ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

 

مقدمة

القديس ايرونيموس (جيروم)

ولد ايرونيموس من أبوين مسيحيين ببلدة ستريدون قرب أكويلا بإيطاليا حوالى سنة 345م. وفى حداثته ذهب إلى روما حيث درس الخطابة واشتغل فترة بالمحاماة. ويقول عن نفسه إنه سقط فى الخطية ولكنه انجذب بعدها إلى صداقة مجموعة من الشبان المسيحيين الذين أثروا فى حياته وكان يزور معهم قبور الشهداء فى سراديب روما. وفى سنة 366 اعتمد بيد البابا ليباريوس.

          كان جيروم منذ شبابه مغرمًا بالدراسة وبدأ يكوّن لنفسه مكتبة خاصة منذ شبابه المبكر. وقال بجولة فى بلاد الغال (فرنسا) عن طريق شمال إيطاليا، وفى أثنائها تعرّف بروفينوس، وقضى فترة فى تريف، وكان يقوم بنسخ المخطوطات، وكتب تفسيرًا رمزيًا لسفر عوبديا. ثم رجع إلى إيطاليا، وقضى هناك ثلاثة سنوات فى أكويلا حيث بدأ فى السير نحو هدفى حياته وهما. دراسة الكتاب المقدس، وممارسة الجهاد النسكى.

          فى 373 سافر ايرونيموس إلى الشرق مع بعض أصدقائه من النساك عن طريق شمال اليونان ….. وغلاطية وكبادوكية وكيليكيا إلى أن وصل إلى أنطاكية حيث استراحوا لبعض الوقت، وهناك أصيب ايرونيموس بحمى شديدة قارب الموت بسببها، وأثناء هذه الأزمة قرر ترك كل الاهتمامات والقراءات الرومانية وتكريس نفسه للدراسات المسيحية وخاصة الكتاب المقدس.

          تعلم ايرونيموس اللغتين اليونانية والعبرية. وقام بترجمة العهد القديم من العبرية إلى اللاتينية لغته الأم، وهذه أول مرة تترجم فيها التوراة من العبرية إلى اللاتينية مباشرة بعد أن كانت الكنيسة اللاتينية تستخدم النسخة السبعينية اليونانية. وهذه الترجمة هى المعروفة باسم الفولجاتا Volgate.

          ومن أشهر كتب القديس ايرونيموس كتاب “مشاهير الرجال” (Viris Illustratus) الذى أشرنا إليه فى كتاب “مدخل إلى علم الآباء” كأحد المراجع عن عدد كبير من الآباء بعد كتاب “تاريخ الكنيسة ” لأوسابيوس.

          وقضى ايرونيموس 40 سنة فى بيت لحم يعيش الحياة النسكية مع عدد من الأصدقاء والتلاميذ والتلميذات. وترجم نصوصًا كثيرة لبعض المعلمين السابقين من بينهم أوريجينوس إلى اللاتينية، وكتب تفسيرات لعدد كبير من أسفار الكتاب المقدس خاصة العهد القديم. وتنيح ايرونيموس سنة420 م ودُفن فى بيت لحم.

العظة على ميلاد الرب:

          لم يستطع العلماء أن يحددوا تاريخًا دقيقًا لإلقاء هذه العظة. وكل ما وُجد عنها فى هوامش كتابات ايرونيموس باللاتينية أنها أُلقيت فى عيد الميلاد 25 ديسمبر فى حضور الأسقف ودون تحديد من هو الأسقف الذى ألقى ايرونيموس العظة فى حضوره. ويرجع العلماء أنها أُلقيت فى إحدى السنوات بين 394 ـ 405.

          ونود أن نشكر الأخ ريمون يوسف الذى ساهم فى ترجمة هذه العظة عن اللغة الإنجليزية.

          فليبارك المسيح مخلصنا المتجسد لأجل خلاصنا فى هذه العظة لبنيان المؤمنين بشفاعة العذراء والدة الإله، وصلوات الآباء القديسين، والقديس ايرونيموس، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث وشركائه الآباء المطارنة والأساقفة. والسجود والتسبيح والتمجيد للآب والابن والروح القدس الإله الواحد الآن وإلى الأبد. آمين.

4 ديسمبر 2004م

25 هاتور 1721ش

شهادة القديس مرقوريوس أبو سيفين

المركز الأرثوذكسى

للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

على ميلاد الرب

عظة للقديس ايرونيموس (جيروم)[1]

 

 “ اضجعته فى المذود، إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” (لو7:2) “ اضجعته أمه فى المزود. لم يجرؤ يوسف على أن يلمسه، لأنه كان على يقين تام، أن الطفل لم يكن ابنه بالجسد. ابتهج يوسف بالطفل وهو مندهش، بيد أنه لم يجرؤ على أن يلمسه. اضجعته أمه فى المذود. فلماذا فى مذود؟ لكى تتم النبؤة التى قيلت على لسان إشعياء النبى ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه” (إش3:1) وقيل أيضًا فى موضع آخر “ الناس والبهائم تخلّص يارب” (مز6:36). فإذا كنت إنسانًا تناول الخبز؛ وإذا كنت حيوانًا فتعال إلى المذود.

 

          وبسبب أنه لم يكن لهم موضع هناك، لذلك قال لوقا الإنجيلى بصواب: “ إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” وذلك لأن عدم إيمان اليهود قد امتد إلى كل شئ. لم يجد موضعًا فى قدس الأقداس الذى يتألق بالذهب، والأحجار الثمينة، والحرير الطبيعى والفضة. لم يولد المسيح وسط الذهب والثروة، بل وُلد وسط روث الحيوانات فى حظيرة للبهائم، “وحيث توجد الحظيرة، يوجد الروث، بينما خطايانا هى أقذر بكثير من ذلك الروث. وُلد الرب فى مزبلة، كى يرفع أولئك الذى أتوا منها، كما يقول المرتل: “ الرافع البائس من المزبلة” (مز7:113) وُلد الرب فى المزبلة، حيث جلس أيوب الصديق أيضًا، وتُوّج بعد ذلك.

          “ لم يكن لهم موضع فى المنزل” هنا تعزية عظيمة للفقراء فيوسف ومريم، أم الرب، لم يكن لهما خادم أو خادمة. أتوا بمفردهم من الناصرة التى فى الجليل، ولم يكن لهما دابة تحملهما. فلقد كانا لنفسيهما سادة وعبيدًا. توجد هنا ملاحظة أخرى وهى أنهما قد ذهبا إلى الفندق الذى بجانب الطريق، وليس إلى داخل المدينة، فحيث كان الفقر كان يجعل الإنسان أجبن من أن يتجرأ للدخول وسط الأغنياء. أتلاحظون مدى شدة عوزهما. فقد ذهبا إلى الفندق الذى على الطريق. لم يقل الكتاب المقدس إن الفندق كان على الطريق، بل كان جانبًا خارج الطريق؛ ليس على طريق الناموس، بل على طريق الإنجيل. لم يكن هناك فى ذلك الوقت مكان آخر خاليًا لكى يولد فيه المخلص سوى مذود، مذود للماشية والحمير. فإنى أتمنى لو كان يُتاح لى أن ألقى بنظرة إلى ذلك المذود الذى وُلد فيه المسيح. ولكى نكرِّم المسيح الآن، نأخذ مذود الطين ونستبدله بسلة فضية، ولكن ذاك الذى وُلد فيه المسيح نفيس جدًا بالنسبة لى. الفضة والذهب يتناسبان مع عبادة الأوثان، أما الإيمان بالمسيح فإنه يستحق ذلك المذود المصنوع من الطين. وُلد المسيح فى ذلك المذود فهو لا يبالى بالذهب أو الفضة. لذلك فإنى لا ألوم أولئك الذين باعوا ممتلكاتهم فى سبيل إكرام الآلهة، ولا أنظر بازدراء إلى أولئك الذين صنعوا أوعية من الذهب فى الهيكل، ولكنى أتعجب من الرب خالق الكون. الذى وُلد وهو غير مُحاط بالذهب والفضة، بل مُحاط بالطين والروث.

          “ وكان فى تلك الكورة رعاة متبدّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو8:2). إنهم لن يجدوا المسيح إن لم يسهروا، إذ أن هذا هو واجب الرعاة. فلن يجد المسيح إلا الإنسان اليقظ الساهر. فلهذا تقول عروس النشيد: “ إنى نائمة ولكن قلبى يقظ” (نش2:5) حقًا “ لا ينعس ولا ينام حارس إسرائيل” (مز4:120).

 

          كان هناك فى نفس الكورة رعاة، وكان هيرودس ورؤساء الكهنة والفريسيون هناك أيضًا فى نفس الكورة، وبينما هم نيام، وجد الرعاة المسيح مضجعًا فى مغارة منعزلة.

 

          كان الرعاة يحرسون حراسات الليل على رعيتهم“. لقد كان الرعاة يحرسون قطيعهم، لئلا تفترسه الذئاب أثناء نومهم. كانوا يحرسون القطيع بحرص وعناية؛ ولقد كان الخطر بالنسبة للقطيع من غدر الوحوش سببًا كافيًا لكى يسهروا لحراسة قطيعهم. كانوا يحرسونه، كما لو كان قطيع الرب، ولكنهم لم يستطيعوا حفظه؛ ولهذا طلبوا من الرب أن ينقذ القطيع. ” وإذا ملاك الرب وقف بهم” (لو9:2). والذين كانوا يقظين هكذا استحقوا أن يأتى إليهم ملاك الرب: “ ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفًا عظيمًا” (لو9:2). إن خوف الإنسان سببه هو عدم قدرته أن يتفرس فى منظر مهيب وسامٍ جدًا. وبسبب خوفهم خوفًا عظيمًا، قال لهم الملاك “ لا تخافوا” (لو10:2)، فكان كلامه كالمرهم الذى يداوى الجروح لكى يطمئنوا. فشدة الخوف تجعلك عاجزًا عن فهم ما أقوله.

إنه وُلد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو11:2) يا لها من كلمات عظيمة جدًا وبينما هم فى حالة دهشة عظيمة “ ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين” (لو13:2). ملاك واحد أعلن ميلاد الرب، ولكى لا يبدو أنه هو الوحيد الشاهد لهذه الحادثة، ردد كل جمهور الملائكة تسبحة تمجيد واحدة:       “ المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبين أناس المسرة” (لو14:2).

              

          إذا كانت الخطايا بحسب ما يقوله الهراطقة، تحدث يوميًا فى السماء، فكيف يكون هناك إذًا مجد فى السماء، ولماذا نصلى من أجل السلام على الأرض؟ لاحظوا ما يقوله الإنجيل فى السماء حيث لا يوجد خصام، يسود المجد، وعلى الأرض، حيث كل يوم هو يوم حرب يملك السلام.

 

          “ على الأرض السلام” يحل السلام على مَنْ؟ يحل السلام بين الناس. فلماذا كانت الأمم الوثنية تحيا بدون السلام؟ ولماذا كان اليهود أيضًا ليس عندهم سلام؟ هذا هو بالضبط الذى يجعل السلام يحل بين أناس محددين: والسلام يحل بين الناس ذوى الإرادة الصالحة، بين هؤلاء الذين رحبوا بميلاد المسيح.

 

          قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: “ لنذهب الآن إلى بيت لحم” (لو15:2) فلنترك الهيكل المهجور ولنذهب إلى بيت لحم. “ وننظر هذا الأمر الواقع الذى أعلمنا به الرب” (لو15:2). وإذ كانوا منتبهين فهم لم يقولوا، لنذهب ونرى الطفل، أو لنذهب لنكتشف ما قد أعلنه الملاك لنا، بل قالوا لنذهب “ وننظر الأمر الواقع” (الكلمة).

 

          فى البدء كان الكلمة” (يو1:1) “ والكلمة صار جسدًا(يو14:1) الكلمة كائن دائمًا منذ البدء، فلننظر إذًا كيف صار من أجلنا. “ وننظر هذا الكلمة الذى صار، الذى صنعه الرب والذى أعلمنا به الرب” (لو15:2).

 

          بقدر هذا نفسه صار، إذ أن هذا الكلمة نفسه هو الرب، فلننظر إذًا كيف أن هذا الكلمة نفسه، الرب ذاته، جعل نفسه يظهر، وجعل جسده معروفًا لنا. ولأننا لا نقدر أن نراه، مادام هو الله الكلمة الذى لا يُرى، دعنا نرى جسده، لأنه جسد (يُرى)؛ دعنا نرى كيف أن الكلمة صار جسدًا.

 

          “ لذا فقد جاءوا مسرعين” (لو16:2). إن غيرة أرواحهم المتلهفة صارت أجنحة لأرجلهم؛ فلم يستطيعوا أن يمسكوا سرعتهم بسبب لهفتهم على رؤية الطفل، لذلك قال الإنجيلى: “ جاءوا مسرعين” (لو16:2) ووجدوا من يبحثون عنه، لأنهم ركضوا بحماس شديد.

 

          دعنا نرى ماذا وجدوا “ وجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا فى المذود” (لو16:2). إذا كانت مريم زوجة يوسف حقًا، لكان من الخطأ القول ” وجدوا الزوجة والزوج”، ولكن ذكر لنا الإنجيل المرأة أولاً ثم الرجل. فماذا قال الكتاب      “ وجدوا مريم ويوسف” وجدوا مريم الأم ويوسف الحارس   “ والطفل مضجعًا فى المذود“. ولما أبصروا فهموا ما قاله الملاك لهم عن الصبى.

 

          “ وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به فى قلبها” (لو19:2) ماذا تعنى كلمة “متفكرة” إنها تعنى بالتأكيد أن العذراء كانت تتأمل مليًا فى قلبها وفى أعماق نفسها وتفكر داخلها، فيما قد صنعه الرب.

 

          “ متفكرة به فى قلبها” لأنها كانت امرأة قديسة، وقرأت الكتب المقدسة وتعرف الأنبياء وتتذكر أن ما قاله الملاك جبرائيل لها هو نفس الأمور التى سبق وتنبأ بها الأنبياء. كانت تتأمل فى قلبها ما إذا كان الأنبياء قد سبق وأشاروا للكلمات: “ الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك، لذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يدعى ابن الله” (لو35:1). لقد قال الملاك جبرائيل للعذراء نبؤة إشعياء فى بشارته لها “ ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (إش14:7). لقد قرأت العذراء نبؤة إشعياء وسمعت بشارة الملاك لها.

 

          تطلعت العذراء إلى الطفل وهو مضجع أمامها؛ ونظرت الطفل وهو يبكى فى المذود، رأت العذراء هناك ابن الله، ابنها، ابنها الواحد والوحيد؛ وتطلعت إليه، وفى تأملها، كانت تقارن ما سمعته بما قرأت وبما أدركته هى نفسها. وحيث إن العذراء كانت تتأمل فى قلبها، فلنتأمل بالمثل، نحن فى قلوبنا إنه فى هذا اليوم وُلد المسيح. ولكن هناك البعض يعتقدون أن المسيح وُلد فى يوم “الابيفانيا”، بيد أننا لا ننتقد رأى الآخرين، ولكننا نتبع مسار نتائج دراستنا الخاصة. “ فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئًا بخلافه، فالله سيعلن لكم هذا أيضًا” (فى15:3) فمن يقول إن الله قد سبق ووُلِدَ فعلاً، ونحن نقول إن الله وُلد اليوم، فكلانا على حدٍ سواء نعبد ربًا واحدًا، ونعترف بطفل واحد. دعونا نستعرض بعض الحقائق القليلة، وذلك ليس لتوبيخ الآخرين ببراهيننا الخاصة، إنما لكى ندعم ونعزز موقفنا. نحن لا ننشر آراءنا الخاصة ولكننا نؤيد التقليد. فالرأى الشائع فى العالم يتعارض مع تفكير هذه المنطقة. قد يعترض أحد ويقول: “إن المسيح وُلد هنا، فهل أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن هذا المكان لهم دراية أكبر من أولئك الذين يعيشون فى بلد ميلاده؟ من أخبرك بهذا؟ إن أولئك الذين كانوا من تلك المقاطعة، هم بالطبع الرسولان بطرس وبولس وبقية التلاميذ. بذلك أنت قد رفضت التقليد؛ وأما نحن فقبلناه. فبطرس الذى كان هنا مع يوحنا، الذى عاش أيضًا هنا مع يعقوب، علّمنا أيضًا نحن الذين فى الغرب. فالرسل هم معلموك ومعلمونا.

 

          توجد هنا حقيقة أخرى، وهى أن اليهود كانوا يحكمون اليهودية فى ذلك الوقت، وعلاوة على ذلك يقص لنا أعمال الرسل هذه الحادثة “ وحدث فى ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى أورشليم فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل” (أع1:8). ذهبوا إلى قبرص وأنطاكيا، وانتشر اليهود الذين تشتتوا فى العالم كله. لقد كان اليهود يحكمون لمدة 42 سنة بعد صعود الرب، وكان هناك سلام فى كل مكان، ولكن هنا فقط توجد حرب. ولذا لقد كان من الممكن أن يُحفظ التقليد بسهولة فى الغرب أكثر من اليهودية حيث يوجد نزاع. وبعد 42 سنة، وصلت جيوش فيسبيان وتيطس، ودمروا أورشليم وخربوها (70 م)؛ وطردوا منها كل اليهود والمسيحيين. وحتى عصر هادريان ظلت أورشليم مقفرة؛ ولم يكن فى تلك المنطقة بأسرها يهودى واحد أو مسيحى واحد. ثم جاء هادريان وقام بتدمير ما بقى من المدينة، بسبب اندلاع ثورة أخرى لليهود فى الجليل. وبعد ذلك أصدر قانون بعدم السماح لأى يهودى أن يقترب من أورشليم. ثم أتى بمستوطنين من مقاطعات مختلفة ليقيموا فى أورشليم. وأذكر أن اسم هادريان هو أيليوس هادريان وبعد أن أخرب أورشليم أطلق على المدينة الجديدة اسم أيليا.

 

          لماذا أقول كل هذه الأمور؟ أقول هذا لأنهم يقولون لنا إن فى ذلك المكان عاش الرسل؛ وأقيم التقليد. ونحن نقول الآن إن المسيح وُلد اليوم؛ ووُلد ثانية فى الابيفانيا (عيد الظهور) وأنت يا من تدافع وتقول إن المسيح وُلد فى عيد الغطاس، فاثبت لنا الولادة والتجديد (إعادة الولادة). ومتى نال المسيح صبغة المعمودية، وإلا ستواجه النتيجة وهى أنه فى نفس اليوم وُلد وتجدد؟ فحتى الطبيعة تتفق مع رأينا؛ والعالم نفسه شاهدًا لرؤيتنا هذه. حتى هذا اليوم تزداد الظلمة على الأرض، أما منذ ذلك اليوم الذى وُلد فيه تتناقص الظلمة ويزداد النور، النهار يطول، ويتضاءل الإثم؛ يرتفع الحق. أما بالنسبة لنا، ففى هذا اليوم وُلد شمس البر. والخلاصة، خذ بعين الاعتبار نقطة أخرى؛ وهى أنه بين الرب ويوحنا هناك ستة أشهر، فإذا درست ميلاد يوحنا المعمدان بالنسبة إلى ميلاد المسيح، فإنك ستجد أن هناك ستة شهور بينهما.

 

          وبعد حديثنا هذا عن كثير من الأمور، وبعد سماعنا للطفل وهو يبكى فى المذود، وبعد أن كرمناه هناك، فلنستمر فى تكريمنا له اليوم. فلنحمله على أيدينا اليوم ونمجده كابن الله. الإله القدير الذى طالما أرعد فى السماء لوقت طويل جدًا ولم ينقذ الإنسان، نجده اليوم يبكى وكطفل رضيع يخلص الإنسان. فلماذا أقول كل هذه الأمور؟ لأن الكبرياء لا يجلب الخلاص أبدًا ولكن التواضع يصنع الخلاص. وطالما كان ابن الله كائنًا فى السماء، لم يعبده إنسان، ولكن لما نزل على الأرض صار معبودًا. ذلك الذى له تحت قدميه الشمس والقمر والملائكة، لم يُعبد على الأرض، لقد وُلد إنسانًا كاملاً، إنسانًا صحيحًا كاملاً، لكى يشفى العالم كله. أى عنصر من طبيعة الإنسان لا يتخذه لنفسه لا يقدر أن يخلصه. فلو أنه كان قد اتخذ الجسد فقط ولم يتخذ النفس أيضًا، لما كان قد خلّص النفس. فهل يخلص ما هو ذا قيمة أقل ولا يخلص ما هو أهم وأعظم؟ وإذا قالوا إنه خلّص النفس التى اتخذها، فخذ بعين الاعتبار كما أن النفس أسمى من الجسد هكذا بالمثل فإن العقل هو القوة الحاكمة فى النفس ذاتها. فلو أن المسيح لا يخلص العقل الإنسانى فلا يكون قد خلص النفس التى هى أقل. وأنت تجيب إنه لم يتخذ لنفسه عقلاً بشريًا لكى يكون قلبه حرًا من الرذائل الإنسانية والأفكار الشريرة والشهوات. أتعنى إذًا بذلك أنه لو كان لم يستطع أن يضبط ما خلقه هو فإنى يجب أن أعتبر نفسى بغير جدارة إن كنت لا استطيع أن أغلب ما كان ينبغى أن يغلبه هو.

 

          لقد نسينا ما عزمنا عليه وتكلمنا أكثر مما نقصد فى نفس الوقت. فالعقل خطط أنه يفعل شيئًا ما، ولكن اللسان فى حماسة انزلق وسبق العقل. فلنستعد الآن لكى نصغى بعناية إلى الأسقف ونخبئ باجتهاد فى قلوبنا ما سيقوله عن ما لم أتطرق إليه أنا، فلنبارك الله الذى له المجد إلى أبد الأبد آمين.

[1] أُلقيت فى 25 ديسمبر أمام الأسقف .

 

ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

 

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

 

مقدمة

          ألقى القديس غريغوريوس النيسى شقيق القديس باسيليوس الكبير هذه العظة على ميلاد المسيح في الاحتفال بعيد الميلاد الذي جاء موافقًا ليوم 25 ديسمبر سنة 386م. ويقول البروفيسور جوهانز كواستن عالِم الآباء الشهير في مجلده الثالث لعلم الآباء Patrology III أن هذه العظة لها أهمية كبيرة جدًا من جهة تاريخ تعييد عيد الميلاد.

 

         ورغم أن أحد الباحثين الحديثين أنكر نسبتها إلى ق. غريغوريوس إلاّ أن غالبية علماء الآباء يؤكدون أصالتها ونسبتها إليه. الأصل اليونانى لهذه العظة موجود بالمجلد رقم 46 مجموعة مينى Migne اليونانية (P.G 46, 1128-1149).

 

         من جهة حياة القديس غريغوريوس النيسى وكتاباته نرجو الرجوع إلى مقدمة كتاب “قيامة الجسد” لنفس القديس والذي نشره المركز في أبريل سنة 2004.

         فليبارك الله في هذه العظة في احتفالنا بميلاد مخلّصنا الحبيب لبنيان كنيسته بشفاعة العذراء والدة الإله وصلوات الآباء القديسين والقديس غريغوريوس النيسى وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث والآباء المطارنة والأساقفة ولإلهنا الثالوث القدوس كل المجد والسجود والتسبيح الآن وإلى الأبد آمين.

 

4 ديسمبر 2004م

25 هاتور 1721ش

شهادة القديس

مرقوريوس أبو سيفين

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

 

 

 

ميلاد المسيح

للقديس غريغوريوس النيسى

 

          يقول داود النبى ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق ليوم عيدنا المبهج[1]. إن الوصايا الخاصة بتعليم الملهم من الله (داود النبى) هى على أية حال، قانون لكل من يسمع. إذًا فلأن يوم احتفالنا المفرح قد أتى، فيجب علىّ أنا أيضًا أن أطبق هذا القانون، وأصير نافخًا بالبوق لهذا اليوم المقدس. إن بوق الناموس كما يشير الرسول بولس هو الكلمة. لأنه يقول لا ينبغى أن يكون صوت البوق غير واضح[2]. بل يجب أن تكون الأصوات مميزة، لكى تكون واضحة لكل مَن يسمعها. إذًا لندع نحن أيضًا أيها الاخوة صوتًا بهيًا يُسمع في الأفق البعيد، وهو ليس بأقل أبدًا من صوت البوق القرنى. يرجع ذلك أيضًا لأن الناموس الذي سبق ورسم الحقيقة من خلال رموز وظلال، شرّع أمرًا بإطلاق صوت الأبواق في يوم عيد المظال[3]. وموضوع هذا الاحتفال (أى الاحتفال بميلاد المسيح) هو سر عيد المظال الحقيقي. في هذا الاحتفال اتحدت الخيمة البشرية بذاك الذي لأجلنا لبس الجسد الإنسانى. وأجسادنا التي تتحلل بالموت تعود مرة أخرى إلى حالتها، بواسطة ذاك الذي أقام مسكننا منذ البداية. لنُردد نحن أيضًا كلام المزمور متهللين معًا، بصوت داود العظيم ” مبارك الآتى باسم الرب[4].

          وكيف يأتى؟ بالطبع ليس كما بسفينة أو بعربة، لكنه عبر إلى الحياة الإنسانية ووهبها حياة نقية بلا فساد. ” الرب هو الله وقد أنار لنا. أوثقوا الذبيحة يُربط إلى قرون المذبح[5].

          وعلى أية حال نحن لا نجهل أيها الاخوة، السر المختفي في هذه الكلمات، أن كل الكون هو مسكن لخالق الكون. عندما دخلت الخطية، أُغلقت أفواه أولئك الذين سادت عليهم، وصمت صوت الفرح، وتوقفت الترنيمة اللائقة بالاحتفالات، طالما أن الجنس البشرى لم يحتفل مع القوات السمائية، ولهذا أتت أبواق الأنبياء والرسل، والتي دعاها الناموس (قرنيات)، لأنها تصنع من القرن الحقيقي لحيوان وحيد القرن. هذه الأبواق بُوّقت بكلمة الحقيقة بقوة الروح، حتى ينفتح السمع الموصود بالخطية، ويقام احتفال لائق، هذا الذي من خلال الإعداد أو التهيئة لمظلة الكون كله، يمكن للمحتفلين فيه أن يعزفوا أو يرنموا معًا، بالاشتراك مع القوات السمائية التي تقف حول المذبح السمائى. لأن قرون المذبح العقلى هى القوات الفائقة والمتميزة للطبيعة العاقلة، رئاسات، وسلطات، وعروش، وربوبيات. هذه القوات تشترك في بهجة هذا الاحتفال بانضمامها إلى الطبيعة الإنسانية في ثوبها الجديد، الذي تجدد بتغيير الأجساد في القيامة. لأن كلمة (puk£zomai) تعنى أتجمل أو أرتدى شيئًا جديدًا، كما يفسرها كل من يعرف هذه الأشياء. إذًا هلم ننهض أنفسنا للنشوة الروحية، ولنضع داود في بداية الخورس كقائد وقمة هذا الخورس الخاص بنا، ولنقل معًا تلك الآية العذبة الإيقاع، التي صلينا بها منذ قليل، لنكررها مرة أخرى ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه[6]. في هذا اليوم يبدأ الظلام في التراجع وينحصر ذلك الليل الممتد أمام النور الغامر انحصارا دائمًا. إن هذا التدبير المتعلق بهذا الاحتفال، حيث تستعلن الحياة الإلهية داخل الحياة الإنسانية في هذه اللحظة، لا يكون من قبيل المصادفة يا اخوتى ولا هو أمر تلقائى، أن الكون بكل ما فيه من ظواهر يروى سرًا لأكثر الناس فطنة، وكأنه يصرخ ويقول لذاك الذي يمكن أن يسمع ما يريد أن يقول له في هذا اليوم الذي تعظّم بمجيء الرب، إذ الليل قد انقطعت أوصاله أو بُتر. وأنا أعتقد أننى أسمع الكون يروى شيئًا مثل هذا. أيها الإنسان، وأنت ترى كل هذا، فلتفكر في الأمر المختفي الذي تُعلنه لك تلك الظواهر الكونية. أرأيتم الليل (ليل الخطية) الذي تمادى حتى أحلك فترات ظلامه، لقد توقف هناك عن المضى، وبدأ مرة أخرى في التراجع؟ ضع في اعتبارك أن ليل الخطية الردئ لم يعد قادرًا اليوم على المضى قدمًا، ذلك بعد أن بلغ مداه في الاتساع، ووصل إلى أقصى درجات الشر، من خلال ابتداع جميع أنواع الشرور، التي ستضطر من الآن فصاعدًا، إلى الانكماش والاختفاء.

 

لماذا لم يظهر الرب متجسدًا منذ البداية؟

          أرأيت أن إشراقه النور، تمتد أكثر، وأن الشمس تشرق بصورة تفوق المعتاد؟ فكر في استعلان النور الحقيقي، الذي يُنير بأشعة البشارة كل المسكونة. وحيث إن الرب لم يستعلن من البداية، لكنه في هذه الأزمنة الأخيرة منح الإنسانية إعلان ألوهيته، فإن ذلك قد يجعل المرء يفكر منطقيًا في هذا السبب، وهو أن ذاك الذي كان ينبغى أن ينزل إلى داخل الحياة الإنسانية، للقضاء على الخطية، كان يجب عليه أن ينتظر بالضرورة حتى يكتمل نبت الخطية التي زرعها العدو، وحينئذٍ دعا إلى وضع الفأس على أصل الشجرة كما يقول الإنجيل[7]. فالأطباء المتميزون في عملهم، لا يقدمون للمريض أى مساعدة من خلال الأطعمة حتى عندما يزداد ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى الحد الأقصى. أما عندما تختفي أعراض المرض وتتضح مسبباته فيبدأ الأطباء في ممارسة عملهم، ورويدًا رويدًا يتشدد المريض ويتعافى من مسببات المرض التي تبدأ في التراجع. هكذا المسيح أيضًا، ذاك الذي يداوى جميع الذين أصاب المرض نفوسهم، فقد انتظر حتى تظهر جميع علل الشر الذي أسر طبيعة البشر، حتى لا يبقى أى شر من الشرور ـ التي كانت مختبئة بلا شفاء ـ وإلاّ فكان سيعالج فقط المرض الظاهر. إن الإنسانية لم تكن قد فسدت بالكامل وسقطت في شرورها حتى في زمن نوح ولذلك فلو كان الرب قد ظهر في تلك الفترة لما كان قد شفى الإنسانية بالكامل، ذلك لأن نبتة شرور سدوم لم تكن قد نبتت بعد. ولم يُستعلن الرب أيضًا في زمن هلاك سدوم، لأن شرور كثيرة كانت لازالت مختبئة داخل الطبيعة الإنسانية. حقًا فأين كان فرعون المقاوم لله؟ أين كانت شرور المصريين الغير المروضة أو التي لم تُقمع؟

          وأيضًا لم تكن هذه اللحظة وأقصد زمن شرور المصريين هى اللحظة المناسبة لإصلاح كل شئ، أن يتحد الكلمة بحياتنا، بل كان لابد أن تظهر شرور الإسرائيليين. وأيضًا كان يجب أن تستعلن وتظهر إلى الوجود مملكة الأشوريين، وتباهى نبوخذ نصر الذي كان يشتعل خفية. كان ينبغى أن يسقط ـ مثل شئ خبيث ـ ذلك الخداع المؤدى لقتل الأبرار، وأن تسقط كل أشواك النبات، من جذرها الشيطانى. كان ينبغى أن يشتد نباح اليهود ضد قديسى الله، هؤلاء الذين قتلوا الأنبياء، ورجموا المرسلين، وأخيرًا ارتكبوا جريمة حمقاء حيث قتلوا زكريا بين الهيكل والمذبح[8]. ثم تُضاف إلى هذه القائمة، الجرائم والقتل الذي ارتكبه هيرودس ضد أطفال بيت لحم. إذًا فبعد أن استعلنت كل قوة الشر بكل جذرها الخبيث وازدادت الوقاحة في رغبات الغنوسيين الشريرة والمتنوعة والممتدة في كل جيل، عندئذٍ، كما يقول الرسول بولس لأهل أثينا، تغاضى الله عن أزمنة الجهل، وأتى في أواخر الأيام[9]، عندما لم يكن هناك أحد لديه معرفة، أو لديه رغبة البحث عن الله. فعندما فسد الجميع ورجسوا[10]، عندما انتشر الشر في كل مكان[11] وكثر الظلم، عندما بلغت ظلمة الخطية أقصى حد لها، عندئذٍ استعلنت النعمة. وهنا أشرقت أشعة النور الحقيقي علينا، وأشرق شمس البر على الجالسين في الظلام وفي ظلال الموت[12]، وقتها قصف رؤوس كثيرة للتنين، مُسقطًا إياه بقدمه، وسحقه وطرحه أرضًا. ولا ينبغى لأحد وهو ينظر إلى الشرور الحالية، أن يعتقد أن الكلام الذي يقول، إن الرب في أواخر الأزمنة أشرق كالشمس في حياتنا، هو كلام كاذب.

 

 

بماذا نفسر عمل الشيطان بعد مجيء الرب؟

          ربما سيقول المعترض على هذا الكلام، إن ذاك الذي انتظر طوال هذه الفترة حتى يُستعلن الشر ويزداد، ثم ينتزعه من جذوره، من الطبيعى له أن يقضى عليه كليةً، وألا يبقى له أى بقية في حياتنا. إلاّ أنه لا يزال القتل يُرتكب بجرأة وأيضًا السرقة والزنا بل وأسوأ الجرائم. غير أن شكوك مَن يقول هذا الكلام يمكن أن تتبدد بمثال من الأمثلة المعروفة. فمثلاً عندما نقتل ثعبانًا، فإننا نرى أنه لا يموت كليةً عندما يموت رأسه، فبينما يموت الرأس، يظل باقي الجسد حيًا ويعلن عن غضبه، دون أن تنقصه القوة، هكذا صنع ذاك الذي قتل التنين. فإن الله سحق رأس التنين عندما نمى الوحش وتضخم في كل الأجيال، بمعنى أنه سحق القوة المبطلة للصلاح والتي لها رؤوس كثيرة، ولكنه لم يتكلم بعد عن باقي الجسد، وسمح أن تبقى الحركة في الوحش الميت، كدافع للأجيال القادمة لممارسة الفضيلة. فما هى الرأس التي سحقت؟ هو هذا الذي أحضر الموت إلى البشر، بواسطة مشورته الشريرة، والذي بلدغته، قطّر في الإنسان سمه المميت.

          إذًا فالرب قد نقض سلطان الموت، وسحق قوة رأس الحية، كما يقول النبى، أما باقي جسد الوحش فلا يزال منثورًا داخل حياة الإنسان ويجعل حياتنا باستمرار مُجمدة، ببثور الخطية، على قدر ما يتواجد الإنسان داخل مجالات الشر. إن قوته بالطبع هى بعد ميتة، بعد أن صار الرأس بلا نفع. ولكن عندما يعبر أو يمر الزمن وتتوقف الأجزاء المتحركة عن الحركة عند نهاية هذه الحياة، عندئذٍ يبطل وينتهى الذيل وآخر جزء للعدو، وهذا هو الموت. وهكذا سيتم الاختفاء التام للشر، طالما أن الجميع سيدعون إلى الحياة بالقيامة من الموت. الأبرار سينتقلون إلى الحياة السمائية الطوباوية، بينما الخطاة الأشرار سيُسلمون إلى جهنم.

 

بشارة فرح يوم الميلاد:

          لنعد إلى فرح اليوم الذي بشر به الملائكة الرعاة، والتي أخبرت به السموات المجوس، هذا اليوم الذي يعلو فيه صوت النبوة الذي يُنادى بأمور كثيرة ومختلفة، حتى أن المجوس صاروا مبشرين لعهد النعمة. لأن ذاك الذي يُشرق شمسه على الأبرار والظالمين، والذي يُمطر على الصالحين والطالحين، حمل نور المعرفة وندى الروح، إلى الأفواه الغريبة أيضًا، حتى أن مع شهادة المتضادات أو المتقابلات، تصير الحقيقة لدينا مؤكدة. اسمع بلعام المنجّم وهو يُبشر الأجناس الأخرى بإلهام فائق قائلاً: ” يبرز كوكب من يعقوب[13]. رأيت المجوس الذين انسحبوا من بنى جنسهم، وتبعوا النجم الجديد في المشرق بحسب نبؤة أجدادهم، ذلك النجم الذى يختلف وحده عن طبيعة بقية النجوم، والذي تحرك وتوقف، بحسب ما يريد هو، فتارة يريد شيئًا وتارة أخرى يريد شيئًا آخر. بينما بالنسبة للنجوم الأخرى هناك مجموعة منها موضوعة في فلك غير سيّار، في وضع ثابت، والنجوم الأخرى لا تتوقف إطلاقًا عن الحركة، هذا النجم تحرك وقاد المجوس، وتوقف حيث أشار إلى المكان (حيث كان الصبى) اسمع إشعياء وهو يصرخ قائلاً: “ لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا[14].

 

العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء:

فلتعرف من النبى نفسه، كيف وُلد الولد وكيف نُعطى ابنًا. ترى، هل ولد حسب الناموس الطبيعى؟ يُجيب إشعياء النبى بالنفي. فخالق الطبيعة لا يصير عبدًا لها. أخبرنى إذًا كيف ولد الولد. ها هو يقول ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل[15]. يا للعجب ما هذه المعجزة! العذراء تصير أمًا وتبقى عذراء.

          أرأيت تجديد الطبيعة. فبالنسبة للنساء الأخريات، مَن هى عذراء، لا تعتبر أمًا، أما عندما تصير أمًا فإنها لا تحمل بعد صفة عذراء. إلاّ أن الصفتين هنا (أى في حالة العذراء مريم) تتفقان وتلتقيان. هى نفسها أم وعذراء، فلا البتولية أعاقت الميلاد، ولا الميلاد أبطل البتولية. كان ينبغى لذاك الذي أتى إلى حياة الإنسان، لكى يجعل الجميع بلا فساد أو لكى يُطهر الجميع، أن يبدأ بتطهير أو تنقية تلك التي خدمت ميلاده. العادة لدى البشر أن يدعوا تلك التي ليست لها خبرة الزواج “بالعفيفة”.

 

العليقة والعذراء:

هذا هو ما يبدو لى، قد فهمه أولاً موسى العظيم، بالظهور الإلهى الذي حدث له في العليقة المشتعلة عندما اشتعلت فيها النار ولم تحترق. لأنه قال: ” أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم[16]. أعتقد أنه لا يُعلن بكلمة “أميل” عن حركة مكانية، بل يعنى بها عبور الزمن. بمعنى أن هذا الذي اُستعلن آنذاك في هذه المعجزة من خلال النار والعليقة، بعدما عبر الزمن المتوسط، ظهر هذا السر بوضوح في العذراء. فكما أن العليقة كانت مشتعلة آنذاك إلاّ أنها لم تحترق، هكذا هنا أيضًا العذراء تلد النور، لكنها لا تُصاب بأى ضرر.

          الآن إن كانت العليقة هى انعكاس لجسد العذراء، فلا تخجل أو تستحى لأجل هذا اللغز. لأن كل جسد يتقبل الخطية، هو خطية بالضبط من حيث أنه هو جسد فقط[17]، إذ الخطية في الكتاب تأخذ اسم الشوكة.

 

ولادة يوحنا المعمدان قبل ميلاد المسيح وشهادة زكريا:

والآن قد يكون الوقت قد حان لنُشير إلى زكريا الذي قُتل بين الهيكل والمذبح، كشاهد للأم العفيفة أو النقية. فزكريا كان كاهنًا، وليس فقط كاهنًا، لكنه كان يحمل موهبة النبوة[18]، التي أُعلنت قوتها في الإنجيل. فعندما أعدت النعمة الإلهية الناس لكى لا يعتبروا ولادة العذراء للكلمة أمرًا مستحيلاً، فقد هيئ لقبول هذا الأمر لدى غير المؤمنين بواسطة معجزات قليلة، مثلما حدث على سبيل المثال مع العاقر المسنة التي أنجبت ولدًا (أليصابات). وكان ذلك مقدمة لمعجزة العذراء (أن العذراء تلد). وكما أن أليصابات لم تَصْر أمًا بقوتها الطبيعية إذ أنها كانت قد بلغت سن الشيخوخة دون أن تنجب ولدًا، فإن ولادة الولد تُنسب إلى الإرادة الإلهية، هكذا فإن ألم البطن العذراوية التي لا تُصدق صارت مُصدقة بالإشارة إلى التدبير الإلهى.

