مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

(د) إغفال رسالة (طومس) ليو:

كان الادعاء الخاص بأن البابا ديسقوروس قد منع قراءة رسالة (طومس) ليو في مجمع عام 449م، يُعَد واحداً من أكثر الادعاءات ضرراً ضده، وهذا الادعاء كان برمته من نتاج أشخاص يمثلون التوجه الغربي. وكان البابا ليو قد أرسل إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس بعد المجمع مباشرة يتهم البابا ديسقوروس بتعمده منع قراءة رسالته في المجمع،[1] كما ذكر الوفد الروماني في مجمع خلقيدونية في حكمهم ضد ديسقوروس أنه لم يسمح بقراءة الرسالة الباباوية إلى المجمع.[2]

وتضاعف أثر هذا الأمر على مر القرون من خلال الكتَّاب المؤيدين لخلقيدونية، ولنذكر هنا أحد الأمثال المعاصرين حيث يقول فرند (W.H. C. Frend): “على الرغم من أن ديسقوروس لم يرفض أن يقرأ الخطاب (طومس ليو)، إلاّ إنه (أو جوفينال) قد رأى وضعه في آخر قائمة الموضوعات، إلى أن فقد الاهتمام في خضم الأمور التي نشأت”.[3]

ونحن لدينا دليل في خطاب البابا ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس يوضح أن نسخة من الطومس قد أُرسلت إلى مجمع عام 449م بواسطة المندوبين. ولكن بالإضافة إلى هذا هناك ذكر لخطاب آخر للبابا مُرسل رأساً إلى المجمع على الرغم من أن ذلك الخطاب المعني لا يحتوي على أي إشارة تدل على أنه موجه إلى مجمع، ولذلك فمن المحتمل أن هذه الوثيقة (الخطاب الآخر) كانت قد كُتبت أصلاً إلى جماعة النبلاء في القسطنطينية[4] لضمان تأييدهم للطومس وأن نسخة منها قد أُرسلت لاحقاً إلى مجمع عام 449م.

وكانت هناك ثلاثة مناسبات في مجمع عام 449م، طلب فيها الوفد الروماني أن تُقرأ مراسلات بابا روما على المجمع، فإذا كان هذا الخطاب (الآخر) قد أُحضر بواسطة الوفد فينبغي أن يكون الخطاب الذي ذُكر في بداية المجمع كان المقصود به هذا الخطاب (الآخر)، أما في المناسبتين الأخريين فبالتأكيد كان طومس ليو هو الخطاب المقصود.

وبمجرد أن بدأ مجمع عام 449م، قُرىء خطاب الدعوة المُرسل من قبل الإمبراطور، وعندما انتهت القراءة قال يوليوس المندوب الروماني أن هناك رسالة خطية من الإمبراطور مشابهة للتي قُرئت كانت قد أُرسلت إلى “قداسة البابا ليو بابا كنيسة روما”،[5] وهنا قدم الشماس هيلاري حديثاً مطولاً قال فيه إن أسقف روما يتعذر مشاركته الشخصية في المجامع ولكنه أرسل ممثلين عنه مع رسالته التي يمكن أن تُقرأ على المجمع.

[6] وهنا وكتلبية لأمر ديسقوروس،[7] استلم القس يوحنا الموثِّق الأعلى الرسالة، وبدلاً من قراءتها قال أن هناك خطاباً إمبراطرياً آخراً مرسلاً إلى ديسقوروس ليقدَّم إلى المجمع، وهنا أمر جوفينال[8] أن يُقرأ الخطاب الإمبراطوري، وبهذه الطريقة انتقل المجمع إلى مباشرة أعماله بدون قراءة خطاب ليو أسقف روما.

وكما ذكرنا كانت هناك مناسبتان أخريان ذكَّر فيها الوفد الروماني المجمع بمسألة رسالة ليو، المناسبة الأولى عندما رفض المجمع طلب فلافيان بأن يُعطى يوسابيوس أسقف دوريليم الفرصة لسماعه في قضية أوطيخا،[9] وكما رأينا فقد صوَّت المجمع ضد الطلب وسأل أن تُقرأ محاضر جلسات مجمع عام 448م.

أما المناسبة الثانية فكانت عند تصديق المجمع على إيمان نيقية حسبما فسره وأكدَّه مجمع أفسس عام 431م، حيث تكلم يوليوس موضحاً أن الكرسي الرسولي (الروماني) يتمسك بنفس وجهة النظر،[10] وهنا طالب هيلاري مرة أخرى أن تُقرأ رسالة ليو،[11] ولكن هذا الطلب حدث حينما كان كل من الأعضاء يعبِّر بصورة شخصية عن قبوله لأساس الإيمان، ولذلك كان الطلب بالحري بعيداً عن السياق العام ولا يبدو أن أحداً قد أعاره أي اهتمام.

والحقيقة حول مسألة طومس ليو هي أنه على الرغم من أن الوفد الروماني طالب بقراءة الرسالة الباباوية ثلاث مرات على الأقل، إلاّ أنه لم يكن هناك أحد في المجمع ليساندهم، وهذه الحقيقة لم تكن حتى محل شك من الحاضرين في مجمع خلقيدونية أثناء تقديم محاضر جلسات مجمع عام 449م.

وعلى حد معرفتنا من وقائع المجمع لم يوجد في أفسس ـ بعد الوفد الروماني ـ إلاّ ديسقوروس وحده الذي اقترح قراءة الخطاب، ولم يطلب أي شخص غيره هذا الأمر، وهذا العمل برمته كان يخص المجلس (ككل)، وقد أوضح البابا ديسقوروس نفسه هذه النقطة في خلقيدونية إذ قال أنه قد طالب مرتين بعرض خطاب ليو على المجمع.[12]

وينبغي علينا أن ننتبه ـ في محاولتنا معرفة الكيفية التي تم بها تجاهل مجمع عام 449م لخطاب ليو ـ إلى حقيقة أن تلك الوثيقة كانت منتشرة بصورة واسعة في الشرق منذ منتصف شهر يونيو عام 449م،* وأن محتوياتها كانت معروفة عند الحاضرين حتى قبل أن يلتقوا في المجمع.

وكان الكل في الحقيقة يعرف أن هذه الوثيقة هي دفاع شديد عن عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، وفي سياق الخلاف بين الجانبين السكندري والأنطاكي كان كثير من الرجال سيؤيدون الجانب السكندري ضد عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، ويتضح ذلك من التأييد المطلق للبابا كيرلس والبابا ديسقوروس الذي أظهره المجمع بتعبيرات قوية.

وقد ظهرت معارضة المجمع الشديدة لهذه العبارة في عدد من المواقف، كان أحدها عندما قُرئت محاضر جلسات مجمع عام 448م، وحين جاءت كلمات سليوكس أسقف أماسيا (Seleucus of Amasia) “نحن نؤمن برب واحد يسوع المسيح في طبيعتين” وهنا صاح المجمع: “لا أحد يقول عن الرب أنه طبيعتين بعد الاتحاد، هو ليس كذلك يا أسقف أماسيا، لا تقسم غير القابل للتقسيم”.[13]

فإذا كانت هذه هي الحقيقة الدامغة في مجمع عام 449م، فإن طومس ليو بفكره اللاهوتي عن “طبيعتين بعد الاتحاد” لم يكن من الممكن أن يلقى قبولاً في هذا المجمع، ولذلك فالقول بأن البابا ديسقوروس في ’حكمه المطلق‘ و ’تشدده‘ قد أعاق قراءة الخطاب في المجمع، لا يحمل إنصافاً للرجل ولا يمكن إثباته بأي دليل.

وعلى الجانب الآخر نحن لدينا دليل أقوى على احتمال أن مجمع عام 449م لم يقرأ طومس ليو نتيجة لاحترامه لكرسي روما، لأن هذا الطومس لو كان قد قُرىء هناك، وبدون سند إمبراطوري، فما كانت النتيجة هي قبول الوثيقة أو مفهومها اللاهوتي ـ كما حاول ليو أن يصور الأمر[14] أو كما أكد وفد روما في خلقيدونية[15] ـ بل على العكس كان سيؤدي إلى إدانة خطيرة، فعلى سبيل المثال كان المجمع سيضطر إلى تطبيق نفس الكلمات التي صرخ بها ضد أسقف أماسيا على البابا ليو نفسه أيضاً.

ومن هنا فعلى الأرجح، أن البابا ديسقوروس وقادة المجمع، كانوا يبذلون أقصى جهدهم لكيلا يظهروا الجالس على الكرسي الرئيس الأول في العالم المسيحي كهرطوقي.[16]

وعلى الرغم من ذلك، اتهم ليو بابا روما مجمع عام 449م بأنه اجتماع للصوص (latrocinium) ويرى فرند أن هذا الوصف قد لصق بالمجمع طوال الوقت،[17] ومن المحتمل ألا يكون في ذهن ليو ـ وهو يرفض المجمع بهذا الشكل ـ أي جور أو تجنٍ مما كان لدى الذين انتقدوا المجمع فيما بعد. وفي الحقيقة إن أي خلل أو نقص تم توجيهه ضد مجمع عام 449م من خلال المنتقدين له، تم أيضاً توجيهه ضد مجمع خلقيدونية من قبل المعارضين له.

وعلاوة على ذلك لو كان الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني قد سمح للبابا ليو أن يعقد مجمعاً في إيطاليا كما قد طلب فور انتهاء مجمع عام 449م، فما كان ذلك المجمع سيرتفع فوق اللوم أيضاً بأي حال من الأحوال.

وقد كانت الشكوى الحقيقية لبابا روما ـ كما يتضح من التعبير الذي استخدمه ـ هي أن المجمع لم يجل ويقدر الطومس الخاص به، ومن المحتمل جداً أن يكون قد رأى في ذلك تجاهلاً لسلطته الباباوية، أو حتى ’ سلب‘ كرسيه من الحق الإلهي الذي كان يدعيه له. وبالنسبة للبابا ليو، إن اجتماعاً يجرؤ على ألا يعطي اهتماماً لخطابه الباباوي فهو اجتماع للصوص وليس مجمعاً للكنيسة.[18]

 

(هـ) بعض الملاحظات حول أوطيخا:

في عملية إدانة أوطيخا كهرطوقي، قام فلافيان ومجمع عام 448م من جهة وليو بابا روما ومجمع خلقيدونية من جهة أخرى بتقديم عدد من النقاط، يمكننا أن نضعها معاً فيما يلي:

أولاً، قيل عنه أنه يعيد هرطقة أبوليناريوس وفالنتينُس.[19]

ثانياً، زعموا أنه يقول ’ إن جسد الرب المأخوذ من مريم لم يكن من نفس جوهرنا ولا من المادة البشرية. وبالرغم من إنه يقول عنه أنه بشري، لكنه يرفض أن يقول إنه واحد في ذات الجوهر معنا أو مع تلك التي حملته حسب الجسد‘.[20]

ثالثاً، تم توجيه اللوم لأوطيخا لأنه يقول إن المسيح كان “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد.[21]

رابعاً، أجزموا بأن أوطيخا رفض أن يقر بحقيقة ناسوت المسيح.[22] ويكمن الأساس الوحيد في كل هذه الاتهامات في تردد أوطيخا في تأكيد وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا من ناحية، وفي تصميمه على “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد من ناحية أخرى.

