة الأشكال؟ وهذا أقوله باختصار ولا أسترسل شارحًا تفاصيل الأمور الجانبية. إذن فكما أن البويضة المخصبة في البداية، تكون بلا شكل، ثم بعد ذلك تأخذ شكلاً، وحجمًا، كما يُبدعها العمل الإلهى بشكل معجزى، هكذا يكون مقبولاً أكثر، أن الرفات التي توجد داخل القبور، والتي كان لها في وقت ما شكل محدد، تتجدد مرة أخرى. والتراب يصير مرة أخرى إنسانًا، مثلما حدث بالضبط في بداية الخلق، حيث خُلق الإنسان من تراب الأرض.

لنتقدم في الكلام عن الله، ولنفكر فيما لصانع الخزف من إمكانيات، ماذا يعمل الخزّاف؟ يأخذ قطعة من الطين، ويُعطيها شكل إناء معين، ويُعرّضه للشمس، لكى يُجففه ويجعله متينًا، ليصبح فيما بعد جرة، أو بلاطة أو إناء تخزين. لكن أحيانًا يدخل إلى داخل معمله إنسان آخر، بشكل مندفع وبلا نظام يقلب كل شئ، فيُلقى الإناء إلى أسفل، ويسحقه فيصير ترابًا لا شكل له. لكن إذا رغب الخزاف في إصلاح ما حدث على الفور، فإنه يُشكل الخزف من جديد، ويصنع بفنه إناء ليس بأقل جودة أبدًا من الإناء القديم. مع أن الخزاف هو بالتأكيد مخلوق صغير، إذا ما قورن بالقدرة الإلهية، فإننا لا نصدق الله عندما يَعد أن يُجدد ويحيي ما تلاشى. وهذا بالتأكيد هو فكر أحمق. ومن ناحية أخرى، لنر ماذا يقول لنا بولس الرسول باستخدامه مثال القمح، والذي يُعلّم به هؤلاء الأغبياء قائلاً: ” يا غبى الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذي تزرع لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقى. ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد[16]. فلنفحص بعناية، كيف يصير نبات القمح، وستفهمون كلامى. فبذور القمح يلقونها في الأرض، وبعدما تتعفن بالرطوبة، بعد موتها، تنتهى إلى حالة معينة، مثلما يحدث في اللبن، الذي إذا تخمر، صار مثل مادة بيضاء، لها مذاق حامضى. وعندما تنمو البذور وتمتد في الأرض، تتحول شيئًا فشيئًا من اللون الأبيض إلى اللون الأخضر. ثم بعد ذلك تصير خضراء وتتشعب في الكتل الطينية، وعندما تكبر إلى فوق، وتتغَذى هذه الأعواد الكثيرة من أسفل، من مكان معين من الجذر، فإن الجذر يُعَد بهذا لحمل الثقل الذي سيصير في المستقبل. وكما يُضبط سارى المركب من كل اتجاه، بحبال كثيرة، لكى يبقى ثابتًا وفي حالة توازن، من خلال الجذب المناوئ للحبال، هكذا نتوءات الجذر، مثل الحبال، تصير دُعامات وحماية للساق الحامل للسنابل. وعندما يصير القمح أعوادًا وينمو مرتفعًا إلى أعلى، فإن الله يسنده ويشدّده ويقوى ساقه، ليؤّمنه، من أجل ثقل السنبلة عند نضجها، فيكون مثل بيت مبنى بحجارة مترابطة. فهكذا عندما تصل قوة الساق إلى أقصى مداها، نجد أن البراعم تتشقق وتخرج السنابل. وهذه (السنابل) نجد فيها أيضًا عجائب أخرى عظيمة. إذ نجد الحبوب الصغيرة في صفوف مرتبة متراصة بجانب بعضها وكل حبة منها لها غلاف خاص، وفي النهاية تخرج هذه السنبلة أشواك دقيقة وحادة، أتصورها كأسلحة ضد الطيور التي تريد أن تلتقط هذه الحبوب، فتمنعها من الاقتراب والتقاط حبات القمح. أرأيت كم معجزة، تخفيها بذرة متعفنة، بينما هى حبة واحدة تسقط في الأرض، عندما تنمو وتثمر، تصير حبات كثيرة؟ أما من جهة الإنسان، فإنه لا يأخذ شيئًا أكثر مما له، لكنه يأخذ ما يخصه فقط، فالإنسان الواحد الذي يموت، هو نفسه الواحد الذي يقوم. ولهذا فإن تجديدنا، يظهر أنه أسهل من زراعة القمح. من هنا اتجه إلى ما يحدث للأشجار، كيف أنها تفتقر إلى الحياة في فصل الشتاء من كل عام، أى تموت الثمار، وتسقط الأوراق، وتبقى الأخشاب جافة خالية من كل جمال. لكن عندما يأتى فصل الربيع، تزدان بالزهور اليانعة ثم تكسوها الأوراق الخضراء لتصبح في أبهى منظر يخلب الأنظار وتصبح مأوىً للطيور المغردة التي تعلوا فوق الأغصان، ويُستعلن هناك جمال رائع، حتى أن كثيرين من الناس هجروا بيوتًا مُزينة بالذهب والمرمر، واعتبروا أن بقائهم تحت الأشجار الوارفة هو أمر أكثر سعادة (من البقاء في البيوت). لهذا فإن إبراهيم أقام خيمته تحت أشجار البلوط[17]. وهذا بالطبع، لا لأنه لا يملك بيتًا بل لأنه يشعر بالارتياح والبهجة تحت ظلال الأشجار. وحياة الزواحف تقودنى لقبول هذا الكلام. لأن قدرة هذه الزواحف على الحياة تتوقف في فترة الشتاء، وخلال فترة ستة أشهر، تكون في بياتها الشتوى، وتبقى في مخابئها بلا حركة. لكن عندما يأتى الزمن المحدد ويدوى الرعد في الأفق، ويُسمع الرعد كعلامة حياة، على الفور تنطلق كما لو لم يكن قد مر كل هذا الوقت، وتبدأ في تأدية أعمالها المعتادة.

          ماذا يعنى هذا الكلام؟ ليقل لي الفاحص والعارف بأعمال الله وليخبرنى، كيف يقبل أن تقوم الثعابين من مخابئها بصوت الرعد، بينما هى في حالة موت، لكنه لا يؤمن بعودة الحياة للأموات، عندما يُدوى صوت البوق الإلهى من السماء، كما تقول الكلمة الإلهية ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات[18]. وفي موضع آخر، يقول أيضًا بكل وضوح ” فيُرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه[19]. إذن يجب أن نكون مؤمنين بالتجديد. لأن حياة النباتات والحيوانات على اختلاف أنواعها، وحياة البشر أنفسهم، تُعلّمنا أنه لا يوجد شئ من المخلوقات يستطيع أن يحتفظ بكيانه، لكنه يتبدل ويتحول.

          ولو أردنا التأكد من ذلك، علينا أن ننظر إلى التغيير الذي يطرأ علينا في مراحل أعمارنا المختلفة. إننا نعرف كيف يكون الطفل الرضيع. فبعد مرور وقت قليل، يبدأ في اكتساب قوة لكى يحبو، وهو في هذا لا يختلف في شئ عن الكلاب الصغيرة، يسير بالأربعة (أيدى وأرجل). في العام الثالث يقف منتصب ويتمتم ببعض العبارات غير الواضحة. بعد ذلك يبدأ في تصحيح كلامه، ويصير طفلاً لطيفًا. من هذا السن يتقدم نحو المراهقة، ثم نحو سن الشباب. ونلاحظ أن بعض الشعيرات البسيطة تغطى وجهه في البداية، وبعد وقت قليل تظهر له ذقن كثيفة ويصير شخصًا آخر تمامًا. ثم بعد ذلك يصير رجلاً قويًا، صلبًا يتحمل الأتعاب. وبمرور أربعين عامًا، تبدأ مسيرة عكسية. يبيّض فيها الشعر تدريجيًا في الرأس، وتبدأ القوة تخور، وفي النهاية يصل إلى مرحلة الشيخوخة، وإنهاك القوة تمامًا، وينحنى الجسد نحو الأرض، كما يمتلئ الوجه الناعم بالتجاعيد، ويصبح الشاب الذي كان قبلاً متميزًا، مرة أخرى كالطفل المتلعثم الغير مدرك، ثم يسير بالأرجل والأيدى كما كان يفعل سابقًا. وأسألك كيف تبدو لك كل هذه الأمور؟ أليست هى تغييرات، أليست هى تحولات تليها تحولات؟ أليست هذه تجديدات مختلفة هى التي تغير هذا الوجود الفانى، فيما قبل الموت؟ كيف لا يصير نومنا واستيقاظنا درسًا للحكيم، ومدخلاً لفهم حقيقة القيامة؟ لأن النوم هو صورة للموت، بينما الاستيقاظ شبيه بالقيامة. ولهذا فإن بعض حكماء العالم، يدعون النوم توأم الموت، لأجل التشابه الذي يحدث في كلتا الحالتين (أى النوم والموت). لأنه في الحالتين يسود نسيان للأمور الماضية، وفقدان القدرة على إدراك الأمور الآتية. هكذا نجد أن الجسد في حالة النوم يرقد بلا أحاسيس، دون أن يُميَّز بين الصديق والعدو، يبدو شبيهًا بالموتى في القبور. الآن لو أن هذا الكائن الحىّ مازال يعيش، وتعبر بحياته أيام وليالى، وأمور تُثير الدهشة، تغيرات وتحولات، نسيان وتذكر، فإنه يُعد حماقة شديدة، ألاّ نؤمن بالله الذي وعد بالتجديد في الدهر الآتى، لأنه هو الذي خلق جبلتنا الأولى.

          فإن كان هو أمر في غاية السهولة بالنسبة الله، أن يخلق من العدم (لأنه هكذا قد خُلقت كل الأشياء في البداية). فبكل تأكيد هو أمر أكثر سهولة أن يُعيد الخلق من العناصر الموجودة.

إذن فلا ينبغى أن نُجرد الناس من رجائهم المبارك، وأن نتجاوز ضعفاتنا، وأن نتحرر من كل الأفكار الغريبة. ودعونا ألا نتجاهل الوعد الإلهى من جهة محبة الله للبشر، لأن إنغماسنا في الشهوات الجسدية الجارفة، يجعلنا نتجاهل هذه الوعود الإلهية. إننى أرى أن المعارضين لهذا الموضوع (قيامة الأجساد) هم رفقاء للشر، وأعداء للفضيلة، يتصفون بالشراهة، لا يضبطون عيونهم وأسماعهم، ولا أنوفهم، ويستمتعون بالشهوة التي تأتى إليهم عن طريق كل الحواس. ولأن الكلام عن القيامة مرتبط بالدينونة، وهم يسمعون الكتب المقدسة التي تعلن بشكل قاطع، بأننا سنُحاسب عن أعمالنا (فعندما نتجدد فى القيامة، سنقف جميعًا أمام منبر المسيح، وسننال المجازاة التي نستحقها عن أعمالنا)، ولأنهم يدركون أنهم سلكوا سلوكًا شائنًا ويستحق لعقوبات كثيرة. وبسبب كرههم للدينونة، ينكرون القيامة، مثل العبيد المخادعين أو الغشاشين، الذين يبددون ثروة سيدهم، ويخططون لموته، متفكرين في خيالات فاسدة تتفق ورغباتهم. لكن لا يوجد إنسان عاقل، يُفكر بمثل هذه الطريقة.

فما هو النفع من البر والحق والصلاح، ومن كل شئ حسن، ولأى سبب يتعب الناس ويحيون حياة الفضيلة ويقمعون شهوة الأكل، ويمارسون ضبط النفس، ويأخذون قسطًا يسيرًا من النوم، مقاومين البرد والحر، إن لم توجد قيامة؟ هذا ما يشير إليه الرسول بولس قائلاً:         فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نمـوت[20]. فإن لم توجد قيامة، فنهاية حياتنا هى الموت، إذن فلتُمحَ الإدانات والنقائص، ولتُطلق يد القاتل في إرتكاب الجرائم، وليُترك الزانى غارقًا في ممارسة آثامه، وليلهو الجَشِعْ في جشعه، ولا ينتهر أحد الشتّام ومَن تعود على نقض القسم، ليستمر في نقض قسمة مع أن المؤمن بقسمه ينتظره موت. والآخر فليقل ما يريد من الكذب، لأنه لا يوجد أى ربح من وراء الحقيقة، وإذن فلا يرحم أحد الفقير، لأن أحشاء الرأفة ليس لها مكافأة! إن هذه الأفكار الغريبة تختلط وتتداخل بصورة أصعب من الطوفان الذي يأخذ أمامه كل شئ، وتطرد كل كلمة مُهذبة، وتدعم كل فكر مهووس ومرذول.

لو لم تكن هناك قيامة، فلن تكون هناك دينونة، ستضيع مخافة الله. وحيث لا يوجد تهذيب بالترهيب، فهناك يرقص الشيطان فرحًا بالخطية. ويناسب هؤلاء ما كتبه داود في المزمور القائل ” قال الجاهل في قلبه ليس إله فسدوا ورجسوا بأفعالهم[21]. إن لم توجد قيامة، فإن قصة لعازر والغنى والهوة العظيمة، والنار التي لا تُطفأ، واللسان المشقق، والعطش الشديد لنقطة الماء واصبع الفقير المبلل بالماء، ستكون أسطورة[22]. من الواضح، أن كل هذا يعطى صورة للقيامة العتيدة. بالتأكيد اللسان والاصبع، لا تُعتبر أعضاء النفس غير المتجسدة، بل أعضاء الجسد. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن هذا قد حدث، لكن كل هذا يُشكل صوتًا صارخًا يلفت الإنتباه لما سيحدث في المستقبل. وعند قيامتنا من الموت، سيُقدِم كل أحد حسابًا عن أعماله التي عملها في هذه الحياة، وسيكون مكونًا من جسد ونفس كما كان أولاً. وأيضًا حزقيال النبى، الأعظم بين الرائين، ما الذى فكر فيه عندما رأى البقعة العظيمة المملوءة بالعظام الإنسانية، التي أخذ أمرًا إلهيًا ليتنبأ من نحوها؟ إذ أن هذه العظام قد لبست أجسادًا على الفور، وبينما كانت متفرقة ومطروحة بلا نظام، بدأت تنضم بعضها لبعض بنظام وتوافق. أليس واضحًا، بهذه الكلمات، أنه يبرز الدليل الجاد لإعادة إحياء الجسد؟ وأنا أعتقد أن كل من يتشكك في هذا الكلام الخاص بالقيامة، هو ليس فقط من الجاحدين، ولكنه بلا منطق أو عقل. لأن القيامة، والتجديد، والتجلى وكل الأسماء المشابهة تُذّكر المستمعين بالجسد الذي يخضع للفناء. لأن النفس عندما تُفحص في حد ذاتها، فهى لا تتحلل كما يتحلل الجسد ولا تتعرض للفناء، فهى غير قابلة للموت بسبب قوة الحياة التي أخذتها من المسيح. بينما نجد أن الجسد الذي يحملها يفنى، ويتوقف إتصاله بالأشياء المحيطة. إن النفس ستسكن مرة أخرى في جسدها لتقدم حسابًا أمام الديان العادل. أو من الأفضل، لكى يصير حديثنا مُتسمًا بالدقة ومنطقيًا، لنفحص الأمر كالآتى. ماذا تقول، مَن هو الإنسان؟ هل هو مكون من النفس والجسد معًا أم أنه واحد من هذين الاثنين؟ من الواضح أن الكائن الحىّ، يتكون من الاثنين معًا. لا ينبغى أن نُطيل الحديث في أمور معروفة ولا تقبل الشك. فلو إن الأمر هكذا، فلنُفكر أى من الاثنين (الجسد أم النفس)، عندما يرتكب الناس على سبيل المثال زنا، قتل، سرقة، أو أى شئ له علاقة بهذه الأمور، أو العكس أيضًا عندما يُمارس العفة، ضبط النفس، وكل عمل حسن، هل نقول إن هذه الأمور هى نتائج لعمل الاثنين (النفس والجسد)، أم تنحصر في أعمال النفس؟

          وهنا تتضح الحقيقة، فمن المحال أن تشرع النفس وهى منفصلة عن الجسد في السرقة، أو في تدنيس المقدسات، ولا أيضًا تقدم وحدها خبزًا للجائع ولا تعطى ماءً للعطشان، ولا تداوم على زيارة المسجونين، بلا كلل، لكى ترعى البائسين، لكن في كل الأمور، يعملان معًا بلا انفصال، الواحد مع الآخر يشاركان في الأفعال والأعمال.

