تفسير رسالة تسالونيكي الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول

نجاح الكنيسة في تسالونيكي

اعتاد الرسول بولس أن يبدأ رسائله بإبراز الجوانب الطيبة لتشجيع من يكتب إليهم، فلا يتحدث عن المشاكل أو الضعفات مهما تفاقمت أو بلغت خطورتها إلاَّ بعد أن يشجع، فاتحًا باب الرجاء أمام الجميع. وهنا إذ يكتب إلى كنيسة تئن من الضيق، يعلن في وضوح عن نجاحها في حياتها الإيمانية العملية، وشهادتها للسيد المسيح أمام كنائس أخرى.

1. مقدمة الرسالة

2. نجاح الكنيسة

 أ. شكره لله على نجاحهم                   2. 

 ب. إيمانهم، ورجاؤهم ومحبتهم            3-6.

 ج. صيرورتهم قدوة للجميع                  7-10.

١. مقدمة الرسالة

“بولس وسلوانس وتيموثاوس إلى كنيسة تسالونيكي،،

في الله الآب والرب يسوع المسيح.

نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع” [1].

ليس للرسول بولس مقدمة ثابتة يفتتح بها كل رسائله، وإنما يكتب لكل رسالة المقدمة التي تناسبها. وهنا إذ يكتب إلى كنيسة تئن من الضيق، نلاحظ في مقدمته الآتي:

أ. يذكر الرسول اسمه “بولس” دون الإشارة إلى لقبه الرسولي، لأن الإنسان في وسط الضيق يود أن يجد الكل حوله بلا ألقاب ولا كلفة، إنما يتحدث معهم بروح الصداقة الأخوية. ولعله لذات السبب يضم إلى اسمه سلوانس وتيموثاوس كأنهما شريكان معه في كتابة الرسالة، مع أنه هو الكاتب لها وحده. لقد أراد في تواضع أن يؤكد للمؤمنين أنه ليس وحده يحمل إليهم مشاعر الحب والحنو وسط ضيقتهم، وإنما يشاركه في ذلك كل من اشترك في خدمتهم.

يا له من راعٍ محبٍ مملوء تواضعًا, يدخل وسط الحملان كحمل معهم يشاركهم آلامهم, لا ليربطهم به شخصيًا لحساب كرامته الخاصة، وإنما ليعلن لهم محبة كل راعٍ، فيلمسوا محبة المسيح لهم فيه كما في غيره!

ب. يوجه الكاتب رسالته “إلى كنيسة التسالونيكيين” في الله الآب والرب يسوع. فقد ضمت الكنيسة الحديثة في ذلك أعضاء من اليهود كما من الأمم، لكن الكل صار كنيسة واحدة، بدخولها في “الرب يسوع المسيح” كجسده الواحد المقدس، لتجد لها موضعًا في الله الآب، لأنه حيث يوجد الابن تكون معه كنيسته في الأحضان الأبوية. وكما يقول السيد: حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا… ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي” (يو 14: 3، 6)

ج. يلقب الرسول الله “أبانا”، فالمؤمنون محتاجون في ضيقتهم إلى التمتع بأبوة الله الحانية، وإدراك اهتمامه بخلاصهم ومن ناحية أخرى إذ يكتب الرسول في صلب رسالته عن أبوته لهم أراد في المقدمة أن يؤكد أبوة الله نفسه التي هي مصدر كل أبوة روحية وجسدية.

د. يطلب لهم الرسول النعمة والسلام؛ فإن السلام الحقيقي الداخلي لا يتحقق برفع الآلام التي تحل بنا، وإنما بتمتعنا بنعمة الله الخفية. ففي وسط الضيق يحاصر الإنسان بأفكار قاتمة قادرة على تحطيم سلامه الداخلي، لكن نعمة الله تستطيع أن ترفع الفكر فوق الأحداث، وتسنده ضد كل هجوم فيمتليء بسلامٍ إلهيٍ فائقِ. عندئذ ينفتح لسان القلب الداخلي ليرنم، قائلاً: عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي(مز 94: 19).

٢. نجاح الكنيسة

إذ كانت الكنيسة مُحاصرة بالضيق من اليهود كما من الأمم سحب الرسول فكرها بالروح القدس إلى النجاح الذي حققته في حياتها الروحية بالرب، فحدثها عن ثلاثة أمور:

أ. شكره لله على نجاحهم وصلاته من أجلهم [2].

ب. ابرز الجوانب الطيبة في حياتهم [٣-٦].

ج. صيرورتهم قدوة للجميع [٧-١٠].

أ . شكره لله على نجاحهم وصلاته من أجلهم

“نشكر الله كل حين من جهتكم، ذاكرين إياكم في صلواتنا” [٢]. إذ يرى الرسول نجاح كنيسة التسالونيكيين الناشئة يقدم هو ورفيقاه، القديسان تيموثاوس وسيلا، الشكر لله في كل حين، كما يصلون من أجلهم ليزدادوا نموًا. حقا إنه راعٍ حكيم لا تسحبه الآلام عن النظر إلى النفع الروحي للمتألمين، لهذا وإن كان يئن معهم مشاركًا إياهم آلامهم، لكنه في نفس الوقت يقدم الشكر لله من أجل البركات الروحية التي ينعمون بها وسط ضيقتهم. بهذه الكلمات أيضًا يرفع الرسول شعبه فوق الآلام الخارجية، الأمر الذي كما أظن كان غاية هذه الرسالة، ومن ناحية أخرى يؤكد لهم أن سرّ كل بركة روحية ونجاح في حياتهم هو الله نفسه، رافعًا إياهم نحو التواضع. وأخيرًا فإنه إذ يذكرهم في صلواته يعلن صدق حبه لهم.