          إذًا فلأن الولد الذي أتى من العاقر سبق ذاك الذي أتى من العذراء، هذا الابن الذي ارتكض بابتهاج في بطن أمه حين سمعت صوت تلك التي حملت الرب في أحشائها، فقد إنفك آنذاك صمت زكريا بواسطة الإلهام النبوى عندما وُلد السابق للكلمة. وكل ما قاله زكريا شكّل نبوءة للمستقبل. إذًا فذاك الذي قاده الروح النبوى لمعرفة الأمور المخفية، قد فهم سر البتولية في الميلاد الذي بلا فساد، لم يعزلها أو يفرز الأم البتول وهى داخل الهيكل، من المكان المُعد سابقًا للعذارى من قبل الناموس، أراد أن يُعلّم اليهود بأن خالق الكل وملك الكون، بالإضافة لكل الأمور الأخرى، قد وضع على نفسه التزامًا تجاه الطبيعة الإنسانية ليوجهها وفق إرادته، وكما يرتأى له، ولا تسود عليه هذه الطبيعة، إذ أن في سلطانه وفي قدرته أن يخلق ميلادًا جديدًا. هذا الميلاد لن ينزع عن تلك التي صارت أمًا صفة البتولية أى أنها تبقى عذراء. ولهذا لم يفرزها أو يعزلها داخل الهيكل من مكان سكنى العذارى. وهذا المكان، كان هو الموضع بين الهيكل والمذبح. إذًا لأنهم سمعوا (أى اليهود) أن ملك الكون سيولد كإنسان بحسب التدبير، قتلوا ذاك الذي أعطى الشهادة (أى زكريا) لهذا الميلاد، الكاهن الذي كهن بالقرب من نفس المذبح[19]، بسبب الخوف من أن يصيروا عبيدًا لملك. لقد ابتعدنا عن موضوعنا قليلاً، بينما كان ينبغى لحديثنا أن يتوجه نحو بيت لحم حيث بشارة الفرح. لو أننا بالحق رعاة حقيقيون مُتيقظون ونسهر من أجل خدمة رعيتنا، فحينئذٍ سيكون صوت الملائكة الذي بشّر بهذا الفرح العظيم مُوجه لنا[20].

 

تسبيح الملائكة:

          إذًا لنرفع نظرنا إلى الجند السمائى، لننظر خورس الملائكة، ولنسمع تسبيحهم الإلهى. وما هو تسبيح المحتفلين؟ هو أن يصرخوا “ المجد لله في الأعالى“. ولماذا تُسبّح الملائكة الله الذي تراه في سموه؟ لأنهم يقولون إن السلام قد حلّ على الأرض. قد صاروا ممتلئين بالفرح لأنهم رأوا ” على الأرض السلام“. هذه الأرض التي لُعنت سابقًا، التي أنبتت شوكًا وحسكًا، التي صارت مكانًا للتشاحن والنزاع وموضعًا لنفي المحكوم عليهم، هذه الأرض استقبلت السلام. يا للعجب ما هذه المعجزة! ” الحق من الأرض نبت والبر من السماء يطلع[21]. إن هذا الثمر قد أثمرته أرض البشر. وهذا قد حدث لكى تستعلن الإرادة الصالحة تجاه البشر، الله اتحد بالطبيعة الإنسانية، لكى يسمو الإنسان إلى سمو الله. وإذ نسمع هذه الأمور لنذهب إلى بيت لحم، ولنرَ هذا المشهد الجديد، كيف تفرح العذراء لأجل هذا الميلاد، كيف أن تلك التي ليس لها علاقة بالزواج، هى الآن ترعى الطفل المولود. أولاً من تكون هذه، ومن أي مصدر سنسمع عن الأمور المتعلقة بها، ومن سيرويها لنا.

 

قصة عن نشأة مريم العذراء:

          سمعت قصة منحولة تروى الآتى: والد العذراء كان معروفًًا بحياته الصارمة وفقًا للناموس، ومعروفًا بفضائله. ووصل إلى مرحلة الشيخوخة دون أن ينجب ولدًا، لأن إمرأته لم تكن في وضع يسمح لها بالولادة. والناموس كان يُكرّم الأمهات، وهذا التكريم لم تكن العاقرات يحظين به. هذه المرأة سارت في خُطى أم صموئيل كما تحكيها الروايات. تدخل إلى قدس الأقداس، تتضرع إلى الله، ألا تفقد بركات الناموس، دون أن تكون قد خالفت الناموس أبدًا، بل أن تصير أمًا وتكرس ابنها لله. تشددت وتقوت بالعلاقة الإلهية وأخذت النعمة التي طلبتها. وعندما ولدت الطفلة سمتها مريم، لكى تُعلن بهذا الاسم أنها كانت عطية إلهية. عندما كبرت مريم قليلاً بحيث لم تعد تحتاج إلى رضاعة، سلمتها أمها على الفور لله، لكى تفي بوعدها، وأودعتها الهيكل. وتعهد الكهنة مريم داخل الهيكل، كما كان صموئيل، وعندما كبرت فكروا فيما ينبغي أن يفعلوه بهذا الجسد المقدس حتى لا يخطئوا إلى الله، بأن يلزموها أو يقيدوها بالناموس الطبيعى، وأن يخضعوها عن طريق الزواج، لذاك الذي سوف يأخذها، إلاّ أن هذا سيكون أمرًا غير مقبول على الإطلاق. لأنه كون إنسان ما يصير سيدًا على إنسانة نُذرت لله فهذا يُعد تدنيسًا للمقدسات، إذ أن النواميس حددت أن الرجل هو سيد المرأة. غير أنه بالنسبة للكهنة لم يكن الشرع يسمح بأن تعيش امرأة معهم داخل الهيكل أو تخالطهم، وأن يرونها في المقدسات، ولكن التقوى أو الورع لم يغب عن هذا الأمر بجملته. وبينما هم يُفكرون فيما ينبغى أن يُقرروه تجاه هذه الأمور، أتاهم إرشاد من الله أن يُعطونها لشخص،على أن تكون مخطوبة له، أما هذا الإنسان فيجب أن يكون لائقًا بالمحافظة على بتوليتها. وجدوا أن ما طلبوه كان يتوفر في يوسف، من نفس سبط العذراء، وخُطبت مريم حسب نصيحة الكهنة. وظلت العلاقة في إطار الخطوبة. عندئذٍ استقبلت مريم البشارة السرية من جبرائيل.

 

سلام لك أيتها الممتلئة نعمة:

وكلام البشارة كان يحمل بركة “سلام” يقول: ” سلام لك أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك[22]. والكلام للعذراء الآن هو عكس الكلام الذي قيل لحواء. فحواء أُدينت لأجل خطيتها بالألم والوجع في الولادة[23]، بينما في حالة العذراء فقد طرد الفرح الحزن. بالنسبة لحواء سبقت الأحزان ألم الولادة، أما في حالة العذراء فإن الفرح يُبعد الألم. يقول لها الملاك “لا تخافي” لأن انتظار الألم يُثير الخوف بالنسبة لأية امرأة، كما أن الوعد بأن يكون ألم المخاض سهلاً، يطرد الخوف. قال لها “ها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع” وسيخلّص شعبه من خطاياه. وبماذا أجابت مريم؟ اسمع كلام العذراء الطاهرة النقية. الملاك بشرها بالولادة وهى قد ثبتت على بتوليتها، مُقررة أنه أمر أفضل لها أن تبقى عذراء نقية، لكنها لم تظهر شك تجاه بشارة الملاك، ولا المعرفة قد غابت عنها. وقالت إنها لم تعرف رجلاً    ” كيف يكون لى هذا وأنا لست أعرف رجلاً“.

          كلام مريم هذا هو يعد دليلاً لأولئك الذين حكوا القصة المنحولة، لأنه لو أن يوسف كان قد تزوجها، فكيف تفاجأ أو تدهش عندما يخبرها الملاك بالميلاد، مادام كان من المنتظر أن تصبح مريم أمًا في وقت ما بحسب الناموس الطبيعى؟ ولكن لأن الجسد الذي خصص لله، كان ينبغى أن يُحفظ دون أن يمسه شئ، مثل نذر مقدس لله، فإن لسان حالها كما لو كان قد قال لجبرائيل: حتى ولو كنت ملاك، وحتى ولو أتيت من السماء، وأن ما أراه لا ينتمى إلى عالم الإنسان، إلاّ أننى لم أعرف رجلاً لأن هذا مستحيل. وكيف سأصبح أمًا بدون معرفة رجل؟ أما يوسف فقد عرفته كخطيب، وليس كرجل.

الروح القدس يحلّ عليك وقوة العلى تظلّلك:

فماذا قال جبرائيل؟ وأية غرفة عرس سيقدم لهذا الزواج النقي؟ “الروح” يقول الملاك “ الروح القدس يحل عليك وقوة العلىّ تُظللك“. آه أيتها الأحشاء الطوباوية التي جذبت الخيرات الكثيرة للنفس الإنسانية بسبب تلك النقاوة الوفيرة. إن النفس النقية هى فقط التي يمكنها أن تقبل حضور الروح القدس بالنسبة لسائر البشر الآخرين، أما هنا (في حالة العذراء)، فالجسد صار إناء للروح القدس. “قوة العلى تظللك” ماذا يعنى هذا الكلام السرى؟ يعنى أن “المسيح هو قوة الله وحكمة الله”[24] كما يقول الرسول بولس. إذًا فقوة الله العلى، الذي هو المسيح يكوّن جسدًا لنفسه في بطن العذراء بحلول الروح القدس عليها. بمعنى أنه كما أن ظل الأجسام يأخذ شكل الجسم الذي يسبق، هكذا فإن ملامح وصفات ألوهية الابن ستُستعلن في حينها، ستظهر في قدرته عندما يولد، فالصورة والختم والظل وبهاء المصدر سيُستعلن بأعمال معجزية.

 

نعود لنراقب أسرار المذود:

          غير أن الخبر المفرح الذي حمله الملاك، يحثنا على أن نعود إلى بيت لحم ونرصد أو نراقب أسرار المذود. وما هو هذا السر؟ هو أن هناك طفلاً مُقمطًا في لفائف، مُضطجعًا في هدوء وراحة داخل المذود، والعذراء التي ظلت عذراء حتى بعد الولادة، تلك الأم العفيفة، ترعى طفلها. ولنردد نحن مع الرعاة كلام النبى “ كما سمعنا هكذا رأينا في مدينة رب الجنود في مدينة إلهنا[25]. هل حدثت هذه الأحداث مصادفةً، كما هى هكذا وصارت تُروى عن المسيح، أم أن للقصة بعدًا آخرًا؟ ما المعنى بالنسبة للكلمة من حيث أن أخذ المغارة مأوى له، واضطجع في مذود، ودخل الحياة الإنسانية وخاصةً في الوقت الذي تتم فيه عملية تعداد للسكان بهدف جمع الضرائب؟ صار واضحًا أنه كما حررنا من لعنة الناموس بأن صار هو نفسه لعنة لأجلنا[26]، وحمل على نفسه جراحاتنا، لكى نُشفى نحن بجراحاته[27]، هكذا حدث مع الدين الذي كان علينا، لكى يحررنا من قيود الخطية التي قيدت الجنس البشرى، الذي كان مُدانًا بالموت. ولكنه عندما تتطلع نحو المغارة حيث ولد المسيح، ضع في ذهنك شكل الحياة المظلمة التي كان البشر يحيون فيها، تلك التي كانت في القباء أو السراديب، حتى جاء ذاك الذي ظهر للسالكين في الظلمة والجالسين في ظلال الموت[28]. ذاك الذي حمل أرتال خطايانا، قمط جيدًا في لفائف. إن المذود حيث ولد الكلمة، هو اسطبل للحيوانات غير العاقلة، حيث يعرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه[29]. الثور هو ذاك الخاضع لنير الناموس، بينما الحمار هو ذلك الحيوان الذي يحمل وينقل الأشياء، ذلك المحمّل بخطايا العبادة الوثنية.

          وبالطبع فإن أنسب طعام وحياه بالنسبة للحيوانات هو العشب الأخضر “المنبت عشبًا للبهائم”[30]، هكذا يقول النبى، بينما الحيوان العاقل يأكل الخبز ولهذا فإن خبز الحياة الذي نزل من السماء، وُضع في المذود، والذي هو مأوى الحيوانات غير العاقلة، لكى يتناول الغير العاقلين طعام عقلى ويصيروا عاقلين أو حكماء. إذًا فقد صار الرب داخل المذود بين الثور والحمار (أى بين اليهود والأمم) وسيطًا للاثنين، لكى ينقض حائط السياج المتوسط أى العداوة، ويخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا[31]، مُبطلاً النير الثقيل للناموس، ومُبطلاً نير ناموس الأمم أيضًا مُحررًا إياهم من ثقل العبادة الوثنية. لنرفع أعيننا نحو العجائب السمائية، لأنه ليس أنبياء وملائكة فقط قد أخبرونا بهذا الخبر المفرح، بل السموات أيضًا بمعجزاتها تُرنم ترنيمة المجد من أجل هذه البشارة المفرحة.

 

بين اليهود والمجوس:

المسيح طلع من سبط يهوذا لأجلنا[32] كما يقول الرسول بولس، أما اليهود فلم يستنيروا بذلك الذي أشرق عليهم. لم يكن للمجوس صلة أو علاقة بعهود الموعد، وكانوا غرباء عن بركة الآباء، لكنهم سبقوا الشعب الإسرائيلى في المعرفة وعرفوا دلالة النجم السمائى، ولم يجهلوا طبيعة الملك الذي كان في المذود. لقد حمل المجوس معهم هدايا، بينما هؤلاء (أى اليهود) تآمروا عليه. المجوس سجدوا له، بينما الآخرون طاردوه. المجوس فرحوا عندما وجدوا ذاك الذي كانوا يبحثون عنه. والآخرون اضطربوا عند ولادة ذاك الذي تنبأ عنه الأنبياء. لأن متى البشير يقول ” حتى جاء ووقف حيث كان الصبى. فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا[33] بينما هيرودس لما سمع “ اضطرب وجميع أورشليم معه[34]. المجوس قدموا له لبانًا كما لإله، كرموه بذهب، إشارة إلى المقام الملوكى، والألم الذي ينتظره بحسب التدبير، أعلنوا عنه بالمر، وفقًا للنبوات. بينما الآخرون حكموا عليه بالإعدام طوال فترة طفولته، وهو الأمر الذي لأجله، قد أدانهم كما يبدو لى أنه، لا بسبب قساوتهم فقط، بل من أجل حماقتهم أيضًا.

 

قتل أطفال بيت لحم:

فلأى سبب حدث قتل الأطفال (أطفال بيت لحم)؟ ما الهدف الذي لأجله تجرأوا على ارتكاب تلك الجريمة الحمقاء؟ لأن الإنجيل يُخبرنا بأن ظاهرة سمائية معجزية جعلت المجوس يدعون المولود ملكًا “أين هو المولود ملك اليهود”. ماذا إذًا؟ ألا تؤمن أن العلامة التي أخبرت عن مكان ولادة المسيح هى علامة حقيقية، أم أنك تعتبر أن كل ما قيل لا صحة له؟ فإن كان قد جعل السموات تخضع، فإن هذا لا يُعد البتة أمرًا يفوق قدرتك وفهمك، فإن كان قد أعطاك سلطانًا على حياته (على الأرض) وموته، فإن الخوف منه لا مُبرر له. لأن ذاك الذي سلك أو تصرّف هكذا حتى يكون خاضعًا لسلطانك، لأى سبب يتآمرون عليه؟ لماذا صدر هذا الأمر الشنيع، هذا القرار البشع ضد أطفال بيت لحم، بأن يُعدم الأطفال المولودون حديثًا؟ أى ظلم اقترفوا؟ أى سبب قد أعطوا لكى يرتكب الموت أو العقاب في حقهم؟ جريمتهم الوحيدة، هى أنهم ولدوا ورأوا النور. ولهذا كان يجب أن تمتلئ المدينة بالجلادين وأن يجتمع حشد من الأمهات والرضع، وجمع من الأقارب قد أتى لكى يقفوا إلى جوارهم ويشددهم، وهو أمر طبيعى أن يأتى هذا الجمع ليساندوا الوالدين في هذه الكارثة. مَن يستطيع أن يصف هذه المصائب؟ مَن يستطيع أن يروى لنا هذه الحالة المأساوية ويضعها أمام أعيننا؟ مَن يمكنه أن يصف هذه المشاعر الحزينة المختلطة، والمناحة التي حدثت بسبب قتل الأطفال، وموقف الأمهات والأقارب والآباء المستحقين للشفقة وهم يصرخون أمام تهديد الجلادين؟ كيف يمكن للمرء أن يرسم صورة للجلاد وهو يقف بالقرب من الرضيع ويحمل سيفه مستلاً من جرابه، بنظرة مملوءة شرًا وقتلاً ويسحب الطفل نحوه بيد، وباليد الأخرى يرفع السيف ليهوى به على عنقه، بينما من الجهة الأخرى نرى الأم وهى تجذب طفلها نحوها، وتضع عنقها هى تحت سيف الجلاد بدلاً من طفلها، لكى لا ترى يد الجلاد وهى تقتل طفلها أمام عينيها؟

          أيضًا كيف يمكن للمرء أن يقص أو يروى الاختبارات التي جازها الآباء؟ نداء أبنائهم المرتفع بالصراخ، واحتضانهم لأبنائهم بشدة، وأشياء أخرى مثل هذه فعلوها معًا؟ مَن يستطيع أن يصف لنا هذه النكبة كثيرة الأبعاد، وآلام المخاض المضاعفة للأمهات اللاتى ولدن للتو، والطبيعة المكتوية بالآلام؟ كيف كان الطفل التعس ملتصق بثدى أمه، وكيف استقبل في أحشائه الضربة المميتة؟ كيف يمكن وصف الأم الحزينة وهى تعطى ثديها للطفل، وابنها يُسفك دمه وهو على صدرها؟ ومرات كثيرة عندما كان الجلاد يهوى بسيفه على الطفل، كان السيف يُصيب الأم مع طفلها، ويصنع الدم مجرى له من جرّاء إصابة الأم وجرح الطفل المميت. وكان الأمر الأحمق الذي أصدره هيرودس هو ألا يطبق قرار القتل على الأطفال المولودين حديثًا فقط، بل والأطفال من سن عامين[35]، (لأنه كُتب من سن عامين فيما دون)، كارثة أخرى يريد أن يُركز عليها النص الإنجيلى، لأن كما هو معروف، مرات كثيرة خلال فترة العامين يمكن أن تصير المرأة ذاتها أم لطفلين. مشهد فظيع هنا أيضًا، حيث اثنان من الجلادين ينشغلان بأم واحدة، فجلاد يسحب الطفل الذي يركض حول أمه، والآخر ينزع عنها رضيعها الذي في أحضانها. ما هو الطبيعى في هذا الأمر ألا تُعانى هذه الأم التعيسة؟ ألا يتمزق قلبها بين طفليها ويعتصر الألم أحشائها أيضًا على طفليها، وهى لا تعرف أيًا من الجلادين تُلاحق، حيث الواحد يسحب طفل إلى هذه الجهة والآخر يسحب الطفل الآخر إلى جهة أخرى لكى يذبحه؟ هل ستركض نحو المولود حديثًا؟ فبكاءه لم يعد له جدوى ولا ينم عن تعبير معين. لكنها تسمع الطفل الآخر وهو يصرخ نحوها باكيًا، وبصوت متقطع. ماذا تفعل؟ كيف تتجاوب؟ وإلى أى صرخة تستجيب؟ ومع أى صرخة توّحد صرختها؟ وعلى أى موت تنوح وتحزن، طالما أن طبيعتها تكتوى بالتساوى لمقتل الاثنين؟ (وأمام هذه المشاهد الحزينة يبزغ نور جديد ويظهر في الأفق خبر يبعث على الفرح العظيم ويُنسينا الآلام).

 

لنفرح بالميلاد وإشراق شمس البر:

          فلنُبعد أسماعنا عن النواح والعويل من أجل ذبح الأطفال، ولنتوجه بأذهاننا نحو أفكار أكثر بهجة وفرحًا، تلك التي تتناسب بالأكثر مع بهاء هذا الاحتفال، وإن كانت راحيل تصرخ بشدة كما يقول النبى[36]، تبكى وتنوح لأجل ذبح أولادها. إلاّ أننا في هذا اليوم (الميلاد) الذي نحتفل فيه  يقول سليمان الحكيم، يجب أن ننسى المصائب. فأى احتفال هو أكثر فرحًا من احتفالنا اليوم؟ الذي فيه يبدد شمس البر، ظلام الشر الذي للشيطان، ويُنير الكون بنفس الطبيعة التي لنا، فكل ما سقط في هذه الطبيعة يجعله يقوم، وكل من هو في حرب يُقاد للسلام، والمرذول أو المرفوض يعود إلى الشركة، وكل من سقط من الحياة، يعود إلى الحياة مرة أخرى، وكل من خضع لنير العبودية وسُبى يعود إلى مقامه الملوكى، وكل من كان مقيدًا بقيود الموت يعود محررًا إلى كورة الأحياء. الآن وبحسب النبوة، تُسحق أبواب الموت النحاسية[37]. وتُقطّع عوارض الحديد، التي أمسكت الجنس البشرى في سجن الموت، الآن كما يقول داود النبى يفتح باب البر[38]. اليوم يسمع جميع المحتفلين في كل المسكونة ترانيم مفرحةً. فبإنسان واحد دخل الموت إلى العالم، وبإنسان أتى الخلاص. الأول سقط في الخطية، والثانى أقام ذاك الذي سقط. المرأة دافعت عن المرأة. الأولى فتحت الباب للخطية، والثانية (العذراء) خدمت الطريق المؤدى إلى البر. الأولى قبلت مشورة الحية، والثانية منحتنا المقدرة على سحق الحية أو إبطالها، وولدت خالق النور. الأولى أتتنا بالخطية بواسطة الأكل من الشجرة، والثانية بواسطة الخشبة أتتنا بالخلاص بدلاً من الخطية.

 

الميلاد والآلام:

الخشبة أعنى بها الصليب. ثمر هذه الخشبة، لم يغب مطلقًا، وصار لأولئك الذين تذوقوه حياة لا تذبل. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن سر البصخة (أى العبور من الموت للحياة)، هو فقط الذي يليق به الشكر. ولنعلم أن سر البصخة يأتى في نهاية التدبير الإلهى. وكيف تأتى النهاية إن لم تسبقها البداية؟ أيهما أسبق من الآخر؟ بالطبع الميلاد هو أسبق من تدبير الآلام.

 

ميلاد المسيح هو بداية كل الخيرات التى تتبعه:

          والذين يمتدحون البصخة هم جزء من أولئك الذي يمتدحون الميلاد. ولو عدّد المرء الإحسانات التي أشارت إليها الأناجيل، وإذا رُويت معجزات الشفاء، ومعجزة إشباع الجموع بقليل من الطعام، وقيامة الأموات من القبور، وتحويل الماء إلى خمر، وطرد الشياطين، وشفاء الأمراض الجسدية المستعصية، مثل شفاء العرج، وتفتيح عيون العمى، أيضًا التعاليم الإلهية، ومعرفة الأسرار الفائقة بواسطة الأمثال، سيجد أن كل هذه الأمور هى عطية هذا اليوم (ميلاد المسيح). لأنه منذ هذا اليوم صارت البداية لكل الخيرات التي لحقته أو تبعته. “لنفرح” إذًا “ولنبتهج”[39]. وعلينا ألا نخشى اتهامات البشر، وألا نُهزم من محاولاتهم لإهابتنا، كما يحثنا النبى على ذلك. هؤلاء يسخرون أو يتهكمون على الكلام عن التدبير، ويقولون إنه من غير اللائق أن يأخذ الرب جسدًا إنسانيًا (كما يدّعون)، ويدخل الحياة الإنسانية بواسطة الميلاد، متجاهلين كما هو واضح، سر الأمور غير المعلنة كما دبرتها الحكمة الإلهية من أجل خلاصنا. لقد بعنا أنفسنا اختيارًا بواسطة خطايانا، واستعبدنا أنفسنا لعدونا مثل عبيد تم بيعهم.

          ماذا تريد أن يقدم لك إلهنا أكثر من هذا؟ ألا يكفي أن تُعفى من النكبة؟ ولما التدقيق في الطريقة؟ لماذا تشرّع قوانين للمشرّع، دون أن تفهم إحساناته؟ مثلما يرفض أو يصد أحد الطبيب، ويوبخ تدخله النافع، لأنه تمم الشفاء بهذه الطريقة، وليس بطريقة أخرى.

 

عظمة التدبير الإلهى:

          لو أن فضولك يدفعك للبحث عن معرفة مقدار عظمة التدبير الإلهى، يكفيك فقط أن تعرف أن الأمر الإلهى ليس محصورًا فقط في بعض الخيرات أو أنه صلاح محدود، بل كل ما هو ممكن أن تصل إليه، من قدرة، وبر، وصلاح، وحكمة، وكل الألقاب والقيم التي تحمل معنى لائقًا ومناسبًا لهذا الأمر الإلهى، فذاك هو (هذا الصلاح). إذًا فلنتنبه ربما أن كل ما قلناه لم يصل إلى مستوى الإحسان الذي صار لنا، متمثلاً في الصلاح والحكمة، والقدرة، والبر. فهو كصالح أحب العاصى، وكحكيم وجد طريقة لعودة المستعبدين، وكبار لا يقمع ذاك الذي استعبد الآخر وامتلكه وفقًا لقانون السوق، لكنه قدم ذاته عوضًا عن المستعبدين، حتى أنه يتعهد المدين كضامن له، ويحرر السجين. وكقادر لم يُمسك من الجحيم، وجسده لم يرى فسادًا. وأيضًا لم يكن ممكنًا أن يهزم رئيس الحياة من الفساد أو الفناء. ولكن هل قبوله الميلاد بحسب الجسد، وخبرة الآلام الجسدية، يعد أمرًا يدعو للخجل؟ إن قبوله كل هذا هو إفراط في الإحسان.

حقًا لأنه إذ لم يكن ممكنًا أن يتخلص الجنس البشرى من هذا القدر الكبير من المآسى والشدائد، فقد قبل الملك طبيعتنا الإنسانية المائتة، وأن يُبدل مجده الذاتى بحياتنا. هكذا اخترق النقاء حياتنا الملوثة، بينما لم يستطع التلوث أن يمس هذا النقاء، كما يقول الإنجيل “والنور يضىء في الظلمة والظلمة لم تدركه[40]. الظلام تلاشى بظهور النور، والشمس لا يسود عليها الظلام، والمائت أُبتلع من الحياة[41] كما يقول الرسول بولس، وانهزم الموت أمام الحياة. وكل ما فسد خلُص في ذاك الذي لا يفنى. والفساد لا يستطيع أن يؤثر في الخلود، ولهذا صار تسبيح الكون كله، تسبيحًا مشتركًا، حيث الجميع يرفعون معًا تمجيدًا لخالق الكون. إن كل فم سمائى، وأرضى، وأسفل الأرض، يصرخ أن يسوع المسيح مخلّصنا هو رب لمجد الله الآب، وينبغى أن يُبارك إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] مز3:81.

[2] 1كو7:14.

[3]  لا24:23.

[4]  مز26:118.

[5]  مز27:118.

[6]  مز24:118.

[7]  مت10:3.

[8]  مت35:23.

[9]  أع30:17.

[10]  مز2:14.

[11]  رو3:3.

[12]  إش2:9.

[13]  عد17:24.

[14]  إش6:9.

[15]  إش14:7.

[16]  خر3:3، مت22:13.

[17]  2مل6:23.

[18]  لو3:1.

[19]  مت25:23.

[20]  لو10:2.

[21]  مز12:85.

[22]  لو26:1.

[23]  تك16:3.

[24]  1كو24:1.

[25]  مز8:48.

[26]  غل13:3.

[27]  إش5:53.

[28]  إش2:9.

[29]  إش3:1.

[30]  مز14:104.

[31]  أف14:2.

[32]  عب14:7.

[33]  مت10:2.

[34]  مت3:2.

[35]  مت16:2.

[36]  إر15:31.

[37]  مز16:107.

[38]  مز19:118.

[39]  مز24:118.

[40] يو5:1.

[41] 2كو4:5.

 

ميلاد المخلص للقديس غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

وقام في اليوم الثالث

 

أشعة النور الروحية[1]

إن كانت هناك بركة أبوية قد تأكدت بروح الله، وإن كان هناك أى صلاح للناموس الروحي، قد ترّجى المجاهدون بالروح أن يحصلوا عليه، مؤمنين بالوعد، وإن كنا نؤمن بأن الحقيقة قد صيغت مُسبقًا من خلال تلميحات التاريخ، وإن كان هناك صوت نبوي قد بشّر بالأمور السمائية، فإن كل هذه الأمور مجتمعة تُمثّلها النعمة الحاضرة ” التي نحن فيها مقيمون“. ووفقًا لهذا المشهد الذي يمتد أمام أعيننا ويبهر أبصارنا من كل جهة، كما من نور مُركّز ينبثق من عشرات الألوف من المشاعل، هكذا هى بركة المسيح التي تُشرق، فتبعث فينا هذا النور العظيم والذي يتشكل من أشعة الكتاب المقدس الكثيرة والمتنوعة. لأنه يمكن للمرء أن يأخذ من كل واحد من أولئك الملهمين بالروح، نماذج تناسب احتفال هذا اليوم. اطلب البركة التي نالها إبراهيم (تك4:26). إذا كان لديك إيمانًا بما تطلبه ستراه في الحاضر. هل ترى نجوم السماء؟ أعني بها تلك النجوم التي جعلها الروح تُشرق لأجلنا، والتي حوّلت الكنيسة فجأة إلى سماء، والتي بها استُعلنت النعمة المبهرة للنفس، من خلال أشعة النور الروحية. إن قال أحد بأن هؤلاء هم بالحقيقة أبناء لإبراهيم، والذين وهبهم الله له بالوعد الإلهي، والذين هم مثل نجوم السماء، فهذه حقيقة، والحقيقة لا تُخطئ. يجب أن تندهش لموسى النبي الذي وصف كل خليقة الله بالتفصيل، بقوة المعرفة. وأن تضع أمامك السبت المبارك الذي حدده الله لأول مرة عندما خلق العالم، ولتدرك من خلاله، يوم التوقف عن العمل، الذي باركه الله أكثر من الأيام الأخرى. لأن في هذا اليوم بالحقيقة قد استراح ابن الله الوحيد الجنس من أعماله، بتدبير موته، الذي بحسبه قد استراح بالجسد. وبعدما قام من بين الأموات، أقام معه كل الأموات، وأصبحت هناك حياة، وقيامة، وشروقًا، وفجرًا جديدًا، ونورًا لكل من كان يحيا في الظلمة وظلال الموت.

 

سر الموت والقيامة:

         والتاريخ المقدس ملئ بالبركة، إبراهيم لم يشفق على ابنه المحبوب وحيده، الذي صار تقدمة وذبيحة، ثم أرسل له الله الخروف الذي ذبح بدلاً منه (تك13:22). أى أنه يمكن للمرء أن يرى سر إيماننا في أحداث التاريخ المقدس. الخروف علّقوه من قرنيه على الخشب، بينما الابن الوحيد الجنس حمل خشب ذبيحته على كتفه (تك6:22). أرأيت كيف أن ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب3:1)، هو نفسه يحمل ثقل أحمالنا، ليرفعها على الصليب الذي حمله كإله، وأيضًا الذي حمل الخشبة كحمل، قسّم الروح القدس للاثنين أُعطى للابن المحبوب، وللخروف الذي أشار إليه الله نصيبًا من الروح القدس، وهذا سر عظيم، حتى يُظهر أنه بالخروف يُستعلن سر الموت، وبالابن الوحيد تُستعلن الحياة التي لا تنقطع بالموت؟ وإن أردت سأوضح لك هذا، من خلال موسى النبي الذي برفع يديه، رَسم شكل الصليب، وبهذا الشكل هزم عماليق (خر11:17)، إنك تستطيع أن ترى المثال وهو يتحقق في الواقع، فعماليق يُهزم بالصليب. أمامك أيضًا إشعياء النبي الذي يقدم لك تقدمة كبيرة، توضح لك مقدار عطية الله في هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة). لأنني تعلّمت منه أمور كثيرة، عن الأم العذراء، عن الطفل الذي بلا أب، عن المخاض الذي بلا ألم، عن الميلاد غير الدنس، يقول النبي: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل والذي تفسيره الله معنا” (إش14:7، مت21:1 ـ22). من جهة أن المخاض لم يصاحبه ألم، فهذا ما يُعلّمك إياه المنطق أولاً، فمن المحتم أن كل شهوة يصاحبها ألم، وإذا غاب عامل من العوامل المصاحبة لبعضها البعض فلن يكون هناك وجود للجانب الآخر. إذًا فحيث إن الولادة يسبقها ألم، فبالضرورة لن يلحقها ألم. هذا ما يؤكده النبي بقوله: ” قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا” (إش7:66)، وعن هذه الأم العذراء يقول:   ” لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مُشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام” (إش6:9). هذا هو الوعد، هذا الابن ” سيق للذبح كشاه. وكنعجة صامتة أمام جازيها” (إش7:53). أو من الأفضل كما يقول إرميا ” كخروف داجن يُساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد اسمه” (إر9:11). لكن ما هو أفضل وأكثر جلاء ووضوح من كل شئ، نأخذه من النبوة التي سبقت وصوّرت السر (سر الموت والقيامة) بكل وضوح. أقصد يونان النبي الذي كان في بطن الحوت، دون أن يُصاب بأى أذى، وخرج من بطن الحوت دون أن يعتريه أى شئ، وبقى في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وهى إشارة لبقاء الرب في القبر (ثلاثة أيام وثلاث ليال) (يونان1:2).

 

نعمة الحياة الجديدة:

         هذه وأمور أخرى شبيهة بها، ينبغي أن تختارها من كل سفر لتفحصها. لأن كل هذه الأمور، تراها متحققة في فرح هذا اليوم (الاحتفال  بالقيامة). لأن “الناموس كله والأنبياء”، يتعلق بهذه الرؤية، كما يقول الإنجيل في موضع ما (مت40:22). وأيضًا ” كل الكتاب هو موحى به من الله” (2تى16:3). كل هذا يتجمع ويتلخص وفقًا لكلام الرسول بولس في هذه النعمة (أى نعمة الحياة الجديدة التي نلناها بالقيامة). إذ أن نهاية الأحزان، وبداية الخيرات قد تحققت بالقيامة. ما أعنيه هو الآتي، أن الموت قد ساد على الجميع، وجعل بداية طغيانه المدمر اعتبارًا من آدم، وظل سلطانه البائس حتى موسى نفسه (رو14:5). لأن الناموس لم يستطع مُطلقًا أن يُقلل أو يحد من سلطان الموت. ولكن ملكوت الحياة قد أتى، وبطل سلطان الموت، وصار هناك ميلادًا آخر، وحياة أخرى، ونوعية أخرى للحياة، لقد حدث تغيير في طبيعتنا ذاتها.

         وما هو هذا الميلاد؟ هو ميلاد ” ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل. بل من الله” (يو13:1). وكيف حدث هذا؟ سأشرح لك الأمر بعروض. إن هذه الولادة تأتي بالإيمان، تأتي إلى النور بميلاد المعمودية الثاني (يو5:3)، فالكنيسة هى المرضعة، والتعاليم هى الثدي، والخبز السمائي (يو31:6ـ33) هو الغذاء، والمدينة السمائية هى تمام أو كمال العمر، زواج وحياة مشتركة بالحكمة، البيت هو الملكوت، الميراث والغنى هو حياة الفردوس الهنيئة، وأخيرًا الحياة الأبدية المطوبة التي تنتظر المستحقين بدلاً من الموت. هذه الأمور كلها يراها زكريا النبي العظيم كبداية للتغيير نحو الصلاح،ويتشكك فيما يتعلق بنطق الاسم الذي ينبغي أن يدعو به هذه النعمة. أى أنه بعدما روى المعجزات الأخرى المتعلقة بالألم، قال عن هذه اللحظة الآتي: ” لا نهار ولا ليل بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نور” (زك7:14) ، وهذا يعني أنه لا يمكنه أن يدعو تلك اللحظة نهارًا، طالما أنه لا توجد شمسًا، بل ولا يستطيع أن يدعوها ليلاً، طالما أنه لا يوجد ظلامًا. لأن الله دعى الظلمة ليلاً (تك3:1)، كما يقول موسى.

 

السماء الجديدة والأرض الجديدة:

         إذًا لأنه بحسب الزمن فالظلام ليل، أما بالنسبة للنور فهو نهار، ولهذا السبب يقول النبي ” لا نهار ولا ليل“. إذًا إن كانت تلك اللحظة لا هى نهار ولا هى لليل، بحسب كلام النبي، حينئذٍ فإن هذه النعمة على كل الأحوال تُدعى شيئًا آخر. أتريدون أن تعرفوا فيما أفكر؟ أفكر فيما قاله المرنم ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب (مز24:118)، يوم مختلف عن سائر الأيام التي صارت من بداية الخليقة، والتي بها نقيس الزمن. هذا اليوم هو بداية خليقة أخرى. لأن الله في هذا اليوم يخلق سماءً جديدة وأرضًا جديدة (إش17:65)، كما يقول النبي. أى سماء هذه؟ هى الثبات في الإيمان بالمسيح (لو15:8). وأى أرض؟ هى القلب الصالح (إش11:61)، أقول كما قال الرب، الأرض التي تشرب المطر الذي يسقط عليها، وتجعل السنابل حاملة الثمار تنضج. في هذه الخليقة الجديدة، الشمس هى الحياة النقية، النجوم هى الفضائل، الهواء هو المدينة الطاهرة، البحر هو عمق غنى الحكمة والمعرفة، الخضرة والعشب هى التعاليم الصالحة الإلهية، حيث يرعى شعب مرعاه (مز7:95)، أى رعية الله، الشجر الذي يثمر هو تتميم الوصايا. في هذا اليوم خُلق الإنسان الحقيقي الذي صار بحسب صورة الله ومثاله (تك26:1). رأيت أى خليقة قد صارت في “ هذا اليوم الذي صنعه الرب“، والذي عنه يقول النبي ” لا نهار ولا ليل” أى لأنها مثل الأنهُر الأخرى، ولا ليل مثل الليالي الأخرى (زك1:14ـ11). ولم يحدث أن بُشر أحد بالعطايا المتميزة لهذا اليوم. في هذا اليوم نقض أوجاع الموت (أع24:2)، أصبح هذا اليوم بمثابة استقبال للبكر من بين الأموات (كو18:1)، في هذا اليوم سُحقت أبواب الموت الحديدية (مز16:107)، وكُسرت مصاريع الجحيم النحاسية. اليوم فُكّت أربطة الموت، اليوم يُكرز بإطلاق المأسورين (إش7:42)، اليوم العميان يُبصرون (لو79:1)، اليوم يُشرق النور السمائي على الجالسين في الظلمة وظلال الموت (إش2:9).

 

ليس بعد موت:

         أتريدون أن تعرفوا شيئًا عن مدة الثلاثة أيام؟ يكفي أن أقول هذا فقط، أنه في مدة زمنية قصيرة استطاعت الحكمة كلية القدرة أن تصل إلى قلب الأرض (مت40:12)، ويُجّهل عظمة قلب ذلك الذي كان يحيا هناك (1كو20:1). لأنه هكذا قد دعاه النبي، داعيًا إياه ” عظمة قلب ملك أشور” (إش12:10)، لأن القلب يعني موطن الذهن، ولهذا ذهب الرب إلى قلب الأرض، الذي يعتبر بمثابة مسكن القلب الخبيث (إش11:19) لكي يُجّهل فكره (أى13:5)، كما تقول النبوة ” الآخذ الحكماء بحيلتهم فتتهور مشورة الماكرين“. ولأنه كان من المستحيل أن يهين رئيس الظلام حضور النور المبهر، طالما أنه لم يرى فيه أى أثر للجسد، لذلك بمجرد أن رأى الجسد الإلهي، ورأى العجائب التي صنعتها الألوهية فيه، تمنى لو أنه هزم هذا الجسد بالموت، لأنه بهذا كان سيهزم كل قوة الألوهية. ولذلك فقد ابتلع طعم الجسد، أُمسك في صنارة الألوهية وهكذا سحب التنين بالصنارة كما يقول أيوب، الذي سبق وتكلم عما سيحدث قائلاً: “يثقب فمه بخزامه” (أى24:40).

         الآن لنستمع إلى صوت النبي الذي تكلم عن هذه الأمور وفحصها، إذ تحدث عن قلب الأرض الذي فتح فمه ضد جسد الرب. ماذا قال عنه إشعياء حتى يوضح أفكاره؟ قال: ” وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسيّ فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العليّ” (إش13:14ـ14). هذا ما يفكر فيه القلب الخبيث. أيضًا ماذا قال القلب المليء بالشرور في داخله أى ملك أشور الخبيث، لنستمع مرة أخرى إلى صوت إشعياء القائل: ” بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم. ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائر وحطمت الملوك كبطل. فأجابت يدي ثروة الشعوب كعش وكما يجمع بيض مهجور جمعت أيأكل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف” (إش13:10ـ14).

         لقد قبل السيد المسيح ـ بسبب محبته للبشر ـ أن يفتقد عالم الأموات، فماذا أصاب رئيس الظلام؟ تروي النبوة بوضوح أن ما أصابه كان عكس ما ترجاه، تقول النبوة ” كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح. كيف قُطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم” (إش12:14). وأمور أخرى كثيرة رويت عن هلاكه. ومن يريد التعرف عليها بالتدقيق يعود إلى الكتاب المقدس. الآن يجب عليّ أن أعود إلى موضوعنا. من أجل هذا نزلت الحكمة الحقيقية إلى الفم الواسع لقلب الأرض، لكي تمحو من هذا القلب الفكر الموغل في الشرور، وأن تُنير خفايا الظلام (1كو5:4)، وأن ” يُبتلع المائت من الحياة” (2كو4:5)، وينتهي إلى العدم، بعدما يبطل العدو الأخير الذي هو الموت (1كو26:15). هذه الأمور جميعها هى عطية فترة الثلاثة أيام التي قضاها الرب في القبر من أجلك. هل جاءت النعمة متأخرة؟ هل هذا الصلاح قد تحقق في مدة قصيرة جدًا؟ أتريد أن تعرف كم الأمور الضخمة التي تحققت في زمن قصير جدًا؟ أحصي كل أجيال البشر، من بداية دخول الشر حتى بطلانه، كم عدد البشر في كل جيل، وكيف يمكن إحصاء أعداد لا تُحصى. تُرى هل هناك رقم يمكن أن يُحدد أعداد تلك الجموع التي لا تُحصى، والتي في تتابعها بجموع أخرى، يتسع الشر معها أيضًا بل ويزيد بقدر ما يتوزع على كل واحد من هذه الأعداد؟ وهكذا فقد تزايد الشر خلال مسيرة طويلة وعامة في أجيال متعاقبة، حتى وصل إلى أقصى حد له، إذ أُخضعت الطبيعة الإنسانية، وهذا ما أثاره النبي، مؤكدًا على سيادة الشر على الجميع، بقوله: ” الكل زاغوا وفسدوا ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد” (مز3:14ـ رو12:3).

