ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

الجزء الأول: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

4. المعارضة تنتظم:

لقد فشل مرسوم الاتحاد في تحقيق هدفه في مصر، حيث كان هناك إصرار على أنه لكي تتم إعادة الوحدة داخل الكنيسة فلابد للجانب الخلقيدوني أن يدين مجمع عام 451م، وطومس ليو بتعبيرات قاطعة. وكما سنرى فيما بعد أثناء حكم الإمبراطور أناستاسيوس (Anastasius)، فإن مرسوم الاتحاد نفسه لم يكن كافياً ليحمي مكدونيوس (Macedonius) بطريرك القسطنطينية ولا فلافيان بطريرك أنطاكيا من العزل، لأن مرسوم الاتحاد كان يُفسر في ذلك الوقت على أنه يحوي ضمنياً إدانة لمجمع خلقيدونية، فعندما لم يفطن هذان القائدان إلى ذلك الاستنتاج، كان لابد أن يُطردا من كرسييهما.

وعلاوة على ذلك لم تكن روما تريد أن تواجه الموقف الفعلي، بل مضت في طريقها تعلن أن مجمع خلقيدونية حدث تمّ ولا يمكن تغييره (fait accompli)، بل وكانت تتبرأ من كل المعارضين للمجمع معتبرة إياهم هراطقة.

وانقسم المجتمع المسيحي الواحد إلى كيانين قويين، ولم يقر أي منهما بأن الكنيسة الواحدة أصبحت توجد في معسكرين متباعدين، بل كان كل منهما يعتبر نفسه هو الكنيسة الواحدة وينظر إلى الآخر كهرطوقي. وفي هذه اللحظة كان الكيان غير الخلقيدوني بالتحديد يعاني من معوقـــات خطيرة، لأنه في الزمن الذي كانت تسود فيه فكرة كنيسة الدولة أو الكنيسة الرسمية (state Church) باعتبارها النموذج المقبول للمجتمع، كان الكيان غير الخلقيدوني يفتقر إلى السند الإمبراطوري.

وكان مجمع خلقيدونية ـ كما رأينا ـ هو الوسيلة التي استخدمتها السلطة الإمبراطورية في ذلك الوقت لكي تحقق فكرة الكنيسة الرسمية للإمبراطورية، ولهذا كان على المنتقدين للمجمع أن يسيروا في الأمر بدون الاعتراف بهذا النظام الكنسي الذي توطد. وفي الحقيقة كان على الفريق غير الخلقيدوني في الكنيسة أن يعيش فقط حالة الكيان الديني المحظور على غرار ما كانت تعيشه المسيحية كلها قبل إيمان قسطنطين في الربع الأول من القرن الرابع، وحتى حينما كانوا ينجحون في رسامة مرشحهم على الكرسي البطريركي كانت السلطة تتدخل وتقوم بعزله.

ورغم أن منشور باسيليسكوس كان قد غيَّر تلك الحالة إلاّ إنه لم يدم لفترة طويلة، كما أن مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘ لم يقدم حقوقاً قانونية للكيان غير الخلقيدوني المضطهد، ولكنه وفر لهم سنداً ليعيشوا داخل الإمبراطورية بعيداً عن قبول مجمع عام 451م، ولعل الذين رحبوا بهذه الوثيقة كانوا يفكرون في هذا الأمر (المدني) أيضاً بجانب الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنته، وعلى أية حال فإن تلك الوثيقة قد أعطتهم مساحة للتنفس كانوا في أمس الحاجة إليها، وقد تلا ذلك فترة كانت في صالحهم بدأت عام 491م بعد حكم الإمبراطور زينو.

 

(أ) فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس:

مات الإمبراطور زينو في أبريل عام 491م، وكان خلفه الإمبراطور أناستاسيوس من أهل (Dyrrhachium) في مقاطعة (New Epirus)، وكان يخدم كحارس باب (Silentiary)[1] في فترة حكم الإمبراطور زينو.

وكان أناستاسيوس عمره ستون سنة وقد تزوج من أريادن أرملة الإمبراطور زينو. وكان يتمتع بشخصية تقية وقد اتبع نفس السياسة الدينية لسلفه وحاول أن يوحد الجانبين في الكنيسة على أساس ’مرسوم الاتحاد‘. ويذكر إفاجريوس أن إفميوس بطريرك القسطنطينية لم يوافق على الاشتراك في مراسم تتويج أناستاسيوس إلاّ عندما أخذ منه وعداً يقضي بأنه لن يقوم بإدخال إي “ابتكار في كنيسة الله المقدسة”.[2]

وقد أظهرت فترة حكم أناستاسيوس مواطن القوة والضعف لدى كل جانب من الجانبين. وعلى الرغم من أن الإمبراطور جعل أساس سياسته الدينية هو مرسوم الاتحاد، إلاّ أنه كان من الممكن التحرك يميناً أو يساراً بالنسبة لمجمع خلقيدونية، وتسبب الصدام المحتدم بين الجانبين في إحالة مرسوم الاتحاد إلى الأرشيف ولم يتمكن من رؤية النور إلى أن فارق الإمبراطور أناستاسيوس الحياة في عام 518م.

وفي الحقيقة لم يحنث أناستاسيوس ـ كما يظن فاسيليف (Vasiliev) ـ بالوعد الذي أعطاه لبطريرك القسطنطينية إفميوس، لأنه حين تمسك بمرسوم الاتحاد ـ الذي اعتبره الأساس الشرعي للوحدة بين الجانبين ـ كان يرى أنه وثيقة ذات صفة قانونية داخل الإمبراطورية، وكان الإمبراطور زينو وليس أناستاسيوس ـ كما رأينا ـ هو الذي أصدر ذلك المرسوم باتفاق كامل مع بطريرك القسطنطينية.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه مع مرور الوقت تحرك الإمبراطور تجاه اليسار واقترب إلى الموقف غير الخلقيدوني أكثر من أي حاكم آخر في الإمبراطورية البيزنطية مما أثار حفيظة الجانب الخلقيدوني المتشدد بصورة كبيرة. وهكذا مهدت فترة حكم أناستاسيوس الطريق نحو الانفصال الكامل والدائم بين الجانبين المتنازعين في الكنيسة.

وكانت المجتمعات الرهبانية وقادتها في الشرق في ذلك الوقت لها تأثير كبير على الشئون الكنسية على كافة المستويات. وقد لاحظنا بالفعل الدور الذي لعبوه في فلسطين في الفترة الأولى من الخلاف. كما أن ساباس (Sabas) ـ الذي عينه البطريرك الأورشليمي سالوستيوس (486م – 494م) رئيساً لرهبان فلسطين عام 494م ـ قد نجح بالتعاون مع البطريرك إيلياس (494م – 516م) في قيادة الغالبية العظمى في فلسطين نحو تأييد الجانب الخلقيدوني.

ولكن كان هناك في جنوب غرب فلسطين مجتمعات رهبانية في غزة (Gaza) تعارض مجمع خلقيدونية، وكان يقود هؤلاء الرهبان في وقت حكم أناستاسيوس رجل يدعى رومانوس (Romanus). وكذلك في القسطنطينية التي كانت تتمتع بكل المجد الإمبراطوري وبوجود مقر البطريرك ـ الذي يعتبر مجازاً هو القائد الروحي للشرق المسيحي ـ كانت هناك أيضاً مؤسسات رهبانية ذات ثقل كبير، ومن أشهر قادة هؤلاء الرهبان دانيال العمودي[3] تلميذ سمعان العمودي[4] الذي جاء ذكره عند الحديث عن مقاومة باسيليسكوس عام 476م.

وكان دانيال هذا قد نقل مقر إقامته من سوريا إلى العاصمة، وبسبب شهرته البارزة كان له أتباع كثيرون. وبجانب هذا كان يوجد أيضاً في القسطنطينية جماعة رهبانية أكثر أهمية من جهة السياسة الكنسية وهم جماعة عديمي النوم (Sleepless) الذين انضموا إلى أتباع ستوديوس (Studius)، وكان ستوديوس هذا راهباً أرستقراطياً جاء من روما إلى القسطنطينية عام 463م، وأسس في العاصمة ديراً له توجه خلقيدوني شديد، وكان يحتفظ بعلاقات قوية جداً مع روما.

 

(ب) المواقف تزداد تشدداً:

ويذكر زكريا المؤرخ أنه عندما أصبح إفميوس بطريركاً على القسطنطينية في عام 490م، رأى الخطاب الذي كان البابا بطرس مُنجوس قد أرسله إلى فرافيتا[5] يدين فيه مجمع خلقيدونية. وخطط إفميوس لحرم البابا بطرس بسبب ’عدم أرثوذكسيته‘، ولكن موت البابا السريع أفقده الفرصة.