ب . إيمانهم ورجاؤهم ومحبتهم

يحول الرسول بولس أنظار شعبه عن التفكير في الأحداث الجارية إلى التأمل في عمل نعمة الله داخلهم خلال الإيمان والرجاء والمحبة، إذ يقول: “متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم، وتعب محبتكم، وصبر رجائكم ربنا يسوع المسيح أمام الله وأبينا” [٣]. كأنه يسألهم إلاَّ ينشغل فكرهم في شيءٍ غير هذه الأمور، متذكرين بلا انقطاع عمل الله فيهم خلال أعمال إيمانهم وتعب محبتهم وصبر رجائهم. إنه يود أن يتأملوا على الدوام في الإيمان والمحبة والرجاء، لا خلال مفاهيم نظرية عقلية بحتة، وإنما كما يعيشونها عمليًا، ناسبًا للإيمان العمل، وللمحبة التعب وللرجاء الصبر.

ماذا يقصد بقوله “عمل إيمانكم”؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من يؤمن يحتمل الكثير، فإن إيمان الإنسان يظهر خلال أعماله. لهذا بحق يُقال أن الإيمان ليس أمرًا مجردًا، وإنما يعلن خلال أعمالكم وثباتكم وغيرتكم[1].]

ويتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن “تعب المحبة”، قائلاً: [أي تعب هو للمحبة؟…حينما تثور آلاف الأمور لتسحبنا بعيدًا عن المحبة، فنقف نحن أمام جميعها، أفلا يحسب هذا تعبًا؟[2]]

لعل الرسول يشير بقوله “تعب محبتكم” إلى ما رود في سفر الأعمال (١٧ : ٥-٦) عن ياسون وأهل بيته كيف احتملوا الكثير من أجل محبتهم للرسولين بولس وسيلا، ومن أجل محبتهم للإنجيل، عندما ثار الأشرار عليهم وقدموهم أمام حكام المدينة.

أخيرًا إذ لم يتوقف الضيق الذي حلَّ بالكنيسة منذ بدء انطلاقها، بل استمر حتى بعد ترك الرسولين المدينة، واجهت الكنيسة الناشئة حديثًا بصبر من أجل رجائها في الملكوت، وانتظارها لعريسها الحقيقي ربنا يسوع المسيح، لهذا يكمل الرسول: “وصبر رجائكم ربنا يسوع المسيح أمام الله وأبينا”.

هذه هي الأمور الثلاثة التي من أجلها يقدم الرسول الشكر لله، والتي يركز أنظاره عليها أثناء صلواته عن هذه الكنيسة: عمل إيمانهم، تعب محبتهم، وصبر رجائهم. هذه الأمور في الحقيقة تمثل وحدة واحدة لا يمكن تقسيمها أو فصلها عن بعضها البعض، فإن كان الإيمان بكلمة الحق يدفع المؤمن للعمل لحساب الملكوت الأبدي، فإنه يفتح القلب بالحب لله والناس، فيشتهي المؤمن لا أن يعمل بل يتعب، مسرعًا بنفسه إلى الصليب عوض الراحة الزمنية، وإذ يفتح قلبه بالحب يرى السماوات كأنها مُعلنه قدامه فيترجى التمتع بكمال مجدها. فلا يئن من الضيق والتعب، بل يحمل صبر المسيح الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي (عب ١٢: ٢).

حقًا تحل الأبدية فيزول الإيمان إذ نرى الله وجهًا لوجه، وينتهي الرجاء إذ ننعم بما كنا نترجاه، لكنه تبقى المحبة التي لا تسقط أبدًا (١ كو ١3: ٨)، هذه التي قامت على أساس الإيمان، وانطلق لهيبها خلال الرجاء. في بقاء الحب الأبدي تكريم للإيمان وتتويج للرجاء!

أما سرّ نجاح مؤمني تسالونيكي وتمتعهم بالإيمان الحي والمحبة والرجاء فهو اختيار الله لهم كأولاد له، إذ يقول الرسول: “عالمين أيها الإخوة المحبوبون من الله اختياركم[٤]. وكأن الرسول يؤكد لهم أن سرّ القوة فيهم وسط آلامهم ليس منهم بل من الله الذي أحبهم ويحبهم.

إنه العامل فيهم من أجل اختياره لهم وهكذا بقدر ما خشي الرسول لئلا يتحطموا بسبب ثقل الضيقات المحيطة بهم وبه كان يحدثهم عن نجاحهم الروحي مفتخرًا بهم. كان حريصًا أيضًا لئلا يسقطوا في الكبرياء بسبب صبرهم على التجارب، فكان يوجه أنظارهم نحو الله الذي أحبهم أولاً، لأنه اختارهم، ولا يزال يعمل فيهم حتى يدخل بهم إلى أمجاده. ما أحوج الكنيسة إلى الراعي الحكيم الذي يسند شعب الله بالكلمات المفرحة التي تبعث في النفوس الرجاء والثقة، وفي نفس الوقت بلا تملق أو مداهنة يوجههم إلى الله الذي وحده سرٍّ نجاحهم ونموهم!

ولعل كلمات الرسول: “عالمين أيها الإخوة المحبوبون من الله اختياركم” يقصد بها الكشف عن سرّ حب الرسول نفسه لهم وجهاده من أجلهم. كأنه يقول: إن كان الله يحبكم وقد اختاركم أولادًا له، فهل أكف عن العمل ليلاً ونهارًا في خدمتكم لتحقيق غاية الله فيكم؟ هذه هي نظرة الراعي الحكيم للخدمة، فإنه لا يعمل في كرم بشري لحساب الناس، لكنه يخدم البشرية خليقة الله المحبوبة لديه والتي يشتهي الله خلاصها والدخول بها إلى أمجاده الأبدية، فيعمل لحساب الله، ومن خلاله وبإمكانيات الله!

إدراك الرسول بولس حب الله لهم واختياره لهم جعل كرازته لهم ليست مجرد كلمات ينطق بها، أو فلسفة يقدمها لهم، وإنما بالحق قوة قادرة على تجديد حياتهم، فدخل إليهم بالروح القدس في يقينٍ شديدٍ أن الله يعمل فيهم. وكما يقول الرسول: “إن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط، بل بالقوة أيضًا، وبالروح القدس وبيقين شديد، كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم” [٥]. وكأن الرسول بولس يؤكد لهم أن حب الله لهم واختيارهم من قبله قدم له ثلاث إمكانيات للعمل بينهم: “القوة، والروح القدس، واليقين الشديد”. هذه الإمكانيات هي سرّ نجاحه.

