عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثالث: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج3

(ج) إدانة أوطيخا وتبرئة فلافيان ويوسابيوس:

إن الطريقة التي نجح بها مجمع خلقيدونية في الوصول إلى هذه القرارات ـ وحتى دون الشعور بالحاجة إلى فحص الأساس الذي عليه اتخذ مجمع عام 449م حكمه العكسي ـ هي بالفعل أمر مثير للدهشة.

وكان إلتماس أوطيخا قد قُرئ على مجمع خلقيدونية من خلال محاضر مجمع أفسس الثاني، وعندما جاء الجزء الذي أكد فيه الراهب الإيمان النيقاوي،  قال المدعي عليه (يوسابيوس): إنه كان يكذب، وعلَّق ديوجينيس[1] (Diogenes of Cyzicum) بأنه ينبغي على أوطيخا أن يبرهن على أرثوذوكسيته بأن يقبل الإضافات التي وضعها الآباء على القانون النيقاوي من أجل مقاومة الأبولينارية،[2] ولكن الوفود الجالسة على الجانب الأيمن اعترضت بشدة على كلام ديوجينيس.

 واستؤنفت القراءة حتى وصلت إلى الجزء الذي يعبِّر فيه أوطيخا عن رفضه لأولئك الذين يقولون “إن جسد ربنا وإلهنا يسوع المسيح قد نزل من السماء”، وهنا علَّق أسقف دوريليم بأن أوطيخا قد تجنب (كون الجسد) “من السماء” ولكنه لم يحدد من أين هو،[3] وعندئذ أشار ديوجينيس أيضاً إلى أن أوطيخا ليست لديه إجابة مرضية على هذا السؤال.[4]

وأفاد باسيليوس أسقف سلوكيا بقوله: بالنسبة لأوطيخا، يُعتبر التأكيد المجرد بأن الله الكلمة صار إنساناً باتخاذه جسداً، هو كافياً للاعتراف بالتجسد،[5] وعلى الفور قال البابا ديسقوروس إن كلمات باسيليوس (عن مفهوم أوطيخا) إنما هي من عنده لأنه لا يوجد في محاضر جلسات مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م أي دليل مُسجل لذلك، وبالرغم من ذلك أضاف البابا ديسقوروس: “إذا كان أوطيخا يتمسك بأفكار لا تقرها عقائد الكنيسة، فإنه يستحق ليس العقاب فقط وإنما حتى النار.

ولكن اهتمامي هو بالإيمان الرسولي الجامع، وليس بأي إنسان أياً كان”.[6] ومرة أخرى لم يرد أحد على النقطة التي أثارها البابا ديسقوروس.

وتتضمن النقطة السابقة ثلاثة ملاحظات. أولاً: إن المفهوم الذي نسبه باسيليوس لأوطيخا كان في الحقيقة مفهوماً هرطوقياً. ثانيا: لم يكن البابا ديسقوروس يرى أن هناك دليلاً في محاضر جلسات مجمع عام 448م يثبت أن أوطيخا كان بالفعل يعلم بهذا التعليم. ثالثاً: كانت وجهة نظر البابا ديسقوروس أن الأمر الحقيقي الذي أمام المجمع ليس هو أوطيخا وإنما ما يتضمنه إيمان الكنيسة.

ولا يمكن أن تُفهم كلمات البابا ديسقوروس هذه بأنها كانت تقدم “حرماً مشروطاً” ضد أوطيخا كما يذكر سيلرز،[7] ولكنها كانت لتثير الشك في نوعية المنهج الذي تبناه المجمع.

وبدأ باسيليوس أسقف سلوكيا ـ وبدون الإلتفات إلى كلمات البابا ديسقوروس ـ في الإقرار بإيمانه قائلاً: “أنا أعبد ربنا الواحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، الله الكلمة، الذي صار معروفاً ’في طبيعتين‘ بعدما أصبح متجسداً وصار إنساناً”.[8]

وقد سببت هذه العبارة بعض الإضطراب في خلقيدونية، ولكن ممثلو الإمبراطور تجاهلوا ذلك وسألوا باسيليوس عن كيف اشترك وهو يتمسك بهذا الموقف في حرم طيب الذكر فلافيان؟،[9] فأجابهم باسيليوس بأنه بالرغم من كونه قد قبل حكم مجمع يتكون من مئة وعشرين أو وثلاثين أسقفاً إلاّ إن فلافيان من وجهة نظره لم يُحرم على حق.

وهنا كان الفريق الشرقي ـ الذي أظهر بالفعل إذعانه، واتهم البابا ديسقوروس بأنه جمع توقيعات على أوراق خالية من الكتابة ـ جاهزاً لكي يكمل الموضوع بالصورة المناسبة، ولذا صاحوا قائلين: “لقد أخطأنا جميعاً، ونسأل الصفح والغفران”.[10]

وكان هذا في الحقيقة شيئاً زائداً لم يستطع حتى ممثلو الإمبراطور أن يقبلوه ولذلك سألوهم: “ألم تشْكوا من أنكم أُجبرتم على التوقيع على قرار حرم فلافيان على أوراق بيضاء خالية من الكتابة؟”،[11] فأجابوا بنفس العبارة: “لقد أخطأنا جميعاً، ونسأل الصفح والغفران”.[12] وهكذا اعتذروا عن موافقتهم على حرم فلافيان، وكذلك عن تلفيق قصة الأوراق الخالية من الكتابة، ولكنهم ساعدوا على إفساح الطريق أمام تبرئة فلافيان ويوسابيوس.

ووقعت حادثة ثانية في نفس الاتجاه، اتصلت بقراءة صيغة إعادة الوحدة من محاضر جلسات المجمع، حيث أظهر المندوبون الذين من إيليريكم (Illyricum) إعجابهم بالقديس كيرلس قائلين ” نحن أيضاً نؤمن كما يؤمن كيرلس، وذكرى كيرلس تبقى إلى الأبد”، وفي هذا السياق صرح ثيؤدوريت أسقف قورش أن من يؤمن بأن هناك ’ابنين‘ فليكن محروماً، وأعلن الشرقيون أن ليو بابا روما يقبل صيغة إعادة الوحدة كما يقبلها أيضاً كل من فلافيان ويوسابيوس.

وهنا تساءل ممثلو الإمبراطور: كيف يتم تبرئة أوطيخا الذي لا يعترف بصيغة إعادة الوحدة، وحرمان فلافيان ويوسابيوس اللذان يقبلانها؟. وحيث إن صيغة إعادة الوحدة لم تكن لها حتى هذه اللحظة أية سلطة قانونية مجمعية، فإن سؤال ممثلي الإمبراطور كان يعني ضمنياً الوضع المتسبب في الشقاق بين الجانبين السكندري والأنطاكي (وهو تفسير كل من الجانبين لصيغة إعادة الوحدة بطريقة مختلفة). وهنا طلب البابا ديسقوروس أن تستمر قراءة محاضر الجلسات.[13]

ومن الجدير بالذكر أن ممثلي الإمبراطور استطاعوا التوصل إلى تبرئة فلافيان ويوسابيوس من خلال خطأ واضح ارتكبه إفستاثيوس (Eustathius) أسقف بريتوس أثناء محاولته الدفاع عن الموقف السكندري.

فأثناء مجمع أفسس الثاني عام 449م، وبعد قراءة صيغة إعادة الوحدة مباشرة من محاضر مجمع عام 448م، علق إفستاثيوس بأنه ينبغي من أجل الفهم الصحيح لموقف ق. كيرلس اللاهوتي أن تؤخذ أيضاً في الاعتبار رسائل ق. كيرلس إلى أكاكيوس أسقف ميليتين (Acacius of Melitene) وفالريان أسقف أيقونيوم (Valerian of Iconium) وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية (Succensus of Diocaesarea).[14]

وكانت وجهة نظر إفستاثيوس الواضحة أن صيغة إعادة الوحدة ليس لها السلطة أو المرجعية التي زعمها مجمع عام 448م، وقد أصر أنه ليس شرعياً أو قانونياً أن نقِّر مسألة ’الطبيعتين‘ على أساس صيغة إعادة الوحدة، لأن ق. كيرلس الذي كان يمثل الجانب السكندري في إعادة الوحدة عام 433م، لم يتبنى هذه الفكرة وقد أوضح ذلك تماماً في رسائله تلك، ومن هنا دفع إفستاثيوس بأن الموقف اللاهوتي الكيرلسي كان لا يزال (في عام 433م) متمسكاً بصيغة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”،[15] ومقراً بشهادة المطوَّب أثناسيوس.

وعندما قُرئت هذه الفقرة في مجمع خلقيدونية، صاح الفريق الشرقي “إن أوطيخا يقول نفس هذه الأشياء، وديسقوروس أيضاً يقول هذه الأشياء!”، وهنا قال البابا ديسقوروس: “نحن لا نتكلم عن اختلاط ولا انفصال ولا تغيير. وليكن كل من يقول بالاختلاط أو التغيير أو الامتزاج محروماً”.[16]

ورغم أن هذه الكلمات قد أسكتت الفريق الشرقي، إلاّ إن ممثلي الإمبراطور سألوا: هل الموقف اللاهوتي الذي أشار إليه إفستاثيوس موجود بالفعل في رسائل ق. كيرلس القانونية التي قُرئت على المجمع.[17] ويُظهر كل من هتاف الفريق الشرقي وكذلك تساؤل ممثلي الإمبراطور عن رسائل ق. كيرلس القانونية، أن قادة مجمع خلقيدونية كانوا رجالاً يؤيدون الفهم الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وكان التحدي المتضمَّن في تساؤل ممثلي الإمبراطور قد أثار إفستاثيوس، فقام ـ وبدون حتى أن يدرك مغزاهم الحقيقي ـ بإعطائهم كتابات ق. كيرلس التي من الواضح أنها كانت معه، وقال: “انظروا إلى كتابات كيرلس، فإذا كان كلامي خطأ فليكن محروماً”.[18]

وساند الأساقفة المصريون إفستاثيوس فشجعه هذا أن يكمل كلامه قائلاً: إنه ليس شرعياً أو قانونياً أن نقِّر موضوع ’الطبيعتين‘، فنحن ينبغي علينا أن نقول فقط ’طبيعة واحدة متجسدة‘. ومع ذلك أضاف إفستاثيوس: “إذا كان هناك إنسان يؤكد على ’طبيعة واحدة‘ لكي يتجنب (حقيقة) جسد المسيح الذي هو واحد في ذات الجوهر معنا، فليكن أناثيما، وكذلك أيضاً من يتكلم عن ’الطبيعتين‘ لكي يقسِّم ابن الله فليكن أناثيما”.

وإلى هنا كان إفستاثيوس قد دافع عن الموقف السكندري بصورة جيدة، وكان عليه أن يتوقف عند هذا الحد وبالتالي لن تكون مسألة تبرئة فلافيان ويوسابيوس بالأمر اليسير، ولكن أسقف بريتوس استمر بغير حذر ليقول أن فلافيان قد قبل المفهوم الكيرلسي وأنه قدَّم ما يفيد ذلك إلى الإمبراطور.[19]

وهنا حصل ممثلو الإمبراطور على ما يريدونه، فتساءلوا: إذا كان فلافيان أرثوذوكسياً فلماذا تم حرمه؟، وبلا تفكير رد الأسقف باضطراب “لقد أخطأت”. ولم يضيع ممثلو الإمبراطور أي وقت، بل طالبوا على الفور من الوفود الحاضرة أن يفيدوهم إذا كان فلافيان أرثوذوكسياً لم لا؟.

وعندئذ أوضح مندوبو روما وأناتوليوس أسقف القسطنطينية ومكسيموس أسقف أنطاكيا وثالاسيوس أسقف قيصرية ويوسابيوس أسقف أنقرة وإفستاثيوس نفسه أن وجهة نظرهم هي أن فلافيان كان أرثوذوكسياً، وصاح الأساقفة الشرقيون “إن الشهيد فلافيان كان متمسكاً بالإيمان القويم”.

ولكن البابا ديسقوروس طلب قراءة محاضر الجلسات لكي يرى المجمع أن فلافيان قد أصر على “طبيعتين بعد الإتحاد”،[20] كما حاول البابا ديسقوروس عبثاً أن يوضح حقيقة الأمور ولكن لم تكن هناك أي استجابة.

وفي هذه الأثناء ابتدأ جوفينال أسقف أورشليم ـ والذي كان حتى هذه اللحظة يقف بثبات في جانب البابا ديسقوروس ـ يتذبذب في موقفه، وقد أخبَّر جوفينال أن كلاً من صيغة إعادة الوحدة وعبارة فلافيان التي أشار إليها إفستاثيوس متشابهتان، ولكن الحقيقة أن كلتا الوثيقتين لم تحتوي على عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” التي طُلب من أوطيخا أن يقِّر بها في مجمع عام 448م، وهكذا أخطأ جوفينال بنفس الطريقة التي تصرف بها إفستاثيوس.