وحينما جاء البابا أثناسيوس خلفاً للبابا بطرس، كتب إلى إفميوس نفسه يعلن رفضه لمجمع خلقيدونية، وقد أعطى هذا الفرصة لإفميوس ليرتب لإدانة الرجل. وحين علم البابا أثناسيوس من نائبه في العاصمة بهذه النية، انضم إلى سالوستيوس بطريرك أورشليم وفاتحا الإمبراطور أناستاسيوس بغرض إقصاء إفميوس عن كرسيه.[6]

وبالفعل تم عزل إفميوس بتهمة الخيانة وجاء بعده مكدونيوس ابن أخي جناديوس البطريرك السابق لأكاكيوس. ومع أن مكدونيوس كان خلقيدوني المعتقد، غير أنه لم يجد صعوبة في التوقيع على مرسوم الاتحاد، واستمر على كرسيه حتى عام 511م.

وعلى الرغم من أن الأمور كانت تسير في البداية على ما يُرام بين الإمبراطور وبطريرك القسطنطينية، إلاّ أنهما اختلفا معاً بعد ذلك. ويخبرنا زكريا عن مكدونيوس أنه كان يحتفل بذكرى نسطوريوس سنوياً، وأنه كوَّن فريقاً معارضاً للإمبراطور بالتعاون مع أحد السادة وبعض الرهبان وسعى لاتهام الإمبراطور بالهرطقة، كما أنه جمع كتاباً يتكون من فقرات مقتبسة من كتابات كل من ديودور، وثيؤدور ونسطوريوس، وثيؤدوريت وآخرين.[7]

وقد قابل الإمبراطور أناستاسيوس هذا التحرك برباطة جأش ودعا إلى اجتماع ضم مجلس الشيوخ والنبلاء ورجال الكنيسة والرهبان، وأعلن أمامهم إيمانه وطلب منهم أن يحرقوه حياً إذا وجدوا أنه غير أرثوذكسي، ولكن المجمع أقر بأرثوذكسيته وأعلن أن مكدونيوس مذنب ولذلك تم عزله في عام 511م.

ومن المؤكد أن الشقاق الذي حدث بين الإمبراطور أناستاسيوس والبطريرك مكدونيوس كان قد بدأ في أواخر العقد الأول من القرن السادس، ففي عام 508م وصل إلى القسطنطينية فريق من ثلاثمائة راهب من الجماعات الرهبانية في غزة يقودهم الراهب ساويروس وكانوا من المعارضين لمجمع خلقيدونية، وكانت هذه الجماعة قد حضرت إلى العاصمة لكي تطلب حماية الإمبراطور للرهبان الذين ينتمون إلى نفس موقفهم الديني في فلسطين من الضغط المستمر الذي يمارسه ضدهم الرهبان الخلقيدونيون من أجل القضاء عليهم.

واستطاع ساويروس الرجل العالم، لا أن يدافع عن هذه القضية فقط، وإنما أن يحل محل مكدونيوس كمستشار للإمبراطور في الشئون الكنسية. وكان ساويروس مقاوماً عنيداً لمجمع خلقيدونية، وكان هدفه بالطبع هو أن يبذل قصارى جهده لأن يجعل الموقف غير الخلقيدوني هو الإيمان الرسمي للكنيسة.

وقد حاول ساويروس خلال الثلاث سنوات التي قضاها في العاصمة أن يُدخل تسبحة الثلاثة تقديسات بصورتها المطولة ـ التي كان يعارضها مكدونيوس ـ في كنائس المدينة، ولكن لا الإمبراطور ولا ساويروس كان لديه الصبر الكافي ليدرك المفهوم المختلف الذي أُخذت به هذه التسبحة منذ البداية في كل من أنطاكيا والقسطنطينية.

وحدث موقف آخر كان من شأنه أن يزيد من شهرة ساويروس ويضعف الثقة في مكدونيوس، ففي ذلك الوقت كان الجانب الخلقيدوني قد بدأ نشاطه الأدبي للدفاع عن المجمع، وكان أول أعمالهم في هذا الاتجاه هو كتاب يحتوي على 244 اقتباساً من كتابات البابا كيرلس السكندري، لكي يثبتوا به أن مجمع خلقيدونية لم يقدِّم في مواجهته لخطر الأوطيخية إلا شرحاً لتعاليم البابا كيرلس، وبالتالي لا يكون هناك أي سند للذين يعارضون المجمع بحجة أنه غير متواصل مع مجمع أفسس عام 431م أو مع تعاليم البابا كيرلس.

وقد لقي هذا الكتاب ترحيباً كبيراً من الجانب الخلقيدوني في العاصمة، بينما وقع المعارضون لهم ـ بما فيهم الإمبراطور نفسه ـ في حالة من الارتباك. وهنا وضع ساويروس مؤلفه الشهير “محب الحق” (philalathes) ليدحض دعاوى ذلك الكتاب.

ولم يكن من الممكن أن يظل مكدونيوس محتفظاً بموقعه وهو مبتعد عن الإمبراطور بهذا الشكل. ويذكر يوحنا[8] كاتب سيرة حياة ساويروس أن الإمبراطور سأل مكدونيوس بإيعاز من ساويروس عن إن كان يؤمن أن الذي تجسد وصار إنساناً بلا تغيير قد وُلد من مريم، وأن تلك التي ولدته هي ثيؤطوكس أي ’والدة الإله‘.[9]

والسؤال هنا يدور حول مناقضة مكدونيوس للإيمان الذي حافظ عليه مجمع أفسس عام 431م والذي تبنى مصطلح ثيؤطوكس في الإشارة إلى العذراء مريم، وقيل أن مكدونيوس قد رفض الاعتراف بهذا الأمر. وعلى أية حال فكما يذكر فرند[10] تم عزل مكدونيوس بواسطة مجمع في 7 أغسطس عام 511م، وخلفه البطريرك تيموثاؤس الذي جلس على الكرسي حتى أبريل عام 518م.

وكان سقوط مكدونيوس وبعده بعام فلافيان أسقف أنطاكيا قد أظهر أنه لا يمكن للقادة الخلقيدونيين أن يبقوا في مأمن بمجرد التوقيع على مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘، ويمكن مقارنة ذلك الوضع بالعلاقة التي كانت بين أكاكيوس وبطرس مُنجوس. وهكذا لم يبقى أمام الجانبين (الخلقيدوني وغير الخلقيدوني) إلا طريقاً واحداً فقط ألا وهو الانفصال في هدوء إلى أن يوحدهم الله مرة ثانية، ولكن حتى هذا الأمر لم يكن مقبولاً لأي منهما وقررا أن يظلا متحاربين بمشاعر البغض بدلاً من إظهار الحب.

وتم إدخال تسبحة الثلاثة تقديسات بصورتها المعدلة إلى القسطنطينية في يوم 7 نوفمبر عام 512م بواسطة البطريرك تيموثاؤس الذي خلف مكدونيوس، فقامت جماعة الرهبان عديمي النوم (Sleepless) بتهييج الشعب وصارت المدينة في اضطراب عظيم.[11]

وحيث إن العامة كانوا يرون أن الوزير ماريانوس (Marianus) هو المحرض للإمبراطور أناستاسيوس لإجازة هذا التصرف غير الأرثوذكسي (أي الإضافة التي تمت على التسبحة)، فقد ظلوا يبحثون عنه، ولما لم يجدوه في المنزل قاموا بنهب المنزل وإحراقه. وكان هناك راهب سرياني يقيم في ذلك المكان فأمسكوه وأعدموه بدون محاكمة.

وسار الجمع إلى مضمار سباق الخيول (Hippodrome) وهم يصيحون نريد ’إمبراطوراً آخراً‘، وعندما وجد أناستاسيوس أن هذه الفوضى لن تخمد خرج إليهم في المدرج بلا تاج على رأسه وسأل الناس أن يختاروا إمبراطوراً آخراً، وبالفعل نجحت هذه الوسيلة وتوسل إليه الجميع أن يضع ثانية الشارة الإمبراطورية. واستمر استخدام تلك الإضافة في تسبحة الثلاثة تقديسات لبعض الوقت في القسطنطينية فقط، ثم تم التخلي عنها بعد ذلك، رغم أن الفكر اللاهوتي الذي ورائها قد تم قبوله فيما بعد كتأكيد أساسي على الأرثوذكسية.[12]

ولاقت السياسة الدينية لأناستاسيوس الترحيب في مصر وسوريا وفي كل مكان آخر في الشرق كان الجانب غير الخلقيدوني يسعى فيه لمقاومة مجمع عام 451م. ولكن هذه السياسة أدت أيضاً إلى حدوث صراع وعنف وبالأخص في أنطاكيا وسوريا. وكانت الأجزاء الشمالية والشرقية من سوريا (سوريا 1) تنتمي بشدة للجانب غير الخلقيدوني، بينما تعتبر المناطق الساحلية والأجزاء الغربية (سوريا 2) بصورة أو بأخرى ذات ميول خلقيدونية.

