التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو27:9ـ36) ” حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ. وَبَعْدَ هذَا الْكَلاَمِ بِنَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، أَخَذَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَصَعِدَ إِلَى جَبَل لِيُصَلِّيَ. وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً، وَلِبَاسُهُ مُبْيَضًّا لاَمِعًا. وَإِذَا رَجُلاَنِ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ، وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا، اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ، وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ. وَأَمَّا بُطْرُسُ وَاللَّذَانِ مَعَهُ فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا رَأَوْا مَجْدَهُ، وَالرَّجُلَيْنِ الْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ. وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: يَامُعَلِّمُ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً. وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ. وَفِيمَا هُوَ يَقُولُ ذلِكَ كَانَتْ سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ. فَخَافُوا عِنْدَمَا دَخَلُوا فِي السَّحَابَةِ. وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا. وَلَمَّا كَانَ الصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا هُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَدًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ “.

 

          إن أولئك الماهرون في المصارعة يفرحون حينما يُصفِّق لهم المشاهدون، وهم يرتفعون إلى مستوى عال ومجيد من الشجاعة بواسطة رجاء الحصول على إكليل النصر. وهكذا أيضًا أولئك الذين يرغبون أن يُحسبوا أهلاً للمواهب الإلهية، والذين يعطشون إلى أن يصيروا شركاء الرجاء المعد للقديسين، فإنهم يدخلون المعارك لأجل التقوى في المسيح، ويسلكون حياة زكية، ولا يركنون إلى الكسل في عدم الشكر، ولا يغرقون في جبن وضيع، بل بالحري، يقاومون برجولة كل تجربة، ولا يخافون من عنف الاضطهادات، إذ هم يحسبونه ربحًا أن يتألموا من أجله، لأنهم يتذكرون أن بولس المبارك يكتب هكذا: ” آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلَن فينا” (رو18:8).

 

          لذلك، لاحظوا كم هي جميلة جدًّا الطريقة التي يستعملها أيضًا ربنا يسوع المسيح لمنفعة وبنيان جماعة الرسل. لأنه قال لهم: ” إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني، لأن من يُخلص نفسه يهلكها، ومن يضيع نفسه من أجلى يجدها“. الوصية هي حقًّا لأجل خلاص القديسين ولأجل كرامتهم معًا، وهى تؤدِّي إلى أعلى مجد، وهى طريق الفرح الكامل، لأن اختيار التألم لأجل المسيح، ليس واجبًا لا شكر فيه، بل بالعكس يجعلنا مشاركين في الحياة الأبدية وفى المجد المُعد. ولكن لأن التلاميذ لم يكونوا قد حصلوا بعد على القوة من الأعالي، فربما يكون من المحتمل، أنهم هم أيضًا سقطوا في ضعفات بشرية، وحينما فكروا في أنفسهم في قول كهذا، ربما سألوا أنفسهم: ” كيف يُنكر الإنسان نفسه؟ أو كيف يجد نفسه بنفسه ثانية إذ يكون قد ضيَّعها؟ و أي مكافأة يعوض بها أولئك الذين يتألمون هكذا؟ أو ما هي الهبات التي سيصيرون شركاء فيها؟ لذلك فلكي ينقذهم، من مثل هذه الأفكار الجبانة، ولكي يصوغهم ـ كما لو كان ـ في قالب الرجولة، بأن يُولِّد فيهم رغبة في المجد العتيد أن يمنح لهم، لذلك يقول: ” أقول لكم، إن من القيام ههنا، قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله“. هل هو يقصد أن حياتهم ستمتد جدًّا حتى تصل إلى ذلك الوقت الذي  سيأتي فيه من السماء في نهاية العالم، ليمنح القديسين الملكوت المعد لهم؟ وحتى هذا كان ممكنًا عنده، لأنه كلِّى القدرة، وليس هناك شيء غير ممكن أو صعب بالنسبة لإرادته الكلية القوة. ولكنه يقصد بملكوت الله: رؤية المجد الذي سيظهر به عند ظهوره لسكان الأرض، لأنه سيأتي بمجد الله الآب وليس في الحالة المتواضعة التي تمثل حالتنا، لذلك، كيف جعل أولئك الذين قد نالوا الموعد مشاهدين لأمر عجيب كهذا؟

 

          إنه يصعد إلى الجبل آخذًا معه ثلاثة تلاميذ مختارين، ويتغير إلى مثل هذا اللمعان الفائق والبهاء الإلهي، حتى أن ثيابه كانت تتألق بأشعة من نار، وبَدَت تضئ مثل البرق. وأكثر من ذلك، وقف موسى وإيليا إلى جوار يسوع، وتكلم أحدهما مع الآخر عن خروجه، الذي  كان عتيدًا أن يكمله في أورشليم، والذي يقصد به سر التدبير في الجسد، وآلامه الثمينة على الصليب.