          بما أن الأمر هكذا، ولأنك مقتنع بالدينونة عن الأعمال التي عملناها في هذه الحياة، فكيف إذن تفصل النفس عن الجسد وتُقصر الدينونة على النفس فقط، بينما كل ماحدث قد تم بإشتراكهما معًا في كل فعل؟ لكن إذا صار شخصًا ما قاضيًا عادلاً من جهة خطايا البشر، وفحص بعناية، من أين تنبت الأسباب الأولى للخطية، ربما يكتشف أن أول مَن يعبث ويصنع مخالفة هو الجسد. لأنه يحدث مرارًا، بينما النفس هادئة وغير مضطربة وفي سكون، تلقى العين نظرة اشتهاء إلى أمور كان من الأفضل ألا تنظر إليها، وتنقل المرض إلى النفس، فتتبدل حالة الهدوء إلى رعود وأنواء، وأيضًا الآذان عندما تسمع بعض الكلمات النابية والمنفّرة، فإنها تصب في الأفكار أمورًا تُثير الإضطراب والبلبلة. وفي بعض الأحيان تجلب الأنف على صاحبها شرورًا كبيرة لا شفاء منها عن طريق حاسة الشم، فتثير إنساننا الداخلى. وتستطيع الأيدى عن طريق اللمس، أن تُزعزع صلابة النفس. هكذا نتقدم قليلاً قليلاً ونفحص الأمر، سنجد أن الجسد مسئول عن كثير من الخطايا. لكنه أيضًا يعانى المشاق من أجل الفضيلة، ويتعب في جهاده من أجل الصلاح، وذلك عندما يُقطع بالسيف، ويحرق بالنار، ويُمزّق بالسياط، ويُثقل بأحمال ثقيلة، ويصبر على كل تعذيب، لكى لا يخون الوصية الإلهية. إذن لو أن الجسد يُشارك في أفعال النفس ولا ينبذ الآثام، فمن أين تأخذ الدافع، وتقول أن النفس غير المتجسدة وحدها هى التي تُقاد إلى الدينونة؟ بالتأكيد هذا الحديث لا يتعلق لا بأبرار ولا بعاقلين. لو أخطأت النفس وحدها وهى عارية (أى من لباس الجسد)، فلنعاقبها وحدها، لكن لو كان لديها شريك واضح، فلن يتركه الديان العادل وأنا أعرف أن هذا الأمر يقوله الكتاب، أن المذنبين سيخضعون لعقوبات عادلة[23]، نار، ظلمة، دود لا يموت. كل هذه هى عقوبات الأجساد المادية، لأن النفس وحدها لن تمسّها النار أبدًا، ولا الظلام سيُثير لديها حزن، طالما ليس لديها أعين جسدية. وماذا يستطيع أن يفعل الدود الذي يأكل الجسد وليس النفس؟ إذًا فالنفس لن تُدان وحدها بمعزل عن الجسد، لكن الإنسان كله (نفسًا وجسدًا) سيخضع للدينونة.

إن الأفكار العاقلة والرؤى المستنيرة هى التي تقود لقبول قيامة الأموات، والتي ستتحقق في أزمنة محددة، لأن الله حقق وعوده بالأعمال. إذن فلنؤمن بهذا: ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير[24]. وأيضًا ” لا تتعجبوا من هذا. فإنه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة[25]. لأنه لا يقدم وعوده بالكلام فقط، لكن بالأعمال التي يحققها كل يوم، يُعلم ويُظهر بوضوح أنه كلّى القدرة. فعندما خلقنا في البداية لم يتعب، ولا عندما يُغيّرنا ستغيب عنه الحكمة. فلننظر إلى الأمور الحالية، حينئذٍ سوف لا نتشكك في الأمور المستقبلية. لأن كل عمل لله يُثير لدينا الآن أحاسيس مُفرحة وإعجاب لا يُعبر عنه، عندما نتأكد أن ملامح الآباء والأجداد تورث بالتمام في ملامح الأحفاد، والأولاد يصيرون انعكاسًا للأجداد. وعندما تُخلق التشابهات التي تعكس النماذج الأصلية، التي لم يعد لها وجود، وقتها تصل المفاجأة من نحو عمل الحكمة الفائقة لله مخلّصنا، الفنان الأعظم، إلى قمتها، وكل هذا يحدث بطريقة سرية لا يستطيع أحد إدراكها، فيُقيم الأموات، من خلال إعادة خلقه للملامح الخاصة بالنماذج الأصلية، والتي تظهر في الأبناء والأحفاد. وفي كثير من الأحيان، تظهر في جسد ما الملامح التي تحمل نفس الصورة، الخاصة بأنف الأب، وعيون الجد، وخطوة العم، وطريقة كلام الأم، وإنسان واحد يُعتبر مثل نبات تأثر من أشجار كثيرة تُثمر ثمارًا كثيرة لكل مَن يُحبها. كل هذا يستحق الاعجاب، ومع أننا نجهل كيفية حدوثها، إلاّ أننا نعرف قدرة الخالق على إبداعها. إنه لأمر غريب ويكشف عن جهل كبير، من جهة كل ما يظهر في الأجساد التي تولد كل يوم، تلك الملامح الخاصة بالأجساد التي تعفنت وفسدت، وأن صفاتًا غير مألوفة تنتقل إلى أجساد أخرى، لكنهم لا يقبلون أن كل ما لهم من صفات أو ملامح خاصة مميزة، تتجدد وتحيا مرة أخرى. تمامًا كما كانت في أولئك الذين كانوا يحملون هذه الملامح في زمن ما. بل أننا نرفض كل هذا ونتشاجر ونتصور أن الوعد الإلهى خرافة، في حين أن الله هو ذاك الذي أعطى وجودًا لهذا العالم وزيّنه كما أراد. أما من جهتنا نحن فقد آمنا بالقيامة ونعطى المجد للآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] حيث كان المناخ الإجتماعى في تلك الفترة يسمح، بل ويُشجع على تغطية إحتياجات مَن هم في حاجة إلى عون وعضد. هذا ما يؤكده القديس يوحنا ذهبى الفم في عظة له عن “المعمدين الجدد” قائلاً: ” إن المدعوين لأفراح عالمية، حتى ولو كانوا هم أكثر فقرًا من الجميع، فإنه في مرات كثيرة يستعيرون من الآخرين أفضل الملابس للظهور بالشكل اللائق. وأنت يا مَن دُعيت للفرح الروحى والعشاء الملوكى فكر في أى نوع من الملابس ينبغى أن ترتدى “. مجموعة آباء الكنيسة اليونانيين (EPE)  89، جزء30، ص555.

[2]  مز1:117.

[3] مز1:149ـ2.

[4] 1كو31:7.

[5] مز24:118.

[6]  تك20:40ـ21.

[7]  1كو32:15.

[8] 1كو19:15.

[9]  انظر1كو52:15.

[10] يظهر هذا في صلاة الصلح، عندما يصلى الأب الكاهن قائلاىً: ” يا الله العظيم الأبدى الذي جبل الإنسان على غير فساد … وعندما خالفنا وصيتك بغواية الحية سقطنا من الحياة الأبدية ونفينا من فردوس النعيم “.

[11] يورد القديس أثناسيوس هذا التشبيه في مجال حديثه عن تجسد الكلمة، انظر كتاب “تجسد الكلمة” فصل1، فقرة 4. ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار مركز دراسات الآباء، سنة 2003.

[12] إش12:40.

[13] حكمة سليمان1:13.

[14]  يو44:11.

[15]  لو11:7ـ15.

[16]  1كو36:15ـ37.

[17]  تك18:13.

[18]  1كو51:15.

[19]  مت31:24.

[20] 1كو32:15.

[21] مز1:14.

[22] لو19:16ـ31.

[23]  مر48:9، مت12:8، حكمة يشوع بن سيراخ 17:7.

[24]  1كو52:15.

[25]  يو28:5ـ29

 

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

نفخة الروح القدس بعد القيامة:

          ولكن لأن البعض قد يسأل بسبب محبته للمعرفة ـ وهذا حسن جدًا ـ أين ومتى أخذ الرسل نعمة الروح القدس؟ هل عندما ظهر لهم المخلّص بعد قيامته ونفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس أم في أيام العنصرة عندما كانوا مجتمعين معًا وفجأة جاء من السماء صوت كهبوب ريح عاصفة. وظهرت لهم ألسنة من نار منقسمة واستقرت على كل واحد منهم. وبدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا (أع1:2ـ4)؟ أم أننا نفترض أنهم نالوا نعمة مضاعفة في يوم الخمسين؟ أم أننا يجب أن نبقى جاهلين المناسبة التي فيها صار الرسل شركاء الروح القدس؟ فإذا كان ما ذكره مخلّصنا هنا وما هو مكتوب في سفر الأعمال صحيحًا، فإن السؤال يغرينا بالبحث، خصوصًا لأن المسيح نفسه قال: “ خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن متى ذهبت سوف أرسله إليكم” (يو7:16). ومن يسأل سوف يقول أيضًا: ” إن الحق الذي هو المسيح لا يكذب وعندما يقول بكلمات واضحة إن المعزى لن يأتى للتلاميذ إلاّ إذا ذهب هو للآب وأنه متى ذهب للآب سوف يرسله أى متى صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. فكيف أعطى الروح القدس فور قيامته وقبل صعوده؟ وبحث هذا الموضوع محير وغامض جدًا إذا لم نتذكر إيماننا في المسيح الذي هو الإله القادر على أن يضبط كل كلماته وأن يعطى المعانى الدقيقة لكل كلمة يقولها.

          لقد أعلن المسيح أنه سيرسل لنا من السماء المعزى عندما يصعد إلى الله الآب وبكل يقين فعل هذا. لأنه بعد صعوده سكب الروح بغزارة على كل الذين كانوا يرغبون قبوله. لأن كل إنسان يستطيع قبول الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة كما قال النبى ” سأسكب من روحى على كل جسد” (يوئيل28:2). ولكن كان من الضرورى بالنسبة لنا أن نرى الابن يمنح لنا مع الآب الروح القدس. لأن الذين آمنوا به (بالابن) كان ضروريًا لهم أن يؤمنوا أنه قوة الآب الذي خلق العالم كله وخلق الإنسان من العدم. لأن الله الآب في البدء بكلمته أخذ من تراب الأرض ـ كما هو مكتوب ـ وخلق الإنسان كائنًا حيًا له نفس عاقلة حسب إرادته وأناره بنصيب من روحه ” ونفخ في أنفه نسمة الحياة ” (تك7:2). ولكن عندما سقط الإنسان بعصيانه واستعبد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة أعاده الله الآب وجدده إلى الحياة الجديدة بالابن كما كان في البدء. وكيف جدده الابن؟ بموته بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشرى إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا. ولكي نعلم أنه هو هو الذي في البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس، لذلك يمنح مخلّصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أى “نفخته” للرسل القديسين لأنهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة. وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ في أنف الإنسان نسمة الحياة، يحدث نفس الشئ الذي حدث في البدء عندا يجدد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا. وكما خلق الإنسان في البدء على صورة خالقه. كذلك الآن بالاشتراك في الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله. ولا يوجد لدينا أدنى شك في أن الروح القدس هو الذي يختم صورة المخلّص على قلوب الذين يقبلون المخلص. وهذا واضح تمامًا من تحذير بولس للذين سقطوا في التمسك بالناموس عندما قال: ” يا أولادي الصغار أنتم الذين اتمخض بهم ثانية إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غل10:4)، وهو يقول إن المسيح لن يتكون فيهم إلاّ بالاشتراك في الروح القدس وبالحياة حسب شريعة الإنجيل. للذك يؤسس المسيح من جديد روحه في تلاميذه باعتبارهم باكورة ثمار الخليقة التي ولدت لعدم الفساد وللمجد في صورة الله، وكان من الضروري أن نرى هذا الحق واضحًا ليكون إيماننا بالابن سليمًا لأنه هو الذي يأتي بالروح من فوق وهو الذي منح لنا الروح كما قال ” كل ما هو للآب فهو لي” (يو15:16) وكما أن الآب له الروح في ذاته هكذا الابن له الروح في ذاته لأنه جوهر واحد معه.

          ومن هذه الحقيقة نستنتج أن كل ما سبق ووعدنا به قد أكمله في الوقت المعين ولكنه دائمًا يعطى بشكل جزئي ما وعد بأن يعطيه في المستقبل لأننا عندما ننال العربون نعلم بكل يقين أن ما تكلم به سوف يتحقق كاملاً. لقد أعلن أنه سوف يقيم جميع الموتى وسوف يعيد إلى الحياة كل الذين رقدوا في الأرض أي في القبور. وقال ” تأتي ساعة حين يسمع الموتى صوت ابن الله والسمعون يحيون. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة” (يو28:5و29). وأراد أن يؤكد لنا أنه قادر على هذا فقال: ” أنا هو القيامة والحياة” (يو2:11). ولكن لأن معجزة إقامة الموتى جميعًا عظيمة جدًا بل توجد صعوبة في تصديق عودة الموتى إلى الحياة، لذلك أراد المسيح أن يقدم معونة لنا، معلنًا وقت القيامة مقدمًا ومعطيًا علامة عليها بإقامة لعازر وابن الأرملة وأبنة يايرس. وماذا أيضًا؟ قال إن قيامة القديسين مجيدة جدًا: “سيضئ الأبرار مثل الشمس في ملكوت أبيهم” (مت43:13). ولكي نصدّقه ونعرف أنه قال الحق، أعطى قبل الوقت أن نرى هذا المجد فأخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلى الجبل وتجلى أمامهم وأضاء وجهه مثل الشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور (مت2:17). وهكذا رغم أنه حدد وقتًا معينًا لتحقيق كل شئ إلاّ أنه كان يعطي بشكل جزئي وفي نطاق محدود قبل الوقت المحدد كعربون وتذوق مسبق لما هو متوقع أن يحدث بشكل كامل للخليقة كلها. ولقد فعل هذا لكي لا يتزعزع الإيمان به. وهكذا على نفس المنوال وعد بأن يرسل المعزى إلينا بعد صعوده للآب، وحدد لذلك الوقت المعين أي بعد صعوده لكي يعطى النعمة للكل، إلاّ أنه قبل الوقت المحدد أعطى بداية النعمة وكدفعة أولى من النعمة وهب التلاميذ الروح القدس بعد قيامته وبذلك حقق جزئيًا الوعد الذي نطق به لنفس الأسباب التي ذكرناها سابقًا.

          وهكذا اشتركوا في الروح القدس عندما نفخ قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس” ومن المستحيل أن يكذب المسيح، وكان من المستحيل أن يقول “اقبلوا” دون أن يعطى، أما في أيام العنصرة المقدسة فقد أعلن الله علانية نعمته وأظهر مجيء الروح القدس للكل وليس للتلاميذ فقط، ولذلك ظهر مجيء الروح القدس بشكل ألسنة نارية، ولم يكن هذا بالنسبة للتلاميذ بداية نعمة الروح القدس الذي سكن في قلوبهم ولكن بداية نعمة التكلم بالألسنة. كما هو مكتوب إنهم بدأوا يتكلمون بألأسنة كما أعطاهم الروح أن ينطقوا (أع4:2)، وهذا يعنى بداية التكلم بالألسنة وليس بداية التقديس لأن العنصرة بداية عمل العطايا المتنوعة لا سيما الألسنة المختلفة أي بداية عمل الروح القدس الذي فيهم، وكمثال على صحة ما نقول لقد تكلم الآب من السماء وشهد عن ابنه قائلاً: ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت17:2)، ولم تكن هذه بداية الابن، بل بداية الإعلان عنه لكي يكمل بهذا الإعلان معرفة الذين سمعوا صوته وكما جعل صوته يصل مثل نغمة إلى الآذان، هكذا أيضًأ يوم العنصرة جعل ظهور وإعلان النعمة التي وُهبت للتلاميذ القديسين بشكل ألسنة نارية وجعل نزول الروح القدس يشبه صوت ريح عاصف (أع2:2). كان كل هذا علامة لليهود وسوف يظهر ذلك بكل وضوح إذا سمعنا كلمات الله رب الكل قائلاً على لسان النبي: ” بذوي ألسنة أخرى وبشفاة أخرى سأكلم هذا الشعب” (إش11:28، 1كو21:14).