لقد انطلق إليهم يحمل “القوة“. أي قوة الإنجيل للخلاص. الله الذي اختارهم قدم لهم الخلاص بقوة خلال الصليب أو الإنجيل، فجاء الرسول مختفيًا في هذا الصليب بالإنجيل، فلم يقدم لهم كلمات مجردة، بل سرّ الحياة الجديدة القوية خلال الصليب. لم يدخل إليهم هزيلاً، بل تسلح بالإنجيل القادر أن يأسر الإنسان في الحب الإلهي، ويدخل به إلى ملكوت الله، ليحيا كابن لله بقوة الروح.

حب الله للمؤمنين واختياره لهم قد سلحاه بقوة إنجيل الخلاص، وقدما له روح الله القدوس لكي يعمل فيه للخدمة والكرازة. لقد دخل إليهم بالروح القدس، الذي وحده يقدر أن يعلن محبة الآب لنا المتجسدة في تقديم ابنه فدية عنا. حقًا إن الإنجيل هو قوة الكارز في تحقيق رسالته، لكن لا يقدر الكارز أن يعمل إلاَّ بالروح القدس الذي يجتذب النفوس بقوةٍ إلى دائرة الصليب، وينطلق بها إلى المصالحة مع الله في ابنه، ويدخل بها إلى الحياة الجديدة على المستوى السماوي.

أخيرًا، فإن إدراك الرسول لاختيارهم بواسطة الله جعله يدخل إليهم “بيقين شديد“، مطمئنًا أن خلاص البشر يشتهيه الله نفسه ويعمل على تحقيقه. إنه مطمئن، وفي رجاء أن الله يحقق غايته خلال كرازته. أقول أن سرّ قوة الرسول بولس هو نظرته المملوءة رجاء حتى في وسط الضيقات الخارجية أو الداخلية. إن هاج اليهود أو الأمم أو قامت انقسامات وانشقاقات فإن الرسول يثق أن الله قادر على العمل لتجديد الخليقة. إنه يعمل بغير تشاؤم ولا يأس مهما كانت الظروف!

يقول الرسول بولس: “كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم” [٥]. وكأنه يقول أن جهادنا وسط الآلام ورعايتنا لكم ليلاً ونهارًا أو والتهاب قلبنا بالعمل الكرازي وسطكم يشهد كيف كنت متسلحًا بالقوة والروح القدس واليقين الشديد. ولكن الفضل ليس لي، وإنما لكم إذ أنتم موضوع حب الله واختياره.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [(حديثه) هنا يمس أعمالهم الصالحة بطريقة خفية، فإنه يرغب في تضخيم مديحهم. وكأنه يقول : إني أعرف أنكم عظماء وشرفاء، إذ أنتم مختارون، لهذا نحتمل كل شيء من أجلكم. فقوله: “أي رجال كنا بينكم من أجلكم” هو تعبير ينطق به من يظهر غيرة عظيمة ونشاطًا زائدًا. إننا مستعدون أن نقدم حياتنا من أجلكم، ومع هذا فالشكر واجب لكم وليس لنا، لأنكم مختارون. ولهذا يقول في موضع آخر: أنا أصبر على كل شيء لأجل المختارين” (٢ تى 2: 10) فإنه أي شيء لا يحتمله الإنسان من أجل محبوبي الله؟[3]]

أما الذي يفرح قلب الرسول فهو امتثالهم به، بل وبالرب نفسه في احتمالهم الألم بفرح، إذ يقول: “وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب، إذ قبلتم الكلمة في ضيقٍ كثيرٍ بفرح الروح القدس” [٦]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم:

[يا للعجب! أي مديح هذا، فقد صار التلاميذ معلمين فجأة!

فإنهم لم يسمعوا الكلمة فحسب، وإنما ارتفعوا إلى علو بولس.

إنه يمدحهم قائلاً: “قبلتم الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس“. قبلوها ليس في ضيقٍ فحسب وإنما في ضيق كثير. هذا ما يخبرنا به سفر أعمال الرسل كيف ثار الاضطهاد ضدهم (أع ١٧ : ٥-٨)، فقد هيج (الأشرار) كل حكام المدينة ضدهم، وأثاروا المدينة عليهم. ولم يقف الأمر عند تألمهم وإيمانهم مع حزنهم وإنما فرحوا، الأمر الذي فعله الرسل، إذ قيل عنهم أنهم (ذهبوا) “فرحين لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه” (أع ٥ : 4١).

هذا هو العجب، فإن احتمال الضيقات ليس بالأمر الهين، ومع ذلك نجد بعضًا من البشر قد تعدوا حدود الطبيعة البشرية، وكأنهم بلا جسد يتأثر بالألم!

ولكن كيف كانوا متمثلين بالرب؟ لأنه احتمل آلامًا كثيرة بفرحٍ، متقدمًا إليها بإرادته، فمن أجلنا أخلى ذاته، وإذ كان الوقت يقترب لكي يُبصق عليه ويُضرب ويُصلب، كان يفرح باحتماله هذه الأمور، قائلاً للآب: “مجدني” (يو ١٧ : ١ -٥)…

ولكن لكي لا يقول أحد: كيف يتحدث عن الضيق والفرح معًا؟ كيف يلتقي الاثنان معًا؟ لهذا يضيف: “بفرح الروح القدس“. فيتحقق الضيق في الأمور الجسدية، أما الفرح ففي الروحيات؛ كيف؟ الأمور التي حدثت لهم مؤلمة، لكن الروح لا يتركهم.

لهذا يمكن لمن يتألم ألا يفرح إن كان ذلك بسبب خطاياه، ويمكنه أن يكون مبتهجًا إن تألم من أجل المسيح. هذا هو فرح الروح.

فما يبدوا محزنًا يلد بهجة! يقول الرسول أنهم يضايقونكم ويضطهدونكم، ولكن الروح لا ينساكم حتى في هذه الظروف.