ومع ذلك فقد نقل هذا الخلط في الأمور جوفينال ومساعدوه إلى الجانب المنتصر، وقد تم الترحيب بهم بعبارات مثل “إن الله أرشدكم حسناً. أهلاً بكم”، وبعد ذلك تبع هذه المجموعة أسقف كورنثوس وعدد من الآخرين.[21]

وأمام هذا التقلص الواضح في مؤيديه، تكلم البابا ديسقوروس مفيداً بأن فلافيان قد أُدين بسبب قوله “طبيعتين بعد الإتحاد”، وأن لديه (أي البابا ديسقوروس) فقرات من كتابات الآباء القديسين أثناسيوس وغريغوريوس وكيرلس تحظر استخدام صيغة ’طبيعتين‘ وتقنِّن فقط صيغة ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘، وأضاف بأن فلافيان قد تم إبعاده بواسطة الآباء. وأكمل البابا ديسقوروس قائلاً: “أنا أقف مع الآباء في تعاليمهم، ولن أتجاوزها في شيء”.[22]

ولكن في ظل جو المجمع المضطرب في تلك الأثناء، لم تجد كلمات البابا ديسقوروس أي صدى لها، واستُؤنفت قراءة المحاضر. وجاء في تلك المحاضر عن لونجينوس أسقف (Chersones) أنه أصَّر في مجمع عام 448م على صيغة ’من طبيعتين بعد الاتحاد‘،[23] فأبدى البابا ديسقوروس موافقته قائلاً: “أنا أقبل ’من طبيعتين‘، ولكني لا أقبل ’طبيعتين‘”.[24]

ومرة ثانية عندما قال يوليوس أسقف (Cios) إنه لا ينبغي أن نتعدى إيمان نيقية وأفسس، ولكننا يجب علينا جميعاً أن نعترف بالابن الواحد ربنا يسوع المسيح بكونه طبيعتين في ’بروسوبون‘ واحد، أوضح البابا ديسقوروس موقفه بأنه يرى أن يسوع المسيح ليس هو طبيعتين بعد الاتحاد.[25]

ويتبين من القصة السابقة أن البابا ديسقوروس حاول أن يجعل موقفه واضحاً، فقد قاوم صيغة “طبيعتين بعد الإتحاد” ولكنه لم يكن لديه اعتراض على صيغة ’ من طبيعتين بعد الاتحاد‘، ولذلك فهو لم يكن يؤيد ما يقوله أوطيخا عن ’طبيعتين قبل‘ و ’طبيعة واحدة بعد‘ الاتحاد. وهكذا فقد تمسك البابا ديسقوروس بالتقليد السكندري على أساس مجمعي نيقية وأفسس، ساعياً ـ وبلا أي حلول وسط ـ أن يجعل المجمع يتجه إلى القضية الحقيقية.

وحيث إنه حتى هذه اللحظة لم يكن التقليدان المتعارضان السكندري والأنطاكي قد توصلا إلى موقف لاهوتي متفق عليه بينهما، فإن للبابا ديسقوروس كل الحق في التمسك بموقفه، ولكن من المؤسف حقاً أن مجمع خلقيدونية لم يعر ما قاله البابا ديسقوروس أي اهتمام على الإطلاق.

 

(د) حكم ممثلي الإمبراطور:

وتمت قراءة كل محاضر جلسات مجمع عام 449م التي تخص تبرئة أوطيخا وإدانة فلافيان ويوسابيوس، على مجمع خلقيدونية. وقبل أن ينتهي المجمع، بل وحتى من قبل أن يبدأ المجمع، كان ممثلو الإمبراطور قد توصلوا إلى قرارهم بأن فلافيان ويوسابيوس قد أُدينا بلا مبرر وأن أوطيخا لم يكن يستحق التبرئة. وهنا أعطوا حكمهم، الذي حددوا فيه مَن الذي ارتكب الجريمة في مجمع أفسس الثاني عام 449م، وكان منطوق هذا الحكم هو:[26]

“ديسقوروس أسقف الإسكندرية، وجوفينال أسقف أورشليم، وثالاسيوس أسقف قيصرية كبادوكية، ويوسابيوس أسقف أنقرة، و إفستاثيوس أسقف بريتوس، وباسيليوس أسقف سلوكيا ـ هؤلاء هم الرجال الذين كانوا بالفعل مسئولين عن قرارات مجمع أفسس الثاني، وبالتالي ينبغي عزلهم جميعاً”.

وكانت معاقبة هؤلاء الأساقفة بسبب أنهم اتحدوا معاً واستخدموا مجمع عام 449م ليحرموا فلافيان ويوسابيوس اللذين أظهرا أرثوذكسيتهما بقبولهما صيغة إعادة الوحدة، وكذلك ليبرئوا أوطيخا الذي تعدى على الإيمان برفضه صيغة إعادة الوحدة. ومع ذلك لم يُذكر في الحقيقة طومس ليو، ولا أشار مندوبو روما إليه.

ورغم أنه بالنسبة لروما كانت هذه الرسالة العقائدية للبابا تمثل القياس المعياري للإيمان، إلاّ أن الأباطرة أعطوهم المفتاح بأن هذا الطومس يمكن أن يجد سنداً له في التقليد من خلال صيغة إعادة الوحدة.

وكان حكم ممثلي الإمبراطور له دلالة خاصة، فقد اعترف بأن القرارات في مجمع عام 449م كانت تتسم بأنها صادرة عن المجمع (وليست قرارات فردية). وكان مندوبو روما ويوسابيوس أسقف دوريليم ومؤيدوهم من الوفود الشرقية قد سعوا ليثبتوا النظرية ـ التي من المحتمل أن يكون البابا ليو هو مصدرها ـ التي تقول أن البابا ديسقوروس قام بفرض قراراته التعسفية بالقوة على مجمع عام 449م، ولكن حكم ممثلي الإمبراطور لم يصدِّق على وجهة نظرهم.

 

(هـ) المجمع يختتم جلسته الأولى:

وبمجرد أن أعلن ممثلو الإمبراطور حكمهم، حتى استقبله الفريق الشرقي الذي على الجانب الأيسر بهتافات الاستحسان وصاحوا قائلين: “هذا حكم صائب”، غير أن أساقفة إيليريكم والرجال الذين على الجانب الأيمن التمسوا من أجل الرحمة قائلين “قد أخطأنا جميعاً، وكلنا نحتاج للصفح”، ومع ذلك داوم الفريق الشرقي على صياحه بأنه لا رحمة لديسقوروس.[27]

وقبل أن تصل الجلسة الأولى إلى نهايتها، طلب ممثلو الإمبراطور من كل واحد من الحاضرين أن يأتي إلى الجلسة القادمة ومعه بيان مكتوب عن الإيمان، مع الوضع في الاعتبار أن إيمان الإمبراطور يتفق مع قانون الثلاثمائة والثمانية عشر (بنيقية)،[28] وما أقره المئة والخمسون (بالقسطنطينية)،[29] وأيضاً مع تعليم باسيليوس وهيلاري وأثناسيوس وأمبروسيوس، ومع رسالتي كيرلس القانونيتين اللتين قُدمتا وقُبلتا في مجمع أفسس الأول،[30] وكذلك مع طومس ليو.

ومن الواضح من هذه العبارة أن ممثلي الإمبراطور كانوا يشيرون إلى موقف الأباطرة فيما يخص الإيمان ويطلبون بمكر من الأساقفة أن يكونوا متفقين مع ذلك.

 

[1] كان ديوجينيس أيضاً هو أحد الشخصيات القيادية في مجمع عام 449م، وقد أعطى صوته (صوّت) في قرارين هامين من قرارات المجمع وقدم تعليقاً عليهما (انظر المرجع السابق صفحة 98: 204، صفحة 183: 884)، كما أنه اتفق مع الآخرين على بقية القرارات.

وحيث إنه في خلقيدونية لم يشتكي بأن كلماته المذكورة في وقائع مجمع عام 449م قد دونت خطأ أو أي شئ من هذا القبيل ـ كما فعل باسيليوس أسقف سلوكيا الذي قال أنه وافق على قرارت مجمع أفسس خوفاً من المجمع ـ فيكون واضحاً أن موقف ديوجينيس الذي تمسك به في أفسس كان هو بالضبط الموقف الذي تم تسجيله عنه في وقائع الجلسات.

والغريب هنا أنه لم يعبِّر عن أية انتقادات ضد الراهب العجوز في مجمع عام 449م مثل تلك التي ذكرها في خلقيدونية.

[2] قال ديوجينيس: “لقد قام الآباء القديسون بإضافة بعض العبارات على قانون إيمان نيقية بسبب الأفكار الخاطئة لأبوليناريوس ومقدونيوس وغيرهم، فإضافوا عبارة ’الذي نزل وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء‘، ولكن أوطيخا قد أغفلها لأنه كان أبولينارياً”.

وفي الحقيقة كان التماس أوطيخا يتضمن قانون الإيمان النيقاوي الذي كان يحوي عبارة “الذي من أجلنا ومن أجل خلصنا، نزل وتجسد وتأنس وتألم وقام في اليوم الثالث” (انظر المرجع السابق صفحة 90: 157).

أما الكلمات التي أشار ديوجينيس إلى أن الآباء قاموا بإضافتها لاستبعاد الهرطقات فقد كانت موجودة بالفعل في قانون الإيمان المنسوب إلى مجمع عام 381م، والذي لم يشر إليه مجمع عام 448م. وهذا يوضح أن ذلك القانون لم يكن بعد مستخدماً على نطاق واسع في الكنائس. وبحسب ما نعرفه عن موقف أوطيخا، نستطيع القول بطريقة قاطعة أنه كان سيوافق على تلك الإضافة، ولهذا فإن تعليق ديوجينيس لم يكن يستحق أي إهتمام يذكر.

[3] المرجع السابق صفحة 92: 164.

[4] المرجع السابق صفحة 92: 166.

[5] انظر صفحة .

[6] المرجع السابق صفحة 92: 168.

[7] The Council of Chalcedon, op. cit., p. 60, n. I.

[8] ACO. II, i. pp. 92-93: 169.

كان باسيليوس أسقف سلوكيا واحداً من الذين اشتركوا في مجمع عام 448م، وفي التحقيق في محاضر الجلسات يوم 13 إبريل عام 449م، وفي مجمع أفسس الثاني عام 449م، كما اشترك كذلك في مجمع خلقيدونية عام 451م.

وقد عبَّر باسيليوس اسقف سلوكيا في مجمع عام 448م عن الموقف المعارض لعدم تقوى نسطوريوس الذي قسَّم الرب يسوع المسيح الواحد إلى ’بروسوبونين‘ وإلى إبنين، وأن ق. كيرلس كان قد علَّم بأن الرب هو ’بروسوبون‘ واحد وابن واحد ورب واحد ويُعرف بأنه إله كامل وإنسان كامل، ولهذا فنحن نعبد  يسوع المسيح ربنا الواحد، الذي يُعرف في طبيعتين. (المرجع السابق صفحة 117: 301).

ولكن عندما قُرأ هذا الكلام سواء عند التحقيق في محاضر الجلسات يوم 13 إبريل عام 449م، أو في مجمع أفسس الثاني عام 449م، أنكر باسيليوس أنه قال هذه الكلمات على الإطلاق (المرجع السابق صفحة 144: 546 وصفحة 173: 791). وقد قال باسيليوس في مجمع عام 449م أنه اعترض على عبارة أوطيخا “طبيعتين قبل وطبيعة واحدة بعد الاتحاد”، ولكن لو كان أوطيخا استخدم عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” فإن باسيليوس نفسه وبقية الآباء كانوا سيتفقون معه. ولكن في مجمع خلقيدونية تخلى باسيليوس عن هذا التوجه السلمي.

وفي الحقيقة كان باسيليوس واحداً من الستة الذين أدانوهم ممثلو الإمبراطور بكونهم مسئولين عن قرارات مجمع عام 449م، ولكننا لابد أن نعترف بأن زعامته في مجمع أفسس كانت أقل من أساقفة آخرين مثل ستيفن وديوجينيس.

[9] المرجع السابق صفحة 94: 177.

[10] المرجع السابق صفحة 94: 181.

[11] المرجع السابق صفحة 94: 182.

[12] المرجع السابق صفحة 94: 183.

[13] لمراجعة هذه الحادثة في خلقيدونية انظر المرجع السابق صفحة 111-112: 247-269.

[14] لقد ذكرنا أهمية هذه الخطابات في صفحة .

[15] المرجع السابق صفحة 112: 261. قال إفستاثيوس: ” لذلك فإنه من الخطأ أن نعترف بطبيعتين، ولكن لابد أن نعترف بطبيعة واحدة، وهذا هو الموقف الثابت والمؤكد في شهادة المطوب أثناسيوس”.

[16] المرجع السابق صفحة 112: 263.

[17] المرجع السابق صفحة 113: 264. إن الدور الذي لعبه ممثلو الإمبراطور في مجمع خلقيدونية سواء في هذا الموقف أو في مواقف أخرى أيضاً، يوضح أنه كانت لديهم توجيهات بتبني التفسير الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م. ولذا فقد انصب اهتمامهم على ألا تُعرض القضية الأساسية أمام المجمع، وأن يُصدق على قرار مجمع القسطنطينية المكاني بإدانة أوطيخا، وأن يتم الاعتراف والتمسك كذلك بالخطاب العقائدي الذي أرسله ليو أسقف روما.

[18] المرجع السابق صفحة 113: 265.

[19] المرجع السابق صفحة 113: 267. وكانت هذه العبارة الأخيرة التي نطقها إفستاثيوس هي في الواقع ـ ومن رؤيتنا لمحاضر الجلسات ـ ضربة قوية لوجهة نظر البابا ديسقوروس. وفي الحقيقة فإن أسقف بريتوس قدم هنا إقرار لا يغتفر.