 

لأنه حق أيضًا أن شريعة موسى وكلمة الأنبياء القديسين، أشارت مسبقًا لسر المسيح: فالأول منهما بواسطة أمثلة وظلال، راسمًا إياه ـ كما لو كان ـ في صورة، بينما الآخر بطرق متنوعة معلنة قبل موعدها، وكلاهما يفيد أنه في الوقت المناسب سيظهر في صورتنا، ولأجل خلاصنا وحياتنا كلنا، يرضى أن يعانى الموت على الخشبة. لذلك، فوقوف موسى وإيليا أمامه، وكلاهما الواحد مع الآخر، كان نوعًا من الإشارة الرمزية تُظهِر بصورة رائعة، ربنا يسوع المسيح، وله الشريعة والأنبياء كحارسين لجسده، باعتباره رب الشريعة والأنبياء، وكما أعلن عنه مسبقًا فيهما بواسطة تلك الأمور التي سبق أن بشَّرا بها باتفاق متبادل. لأن كلمات الأنبياء ليست مختلفة مع تعاليم الشريعة. وهذا هو ما أتخيل أن موسى الكهنوتي العظيم وإيليا العظيم في الأنبياء كانا يتكلمان عنه أحدهما مع الآخر.

 

          ولكن التلاميذ المبارَكين ينامون فترة قصيرة، بينما استمر المسيح طويلاً في الصلاة ـ لأنه مارس هذه الواجبات البشرية باعتبارها خاصة بالتدبير ـ وبعد ذلك عند استيقاظهم صاروا مشاهِدين لتغيـُّرات باهرة ومجيدة جدًّا، إذ ظن (بطرس) حينئذ أن زمن ملكوت الله قد أتى الآن فعلاً فاقترح إقامة مساكن على الجبل، وقال إنه من اللائق أن يوجد هناك ثلاث مظال: واحدة للمسيح، والمظلَّتان الأخريتان للشخصين الآخرين موسى وإيليا، ولكنه كما يقول الكتاب: ” وهو لا يعلم ما يقول“. لأنه لم يكن هو وقت نهاية العالم، ولا الوقت الذي  فيه يمتلك القديسون الرجاء الموعود لهم به، لأنه كما يقول بولس: ” سيُغيـِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة الذي  له، أي صورة جسد مجد المسيح” (فى22:3). ولذلك، إذ أن التدبير كان لا يزال في بدايته، ولم يكن قد تحقَّق بعد، فكيف يكون مناسبًا للمسيح أن يتخلَّى عن محبته للعالم، ويتحول عن غرض التألُّم لأجله؟ لأنه فدى كل مَن تحت السماء، باحتماله الموت في الجسد وبإبادته الموت بالقيامة من الموت، معًا. لذلك فبطرس لم يكن يعلم ما يقول[1].

 

          ولكن إلى جانب منظر مجد المسيح العجيب والذي يفوق الوصف، حدث شيء آخر، نافع وضروري لتثبيت إيمانهم به، وليس نافعًا للتلاميذ فقط بل حتى لنا نحن أيضًا، لأن صوتًا أُعطيَ من السحابة من فوق من الله الآب، قائلاً: ” هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا. وحينما كان الصوت، وُجد يسوع وحده” كما يقول الكتاب. فماذا يقول المجادل والعاصي إذن أمام هذه الأمور؟ ها هو موسى هناك، فهل يأمر الآب الرسل القديسين أن يسمعوا له؟ لو كانت إرادته هي أنهم ينبغي أن يتبعوا وصايا موسى، لكان قد قال، كما أظن، أطيعوا موسى، احفظوا الناموس. ولكن ليس هذا هو ما قاله الله الآب هنا، بل في حضور موسى والأنبياء، فإنه يأمرهم بالحري أن يسمعوا للمسيح.