أما أنطاكيا المدينة الثالثة في الأهمية في الإمبراطورية الرومانية الشرقية ـ بعد القسطنطينية والإسكندرية ـ فقد كانت منقسمة في انتمائها بين الجانبين. وحينما مات بطرس القصَّار في عام 488م جلس مكانه بالاديوس (Palladius)، ومن بعده جاء فلافيان[13] الذي كان مثل مكدونيوس بطريرك القسطنطينية متعصباً للجانب الخلقيدوني ولكنه قام بالتوقيع على مرسوم الاتحاد. ورغم أن فلافيان كان يحظى بتأييد قوي في مناطق ’سوريا 2‘ وكذلك في فلسطين من خلال إيلياس بطريرك أورشليم (494م – 516م)، إلاّ أنه كان يواجه مقاومة عنيفة من مناطق ’سوريا 1‘.

وكان الرجل الذي يقود المقاومة ضد مجمع خلقيدونية في مناطق ’سوريا 1‘ هو مار فيلوكسينوس (Philoxenos) أسقف منبج (Mabbogh or Hierapolis) عاصمة افراتسيا (Euphratesia) في الشمال الشرقي من سوريا. وكان مار فيلوكسينوس لاهوتي سرياني يتمتع بشيء من المقدرة والقيادة، وقد تمت رسامته بواسطة بطرس القصَّار في عام 485م، وكان ذو موقف متشدد ضد النسطورية وضد الخلقيدونية، ولذلك كان معارضاً لفلافيان (أسقف أنطاكيا) لنفس السبب عينه. وكان لمار فيلوكسينوس بعض الاتصالات مع الإمبراطور زينو ومن المرجح أنه زار القسطنطينية في عام 484م.[14]

وفي فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس تواجد مار فيلوكسينوس أيضاً في العاصمة عام 507م، وصارت له معرفة شخصية بالإمبراطور. وفي الوقت الذي كان فيه ساويروس في القسطنطينية (508م – 511م) يعمل من أجل إزاحة مكدونيوس عن كرسيه، كان فيلوكسينوس في سوريا يمارس نشاطه ضد مجمع خلقيدونية.

وبعد عزل مكدونيوس عن كرسي القسطنطينية، عاد ساويروس عام 511م إلى فلسطين، وفي عام 512م تم عقد مجمع[15] في صيدا (Sidon) ـ وهي مدينة ساحلية في فينيقيا (Phoenicia) جنوبي بيروت ـ بأمر من الإمبراطور أناستاسيوس الذي كان قد تبنى بالفعل ـ بناءً على مشورة ساويروس ـ موقفاً مؤداه أن إيمان الكنيسة يجب أن يكون على أساس مرسوم الاتحاد من جهة، وعلى أساس رفض صيغة “في طبيعتين”، ورفض طومس ليو وكل كتابات لاهوتيي أنطاكيا ـ أمثال ديودور الطرسوسي ـ من الجهة الأخرى.

ومن هنا استطاع مار فيلوكسينوس أن يعتمد على التأييد الإمبراطوري في خطته للتشكيك في مجمع خلقيدونية، ولذا رتب مار فيلوكسينوس في مجمع صيدا ـ الذي ترأسه فلافيان بحكم كونه بطريرك أنطاكيا ـ مع جموع الرهبان في مناطق ’سوريا 1‘ أن يقدم الراهب كوزماس (Cosmas) الذي من دير قنشرين (Kennesrin) التماساً  يطالب فيه[16] بإسقاط (أو إلغاء) مجمع خلقيدونية اعتماداً على مجموعة من الحجج المؤيدة باقتباسات من كتابات الآباء.

وكان يساند فلافيان في هذا المجمع إيلياس بطريرك أورشليم وعديد من الأساقفة من مناطق ’سوريا 2‘ ومن فلسطين، ولذلك كان رد المجمع على الالتماس هو الإقرار بضرورة إدانة كتابات اللاهوتيين الأنطاكيين أمثال ديودور وكتابات الذين اعترضوا على حروم البابا كيرلس الإثني عشر، ولكن بدون التخلي عن مجمع خلقيدونية. ومن هنا كان مجمع صيدا يعتبر بالفعل نكسة لفيلوكسينوس، ولكنه مع ذلك استطاع أن يجعل الرهبان مستعدين للمضي قدماً معه في خطته، ولذلك ذهب مار فيلوكسينوس لمقابلة الإمبراطور وأعطاه تقريراً عن مجمع صيدا مبيناً فيه أن فلافيان بطريرك أنطاكيا هو بالفعل هرطوقي.

وهنا وبناءً على أوامر من الإمبراطور تم عقد مجمع في لاودكية (Laodicea) في منطقة (Isauria) التي كانت تنتمي بشدة للجانب غير الخلقيدوني،[17] وتقرر فيه عزل فلافيان. وعاد مار فيلوكسينوس مع الرهبان إلى أنطاكيا وهو أكثر قوة، وتولى طرد فلافيان من كرسيه وسط مظاهر العنف، وتم نفي فلافيان إلى بترا (Petra) في الصحراء العربية.

واُختير ساويروس ليجلس على الكرسي الأنطاكي، ونال هذه الكرامة يوم 6 نوفمبر عام 512م، وقام برسامته اثنا عشر أسقفاً سريانياً.[18] وهنا أصبح من الممكن للرجلين اللذين يجلسان على كرسي القسطنطينية وكرسي الإسكندرية أن يتفقا في الإيمان مع البطريرك ساويروس الأنطاكي.

 

(ج) ملخص أعمال البطريرك ساويروس الأنطاكي:

كان البطريرك ساويروس شخصية بارزة وشديدة الأهمية، ولد في عائلة مسيحية في مدينة سوزوبوليس (Sozopolis in Pisidia) في أسيا الصغرى حوالي عام 465م، وكان حفيداً للأسقف ساويروس الذي شارك في مجمع أفسس عام 431م.[19] وقد صار البطريرك ساويروس الأنطاكي نفسه واحداً من قادة الكنيسة العظام أمثال أثناسيوس بطريرك الإسكندرية وباسيليوس أسقف قيصرية.

وكان البطريرك ساويروس مثل ق. باسيليوس أو ق. غريغوريوس النزينزي، قد نشأ في عائلة ثرية ونال أفضل تعليم مدني موجود في عصره قبل التحاقه بخدمة الكنيسة، وبدلاً من سلك القانون الذي كان قد خطط أن يمتهنه، اجتذبته الحياة الرهبانية في فلسطين، وقاده التأثر ببطرس الأيبيري إلى الاندماج في المعسكر غير الخلقيدوني.

والتحق ساويروس بدير بطرس في مايوما (Maiuma) قبل أن يُنشئ تجمعاً رهبانياً خاصاً به، حيث صار ضليعاً في الأسفار المسيحية المقدسة وكتابات الآباء.

          وبينما كان ساويروس يعيش بين الجماعات الرهبانية الفلسطينية، تولى مواجهة المعارضة مع راهب نوبي[20] يُدعى نيفاليوس (Nephalius). وهذا الراهب كان في الأصل مؤيداً للحركة غير الخلقيدونية إلى درجة أنه تنازع مع البابا بطرس مُنجوس بسبب محاولة الأخير الإتحاد مع أكاكيوس، ولكن نيفاليوس ترك الجانب غير الخلقيدوني وانضم إلى الكيان الخلقيدوني في فلسطين، وكتب كتاباً للدفاع عن مجمع خلقيدونية.

فأخذ ساويروس على عاتقه مهمة تفنيد[21] ما جاء في هذا الكتاب، إلا أن نيفاليوس مضى في إثارة المجتمع الرهباني والموظفين المدنيين في فلسطين ضد الجانب غير الخلقيدوني، حتى أن ذهاب ساويروس إلى القسطنطينية مع ثلاثمائة راهب عام 508م كان من أجل كسب التأييد الإمبراطوري في مواجهة هذا الموقف الذي سببه نيفاليوس. وكان ساويروس في ذلك الوقت قد أصبح ذائع الصيت، حتى أنه منذ عام 507م أو 508م كان الإمبراطور أناستاسيوس يحاول إقناعه بقبول رتبة البطريركية.[22]

وكبطريرك أنطاكيا كرَّس ساويروس نفسه لرعاية قطيعه بحماسة لافتة للنظر وبتفانٍ واضح. وتُظهر العظات التي ألقاها،[23] والرسائل العقائدية التي كتبها إلى عدد كبير من الناس،[24] بجانب التسابيح التي وضعها،[25] أنه كان رجلاً يتمتع بتقوى إنجيلية وإيمان صادق أصيل. وكتب البطريرك ساويروس الأنطاكي بالإضافة إلى كتاب “محب الحق” (philalathes[26] مؤلفاً ضخماً في ثلاثة كتب (Contra Impium Grammaticum)[27] يدحض فيه ما جاء في كتاب يوحنا النحوي (John the grammarian) أسقف قيصرية الذي كان قد ألفه للدفاع عن مجمع خلقيدونية وللرد على المعارضين له.