ورغم ذلك فإن هؤلاء الذين وصفوه بتلك الأفكار الهرطوقية، لم يهتموا بأن يثبتوا هل هو بالفعل يعترف بها وأنها تمثل موقفه الخاص، كما أنهم لم يبحثوا في عباراته الشفهية ولا حتى على الأقل في اعترافه المكتوب بما في ذلك الجملتين اللتين ذكرناهما سابقاً. ولذلك ففي إطار السياق التاريخي، يمكن أن يكون هناك بالفعل تقييم أكثر تعاطفاً وإيجابية لذلك الراهب العجوز، ولكن أحد من ناقديه لم يجهد نفسه ليقوم بمثل هذا الدور.

وحين قام مجمع أفسس الثاني عام 449م بتبرئة أوطيخا، إنما كان يعبِّر عن رد الفعل السكندري ضد عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” التي جاءت في مجمع عام 448م المكاني. وكان الأساس وراء هذا القرار هو عبارات أوطيخا الشفهية والمكتوبة، ولكن المجمع كما قد ذكرنا لم يتوقف بصورة كافية لكي ينظر بهدوء في المواقف التي كانت تمثل صعوبة أمام معارضي أوطيخا.

ومن هنا ينبغي علينا أن نقول إن هؤلاء الذين حكموا على أوطيخا بالهرطقة قد أخذوا فقط بعضاً من عباراته وفسروها بطريقتهم الخاصة، وكذلك أولئك الذين قرروا تبرئته أخذوا البعض الآخر ورأوا فيها موقفاً لا يستحق الإدانة. وأمام هذه الحقيقة، يجب أن نأخذ مساهمات كل من رينيه دراجيه (René Draguet) وكامِلوت (Thomas Camelot) وكيللي (J. N. D. Kelly) بعين الاعتبار.[23]

ويمكن القول بأنه في الظروف التاريخية التي عاش فيها أوطيخا ـ بصرف النظر عما إذا كان بالفعل هرطوقياً أم لا ـ كان هناك أناس معارضين له لم يكونوا ليسمحوا له بأن يمضي حراً طليقاً.

 

(و) مجمع أفسس الثاني عام 449م بين الدفاع والنقد:

لقد انفض مجمع عام 449م كحدثٍ يعبِّر عن انتصار منفرد للفهم السكندري للإيمان النيقاوي (بالصورة التي أكدَّه بها مجمع أفسس عام 431م)، وبدون تبني لصيغة الوحدة عام 433م (بحسب فهم الأنطاكيين لها). وبالفعل كان الإمبراطور يريد حكم مثل هذا، فبمجرد أن استلم تقرير المجمع سارع باتخاذ الخطوات لتنفيذ بنوده وقد طالب الأساقفة بالتوقيع عليها، كما كتب إلى البابا ليو يطالبه بقبول قرارات المجمع، وأصدر كذلك مرسوماً مؤيداً لهذا المجمع.[24]

وفي نفس الوقت بدأت تتشكَّل حركة معارضة لمجمع عام 449م، فبعد اليوم الأول من المجمع امتنع المندوب الروماني يوليوس عن حضور الجلسات الباقية للمجمع، كما أن هيلاري (المندوب الثاني) أيضاً أخذ طريقه عائداً إلى روما بعد اليوم الأول، وكان يرتب في طريق عودته أن يقابل الإمبراطور في القسطنطينية ويقدِّم له شكواه شخصياً ولكنه لم ينجح في مسعاه.

وفي النهاية وصل كل من يوليوس وهيلاري إلى روما في منتصف شهر سبتمبر وقدَّما تقريرهما إلى البابا ليو وإلى مجمع (مكاني) كان منعقداً هناك آنذاك وقد ساعد ذلك البابا ليكسب تأييد المجمع (المكاني) في خطواته ضد مجمع عام 449م.

واعتمد ليو أيضاً (في معارضته) على التنسيق مع الشرق، فعند مغادرة هيلاري أفسس أخذ معه طلباً للاستئناف من فلافيان، كما كانت هناك أيضاً طلبات مماثلة من كل من يوسابيوس وثيؤدوريت، بل وقام أسقف دوريليم ـ ومن المحتمل ثيؤدوريت[25] أيضاً ـ بمقابلة بابا روما شخصياً من أجل هذا الأمر. وهكذا تكوَّن ائتلاف قوي ضد مجمع عام 449م مركزه روما.[26]

وأثار موت فلافيان ـ الذي حدث بعد فترة وجيزة من إدانته ـ تعاطفاً مع موقف البابا ليو وبالأخص في القسطنطينية. وكان فلافيان قد احتُجز من قبل السلطات بعد صدور قرار عزله مباشرة ثم مات بعد ذلك. وقد فسَّر المعارضون لمجمع عام 449م هذه الحادثة بعد ذلك على إنها كانت بسبب تعرضه لأذى جسدي في المجمع، هذا على الرغم من أنه لم يأتِ ذكر لمثل هذه القصة على الإطلاق في مجمع خلقيدونية.[27]

وكان البابا ليو يعتبر إغفال مجمع عام 449م للطومس الخاص به عملاً مهيناً جداً، وقد حاول محو أثره بطرق متنوعة، فبمجرد عودة الوفد الروماني إلى روما كتب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس واعترض على المجمع، ولما وجد أن الإمبراطور لم يعر الأمر أي انتباه، كتب إليه خطاباً ثانياً يطلب فيه عقد مجمع في إيطاليا، ولكن وللمرة الثانية لم يستجب ثيؤدوسيوس لطلبه.

وكان هذا الموقف متزامناً مع زيارة الإمبراطور الغربي فالنتينيان الثالث (Valentinian III) مع أمه جالا بلاسيديا (Galla Placidia) وزوجته إفدوكسيا (Eudoxia) إلى روما، وكانت زيارتهم في وقت عيد كاتدرائية ق. بطرس (Cathedra Petri)، وانتهز البابا ليو الفرصة كاملة واشتكى أمامهم أنه في زمنهم أُهين كرسي ق. بطرس بواسطة ما تم في مجمع عام 449م، وقدَّم لهم دعواه ليمارسوا تأثيرهم على بلاط الإمبراطور الشرقي ثيؤدوسيوس حتى يلغي قرارات ذلك المجمع.

واستجاب الأباطرة بالفعل وأرسل فالنتينيان وأمه جالا بلاسيديا خطاباً إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس كما أرسلت إفدوكسيا إلى بولخِريا (Pulcheria)[28]، ولكن ثيؤدوسيوس أجاب بأن قصة البابا ليو الخاصة بالمجمع تفتقر إلى الصحة.[29]

ورغم ذلك قام البابا ليو بالكتابة إلى الرهبان ورجال الدين المسيحي الذين كانوا معارضين لأوطيخا بالقسطنطينية، يحثهم على البقاء موالين ومخلصين لفلافيان. وعندما تم الإعلان عن اختيار أناتوليوس (Anatolius) ـ وهو قس من مصر ـ بطريركاً للقسطنطينية بدلاً من فلافيان، رفض ليو الاعتراف به ولكن رغم ذلك تم تنصيبه بطريركاً.

 

(ز) موت الإمبراطور ثيؤدوسيوس:

ولم يدم عدم الرضا الإمبراطوري على ليو طويلاً، فقبل مرور سنة واحدة على مجمع عام 449م سقط ثيؤدوسيوس من على جواده وتسبب ذلك في موته يوم 28 يوليو عام 450م. وبعد محاولة فاشلة لاعتلاء الابن الصغير العرش، أمسكت الأخت بولخِريا بزمام الأمور وتم الإعلان عن زوجها مركيان (Marcian) إمبراطوراً في 28 أغسطس من نفس العام.

وكانت بولخِريا امرأة ذات قدرات مميزة وعزيمة لا تُقهر، وكان لها دور عملي في إدارة شئون الدولة، حتى إنها قادت أخاها ليعمل عكس توجهه الكنسي أثناء المشكلة النسطورية.

ولكن بعد فترة حدث توتر في علاقتها مع أخيها، مما ساعد كريسافيوس كبير موظفي البلاط الإمبراطوري أن تكون له اليد العليا في الأمور في عام 441م، وقد أدى هذا إلى وجود عداوة بينها وبينه. وبعد موت أخيها، أزاحت بولخِريا هذا الرجل من طريقها بواسطة حكم بالموت صدر ضده، وقامت بنفي أوطيخا إلى شمال سوريا، كما أكدت قيادتها للأمور من خلال زوجها.

وكانت سياسة بولخِريا الكنسية في ذلك الوقت يحكمها أمران هامان.

أولاً قررت بولخِريا أن تؤيد روما في صراعها ضد الإسكندرية من أجل الوصول إلى رئاسة كاملة للكنيسة،[30] وكان هذا الأمر متوقعاً لأن عدوها كريسافيوس كان طوال الوقت مسانداً للإسكندرية.

ثانياً لم تكن بولخِريا تريد في نفس الوقت أن تترك روما تنعم بسيادتها المطلقة في الكنيسة، بل على العكس كانت ترغب في أن تزيد من هيبة وكرامة مدينتها (العاصمة) من خلال رفع وضع أسقفها إلى مستوى مساوٍ للجالس على كرسي روما نفسه. وهكذا أشاحت بولخِريا بوجهها عن الإسكندرية ورفعت روما، ولكنها كانت تخطط لرفع كرسي القسطنطينية بعد ذلك.

أما مركيان فبعد اعتلائه للعرش، كتب إلى البابا ليو معبراً عن رأيه في عقد مجمع تحت رئاسة بابا روما “من أجل التخلص من كل الأخطاء غير التقوية”.[31]

كما عملت الإمبراطورة كذلك على مساعدة البابا ليو في كفاحه من أجل إقرار ’الطومس‘ الخاص به كوثيقة لها شرعيتها وسلطتها، وقد أثمرت جهودها في 21 أكتوبر 450م حيث قام أناتوليوس أسقف القسطنطينية ـ الذي كان حتى ذلك الوقت معارضاً لطومس ليو ـ بالتوقيع على قبوله للطومس في حضور اثنين من الأساقفة واثنين من القسوس كان ليو قد أرسلهم كممثلين له، ومنذ ذلك الحين تم قبول الوثيقة (الطومس) في كل مكان.[32]

وفي هذه الأثناء أيضاً، أُعيد جسد فلافيان إلى القسطنطينية وتم دفنه بإكرام كبير. وهكذا ابتدأ التغيير في الأجواء المسيحية من خلال السلطة الجديدة، لدرجة أنه في يوم 13 أبريل عام 451م كتب ليو إلى أناتوليوس يسأله أن يحذف أسماء ديسقوروس وجوفينال وإفستاثيوس أسقف بريتوس من الدبتيخا* (diptychs) أي أنه قام بحرمانهم بسلطانه الشخصي،[33] كما طلب ليو كذلك أن تُترك له مسألة الرجال الآخرون الذين شاركوا في مجمع عام 449م ليصدر فيهم قراره.

ومن هنا نرى كيف كان البابا ليو يحكم كامل سيطرته على الموقف، وبدأ يتبنى نظرية أن البابا ديسقوروس و بعض من الرجال الجهلاء كانوا مسئولين بمفردهم عن قرارات مجمع عام 449م،[34] على أمل أن يضم الكنيسة كلها تحت سلطته العليا بدون أي مجمع أو استشارة لزملائه الأساقفة وبخاصة في الشرق.