وكما أن الثلاثة فتية في النار تمتعوا بالندى، هكذا أنتم تنتعشون في الضيقات. حقًا إنه ليس من طبيعة النار أن تمطر ندى … هذا ليس من طبيعة الضيق أن ينتج فرحًا، لكن الروح يلطف الألم متى كان من أجل المسيح، ففي أتون النار يكون (المؤمنون) في راحة[4].]

لقد وعدنا السيد بالألم لكن ليس بدون الفرح ، إذ يقول: “فأنتم كذلك عندكم الآن حزن، ولكن سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم… قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا (أفرحوا) أنا غلبت العالم “(يو 16 : 22، 32).

ج . صيرورتهم قدوة للجميع

“حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية وفي آخائية” [٧]. لقد آمنت مكدونية بالسيد المسيح قبل تسالونيكي، لكن الأخيرة صارت مثالاً وقدوة للأولى. لقد صارت كمعلمة ليس لغير مؤمنين بل لمؤمنين سبقوهم في الإيمان. في وقت قصير قبلت تسالونيكي الإيمان وصارت مثلاً حيًا ليس فقط لمكدونية التي في الشمال والتي تُعتبر تسالونيكي من أهم مدنها، وإنما أيضًا لآخائية في الجنوب. وكأن أثرها قد امتد شمالاً وجنوبًا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [ليته لا ييأس أحد قط حتى وإن كان قد أضاع زمنًا طويلاً دون أن يفعل شيئًا، فإنه يستطيع في وقت قصير جدًا أن يحقق الكثير مما لم يسبق له عمله في الماضي. إن كان الذين لم يكونوا قبلاً مؤمنين قد صاروا هكذا مشرقين منذ بداية إيمانهم، فكم بالحري يمكن للذين كانوا مؤمنين من قبل أن يفعلوا هكذا (أي منذ ميلادهم)؟[5]]

يكمل القديس بولس حديثه عن فاعلية حياتهم الجديدة وإيمانهم الممتدة في كل موضع، إذ يقول:

“لأنه من قبلكم قد أذيعت كلمة الرب،

ليس فقط في مكدونية وآخائية،

بل في كل مكانٍ أيضًا قد ذاع إيمانكم بالله،

حتى ليس في حاجة أن نتكلم شيئًا،

لأنهم هم يخبرون عنا أي دخول كان لنا إليكم،

وكيف رجعتم إلى الله من الأوثان

لتعبدوا الله الحي الحقيقين

وتنتظروا ابنه من السماء الذي أقامه من الأموات،

يسوع الذي ينقذنا من الغضب الآتي” [٨ –١٠].

وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق جميل على هذه العبارات، إذ يقول: [كما أن الطيب الزكي الرائحة لا يحتفظ برائحته الكامنة فيه، وإنما ينشرها إلى مسافات بعيدة، معطرًا الهواء بنسماته، فيتقبله الجيران، هكذا أيضًا مشاهير الناس وعظماؤهم لا يغلقون على فضائلهم في داخلهم، وإنما يربحون بسمعتهم الطيبة الكثيرين ويحولونهم إلى حياة أفضل. هذا هو ما حدث هنا… وكأنه يقول لهم: لقد أشبعتم جيرانكم بالتعليم وملأتم العالم بالدهشة[6]!]

إن قوله “قد أذيعت” إنما يعبر عن نوع من القوة الروحية لإيمانهم وحيويته، فقد سمع العالم بإيمانهم، كأنه قد أذيع للجميع، ولم تعد هناك حاجة إلى حديث الرسول عنه، إذ يقول: “حتى ليس لنا حاجة أن نتكلم شيئًا“. كانت حياتهم الإيمانية العملية تحمل شهادة داخلية، وكأنها بوق عالٍ يدوي لا في الولايات المحيطة بهم فحسب وإنما على مسافات متباعدة جدًا. وقد سُمع صوته “في كل مكان“. لقد كان الرسول يود أن يتحدث عنهم كمثال حيّ يشهد به عن عمل الله في الإنسان، لكن الذين رأوهم في قوة حياتهم شهدوا لهم مبوقين في كل موضع، وكأنهم قاموا بالرسالة التي اشتهى الرسول أن يتممها!

ماذا يقصد بقوله: “لأنهم هم يخبرون عنا أي دخول كان لنا إليكم!” لعله أراد أن يعلن لهم أن حياتهم الروحية المجيدة وسط الضيقات والآلام لم تذع مجدهم الروحي، فحسب وإنما أيضًا قدمت تطويبًا للرسول نفسه، فصار الكل يتحدثون عن دخوله إليهم ومعه سيلا، وكيف خدما هناك وحولا هؤلاء الرجال إلى الإيمان الحي بالله القادر أن يقيمهم من الموت إلى الحياة. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذا التعبير إنما يوضح دخول السيد إليهم في وسط مخاطر وميتات كثيرة قبلها بفرح وها هم الآن يحملون المخاطر كما سبق فاحتملها الرسول … أما سر احتمال الألم بفرح سواء بالنسبة للرسول أو لهم فهو إيمانهم بالقائم من الأموات.

هنا يوجه الرسول أنظارهم وهم وسط الضيق إلى الآب السماوي الذي أطاعه الابن نيابة عنا محتملاً الموت، فأقامه بالإرادة، أما الابن فقام بقوته وسلطانه كقوله: “لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها” (يو 10: 18).

[1] In 1 Thess., hom 1.

[2] In 1 Thess., hom. 1.

[3] In 1 Thess., hom. 1.

[4] In 1 Thess., hom. 1.

[5] In 1 Thess., hom. 1.

[6] In 1 Thess., hom. 2.

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

من تفسير وتأملات الآباء الأولين

رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي

 القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

مقدمة

تسالونيكي

تدعى حاليًا تسالونيك، كانت عاصمة إحدى مقاطعات مكدونية باليونان، كان اسمها أولاً ثرما Therma، معناها “ينبوع ساخن”. أعاد إنشاءها كاسندر الأول بن انتيباتير عام ٣١٥ ق.م.، وجعلها مقرًا لكرسيه، دعاها على اسم زوجته ابنة فيليب المقدوني وأخت إسكندر الأكبر (ليست شقيقته)، أي تسالونيكي وفي العصر الروماني كانت عاصمة للولاية الجديدة في ذلك الحين، وكان تعدادها حوالي ٢٠٠٠٠٠ نسمة.