          ولكي نؤمن أن التلاميذ القديسين قد اشتركوا فعلاً في الروح القدس وأنهم قد أُكرموا بنعمة المسيح التي من فوق ووُهبوا أن يشرحوا الحق وأن مجد رسوليتهم يستحق كل الإعجاب، قُدِّمت لهم الشهادة يوم الخمسين بالعطية التي من فوق أي بمجيء النار في شكل ألسنة وبنزول الروح على شكل ريح عاصف.

          أعتقد أنني فعلاً شرحت بكفاية وبكل دقة معنى النص ولكن لئلا يجد أحد في الأشياء التي نكتبها حجر عثرة نحتاط تمامًا ونشرح كل شئ لا سيما من أجل الذين يحبون الجدل من الاخوة، ولذلك نزيد على ما ذكرناه من أجل هدم الأقوال الباطلة التي نتوقعها.

 

اشتراك توما في الروح القدس:

          سوف نجد في الفقرة التالية لما شرحناه الكلمات التالية: ” توما الذي يُقال له التوأم لم يكن مع التلاميذ حينما جاء يسوع” (يو24:20). كيف ـ ربما سأل البعض وهو سؤال معقول ـ كان بعيدًا واشترك معهم في الروح القدس عندما ظهر المخلص وقال لهم اقبلوا الروح القدس”؟ والإجابة على هذا السؤال هي: أن قوة الروح تملأ كل البشر وعندما قصد الرب أن يعطيه للتلاميذ لم يكن يقصد أن يعطيه للبعض دون الآخرين ومن كان غائبًا منهم فقد قبله لأن كفاية الواهب ليست قاصرة على الموجودين بل تمتد إلى كل جماعة الرسل. وهذا الحق ليس من خيالنا ولا هو من ضلال، ولذلك علينا أن نقنعهم من الكتب المقدسة نفسها مؤكدين ذلك بفقرة من توراة موسى، لأن الرب الإله أمر موسى الحكيم أن يختار سبعين شيخًا من جماعة اليهود وصرح علانية: ” سوف آخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم” (عد17:11). وأطاع موسى وأحضرهم إلى خيمة الاجتماع (عد24:11) إلاّ رجلين تخلفا عن الحضور ومكثا في المحلة وهما ألداد وميداد، لكن الله وضع عليهم الروح الإلهي كما وعد وأخذ الكل النعمة.. الذين كانوا في خيمة الاجتماع مع موسى وكذلك الاثنين اللذين تخلفا، الكل تنبأوا. وفي الحقيقة أن الرجلين اللذين تخلفا تنبأ ونالا النعمة من فوق قبل الباقين. إلاّ أن يشوع بن نون الذي كان يلازم موسى دائمًا والذي لم يفهم معنى السر ظن أن الرجلين ألداد وميداد يمهدان لانقسام مماثل لما صنعه “داثان وأبيرام”، ولذلك أسرع إلى موسى قائلاً: ” يا سيدي موسى أردعهما” (عد28:11)، ولكن بماذا أجاب الرجل العظيم والحكيم الذي رأى بحكمته أن النعمة من فوق وأنهما قد نالا معًا قوة الروح؟ “.. هل تغار أنت لي؟ يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا جعل الرب روحه عليهم” (عد29:11). ولاحظ كيف ينتهر يشوع الذي لم يعرف ماذا حدث. كان موسى يتمنى أن يعطى الروح للشعب كله ولكن هذا كان سيحدث في الوقت المعين عندما يمنح الرب المسيح الروح القدس للكل وينفخه على تلاميذه كباكورة البشرية قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس “. ومع أن توما لم يكن موجودًا إلاّ أنه لم يُحرم من قبول الروح القدس لأن الروح حلّ في الكل أي الذين وُعدوا بأن يأخذوه وهم الذين حُسبوا ضمن جماعة الرسل المكرمين.

 

من غفرتم خطاياه:

          وعندما أعطى المسيح الروح القدس قال: ” من غفرتم خطاياه تُغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت“. والله الحي وحده هو القادر على أن يمنح الخطاة غفران الخطايا. ولا يستطيع أحد أن يعفو عن ذنوب الذين يخطئون ضد الناموس الإلهي إلاّ واضع الناموس نفسه. ولكننا نستطيع أن ندرك معنى النص بالمقارنة بالأمور البشرية مع الاحتفاظ بالفوارق. الذين ينفذون أحكام وقوانين ملوك الأرض أو يلغون قرارتهم هم الذين نالوا المقام والكرامة الملوكية. وقياسًا على هذا، بأي كيفية وبأي معنى أعطى المخلص لرسله الكرامة اللائقة بالله وحده؟  الكلمة الذي في الآب لا يمكنه أن يخطئ وما يفعله إنما يفعله بكل صلاح فهو الذي دبر أن الذين منحوا الروح القدس وهو الرب والله، تصبح لهم القوة على أن يغفروا ويمسكوا الخطايا لأن الروح القدس الساكن فيهم هو الذي يغفر ويمسك، حسب إرادته رغم أن العمل يتم بوسيلة بشرية. والذين لهم روح الرب يغفرون أو يمسكون الخطايا بطريقتين:

          أولاً: إنهم يدعون الناس للمعمودية والذين يستحقون المعمودية بسبب التوبة ونقاوة حياتهم بعد اختبار التصاقهم بالإيمان ينالون المغفرة ولكن في نفس الوقت يمنعون بل يطردون الذين لا يستحقون هذه النعمة الإلهية وهكذا يمسكون الخطايا.

          ثاينًا: إنهم يغفرون الخطايا أو يمسكونها عندما ينتهرون أبناء الكنيسة الذين يخطئون ويمنعون الصفح عمن لا يتوب كما فعل بولس عندما سلم الذي زنى في كورنثوس لهلاك الجسد لكي تخلص الروح (1كو5:5)، وبعد ذلك أعاده إلى الشركة لكيلا يُبتلع من فرط الحزن (2كو7:2).

          وعندما يسكن روح المسيح في قلوبنا فإنه يعمل الأمور التي تخص الله وحده، لأنه الله الحي الذي له المجد والكرامة الخاصة باللاهوت وله القوة والسلطان على القوانين المقدسة.

 

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

دخل والأبواب مغلَّقة (يو19:20ـ20)

” ولما كانت عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلَّقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم سلام لكم. ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه”.

          في نفس اليوم الذي ظهر فيه يسوع لمريم وتحدث معها، أظهر نفسه أيضًا للتلاميذ القديسين، الذين خافوا من هجمات اليهود الشريرة، ولذلك اجتمعوا في منزل معين، وبسبب خوفهم من اليهود القتلة اختفوا بحكمة على هذا النحو. ثم ظهر لهم المسيح بصورة معجزية خارقة، لأنه بينما كانت الأبواب مغلّقة ـ كما يقول الإنجيلي، وقف يسوع في وسطهم فجأة دون أن يكونوا متوقعين ذلك. إذ أنه بقوته الإلهية الخارقة ارتفع فوق سلسلة الأسباب والنتائج. وأظهر أنه قادر أن يستغني عن أي خطة أو وسيلة لتحقيق عمله. لذلك لا يجب أن يسأل أي إنسان، ” كيف استطاع الرب الذي قام بجسد مادي صُلب أن يدخل بدون أي فتحة، ولم تعوقه الأبواب المغلّقة؟”. فعلى من يسأل هذا السؤال أن يفهم أن الإنجيلي لا يتحدث هنا عن واحد مثلنا، بل عن الجالس عن يمين الآب، والذي له القدرة أن يفعل ما يشاء بسهولة. ومن يكون بالطبيعة هو الإله الحق لا يكون خاضعًا لقانون السبب والنتيجة مثل الخلائق التي تدين له بوجودها. بل هو بالحري يمارس ربوبيته فوق كل الضرورات. ويختار الوسائل المناسبة لعمل ما يريد.

          وإلاّ كيف استطاع أن يجعل البحر يهيئ له مكانًا صلبًا لقدميه، ويمشي على المياه كما يمشى على الأرض اليابسة مع أننا لم نخلق بالصورة[1] التي تجعلنا نسير على البحر؟ وكيف قام بكل معجزاته الباهرة التي تخص الله وحده؟ فإن كانت كل هذه المعجزات تفوق فهم الإنسان، هكذا أيضًا ضعوا هذه المعجزة مع سائر المعجزات الأخرى. ولا تتبعوا آراء بعض الناس الذين بسبب غباوة قلوبهم ضلوا عن الحق وتخيلوا بسبب هذه المعجزة أن المسيح قام بدون جسده البشري. وإنه انفصل تمامًا عن الهيكل الذي اتخذه لنفسه واتحد به. فإن كنت لا تستطيع أن تفهم عمل الطبيعة الإلهية الفائقة فلماذا لا تعترف بالأولى بضعف العقل البشري ـ فهذا منهج حكيم ـ وتقبل بهدوء الحدود المعينة لك في المعرفة من قِبل الله الخالق؟ لأن من يرفض الحكمة فإنه يسيء إلى سر القيامة العظيم الذي نعتمد عليه كلية. فتذكروا صيحة بولس: ” إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن قد قام فباطل إيمانكم أنتم بعد في خطاياكم” (1كو16:15و17)، ويقول أيضًا: ” ونوجد نحن أيضًا شهود زور لله لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح وهو لم يقمه إن كان الموتى لا يقومون” (1كو15:15). لأن ما هو الذي يقوم سوى ذاك الذي سقط؟ ومن يمكن أن يُعاد إلى الحياة إلاّ الذي انحنى تحت الموت؟ وكيف نتوقع نحن أن نقوم ثانية لو لم يكن المسيح قد أقام هيكله وجعل نفسه ـ من أجلنا ـ باكورة الراقدين والبكر من بين الأموات؟ أو كيف ” يلبس هذا المائت عدم موت” (1كو53:15) إذا صح ما يتصوره البعض أن الجسد سوف يتلاشى تمامًا؟ لأنه كيف نفلت من هذا المصير (مصير العدم) إذا لم يكن لنا رجاء في حياة جديدة. إذن فلا تتزعزعوا عن الإيمان الأرثوذكسي بسبب أن هذه المعجزة (معجزة دخوله والأبواب مغلّقة) قد تمت، بل كونوا حكماء، وأضيفوا هذه المعجزة إلى أعمال المسيح الخارقة التي عملها.

          دققوا النظر في هذا الدخول غير المتوقع، فإن المسيح بدخوله والأبواب مغلّقة يُظهر مرة أخرى أنه هو الله بالطبيعة، ويؤكد لهم أنه هو نفسه الذي عاش معهم قبل ذلك. فهو يكشف لهم عن جنبه الجريح ويريهم آثار المسامير، وهكذا أعطانا البرهان الكامل أنه قد قام بجسده أى هيكله الذي عُلق على الصليب، وأنه أعاد إلى الحياة ذلك الجسد الذي لبسه. وبذلك سحق الموت الذي كانت له القدرة على كل الأجساد. وقد فعل المسيح هذا لأنه هو بالطبيعة الحياة وهو الله.

          ولماذا احتاج أن يريهم يديه وجنبه؟ لأن البعض تصوروا أنه لم يقم بالجسد. ولو كان يريد ألاّ يعتنق تلاميذه عقيدة قيامة جسده فلماذا لم يظهر لهم بشكل آخر لا علاقة له بجسده. ولكننا نرى بوضوح أنه أكد الأهمية القصوى لاقتناعهم وإيمانهم بقيامة جسده. ورغم أن الوقت كان مناسبًا جدًا أن يغير جسده إلى شكل وجمال فائق يناسب القيامة، إلاّ أنه قرر حسب تدبيره وعنايته أن يُظهر جسده بشكله كما كان منذ البداية لكي لا يتصور أحد أنه يلبس شكلاً آخر غير ذلك الشكل الذي صُلب به. كما أن عيوننا لم تكن لتستطيع أن تحتمل مجد الجسد المقدس، لو أن المسيح أراد أن يعلن مجد القيامة للتلاميذ قبل أن يصعد إلى الآب. ونستطيع أن نكوّن فكرة عن مجد جسده حينما نتأمل ما حدث في التجلى على الجيل أمام التلاميذ القديسين، لأن متى الإنجيلي كتب أن ” يسوع أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلى جبل عال وتجلى أمامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور” (مت2،1:17) ولم يستطع التلاميذ أن يحتملوا المنظر فسقطوا على وجوههم.

          لذلك كان مناسبًا جدًا ألاّ يغير ربنا يسوع المسيح هيكل جسده إلى الجمال الفائق المناسب للقيامة، بل يظهر بشكله المعروف لديهم لكي لا يعتقد أحد أن جسده الذي أخذه من العذراء والذي صُلب ومات حسب الكتب، لم يقم، أو أنه أخذ جسدًا آخر في القيامة. لأن قوة الموت وسلطانه قد قُهرت وطُردت من الجسد. ولو أن جسده الذي مات لم يقم، فأي نوع من الموت هو الذي أُبطل وسُحق؟ وبأي طريقة أُبطلت قوة الفساد؟ لأنه بدون موت جسده وقيامته لا يمكن أن تتلاشى قوة الموت، لا بموت النفس ولا بموت ملاك ولا حتى بموت كلمة الله نفسه، لأن قوة الموت كامنة في ذلك الجسد الذي هو فاسد بالطبيعة. كما أن قوة القيامة خاصة بهذا الجسد وبالجسد وحده. الذي بواسطة موته وقيامته انتهى سلطان رئيس هذا العالم.

          لذلك فدخول ربنا يسوع والأبواب مُغلّقة يجب أن يوضع ضمن المعجزات الأخرى التى أجراها.

          ثم بعد ذلك حيا تلاميذه القديسين بقوله: ” سلام لكم“، وعندما قال “سلام” فقد كان يعنى ذاته. لأنه حيثما يحل المسيح بين الناس يحل السلام والهدوء في عقولهم. إنهم ينالون سلام العقل الذي وصفه بولس بأنه مكافأة اذلين يؤمنون بالمسيح وذلك عندما قال ” وسلام المسيح الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم” (في7:4). وهولا يعنى ” بسلام المسيح ” الذي يفوق كل عقل، سوى روحه القدوس الذي كل من يشترك فيه فإنه يمتلئ بكل ما هو صالح.

 

يو20:20

” ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب”.

          إن الإنجيلي المبارك يشهد هنا لصدق كلمات المخلص، حينما يقول إن التلاميذ امتلأوا بالسلام وفرح القلب حينما رأوا يسوع، لأننا نتذكر الأقوال المملوءة سرًا التي حدثهم بها الرب عن صليبه الثمين وقيامته من بين الأموات قائلاً: ” بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضًا ترونني.. فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22،16:16). فقد فرح اليهود الذين امتلأت قلوبهم بالحقد، عندما رأوا يسوع مُسمّرًا على الصليب. بينما قلوب التلاميذ كانت مثقلة بحزن لا يُحتمل. ولكن لأنه هو بالطبيعة “الحياة” فقد غلب قوة الموت وقام، وبذلك تلاشى فرح اليهود بينما تحوّل ثقل حزن التلاميذ القديسين إلى فرح. ولم يستطع شئ أن يمنع نفوسهم عن الفرح والبهجة. والمسيح إذ قد مات مرة من أجل الجميع لكي يبطل الخطية لا يموت مرة أخرى. إذ هو حي إلى الأبد. وهو بكل تأكيد سيحفظ أولئك الذين وضعوا رجاءهم فيه وسوف يحفظهم في فرح لا ينقطع.