لأن القضية المثارة أمام المجمع لم تكن هي ما قام فلافيان بكتابته للامبراطور في خطابه الدبلوماسي، ولكنها كانت حول الأساس الذي اعتمد عليه مجمع عام 448م في إتهام أوطيخا. وكان فلافيان في خطابه إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني قد تبنى وجهة نظر يستطيع السكندريون أن يروها أرثوذكسية، ولكنه لم يكن يتمسك بها في المجمع المكاني عام 448م الذي أكد على “طبيعتين بعد الاتحاد”.

[20] للاطلاع على هذه الوقائع انظر المرجع السابق صفحة 113-114: 268-281.

[21] المرجع السابق صفحة 115-116: 289-298.

[22] المرجع السابق صفحة 117: 299. إن الحجة القائلة بأن الوثائق التي أشار إليها البابا ديسقوروس هنا كانت وثائق أبولينارية ـ وحتى إذا سلمنا بأن هذه هي الحقيقة ـ لا ترد على وجهة النظر التي سعى هو إلى تأكيدها. انظر صفحة.

[23] المرجع السابق صفحة 120: 331. قال لونجينوس أنه يعترف بحسب مجمع نيقية ومجمع أفسس وفلافيان والأساقفة الآخرون، بأن ألوهية إبن الله الوحيد يسوع المسيح مخلصنا ينبغي أن تُعبد بكونها من طبيعتين.

[24] المرجع السابق صفحة 120: 332.  

[25] المرجع السابق صفحة 121: 340-41.  

[26] المرجع السابق صفحة 195: 1068.  

[27] للاطلاع على وقائع هذه الهتافات انظر المرجع السابق صفحة 195: 1069-1071. وبينما كانوا يصيحون بهذه الطريقة، قام الفريق الذي في الجانب الشرقي بترديد الثلاثة تقديسات: قدوس الله ، قدوس القوي ، قدوس الذي لا يموت إرحمنا.  

[28] إن المقصود هنا هو قانون إيمان مجمع نيقية عام 325م.

[29] إن الإشارة هنا هي إلى قانون الإيمان المنسوب إلى مجمع القسطنطينية عام 381م. والجدير بالذكر أن مجمع عام 448م المكاني لم يذكر مجمع عام 381م ولا قانون الإيمان الخاص به. أما في مجمع خلقيدونية فقد تمت الإشارة إليهما عدة مرات، ولكن كان هناك تباين في تعليقات الوفود الحاضرة بعد قراءة قانوني الإيمان.

فعلى سبيل المثال، بعد قراءة قانون إيمان نيقية قالوا: “نحن جميعا نؤمن بهذا، وبهذا (الإيمان) نحن اعتمدنا، وبه أيضاً نقوم بالتعميد. وهذا هو ما علَّم به المطوب كيرلس. هذا هو الإيمان الحقيقي، هذا هو الإيمان المقدس، هذا هو الإيمان الأبدي. هذا هو ما تعمدنا عليه، وما نعمِّد عليه. وهذا ما نؤمن به جميعناً، وهذا ما يؤمن به البابا ليو، وما يؤمن به كيرلس.

وهذا هو ما فسره البابا ليو”. ولكن بعد قراءة قانون إيمان مجمع القسطنطينية، قالوا: “هذا هو إيماننا جميعاً، هذا هو إيمان الأرثوذكس، وهذا هو ما نؤمن به جميعاً.” (المرجع السابق صفحة 276: 15)

وكان قانون الإيمان الأول (نيقية) هو الذي يعرفه ممثلو الوفود ومعتادون عليه، أما القانون الثاني (القسطنطينية) فقد إعترفوا به كقانون إيمان أرثوذكسي. ولكن في مجمع خلقيدونية، والذي خطط فيه الأباطرة أن يرفعوا من شأن كرسي القسطنطينية،  كان لقانون الإيمان الثاني أهمية خاصة.

[30] المرجع السابق صفحة 195: 1072.

إن إشارة ممثلي الإمبراطور إلى “الرسالتين القانونيتين اللتين قُدمتا وقُبلتا في مجمع أفسس الأول”، تعتبر أمراً هاماً من عدة أوجه. أولاً، استخدم ممثلو الإمبراطور عبارات مشابهة في إفتتاح الجلسات يومي 10، 17 أكتوبر، ولكنهم لم يذكروا في أي من هذه المناسبات لا مجمع أفسس ولا المجمعين السابقين عليه كأحداث ساعدت الأباطرة على تبني موقفهم اللاهوتي (المرجع السابق صفحة 274: 2 وصفحة 288: 3).

ونضيف إلى ذلك أيضا المكانة (الضعيفة) التي أُعطيت لكيرلس السكندري، فمن بين كتاباته الغزيرة أُعلن فقط عن رسالتين يقبلهما الأباطرة. ومن الواضح بالفعل أنه كما كان ليو بابا روما حريصاً على أن يتبنى المجمع الطومس الخاص به ويعتبره مقياسه العقائدي، فكذلك أيضاً حاول الأباطرة أن يؤكدوا تأييدهم لوجهة النظر الأنطاكية في تفسير صيغة إعادة الوحدة عام 433م ضد وجهة نظر الجانب السكندري.

ومن الواضح أن الوصف الذي ذكره ممثلو الإمبراطور كان ينطبق على رسالتي ق. كيرلس الثانية والثالثة ضد نسطوريوس (وهي التي تحوي الحروم الإثني عشر). ولكن تلك الرسالة الثالثة لم ترى النور في خلقيدونية، ومن المحتمل أن ممثلو الإمبراطور لم يقصدوها في إشارتهم، لأن الذي قُرأ في خلقيدونية هو الرسالة الثانية وصيغة إعادة الوحدة. فإذا كانت صيغة إعادة الاتحاد قد كُتبت في عام 433م، فمن المستحيل أن تكون قد قُبلت في مجمع أفسس عام 431م (بحسب وصف ممثلي الإمبراطور للرسالتين).

وقد أدرك شفارتز هذه المعضلة، لذلك علق بأن ممثلوا الإمبراطور تركوا هذه النقطة مبهمة عن قصد. انظر:(Uber die Bischopslisten op. cit., p. 2) . ولم يوضح شفارتز ماذا يمكن أن يكون قصدهم من وراء هذا، مع أنه تمادى في الدخول في عديد من الموضوعات مثل قيام البابا ديسقوروس بحرم البابا ليو.

وهناك الكثير من الدلائل التي تمكننا من الوصول إلى إجابة حول هذا الموضوع، فممثلو الإمبراطور كما رأينا كانوا قد حددوا أن أوطيخا كان مذنباً لأنه لم يقبل صيغة إعادة الوحدة، وحيث إن تلك الوثيقة لم تكن لها أية سلطة مجمعية، فقد أراد ممثلو الإمبراطور أن يدَّعوا لها بشيء من هذا القبيل.

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

(د) إغفال رسالة (طومس) ليو:

كان الادعاء الخاص بأن البابا ديسقوروس قد منع قراءة رسالة (طومس) ليو في مجمع عام 449م، يُعَد واحداً من أكثر الادعاءات ضرراً ضده، وهذا الادعاء كان برمته من نتاج أشخاص يمثلون التوجه الغربي. وكان البابا ليو قد أرسل إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس بعد المجمع مباشرة يتهم البابا ديسقوروس بتعمده منع قراءة رسالته في المجمع،[1] كما ذكر الوفد الروماني في مجمع خلقيدونية في حكمهم ضد ديسقوروس أنه لم يسمح بقراءة الرسالة الباباوية إلى المجمع.[2]

وتضاعف أثر هذا الأمر على مر القرون من خلال الكتَّاب المؤيدين لخلقيدونية، ولنذكر هنا أحد الأمثال المعاصرين حيث يقول فرند (W.H. C. Frend): “على الرغم من أن ديسقوروس لم يرفض أن يقرأ الخطاب (طومس ليو)، إلاّ إنه (أو جوفينال) قد رأى وضعه في آخر قائمة الموضوعات، إلى أن فقد الاهتمام في خضم الأمور التي نشأت”.[3]

ونحن لدينا دليل في خطاب البابا ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس يوضح أن نسخة من الطومس قد أُرسلت إلى مجمع عام 449م بواسطة المندوبين. ولكن بالإضافة إلى هذا هناك ذكر لخطاب آخر للبابا مُرسل رأساً إلى المجمع على الرغم من أن ذلك الخطاب المعني لا يحتوي على أي إشارة تدل على أنه موجه إلى مجمع، ولذلك فمن المحتمل أن هذه الوثيقة (الخطاب الآخر) كانت قد كُتبت أصلاً إلى جماعة النبلاء في القسطنطينية[4] لضمان تأييدهم للطومس وأن نسخة منها قد أُرسلت لاحقاً إلى مجمع عام 449م.

وكانت هناك ثلاثة مناسبات في مجمع عام 449م، طلب فيها الوفد الروماني أن تُقرأ مراسلات بابا روما على المجمع، فإذا كان هذا الخطاب (الآخر) قد أُحضر بواسطة الوفد فينبغي أن يكون الخطاب الذي ذُكر في بداية المجمع كان المقصود به هذا الخطاب (الآخر)، أما في المناسبتين الأخريين فبالتأكيد كان طومس ليو هو الخطاب المقصود.

وبمجرد أن بدأ مجمع عام 449م، قُرىء خطاب الدعوة المُرسل من قبل الإمبراطور، وعندما انتهت القراءة قال يوليوس المندوب الروماني أن هناك رسالة خطية من الإمبراطور مشابهة للتي قُرئت كانت قد أُرسلت إلى “قداسة البابا ليو بابا كنيسة روما”،[5] وهنا قدم الشماس هيلاري حديثاً مطولاً قال فيه إن أسقف روما يتعذر مشاركته الشخصية في المجامع ولكنه أرسل ممثلين عنه مع رسالته التي يمكن أن تُقرأ على المجمع.

[6] وهنا وكتلبية لأمر ديسقوروس،[7] استلم القس يوحنا الموثِّق الأعلى الرسالة، وبدلاً من قراءتها قال أن هناك خطاباً إمبراطرياً آخراً مرسلاً إلى ديسقوروس ليقدَّم إلى المجمع، وهنا أمر جوفينال[8] أن يُقرأ الخطاب الإمبراطوري، وبهذه الطريقة انتقل المجمع إلى مباشرة أعماله بدون قراءة خطاب ليو أسقف روما.

وكما ذكرنا كانت هناك مناسبتان أخريان ذكَّر فيها الوفد الروماني المجمع بمسألة رسالة ليو، المناسبة الأولى عندما رفض المجمع طلب فلافيان بأن يُعطى يوسابيوس أسقف دوريليم الفرصة لسماعه في قضية أوطيخا،[9] وكما رأينا فقد صوَّت المجمع ضد الطلب وسأل أن تُقرأ محاضر جلسات مجمع عام 448م.

أما المناسبة الثانية فكانت عند تصديق المجمع على إيمان نيقية حسبما فسره وأكدَّه مجمع أفسس عام 431م، حيث تكلم يوليوس موضحاً أن الكرسي الرسولي (الروماني) يتمسك بنفس وجهة النظر،[10] وهنا طالب هيلاري مرة أخرى أن تُقرأ رسالة ليو،[11] ولكن هذا الطلب حدث حينما كان كل من الأعضاء يعبِّر بصورة شخصية عن قبوله لأساس الإيمان، ولذلك كان الطلب بالحري بعيداً عن السياق العام ولا يبدو أن أحداً قد أعاره أي اهتمام.

والحقيقة حول مسألة طومس ليو هي أنه على الرغم من أن الوفد الروماني طالب بقراءة الرسالة الباباوية ثلاث مرات على الأقل، إلاّ أنه لم يكن هناك أحد في المجمع ليساندهم، وهذه الحقيقة لم تكن حتى محل شك من الحاضرين في مجمع خلقيدونية أثناء تقديم محاضر جلسات مجمع عام 449م.

وعلى حد معرفتنا من وقائع المجمع لم يوجد في أفسس ـ بعد الوفد الروماني ـ إلاّ ديسقوروس وحده الذي اقترح قراءة الخطاب، ولم يطلب أي شخص غيره هذا الأمر، وهذا العمل برمته كان يخص المجلس (ككل)، وقد أوضح البابا ديسقوروس نفسه هذه النقطة في خلقيدونية إذ قال أنه قد طالب مرتين بعرض خطاب ليو على المجمع.[12]

وينبغي علينا أن ننتبه ـ في محاولتنا معرفة الكيفية التي تم بها تجاهل مجمع عام 449م لخطاب ليو ـ إلى حقيقة أن تلك الوثيقة كانت منتشرة بصورة واسعة في الشرق منذ منتصف شهر يونيو عام 449م،* وأن محتوياتها كانت معروفة عند الحاضرين حتى قبل أن يلتقوا في المجمع.

وكان الكل في الحقيقة يعرف أن هذه الوثيقة هي دفاع شديد عن عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، وفي سياق الخلاف بين الجانبين السكندري والأنطاكي كان كثير من الرجال سيؤيدون الجانب السكندري ضد عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، ويتضح ذلك من التأييد المطلق للبابا كيرلس والبابا ديسقوروس الذي أظهره المجمع بتعبيرات قوية.