وقدَّم هذا البحث الذي وضعه البطريرك ساويروس تعليماً خريستولوجياً عن المسيح على أساس كتابات آباء الكنيسة، ومن المحتمل أن يكون البطريرك ساويروس قد أكمل هذا العمل في أوائل العشرينات من القرن السادس. وبعد ذلك بعدة سنوات كتب ساويروس كتاباً آخراً للرد على يوليان أسقف هاليكارنيسوس (Julian of Halicarnassus).[28] ومن المسلم به أن البطريرك ساويروس كان ثابتاً في انتقاده للنسطورية ومجمع خلقيدونية من ناحية، وللأوطيخية وبقية الهرطقات من الناحية الأخرى، ولذلك كان يحتفظ بموقف لاهوتي يستحق الانتباه من أي دارس للتاريخ أو العقيدة في الكنيسة الشرقية.

وقد عاش البطريرك ساويروس في وقت كانت فيه الكنيسة منقسمة، وبالتالي كان لابد لكل رجال الكنيسة أن ينتموا لأحد الفريقين، واختار البطريرك ساويروس أن يكون ضمن الفريق الذي تنصل من مجمع خلقيدونية، وقدَّم لهذا الفريق فكراً لاهوتياً يرتكز على أساس مجمع نيقية 325م، والقسطنطينية 381م، وأفسس 431م، وعلى أساس آباء الكنيسة الذين كانوا يتمسكون بهذا التقليد.

وكان على البطريرك ساويروس أن يواجه معارضة شديدة بسبب الموقف الذي يتبناه، فعلى الرغم من أن الإمبراطور أناستاسيوس كان يؤيده، إلاّ أن روما استنكرته واعتبرته موقفاً هرطوقياً، هذا بالإضافة إلى أنه كان هناك أيضاً رجال في الشرق يتخذون روما مرشداً لهم (وبالتالي كان لهم نفس توجه روما). وأدى ذلك إلى توتر العلاقة بين الإمبراطور وبابا روما، وتأزم الموقف بصورة أكبر بسبب ثورة فيتاليان (Vitalian) التي اندلعت بعد شهور قليلة من رسامة البطريرك ساويروس.

ويذكر فرند[29] أن هذه الحادثة (الثورة) كانت متصلة بعزل فلافيان بطريرك أنطاكيا، فقد كان فيتاليان ضابط جرماني وقائد للقوات في (Thrace) وكان ابناً روحياً لفلافيان. ونظم فيتاليان جيشاً من البربر وحدد مطالبه في إعادة تسبحة الثلاثة تقديسات إلى وضعها الأصلي القديم وإرجاع كل من مكدونيوس وفلافيان إلى كرسييهما.

وحينما رأى الإمبراطور أناستاسيوس أن فيتاليان استطاع أن يحقق نصراً في (Acra) على البحر الأسود في صيف عام 514م، وأن روما تحاول أن تتشدد في معارضته، كتب رسالتين إلى هورميسداس (Hormisdas) بابا روما بهدف إنهاء الشقاق بينهما، ولكن الشروط التي وضعتها روما لم تكن مقبولة لدى الإمبراطور مما جعله يتوقف عن هذه المحاولات.

وفي نفس الوقت استطاع الإمبراطور أناستاسيوس أن يصد محاولة فيتاليان للاستيلاء على القسطنطينية في عام 516م،[30] ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور أناستاسيوس ظل متمسكاً بموقفه الخاص حتى وفاته عام 518م.

وفي هذه الأثناء كان البطريرك ساويروس ومار فيلوكسينوس يحاولان توحيد القوى ضد خلقيدونية، فبأوامر من الإمبراطور قاما بعقد مجمع كبير في صور (Tyre)[31] عاصمة فينيقيا عام 514م حضره ممثلون عن الإسكندرية وأورشليم بالإضافة إلى أساقفة مقاطعات أنطاكيا (Antioch) وأباميا (Apamea) وإفراتسيا (Euphratesia) وأوسرون (Osroene) وميسوبوتاميا (Mesopotamia) والعربية (Arabia) وفينيقيا (Phoenicia).

واستطاع المجمع أن يعكس الموقف الذي حدث في مجمع صيدا، فقد أعلن أن مرسوم الاتحاد هو معياره اللاهوتي الذي يعترف به، ولكن مع ذلك لم يفهم المجمع هذه الوثيقة في ضوء قصدها الأصلي في تجميع الجانبين المتنازعين، وإنما بكونها صيغة تلغي مجمع خلقيدونية وطومس ليو.

وأمام هذا الموقف المعارض اضطر إيلياس بطريرك أورشليم أن يوقِّع بالموافقة، رغم أنه عارض الأمر بعد ذلك فتم عزله وتعيين البطريرك يوحنا مكانه. وأرسل مجمع صور رسائل تعبر عن الوحدة مع بطريرك القسطنطينية وبطريرك الإسكندرية، وهكذا تحققت الوحدة بين الكراسي الرئيسية الأربعة في الشرق* لفترة من الزمن. وتقريباً في غضون ذلك الوقت ماتت الإمبراطورة أريادن.[32]

 

[1] Vasiliev: History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 109.

وكلمة (Silentiary) تعني الحاجب الذى يظل حارساً عند الأبواب أثناء إنعقاد إجتماعات المجلس الإمبراطوري أو إجتماعات الإمبراطور الأخرى.

[2] Evagrius III, 32, noted by Vasiliev: Justin the First, Dumbarton Oak Studies I, Harvard University Press. 1950, p. 79.

[3] لقب ’العمودي‘ يشير إلى ظاهرة رهبانية معروفة حين يعيش الراهب متوحداً في قلاية على رأس عمود يرتفع في بعض الأحيان بنحو أربعين قدم عن الأرض.

[4] هناك أيضاً سمعان ’العمودي‘ في التاريخ السرياني غير الخلقيدوني.

[5] خطاب البابا بطرس إلى فرافيتا موجود في (Zacharia, op. cit., II, pp. 11-14). وكان فرافيتا أيضاً قد أرسل خطاب إلى البابا بطرس (انظر نفس المرجع السابق صفحة 9-11).

[6] Zacharia, op. cit., II, pp. 19-20.

يقول زكريا أن البابا أثناسيوس وسالوستيوس كانا قد تبادلا خطابات تعبر عن الوحدة، ولذا لا يمكن اعتبارهما مشتركين في ’سلام غير طبيعي‘ كما يقول فرند. (مرجع سابق صفحة 200)

[7] للإطلاع على هذه القصة انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 39-48).

[8] للإطلاع على هذا العمل في نسخته السريانية مع ترجمة فرنسية انظر

(Patrologia Orientalis, Tome II, Fascicule 3, No. 8, ed. R. Graffin and F. Nau.)

[9] للإطلاع على هذه الفقرة انظر (المرجع السابق – النسخة السريانية – صفحة 236).

[10] Frend, op. cit., p. 218.

[11] Zacharia, op. cit., II, pp. 48-49.

[12] كان الرهبان (Scythian monks) في الجانب الخلقيدوني يؤكدون أن “واحداً من الثالوث القدوس قد تألم بالجسد”.

[13] يحدد فرند عهد فلافيان الثاني بأنه من عام 498م إلى عام 512م (مرجع سابق، صفحة 214) وهذا لا يتفق مع عرض زكريا المؤرخ الذي يقول أنه عندما نُصِّب أناستاسيوس إمبراطوراً يوم الأربعاء من أسبوع الآلام عام 491م، كان أساقفة الكراسي العظمى هم: إفميوس أسقف القسطنطينية، وفلافيان أسقف أنطاكية، وأثناسيوس أسقف الإسكندرية، وسالوستيوس أسقف أورشليم وفليكس أسقف روما الذي خلف سيمبليكيوس. (انظر زكريا مرجع سابق 2، صفحة 15).

[14] Zacharia, op. cit., II, pp. 50. 

[15] للإطلاع على وقائع مجمع صيدا انظر (المرجع السابق صفحة 50-51).

[16] للإطلاع على الالتماس انظر (المرجع السابق صفحة 52-54).

[17] Frend, op. cit., p. 219.