كان لتسالونيكي أهمية عظمى بسبب موقعها الجغرافي على الطريق الإغريقي، وهو طريق عسكري ضخم يربط روما بالشرق، وبكونها ميناء قد أُعد كمحطة بحرية مجهزة بأحواض للسفن الرومانية، وكان يحكمها خمسة أو ستة من البوليسترخس، أي “حكام المدينة” (أع 17: 6).

بكونها مركزًا تجاريًا هامًا اجتذبت تسالونيكي الكثير من أثرياء الرومان وعددًا ليس بقليل من تجار اليهود (أع 17: ٤)، فكان فيها مجمع هذا ومن جانب آخر اشتهرت بالشر والخلاعة. لهذا التزم الرسول بولس بالحديث عن الحياة الطاهرة (١ تس ٤: 1-8).

قبولها الإيمان

زار الرسول بولس مدينة تسالونيكي للمرة الأولى في رحلته الثانية حوالي عام ٥٢م، وكان بصحبته سلوانس[1] وتيموثاوس (أع 17: 1، 10).

جاء إليها بعد طرده من فيلبي، وقد اتجه كعادته إلى اليهود يحاججهم في مجمعهم ثلاثة سبوت من الكتب، وجذب إلي الإيمان بعضًا من اليهود وجمهورًا من اليونانيين المتعبدين، أي اليونانيين الذين صاروا يهودًا، ومن النساء المتقدمات، أو اللاتي كن من الطبقات الراقية ومن الكريمات. هؤلاء صاروا نواة الكنيسة المسيحية بتسالونيكي.

كتب الرسول بولس إلى أهل فيلبي يقول: “فإنكم في تسالونيكي أيضًا أرسلتم إليَّ مرة ومرتين لحاجتي (في ٤: ١٦). هذا يكشف عن عدم اعتماده على أهل تسالونيكي ماليًا، كما استشف البعض من هذه العبارة أن الرسول بقي هناك فترة أطول من ثلاثة أسابيع، خاصة ما ورد في (1 تس 2: 7-11) عن الجهد الذي بذله في خدمتهم والرعاية والسهر ليل نهار من أجلهم، فقدر البعض مدة بقائه فيها بستة شهور[2]، بينما يرى آخرون أنها لم تزد عن شهر واحد.

تاريخ كتابتها

غالبًا قرب نهاية عام 52م أو في بداية عام 53م، أي بعد خدمته في تسالونيكي بفترة قصيرة جدًا، كتبها إليهم وهو في كورنثوس.

غايتها:

إذ نجحت خدمة الرسولين بولس وسيلا هناك بين اليهود في فترة وجيزة “غار اليهود غير المؤمنين واتخذوا رجالاً أشرارًا من أهل السوق وتجمعوا وسجسوا المدينة وقاموا على بيت ياسون طالبين أن يحضروهما إلى الشعب. ولما لم يجدوهما جروا ياسون وأناسًا من الإخوة إلى حكام المدينة صارخين أن هؤلاء الذين فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا أيضًا” (أع ١٧: ٥-٧). كان الاتهام الموجه ضد الرسولين أنهما يسببان فتنة على مستوى المسكونة، وأنهما يعملان ضد حكام قيصر (أع 17: 7)، الأمر الذي أزعج الجمع وحكام المدينة، لهذا ترك الرسولان تسالونيكي وانطلقا إلى بيريه، وقد التزما أيضًا بترك بيريه بسبب مقاومة اليهود الذين تتبعوا آثارهم، فذهب بولس إلى أثينا (أع 17: 15)، ومنها إلى كورنثوس (أع ١٨: ١).

لقد نجحت الخدمة في تسالونيكي بين اليهود والأمم، وكما هاج اليهود على إخوتهم الذين آمنوا، هكذا هاج أيضًا الأمم على إخوتهم من الأمم الذين قبلوا الإيمان بالسيد المسيح.  لقد عانت الكنيسة الكثير من الضيق من اليهود كما من الأمم، وقد اشتدت الضيقة جدًا وتوقع المؤمنون عودة الرسول لمساندتهم، لكنه أرسل إليهم تلميذه تيموثاوس لتثبيتهم على الإيمان، الأمر الذي دفع بعض المغرضين إلى التشكك في أبوته، فاضطر أن يكتب إليهم ليعلن لهم أشواقه القلبية نحوهم ورغبته في الحضور إليهم معلنًا لهم صدق أبوته.

هذا ومن ناحية أخرى أراد برسالته هذه أن يسحب قلب الكنيسة من الارتباك في الأحداث الأليمة التي كانت تعيش فيها إلى الفرح الروحي الداخلي من أجل عمل نعمة الله فيهم.

ولكي يسندهم وسط آلامهم المرة تحدث عن القيامة من الأموات وقرب مجيء الرب الأخير، فتستريح نفوسهم، لا من آلام الحياة الحاضرة، وإنما بتمتعها بالأحضان الأبوية، مشجعًا إياهم على الجهاد الروحي بالحياة المقدسة المملوءة حبًا مترجين الإكليل الأبدي والعرس السماوي المفرح.

هكذا يكتب الرسول بولس إلى كنيسة تسالونيكي المتألمة, حيث قاست الأمرين من اليهود واليونانيين (الأمم), ليسحب قلبها بالروح القدس إلى الحياة الداخلية والعمل الكرازي المفرح، عوض انشغالها بأحداث الضيق الخارجي، ويفتح بصيرتها لترى مجيء الرب الأخير, فتنتظره متهللة ومسبحة وهى وسط آتون الألم. إنه يحثها على الجهاد الروحي الإيجابي, فلا ترتبك بالأحداث الزمنية المحيطة بها، بل ترتفع بالروح القدس لتتهيأ بالقداسة والحب الحقيقي للعرس السماوي.

حقاٌ ما أحوج المؤمن ألا يرتبك بالضيقات, سواء النابعة عن إغراءات العالم وضيقاته، أو متاعب الجسد وحرب الشيطان, ليحيا بقوة الروح, عاملاٌ لحساب ملكوت السماوات في حياته الداخلية كما في حياة الآخرين.