          وها هو يحييهم ثانية بالسلام الذي أعطاهم من قبل: ” سلام لكم” وقد أسس بذلك هذه القاعدة لأبناء الكنيسة. لذلك أيضًا فحينما نوجد خاصة في اجتماعات في الأماكن المقدسة، عندما نحتفل بسر الإفخارستيا المبارك فإننا نقول لبعضنا البعض ” سلام لكم ” لأن وجودنا في سلام بعضنا مع بعض وفي سلام مع الله هو نبع ومصدر لكل صلاح وكل خير. ولذلك عندما يصلي بولس من أجل المدعوين لكي يتمتعوا بالبركات العظمى فإنه يقول: ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح” (رو7:1). وأيضًا حينما يدعو أولئك الذين لم يؤمنوا بعد لكي يتصالحوا مع الله فإنه يقول      “ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بواسطتنا. نطلب إليكم نيابة عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو20:5)، ايضًا يحثنا إشعياء النبي صارخًا: ” لنصنع صلحًا معه، لنصنع الصلح الذي يأتي” (إش5:27س). ومعنى هذا القول يناسب ذلك الذي يعطي السلام أو بالحري الذي هو سلام كل البشر، أي المسيح، “ لأنه هو سلامنا” حسب الكتب (أف14:2).

 

يو21:20

”فقال لهم يسوع أيضًا سلام لكم، كما أرسلني الآب الحي أرسلكم أنا”.

          بهذا رسم ربنا يسوع المسيح التلاميذ ليكونوا مرشدي ومعلمي العالم، وخدام الأسرار الإلهية. وها هو يوصيهم، لأنه قد حان الوقت لأن يكونوا أنوارًا ليس لليهودية فقط ـ حسب حدود وصية الناموس (والتي كانت تمتد من دان إلى بئر سبع) حسب الكتب (2مل11:17)، بل بالحري ينيروا كل مكان تحت الشمس حيثما انتشر البشر وسكنوا على وجه الأرض كلها. وقد قال بولس الحق عندما ذكر: ” لا يأخذ هذه الكرامة لنفسه، بل المدعو من الله” (عب4:5). لأن ربنا يسوع المسيح دعا إلى رسوليته المجيدة تلاميذه قبل غيرهم، وثبت بهم الأرض كلها التي كانت في طريقها إلى الانحلال والسقوط. وكإله اختار هؤلاء الرجال لكي يسند بهم الأرض. ولذلك تكلم بفم المرنم قائلاً عن الأرض والرسل: ” أنا ثبّت أعمدتها” (مز3:75)، لأن الرسل المباركين هم أعمدة الحق وقاعدته. وهؤلاء قد أرسلهم الابن كما أرسله الآب مبينًا مقدار الكرامة الرسولية والشرف الذي لا يدانيه شرف، والقوة التي وُهبت لهم. ويشير أيضًا إلى نهج الحياة الذي يلتزم الرسل بالسير فيه. وإذا كان الرب قد رأي من اللائق أن يرسل تلاميذه كما أرسله الآب، فقد أصبح من الضرورى أن الذين يتمثلون بالابن أن يعرفوا لماذا أرسل الآب الابن؟

          وقد شرح هو لنا بطرق متنوعة طبيعة إرساليته، فقال في موضع ما    ” جئت لا لأدعوا أبرارًا بل خطاة إلى التوبة” (مت13:9)، وأيضًا ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (لو31:5)، وأيضًا لأنني نزلت من السماء لا لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني. ومرة أخرى: ” لأن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يو17:3).

          وهكذا لخص في كلمات قليلة طبيعة إرساليته. وبذلك حدد طبيعة إرسالية التلاميذ أيضًا أي أنهم سوف يدعون الخطاة إلى التوبة ويخدمون الذين يعيشون في الشرور الروحية والجسدية. وهم في كل ما يفعلونه على الأرض لا يتبعون إرادتهم الخاصة بل إرادة الذي أرسلهم، أن يخلصوا العالم بكرازتهم بأقصى ما يمكنهم. وفي الحقيقة سوف نجد أن التلاميذ القديسين أظهروا أعظم غيرة للقيام بكل هذه الأشياء. وعلى من يريد أن يتحقق من هذا الأمر أن يفحص بعناية سفر أعمال الرسل وكلمات القديس بولس.

 

يو22:20ـ23

” ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت.”.

          بعد أن كرّم الرسل القديسين وميزهم بامتياز الرسولية المجيد وأقامهم خدامًا وكهنة للمذبح الإلهي، على الفور قدسهم بإعطاء روحه لهم بعلامة منظورة أي “نفخته”، وهذا يثبت اعتقادنا بأن الروح القدس ليس غريبًا عن الابن بل هو واحد معه فى الجوهر، وهو ينبثق من الآب ولكنه يُسكب علينا عن طريق الابن. وما فعله الرب بعد قيامته يعلن لنا أن نعمة الروح تُعطى لكل الذين شرطنهم ليكونوا رسلاً لله. لماذا؟ لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا يرضى الله أو يقهروا فخاخ الشيطان والخطية إن لم يكونوا قد أُلبسوا قوة من الأعالي (لو49:24) لكي يتغيروا إلى حالة تختلف تمامًا عن الحالة السابقة بالشكل الذي قيل عنه لأحدهم في القديم ” سيحل عليك روح الرب وسوف تتحول إلى رجل آخر” (1مل6:10). وكما أعلن إشعياء النبي أن الذين ينتظرون الرب سوف يجددون قوتهم (إش31:40). وبولس الحكيم الذي يقول إنه تفوق على البعض في الأتعاب الرسولية إلاّ أنه على الفور يقول: ” ليس أنا بل نعمة الله التي معى” (1كو10:15). وبالإضافة إلى ما قلناه كان الرسل سيعجزون تمامًا عن فهم سر المسيح، ولما صاروا مرشدين حقيقيين للآخرين في هذه المعرفة لو لم يكونوا قد سبقونا في الحصول على نور الروح لكي يعلنوا لنا هذه الأسرار التى تفوق عقل الإنسان وقدرته على الفهم. لأن الروح وحده هو الذي يقدر على أن يعطي لهم إدراك الإعلانات العالية التي كانوا سيرتفعون إليها، لأنه لا يستطيع أحد أن يقول إن يسوع رب ـ كما قال بولس ـ إلاّ بالروح القدس (1كو3:12). ولما كانوا قد اختيروا للكرازة بيسوع أنه إله ورب كان من الضرورى أن ينالوا نعمة الروح القدس في ارتباط مباشر بالوظيفة الرسولية. ولذلك أعطاهم المسيح الروح القدس ليس لأن المسيح يخدم الروح القدس بل هو يعطيه من ذاته لأن الروح القدس لا يحلّ علينا ولا ينزل من عند الآب إلاّ من خلال الابن. وفي الناموس قديمًا وهو ظلال ورموز الحقيقة كُتب إن إقامة الكهنة يجب أن تتم بطريقة منظورة لأن موسى المُبارك، حسب وصية الله ـ طلب من هارون واللاويين أن يغتسلوا بالماء (لا6:8)، وبعد ذلك ذبح موسى حمل التقديس ودهن بدمه شحمة أذن هارون اليمنى وإبهام يده اليمنى وإبهام رجله اليمنى (لا33:8)، وقد أعطى بهذا ملامح ورمز سر المسيح. لأن الماء والدم هما وسيلتا التقديس وليس لدينا أدنى شك في أن هذه الصورة في سفر اللاويين هي ملامح جمال الحقيقة. وربنا يسوع المسيح الذي حوّل ظلال الناموس إلى قوة الحقيقة يقدس في ذاته خدام المذبح الإلهي، لأنه هو حمل التقديس الذي يقدس فعلاً ويجعل البشر يأخذون من طبيعته بالاشتراك في الروح القدس. وبهذه الصورة قدّس الطبيعة الإنسانية بالقوة والمجد اللذين هما فوق الطبيعة الإنسانية ولا يوجد أدنى انحراف أو ابتعاد عن الحق في هذا الشرح الذي ذكرته.

 

[1] يقصد القديس كيرلس أن طبيعة أجسادنا البشرية التي لبسها المسيح لا تسطيع المشي على البحر ولذلك فهذا من قوة لاهوته.

 

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

 

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

لا تلمسيني:

يو17:20 ” قال لها يسوع، لا تلمسيني لأنني لم أصعد بعد إلى أبي ”.

          لا يفهم العامة معنى هذا القول بسهولة، لأن فيه سر خفى، ولكن يجب أن نبحث فيه لفائدتنا. وسوف يمنحنا الرب أن نعرف كلماته. فبينما كانت المرأة تجري نحوه، ورغم أنها اشتاقت أن تحتضن قدميه فإن الرب منعها وأوقفها، وذكر سبب منعه إياها بقوله: ” لأنني لم أصعد بعد إلى أبي“، ويلزمنا أن نبحث عن معنى هذا القول. فماذا يعنى أنه لم يصعد بعد إلى أبيه؟ وكيف يمكن أن يكون عدم صعوده سببًا كافيًا لمنع أولئك الذين أحبوه من لمس جسده المقدس؟.

          إن كل من يتصور أن الرب رفض أن تلمسه المرأة لكي لا يتدنس بلمستها، وأنه تكلم بهذه الكلمات لكي يكون نقيًا حينما يصعد إلى الآب في السماء، كل من يفكر هكذا يكون مستحقًا لكل لوم ويستحق أن يُوصف بالحماقة والجنون. لأن طبيعة الله لا يمكن أن تتدنس مطلقًا. وكما أن شعاع الشمس عندما يسقط عل كومة من روث البهائم أو على أي شئ آخر من الأشياء الأرضية النجسة، فإن الشعاع لا يتدنس ـ بل يظل كما هو أي غير مُلوث، ولا يشترك في أي رائحة كريهة من القاذورات التي يسقط عليها، فكم بالحري طبيعة الله الكلية لقداسة، فإنها لا تسمح لأي عيب أو دنس أن يؤثر فيها.

          إذن ما هو السبب في منع مريم من لمسه حينما اقتربت منه واشتاقت أن تلمسه؟ وماذا يمكن أن يكون قصد الرب حينما يقول: ” لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، ينبغي أن نفتش عن معنى هذه الكلمات بأقصى طاقتنا.

          لذلك نقول، إن مجيء المخلص إلينا كان له أهداف متعددة. ولكن الهدف الرئيسي بين كل هذه الأهداف هو ما عبّر عنه بكلماته هو نفسه عندما قال:

          ” لم آت لكي أدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة ” (مت13:9).

          فقبل صلب المخلص وقيامته من الأموات، أي حينما لم تكن خطة تدبيره قد وصلت بعد إلى غايتها، فإنه كان يخالط كلاً من الأبرار والخطاة، ويأكل مع العشارين والخطاة، وكان يسمح لكل من يريد، أن يأتي إليه ويلمس جسده المقدس، وذلك لكي يقدس كل البشر ويدعوهم إلى معرفة الحق، ولكي يعيد إلى الصحة والشفاء أولئك الذين كانوا مرضى وضعفاء من كثرة ممارسة الخطية. لذلك يقول أيضًا في موضع آخر: ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى” (لو31:5). ولذلك فقبل قيامته من الأموات كان يعاشر الأبرار والخطاة بدون تفرقة أو تمييز. ولم يطرد أبدًا أحد من الذين أتوا إليه. بل إنه حينما كان متكئًا في بيت أحد الفريسيين، جاءت إليه امرأة كانت خاطئة في المدينة، وكانت تبكي (لو37:7و38)، وقد حلت ضفائر شعرها وهذا يدل على عدم تحررها التام من خدمة خطاياها السابقة، ومسحت قدميه بشعرها، أما هو فلم يمنعها. وكذلك حينما كان ذاهبًا لكي يقيم ابنة رئيس المجمع من الموت، جاءت ” امرأة بنزف دم ولمست هدب ثوبه” (لو43:8و44)، ونجد أنه لم يغضب بالمرة، بل أنعم عليها بالثقة المعزية بقوله: ” ثقي يا ابنة إيمانك قد شفاك. اذهبي بسلام“.

          في ذلك الوقت فإن الناس الذين كانوا لا يزالون نجسين، والذين كانوا متدنسين عقلاً وجسدًا، هؤلاء حسب تدبيره، كان يسمح لهم أن يلمسوا جسد المسيح مخلصنا نفسه بلا مانع أو عائق، وبذلك يحصلون منه على كل بركة. ولكنه بعد أن أكمل تدبير فدائنا، بعد أن احتمل الصليب والموت عليه، وبعد أن قام حيًا وأظهر أن طبيعته أعلى من الموت، فإنه منذ ذلك الحين بدأ يمنع أولئك الذين يأتون إليه من لمس جسده المقدس، وبذلك أعطانا مثالاً تسير عليه الكنائس المقدسة فيما يختص بالسر الخاص به[1].

          فكما أن الناموس الذي أُعطى بواسطة موسى الحكيم فيما يخص ذبح الحمل ـ الذي يرمز للمسيح ـ يقول: ” لا يأكل منه أي أغلف” (خر48:12)، أي غير مختون فهو يعنى أن غير المختون هو غير طاهر. وهو مثال للطبيعة البشرية غير الطاهرة. لأن ما هى طبيعة الإنسان بالمقارنة بنقاوة الله الطبيعية. لذلك إذ ظللنا غير مختونين، أي غير طاهرين فعلينا أن نمتنع عن لمس جسده المقدس، ولكن حينما نصير أطهارًا بالختان الحقيقي للروح فإننا يمكن أن نلمسه، لأن ” ختان القلب هو بالروح” كما يقول بولس (رو29:2).

 

إعطاء الروح القدس يسبق لمس جسد المسيح:

          ولا يمكن أن نُختتن روحيًا إن لم يسكن فينا الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة. لذلك فقد كان لائقًا أن تُمنع مريم مؤقتًا من لمس جسده المقدس، لأنها لم تكن قد نالت الروح القدس. فرغم أن المسيح قام من الأموات، ولكن الروح لم يكن قد أُعطى للبشرية من الآب بواسطة المسيح. ولكنه حينما صعد إلى الآب، أرسل الروح إلينا، حسب قوله:       ” خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت، سأرسله أليكم” (يو7:16). فلأن الروح القدس لم يكن قد نزل بعد ألينا، لأن المسيح لم يكن قد صعد بعد إلى الآب، فهو لهذا السبب منع مريم من لمسه لأنها لم تكن قد أخذت الروح، قائلاً لها: ” لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، أي لم أرسل لك بعد الروح القدس.

 

التقديس بالروح القدس يسبق التناول من الجسد والدم:

ومن هنا فإن هذا المثال ينطبق على الكنائس. فإننا نمنع الذين آمنوا بلاهوت المسيح واعترفوا بالإيمان ـ أي الذين أصبحوا موعوظين ـ نمنعهم من الاقتراب من المائدة المقدسة لأنهم لم ينالوا غنى الروح القدس بعد، فإن الروح لا يسكن في الذين لم يقبلوا المعمودية. ولكن حينما يصيرون شركاء الروح القدس، فلا يوجد ما يمنعهم من لمس المسيح مخلصنا. لذلك أيضًا، فكل الذين يرغبون في الاشتراك في الإفخارستيا المقدسة يقول لهم خدام الأسرار الإلهية: ” القدسات للقديسين “، وبذلك يعلمونهم أن الاشتراك في القدسات هو المكافأة التي يحصل عليها الذين تقدسوا بالروح.

 

يو17:20 ”ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ”.