وقد ظهرت معارضة المجمع الشديدة لهذه العبارة في عدد من المواقف، كان أحدها عندما قُرئت محاضر جلسات مجمع عام 448م، وحين جاءت كلمات سليوكس أسقف أماسيا (Seleucus of Amasia) “نحن نؤمن برب واحد يسوع المسيح في طبيعتين” وهنا صاح المجمع: “لا أحد يقول عن الرب أنه طبيعتين بعد الاتحاد، هو ليس كذلك يا أسقف أماسيا، لا تقسم غير القابل للتقسيم”.[13]

فإذا كانت هذه هي الحقيقة الدامغة في مجمع عام 449م، فإن طومس ليو بفكره اللاهوتي عن “طبيعتين بعد الاتحاد” لم يكن من الممكن أن يلقى قبولاً في هذا المجمع، ولذلك فالقول بأن البابا ديسقوروس في ’حكمه المطلق‘ و ’تشدده‘ قد أعاق قراءة الخطاب في المجمع، لا يحمل إنصافاً للرجل ولا يمكن إثباته بأي دليل.

وعلى الجانب الآخر نحن لدينا دليل أقوى على احتمال أن مجمع عام 449م لم يقرأ طومس ليو نتيجة لاحترامه لكرسي روما، لأن هذا الطومس لو كان قد قُرىء هناك، وبدون سند إمبراطوري، فما كانت النتيجة هي قبول الوثيقة أو مفهومها اللاهوتي ـ كما حاول ليو أن يصور الأمر[14] أو كما أكد وفد روما في خلقيدونية[15] ـ بل على العكس كان سيؤدي إلى إدانة خطيرة، فعلى سبيل المثال كان المجمع سيضطر إلى تطبيق نفس الكلمات التي صرخ بها ضد أسقف أماسيا على البابا ليو نفسه أيضاً.

ومن هنا فعلى الأرجح، أن البابا ديسقوروس وقادة المجمع، كانوا يبذلون أقصى جهدهم لكيلا يظهروا الجالس على الكرسي الرئيس الأول في العالم المسيحي كهرطوقي.[16]

وعلى الرغم من ذلك، اتهم ليو بابا روما مجمع عام 449م بأنه اجتماع للصوص (latrocinium) ويرى فرند أن هذا الوصف قد لصق بالمجمع طوال الوقت،[17] ومن المحتمل ألا يكون في ذهن ليو ـ وهو يرفض المجمع بهذا الشكل ـ أي جور أو تجنٍ مما كان لدى الذين انتقدوا المجمع فيما بعد. وفي الحقيقة إن أي خلل أو نقص تم توجيهه ضد مجمع عام 449م من خلال المنتقدين له، تم أيضاً توجيهه ضد مجمع خلقيدونية من قبل المعارضين له.

وعلاوة على ذلك لو كان الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني قد سمح للبابا ليو أن يعقد مجمعاً في إيطاليا كما قد طلب فور انتهاء مجمع عام 449م، فما كان ذلك المجمع سيرتفع فوق اللوم أيضاً بأي حال من الأحوال.

وقد كانت الشكوى الحقيقية لبابا روما ـ كما يتضح من التعبير الذي استخدمه ـ هي أن المجمع لم يجل ويقدر الطومس الخاص به، ومن المحتمل جداً أن يكون قد رأى في ذلك تجاهلاً لسلطته الباباوية، أو حتى ’ سلب‘ كرسيه من الحق الإلهي الذي كان يدعيه له. وبالنسبة للبابا ليو، إن اجتماعاً يجرؤ على ألا يعطي اهتماماً لخطابه الباباوي فهو اجتماع للصوص وليس مجمعاً للكنيسة.[18]

 

(هـ) بعض الملاحظات حول أوطيخا:

في عملية إدانة أوطيخا كهرطوقي، قام فلافيان ومجمع عام 448م من جهة وليو بابا روما ومجمع خلقيدونية من جهة أخرى بتقديم عدد من النقاط، يمكننا أن نضعها معاً فيما يلي:

أولاً، قيل عنه أنه يعيد هرطقة أبوليناريوس وفالنتينُس.[19]

ثانياً، زعموا أنه يقول ’ إن جسد الرب المأخوذ من مريم لم يكن من نفس جوهرنا ولا من المادة البشرية. وبالرغم من إنه يقول عنه أنه بشري، لكنه يرفض أن يقول إنه واحد في ذات الجوهر معنا أو مع تلك التي حملته حسب الجسد‘.[20]

ثالثاً، تم توجيه اللوم لأوطيخا لأنه يقول إن المسيح كان “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد.[21]

رابعاً، أجزموا بأن أوطيخا رفض أن يقر بحقيقة ناسوت المسيح.[22] ويكمن الأساس الوحيد في كل هذه الاتهامات في تردد أوطيخا في تأكيد وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا من ناحية، وفي تصميمه على “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد من ناحية أخرى.

ورغم ذلك فإن هؤلاء الذين وصفوه بتلك الأفكار الهرطوقية، لم يهتموا بأن يثبتوا هل هو بالفعل يعترف بها وأنها تمثل موقفه الخاص، كما أنهم لم يبحثوا في عباراته الشفهية ولا حتى على الأقل في اعترافه المكتوب بما في ذلك الجملتين اللتين ذكرناهما سابقاً. ولذلك ففي إطار السياق التاريخي، يمكن أن يكون هناك بالفعل تقييم أكثر تعاطفاً وإيجابية لذلك الراهب العجوز، ولكن أحد من ناقديه لم يجهد نفسه ليقوم بمثل هذا الدور.

وحين قام مجمع أفسس الثاني عام 449م بتبرئة أوطيخا، إنما كان يعبِّر عن رد الفعل السكندري ضد عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” التي جاءت في مجمع عام 448م المكاني. وكان الأساس وراء هذا القرار هو عبارات أوطيخا الشفهية والمكتوبة، ولكن المجمع كما قد ذكرنا لم يتوقف بصورة كافية لكي ينظر بهدوء في المواقف التي كانت تمثل صعوبة أمام معارضي أوطيخا.

ومن هنا ينبغي علينا أن نقول إن هؤلاء الذين حكموا على أوطيخا بالهرطقة قد أخذوا فقط بعضاً من عباراته وفسروها بطريقتهم الخاصة، وكذلك أولئك الذين قرروا تبرئته أخذوا البعض الآخر ورأوا فيها موقفاً لا يستحق الإدانة. وأمام هذه الحقيقة، يجب أن نأخذ مساهمات كل من رينيه دراجيه (René Draguet) وكامِلوت (Thomas Camelot) وكيللي (J. N. D. Kelly) بعين الاعتبار.[23]

ويمكن القول بأنه في الظروف التاريخية التي عاش فيها أوطيخا ـ بصرف النظر عما إذا كان بالفعل هرطوقياً أم لا ـ كان هناك أناس معارضين له لم يكونوا ليسمحوا له بأن يمضي حراً طليقاً.

 

(و) مجمع أفسس الثاني عام 449م بين الدفاع والنقد:

لقد انفض مجمع عام 449م كحدثٍ يعبِّر عن انتصار منفرد للفهم السكندري للإيمان النيقاوي (بالصورة التي أكدَّه بها مجمع أفسس عام 431م)، وبدون تبني لصيغة الوحدة عام 433م (بحسب فهم الأنطاكيين لها). وبالفعل كان الإمبراطور يريد حكم مثل هذا، فبمجرد أن استلم تقرير المجمع سارع باتخاذ الخطوات لتنفيذ بنوده وقد طالب الأساقفة بالتوقيع عليها، كما كتب إلى البابا ليو يطالبه بقبول قرارات المجمع، وأصدر كذلك مرسوماً مؤيداً لهذا المجمع.[24]

وفي نفس الوقت بدأت تتشكَّل حركة معارضة لمجمع عام 449م، فبعد اليوم الأول من المجمع امتنع المندوب الروماني يوليوس عن حضور الجلسات الباقية للمجمع، كما أن هيلاري (المندوب الثاني) أيضاً أخذ طريقه عائداً إلى روما بعد اليوم الأول، وكان يرتب في طريق عودته أن يقابل الإمبراطور في القسطنطينية ويقدِّم له شكواه شخصياً ولكنه لم ينجح في مسعاه.

وفي النهاية وصل كل من يوليوس وهيلاري إلى روما في منتصف شهر سبتمبر وقدَّما تقريرهما إلى البابا ليو وإلى مجمع (مكاني) كان منعقداً هناك آنذاك وقد ساعد ذلك البابا ليكسب تأييد المجمع (المكاني) في خطواته ضد مجمع عام 449م.

واعتمد ليو أيضاً (في معارضته) على التنسيق مع الشرق، فعند مغادرة هيلاري أفسس أخذ معه طلباً للاستئناف من فلافيان، كما كانت هناك أيضاً طلبات مماثلة من كل من يوسابيوس وثيؤدوريت، بل وقام أسقف دوريليم ـ ومن المحتمل ثيؤدوريت[25] أيضاً ـ بمقابلة بابا روما شخصياً من أجل هذا الأمر. وهكذا تكوَّن ائتلاف قوي ضد مجمع عام 449م مركزه روما.[26]

وأثار موت فلافيان ـ الذي حدث بعد فترة وجيزة من إدانته ـ تعاطفاً مع موقف البابا ليو وبالأخص في القسطنطينية. وكان فلافيان قد احتُجز من قبل السلطات بعد صدور قرار عزله مباشرة ثم مات بعد ذلك. وقد فسَّر المعارضون لمجمع عام 449م هذه الحادثة بعد ذلك على إنها كانت بسبب تعرضه لأذى جسدي في المجمع، هذا على الرغم من أنه لم يأتِ ذكر لمثل هذه القصة على الإطلاق في مجمع خلقيدونية.[27]

وكان البابا ليو يعتبر إغفال مجمع عام 449م للطومس الخاص به عملاً مهيناً جداً، وقد حاول محو أثره بطرق متنوعة، فبمجرد عودة الوفد الروماني إلى روما كتب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس واعترض على المجمع، ولما وجد أن الإمبراطور لم يعر الأمر أي انتباه، كتب إليه خطاباً ثانياً يطلب فيه عقد مجمع في إيطاليا، ولكن وللمرة الثانية لم يستجب ثيؤدوسيوس لطلبه.

وكان هذا الموقف متزامناً مع زيارة الإمبراطور الغربي فالنتينيان الثالث (Valentinian III) مع أمه جالا بلاسيديا (Galla Placidia) وزوجته إفدوكسيا (Eudoxia) إلى روما، وكانت زيارتهم في وقت عيد كاتدرائية ق. بطرس (Cathedra Petri)، وانتهز البابا ليو الفرصة كاملة واشتكى أمامهم أنه في زمنهم أُهين كرسي ق. بطرس بواسطة ما تم في مجمع عام 449م، وقدَّم لهم دعواه ليمارسوا تأثيرهم على بلاط الإمبراطور الشرقي ثيؤدوسيوس حتى يلغي قرارات ذلك المجمع.

واستجاب الأباطرة بالفعل وأرسل فالنتينيان وأمه جالا بلاسيديا خطاباً إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس كما أرسلت إفدوكسيا إلى بولخِريا (Pulcheria)[28]، ولكن ثيؤدوسيوس أجاب بأن قصة البابا ليو الخاصة بالمجمع تفتقر إلى الصحة.[29]

ورغم ذلك قام البابا ليو بالكتابة إلى الرهبان ورجال الدين المسيحي الذين كانوا معارضين لأوطيخا بالقسطنطينية، يحثهم على البقاء موالين ومخلصين لفلافيان. وعندما تم الإعلان عن اختيار أناتوليوس (Anatolius) ـ وهو قس من مصر ـ بطريركاً للقسطنطينية بدلاً من فلافيان، رفض ليو الاعتراف به ولكن رغم ذلك تم تنصيبه بطريركاً.

 

(ز) موت الإمبراطور ثيؤدوسيوس:

ولم يدم عدم الرضا الإمبراطوري على ليو طويلاً، فقبل مرور سنة واحدة على مجمع عام 449م سقط ثيؤدوسيوس من على جواده وتسبب ذلك في موته يوم 28 يوليو عام 450م. وبعد محاولة فاشلة لاعتلاء الابن الصغير العرش، أمسكت الأخت بولخِريا بزمام الأمور وتم الإعلان عن زوجها مركيان (Marcian) إمبراطوراً في 28 أغسطس من نفس العام.

وكانت بولخِريا امرأة ذات قدرات مميزة وعزيمة لا تُقهر، وكان لها دور عملي في إدارة شئون الدولة، حتى إنها قادت أخاها ليعمل عكس توجهه الكنسي أثناء المشكلة النسطورية.

ولكن بعد فترة حدث توتر في علاقتها مع أخيها، مما ساعد كريسافيوس كبير موظفي البلاط الإمبراطوري أن تكون له اليد العليا في الأمور في عام 441م، وقد أدى هذا إلى وجود عداوة بينها وبينه. وبعد موت أخيها، أزاحت بولخِريا هذا الرجل من طريقها بواسطة حكم بالموت صدر ضده، وقامت بنفي أوطيخا إلى شمال سوريا، كما أكدت قيادتها للأمور من خلال زوجها.

وكانت سياسة بولخِريا الكنسية في ذلك الوقت يحكمها أمران هامان.

أولاً قررت بولخِريا أن تؤيد روما في صراعها ضد الإسكندرية من أجل الوصول إلى رئاسة كاملة للكنيسة،[30] وكان هذا الأمر متوقعاً لأن عدوها كريسافيوس كان طوال الوقت مسانداً للإسكندرية.