أقسام الرسالة

  1. مقدمة الرسالة ١: ١.
  2. نجاح الكنيسة في تسالونيكي 1: ٢ – ١٠.
  3. أبوة الرسول ٢: ١ – ١٢.
  4. تألم الكنيسة ٢: ١٣ – ١٦.
  5. شوق الرسول نحوهم ٢: ١٧ – ٢٠.
  6. إرساله تيموثاوس إليهم ٣: ١ – ٥.
  7. تقرير تيموثاوس عنهم 3: ٦ – ١٣.
  8. تثبيتهم في القداسة ٤: ١ – ٨.
  9. تثبيتهم في المحبة 4: ٩ – ١٢.
  10. النظرة إلى الراقدين 4: ١٣ – ١٨.
  11. انتظار الرب 5: ١ – ١١.
  12. وصايا ختامية ٥: ١٢ – ٢٨.

[1] “سلوانس” الاسم اللاتيني لسيلا اليوناني, وقد أخذ الاسم الأخير عن الأصل الآرامي “شنيلا” أو “شاول” ومعناه “مسئول”.

[2] W. M. Ramsay: St. Paul, the Traveler and Roman Citizen, London 1895, p228.

تفسير رسالة تسالونيكي الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث

مجيء المسيح الثاني

  1. الكتاب المقدس يركز حوله مجيئه 1-2.
  2. المبتدعون ينكرون مجيئه 3-10.
  3. واجباتنا تجاه مجيئه 11-14.
  4. الختام 15-18.

1. الكتاب المقدس يركز حوله مجيئه

“هذه أكتبها الآن إليكم رسالة ثانية أيها الأحباء،

فيهما أنهض بالتذكرة ذهنكم النقي،

لتذكروا الأقوال التي قالها سابقًا الأنبياء القديسون

ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمخلص” [2].

كما سبق وأكد الرسول في الأصحاح الأول عاد هنا ليخبرهم أن هذه الرسالة الثانية أيضًا لا تأتي بجديد، بل يحثهم بخصوص “مجيء الرب الثاني[30]” الذي هو:

  1. سبق الأنبياء فأنبأوا عن مجيئه.
  2. أوصى الرب به (مت 24: 26-29؛ مر 13: 35-37؛ لو 12: 40).
  3. أوصى به الرسل والتلاميذ (1 تس 5: 2-4).

هذه هي غاية كلمة الله في العهدين أن ننتظر مجيء الرب ونلتقي به ومعه إلى الأبد.

2. المبتدعون ينكرون مجيئه

“عالمين هذا أولاً أنه سيأتي في آخر الأيام قوم مستهزئون،

سالكين بحسب شهوات أنفسهم.

قائلين أين هو موعد مجيئه،

لأنه من حين رقد الآباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة” [3-4].

لقد سبق فتأكدنا من قيام أناس مستهزئين تدفعهم شهواتهم الخاصة إلى إنكار الوحي الإلهي وإنكار القيامة والدينونة. وكما يقول القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد شهوة، وذلك لكي يهدئ الإنسان ضميره ويستبيح لنفسه أن يفعل هواه.

وهنا يقدم الرسول الردود التالية مؤكدًا مجيئه الثاني:

1. الخلقة والطوفان

“لأن هذا يخفي عليهم بإرادتهم أن السماوات كانت منذ القديم،

والأرض قائمة من الماء وبالماء، اللواتي بهن العالم الكائن،

حينئذ فاض عليه الماء فهلك،

وأما السماوات والأرض الكائنة الآن

فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها،

محفوظة للنار إلى يوم الدين وهلاك الناس الفجّار” [5-7].

وكما يقول القديس أغسطينوس بأن الرسول لم يذكر شيئًا في هذا الفصل (1-13) عن قيامة الأموات مركزًا إثبات الأدلة على دمار العالم[31].

فإذ يقولون أن كل شيء باق من بدء الخليقة نسوا أنه “بكلمة الرب صُنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها”. نسوا أن الخالق أيضًا سمح بالطوفان، فأهلك في القديم من هم على الأرض (تك 7: 11)، وهذه صورة مبسطة للهلاك المنتظر الذي يحل بالفجّار.

2. عدم خضوع الله للزمن

ولكن لا يخفى عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحباء،

أن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحٍد” [8].

يخضع الإنسان للزمن لهذا يتعجل الأمور، أما الله فلا يخضع للزمن بل فوق حدوده، إذ كل الأمور مكشوفة قدامه. فلا عجب أن حسب الخلقة من آدم حتى يوم مجيئه بيومٍ واحد (مت 20: 8). ويقول المرتل لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس” (مز 90: 4).

وقد استخدم الأب لانكتانتيوس هذا النص في إثبات أن ستة أيام الخليقة لا نعني اليوم العادي أي 24 ساعة[32].

3. طول أناة الله

عدم مجيء الرب إلى يومنا هذا ليس تباطؤًا منه، لكن طول أناة علينا، لعلنا نرجع ونتوب، لأنه يريد خلاص الجميع. وكما يقول الرسول: “لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا، وهو لا يشاء أن يهلك أناس، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة. ولكنه سيأتي كلص في الليل يوم الرب الذي فيه تزول السماوات بضجيج، وتنحل العناصر محترقة، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها” [9-10].

فيوم الرب بالنسبة للأشرار يكون كلصٍ يباغتهم في الليل، في وسط ظلمتهم، أما بالنسبة للأبرار فيكون يوم عرسٍ تزف فيه النفوس مع عريسها السماوي.

وقد وُجد هجوم عنيف ضد هذا القول كيف تنحل العناصر محترقة؟ ولكننا نشكر الرب لأننا في هذا العصر رأينا كيف تنحل الذرة وتحدث احتراقًا، بل وصار لدى بعض الدول إمكانية لإبادة الأرض محترقة بالقنابل الذرية.

ويوضح القديس أغسطينوس أن “السماوات” هنا تعني السماوات المادية أي الكواكب… وليس السماء بمعنى عرش الله الأبدي.