          منع المسيح مريم من لمسه للأسباب التي قدمناها، رغم أنها في محبتها لله كانت تشتاق جدًا لهذه الهبة؛ ولكنه يكافئها على عنايتها وسهرها ويضاعف تعويضها على إيمانها الحار ومحبتها له، موضحًا أن الذين يجتهدون في خدمته ينالون مكافأة. ولكن ما هو أكثر مجدًا أن مريم حققت خلاص المرأة من الضعفات القديمة؛ لأن فيها هي أولاً ـ أي في مريم ـ كلل جميع جنس النساء بكرامة مضاعفة. فرغم أنها كانت تبكي في البداية على المسيح، ولكنها حوّلت نوحها إلى فرح عندما أخبرها الرب أن تمتنع عن البكاء، وهو الذي حكم على المرأة في القديم أن تُغلب بسهولة من الأحزان، لأن الله قال لها: ” بالحزن تلدين أولادًا” (تك16:3)؛ ولكن كما جعلها تحت الحزن، في الفردوس عندما أصغت إلى صوت الحية وخدمت حيل الشيطان، هكذا فإنه الآن في بستان أيضًا يطلب منها أن تمتنع عن البكاء. ولأنه عتقها من اللعنة التي قيدتها بالحزن، فإنه يطلب منها أن تكون أول مبشر بأخبار الفرح العظيم، وتخبر التلاميذ بصعوده إلى السماء…

 

          لقد فاقت محبة مريم المجدلية للمسيح جميع الآخرين، وهذا، ربما ما جعل يوحنا يذكرها هي وحدها من بين النساء الأخريات، فهي أول من رأى القبر، وكانت في ابستان، وطافت بجميع المواضع القريبة من القبر باحثة عن الجسد لأنها ظنت أن الرب قد أُخذ من القبر…

          فالمخلص أعطى لمريم كرامة ومجدًا وشهرة دائمة بان منحها القيام بواجب البشارة لاخوته حاملة لهم الأخبار السارة التي يقول فيها: ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم“…

          لنتأمل كيف أن كلمة الله الابن الوحيد جاء بيننا، لكي نصير نحن مثله، بقدر ما تحتمل طبيعتنا أن تبلغ إلى هذا المستوى من جهة خلقتنا الجديدة بالنعمة. لأنه وضع نفسه لكي يرفع ما هو وضيع أصلاً إلى مقامه العالي الخاص به. ولبس صورة عبد ـ رغم أنه بالطبيعة هو الرب وابن الله ـ لكي يرفع ذلك الذي كان مُستعبدًا بالطبيعة، إلى كرامة البنوة، جاعلاً إياه على شبهه الذاتي، وعلى صورته. كيف وبأي معنى؟ إنه عندما صار واحدًا منا كإنسان، لكي يجعلنا نحن أيضًا نصير مثله، أي آلهة وأبناء، فإنه يأخذ ضعفاتنا في ذاته، ويعطينا صفاته الخاصة، وربما تكون مهتمًا جدًا بهذا السؤال. وهذا ما سأشرحه على قدر ما أستطيع:

          أولاً، رغم أننا عبيد بالرتبة والطبيعة (لأن المخلوقات تحت سلطان خالقها)، فهو الآن يدعونا اخوته، وجعل الله الآب هو الأب المشترك له ولنا، ولأنه جعل البشرية خاصة به باتخاذه شكلنا لنفسه، فإنه يدعو إلهنا إلهًا له بقوله ” إلهي “، رغم أنه ابنه بالطبيعة؛ وذلك لكي نرتفع نحن إلى كرامته الفائقة العظمة بمشابهتنا له (فنحن لسنا أبناء لله بالطبيعة بل هو الابن الذي يصرخ في قلوبنا بروحه يا أبا الآب غل6:4).

          لذلك، لا تعثر عندما تسمعه يدعو الله إلهًا له بقوله “إلهي”، بل بالحري تأمل كلماته بروح مستعدة للتعلّم وتأمل معانيها الحقيقية بانتباه. فهو يقول إن الله أبوه وإنه إلهنا أيضًا وكلا القولين صحيح. لأن إله هذا الكون هو بالحق، أب المسيح، ولكنه ليس أبانا بالطبيعة؛ بل بالحري هو إلهنا لأنه خالقنا وربنا الذي له كل السيادة. ولكن الابن، إذ وحّد نفسه بنا بتجسده فإنه منح لطبيعتنا الكرامة التي له وحده، ودعا ذاك الذي ولده (أي الله الآب) أبًا مشتركًا له ولنا… ومن الجهة الأخرى، فهو باتخاذه شكلنا، فإنه يقبل في نفسه ما يختص بطبيعتنا، فهو يدعو أباه ” إلهي “، لأنه بسبب غنى محبته ورحمته على جنس البشر لم يشأ أن يحتقر صورتنا التي قد اتخذها لنفسه. أما من يريد بجهل أن يعترض على هذا القول ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” ولا يقبل أن يقول المخلص عن الله الآب إنه “إلهه”، فهو بهذا الانحراف في الفهم يطعن في خطة فدائنا ذاتها. وبدلاً من أن يقدم الشكر الواجب لله صانع الخيرات لنا فإنه يحتقره، ويعترض بغباوة على الطريقة التي أظهر بها محبته لنا.

          ولكن إن كان الابن قد وضع ذاته ” مستهينًا بالخزى” (عب2:12)، وصار إنسانًا لأجلك، فإن رفضت تواضعه فإنك ستُدان على ذلك، أما هو الذي اتضع لأجلك، فإن الكرامة الواجبة له هي عظيمة بلا حدود…

          لذلك، إذ هو كامل ومكتفٍ بذاته كلية كإله، فإنه وضع نفسه لأجلك وصار في شبهك، ورغم أنه مُمجد مجدًا عاليًا كابن الله ومولود من ذات جوهر الآب، فإنه أنزل نفسه، إذ أخلى ذاته من صفات مجده الإلهي بقدر ما تسمح طبيعته الإلهية بذلك.

          والآن، فهو إله وإنسان معًا، إذ هو فائق المجد بسبب أصله الإلهي (لأنه إله من إله والمولود الحقيقي من أبيه)، وهو أيضًا وُضِعَ لأجلنا (لأنه صار إنسانًا لأجلنا).

          إذن، فلتهدأ نفسك حينما تسمعه يقول: ” أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم“. فمن اللائق جدًا بل والصواب تمامًأ أنه وهو بالطبيعة الإله وابن الله أن يقول عن ذاك الذي ولده إنه ” أبوه “، ولأنه إنسان مثلنا فيحق أن يقول عن الله إنه ” إلهه “….

[1]  أي سر الإفخارستيا كما يتضح من بقية الشرح (المعرب).

 

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

 

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

 

يو1:20ـ9

” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر. فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه. فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر. وكان الاثنان يركضان معا فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولاً إلى القبر. وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل. ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة. والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده. فحينئذ دخل أيضًا التلميذ الآخر الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن. لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات”.

 

          لم تكن هذه المرأة الرائعة التقية لتحتمل أن تلزم بيتها وتترك القبر، لولا خوفها من كسر الوصية بخصوص السبت والعقوبة التي تنزل على الذين يخالفونها، مما خفف من غيرتها المشتعلة، ولذلك خضعت للوصية بحفظ السبت، ولكنها ظلت منشغلة بالتفكير في ذاك الذي كان محور اهتمامها وأشواقها. ولكن حينما مضى السبت، وبدأ فجر الأحد، فإنها أسرعت إلى القبر، وعندما نظرت الحجر مرفوعًا عن باب القبر، سيطرت الشكوك على عقلها. وإذ تذكرت عداوة اليهود الشديدة، ظنت أن جسد يسوع قد أُخذ من القبر ونسبت إليهم هذه الجريمة إضافة إلى شرورهم الأخرى.

          وبينما كانت منشغلة هكذا وتقلّب كل هذه الاحتمالات في فكرها، فإنها جاءت إلى الرجال الذين أحبوا الرب، لتحصل على مساعدة أكثر التلاميذ التصاقًا بالرب في بحثها عن يسوع. وكان إيمانها عميقًا وقويًا ولذلك فلم ينقص المسيح في نظرها بسبب موته على الصليب، بل حتى وهو ميت فهي تدعوه “الرب” كما كانت تدعوه دائمًا قبل موته، وبهذا ظهر أن لها محبة حقيقية لله.

 

          عندما سمع الرجلان ـ أي بطرس ويوحنا (كاتب هذا الإنجيل، الذي يعطي لنفسه اسم التلميذ الآخر)، هذه الأخبار من فم مريم ـ ركضا بأقصى سرعة ممكنة وأتيا إلى القبر ونظرا الأعجوبة بأعينهما، وهكذا صارا مؤهلين للشهادة عن القيامة لأنهما كانا اثنين في العدد وذلك حسب وصية الناموس (” على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة” تث15:15). ورغم أنهما لم يكونا قد التقيا بعد بالمسيح قائمًا من بين الأموات، إلاّ أنهما استدلا على قيامته من وضع الأكفان، وأنه قد حطم رباطات الموت ـ كما سبق أن تنبأت الكتب المقدسة منذ القديم. ولذلك، فيما بعد، حينما نظرا إلى ما حدث في ضوء النبوات التي تأكد صدقها (بالقيامة)، فإن إيمانهما صار راسخًا ومؤسسًا على أساس ثابت.

 

          لاحظوا أن الإنجيلي المبارك يوحنا حينما يخبرنا عن وقت القيامة، يقول: ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باق“؛ بينما متى عندما يخبرنا عن وقت القيامة يقول إن القيامة حدثت بعد انتهاء الليل. ولا أظن أن أحدًا سوف يتخيل أن الكتب المُوحى بها تختلف حول هذا الأمر أو أن الإنجيليين حددوا أوقاتًا مختلفة للقيامة. لكن كل من يريد أن يبحث معنى الكلمات التي يعطونها عن وقت القيامة سيجد أن البشيرين (متى ويوحنا) متفقان، لأن الفجر ونهاية الليل يعبران عن نفس الوقت، أي عن تلاشي الليل. إذن، لا يوجد تعارض بينهما، لأن الواحد بدأ بسرد الأحداث من نهاية الليل، والآخر بدأ من أول النهار (الفجر) ولذلك يلتقيان في نفس النقطة، أي موت الظلام وتلاشي الليل.

 

يو10:20ـ11

” فمضى التلميذان أيضًا إلى بيتهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”.

          بعد أن جمع التلميذان الحكيمان الدليل الكافي على قيامة مخلصنا‍ وكانا ينميان في الإيمان الأكيد وغير المُزعزع، ويقارنان الأحداث كما حدثت فعلاً بأقوال الأنبياء في الكتب المقدسة، فإنهما رجعا بسرعة إلى البيت ليطلعا شركائهما (أي بقية التلاميذ) على المعجزة التي حدثت، وبعد ذلك يقرر الجميع ماذا سيفعلون.

 

          ولن نخطئ إن افترضنا أنه كان هناك سبب آخر لعودة التلميذين إلى شركائهما. ولأن شهوة الانتقام عند اليهود قد وصلت إلى ذروتها، وكان رؤساء اليهود متعطشين لسفك دم أي إنسان مُعجب بتعليم مخلصنا وكل من يعترف بقدرته ومجده الإلهيين اللذين يفوقان الإدراك، وفوق الكل كانوا متعطشين لسفك دم التلاميذ القديسين أنفسهم، لذلك تحاشى التلاميذ المواجهة، وتركوا القبر قبل ظهور النهار تفاديًا للخطر ـ لئلا يراهم أحد بالنهار بعد إشراق الشمس. ونحن لا نقول إن الدافع وراء هروب التلاميذ واحتراسهم هو الجبن وعدم الشجاعة؛ بل بالحري ينبغى أن نفترض أن معرفتهم بما كان يمكن أن يحدث لهم قد غرسها المسيح في عقولهم، وهو لم يسمح للذين عينهم لكي يكونوا أنوارًا ومعلمين للعالم، أن يتعرضوا للمخاطر قبل الأوان. لأنه كان ضروريًا أن يظهر صدق قوله الذي قاله عنهم للآب السماوي عندما صلي قائلاً: ” أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين أعطيتني.. حين كنت معهم في العالم كنت أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلاّ ابن الهلاك” (يو12،11:17). لذلك فقد اعتزل التلاميذ وكانوا ينتظرون الوقت الذي ينبغي أن يتكلموا فيه جهارًا. وقد فعلوا هذا طاعة لكلمات المخلص، فقد          ” أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعوه منه: لأن يوحنا عمّد بالماء، أما هم فسيُعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير” (انظر أع5،4:1). وهذا الحدث قد تحقق فعلاً في يوم الخمسين المقدس، حينما ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم. وعندئذٍ ألبسهم روح الشجاعة العظمى والاحتمال، ورفعهم فوق كل ضعفات البشر، ولذلك واجهوا جنون اليهود بجسارة عظيمة، واعتبروا مؤامراتهم ضدهم لا تستحق حتى مجرد الالتفات. إذن، فقد اختفى التلاميذ الحكماء، بسبب ما استدعته الضرورة ـ كما قلت سابقًا ـ ولم يستعجلوا إظهار أنفسهم.

 

          كانت مريم المجدلية بسبب محبتها للمسيح، متحررة من كل خوف ولم تفكر في غضب اليهود، لذلك جلست تراقب القبر، وإذ كانت في حزن كثير كامرأة فإنها صارت تبكي كثيرًا، وتمسح الدموع التي تفيض باستمرار من عيونها، وتنوح ليس فقط لأن الرب مات، بل ايضًا لأنها ظنت أن جسده أُخذ من القبر.

 

يو11:20ـ13

” أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي وفيما هي تبكي وفيما هي تبكي انحنت ونظرت داخل القبر. فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين حيث كان جسد يسوع موضوعًا. فقالا لها يا امرأة لماذا تبكين؟ ”.

          لنلاحظ أن الدموع التي تُسكب لأجل المسيح لا تضيع بدون مكافأة، ولا يمضى وقت طويل قبل أن تثمر محبتنا للمسيح ثمرتها، فإن نعمته ومكافأته الغنية ستحيط بنا تمامًا في طريق الألم. لأنه، بينما كانت مريم خارجًا تبكي، وتلطم خديها، نائحة على الرب حبيبها الذي فقدته، منحها المخلص أن تعرف سره بفم الملائكة القديسين. فقد رأت ملاكين بثياب بيضاء، وهذا يشير إلى الجمال الكامل للنقاوة الملائكية. وهذان الملاكان قاطعا نوحها وقالا لها: ” يا امرأة لماذا تبكين؟“. وهما لم يكونا يسألان عن سبب بكائها، لأنهما كانا يعرفان السبب حتى لو لم تخبرهما هي عنه، بل إن الظروف نفسها كانت كافية لكشف سبب بكائها. ولكنهما يطلبان منها أن تكف عن البكاء لأن الوقت ليس وقت الدموع، ولأنها جعلت القيامة التي هي سبب الفرح، سببًا للحزن. وحقًا يقولان لها: لماذا تبكين والموت قد قُهر، والفساد فقد سلطانه، والمسيح مخلصنا قد قام، وخلق طريقًا جديدًا يعود به الموتى من الفساد إلى الحياة. لماذا، تخطئين في اختيار الوقت يا امرأة، ولماذا أنت مثقلة هكذا بآلام مريرة بينما الأحداث نفسها تدعوك إلى الفرح؟، لأنك بالحقيقة ينبغي أن تفرحي وتبتهجي. “لماذا إذن تبكين؟”، إذ أنك بهذه الدموع تقللين من الكرامة اللائقة بحدث مفرح كهذا.

          ظهر الملاكان ” جالسين واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين، حيث كان جسد يسوع موضوعًا“، وكأنهما بهذا يوضحان للمرأة التى ظنت أن الرب قد أُخذ بعيدًا، أنه ليس هناك من يستطيع أن يأخذ الجسد المقدس بينما الملائكة تقوم بالحراسة والقوات المقدسة تحيط بهيكل الله[1] لأن كل هؤلاء يعرفون ربهم.

 

يو13:20ـ14

” قالت لهما إنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه. ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفًا ولم تعلم أنه يسوع ”.

          مريم لا تكف عن أن تدعو المسيح بالرب مما يدل على محبتها له، ولذلك سمح لها أن تتمتع برؤية من تبحث عنه. فقد رأت يسوع ولكنها لم تفكر أنه هو الذي يقف بالقرب منها. ولماذا؟

 

          السبب في عدم معرفتها، إمّا لأن المسيح مخلصنا أخفى ـ بقوته الإلهية ـ نفسه عنها، ولم يسمح لها أن تتعرف عليه بسهولة؛ أو بسبب أن الوقت كان باكرًا جدًا في الصباح، فلم تستطيع أن تميز بسهولة ما هو أمام عينيها، فالظلام الباقي منعها من ذلك فلم تكتشف ملامح الشخص الذي كان يقترب منها. ويشير الرب يسوع المسيح نفسه في نشيد الأنشاد[2] إلى سيره في الظلام في هذه الليلة وإلى رطوبة ندى الصباح بهذه الكلمات: ” لأن رأسي امتلأ من الطل، وقُصصي من ندى الليل” (نش2:5).