ولكن لم تأتِ كل الأمور بالضبط كما خطط لها ليو، فباءت مجهوداته بالفشل في إثناء الإمبراطور عن فكرة عقد المجمع، وكان الإمبراطور قد أعلن عن نيته لعقد المجمع في الشرق وليس في إيطاليا كما قد طلب ليو في أيام ثيؤدوسيوس الثاني.[35]

ولكن ليو طالب بأنه ينبغي على المجمع أن يتخذ من ’الطومس‘ معياره العقيدي، وبدون السماح لأي نقاش حول الإيمان والذي قد يتضمَّن مساءلة عن الصفة الرسمية لتعليمه. ولم تجد القيادة الإمبراطورية أية صعوبة في التعهد بتحقيق مطالب ليو في هذه النقطة، بالرغم من أنها كانت لها رؤيتها الخاصة التي تبغي بلوغها من خلال المجمع.

وفي يوم 17 مايو عام 451م، صدرت الأوامر بالدعوة لعقد مجمع في نيقية المدينة التي عُقد فيها المجمع المسكوني الأول والتي كانت لها في ذلك الوقت مكانة سامية لدى كل الأطراف في الشرق.

 

[1] للاطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, p. 25)

[2] للرجوع إلى هذه التهمة انظر صفحة

[3] The rise of ihe Monophysite Movement, op. cit., p. 40.

[4] كان جالاند يتبنى هذا الرأي. انظر صفحة

[5] ACO. II, i, p. 82: 82.

[6] إذا كان ليو قد بعث برسالة خاصة إلى المجمع، فبالتأكيد كان هذا هو الوقت الذي يريد فيه المندوبون أن تتم فيه قراءة الرسالة.

[7] المرجع السابق صفحة 83: 84. كان أمر البابا ديسقوروس: “فلندع رسالة أخينا الورع وزميلنا الأسقف ليو تُعرض على هذا المجمع المسكوني المقدس”.

[8] المرجع السابق صفحة 83: 85.

[9] انظر صفحة.

[10] انظر صفحة.

[11] المرجع السابق صفحة 190-191: 958.

[12] المرجع السابق صفحة 84: 93 و99. قال البابا ديسقوروس: “إن ما حدث هو واضح وجلي، فقد طلبت مرتين من أجل قراءة رسالة أسقف روما الموقر”.

* ارجع إلى صفحة 69.

[13] المرجع السابق صفحة 118: 303.

[14] هذه هي النقطة التي احتواها خطاب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس. انظر المرجع في صفحة

[15] للاطلاع على النقطة التي أثارها مندوبو روما في مجمع خلقيدونية، انظر صفحة و

[16] يذكر ميخائيل السرياني أن مجمع عام 449م “لم يقرأ الطومس حتى يحمي كاتبه من حكم الإدانة”. انظر ميخائيل السرياني صفحة 180.

[17] المرجع السابق صفحة 44. ولا يختلف ما ذكره فرند عن مجمع عام 449م وعن البابا ديسقوروس عن نفس النظرة التقليدية المؤيدة لخلقيدونية والتي ما زالت تحتاج إلى مراجعة.

[18] إن الحقيقة التي يجب أن نلاحظها هي أن أي مجمع سيقابل في الأغلب بالرفض من الذين يعارضوه.

[19] هذا الإدعاء كان قد أثاره ضد أوطيخا كل من: دُمنوس أسقف أنطاكيا (انظر المرجع صفحة) وفلافيان (انظر صفحة) وليو أسقف روما (انظر الخطابات) والسلطة الإمبراطورية (انظر الخطاب رقم 480 في Coleman-Norton، op. cit.)

[20] كان فلافيان قد كتب في خطابه إلى ليو أن أوطيخا يتبنى هذا الرأي. انظر الخطاب في:

(Der Prozess Des Eutyches, op. cit., pp. 40-44)

لمراجعة هذا الاقتباس والاقتباس الوارد في المرجع التالي، انظر نفس المرجع السابق صفحة 41. وقد علق ليو بابا روما في الطومس على موقف أوطيخا بأنه يتضمن: “أن المسيح عند الحبل به في رحم العذراء أخذ شكل الإنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”، كما زعم (ليو) أن هذا التعليم يبطل الإيمان المسيحي في التجسد والأسرار والحياة الأخرى.

[21] لقد كتب فلافيان أنه بالنسبة لأوطيخا “فإن مخلصنا يسوع المسيح قبل أن يصبح إنساناً كان طبيعتين: اللاهوت والناسوت، ولكنه بعد الاتحاد أصبح طبيعة واحدة”. ويذكر ليو في الطومس أن هذا التعليم فاسد وسخيف. ويشير مجمع خلقيدونية في إعتراف الإيمان الخاص به إلى أوطيخا ضمنياً في موضعين.

أولاً: في القول بأن هذا المجمع يقدم اعترافه في مواجهة هرطقتين، وقد أدخلت إحداهما “الاختلاط والامتزاج”، وتخيلت بلا خجل “أن طبيعة الجسد، وطبيعة اللاهوت التي للابن الوحيد قد أصبحتا بسبب هذا الاختلاط قابلتين للألم”. ثانيا: في القول بأن المجمع “يحرم أولئك الذين يتخيلون وجود طبيعتين للرب قبل الاتحاد وأنهما أصبحتا طبيعة واحدة جديدة بعد الاتحاد”.

[22] هذا الاتهام كان ليو بابا روما ينسبه لأوطيخا في كل كتاباته المتعلقة بالموضوع. وقد ذكر باسيليوس أسقف سلوكيا في مجمع خلقيدونية أنه بالنسبة لأوطيخا “يُعتبر الاعتراف بأن الله الكلمة أصبح إنساناً باتخاذه جسداً، هو اعتراف كافي ليدل على كيفية التجسد والتأنس”. انظر:

(ACO. II, i, p. 92: 167).

[23] لم ينكر أوطيخا كمال أو حقيقة ناسوت المسيح ولكنه حاول أن يثبت أنه بسبب أن هذا الناسوت كان متحداً بالله الابن فلابد أن يكون مختلفاً عن ناسوتنا.

[24] المرسوم مذكور كوثيقة رقم 459 في (Coleman-Norton،op. cit.)

[25] يحتفظ لنا (المؤرخ) زكريا الخطيب بقصة ذهاب ثيؤدوريت إلى روما في ذلك الوقت حيث اتفق على موقف موحد مع ليو بابا روما. انظر:

(Ecclesiastical History, Syriac, Book I, p. 147). 

وهناك احتمال كبير أن تكون هذه القصة قد حدثت بالفعل، وحتى إذا لم نعرها اهتماماً فعلياً، فينبغي أن نعترف بحقيقة أنه كان هناك نوعاً من التحالف الخاص بين البابا ليو وثيؤدوريت وأن ثيؤدوريت لم يكن قد أيد بعد مسألة إدانة نسطوريوس.

[26] وحيث إن روما لم تكن تحت السلطة السياسية المباشرة للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، فقد كانت لدى ليو بابا روما إمكانية التصرف بحرية في مثل هذه الأمور.

[27] يتفق جريلماير مع كادويك (Chadwick) على أن فلافيان قد مات في فبراير عام 450م وليس في أغسطس عام 449م، وأنه من المحتمل أن يكون لأناتوليوس يد في موت فلافيان. (انظر: Christ in Christian Tradition op. cit., p. 469, n. I). ومن وجهة نظر هذه الدراسة، لا تعتبر مسألة تحديد الوقت الذي مات فيه فلافيان هي الأمر الجدير بالاهتمام، ولكن ما يعنينا هنا هو السؤال عما إذا كان هناك أي أساس للإدعاء بأن فلافيان قد أُسيئت معاملته في مجمع عام 449م، وأنه قد مات بسبب الأذى الذي لحق به هناك.

والحقيقة أن الانقسام الذي أصاب الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية قد نتج عنه الكثير من المشاعر السلبية لدى كلا الجانبين حتى أننا يجب أن نتعامل مع اتهامات كل منهما للآخر بكثير من الحذر. أما بالنسبة لمجمع عام 449م، فإنه لمن العدل أن أي تعليق سلبي ضده لم يرد في محاضر مجمع خلقيدونية، لا يجب أن يأخذ أي اهتمام من الدارسين المنصفين.

[28] للاطلاع على هذه الخطابات انظر: (ACO. II, i, pp. 5-6)

[29] للاطلاع على هذه الخطابات انظر: (ACO. II, i, pp. 7-8)

[30] لقد كتبت بولخريا إلى ليو وحتى قبل موت أخيها لتعبر عن عدم موافقتها على “الخطأ الهرطوقي” الذي ارتكبه مجمع عام 449م. انظر: (Honigman, op. cit., p. 239)

[31] للاطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, pp. 10)

[32] Noted by Honigman, op. cit., p. 240.

* الدبتيخا (diptych) هو لوح يُكتب فيه قوائم القديسين (الأحياء والمنتقلين) المعتبرين أنهم في شركة إيمان الكنيسة.

[33] هذه الحادثة ذات معنى خاص جداً. انظر صفحة .

[34] وأمام المشاكل التي كان يراها ليو في مجمع عام 449م، كان يجب أن تُرتب نظرية من هذا النوع لمساندة مزاعمه البابوية.

[35] لم تكن الأجواء السياسية في ذلك الوقت تخدم مسألة إقامة مجمع عام في إيطاليا.

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

(أ) بعض الملاحظات التمهيدية:

طلب الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني ـ الذي دعا إلى عقد المجمع ـ من البابا ديسقوروس أن يتولى السلطة العليا في المجمع كرئيس،[1] وأن يكون جوفينال (Juvenal) أسقف أورشليم وثالاسيوس (Thalassius) أسقف قيصرية كبادوكيا رئيسين مشاركين معه.[2] كما أرسل الإمبراطور يطلب من البابا ديسقوروس أن يسمح لبرسوماس (Barsumas) ـ وهو أرشيمندريت من سوريا يؤيد الموقف اللاهوتي السكندري ـ بحضور المجمع،[3] وأُعلم برسوماس بهذا الأمر من خلال رسالة خطية.[4]

وكان الإمبراطور قد أعطى تعليمات لكل من إلبيديوس (Elpidius) وإفلوجيوس (Eulogius) ليحضرا المجمع كمندوبين إمبراطوريين، وكتب إلى الوالي بروكلوس (Proclus) حاكم أسيا[5] ليرسلهما من أجل هذا العمل، ثم في النهاية تم إرسال خطاب إمبراطوري إلى المجمع نفسه.[6] وهكذا قام الإمبراطور بنفسه بعمل كل الترتيبات اللازمة لعقد مجمعٍ لحل المشكلة التي نتجت عن إدانة أوطيخا.

وبينما كانت كل هذه الأحداث تتابع، كانت هناك قوة أخرى تعمل في الكنيسة لعل ثيؤدوسيوس نفسه لم يكن مدركاً لها. فقبل انعقاد المجمع في أفسس بحوالي سبعة أسابيع، كان ليو بابا روما قد أرسل خطابه (الطومس) إلى القسطنطينية واستلمه فلافيان والفريق المعارض لأوطيخا بكل رضى.