 

ولكن لا يقلب أحد الحق ويقول إن الآب طلب منهم أن يسمعوا لموسى وليس للمسيح مخلِّصنا جميعًا، فإن البشير ذكر بوضوح قوله: ” وحينما كان الصوت، وُجد يسوع وحده” لذلك حينما أمر الله الآب من السحابة التي ظللتهم، الرسل القديسين قائلاً: ” له اسمعوا” كان موسى بعيدًا جدًّا، وإيليا أيضًا لم يعد قريبًا، ولكن كان هناك المسيح وحده لذلك فإياه وحده أمرهم الآب أن يطيعوا.

 

          لأنه هو أيضًا غاية الناموس والأنبياء: ولهذا السبب صرخ بصوت عالي لجموع اليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقون كلامي، لأنه هو كَتَب عنى” (يو46:5). ولكن لأنهم استمروا إلى النهاية يحتقرون الوصية المعطاة بواسطة موسى الحكيم جدًّا، وبرفضهم كلمة الأنبياء القديسين، فقد استُبعِدوا بعدل وحُرِموا من تلك البركات التي وعد بها لآبائهم، لأن ” الطاعة أفضل من الذبائح، والاستماع أفضل من شحم الكباش” (1صم22:15).

 

          وهكذا قد مُنحت كل هذه البركات بالضرورة لكثيرين من اليهود كما مُنحت لنا نحن أيضًا الذين قد قبلنا الإعلان الإلهي، بواسطة المسيح نفسه كهبة منه لنا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

 

 

[1] هنا يضيف ماي Mai  عبارة عن المخطوط B يعطي سببًا متميزًا تمامًا للتجلى،  أي أن التجلي لأجل أن يعلم التلاميذ أنه في القيامة “لن نخلع الجسد بل يغلفه نوع من المجد مثل النور”.

التجلـي – إنجيل لوقا 9 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التجلي على جبل ثابور (طابور)

التجلي على جبل ثابور (طابور)

التجلي على جبل ثابور (طابور)

التجلي على جبل ثابور

سأتناول في هذا الموضوع، حادثة التجلي الإلهي على طور ثابور، ومعاني هذا التجلي، وذلك من خلال نصوص العهد الجديد، من جهة، والليتورجيا الأرثوذكسية، من جهة ثانية.

ترد حادثة التجلي الإلهي على طور ثابور، في العهد الجديد، عند اكثر من انجيلي: (متى 17: 1-13)، (مرقس 9: 2- 11)، (لوقا 9: 28-36)، (2 بطرس 1: 16-18)[1]. أما القراءات الثلاث التي نسمعها في صلاة غروب العيد، فهي كالعادة من العهد القديم، وقد اعتمدتها الكنيسة لتدخلنا في سرّ التجلي، وتحضر عقولنا وقلوبنا للارتقاء نحو الله في كل منعطفات برّية حياتنا.

مكانة الجبال في الكتاب المقدس:

للجبال مكانة مرموقة في كل الحضارات والأديان. انها مهبط الوحي. وشموخها رمز للمهابة والكبر. في كل البلدان جبال ترتبط بتاريخ مقدس. الكون يبدأ من ذرى الجبال، من حيث تربض الآلهة. من الجبال يستمد المرء خلاصه وعونه: “إلى الجبال رفعت عيني من حيث يأتي عوني”. وفي عقل اليهود، الله يقيم في الجبال. جبل اليهود، صهيون. وجبل السامرة، جيرزيم.

ثم جاء الكتاب المقدس[2]، وأبقى على الصور والرموز، بيد انه روحن المفاهيم، ورفع الجمود، وشرّع الافاق. مع سفر الملوك نسمع عبارة “إله السهول” (1 مل 20: 23-28). وفي هذا صواب خالص، فالله لا يقيم في الجبال فقط، لأنه ليس حبيسها، ولا في السهول وحسب، لأنه لا يُرتهن لها. انه في كل مكان. ان اعز مكان يرتاح إليه الله ليقيم فيه، يبقى دائماً: القلب.

لقد أطلق يسوع مفاهيم جديدة وفجّر القديمة (يوحنا 4: 20-24). وكل ذلك لأن مهابة الله وجلاله تفوق شموخ الجبال. الله حاضر في كل مكان، لا على الجبال فقط. والجبال العظيمة مدعوة إلى عبادة الله (دانيال 3: 75)، (مزمور 148: 9). وهي تفرح عندما يفتقد الله شعبه (أشعياء 44: 23).