 

يو15:20

” قال لها يسوع يا امراة لماذا تبكين من تطلبين فظنت تلك أنه البستاني فقالت له يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لي أين وضعته وأنا آخذه ”.

          إذ كان الظلام لا يزال باقيًا والليل لم يكن قد مضى كلية، فإنها ترى يسوع الذي كان واقفًا بالقرب منها ولكنها لم تعرف من هو لأنها لم تكن قادرة على أن تميز شكل جسده أو ملامحه، ولكنها سمعته يقول: ” يا امرأة لماذا تبكين؟“.

          كانت كلمات المخلص رقيقة بحيث كان يمكن أن تبعث فيها هذه الرقة، الشك بأنها صادرة من بستاني. وأيضًا حينما تكلم معها الرب هكذا، لم يكن في حقيقة الأمر يسألها عن سبب بكائها ولا كان يريد أن يسألها عمن تبحث عنه، بل كان بالحري مهتمًا أن يُوقف نوحها وبكاءها مثلما كان يريد الملاكان تمامًا.

          ” لماذا إذن تبكين يا امرأة؟“، هكذا قال لها، من تطلبين؟ فكأنه يقول لها، امسحي دموعك، لأن الذي تبكين عليه وتبحثين عنه هو أمامك. أنا هو الذي تنوحين عليه. أنا هو الذي كنت ميتًا وقد مت بهذه الطريقة البشعة، وأنت تبكين علىّ كأنني حُملت بعيدًا عن القبر. ولكن ها أنا حي، وها أنا هنا، فكفي عن نوحك وبكائك بل بالعكس افرحي. وهكذا فإنه أراد بهذا السؤال أن يضع نهاية لأحزانها.

          لأنه كان من اللائق أن يردنا الرب إلى الفرح بهذه الطريقة. لأنه بمعصية آدم ـ الذي هو باكورة الجنس البشري سرى الحكم إلى العالم كله: ” إنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3). وقيل للمرأة بوجه خاص ” بالحزن تلدين أولادًا” (تك16:3). فكان نصيب المرأة بواسطة العقوبة هو كثرة الحزن. ولذلك، كان من الضروري أن ذات الفم الذي أصدر الحكم هو نفسه الذي يرفع ثقل اللعنة القديمة، وهو المسيح مخلصنا، الذي يمسح الآن الدموع من عيون المرأة بل بالحري من كل النساء عن طريق مريم المجدلية التي هي كباكورة لهن. فلأنها، وهي أولى النساء كانت حزينة جدًا على موت المخلص وكانت تنوح عليه، فقد حُسبت مستحقة أن تسمع الصوت الذي أوقف بكائها. ولكن قوة الكلمة تمتد في الحقيقة إلى كل جنس النساء اللائي يتألمن من كل عداوة تثور ضد المسيح، واللائي يكرمن الإيمان به واللواتي يصدق عليهن قول المزامير: ” ألاّ أبغض بغيضك يارب وأتألم من الذين يقاومونك؟ بغضًا تامًا أبغضتهم، وصاروا لى أعداء” (مز21:139و22).

          وفي حين أن ربنا يسوع المسيح يقول لها هذا لكي يضع حدًا لبكائها، فإنها ظنت أن الذي يكلمها هو البستاني، وأظهرت كل الاستعداد أن تأخذ الجسد إلى مكان آخر لو أنه دلها أين وضعه. لأنها لم تكن قد أدركت بعد سر القيامة العظيم، فكانت مضطربة بالشكوك.

 

يو16:20

” قال لها يسوع يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له (بالعبرانية): ربوني، الذي تفسيره يا معلم ”.

          إنه يناديها لكي يجعلها تتعرف عليه، فقد استنار عقلها حينما ناداها، ثم سمح لها أن تتفرس فيه بدون مانع أو عائق، لأنها بالحقيقة أحبته محبة شديدة. وهو هنا يكاد يوبخها على بطئها في إدراك أنه المسيح، فشيئ من هذا الوبيخ كامن في معنى ندائه لها باسمها. وفي الحال فهمت قصده، وبرؤيتها له طرحت جانبًا شكوكها الأولى، وقدمت له تحية التكريم المعتادة قائلة له: “ربوني” أي يا معلم أو يا سيد. وإذ قد امتلأ عقلها بفرح سماوي أسرعت بشوق شديد لكي تمسك جسده المقدس، وتنال منه بركة.

 

[1] أي جسد المسيح (المعرب).

[2] بروح النبوة قبل التجسد (المعرب).

 

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

ادعى المسيحيون الأوائل أن يسوع قام من بين الأموات وظهر للكثيرين. ما مدى قرب هذه الروايات من الأحداث المعنية؟ يشير العلماء إلى أن كتابات العهد الجديد الأولى بدأت تظهر بعد حوالي عشرين عامًا من موت يسوع. سيكون هدفي هنا هو المجادلة بأن رسالتين معترف بهما بالإجماع لبولس، رسالة كورنثوس الأولى وغلاطية، توفران الأساس لإثبات أن إعلان القيامة الأصلي كان مبكرًا بشكل استثنائي ومرتبط بشهود العيان الأوائل أنفسهم. يشير هذا إلى أن ظهور القيامة متأصل بشكل آمن في التقليد التاريخي.

 

 

كلمة موجزة عن الحد الأدنى من الحقائق التاريخية

يبدأ معظم الباحثين الإنجيليين في معاملتهم لقيامة يسوع من خلال الجدل حول المصداقية التاريخية العامة للأناجيل الأربعة. بينما أعتقد أن هذه النصوص توفر الكثير من المعلومات المفيدة التي تساهم في بناء مثل هذه الحالة، [1] هذا لن يكون أسلوبي هنا.

بدلاً من محاولة استخدام هذه المصادر ككل، سأستخدم في هذا المقال فقط تلك البيانات التاريخية التي يعتقد العلماء الناقدون أنها يمكن إنشاؤها وفقًا لمعايير أكثر تشككًا. على الرغم من أنني لا أستطيع تقديم الأساس لهذه الحقائق التاريخية هنا، فقد فعلت ذلك في مكان آخر.[2]

غالبًا ما يساء فهم هذه الطريقة. يعترض البعض على أنه لا يمكن استخدام الكتاب المقدس كمصدر. ومع ذلك، فأنا أستخدم البيانات التي يسمح بها العلماء الناقدون فقط، وهذا الاعتراف من جانبهم يأتي لسبب: أن هناك أساس قوي تقوم عليه هذه المادة.

في أي دراسة توظف مبادئ التأريخ، سواء كانت قديمة أو حديثة، يمكن القول إن المطلبين الرئيسيين هما تأمين شهادة شاهد عيان وقريبة قدر الإمكان من الأحداث المعنية. من المهم بشكل خاص أن يكون لديك معلومات كافية لمعالجة أي سيناريوهات بديلة رئيسية. إن الحصول على كل من شهود العيان والشهادة المبكرة أمر غير شائع إلى حد ما في العالم القديم، ولكن عندما يكونون متاحين، وخاصة معًا، فإنهم عادة ما يلعبون دورًا حاسمًا. تم الاعتراف بذلك في العصور القديمة أيضًا.[3]

 

 

صلب يسوع – غير قابل للنقاش

نقطة الانطلاق لجدولنا الزمني هي موت يسوع بالصلب، والمؤرخ عمومًا إما في 30 أو 33 بعد الميلاد. لن يتم مناقشة الوقت الدقيق هنا، يعتقد ريموند براون أنه يكاد يكون من المستحيل الاختيار بينهما، لكن أي من التاريخين لا يطرح مشكلة.[4]

يؤكد جون دومينيك كروسان أن “موت يسوع بالإعدام في عهد بيلاطس البنطي أمر أكيد مثل أي شيء تاريخي يمكن أن يكون على الإطلاق.”[5] ما تبقى من الأحداث التي سنركز عليها جهودنا تحدث على مدى السنوات الخمس والعشرين التالية.

 

 

عقدان إلى ثلاثة عقود بعد الصليب: رسائل بولس “الأصلية”

يعتبر غالبية العلماء اليوم أن رسائل بولس هي نقطة البداية عند مناقشة المسيحية المبكرة. من بين الثلاثة عشر كتابًا التي تحمل اسم هذا الرسول، حتى النقاد يقبلون ستة كتب على الأقل على أنها أصلية: رومية، 1-2 كورنثوس، غلاطية، فيلبي، وتسالونيكي الأولى. حتى العلماء المتشككون يتفقون على أن هذه الكتب كتبها بولس وتاريخها في العقد ما بين 50 و60 بعد الميلاد.[6]

يفضل العلماء الناقدون رسائل بولس “الأصيلة” هذه لأننا نستطيع التأكد من مؤلف هذه الكتابات وتواريخها. بينما يذكر بولس تفاصيل أقل عن حياة يسوع المبكرة في هذه الأعمال، فإنه يقدم تفاصيل مهمة فيما يتعلق برسالة الإنجيل لموت يسوع المسيح وظهورات قيامته، ومن وقت أبكر بكثير من الأناجيل.

 

النص الرئيسي في هذا الصدد هو بالتأكيد 1 كورنثوس 15: 3-8. في الآيتين السابقتين، يشير بولس إلى كرازته السابقة لأهل كورنثوس. كُتبت هذه الرسالة في حوالي 54-55 بعد الميلاد، في حين أن الوعظ الأصلي لبولس في المدينة كان مؤرخًا على الأقل قبل عامين، وربما في وقت مبكر من عام 50، كما يقر كوستر.[7]

لذلك كتب بولس بخصوص موت يسوع وظهورات قيامته في هذا النص الحاسم بعد خمسة وعشرين عامًا فقط من صلب يسوع، بينما كان يكرز بالرسالة نفسها لكنيسة كورنثوس قبل عدة سنوات، أو بعد حوالي عشرين عامًا من الأحداث.

 

هذا التاريخ الأخير هو فقط نصف الفترة الزمنية من يسوع إلى إنجيل مرقس، وأقل من ثلث المسافة بين يسوع وإنجيل يوحنا. لكن رواية بولس تقدم أيضًا أسبابًا حاسمة أخرى لتفضيلها على الأناجيل. في ملاحظة مباشرة تم الاعتراف بها بشكل استثنائي من قبل العلماء الناقدين، أوضح بولس أنه تلقى المادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: 3-7 من مصدر آخر: “لأنني سلمت إليكم في الاول ماقبلته انا أيضاً ” (1 كو 15: 3).

يقدم هذا التعليق وجهة نظر مختلفة تمامًا حول مصداقية معلومات بولس. هل يمكن أن يوفر هذا نظرة ثاقبة لطبيعة التعليم الرسولي المبكر بين عامي 30 و50 بعد الميلاد، قبل كتابة كتاب العهد الجديد الأول؟ حتى سفر أعمال الرسل مؤرخ بانتظام بين 65 و85 بعد الميلاد، أو من خمسة وثلاثين إلى خمسة وخمسين عامًا بعد الصلب [8] يأتي كل من هذا التاريخ وكتابات الأناجيل من إطار زمني محترم للغاية للتقارير القديمة. ولكن ماذا لو كانت لدينا مادة حتى قبل رسائل بولس الأولى؟

 

بالإضافة إلى كورنثوس الأولى 15: 3، تذكر العديد من نصوص العهد الجديد أيضًا انتقال التقليد القديم.[9] يأتي هذا بعد الممارسة اليهودية المعروفة المتمثلة في ضمان الاستمرارية العقائدية والرعوية من خلال إعادة إنتاج التعاليم الأمينة. حتى بدون وجود بيانات صريحة تفيد بأنه يتم نقل تقليد ما، يتفق العلماء النقديون على نطاق واسع فيما يتعلق بعدد من هذه النصوص القديمة.

غالبًا ما يُشار إلى وجود مثل هذا التقليد من خلال بنية الجملة، والإلقاء، والتوازي النصي، والصياغة المنمقة، وما إلى ذلك. تظهر هذه النصوص أحيانًا بسبب فواصل بناء الجملة بين الاقتباس والنص الأكبر. في مناسبات أخرى، تحتوي النصوص على مقتطفات لاهوتية موجزة من الأفضل شرحها على أنها موجودة في هذا النموذج لأغراض الحفظ. مثال آخر هو ما يُتفق عمومًا على أنه ترنيمة كريستولوجية في (فيلبي 2: 6-11).

 

إحدى فوائد هذه التقاليد المبكرة (تسمى أيضًا “المذاهب” أو “الاعترافات”) هي أنها تعيد إنتاج تعاليم أقدم من الكتاب أو الكتابة التي تظهر فيها. لذلك، إذا كان من المعروف أن هذه المادة موثوقة، خاصةً إذا كانت تبدو رسولية بطبيعتها، فمن المرجح أنها تعرض تعليقات جديرة بالثقة تكون أيضًا في وقت مبكر، وأحيانًا بشكل استثنائي.[10]

لكي نرى ما إذا كانت المادة الواردة في كورنثوس الأولى 15: 3-7 هي أقدم وأكثر موثوقية، يجب أن نحدد السيناريو الأكثر احتمالية لقبول بولس لهذا التقليد. يدعي الرسول بطريقة صريحة أنه نقل هذه المعلومات كما حصل عليها. هل لدينا أي معلومات بخصوص الوقت الذي قد يكون فيه بولس قد تلقى هذا الحساب؟ من على الأرجح أعطاها له؟ نظرًا لأنه يتعلق بظهورات موت وقيامة يسوع، مركز المسيحية المبكرة، سيكون من المهم للغاية أن يكون لدينا بعض الدلائل على مصدر بولس.

 

 

نصف عقد بعد الصليب: رحلة بولس الأولى إلى أورشليم

ومن الغريب أن المرحلة التالية من العملية لم يكتشفها الكتاب المحافظون وإنما العلماء الناقدون. علاوة على ذلك، هناك شبه إجماع بين أولئك الذين يعالجون هذه القضايا. أكد بولس أكثر من مرة أنه تلقى تقاليد من الآخرين ونقلها إلى مستمعيه. هل يقدم أي مؤشرات عن مكان وزمان الحصول على هذه البيانات؟

من كل ما نعرفه، كان بولس عالما دقيقا. لقد تدرب جيدًا على تقليد العهد القديم، مشيرًا إلى نفسه كفرد متحمس للغاية للناموس، كفريسي و”عبراني من العبرانيين” (فيلبي 3: 4-6). لقد تقدم إلى ما وراء الآخرين في عصره وميز نفسه من خلال دعم تقليد اليهودية دون أدنى شك. على هذا النحو، فقد اضطهد المسيحيين الأوائل بعنف (غلاطية 1: 13- 14). ثم شهد أنه التقى بيسوع القائم، موضحًا التغيير الكامل في حياته (1 كو 9: 1، 15: 8-10، غلاطية 1: 15-16).

 

يشهد بولس أنه بعد اهتدائه مباشرة، لم يتشاور مع أي شخص. منذ أن رأى يسوع القائم من الموت، وأمره أن يكرز للأمم، لم يعتقد أنه من الضروري تأكيد ذلك مع الآخرين. كانت سلطة يسوع أعظم من سلطة أي شخص آخر. ومع ذلك، بعد ثلاث سنوات زار أورشليم وقضى خمسة عشر يومًا مع بطرس ويعقوب شقيق يسوع (غلاطية 1: 15-18).

 

ماذا حدث خلال هذا الاجتماع الرائع الذي شارك فيه هؤلاء القادة المسيحيون الثلاثة العظماء؟ لا بد أنها كانت مليئة بالأحداث، على أقل تقدير. في الكلمات الشهيرة الآن لعالم العهد الجديد في جامعة كامبريدج سي إتش دود، “قد نفترض أنهم لم يقضوا كل الوقت في الحديث عن الأحوال الجوية.”[11] إذن ماذا ناقشوا؟ يمكن القول أن القاعدة الأولى للنقد الأدبي هي تفسير النص في سياقه.

عندما نطبق هذه القاعدة هنا، فإن السياق مباشرة قبل وبعد تصريح بولس يتعلق بطبيعة رسالة الإنجيل. لذلك، يستنتج العلماء الناقدون أن هذا الموضوع شكل بوضوح محور هذا الاجتماع التاريخي. بالإضافة إلى ذلك، ما الذي يمكن أن يناقشه بولس والرسولان الآخران بخلاف مركز إيمانهم؟ لهذين السببين، يُستنتج على نطاق واسع أن محتوى الإنجيل كان محور حديثهم.