وكانت روما في ذلك الوقت تسعى بشدة لكي تثبِّت نظرية الباباوية بكونها السلطة العليا على الكنيسة كلها،[7] ولذلك قصد ليو بهذا الطومس أن يقدِّم تعليم الكنيسة المعصوم والنهائي حول شخص المسيح.[8] ومن هنا لم يكن ينظر إلى تلك الوثيقة بكونها فقط تقدم عرضاً صحيحاً للإيمان، ولكن بكونها أيضاً التعبير الوحيد الممكن عن الفهم المسيحي الصحيح لشخص المسيح، والذي يأتي وكأنه من الرسول بطرس نفسه ولا أحد غيره.[9]

وقد وضع ليو هذه الفكرة بطريقة ماكرة جداً في الطومس، وبصورة أوضح في رسالته إلى مجمع أفسس الثاني،[10] ففي الطومس أشار إلى اعتراف الرسول بطرس في قيصرية فيلبس وقال أنه بسبب هذا الاعتراف أسماه ربنا بالمطوَّب،[11] وفي رسالة ليو إلى مجمع أفسس الثاني 499م أكد أن الإمبراطور كان مهتماً أن يستشير الكرسي الرسولي ليدع بطرس نفسه يوضح ما كان يقصده في اعترافه.[12]

ومن هنا ندرك أن الدور الذي قُصد أن يقوم به هذا الطومس كان متنوعاً، فمن جهة كان مُقدماً كعرض للإيمان من أجل صالح الكنيسة، ولكن من جهة أخرى وبأهمية أكبر كان مُقدماً كوثيقة لها السلطة البطرسية.

وكان للبابا ديسقوروس دورين في هذا المجمع:

أولاً كان هو الشخص المعيَّن من قبل الإمبراطور والمكلَّف ببحث مسألة إدانة أوطيخا في ضوء الإيمان النيقاوي حسبما فهمه وأكده مجمع أفسس عام 431م.

ثانياً كان للبابا ديسقوروس قناعته اللاهوتية الخاصة النابعة من التقليد السكندري الذي نشأ فيه، ولذلك فيما يخص الخلاف بين الجانبين السكندري والأنطاكي بالنسبة لإعادة الوحدة، كان البابا ديسقوروس معارضاً للموقف الأنطاكي وكان هناك اتفاق بينه وبين الإمبراطور حول هذا الأمر.

وتحتاج هذه الحقيقة إلى مزيدٍ من التأكيد، خاصة أمام وجهة النظر التي ترى أن ديسقوروس انتهز فرصة المساندة التي كانت لأوطيخا من ابن أخيه ـ وابنه في المعمودية ـ كريسافيوس، ليهيمن أولاً على كرسي أنطاكيا ثم بعد ذلك على كرسي القسطنطينية.

وقد عبَّر بول جوبرت (Paul Goubert) في تاريخنا المعاصر عن نفس هذه الفكرة في مقالته[13]:

(Le role de Saint Pulcheri et de l’unuque Chrysaphios)، إلاّ أن الحجة التي وراء هذه النظرة تعتمد على الافتراض المُسبق بأن أوطيخا كان هرطوقياً بصورة مؤكدة، وأنه لم يكن هناك سبب (لاهوتي) وراء الموقف الذي اتخذه البابا ديسقوروس.

ويتعين علينا هنا أن نتوقف قليلاً أمام هذين الإفتراضين. ففي ضوء التفسيرات المعاصرة، يمكننا أن نلاحظ أنه قد ظهر أن تلك المزاعم الخاصة بأن أوطيخا كان هرطوقياً بصورة مؤكدة هي مزاعم من الصعب الدفاع عنها بصورة قاطعة. وقد قدم تلك الرؤية كل من توماس كامِلوت (Thomas Camelot) وبول جالتييه (Paul Galtier).

فيرى توماس أن أوطيخا لم يكن هرطوقياً، أما بول فأظهر أن ق. كيرلس السكندري لم يقر أبداً بعبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” ولا بالعبارة القريبة لها “في طبيعتين”، ويزعم جالتييه أن ذلك كان بسبب خوفه من النسطورية. وبالتالي فإذا لم يكن أوطيخا هرطوقياً (بصورة مؤكدة)، وإذا كان ق. كيرلس قد تجنب عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” انطلاقاً من خوفه من النسطورية، فإن هذا يدعونا لأن نظهر تعاطفاً ـ إن لم يكن تقديراً ـ أكبر بكثير مما أظهرناه قبلاً، من جهة تقييمنا للفكر اللاهوتي للبابا ديسقوروس الخلف المباشر للبابا كيرلس.

وبالنسبة لمجمع أفسس الثاني عام 449م، كان هناك قراران من قراراته بالإضافة إلى مسألة إغفال طومس ليو قد أثاروا ثلاثتهم مشاكل كبيرة. وسنقوم هنا بفحص تلك النقاط الثلاثة بدون الدخول في عرض التاريخ التفصيلي للمجمع.

 

(ب) تبرئة أوطيخا:

عقد مجمع أفسس الثاني أولى جلساته يوم 8 أغسطس عام 449م بحضور حوالي 150 أسقفاً،[14] وقد أخذ البابا ديسقوروس المكان الأول بكونه الرئيس الرسمي الأعلى وبابا الإسكندرية، وبعد البابا ديسقوروس وعلى الترتيب جلس كل من يوليوس أسقف بيوتيولي (Julius of puteoli) ممثلاً لكرسي روما، وجوفينال (Juvenal) أسقف أورشليم، ودومنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا، وفلافيان (Flavian) أسقف القسطنطينية.[15]

وفور دعوة المجمع للانعقاد، قُرئت عليهم المراسيم التي أصدرها الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني في دعوته للمجمع، وبعد ذلك وجَّه المجمع اهتمامه إلى توضيح الإيمان. وافتتح ثالاسيوس (Thalassius) الحديث[16] ووافقه يوليوس ممثل بابا روما، وهنا حاول إلبيديوس (Elpidius) أن يوجِّه المجمع إلى أنه ينبغي أن يتم الإقرار بالإيمان أولاً، ثم تُقرأ بعد ذلك وقائع مجمع القسطنطينية (المكاني) لكي ما يمكن تحديد إذا ما كانت مسألة إدانة أوطيخا مبررة في ضوء هذا الإيمان أم لا.

ورد البابا ديسقوروس على ذلك قائلاً إن الإمبراطور قد دعا المجمع للانعقاد، ليس من أجل تحديد الإيمان ـ لأن هذا قد تم بالفعل بواسطة الآباء ـ وإنما من أجل فحص ما قد حدث، لكي ما نرى إذا كان هذا الأمر يندرج ضمن إيمان الآباء، ثم تساءل ديسقوروس: “أو هل ترغبون أن نضع إيمان الآباء جانباً؟”.[17]

وهنا صاح المجمع: “إذا وضع أي أحد إيمان الآباء جانباً ليكن أناثيما (محروماً)، وإذا تطفل أي أحد عليه فليكن أناثيما. ونحن سوف نحفظ إيمان الآباء”. وعندئذ أوضح ديسقوروس أنه كان يشير في ذلك إلى قانون إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس عام 431م، وكانت استجابة المجمع: “إن هذا يحمي العالم. إن هذا يؤكد الإيمان”.[18]

وأضاف ديسقوروس: “بالرغم من أننا نذكر مجمعين (أي نيقية وأفسس)، إلاّ إنهما قد أكدا نفس الإيمان”، ورد المجمع: “لقد حدد الآباء كل شيء بالكمال، ومن يتعدى ذلك فليكن أناثيما”.[19] وعندما أشار ديسقوروس إلى أنه لا ينبغي تعدي الإيمان النيقاوي لأي سبب على الإطلاق، استجاب المجمع بقوله: “رئيس الأساقفة ديسقوروس، حارس الإيمان العظيم!”.

واقتبس البابا ديسقوروس ما جاء في (ا صم 25:2) قائلاً إن الروح القدس كان مع الآباء، ولذلك فكل من يتعدى على الإيمان فإنه يستخف بنعمة الروح القدس، وهنا صاح المجمع “إننا كلنا نؤيد هذا القول، فمن يتعدى (الإيمان) فليُطرح خارجاً”. وأضاف ديسقوروس: “لا أحد يمكن أن يضع صيغة جديدة” فأجاب المجمع “تلك هي كلمات الروح القدس، هذا هو حامي القوانين، ومن خلالك يحيا الآباء (بيننا)، هذا هو حارس الإيمان!”.[20]

ومن الواضح أن هذا المشهد برمته كان يهدف إلى التأثير على أعضاء المجمع بأن الجانب الأنطاكي كان يتجاهل مجمع أفسس عام 431م. ولذلك كان هناك الكثير من الجدل الدائر حول هذه الهتافات.

وعندما تم توضيح الإيمان بهذه الطريقة، اقترح إلبيديوس أن يُستدعى أوطيخا،[21] فلما أتى طمأنه كل من ثالاسيوس وجوفينال بأن العدل سيأخذ مجراه في قضيته.[22]

وهنا أحال أوطيخا دعوى الإستئناف (الإلتماس) إلى المجمع، فتم قبول الدعوى بناءً على اقتراح ستيفن (Stephen) أسقف أفسس[23] وتمت قراءتها على المجمع.[24] وكان الإلتماس يحتوي بعد المقدمة على قانون إيمان نيقية، وقد ذهب إلى التأكيد بأن مقدم هذا الإلتماس يؤمن ويقر به (أي بقانون الإيمان) وأنه اعتمد (أي نال العماد) فيه وأنه يحفظه إلى هذا اليوم.

وذكر أوطيخا أن هذا الإيمان قد تم إقراره وتأكيده في مجمع أفسس، وأنه قد استلم نسخة من قرارات ذلك المجمع أرسلها إليه البابا كيرلس. وأضاف أوطيخا أنه يقبل كل الآباء بما في ذلك الحاضرين في المجمع، كما أنه يحرم كل الهراطقة: ماني وفالنتين وأبوليناريوس ونسطوريوس وغيرهم رجوعاً إلى سمعان الساحر، ويحرم بالأخص هؤلاء الذين يقولون إن جسد ربنا وإلهنا يسوع المسيح قد نزل من السماء.[25]

وبعد ذلك قدم أوطيخا عرضاً تفصيلياً عن إدانته في مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م، واختتم دعواه بالتعبير عن ولائه لقانون إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس عام 431م،[26] بما يتضمنه ذلك من الرؤية السكندرية لإعادة الوحدة عام 433م.

وصورة دعوى أوطيخا كما عرضناها هنا هي مأخوذة من محاضر جلسات مجمع أفسس الثاني عام 449م التي تم عرضها أمام مجمع خلقيدونية. وهي لا تحتوي على جملتين حاسمتين كانتا ضمن اعتراف أوطيخا الذي ألحقه بدعواه التي أرسلها إلى ليو بابا روما بعد مجمع القسطنطينية المكاني.[27] وهاتان الجملتان هما اللتان كانتا بالضبط بعد عبارة أوطيخا التي يحرم فيها الذين يقولون إن جسد ربنا وإلهنا يسوع المسيح قد أتى من السماء.