لقد خصّ الله بعض الجبال بأدوار مجيدة. عليها كان مهبط الوحي، وحضرة الله، فكانت بقعة مقدسة، وقدس اقداس (خروج 3: 1-5). على الجبال سلّم الله عبده موسى الوصايا. وإليها لاذ القديسون للاستجمام. ايليا وأليشع، على الكرمل (1 مل 18: 42)، (2 مل 1: 9) وبطرس ويعقوب ويوحنا على جبل ثابور (متى 17: 1-13)، (مرقس 9: 2-11)، (لوقا 9: 28-36)، (2 بطرس 1: 16-18).

ان ارتفاع الجبال وشموخها هي مساهمة في هدوئها، للتهجّد عليها، والوقوف في حضرة الرب للصلاة. لكن جبل سينا غرق في اعماق الماضي وطواه النسيان. اما جبل صهيون فما يزال يحتفظ بقيمة اسكاتولوجية (أشعياء 2: 2-3)، (أشعياء 24: 23)، (أشعياء 25: 6-10).

ويسوع له المجد، أحب الجبال، وكان لها في قلبه حظوة. عليها كان يعتزل كي ينقطع للصلاة (متى 14: 23). الجبال كانت له المكان المحبب، فقد حجبت الاضواء عنه في غير اوانها إلى أن غُمر الكل بأنوار ثابور. على جبل الزيتون صلى مراراً. على الجبل كسر جبروت ابليس وغلب التجربة. من الجبل انزل على القلوب لآلئ العظات في شكل تطويبات. من الجبل أعلن محوريته وربوبيته على الكون والخليقة. من الجبل استحضر الأنبياء للشهادة له بعد ان أُدرجوا في اعماق التاريخ (متى 17: 1-13).

ومع هذا تبقى رسالة المسيح فوق ان تنحصر بجبل او ان تحد بجغرافيا. ولكن شاءت الرهبنات عبر التاريخ، ان تقوم، اسوة بجبل التجلي على قمم الجبال، وذلك طمعاً في هدوء وسكينة، ورغبة في مزيد من انطلاق وانعتاق. وسواد الأديار يقوم فوق ذرى الجبال. لؤلؤة الديار الرهبانية الاثوسية تقوم على جبل وفي شبه جزيرة. طور سيناء الكاتريني[3] يربض بهدوء ليرقب الصحراء المترامية، من علو. اديارنا المشرقية سارت في الركب ذاته فشمخ السكن عليها لتعم بركاتها على القلوب سلاماً وهدوء وعبادة مع تقديس.

وفي العهد الجديد نجد لوقا رهبانياً في تطلعاته ودعواه. فهو يرى في الصعود إلى أورشليم، معراجاً إلى المجد عبر درب الصليب. ليس ارتقاء الجبل حجاً مبروراً في ذاته، إلا إذا كان اطاراً ليتورجياً منه يتكلم الرب عن نهاية العالم الوشيكة (متى 24: 3)، (مرقس 13: 3). والواقع بعد هذا ان الكتاب الإلهي لا يزوّد الجبال بامتيازات كحال العهد القديم. فعند بولس نجد طور سيناء بيتاً للعبودية (غلاطية 4: 24-26). واورشليم ذاتها، ما عادت تقوم على جبل (حزقيال 40: 2). فالجبل حسبنا به، مرصد، منه نرقب اورشليم النازلة من علو (رؤ 21: 10). ان كل قلب أصبح جبلاً عليه يهبط الإله ليرتاح.

التجلي:

ما من شك ان تجلي الرب نموذج تعزية وعربون للملكوت الآتي. لهذا السبب نجد بطرس الرسول يصف التجلي على انه “قوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه” (2 بطرس 1: 16). الأنوار الثابورية هي فيض دائم لأنوار الوهية الرب. انها علامة تعزية للمتعلقين به والمعلقين رجاءهم عليه. قبل التجلي كانت اطلالة الرب علينا بتواضع. اما في تجليه فإن بهاءه السني ينبلج، واشراقات ألوهيته تسطع لتفوق – كما هي حقيقة – ضياء الشمس. وكل ذلك كان تعزية لتلاميذه الذين سيشهدون بعد أيام، تسليمه وموته وصلبه في أورشليم.

لقد اختار الرب جبلاً عليه اماط اللثام عن الوهيته وربوبيته على العهدين القديم والجديد. اختار القمة ليعتلي، وهو القائل: من غير الممكن ان تخفى مدينة على جبل.