         إذًا هل يعتبر تراكم هذا القدر الكبير من الشرور التي تجمعت من وقت خلق العالم، حتى وقت آلام الرب، والتي أبطلت في ثلاثة أيام، دليلاً بسيطًا على قوته الفائقة، أم هو أقوى من كل عجائب التاريخ المقدس؟ إن كل هذا الشر تلاشى بعمل الرب دون أى صعوبة، الأمر الذي يعد برهانًا عظيمًا جدًا على قوته الفائقة (أف19:1). ويمكن تشبيه ذلك بشمشون (قض6:14)، الذي بهر كثيرين بقوته، لا لأنه هزم الأسد فقط، بل لأنه قتله بسهولة بأيدي مجردة، ومزّقه بدون سلاح، مزّق هذا الوحش الكبير القوي، كما لو كان يلهو أو يمزح معه. وما صنعه الرب لم يتطلب طوفانًا ضخمًا تسقط فيه مياه غزيرة من شلالات السماء لتغمر الأرض، ولا بحارًا عميقة تفيض المياه على جانبيها فتغطي وجه الأرض، ولا صارت المسكونة كلها كقارب يغوص ويغرق ويستقر في القاع، ولا جبال تغمرها المياه، ولا قمم جبال تختفي في أعماق البحار (تك17:7ـ20)، ولا أمورًا شبيهة بسدوم (تك24:19)، التي أُمطرت بالنار لكي يصنع تطهيرًا من الفساد بلهيبها، ولا يأتي شئ آخر مشابه لذلك. إن عمل الرب هذا هو فكر بسيط وغير مُدرك في إشراق متفرد للحياة والنور على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، أدى إلى تلاشي وفناء تام للظلام والموت.

 

ثلاثة أيام في القبر:

         هل لي أن أقول شيئًا قريبًا مما قلته؟ لقد نبت الشر داخل الحية، هُزمت المرأة من تجربة الحية، ثم بعد ذلك هُزم الرجل من المرأة (تك1:3ـ6). لقد وُلد الشر في ثلاث مراحل. فما الهدف الذي ترمي إليه الملاحظة؟ نستطيع من خلال التتابع الذي سار فيه الشر، أن نفهم ترتيبًا ما في  مراحل الصلاح. أرى أن هناك ثلاث مُستقبلين للشر. المرحلة الأولى هى التي فيها تكوّن الشر، الثانية هى التي انتقل إليها الشر، والثالثة هى التي فيها تقدم الشر فيما بعد. إذًا لأنه في المراحل الثلاث هذه، ملأ الشر أعني الطبيعة الشيطانية، جنس النساء والرجال، ولهذا تحديدًا، فإن المرض اختفى في ثلاثة أيام، من الجنس البشري، أى من هؤلاء الذين مرضوا بالخطية، وحُرموا من الشفاء يومًا ما. ففي اليوم الأول تحرّر الرجال من مرضهم. وفي اليوم الثاني شُفى جنس النساء، وفي اليوم الثالث بطل العدو الأخير أى الموت، وتلاشى مع رئيس الموت والرئاسات والسلاطين وكل القوات المضادة التي وضعها لمساندته (1كو26:15، 24). لا تتحير إذا رأيت الصلاح يتم على فترات زمنية متعاقبة. فالقوة الإلهية لم تكن عاجزة بكل تأكيد على أن تُكمّل كل شئ بالتمام عند بداية خلقة العالم. إن خلق الكائنات تم في إطار زمني حتى أن تنتهي مرحلة من خلق الكون في اليوم الأول، والمرحلة الثانية في اليوم الثاني، وبنفس الطريقة تم خلق المراحل المتبقية فيما بعد، إلى أن اكتملت الكائنات، طالما أن الله قد أكمل الكون في عدة أيام. هكذا هنا أيضًا، عن طريق حكمته التي لا يُعبر عنها، أبطل الشر وابتعد عن الكائنات في ثلاثة أيام، عن الرجال، عن النساء، وعن نسل الحية، حيث ولد الشر أولاً.

         هذا ما كنت أُفكر فيه بخصوص الأيام الثلاثة. وما إذا كان هذا الفكر فكرًا صحيحًا أم لا، فهذا أتركه لتقييم السامعين. لأن كلامي ليس قانونًا، بل تمرينًا للذهن وبمثابة بحث. وإن أردت أن ترى بالتدقيق مدة الأيام الثلاثة في إطار الآلام (آلام المسيح)، انتظر قليلاً، وربما يوضح حديثي لك هذا، (لأن ما يتبقى من الرقم ثلاثة أيام ليس زمنًا قليلاً، إذا حسبته بعد الساعة التاسعة يوم الجمعة، بعد أن أسلم الروح بين يدي الآب). إذًا ما هو فحوى كلامي؟ أقول حوّل نظرك نحو عظمة القدرة الإلهية، وعندئذٍ لن تجهل هذا الذي نطلبه هنا. تذكّر كلام الرب، وماذا أعلن عن نفسه، ذاك الذي له السيادة على كل شئ، كيف أنه بقوة سلطانه الذاتي، يستطيع أن يفصل النفس عن الجسد، قائلاً: ” ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا” (يو18:10). ليكن هذا مفهومًا، وقد اتضح المطلوب. لأن من يدبر كل شئ بسلطانه الإلهي، فبكل تأكيد لا يمكن أن يصير رئيسًا وسببًا لخلاص كل البشر مجبرًا، بسبب خيانة وهجوم اليهود وحكم بيلاطس. لقد عرف مسبقًا وبطريقة معجزية لا يُعبر عنها، أن هذا الهجوم سيحدث، وقدم نفسه للبشر، تقدمة غير مرئية، ليصير ذبيحة لأجلنا. وهو الكاهن وفي نفس الوقت هو حمل الله، الذي يرفع خطية العالم (يو29:1). متى حدث هذا؟ عندما جعل جسده مأكلاً لتلاميذه وجعل دمه مشربًا لهم. لأنه من الواضح لكل واحد، أن الإنسان لا يمكنه أكل الخروف ما لم يسبق ذبحه. إذًا فذاك الذي قدم جسده مأكلاً لتلاميذه، أظهر بكل وضوح، أن ذبيحة الحمل كانت قد اكتملت بالفعل. لأنه بالتأكيد لن يكون جسد الذبيح مناسبًا للأكل، لو كان حيًا. إذًا فعندما أعطى لتلاميذه أن يأكلوا من جسده ويشربوا من دمه، بشكل لا يُدرك وسلطان من دبّر السر بصورة لا يُعبر عنها، وبشكل غير مرئي، يكون بهذا قد قدم جسده ذبيحة بالفعل.

         إذًا طالما أن رئيس الكهنة الأعظم قد قدم ذبيحته لله بشكل غير مرئي ولا يُعبر عنه، من أجل خطايانا جميعًا، فلن يحيد المرء عن الحقيقة إذا حسب الوقت الذي أمضاه الرب في أعماق الأرض. بدءً من الخميس مساء حين أكلوا ذلك الجسد المقدس، وأعقبه الليل الذي قبل يوم الجمعة. ثم بعد ذلك نهار الجمعة مع الليل الذي انتصف وقسّم إلى نصفين، أى يُحسب هذا ليل واحد ونهاران. لأنه إن كان الله قد دعا الظلام ليلاً (تك5:1)، إذ أن الظلمة قد حلت على الأرض لمدة ثلاث ساعات (مت45:27). هذه الظلمة تعتبر ليل يعرف كسابقة حدثت لأول مرة في منتصف النهار وحددت قسمّي اليوم، الأول من الشروق حتى الساعة السادسة (الظُهر)، والثاني من الساعة التاسعة حتى المساء، وقد كان ذلك الوقت، ليلين ونهارين. ثم بعد ذلك جاء الليل الذي قبل السبت، وفيما بعد نهار السبت، وسيكون لديك ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. إذًا أرجو أن تبحث في وقت حدوث القيامة، وستجد الحقيقة فيما أقوله. إذًا متى حدثت؟ يقول متى الإنجيلي ” وبعد السبت” (مت1:28). هذا هو وقت القيامة بالوضوح الذي يقدمه الإنجيل، هذا هو الحد الفاصل لبقاء الرب في أعماق الأرض. أى أنه بينما كان المساء متقدمًا كثيرًا (والمساء كان بداية لتلك الليلة الذي أعقبه نهار أول السبت)، ففي هذا الوقت حدثت الزلزلة، وفيه أيضًا ظهر الملاك الذي كان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج، والذي دحرج الحجر عند باب القبر (مت2:28ـ3). لكن النسوة اللائي استيقظن باكرًا جدًا، وعند بزوغ نور النهار، الذي بدأ يلوح في الأفق علامة لشروق الشمس، عندئذٍ بدأن يُخبرن التلاميذ بالقيامة التي حدثت، حيث تأكدن بالفعل من المعجزة، لكنهن لم يتكلمن عن وقت القيامة. أما كونه قام، فهذا ما أخبرهن به الملاك، لكنه لم يخبرهن بتوقيت القيامة، متى حدثت. لكن متى العظيم وحده من بين الإنجيليين، أعلن بدقة وقت القيامة، قائلاً إن وقت القيامة كان بعد السبت. بما أن هذه الأمور قد صارت بهذه الطريقة، فالمسافة الزمنية التي عرضها من مساء الخميس إلى مساء السبت مع حساب الوقت والليل الذي توسط كما قلت، والذي قسم يوم الجمعة إلى نهارين وليل واحد. لأنه لا توجد ضرورة تُجبر ذاك الذي له سلطان على هذا الدهر أن تدخل أعماله في إطار بعض المقاييس الزمنية، بل أن هذا قد حدث لإرساء معايير جديدة للزمن، طالما أن القوة الإلهية تختصر (الزمن) لتحقيق الأعمال الصالحة بحيث تُخطط المقاييس الزمنية بشكل مُنفصل، حتى أنه لا يُحصى الزمن بأقل من ثلاثة أيام وثلاث ليال، لأن الحديث السري غير المعلن يشير إلى هذا العدد، فالقوة الإلهية لن تُعاق عن تنفيذ عملها بسرعة، ولن تنتظر المعايير المعتادة لعدد الأيام والليالي. فذاك له السلطان وحده أن يضع ذاته وأن يأخذها، عندما يريد، له السلطان كخالق للدهور، لا أن يُخضع ذاته وأعماله للزمن، بل بالحرى يُحرك الزمن وفقًا لأعماله.

 

كيف وجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد:

         لكن الحديث لم يتناول بعد النقطة الأكثر أهمية. لأنه من الطبيعي أن يبحث محبو المعرفة، عن كيفية تسليم الرب ذاته لثلاثة في الوقت نفسه، أى لقلب الأرض، وللفردوس مع اللص، وليدي الآب. لأنه قال للفريسيين: ” لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان” (مت40:12)، وقال للص ” اليوم تكون معي في الفردوس” (43:23)، وقال للآب: ” في يديك أستودع روحي” (لو23:46). وبالتأكيد لا يستطيع أحد أن يضع الفردوس كمكان في بطن الأرض. ولا أن يضع قلب الأرض في الفردوس، حتى يُقصد بالاثنين نفس الشئ، أو أن يقال عن هذين الاثنين (قلب الأرض والفردوس)، أنهما هما يدي الآب. بل أن هذا الأمر ربما لا يستحق ولا حتى أن يُناقش لمن يفكر تفكيرًا منطقيًا. لأن من هو حاضر في كل مكان بقوته الإلهية يكون موجودًا في كل موضع ولا يغيب عن أى مكان. عندما حلّ الروح القدس على العذراء وظلّلتها قوة العلي (لو35:1)، لكي يحل فيها أقنوم الإنسان الجديد وقد دُعى جديدًا، لأنه تكوّن كما أراد الله، وليس بالطريقة المعتادة لدى البشر، حتى أن العذراء أصبحت مسكنًا لله، غير مصنوع بالأيدي. ” لأن القدير لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيدي” (أع24:17)، وأقصد التي تصنع بالأيدي الإنسانية، وعندما بنت الحكمة لنفسها بيتًا (أم1:9)، وبقوتها الفائقة قبلت داخلها شكل المخلوق كنموذج متكامل وموثوق في صحته، عندئذٍ اتحدت الطبيعة الإلهية بالعنصرين المؤلفين للطبيعة الإنسانية، أى النفس والجسد، متحدة بشكل مناسب بكل عنصر. أى أنه كان ينبغي لهذين العنصرين اللذين ماتا بالعصيان (لأن موت النفس هو فقدانها للحياة الحقيقية، وموت الجسد هو سبب الفساد والتحلل)، كان ينبغي أن يُطرد الموت من خلال الإتحاد بالحياة. إذًا عندما اتحدت الألوهية بشكل مناسب بكل واحدة من عنصري الإنسان فإن ملامح الطبيعة السامية قد اتضّحت تمامًا في هذين العنصرين. فبالنسبة للجسد، تتضح الألوهية العاملة فيه بالشفاء باللمس، بينما بالنسبة للنفس، قد عبّرت عن القوة الإلهية (الحالة فيها) من خلال إرادتها القوية. أى أنه كما أن هناك إحساس خاص باللمس بالنسبة للجسد، هكذا تكون هناك إرادة للنفس أيضًا. لقد اقترب من المسيح مريض بالبرص وهو يحمل جسدًا مشوهًا وعلى وشك الانهيار، فكيف شفاه الرب؟ النفس تريد والجسد يُلمس، فيذهب المرض من الاثنين. لأنه يقول: ” وللوقت ذهب عنه المرض” (لو13:5، مت3:8). أيضًا آلاف الناس الذين أحاطوا بالرب في الجبل، لم يُرد أن يتركهم صائمين، بل قسّم لهم الخبز بيديه (مت32:15). أرأيت كيف أنه من خلال الاثنين (النفس والجسد) تُستعلن الألوهية والتي تُرافق كل منهما، تعمل مع الجسد، ومع الإرادة القوية التي تُخلق في النفس. ربما يجب أن أروي المعجزات التي تحققت بنفس الطريقة، وأن أنشغل في حديثي بأشياء واضحة. ولكني سأنتقل إلى ذلك الأمر الذي لأجله أشرت إلى كل هذا.

         كيف وُجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد؟ التفسير الأول لهذا الموضوع، أنه لا يوجد شيئًا غير ممكن لدى الله، الذي ” فيه يقوم الكل” (كو17:1)، والتفسير الثاني الذي يتجه إليه الحديث الآن هو: بعدما أعاد الله بقوته صياغة الإنسان كله في شخصه، وجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لم ينفصل في وقت الآلام بحسب التدبير عن هذا العنصر الآخر (أى الجسد) الذي اتحد به مرة واحدة، لأن هبات الله ودعوته هى بلا ندامة (رو29:11). فإن كانت الألوهية بإرادتها فصلت النفس عن الجسد، إلاّ أنها أوضحت أنها هى ذاتها بقيت في النفس والجسد. في الجسد الذي يعتريه الفساد بالموت كما جاء بالمزمور ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادًا” (أع27:2)، وهكذا أبطل ذاك الذي له سلطان الموت (عب14:1)؛ بينما بالنفس فتح الطريق للص للدخول إلى الفردوس. وهذا الأمران تحققا في آن واحد. أى أن الألوهية تُحقق الصلاح للاثنين، فقد تحقق بطلان الموت بعدم فساد الجسد، وبعودة النفس إلى موضعها، يُفتح الطريق لعودة البشر مرة اخرى إلى الفردوس.

         إذًا فلأن التركيبة الإنسانية لها عنصران، بينما طبيعة الألوهية بسيطة، ففي وقت انفصال النفس عن الجسد، لم ينفصل الغير المنقسم (أى الألوهية)، والمركب (أى الإنسان)، بل صارا أيضًا واحدًا. لأنه من خلال الطبيعة الإلهية الواحدة الموجودة بالتساوي في الاثنين (في الجسد والنفس) توحدت من جديد الطبيعة التي انفصلت. وهكذا فقد حدث الموت بانفصال العنصرين المتحدين، بينما القيامة قد صارت باتحاد الطبيعة التي انفصلت. وإذا سألت، كيف أن ذاك الذي في الفردوس، يُسلّم نفسه في يدي أبيه، فسيبدد لك إشعياء النبي والرائي حيرتك هذه. لأنه قال على فم الله، عن أورشليم السمائية التي نؤمن بها، أنها ليست سوى الفردوس. ” هوذا على كفيّ نقشتك. أسوارك أمامي دائمًا” (إش16:49). إذًا إن كانت أسوار أورشليم في يدي الآب، والتي هى الفردوس، فمن الواضح أن من هو في الفردوس، هو في كل الأحوال في أيدي الآب، حيث هناك أسوار المدينة الإلهية. لكن يلزم أن يشمل حديثنا أيضًا ما يقوله اليهود، فهم يهاجمون إيماننا بإتهامات حادة. فهم يقولون من جهة البصخة أنها شُرعت لليهود بواسطة موسى (خر6:12ـ8)، في اليوم الرابع عشر من الشهر في فترة اكتمال القمر، حيث يؤكل الفطير غير المختمر لمدة سبعة أيام، ويكون الأكل مع أعشاب مرة. إذًا حفظ اليوم الرابع عشر، كما يقول اليهودي، يستتبع معه حفظ الأعشاب المرة والفطير غير المختمر. فإن كانت هذه الأمور موضع ازدراء، فأي معنى يحمله الاهتمام بالأول (أى حفظ اليوم الرابع عشر)؟ لأنه بحسب أوامر المشرع ذاته، لا يُحكم على شريعة بأنها نافعة، والأخرى بلا نفع ومرفوضة، (وكأنهم يقولون لنا) حتى انه يصير إلزاميًا إما أن تمارسوا كل ما قد تحدد للبصخة، وإما ألا تحفظوا أى شئ، وأنتم ماذا تفعلون؟ (نجيب بالقول): فلنتذكر ذاك الذي أوصانا ألا نخاف اتهامات البشر، حتى لا نسقط في فخ السفهاء منهم (إش7:51). نحن نعرف فائدة حفظ شريعة أكل الفطير غير المختمر كما نعرف معنى الأعشاب المرة، وفائدة اليوم الرابع عشر. سنوضح حديثنا في عجالة، إن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة (عب1:10)، له هدف أساسي، هو كيف يتنقى الإنسان، بواسطة الوصايا المختلفة من الخطايا التي اختلطت بطبيعته. هذا يتم بالختان، بحفظ السبت، بالتدقيق في أنواع الأطعمة، بذبائح الحيوانات المختلفة، وهكذا. والأمر يحتاج لزمن أطول كي تذكر كل ما يُشير إليه الناموس، فيما يتعلق بنا من جهة كل واحدة من هذه الأمور، من أجل نقاوة حياتنا. مثلما يحدث في الختان الروحي، فإننا نتجنب الشهوات وننفصل عن الحياة الجسدية، أما حفظ السبت فيعني الامتناع عن الشر، وأما تقديم ذبيحة الحيوانات فتُشير إلى ذبح الشهوات، وكذلك التمييز بين الأطعمة. فإن الأطعمة النجسة توضح لك ضرورة الابتعاد عن الحياة الدنسة، هكذا فإن هذا الاحتفال (بعيد القيامة) أيضًا، يقدم لك الاحتفال المشار إليه، والذي لأجله تستعد النفس بالفطير غير المختمر، مبتعدة سبعة أيام عن الخبز المختمر، وحل اللغز هو هذا. رقم السبعة أيام يظهر الزمن الفاني أو الزائل الذي يتكرر أو يعود أسبوعيًا، والذي طبقًا له ينبغي أن نحرص على ألا تبقى أى بقية من خطية الأمس في اليوم التالي، لكي لا يُفسد ويُحمض عجين اليوم، بسبب اختلاطه بخطية أو شر أول أمس ” لا تغرب الشمس على غيظكم (أف26:4) هكذا يقول الرسول بولس، والذي يوصينا قائلاً: ” إذًا لنُعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة للشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (1كو8:5). إن ما نعرفه هو نوع واحد للشر، وهذا ما نتعلمه عن الأنواع الأخرى للشر. العشب المر يُبعد كل حماقة وفجور عن حياتنا، ويضع مكانها حياة العفة والنسك الشديد، الذي يرتفع على مستوى الحس البشري، لأنه يبدو أن كل معرفة أو علم لا تجلب فرحًا في الوقت الحاضر بل حزنًا. إذًا كل من يُحقق في حياته مباهج هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة) وبصفة دائمة في كل يوم من أيام أسبوع الحياة، بدون خمير، ودون أن يخلط به الشر القديم ثابتًا في العفة كطعام للحياة، فهذا يعزل نفسه عن كل ما هو ظلمة (لو35:11ـ36). لأن الأيام التي يحددها مدار القمر في الفلك، هى تسعة وعشرون ونصف، والتي فيها يظهر القمر بداية من أول الشهر ثم يستدير تدريجيًا حتى يصل إلى اكتماله بدورانه، ثم يقل حجمه مرة أخرى ويرجع حتى لا يعطي نورًا البتة. ومن الواضح أن نصف عدد الأيام الذي ذكرته هو أربعة عشر يومًا مع إضافة قليلة. وبناء عليه، حين يحدث ويكون القمر في هذا الشكل ويتقدم في طريقه خلال فترة الليل، يُضيف للدائرة الجزء الذي ينقصها، حتى أنه مع اكتمال قرص القمر، يوّحد لمعانه مع نور شمس النهار، ولا يمكن لأي تسلل للظلام، ولا المساء، ولا السحر أن يقطع استمرارية النور (نور القمر)، بل يبقى النور غير منقسم أو غير متجزئ خلال تعاقب ظهور النجوم (لأنه تحديدًا قبل أن تشرق الشمس، يظهر القمر في الطرف الآخر للأفق، على الطرف المقابل لقطر الدائرة مع الشمس، وبنوره يُنير العالم. ومرة أخرى قبل أن يختفي كل قرص القمر في الأفق مع بقية نوره، يتوحد مع نور النهار). وهكذا فإن اليوم الذي يكون فيه القمر مكتملاً، يختفي الظلام، والسحر، والمساء، كذلك تكف النجوم الكبيرة عن الظهور تباعًا[2].

         إذًا هذا الذي يحدث مع النور المحسوس في اليوم الرابع عشر، من حيث إن الارتباط بالظلمة أمر مرفوض طوال الليل والنهار، هذا الحدث هو ما يريد الناموس الروحي أن يجعله رمزًا لكل الذين يحتفلون روحيًا، حتى يشمل كل الأسبوع، أى أن يجعلوا كل أوقات حياتهم بصخة مُشرقة غير مُظلمة. هذه هى الوصايا التي تُوّجه للمسيحيين بالنسبة للبصخة. ولهذا يمكننا أن نرى ونتخيل في اليوم الرابع عشر، بالإضافة إلى هذا النور المادي المحسوس، رؤية النور غير المادي الذي يُدرك بالعقل فقط، هكذا يتضح لنا كيف أننا نطلب أو نبحث عن القمر المكتمل الذي يهبنا نوره طوال الليل، بل وبصفة دائمة. وعلينا أن نحفظه على الدوام، ويصير هذا ناموسًا لنا، وألا نسمح للأعمال المظلمة أن تختلط بالنور.

 

سر الآلام المحييّة:

         يكفي الكلام من جهة هذا الأمر. الآن كل المعاني التي طُرحت تتجلى في الصليب الذي به يكتمل سر الآلام، ومن يستطيع أن يشرح هذه الآلام بالكلام؟ ترى، ألا توجد طرق عديدة تقود للموت، كان من الممكن أن يُتمم بها الله تدبير الموت لأجلنا؟ لكنه اختار الصليب من كل هذه الطرق، ليجوز الآلام بإرادته الكاملة. لأنه يقول ” ينبغي أن ابن الإنسان ” ولم يقل إن هذه الأمور وتلك سيُعانيها ابن الإنسان مثلما يمكن لشخص أن يتنبأ عن المستقبل، لكنه أراد أن يؤكد وبطريقة سرية، أنه بالضرورة ينبغي أن يجوز الآلام، وأن هذه الآلام لابد أن تحدث، إذ يقول: ” ينبغي أن ابن الإنسان يتألم ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم” (لو22:9، 7:24، مر31:8). لاحظوا المعنى في كلمة “ينبغي” إنها تؤكد على أن الآلام لن تتم بطريقة أخرى إلاّ بواسطة الصلب فقط، وما هو السبب في ذلك، السبب قد عرفه العظيم بولس، الذي صارت لديه الإمكانية أن يشرح لنا هذا الأمر، بواسطة تلك الكلمات السرية (2كو4:12)، التي سمعها حين اختطف إلى أعماق الفردوس، إذ سمع كلمات لا يُنطق بها، هو وحده الذي يشرح لنا هذا السر أيضًا، وقد أشار إليه في رسالته إلى أهل أفسس ” وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو. وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله” (أف18:3ـ19). بالحقيقة إن نظرة الرسول بولس الإلهية، جعلته حين يُقدم صورة للصليب، لا يقدمها بصورة باهتة أو مهتزة، وهو بهذا قد أظهر بوضوح أنه بعدما سقطت من عينيه كل قشور الجهل (أع18:9)، بدأ في رؤية الحقيقة بكل وضوح. أى أنه رأى صورة الصليب لها أربع امتدادات، تنطلق من المركز، والذي يُشير إلى القوة، والمحبة التي تشمل كل المسكونة، ولهذا فكل امتداد يطلق عليه اسم خاص. العمق هو الامتداد من المنتصف إلى أسفل، والعلو هو الامتداد إلى أعلى، بينما العرض والطول هما الامتدادان من الجهتين. يتضح لي من كل ذلك أن الرسول بولس، يقصد بكلامه هذا، أنه لا يوجد كائن في الخليقة كلها لا تسود عليه الألوهية، الذين فوق السموات، أو في أعماق الأرض، ومن هم في كل الاتجاهات (من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب). ويُشير بالارتفاع إلى الذين في السماء، وبالعمق إلى من هم تحت الأرض، والطول والعرض إلى ما هو تحت سلطان القوة التي تسود على كل شئ. وبرهان كلامي، هو ما يحدث داخل نفسك، فيما يختص بمعنى كلمة الله. ارفع نظرك إلى السماء، وفكر في الأعماق السفلى، اطلق ذهنك إلى أطراف العالم المخلوق، وحاول أن تدرك مقدار القوة التي تضبطه، كقوة تشمل كل المسكونة، وسترى أنه سيُحضر في ذهنك تلقائيًا شكل الصليب، من الارتفاع ننزل إلى الأعماق، وتمتد إلى الجانبين من ذلك الطرف إلى الطرف الآخر.

         هذا الشكل (شكل الصليب) قد ترنم به العظيم داود في مزاميره قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب وإن صعدت إلى السموات (هذا هو الارتفاع) فأنت هناك. وإن فرشت في الهاوية (هذا هو العمق) فها أنت. إن أخذت جناحي الصبح والذي هو شروق الشمس (وهذا هو العرض) وسكنت في أقاصي البحر (هكذا يتكلم عن الغروب ـ وهذا هو الطول)” (مز7:139ـ10).

         أرأيت كيف أنه بكلامه هذا، يرسم الصليب أمامنا؟ وهكذا يتضح أنك أنت يا من تعبر داخل كل شئ، وصرت تجمع كل شئ، فإنك تحتوى داخلك كل الكمالات. أنت يا من أنت فوق، أنت حاضر في العمق، ذراعك في أحد الأطراف، ويمينك تقود الطرف الآخر. ولهذا فإن الرسول العظيم بولس، بعدما تأكد أن معرفة الله قد امتدت إلى العالم كله، قال ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” (فى10:2). وبهذا أيضًا يُحدّد السجود بحسب شكل الصليب. فالذين هم في السماء يخصهم بالجزء العلوي من الصليب، ومن هم على الأرض، يخصهم بمنتصف الصليب، أما من هم تحت الأرض، فيخصهم بالجزء السفلي من الصليب. هذه هى الجزئية التي أشير إليها أنا بالحرف (…) يوتا، والذي هو أكثر استقرارًا من السماء، وأكثر ثباتًا من الأرض، وأكثر استمرارًا من كل النظم الخاصة بالكائنات المخلوقة كما هو مكتوب:  ” إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (مت35:24، 1كو31:7، مت18:5). الخط العمودي للصليب والذي يأتي من فوق إلى أسفل يقال له حرف (…) يوتا، والخط الذي يتقدم أفقيًا من الجانبين يُسمى صاري، وهذا ما يمكن أن نعرفه من البحارة. أى الخشبة التي هى في الجنب في الصاري حيث يمدون منه قطعة قماش، وهذا الشكل يدعونه صاري. ولهذا أرى أن هذا هو ما تعنيه كلمة الإنجيل، أنه هو ذاك ” الذي فيه يقوم الكل” (كو17:1)، من حيث إنه يسود على كل شئ، هو أزلي، وهو يُظْهِر، كما في لغز في مرآه، من خلال شكل الصليب، قوته التي ترعى كل الكائنات. ولهذا تحديدًا قال ” إن ابن الإنسان ينبغي ليس فقط أن يموت، بل أن يُصلب“، لكي يصير الصليب لأكثر اللاهوتيين فطنة هو ذلك الذي يكرز به من خلال شكله بسلطان القوة الكامل لذاك الذي صعد عليه، وهو الكل في الكل (كو11:3). وينبغي ألا نتجاهل أن نُشير يا اخوتي إلى ذلك التقي يوسف الذي من الرامة، الذي أخذ الجسد المقدس كعطية ولفه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد (مت57:27ـ60).

         ليكن لنا، هذا العمل الذي أقدم عليه ذلك التقي (يوسف الرامي) بمثابة قانون لكي نُفكر نحن أيضًا بنفس الطريقة، عندما نأخذ عطية ذلك الجسد. فلا يجب أن نلفه في كتان ضميرنا غير النقي، وألا نسمح بوضعه في قبر قلوبنا الذي تفوح منه رائحة عظام ورائحة كل شئ دنس. بل كما يقول الرسول بولس ليمتحن كل واحد نفسه لكي لا تصير النعمة التي ينالها بدون استحقاق دينونة له (1كو27:11ـ29). بل الآن وأنا أتكلم أشعر أن لباس الملاك الأبيض يُنيرنا ويهز قلبي ذلك الزلزال الحلو الذي يُحرك الحجر الثقيل عن القبر الإنساني، والذي به تُفتح بوابة القيامة مرة أخرى.

         فلنسرع نحن أيضًا لنرى المعجزة العجيبة (لأن السبت قد عبر)، ربما نصل بعد النسوة. فلنُعطر أيدينا بالأطياب، وضمائرنا بالإيمان. هذه هى رائحة المسيح الزكية (أف2:5). يجب ألاّ نطلب الحيّ بين الأموات. الرب يصد كل من يطلبه بهذه الطريقة، قائلاً: ” لا تلمسني(يو17:20). فعندما أصعد إلى أبي، عندئذٍ أسمح لك أن تلمسني. يريد أن يقول لا يجب ان يكون إيمانك بعد في شكله الجسدي الضعيف، بل  أنك الآن تسجد لذاك الذي يوجد في مجد الآب، وهو في صورة الله، وهو كلمة الله.

         لنستمع إلى بشارة المرأة التي سبقت الرجال في الإيمان، حتى أنها حين تبدأ في الحياة الصالحة، يكون لديها ما تُعبر به عن نفسها، بعد أن كانت قد عاشت في الشر.

         إذًا ما هو الخبر المفرح الذي تريد المجدلية أن تبشر به؟ إنه خبر حقيقي لا ” من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح” (غل1:1). لأنها تتكلم عن الخبر الذي طلب الرب منها أن تنقله للتلاميذ، والذين يدعوهم اخوته ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو17:20). كم هو رائع هذا الخبر المُفرح المملوء بالرجاء! هذا الذي صار إنسانًا مثلنا، حتى يصير قريبًا لنا ويجعلنا اخوة له، فهو يقدم لأبيه ذبيحة جسده، لكي يجذب إليه بواسطة نفسه كل أقربائه. هكذا كل من استعبدوا للذين ليسوا بالطبيعة آلهة (غل8:4)، يرجعون مرة أخرى للإله الحيّ الحقيقي، ولا يكون عليهم أى دينونة، ولا يُحرموا من ميراث الآب. لقد صاروا بالتبني اخوة للابن، هذا الذي صار بكر بين إخوة كثيرين (كو15:1)، وتعهد الطبيعة الإنسانية التي أخذها حين تجسد. أما الخبز غير المختمر قبل الفصح الذي يؤكل على أعشاب مرّة، لنرى بأي شئ حلو، يُحلى الخبر بعد القيامة. ألا ترى أن الرب بعد أن قام ناولوه جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد عسل (لو42:24). انظر كيف تتحول مرارة الحياة إلى حلاوة. إذًا لننهض نحن أيضًا ولنركض الآن نحو الخبر الذي يعطيه شهد عسل الرجاء الصالح، مذاقًا حلوًا للغاية في المسيح يسوع ربنا، الذي يليق به المجد والقوة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] هذه الأفكار ترتكز على أن نور الشمس والقمر هو نور مشترك أو واحد، وأن وقت غروب الشمس، يشرق القمر من الطرف الآخر في الأفق في اتجاهه نحو الاكتمال.

وقام فى اليوم الثالث – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

 

 

” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس

لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت ”

(متى39:26)

 

المعنى الدقيق للآية[1]:

         1ـ منذ قليل أحدثنا جروحًا غائرة لدى الخاطفين، ولدى الذين يريدون أن يكونوا طماعين لا بقصد جرحهم بل لكي نصلحهم لا ككارهين أو مبغضين للناس ولكن لكي نُجنّبهم فعل الشر لأن الطبيب قد يجرى عملية لبعض الجروح، ليس لإيذاء جسد المريض، بل ليقضى على المرض ويعالج الإصابة التي لحقت بذلك الجسد. إذًا لنتقدم ونظهر تسامحًا تجاه هؤلاء حتى يستريحوا من الألم، ولا يتشككوا في الشفاء من الإصابات التي يتعرضون لها. نفس الأمر يصنعه الأطباء أنهم يضعوا ضمادة لاصقة على الجرح الذي يعالجونه ويصفوا للمريض نوع الدواء، ثم ينتظروا عدة أيام ويلجأوا إلى كل ما من شأنه أن يخفف الآلام. ونحن اليوم نحاكى هؤلاء الأطباء، فلنظهر قدرًا من التسامح تجاه هؤلاء الهراطقة حتى يستفيدوا من كلامنا، ولنتحدث عن العقائد، ونحول الحديث إلى الأمور التي قرأت، لأنني أعتقد أن الكثيرين يتحيروا في السبب الذي دفع المسيح مخلّصنا ليقول هذا الكلام ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” ومن الطبيعي أن يهاجم الهراطقة هذا الكلام، وهكذا يخدعوا الكثيرين من الأخوة البسطاء.

         إذًا فبهدف التصدي الكامل لهجوم هؤلاء الهراطقة، ولإنقاذ الذين أصابتهم الحيرة والقلق والاضطراب، فاحصين ما قيل بدقة، فلنعتني بشرح هذه الكلمات، لكي تفهموا معانيها بعمق، لأن مجرد قراءة هذه الآيات وحدها لا تكفى بدون المعرفة[2]. فالخصي الحبشي قرأ ولكنه لم ينتفع كثيرًا حتى جاء الذي علمه المعنى الدقيق للجزء الذي قرأه[3]. ولكي لا تعانوا أنتم أيضًا نفس الشئ، انتبهوا إلى الكلام، ركزوا اهتمامكم ولتكن عيونكم محدقة نحوي، وعقلكم مُركّزًا غير مشتت، ولتكن نفوسكم متحررة من هموم الحياة، لكي لا نلقى بكلامنا بين الأشواك، ولا على الصخور، ولا بجانب الطريق، بل نلقى بذارًا لتثمر في أرض خصبة، ونحصد سنابل ممتلئة لأنه إن انتبهتم هكذا للكلام فسوف تجعلوا جهدنا أقل، وتجعلوا الفهم أكثر سهولة بالنسبة لكم.

 

         إذًا، ما معنى الجزء الذي قرأ ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عن هذه الكأس” ماذا يقصد بهذا القول؟ لأنه ينبغي أن نفسر هذا بكل وضوح إذًا ما معنى يا أبتاه إن أمكن أن تبعد عنى الصليب؟ هل تجهل إن كان هذا ممكنًا أم مستحيلاً؟ ومن يستطيع أن يقول هذا الكلام الذي يشير إلى شخص يجهل المعنى المقصود؟ إن الإضافة             (αν είναι δυνατόν) بمعنى “إن أمكن” تشير إلى شخص يشك، لكنة كما قلت لا يجب أن ينظر المرء إلى الكلام فقط، بل يدخل إلى المعنى، كي يعرف هدف المتكلم، ويعرف السبب والحالة، أو الظرف، ويجمع كل هذا، وهكذا يحاول أن يفهم المعنى المقصود من هذا الكلام. إذًا كيف يكون ممكنًا لذلك الابن الذي يعرف الآب، مثلما يعرف الآب الابن أن يجهل حتمية الصليب؟ لأن معرفة الآلام ليست أصعب من معرفة جوهر الآب الذى يعرفه الابن وحده معرفة دقيقة كاملة ” كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب[4].

 

حتمية الصليب كما جاء بالأنبياء:

         ولماذا أتكلم عن ابن الله وحيد الجنس؟ السبب هو إنه من الواضح أن الأنبياء أيضًا لم يكونوا يجهلوا هذا (أى حتمية الصليب)، بل كانوا يعرفون هذا الأمر جيدًا، وتنبأوا به وأكدوا عليه بشكل قوى، إنه كان لابد أن يحدث هذا (أى أن يصلب) وأن الصلب سيتم على أي حال. اسمع إذًا كيف أن الجميع يخبرون بالصليب بطرق مختلفة. أولاً أب الآباء يعقوب، الذي تكلّم عن الابن يقول: ” من زرع نبت يا ابني[5] مشيرًا بالزرع، إلى العذراء، إلى نقاوة مريم، ولكي يشير إلى الصليب قال بعد ذلك: ” رقدت ونمت كأسد وكلبؤة من ينهضه؟” دعا موته إذًا رقادًا ونومًا، وربط بين الموت والقيامة، قائلاً من ينهضه؟” بالتأكيد لا يوجد أحد آخر ينهضه، لكنه هو نفسه ينهض ذاته. ولهذا فإن المسيح أيضًا قال: “ لي سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها[6] وأيضًا: ” انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمة [7].

 

         وما معنى ” رقدت ونمت كأسد” كما أن الأسد مرعب ليس فقط حين يكون مستيقظًا، بل أيضًا حين ينام، هكذا المسيح أيضًا كان مرهوبًا ليس فقط قبل الصليب، بل ساعة الصلب، وساعة الموت، وصنع في تلك الساعة المعجزات الكبرى، وذلك حين أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وتزلزلت الأرض، وتفتحت القبور، وامرأة بيلاطس ارتعبت، ويهوذا بكى لأنه في ذلك الوقت قال ” قد أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا[8]. وامرأة بيلاطس أرسلت إليه رسالة قائلة: ” إياك وذلك البار لأني تألمت كثيرًا في حلم من أجله[9] ولف الظلام المسكونة كلها في ساعة الصلب، ومنتصف النهار صار ليلاً وبطل الموت وبطل سلطانه وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين.

 

         هذه الأمور تنبأ بها منذ البداية يعقوب أب الآباء، ولكي يبيّن كيف سيكون المسيح مرهوبًا عندما يُصلب قال: ” جثا وربض كأسد” ولم يقل سيربض، ولكن قال ” ربض” لأنه متأكد أن ذلك سيحدث حتمًا. لأن الأنبياء اعتادوا في مرات عديدة أن يتنبأوا بالأمور المستقبلية كما لو كانت قد حدثت بالفعل. فكما أن تلك الأمور التي حدثت، من غير الممكن أن نقول إنها لم تحدث، هكذا أيضًَا حادثة الصليب، التي تنبأ يعقوب بأنها ستحدث من غير الممكن عدم حدوثها، ولهذا قد تنبأ بالأمور المستقبلية في صيغة الزمن الماضي، لكي يؤكد بذلك على حدوث تلك الأمور، وأنها ستصير على أي حال.