ثانياً لم تكن بولخِريا تريد في نفس الوقت أن تترك روما تنعم بسيادتها المطلقة في الكنيسة، بل على العكس كانت ترغب في أن تزيد من هيبة وكرامة مدينتها (العاصمة) من خلال رفع وضع أسقفها إلى مستوى مساوٍ للجالس على كرسي روما نفسه. وهكذا أشاحت بولخِريا بوجهها عن الإسكندرية ورفعت روما، ولكنها كانت تخطط لرفع كرسي القسطنطينية بعد ذلك.

أما مركيان فبعد اعتلائه للعرش، كتب إلى البابا ليو معبراً عن رأيه في عقد مجمع تحت رئاسة بابا روما “من أجل التخلص من كل الأخطاء غير التقوية”.[31]

كما عملت الإمبراطورة كذلك على مساعدة البابا ليو في كفاحه من أجل إقرار ’الطومس‘ الخاص به كوثيقة لها شرعيتها وسلطتها، وقد أثمرت جهودها في 21 أكتوبر 450م حيث قام أناتوليوس أسقف القسطنطينية ـ الذي كان حتى ذلك الوقت معارضاً لطومس ليو ـ بالتوقيع على قبوله للطومس في حضور اثنين من الأساقفة واثنين من القسوس كان ليو قد أرسلهم كممثلين له، ومنذ ذلك الحين تم قبول الوثيقة (الطومس) في كل مكان.[32]

وفي هذه الأثناء أيضاً، أُعيد جسد فلافيان إلى القسطنطينية وتم دفنه بإكرام كبير. وهكذا ابتدأ التغيير في الأجواء المسيحية من خلال السلطة الجديدة، لدرجة أنه في يوم 13 أبريل عام 451م كتب ليو إلى أناتوليوس يسأله أن يحذف أسماء ديسقوروس وجوفينال وإفستاثيوس أسقف بريتوس من الدبتيخا* (diptychs) أي أنه قام بحرمانهم بسلطانه الشخصي،[33] كما طلب ليو كذلك أن تُترك له مسألة الرجال الآخرون الذين شاركوا في مجمع عام 449م ليصدر فيهم قراره.

ومن هنا نرى كيف كان البابا ليو يحكم كامل سيطرته على الموقف، وبدأ يتبنى نظرية أن البابا ديسقوروس و بعض من الرجال الجهلاء كانوا مسئولين بمفردهم عن قرارات مجمع عام 449م،[34] على أمل أن يضم الكنيسة كلها تحت سلطته العليا بدون أي مجمع أو استشارة لزملائه الأساقفة وبخاصة في الشرق.

ولكن لم تأتِ كل الأمور بالضبط كما خطط لها ليو، فباءت مجهوداته بالفشل في إثناء الإمبراطور عن فكرة عقد المجمع، وكان الإمبراطور قد أعلن عن نيته لعقد المجمع في الشرق وليس في إيطاليا كما قد طلب ليو في أيام ثيؤدوسيوس الثاني.[35]

ولكن ليو طالب بأنه ينبغي على المجمع أن يتخذ من ’الطومس‘ معياره العقيدي، وبدون السماح لأي نقاش حول الإيمان والذي قد يتضمَّن مساءلة عن الصفة الرسمية لتعليمه. ولم تجد القيادة الإمبراطورية أية صعوبة في التعهد بتحقيق مطالب ليو في هذه النقطة، بالرغم من أنها كانت لها رؤيتها الخاصة التي تبغي بلوغها من خلال المجمع.

وفي يوم 17 مايو عام 451م، صدرت الأوامر بالدعوة لعقد مجمع في نيقية المدينة التي عُقد فيها المجمع المسكوني الأول والتي كانت لها في ذلك الوقت مكانة سامية لدى كل الأطراف في الشرق.

 

[1] للاطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, p. 25)

[2] للرجوع إلى هذه التهمة انظر صفحة

[3] The rise of ihe Monophysite Movement, op. cit., p. 40.

[4] كان جالاند يتبنى هذا الرأي. انظر صفحة

[5] ACO. II, i, p. 82: 82.

[6] إذا كان ليو قد بعث برسالة خاصة إلى المجمع، فبالتأكيد كان هذا هو الوقت الذي يريد فيه المندوبون أن تتم فيه قراءة الرسالة.

[7] المرجع السابق صفحة 83: 84. كان أمر البابا ديسقوروس: “فلندع رسالة أخينا الورع وزميلنا الأسقف ليو تُعرض على هذا المجمع المسكوني المقدس”.

[8] المرجع السابق صفحة 83: 85.

[9] انظر صفحة.

[10] انظر صفحة.

[11] المرجع السابق صفحة 190-191: 958.

[12] المرجع السابق صفحة 84: 93 و99. قال البابا ديسقوروس: “إن ما حدث هو واضح وجلي، فقد طلبت مرتين من أجل قراءة رسالة أسقف روما الموقر”.

* ارجع إلى صفحة 69.

[13] المرجع السابق صفحة 118: 303.

[14] هذه هي النقطة التي احتواها خطاب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس. انظر المرجع في صفحة

[15] للاطلاع على النقطة التي أثارها مندوبو روما في مجمع خلقيدونية، انظر صفحة و

[16] يذكر ميخائيل السرياني أن مجمع عام 449م “لم يقرأ الطومس حتى يحمي كاتبه من حكم الإدانة”. انظر ميخائيل السرياني صفحة 180.

[17] المرجع السابق صفحة 44. ولا يختلف ما ذكره فرند عن مجمع عام 449م وعن البابا ديسقوروس عن نفس النظرة التقليدية المؤيدة لخلقيدونية والتي ما زالت تحتاج إلى مراجعة.

[18] إن الحقيقة التي يجب أن نلاحظها هي أن أي مجمع سيقابل في الأغلب بالرفض من الذين يعارضوه.

[19] هذا الإدعاء كان قد أثاره ضد أوطيخا كل من: دُمنوس أسقف أنطاكيا (انظر المرجع صفحة) وفلافيان (انظر صفحة) وليو أسقف روما (انظر الخطابات) والسلطة الإمبراطورية (انظر الخطاب رقم 480 في Coleman-Norton، op. cit.)

[20] كان فلافيان قد كتب في خطابه إلى ليو أن أوطيخا يتبنى هذا الرأي. انظر الخطاب في:

(Der Prozess Des Eutyches, op. cit., pp. 40-44)

لمراجعة هذا الاقتباس والاقتباس الوارد في المرجع التالي، انظر نفس المرجع السابق صفحة 41. وقد علق ليو بابا روما في الطومس على موقف أوطيخا بأنه يتضمن: “أن المسيح عند الحبل به في رحم العذراء أخذ شكل الإنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”، كما زعم (ليو) أن هذا التعليم يبطل الإيمان المسيحي في التجسد والأسرار والحياة الأخرى.

[21] لقد كتب فلافيان أنه بالنسبة لأوطيخا “فإن مخلصنا يسوع المسيح قبل أن يصبح إنساناً كان طبيعتين: اللاهوت والناسوت، ولكنه بعد الاتحاد أصبح طبيعة واحدة”. ويذكر ليو في الطومس أن هذا التعليم فاسد وسخيف. ويشير مجمع خلقيدونية في إعتراف الإيمان الخاص به إلى أوطيخا ضمنياً في موضعين.

أولاً: في القول بأن هذا المجمع يقدم اعترافه في مواجهة هرطقتين، وقد أدخلت إحداهما “الاختلاط والامتزاج”، وتخيلت بلا خجل “أن طبيعة الجسد، وطبيعة اللاهوت التي للابن الوحيد قد أصبحتا بسبب هذا الاختلاط قابلتين للألم”. ثانيا: في القول بأن المجمع “يحرم أولئك الذين يتخيلون وجود طبيعتين للرب قبل الاتحاد وأنهما أصبحتا طبيعة واحدة جديدة بعد الاتحاد”.

[22] هذا الاتهام كان ليو بابا روما ينسبه لأوطيخا في كل كتاباته المتعلقة بالموضوع. وقد ذكر باسيليوس أسقف سلوكيا في مجمع خلقيدونية أنه بالنسبة لأوطيخا “يُعتبر الاعتراف بأن الله الكلمة أصبح إنساناً باتخاذه جسداً، هو اعتراف كافي ليدل على كيفية التجسد والتأنس”. انظر:

(ACO. II, i, p. 92: 167).

[23] لم ينكر أوطيخا كمال أو حقيقة ناسوت المسيح ولكنه حاول أن يثبت أنه بسبب أن هذا الناسوت كان متحداً بالله الابن فلابد أن يكون مختلفاً عن ناسوتنا.

[24] المرسوم مذكور كوثيقة رقم 459 في (Coleman-Norton،op. cit.)

[25] يحتفظ لنا (المؤرخ) زكريا الخطيب بقصة ذهاب ثيؤدوريت إلى روما في ذلك الوقت حيث اتفق على موقف موحد مع ليو بابا روما. انظر:

(Ecclesiastical History, Syriac, Book I, p. 147). 

وهناك احتمال كبير أن تكون هذه القصة قد حدثت بالفعل، وحتى إذا لم نعرها اهتماماً فعلياً، فينبغي أن نعترف بحقيقة أنه كان هناك نوعاً من التحالف الخاص بين البابا ليو وثيؤدوريت وأن ثيؤدوريت لم يكن قد أيد بعد مسألة إدانة نسطوريوس.

[26] وحيث إن روما لم تكن تحت السلطة السياسية المباشرة للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، فقد كانت لدى ليو بابا روما إمكانية التصرف بحرية في مثل هذه الأمور.

[27] يتفق جريلماير مع كادويك (Chadwick) على أن فلافيان قد مات في فبراير عام 450م وليس في أغسطس عام 449م، وأنه من المحتمل أن يكون لأناتوليوس يد في موت فلافيان. (انظر: Christ in Christian Tradition op. cit., p. 469, n. I). ومن وجهة نظر هذه الدراسة، لا تعتبر مسألة تحديد الوقت الذي مات فيه فلافيان هي الأمر الجدير بالاهتمام، ولكن ما يعنينا هنا هو السؤال عما إذا كان هناك أي أساس للإدعاء بأن فلافيان قد أُسيئت معاملته في مجمع عام 449م، وأنه قد مات بسبب الأذى الذي لحق به هناك.

والحقيقة أن الانقسام الذي أصاب الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية قد نتج عنه الكثير من المشاعر السلبية لدى كلا الجانبين حتى أننا يجب أن نتعامل مع اتهامات كل منهما للآخر بكثير من الحذر. أما بالنسبة لمجمع عام 449م، فإنه لمن العدل أن أي تعليق سلبي ضده لم يرد في محاضر مجمع خلقيدونية، لا يجب أن يأخذ أي اهتمام من الدارسين المنصفين.

[28] للاطلاع على هذه الخطابات انظر: (ACO. II, i, pp. 5-6)

[29] للاطلاع على هذه الخطابات انظر: (ACO. II, i, pp. 7-8)

[30] لقد كتبت بولخريا إلى ليو وحتى قبل موت أخيها لتعبر عن عدم موافقتها على “الخطأ الهرطوقي” الذي ارتكبه مجمع عام 449م. انظر: (Honigman, op. cit., p. 239)

[31] للاطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, pp. 10)

[32] Noted by Honigman, op. cit., p. 240.

* الدبتيخا (diptych) هو لوح يُكتب فيه قوائم القديسين (الأحياء والمنتقلين) المعتبرين أنهم في شركة إيمان الكنيسة.

[33] هذه الحادثة ذات معنى خاص جداً. انظر صفحة .

[34] وأمام المشاكل التي كان يراها ليو في مجمع عام 449م، كان يجب أن تُرتب نظرية من هذا النوع لمساندة مزاعمه البابوية.

[35] لم تكن الأجواء السياسية في ذلك الوقت تخدم مسألة إقامة مجمع عام في إيطاليا.

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

(أ) بعض الملاحظات التمهيدية:

طلب الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني ـ الذي دعا إلى عقد المجمع ـ من البابا ديسقوروس أن يتولى السلطة العليا في المجمع كرئيس،[1] وأن يكون جوفينال (Juvenal) أسقف أورشليم وثالاسيوس (Thalassius) أسقف قيصرية كبادوكيا رئيسين مشاركين معه.[2] كما أرسل الإمبراطور يطلب من البابا ديسقوروس أن يسمح لبرسوماس (Barsumas) ـ وهو أرشيمندريت من سوريا يؤيد الموقف اللاهوتي السكندري ـ بحضور المجمع،[3] وأُعلم برسوماس بهذا الأمر من خلال رسالة خطية.[4]

وكان الإمبراطور قد أعطى تعليمات لكل من إلبيديوس (Elpidius) وإفلوجيوس (Eulogius) ليحضرا المجمع كمندوبين إمبراطوريين، وكتب إلى الوالي بروكلوس (Proclus) حاكم أسيا[5] ليرسلهما من أجل هذا العمل، ثم في النهاية تم إرسال خطاب إمبراطوري إلى المجمع نفسه.[6] وهكذا قام الإمبراطور بنفسه بعمل كل الترتيبات اللازمة لعقد مجمعٍ لحل المشكلة التي نتجت عن إدانة أوطيخا.