[18] للرجوع إلى أسماء هؤلاء الأساقفة انظر:

(Patrologia Orientalis, Tome II, op. cit., pp. 319, 320 and 321)

[19] هناك ثلاثة سير حياة لساويروس يمكن أن تجدها في: (P.O., vol. II and vol. IV)

[20] النوبة هي مملكة تقع في جنوب مصر، وقد قبلت المسيحية منذ حوالي القرن الرابع. للرجوع إلى إشارة عن نيفاليوس انظر صفحة .

[21] نُشر كتاب البطريرك ساويروس ضد نيفاليوس في:

Scriptores Syri: Series quarta – Tomus VII, by C. S. C. O., Louvain, 1949.

[22] للإطلاع على خطاب الإمبراطور أناستاسيوس انظر الوثيقة رقم 543 في

(Coleman-Norton, op. cit.)

[23] للإطلاع على عظات البطريرك ساويروس في الكاتدرائية انظر:

(P. O., vols. IV, VIII, XVI, XX, XXII, XXIII, XXV, XXVI, XXIX, XXXV & XXXVI)

[24] للإطلاع على رسائل البطريرك ساويروس انظر:

(P. O., vols. XII, and The Sixth Select Letters of Severus, ed. E. W. Brooks, London, 1902-4)

[25] للإطلاع على التسابيح التي كتبها البطريرك ساويروس انظر:

(P. O., Tome VI, Fas. 1, No. 26, and Tome VII, Fas. 5, No. 35)

[26] Séveré d’Antioche, Le Philaléthe, ed. Robert Hespel, C.S.C.O., vol. 133. Scriptores Syri 68, Louvain, 1952.

[27] Liber contra impium grammaticum, ed. J. Lebon, C.S.C.O., books 1 & 2. Syri 58, Louvain, 1952; book 3, pt. 1, Syri 45, Louvain, 1952; and pt. 2, Syri 50, Louvain, 1933.

[28] Séveré d’Antioche, Le Polémique Antijulianiste, C.S.C.O., vols. 244, 295 & 318. ed. Robert Hespel, Louvain, 1964.

[29] Frend, op. cit., p. 220; Zacharia, op. cit., II, pp. 62-63.

[30] Frend, op. cit., p. 231-33.

[31] Zacharia, op. cit., II, pp. 54-56.

* كانت هذه هي المرة الثانية التي تتحقق فيها الوحدة بين الكراسي الرئيسة الأربعة في الشرق (عام 512م)، حيث كانت المرة الأولى عندما وقَّع كل من أكاكيوس بطريرك القسطنطينية وبطرس مُنجوس بطريرك الإسكندرية وبطرس القصَّار بطريرك أنطاكيا ومارتيريوس بطريرك أورشليم على مرسوم الاتحاد وتبادلوا رسائل الوحدة والشركة بينهم (عام 484م).

[32] يذكر فرند في (Frend, op. cit., p. 233) أن أريادن ماتت في عام 515م، بينما يذكر زكريا أنها ماتت في عام 513م.

انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 57).

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

(د) إغفال رسالة (طومس) ليو:

كان الادعاء الخاص بأن البابا ديسقوروس قد منع قراءة رسالة (طومس) ليو في مجمع عام 449م، يُعَد واحداً من أكثر الادعاءات ضرراً ضده، وهذا الادعاء كان برمته من نتاج أشخاص يمثلون التوجه الغربي. وكان البابا ليو قد أرسل إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس بعد المجمع مباشرة يتهم البابا ديسقوروس بتعمده منع قراءة رسالته في المجمع،[1] كما ذكر الوفد الروماني في مجمع خلقيدونية في حكمهم ضد ديسقوروس أنه لم يسمح بقراءة الرسالة الباباوية إلى المجمع.[2]

وتضاعف أثر هذا الأمر على مر القرون من خلال الكتَّاب المؤيدين لخلقيدونية، ولنذكر هنا أحد الأمثال المعاصرين حيث يقول فرند (W.H. C. Frend): “على الرغم من أن ديسقوروس لم يرفض أن يقرأ الخطاب (طومس ليو)، إلاّ إنه (أو جوفينال) قد رأى وضعه في آخر قائمة الموضوعات، إلى أن فقد الاهتمام في خضم الأمور التي نشأت”.[3]

ونحن لدينا دليل في خطاب البابا ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس يوضح أن نسخة من الطومس قد أُرسلت إلى مجمع عام 449م بواسطة المندوبين. ولكن بالإضافة إلى هذا هناك ذكر لخطاب آخر للبابا مُرسل رأساً إلى المجمع على الرغم من أن ذلك الخطاب المعني لا يحتوي على أي إشارة تدل على أنه موجه إلى مجمع، ولذلك فمن المحتمل أن هذه الوثيقة (الخطاب الآخر) كانت قد كُتبت أصلاً إلى جماعة النبلاء في القسطنطينية[4] لضمان تأييدهم للطومس وأن نسخة منها قد أُرسلت لاحقاً إلى مجمع عام 449م.

وكانت هناك ثلاثة مناسبات في مجمع عام 449م، طلب فيها الوفد الروماني أن تُقرأ مراسلات بابا روما على المجمع، فإذا كان هذا الخطاب (الآخر) قد أُحضر بواسطة الوفد فينبغي أن يكون الخطاب الذي ذُكر في بداية المجمع كان المقصود به هذا الخطاب (الآخر)، أما في المناسبتين الأخريين فبالتأكيد كان طومس ليو هو الخطاب المقصود.

وبمجرد أن بدأ مجمع عام 449م، قُرىء خطاب الدعوة المُرسل من قبل الإمبراطور، وعندما انتهت القراءة قال يوليوس المندوب الروماني أن هناك رسالة خطية من الإمبراطور مشابهة للتي قُرئت كانت قد أُرسلت إلى “قداسة البابا ليو بابا كنيسة روما”،[5] وهنا قدم الشماس هيلاري حديثاً مطولاً قال فيه إن أسقف روما يتعذر مشاركته الشخصية في المجامع ولكنه أرسل ممثلين عنه مع رسالته التي يمكن أن تُقرأ على المجمع.

[6] وهنا وكتلبية لأمر ديسقوروس،[7] استلم القس يوحنا الموثِّق الأعلى الرسالة، وبدلاً من قراءتها قال أن هناك خطاباً إمبراطرياً آخراً مرسلاً إلى ديسقوروس ليقدَّم إلى المجمع، وهنا أمر جوفينال[8] أن يُقرأ الخطاب الإمبراطوري، وبهذه الطريقة انتقل المجمع إلى مباشرة أعماله بدون قراءة خطاب ليو أسقف روما.

وكما ذكرنا كانت هناك مناسبتان أخريان ذكَّر فيها الوفد الروماني المجمع بمسألة رسالة ليو، المناسبة الأولى عندما رفض المجمع طلب فلافيان بأن يُعطى يوسابيوس أسقف دوريليم الفرصة لسماعه في قضية أوطيخا،[9] وكما رأينا فقد صوَّت المجمع ضد الطلب وسأل أن تُقرأ محاضر جلسات مجمع عام 448م.

أما المناسبة الثانية فكانت عند تصديق المجمع على إيمان نيقية حسبما فسره وأكدَّه مجمع أفسس عام 431م، حيث تكلم يوليوس موضحاً أن الكرسي الرسولي (الروماني) يتمسك بنفس وجهة النظر،[10] وهنا طالب هيلاري مرة أخرى أن تُقرأ رسالة ليو،[11] ولكن هذا الطلب حدث حينما كان كل من الأعضاء يعبِّر بصورة شخصية عن قبوله لأساس الإيمان، ولذلك كان الطلب بالحري بعيداً عن السياق العام ولا يبدو أن أحداً قد أعاره أي اهتمام.

والحقيقة حول مسألة طومس ليو هي أنه على الرغم من أن الوفد الروماني طالب بقراءة الرسالة الباباوية ثلاث مرات على الأقل، إلاّ أنه لم يكن هناك أحد في المجمع ليساندهم، وهذه الحقيقة لم تكن حتى محل شك من الحاضرين في مجمع خلقيدونية أثناء تقديم محاضر جلسات مجمع عام 449م.

وعلى حد معرفتنا من وقائع المجمع لم يوجد في أفسس ـ بعد الوفد الروماني ـ إلاّ ديسقوروس وحده الذي اقترح قراءة الخطاب، ولم يطلب أي شخص غيره هذا الأمر، وهذا العمل برمته كان يخص المجلس (ككل)، وقد أوضح البابا ديسقوروس نفسه هذه النقطة في خلقيدونية إذ قال أنه قد طالب مرتين بعرض خطاب ليو على المجمع.[12]

وينبغي علينا أن ننتبه ـ في محاولتنا معرفة الكيفية التي تم بها تجاهل مجمع عام 449م لخطاب ليو ـ إلى حقيقة أن تلك الوثيقة كانت منتشرة بصورة واسعة في الشرق منذ منتصف شهر يونيو عام 449م،* وأن محتوياتها كانت معروفة عند الحاضرين حتى قبل أن يلتقوا في المجمع.