ان التجلي على الجبال جاء متناغماً مع التسليم والموت الوشيكين. وهكذا نأتي إلى قناعة من ان العزلة هي لغرض روحي، انها إطار حيوي لتجلي الرب فينا. إلا ان العزلة تقترن بالسمو والارتقاء: “لأنكم ان كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله” (كلوسي 3: 1). ان في الارتقاء نداء لنا ودعوة كي نرتقي ابداً. “بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء. . . الذي سمعته كبوق يتكلم معي قائلاً: اصعد إلى هنا فأريك ما لابدّ ان يصير بعد هذا” (رؤ 4: 1).

لقد اصطحب الرب معه، في التجلي ثلاثة من تلاميذه فقط: بطرس ويعقوب ويوحنا. لماذا هؤلاء فقط؟ لماذا لم يأخذ معه الاثني عشر؟ السبب العميق يقوم في حكمته الإلهية. هو وحده يحمل الجواب ويعرفه. ولكن اختيار الثلاثة فقط يأتي منسجماً مع الشريعة التي تنصّ على ان كل شهادة ينبغي ان تقوم على فم شاهدين او ثلاثة (تثنية 17: 6). ربما لنفس السبب اختار بطرس ويعقوب ويوحنا عندما اقام ابنة يايرس من الموت (مرقس 5: 73-40).

وهؤلاء ايضاً كانوا ايضاً معه في نزاعة على الجشمانية قبل التسليم. ومع هذا ليس عند الرب محاباة (رومية 2: 11) فهو لا يؤثر احداً على اخر، ويريد الكل ان يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا. لماذا كان تجلي الرب على الجبل؟ لقد تجلي الرب كي يظهر نفسه لتلاميذه. اضاء كالشمس. في التجلي يبدو يسوع نوراً، لا بل مصدر النور الحقيقي. ويوحنا يدعوه نوراً (يو 1: 5). ومن كان نوراً فمن البديهي ان يكون في النور (1 تي 6: 16)، ويلبس النور (مزمور 104: 2). ودستور إيماننا يؤكد ذلك ” . . . نور من نور، إله حق من إله حق . . .” كيف حصل التجلي؟ لقد حصل على مراحل:

  • تغيرّت هيئته.
  • اضاء وجهه كالشمس.
  • صارت ثيابه بيضاء كالنور (متى 17: 2).

لقد شهد لهذا التجلي السماويون والأرضيون. السماويون (موسى وايليا). والأرضيون بطرس ويعقوب ويوحنا. وهنا سؤال: ما علاقة موسى وايليا بما حصل؟

موسى وايليا ظهرا واحد عن اليمين وآخر عن اليسار. ايليا هو نبي الغيرة. اما موسى فهو نبي الشريعة وله تنسب الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم. كذلك فإن موسى هو الذي تسلم الوصايا من الله. ان ظهور هذين النبيين يأتي في التجلي منسجماً مع قول السيد: “. . . موسى والأنبياء عني تكلموا” (لوقا 24: 27). فاللذان ظهرا، سبق ايضاً ان تكلما عن الرب. كذلك فإن ايليا هو الذي رفع حياً وها هو يرجع بقوة المسيح كي يشهد لألوهته.

وبعد أن يعلنها يختفي من جديد حتى القيامة العامة. ايليا هو خادم المسيح على ما نتعلمه من مشهد التجلي. كيف ذلك؟ نسمع في (لوقا 9: 30): “وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وايليا”. وهذا ما يرد ايضاً عند (متى 17: 3). لكن ماذا كان هذان يقولان له؟ في (لوقا 9: 31) نجد الجواب واضحاً. ما هو؟ فلنسمع “اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيداً ان يكمّله في أورشليم”. ما معنى هذا؟

وجود هذين النبيين يشير ببساطة إلى عميق الصلة بين العهدين، وايضاً يركًز على محورية يسوع وربوبيته على العهدين. يسوع قطب العهدين وهو الألف والياء. وجود موسى وايليا يشير إلى ان يسوع هو كمال الأنبياء والناموس، وانه مسيّا المنتظر.

والملفت للانتباه اننا نجد في لوقا ان موسى كان يكلّم الرب عن الآلام التي كان يوشك ان يقتبلها في اورشليم. وهذا يعني ان موسى ليس غريباً عن سرّ الفداء الذي تم بيسوع. (لوقا 9: 29-32).

وجود موسى يعني ان الشريعة هي حيث يوجد المسيح، وهي في الوقت نفسه مؤدب لنا إلى المسيح. أما ايليا فوجوده يعني انه يحضر ويصمت في حضرة مسيا. النبي ايليا ظلّ صامتاً ليسمع الكلمة. وهكذا فالشريعة والنبوة يتوقفان ويصمتان، وتبقى الشهادة المصاحبة لـ: “له اسمعوا”.