 

         هكذا أيضًا داود النبي عندما أراد أن يشير إلى الصليب، قال      ” ثقبوا يدي ورجلي[10] فهو لم يقل “سيثقبوا” لكن “ثقبوا” ثم قال        ” وأحصوا كل عظامي[11] ولم يقل ذلك فقط بل تحدث عما فعلة معه الجنود “ يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون[12] وليس هذا فقط، بل أعطوه علقمًا ليأكل، وسقوه خلاً ” ويجعلون في طعامي علقماً وفى عطشى يسقونني خلاً[13] نبي آخر، لكي يتنبأ بأنهم سيطعنوه بحربة يقول: ” فينظرون إلى الذي طعنوه[14]. وإشعياء أيضًا تنبأ عن الصليب بطريقة مختلفة، قال ” ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه من الضغطة ومن الدينونة أُخذ[15].

 

النبوات وتفاصيل رحلة الآلام:

         2ـ أرجوك أن تنتبه كيف أن كل واحد من الأنبياء يتكلم كما لو كانت هذه الأحداث قد حدثت في الماضي، معلنًا بهذا الزمن (أي زمن الماضي) أن هذه الأحداث ستحدث وأنها ستتحقق قطعًا. وهكذا فإن داود النبي يصف تلك المحاكمة قائلاً: ” لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل فقام ملوك الأرض وتأمر الرؤساء معًا على الرب ومسيحه[16]. ولم يتحدث فقط عن المحاكمة والصليب وكل ما حدث فوق الصليب، بل تكلم عن ذاك الذي خانه، فقد كان يأكل نفس الطعام وجلس على نفس المائدة. لأنه يقول: “آكل خبزي رفع علىَّ عقبه[17] وتنبأ أيضًا عن الصرخة التي سيصرخها على الصليب قائلاً: ” إلهي إلهي لماذا تركتني[18]. وتنبأ أيضًا عن القبر: “ وضعتني في الجب الأسفل في ظلمات في أعماق [19]. وتنبأ عن القيامة: ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا[20] وتنبأ عن الصعود ” صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور[21]. وعن جلوسه عن يمين الآب: “ قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك[22]. وإشعياء من ناحية أخرى أورد سبب الموت قائلاً: ” قُطع من أرض الأحياء من أجل ذنب شعبي وكلنا كغنم ضللنا[23]. ولهذا ذُبِحَ. ثم بعد ذلك يذكر العمل الذي أتمه قائلاً:   ” مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا . تأديب سلامنا عليه وبجبره شفينا وهو حمل خطية كثيرين[24].

 

         إذًا الأنبياء قد عرفوا موضوع الصليب وسببه والبركات التي تحققت بواسطته. كما عرفوا القبر والقيامة والصعود وخيانة يهوذا والمحاكمة، ووصفوا كل شيء بمنتهى الدقة. فهل يمكن أن الذي أرسلهم وأوصاهم أن يقولوا كل هذا ألا يكون عالمًا بما سيحدث؟ أى إنسان عاقل يستطيع أن يدّعى هذا؟ أرأيت أنه لا ينبغي أن نفهم الكلمات بمثل هذه السطحية (أى ينبغي أن ندقق فيها)؟ لأن هذا لا يثير الجدل فقط، بل إن الكلام الذي يأتي بعد ذلك يسبب حيرة أقوى، فما المعنى الذي يقصده بقوله: “ يا أبتاه إن أمكن فلتبعد عنى هذه الكأس“، هذه الكلمات توحي بأنه ليس فقط يجهل ما سيحدث، بل توحي أيضًا بأنه يريد أن يتجنب الصليب. إن ما يقوله يعنى الآتي: لو كنت تسمح فإنني لا أريد أن أصلب ولا أن أموت برغم أن بطرس المتقدم بين الرسل عندما قال له: ” حاشاك يا رب لا يكون لك هذا“، انتهره بشدة حتى أنه قال له: ” اذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس[25] على الرغم أنه منذ قليل كان قد طوّبه.

 

الابن يبذل ذاته بكامل إرادته:

         إذًا، كونه لا يريد أن يُصلب فهذا أمر غير معقول بالنسبة للمسيح له المجد، حتى أنه قد دعا ذاك (بطرس) الذي نال الاستعلان من الآب (أى أن الله قد أعلن له أن المسيح هو ابن الله الحي)، والذي أخذ مفاتيح السموات دعاه “شيطانًا ومعثرة” وأنه لا يفكر بحسب مشيئة الله لأنه قال له “ حاشاك يا رب أن يكون لك هذا“. أي حاشاك أن تصلب. إذًا فذاك الذي أدان تلميذه إلى هذا الحد ووجه له هذا التوبيخ الشديد حتى أنه بعد هذا المديح السابق، دعاة شيطانًا، لأنه قال له حاشاك أن تصلب، فكيف إذًا يُتصوّر أن تكون رغبة المسيح ألاّ يُصلب؟ وكيف لا يريد أن يُصلب بعد أن وصف نفسه بالراعي الصالح وحدد النموذج الأمثل لذلك الراعي إذ أوضح إن الدليل الذي يثبت صلاحه، هو أن يبذل نفسه عن الخراف قائلاً: ” أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف[26] ولم يكتفِ بذلك لكنه أضاف: “ وأما الذي هو أجير وليس راعياً فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب[27].

 

         إذًا لو أن سمات الراعي الصالح هى أن يبذل نفسه عن الخراف وأن الأجير لا يحتمل هذا فكيف يكون لذاك الذي يقول إنه الراعي الصالح أن يرفض، أن يبذل نفسه؟ وكيف قال: ” أضعها أنا من ذاتي[28]. إذًا لو أنك من ذاتك بذلت نفسك كيف تسأل الآب ألاّ تبذل نفسك؟ وكيف كان هذا البذل دافعًا لافتخار بولس، عندما قال: ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبة الناس وإذ وُجِد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب[29]. وأيضًا هو نفسه قال: ” لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا[30]. إذًا إن كان لا يريد أن يُصلب بل ويرغب أن يفلت من الصليب ويطلب هذا من الآب، فكيف يجب أن يبذل ذاته، لأن المحبة تظهر مما يكمن في أرادة كل أحد. وأيضًا كيف يقول القديس بولس “ اسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا[31]. والمسيح ذاته عندما جاء ساعة الصلب قال: ” أيها الآب قد آتت الساعة مجد ابنك[32]. دعا الصليب مجدًا فكيف يريد هنا أن ينجو منه، بينما هناك يطلبه سريعًا؟ ومن حيث إن الصليب هو مجد اسمع ماذا يقول القديس يوحنا الإنجيلي: ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجِد بعد [33]. ما يقوله يعنى أن النعمة لم تكن قد أُعطيت بعد لأن العداوة تجاه البشر لم تكن قد انحلّت بعد، طالما أن الصليب لم يكن قد تحقق بعد.

 

بركات الصليب:    

          فالصليب هدم خصومة الله مع البشر، وصنع الصلح، وجعل الأرض سماءً، وجمع البشر بالملائكة، وأنقذ الأرض من الخداع، وأعاد الحقيقة مرة أخرى، طرد الشياطين، وهدم معابد، ونقض هياكل، ولاشى الدخان الكثيف، وزرع الفضيلة، وأسس الكنائس.

 

          الصليب هو إرادة الله، مجد الابن، فرح الروح، افتخار بولس، لأنه يقول: ” حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح[34]. الصليب هو أكثر إشراقًا وبهاءً من الشمس، أكثر ضياءً من أشعة النور لأنه عندما أظلمت الشمس عندئذ أضاء الصليب، ولم تظلّم الشمس آنذاك لأنها اختفت بل لأنها هُزِمت من بهاء الصليب. الصليب مزق الصك الذي كان علينا، وأبطل سجن الموت. الصليب هو دليل محبة اللههكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به[35]. وأيضًا يقول القديس بولس : ” إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه[36].

 

          الصليب هو الحائط الثابت، سلاح من لا يُقهر، أمان الأغنياء، ثراء الفقراء، سد يحمي الذين تُحاك ضدهم الدسائس، وسلاح الذين يحاربون ضد الشهوات، المربح للفضيلة، علامة الإعجاز، والإعجاب، ” لأن هذا الجيل يطلب آية ولا تعطى له إلاّ آية يونان النبي[37]. وأيضًا يقول القديس بولس لأن اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة ولكننا نكرز بالمسيح مصلوبًا[38]. الصليب فتح الفردوس، ووضع اللص داخله، قاد الجنس البشرى إلى ملكوت السموات بعد أن كان مصيره الهلاك، ذلك الذي لم يكن مستحقًا ولا حتى للأرض.

 

         اخبرني إذًا، هل بعد كل هذه الخيرات التي تحققت وتتحقق بالصليب، ولا يريد الابن أن يُصلب؟ من يستطيع أن يقول ذلك؟ وإن لم يكن يريد الصليب فمن أجبره عليه ومن يقدر أن يلزمه به؟ ولماذا أرسل الأنبياء قبل مجيئه لكي يخبروا بصلبه، إن كان لا يريد أن يصلب، ولا يريد أن يعانى آلام الصلب؟ ولأي سبب يدعو الصليب بالكأس، إن لم يكن يريد أن يُصلب؟ بل هذا يوضح رغبته الأكيدة في أن يصلب، كما أن الكأس يعتبر مبهجًا لأولئك الذين يعطشون، هكذا الصليب بالنسبة للابن، ولهذا قال: ” شهوة اشتهيت أن أكل الفصح معكم[39]. ولم يقل هذا مصادفةً بل بسبب رغبته في الصليب. وهكذا، فإن الصلب قد حدث بعد تلك الليلة التي قال فيها ذلك.

 

         3ـ إذًا فالذي دعا الصليب مجدًا ووبخ تلميذه (أي بطرس) لأنه أراد أن يعوقه عن تتميم الصلب، وبرهن على أن الراعي الصالح هو الذي يبذل نفسه عن الخراف، وأنه اشتهى جدًا هذا الأمر، وأتى إلى الصليب بكامل إرادته. كيف يترجى ألاّ يحدث هذا؟ وإن لم يكن يرغب في أن يصلب، ما الصعوبة التي كان يمكن أن تعوق الذين أتوا لتحقيق هدفهم؟ ها أنت تراه يركض نحو الصليب. وعندما اقترب هؤلاء منه مواجهة، قال لهم عندئذٍ: ” من تطلبون؟”، أجابوا ” يسوع”، قال لهم: ” أنا هو“، ” فرجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض[40]. وبعدما أعماهم أولاً، وبرهن على أنه كان يمكنه أن يهرب، إلا إنه سلَّمَ نفسه آنذاك، لكي تعلم أنه لا بإجبار ولا بعنف ولا بضغط من أعدائه، قد عانى الصلب، فهذا لم يكن بدون إرادته بل بكامل إرادته، لأنه كان يرغب أن يجتاز الصليب، وأراده، وأنه منذ زمن بعيد كان يعد كل شئ للصلب.

 

ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت:

         والكلام الذي يلي ذلك يخلق حيرة أكبر لأنه بعدما قال: ” فلتعبر عنى هذه الكأس“، أضاف: ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، فربما يبدو من العبارة أن هناك إرادتين متعارضتين فيما بينهما؛ أي أن الآب يريد للابن أن يُصلب، بينما الابن نفسه لا يريد. إلا أننا نراه في كل موقف يريد ما يريده الآب، ويفضل ما يفضله، لأنه عندما يقول: ” كما أنك أنت أيها الآب فىّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا[41]، لم يقل شيئًا آخر سوى إن للآب والابن رأى واحد أو فكر واحد، وعندما يقول ” الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيّ يعمل الأعمال [42]، فهذا ما يريد أن يؤكده. وعندما يقول: ” من نفسي لم آت” و” أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا[43]، فهو لا يقول هذا باعتبار أن ليس له سلطان أن يتكلم أو أن يعمل (حاشا) لكنه أراد أن يوضح بكل دقة بأنه واحد مع الآب في الكلام وفى الأعمال وفى كل الأفعال كما بيّنا ذلك مرات عديدة. لأن عبارة ” لست أتكلم من نفسي” لا تبطل سلطانه، بل هي عبارة تبرهن على وجود توافق. إذًا كيف يقول هنا ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت؟“.

 

         ربما أكون قد وضعتكم في حيرة كبيرة، ولكن انتبهوا لأنه إن كنّا قد تكلّمنا عن أمور كثيرة، لكنى أعرف جيدًا أن استعدادكم ورغبتكم قوية جدًا، لأن الكلام يتجه بسرعة نحو شرح هذا الأمر انتبهوا جيدًا للكلام عن التجسد، لقد كان صعب القبول. فمحبة الله الفائقة للبشر والاقتناع بالتجسد وقبوله قبولاً كاملاً كان مملوء رعبًا، وكان يحتاج إلى استعداد كبير. فكّر إذًا كم كان أمرًا عظيمًا أن يسمع الإنسان ويعلم كيف أن الله الذي لا يمكن التعبير عنه، غير الفاني، غير المُدرك، غير المرئي، غير المفحوص، ” الذي بيده مقاصير الأرض[44]، ” الناظر إلى الأرض فترتعد يمس الجبال فتدخن[45]. الذي لا يحتمل الشاروبيم مقدار تنازله العظيم، بل يغطون وجوههم بأجنحتهم. ذاك الذي يفوق كل عقل ويعلو على كل فكر، هذا الذي يفوق الملائكة ورؤساء الملائكة وكل القوات السمائية، قَبِلَ أن يصير إنسانا، وأن يدخل إلى الأحشاء البتولية وأن يُحمل به تسعة أشهر وأن يتغذى باللبن وأن يعانى كل ما يختص بالإنسان.

 

         إذًا، لأن هذا الأمر كان أمرًا فريدًا للغاية، حتى أنه عندما حدث لم يؤمن به الكثيرون، لذلك أرسل أولاً الأنبياء لكي يخبروا بهذا التجسد تحديدًا، لأن يعقوب أب الآباء تنبأ عن التجسد عندما قال ” من زرع نبت يا ابني جثا وربض كأسد“، وإشعياء أيضًا عندما قال ” ها العذراء تحبل وتلد أبنا وتدعوا أسمة عمانوئيل[46]، وفى موضع آخر يقول أيضًا: ” أرض يابسة”، هنا يتكلم عن الأم البتول لأنها لم تستقبل بذرة إنسانية؟ لكنها ولدته بدون زواج. وأيضًا: ” يولد لنا ولد ونعطى ابنًا“، وأيضًا: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله[47].

 

         وباروخ يقول: ” هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه بكماله وجعل ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر[48]. وداود النبي يشير إلى التجسد بقوله: ” ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوم الذارفة إلى الأرض[49]. لأنه دخل كعبد إلى الأحشاء البتولية بهدوء وبلا اضطراب.

 

حقًا جاز الآلام:

         4ـ إلا أن كل هذا لم يكن كافيًا، بل عندما أتى ـ ولكي لا يعتبر هذا الحدث خياليًا أو وهميًا ـ لم يؤكد على هذا الأمر فقط من خلال الشكل، لكن من خلال الزمن الطويل، واجتاز كل المراحل الإنسانية، لأنه لم يدخل فقط أو لم يصر فقط إنسانًا كاملاً، ولكنه دخل إلى الأحشاء البتولية، حتى أن الصبر على الحمل والولادة والرضاعة والنمو ومرور الزمن واختلاف مراحل العمر، كل هذه تؤكد على هذا الحدث. والدليل لم يقتصر على ذلك فقط، لكنه تحمل جسديًا نقائص الطبيعة، أى أن يجوع ويعطش وينام ويتعب، وأخيرًا عندما أتى إلى الصليب عانى آلام الجسد. ولهذا خرج من الجسد عرق يتصبب وأتى إليه ملاك لكي يقويه. ويسوع يحزن ويكتئب لأنه بالحقيقة قال من قبل: ” نفسي حزينة جدًا حتى الموت[50].

 

         إذًا إن كان كل هذا قد حدث، فإن فم الشيطان الخبيث المتكلم في ماركيون الذي ينحدر من بنطس،[51] وفالنس،[52] ومانى الفارسى،[53] بالإضافة إلى هرطقات أخرى كثيرة، (من اختراع الشيطان) فهو يهدم التعليم عن التدبير الإلهي وينادي قائلاً: إن الابن لم يتجسد ولا لبس جسدًا، بل كان هذا وهمًا وخيالاً ومظهرًا مصطنعًا، على الرغم من أن الآلام والموت والقبر والجوع هي أمور قد حدثت بالفعل. فلو كانت هذه الأمور لم تحدث لكان يحق له أن ينشر هذه الأفكار الخبيثة: ولذلك فكما أنه جاع ونام وتعب وأكل، وشرب، هكذا تجنّب أيضًا الموت لكي يُظهر البعد الإنساني وضعف الطبيعة التي لا تريد أن تموت وتغادر الحياة الحاضرة .

 

المسيح يُعلّم بالأعمال:

         لأنه لو لم يقل شيئًا من كل هذا لكان من الممكن أن يقال: لو كان إنسانا لكان ينبغي أن يعانى الأمور الإنسانية، وما هى الأمور الإنسانية لذاك الذي سيُصلب ولم يجبن، وجاهد ولم ينفصل عن الحياة الحاضرة؟ لأن الطبيعة الإنسانية تميل إلى محبة الأمور الحاضرة، ولهذا تحديدًا ولأنه أراد أن يظهر حقيقة تجسده ويؤكد التدبير الإلهي، فهو يعرض بآلامه دليلاً قويًا وبشكل واضح؟ هذا هو أحد الأسباب ولكن يوجد سبب آخر لا يقل أهمية عن هذا السبب.

 

         وما هو هذا السبب؟ عندما أتى المسيح، أراد أن يُعلّم الناس كل فضيلة. والمعلّم لا يُعلّم بالكلام فقط، بل بالأعمال أيضًا، فهذا هو التعليم المتميز للمعلّم. لأن (قائد السفينة) أيضًا، عندما يضع تلميذه بجواره، يوضح له كيف يجب عليه أن يمسك بعجلة القيادة، لكنه بعد فترة يتحول الكلام إلى عمل، ولا يتكلم فقط بل أنه يعمل أيضًا. وهكذا أيضًا بالنسبة لمن يعمل في حقل البناء، بعدما يضع إلى جواره من يريد أن يتعلم كيفية بناء الحائط، يُبيّن له ذلك عمليًا، بالإضافة إلى الشرح بالكلام أيضًا. نفس الشئ يصنعه النساج، والطرّاز، وصانع الذهب، وصانع النحاس وهكذا، فكل فن أو عمل له معلّمه الذي يُعلّمه بالكلام والعمل. لأن المسيح أتى لكي يُعلّمنا كل فضيلة، فهو يقول كل ما ينبغي أن نفعله، كما إنه يفعل كل ما يُعلّم به، كما قال هو نفسه:   ” من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات[54]. لكن لاحظ أنه أوصى أن نكون متضعين وودعاء، وقد علّم هذا بالكلام. وأوضح كيف أنه علّم هذه الأمور بالأعمال أيضًا. لأنه يقول ” طوبى للودعاء ـ طوبى للرحماء[55]. مُظهرًا كيف ينبغي أن نُحقق هذه الفضائل. أنظر كيف علّمها؟ أخذ منشفة واتزر بها وغسل أرجل تلاميذه “[56] هل هناك شئ يُعادل هذا الإتضاع؟ لأنه لم يعلّمه بالكلام فقط، بل بالأعمال أيضًا. أيضًا الوداعة والتسامح يعلّمها بالأعمال. كيف؟ لقد لُطم من عبد رئيس الكهنة، وقال: ” إن كنت تكلّمت رديًا فاشهد على الردي وإن حسنًا فلماذا تضربني[57]. وقد أمر أن نصلي من أجل أعدائنا. وهذا أيضًا علّمه بالأعمال، لأنه عندما كان على الصليب قال: ” يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون[58]. فكما أوحى أمرًا أن نصلي (من أجل أعدائنا)، وهو نفسه صلى لأجل صالبيه، فهو لم يتوقف عن أن يُسامح في أي وقت.

 

         وقد أوصانا أيضًا أن نُحسن إلى كل مَن يبغضنا، وأن نصنع ما يعود بالفائدة على كل من يؤذينا. وهذا فعله بالأعمال. لأنه طرد الشياطين من اليهود، هؤلاء الذين قالوا إن به شيطان[59]. أحسن إلى من اضطهدوه، أطعم أولئك الذين دبروا له المكائد، قاد أولئك الذين أرادوا أن يصلبوه إلى ملكوت السموات. قال أيضًا لتلاميذه: ” لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسًا في مناطقكم[60]. وكان مثلاً أعلى لهم في التجرد. هذا أيضًا قد علّمه بالأعمال قائلاً: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار. وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه[61]. ولم يكن له مائدة، ولا بيتًا، ولا أى شئ مما شابه ذلك. ليس لأنه كان فقيرًا، بل لأنه علّم الناس أن يتبعوا هذه الطريقة في الحياة.

 

         وبنفس هذه الطريقة، علّمهم أيضًا أن يُصلّوا، عندما قالوا له      ” علّمنا أن نصلي[62]. ولهذا قد صلّى، لكي يعلّمهم أن يُصلّوا. لكن ليس فقط أن يُصلّوا، بل كان عليهم أن يتعلّموا أولاً كيف يجب أن يصلّوا. ولهذا سلّمهم أيضًا الصلاة كالآتي ” أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض خبزنا كفافنا أعطنا اليوم واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة[63]، أى لا تدخلنا في أخطار ومكائد.

 

         إذًا لأنه أمرهم أن يصلّوا ” ولا تدخلنا في تجربة” هذا بالتحديد ما علّمهم إياه بالعمل، قائلاً: ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس“، مُعلّمًا إياهم ألا يندفعوا نحو الأخطار والتجارب، ولا أن يفقدوا شجاعتهم، بل أن يحتملوها أو يصبروا عليها عندما تأتي، ويظهروا كل شجاعة، لكن دون أن يركضوا نحوها قبل أن تأتي، ولا أن يندفعوا أولاً نحو المصاعب[64]. لكن لماذا؟ لكي يُعلّمهم الإتضاع، ولكي يُحررهم من إتهامات المجد الباطل. ولهذا تحديدًا، هنا أيضًا عندما قال هذا ” ابتعد وصلّى” وبعد الصلاة قال لتلاميذه ” أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة. اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة[65]. أرأيت أنه لا يصلى فقط، بل وينصح أيضًا “ أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف“، وهذا قد قاله، لكي يطرد الإفتخار من نفوسهم، ولكي يحررهم من الكبرياء، ويجعلهم حذرين ومتواضعين.

 

         إذًا فهذا ما أراد أن يُعلّمه لهم، لكي يُصلّوا. وفعل الابن نفس هذه الأشياء، فقد صلى كإنسان، ليس بحسب الطبيعة الإلهية (لأنه من حيث الطبيعة الإلهية هو لا يعاني أى شئ)، لكنه كان يعاني بحسب الطبيعة الإنسانية. إذًا فقد صلى لكي يعلّمنا كيف نصلي، وأن نطلب دومًا الخلاص من المصاعب. ولكن إن لم يكن هذا ممكنًا بالنسبة لنا، فلنحتمل كل ما هو حسنًا أمام الله. لهذا قال: ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، بالتأكيد ليس لأن إرادته شئ وإرادة الله هى شئ آخر، بل لكي يُعلّم البشر، أنهم حتى في الحالة التي يجاهدون فيها أو يرتعدون، أو التي يأتي فيها خطر ما، أو عندما لا يريدون أن يغادروا الحياة الحاضرة، فليفضلوا إرادة الله على إرادتهم. هذا بالضبط ما تعلّمه ق. بولس وأظهر الاثنين بالأعمال. لأنه طلب أن تبتعد عنه التجارب، قائلاً: “ من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني[66]. ولأن هذا لم يكن حسنًا أمام الله، يقول:” لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات“.

 

         ربما يكون ما قيل غير واضح، إذًا سأجعله أكثر وضوحًا. لقد تعرض الرسول بولس لمخاطر كثيرة مرات عديدة، وصلى ألاّ يتعرض لمخاطر. اسمع ماذا قال له المسيح آنذاك ” تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل[67]. إذًا فبعدما رأى أن هذه هى إرادة الله، أخضع إرادته لهذه الإرادة بعد ذلك. إذًا هذان الأمران قد علم بهما بواسطة هذه الصلاة، أى ألا نلقي بأنفسنا في الأخطار، بل ونصلي ألا نغامر بالدخول فيها. أما إذا أتت فلنحتملها بشجاعة وأن نفضل إرادة الله على إرادتنا.

 

         إذًا ونحن نعرف هذه الأمور، علينا أن نصلي ألا ندخل أبدًا في تجربة. وإن دخلنا نتوسل إلى الله أن يعطينا الإحتمال والشجاعة، وأن نفضل إرداته على كل إرادة أخرى. لأنه هكذا سنعبر هذه الحياة الحاضرة في أمان، وسننال خيرات الدهر الآتي، والتي أرجو أن ننالها جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

1  العناوين الجانبية من وضع المُترجِم.

2 في هذا الصدد يقول العلاّمة أوريجينوس في تفسيره لسفر العدد عند قراءة الإنجيل أو تعاليم الرسول بولس يبدو عليك الإعجاب بها وتعتقد أنك قد وجدت الطعام الأفضل موافقة والأكثر مناسبة لك. ولكنك لم تعرف بعد الأسرار التي ينبغي أن تعرفها إذا درست وتعمقت في أحكام الله .. وعلينا بالحرى أن نحوّل عيون قلوبنا نحو الذي أمر بهذه الكتابة ونطلب منه فهم المعنى. (تفسير سفر العدد للعلاّمة أوريجينوس، الجزء الثاني، عظة رقم 27 إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية). صـ186.

3  أع26:8ـ40

4  يو15:10.

5  تك9:49 (س).

6  يو18:10.

7 يو19:2.

8  مت4:27.

9  مت19:27.

10 مز16:22.

11 مز17:22.

12 مز 18:22.

13 مز21:69.

14 زك10:12.

15 إش7:53ـ8.

16  مز1:2ـ2.

17 مز9:41.

18 مز1:22.

19 مز6:88.

20 مز10:16.

21 مز5:47.

22 مز1:110.

23 إش8:53و6.

24 إش5:53و12

25 مت22:16ـ23.

26 يو11:10.

27 يو12:10.

28 يو18:10.

29 فى6:2ـ8.

30 يو17:10.

31 أف2:5.

32 يو1:17.

33 يو39:7.

34 غل14:6.

35 يو16:3.

36 رو10:5.

37 مت39:12.

38 انظر 1كو22:1ـ23.

39 لو15:22.

40 يو4:18ـ6.

41 يو21:17.

42 يو10:14.

43 يو30:5.

44 مز4:95.

45 مز32:104.

46 إش14:7.

47 إش1:11.

48 باروخ36:3ـ38.

49 مز6:72.

50  مت8:26.

51 ماركيون هو هرطوقى ظهر في القرن الثاني وهو أحد معلمي البدعة الغنوسية المشهورين، ونادى بأن التجسد كان خياليًا.

52 فالنس هو أحد الهراطقة الذين ظهروا في القرن الثاني أيضًا.

53 ماني مؤسس هرطقة، نادت بوجود مبدأين أزليين للكون وهما غير مخلوقين النور والظلمة. النور هو إله الخير، والظلمة هي إله الشر. والمادة بحسب رؤيتهم هي ظلمة، ولذلك فهي شر.

54 2كو9:12.

55 مت3:5ـ5.

56 يو4:13ـ5.

57 يو23:18.

58 يو34:23.

59 أنظر يو48:8.

60 مت9:10.

61 مت20:8.

62 لو1:11.

63 مت9:6ـ13.

64 هكذا يقول ق. كيرلس في تفسيره لإنجيل لوقا “فلنصل أن لا نجرب، لأنه أمر صعب أن نفر من التجربة، كما أنه أمر صعب بالنسبة لمعظم الناس أن يصمدوا إلى النهاية. ولكن إذا ما دعت الضرورة وألُقينا فيها رغمًا عنا، فلابد أن ندخل المعركة باذلين أقصى جهدنا ونصارع من أجل نفوسنا، غير هيابين البتة…. وكما كتب أيضًا الرسول القديس الذي قال: “طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال أكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه” يع1ـ12. تفسير إنجيل لوقا، للقديس كيرلس الأسكندري، ج3، ترجمة د.نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.

65 مت40:26ـ41.

66 2كو8:12ـ10.

67 2كو9:12.

 

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الآلام المحُييّة

للقديس يوحنا ذهبي الفم

 

عذابات وإهانات فاقت كل الحدود[1]:

   ” فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة، فعروه والبسوه رداءً قرمزيًا وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقصبة في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزأون به قائلين السلام يا ملك اليهود” (مت27:27ـ29).

 

    لقد رقص الشيطان في الجميع دلالة على أن الحسد والشر قد سادا على اليهود، وتعاملوا مع المسيح بقسوة وعدم حياء. لكن من أين ولأي سبب كان تعامل الجنود سيئ هكذا؟ أليس من الواضح جدًا في ذلك الوقت أن الشيطان هو الذي وضع في الجميع هذا الهوس المملوء حنقًا؟ ومن أجل هذا تلهوا هؤلاء المفترسين والمتوحشين بالشتائم التي وجهوها للمسيح. وكان ينبغي أن يخجلوا ويبكوا، كما فعل الجمع، إلا أنهم لم يفعلوا هذا، بل بالعكس أهانوه، ورقصوا بنشوة، ربما لكي يشكروا اليهود، أو أنهم فعلوا كل هذا، بسبب طبيعتهم الخاصة التي تتسم بالسلوك الشرير. وإهاناتهم كانت كثيرة ومتنوعة، لأنهم تارة كانوا يضربون رأس المسيح المقدسة، وتارة أخرى يعاملوه بإهانة بوضع أكليل الشوك على رأسه، ومرة يضربونه بالقصبة، إنهم حقًا رجال يوصفون بالخسة والوحشية.

 

    إذًا هل يحق لنا أن نتذمر إذا تعرضنا للإهانة، بعد كل ما عاناه المسيح و تألم به؟ لأن ما حدث كان أقصى حد يمكن أن تصل إليه الإهانة. وكما ترون لم يُضرب عضوًا واحدًا، بل كل الجسد بكل ما فيه أُهين، الرأس يوضع عليه إكليل الشوك، ويتلقى الضربات، والوجه تعرض للبصق، والخد لُطم. كل الجسد جُلد، ألبسوه ثوبًا إرجوانيًا، وكانوا يسجدون له بتهكم، وضعوا في يده قصبة، بدلاً من صولجان، والفم أيضًا سقوه خلاً بواسطة أسفنجة. وهل كان يمكن أن ينال ما هو أكثر بشاعة من كل هذا؟ وهل هناك ما هو أكثر وضاعة من هذه (الإهانات)؟ لأن ما حدث يتجاوز كل وصف. لقد صنعوا كل شيء، كأنهم يخشون من أنهم يبدون وكأنهم قد فاتهم شيء من عملهم المشين، بعدما قتلوا الأنبياء بنفس الأيدي. أما بالنسبة للمسيح فقد صاروا قتلة بحكم القضاء، وأصدروا حكم محكمة، وشاركوا بيلاطس في إصداره، قائلين: “دمه علينا وعلى أولادنا”[2]، ورقصوا بهوس وعاملوه بإهانة، وهم أنفسهم الذين قيدوا يسوع وقادوه، وصاروا سببًا في إهانات الجنود، وسمروه على الصليب، وجدفوا، وكانوا يبصقون عليه ويسخرون منه. إذ لا شيء هنا قد فعله بيلاطس، بل إن كل شيء قد فعله هؤلاء. لقد صاروا ممثلي إتهام، وقضاه، وشعب، وكل شيء.

 

إتضاع لا مثيل له:

    وهذه الأمور نقرأها نحن، حين يكون الكل مجتمعين. حتى لا يقول الأمم أننا نهدف إلى الإشارة إلى الأمور الحسنة والبهية فقط، مثل الآيات والمعجزات التي حدثت للجموع والشعوب، وأننا نخفي الإهانات. فإن نعمة الروح القدس رتّبت أن تُقرأ كل هذه الإهانات في هذا الإحتفال العام، عندما يكون جموع الرجال والنساء حاضرين، وبشكل عام عندما يكون الجميع حاضرين في مساء يوم البصخة العظيم. فعندما تكون كل المسكونة حاضرة، عندئذ يُبشر بهذه الأمور بصوتٍ عالٍ. وبرغم أن هذه الأمور الصعبة تُقرأ وتصير معروفة للجميع، فإن الإيمان بأن المسيح هو الله، يقوى ويزيد ويُسجَد للمسيح، لأنه قَبِل أن يتضع إلى هذا الحد الكبير، من أجلنا، حتى أنه جاز كل هذه الآلام، لكي يُعلّمنا كل الفضائل.

 

    إذًا هذه الأمور نقرأها على الدوام، لأن الربح من وراء هذا كثير جدًا، وعظيمة هي الفائدة. لأنه حين تراه وهو يُستهزأ به بإشارة اليد، أو بالفعل، وأن يُسجد له بسخرية شديدة، ويُلطم، وأن يتألم من كل هذه الأمور الرديئة، فإنك ستذوب أسرع من أي شمع حتى إن كنت متحجر القلب، وستنزع من نفسك كل غضب.

    اسمع إذًا ماذا حدث بعد ذلك. ” مضوا به للصلب” (مت31:27) بعدما عروه، أخذوا ثيابه وأقتسموها مقترعين عليها، وجلسوا منتظرين موته، الأمر الذي يحدث لأكثر المتهمين حقارة وإجرامًا، والذين ليس لهم أي أحد (ليُعينهم)، ويعيشون في وحدة تامة. إقتسموا تلك الثياب التي جرت منها معجزات كثيرة. لكنه لم يفعل أي شيء وقتها، رغم أن المسيح له المجد يملك قوة فائقة. وهذا الأمر لم يكن عيَّنة بسيطة لفقدان الوعي أو لعدم الإتزان. لأنهم (أي اليهود) تجرأوا على فعل كل شيء، كأن الأمر متعلق بشخص فاسق ومجرم، كما قلت، ومحتقر بالأكثر. أنهم لم يتصرفوا هكذا مع اللصين، أما بالنسبة للمسيح فقد تجرأوا على فعل كل شيء بل وصلبوه بين هذين اللصين، لكي يكون معدودًا مع اللصوص.

    ” وأعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب، ولم يرد أن يشرب” (مت34:27).

     فعلوا هذا لكي يتهكموا عليه، لكن يسوع لم ينطق بكلمة، والإنجيلي الأخر (أي يوحنا) يقول ” فلما أخذ يسوع الخل” قال ” قد أكمل[3]. ماذا يعني بعبارة ” قد أُكمل”؟ أي تمت النبوة عن المسيح، التي تقول: “ ويجعلون في طعامي علقمًا وفي عطشي يسقوني خلاً[4]. لكن ولا يوحنا، قد بيّن أنه شرب (الخل) لأنه لا يوجد إختلاف بين حقيقة أنه قد ذاق فقط، وحقيقة وأنه لم يشرب، بل يعني أن هذا الأمر وذاك هو شيء واحد.

 

    بل إن هذا السلوك الإجرامي لهؤلاء المهووسين، لم يتوقف عند هذا الحد بل إنهم بعدما عرّوه، وصلبوه، وقدموا له خلاً، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ قد تهكموا عليه وهم ينظرونه مُسمّرًا فوق الصليب، سواء حدث هذا من قِبَل هؤلاء أو من قِبل المجتازين أمام الصليب، وهذا يعد أسوأ ما يمكن أن يحدث لبشر، بمعنى أنهم رأوا أن معاناته لكل هذه الآلام تعد أمرًا مُبررًا، وأنه مخادع ومحتال، وكمتباهي غير متعقل قد أفتخر بكل ما قاله. من أجل هذا صلبوه بشكل علني، وتهكموا عليه أمام الجميع، ولهذا صلبوه بأيدي العسكر، ولكي يطيلوا من أعمالهم المجنونة، تجرأوا على فعل هذه الأمور في محاكمة علنية.

 

    ومَن ذا الذي لن يجعل العامة التي تبعته وناحت عليه أن تشفق عليه؟ أما هؤلاء الوحوش فلا يشفقون. ومن أجل هذا، فإن يسوع يعتبر أن هؤلاء العامة مستحقون أن تُسمع تضرعاتهم بينما الذين عذبوه فهم غير مستحقين. لأنه بعدما فعلوا كل ما أرادوه، شرعوا يلوثون سيرته، لأنهم خافوا من قيامته من الأموات. من أجل هذا أخذوا يتهكمون عليه علانية، وصلبوا معه لصيّن، راغبين في أن يُظهروا أنه مُحتال فقالوا “يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك إن كنت ابن الله فأنزل عن الصليب”[5]، ولأن بيلاطس لم يسمع لهم عندما طلبوا منه أن يحطم العلة التي كان مكتوب عليها هذا هو يسوع ملك اليهود، بل رفض، قائلاً: “ما كتبت قد كتبت”، فحاولوا بتهكمهم أن يُظهروا بأنه ليس ملكًا ولهذا قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب”، وقالوا ” خلّص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلّصها[6]، مُحاولين بهذا أن يُشهّروا ويشككوا بالمعجزات التي صنعها، ثم قالوا ” قد إتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده[7].

 

    حقًا هؤلاء يتسمون بالخسة ويثيرون الإشمئزاز! لماذا يا ترى كل هذا الافتراء؟ هل الأنبياء لم يكونوا أنبياء، أو أن الأبرار لم يكونوا أبرارًا، لأن الله لم يجنبّهم الأخطار؟ بالتأكيد كانوا أنبياء وابرار، بل وحين عانوا كل تلك الآلام (كانوا أنبياء وأبرارًا). إذًا هل هناك حماقة مثل حماقاتهم؟ لأنه إن كانت معرفة الإضطهادات والآلام التي تحملها الأنبياء لم تلوث سيرتهم، بل وحين تألموا ظلوا أنبياء، فبالأكثر جدًا ما كان ينبغي أن يتعثر أحد في المسيح، في كل ما عمل وتكلّم به، من أجل أن يغيّر أذهاننا.

    لكن رغم كل ما قالوه وصنعوه، لم يتمكنوا من أن يفعلوا  أي شيء، ولا في ذلك الوقت (أي في القديم). هكذا فإن ذاك (أي اللص اليمين) الذي فسد في الشر، وأمضى حياته كلها في القتل والسرقة، عندما قيلت هذه الأمور تحديدًا، وقتها إعترف به أنه إله، وتذكّر الملكوت[8]. وناحت الجموع بأنين على المسيح له المجد، برغم أنه بات واضحًا أن كل ما حدث كان سيتأكد بطريقة عكسية بالنسبة للذين لم يفهموا سر التدبير الإلهي، والذين كانوا يروا أنه من المستحيل أن يحدث شيء، سوى ما شاهدوه، تأكدوا بأن العكس هو الحقيقة التي ثبت صحتها.

 

فلنتمثل بالمسيح:

   إذًا ونحن نسمع كل ذلك، فلنسلح أنفسنا ضد كل غضب. حتى ولو كان قلبك مشتعلاً، إختم صدرك واضعًا عليه الصليب، تذكّر شيئًا من تلك الأمور (الآلام) التي تعرض لها المسيح وستشعر وكأنك تلقي ترابًا على غضبك (المشتعل)،. فكّر في أقواله وأفعاله، فكّر في أن  المسيح كان سيدًا، بينما أنت عبد، وأنه تألم من أجلك، بينما أنت تحيا لأجل نفسك، تألم من أجل الذين صلبوه وأحسن إليهم، بينما أنت تحيا لنفسك، تألم من أجل الذين أهانوه، بينما أنت مرات عديدة، تحيا على حساب أولئك المظلومين، لقد تألم أمام أنظار المدينة كلها. أو ربمّا أمام أعين كل اليهود والأغراب وأهل المدينة الذين كلمهم كلامًا مملوءًا رحمة، بينما أنت تتألم أمام قليلين، بل والأسوأ بالنسبة له أنه تُرِكَ من قِيل تلاميذه. لأن هؤلاء الذين سبق وأظهروا له كل وقار وتقدير تركوه، أمام أعدائه ومقاوميه. بعدما أخذوه، سمروه على الصليب في الوسط (أي بين لصّين)، أهانوه، جدّفوا عليه، سخروا منه، إستهزوا به، تهكم عليه اليهود من أسفل، والجنود من أعلي، وتهكم عليه اللصان من الجانبين، لأن اللصان كليهما قد أهناه وسخرا منه.

 

    إذًا كيف يقول لوقا أن واحدًا قد جدّف عليه[9]؟ الأمران قد حدثا لأن الاثنين تهكما عليه في البداية، لكن بعد ذلك لم يحدث هذا. لكي لا تعتقد أن الأمور صارت بخلاف ذلك، وأن اللص بقى لصًا، فوق الصليب ومن خلال الإهانة (التي وجهها للمسيح) يظهر لك بأنه لص وعدو. إذًا فكّر في كل هذا، وواجه بصبر وإحتمال كل الصعوبات. لأنه بماذا تألمت من كل ما تألم به سيدك؟ هل أُهنت علانيةً؟ بل إن الأمر لم يقتصر على ذلك. هل إستُهزأ بك؟ قد يحدث، لكن بدون آلام تصيب جسدك كله، ولا بسياط على جسد عاري.

 

    ويمكنك أن تُضيف أشياء أخرى، من قِبل مَن عانى كل هذه الآلام، ولماذا، بل والأسوأ من كل هذا، أن لا أحد إعترض على كل ما حدث أو أدانه. بل بالعكس إمتدحوا ما حدث، وإستهزوا به، وضايقوه وجدفوا عليه كمتباهي وكمخادع، وغاش، ولا يقدر أن يُبرهن في الحال على تلك الأمور التي تكلّم عنها. أما المسيح له المجد فقد صمت في كل شيء، وصنع أدوية فعالة من أجلنا بطول الأناة.