وبينما كانت كل هذه الأحداث تتابع، كانت هناك قوة أخرى تعمل في الكنيسة لعل ثيؤدوسيوس نفسه لم يكن مدركاً لها. فقبل انعقاد المجمع في أفسس بحوالي سبعة أسابيع، كان ليو بابا روما قد أرسل خطابه (الطومس) إلى القسطنطينية واستلمه فلافيان والفريق المعارض لأوطيخا بكل رضى.

وكانت روما في ذلك الوقت تسعى بشدة لكي تثبِّت نظرية الباباوية بكونها السلطة العليا على الكنيسة كلها،[7] ولذلك قصد ليو بهذا الطومس أن يقدِّم تعليم الكنيسة المعصوم والنهائي حول شخص المسيح.[8] ومن هنا لم يكن ينظر إلى تلك الوثيقة بكونها فقط تقدم عرضاً صحيحاً للإيمان، ولكن بكونها أيضاً التعبير الوحيد الممكن عن الفهم المسيحي الصحيح لشخص المسيح، والذي يأتي وكأنه من الرسول بطرس نفسه ولا أحد غيره.[9]

وقد وضع ليو هذه الفكرة بطريقة ماكرة جداً في الطومس، وبصورة أوضح في رسالته إلى مجمع أفسس الثاني،[10] ففي الطومس أشار إلى اعتراف الرسول بطرس في قيصرية فيلبس وقال أنه بسبب هذا الاعتراف أسماه ربنا بالمطوَّب،[11] وفي رسالة ليو إلى مجمع أفسس الثاني 499م أكد أن الإمبراطور كان مهتماً أن يستشير الكرسي الرسولي ليدع بطرس نفسه يوضح ما كان يقصده في اعترافه.[12]

ومن هنا ندرك أن الدور الذي قُصد أن يقوم به هذا الطومس كان متنوعاً، فمن جهة كان مُقدماً كعرض للإيمان من أجل صالح الكنيسة، ولكن من جهة أخرى وبأهمية أكبر كان مُقدماً كوثيقة لها السلطة البطرسية.

وكان للبابا ديسقوروس دورين في هذا المجمع:

أولاً كان هو الشخص المعيَّن من قبل الإمبراطور والمكلَّف ببحث مسألة إدانة أوطيخا في ضوء الإيمان النيقاوي حسبما فهمه وأكده مجمع أفسس عام 431م.

ثانياً كان للبابا ديسقوروس قناعته اللاهوتية الخاصة النابعة من التقليد السكندري الذي نشأ فيه، ولذلك فيما يخص الخلاف بين الجانبين السكندري والأنطاكي بالنسبة لإعادة الوحدة، كان البابا ديسقوروس معارضاً للموقف الأنطاكي وكان هناك اتفاق بينه وبين الإمبراطور حول هذا الأمر.

وتحتاج هذه الحقيقة إلى مزيدٍ من التأكيد، خاصة أمام وجهة النظر التي ترى أن ديسقوروس انتهز فرصة المساندة التي كانت لأوطيخا من ابن أخيه ـ وابنه في المعمودية ـ كريسافيوس، ليهيمن أولاً على كرسي أنطاكيا ثم بعد ذلك على كرسي القسطنطينية.

وقد عبَّر بول جوبرت (Paul Goubert) في تاريخنا المعاصر عن نفس هذه الفكرة في مقالته[13]:

(Le role de Saint Pulcheri et de l’unuque Chrysaphios)، إلاّ أن الحجة التي وراء هذه النظرة تعتمد على الافتراض المُسبق بأن أوطيخا كان هرطوقياً بصورة مؤكدة، وأنه لم يكن هناك سبب (لاهوتي) وراء الموقف الذي اتخذه البابا ديسقوروس.

ويتعين علينا هنا أن نتوقف قليلاً أمام هذين الإفتراضين. ففي ضوء التفسيرات المعاصرة، يمكننا أن نلاحظ أنه قد ظهر أن تلك المزاعم الخاصة بأن أوطيخا كان هرطوقياً بصورة مؤكدة هي مزاعم من الصعب الدفاع عنها بصورة قاطعة. وقد قدم تلك الرؤية كل من توماس كامِلوت (Thomas Camelot) وبول جالتييه (Paul Galtier).

فيرى توماس أن أوطيخا لم يكن هرطوقياً، أما بول فأظهر أن ق. كيرلس السكندري لم يقر أبداً بعبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” ولا بالعبارة القريبة لها “في طبيعتين”، ويزعم جالتييه أن ذلك كان بسبب خوفه من النسطورية. وبالتالي فإذا لم يكن أوطيخا هرطوقياً (بصورة مؤكدة)، وإذا كان ق. كيرلس قد تجنب عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” انطلاقاً من خوفه من النسطورية، فإن هذا يدعونا لأن نظهر تعاطفاً ـ إن لم يكن تقديراً ـ أكبر بكثير مما أظهرناه قبلاً، من جهة تقييمنا للفكر اللاهوتي للبابا ديسقوروس الخلف المباشر للبابا كيرلس.

وبالنسبة لمجمع أفسس الثاني عام 449م، كان هناك قراران من قراراته بالإضافة إلى مسألة إغفال طومس ليو قد أثاروا ثلاثتهم مشاكل كبيرة. وسنقوم هنا بفحص تلك النقاط الثلاثة بدون الدخول في عرض التاريخ التفصيلي للمجمع.

 

(ب) تبرئة أوطيخا:

عقد مجمع أفسس الثاني أولى جلساته يوم 8 أغسطس عام 449م بحضور حوالي 150 أسقفاً،[14] وقد أخذ البابا ديسقوروس المكان الأول بكونه الرئيس الرسمي الأعلى وبابا الإسكندرية، وبعد البابا ديسقوروس وعلى الترتيب جلس كل من يوليوس أسقف بيوتيولي (Julius of puteoli) ممثلاً لكرسي روما، وجوفينال (Juvenal) أسقف أورشليم، ودومنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا، وفلافيان (Flavian) أسقف القسطنطينية.[15]

وفور دعوة المجمع للانعقاد، قُرئت عليهم المراسيم التي أصدرها الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني في دعوته للمجمع، وبعد ذلك وجَّه المجمع اهتمامه إلى توضيح الإيمان. وافتتح ثالاسيوس (Thalassius) الحديث[16] ووافقه يوليوس ممثل بابا روما، وهنا حاول إلبيديوس (Elpidius) أن يوجِّه المجمع إلى أنه ينبغي أن يتم الإقرار بالإيمان أولاً، ثم تُقرأ بعد ذلك وقائع مجمع القسطنطينية (المكاني) لكي ما يمكن تحديد إذا ما كانت مسألة إدانة أوطيخا مبررة في ضوء هذا الإيمان أم لا.

ورد البابا ديسقوروس على ذلك قائلاً إن الإمبراطور قد دعا المجمع للانعقاد، ليس من أجل تحديد الإيمان ـ لأن هذا قد تم بالفعل بواسطة الآباء ـ وإنما من أجل فحص ما قد حدث، لكي ما نرى إذا كان هذا الأمر يندرج ضمن إيمان الآباء، ثم تساءل ديسقوروس: “أو هل ترغبون أن نضع إيمان الآباء جانباً؟”.[17]

وهنا صاح المجمع: “إذا وضع أي أحد إيمان الآباء جانباً ليكن أناثيما (محروماً)، وإذا تطفل أي أحد عليه فليكن أناثيما. ونحن سوف نحفظ إيمان الآباء”. وعندئذ أوضح ديسقوروس أنه كان يشير في ذلك إلى قانون إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس عام 431م، وكانت استجابة المجمع: “إن هذا يحمي العالم. إن هذا يؤكد الإيمان”.[18]

وأضاف ديسقوروس: “بالرغم من أننا نذكر مجمعين (أي نيقية وأفسس)، إلاّ إنهما قد أكدا نفس الإيمان”، ورد المجمع: “لقد حدد الآباء كل شيء بالكمال، ومن يتعدى ذلك فليكن أناثيما”.[19] وعندما أشار ديسقوروس إلى أنه لا ينبغي تعدي الإيمان النيقاوي لأي سبب على الإطلاق، استجاب المجمع بقوله: “رئيس الأساقفة ديسقوروس، حارس الإيمان العظيم!”.

واقتبس البابا ديسقوروس ما جاء في (ا صم 25:2) قائلاً إن الروح القدس كان مع الآباء، ولذلك فكل من يتعدى على الإيمان فإنه يستخف بنعمة الروح القدس، وهنا صاح المجمع “إننا كلنا نؤيد هذا القول، فمن يتعدى (الإيمان) فليُطرح خارجاً”. وأضاف ديسقوروس: “لا أحد يمكن أن يضع صيغة جديدة” فأجاب المجمع “تلك هي كلمات الروح القدس، هذا هو حامي القوانين، ومن خلالك يحيا الآباء (بيننا)، هذا هو حارس الإيمان!”.[20]

ومن الواضح أن هذا المشهد برمته كان يهدف إلى التأثير على أعضاء المجمع بأن الجانب الأنطاكي كان يتجاهل مجمع أفسس عام 431م. ولذلك كان هناك الكثير من الجدل الدائر حول هذه الهتافات.

وعندما تم توضيح الإيمان بهذه الطريقة، اقترح إلبيديوس أن يُستدعى أوطيخا،[21] فلما أتى طمأنه كل من ثالاسيوس وجوفينال بأن العدل سيأخذ مجراه في قضيته.[22]

وهنا أحال أوطيخا دعوى الإستئناف (الإلتماس) إلى المجمع، فتم قبول الدعوى بناءً على اقتراح ستيفن (Stephen) أسقف أفسس[23] وتمت قراءتها على المجمع.[24] وكان الإلتماس يحتوي بعد المقدمة على قانون إيمان نيقية، وقد ذهب إلى التأكيد بأن مقدم هذا الإلتماس يؤمن ويقر به (أي بقانون الإيمان) وأنه اعتمد (أي نال العماد) فيه وأنه يحفظه إلى هذا اليوم.

وذكر أوطيخا أن هذا الإيمان قد تم إقراره وتأكيده في مجمع أفسس، وأنه قد استلم نسخة من قرارات ذلك المجمع أرسلها إليه البابا كيرلس. وأضاف أوطيخا أنه يقبل كل الآباء بما في ذلك الحاضرين في المجمع، كما أنه يحرم كل الهراطقة: ماني وفالنتين وأبوليناريوس ونسطوريوس وغيرهم رجوعاً إلى سمعان الساحر، ويحرم بالأخص هؤلاء الذين يقولون إن جسد ربنا وإلهنا يسوع المسيح قد نزل من السماء.[25]

وبعد ذلك قدم أوطيخا عرضاً تفصيلياً عن إدانته في مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م، واختتم دعواه بالتعبير عن ولائه لقانون إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس عام 431م،[26] بما يتضمنه ذلك من الرؤية السكندرية لإعادة الوحدة عام 433م.

وصورة دعوى أوطيخا كما عرضناها هنا هي مأخوذة من محاضر جلسات مجمع أفسس الثاني عام 449م التي تم عرضها أمام مجمع خلقيدونية. وهي لا تحتوي على جملتين حاسمتين كانتا ضمن اعتراف أوطيخا الذي ألحقه بدعواه التي أرسلها إلى ليو بابا روما بعد مجمع القسطنطينية المكاني.[27] وهاتان الجملتان هما اللتان كانتا بالضبط بعد عبارة أوطيخا التي يحرم فيها الذين يقولون إن جسد ربنا وإلهنا يسوع المسيح قد أتى من السماء.

وهنا يصبح السؤال عن كيفية ترك هاتين الجملتين في خلقيدونية، سؤالاً ذو أهمية خاصة. فمن غير الممكن أن يكون أوطيخا نفسه هو الذي استبعدهما من دعواه التي قدَّمها إلى مجمع عام 449م، والأكثر من ذلك أن واحداً من البراهين التي ساقها البطريرك ساويروس الأنطاكي ـ والذي كان يعتبر أوطيخا هرطوقياً ـ في دفاعه عن تبرئة مجمع عام 449م لأوطيخا، أن الراهب العجوز قد قدَّم (للمجمع) اعترافاً للإيمان لا يستحق اللوم على الإطلاق، بل وقد أشار البطريرك ساويروس إلى هاتين الجملتين ’بالرغم من أنهما غير موجودتين في كتابات أوطيخا كما قد وصلت إلينا‘.[28]

ونحن في الحقيقة لدينا سنداً واضحاً في محاضر مجمع خلقيدونية نستطيع من خلاله أن نجيب على التساؤل المطروح، ففي عام 451م عندما وصلت قراءة اعتراف أوطيخا إلى العبارة التي يحرم فيها الذين يقولون أن جسد ربنا يسوع المسيح قد أتى من السماء، تدخل يوسابيوس أسقف دوريليم الذي قام باتهام أوطيخا ـ والذي كان بالتأكيد قد رأى الوثيقة (من قبل) ـ وقال إن أوطيخا “قد استبعد أن يكون الجسد ’من السماء‘ ولكنه لم يحدد من أين”.[29]

وهذه النقطة بعينها هي التي كان أوطيخا في الحقيقة قد أجاب عنها بوضوح تام في الجملتين التاليتين، ولكن يوسابيوس قدَّم تعليقه في اللحظة الصحيحة وأحدث جدلاً في المجمع،[30] وعندما انتهى ذلك الجدل واستؤنفت القراءة، واصلوا القول ببساطة بأن أوطيخا كان متمسكاً بإيمان نيقية، وبأن يوسابيوس قد اتهمه أمام فلافيان.[31]

وأمام هذه الحقائق، لا يمكننا أن نتجاهل الاستنتاج بأنه: بما أن هاتين الجملتين كانتا تحتويان على رد أرثوذوكسي على التهمة التي وجهها يوسابيوس لأوطيخا، فلابد أن تكونا قد استبعدتا عن عمدٍ في مجمع كان يتحرك منذ البداية على الافتراض بأن أوطيخا كان هرطوقياً حقيقياً.[32] وهاتان الجملتان هما: “لأنه، الذي هو كلمة الله، نزل من السماء بدون جسدٍ وصار جسداً من ذات جسد العذراء بلا أي تغيير أو تحويل، وبطريقة هو نفسه يعرفها ويريدها.