وهنا يصبح السؤال عن كيفية ترك هاتين الجملتين في خلقيدونية، سؤالاً ذو أهمية خاصة. فمن غير الممكن أن يكون أوطيخا نفسه هو الذي استبعدهما من دعواه التي قدَّمها إلى مجمع عام 449م، والأكثر من ذلك أن واحداً من البراهين التي ساقها البطريرك ساويروس الأنطاكي ـ والذي كان يعتبر أوطيخا هرطوقياً ـ في دفاعه عن تبرئة مجمع عام 449م لأوطيخا، أن الراهب العجوز قد قدَّم (للمجمع) اعترافاً للإيمان لا يستحق اللوم على الإطلاق، بل وقد أشار البطريرك ساويروس إلى هاتين الجملتين ’بالرغم من أنهما غير موجودتين في كتابات أوطيخا كما قد وصلت إلينا‘.[28]

ونحن في الحقيقة لدينا سنداً واضحاً في محاضر مجمع خلقيدونية نستطيع من خلاله أن نجيب على التساؤل المطروح، ففي عام 451م عندما وصلت قراءة اعتراف أوطيخا إلى العبارة التي يحرم فيها الذين يقولون أن جسد ربنا يسوع المسيح قد أتى من السماء، تدخل يوسابيوس أسقف دوريليم الذي قام باتهام أوطيخا ـ والذي كان بالتأكيد قد رأى الوثيقة (من قبل) ـ وقال إن أوطيخا “قد استبعد أن يكون الجسد ’من السماء‘ ولكنه لم يحدد من أين”.[29]

وهذه النقطة بعينها هي التي كان أوطيخا في الحقيقة قد أجاب عنها بوضوح تام في الجملتين التاليتين، ولكن يوسابيوس قدَّم تعليقه في اللحظة الصحيحة وأحدث جدلاً في المجمع،[30] وعندما انتهى ذلك الجدل واستؤنفت القراءة، واصلوا القول ببساطة بأن أوطيخا كان متمسكاً بإيمان نيقية، وبأن يوسابيوس قد اتهمه أمام فلافيان.[31]

وأمام هذه الحقائق، لا يمكننا أن نتجاهل الاستنتاج بأنه: بما أن هاتين الجملتين كانتا تحتويان على رد أرثوذوكسي على التهمة التي وجهها يوسابيوس لأوطيخا، فلابد أن تكونا قد استبعدتا عن عمدٍ في مجمع كان يتحرك منذ البداية على الافتراض بأن أوطيخا كان هرطوقياً حقيقياً.[32] وهاتان الجملتان هما: “لأنه، الذي هو كلمة الله، نزل من السماء بدون جسدٍ وصار جسداً من ذات جسد العذراء بلا أي تغيير أو تحويل، وبطريقة هو نفسه يعرفها ويريدها.

والذي هو إله كامل على الدوام قبل كل الدهور، صار أيضاً في آخر الأيام إنساناً كاملاً من أجلنا ومن أجل خلاصنا”.

وبعيداً حتى عن هاتين الجملتين، فإن الراهب قد أوضح كما قد رأينا أن جسد ربنا ـ بالنسبة له ـ قد أُخذ من العذراء بالحقيقة والكمال. ولكن ينبغي أن نرى أهمية هاتين الجملتين من زاوية أخرى: فالجملة الأولى هي بالفعل محاولة ناجحة للحفاظ على تأكيد نيقية على التجسد، والجملة الثانية تتضمن الفكرة التي وراء التأكيد على وحدانية المسيح معنا في ذات الجوهر.

ونعود إلى وقائع مجمع أفسس الثاني، فعندما انتهت قراءة إلتماس أوطيخا، طلب فلافيان أنه من الواجب أيضاً أن يُسمع ليوسابيوس بوصفه المدعي على أوطيخا،[33] ولكن إلبيديوس المندوب الإمبراطوري رد عليه بقوله إن يوسابيوس، بوصفه أحد القضاة الذين حكموا على أوطيخا، قد عبَّر عن وجهة نظره في الموضوع، وبالتالي فإن السؤال الذي ينبغي فحصه الآن بواسطة المجمع هو: هل كانت هيئة القضاة صائبة (في قراراها) أم مخطئة؟.[34]

وتأكيداً على وضع المجمع بكونه له صلاحية النقض، طلب إلبيديوس محاضر جلسات مجمع القسطنطينية المكاني لكي تُقرأ، ومع ذلك سأل البابا ديسقوروس الحاضرين أن يعبروا عن رأيهم في قبول قرار المندوب الإمبراطوري، وهنا تحدث ثمانية عشر أسقفاً مرحبين بهذا الطلب كان منهم على الترتيب جوفينال أسقف أورشليم وستيفن أسقف أفسس وثالاسيوس أسقف قيصرية وديوجينيس أسقف سيزيم،[35] وقد أعلن المجمع “كلنا نريد أن تُقرأ محاضر الجلسات”.[36]

وفي هذه الأثناء سأل البابا ديسقوروس مندوبي روما بالتحديد ليعبروا عن رأيهم في الأمر، فأعلن يوليوس موافقته على هذه الخطوة شريطة أن تُقرأ رسائل البابا ليو (بابا روما) أولاً،[37] وطالب هيلاري أيضاً بقراءة رسالة بابا روما. وهنا اعترض أوطيخا بأن وفد روما كان في جانب فلافيان في خلافه معه، ولذلك فهو لا يتوقع منهم الإنصاف.[38]

وفي هذا السياق، أعطى ديسقوروس قراره بأن تُقدم محاضر جلسات المجمع المكاني إلى المجمع أولاً وبعد ذلك تُقرأ رسالة بابا روما.[39]

واستمع المجمع لكل محاضر جلسات مجمع القسطنطينية المكاني، وفي النهاية سأل البابا ديسقوروس المجتمعين ليعطوا حكمهم فيما يخص أوطيخا.[40] وهنا تكلم جوفينال أسقف أورشليم ودومنُس أسقف أنطاكيا وستيفن أسقف أفسس وثالاسيوس أسقف قيصرية ويوسابيوس أسقف أنقرة وديوجينيس أسقف سيزيم وخمس آخرين معترفين ومقرين بأرثوذوكسية أوطيخا، وكان هؤلاء ضمن مئة وأحد عشر رجلاً صوتوا لصالح تبرئة الراهب العجوز،[41] ولم يعبِّر أي صوت عن معارضته للأمر.

وبمجرد أن أعلن المجمع عن تبرئته لأوطيخا، تقدَّم الرجال ورهبان الأديرة الذين كانوا مناصرين لأوطيخا بإلتماس إلى المجمع يطلبون فيه تبرئتهم حيث كان فلافيان قد حرمهم هم أيضاً.[42] وبعد تعهدهم ببقائهم مخلصين لإيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع عام 431م، وبعد سماع رأي دومنُس أسقف أنطاكيا وثالاسيوس أسقف قيصرية ويوسابيوس أسقف أنقرة وستيفن أسقف أفسس، وكذلك بعد أخذ رأي المجمع كله، تمت تبرئتهم جميعاً.[43]

 

(ج) إدانة فلافيان ويوسابيوس وآخرين:

كان مجمع عام 449م قد شرع في مناقشة أمر فلافيان ويوسابيوس في سياق قراءته لمحاضر جلسات مجمع أفسس عام 431م التي قضت بإدانة وحرمان نسطوريوس.[44] فبعد قراءة هذه المحاضر، علق البابا ديسقوروس بقوله: كانت هذه هي الطريقة التي أكدَّ بها الآباء إيمان نيقية، ثم سأل المجمع ليعبِّر عن وجهة نظره نحو هذا الإيمان.[45]

فبدأ ثالاسيوس الكلام ضمن ستة عشر رجلاً أعربوا عن موافقتهم التامة (على الطريقة التي فسَّر بها مجمع عام 431 م إيمان نيقية) كان من بينهم مندوبا روما يوليوس وهيلاري،[46] كما أعلن المجمع أن جميع الحاضرين يقبلون ذلك.[47] وفي هذا السياق علق البابا ديسقوروس بأن فلافيان ويوسابيوس قد ناقضا هذا الإيمان، وطلب من المجمع أن يعبِّر كل واحد من الحاضرين منفرداً عن رأيه بخصوصهما.[48]

وعلى الرغم من صراخ كل من فلافيان وهيلاري الرافض لهذا الأمر،[49] تكلم كل من جوفينال ودومنُس وثالاسيوس ويوسابيوس أسقف (Ancyra) وستيفن أسقف أفسس معلنين أن فلافيان ويوسابيوس قد تجاوزا إيمان نيقية،[50] وبعد هؤلاء أيد تسعة وثمانون آخرون الحكم معبرين عن وجهة نظرهم كل بمفرده.[51]

وهكذا وبهذه الطريقة أعاد مجمع عام 449م أوطيخا إلى رتبته وأدان كل من فلافيان ويوسابيوس. وبعيداً عن الدفاع عن هذه القرارات ينبغي علينا أن نتساءل عن الأساس (اللاهوتي) الذي بنى عليه المجمع قراراته تلك. وفي الحقيقة كان يوسابيوس أسقف دوريليم ـ كما سنرى ـ قد أكد في مجمع خلقيدونية أن مجمع أفسس الثاني اعتبر هرطقة أوطيخا (تعاليماً) أرثوذوكسية، كما قام بحرمه هو وفلافيان.

وقد استمر كثيرون على مدى التاريخ المسيحي يكررون نفس وجهة نظر يوسابيوس، ولكن الحقيقة التي يمكن أن نراها بوضوح من خلال القصة التي أوردناها هي أن مجمع عام 449م قد أقر (أو صدَّق على) الموقف اللاهوتي الذي كان قد تبناه مجمع عام 431م في إدانته لنسطوريوس، وفي ضوء ذلك الموقف قرر تبرئة أوطيخا من ناحية وحرم فلافيان ويوسابيوس من الناحية الأخرى.

أي أن مجمع أفسس الثاني عام 449م قد دافع عن الرؤية السكندرية لإعادة الوحدة 433م في مواجهة الفهم الأنطاكي لها والذي كان يتبناه مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م.

ولجريلميير (Grillmeier) رأي في هذا الموضوع، حيث يعتبر أن مجمع أفسس الثاني عام 449م قد أخطأ في تبرئتة أوطيخا لأنه لم يتمسك بالموقف اللاهوتي الكيرلسي بمعناه المضبوط، فعلى سبيل المثال قبل أوطيخا عبارة “من طبيعتين” تحت الضغط فقط كما أنه أعطاها تأويلاً خاطئاً.[52]

والقول بأن أوطيخا قبل عبارة “من طبيعتين” تحت الضغط فقط لا يمكن إثباته من خلال أي من أقوال أوطيخا الخاصة، ولكن كونه قد أعطاها تحريفاً خاطئاً يمكن التدليل عليه من واقع عبارته التي قالها في المجمع المكاني والتي أكد فيها على “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد.

والحقيقة البسيطة هنا هي أن أوطيخا لم يكن يفهم الفكرة التي وراء عبارة “من طبيعتين” ولذلك أخذ كلمة ’ من‘التي في العبارة بمعنى زمني يتضمن ’ قبل‘و’بعد‘. ومع ذلك فبرغم أن  ليو بابا روما قال عن تلك العبارة أنها “سخيفة وفاسدة”، إلاّ أنه لا المجمع المكاني ولا مجمع عام 449م رأى فيها الفكرة التي رأها بابا روما، فمجمع القسطنطينية المكاني لم يعلق على تلك العبارة مما جعل بابا روما يعبر عن دهشته من ذلك.[53]

كما أن مجمع عام 449م ـ متتبعاً رأي البابا ديسقوروس ـ أفاد بأنها مقبولة،[54] وهذان المجمعان، اللذان كانا يقودهما الفكر الكنسي الشرقي، لم يجدا في كلمات أوطيخا غير ما يشدد عليه السكندريون وهو بالتحديد أن المسيح المؤلف “من طبيعتين” هو “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وفي الحقيقة كان هذا المفهوم هو ما أوضح أوطيخا نفسه في إحدى جمله الشفهية  أنه هو كل ما كان يعنيه.[55]

لذلك فبعيداً عن الدفاع عن أوطيخا بأكثر مما يستحقه، يمكننا القول أن تقييم بابا روما للرجل كان متأثراً بنقص فهمه للتقليد السكندري، كما أن رأي جريلميير في أوطيخا لم يكن إلا محاولة رؤية موقف (لاهوتي) في شخص ـ غير متمرس على اللاهوتيات ـ من الجائز ألا يكون قد قصد التمسك به بالمرة.