 

علاوة على ذلك، يعتقد غالبية العلماء الناقدين الذين يجيبون على السؤال أن بولس تلقى التقليد المبكر المسجل في كورنثوس الأولى 15: 3-7 أثناء هذه الزيارة إلى أورشليم، وأنه حصل عليه من بطرس ويعقوب، وهما بالمناسبة الوحيدان اللذان بجانب بولس تظهر أسماؤهما في قائمة ظهورات يسوع من بين الأموات. استنادًا إلى التاريخ المعتاد لتحويل بولس إلى ما بين سنة وثلاث سنوات بعد صلب يسوع، فإن استقبال بولس لهذه المادة في أورشليم سيكون مؤرخًا بعد ثلاث سنوات، أو من حوالي 34 إلى 36 م.

في مناسبات عديدة، قمت بتوثيق هذا الاستنتاج العلمي النقدي حول متى ومن من تلقى بولس هذه المواد.[12] كما لاحظ ريتشارد باوكهام مؤخرًا إجماع العلماء على هذه النقطة.[13]

 

إلى جانب الموضوع نفسه والأسماء الفردية الثلاثة في قائمة الظهورات، يوجد تلميح آخر بخصوص هذه العملية في غلاطية 1: 18. عندما تحدث بولس عن وقته مع بطرس ويعقوب، استخدم المصطلح اليوناني هيستوريو ἱστορῆσαι (مأخوذ من مصطلح مؤرخ)، والذي غالبًا ما يتم تعريفه على أنه اكتساب المعرفة عن طريق الاستفسار الشخصي أو التحقيق.[14]

لذلك قصد بولس على ما يبدو أن يفهم القارئ أنه كان يستخدم هذا الوقت الجيد مع الرسولين الآخرين من أجل استكشاف فهمهما لرسالة الإنجيل. ولكن حتى بدون أن يخبرنا بذلك، فمن المنطقي أن يقوم برحلة إلى أورشليم للتحدث مع كبار الرسل هناك. علاوة على ذلك، كان الموضوع مهمًا جدًا لبولس، لأنه توقف بعد ذلك ليخبر قارئه: “أؤكد لكم أمام الله أن ما أكتبه لكم ليس كذبًا” (غلاطية 1: 20).

 

من الأهمية بمكان أن نتذكر هنا الاختلاف الحيوي بين التقليد الرسمي الذي نقله بولس للآخرين، والذي كتب على حد علمنا لأول مرة في كورنثوس الأولى 15: 3-7، والمحتوى الخاص الذي يلخصه هذا التقليد. عمليا لا شيء يعتمد على أن بولس قد تلقى هذا التقليد بالضبط خلال هذا الاجتماع في أورشليم على وجه التحديد، على الرغم من أن هذا هو الوقت الذي يميل فيه العلماء الناقدون إلى وضعه.

الأمر الأكثر أهمية يتعلق بمعرفة بولس بمحتوى الإنجيل كما بشر به بطرس ويعقوب شقيق يسوع، والذي يشتمل على قانون الإيمان. وهكذا، كل ما نحتاج إلى معرفته هنا حقًا هو أن بولس حقق معهم في تفاصيل الإنجيل، وهذا يبدو مؤكدًا.

 

في الواقع، العلماء الناقدون واثقون جدًا من هذا الاستنتاج الأخير الذي خلص إليه دود، “لذلك لا يمكن أن يكون التاريخ الذي تلقى فيه بولس أساسيات الإنجيل أكثر من حوالي سبع سنوات بعد موت يسوع المسيح. قد يكون في وقت أبكر من هذا “. لذلك، “تمثل كرازة بولس تيارًا خاصًا من التقليد المسيحي الذي اشتُق من التيار الرئيسي في نقطة قريبة جدًا من مصدره.”

ولئلا يقول البعض إن بولس أربك هذه الرسالة، يستنتج دود، “أي شخص يجب أن يؤكد أن الإنجيل المسيحي البدائي كان مختلفًا جوهريًا عن الإنجيل الذي وجدناه في بولس عليه أن يتحمل عبء الإثبات”.[15] لكن ليس علينا أن نأخذ كلمة دود في هذا، يتبنى العشرات من العلماء النقديين المعاصرين، بمن فيهم المشككون، السيناريو العام الموضح هنا.[16]

لذلك، يعتقد غالبية العلماء الناقدين الذين تناولوا هذه القضية أن بولس تلقى مادته التقليدية عن موت وقيامة يسوع من بطرس ويعقوب شقيق يسوع أثناء وجوده في أورشليم، بعد حوالي ستة أعوام من صلب يسوع. علاوة على ذلك، حتى لو تساءل المرء عن الوقت والمكان المحددين لاستقبال بولس الفعلي لهذه المادة العقائدية، فمن الصعب للغاية تجنب الاستنتاج بأن هؤلاء الرسل الثلاثة على الأقل قد تأكدوا من طبيعة محتوى الإنجيل في ذلك الوقت.

 

 

أقل من عقدين بعد الصليب: رحلة بولس اللاحقة إلى أورشليم

هنا يجب أن نستطرد قليلاً في جدولنا الزمني، قبل أن نستمر في العودة إلى الوراء نحو موت يسوع. لكن من الأفضل ترك هذه المناسبة إلى ما بعد المناقشة السابقة. مباشرة بعد وصف رحلته الأولى إلى أورشليم، قال بولس إنه زار المدينة مرة أخرى، بعد أربعة عشر عامًا (غلاطية 2: 1). في أي عام عقد هذا الاجتماع الثاني؟

يؤرخه بولس من مناقشته السابقة في غلاطية 1، مما جعل العلماء يتساءلون عما إذا كان بولس قصد وقت اهتدائه أم من رحلته الأولى إلى أورشليم. كذلك، يختلف رأي العلماء حول ما إذا كان الاجتماع في غلاطية 2: 1-10 هو نفس ما ورد في أعمال الرسل 15: 1-31. بغض النظر، الفرق طفيف. كوستر يفضل تاريخ 48 م.[17]

مرة أخرى، من الواضح أن موضوع بولس هو موضوع الإنجيل. في واحدة من أكثر التعليقات التي لا تصدق في العهد الجديد، شهد بولس أنه سافر على وجه التحديد إلى أورشليم لزيارة الرسل القياديين من أجل وضع أمامهم رسالة الإنجيل التي كان يكرز بها “خوفًا من أنني كنت قد سعيت باطلاً “(غلاطية 2: 1-2).

يا له من قبول لا يصدق! هنا لدينا “رسول للأمم” يقر بأنه سلم نفسه للسلطات الرسولية في أورشليم من أجل التأكد مما إذا كانت رسالة الإنجيل التي كان يكرز بها صحيحة. لو كان مخطئًا، لربما كانت هناك ظروف مأساوية لأعضاء الكنيسة الأولى من الأمم غير اليهود، ومن هنا تردد بولس.

 

إلى جانب بطرس ويعقوب شقيق يسوع، كان الرسول يوحنا حاضرًا أيضًا (غلاطية 2: 9). مع بولس، من الصعب تفويت النسيج الرائع لهذه المجموعة. بالكاد يمكن للمرء أن يتخيل سلطة واحدة في الكنيسة الأولى كانت أكثر تأثيرًا من هؤلاء الأربعة. قيل لنا أن برنابا وتيطس رفقاء بولس كانوا حاضرين أيضًا (غلاطية 2: 1). إلى هذه المجموعة قدم بولس رسالته الإنجيلية، لفحصهم. كان الحكم أن القادة الرسوليين الثلاثة الآخرين “لم يضيفوا شيئًا إلى رسالتي” (غلاطية 2: 6).

علاوة على ذلك، قاموا بمد الشركة لبولس وبرنابا، معترفين بمهمتهم إلى الأمم (غلاطية 2: 9). وقد حثهم الرسل الآخرون على الاهتمام بالفقراء أيضًا، وهو ما يقول بولس إنه كان حريصًا على القيام به على أي حال (غلاطية 2: 10).[18] لا يمكن أن يأمل بولس في حكم أفضل! نفترض أنه وبطرس ويعقوب كانوا جميعًا على نفس الصفحة أثناء زيارة بولس الأولى إلى القدس.

لكنه طلب هنا تحديدًا حكمًا فيما يتعلق بالرسالة المركزية التي بشر بها الأمم ووجد أنه لا يوجد تعارض بين تعاليم الإنجيل وتعليم الرسل الآخرين. خاصة عندما نعتبر أن هؤلاء كانوا القادة الأكثر نفوذاً في الكنيسة الأولى، فلا يمكن المبالغة في التأكيد على قيمة مثل هذا الحكم الإيجابي. لقد اتحدوا جميعًا فيما يتعلق بالبشارة الأكثر قدسية في المسيحية المبكرة.

 

مرة أخرى نتذكر تصريح دود بأن بولس والرسل الأوائل الآخرين اتفقوا جميعًا عندما يتعلق الأمر برسالة الإنجيل.[19] أوضح بولس أن الكرازة المبكرة بالإنجيل كانت تتعلق بشخص المسيح وموته ودفنه وقيامته وظهوراته (1 كو 15: 3-4). يوضح بولس هذا الأمر بوضوح في أماكن أخرى أيضًا، حيث يقتبس أيضًا تقاليد عقائدية أخرى مبكرة جدًا (مثل رومية 1: 3-4، 10: 9). وبالمثل، يعرّف سفر أعمال الرسل أيضًا الوعظ الرسولي المبكر بالإنجيل على أنه يشير إلى ألوهية يسوع وموته وقيامته.[20]

يعتبر العديد من العلماء النقاد أيضًا أن عددًا من هذه النصوص في سفر أعمال الرسل هي تقاليد أخرى مبكرة سبقت الكتاب نفسه. كان دود أحد المتخصصين البارزين هنا، ووجد نفس تفاصيل الإنجيل في نصوص سفر أعمال الرسل كما في كتابات بولس.[21]

بعد أن يستشهد بولس بنص قانون الإيمان المبكر في 1 كورنثوس 15: 3-7، يذكر الرسل الآخرين ويؤكد أنهم كانوا يكرزون بنفس الرسالة عن ظهورات يسوع في القيامة التي كان عليها (1 كو 15:11، راجع 15 :12 -15). لذلك يمكن لقرائه الحصول على نفس المعلومات منه أو منهم – كانوا متفقين. هذا هو إنعكاس غلاطية 2: 1-10. هناك، أكد الرسل الثلاثة على رسالة بولس الإنجيلية. يؤكد بولس في كورنثوس أنهم جميعًا كانوا يعلمون نفس الرسالة المركزية للمسيح المُقام الذي بشر به.[22]

بالنسبة للنصوص القديمة، ربما لا نرى أبدًا هذا النوع من التدقيق المتبادل من قبل السلطات الرئيسية، كل ذلك في مثل هذا التاريخ المبكر. يؤكد هوارد كلارك كي بشكل مثير للدهشة أن هذه المادة قوية جدًا بحيث “يمكن فحصها بشكل نقدي ومقارنتها بشهادات أخرى من شهود عيان ليسوع، تمامًا كما يمكن للمرء تقييم الأدلة في محكمة حديثة أو بيئة أكاديمية.”[23]

نستنتج أن بولس، وبطرس، ويوحنا، ويعقوب، شقيق يسوع، كانوا الأشخاص المناسبين، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، وجميعهم يعلنون نفس رسالة القيامة!

 

 

مباشرة بعد الصليب: العودة إلى تاريخ الأحداث الفعلية

بعد تراجع قصير من أجل وضع رحلة بولس اللاحقة إلى أورشليم في منظورها الصحيح، نحن الآن على استعداد للانتقال إلى المشهد النهائي في جدولنا الزمني. هنا نريد أن نسأل عن أولئك الذين لديهم معرفة بهذه الأحداث التاريخية قبل استقبال بولس للبيانات، بما في ذلك الصيغة العقائدية. بعد كل شيء، فإن حصول بولس على المعرفة بهذه الأحداث قبل ظهور المسيح المقام له لم يكن نهاية في حد ذاته. يجب أن نتراجع إلى الأحداث الأصلية نفسها.

 

بالعمل إلى الوراء قبل بولس، إذن، تم بالفعل طرح هذه الروايات في ملخصات شفهية موجزة لاستخدامها في التدريس، خاصة لأن غالبية المستمعين كانوا أميين على ما يبدو. وقبل ذلك كانت الروايات الأصلية لهذه الوقائع من قبل أولئك الذين شاركوا فيها بالفعل. كما لوحظ، نحن نعلم أن العملية برمتها تمت بسرعة كبيرة، بناءً على البيانات الدقيقة التي لدينا فيما يتعلق بالأحداث الفعلية، والتعليم عنها والصياغة في بيان عقائدي موجز. ثم تم تسجيله بعد وقت قصير نسبيًا. يقر العلماء الناقدون بسهولة أن المسيحيين الأوائل اعتقدوا أن بعض الأحداث قد حدثت فيما يتعلق بيسوع المقام.

 

لذلك، قبل رحلة بولس إلى أورشليم ومناقشته مع بطرس ويعقوب فيما يتعلق ببيانات الإنجيل (والذي ربما كان أيضًا الوقت الذي تلقى فيه التقليد العقائدي الأصلي في كورنثوس ١٥)، من الواضح أن بولس لم يكن أول من سمع عن تقريرهم عن الظهورات. على الأقل، كان على الرسولين الآخرين، على الأرجح مع آخرين، معرفة المعلومات قبل بولس. نحن نقترب الآن من البداية، حيث تم إدراج كل من بطرس ويعقوب ضمن أولئك الذين رأوا يسوع المقام، كما هو واضح بشكل خاص في 1 كورنثوس 15: 4، 7. البيانات التأسيسية الوحيدة هي الأحداث الفعلية نفسها.

 

كيف يجب أن نؤرخ كل من هذه الخيوط؟ لقد رأينا أن رحلة بولس الأولى إلى أورشليم عادة ما تكون في الفترة من 34 إلى 36 م، وتحول بولس في ثلاث سنوات قبل ذلك، أو حوالي 31 إلى 33 م. منذ أن آمن بولس بأنه رأى ظهور الميت مؤخراً والمقام الآن، يسوع. كان من الممكن أن يحدث الصلب في وقت سابق، ولكن ليس قبل ذلك بوقت طويل. إذا كان أي من الاعترافات المبكرة جزءا لا يتجزأ من عظات أعمال الرسل.[24]

تمثل أيضًا عمليات إعادة بناء موثوقة للتعاليم المبكرة، كما منحها معظم العلماء الناقدين، ثم لدينا أسباب إضافية للاعتقاد بأن القيامة قد تم التبشير بها من البداية، فور موت يسوع. هل يتفق العلماء الناقدون على تاريخ هذه العقيدة السابقة لبولس؟ حتى العلماء الراديكاليون مثل غيرد لودمان يعتقدون أن “العناصر في التقليد يجب أن تعود إلى أول عامين بعد الصلب. . . في موعد لا يتجاوز ثلاث سنوات بعد موت يسوع “.[25]

وبالمثل، يؤكد مايكل غولدر أن شهادة بولس حول ظهورات القيامة “تعود على الأقل إلى ما تعلمه بولس عندما تحول، بعد عامين من الصلب”.[26] استنتج عدد متزايد من العلماء المؤثرين بشكل استثنائي مؤخرًا أن تعاليم القيامة على الأقل، وربما حتى الصيغة المحددة لتقليد إيمان ما قبل بولس في 1 كورنثوس 15: 3-7، تعود إلى 30 م! بعبارة أخرى، لم يكن هناك وقت لم تكن فيه رسالة قيامة يسوع جزءًا لا يتجزأ من أول إعلان رسولي.[27]

يقول عالم لا يقل عن جيمس دي جي دن فيما يتعلق بهذا النص المهم: “هذا التقليد، يمكننا أن نكون واثقين تمامًا، تمت صياغته كتقليد في غضون أشهر من موت يسوع”.[28] لذلك، تلقى بولس مادة عقائدية في أورشليم بعد خمس سنوات فقط أو نحو ذلك من صلب يسوع والتي تمت صياغتها بالفعل في وقت سابق، وربما يرجع تاريخها إلى ما بعد وقت قصير جدًا من موت يسوع.