والذي هو إله كامل على الدوام قبل كل الدهور، صار أيضاً في آخر الأيام إنساناً كاملاً من أجلنا ومن أجل خلاصنا”.

وبعيداً حتى عن هاتين الجملتين، فإن الراهب قد أوضح كما قد رأينا أن جسد ربنا ـ بالنسبة له ـ قد أُخذ من العذراء بالحقيقة والكمال. ولكن ينبغي أن نرى أهمية هاتين الجملتين من زاوية أخرى: فالجملة الأولى هي بالفعل محاولة ناجحة للحفاظ على تأكيد نيقية على التجسد، والجملة الثانية تتضمن الفكرة التي وراء التأكيد على وحدانية المسيح معنا في ذات الجوهر.

ونعود إلى وقائع مجمع أفسس الثاني، فعندما انتهت قراءة إلتماس أوطيخا، طلب فلافيان أنه من الواجب أيضاً أن يُسمع ليوسابيوس بوصفه المدعي على أوطيخا،[33] ولكن إلبيديوس المندوب الإمبراطوري رد عليه بقوله إن يوسابيوس، بوصفه أحد القضاة الذين حكموا على أوطيخا، قد عبَّر عن وجهة نظره في الموضوع، وبالتالي فإن السؤال الذي ينبغي فحصه الآن بواسطة المجمع هو: هل كانت هيئة القضاة صائبة (في قراراها) أم مخطئة؟.[34]

وتأكيداً على وضع المجمع بكونه له صلاحية النقض، طلب إلبيديوس محاضر جلسات مجمع القسطنطينية المكاني لكي تُقرأ، ومع ذلك سأل البابا ديسقوروس الحاضرين أن يعبروا عن رأيهم في قبول قرار المندوب الإمبراطوري، وهنا تحدث ثمانية عشر أسقفاً مرحبين بهذا الطلب كان منهم على الترتيب جوفينال أسقف أورشليم وستيفن أسقف أفسس وثالاسيوس أسقف قيصرية وديوجينيس أسقف سيزيم،[35] وقد أعلن المجمع “كلنا نريد أن تُقرأ محاضر الجلسات”.[36]

وفي هذه الأثناء سأل البابا ديسقوروس مندوبي روما بالتحديد ليعبروا عن رأيهم في الأمر، فأعلن يوليوس موافقته على هذه الخطوة شريطة أن تُقرأ رسائل البابا ليو (بابا روما) أولاً،[37] وطالب هيلاري أيضاً بقراءة رسالة بابا روما. وهنا اعترض أوطيخا بأن وفد روما كان في جانب فلافيان في خلافه معه، ولذلك فهو لا يتوقع منهم الإنصاف.[38]

وفي هذا السياق، أعطى ديسقوروس قراره بأن تُقدم محاضر جلسات المجمع المكاني إلى المجمع أولاً وبعد ذلك تُقرأ رسالة بابا روما.[39]

واستمع المجمع لكل محاضر جلسات مجمع القسطنطينية المكاني، وفي النهاية سأل البابا ديسقوروس المجتمعين ليعطوا حكمهم فيما يخص أوطيخا.[40] وهنا تكلم جوفينال أسقف أورشليم ودومنُس أسقف أنطاكيا وستيفن أسقف أفسس وثالاسيوس أسقف قيصرية ويوسابيوس أسقف أنقرة وديوجينيس أسقف سيزيم وخمس آخرين معترفين ومقرين بأرثوذوكسية أوطيخا، وكان هؤلاء ضمن مئة وأحد عشر رجلاً صوتوا لصالح تبرئة الراهب العجوز،[41] ولم يعبِّر أي صوت عن معارضته للأمر.

وبمجرد أن أعلن المجمع عن تبرئته لأوطيخا، تقدَّم الرجال ورهبان الأديرة الذين كانوا مناصرين لأوطيخا بإلتماس إلى المجمع يطلبون فيه تبرئتهم حيث كان فلافيان قد حرمهم هم أيضاً.[42] وبعد تعهدهم ببقائهم مخلصين لإيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع عام 431م، وبعد سماع رأي دومنُس أسقف أنطاكيا وثالاسيوس أسقف قيصرية ويوسابيوس أسقف أنقرة وستيفن أسقف أفسس، وكذلك بعد أخذ رأي المجمع كله، تمت تبرئتهم جميعاً.[43]

 

(ج) إدانة فلافيان ويوسابيوس وآخرين:

كان مجمع عام 449م قد شرع في مناقشة أمر فلافيان ويوسابيوس في سياق قراءته لمحاضر جلسات مجمع أفسس عام 431م التي قضت بإدانة وحرمان نسطوريوس.[44] فبعد قراءة هذه المحاضر، علق البابا ديسقوروس بقوله: كانت هذه هي الطريقة التي أكدَّ بها الآباء إيمان نيقية، ثم سأل المجمع ليعبِّر عن وجهة نظره نحو هذا الإيمان.[45]

فبدأ ثالاسيوس الكلام ضمن ستة عشر رجلاً أعربوا عن موافقتهم التامة (على الطريقة التي فسَّر بها مجمع عام 431 م إيمان نيقية) كان من بينهم مندوبا روما يوليوس وهيلاري،[46] كما أعلن المجمع أن جميع الحاضرين يقبلون ذلك.[47] وفي هذا السياق علق البابا ديسقوروس بأن فلافيان ويوسابيوس قد ناقضا هذا الإيمان، وطلب من المجمع أن يعبِّر كل واحد من الحاضرين منفرداً عن رأيه بخصوصهما.[48]

وعلى الرغم من صراخ كل من فلافيان وهيلاري الرافض لهذا الأمر،[49] تكلم كل من جوفينال ودومنُس وثالاسيوس ويوسابيوس أسقف (Ancyra) وستيفن أسقف أفسس معلنين أن فلافيان ويوسابيوس قد تجاوزا إيمان نيقية،[50] وبعد هؤلاء أيد تسعة وثمانون آخرون الحكم معبرين عن وجهة نظرهم كل بمفرده.[51]

وهكذا وبهذه الطريقة أعاد مجمع عام 449م أوطيخا إلى رتبته وأدان كل من فلافيان ويوسابيوس. وبعيداً عن الدفاع عن هذه القرارات ينبغي علينا أن نتساءل عن الأساس (اللاهوتي) الذي بنى عليه المجمع قراراته تلك. وفي الحقيقة كان يوسابيوس أسقف دوريليم ـ كما سنرى ـ قد أكد في مجمع خلقيدونية أن مجمع أفسس الثاني اعتبر هرطقة أوطيخا (تعاليماً) أرثوذوكسية، كما قام بحرمه هو وفلافيان.

وقد استمر كثيرون على مدى التاريخ المسيحي يكررون نفس وجهة نظر يوسابيوس، ولكن الحقيقة التي يمكن أن نراها بوضوح من خلال القصة التي أوردناها هي أن مجمع عام 449م قد أقر (أو صدَّق على) الموقف اللاهوتي الذي كان قد تبناه مجمع عام 431م في إدانته لنسطوريوس، وفي ضوء ذلك الموقف قرر تبرئة أوطيخا من ناحية وحرم فلافيان ويوسابيوس من الناحية الأخرى.

أي أن مجمع أفسس الثاني عام 449م قد دافع عن الرؤية السكندرية لإعادة الوحدة 433م في مواجهة الفهم الأنطاكي لها والذي كان يتبناه مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م.

ولجريلميير (Grillmeier) رأي في هذا الموضوع، حيث يعتبر أن مجمع أفسس الثاني عام 449م قد أخطأ في تبرئتة أوطيخا لأنه لم يتمسك بالموقف اللاهوتي الكيرلسي بمعناه المضبوط، فعلى سبيل المثال قبل أوطيخا عبارة “من طبيعتين” تحت الضغط فقط كما أنه أعطاها تأويلاً خاطئاً.[52]

والقول بأن أوطيخا قبل عبارة “من طبيعتين” تحت الضغط فقط لا يمكن إثباته من خلال أي من أقوال أوطيخا الخاصة، ولكن كونه قد أعطاها تحريفاً خاطئاً يمكن التدليل عليه من واقع عبارته التي قالها في المجمع المكاني والتي أكد فيها على “طبيعتين قبل” و “طبيعة واحدة بعد” الاتحاد.

والحقيقة البسيطة هنا هي أن أوطيخا لم يكن يفهم الفكرة التي وراء عبارة “من طبيعتين” ولذلك أخذ كلمة ’ من‘التي في العبارة بمعنى زمني يتضمن ’ قبل‘و’بعد‘. ومع ذلك فبرغم أن  ليو بابا روما قال عن تلك العبارة أنها “سخيفة وفاسدة”، إلاّ أنه لا المجمع المكاني ولا مجمع عام 449م رأى فيها الفكرة التي رأها بابا روما، فمجمع القسطنطينية المكاني لم يعلق على تلك العبارة مما جعل بابا روما يعبر عن دهشته من ذلك.[53]

كما أن مجمع عام 449م ـ متتبعاً رأي البابا ديسقوروس ـ أفاد بأنها مقبولة،[54] وهذان المجمعان، اللذان كانا يقودهما الفكر الكنسي الشرقي، لم يجدا في كلمات أوطيخا غير ما يشدد عليه السكندريون وهو بالتحديد أن المسيح المؤلف “من طبيعتين” هو “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وفي الحقيقة كان هذا المفهوم هو ما أوضح أوطيخا نفسه في إحدى جمله الشفهية  أنه هو كل ما كان يعنيه.[55]

لذلك فبعيداً عن الدفاع عن أوطيخا بأكثر مما يستحقه، يمكننا القول أن تقييم بابا روما للرجل كان متأثراً بنقص فهمه للتقليد السكندري، كما أن رأي جريلميير في أوطيخا لم يكن إلا محاولة رؤية موقف (لاهوتي) في شخص ـ غير متمرس على اللاهوتيات ـ من الجائز ألا يكون قد قصد التمسك به بالمرة.

ومع ذلك نحن لا نجد في قرار تبرئة أوطيخا ـ وحتى مع التسليم بأنه قد تم على أساس الموقف اللاهوتي الذي تبناه مجمع عام 431م ـ أن مجمع أفسس الثاني قد تعامل مع مسألة ’ وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا‘ بشكل جيد. وحقيقة أن الفكرة التي وراء العبارة يمكن إيجادها في اعتراف أوطيخا، لم تكن كافية لتبرير صمت المجمع تجاه هذا الموضوع، وخاصة حينما قُريء على المجمع ما دار حول هذا الموضوع في القسطنطينية عام 448م من خلال محاضر الجلسات.

وحيث إننا نجد التأكيد على ’ وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا‘ عند كل من البابا كيرلس والبابا ديسقوروس، فالسبيل الوحيد لتفسير هذا الأمر هو أن نقول أن المجمع في معارضته الشديدة لموضوع “طبيعتين بعد الاتحاد” ـ والتي أكد مجمع عام 448م أنه أمر أساسي للحفاظ على الأرثوذوكسية ـ لم يعط الاهتمام الكافي لمناقشة موضوع ’وحدانية المسيح في ذات الجوهر معنا‘.

وتُظهر محاضر جلسات كل من المجمع المكاني عام 448م، ومجمع أفسس الثاني عام 449م أن الأرثوذوكسية هي في الحفاظ على قانون إيمان نيقية بالطريقة التي فسره وفهمه بها مجمع أفسس عام 431م، ولكن هذه الكلمات لم تكن تعني نفس الشيء عند كليهما.

فمجمع القسطنطينية عام 448م ـ متبعاً في ذلك الجانب الأنطاكي ـ كان يقبل مجمع أفسس عام 431م فقط بالقدر الذي وافقت عليه صيغة إعادة الوحدة عام 433م، أما مجمع أفسس الثاني عام 449م، فتمشياً مع التقليد السكندري، كان يؤكد على قبول مجمع عام 431م بكامله. فأي الموقفين كان ينبغي للكنيسة أن تتبناه؟ هذا هو السؤال الذي كان يحتاج إلى إجابة.