3. واجبات تجاه مجيئه

إن كان الكتاب كله يدور حول لقائنا مع الرب، ويوجه أنظارنا تجاه الأبدية فلا يكفي أننا نرفض أقوال المبتدعين بل كما يقول الرسول:

“فبما أن هذه كلها تنحل،

أي أناس يجب أن تكونوا أنتم،

في سيرة مقدسة وتقوى” [11].

 إننا راحلون فلنتهيأ بالسيرة المقدسة التي تليق بالأبدية. فانحلال السماء والأرض ليس موضوع رعب لنا، بل موضوع رجاء.

 “منتظرين وطالبين سرعة مجيء الرب،

الذي به تنحل السماوات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب” [12].

لننتظر الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح (تي 2: 13). وهذا الرجاء يبعث في الكنيسة شوقًا لحياة القداسة، وشوقًا لمجيء الرب، طالبة كل يوم ليأت ملكوتك محبة لظهوره ( 2تي 4: 8)، مناجية إيّاه على الدوام تعال أيها الرب يسوع (رؤ 22: 20).

“ولكننا بحسب وعده،

ننتظر سماوات جديدة، وأرضًا جديدة، يسكن فيها البر” [13].

تنتظر العروس منزل الزيجة لتلتقي بعريسها في اتحاد عجيب! تنتظر سماوات جديدة، أي غير مادية بل أورشليم السماوية (رؤ 21: 2) التي هي موضوع رجاء الكل (عب 11: 10)، لهذا لا تكف عن الجهاد من أجلها!

“لذلك أيها الأحباء إذ أنتم منتظرون هذه،

اجتهدوا لتوجدوا عنده بلا دنس ولا عيب في سلام” [14].

هذا الرجاء، يدفع الكنيسة للمثابرة للتدرب على يدي الرب القدوس وبنعمته وبروحه يحضرها “لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك، بل تكون مقدسة وبلا عيب” (أف 5: 27).

وكما قال الرائي: “لنفرح ونتهلل ونعطه المجد، لأن عرس الخروف قد جاء وامرأته هيّأت نفسها. وأُعطيَت أن تلبس بزًّا نقيًا بهيًا، لأن البر هو تبرّرات القديسين” (رؤ 19: 7-8). وكما قال: “رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها” (رؤ 21: 2).

4. الختام

“وأحسبوا أناة ربنا خلاصنا كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضًا،

بحسب الحكمة المعطاة له،

كما في الرسائل كلها أيضًا متكلمًا فيها عن هذه الأمور،

التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضًا لهلاك أنفسهم.

فأنتم أيها الأحباء، إذ قد سبقتم فعرفتم،

احترسوا أن تنقادوا بضلال الأردياء،

فتسقطوا من ثباتكم.

ولكن انموا في النعمة،

وفي معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح،

له المجد الآن وإلى يوم الدهر. آمين” [15-18].

نهاية الأمر وغايته أن ننتتفع من طول أناة الله لأجل خلاصنا بنمونا في النعمة وفي معرفة ربنا، أي كلما طال الزمن لننمو أكثر فأكثر ولا نخمل.

هذه الأمور سجلها الرسول بولس وهو يدعوه أخاه الحبيب مع أن الرسول بولس اضطر أن يوبخه (غل 2: 2). لكن البعض حرّف أقوال الرسول بولس، إذ ظنّوا أن القيامة ستتم في أيامهم كأهل تسالونيكي، بل وفهم ذلك أهل كورنثوس من رسالته الأولى حتى أنهم كفّوا عن العمل منتظرين مجيئه، والبعض استهزءوا بقوله مناديًا ان ما قاله الرسول من جهة القيامة لم يتم، لذلك أرسل رسالته الثانية.

[30] يرى البعض أن حديث الرسول هنا يعني أن الأنبياء والرسل والرب قد تنبأوا أوأوصوا بقيام أنبياء كذبة ينكرون مجيئة الثاني… لكن الأقرب إلى الفهم أن هؤلاء تحدثوا عن مجيئة الثاني الذي ينكره الأنبياء الكذبة، أو نأخذ المعنيين معًا.

[31] City of God 20: 16.

[32] Lanctantius (260-330) The Divine institutes 7: 14.

تفسير رسالة بطرس الثانية 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني

ظهور المعلمين الكذبة

  1. ظهور المبتدعين وخطورتهم 1-2.
  2. دينونتهم أكيدة 3-9.
  3. صفاتهم 10-22.

1. ظهور المبتدعين وخطورتهم

“ولكن كان أيضًا في الشعب أنبياء كذبة،

كما سيكون فيكم أيضًا معلمون كذبة،

الذين يدسّون بدع هلاك،

وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم،

يجلبون هلاكًا سريعًا،

وسيتبع كثيرون تهلكاتهم،

الذين بسببهم يُجدف على طريق الحق” [1-2].

لا يكف إبليس عن أن يخدع بكل طريقة، مشوّهًا الحق، بإظهار ما هو على مثله، فكما يعمل الروح القدس في الأنبياء الحقيقيين شاهدين للرب، هكذا ظهر أيضًا أنبياء كذبة يعمل فيهم إبليس (إر 14: 14؛ 23: 25؛ تث 13: 1-5)، وكما يوجد رعاة حقيقيون، هكذا يوجد معلمون كذبة أيضًا. قد حذرنا ربنا يسوع منهم (مت 7: 15؛ 24:24)، كما حذر الرسول أساقفة أفسس قائلاً: “ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بأمورٍ ملتويةٍ ليجتذبوا التلاميذ وراءهم” (أع 20: 30).

يقول العلامة ترتليان: [يلزمنا ألا ندهش من وجود الهرطقات، لأنه قد سبق الرب فأنبأنا بقيامها، إذ تفسد إيمان البعض، لكنها تقدم تجربة إيمان فتهب فرصة للتذكية (1 كو 11: 19)[13].]