ولكن بغض النظر عن المكان الذي نؤرخ فيه هذا التقليد العقائدي نفسه، فإن المحتوى الأساسي لرسالة الإنجيل المتعلقة بموت وقيامة يسوع المسيح يعود إلى أوائل البدايات. بعبارة أخرى، كانت الرسالة المركزية للكنيسة الرسولية الأولى منذ نشأتها.

 

 

إعتراض شائع

في الوقت الحاضر، ربما تكون التهمة الأكثر شيوعًا، خاصة من بين الملحدين الجدد، هي أن المسيحية نسخت رسالتها من الديانات القديمة الأخرى. على سبيل المثال، يتساءل كريستوفر هيتشنز عن بعض الأحداث الخارقة للطبيعة التي قيل إنها أحاطت بميلاد يسوع، عندما قيل إن أشياء مماثلة حدثت لشخصيات دينية أخرى مثل بوذا وكريشنا.[29] كما يتم ذكر أو التلميح إلى أوجه الشبه هذه بانتظام فيما يتعلق بقيامة يسوع.[30]

الغريب الحقيقي حول هذه التهمة هو الانفصال الحقيقي للغاية بين الانتقادات المتشككة الشائعة والتعاملات من قبل المتخصصين المتشككين على حد سواء في المجالات ذات الصلة. يبدو أن نسبة كبيرة من هؤلاء يتبنون هذه الشكاوى حول الأديان الموازية كما لو كانت مقبولة من قبل الجميع باستثناء المسيحيين الذين يبدو أن رؤوسهم عالقة في الرمال.

ومع ذلك، في حين أن المتشككين العلماء قد يلاحظون أحيانًا هذا التشابه البسيط أو ذاك، إلا أنهم نادرًا ما يتهمون أن المسيحية المبكرة استمدت تعاليم القيامة من الأديان السابقة. لماذا هذا الانفصال الكبير بين المتشككين الشعبيين ونظرائهم العلماء؟ هل يمكن أن تكون البيانات التاريخية ببساطة لا تدعم مثل هذه الإتهامات المتكررة بشكل شائع؟

 

حتى لو لم نبتعد كثيرًا عن المادة الموجودة في هذا المقال وحده، فإن هذه الأطروحة الشائعة يتم تحديها بشكل كبير في كل منعطف. أولاً، رفض علماء النقاد الاتهام الشائع بأن قصص المصلوبين والمُنقِصين المنتفضين كانت منتشرة في العالم القديم قبل المسيحية، خاصة خلال العقود القليلة الماضية. بالنسبة للمبتدئين، كانت القصص الوثنية بشكل عام لأشخاص لم يعشوا قط وتضمنت رسائل دينية تتعارض في الواقع مع التعاليم المسيحية الرئيسية، وكان لهذه الروايات القديمة تأثير ضئيل للغاية في فلسطين القديمة.

والأهم من ذلك، أن نقاط الاتصال التاريخية المركزية مفقودة ببساطة: تقارير بوذا وكريشنا تأتي بعد مئات السنين. لم يُصلب أي من المؤسسين الدينيين الرئيسيين الآخرين في العصور القديمة. علاوة على ذلك، لا يمكن إثبات وجود رواية وثنية واحدة عن القيامة قبل المسيح، سواء كانت أسطورية أو تاريخية.[31]

هذا أمر مهم بالتأكيد في أي محاولة للضغط على هذه التشابهات المزعومة. ثانيًا، وعلى النقيض تمامًا، أوضحنا الإجماع العلمي فيما يتعلق بشكل خاص بكورنثوس الأولى 15: 3-7، جنبًا إلى جنب مع ملخصات العظات المبكرة في أعمال الرسل، والتي تؤرخ الإعلان المبكر بشكل لا يصدق لرسالة القيامة إلى حوالي 30 م.

تم ربط الرسالة مباشرة بحياة وخدمة يسوع المسيح، مع عدم وجود علامة على الأصل الأسطوري. ثالثًا، والأهم من ذلك، فيما يتعلق بقيامة يسوع، اقتنع العلماء المتشككون بالإجماع تقريبًا أن تقارير الظهورات جاءت من شهود العيان أنفسهم، بناءً على تجاربهم الأصلية، وليس الأساطير والخرافات القديمة.

بعبارة أخرى، اشتق اعتقاد القيامة من تجارب حقيقية وليس من إشاعات غير متبلورة من أماكن أخرى. علاوة على ذلك، تم تأكيد هذا السيناريو خلال زيارات بولس لأورشليم لمناقشة طبيعة رسالة الإنجيل مع الرسل الرئيسيين (غلاطية 1: 18-20، 2: 1-10). عرف بولس ما كان يعلمه الرسل الآخرون فيما يتعلق بظهورات يسوع من بين الأموات وأثنى على رسالتهم (1 كو 15: 11-15). يشير هذا الإطار الضيق إلى أن الإعلان الأصلي استند من البداية إلى النهاية على أحداث تاريخية فعلية.

 

هناك العديد من المشاكل الإضافية التي تكتنف الأطروحة الأسطورية أيضًا. لقد غيرت هذه التجارب التلاميذ حتى أصبحوا على استعداد للموت خصيصًا من أجل تعاليمهم الإنجيلية. وهذا يدل على أنهم آمنوا بصدق رسالة القيامة هذه. لم يتم تفسير ظهور بولس وتحويله من مضطهد الكنيسة من قبل الأساطير القديمة، وكذلك تحول شقيق يسوع يعقوب من الشك إلى الإيمان بالمسيح القائم من بين الأموات (على الرغم من أننا لم نناقش هذا هنا).

أخيرًا، القبر الفارغ مؤكد بشكل كبير.[32] لكن هذه الأطروحة البديلة لا تفسره. على الرغم من أنه يمكن ذكر انتقادات إضافية، [33] يشير هذا إلى سبب رفض الغالبية العظمى من العلماء للأساطير باعتبارها أصل إعلانات القيامة المبكرة، والتي نشأت من تجارب شهود عيان فعلية. كما يؤكد ولفارت بانينبيرج: “في ظل هذه الظروف، يكون عملًا بلا العمل لإجراء تشابهات في تاريخ الأديان المسؤولة عن ظهور الرسالة المسيحية البدائية حول قيامة يسوع”.[34]

 

 

الخلاصة: إكمال الحجة

يتفق علماء النقد المعاصرون على أنه، إلى جانب ظهور بولس، حصل على رسالته المبكرة عن الإنجيل من الآخرين قبله. من المحتمل أنه تلقى على الأقل محتوى التقليد في كورنثوس الأولى 15: 3-7 من بطرس ويعقوب عندما زار أورشليم في السنوات الأولى بعد موت يسوع على الصليب. بالنسبة لهؤلاء الرسل، فإن ظهورات القيامة كانت بالطبع قبل ذلك.

هذه الحجة، أكثر من أي حجة أخرى، هي التي أقنعت غالبية العلماء الناقدين اليوم بأن قيامة يسوع قد أُعلن عنها في الكنيسة الأولى. وبالمثل، يعتقد العلماء أن سبب هذه الرسالة المبكرة كان تجارب تلاميذ يسوع الأوائل، الذين كانوا مقتنعين تمامًا أنهم رأوا ظهورات لربهم القائم من بين الأموات.[35]

هذه الرسالة لم تحدث في وقت لاحق، وبالتأكيد لم يتم اختلاقها أو نسخها من تعاليم الآخرين. وكما يؤكد باوكهام بوضوح، “ليس هناك شك في ذلك. . . يستشهد بولس بشهادة شاهد عيان لأولئك الذين تلقوا ظهورات القيامة “.[36]

يفسر هذا القيمة المذهلة لتقرير بولس في 1 كورنثوس 15: 3-7. إنه يعالج بالتأكيد أهم مسألتين تاريخيتين من خلال ربط تقارير شهود العيان الأصليين التي تم أخذها بشكل واضح من الفترة المبكرة للغاية. صدمت هذه الحجة جيلًا من العلماء الناقدين، مما جعلهم يدركون أن ظهورات قيامة يسوع، على عكس أوجه التشابه اللاحقة التي ربما استعارت من المسيحية، راسخة بقوة في التقليد التاريخي.

 

 

المراجع

1.وعلى الأخص في الأناجيل انظر

Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids: Eerdmans, 2006). Cf. James D. G. Dunn, Jesus Remembered, vol. 1 of Christianity in the Making (Grand Rapids: Eerdmans, 2003).

2. وعلى سبيل المثال

Gary R. Habermas, The Risen Jesus and Future Hope (Lanham, Md.: Rowman and Littlefield, 2003); The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ (Joplin, Mo.: College Press, 1996).

3. تناول مؤرخ القرن الثاني لوسيان من ساموساتا إزالة العوامل الذاتية من عمل المؤرخ (6: 7-15، 72-73، 39-43)، وكذلك الوظيفة المناسبة لشهادة شهود العيان، على عكس الكاتب القديم الذي ادعى لقد كان شاهدًا، على الرغم من أن لوسيان قرر أن الوقائع تعارض ادعائه (6: 43-47)! انظر كيفية كتابة التاريخ

How to Write History, vol. 6 of Lucian in Eight Volumes, trans. K. Kilburn, Loeb Classical Library (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1959).

 

4. Raymond E. Brown, The Death of the Messiah, 2 vols. (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1994)، esp. p. 1376; cf. pp. 1350-78.

يتم اختيار التاريخ السابق بشكل أكثر شيوعًا من قبل العلماء، على الرغم من أن لا شيء يعتمد على كونه محددًا.

5. John Dominic Crossan, Who Killed Jesus? Exposing the Roots of Anti-Semitism in the Gospel Story of the Death of Jesus (San Francisco: HarperCollins, 1995), p. 5.

6.على سبيل المثال

 Bart D. Ehrman, The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings, 2nd ed. (New York: Oxford University, 2000), pp. 43-44; Helmut Koester, Introduction to the New Testament, vol. 2, History and Literature of Early Christianity (Philadelphia: Fortress, 1982), pp. 103-4.

 

7. Koester, History and Literature, pp. 103-4

 

8. John Drane, Introducing the New Testament (San Francisco: Harper & Row, 1986)، pp. 236-38.

9. انظر 1 كورنثوس 11: 2، 23، 2 تسالونيكي 3: 6، 1 تيموثاوس 1: 15، 3: 1 4: 9، 2 تيموثاوس 2: 2، 11، تيطس 1: 9.

10. للحصول على العلاج الكلاسيكي لهذا الموضوع، انظر

Oscar Cullmann, The Earliest Christian Confessions, trans. J. K. S. Reid (London: Lutterworth, 1949); cf. Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus (London: SCM Press, 1966).

 

11. C. H. Dodd, The Apostolic Preaching and Its Developments (Grand Rapids: Baker, 1980)، p. 16.

12. على سبيل المثال،انظ

 Habermas, Historical Jesus, esp. pp. 152-57; Gary R. Habermas, “The Resurrection Appearances of Jesus,” in In Defense of Miracles: A Comprehensive Case for God’s Action in History, ed. Douglas Geivett and Gary R. Habermas (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1997), esp. pp. 263-70.

 

13. Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, pp. 265-66.

 

14. William Farmer, “Peter and Paul, and the Tradition Concerning ‘The Lord’s Supper’ in 1 Corinthians 11:23-25,” Criswell Theological Review 2 (1987): 122-30.

 

15. Dodd, Apostolic Preaching, p. 16.

16.لهذه القوائم،انظر  Habermas, Risen Jesus and Future Hope, esp. nn. 75-102.

17. Koester, History and Literature, p. 103.

18. انظر إلى جهود بولس لتقديم القرابين نيابة عن المؤمنين الفقراء (1 كو 16: 1-4، 2 كورنثوس 8: 1-15).

19. Dodd, Apostolic Preaching, p. 16.

20. لعدد من هذه المقاطع، انظر أعمال الرسل 1: 21-22، 2: 22-36، 3: 13-16، 4: 8-10، 5: 29-32، 10: 39-43، 13: 28-31، 17: 1-3، 30-31

21. Dodd, Apostolic Preaching, pp. 17-31, esp. pp. 19, 24, 26, 31.

22. من أجل هذا الاتفاق بين بولس والرسل الآخرين حول طبيعة رسالة الإنجيل، انظر

Martin Hengel, The Atonement (Philadelphia: Fortress, 1981), pp. 38, 69; John Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus (New York: Doubleday, 1987), p. 118; Hans Dieter Betz, Galatians: A Commentary on Paul’s Letter to the Churches in Galatia (Philadelphia: Fortress Press, 1979), p. 76; Ben Meyer, “Resurrection as Humanly Intelligible Destiny,” Ex Auditu 9 (1993): 15; Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, p. 266.

 

23. Howard Clark Kee, What Can We Know About Jesus? (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), pp. 1-2.

24. مثل تلك المدرجة في الملاحظة 20 أعلاه.

25. Gerd Lüdemann, The Resurrection of Jesus, trans. John Bowden (Minneapolis: Fortress, 1994)، p. 38.

 

26. Michael Goulder, “The Baseless Fabric of a Vision,” in Resurrection Reconsidered, ed. Gavin D’Costa (Oxford: Oneworld, 1996)، p. 48.

27. Larry W. Hurtado, How on Earth Did Jesus Become a God? Historical Questions About Earliest Devotion to Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 2005), esp. p. 4; N. T. Wright, The Resurrection of the Son of God (Minneapolis: Fortress, 2003), p. 319; cf. Bauckham, Jesus, and the Eyewitnesses, pp. 264-68, 307-8.

 

28. Dunn, Jesus Remembered, p. 825 (الأقواس في الأصل).

 

29. Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Hachette, 2007)، pp. 22-23.

 

30. Richard Dawkins, The God Delusion (Boston: Houghton Mifflin, 2006)، pp. 119-20.

31. للحصول على معالجة كلاسيكية في تاريخ القصص الوثنية، انظر

 Günther Wagner, Das religionsgeschichtliche Problem von Römer 6, 1-11 (Zürich: Zwingli Verlag, 1962),

خاصةً ملخص فاغنر الممتاز في الجزء 3، الأقسام. أ-ب. حتى يتضمن Helmut Koester تعليقات مماثلة، لا سيما في

Introduction to the New Testament, vol. 1 (Philadelphia: Fortress, 1982), pp. 190, 193.

32. لأسباب عديدة رئيسية

Habermas, Risen Jesus, and Future Hope, pp. 23-24.

33. لمناقشة مفصلة والنقد، انظر

Gary R. Habermas, The Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry (Ann Arbor, Mich.: University Microfilms, 1976), pp. 146-71.

34. Wolfhart Pannenberg، Jesus: God and Man, trans. Lewis Wilkins and Duane Priebe (Philadelphia: Westminster Press, 1977)، p. 91 (الأقواس في الأصل).

35. لمزيد من التفاصيل، انظر

Gary R. Habermas, “Experiences of the Risen Jesus: The Foundational Historical Issue in the Early Proclamation of the Resurrection,” Dialog: A Journal of Theology 45 (2006): 288-97.

 

36. Bauckham، Jesus and the Eyewitnesses, p. 308 (الأقواس في الأصل).

تتبع قيامة يسوع إلى أقرب روايات شهود العيان الخاصة بها – مينا مكرم

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

كتاب مستعدون للمجاوبة – وليم لين كريج PDF

تحميل الكتاب PDF

الفصل الاول: ما الدفاعيات؟

الفصل الثاني: ما اهمية ان يكون الله موجود؟

الفصل الثالث: ما السبب وراء الوجود؟

فاصل شخصي: رحلة فيلسوف على طريق الايمان 

الفصل الرابع: لماذا بدأ الكون؟

الفصل الخامس: لماذا يتسم الكون بالضبط الدقيق الي يجعله صالحا للحياة؟

الفصل السادس: هل يمكننا ان نكون صالحين دون الله؟

الفصل السابع: ماذا عن الالم؟

فاصل شخصي: رحلة ايمان فيلسوف 

الفصل الثامن :من كان يسوع؟

الفصل التاسع: هل قام يسوع من الاموات؟

االفصل العاشر: هل يسوع هو الطريق الوحيد الي الله؟

Exit mobile version