    لكن نحن الذين نسمع كل هذا، لا نظهر صبرًا ولا حتى تجاه العبيد، بل نثور ونركل أكثر من الحمير المتوحشة. إذا كان الأمر يخصنا نصير قساة ومتوحشين، بينما إذا كان يخص الله، لا نُعطي أهمية كبيرة. ونسلك بطريقة مماثلة في مواجهة الأصدقاء، وعندما يُسبب لنا أحد ألمًا فإننا لا نحتمله، وإن أهاننا نتحول إلى متوحشين أكثر من الوحوش، نحن الذين نطالع هذه الأمور يوميًا. أما بالنسبة للمسيح، فقد خانه التلميذ (أي يهوذا)، والآخرون تركوه ورحلوا، والذين أحسن إليهم بصقوا عليه. عبد رئيس الكهنة لطمه، الجنود تهكموا عليه، والمارة إستهزأوا به وجدّفوا عليه، اللصان اتهماه، ولم ينطق بشيء في واحدة من تلك التهم، لكنه واجه الجميع بالصمت، مُعلمًا إياك أنه قدر ما تعاني بهدوء، بقدر ما ستنتصر بالأكثر على كل مَن يصنع بك شرًا، وستنال تقدير الجميع.

 

    لأنه مَن ذا الذي لا يُعجب، بمن يتألم ويعاني بهدوء، تجاه أولئك الذين يعذبونه؟ مثلما لو أن أحد برغم من أنه يُعَاقَب بعدل، مُتحملاً العقاب بهدوء، فيعتقد الكثيرون أنه عُوقب ظلمًا، هكذا فعندما يتألم ظلمًا، لكنه يعترض بوقاحة، فإنه سيُعطي إنطباعًا أنه بعدل عُوقب، وسيصير مثارًا للسخرية، لأنه ينجرف نحو الخطأ بسبب الغضب، ويقع أسيرًا (لغضبه)، ويفقد وقاره. هذا لا يمكن أن يدعوه أحد حرًا، حتى ولو كان سيدًا لآلاف العبيد. لكنك ستعترض بأن فلان سخط عليك كثيرًا. وما معنى هذا؟ يعني تحديدًا أنه ينبغي عليك أن تُظهِر احتمالاً، فالوحوش أيضًا يمكن أن نراها مستأنسة أو أليفة. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الوحوش ليست في حالة هياج مستمر، إلا إذا آثارها أحد. إذًا إن كان هدوءنا مرتبطًا فقط بعدم إثارة أحد لنا، فماذا فعلنا أفضل (من الحيوانات المتوحشة)؟ وتلك الوحوش في مرات كثيرة تثور بشكل مُبرر، لأنها حين تتحرك وتتصادم تهيج. وبالإضافة إلى ذلك فإنها لا تملك عقلاً، وفي طبيعتها أن تثور وتهيج. أما أنت، كيف يمكنك أن تعتذر أو تطلب المسامحة، عندما تثور وتصبح متوحشًا؟ ما هو الألم الذي عاينته؟ هل وقعت ضحية خطف؟ من أجل هذا تحديدًا يجب أن تحتمل، لكي تربح أكثر. هل خسرت مجدًا ما؟ وماذا يكون هذا؟ لأنك إذا فكرت فيه جيدًا، فستجد أن ما تملكه لا ينقص شيئًا، بفقدان هذا المجد. أما إذا كنت لا تُعاني من أي سوء أو شر، فلماذا تغضب وتثور على مَنْ لم يصنع بك أي شر؟ لأن الذين يشيدون بالغاضبين، يجعلونهم بالأكثر متباهين، بينما الذين يشتمون ويحتقرون كل مَن يلاحظون أنفسهم، يجعلونهم بالأكثر مُحتملِين. فلو أننا اتّسمنا بالهدوء، فإن هؤلاء سيصيرون بالنسبة لنا سبب إحتمال. أما أولئك فإنهم يُثيرون فينا أنانيتنا، ويملؤننا بالزهو وبالمجد الباطل، والحماقة، ويجعلون نفوسنا أكثر ضعفًا.

 

   والآباء يؤكدون هذه الأمور، فهم لا يتملقون أبناءهم كثيرًا، بل يجعلونهم متضعين، خوفًا من احتمال تعرضهم للخسارة بسبب التملق. بل والمعلمون يستخدمون نفس العلاج تجاه من يتملقونهم. وحتى إن كان يجب أن نتوجه بالإرشاد للبعض فينبغي أن نوجهّه للذين يتملقوننا، أكثر من هؤلاء الذين يهينوننا. لأن هذا الُطعم (أي التملق) بسّبب ضررًا أكثر من الإهانة، هذا ومن الصعوبة بمكان أن تنحصر في هذا الأمر. والأكثر صعوبة هو احتمال الإهانة .

 

إحتمال الإهانة يجلب الخيرات:

   إن مكافئة احتمال الإهانة هي كبيرة جدًا، والإعجاب بالإحتمال أكثر عظمة. لأنه بالحق هو أمر يستحق الإعجاب أكثر من أي شيء، أن ترى إنسانًا يُهان ولا يرد الإهانة، أو يُضرب ولا يُقاوم. وكيف يمكن إلا يدافع عن نفسه؟ هل أهانك أحد؟ إذًا فإرشم على صدرك علامة الصليب. تذكّر كل ما حدث للمسيح وعندئذٍ سيُمحَى كل شيء. لا تنظر فقط إلى الإهانات، فهي قد تجلب لك خيرًا، وتجعلك وديعًا ومترفقًا. أو من الأفضل أن نقول تذكّر في كل الأحوال مخافة الله، وسرعان ما تصبح لطيفًا ورقيقًا.

 

    بالإضافة إلى هذا، تعلّم من عبدك كيف يكون الاحتمال وبذلك يمكن أن ترى نفسك فيه وهو يُهان، ويصمت. فكّر فيما يُظهره من إحتمال كبير، وأَدنْ نفسك، وتعلّم كيف لا ترد الإهانة، وبهذه الطريقة فإنك لن تتألم حتى حين تُهان. فكّر أن الذي يهينك أصابه الخبل وكأنه قد فقد صوابه، وعندئذٍ لن تغتاظ. لأن الذين ساد عليهم الشيطان، يضربوننا، أما نحن فإننا ليس فقط لا ندافع عن أنفسنا، بل ونترفق بهم.

 

    وأنت أيضًا إفعل هذا، تراءف على من ٍيُهينك، فهو خاضع تحت سيطرة وحش جبار، وهو الغضب، وسيطرة شيطان مخيف، وهو الحنق أو السخط. حرر ذاك الذي يأسره شيطان مرعب، وسيتحطم تمامًا خلال فترة قصيرة. لأن هذا المرض له طبيعة خاصة، حتى أنه لا يحتاج إلى وقت طويل، حتى يهلِك مَنْ يسيطر عليه. أردت من كل هذا أن أبيّن، وبشكل أساسي، طغيان أو إستبداد الغضب، أي أنه في وقت قصير يمكن أن يُثير شرورًا كبيرة، أي أن تأثيره المدمر يظهر سريعًا.

 

    أردت أن أبيّن أيضًا مَن هو الذي يُهين، ومَن الذي يحتمل، وأن أظهر نفس كل واحد عارية. سترى حينئذٍ، أن هناك نفسًا تشبه عرض البحر الذي يضطرب بالأمواج، والأخرى تشبه ميناء هادئًا خاليًا من اضطرابات البحر. إذ أن تلك النفس لا تضطرب من الشياطين، بل بالحري تغلبها بسهولة. لأن الذين يهينون يصنعون كل شيء حتى وكأنهم ينهشون غيرهم. وعندما يفقدون رغبتهم ينسحبون، ويتراجعون بتعقل. لأنه من غير الممكن للإنسان الذي يغضب، أن لا يدين نفسه، مثلما أنه من غير الممكن لإنسان لا يغضب أن يدين نفسه. لأنه حتى وإن كان يتحتم عليك أن تهاجم، فيمكنك أن تفعل ذلك بدون غضب، بل بهدوء وتعقل، ودون أن تُصاب بأي شيء كريه. لأنه إن أردنا (أن نفعل هذا)، فستأتي الخيرات بنعمة الله، وسنُصبح مكتفين في أماننا وكرامتنا.

 

لنسلك باستقامة ضمير:  

   لماذا إذًا تطلب المجد من آخر؟ عليك فقط أن تسلك بكرامة، ولن يستطيع أحد أن يهينك. لكن إن أهنت نفسك، فلن تُكرّم، حتى وإن كان الجميع بعد يكرمونك، لأنه كما أننا حين لا نرغب أن نضع على أنفسنا شرورًا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يُصيبنا بشر؛ هكذا حين لا نهين أنفسنا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يهيننا. فلنفترض أن هناك رجل له مكانته ووقاره، وأن الجميع يدعونه زانيًا، وسارقًا، ونابشًا للقبور، وقاتلاً، ولصًا، لكنه لا يغضب ولا يغتاظ، ولا يصدق أي شيء من ذلك عن نفسه. فأي إهانة ستلحقه من جرّاء هذا؟ لا شيء، وبناء على ذلك فهل ستتأثر مكانته إذا كان هذا هو رأي الكثيرين عنه؟ لن تنقص مكانته في شيء بهذا الرأي، بل بالعكس هؤلاء سيخجلون من أنفسهم، لأنهم يظنون أنه هكذا، بينما هو ليس كذلك. أخبرني، لو أن شخصًا يعتقد أن الشمس مظلمة، هل هو يدين معارفه أم يدين نفسه؟ من الواضح جدًا أنه يدين نفسه، لأنه يعطي إنطباعًا عن نفسه أنه أعمى أو مجنون. هكذا أولئك الذين يعتقدون أن الأشرار صالحون، هم أنفسهم يشمئزون من أنفسهم.

 

    من أجل هذا يجب أن نحاول أكثر أن ننقي ضميرنا، وألا نعطي أي دافع (للإدانة)، ولا مجرد شكوك خبيثة. فلو أن البعض يريدون أن يكونوا مجانيين، عندما نسلك نحن هكذا (أي بإستقامة ضمير )، فيجب ألا نعطى لهم أهمية، وأن لا نتضايق.لأن ذاك الذي خرجت عنه سمعة سيئة، بينما هو صالح، لن يُعاق مطلقًا عن أن يكون هو مَن هو (أي صالحًا). وذاك الذي صار موضع شك ظلمًا وبطلانًا، لن يتعرض لأي ضرر. هكذا تمامًا هو الشرير، فهو موضع شك (عن حق)، برغم ما يظهره من صلاح مزيف، فهو لن يربح شيئًا من وراء هذا، بل بالعكس سيُحّمل بخطية كبيرة، وسيوؤل به الأمر إلى وضع أسوء.

 

   لأن ذاك الذي هو شرير، يمكن أن يتّضع ويعترف بخطاياه ولكن عندما يخرج عن طريقة الصحيح، فإنه يسقط في القسوة والعنف. وإن كان الخطاة الذين يدينهم الجميع، بمجرد أن يتأثروا ويرجعوا عن خطاياهم، فهم ليس فقط لن يكونوا موضع إدانة، بل إن البعض يمتدحونهم أيضًا، فمتى يفهم ذلك هؤلاء الذين يعيشون في الخطية؟ ألم نسمع أن بولس أدان الخطية، وأن أهل كورنثوس ليس فقط لم يدعوا الذي زنى مع أمرأة أبيه أن يشعر يخطيته، بأن إستحسنوه وكرموه، بل إنهم بهذه الطريقة دفعوه نحو الخطية[10]؟

 

    من أجل هذا أترجاكم، بعدما نترك شكوك الكثيرين والإهانات، ومظاهر التكريم، فلنسعَ نحو أمر واحد فقط، ألا نملأ ضميرنا بأي شيء خبيث أو شرير مرة أخرى، وألا نهين نحن أنفسنا. لأنه هكذا سواء هنا أو في الدهر الآتي سنتمتع بمجد كثير، والذي نرجو نواله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الأبدين آمين.

 

الصلب والموت والقبر والقيامة:       

   ” وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا. وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلاً وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ ” (مت45:27ـ48).

 

   هذا هو الجزء الذي كان المسيح قد أشار إليه عندما طلب منه اليهود من قبل أن يصنع آية. فقال لهم: ” جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي” (مت39:12). وكان يعني بهذا الكلام، الصلب، والموت، والدفن في القبر، والقيامة.

 

    ولكي يوضح قوة الصليب قال: ” متى رفعتم إبن الإنسان فحينئذٍ تفهمون إني أنا هو” (يو28:8). ما يقصده، هو الآتي: عندما تصلبونني وتعتقدون أنكم سببتم لي آذىً أو ضررًا، حينها بالضبط ستعرفون قوتي. لأنه بعد الصلب حُطِمَّتْ المدينة، أُبطلتْ العادات والتقاليد اليهودية، فقد اليهود حياتهم وحريتهم، إنتشرت البشارة، وإمتدت كلمة الصليب إلى أقاصي المسكونة. لقد كرز (الرسل) على الدوام بقوة المصلوب، في اليابسة، وفي البحر، في المناطق الآهلة بالسكان، والمناطق غير المأهولة بالسكان.

 

    هذه الأمور إذًا هي ما كان يقصدها، والتي حدثت لحظة الصلب. لأن العجائب التي حدثت أثناء صلبه قد أثارت الدهشة والتعجب أكثر مما حدث أثناء دفنه على أن ما جعل كل ذلك أمرًا يثير الدهشة والتعجب هو أن هذه الأمور قد حدثت من السماء. وما طلبه الرسل، قد تحقق لهم، الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق في الماضي في أي مكان، إلا في مصر فقط، عندما كانوا  سيقيمون الفصح. وهذا لأن تلك الأمور التي حدثت قديمًا كانت نموذجًا لهذه الأمور. ولاحظ متى حدثت. حدثت في منتصف النهار حينما كان في كل المسكونة نهار، لكي يعلم بها كل الساكنين على الأرض، الأمر الذي كان كافيًا، لكي يحولهم (أي اليهود إلى الإيمان)، ليس فقط لعظم المعجزة، بل لأنها حدثت في اللحظة المناسبة.

 

    لقد حدثت بعد كل أعمال السكر والتهكم غير اللائق، عندما هدأ الغضب وتوقفوا عن السخرية، وشبعوا من الازدراء، وقالوا كل ما أرادوا أن يقولوه. عندئذٍ ساد الظلام منتصف النهار ويا ليتهم كانوا قد انتفعوا من هذه المعجزة بعدما هدأ غضبهم. هذا بحد ذاته كان أمرًا يستحق الدهشة بالأكثر، أن يصنع هذا وهو على الصليب. فلو كانوا قد آمنوا بأن هذه المعجزات قد صنعها المسيح، لكان ينبغي عليهم أن يؤمنوا وأن يخافوا، أما إن كانوا لم يصدقوا أن المسيح صنعها، بل صنعها الآب، فكان عليهم أيضًا أن يتأثروا بعمق، لأن ذلك الظلام كان تعبيرًا عن غضبه على كل ما تجرّأوا على عمله.

 

    وهذا الظلام لم يكن حجبًا للشمس أو اختفاء لها، بل غضبًا وسخطًا وهذا يتضح من المدة التي ساد فيها الظلام كل المسكونة، لأنه ظل ثلاثة ساعات، بينما الإحتجاب يحدث في فترة زمنية قصيرة، ويعرفه الذين سبق أن نظروه، لأنه حدث في جيلنا. ويتساءل المرء كيف لم يندهش الجميع (أمام هذه المعجزة)، وكيف لم يؤمنوا بأنه هو الله؟[11] لأن جنس البشر كانوا مُصابين آنذاك بأمراض وشرور كثيرة. وبعدما حدثت هذه المعجزة، فإنها عبرت على الفور، ولم يهتم أحد أن يفحص أو يبحث عن السبب، لأن الشك كان كبيرًا والإعتقاد الباطل مع عدم التقوى، كان سائدًا وهو الأمر الذي جرت عليه العادة. وهكذا لم يعرفوا سبب الظاهرة، وربما اعتقدوا أن هذا الظلام الذي ساد، حدث كإحتجاب للشمس، أو لِسبب طبيعي آخر (مرتبط بالطبيعة الكونية).

 

الابن يكرّم الآب:

    ولماذا تشك، فيما يتعلق بالأمم الذين لم يعرفوا شيئًا، ولا سعوا أن يتعلموا بسبب لا مبالاتهم الشديدة، بينما أولئك الذين عاشوا في اليهودية، وبعد كل هذه المعجزات (التي صنعها المسيح)، لا زالوا يهينوه، على الرغم من أنه قد أظهر لهم بكل وضوح، أنه هو الذي صنع هذه المعجزة؟ ولهذا يتكلم بعد ذلك، لكي يعرفوا أنه لا يزال حيًا، وأنه هو الذي صنع المعجزة، حتى يجعلهم هكذا أكثر رأفة. يقول “إلهي إلهي لماذا شبقتني”، لكي ينظروا أنه كان يكرم الآب حتى النفس الأخير، وإنه لم يكن ضد إرادة الآب. ولهذا صرخ هذه الصرخة النبوية، مؤكدًا حتى اللحظة الأخيرة على ما جاء بالعهد القديم. ولم تكن صرخة نبوية فحسب، بل وصرخة عبرانية أيضًا، لكي يظهر لهم (ما حدث) بكل وضوح. وبشكل عام فقد أظهر، من خلال كل ما حدث، مدى طاعته واتفاق إرادته مع إرادة أبيه.

    لكن انظر إلى فسقهم وفجورهم. يقول الكتاب لقد ظنوا أنه يُنادي إيليا، وعلى الفور سقوه خلاً. بينما جاء آخر وطعن جنبه بالحربة. هل يوجد سلوك لا معقول وأكثر وحشية مما لأولئك الذين وصل بهم الهوس إلى هذا الحد، أن يهينوا جسدًا قد فارق الحياة؟ أرجوك إذًا أن تلاحظ الأسلوب الذي نفذ به هؤلاء إجرامهم، من أجل تتميم خلاصنا. لأنه بعد هذا الجرح، تفجرت من هناك ( من الصليب) ينابيع خلاصنا.

 

    ” فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح” (مت50:27). هذا هو ما قاله: ” لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا” (يو18:10). وأيضًا “وأضعها أنا من ذاتي”. ومن أجل هذا صرخ، لكي يظهر أن الموت حدث بسلطانه الذاتي، وق. مرقس يقول إن بيلاطس تعجب كيف مات هكذا سريعًا، وإن قائد المئة من أجل هذا تحديدًا، قد آمن، لأنه مات بسلطانه ” ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (مر39:1).

 

أسلم الروح فأقام الموتى:

   هذه الصرخة شقت حجاب الهيكل، وفتحت القبور، وجعلت الهيكل خرابًا. وقد صنع ذلك، لا لكي يظهر عدم تقدير للهيكل، لأنه كيف يصنع هذا، وهو الذي قال: ” لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة” (يو6:2). بل لكي يُظهر أن هؤلاء اليهود غير مستحقين بعد، أن يقيموا هناك، تمامًا كما حدث من قبل عندما سلم الهيكل للبابليين. لكن هذه الأمور لم تحدث لأجل هذا السبب فقط، أي أنها صارت تحقيقًا لنبوة مستقبلية عن خراب الهيكل وبطلانه أمام ما هو أعلى وأسمى.

 

    بالإضافة إلى هذه الأمور، فإنه أظهر ذاته كإله، وذلك بقيامته من الأموات ومن خلال الظلمة التي سادت في وضح النهار واضطراب عناصر الطبيعة. كما حدث في عصر إليشع، عندما    ” مس ميت عظام إليشع عاش وقام على رجليه” (2ملو21:13).

 

    هكذا أقامت صرخة المسيح هؤلاء (الموتى)، بينما كان جسده فوق الصليب. من ناحية أخرى فإن ما حدث في الماضي كان مثالاً، لما سيحدث في المسيح. لأن ما حدث في حادثة إليشع كان لأجل أن يؤمن اليهود بالمسيح. إن الموتى لم يقوموا فحسب، بل الصخور تشققت، والأرض تزلزلت، لكي يدركوا أن المسيح استطاع أن يستأصلهم ويقطعهم، لأن ذاك الذي شقق الصخور، وأظلم المسكونة، سيمكنه بالأحرى جدًا أن يصنع هذه الأمور في هؤلاء، إن أراد ذلك. لكنه لم يرد، بل بعدما أظهر غضبه في عناصر الطبيعة، أراد أن يخلّصهم، بسبب رأفاته ومحبته.

 

قوة المصلوب:

   لكنهم لم يقللوا من هوسهم. لأن الحسد والغيرة لا يتراجعان بسهولة. بل سلكوا بطريقة مُثيرة للاشمئزاز وسفيهة تجاه نفس الظواهر. فبعد أن قام المسيح، بينما كان القبر مختومًا وعليه حراسة من الجنود، أعطى رؤساء الكهنة فضة للحراس لكي يفسدوهم ويُكذّبون بشارة القيامة.

 

    إذًا لا تشك إن كانوا وقتها قد أظهروا جحودًا، ما داموا قد تخلوا عن كل معاني اللياقة والحياة تجاه كل شيء. لاحظ فقط مقدار المعجزات الكبيرة التي صنعها، بعضها من السماء، وبعضها على الأرض، والبعض الآخر داخل الهيكل، وهي تظهر غضبه، ومن ناحية أخرى صارت الطرق الغير مسلوكة، مسلوكة، وهكذا ستُفتح السماء، وكل الأمور ستؤول إلى قدس الأقداس الحقيقي.  وهؤلاء قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب(مت42:27). وبينما أظهر المسيح أنه ملك كل المسكونة، خاطبه هؤلاء قائلين: ” يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك(مت39:27)، بينما أعلن المسيح أن الهيكل سيخرب تمامًا. أيضًا هؤلاء (أي رؤساء الكهنة) قالوا ” خلص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها(مت43:27)، بينما وهو باق فوق الصليب، أعطي بركة عظيمة لأجساد الموتى. لأنه إذا كانت إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام في القبر، تعتبر معجزة فائقة، فإن الأكثر أهمية من ذلك بكثير، هو أن يظهر الأموات الذين ماتوا من سنوات طويلة، مع بعضهم البعض الأمر الذي كان دليلاً على القيامة الآتية. لأن الكتاب يقول: ” والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين.. ودخلوا المدينة المقدسة(مت52:27ـ53). ولكي لا يُعتقد أن هذا الحدث خيالي، ظهروا أمام كثيرين في المدينة.

 

    بل إن قائد المئة مجّد الله وقتها، قائلاً: ” بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا. وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان رجعوا وهم يقرعون صدورهم[12]. هكذا كانت عظيمة هي قوة المصلوب، حتى أنه بعد كل هذا التهكم والسخرية، والإستهزاء، فإن قائد المئة والجموع تأثروا بعمق. والبعض قالوا أن قائد المئة هذا قد إستُشهد، بعد أن قَبِل الإيمان، بعد كل ما رآه.

 

    ” وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم أبني زبدي” (مت55:27ـ56). بينما كانت هذا الأحداث تُجرى، فقد تتبعتها هؤلاء النسوة، واللاتي نُحن كثيرًا. ولاحظ كم كان صبرهن وإصرارهن كبيرًا. تبعنه حتى الصليب، واعتنين به، وكن حاضرات وتعرّضن للأخطار. ومن أجل هذا فقد رأين كل شيء، رأين كيف صرخ بصوت عظيم، وكيف أسلم الروح، وكيف تشققت الصخور، ورأين كل الأمور الأخرى. وهؤلاء أولاً رأين يسوع، وهذا الجنس (أي جنس النساء) الذي إتهم بإتهامات كثيرة، هذا الجنس يتمتع أولاً، بامتياز أن يرى الأمور المفرحة. هذا الجنس برهن بالأكثر على مدى الشجاعة. فبينما هرب التلاميذ، بقيت النساء. مَن هن هؤلاء؟ مريم المجدلية ومريم أم يعقوب، والنساء الأخريات.

 

    والإنجيلي الآخر (أي لوقا) يقول: ” والنساء اللواتي كن يلطمن وينحن عليه، هؤلاء تبعنه حتى الصليب”. ما يُظهر قسوة اليهود، هو أن الأمور التي من أجلها ينوح البعض، تجعل هؤلاء يسعدون ولم تتحرك مشاعرهم ويشفقون عليه، ولم يرتعدوا بالخوف (من الله). لأن كل ما حدث كان عّينه لغضب شديد. وليس فقط عّينه للغضب، بل علامة للسخط، وهكذا كان أيضًا الظلام، وتشقق الصخور، وإنشقاق حجاب الهيكل إلى اثنين، وزلزلة الأرض، كل هذا يظهر غضب الله الشديد.

 

 

القبر الجديد:

   “ جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف..وطلب جسد يسوع” (متى57:27ـ58). هذا هو يوسف الذي إختبأ من قبل. أما الآن فبعد موت يسوع، أظهر جرأة كبيرة. لأنه كان شخصًا له مكانته المرموقة، وليس في عداد المهمشين، بل كان واحد من أعضاء المجمع ومن المعروفين جدًا. وقد تجلّت شجاعته، لأنه حكم على نفسه بالموت عندما أعلن إشمئزازه من الجميع، من خلال محبته ليسوع، وتجرأ أن يطلب جسده، وظل هناك حتى حقق ما أراد. وقد أظهر محبة وشجاعة، ليس فقط بأنه أخذ جسد المسيح ودفنه بكرامة وإجلال، بل بأن دفنه في قبره الجديد الخاص به. وهذا لم يحدث هكذا مصادفةً، بل لكي لا يكون هناك أدنى شك، في أن الذي قام كان هو المسيح ولم يكن شخصًا آخر.

 

النساء يظهرن شجاعة نادرة:   

   ” وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر” (مت61:27). لماذا جلستا تجاه القبر؟ أنهما لم تعلما بعد أي شيء عظيم وسامي، كما ينبغي عن يسوع. ومن أجل هذا أحضرتا أطيابًا وانتظرتا بصبر أمام القبر، وبعد هدأ هوس اليهود؛ بدأتا تتحركان وتدهنان الجسد بالأطياب.

 

    أرأيت مدى شجاعة النساء؟ أرأيت مقدار المحبة؟ أرأيت عظمة  النفس ، والتي تصل إلى حد قبول التعرض لخطر الموت؟ فلنتمثل نحن الرجال بالنساء، وألا نهجر يسوع في تجاربه. لأن هؤلاء النسوة، عندما مات يسوع، أنفقن الكثير وعرّضن حياتهن للخطر، بينما نحن ولا حتى حين يجوع نُطعمه، ولا نكسوه حين يكون عريانًا، بل على العكس حين نراه وهو يمد يده، نعبر عنه. أنا متأكد إن رأيتم الرب نفسه موجودًا، فإن كل واحد منكم سيُعطي كل ما يمتلكه. بل والآن، هو نفسه موجود (في الفقير والعريان). فضلاً عن ذلك فقد قال “أنا هو”.

 

    إذًا لماذا لا تقدم كل شيء؟ ومن أجل هذا، الآن تسمعه بقول:      “فبي قد فعلتم”، وليس هناك فرق أبدًا أن تعطي ليسوع، أو تعطي للفقير. إن مكافأتك لن تكون أقل من هؤلاء النسوة اللاتي أطعمن يسوع في ذلك الحين، بل العكس ستكون أعظم. لكن حين تصنعون هذا فلا يجب أن تُحدِثون صخبًا. لأنه ليس هو نفس الأمر أن تطعموا يسوع عندما يظهر بسلطانه، الأمر الذي يؤثر حتى في النفوس المتحجرة، وأن تطعموا الفقير، والعاجز، والأحدب، من خلال تنفيذ وصية المسيح فقط. بينما هنا (في هذه الحياة) عمل الإحسان هو خاص بك، وما يُعد برهانًا كبيرًا على إكرامك للمسيح هو أن تريح شريكك في العبودية، من خلال وصية المسيح، وتعتني به في كل لحظة.

 

 

البر بالمحتاجين يفتح أبواب الملكوت:

    إذًا أرح المحتاجين، مؤمنًا بذاك الذي يأخذ ( إحسانك)، إذ يقول ” فبي قد فعلتم”. لأنه إن لم تعطِ لذاك، فلن تكون مستحقًا للملكوت. إن لم تتحول عن ذاك (المسيح)، فلن يرسلك إلى جهنم حيث النار المتقدة. لكن ذاك الذي أُحتقر، من أجل هذه الخطية هو ممجد الآن. هذا هو مَن إضطهده بولس، عندما إضطهد أتباعه. ولهذا قال له ” لماذا تضطهدني”[13]. لنسلك إذًا بهذه الطريقة، حتى أنه عندما نعطي شيئًا للمحتاج، فإننا نكون قد أعطينا للمسيح. لأن كلامه جدير بالتصديق أكثر من رؤيته.

 

    إذًا عندما ترى في طريقك فقير، تذكّر الكلمات التي تؤكد أن هذا الفقير الذي تطعمه هو يسوع. لأنه على الرغم من أن الذي تراه أمامك (أي الفقير) ليس هو المسيح، إلا أنه بظهوره يكون المسيح هو الذي يأخذ ما تقدمه وهو الذي يمد يده. لكن هل تخجل حين تسمع أن المسيح هو الذي يمد يده؟ يجب أن تخجل بالأكثر، حين تراه وهو يمد يده، ولا تعطيه شيئًا. لأن هذا هو الخجل، هذا هو العقاب والجحيم. لأنه من جهة أن يمد يده، فهذا مرتبط بنقائه ، ومن أجل هذا يجب علينا نحن أن نفتخر، بما يقوم به. إن امتناعك عن العطاء يظهر قسوتك أنت. فإن كنت لا تؤمن أنك بإهانتك للفقير، تهين المسيح، فإنك ستؤمن حينئذٍ، عندما تُقاد إلى المحاكمة يوم الدينونة، ويقول لك: “فبما أنكم فعلتم بهؤلاء الأصاغر فبي قد فعلتم”. ولكن ليتنا لا نحتاج نحن بهذه الطريقة أن نتعلم (طريقة التهديد بالعقاب)، بل بعدما نؤمن الآن، نجني الثمار، ونسمع ذلك الصوت الطوباوي، الذي سيدخلنا إلى الملكوت.

 

    لكن ربما يقول أحد، إنك تُكلّمنا كل يوم عن عمل الرحمة والإحسان ومحبة الناس، وأنا من جانبي لن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، لأنه إن نجحتم في تحقيقه، يجب أيضًا أن لا أتوقف عن الحديث فيه، حتى لا أجعلكم كسالي أو متوانين، لكن ما عدا ذلك، لو حققتم وأنجزتم هذا العمل (عمل الرحمة)، يمكنني أن أرتبط بكم أو إتحد بكم. ولكن إن لم تصلوا حتى ولو إلى المنتصف، فلا تدعوني للتوقف عن الحديث عن عمل الرحمة. لأنك عندما تتهمني، فإنك تفعل ما يفعله الطفل الذي يسمع باستمرار حرف الألف (A) ولا يتعلمه، فيتهم المعلم بأنه يكرر نفس الحرف باستمرار، مذكرًا به. لأنه مَن هو الذي صار بواسطة هذا الكلام، أكثر رحمة (تجاه المحتاجين)؟ هل ألقى أموالاً (في الصندوق)؟ ومَن الذي وهب نصف ثروته (للفقراء)؟ لا أحد. كيف إذًا لا يكون أمرًا غير مقبول، بينما أنتم لم تتعلموا (كيف تعطون)، توصوننا أن نتوقف عن التعليم بهذا الأمر؟ كان يجب عليكم أن تفعلوا عكس ذلك. فإذا أردت أن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، عليكم أن تقولوا لي، إننا لم نتعلم بعد كيف نعطي، لماذا تتوقف عن أن تُذكّرنا؟

 

    فإن حدث وكان أحد يُعاني من ألم في عينه، وكنت أنا طبيب، وبعدما اعتنيت بالعين ودهنتها (بالمراهم)، وصنعت لها كل ما يجب من عناية، دون أن تحدث فائدة كبيرة، ألا يأتي ذلك المريض إلى باب عيادتي ، ويصرخ وينسب لي الخمول والتقصير الكبير، لأنني تركته، وهو لا يزال يعاني من المرض؟ وإن أجبت في مواجهة هذه الإتهامات، بأنني إعتنيت بها ودهنتها بالمراهم، فهل سيقتنع بهذه الإجابة؟ بالطبع لا، بل سيُجيب، وما المنفعة، ما دمت لا أزال أتألم؟ هذا ما ينبغي أن تفكر فيه عندما يتعلق الأمر بالنفس. ماذا سيحدث، إن سكبت مرات عديدة ماء على يد يابسة وبها وخزات، دون أن أتمكن أن أجعلها مرنة؟ ألا أسمع نفس الكلام؟

 

    والآن اليد اليابسة والتي بها وخزات، إن لم تعالج وإن لم تعد صحيحة تمامًا، فلن أتوقف عن الكلام. أتمنى منكم أنتم أيضًا، ألا تتكلموا إلا عن هذا الموضوع (عمل الرحمة)، سواء في البيت، أو في السوق، أو على المائدة، وسواء كان ذلك في المساء، أو في أحلامكم. لأنه إن إعتنينا بهذا الموضوع باستمرار، بالنهار وفي أحلامنا، فإننا سننشغل به على الدوام. هل تقول إنني أتكلم باستمرار عن عمل الرحمة؟ وأنا أريد ألا أضطر كثيرًا أن أنصحكم بالاهتمام والعناية بالفقراء، وأن أتكلم عن مواجهة أو مقاومة اليهود والوثنيين والهراطقة، لكن كيف يمكن للمرء أن يُسلّح أُناسًا، ليسوا أصحاء؟ كيف يمكن للمرء أن يأمر أُناسًا بالدخول إلى المعركة، وهم لا يزالون مجروحين، وجراحاتهم لا تزال ساخنة؟ بينما لو كنت قد رأيتكم أصحاء تمامًا، لكنت قد دفعتكم لتلك المواجهة، وسترون آلافًا يسقطون صرعى، وآلافًا منكسي الرؤوس.

 

    لقد تحدث معكم في كتب كثيرة لكم عن هؤلاء. لكن ولا هكذا نستطيع أن نحتفل إحتفالاً تام بالنصر، بسبب نقيصة الكثيرين. لأنه لو إنتصرنا عليهم آلاف المرات، في إثبات صحة العقائد، فسيتهموننا بالعنف الذي يمكن أن يمارسه الكثيرون مما يؤمنون بعقائدنا، وسيقولون إننا مصابون بالأمراض النفسية. كيف إذًا نتجرأ أن ندفعكم إلى المواجهة، في اللحظة التي فيها تؤثّرون فينا معنويًا، وأنتم موضع سخرية من الخصوم؟ لأن أيدي البعض قد تتألم، وتعاني من الوخزات، حين تنوي أن تعطي. كيف إذًا يستطيع هذا الذي يتألم، أن يمسك درعًا ويحارب به، وألا يُصاب من قسوة السخرية؟ وقد تفسد أرجل البعض الآخر، ونعني بهم أولئك الذين يرتادون المسارح الهزلية، ومواضع التسلية لدى الساقطات. كيف لهؤلاء أن يقفوا في المعركة، وألا يُصابوا من آثام الفسق والفجور؟ البعض الأخر يعاني في رؤيته وهو عاجز، ولا يرى بشكل صحيح، لكنه مملوء فسقًا، ويعثر النساء المتعقلات. كيف له إذًا أن يقاوم الأعداء، ويحرك الرمح، ويرمي السهم، ما دام يُواجه بالإستهزاء من كل ناحية؟ من الممكن أن يرى المرء كثيرين من هؤلاء الذين يشبهون مرضى الاستسقاء وهم يعانون على الأقل من آلام البطن، عندما تسود عليهم الشراهة، والسكر. إذًا كيف لي أن أدفع بهؤلاء إلى الحرب، بينما هم سكارى؟

 

    البعض الآخر لهم فم فاسد، هؤلاء هم سريعو الغضب، وشتامون ومجدّفون. إذًا كيف لذاك أن يصمت في المعركة، وأن يحقق شيئًا هامًا، طالما أنه ثمل بنوع أخر من السُكر، ومثار سخرية لدى الأعداء؟ من أجل هذا آتى كل يوم إلى هذا المعسكر (الكنيسة)، وأداوي هذه الجروح، وأعالج القروح. وعندما تعودون إلى رشدكم، وتصيرون قادرين على الانتصار على آخرين، حينئذً سأعلّمكم هذه الخطط أو هذه الفنون، وسأدربكم على كيفية استخدام هذه الأسلحة. وربما تكون (أعمال الرحمة) هي أسلحتكم، وعندئذٍ سيخضع الجميع، على الفور لو كنتم تصنعون إحسانًا، وتتراءفون، وإذا صرتم ودعاء، ومتسامحين، وأظهرتم كل الفضائل الأخرى. لكن إن كان لدى البعض اعتراض، حينئذً يجب أن نضيف ما يختص بنا، عارضين الأمور التي تختص بكم، طالما أنكم تعطلونني، على الأقل الآن، عن السير في هذا الطريق.

    ولكن انتبه: يُقال أن المسيح صنع أعمالاً عظيمة، منها أن يجعل البشر كالملائكة. وعندما يطلبون منا مبادئ محددة، وأتحفز لأقدم من بين هذه الجموع دليلاً يثبت ما أقول فإنني أصمت. وأخاف أن أقدم بدلاً من ملائكة، خنازير، وخيولاً. أعرف أنكم متضايقون، لكن هذا الكلام لا يخص جميعكم، بل يخص المسئولين، وقد لا يكون هؤلاء هم المقصودين، إذا عادوا إلى رشدهم. لأن كل شيء قد فُقد الآن، والكنيسة فسدت، ولا تختلف في شيء عن إسطبل (بهائم)، أو زريبة حمير وجمال. وأجول أطلب خرافًا ولا أجد. فالجميع يرفسون مثل بعض الخيول والحمير المتوحشة، ويملأون المكان هنا بنجاسات كثيرة. وأعني بها حواراتهم المتبادلة فيما بينهم.

 

    وإذا تمكنت من سماع كل ما يُقال في كل اجتماع، من الرجال ومن النساء، سترى أن كلامهم هو أكثر قذارة من روث البهائم. من أجل هذا أترجاكم أن تغيروا من هذه العادة الرديئة، لكي تستنشق الكنيسة طيبًا. فأنا الآن أنثر في الكنيسة بخور الأحاسيس الروحية المتميزة.

 

    إذًا ما هي المنفعة (من وراء هذا)؟ لأنهم على قدر ما يُسيئون للكنيسة بهذه الأحاديث، فيحملون داخلها قذارة، بقدر ما نشمئز عندما يتحدثون بيننا عن الربح، وعن المشروعات التجارية، والتجارة الصغيرة، وعن أمور لا تعنينا مطلقًا. أريد أن يكون المكان هنا مكانًا، للملائكة، وأجعل الكنيسة سماء، ولا يجب أن نعرف شيئًا آخر سوى الصلوات، والهدوء التام. هذا يمكن أن نطبقه الآن حتى ننقي حياتنا، وننال الخيرات التي وُعدنا بها، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي له المجد إلى الأبد آمين.

1 العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

2 مت25:27.

3 يو30:19.

4 مز21:69.

5 مت40:27.

6 مت42:27.

7 مت43:27.

8 حين قال ” أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو42:23).

9 لو40:23.

10 1 كو1:5ـ2.

11 هكذا يتساءل القديس أثناسيوس قائلاً “فأي إنسان أظلّمت الشمس وتزلزلت الأرض عند موته؟ فأي من البشر الذين يموتون كل يوم منذ القديم وإلى الآن، حدثت عند موته عجيبة كهذه؟” “تجسد الكلمة”، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة د. جوزيف موريس، الفصل التاسع والأربعون، ص146.

12 لو 47:23ـ48.

13 أع4:9.

 

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

 

الصــــــــــــــــــلاة

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

          الأمر الذى لا يجهله أحد هو أن الصلاة هى سبب كل الخيرات وهى مرشد للخلاص والحياة الأبدية . لهذا فإنه من الضرورى أن نتكلم بكل ما نملك من قوة فى هذا الموضوع .

          هذه العظة ستكون أكثر قبولاً لأولئك الذين اعتادوا أن يحيوا حياة الصلاة مهتمين بعبادة الله. أما الذين عاشوا فى خمول وتركوا أنفسهم دون ممارسة أية صلاة، فإنهم سينتبهون ويدركون مدى ما أصابهم من أضرار فى الفترة التى مضت من حياتهم . لهذا ففى الزمن المتبقى من حياتهم لن يحرموا أنفسهم من الخلاص (بالصلاة).

          بداية نقول إن الصلاة هى حقيقة أساسية، بحيث إن كل من يصلى فهو يتحدث مع الله . فأنت تتحدث مع الله على الرغم من أنك إنسان فانٍ، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك .

          لكن أن يتقدم أحد إلى هذه الكرامة بالكلام فقط ، فهذا أمر غير مقبول لأن هذه الكرامة تسمو عظمة الملائكة . هذا الأمر يدركه الملائكة أنفسهم . يظهر الملائكة فى نصوص الأنبياء وهم يقدمون تسابيحهم وصلواتهم إلى السيد الرب بخوف ورعدة، مغطين وجوههم وأرجلهم بورعٍ ومخافة وهم يطيرون بغير أن يبقوا فى سكون .