ومع ذلك نحن لا نجد في قرار تبرئة أوطيخا ـ وحتى مع التسليم بأنه قد تم على أساس الموقف اللاهوتي الذي تبناه مجمع عام 431م ـ أن مجمع أفسس الثاني قد تعامل مع مسألة ’ وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا‘ بشكل جيد. وحقيقة أن الفكرة التي وراء العبارة يمكن إيجادها في اعتراف أوطيخا، لم تكن كافية لتبرير صمت المجمع تجاه هذا الموضوع، وخاصة حينما قُريء على المجمع ما دار حول هذا الموضوع في القسطنطينية عام 448م من خلال محاضر الجلسات.

وحيث إننا نجد التأكيد على ’ وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا‘ عند كل من البابا كيرلس والبابا ديسقوروس، فالسبيل الوحيد لتفسير هذا الأمر هو أن نقول أن المجمع في معارضته الشديدة لموضوع “طبيعتين بعد الاتحاد” ـ والتي أكد مجمع عام 448م أنه أمر أساسي للحفاظ على الأرثوذوكسية ـ لم يعط الاهتمام الكافي لمناقشة موضوع ’وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا‘.

وتُظهر محاضر جلسات كل من المجمع المكاني عام 448م، ومجمع أفسس الثاني عام 449م أن الأرثوذوكسية هي في الحفاظ على قانون إيمان نيقية بالطريقة التي فسره وفهمه بها مجمع أفسس عام 431م، ولكن هذه الكلمات لم تكن تعني نفس الشيء عند كليهما.

فمجمع القسطنطينية عام 448م ـ متبعاً في ذلك الجانب الأنطاكي ـ كان يقبل مجمع أفسس عام 431م فقط بالقدر الذي وافقت عليه صيغة إعادة الوحدة عام 433م، أما مجمع أفسس الثاني عام 449م، فتمشياً مع التقليد السكندري، كان يؤكد على قبول مجمع عام 431م بكامله. فأي الموقفين كان ينبغي للكنيسة أن تتبناه؟ هذا هو السؤال الذي كان يحتاج إلى إجابة.

وفي نفس ضوء مفهومه الخاص قام مجمع أفسس الثاني عام 449م في جلساته التالية بمناقشة حالات كل من إيباس أسقف الرها، ودانيال أسقف (Carrhae) وإيريناؤس أسقف صور وأكويلينيوس أسقف بيبلوس وصفرونيوس أسقف كونستنتينا وثيؤدوريت أسقف قورش ودومنُس أسقف أنطاكيا.[56]

وكل هؤلاء الرجال ـ سواء كانوا مساندين لنسطوريوس أم لا ـ كانوا يؤيدون الفهم الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م، وهذا الأمر من وجهة النظر السكندرية هو نتيجة الاهتمام بالدفاع عن تعليم نسطوريوس دون شخصه، ولذلك حاول مجمع عام 449م أن يحطم ذلك تماماً فحرم كل المذكورين أعلاه بتهمة موالاتهم للنسطورية. ومن بين هؤلاء الرجال سيأخذ كل من إيباس وثيؤدوريت منا بعض الاهتمام فيما بعد.

 

 

[1] للإطلاع على خطاب ثيؤدوسيوس لديسقوروس انظر: (ACO II, i, pp. 68-69: 24).

[2] المرجع السابق صفحة 74: 52.

[3] المرجع السابق صفحة 71: 48.

[4] المرجع السابق صفحة 72: 49.

[5] المرجع السابق صفحة 73: 50.

[6] المرجع السابق صفحة 73-74: 51.

[7] كان البابا إنوسنت الأول (Innocent I) (402م – 417م) قد ادعى السلطة العليا (لكرسي روما على الكنيسة) في رسالة إلى مجامع أفريقيا، حيث كتب فيها: “إنه لمن دواعي الحرص واللياقة أن تسترشدوا بأسرار الكرسي الرسولي وأعني هنا الكرسي الذي يرعى كل الكنائس وخاصة فيما يتعلق بمناقشة الأمور المتصلة بالإيمان. وأعتقد أن كل الأخوة والأساقفة يجب أن يجعلوا القديس بطرس هو مرجعيتهم الوحيدة فهو صاحب ومؤسس كرسيهم. انظر:

(H. Burn-Murdoch, The Development of The Papacy, Faber and Faber, 1954, pp. 213-214).

وقد قدَّم نفس ذلك الإدعاء أيضاً القس فيليب (Philip) أحد المندوبين الرومانيين الثلاثة في مجمع أفسس عام 431م، فبعد أن تسلم المجمع خطاب البابا كلستين (Coelestine)

قال فيليب: “إنه لا يوجد شك لدى أي واحد، ولكن على العكس هو ثابت ومعروف في كل العصور أن ق. بطرس المطوب جداً رئيس وهامة الرسل وعمود… قد استلم من ربنا يسوع المسيح… مفاتيح الملكوت وله أُعطي سلطان حل وربط الخطايا، وأنه هو حتى ذلك اليوم وبدون انقطاع مازال يحيا ويحكم من خلال خلفائه” انظر:

 (Jalland, The Church and The Papacy, S. P. C. K., 1944, P 298) 

[8] كان جالاند يعبر عن وجهة النظر التي ترى أن الطومس كان مكتوبا أولاً “كمرشد لأولئك المسئولين عن فحص مسألة أوطيخا في القسطنطينية أو في أي مكان آخر”، ولكن فيما بعد “لم يتردد ليو في أن يشير إلى الطومس باعتباره المقياس النهائي للأرثوذكسية”. انظر:

(Life and Times …., op. cit. p. 302) 

ولكن هذه الفكرة تتناقض مع الطومس نفسه، ودليلنا على ذلك أنه في أثناء كتابة الوثيقة نفسها كان ليو قد خطط أن يُدخل فيها نظرية السلطة الباباوية (على كل الكنيسة) وذلك من خلال اعتبار أنه يقدم للكنيسة شرح صحيح للإيمان وكأنه يأتي من الرسول (بطرس) نفسه.

[9] هناك دلائل قوية تؤكد قولنا إن إدعاءات ليو في نظرية السلطة الباباوية كانت بالفعل تحتل مساحة كبيرة من تفكيره. فعندما أعطى ثيؤدوسيوس الثاني أوامره بعقد مجمع لتسوية موضوع أوطيخا، لم يكن ليو يريد عقد ذلك مجمع في إشارة ضمنية بكون الطومس كافياً لتقديم الإرشاد الضروري في القضية. انظر الخطاب في: (ACO. II, i, p. 45:10).

وبعد مجمع أفسس الثاني عام 449م وعندما رأى أن خطته لم يُكتب لها النجاح، حاول ليو أن يبذل كل ما في وسعه ليعقد مجمعاً في إيطاليا ليكون تحت سيطرته فيستطيع أن يزيح جانباً قرارات مجمع عام 449م.

(انظر الخطابات التي أُرسلت إلى ثيؤدوسيوس وإلى أفراد العائلة الإمبراطورية: المرجع السابق صفحة 1:3؛ 5: 2 و5-6: 3؛ و6: 4 و25-27: 12). ولكن عندما مات ثيؤدوسيوس وجلس مركيان على العرش، لم يكن ليو حريصاً على عقد المجمع (انظر الخطاب إلى مركيان: N. & P. N. F, sec. ser. vol. XII, pp. 66 – 67). وعلاوة على ذلك فمنذ أن كتب ليو الطومس وبعثه إلى الشرق، حاول أن يستخدم كل نفوذه وتأثيره حتى يجعل هذا الطومس مقبولاً بدون أن أي نوع من الجدل.

وتظهر وجهة نظر ليو في اثنين من خطاباته بالإضافة إلى الطومس والخطاب الموجَّه إلى مجمع عام 449م. وقد كتب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس ضد مجمع عام 449م يقول: “إن أساقفة روما يقومون منذ البداية بإرشاد مجامع الكنيسة لتتمسك بالحق من أجل السلام ولكيلا يسمحوا لأي أحد بإفساده” (انظر الخطاب في: ACO. II, i, p. 3:1). وفي خطابه إلى ثيؤدوريت أسقف قورش تحدث ليو عن نفسه كرئيس للبطريرك ديسقوروس (انظر: N& PNF, sec. ser. op. cit., pp. 87– 90).

فإذا وافقنا على أن كل تلك الدلائل تنتمي إلى مرحلة متأخرة من الجدل (حول نظرية الباباوية)، فسنتأكد من حقيقة أن النظرية البابوية كانت في فكر ليو منذ البداية، ولذلك فعند كتابته للطومس لم يكن غرض ليو هو فقط التعبير عن وجهة نظره اللاهوتية وتقديمها للكنيسة ولكنه أراد في ذلك الصراع الدائر أن يقدم توجيهه الصادر من رأس الكنيسة الأعلى في المسكونة.

ومن هنا يجب علينا أن نعترف بأن تقييم ليو للبابا ديسقوروس وللجانب غير الخلقيدوني كان متأثراً بتحامله في الأمور اللاهوتية من ناحية وبادعاءاته في السلطة الباباوية من الناحية الأخرى.

[10] كان جالاند يرى أن ذلك الخطاب كان مكتوباً في الأصل إلى جماعة النبلاء في القسطنطينية. انظر: (Life and Times ….، op. cit. p. 228)

[11] راجع هذه الفكرة في الطومس (ACO. II, i, p. 16). ويعتقد جريلماير أن الاعتراف حسبما ورد في إنجيل ق. متى هو أكثر دلالة من الناحية اللاهوتية من الأناجيل الأخرى. انظر: (Christ in Christian Tradition ,op. cit., p. 10)

[12] للإطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, pp. 43-44).

[13] انظر المقالة في: (Das Konzil von Chalkedon, op. cit. vol. I)

[14] ورد في المرجع (ACO. II, i, pp. 78-82) أسماء 135 مندوباً، وقد تضمن هذا العدد الخمسة قسوس الذين كانوا يمثلون الأساقفة الغائبين. لمراجعة هذا العدد انظر:

(E. Honigman, Byzantium vol. XVI, Fase. 1, 1942-43, and Juvenal …., op. cit., p 233).

[15] في مجمع عام 431م وفي غياب أساقفة روما ـ عند دعوة المجمع للانعقاد ـ وكذلك في غياب كل من نسطوريوس أسقف القسطنطينية ويوحنا أسقف أنطاكيا، أصبح جلوس جوفينال أسقف أورشليم بعد القديس كيرلس مباشرة. وقد يكون هذا ما دعا مجمع عام 449م لأن يتبع نفس الموقف السابق متجاهلاً أسبقية كل من القسطنطينية وأنطاكيا.  وكما سنرى فيما بعد في صفحة وصفحة فإن هذا التصرف كان مرضياً جدا لجوفينال.

[16] ACO. II, i, p. 86:116.

[17] المرجع السابق صفحة 86-87: 119.

[18] المرجع السابق صفحة 88: 136-137.

[19] المرجع السابق صفحة 89: 141-142.

[20] المرجع السابق صفحة 89: 143-148.

[21] المرجع السابق صفحة 89: 151.

[22] المرجع السابق صفحة 90: 153-154.

[23] المرجع السابق صفحة 90: 156.

[24] لمراجعة التماس أوطيخا كما قُرئ في مجمع خلقيدونية من محاضر جلسات مجمع أفسس الثاني عام 449م، انظر المرجع السابق صفحة صفحة 90-91: 157؛ صفحة 92: 164؛ صفحة 94-95: 185. وقد تمت مقاطعة قراءة الالتماس مرتين ولذلك فإن الوثيقة بكاملها لم تُقدم بشكل متصل، ولا حتى وهي تُعرض في مجمع خلقيدونية.