وفي نفس ضوء مفهومه الخاص قام مجمع أفسس الثاني عام 449م في جلساته التالية بمناقشة حالات كل من إيباس أسقف الرها، ودانيال أسقف (Carrhae) وإيريناؤس أسقف صور وأكويلينيوس أسقف بيبلوس وصفرونيوس أسقف كونستنتينا وثيؤدوريت أسقف قورش ودومنُس أسقف أنطاكيا.[56]

وكل هؤلاء الرجال ـ سواء كانوا مساندين لنسطوريوس أم لا ـ كانوا يؤيدون الفهم الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م، وهذا الأمر من وجهة النظر السكندرية هو نتيجة الاهتمام بالدفاع عن تعليم نسطوريوس دون شخصه، ولذلك حاول مجمع عام 449م أن يحطم ذلك تماماً فحرم كل المذكورين أعلاه بتهمة موالاتهم للنسطورية. ومن بين هؤلاء الرجال سيأخذ كل من إيباس وثيؤدوريت منا بعض الاهتمام فيما بعد.

 

 

[1] للإطلاع على خطاب ثيؤدوسيوس لديسقوروس انظر: (ACO II, i, pp. 68-69: 24).

[2] المرجع السابق صفحة 74: 52.

[3] المرجع السابق صفحة 71: 48.

[4] المرجع السابق صفحة 72: 49.

[5] المرجع السابق صفحة 73: 50.

[6] المرجع السابق صفحة 73-74: 51.

[7] كان البابا إنوسنت الأول (Innocent I) (402م – 417م) قد ادعى السلطة العليا (لكرسي روما على الكنيسة) في رسالة إلى مجامع أفريقيا، حيث كتب فيها: “إنه لمن دواعي الحرص واللياقة أن تسترشدوا بأسرار الكرسي الرسولي وأعني هنا الكرسي الذي يرعى كل الكنائس وخاصة فيما يتعلق بمناقشة الأمور المتصلة بالإيمان. وأعتقد أن كل الأخوة والأساقفة يجب أن يجعلوا القديس بطرس هو مرجعيتهم الوحيدة فهو صاحب ومؤسس كرسيهم. انظر:

(H. Burn-Murdoch, The Development of The Papacy, Faber and Faber, 1954, pp. 213-214).

وقد قدَّم نفس ذلك الإدعاء أيضاً القس فيليب (Philip) أحد المندوبين الرومانيين الثلاثة في مجمع أفسس عام 431م، فبعد أن تسلم المجمع خطاب البابا كلستين (Coelestine)

قال فيليب: “إنه لا يوجد شك لدى أي واحد، ولكن على العكس هو ثابت ومعروف في كل العصور أن ق. بطرس المطوب جداً رئيس وهامة الرسل وعمود… قد استلم من ربنا يسوع المسيح… مفاتيح الملكوت وله أُعطي سلطان حل وربط الخطايا، وأنه هو حتى ذلك اليوم وبدون انقطاع مازال يحيا ويحكم من خلال خلفائه” انظر:

 (Jalland, The Church and The Papacy, S. P. C. K., 1944, P 298) 

[8] كان جالاند يعبر عن وجهة النظر التي ترى أن الطومس كان مكتوبا أولاً “كمرشد لأولئك المسئولين عن فحص مسألة أوطيخا في القسطنطينية أو في أي مكان آخر”، ولكن فيما بعد “لم يتردد ليو في أن يشير إلى الطومس باعتباره المقياس النهائي للأرثوذكسية”. انظر:

(Life and Times …., op. cit. p. 302) 

ولكن هذه الفكرة تتناقض مع الطومس نفسه، ودليلنا على ذلك أنه في أثناء كتابة الوثيقة نفسها كان ليو قد خطط أن يُدخل فيها نظرية السلطة الباباوية (على كل الكنيسة) وذلك من خلال اعتبار أنه يقدم للكنيسة شرح صحيح للإيمان وكأنه يأتي من الرسول (بطرس) نفسه.

[9] هناك دلائل قوية تؤكد قولنا إن إدعاءات ليو في نظرية السلطة الباباوية كانت بالفعل تحتل مساحة كبيرة من تفكيره. فعندما أعطى ثيؤدوسيوس الثاني أوامره بعقد مجمع لتسوية موضوع أوطيخا، لم يكن ليو يريد عقد ذلك مجمع في إشارة ضمنية بكون الطومس كافياً لتقديم الإرشاد الضروري في القضية. انظر الخطاب في: (ACO. II, i, p. 45:10).

وبعد مجمع أفسس الثاني عام 449م وعندما رأى أن خطته لم يُكتب لها النجاح، حاول ليو أن يبذل كل ما في وسعه ليعقد مجمعاً في إيطاليا ليكون تحت سيطرته فيستطيع أن يزيح جانباً قرارات مجمع عام 449م.

(انظر الخطابات التي أُرسلت إلى ثيؤدوسيوس وإلى أفراد العائلة الإمبراطورية: المرجع السابق صفحة 1:3؛ 5: 2 و5-6: 3؛ و6: 4 و25-27: 12). ولكن عندما مات ثيؤدوسيوس وجلس مركيان على العرش، لم يكن ليو حريصاً على عقد المجمع (انظر الخطاب إلى مركيان: N. & P. N. F, sec. ser. vol. XII, pp. 66 – 67). وعلاوة على ذلك فمنذ أن كتب ليو الطومس وبعثه إلى الشرق، حاول أن يستخدم كل نفوذه وتأثيره حتى يجعل هذا الطومس مقبولاً بدون أن أي نوع من الجدل.

وتظهر وجهة نظر ليو في اثنين من خطاباته بالإضافة إلى الطومس والخطاب الموجَّه إلى مجمع عام 449م. وقد كتب ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس ضد مجمع عام 449م يقول: “إن أساقفة روما يقومون منذ البداية بإرشاد مجامع الكنيسة لتتمسك بالحق من أجل السلام ولكيلا يسمحوا لأي أحد بإفساده” (انظر الخطاب في: ACO. II, i, p. 3:1). وفي خطابه إلى ثيؤدوريت أسقف قورش تحدث ليو عن نفسه كرئيس للبطريرك ديسقوروس (انظر: N& PNF, sec. ser. op. cit., pp. 87– 90).

فإذا وافقنا على أن كل تلك الدلائل تنتمي إلى مرحلة متأخرة من الجدل (حول نظرية الباباوية)، فسنتأكد من حقيقة أن النظرية البابوية كانت في فكر ليو منذ البداية، ولذلك فعند كتابته للطومس لم يكن غرض ليو هو فقط التعبير عن وجهة نظره اللاهوتية وتقديمها للكنيسة ولكنه أراد في ذلك الصراع الدائر أن يقدم توجيهه الصادر من رأس الكنيسة الأعلى في المسكونة.

ومن هنا يجب علينا أن نعترف بأن تقييم ليو للبابا ديسقوروس وللجانب غير الخلقيدوني كان متأثراً بتحامله في الأمور اللاهوتية من ناحية وبادعاءاته في السلطة الباباوية من الناحية الأخرى.

[10] كان جالاند يرى أن ذلك الخطاب كان مكتوباً في الأصل إلى جماعة النبلاء في القسطنطينية. انظر: (Life and Times ….، op. cit. p. 228)

[11] راجع هذه الفكرة في الطومس (ACO. II, i, p. 16). ويعتقد جريلماير أن الاعتراف حسبما ورد في إنجيل ق. متى هو أكثر دلالة من الناحية اللاهوتية من الأناجيل الأخرى. انظر: (Christ in Christian Tradition ,op. cit., p. 10)

[12] للإطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, pp. 43-44).

[13] انظر المقالة في: (Das Konzil von Chalkedon, op. cit. vol. I)

[14] ورد في المرجع (ACO. II, i, pp. 78-82) أسماء 135 مندوباً، وقد تضمن هذا العدد الخمسة قسوس الذين كانوا يمثلون الأساقفة الغائبين. لمراجعة هذا العدد انظر:

(E. Honigman, Byzantium vol. XVI, Fase. 1, 1942-43, and Juvenal …., op. cit., p 233).

[15] في مجمع عام 431م وفي غياب أساقفة روما ـ عند دعوة المجمع للانعقاد ـ وكذلك في غياب كل من نسطوريوس أسقف القسطنطينية ويوحنا أسقف أنطاكيا، أصبح جلوس جوفينال أسقف أورشليم بعد القديس كيرلس مباشرة. وقد يكون هذا ما دعا مجمع عام 449م لأن يتبع نفس الموقف السابق متجاهلاً أسبقية كل من القسطنطينية وأنطاكيا.  وكما سنرى فيما بعد في صفحة وصفحة فإن هذا التصرف كان مرضياً جدا لجوفينال.

[16] ACO. II, i, p. 86:116.

[17] المرجع السابق صفحة 86-87: 119.

[18] المرجع السابق صفحة 88: 136-137.

[19] المرجع السابق صفحة 89: 141-142.

[20] المرجع السابق صفحة 89: 143-148.

[21] المرجع السابق صفحة 89: 151.

[22] المرجع السابق صفحة 90: 153-154.

[23] المرجع السابق صفحة 90: 156.

[24] لمراجعة التماس أوطيخا كما قُرئ في مجمع خلقيدونية من محاضر جلسات مجمع أفسس الثاني عام 449م، انظر المرجع السابق صفحة صفحة 90-91: 157؛ صفحة 92: 164؛ صفحة 94-95: 185. وقد تمت مقاطعة قراءة الالتماس مرتين ولذلك فإن الوثيقة بكاملها لم تُقدم بشكل متصل، ولا حتى وهي تُعرض في مجمع خلقيدونية.

[25] المرجع السابق صفحة 92: 164.

[26] المرجع السابق صفحة 96: 185.

[27] تم ذكر التماس أوطيخا في صفحة.

[28] تناول البطريرك ساويروس الأنطاكي هذه النقطة في خطابين على الأقل من خطاباته الباقية، وهما بالتحديد: خطابه إلى سرجيوس الطبيب والفيلسوف، وخطابه إلى الإخوة الأرثوذكس في مدينة صور. للإطلاع على هذين الخطابين باللغة السريانية مع ترجمة انجليزية انظر:

 (Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 264-65, 266-67

[29] ACO. II, i, p. 92:165).

[30] للرجوع إلى ذلك الجدل الذي ثار، انظر المرجع السابق صفحة 92-94: 165-184.

[31] المرجع السابق صفحة 94: 185.

[32] لقد ذكرنا من قبل كيف أن أوسابيوس كان منذ البداية يسير على الافتراض بأن أوطيخا كان بالفعل هرطوقياً. وقد تبنى قادة مجمع خلقيدونية أيضاً نفس التوجه بالنسبة لهذا الراهب.

وكمثال على ذلك، عندما تمت قراءة رسالة ق. كيرلس الثانية إلى نسطوريوس وصيغة إعادة الوحدة (من خلال محاضر جلسات المجمع المكاني كما سجلها مجمع عام 449م)، قام أساقفة إيليريكم بالتعبير عن إجلالهم لكيرلس. ولكن مندوبو الإمبراطور قاموا بتغيير أجواء المناقشات وتساءلوا كيف يمكن أن يتم تبرئة أوطيخا وهو لم يقبل صيغة إعادة الوحدة. انظر:

(ACO. II, i, pp. 111-112: 247-259).

[33] المرجع السابق صفحة 96: 186.

[34] المرجع السابق صفحة 97: 197.

[35] المرجع السابق صفحة 97-99: 199-215.

[36] المرجع السابق صفحة 99: 216.

[37] المرجع السابق صفحة 99: 217-219. ومن الواجب علينا أن نذكر أنه لم يكن هناك عضو واحد أيد مندوبي روما في تلك النقطة.

[38] المرجع السابق صفحة 99: 220.

[39] المرجع السابق صفحة 99: 221.

[40] المرجع السابق صفحة 182: 883.

[41] المرجع السابق صفحة 182-186: 884-886. ومن الجدير بالذكر أنه جوفينال أعطى حكمه في هذه اللحظة بأنه (أي أوطيخا) كان أرثوذوكسياً جداً.

[42] للاطلاع على الالتماس انظر المرجع السابق صفحة 186-188: 887-888.

[43] المرجع السابق صفحة 188-189: 889-910.

[44] المرجع السابق صفحة 189: 911-942.

[45] المرجع السابق صفحة 189-190: 943.

[46] المرجع السابق صفحة 190-191: 944-960.

[47] المرجع السابق صفحة 191: 961.

[48] المرجع السابق صفحة 191: 962.

[49] المرجع السابق صفحة 191: 963-964.

[50] المرجع السابق صفحة 192: 966-970.

[51] المرجع السابق صفحة 192-194: 972-1067.

[52] يذكر جريلماير في (Christ……, op. cit., p. 458) أن أوطيخا قبل عبارة “من طبيعتين” تحت الضغط، وهذا الرأي مبني على شهادة واحد من أعضاء المجمع. انظر صفحة.

[53] جاء ذكر ذلك في الطومس.

[54] ACO. II, i, p. 143: 528-529.

وعندما تمت قراءة العبارات التي قالها أوطيخا من محاضر جلسات مجمع عام 448م، قال ديسقوروس: ” نحن نقر جميعاً بهذه الأمور”، ورد المجمع كله: “نعم نقر بها”.

[55] للاطلاع على هذه العبارة انظر صفحة وما يليها.

[56] وقائع هذه الجلسات مذكورة في نسخة سريانية مع ترجمة ألمانية في:

(Akten der Ephesinischen Synode Rom Jahre 449, ed. Johannes Fleming, Berlin, 1917. S.G.F)

وهناك ترجمة إنجليزية للنسخة السريانية مذكورة في:

(Perry, The Second Synod of Ephesus, Dartford. 1875 – 81).

مجمع أفسس الثاني 449م وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

Exit mobile version