          هكذا يعلموننا أن ننسى طبيعتنا الإنسانية الفانية وقت الصلاة، وننحصر فى الغيرة المقدسة ومخافة الله، غير مهتمين بالأمور الحاضرة. ولكن علينا أن نتشجع ونقف في صفوف الملائكة لنؤدى نفس الصلاة معهم  فنحن نختلف عن الكائنات الملائكية فى الطبيعة وأسلوب الحياة والحكمة والفهم، أما فيما يخص الصلاة فهو عمل مشترك بيننا (وبينهم). الصلاة تميزك عن الحيوانات غير العاقلة، وتضمك إلى صفوف الملائكة. ويستطيع الإنسان أن يتحول بسرعة إلى طريق الملائكة وأسلوب حياتهم وكرامتهم ونبلهم وحكمتهم وفهمهم لو قضى حياته في الصلاة وعبادة الله .

          أى شئ أكثر برًا من حديث الإنسان مع الله؟

          أى أمر أكثر بهاء؟ أى شئ أكثر حكمة؟

          فلو أن أولئك الذين يتحدثون مع أناس حكماء سيصلون بالحديث المستمر معهم إلى التشبه بهم فى أسلوب التفكير، فماذا نقول عن أولئك الذين يلهجون بالصلاة لله (دون انقطاع)؟ ألاّ تملأهم الصلاة من كل حكمة وكل فضيلة وكل فهم وكل عفة ووداعة .

          هكذا لا نكون مخطئين إن قلنا إن الصلاة هى بداية كل فضيلة وكل قداسة، ولا يستطيع شئ أكثر من الصلاة والتضرع أن يقود النفس الخالية من النعمة، إلى التقوى والورع .

          فالمدينة غير المحصنة بأسوار، من السهل جدًا أن تقع فى أيدى الأعداء. هكذا أيضًا فإن النفس غير المحاطة بأسوار الصلاة من السهل أن يسود عليها الشيطان ويملأها بكل خطية. فهو عندما يرى النفس محتمية بالصلوات وقوية فإنه لن يتجرأ على الاقتراب منها، لأنه يهرب من قوتها وثباتها . فالصلوات هى التى تمنحها هذه القوة، وهى التى تغذى النفس أكثر مما يغذى الخبز الجسد.

          والأشخاص الملازمون للصلاة، لا يحتملون أن يجوز فى فكرهم أى شئ غير ملائم للصلاة، لأنهم يخجلون من الله الذين يتحدثون إليه فيصدون كل حيل المضاد على الفور، لأنهم يعرفون حقيقة الخطية.

          لأنه ليس من المقبول أن يُسلّم الإنسان للشيطان ويفتح أبوابه  للشهوات الرديئة ويتيح للشيطان منفذًا إلى أعماقه، التى كانت قبل ذلك بوقت قليل جدًا موضعًا لحضور الله، هذا الإنسان الذى كان يتحدث مع الله لتوه ويطلب منه وداعة وبرًا. كيف نسمح للشياطين أن تدخل إلى داخل نفوسنا، بينما نعمة الروح القدس قد أظهرت محبة وعناية فائقة بنا.

          اسمع كيف يكون هذا ؟ لا يستطيع الإنسان أن يتحدث مع الله بدون نعمة الروح القدس . ولكى يستطيع الإنسان أن يحنى ركبتيه فى الصلاة والتضرع، فهو يحتاج إلى مؤازرة هذه النعمة التى يجب أن تكون حاضرة وهى التى تحتضن الجهادات الروحية . فالحديث مع الله هو أمر سامى يفوق طاقة الإنسان . لهذا فإنه يحتاج إلى نعمة الروح القدس لكى تهبه وتعطيه حكمة وتعرفه مقدار هذه الكرامة وعظمتها .

          إذن فعندما تدرك أنك تتحدث مع الله بنعمة الروح القدس وأن أبديتك مرتبطة بالصلاة التى تقدس النفس بواسطة الروح القدس، فإنك لن تترك منفذًا للشيطان ليتسلل داخل نفسك.

          فكما أن أولئك الذين يتحدثون مع الملك ويتمتعون بحديث الشرف والكرامة، لا يقبلون التحدث مع المتسولين، هكذا فإن من يصلى إلى الله ويتحدث معه لا يقبل الدخول فى حوار مع الشرير ويخطئ. لأن من يترك نفسه للشيطان وحماقته هو فى الحقيقة عبد للشهوة. لكن من يتضع ويحيا فى القداسة، فإنه يحيا مع الملائكة ويشتاق إلى طريقة حياتهم المجيدة. لهذا فإن قال لى إنسان إن الصلاة هى قوة النفس فهو يدرك الحقيقة .

          فالجسد بواسطة الأعصاب يتشدد  ويتقوى ويجرى ويقف ويحيا، فإذا قُطع أحد هذه الأعصاب يفقد الجسد إتزانه. وهكذا فإن النفوس تكتسب بالصلوات المقدسة، نعمة وتميزًا واتزانًا، وتركض بسهولة فى طريق الفضيلة. فإن حرمت نفسك من الصلاة، فكأنك تطرح سمكة خارج الماء. فكما أن الماء هو سبب حياة للسمكة، هكذا الصلاة بالنسبة لنفسك. بالصلاة تستطيع أن تسمو عاليًا وأن تجتاز إلى السموات وأن تعيش بالقرب من الله.

          يكفى ما قلناه لكى ندلل على قوة الصلاة المقدسة. لكن من الأفضل مادمنا نتكلم من الكتاب المقدس ، أن نعرف من فم المسيح مقدار النعمة التى نحصل عليه بالصلاة ، كل من يريد أن يعيش كل حياته فى الصلاة .

          يقول الإنجيل ” وقال لهم أيضًا مثلاً فى أنه ينبغى أن يُصلى كل حين ولا يُمل ” (لو1:18ـ8). لنعرف أيها الاخوة الحكمة المختفية فى كلام الروح القدس باحثين على قدر طاقتنا ليس فيما هو أمامنا الآن ولكن أيضًا فيما يمكن أن نناله مستقبلاً .

          الذين يعملون فى البحار ويهبطون  للقاع يجلبون إلى السطح أحجارًا كثيرة الثمن. ونحن إذ نفحص بحر الكتاب المقدس لننزل إلى أعماق الحكمة الروحية على قدر المستطاع فإننا، نُحضر لكم كنزًا ثمينًا ، هذا الكنز يزين النفوس أكثر من زينة التيجان المطعمة بالأحجار الكريمة على جباه الملوك ، لأن بهاء الملوك مرتبط فقط بهذه الحياة الحاضرة ، بينما من يتوج نفسه بكلام الروح القدس يكمل مسيرة حياته بأمان فى هذا الدهر والدهر الآتى أيضًا ، ويقف أمام منبر المسيح مبررًا مملوءًا بكل فضيلة وطاهرًا من كل شر .

          أى كنز يمكننا أن نحصل عليه من أعماق الكتاب المقدس، ونحن لم نتلامس بعد مع كل أعماق الحكمة، إذ أننا نزلنا فقط إلى العمق الذى تسمح به إمكانياتنا .

          السيد المسيح هو الذى يجذب الناس نحو الصلاة لتنتفع نفوسهم بها . ويسوق مثل القاضى الظالم والقاسى الذى طرح عنه كل خجل وطرد من نفسه مخافة الله. على الرغم من أنه كان يكفى أن يستخدم فى المثل شخص عادل ورحوم وعندما يقارن عدله مع محبة الله للإنسان ستظهر أهمية التضرع. لأنه إن كان إنسان صالح ووديع يقبل كل من يتضرع إليه من أجل أمر ما، فكيف يكون الله بمحبته المطلقة للإنسان وليس فقط المحبة التى تتجاوز فكرنا ولكن أيضًا التى تتجاوز الملائكة أنفسهم؟

          كان يكفى كما قلت أن يستخدم فى المثل قاضيًا عادلاً ولكنه استخدم فى المثل قاضيًا قاسيًا شريرًا وغير محب للناس بل هو إنسان متوحش. ولكن الذين يترجونه يظنون أنه سيكون شجاعًا وكريمًا معهم ـ لكى تدرك أن كل توسل حتى ولو كان موجهًا إلى إنسان قاسٍ لا يعرف الرحمة، فمن السهل أن يشمله بالشفقة والرحمة.

          إذن لماذا ضرب المسيح هذا المثل ؟   لكى لا يتجاهل أحد مدى فاعلية الصلاة . ولهذا ساق مثل الأرملة فى تضرعها إلى أكثر الناس قسوة . وحين أظهر هذا الظالم رحمة على عكس طبيعته ـ حوَّل المسيح الحديث من موضوع القاضى الظالم إلى صلاح أبيه السماوى الوديع والشفوق ومحب البشر، الذى يغفر الخطايا الكثيرة، الذى يُجدف عليه فى كل يوم ويصبر، يحتمل إهانات لأسمه المبارك وتجديف على اسم ابنه، فبينما هو يجدف عليه يحتمل بكل وداعة، وإن رآنا نسجد أمامه برعدة فهو يرحمنا  ويعفوا عنا سريعًا ؟

          اسمعوا ما يقول قاضى الظلم ” إن كنت لا أخاف الله ولا أهاب إنسانًا فإنى لأجل أن هذه الأرملة تزعجنى أنصفها، لئلا تأتى دائمًا فتقمعنى ” (لو4:18ـ5) فماذا نقول ؟!

          إن الأرملة بتضرعها حملت هذا القاضى على العدل، لقد ترفق بها هذا الوحش القاسى. إذن فماذا نستنتج من جهة الله محب البشر إن كان غير الرحوم قد أثّرت فيه الأرملة بتوسلها إليه. فكم من العطايا وكم من محبة البشر سوف يظهرها الله لنا. إنه الوحيد الذى يريد أن يرحم على الدوام وألاّ يعاقب أبدًا . ومن أين تأتى العقوبات أمام كل هذه المحبة التى أظهرها تجاهنا نحن الذين أعد لنا كرامات كثيرة . بالمخافة التى تعوقنا عن فعل الشر وعلى رجاء التكريم الذى يجعلنا نحيا الفضيلة، لا أستطيع أن لا أفكر فى قاضى الظلم، وأرى فيه وداعة على عكس طبيعته ـ لأنه وإن كان لم يُرد أن يظهر فى وقت ما من حياته شيئًا حسنًاـ، نجده فجأة يغير اتجاهه ويرحم المرأة التى توسلت إليه. ألاّ تضمن لنا الصلاة عناية خاصة من الله؟

          يستطيع الإنسان أن يعرف مقدار القوة والفاعلية التى تتحقق بالصلوات المقدسة، عندما ينظر ويلاحظ مقدار الخيرات التى يتمتع بها كل يوم، بل كل ساعة أولئك الذين ألقوا بأنفسهم أمام الله. من يجهل نور الشمس والنجوم والقمر والأهوية الحسنة وغذاء الفكر والغنى والحياة وأمور كثيرة التى يمنحها الله للأبرار والأشرار بسبب محبته الكبيرة لنا ؟!

          إذن، لو أن أولئك الذين لا يتضرعون ولا يطلبون، يرحمهم الله ويخفف عنهم، فكم بالحرى أن يتمتع بالخيرات أولئك الذين يقدمون الصلوات والتضرعات لله كل أيام حياتهم؟!

           كم من الأبرار استطاعوا بصلواتهم أن ينقذوا شعوبًا ومدنًا وكل المسكونة، لنتذكر هذا .

          عندما نتحدث عن الصلاة، فإن أول من يستحق الذكر هو القديس بولس الذى لا يكف عن الصلاة إلى الله. حارس كل المسكونة. فبصلاته وبتضرعه المستمر أنقذ كل الأمم، فهو يقول لنا “.. بسبب هذا أحنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح الذى منه تُسمى كل عشيرة فى السموات وعلى الأرض، لكى يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الإنسان الباطل ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبكم” (أف14:3ـ17).

كم هى عظيمة قوة الصلاة والتضرع.

          البشر هم هياكل المسيح. فكما تُصنع بيوت الملوك بالذهب والأحجار الكريمة والمرمر، هكذا الصلاة تصنع هياكل المسيح. يقول الرسول بولس “ ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبكم“. وأى مدح تُمدح به الصلاة أعظم من أنها تصنع هياكل لله؟

          هذا الذى لا تسعه السموات يأتى ويسكن فى النفس بالصلاة. ” السموات كرسيّ والأرض موطئ قدميّ. أين البيت الذى تبنون لى، هكذا قال الرب وأين مكان راحتى؟ ” (إش1:66).

          الرسول بولس يبنى البيت بالصلوات المقدسة فيقول ” أحنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح ليحل بالإيمان فى قلوبكم”. وهنا يستطيع الإنسان أن يرى قوة الصلوات المقدسة، إذ أن بولس الذى جال كل المسكونة كما لو كان يطير بأجنحة، وأيضًا احتمل الجلد وقُيد بسلاسل حديدية وعاش فى آلام وأخطار، أخرج شياطين وأقام موتى وشفى مرضى، لكنه فى كل هذه الأمور اعتمد فقط على الصلوات المقدسة لأجل خلاص البشر. لقد صارع فى الصلاة مثل مناضل على مسرح المصارعة لينال الإكليل، فإقامة الموتى وعمل المعجزات الأخرى هى عطية الصلاة. ومثل أهمية المياه للأشجار، هكذا تكون أهمية الصلاة لحياة القديسين.

          وفى مساء اليوم الذى جُلد فيه، صلى بولس فارتوت نفسه واحتملت الضيقات بمسرة. وأعطى ظهره للجلد كما لو كان تمثالاً.

          هكذا سُجن فى مقدونية وانحلت القيود بصلواته وأنقذ السجان من خطاياه، هكذا أيضًا أبطل طغيان الشياطين. ولذلك يكتب للجميع ” واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر مصلين فى ذلك لأجلنا نحن أيضًا ليفتح  الرب لنا بابًا لنتكلم بسر المسيح الذى من أجله أنا موثق أيضًا ” (كو2:4ـ3). ماذا يقول ؟ أتعطينا الصلاة دالة بهذا المقدار حتى نتضرع إلى الله من أجل بولس ؟

          أى جندى يستطيع أن يترجى الملك من أجل قائد الجيش؟

          على الرغم من أنه لا يوجد ضابط صديق للملك على قدر علاقة بولس بالله، هكذا تعطينا الصلوات كل هذه الكرامة حتى نستطيع أن نتجرأ ونطلب من أجل بولس . وأيضًا فإن العظيم بطرس خرج من السجن بنور من السماء، ومن المؤكد أن هذا بسبب فضيلته وبسبب صلوات الكنيسة . لقد فُتحت أبواب السجن المُحكمة على الفور . لأن لوقا لم يضف مصادفة أن الصلاة قد صارت من كل الكنيسة من أجل بطرس بل لكى نتعلم نحن أيضًا مدى فاعلية الصلاة عند الله ، حتى أنها خلصت بولس وبطرس من الأخطار، وهما أعمدة الكنيسة وقمم الرسل المعروفين فى السماء وحصن المسكونة، الحرس المشترك لكل أرض وكل بحر .

          أخبرنى كيف أنقذ موسى الإسرائيليين؟ ألم يسلم الأسلحة وقيادة الجيش لتلميذه وواجه هو جموع محاربيه بالصلوات؟

          هكذا عرفنا أن لصلوات الأتقياء قوة أعظم بكثير من الأسلحة والأموال والمعسكرات. لهذا فإن جيشًا ومدنًا بأكملها صار لها خلاص بصلوات موسى النبى. لأنه حين كان موسى يصلى، كان شعب إسرائيل ينتصر، وعندما كان يتوقف عن الصلاة كان ينتصر محاربوه .

          وهكذا نحن أيضًا عندما نصلى نهزم الشيطان بسهولة، ولكن عندما نهمل الصلاة يقوى علينا الشرير .

          وعندما هجر الشعب تقواه أُنقذ بصلوات موسى وبالظهورات الإلهية وأمور أخرى كثيرة. الصلاة أبطلت قوة النيران وقوة وحوش ضارية. هذا ما حدث مع الفتية الثلاثة ومع دانيال النبى.

          يتضح لنا من كل هذه الأمور أنه عندما يتعرض الإنسان لخطر ما، فمن السهل أن تنقذه الصلاة، الصلاة هى بداية الخلاص، وسفير لخلود النفس، سور الكنيسة الحى، الحارس الذى لا يتزعزع ولا ينهزم. الصلاة مفزعة للشياطين وخلاص لنا نحن الأتقياء .

          الصلاة هى سبب ولادة النبى القديس صموئيل. لأن الطبيعة حرمت أمه من أن تلد، ولكن بواسطة الصلاة تغير عقم الطبيعة. هذا هو ثمرة الصلاة، هذا هو النبى الذى نما بالصلاة.

          هكذا صار صموئيل معروفًا فى السماء وأعلى من أى إنسان متشبه بالملائكة. لأنه كان يجب أن يظهر كثمرة للصلاة، بمعنى أن يفوق الجميع من جهة الصلاح وطرق الفضيلة، وأن يفوق من سبقه من القديسين كما تتميز وتتفرد السنابل الناضجة فى حقول القمح .

          بالصلاة صد داود حروبًا كثيرة دون أن يحرك أسلحة أو يطلق رماحًا، ولكن الصلوات فقط هى التى سندته .

          بالصلاة جعل حزقيا جموع الفرس يهربون .

          هؤلاء حاصروا أسوار المدينة بآلات الحرب وأما هو فأقام سورًا آخر بالصلوات. انتهت الحرب بالصلاة فقط دون استخدام أسلحة. لم يُسمع صوت نفير، ظل الجيش هادئًا، ولم تتحرك الأسلحة، والأرض لم تُلطخ بالدماء. كانت الصلاة كافية لإثارة الخوف فى نفوس الأعداء .

          الصلاة أنقذت أهل نينوى ورجع الغضب عنهم، واقتعلت حياة الفساد من جذورها .

          الصلاة لها قوة وفاعلية، حتى أن أهل نينوى بينما كانوا يعيشون حياة الخطية والشر حتى ذلك الحين، لكنهم بمجرد أن انتشرت الصلاة فى المدينة غيرت كل شئ ونشرت الوداعة والبر والمحبة والوفاق، ورعاية الفقراء، وكل الأمور الحسنة الأخرى .

          عندما يدخل ملك إلى مدينة ما، فمن الطبيعى أن يتبعه كل غنى وصولجان . هكذا أيضًا عندما تملك الصلاة داخل النفس تُحضر معها كل فضيلة وبر . كما أن أساس البيت ضرورى جدًا للبيت ، هكذا فإن الصلاة هامة جدًا لبناء النفس.

          لذا يجب أن تدخل الصلاة كأساس إلى أعماق النفس وينبنى عليها الوداعة، واللطف، والتقوى، ورعاية الفقراء وكل ما يوصى به السيد المسيح.

          هكذا يجب أن نحيا من أجل وصاياه ونؤهل للخيرات السماوية بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذى له مع أبيه الصالح والروح القدس المجد والقوة إلى أبد الآبدين . آمين .

 

 

عظة أخرى

عن الصلاة

 

يجب على المرء أن يُطوّب كل من خدموا الله وأن يتمثل بهم، لسببين :  أولاً: لأنهم وضعوا كل رجاء خلاصهم فى الصلوات المقدسة.

ثانيًا: لأنهم حفظوا ما كتبوه في التسابيح والعبادات التى قدموها لله برعدة وفرح، ناقلين لنا بذلك كنوزهم الروحية هذه، جاذبين كل الأجيال التالية إلى غيرتهم المقدسة.

          فمن الطبيعى أن ينتقل سلوك المعلمين لمن يعلمونهم. وأيضًا من الطبيعى أن يتشبه المتعلمون بسلوك المعلمين وفضائلهم حتى نحيا فى صلاة وعبادة لله وتفكير دائم فى إرادته. فالحياة والغنى والسعادة هى أن نصلى لله بنفس نقية غير دنسة، فكما أن الشمس هى نور لعينى الجسد، هكذا الصلاة هى نور للنفس. فإن كانت تعتبر خسارة فادحة ألاّ يرى الأعمى الشمس فكم بالحرى تكون الخسارة عندما لا يصلى المسيحى دائمًا، أو لا يقدس نفسه بنور المسيح بواسطة الصلاة ؟!

          كيف لا يندهش ويعجب الإنسان لهذه المحبة التى أظهرها الله لنا مانحًا إيانا كرامة كبيرة حتى جعلنا مستحقين أن نصلى إليه ونتحدث معه؟

حينما نصلى فإننا نتكلم مع الله آخذين طبيعة الملائكة وبهذا يتضح أننا نختلف كثيرًا عن الحيوانات غير العاقلة.

          فإن كانت الصلاة هى عمل الملائكة إلا أن الصلاة فى ذاتها هى أعظم من الملائكة. إن حديثنا مع الله هو عمل يفوق عمل الملائكة: وكون الصلاة هو أمر يفوق الملائكة ، فهذا ما نعرفه من منهم، عندما يقدمون صلواتهم في خوف ورعدة، معطين إيانا إمكانية أن نعرف ونتعلم أنه عندما نقدم صلاة إلى الله، فيجب أن تكون بمخافة وفرح. فمن ناحية نقدمها بمخافة معتبرين أنفسنا غير مستحقين أن نتحدث مع الله. ومن ناحية أخرى نقدمها بملء الفرح بسبب ما أعطانا من كرامة عظيمة، إذ أن جنسنا البشرى الفانى قد نال مثل هذه النعمة العظيمة حتى أنه يتمتع دائمًا بالحديث مع الله والذى من خلاله نتجاوز وضعنا كمائتين وزائلين.

          فمن جهة، إننا بحسب الطبيعة مائتين، ومن جهة أخرى فإننا ندخل إلى الحياة الأبدية بالحديث مع الله.  ونحن نثق أن من يصلى إلى الله يرتفع فوق الموت وكل فساد.

          وكما أننا عندما نتمتع بنور الشمس لا نكون فى ظلام، هكذا عندما نتمتع بالحديث إلى الله عن طريق الصلاة، فلا نكون بعد فى حالة فساد، وبسبب عظم هذه الكرامة الموهوبة لنا، فإننا نعبر إلى الحياة الأبدية.

          إن كل الذين يتحدثون إلى الملك يأخذون كرامة منه. ولا يمكن أن يبقوا بعد فقراء. وبالأكثر جدًا فإن أولئك الذين يصلّون إلى الله ويتحدثون معه لن تكون لهم نفس فاسدة، فهذا أمر مستحيل. فموت النفس هو فى عدم التقوى والانغماس في الخطية. وعكس ذلك فإن انتعاش النفس هو فى الصلاة إلى الله، وهذه الصلاة تنعكس على السلوك الروحى.

          إذن فحياة البر والصلاة تنير نفوسنا وتغنيها بأسلوب فائق.

          أيحب أحد البتولية ؟ أيريد أحد أن يكرم العفة داخل الزواج ؟ أيريد أحد أن يكبح غضبه وأن يعامل رفيقه بلطف ورقة؟ أيريد أن يكون نقيًا من الدنس؟ أيشتهى أحد الأمور المستقيمة ؟

          فالصلاة هى التى تجعلنا نسمو، وهى التى تصقل حياتنا، وتجعل طريق التقوى أسهل وأيسر. لأنه عندما نطلب من الله عفة أو قداسة أو وداعة أو كرامة، فلا يمكن أبدًا أن تذهب طلباتنا سُدى. يقول الكتاب: “اسألوا تُعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم” (مت7:7) وأيضًا يقول “لأن من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له” (لو10:11)، وفى موضع آخر يقول “فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحرى الآب الذى من السماء يعطى الروح القدس للذين يسألونه” (لو13:11). واضح من هذا الكلام وبهذا الرجاء أن الرب يحث الجميع على الصلاة. ونحن من جانبنا يجب أن نخضع لله وأن نعيش دومًا بالتسابيح والصلوات وأن نهتم جدًا بالصلاة لله.   وبهذا نستطيع أن نحيا الحياة التى تليق بالإنسان.

والنفس التى لا تصلى، ولا تشتهى أن تتمتع بالعشرة الدائمة مع الله هى نفس بلا حياة وهى غير حكيمة.

           أيوجد برهان على الجهالة أكثر من هذا ـ عندما نتجاهل حجم هذه الكرامة التى صارت لنا بالصلاة ؟ ألا تعرف أن الموت الحقيقى للنفس هو  في عدم الصلاة إلى الله ؟

          إن جسدنا يصير ميتًا عندما تغادره النفس ويصير نتنًا. هكذا فإن النفس عندما لا تتجه للصلاة تكون مائتة وتعسة ونتنة. فتجاهل الصلاة هو الموت ذاته. وهذا ما علمنا إياه النبى العظيم دانيال الذى فضل أن يموت على ألاّ يُحرم من الصلاة، ولو لثلاثة أيام. لأن ملك الفرس لم يأمره أن يجدف، لكن فقط راقبه ثلاثة أيام ربما يصلى إلى إلهه وليس إلى الملك.

          عندما تفارقنا القوة الإلهية يختفى كل صلاح من نفوسنا. فى حين أن قوة الله تحتضن أتعابنا وتيسرها وذلك عندما يرانا الله محبين للصلاة ومنتظرين الخيرات السمائية على الدوام.

          إذن فعندما أرى شخصًا غير محب للصلاة ولا تحترق نفسه شوقًا إليها فيتضح لى أن هذا الإنسان لا يملك فى نفسه شيئًا من الكرامة. وعندما أرى شخصًا متعطشًا للصلاة، ويعتبر أن الإهمال الدائم للصلاة هو من الأمور المميتة للنفس، أستنتج أنه يحيا كل فضيلة وهو هيكل حقيقى لله.

          الإنسان المتعقل يظهر من سلوكه : كيف يتزين، كيف يمشى ، كيف يفتح فاه ويضحك. كما يقول سليمان الحكيم. بالأكثر فإن الصلاة والسجود لله هى علامة القداسة الكاملة، هى الزينة الإلهية والروحية التى تنثر البهاء والجمال الفائق فى إنساننا الداخلى، وتهذب حياة كلٍ منا. ولا تدع أى شئ غير لائق أن يسود داخلنا، مقنعة إيانا أن نهتم بالأمور الإلهية أكثر من أى شئ آخر وتعلمنا أن نطرد عنا كل حيل الشرير، ملقين كل الأفكار غير اللائقة، وتجعل نفوسنا رافضة للمتع الشريرة.

          هذا هو افتخارنا الذى يكلل كل من يؤمن بالمسيح. هو ألاّ نُستعبد لأي شئ مضل وأن نحمى نفوسنا فى حرية وحياة تقوية نقية.

يتضح لى إذن وهو أمر جلى لكل أحد أنه لا يصح أن يحيا الإنسان بدون صلاة وفضيلة، وأن الصلاة تكمل مسيرة الحياة.

          لكن كيف يمارس الإنسان الفضيلة لو لم يأت ويلق بنفسه على واهب الفضيلة ومانحها ؟ وكيف يشتهى أحد أن يكون عفيفًا ونقيًا دون أن يتكلم بفرح مع ذاك الذى يطلب منا هذه الأمور وأمور أخرى أكثر منها ! وأريد أن أخبركم إننا إن كنا ممتلئين بالخطايا فإن لقاءنا مع الله بالصلاة سوف يطهرنا بسرعة من هذه الخطايا.

          أى شئ أعظم وأفضل من الصلاة ـ فهى الدواء الفعال لكل مرض داخل النفس. فأهل نينوى قديمًا غُفرت خطاياهم بالصلاة أمام الله لأنهم عندما داوموا على الصلاة ـ صاروا أنقياء. والمدينة التى كانت مشهورة بالفجور والشرور وحياة العبث تحولت جذريًا بالصلاة ـ منتصرة على العادات القديمة وتزينت بالشرائع السمائية مزدانة بالعفة ومحبة الناس، واللطف والعناية بالفقراء.          لأن الصلاة لا يمكن أن تلازم النفس دون أن تؤثر على كل سكان المدينة. وهى أيضًا عندما تسكن نفس الإنسان تملأه بالتقوى وتنميه فى الفضيلة طاردة الشر خارجًا.

          لهذا لو أن شخصًا ما دخل مدينة نينوى وكان يعرفها جيدًا من قبل فإنه سوف لا يعرفها بعد توبتها. هكذا تحولت المدينة فجأة من تلك الحياة غير اللائقة إلى حياة التقوى. مثل امرأة فقيرة كانت تلبس ملابس ممزقة بالية لو رآها أحد فيما بعد مزينة بملابس ذهبية، سيجد صعوبة في التعرف عليها. هذا ما حدث مع هذه المدينة.

          لأن من يعرف فقر المدينة وخلوها من كنوز الروح سوف لا يعرف أى مدينة هذه التى يراها الآن والتى استطاعت الصلاة أن تغيرها بهذا الشكل، وأن تقود سلوكها وحياتها نحو الفضيلة. فالمرأة التى قضت كل حياتها فى الفجور والزنا حصلت على خلاصها بمجرد أن وقعت على أقدام المسيح. إن الصلاة لا تطهر النفس فقط لكنها أيضًا تصد عنها أخطارًا كثيرة. فعلى سبيل المثال، أن الملك والنبى الرائع داود أُنقذ من حروب كثيرة ومخيفة بواسطة الصلاة. وهى الوسيلة الوحيدة التى قدمها لجيشه كسلاح مؤكدًا لجنوده للحصول على الانتصار دون أن يتحركوا أو يبذلوا جهدًا. الملوك الآخرون اعتمدوا فى آمالهم للحصول على النصر، على خبرة ضباطهم وعلى ضاربى السهام المشاة والفرسان. بينما نجد أن داود العظيم قد بنى جيشه بالصلوات المقدسة غير مكترث بغرور ضباطه ولواءاته وفرسانه وغير جامع للأموال ولا صانع للأسلحة ولكنه أحضر قوات سمائية من السماء إلى الأرض ـ وهذه الأسلحة الإلهية الحقيقية ـ هى الصلاة و الملاذ الوحيد لأولاد الله.

          إن قوة ودراية المسلحين وضاربى السهام، وخبراتهم ومكرهم تظهر مرارًا أنها أمور باطلة أمام الشجاعة التى يُظهرها الطرف الآخر.

          فى حين أن الصلاة هى السلاح الروحى والحماية الأكيدة التى تصد ليس محاربًا واحدًا بل ألوية كثيرة. هكذا فإن داود العظيم عندما أتى إليه جليات مثل شيطان مخيف طرحه أرضًا لا بسلاح ولا بسيف لكن بالصلاة.          فكما تمثل الصلاة سلاحًا قويًا بالنسبة للملوك فى المعارك هكذا تمثل لنا أيضًا سلاحًا قويًا ضد محاربات الشياطين. إن الملك حزقيا هزم الفرس فى الحرب دون أن يسلح جيشه لكنه وقف للصلاة فى مقابل جموع محاربيه. وهكذا تجنب الموت إذ أنه ارتمى بورع وخشوع فى أحضان الله وأعطى مرة أخرى حياة للمملكة بالصلاة فقط.

          فكون الصلاة تطهر النفس الخاطئة فهذا ما علمنا إياه العشار الذى طلب من الله الغفران وأخذه، وعلمنا إياه أيضًا الأبرص الذى شُفى على الفور بمجرد أن ارتمى فى أحضان الله.

          فإن كان الله قد شفى الجسد الفانى فى الحال، فإنه بالحرى قادر بمحبته للإنسان أن يشفى النفس المريضة ويصيرها أفضل. لأنه بقدر ما للنفس من قيمة أفضل من الجسد بقدر ما يبدى الله اهتمامًا أكبر نحوها.

          يستطيع الإنسان أن يتحدث عن أمور كثيرة قديمًا وحديثًا لو أراد أن يعدد أولئك الذين أنقذتهم الصلاة. وربما أن شخصًا من المتهاونين الذين لا  يقدمون صلواتهم باهتمام وحرص يستند إلى كلام الرب: ” ليس كل من يقول لى يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذى يفعل إرادة أبى الذى فى السموات” (مت21:7).

          فلو كنت أقول أن الصلاة وحدها تكفى لخلاصنا، لكان من الممكن قبول هذا الاعتراض. لكنى أقول إن الصلاة هى باب الخيرات، أساس ومنبع الحياة الفاضلة. إذن لا يستطيع أحد أن يبرر تهاونه بهذا المفهوم الخاطئ. فلا العفة وحدها تستطيع أن تُخلص بدون باقى الفضائل ولا رعاية الفقراء وحدها، لكن يجب أن تجتمع الفضائل كلها معًا داخل النفس، وتكون الصلاة هى أساس ومنبع الفضائل كلها. وكما أنه يلزم لتثبيت المنزل، أن يكون أساسه قويًا، هكذا فإن الصلاة تشدد حياتنا وتقويها. لهذا فإن القديس بولس يوصى بالصلاة كل حين ” واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر” (كو2:4). وفى موضع آخر يقول ” صلوا بلا انقطاع. اشكروا فى كل شئ لأن هذه هي مشيئة الله فى المسيح يسوع من جهتكم” (1تس17:5ـ18). وفى موضع آخر يقول “مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت فى الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة …” (أف18:6). هكذا يدعونا عميد الرسل بكلام متنوع إلى الصلاة .

          إذن ووفقًا لهذا التعليم المقدم من الرسول بولس يجب علينا أن نكمل مسيرة حياتنا بالصلاة. وبهذه الصلاة المستمرة نسُد عطش إنساننا الداخلى. لأننا جميعًا متعطشون للارتواء ليس بأقل من احتياج الأشجار للمياه.

          فكما أن الأشجار لا تستطيع أن تثمر إن لم ترتوِ من جذورها هكذا نحن  لا نستطيع أن نقدم الثمر كثير الثمن الذى للتقوى، إن لم نرتوِ بالصلاة. لهذا يجب أن نستيقظ ونبدأ صلواتنا لله مبكرين مع كل شروق للشمس. وأن نصلى لله كل حين.

          في وقت الشتاء علينا أن نقضي الجزء الأكبر من المساء فى الصلوات وأن نحنى ركبنا وبرعدة كثيرة نلهج فى التضرع. هكذا نصير مغبوطين إذ نعبد الله.

          أخبرنى كيف تنظر للشمس إن لم تسجد لذاك الذى يُرسل لعينيك هذا النور الباهر ؟ كيف تتمتع بالمأكولات إن لم تسجد لواهب ومعطى كل هذه الخيرات ؟ وكيف ستعيش يومك حتى المساء ؟

وأى أحلام سترى (أثناء الليل) إن لم تحصن نفسك بالصلوات. كيف تذهب للنوم بدون قلق ؟ فإن الشياطين المتربصة ستزدرى بك وتقتنصك بسهولة، هؤلاء الذين يجولون بلا هوادة لترويعنا واقتناص الضعفاء الذين لا يتسلحون بالصلاة. لكن لو واظبنا على الصلاة فإنهم سيضمحلون كالبخار سريعًا. لكن لو ابتعد الإنسان عن حياة الصلاة فإن الشياطين ستدفعه نحو الشرور والمتاعب والنكبات. فلنحترس إذن من هذه الأمور ولنبنى أنفسنا بالصلوات والتسابيح وإله الجميع يرحمنا ويجعلنا مستحقين لملكوت السموات بابنه الوحيد الذى به ومعه يليق له المجد والقوة إلى أبد الآبدين آمين.

 

الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهى في معمودية المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

الظهور الإلهى في معمودية المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

الظهور الإلهى في معمودية المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

 

 

الظهور الإلهى (الإبيفانيا) معمودية المسيح

اليوم تفرحون جميعكم وأنا وحدى أشعر بالحزن، لأنى عندما أنظر نحو العطاء الروحى والغنى غير المحدود الذى للكنيسة، ثم أفكر فى أن هذا الجمع ـ بعد انتهاء هذا العيد ـ سيترك الكنيسة مرة أخرى ويختفى، تتألم نفسى جدًا وتتوجع. فعلى الرغم من أن الكنيسة قد وَلدت أبناءً كثيرين لا تستطيع أن تستمتع بهم إلاّ عندما يأتى عيد أو احتفال.

          كم سيكون الابتهاج الروحى، كم سيكون الفرح، كم سيكون المجد الإلهى، وكم ستكون استفادة النفوس لو أنه فى كل اجتماع امتلأت جوانب الكنيسة بكل أولادها ؟!

          إن كل من البحارة وقادة السفن يصنعون كل ما فى وسعهم لكى يجتازوا عرض البحر ويصلوا بالسفينة إلى بر الأمان ، بينما نحاول نحن وبكل الطرق خلال مسيرة حياتنا أن نزيد من متاعبنا ، غارقين باستمرار فى أمور هذا العالم متجولين داخل أروقة الأسواق والمحاكم فى حين أننا لا نتقابل فى الكنيسة سوى مرة أو مرتين طول العام.

ألا تجهلون أنه كما توجد الموانى على سواحل البحار، هكذا أقام الله الكنائس فى المدن ، حتى عندما نلجأ إليها نهدأ من ضجيج المدن ونتمتع بهدوء وسلام داخلى لا يُحد .

لأنه هنا داخل الكنيسة لا يوجد خوف ، لا من تضارب أمواج، ولا من هجوم لصوص، ولا من حملات مجرمين، ولا من هبوب رياح، ولا من هجمات وحوش، لأن الكنيسة هى ميناء مُحصن من كل هذه الأشياء ، فهى الميناء الروحى للنفوس.

          هذه الأمور، التى أتحدث عنها، أنتم شهود لها. فلو أن شخص ما تطلع داخل ضميركم سيجد فيه هدوء وسلام عظيم حيث لا غضب يجعله يتضايق ولا شهوة تشتعل ولا فساد يجعله يفنى ولا افتخار يجعله ينتفخ ولا عشق للمجد الباطل يجعله يفسد، لكن هذه الأمور الوحشية قد أُخضعت، لأن سماع الكتب الإلهية هى بالضبط مثل لحن إلهى يسرى داخل النفس ويميت هذه الشهوات الحيوانية. وإذ توجد الإمكانية أن نتمتع بحياة تقوية فائقة فإن كثيرًا من صور البؤس والتعاسة ستختفى. ألاّ يجب إذن أن نأتى جميعًا وباستمرار نحو أمنا كلنا وأعنى الكنيسة ؟! لأن أى شركة ستكون أكثر أهمية من شركة الكنيسة ؟ وأى معاشرة ستكون أكثر نفعًا من معاشرة الكنيسة ؟ وما هى معوقات لقاءنا فى الكنيسة؟ ستقول لى إن الفقر قد صار لى عائق عن هذا اللقاء الرائع ، ولكن هذا مبرر غير صحيح.

          أيام الأسبوع هى سبعة أيام، هذه الأيام السبعة قد قسّمها الله معنا ولم يعط لنفسه أيام أكثر ولنا أيام أقل، أو بمعنى أفضل لم يقسمها ولا حتى مناصفةً ، بمعنى أنه لم يحتفظ لنفسه بثلاثة أيام وأعطانا ثلاثة أيام. لكنه أعطى لك ستة أيام ولنفسه ترك يومًا واحدًا. وأنت لا تقبل فى هذا اليوم أن تتحرر من أمور هذا العالم. فهذا الذى يصنعه أولئك الذين يسرقون الأشياء المقدسة، هذا الأمر نفسه تتجرأ وتفعله أنت أيضًا فى هذا اليوم، فبينما هذا اليوم مقدس ومخصص لسماع الأقوال الروحية، تسرقه وتستخدمه للاهتمامات العالمية، ولماذا أقول إن اليوم كله (يوم الرب)؟ لأن هذا الذى فعلته الأرملة صاحبة الفلسين، يجب أن تفعله أنت أيضًا فى يوم الرب. إذ أنه كما أعطت المرأة الفلسين وحصلت على نعمة عظيمة من الله، هكذا أنت أيضًا اقرض الله ساعتين ووقتها ستقدم لبيتك ربحًا يدوم أيام كثيرة . لكن إذا كنت لا تقبل أن تصنع هذا وأنت تسعى لتحقيق مكسب أرضى، ففكر إنك ربما برفضك التنازل عن جزء صغير من ساعات اليوم أنك تخسر تعب سنين بأكملها، فحين يصير الله هلى هامش حياتك فإنه يعرف كيف يجعل الأموال التى جمعتها تزول، وهذا ما قاله لليهود مهددًا إياهم إذ أنهم أظهروا عدم اهتمام برعاية الهيكل: ” انتظرتم كثيرًا وإذا هو قليل ولما أدخلتموه البيت نفخت عليه لماذا يقول رب الجنود” (حجى9:1).

          أخبرنى إذن لو أن مجيئك إلى الكنيسة هو لمرة أو مرتين فى العام ماذا أستطيع أن أعلّمك من الأمور الضرورية ؟ أى الأمور الخاصة بالنفس ، بالجسد، بالأبدية، بطول أناة الله، بالمسامحة، بالتوبة، بالمعمودية، بغفران الخطايا، بخلق السموات والعالم والأرض، بطبيعة البشر، بطبيعة الملائكة، بمحاربات الشياطين وحيَلهم ، بطرق المعيشة، بعقائد الإيمان، بالإيمان المستقيم، وبالهرطقات الفاسدة ؟!