[25] المرجع السابق صفحة 92: 164.

[26] المرجع السابق صفحة 96: 185.

[27] تم ذكر التماس أوطيخا في صفحة.

[28] تناول البطريرك ساويروس الأنطاكي هذه النقطة في خطابين على الأقل من خطاباته الباقية، وهما بالتحديد: خطابه إلى سرجيوس الطبيب والفيلسوف، وخطابه إلى الإخوة الأرثوذكس في مدينة صور. للإطلاع على هذين الخطابين باللغة السريانية مع ترجمة انجليزية انظر:

 (Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 264-65, 266-67

[29] ACO. II, i, p. 92:165).

[30] للرجوع إلى ذلك الجدل الذي ثار، انظر المرجع السابق صفحة 92-94: 165-184.

[31] المرجع السابق صفحة 94: 185.

[32] لقد ذكرنا من قبل كيف أن أوسابيوس كان منذ البداية يسير على الافتراض بأن أوطيخا كان بالفعل هرطوقياً. وقد تبنى قادة مجمع خلقيدونية أيضاً نفس التوجه بالنسبة لهذا الراهب.

وكمثال على ذلك، عندما تمت قراءة رسالة ق. كيرلس الثانية إلى نسطوريوس وصيغة إعادة الوحدة (من خلال محاضر جلسات المجمع المكاني كما سجلها مجمع عام 449م)، قام أساقفة إيليريكم بالتعبير عن إجلالهم لكيرلس. ولكن مندوبو الإمبراطور قاموا بتغيير أجواء المناقشات وتساءلوا كيف يمكن أن يتم تبرئة أوطيخا وهو لم يقبل صيغة إعادة الوحدة. انظر:

(ACO. II, i, pp. 111-112: 247-259).

[33] المرجع السابق صفحة 96: 186.

[34] المرجع السابق صفحة 97: 197.

[35] المرجع السابق صفحة 97-99: 199-215.

[36] المرجع السابق صفحة 99: 216.

[37] المرجع السابق صفحة 99: 217-219. ومن الواجب علينا أن نذكر أنه لم يكن هناك عضو واحد أيد مندوبي روما في تلك النقطة.

[38] المرجع السابق صفحة 99: 220.

[39] المرجع السابق صفحة 99: 221.

[40] المرجع السابق صفحة 182: 883.

[41] المرجع السابق صفحة 182-186: 884-886. ومن الجدير بالذكر أنه جوفينال أعطى حكمه في هذه اللحظة بأنه (أي أوطيخا) كان أرثوذوكسياً جداً.

[42] للاطلاع على الالتماس انظر المرجع السابق صفحة 186-188: 887-888.

[43] المرجع السابق صفحة 188-189: 889-910.

[44] المرجع السابق صفحة 189: 911-942.

[45] المرجع السابق صفحة 189-190: 943.

[46] المرجع السابق صفحة 190-191: 944-960.

[47] المرجع السابق صفحة 191: 961.

[48] المرجع السابق صفحة 191: 962.

[49] المرجع السابق صفحة 191: 963-964.

[50] المرجع السابق صفحة 192: 966-970.

[51] المرجع السابق صفحة 192-194: 972-1067.

[52] يذكر جريلماير في (Christ……, op. cit., p. 458) أن أوطيخا قبل عبارة “من طبيعتين” تحت الضغط، وهذا الرأي مبني على شهادة واحد من أعضاء المجمع. انظر صفحة.

[53] جاء ذكر ذلك في الطومس.

[54] ACO. II, i, p. 143: 528-529.

وعندما تمت قراءة العبارات التي قالها أوطيخا من محاضر جلسات مجمع عام 448م، قال ديسقوروس: ” نحن نقر جميعاً بهذه الأمور”، ورد المجمع كله: “نعم نقر بها”.

[55] للاطلاع على هذه العبارة انظر صفحة وما يليها.

[56] وقائع هذه الجلسات مذكورة في نسخة سريانية مع ترجمة ألمانية في:

(Akten der Ephesinischen Synode Rom Jahre 449, ed. Johannes Fleming, Berlin, 1917. S.G.F)

وهناك ترجمة إنجليزية للنسخة السريانية مذكورة في:

(Perry, The Second Synod of Ephesus, Dartford. 1875 – 81).

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

مجمع القسطنطينية المكاني 448م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

مجمع القسطنطينية المكاني 448م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

مجمع القسطنطينية المكاني 448م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: مجمع القسطنطينية المكاني 448م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

كانت خلفية الصدام السابق في الشرق، هي التي بنى عليها مجمع القسطنطينية المكاني إدانته لأوطيخا (Eutyches) كهرطوقي.

(أ) بعض الملاحظات التمهيدية:

لقد أقَّر علماء اللاهوت أن أوطيخا لم يكن لاهوتياً بأي شكل من الأشكال، ولكنه كان فقط راهباً متقدماً في العمر، على قدر من الحصافة والذكاء وذو سلطة في بعض الدوائر الرهبانية في العاصمة، ولكن العلماء مع ذلك لم يذكروا شيئاً عن أثر ما وصفوه عن أوطيخا على ما تم من أحداث. وكان أوطيخا قد ادعى بحكم صداقته للبابا كيرلس، أنه استلم من اللاهوتي السكندري العظيم نسخة من قرارات مجمع أفسس عام 431م وأنه احتفظ بها منذ ذلك الحين.[1]

وكان أوطيخا مؤيداً قوياً للجانب السكندري داخل العاصمة.[2] وبكونه رئيس دير أيوب، الكائن بالحي السابع من المدينة، كان يقود أكثر من ثلاثمائة راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عاماً.[3] وبواسطة ابنه في المعمودية ـ وابن أخيه ـ كريسافيوس (Chrysaphius) كبير موظفي البلاط الإمبراطوري، كان لأوطيخا وصولاً مباشراً للبلاط.

وفي الوقت الذي كان فيه الجو الكنسي في الشرق مشحوناً بالتنافس بين الجانبين السكندري والأنطاكي، كان حماس أوطيخا المفرط للجانب السكندري يُقابل بمعارضة شديدة من الأنطاكيين، بل وقد ساهم هذا الأمر في زيادة حدة التوتر القائم.

وسوف نناقش في السطور القادمة السؤال الخاص بالسبب والكيفية التي تمت بها إدانة أوطيخا، ولكن ما يجب علينا أن نذكره هنا هو أنه في ضوء الرأي القائل بأن أوطيخا لم يكن في الحقيقة هرطوقياً* (بالمعنى المعروف)، ينبغي أن يتغير تقييمنا لفلافيان الذي رأس مجمع القسطنطينية المكاني، وكذلك ليوسابيوس أسقف دوريليم الذي قام باتهام أوطيخا ولم يدخر جهداً حتى تم له في النهاية تحطيم عدوه بواسطة مجمع خلقيدونية.

وإذا رجعنا إلى فلافيان، فسوف نلاحظ أنه شخص من الصعب تصنيف انتمائه، فهو لم يكن بالقطع شخصية سيئة ولكن الحقيقة أنه قد أُدخل عنوة في النزاع على غير رغبته بواسطة يوسابيوس.

ومن جهة التقييم اللاهوتي له، نستطيع القول أنه إذا كان اعتراف الإيمان الذي قدَّمه فلافيان إلى الإمبراطور بعد المجمع المكاني يمثل موقفه الفعلي فلا يكون لأي لاهوتي سكندري سبب للنزاع معه،[5] لأنه كان قد أقر فيه ليس فقط مصطلح “من طبيعتين” و مصطلح “هيبوستاسيس (أقنوم) واحد” ولكنه أقر أيضاً بالعبارة السكندرية “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

أما يوسابيوس أسقف دوريليم، فلم يترك وراءه أي اعتراف مسجل للإيمان، وإذا كان هو ذلك الشخص الذي اعترض وتحدى نسطوريوس عام 428م، فلا يمكن أن يكون أنطاكياً متعصباً. وفضلاً عن ذلك وفي إحدى اللحظات الحرجة في مجمع خلقيدونية، أخذ يوسابيوس جانب الوفود الشرقية في المطالبة بتبني العبارة المقبولة لدى البابا ديسقوروس في الصيغة الخاصة بالمجمع.[6]

وكان يوسابيوس مدرساً للبلاغة ومحامياً في القسطنطينية بين عامي 428م و431م، وكان بطبعه مقاتلاً مختبراً ومجادلاً بلا مبادئ. وبحسب كلمات جالاند (Jalland) كان أسقف دوريليم “تتملكه معظم الصفات التي تكوِّن المتعصبين الدينين والمضطهِدين”[7]، كما وصفه دوشيسين (Duchesene) بأنه “رجل ذو مزاج عنيد ومشاكس”.[8]

ولأن يوسابيوس كان أسقف دوريليم التي تقع داخل بطريركية القسطنطينية، فقد كان معتاداً أن يزور العاصمة لأجل أشياء تتعلق بالكنيسة، وفي هذه المناسبات كانت تُتاح له فرص مقابلة أوطيخا والدخول في جدالات لاهوتية مع ذلك الراهب العجوز.[9]

 

(ب) اتهام أوطيخا بواسطة يوسابيوس أسقف دوريليم:

إن أغلب الكوارث لها بدايات بسيطة. هذه المقولة حقيقية جداً بالنسبة للخلاف الذي أدى إلى مجمع خلقيدونية وما تبعه من شقاق في الكنيسة الشرقية. فقد بدأت تلك الأحداث في مناقشة لاهوتية بين أسقف مجادل متعنت وراهب عجوز ليست لديه غير إمكانية التأثير على بلاط الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني ولكنه لا يعوَّل عليه في أي مناقشة لاهوتية متسقة.

وفي يوم 8 نوفمبر عام 448م، وبينما كان فلافيان بطريرك القسطنطينية جالساً في حجرة الضيافة في أسقفيته حيث اجتماعه المعتاد مع أساقفة كرسيه، عرض يوسابيوس أسقف دوريليم ادعاءً ضد أوطيخا يتهمه فيه بأنه يتمسك بأفكار تتعارض مع إيمان آباء نيقية وأفسس ويروج لها، وقد طالب يوسابيوس بأن يُستدعى الراهب أوطيخا للدفاع عن نفسه.[10]

وبدلاً من أن يتعجب البطريرك من هذه التهمة غير المتوقعة، نصح فلافيان يوسابيوس بأن يقابل الراهب بصفة خاصة ويسوي الخلاف الذي بينهما. ولكن يوسابيوس أصر على رأيه، فاقترح الأساقفة الآخرون أن يُقبل طلبه ويتم ارسال وفد مكون من القس يوحنا (John) والشماس اندراوس (Andrew) للراهب أوطيخا لاستدعائه.

وهكذا بدأ المجمع المكاني جلساته التي امتدت من 8 إلى 22 نوفمبر واشترك فيها كل الأساقفة الاثنين والثلاثين. وانقسمت تلك الجلسات إلى فترتين زمنيتين، في الفترة الأولى منها استُدعي الراهب أوطيخا ليمثل أمام المجمع للدفاع عن نفسه، وعندما رفض تمت دعوته ثلاث مرات،[11] أما الفترة الثانية فبدأت بحضور أوطيخا في الجلسة السابعة للمجمع، وكان مصحوباً بحامية عسكرية هائلة على رأسها النبيل فلورينتيوس (Florentius) كمندوب رسمي عن الإمبراطور،[12] وعندئذ ابتدأت رسمياً محاكمة أوطيخا.