وكان الكل في الحقيقة يعرف أن هذه الوثيقة هي دفاع شديد عن عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، وفي سياق الخلاف بين الجانبين السكندري والأنطاكي كان كثير من الرجال سيؤيدون الجانب السكندري ضد عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، ويتضح ذلك من التأييد المطلق للبابا كيرلس والبابا ديسقوروس الذي أظهره المجمع بتعبيرات قوية.

وقد ظهرت معارضة المجمع الشديدة لهذه العبارة في عدد من المواقف، كان أحدها عندما قُرئت محاضر جلسات مجمع عام 448م، وحين جاءت كلمات سليوكس أسقف أماسيا (Seleucus of Amasia) “نحن نؤمن برب واحد يسوع المسيح في طبيعتين” وهنا صاح المجمع: “لا أحد يقول عن الرب أنه طبيعتين بعد الاتحاد، هو ليس كذلك يا أسقف أماسيا، لا تقسم غير القابل للتقسيم”.[13]

فإذا كانت هذه هي الحقيقة الدامغة في مجمع عام 449م، فإن طومس ليو بفكره اللاهوتي عن “طبيعتين بعد الاتحاد” لم يكن من الممكن أن يلقى قبولاً في هذا المجمع، ولذلك فالقول بأن البابا ديسقوروس في ’حكمه المطلق‘ و ’تشدده‘ قد أعاق قراءة الخطاب في المجمع، لا يحمل إنصافاً للرجل ولا يمكن إثباته بأي دليل.

وعلى الجانب الآخر نحن لدينا دليل أقوى على احتمال أن مجمع عام 449م لم يقرأ طومس ليو نتيجة لاحترامه لكرسي روما، لأن هذا الطومس لو كان قد قُرىء هناك، وبدون سند إمبراطوري، فما كانت النتيجة هي قبول الوثيقة أو مفهومها اللاهوتي ـ كما حاول ليو أن يصور الأمر[14] أو كما أكد وفد روما في خلقيدونية[15] ـ بل على العكس كان سيؤدي إلى إدانة خطيرة، فعلى سبيل المثال كان المجمع سيضطر إلى تطبيق نفس الكلمات التي صرخ بها ضد أسقف أماسيا على البابا ليو نفسه أيضاً.

ومن هنا فعلى الأرجح، أن البابا ديسقوروس وقادة المجمع، كانوا يبذلون أقصى جهدهم لكيلا يظهروا الجالس على الكرسي الرئيس الأول في العالم المسيحي كهرطوقي.[16]

وعلى الرغم من ذلك، اتهم ليو بابا روما مجمع عام 449م بأنه اجتماع للصوص (latrocinium) ويرى فرند أن هذا الوصف قد لصق بالمجمع طوال الوقت،[17] ومن المحتمل ألا يكون في ذهن ليو ـ وهو يرفض المجمع بهذا الشكل ـ أي جور أو تجنٍ مما كان لدى الذين انتقدوا المجمع فيما بعد. وفي الحقيقة إن أي خلل أو نقص تم توجيهه ضد مجمع عام 449م من خلال المنتقدين له، تم أيضاً توجيهه ضد مجمع خلقيدونية من قبل المعارضين له.

وعلاوة على ذلك لو كان الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني قد سمح للبابا ليو أن يعقد مجمعاً في إيطاليا كما قد طلب فور انتهاء مجمع عام 449م، فما كان ذلك المجمع سيرتفع فوق اللوم أيضاً بأي حال من الأحوال.

وقد كانت الشكوى الحقيقية لبابا روما ـ كما يتضح من التعبير الذي استخدمه ـ هي أن المجمع لم يجل ويقدر الطومس الخاص به، ومن المحتمل جداً أن يكون قد رأى في ذلك تجاهلاً لسلطته الباباوية، أو حتى ’ سلب‘ كرسيه من الحق الإلهي الذي كان يدعيه له. وبالنسبة للبابا ليو، إن اجتماعاً يجرؤ على ألا يعطي اهتماماً لخطابه الباباوي فهو اجتماع للصوص وليس مجمعاً للكنيسة.[18]

 

(هـ) بعض الملاحظات حول أوطيخا:

في عملية إدانة أوطيخا كهرطوقي، قام فلافيان ومجمع عام 448م من جهة وليو بابا روما ومجمع خلقيدونية من جهة أخرى بتقديم عدد من النقاط، يمكننا أن نضعها معاً فيما يلي:

أولاً، قيل عنه أنه يعيد هرطقة أبوليناريوس وفالنتينُس.[19]

ثانياً، زعموا أنه يقول ’ إن جسد الرب المأخوذ من مريم لم يكن من نفس جوهرنا ولا من المادة البشرية. وبالرغم من إنه يقول عنه أنه بشري، لكنه يرفض أن يقول إنه واحد في ذات الجوهر معنا أو مع تلك التي حملته حسب الجسد‘.[20]

ثالثاً، تم توجيه اللوم لأوطيخا لأنه يقول إن المسيح كان “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد.[21]

رابعاً، أجزموا بأن أوطيخا رفض أن يقر بحقيقة ناسوت المسيح.[22] ويكمن الأساس الوحيد في كل هذه الاتهامات في تردد أوطيخا في تأكيد وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا من ناحية، وفي تصميمه على “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد من ناحية أخرى.

ورغم ذلك فإن هؤلاء الذين وصفوه بتلك الأفكار الهرطوقية، لم يهتموا بأن يثبتوا هل هو بالفعل يعترف بها وأنها تمثل موقفه الخاص، كما أنهم لم يبحثوا في عباراته الشفهية ولا حتى على الأقل في اعترافه المكتوب بما في ذلك الجملتين اللتين ذكرناهما سابقاً. ولذلك ففي إطار السياق التاريخي، يمكن أن يكون هناك بالفعل تقييم أكثر تعاطفاً وإيجابية لذلك الراهب العجوز، ولكن أحد من ناقديه لم يجهد نفسه ليقوم بمثل هذا الدور.

وحين قام مجمع أفسس الثاني عام 449م بتبرئة أوطيخا، إنما كان يعبِّر عن رد الفعل السكندري ضد عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” التي جاءت في مجمع عام 448م المكاني. وكان الأساس وراء هذا القرار هو عبارات أوطيخا الشفهية والمكتوبة، ولكن المجمع كما قد ذكرنا لم يتوقف بصورة كافية لكي ينظر بهدوء في المواقف التي كانت تمثل صعوبة أمام معارضي أوطيخا.

ومن هنا ينبغي علينا أن نقول إن هؤلاء الذين حكموا على أوطيخا بالهرطقة قد أخذوا فقط بعضاً من عباراته وفسروها بطريقتهم الخاصة، وكذلك أولئك الذين قرروا تبرئته أخذوا البعض الآخر ورأوا فيها موقفاً لا يستحق الإدانة. وأمام هذه الحقيقة، يجب أن نأخذ مساهمات كل من رينيه دراجيه (René Draguet) وكامِلوت (Thomas Camelot) وكيللي (J. N. D. Kelly) بعين الاعتبار.[23]

ويمكن القول بأنه في الظروف التاريخية التي عاش فيها أوطيخا ـ بصرف النظر عما إذا كان بالفعل هرطوقياً أم لا ـ كان هناك أناس معارضين له لم يكونوا ليسمحوا له بأن يمضي حراً طليقاً.

 

(و) مجمع أفسس الثاني عام 449م بين الدفاع والنقد:

لقد انفض مجمع عام 449م كحدثٍ يعبِّر عن انتصار منفرد للفهم السكندري للإيمان النيقاوي (بالصورة التي أكدَّه بها مجمع أفسس عام 431م)، وبدون تبني لصيغة الوحدة عام 433م (بحسب فهم الأنطاكيين لها). وبالفعل كان الإمبراطور يريد حكم مثل هذا، فبمجرد أن استلم تقرير المجمع سارع باتخاذ الخطوات لتنفيذ بنوده وقد طالب الأساقفة بالتوقيع عليها، كما كتب إلى البابا ليو يطالبه بقبول قرارات المجمع، وأصدر كذلك مرسوماً مؤيداً لهذا المجمع.[24]

وفي نفس الوقت بدأت تتشكَّل حركة معارضة لمجمع عام 449م، فبعد اليوم الأول من المجمع امتنع المندوب الروماني يوليوس عن حضور الجلسات الباقية للمجمع، كما أن هيلاري (المندوب الثاني) أيضاً أخذ طريقه عائداً إلى روما بعد اليوم الأول، وكان يرتب في طريق عودته أن يقابل الإمبراطور في القسطنطينية ويقدِّم له شكواه شخصياً ولكنه لم ينجح في مسعاه.