          هذه الأمور وأكثر منها يجب أن يعرفها الإنسان المسيحى ويعطى عنها إجابات لمن يسألونه. لكن لا يمكنكم أن تتعلموا ولو جزء صغير من هذه الموضوعات، لو كان حضوركم مرة واحدة إلى الكنيسة، كأمر على سبيل العادة وبدون أى اهتمام. وتأتون بسبب الاحتفال بالعيد وليس بدافع من نفس تقية. لأنه سيكون أمر مفرح جدًا لو أن المرء استطاع بقدومه إلى الكنيسة لحضور الاجتماعات أن يعرف هذه الأمور بالتدقيق .

          إن كثيرين من الحاضرين معنا فى الكنيسة عندما يفكرون فى تسليم الأبناء والعبيد لمعلمى الفنون الذين يعدونهم لهذه المهارات ويجهزون لهم مكانًا للإقامة والطعام وكل الأمور الأخرى بعيدًا عن منازلهم لتحقيق هذا الهدف. فإن سكنى هؤلاء الأبناء والعبيد مع معلميهم وإقامتهم المستمرة معهم وعدم السماح لهم بالتردد على المنزل يحقق إلمامًا أكثر فى التعلم، دون أن يعطل مسيرة هذا التعليم أى اهتمام آخر.

          لكن الآن الأمر يتعلق بتعلّم فن ليس بالفن العادى ولكن بفن أرقى وأرفع من كل الفنون الأخرى أى الفن الخاص بكيفية أن تكونوا مقبولين أمام الله، وأن تنالوا الخيرات السماوية.

          هل تظنون أنكم تستطيعون أن تحصلوا على هذه الخيرات وأنتم قادمون إلى الكنيسة بلا مبالاة ؟ ألاّ يُعد هذا الأمر حماقة ؟ لأن هذا التعليم يحتاج إلى حرص وتركيز كبير، اسمعوا ماذا يقول السيد المسيح: “ احملوا نيرى عليكم لأن وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم ” (مت29:11). وأيضًا يقول النبى : “ هلموا أيها البنون استمعوا إليه فأعلمكم مخافة الرب ” (مز11:34)، وأيضًا يقول: ” كفوا واعلموا إنى أنا الله أتعالى بين الأمم أتعالى فى الأرض ” (مز10:46). وهكذا فإن الذى ينوى أن يتمتع بالحكمة يحتاج إلى تعليم كثير.

          تعالوا بنا نتحدث عن موضوع احتفال اليوم لأن كثيرين يحتفلون ويعرفون أسماء الأعياد ولكنهم يجهلون الأسباب التى من أجلها صارت هذه الأعياد. إن احتفال اليوم يُسمى ” إبيفانيا ” (الظهور) وهو معروف للجميع، لكن هذه الإبيفانيا هل هى واحدة أم اثنين ـ هذا لا يعرفونه ـ الأمر الذى يمثل خجلاً كبيرًا ويستحق كثيرًا من اللوم، فبينما كل عام يحتفلون بهذا العيد فهم يجهلون أمره.

          شئ هام إذن أن أقول لمحبتكم إن الأمر لا يتعلق بظهور واحد ولكن بظهورين، واحد هو الذى حدث فى مثل هذا اليوم والثانى سيصير فى المستقبل وسيحدث بطريقة مجيدة فى المجيء الثانى. اسمعوا ماذا يقول بولس عن كل ظهور من الاثنين وهو يكتب لتيطس بشأن احتفال اليوم     (أى المعمودية) ” لأنه قد ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس معلمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى فى العالم الحاضر ” وللظهور الثانى فى المجئ الثانى يكتب “ منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح ” (تى11:2ـ 13). وأيضًا يقول النبى عن هذا الظهور الثانى ” تتحول الشمس لظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجئ يوم الرب العظيم المخوف ” (يوئيل13:2) .

          لكن لأى سبب سُمى إبيفانيا ؟ بسبب أنه اليوم الذى فيه قدَّس طبيعة المياه، لذلك فى مساء يوم هذا العيد يُحضر الجميع المياه ويضعونها داخل البيت محتفظين بها طول العام[1]، لأن اليوم تقدست المياه ومعجزة تقديس هذه المياه تتضح من أن طبيعة هذه المياه المقدسة لا تتغير طوال العام. ومرات كثيرة بعد سنتين أو ثلاث سنوات يبقى نظيفًا ونقيًا على الرغم من مرور كل هذا الزمن.

          لكن لأى سبب سُمى إبيفانيا ؟ بسبب أن المسيح صار معروفًا للجميع عندما تعمد لأنه حتى ذلك اليوم كان غير معروف من كثيرين . اسمع ماذا يقول يوحنا المعمدان ” فى وسطكم قائم الذى لستم تعرفونه ” (يو26:1) . ولماذا يستحق هذا الأمر التقدير والاهتمام ؟ لأن الآخرين كانوا يجهلونه وفى ذات الوقت كان يوحنا المعمدان نفسه لا يعرفه حتى ذلك اليوم ، لأنه قال ” وأنا لم أكن أعرفه لكن الذى أرسلنى لأعمد بالماء ذاك قال لى الذى ترى الروح نازلاً عليه ومستقرًا عليه فهذا هو الذى يعمد بالروح القدس ” (يو33:1).

          ويوجد أمر هام أيضًا وهو أن نوضح لأى سبب أتى المسيح ليعتمد، وما هو نوع معموديته ؟

          كانت توجد المعمودية اليهودية والتى كانت معنية بنظافة الجسد فقط وليس بخطايا الضمير فلو أن شخص ارتكب خطية الزنا أو تجرأ أن يسرق أو ارتكب مخالفة أخرى فإن هذه المعمودية لم تكن تخلصه من هذه الخطايا، لكن لو أن شخصًا لمس عظام أموات أو تناول أطعمة محرمة أو عاد من دفن ميت أو اقترب من أموات ، كان يغتسل ويبقى دنسًا حتى المساء وبعد ذلك يتطهر لأنه يقول ” ومن مس فراشه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء ” (لا5:15) . وبعد ذلك يتطهر لأنه فى الحقيقة هذه الأمور لم تكن نجسة لكنها فقط كانت غير مكتملة روحيًا . وبهذه الممارسات جعلهم الله أنقياء وأعدهم لتلك اللحظة لكى يكونوا أكثر استعدادًا وفى صورة أفضل لفهم الأمور الأكثر سموًا .

          إذن فالمعمودية اليهودية لم تكن تخلّص من الخطايا ولكن فقط كانت معنية بالتطهير من النجاسة الجسدية ، بينما معموديتنا ليست هكذا بل هى أفضل وأعلى وأسمى ومملوءة بنعمة عظيمة وهى تخلص من الخطايا وتمسح النفس وتمنح الروح القدس. ثم كانت هناك معمودية يوحنا التى هى بالتأكيد أفضل من المعمودية اليهودية، ولكنها أيضًا كانت أقل من معموديتنا، فهى بطريقة ما تمثل جسرًا بين المعموديتين لأن يوحنا لم يقود الشعب نحو حفظ التطهيرات الجسدية لكنه وعظهم ونصحهم أن يبتعدوا عن هذه الأمور وعن الخطية ويعودوا للفضيلة وأن يعتمدوا وهم يترجوا خلاصهم بالأعمال الحسنة وليس بنظافة الماء ومعموديات أخرى. لأنه لم يقل اغسل ملابسك واغسل جسدك وستصير نظيفًا ولكنه قال ” اصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة” (مت8:3) .

          أما من جهة أن معمودية يوحنا هى أفضل من المعمودية اليهودية وأقل من معموديتنا نحن فهذا راجع إلى أن معمودية يوحنا لا تمنح الروح القدس ولا تهب غفران الخطايا الذى يعطى بالنعمة الإلهية لأن يوحنا يكرز بالتوبة فقط ولا يملك سلطان الغفران. ولهذا السبب قال ” أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذى يأتى بعدى هو أقوى منى هو سيعمدكم بالروح ونار” (مت11:3) . وماذا يعنى بالروح القدس ونار ؟ تذكروا أرجوكم يوم الخمسين حيث ظهرت ألسنة من نار أمام الرسل وحلت على كل واحد منهم .

          أما أن معمودية يوحنا لم تكن تملك منح الروح القدس ولا غفران الخطايا فهذا واضح من الآتى :

عندما تقابل بولس مع بعض التلاميذ سألهم ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم قالوا له ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس فقال لهم فبماذا اعتمدتم فقالوا بمعمودية يوحنا فقال بولس إن يوحنا عمّد بمعمودية التوبة ” (أع2:19ـ4) .

          إذن فهى معمودية توبة وليست معمودية غفران . لكن لأى هدف كان يوحنا يُعمد ؟ قال للشعب أن يؤمنوا بالذى يأتى بعده أى بالمسيح يسوع أما التلاميذ فلما سمعوا من بولس اعتمدوا باسم الرب يسوع ولما وضع يديه عليهم حل الروح القدس عليهم (أع4:19ـ6) .

          أرأيتم كيف كانت معمودية يوحنا ناقصة وإلا لما عمّدهم بولس أو وضع يديه عليهم. ولكنه الآن إذ قد صنع هذين الأمرين فقد أظهر امتياز المعمودية الرسولية وأن معمودية يوحنا كانت أقل بكثير من معموديتنا.

          الآن يجب أن نشرح لماذا تعمَّد المسيح وبأى معمودية تعمد، لا بالمعمودية اليهودية ولا بمعموديتنا التى صارت فيما بعد حيث إنه غير محتاج لغفران الخطايا. إذ كان بلا خطية، لأن الكتاب يقول “الذى لم يفعل خطية ولا يوجد فى فمه غش” (1بط22:2). وأيضًا ” من منكم يبكتنى على خطية ” (يو46:8). كما أن جسده لم يكن يخلو من الروح . لأنه كيف يكون هذا ممكنًا والجسد قد حُبِلَ به من الروح القدس ؟ إذن طالما أن هذا الجسد لم يخلو من الروح القدس وكان بلا خطية فلأى سبب تعمد ؟ بداية يجب أن نعرف بأى معمودية قد تعمد ؟ ووقتها سيصبح هذا الأمر مفهومًا.

          معمودية المسيح إذن، لم تكن المعمودية اليهودية ولا المعمودية التى نمارسها الآن، لكن كانت معمودية يوحنا. لماذا ؟ بهدف أن نتعلم من طبيعة هذه المعمودية أنه لم يُعمَّد من يوحنا من أجل غفران الخطايا ولا لأنه فى احتياج لعطية الروح القدس (مثلنا). ولكى لا يظن أحد ممن كانوا حاضرين عند نهر الأردن أنه ذاهب إلى هناك لطلب التوبة كما يذهب الآخرون، فإننا نجد يوحنا الذى قال للآخرين: ” اصنعوا ثمارًا تليق بالتوبة“(مت8:3). يقول للمسيح ” أنا احتاج أن اعتمد منك وأنت تأتى إلىَّ ” (مت 14:3) .

          قال هذا لكى يوضح أن يسوع لم يذهب إليه لنفس السبب الذى من أجله يذهب الآخرين وأنه غير محتاج بالمرة لأن يعتمد لهذا السبب، فهو أعظم من المعمدان نفسه بشكل فائق وأنقى منه بما لا يُقارن .

          لأى سبب تعمّد إذن طالما أن هذا لم يحدث لطلب التوبة أو لغفران الخطايا أو لمنح الروح القدس ؟ حدث لسببين آخرين الأول هو الذى أورده التلميذ (يوحنا المعمدان) والثانى هو ما قاله يسوع ليوحنا .

          ماذا يقول يوحنا عن سبب هذه المعمودية ؟ لكى يعلم الكثيرين كما قال بولس ” إن يوحنا عمّد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذى يأتى بعده ” (أع4:19) هذه كانت أهمية المعمودية . لأنه لكى يذهب إلى منزل كل أحد ومعه المسيح ويقترب من الأبواب ويدعوهم خارجًا ويقول لهم أن هذا هو ابن الله، هذا الوضع سيجعل هذه الشهادة أمرًا مشكوكًا فيه وسيكون أمرًا صعبًا جدًا. أيضًا أن يأخذه معه إلى المجمع ويشير إليه بنفس الطريقة أنه هو ابن الله سيكون هذا الأمر موضع شك. لكن أن يأتى المسيح نحو يوحنا بهدف أن يعتمد فى نفس اللحظة التىاجتمع فيها كل الناس من كل مدينة نحو نهر الأردن وبقوا على شاطئى النهر وهناك يقبل الشهادة السمائية التى صارت بفم الآب وبحلول الروح القدس على شكل حمامة هذا جعل الشهادة التى أعطاها يوحنا أمرًا غير مشكوك فيه. ولهذا قال “وأنا أيضًا لم أكن أعرفه ” جاعلاً لشهادته مصداقية أكثر. ولأنه كانت بينهما صلة قرابة حسب الجسد ” هوذا أليصابات نسيبتك هى أيضًا حبلى بابن فى شيخوختها ” (لو36:1). ولأنهما كانا أقارب ولكى لا يظهر أن يوحنا يعطى الشهادة للمسيح بسبب صلة القرابة رتبت نعمة الروح القدس أن يقضى يوحنا كل سنوات حياته السابقة بالصحراء لكى لا يظهر أن شهادته التى أعطاها للمسيح كانت بسبب صداقة أو شئ شبه ذلك ولكن كما تعلم هذا من الله هكذا فعل بأن جعله معروفًا للناس ولذلك قال ـ وأنا لم أكن أعرفه ـ ومن أين عرفه هو أيضًا ؟ يقول ” لكن الذى أرسلنى لأعمد بالماء ذاك قال لى الذى ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو الذى يعمد بالروح القدس ” (يو33:1) .

          وهكذا ترون أن لهذا حل الروح القدس . وهذا لا يعنى أن حلوله كان لأول مرة ولكن لكى يُظهِر المسيا الذى بشَّر به جاعلاً إياه معروفًا من الجميع كما تشير باصبع ، بحلوله على هيئة حمامة . ولهذا أتى ليعتمد وأيضًا لسبب آخر أورده هو نفسه عندما قال ” أنا أحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتى إلىَّ أجاب سوع وقال : اسمح الآن لأنه ينبغى لنا أن نكمل كل بر ” (مت14:3ـ15) .

          أرأيت العبد الصالح ؟ أرأيت الرب المتواضع ؟ ماذا يعنى أن نكمل كل بر، إن حفظ الوصايا يُدعى بر تمامًا مثلما يقول الكتاب ” وكانا كلاهما بارين أمام الله سالكين فى جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم ” (لو6:1) ولأنه كان يجب على جميع الناس أن يتمموا هذه الوصايا ولأنه لم يستطع أحد أن يحقق هذه الوصايا فى كمالها ، لهذا أتى المسيح وأكمل تحقيق هذه الوصايا . وأى وصية نفذها بالمعمودية أن يخضع للنبى كانت وصية . تمامًا كما أختتن وقدم ذبيحة وحفظ السبوت وشارك فى أعياد يهودية هكذا أكمل ما تبقى وخضع للنبى الذى كان يعمد ولأن هذه كانت إرادة الله أن يعتمد الجميع ، اسمع ماذا يقول يوحنا ” الذى أرسلنى لأعمد بالماء ” (يو33:1) . وأيضًا يقول المسيح ” وجميع الشعب إذ سمعوا والعشارون برروا الله معتمدين بمعمودية يوحنا وأما الفريسيون والناموسيون فرفضوا مشورة الله من جهة أنفسهم غير معتمدين منه ” (لو29:7ـ30) .

          إذن لو أن هذا يشكل وصية فى أن يخضع الإنسان لله ، فإن الله أرسل يوحنا لكى يعمد الشعب وأيضًا فإن المسيح أتم هذه الوصية (المعمودية) مع كل الوصايا والفرائض القانونية الأخرى. أى أنه افترض أن وصايا الناموس كانت توصى بدفع مائتى دينار. هذا الدين كان يجب أن يدفعه جنسنا الإنسانى ولم يدفعه وكنا تحت حكم الموت لأننا كنا مسئولين عن كل هذا الدين . عندما أتى المسيح ووجدنا تحت حكم الموت أسقط هذا الإلتزام ودفع عنا الدين وحرر هؤلاء الذين لم يكن لديهم أن يدفعوا . ولهذا لم يقل يجب أن تصنعوا هذه وتلك ولكن قال : أن          نكمل كل بر (مت15:3) أنا السيد الذى يملك هكذا يقول الرب ويجب أن أدفع عن هؤلاء الذين لا يملكون .

هذا هو سبب المعمودية لكى يظهر أنه يحفظ كل وصايا الناموس . ولهذا فإن الروح نزل على هيئة حمامة . لأنه فى كل مرة يصير تصالح مع الله تظهر حمامة . ففى حادثة فلك نوح أتت حمامة ماسكة غصن زيتون مُعلنًة محبة الله للبشر والخلاص من الطوفان ، والآن يظهر الروح على هيئة حمامة وليس جسد حمامة، هذه الأمور يجب أن نعرفها جيدًا، وفى نفس الوقت فإن الإنسان الروحى يجب ألاّ يكون ملومًا وأن يكون نقيًا وحسن النية تمامًا كما يقول المسيح “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات ” (مت3:18). فى قصة الفلك عندما توقف الطوفان استقر على الأرض ، بينما هذا الفلك (جسد المسيح) عندما هدأ الغضب الإلهى صعد إلى السماء وهو الآن يوجد عن يمين الآب . ولأننى تذكرت الجسد السيدى أرى أنه من الضرورى أن أكلمكم كلام قليل عن هذا الأمر ثم أنهى حديثى .

          أعرف أن كثيرين منا يقتربون من المائدة المقدسة كعادة فى هذا العيد . لكن كما قلت مرات كثيرة، عندما نحتاج أن نتناول يجب ألاّ نميز بين الأعياد، فأولاً يجب أن ننقى الضمير، وبعدها نقترب من الذبيحة المقدسة، لأن الإنسان الدنس وغير النقى لا يُسمح له ولا حتى فى العيد أن يشارك فى هذه المائدة المقدسة. بينما الشخص النقى والتائب توبة حقيقية الذى تطهرّ من خطاياه، هذا الإنسان يستطيع ليس فقط فى هذا العيد ولكن بشكل دائم أن يشارك فى الإفخارستيا الإلهية وأن يتمتع عن استحقاق بعطايا الله. لكنى لا أعرف كيف يُهمل هذا الأمر من البعض، والذين وهم مملوؤن من شرور كثيرة ، يذهبون للمشاركة فى الإفخارستيا المقدسة عندما يرون أن هذا العيد قد اقترب كما لو كان هذا اليوم (يوم الإبيفانيا) يدفعهم دفعًا نحو التناول، بينما غير مسموح لهم ليس فقط بالمشاركة بل أيضًا أن يتطلعوا نحو هذا السر. من بين هؤلاء يوجد أشخاص معروفون لنا وسأقوم بإقناعهم بنفسى. لكن هؤلاء غير المعروفين لدىَّ سأتركهم لدينونة الله الذى يعرف خفايا أفكار كل أحد . إذن فكل هذه الخطايا الواضحة سأحاول أن أقوّمها.

          ما هى الخطية إذن؟! هى أن تقتربوا من تناول الأسرار المقدسة بدون مخافة الله وبلا رعدة، وأيضًا المزاحمة ودفع الآخرين والضوضاء أثناء التناول، هذه الأمور قد قلتها مرارًا كثيرة ولن أتوقف عن أن أرددها . ألاّ ترون ماذا يحدث فى الألعاب الأوليمبية عندما يمر لاعب منتصر بالملعب حاملاً إكليلاً على رأسه لابسًا لباسه وماسكًا عصا فى يده ، كم يكون حفظ النظام فى الوقت الذى ينادى فيه المذيع لكى يلتزموا بالهدوء ولكى يسلكوا بلباقة وأدب؟ كيف لا يكون أمر غير معقول فهناك حيث يمر الموكب العالمى، يسود الهدوء، بينما عندما يدعون المسيح بالقرب منهم يسود ضوضاء كثيرة؟!! فى الملعب يسود الهدوء، وفى الكنيسة يسود صراخ؟!! فى البحر يسود هدوء وفى الميناء أمواج؟!! أخبرنى إذن لماذا نفتعل الضوضاء؟ لماذا نستعجل ؟ هل لأن الاهتمامات العالمية تلح عليك أن تفعل ذلك؟ وهل تلك الاهتمامات العالمية تتذكرها فى تلك الساعة (وقت التناول)؟ وهل تعتقد أنك توجد على الأرض؟ أتظن أنك توجد مع الناس؟ كيف لا يكون هذا التصرف نموذجًا لقلب متحير، لأنك تظن فى هذه الساعة أنك تقف على الأرض وأنك غير مشارك فى جوقة الملائكة الذين رنمت معهم اللحن السرى ومعهم قدمت لله لحن الانتصار. ولهذا فإن المسيح دعانا نسورًا قائلاً ” حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور ” (لو37:17) لكى نرتفع نحو السماء لكى نطير عاليًا متحررين من أثقالنا بواسطة أجنحة الروح. عكس ذلك فإننا نُسحب إلى أسفل مثل الحيات ونأكل من الطين .

          أتريدون أن أقول لكم من أين تأتى الضوضاء ؟ لأننا لا نغلق الأبواب أثناء ممارسة الليتورجيا ، وتذهبون قبل التناول إلى بيوتكم ، الأمر الذى يُشكل احتقارًا كبيرًا للسر . ماذا تفعل أيها الإنسان ؟ فبينما المسيح حاضرًا والملائكة تقف حوله وأخوتك مازالوا يتناولون من هذه المائدة المقدسة والتى تُقدم لك أنت أيضًا ، أتترك كل هذا وترحل ؟ لو كنت مدعو لعشاء هل تستطيع أن تترك المائدة وترحل حتى لو شبعت طالما أن الأصدقاء مازالوا جالسين على المائدة ؟ بينما هنا حيث تُمارس الأسرار المقدسة ومازالت الليتورجيا مستمرة تترك كل هذا فى المنتصف وترحل ، لماذا ؟! وكيف يكون كل من يفعل هذا مستحقًا للمسامحة ؟ وأى تبرير ستعطى ؟

          أتريدون أن أقول لكم بمن يليق مثل هذا العمل أى أن تتركوا الليتورجيا قبل أن تنتهى ولا تشاركون فى الألحان الإفخارستية ولا تشاركون فى المائدة المقدسة، ربما يكون هذا الذى أريد أن أقوله أمرًا ثقيلاً ولكن يجب أن أقوله بسبب عدم مبالاة الكثيرين. عندما شارك يهوذا فى العشاء الأخير، بينما كان الجميع يجلسون إلى المائدة ، قام قبل الآخرين ورحل. هؤلاء الذين يرحلون قبل انتهاء الإفخارستيا هم يشبهونه لأنه لو لم يرحل ويترك المائدة لم يكن قد صار خائنًا. لو لم يهجر التلاميذ لم يكن ليهلك. لو لم يقطع نفسه عن باقى الرعية لما وجده الثعلب بمفرده ليأكله. لو لم ينفصل عن الرعية لما قبض عليه الشيطان ، ولهذا فهو ذهب ورحل مع اليهود بينما التلاميذ ذهبوا مع السيد وقدموا الشكر له ، أترى إذن أن الطلبة الأخيرة للإفخارستيا قد صارت على هذا النموذج .

          والآن أيها الأحباء لنفكر فى هذه الأمور ولنخف من دينونة الله المُعدة لنا. المسيح أعطاك جسده وأنت لا تبادله ولو حتى بالكلام أو بالشكر من أجل هذا الذى تناولته. فعندما تستمتع بطعام جسدى تشكر من قدمه لك. لكن حين تشارك فى الطعام الروحى الذى يتجاوز كل الكون المرئى وغير المرئى وأنت الإنسان ذو الطبيعة الزهيدة لا تنتظر حتى نهاية الإفخارستيا لكى تشكر بالقول والفعل. كيف لا تكون هذه الأمور مستحقة للعقاب؟ هذه الأمور أقولها لكم لكى تلتزموا الهدوء. هذه تُسمى أسرار وهى أسرار بالفعل. عندما تُمارس الأسرار يجب أن يسود هدوء كبير ونظام فى تقوى تتلاءم مع السر. ولنقترب من هذه الذبيحة المقدسة لكى نستحق عطف الله وحنوه وتتنقى نفوسنا ونترجى الخيرات الأبدية بالنعمة ومحبة البشر اللواتى ليسوع المسيح، الذى له المجد مع الله الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور كلها . آمين .

1  ومازالت الكنيسة تحرص على أن تمارس هذا الطقس القديم، ليس فقط فى عيد الغطاس بل وأيضًا فى خميس العهد وعيد الرسل.

 

الظهور الإلهى في معمودية المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

 

يا من صعد إلى السماء جسدايًا وهو يملأ الكل بلاهوته، أيها المسيح إلهنا، اصعد هممنا من تنازل الأرضيات إلى اشتياق السمائيات.

يا من شرّف جنس البشر بارتفاع الجسد المأخوذ منهم إلى حيث مجد لاهوته الأزلي، أيها السيد، أرفع عقولنا من تنازل رذائل هذا العالم إلي ارتقاء ذلك الدهر المستأنف.

يا من عظّم الإنسان الترابي وجعله أهلاً أن يصير سمائياً، أقبلنا إليك أيها الرب الإله الذي يعلوا الكل وهو فوق كل رئاسة وسلطان، وهب لي أنا أيها القدوس قولاً لأتكلم عن كرامة صعودك إلي الذي لم تزل فيه أزلياً.

يا من وهب للأرضيين أن يبلغوا رتبة السمائيين أعطني نطقاً، يا عمانوئيل إلهنا، الذي أعطي قوة للجسدانيين أن يصيروا روحانيين لأنطق علي جلال ارتفاعك العجيب بالجسد إلي السموات التي أنت فيها باللاهوت لم تزل.

امنحني معرفة يا من وهب فضلاً خلاصاً وارتفاعاً لجنسنا الذى كان ساقطاً في هاوية الهلاك وصيره فوق في ملكوت السماء الباقية، لأخبر بحسن بهائك وأنت صاعد إلي علو سمائك، وأرسل مع داود المرنم وأقول “ صعد الله بتهليل الرب، بصوت القرن رتلوا لإلهنا رتلوا لملكنا رتلوا. لأن الرب هو ملك الأرض كلها. رتلوا بفهم بان الرب هو ملك علي كل الشعوب. جلس الله علي كرسي مجده ” (مز46). أعلن معه أيضاً بدخولك في أبواب المجد الدهرية وأقول ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم. ارتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد. من هو ملك المجد؟ رب القوات هذا هو ملك المجد ” (مز23).

وأخبر معه أيضاً بالسبي الذي أقتلعه من يد الشيطان بصعود الجسد الذي اتحدت به وأَفَضَت مواهبك علي البشر وأقول ” صاعد إلي العلا وسبى سبياً وأعطي الناس عطايا ” (أف8:4). ونسجد لك ونسبح جميعاً معه قائلين”  يا جميع ملوك الأرض سبحوا الله. رتلوا للرب الذي صعد إلي سماء السماء في المشارق، ونرسل لك أيضاً معه تسبيحاً جديداً لأن الأشياء العتيقة قد زالت، وكل شئ قد تجدد بك أيها المسيح الرب الذي جدّد الخليقة بقيامته وأعلي رتبتها بصعوده ونهتف جميعاً قائلين باتفاق واحد ” سبحوا الرب تسبيحاً جديداً. سبحوا الرب يا جميع الأرض باركوا اسمه. بشروا يوماً فيوماً بخلاصه، حدثوا في الأمم أن الرب قد ملك ” (مز1:96،2) أعني غلب الشيطان، وأن الجسد قد ظفر بالملك الأبدي كما قال لرسله بعد قيامته. أعطاهم كل سلطان في السماء وعلي الأرض وإن كان السلطان له لم يزل، إنما أعني الجسد الذي أُعطي كرامة وسلطاناً باتحاده باللاهوت وإقامته من بين الأموات، وهكذا نفهم نوع الصعود والجلوس والملك كقول داود ” الرب قد ملك فلتبتهج الأرض سحاب وضباب حوله. بالعدل والحق أتقن كرسيه ” (مز1:97) هذا هو المُلك الذي عناه جبرائيل الملاك للسيدة مريم البتول قائلاً: ” ويملك علي بيت يعقوب إلي الأبد ولا يكون لملكه انقضاء ” وداود أيضاً يقول: ” قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعدائك تحت موطئ قدميك عصا قوة يرسل لك من صهيون وتملك في وسط أعدائك إلي الأبد ” (مز1:110) وهذا الموضع فسره الرب في الإنجيل، هكذا اسمه القدوس قد ملك في وسط أعدائه. وليس إلي وقت ينقضي بل إلي الأبد بلا انقضاء، وعني بأعدائه الشياطين المردة واليهود الكفرة والذين لم يذعنوا للإيمان باسمه كما قال ” أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي” (لو27:19). أعني انتقاماً منهم في استعلانه الثاني. وبحق أيها الأخوة الأحباء إن كرامة هذا العيد الشريف أعني عيد صعود ربنا يسوع المسيح إلي السماء جليلة جداً لأن فيه كمال التدبير بالتجسد العجيب.

اليوم صعد الرب إلى السموات بالجسد وهو فيها باللاهوت لم يزل، وإنما ذِكر نزوله أي أنه تجسد وذِكر صعوده أى أنه صعد بالجسد الذى اتحد به إلى فوق كل رئاسة وسلطان.

اليوم صعد الرب إلى سماء السموات وخضعت له الملائكة والرؤساء والقوات.

اليوم صار الذى كان تحت الكل ساقطًا فى التراب والبلاء على الأرض، فوق الكل فى سما السموات. ولما نظر البشر إلى الجسد الذى كان ساقطا فى الهاوية أنه قد علا سماء السموات فوق كل ما يرى وما لا يرى علموا أن الهلاك قد مضى، والغضب قد ذهب وانقضى، ومجد حرية البنوة قد استنار بربنا يسوع المسيح. لأنه كيف تستطيع الأرض الصعود إلى السماء[*] لو لم يتحد بها رب السماء بالتجسد العجيب ويصعد إلى حيث مجده غير المدرك. وكيف يقدر الجسدانيون أن يصيروا روحانيين لو لم يتجسد منهم رب الأرواح وإله كل جسد ويصلح كل شئ كما يليق به؟. كيف يقدر المسجونون تحت حكم الموت والفناء أن يبلغوا رتبة الذين لم يوجب عليهم حكم الموت، أعنى الملائكة، لو لم تخالط طبيعتهم ذاك البار غالب الموت ويصعدها فوق الكل؟ فكل شئ خضع تحت قدميه.

لم تصر لنا النعمة بمقدار الزلة، بل عظُمت نعمة ربنا يسوع المسيح وفاقت كل زلة وهفوة وبلغت فى العلو حتى نفذت إلى سماء السموات فوق كل الملائكة والرؤساء والقوات.

أليشع النبي يعلمنا سر صعوده وذلك أنه مكتوب فى أسفار الملوك إن بنى الأنبياء أتوا إلى أليشع النبي وسكنوا عنده فقال لهم يا اخوة ليس فى المكان سعة لنا جميعاً فاقطعوا لكم خشباً من على شاطئ نهر الأردن واصنعوا لكم محلاً تأوون إليه، وتجدوا هدوءً وسكونًا جيدًا.

لم يكن عندهم سوى فأس واحدة فأخذوها ومضوا يقطعون بها فانقلعت العصاة من الفأس وسقط الحديد فى نهر الأردن وكان الموضع مهبط مياه قوى التيار جداً. فأتوا وأعلموا أليشع النبي بذلك فأخذ عصاةً جديدةً غير تلك الأولى وأتى إلى الموضع الذى سقطت فيه الفأس وألقى العصا الجديدة فى النهر فطفا الحديد فمد النبي يده وأخذ الفأس، وكان هذا مثالاً ـ بروح النبوة ـ على البشرية التى سقطت فى بحر العالم ورسبت مثل حديد ثقيل ولم تقدر أن تصعد إلى الشرف العالى، فتحنن الرب السماوي وأتحد بجسد طاهر لم يعتق بالخطية بل أخذه من البتول مريم بغير زرع بشر ثم أصعده بغير مانع كما يليق به وأعطى لجنسنا القوة على الصعود إلى حيث مجده كما يقول الرسول ” نتمسك بالرجاء الموضوع أمامنا الذى هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائراً على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد ” (عب18:6ـ20) وقال أيضاً فلنقترب الآن إلى كرسي نعمته لنظفر بالرحمة ونستفيد بالنعمة ليكون لنا ذلك عوناً فى زمان الضيق.

يعقوب إسرائيل سبق فأبصر كيفية صعود الرب حيث أبصر سلماً مرتفعاً من الأرض إلى السماء وملائكة الله نازلين وصاعدين عليه والرب فوق أعلى السلم. يدل هذا على تدبير الرب الذى أكمله بالتجسد البشرى وارتقى من واحدة إلى أخرى كنوع السلم حين التجسد إلى حين الصعود والملائكة خادمون له فى ذلك بأسره من حين البشارة إلى حين القيامة والصعود.

هلما فى وسطنا اليوم أيها الإنجيلي القديس لوقا لنأخذ منك سياق القول على صعود الرب وكيف كتبت الإنجيل بتأييد الروح من ابتداء التجسد وأكملته بالصعود ثم ابتدأت أيضا بالصعود فى كتاب الأبركسيس وجعلته فاتحة القول ثم ذكرت كيف كان كمال الإنجيل وجمعت الاثنين فى حال الصعود وقلت ” الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس ” أعنى الإنجيل المقدس. قال ” عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به ” (لو1:1) أعنى سياسة تدبير الرب وأنه عمل أولاً وعلّمنا أن نتبع أثره، ولكي ما يظهر بهذا أن كل ما عمله إنما كان لأجل تأديبنا وتعليمنا وليس حاجة به إلى ذلك، أعطانا بهذا مثالاً أن نعمل ونعلم، قال ” حتى اليوم الذى صعد فيه ” أي أن للصعود الكريم هو كمال بشرى الإنجيل وفيه انتهى القول فى نوع تدبير الله، قال    ” بعدما أوصى رسله الذين اصطفاهم بروح قدسه ” أعنى الوصية التى ذكرها فى الإنجيل، قال ” أولئك الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ” أعنى القيامة المقدسة التى هي عربون قيامتنا، قال ” بعد ما تألم، بآيات كثيرة ” أعنى بالآيات، شهادات الأنبياء التى تقدمت لأجله التى تظهر كيفية علامات آلامه المحيية مع الآيات التى كانت وقت الصلبوت علانية من تغيّر وجه السماء والأرض واضطراب العناصر، قال: ” فى أربعين يوما كان يتراءى لهم ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله ” أعنى أنه مكث أربعين يومًا بعد القيامة المقدسة يظهر لهم حيناً بعد حين. فحيناً يظهر لهم ليفرّح قلوبهم بمشاهدته، وحيناً يختفي بقوة لاهوته عنهم لكى يشتاقوا إليه ويحفظوا ما أوصاهم به ويتذكروه فيما بينهم. وقوله: ” يتكلم على ملكوت الله “، أعنى كل تعاليمه لأجل ملكوت السموات التى هو صاعد إليها بالجسد وبلاهوته هو حال فيها. قال “ وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم” وهذه الوصية قد تقدم ذِكرها فى الإنجيل وهى وصيته لهم أن لا يبرحوا أورشليم حتى يتذرعوا القوة من العلاء، ههنا أيضا بناء على ذلك قال ” بل ينتظرون موعد الآب “.

قد تقدم ووعدهم بأن يرسل إليهم موهبة الروح، وهو والآب واحد فى الفعل والقوة، ولهذا قال ” موعد الآب ” لكى يثبت لهم وحدانية اللاهوت بغير تجزئ ولا افتراق قال ” ذلك الذى سمعتموه منى ” أعنى أن منه سمعوا ذلك، وهو والآب واحد كما قال لليهود وأيضاً قال لفيلبس من ” رآني فقد رأى الأب “، قال ” يوحنا عمّد بالماء وأنتم تعمّدون بالروح القدس“.  ذكر ههنا شرف المعمودية التي هم مزمعون أن يقبلوها بحلول الروح القدس عليهم عندما يعطيهم موهبة الكمال، وأن يوحنا شُرَّفَ بالعماد لكن بالماء وأنتم تعمدون بعماد الروح القدس ثم تكونون أئمة لكل المسكونة في الميلاد من فوق. قال ” ليس بعد أيام كثيرة ” عنى كمال الخمسين فلما سألوه عن مُلك بنى إسرائيل الجسدانى نزع هذا التشاغل العالمي من عقولهم ثم عرّفهم أن الروح إذا أقبل عليهم يملأهم معرفة ويعلمون كل شئ، وليس هذا فقط بل ويقبلون قوة فاضلة حتى يكونوا له شهوداً ليس فى مكان واحد، بل قال في أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض.

 

فلما أكمل لهم هذه الأشياء بآسرها وثبتهم على انتظار الموعد الذى يهبط عليهم من السماء ويكون لهم مرشدًا ومعزيًا ومعلمًا، حينئذ باركهم الرب الإله معدن كل البركات، وصعد إلى السماء أمام أعنيهم وهم ينظرون إليه ثم قبلته سحابة ليتم المكتوب ” أستوي على السحاب ومشى على أجنحة الرياح ” (مز3:104 ) أعنى أن الجو غير المحسوس والرياح غير المضبوطة صعد فيها بقوة لاهوته من غير مانع وكأن لها أجنحة خادمة لباريها وأيضا مكتوب ” سحاب وضباب حوله. بالعدل والحق أتقن كرسيه ” (مز2:97 ). ومكتوب “ ركب على الكاروبيم وطار، طار على أجنحة الرياح ” (مز 10:18 ).

ذكر أولا ركوبه على الكاروبيم ثم ذكر طيرانه على أجنحة الرياح ليعلن قوة لاهوته وأنه غير محتاج إلى شئ من البرايا بل هو أصعد الجسد المتحد به بقوة إلى أعلى المراتب الروحانية فوق كل القوات العقلية، ولما شاهدوا خضعوا جميعًا، الملائكة والرؤساء والقوات، أعنى كافة الروحانيين الذين فوق السموات. أما الرسل فبقوا قيامًا متفرسين نحوه وهو صاعد وهم متعجبون.

وفيما هو كذلك إذ وقف بهم رجلان بلباس أبيض لامع أعنى أن ملاكين ظهرا لهم بشبه البشر لكى يقدروا على مخاطبتهم ولكي يعلمون أن السمائيين قد صاروا واحداً مع الأرضيين بالرب الذى أصعد الجسد المتحد به إلى السماء. لأن لوقا جرت عادته فى ذكر الملائكة، أنها تظهر بشبه الناس كما ذكر في الإنجيل عن الملاكين اللذين بشروا النسوة بهذا المثال بعينه، فقالا ” أيها الرجال الجليليون ” يعنى أن الرسل من الجليل . قالا       ” لماذا أنتم قيام متفرسون فى السماء “، أعنى أن صعود الرب إلى السماء ليس أمراً غريباً، ثم قالا ” إن يسوع الذى صعد عنكم إلى السماء، هكذا يأتي كما رأيتموه صاعداً إلى السماء ” عَنِيَا بيسوع المخلص لأنه سمّى بهذا الاسم لأجل التجسد فأعلنا لهم كرامة صعوده ثم أثبتا مجيئه فى استعلانه الثاني من السماء التى صعد إليها لأنهم مزمعون أن يأتوا معه كما قال الرب “ إنه يأتى في مجده مع ملائكته القديسين“. ثم أن الرسل الأطهار رجعوا إلى أورشليم مسرورين بما شاهدوا من المجد والكرامة لأجل الموعد الإلهي، فلما دخلوا إلى العلية المقدسة التى كانوا مجتمعين فيها أولاً مع الرب، وفيها دخل عليهم والأبواب مغلّقة، كمثل عبيد يتذكرون المكان الذى كانوا فيه مع سيدهم منتظرين رجاء الموعد وهم فرحون.

وقد كانت سيدتنا مريم أيضاً مع نسوة تقيات مواظبات مع الرسل على الصلاة والطلبة بنفس واحدة منتظرين جميعاً موعد الآب بالروح القدس. وهم مشتاقون لما سمعوه من الرب أن به الغاية فى معرفة الكمال، وهو المرشد إلى الحق، فإن به يُعطون قوة البشرى فى أقطار الأرض كلها.

نعظم الآن يا أحبائي صعود الرب يسوع المسيح ونعيّد له بكل الوقار والإكرام، لأن به شرّف ورفع طبيعتنا الأرضية الهالكة وجعلها فاضلة سمائية كما يقول الرسول ” إن الله الغنى برحمته من أجل كثرة محبته كما كنا أمواتاً بخطايانا أحيانا بنعمته وأحبنا وأقامنا وأجلسنا مع يسوع المسيح” (أف4:2).

نسجد ونمجد الذى خضعت له الملائكة والرؤساء والقوات. نخرج مع رسله عقلياً خارجاً عن المدينة، الذى هو الخروج عن سيرة العالم الحسي، ثم نصعد إلى الجبل، الذى هو ارتقاء العقل عن الرذيلة، إلى علو الفضيلة ليباركنا مع خواصه الأطهار الأفاضل ونسجد له معهم. ثم نرتل مع النبي المرنم داود قائلين “ عظّموا الرب إلهنا واسجدوا فى جبله المقدس فإن الرب إلهنا قدوس ” (مز9:99)، وأيضاً نقول ندخل إلى مظلته ونسجد فى موضع قدسه ثم نصعد إلى العُلّية ونمكث ناظرين نحوه وله مترجين لكى يمنحنا موهبة روح قدسه، حتى يرشدنا إلى البر والحق إذ أن الرسول يعلمنا بمثل ذلك قائلاً ” إن كنتم قد متم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله واهتموا بما فوق لا بما على الأرض “، فإذا سمعت بالجلوس عن يمين الله فلا تظن أنه يمين محسوس لأن داود يقول  ” يمين الرب رفعتني يمين الرب صنعت قوة ” فلا تفتكر فى شئ محسوس ولا يمين ضد اليسار بل يعنى باليمين القوة والرفعة وإن الجسد الذى كان أسفل الكل صيّره فوق جالساً يعلو الكل. وبولس يفسر هذا قائلاً ” إنه أجلسه عن يمينه فوق فى السموات فوق الرؤساء والملائكة والسلاطين وفوق كل اسم يُسمّى وكل شئ أخضع تحت قدميه ” أعنى باليمين الرفعة والقوة والشرف الذى أُعطى للجسد المتحد به لأنه باللاهوت هناك لم يزل.