ما العبرة من وجود موسى وايليا؟

  • ناموس موسى ونبوة ايليا هي طريق إلى المسيح.
  • الناموس والخدمة والغيرة مع ايليا، هي من اجل الاعداد لمجيء المسيح.
  • وجود موسى وايليا أكد بأن يسوع متميز عنهما (متى 16: 14).
  • وجود موسى يعني بقاء الناموس، لا نقضه، بمجيء المسيح.
  • اعمال يسوع ليست لكسر الناموس والغائه. فكلام موسى مع يسوع يؤكد تتمة لا نقضاً، تسلسلاً لا إلغاء
  • يسوع سيد موسى وايليا.
  • يسوع سيد الأحياء والأموات.
  • يسوع فقط: له اسمعوا.
  • كلام النبيين يؤكد حتمية الصلب لإكمال الفداء. اي ان سر الصليب كان في العهد القديم.
  • يسوع ابن الله الذي اتى في ملء الزمان والأنبياء كانوا ليعدوا الطريق لمجيئه (عب 1: 1)،
  • مع يسوع، يكتمل دور موسى وايليا، وبدون يسوع يبقى دورهما ناقصاً وغامضاً.
  • بطرس قرأ الحدث على ضوء كتابات الأنبياء (2 بطرس 1: 1-19).
  • وجود موسى وايليا يؤكد ان المسيح هو غاية الأنبياء (عب 1: 1)،

وماذا بعد؟

في الخروج الله يعطي موسى الشريعة. اما في العهد الجديد، فالله يكشف الاقنوم الثاني القدوس، ابنه الوحيد. بعد هذا الكشف، ينبلج النور، وتظهر السحابة، سحابة الحضرة الإلهية. في القديم نزل مجد الله على الجبل وسط سحابة وهنا على ثابور ينزل الله في انواره محاطاً ايضاً بسحابة.

ويقول الله لموسى: “وجهي يسير امامك فأريحك. فيقول موسى: “فإن كنت قد نلت حظوة في عينيك، فأظهر لي ذاتك حتى اعرفك”. ويكون جواب الرب: “انت لا تقدر ان ترى وجهي، لأنه لا يبصر انسان وجهي ويحيا”. الله يخاطبنا كل حين على نحو ما كلّم موسى، ويخاطبنا كما يخاطب المرء صديقه. بيد أننا أكثر حظاً من موسى، لأننا قادرون ان نتأمل في وجه الله في شخص الأبن الحبيب يسوع المسيح.

وكما أن الرب دعا موسى إلى الجبل، هكذا ايضاً نجده يدعو ايليا للإرتقاء إلى الجبل: “اخرج وقف في الجبل امام الرب”. ثم اخذ ايليا ينتظر ورود الرب، فلم يكن الرب في ريح عابرة، ولا في زلزال او نار، بل كان وروده مقروناً بنسيم لطيف، وكان الرب في النسيم. لقد دعا يسوع موسى وايليا من سباتهما، من اعماق التاريخ، من مئات السنين، كي يقفا في حضرته وعلى مرأى من الرسل الضعفاء، وذلك ليؤكد لحمة النبوءات واصالتها. في جبل التجلي جماعة الله في العهدين ممثلة بالأنبياء والرسل، تقف في حضرة الرب. الكنيسة، البشر المتعطشون للمسيح في الماضي والحاضر والمستقبل ها هي تتحلّق حول سيدها. الرسل لا ينزعجون من وجود ايليا وموسى.

امام هذه المهابة والجلال يختفي موسى وايليا ليبقى الرب الحي امام تلاميذه.

لقد تجلي الرب بنور يفوق ضياء الشمس وذلك كي يراه التلاميذ الذين سيشاهدونه بعد أيام ماضياً إلى اورشليم الآلام. يسوع لا يموت، انما رضي الموت بالجسد كي يميت الموت ويهبنا الحياة والنعيم بسلطانه الإلهي له المجد إلى الأبد آمين.

 

هوامش الموضوع:

[1] ملاحظة: بطرس الرسول ليس إنجيلياً.

[2] العهد الجديد.

[3] نسبة للقديسة كاترينا التي يحمل دير سينا اسمها.

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

التجلي على جبل ثابور (طابور)

Exit mobile version