وفي النهاية وصل كل من يوليوس وهيلاري إلى روما في منتصف شهر سبتمبر وقدَّما تقريرهما إلى البابا ليو وإلى مجمع (مكاني) كان منعقداً هناك آنذاك وقد ساعد ذلك البابا ليكسب تأييد المجمع (المكاني) في خطواته ضد مجمع عام 449م.

واعتمد ليو أيضاً (في معارضته) على التنسيق مع الشرق، فعند مغادرة هيلاري أفسس أخذ معه طلباً للاستئناف من فلافيان، كما كانت هناك أيضاً طلبات مماثلة من كل من يوسابيوس وثيؤدوريت، بل وقام أسقف دوريليم ـ ومن المحتمل ثيؤدوريت[25] أيضاً ـ بمقابلة بابا روما شخصياً من أجل هذا الأمر. وهكذا تكوَّن ائتلاف قوي ضد مجمع عام 449م مركزه روما.[26]

وأثار موت فلافيان ـ الذي حدث بعد فترة وجيزة من إدانته ـ تعاطفاً مع موقف البابا ليو وبالأخص في القسطنطينية. وكان فلافيان قد احتُجز من قبل السلطات بعد صدور قرار عزله مباشرة ثم مات بعد ذلك. وقد فسَّر المعارضون لمجمع عام 449م هذه الحادثة بعد ذلك على إنها كانت بسبب تعرضه لأذى جسدي في المجمع، هذا على الرغم من أنه لم يأتِ ذكر لمثل هذه القصة على الإطلاق في مجمع خلقيدونية.[27]

وكان البابا ليو يعتبر إغفال مجمع عام 449م للطومس الخاص به عملاً مهيناً جداً، وقد حاول محو أثره بطرق متنوعة، فبمجرد عودة الوفد الروماني إلى روما كتب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس واعترض على المجمع، ولما وجد أن الإمبراطور لم يعر الأمر أي انتباه، كتب إليه خطاباً ثانياً يطلب فيه عقد مجمع في إيطاليا، ولكن وللمرة الثانية لم يستجب ثيؤدوسيوس لطلبه.

وكان هذا الموقف متزامناً مع زيارة الإمبراطور الغربي فالنتينيان الثالث (Valentinian III) مع أمه جالا بلاسيديا (Galla Placidia) وزوجته إفدوكسيا (Eudoxia) إلى روما، وكانت زيارتهم في وقت عيد كاتدرائية ق. بطرس (Cathedra Petri)، وانتهز البابا ليو الفرصة كاملة واشتكى أمامهم أنه في زمنهم أُهين كرسي ق. بطرس بواسطة ما تم في مجمع عام 449م، وقدَّم لهم دعواه ليمارسوا تأثيرهم على بلاط الإمبراطور الشرقي ثيؤدوسيوس حتى يلغي قرارات ذلك المجمع.

واستجاب الأباطرة بالفعل وأرسل فالنتينيان وأمه جالا بلاسيديا خطاباً إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس كما أرسلت إفدوكسيا إلى بولخِريا (Pulcheria)[28]، ولكن ثيؤدوسيوس أجاب بأن قصة البابا ليو الخاصة بالمجمع تفتقر إلى الصحة.[29]

ورغم ذلك قام البابا ليو بالكتابة إلى الرهبان ورجال الدين المسيحي الذين كانوا معارضين لأوطيخا بالقسطنطينية، يحثهم على البقاء موالين ومخلصين لفلافيان. وعندما تم الإعلان عن اختيار أناتوليوس (Anatolius) ـ وهو قس من مصر ـ بطريركاً للقسطنطينية بدلاً من فلافيان، رفض ليو الاعتراف به ولكن رغم ذلك تم تنصيبه بطريركاً.

 

(ز) موت الإمبراطور ثيؤدوسيوس:

ولم يدم عدم الرضا الإمبراطوري على ليو طويلاً، فقبل مرور سنة واحدة على مجمع عام 449م سقط ثيؤدوسيوس من على جواده وتسبب ذلك في موته يوم 28 يوليو عام 450م. وبعد محاولة فاشلة لاعتلاء الابن الصغير العرش، أمسكت الأخت بولخِريا بزمام الأمور وتم الإعلان عن زوجها مركيان (Marcian) إمبراطوراً في 28 أغسطس من نفس العام.

وكانت بولخِريا امرأة ذات قدرات مميزة وعزيمة لا تُقهر، وكان لها دور عملي في إدارة شئون الدولة، حتى إنها قادت أخاها ليعمل عكس توجهه الكنسي أثناء المشكلة النسطورية.

ولكن بعد فترة حدث توتر في علاقتها مع أخيها، مما ساعد كريسافيوس كبير موظفي البلاط الإمبراطوري أن تكون له اليد العليا في الأمور في عام 441م، وقد أدى هذا إلى وجود عداوة بينها وبينه. وبعد موت أخيها، أزاحت بولخِريا هذا الرجل من طريقها بواسطة حكم بالموت صدر ضده، وقامت بنفي أوطيخا إلى شمال سوريا، كما أكدت قيادتها للأمور من خلال زوجها.

وكانت سياسة بولخِريا الكنسية في ذلك الوقت يحكمها أمران هامان.

أولاً قررت بولخِريا أن تؤيد روما في صراعها ضد الإسكندرية من أجل الوصول إلى رئاسة كاملة للكنيسة،[30] وكان هذا الأمر متوقعاً لأن عدوها كريسافيوس كان طوال الوقت مسانداً للإسكندرية.

ثانياً لم تكن بولخِريا تريد في نفس الوقت أن تترك روما تنعم بسيادتها المطلقة في الكنيسة، بل على العكس كانت ترغب في أن تزيد من هيبة وكرامة مدينتها (العاصمة) من خلال رفع وضع أسقفها إلى مستوى مساوٍ للجالس على كرسي روما نفسه. وهكذا أشاحت بولخِريا بوجهها عن الإسكندرية ورفعت روما، ولكنها كانت تخطط لرفع كرسي القسطنطينية بعد ذلك.

أما مركيان فبعد اعتلائه للعرش، كتب إلى البابا ليو معبراً عن رأيه في عقد مجمع تحت رئاسة بابا روما “من أجل التخلص من كل الأخطاء غير التقوية”.[31]

كما عملت الإمبراطورة كذلك على مساعدة البابا ليو في كفاحه من أجل إقرار ’الطومس‘ الخاص به كوثيقة لها شرعيتها وسلطتها، وقد أثمرت جهودها في 21 أكتوبر 450م حيث قام أناتوليوس أسقف القسطنطينية ـ الذي كان حتى ذلك الوقت معارضاً لطومس ليو ـ بالتوقيع على قبوله للطومس في حضور اثنين من الأساقفة واثنين من القسوس كان ليو قد أرسلهم كممثلين له، ومنذ ذلك الحين تم قبول الوثيقة (الطومس) في كل مكان.[32]

وفي هذه الأثناء أيضاً، أُعيد جسد فلافيان إلى القسطنطينية وتم دفنه بإكرام كبير. وهكذا ابتدأ التغيير في الأجواء المسيحية من خلال السلطة الجديدة، لدرجة أنه في يوم 13 أبريل عام 451م كتب ليو إلى أناتوليوس يسأله أن يحذف أسماء ديسقوروس وجوفينال وإفستاثيوس أسقف بريتوس من الدبتيخا* (diptychs) أي أنه قام بحرمانهم بسلطانه الشخصي،[33] كما طلب ليو كذلك أن تُترك له مسألة الرجال الآخرون الذين شاركوا في مجمع عام 449م ليصدر فيهم قراره.

ومن هنا نرى كيف كان البابا ليو يحكم كامل سيطرته على الموقف، وبدأ يتبنى نظرية أن البابا ديسقوروس و بعض من الرجال الجهلاء كانوا مسئولين بمفردهم عن قرارات مجمع عام 449م،[34] على أمل أن يضم الكنيسة كلها تحت سلطته العليا بدون أي مجمع أو استشارة لزملائه الأساقفة وبخاصة في الشرق.

ولكن لم تأتِ كل الأمور بالضبط كما خطط لها ليو، فباءت مجهوداته بالفشل في إثناء الإمبراطور عن فكرة عقد المجمع، وكان الإمبراطور قد أعلن عن نيته لعقد المجمع في الشرق وليس في إيطاليا كما قد طلب ليو في أيام ثيؤدوسيوس الثاني.[35]

ولكن ليو طالب بأنه ينبغي على المجمع أن يتخذ من ’الطومس‘ معياره العقيدي، وبدون السماح لأي نقاش حول الإيمان والذي قد يتضمَّن مساءلة عن الصفة الرسمية لتعليمه. ولم تجد القيادة الإمبراطورية أية صعوبة في التعهد بتحقيق مطالب ليو في هذه النقطة، بالرغم من أنها كانت لها رؤيتها الخاصة التي تبغي بلوغها من خلال المجمع.