 

فلنرفض عنا الآن دنس العالم ولنطلب الشرف الذى صار لنا لئلا نكون نحن السبب فى هلاك نفوسنا وحدنا.

نحفظ أجسادنا نقية وأرواحنا طاهرة مضيئة لأجل الذى أتحد بحبه بالبشرية ورفعها إلى السماء العلوية.

فنصنع صلحاً وسلاماً مع بعضنا لأجل الذى صعد إلى السموات وصيّر الأرضيين واحداً مع السمائيين.

نرحم أهل الفاقة من أجل الذى رحمنا وأعطانا كل شئ بسعة غناه لحاجاتنا.

نسلك أمامه فى سبل مستقيمة لكى يجعلنا مستحقين الارتقاء إلى السبل العلوية السمائية، التى تقدمنا فيها رئيس الحياة الأبدية مخلص كل البَريّة. نحب النقاوة والطهارة ونجاهد على حفظها لكى يشرق فينا نور نعمته فى عُلّية نفوسنا ويملأنا من موهبة روح قدسه.

ننطق بمجده نتكلم بعجائبه ونخبر بقوة خلاصه وعظم ذراعه. نتلو ما صنع من أجلنا لكى نستحق الشركة مع رسله الأطهار الذين كرزوا باسمه بين الملوك والسلاطين وكافة الشعوب باجتهاد ومحبة كل أيام حياتهم. إذ أن الرسول يفتخر بذلك ويتلو مثل هذه الألفاظ قائلاً: ” عظيم هو سر التقوى، الله ظهر فى الجسد تبرر فى الروح تراءى للملائكة كُرز به بين الأمم أومن به فى العالم رُفع فى المجد ” (1تى16:3).

ونحن نسأل ربنا يسوع المسيح الذى صعد إلى السموات، أن يُصعدنا بقوته من بحر هذا العالم المهلك. ويثبت فى السبيل المستقيم أقدامنا. ويغفر ما تقدم من قبيح أعمالنا. ويساعدنا على العمل برضاه وحفظ وصاياه، ويرحم كافة بنى المعمودية الذين رقدوا على رجاء الإيمان باسمه القدوس بشفاعة سيدتنا الطوباوية البتول القديسة مريم والدة الخلاص. وكافة الرسل الأطهار والشهداء والقديسين الأبرار آمين.

*  يقصد الطبيعة البشرية المخلوقة.

ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

 

هذا العيد أيها الأحباء يتجاوز العقل الإنسانى وهو لائق بكرم الله الذى صنعه . فاليوم قد تصالح الله مع الجنس البشرى .

اليوم أُبطلت العداوة القديمة وانتهت الحرب طويلة الأمد . اليوم حل سلام عجيب لم نكن نحلم به قبلاً . فمن كان يتصور أن يتصالح الله مع الإنسان؟ لا لأن الله قد أبغض الإنسان ولكن لأن العبد كان غير مبالٍ، لا لأن السيد كان قاسٍ لكن لأن العبد كان منكراً للجميل .

أتريد أن تعرف كيف أغضبنا إلهنا الصالح مُحب البشر؟ لأنه يجب أن تعرف سبب عداوتنا السابقة ، حتى عندما ترى تكريمه لنا ، ونحن أعداء ومقاومين له، تتعجب وتندهش من محبته للبشر وعنايته بهم . وأيضًا لكى لا تظن أن هذا التغيير قد صار بإمكاناتنا وقدراتنا .

وما دمت قد عرفت هذه الحقيقة ومقدار نعمته، فعليك ألاّ تتوقف عن تقديم الشكر له لعطاياه الكثيرة، والوفيرة والغنية .

أتريد أن تعرف كيف أغضبنا إلهنا مُحب البشر، الحنان، الصالح هذا الذى يدبر كل شئ من أجل خلاصنا؟ أقول لقد فكر يومًا في إبادة كل الجنس البشرى وقد بلغ منه الغضب علينا حتى عزم أن يهلكنا مع النساء والأولاد والحيوانات المتوحشة والأليفة وكل الأرض .

أتريد أن تسمع هذا الحكم النهائى ؟ يقول الرب “ أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته . الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء ” (تكوين 7:6) .

ولكن لكى تعلم انه لم يُبغض الطبيعة الإنسانية وأنه عدل عن الشر، فإن ذاك الذى قال أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته ـ يقول ” هو وقت لكل إنسان أن يقترب منى ” .

فلو كان قد أبغض الإنسان لكان يرفض الحوار معه . لكن الآن تراه لا يريد أن يصنع ما هدد به، لكى يبرر العبد ويخبره عن أسباب الدمار الذى من الممكن أن يحدث، لا لكى يعرفها فقط بل لكى يُخبر بها الآخرين فيجعلهم أكثر تعقلاً وأكثر تدبرًا .

وكما أشرت من قبل أنه على قدر الشر الذى صنعه الجنس البشرى في البداية على قدر ما هُدد أن يُباد من على وجه الأرض .

لكن نحن الذين لم نكن مستحقين أن نسود على الأرض، صعدنا اليوم إلى ملكوت الله اجتزنا السموات، وتلامسنا مع عرش الله . الجنس الذى بسببه حرس الشاروبيم الفردوس، يجلس اليوم أعلى من الشاروبيم .

لكن كيف حدث هذا الأمر المدهش؟ كيف ونحن الخطاة غير المستحقين للأرض وفقدنا السيادة عليها نُرفع إلى هذا السمو العظيم؟ كيف أُبطلت الحرب ؟ كيف توقف الغضب؟

هذا هو السمو وهذه هى العظمة، أن الذى غضب منا، هو هو الذى دعانا، ولسنا نحن الذين ترجيناه. وهكذا صار السلام ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو20:5).

وماذا يعنى هذا ؟ الذى غضب هو الذى يدعو؟ نعم لأنه كأب مُحب للبشر يدعو. وانتبه ماذا حدث، الوسيط الذى يدعونا هو ابن الله، لا إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أى أحد آخر من خدامه .

وماذا يصنع الوسيط؟ الوسيط يتدخل بين طرفين متخاصمين لا يريدون أن يتصالحوا ، وذلك بهدف إنهاء الخصام . هكذا صنع المسيح .

 الله كان غاضبًا منا ونحن تجاهلنا محبته للبشر ، لكن عندما توسط المسيح فقد صالح الاثنين . وكيف توسط ؟ بأن قبل العقوبة التى وضعت علينا وأحتمل هذه العقوبة واحتمل إهانات البشر. أتريد أن تعرف كيف احتمل المسيح هذين الأمرين ؟ اسمع ماذا يقول الرسول بولس ” المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة ” (علاطية13:3).

أرأيت كيف قبل العقوبة التى وضعت علينا من السموات ؟ ولاحظ كيف احتمل الإهانات التى وجهها له البشر ” تعييرات معييرك وقعت عليه” (مزامير9:69) .

أرأيت كيف أبطل العداوة القديمة؟ كيف أحب الجميع حتى الموت وجعل العدو والخصم يصعد إلى السماء ويصير بالقرب من عرش الله ؟

 أساس كل هذه الخيرات هو هذا اليوم الذى نحتفل به ” عيد الصعود ” لأن فيه صعدت باكورة طبيعتنا الإنسانية إلى الله .

مثلما يحدث في الحقول المنثورة بالقمح، عندما يأخذ المرء قليل من السنابل ويصنع حزمة ويُقدمها لله فهو يبارك بهذه الحزمة كل الحقل . وهذا ما صنعه المسيح ، بهذا الجسد وهذه التقدمة الفريدة ، إذ بارك كل الجنس البشرى  .

لكن لماذا لم يصعد كل الجنس البشرى إلى السماء ؟ لأنه لا تكون تقدمة لو أن المرء قدم كل المحصول ، لكن التقدمة الحقيقية هى أن يُقدم المرء جزء من المحصول وبهذه التقدمة يتبارك المحصول كله .

لكن قد يقول قائل إن أول مخلوق كان يجب أن يكون هو التقدمة، لأنه هو البداية. لكنى أقول هذه ليست بداية أيها المحبوب ، فلو قدمنا أول الثمر فقد يكون فاسدًا أو مريضًا. ولذلك يجب أن نُقدم الثمر المتميز . لأن الثمر الأول كان مسئولاً عن الخطية ولهذا لم يُقدم ذاته على الرغم من أنه خُلق أولاً . لكن المسيح كان بلا خطية ولهذا قدم ذاته على الرغم من أنه بحسب الزمن قد ولد فيما بعد . هذا يعنى بداية .

ولكن تعرف أن الثمر الأول ليس هو التقدمة المتميزة، وأن التقدمة الحقيقية هى الثمر الفائق والنوع الجيد الذى نضج كما ينبغى، سأدلل لك على ذلك من الكتاب المقدس ” ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غُرلتها . ثلاث سنين تكون لكم غلفاء . لا يؤكل منها وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدساً لتمجيد الرب وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد لكم غلتها. أنا الرب إلهكم” (لا23:19ـ25). إذن لو كان أول ثمر هو الثمر المتميز ، بمعنى الثمر الذى صار أول عام لكان هذا هو الذى يجب أن يُقدم للرب . لكن يقول ثلاثة أعوام لا يكون الثمر ناضجًا بل تتركه لأن الشجرة غير صالحة ولأن الثمرة مريضة، وغير ناضجة. السنة الرابعة يقول إن الثمر سيكون مناسبًا للرب. وانتبه لحكمة المشرع . لا يتركه يأكل لكى لا يذوق الثمر قبل الرب . ولا يسمح له أن يقدمه ، لكى لا يقدمه لله قبل أوانه . لكن يقول أتركه لأنه هو أول ثمر ، ولا تقدمه لأنه غير لائق بأن يُقدّم لله .

أرأيت أن أول ثمر ليس هو الثمر المتميز ؟

هذه الأمور نقولها من نحو الجسد الإنسانى الذى قدمه المسيح للآب . قدّم للآب التقدمة المتميزة المختارة عن الجنس البشرى كله . وكم ابتهج الآب بهذه التقدمة. لأن ذاك الذى قدمها مستحق، لأن التقدمة كانت غير دنسة واستقبلها الأب ووضعها بالقرب منه، وقال له ” أجلس عن يمينى” (مز1:110) وإلى أى طبيعة قال الله أجلس عن يمينى ؟ قالها إلى ذاك الذى سمع قبلاً ” أنت تراب وإلى التراب تعود ” (تكوين19:3).

ألم يكن كافيًا إذن أنه صعد أعلى من السموات ؟

ألم تكن هذه الكرامة فائقة وتتجاوز كل تقدير ؟

لقد تجاوز الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم وصعد أعلى من السيرافيم وصعد أعلى من كل القوات السمائية حتى إلى يمين عرش الله . ألا ترى المسافة من الأرض إلى السماء ؟ أو بالحرى فلنبدأ من أسفل – ألا ترى عظم المسافة من الجحيم إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء ومن السماء إلى السماء العليا ومن أعلى سماء إلى الملائكة إلى القوات العلوية ثم إلى عرش الله نفسه ؟ لقد جاز الرب بطبيعتنا كل هذه المسافة ورفعها إلى ذلك العلو .

لاحظ أين كنت موجودًا وإلى أى مكان صعدت . لا يوجد مكان أسفل من المكان الذى نزل إليه الإنسان ولا يوجد مكان أعلى وأسمى من المكان الذى أصعده إليه المسيح مرةً أخرى .

هذه الأمور أعلنها القديس بولس قائلاً ” الذى نزل هو الذى صعد أيضاً فوق جميع السموات لكى يملأ الكل“(أف9:4) وصعد فوق جميع السموات.

تأمل من الذى صعد وأى طبيعة صعدت وما حال هذه الطبيعة قبل صعودها .

إنى أنظر إلى الوضع الضعيف للجنس البشرى ثم أنظر إلى مقدار الكرامة التى أعطاها لنا الله مُحب البشر .

لقد كنا طينًا وترابًا ولا ذنب لنا في ذلك ، فهذا راجع لسبب ملازم لضعف طبيعتنا . تصرفنا وسلكنا بصورة أكثر غباء من الحيوانات غير العاقلة ” صار الإنسان مثل الحيوانات غير العاقلة وشبيهًا لها ” (مز13:48س).

ولكى يشار إليه بأنه شبيهه بالحيوانات، فهذا يعنى أنه أسوأ منها . لأن الحيوان بحسب طبيعته ليس له عقل وفهم ومن الطبيعى أن يبقى في حالة عدم الإدراك وعدم الفهم ، لكن حين ننزلق نحن الذين كرّمنا الله بالعقل إلى حالة عدم الفهم ، فهذا يعنى أننا أخطأنا بإرادتنا الحرة .

وعليه عندما تسمع أن الإنسان صار شبيهًا بالحيوانات، لا تظن أنه قالها للتدليل على أننا صرنا مساويين لها في عدم الفهم ، ولكنه أراد أن يدلل على أننا صرنا أسوأ منها .

وبالحقيقة صرنا أسوأ وأكثر بلادة من الحيوانات . لا لأننا بشر انزلقنا إلى هذا المستوى ولكن لأننا وصلنا إلى أكثر درجات الجحود . وهذا ما أعلنه أشعياء النبى قائلاً ” الثور يعرف قانيه والحمار يعرف معلف صاحبه. أما إسرائيل لا يعرف. شعبى لا يفهم ” (إش3:1) .

لكن لا نفشل ” لأنه حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً” (رو20:5).

أرأيت كيف كنا أكثر غباءً من الحيوانات ؟

وتريد أن تعرف أننا صرنا أقل وعيًا من الطيور؟ اسمع ماذا يقول النبى ” بل اللقلق في السموات يعرف ميعاده واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيهما . أما شعبى فلم يعرف قضاء الرب ” (إر7:8).

إذًا ها قد حُسبنا أكثر غباء من الحيوانات والثيران والطيور. وتريد شاهد آخر على مذلتنا؟ الكتاب جعلنا تلاميذ للنمل بعدما فقدنا المنطق والعقل لأنه يقول ” اذهب إلى النملة أيها الكسلان. تأمل طُرقها وكن حكيمًا” (أم6:6). صرنا تلاميذ للنمل نحن الذين خُلقنا على صورة الله . ليس السبب في ذلك هو الخالق ، بل نحن الذين ابتعدنا عن الله .

ولماذا أتكلم عن النمل ؟ لقد صرنا أقل إحساسًا من الحجارة . أتريد أن أدلل لك على هذا أيضًا ؟ اسمع ماذا يقول النبى ” اسمعى خصومة الرب أيتها الجبال ويا أسس الأرض الدائمة . فإن للرب خصومة مع شعبه وهو يحاكم إسرائيل ” (ميخا2:6) .

البشر صاروا أكثر جمودًا من أسس الأرض . وأى شر أعظم من هذا عندما نكون أكثر بلادة من الحيوانات وأكثر غباء من الطيور وأقل وعيًا من النمل وأقل إحساسًا من الحجارة ؟ ونظهر مشابهين للحيات ” لهم حمة مثل حمة الحيات (مزامير4:58) ” .

وما بالى أقف عند نقص الوعى والإدراك الخاص بالحيوانات وقد دُعينا أبناء الشيطان نفسه . إذ يقول الكتاب ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا (يوحنا44:8) ” .

لكن نحن الذين بلا إحساس ، الجاحدين الأغبياء ، الأقل إحساسًا من الحجارة ، البائسين ، ماذا أقول أيضاً ؟ وأى كلمات تستطيع أن تُعّبر عن فكرى ؟ فنحن اللا شئ ، عديمى الرؤية والتبصر ، صرنا اليوم أعلى من كل المخلوقات .

اليوم تمتعت الملائكة بهذا الذى تمنوه منذ زمن طويل. اليوم رأى رؤساء الملائكة هذا الذى اشتهوا رؤيته منذ أمد بعيد . رأوا الإنسان مُشرقًا ببهاء فى يمين من عرش الله ، مشرقًا بمجد وجمال الأبدية .

حقًا إن الملائكة ورؤساء الملائكة اشتهوا أن يعاينوا ذلك . ومع أن هذه الكرامة قد فاقت كرامتهم إلا أنهم ابتهجوا لهذه الخيرات التى نلناها ، لأنهم تألموا عندما حلّ بنا العقاب .

فعلى الرغم من أن الشاروبيم قد حرسوا الفردوس ، إلا أنهم تألموا . فكما أن الخادم عندما يجد أحد زملائه داخل السجن يلتزم بحراسته لأنه هكذا أمر السيد ، إلا أنه يتألم لسجنه .

هكذا الشاروبيم قد حرسوا الفردوس ، إلا أنهم تألموا لطرد الإنسان منه. وإذا كان الناس يشاركون بعضهم البعض مُعاناتهم ، فبالأولى لا تشك من نحو مشاركة الشاروبيم ، لأن هذه القوات هى أكثر حنوًا من البشر .

فمَن من الناس الأتقياء لا يتألم لعقاب بعض البشر حتى لو كان عقابه بعدل وحتى بعد ارتكابه أخطاء كثيرة ؟ وهذا هو العجيب ، فعلى الرغم من أنهم عرفوا خطايا الناس ورأوا أنهم عاندوا الله ، إلا أنهم تألموا لعقابهم .

موسى تألم عندما مال شعبه لعبادة العجل . ولهذا قال “.. والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فأمحنى من كتابك الذى كتبت ” (خر32:32)، ماذا يعنى هذا ؟ أنك تتألم لرؤية هؤلاء الذين يُعاقبون رغم عدم تقواهم . اسمع صراخ حزقيال النبى عندما رأى الملاك يهلك الناس “.. آه يا رب. هل أنت مُهلك بقية إسرائيل كلها..” (حزقيال8:9) ” . وأيضاً يقول إرميا النبى ” أدبنى يا رب ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تُفنينى ” (إر24:10). فإذا كان موسى وحزقيال وإرميا قد تألموا ، فهل القوات السمائية لا تتألم لما حدث لنا ؟ وأنظر إلى مقدار الفرح الذى أظهروه عندما رأوا أن الله قد تصالح معنا . فلو لم يتألموا من قبل لما كانوا يفرحون فيما بعد . أما من جهة أنهم ابتهجوا فهذا واضح مما قال المسيح ” أقول لكم إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى التوبة ” (لو7:15). وإذا كانت الملائكة تفرح برؤية خاطئ واحد يتوب ، فكيف لا يفرحون وهم يرون طبيعتنا كلها وهى ممثلة في باكورتها صاعدة إلى السماء .

وتستطيع أن ترى مقدار فرح القوات السمائية لتصالحنا مع الله في موضع آخر، وذلك عندما ولد بالجسد. لأنه لم يكن لينزل إلى الأرض إن لم يكن قد قيل إنه تصالح مع الإنسان. وعندما رأوا ذلك صرخوا قائلين    ” المجد لله في الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2)، ولهذا مجدوا الله ، لأن الأرض تمتعت بالسلام والناس بالمسرة . هؤلاء الذين كانوا قبلاً أعداء وجاحدين .

أتريد أن تعرف أنهم ابتهجوا لرؤية السيد صاعدًا للسماء ؟ اسمع ماذا يقول المسيح ” من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان ” (يو51:1). لأن هذه هى عادة الذين يُحبون، لا ينتظرون اللحظة المناسبة، لكنهم من فرط سعادتهم يتجاوزون الزمن. ولهذا نزلوا لأنهم استعجلوا أن يروا هذا المشهد الجديد والعجيب. أى رؤية الإنسان الذى ظهر في السماء .

ولهذا نجد الملائكة حاضرين في كل مكان: عندما ولد السيد، وعندما قام، واليوم عندما صعد إلى السموات. لأن القديس لوقا يقول ” إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس بيض وقالا أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء إن يسوع هذا الذى ارتفع عنكم إلى السماء سيأتى هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء ” (أع11:1)، فهم بهذا الظهور يعلنون عن فرحتهم . وهنا أرجو أن تركزوا الانتباه بشكل خاص . لماذا قال الملائكة هذا الكلام ؟ هل التلاميذ ليس لديهم أعين ؟ هل لم يروا هذا الذى حدث ؟ ألم يقل الإنجيلى ” ارتفع وهم ينظرون إليه “؟ إذًا فلأى سبب وقف بهم الملائكة وقالوا لهم هذا الكلام ؟ قالوا هذا لسببين :

* لأن التلاميذ كانوا دوماً يتضايقون لفراق المسيح . ومن جهة أنهم تضايقوا اسمع ماذا قال لهم ” وأما الآن فأنا ماضى إلى الذى أرسلنى وليس أحد منكم يسألني أين تمضى . لكن لأنى قلت لكم هذا ملأ الحزن قلوبكم ” (يو5:16ـ6).

فإن كنا نتألم لفراق أحبائنا وأقاربنا وأصدقائنا ، فكيف لا يتألم التلاميذ لفراق المخلص والمعلم محب البشر الرقيق الصالح ؟ كيف لا يُعانون ؟  ولهذا وقف الملاكان بهم لكى يخففا الحزن الذى ملأ التلاميذ لفراق الرب وقالوا إن يسوع هذا الذى ارتفع عنكم إلى السماء سيأتى هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء .

ولكى لا يصنعوا ما صنعه إليشع الذى مزق ملابسه عندما رأى معلمه يصعد إلى السماء (2ملوك2) لهذا وقف الملاكان بهم معزين لحزنهم .

* أما السبب الثانى وهو لا يقل أهمية عن الأول فهو متضمن في عبارة “إلى السماء” لأن المسافة إلى السماء بعيدة جدًا والأعين الجسدية ليس لديها القدرة أن تواصل الرؤيا حتى الأعالى. مثل الطائر الذى يطير مرتفعًا، فعلى قدر ما يرتفع إلى أعلى على قدر ما يختفى من أمام أعيننا وهذا ما حدث مع المسيح في صعوده بالجسد ، فعلى قدر ارتفاعه إلى أعلى على قدر ما كان يختفى لأن ضعف عيونهم لم يُمكّنهم من متابعته في كل هذا الارتفاع . ولهذا وقف بهم الملاكان قائلين أنه صعد إلى السماء لكى لا يظنوا انه صعد إلى السماء كما ارتفع إيليا إلى السماء .

إيليا ارتفع إلى السماء كإنسان . لكن يسوع صعد إلى السماء لأنه إله . إيليا صعد بمركبة نارية .  يسوع صعد في السحاب . لأن الله عندما أراد أن يدعو إيليا أرسل مركبة . وعندما دعى ابنه أرسل العرش الملوكى . ليس فقط العرش الملوكى ولكن عرش الأب نفسه . لأن أشعياء يقول من نحو الأب ” هوذا الرب راكب على سحابة سريعة (أشعياء1:19) ”  ولأن الآب يجلس على سحابة أرسل لابنه سحابة . وعندما صعد إيليا إلى السماء ترك لأليشع ردائه الجلد1 . عندما صعد يسوع إلى السماء ترك لتلاميذه المواهب المتنوعة القادرة على أن تصنع لا نبيًا واحدًا بل آلاف مثل إليشع أمجد وأعظم منه . 

فلنقف أيها الأحباء ونوجه أنظارنا نحو المجيء الثانى لأن بولس يقول   ” لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس الملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء ونحن الأحياء الباقيين سنُخطف جميعاً معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء ” (1تس15:4ـ16). لكن ليس الكل. فمن جهة أننا سوف لا نُخطف جميعًا ، وأن البعض سيبقى والبعض سيختطف – اسمع ماذا يقول المسيح ” حينئذ يكون اثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الآخر ، اثنتان تطحنان على الرحى . تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى ” (مت40:24ـ41).

ماذا يريد أن يوضح بهذا الكلام ؟ وماذا يريد أن يعلنه هذا السر الخفى؟

أراد أن يشير إلى أن من بين الفقراء والأغنياء، مَن سيخلص ومنهم مَن سيهلك. وأن الخطاة سيُتركون منتظرين عقوبتهم وأن الأبرار سيخطفون على السحاب . فكما أنه عند قدوم ملك إلى مدينة يخرج لاستقباله خارج المدينة كل القواد وأصحاب الرتب والسلطان وكل مَن له دالة كبيرة عنده لملاقاته والتمتع به، وأمّا المحكوم عليهم فيُحجزون في السجون منتظرين حكم الملك. هكذا عندما يأتى الرب فكل من له دالة عنده يلاقي الرب في السحاب، لكن المدانين وكل مَن يشعرون بثقل الخطايا ، فإنهم ينتظرون دينونتهم العادلة .

ونحن أيضًا سنختطف وأنا لا أحسب نفسى في عداد هؤلاء الذين سيختطفون ، فأنا أعرف خطاياى ولولا خوفى من أن أُعكر فرحة هذا العيد لسكبت دموعاً مُرة لأننى تذكرت خطاياى الخاصة . ولأننى لا أريد أن أُكدر فرحة هذا العيد سأتوقف هنا عن الكلام ويكفينى أننى جددت فيكم ذكرى حية لهذا اليوم حتى أن الغنى لا يفرح لغناه ولا الفقير يحزن لفقره ، بل السعيد هو ذاك المستحق للاختطاف على السحاب ولو كان أكثر الجميع فقرًا، وان الإنسان الخاطئ بائس وتعس حتى ولو كان أكثر الجميع غنى  .

أقول هذا لكى نرثى لحالنا ما دمنا بعد خطاة ولكى يثق أولئك الذين يجاهدون من أجل الفضيلة ، ولا يثقوا فقط بل يطمئنوا أيضًا. ولا يكتفى الخطاة بالبكاء بل يجب أن يغيروا أسلوب حياتهم . لأن الإنسان الخاطئ هو قوى مادام يهجر الخبث والمكر ويتجه نحو الفضيلة وبهذا يصير مساويًا لأولئك الذين يحيون في الفضيلة منذ البدء.

أما السائرين في طريق الفضيلة فليداوموا على التقوى ويزيدوا دومًا هذا الربح العظيم . أما نحن فعندما نشعر بثقل خطايانا الكثيرة فلنغير أسلوب حياتنا حتى نكتسب الفضيلة ونقتنى ثقة من سلك بالتقوى، لكى نستقبل معًا بنفس واحدة وبالإكرام الواجب ملك الملائكة ونتمتع بهذا الفرح الطوباوى بمعونة ربنا يسوع المسيح .

لنختبر كلام المخلص الذى قال ” أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت19:28) لا من جهة القول ولكن من جهة العمل . فلو لم تتحول الكلمة إلى حدث لكان هذا القول يحمل افتخارًا فقط ولا يحمل قوة إلهية لذلك قال لتلاميذه أن يبشروا حتى آخر نقطة في الأرض. فلو كان هناك مكان واحد على الأرض قد حُرم من هذه البشارة لكان هذا الكلام غير صحيح .

لكن لو كانت الأعمال قد أشرقت أكثر من الأقوال إذن فالشهود حقيقيون وأيضًا من يُبشرون به هو الحقيقة ذاتها.

ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون . وأخذته سحابة عن أعينهم ” (أع9:1)، وبالقطع كان يستطيع أن يصعد سرًا ، لكن كما كانت عيون التلاميذ شاهدة لقيامته، هكذا أيضًا جعلهم المسيح شهود عيان لصعوده . ” وفيما هو يباركهم أنفرد عنهم وأصعد إلى السماء” (لو52:34). أصعد ودخل إلى السماء ” .. المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية بل إلى السماء عينها ليظهر أمام وجه الله لأجلنا” (عب24:9). ولم يدخل إلى السماء فقط لكنه اجتاز فوق السموات لأن بولس يقول ” فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد أجتاز السموات يسوع ابن الله ” (عب14:4). فهو قد صعد واجتاز السموات لأنه كان يملك القوة لأن يصنع هذا ولكى تكمُل أقوال النبى ” صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور ” (مز5:47). وهنا يتكلم النبى بكل وضوح – صعد الله بهتاف، ويقول أيضاً “ أرفعن أيتها الأرتاج رؤوسكن وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز7:24). لقد دخل المسيح إلى الداخل ، لم يدخل إلى هياكل مصنوعة بالأيادى بل إلى السماء عينها ، حدث هنا أمران :

+ أن الأرض اندهشت عندما استقبلت المخلص ، وكما يحدث عادةً عندما نرى شخصاً غريب أن نتساءل مَن هو هذا ؟ لأن المرء لا يسأل عن شخص معروف، هكذا عندما استقبلت الأرض القوة الإلهية ورأت المخلص وهو يأمر الرياح والبحر فيطيعانه، قالت مَن هو هذا حتى تخضع له البحار والرياح ؟

وهكذا كما نادت الأرض متعجبة مَن هو هذا ؟ فإن السماء رأت الابن المتجسد فاندهشت وقالت مَن هو ملك المجد هذا ؟

لقد صارت الكنيسة كلها قريبة للمسيح بسبب تجسده. بولس وبطرس وكل مؤمن هو قريب للمسيح . ولهذا قال بولس ” فإذ نحن ذرية الله ” (أع9:17). وفي موضع آخر يقول “ وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا” (1كو27:12). نحن نملك عربون أبديتنا وهو جسده الذى صعد إلى السماء، ثم أرسل الروح القدس لكى يمكث معنا. وهو لم يقل أن الروح القدس نزل من السماء ولا يوجد بعد في السماء أو أن الجسد صعد إلى السماء والروح القدس نزل إلى الأرض كمبادلة. لأن الروح القدس هو معنا وفي السماء وفي كل مكان. لأن داود يقول ” أين أذهب من وجهك ومن روحك أين أهرب ” (مز7:139). كم هى فائقة هذه العناية الإلهية. كم هو عظيم هذا الملك، عظيم في كل شئ – عظيم جدًا وعجيب . كما قال النبى ” أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق السموات ” (مز1:8) .

ارتفع الله فوق السموات . نفس الكلمات توجد هنا – بينما التلاميذ يشخصون إليه ارتفع ” لأن الرب علي مخوف ملك كبير على الأرض ” (مز2:47) .

عظيم هو الرب ، هو أيضًا ملك عظيم ” عظيم هو الرب وحميدًا جدًا في مدينة إلهنا جبل قدسه . جميل الارتفاع فرح كل الأرض جبل صهيون . فرح أقاصى الشمال مدينة الملك العظيم ” (مز1:48ـ2).

نبى عظيم ، وكاهن عظيم ، ونور عظيم ، في كل شئ هو عظيم .

والكتاب المقدس دائمًا يذكره بإضافة كلمة العظيم، كما يقول بولس     ” منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح ” (تي13:2). وأيضًا يقول داود النبى ” عظيم هو الرب وحميدًا جدًا“. هو ملك عظيم ونبي عظيم ، لأنه عندما صنع يسوع المعجزات قال الجمع “ .. قد قام فينا نبى عظيم وأفتقد الله شعبه ” (لو16:7) .

إذن فهو ليس عظيمًا فقط في طبيعته الإلهية ولكنه عظيم أيضًا في طبيعته الإنسانية. ومن أين نخرج بهذه النتيجة؟ يقول بولس ” فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار ” (عب14:4). ولأنه رئيس كهنة عظيم ونبي عظيم وملك عظيم فقد افتقد الله شعبه وأعطى نبيًا عظيمًا لشعب إسرائيل .

هو نبي عظيم وكاهن عظيم وملك عظيم، أيضًا هو نور عظيم         ” الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا ” (إش2:9) ” .

وأيضاً يوم الرب عظيم كما يقول يوئيل النبى ” قبل أن يأتى يوم الرب العظيم المخوف ” (يؤ31:2). عظيم هو الرب وعظيمة هى أعماله .

إن عربون حياتنا الأبدية هو الآن في السماء ، ما دمنا قد صعدنا مع المسيح . وأيضًا هو سيخطفنا على السحاب ما دمنا مستحقين لهذا اللقاء.

إذن أيها الأحباء فلنترجى أن نوجد وسط أولئك الذين سيتقابلون معه في السحاب. وكما أن أولئك الذين يتقابلون مع الملك يُكرمون جميعهم وإن كانوا ليسوا على نفس القدر من المكانة ، هكذا أيضًا سيحدث في مقابلة الرب على السحاب . ومن المؤكد أن الجميع لم يحيوا بنفس الطريقة “ لأن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه ” (1كو8:3)

 

 

وإله السلام الذى يعطى السلام والذى يثبت السلام ويجازى بالسلام أولئك الذين بشروا بالسلام وأولئك الذين سمعوا وأولئك الذين علّموا وأولئك الذين تعلّموا، حتى أنه في كل شئ مادمنا، قد بدأنا بالسلام أن نكمل المسيرة بالسلام وننتهى بالسلام وان نمجد إله السلام الآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين .

 

1 هذه الملابس الجلدية كانت معروفة في الأزمنة القديمة وكان يرتديها في اليونان القديمة، الأبطال والآلهة وهى مصنوعة من جلد الغنم ومن صوفه .

 

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

 

مثل صديق مرافق للحياة نجد داود النبى يغوص في كل مناحى الحياة ويتوجه بشكل لائق إلى كل القامات الروحية. لأنه قريب من كل فئة ترغب في النمو والتقدم .

ويتعامل برفق مع كل من هم في سن الطفولة، هكذا كما يريد الله، يجاهد مع الرجال ، ويربى الأحداث ، ويسند الشيوخ. صار (بواسطة مزاميره) للجميع كل شئ. صار سلاحً للمحاربين ومدربًا للمجاهدين وتاجًا للمنتصرين وفرح للمائدة وعزاءً في الأحزان . لا يوجد شئ في حياتنا إلا ويكون مشاركًا فيه من خلال عمل النعمة . وأى صلاة يمكن أن تصير ولا يكون لداود معها علاقة ؟ وأى احتفال مبهج نتذوقه ولا يفرح به داود ؟ وهذا يمكن التأكد منه الآن. فبينما هذا الاحتفال (عيد صعود المسيح) هو احتفال عظيم لأسباب أخرى ، فإن داود النبى بمشاركته فيه صيره أعظم وساهم بشكل مفيد في هذه الفرحة من خلال المزامير التى أنشدها .

في أحد المزامير يحثنا أن نصير خراف يرعاها الله . وذلك لكى لا نُحرم من أى صلاح . وحينئذ سيقدم الراعى الصالح كل شئ ، عشبًا للمرعى وماء للشرب وطعام ومسكن وطريق وقيادة ويعطى لكل ذى احتياج عطية خاصة وبشكل لائق .

وهو من خلال هذا يعلم الكنيسة ضرورة أن نصير أولاً خرافًا للراعى الصالح حتى نُقاد بالتعاليم المستقيمة في المراعى الإلهية لكى ندفن معه بالمعمودية للموت (أنظر رو3:6-4) . ولا نخشى من الموت لأن هذا ليس موتًا ، لكن ظل للموت لأنه يقول “ إذا صرت في وادى ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معى ” (مز4:23) ثم بعد ذلك أعطى عزاءً بمعونة الروح ” لأن المعزى هو الروح ” الذى يقيم المائدة السرية التى أُعدت على النقيض من مائدة الشياطين . لأن هؤلاء الشياطين هم الذين عذبوا الناس بالعبادة والأفكار الوثنية . ثم يثير في النفس انتعاشة الروح ويوجه أفكارها من الآن نحو الأبدية لأن كل من تذوق نشوة الروح، يستبدل الموت بالأبدية وتمتد إقامته بلا نهاية داخل بيت الله .

وإذ قدم لنا كل هذا بمزمور واحد ، نجده ينشط النفس بالمزمور الآخر وبفرح أعظم وأكمل من خلال هذا المعنى ” للرب الأرض وملؤها ..” (مز1:24)

ولماذا تستغرب أيها الإنسان لو أن الله اُستعلن لنا على الأرض وعاش وسط البشر؟ الأرض ملك له مادام هو خالقها. وعليه فليس هذا بالأمر الغريب ولا هو خارج عن الطبيعى أن يأتى الله إلى خاصته. لم يذهب إلى عالم غريب ولكن إلى العالم الذى كوّنه هو، أسّس الأرض فوق المياه وجعلها مناسبة لوجود الأنهار. إذن فلأي سبب اُستعلن؟ لكى ينقذك من براثن الخطية ويقودك إلى جبل ملكه مستخدمًا الفضائل كعربة نحو الصعود . لأنه غير ممكنًا أن يصعد المرء إلى هذا الجبل إن لم ترافقه الفضائل .

يجب أن يكون نقيًا في أعماله وألا يتلوث بأى عمل خبيث وأن يكون نقى القلب وألا يقود نفسه إلى أى شئ باطل ولا أن يخدع جاره خفية. من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه . الطاهر اليدين والنقى القلب الذى لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذبًا يحمل بركة من عند الرب وبرًا من إله خلاصه ” (أنظر مز3:24ـ5). هذا الصعود هو كرامة وبركة من الله . لهذا الإنسان يعطى الله مراحمه. ” هذا هو الجيل الطالبُة الملتمسون وجهك يا يعقوب “(مز6:24).

وباقى المزمور ربما يكون أعلى من التعليم الإنجيلى نفسه. لأن الإنجيل يروى حياة ومسيرة الرب فوق الأرض، بينما هذا النبى السمائى وهو يخرج خارج نفسه، لكى لا يعوقه ثقل الجسد مادام يختلط بالقوات العالمية، يعرض لنا كلام أولئك الذين يسيرون أمام موكب الملك في نزوله، يأمرون  الملائكة ، وأولئك الذين يحرسون الأرض وأوكل إليهم أن يحرسون الحياة الإنسانية أن تفتح الأبواب قائلاً:

.. ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد” (مز7:24) ولأنه عندما يأتى ذاك الذى يملك كل شئ فإنه يحمل نفسه ويجعلها على مستوى ذاك الذى يستقبله، لأنه لم يصر فقط إنسان عندما أتى إلى الناس، ولكن بالتبعية أيضًا عندما وجُد بين الملائكة أنزل نفسه إلى مستوى أولئك الملائكة. ولهذا فحراس الأبواب كان لهم احتياج من قبل ذاك الذى سيأمرهم أن يفتحوا ” من هو هذا ملك المجد” (مز8:23)

ولهذا أُستعلن لهم هذا القوى الجبار، الخالق والقاهر في الحروب والذى سيصطدم مع ذاك الذى أسر الطبيعة الإنسانية “ لكنى أرى ناموساً آخر في أعضائى يحارب ناموس ذهنى ويسبينى إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائك “، ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضًا فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس ” (رو37:7، عب14:2) ويبطل سلطان الموت ” آخر عدو يبطل هو الموت ” (1كو26:15) وما دام قد بطل آخر عدو فالبشر يُدعون للحرية والسلام .

ثم يعود فيقول أيضًا نفس الكلام لأنه اكتمل سر الموت وتحقق النصر ضد الأعداء وارتفع أمامهم الصليب كعلامة للنصرة ويقول أيضًا ” صعدت إلى العلا سبيت سبياً . قبلت عطايا بين الناس وأيضاً المتمردين للسكن أيها الرب الإله ” (مز18:68). 

ولهذا يجب أن ترتفع الأبواب الدهريات . ويشارك في هذا الموكب حراسنا الذين يأُمرون أن يفتحوا له الأبواب الدهريات لكى يُمجد أيضًا من قِبل هؤلاء . لكن ذاك الذى يرتدى الزى المتسخ أى حياتنا نحن (البشرية)، وبقع ملابسه من نتاج شرورنا الإنسانية يُعد غير معروف عند هؤلاء ” ما بال لُباسك مُحمر وثيابك كدائس المعصرة ” (إش2:63) ولهذا يتوجهون لأولئك المشاركين في الموكب ويسألون ” من هو ملك المجد هذا ” لأنه لم تُعطَ بعد الإجابة ” الجبار القاهر في الحروب“. ” بل ورب القوات” والذى له السلطان على كل شئ والذى وجد في شخصه كل شئ ” لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ في المسيح ما في السموات وما على الأرض ” (أف10:1) ذاك الذى هو متقدم في كل شئ “ الذى هو البداءة بكر من الأموات لكى يكون هو متقدماً في كل شئ” (كو18:1) والذى رد كل شئ إلى وضعه الأول ” الذى ينبغى أن السماء تقبله إلى أزمنة . رد كل شئ التى تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر ” (أع21:3)، ” هذا هو ملك المجد“. أرأيتم كيف جعل داود هذا الاحتفال جميلاً مازجاً فرح مزاميره مع فرح الكنيسة .

فلنتشبه نحن أيضًا بالنبي في تلك الأمور التى من الممكن أن نسير فيها، في المحبة نحو الله  في الحياة الهادئة المريحة ، واحتمال من يبغضوننا، لكى تصير تعاليم النبى بمثابة إرشاد نحو ملكوت الله في اسم ربنا يسوع المسيح الذى يليق به المجد والكرامة إلى الآبدين أمين .

 

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

Exit mobile version