وكانت جلسة المجمع الأولى يوم 12 نوفمبر، وفي ذلك اليوم دخل الأساقفة في مناقشة طويلة لتوضيح طبيعة الإيمان الذي ينبغي اتخاذه قاعدة للحكم في مسألة أوطيخا. وقُرئت رسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطوريوس، وكذلك صيغة إعادة الوحدة، وأكَّد المجمع المكاني أن مجمع نيقية، ومجمع أفسس وبالأخص البابا كيرلس السكندري، قد حفظا الإيمان وأنه ينبغي على مجمعهم (المكاني)  أن يتمسك بهذا الإيمان بإخلاص.[13]

وبعدما تم الاتفاق على المعيار العقائدي للمجمع، كانت الجلسة الثانية يوم 15 نوفمبر،[14] وطلب المجمع فيها من القس يوحنا والشماس اندراوس أن يعطيا تقريراً عن مقابلتهما مع أوطيخا، فقال يوحنا: إن الراهب أنكر كل ما وجه إليه من إتهامات الهرطقة؛ واعتبر يوسابيوس عدواً قديماً؛ كما عبَّر عن قبوله لمجمعي نيقية وأفسس؛ وأكَّد أنه “بعد تجسد الله الكلمة، أي بعد ولادة ربنا يسوع المسيح، فإنه يعبد (بكونه) طبيعة واحدة وهي طبيعة الله المتجسد الذي صار إنساناً”.[15]

وأضاف يوحنا أن أوطيخا قد ضحك على اتهامه بأنه يعتقد أن جسد ربنا قد نزل من السماء؛ ولم يعترف أوطيخا بأن ربنا يسوع المسيح كان متحداً هيبوستاسياً (أقنومياً) من طبيعتين على أساس أن هذا (في رأيه) لم يكن تعليم الآباء؛ وقد أقر أن المسيح كان إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً، ولكنه أصر على أن الجسد الذي أُخذ من مريم لم يكن واحداً في ذات الجوهر (consubstantial) معنا.

وطبقاً لهذا التقرير، فإن أوطيخا كان يقبل إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس، وكان هذا أيضاً هو الموقف الذي زعم المجمع المكاني أنه يتبناه، ولكن لأن أوطيخا كان ينتمي للجانب السكندري فقد أكد أن المسيح هو طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة.

إلاّ أن التقرير رغم ذلك ادعى عليه أمرين: أولاً أنه رفض أن هناك اتحاد لطبيعتين، وثانياً أنه رفض الإقرار بأن المسيح هو واحد في ذات الجوهر معنا، ويُعتبر الأمر الأول مناقض للحقيقة لأن أوطيخا كان دائم التأكيد على اتحاد الطبيعتين، أما الأمر الثاني فله ما يؤيده (كما سنرى) ولكن أوطيخا قبل التراجع عنه بعد بعض التردد.

وفي نفس هذا اليوم (15 نوفمبر) وجَّه المجمع دعوة ثانية لأوطيخا بواسطة اثنين من القسوس هما ماماس (Mamas) وثيؤفيلس (Theophilus)[16]، وعاد الإثنان يخبران أن أوطيخا اعتذر عن الاستجابة متعللاً بأنه مريض وبأنه قد نذر ألاّ يبرح الدير، فأرسل المجمع يستدعيه للمرة الثالثة بواسطة القس ممنون (Memnon) والقس إبيفانيوس (Epiphanius) والشماس جرمانوس (Germanos).

واجتمع المجمع مرة أخرى في يوم 16 نوفمبر،[17] وحضر الأرشيمندريت أبراهام (Abraham) مصحوباً بثلاثة من الشمامسة ليخبر المجمع أن أوطيخا مريض بالفعل وأنه قد أرسله ليرد بالنيابة عنه على التهم الموجهة إليه. ولكن هذا الأمر لم يكن من الممكن السماح به، فحاول أوطيخا نفسه أن يرسل اعترافاً مكتوباً بالإيمان عن طريق ذلك الوفد ولكن دون فائدة.

وبعد فترة توقف، عقد المجمع جلسة أخرى يوم 20 نوفمبر، وفيها أبدى القس ثيؤفيلس بعض الملاحظات ـ والتي يبدو أنها بُنيت على مقابلته مع أوطيخا ـ حيث قال أن أوطيخا تساءل “في أي الأسفار، ينبغي أن نجد تعبير ’طبيعتين‘؟”.[18]

وشهد ثيؤفيلس أن أوطيخا أقر أن المسيح كان إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً، ولكنه في نفس الوقت رفض أن يقر بالطبيعتين أو أن يناقش مسألة طبيعة الله.[19]

 

[1] Acta Conciliorum Oecumenicorum (ACO), Walter de Gruyter & Co., 1933, II, i, p. 91.

[2] إن حماسة أوطيخا ضد نسطوريوس قد ذُكرت في خطاب ليو بابا روما يوم 1 يونيو 448م. انظر (المرجع السابق صفحة 241: 2). وكان دُمنوس الأنطاكي قد اشتكى بالفعل بأن أوطيخا كان تابعاً لأبوليناريوس.

[3] Honigman, Juvenal of Jerusalem, op. cit., p. 230.

* هناك فرق كبير بين الحكم على أوطيخا بأنه لم يكن هرطوقياً وبين الحكم بإدانة الهرطقة المعروفة بالأوطيخية، لأنه من خلال استعراض كل ما قاله أوطيخا بنفسه ـ كما سيظهر لنا فيما بعد ـ سنجد أن الأفكار المتضمنة في تلك الهرطقة المعروفة باسمه لم تكن في الحقيقة من صنعه هو ولكنها في أغلب الظن كانت من صنع آخرين غيره ثم نُسبت إليه.

 

[5] للرجوع لهذا الاعتراف انظر: (ACO, II, i. p. 35) حيث يقول: “نحن نعلن أن ربنا يسوع المسيح مولود من الله الآب بلا بداية…..، وهو من أجلنا من أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء…، آخذاً جسداً وروحاً عاقلاً؛ وهو إله كامل وإنسان كامل، له ذات الجوهر الواحد مع الأب فيما يخص اللاهوت، و….. له ذات الجوهر الواحد معنا فيما يخص الناسوت. ولهذا نعترف أن المسيح هو ’من طبيعتين‘ بعد التجسد…..، ونؤكد أنه هو مسيح واحد، وابن واحد، ورب واحد، في هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد. وبالتالي فنحن لا نرفض الاعتراف بأنه طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد والمتأنس، لأنه واحد من كلتيهما، وهو نفسه ربنا يسوع المسيح”.

وكان البابا ديسقوروس قد قبل عبارة “من طبيعتين بعد التجسد” انظر صفحة . وقد أخذ الكتّاب غير الخلقيدونيين رسالة فلافيان تلك (بالمقارنة مع موقفه في المجمع المكاني) كدليل على ازدواجية (أو نفاق) الرجل من ناحية، ومن الناحية الأخرى كدليل على حقيقة أن عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” كانت مناقضة للتقليد الأرثوذكسي الراسخ. انظر ميخائيل السرياني:

 Chronique De Michael Le Syrian, ed. Chabot, J.B., Paris, 1910, vol, IV (Syriac), p. 184

[6] انظر صفحة .

[7] Jalland, op. cit., p. 215.

[8] The Early History of the Church, John Murray, 1924, vol. III p. 280

[9] بالرغم من أن يوسابيوس شهد بأن أوطيخا هو صديقه القديم، أشار الراهب إلى الأسقف بكونه عدوه القديم. انظر: (ACO. II, i, p. 124 para 359)

[10] للرجوع لهذا الإدعاء انظر: (ACO. II, i, pp. 100-101 paras 225 and 230)

ولا يحتوي هذا الإدعاء على أية تهم محددة ضد المتهم . وقد أشار جالاند أيضا إلى هذه الحقيقة. أنظر (op , cit, p. 219).

ولكي نتتبع تاريخ المجامع الثلاثة 448م، 449م، 451م إعتمدنا على:

(Eduards Schwartz, Acta Conciliorum Oecumenicorum, op. cit.,

وهذا العمل يحتوى على وقائع جلسات المجمع المكاني عام 448م بنفس النص الذي ذكرت به في وقائع جلسات مجمع عام 449م والتي تم تقديمها أمام مجمع خلقيدونية 451م. وفي بعض المرات القليلة سوف نشير إلى:

(Mansi , Sacrorum Conciliorum Nova Et Amplicissima Colletico – Florence  1759 – f, Venice 1769 – f).

وعند قراءة ذلك الادعاء في مجمع عام 449م من خلال وقائع جلسات مجمع 448م، قام الأساقفة بمقاطعة القراءة لكي يعبروا عن تقديرهم لكيرلس وديسقورس، وصرخوا قائلين: “الذكرى الخالدة لكيرلس”، “ديسقورس وكيرلس لهما نفس الإيمان وهذا ما يعتقده المجمع كله”. وقد عبَّر يوليوس مندوب روما أيضا عن موافقته بقوله: “وهذا ما يراه الكرسي الرسولي”، وصاح المجمع كله أيضا: “وهذا ما يعتقده أيضا المجمع المسكوني”.

[11] يقول شفارتز أن أوطيخا كان مجرد راهب، ولهذا فلم يكن مستحقاً أن يُرسل لاستدعائه ثلاث مرات: (Der Prozess Des Eutyches, op. cit., p. 64). ويعد هذا تعبير عن وجهة نظر الغرب التي يجب أن يعاد تقييمها.

[12] Jalland, op. cit., p. 215.

 

[13] ACO. II, i, pp. 103-111: 238-246; p. 113: 270-71, pp. 117-118: 301-302, 307-308; pp. 121-22: 342-46; pp. 122-23: 348-353.

ومن الجدير بالذكر أن المجمع لم يشر إلى مجمع القسطنطينية عام 381م. كما لم ترد فيه أيضاً أية إشارة لحرومات ق. كيرلس، بالرغم من أنه في الوقت نفسه تم التمسك بوضوح بمجمع أفسس وبالقديس كيرلس السكندري. وبعبارة أخرى فإن هذا المجمع لم يذهب إلى أبعد من التفسير الأنطاكي لصيغة إعادة  الوحدة عام 433م.

[14] لمراجعة أحداث هذا الاجتماع انظر المرجع السابق (pp. 123-26: 354-379)

[15] المرجع السابق صفحة 124 (أسطر 24-26). ويُذكر أن أوطيخا قال: “بعد أن أصبح إنساناً، أي بعد أن ولد ربنا يسوع المسيح، فإننا نعبد الله الكلمة كطبيعة واحدة وهي بالتحديد طبيعة الله الذي أصبح متجسداً”.

[16] أحداث هذا الاجتماع مسجلة في المرجع السابق (ACO. pp. 126-296: 380-404)

[17] المرجع السابق صفحة 129-131: 404-406.

[18] المرجع السابق صفحة 136: 451. وقد تساءل أوطيخا “في أي من الكتب المقدسة ورد ذكر مصطلح ’طبيعتين‘؟ أو أي من الآباء تحدث عن الله الكلمة بأن له طبيعتين؟

[19] قال أوطيخا “لا يسمح الله أن أقول أبدا أن المسيح له طبيعتين، أو أن أجادل في طبيعة إلهي”.

مجمع القسطنطينية المكاني 448م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

Exit mobile version