وفي يوم 17 مايو عام 451م، صدرت الأوامر بالدعوة لعقد مجمع في نيقية المدينة التي عُقد فيها المجمع المسكوني الأول والتي كانت لها في ذلك الوقت مكانة سامية لدى كل الأطراف في الشرق.

 

[1] للاطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, p. 25)

[2] للرجوع إلى هذه التهمة انظر صفحة

[3] The rise of ihe Monophysite Movement, op. cit., p. 40.

[4] كان جالاند يتبنى هذا الرأي. انظر صفحة

[5] ACO. II, i, p. 82: 82.

[6] إذا كان ليو قد بعث برسالة خاصة إلى المجمع، فبالتأكيد كان هذا هو الوقت الذي يريد فيه المندوبون أن تتم فيه قراءة الرسالة.

[7] المرجع السابق صفحة 83: 84. كان أمر البابا ديسقوروس: “فلندع رسالة أخينا الورع وزميلنا الأسقف ليو تُعرض على هذا المجمع المسكوني المقدس”.

[8] المرجع السابق صفحة 83: 85.

[9] انظر صفحة.

[10] انظر صفحة.

[11] المرجع السابق صفحة 190-191: 958.

[12] المرجع السابق صفحة 84: 93 و99. قال البابا ديسقوروس: “إن ما حدث هو واضح وجلي، فقد طلبت مرتين من أجل قراءة رسالة أسقف روما الموقر”.

* ارجع إلى صفحة 69.

[13] المرجع السابق صفحة 118: 303.

[14] هذه هي النقطة التي احتواها خطاب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس. انظر المرجع في صفحة

[15] للاطلاع على النقطة التي أثارها مندوبو روما في مجمع خلقيدونية، انظر صفحة و

[16] يذكر ميخائيل السرياني أن مجمع عام 449م “لم يقرأ الطومس حتى يحمي كاتبه من حكم الإدانة”. انظر ميخائيل السرياني صفحة 180.

[17] المرجع السابق صفحة 44. ولا يختلف ما ذكره فرند عن مجمع عام 449م وعن البابا ديسقوروس عن نفس النظرة التقليدية المؤيدة لخلقيدونية والتي ما زالت تحتاج إلى مراجعة.

[18] إن الحقيقة التي يجب أن نلاحظها هي أن أي مجمع سيقابل في الأغلب بالرفض من الذين يعارضوه.

[19] هذا الإدعاء كان قد أثاره ضد أوطيخا كل من: دُمنوس أسقف أنطاكيا (انظر المرجع صفحة) وفلافيان (انظر صفحة) وليو أسقف روما (انظر الخطابات) والسلطة الإمبراطورية (انظر الخطاب رقم 480 في Coleman-Norton، op. cit.)

[20] كان فلافيان قد كتب في خطابه إلى ليو أن أوطيخا يتبنى هذا الرأي. انظر الخطاب في:

(Der Prozess Des Eutyches, op. cit., pp. 40-44)

لمراجعة هذا الاقتباس والاقتباس الوارد في المرجع التالي، انظر نفس المرجع السابق صفحة 41. وقد علق ليو بابا روما في الطومس على موقف أوطيخا بأنه يتضمن: “أن المسيح عند الحبل به في رحم العذراء أخذ شكل الإنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”، كما زعم (ليو) أن هذا التعليم يبطل الإيمان المسيحي في التجسد والأسرار والحياة الأخرى.

[21] لقد كتب فلافيان أنه بالنسبة لأوطيخا “فإن مخلصنا يسوع المسيح قبل أن يصبح إنساناً كان طبيعتين: اللاهوت والناسوت، ولكنه بعد الاتحاد أصبح طبيعة واحدة”. ويذكر ليو في الطومس أن هذا التعليم فاسد وسخيف. ويشير مجمع خلقيدونية في إعتراف الإيمان الخاص به إلى أوطيخا ضمنياً في موضعين.

أولاً: في القول بأن هذا المجمع يقدم اعترافه في مواجهة هرطقتين، وقد أدخلت إحداهما “الاختلاط والامتزاج”، وتخيلت بلا خجل “أن طبيعة الجسد، وطبيعة اللاهوت التي للابن الوحيد قد أصبحتا بسبب هذا الاختلاط قابلتين للألم”. ثانيا: في القول بأن المجمع “يحرم أولئك الذين يتخيلون وجود طبيعتين للرب قبل الاتحاد وأنهما أصبحتا طبيعة واحدة جديدة بعد الاتحاد”.

[22] هذا الاتهام كان ليو بابا روما ينسبه لأوطيخا في كل كتاباته المتعلقة بالموضوع. وقد ذكر باسيليوس أسقف سلوكيا في مجمع خلقيدونية أنه بالنسبة لأوطيخا “يُعتبر الاعتراف بأن الله الكلمة أصبح إنساناً باتخاذه جسداً، هو اعتراف كافي ليدل على كيفية التجسد والتأنس”. انظر:

(ACO. II, i, p. 92: 167).

[23] لم ينكر أوطيخا كمال أو حقيقة ناسوت المسيح ولكنه حاول أن يثبت أنه بسبب أن هذا الناسوت كان متحداً بالله الابن فلابد أن يكون مختلفاً عن ناسوتنا.

[24] المرسوم مذكور كوثيقة رقم 459 في (Coleman-Norton،op. cit.)

[25] يحتفظ لنا (المؤرخ) زكريا الخطيب بقصة ذهاب ثيؤدوريت إلى روما في ذلك الوقت حيث اتفق على موقف موحد مع ليو بابا روما. انظر:

(Ecclesiastical History, Syriac, Book I, p. 147). 

وهناك احتمال كبير أن تكون هذه القصة قد حدثت بالفعل، وحتى إذا لم نعرها اهتماماً فعلياً، فينبغي أن نعترف بحقيقة أنه كان هناك نوعاً من التحالف الخاص بين البابا ليو وثيؤدوريت وأن ثيؤدوريت لم يكن قد أيد بعد مسألة إدانة نسطوريوس.

[26] وحيث إن روما لم تكن تحت السلطة السياسية المباشرة للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، فقد كانت لدى ليو بابا روما إمكانية التصرف بحرية في مثل هذه الأمور.

[27] يتفق جريلماير مع كادويك (Chadwick) على أن فلافيان قد مات في فبراير عام 450م وليس في أغسطس عام 449م، وأنه من المحتمل أن يكون لأناتوليوس يد في موت فلافيان. (انظر: Christ in Christian Tradition op. cit., p. 469, n. I). ومن وجهة نظر هذه الدراسة، لا تعتبر مسألة تحديد الوقت الذي مات فيه فلافيان هي الأمر الجدير بالاهتمام، ولكن ما يعنينا هنا هو السؤال عما إذا كان هناك أي أساس للإدعاء بأن فلافيان قد أُسيئت معاملته في مجمع عام 449م، وأنه قد مات بسبب الأذى الذي لحق به هناك.

والحقيقة أن الانقسام الذي أصاب الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية قد نتج عنه الكثير من المشاعر السلبية لدى كلا الجانبين حتى أننا يجب أن نتعامل مع اتهامات كل منهما للآخر بكثير من الحذر. أما بالنسبة لمجمع عام 449م، فإنه لمن العدل أن أي تعليق سلبي ضده لم يرد في محاضر مجمع خلقيدونية، لا يجب أن يأخذ أي اهتمام من الدارسين المنصفين.

[28] للاطلاع على هذه الخطابات انظر: (ACO. II, i, pp. 5-6)

[29] للاطلاع على هذه الخطابات انظر: (ACO. II, i, pp. 7-8)

[30] لقد كتبت بولخريا إلى ليو وحتى قبل موت أخيها لتعبر عن عدم موافقتها على “الخطأ الهرطوقي” الذي ارتكبه مجمع عام 449م. انظر: (Honigman, op. cit., p. 239)

[31] للاطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, pp. 10)

[32] Noted by Honigman, op. cit., p. 240.

* الدبتيخا (diptych) هو لوح يُكتب فيه قوائم القديسين (الأحياء والمنتقلين) المعتبرين أنهم في شركة إيمان الكنيسة.

[33] هذه الحادثة ذات معنى خاص جداً. انظر صفحة .

[34] وأمام المشاكل التي كان يراها ليو في مجمع عام 449م، كان يجب أن تُرتب نظرية من هذا النوع لمساندة مزاعمه البابوية.

[35] لم تكن الأجواء السياسية في ذلك الوقت تخدم مسألة إقامة مجمع عام في إيطاليا.

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

Exit mobile version