 فالهرطقات لها مضارها كما لها منافعها. أما مضارها فكما يقول الرسول:

  1. ينكرون الرب الذي اشتراهم، مستهينين بالدم الثمين المدفوع لأجل إيماننا المستقيم[14].
  2. لا يهلكون وحدهم، بل يحدرون معهم آخرين للهلاك، والهدم أسرع من البناء.
  3. يسيئون إلى الله، إذ “بسببهم يجدف على طريق الحق”. فبالرغم من ادعاءاتهم أنهم متمسكون بالإنجيل إلا أن انحراف إيمانهم وسيرتهم يسببان تجديفًا على اسم الرب.

أما منافع الهرطقات فكما يقول القديس أغسطينوس:

[أما عن الهراطقة فهم لا يفعلون أكثر من أن يجذبوننا نحو معرفة الأسرار، ذلك إن كنا نحيا في تقوى، ونؤمن بالمسيح. ولا نشتهي الطيران من العش قبل الأوان.

انظروا أيها الإخوة فائدة الهراطقة، فإن الله بحسب تدبيره يستخدم حتى الأشرار للخير… فإذ يبتدع الهراطقة تضطرب النفوس الصغيرة، وإذ تضطرب تبحث في الكتاب المقدس… وبحثهم هذا بمثابة قرع رؤوس الرضع على صدر أمّهاتهم لكي ينالوا اللبن الكافي[15].]

2. دينونتهم أكيدة

“وهم في الطمع يتجرون بكم بأقوال مصنّعة،

الذين دينونتهم منذ القديم لا تتوانى،

وهلاكهم لا ينعس[3]

إذ يتاجرون بالنفوس مستهينين بها وبالدم الكريم المسفوك لأجلها، مستخدمين في ذلك أقوالاً مصنّعة، أي أحاديث لينة خادعة، إذ بالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء (رو 16: 18). لهذا فإن دينونتهم منذ القديم قائمة تنتظرهم، وهلاكهم لا يغفل عنهم مهما شعروا بطمأنينة كاذبة.

ودليل إدانتهم:

أولاً: إدانة الملائكة الساقطين

“لأنه إن كان الله لم يشفق على ملائكة أخطأوا،

بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم،

وسلّمهم محروسين للقضاء” [4].

ونلاحظ[16] أن قولهم “طرحهم” في صيغة الماضي تعني تأكيد ما سيكون في المستقبل.

استخدم القديس أغسطينوس[17] هذا النص في إثبات أن الملائكة الأشرار لم يخلقوا هكذا، بل بسقوطهم في الخطأ صاروا أشرارًا.

ثانيًا: هلاك العالم القديم

“ولم يشفق على العالم القديم،

بل إنما حفظ نوحًا ثامنًا كارزًا للبرّ،

إذ جلب طوفانًا على عالم الفجّار” [5].

هذه الجملة متصلة بالجملة الشرطية السابقة، أي إن كان الله لم يشفق على العالم القديم في أيام نوح الذي كرز للبرّ ولم يسمعوا له، فجلب عليهم طوفانًا بسبب فجورهم، فهل لا يدين الله المبتدعين؟

وقد “حفظ نوحًا ثامنًا“، أي بالرغم من أنه الشخص الثامن من الفُلك. لعله دخل بعد أولاده ونسائهم وزوجته ليطمئن عليهم، فإن قلة عددهم لم تمنع اهتمام الله بهم وحفظهم. كما أن كثرة الأشرار لا يمنع إدانتهم.

ثالثًا: حرق سدوم وعمورة

“وإذ رمَّد مدينتيّ سدوم وعمورة حكم عليهما بالانقلاب،

واضعًا عبرة للمعتدّين أن يفجروا “[6].

لقد صار إحالة مدينتي سدوم وعمورة إلى رماد عبرة للتاريخ البشري كله، لأنه إذ ارتفع شرّهم وامتلأ كأس آثامهم أهلكهما الله، هكذا كل من يتمادى في الشر دون أن يتوب![18]

لقد “حكم عليهما بالانقلاب” كمن يُحكم عليه بالإعدام، لأن أجرة الخطية الموت. وحتى في هلاكهما الذي هو ثمرة فجورهما يخرج الله من الآكل أكلاً، محوّلاً شرهما لخير الآخرين، إذ يعتبرون بهما فيتوبون. هذا وقد كشف الله مدى اهتمامه بأولاده. ففي حرق المدينتين لم ينسَ الله لوطًا وابنتيه بالرغم من قلة عددهم بالنسبة للأشرار.

“وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة،

إذ كان البار بالنظر والسمع

وهو ساكن بينهم،

يعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بأفعالهم الأثيمة” [7-8].

لقد ألقى لوط نفسه بنفسه وسط الأردياء، إذ اختار الأرض الخصبة تاركًا لعمه “إبراهيم” الأرض الجرداء، لهذا استحق أن يخرج فارغ اليدين. لكن لوط لم يندمج مع الأشرار في دعارتهم، غير أن نفسه كانت تتعذب يومًا فيومًا مما يراه ويسمعه من أفعالهم الأثيمة!

لقد أنقذ الرب لوطًا (تك19: 16) لعدم تدنسه بالفساد الذي حوله، إذ كانت نفسه مرة “مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة“، لأنها سيرة ثقيلة على نفس المؤمن.

“يعلم الرب أن ينقذ الأتقياء من التجربة،

ويحفظ الآثمة إلى يوم الدين معاقبين” [9].

هذه هي النتيجة التي يريد أن يعلنها الوحي:

  1. في وسط التجربة يميز الله بين الأتقياء والمحفوظين للعقاب.
  2. الله في تركه الأتقياء بين الأشرار لا يعني أنه قد نسيهم، بل يعرف كيف ينقذهم، وذلك كمثل الزارع الذي يترك الزوان ينمو مع الحنطة إلى يوم الحصاد فيفرزهما.
  3. لا يتعجل الله على عقاب الفجار، بل “يحفظ الآثمة إلى يوم الدين معاقبين”.

3. صفاتهم

لخص الرسول صفات هؤلاء المعلمين الكذبة بالآتي:

  1. سالكون حسب الجسد. 5. مخادعون.
  2. يستهينون بالسيادة. 6. محبون للأجرة.
  3. جاهلون كالحيوانات. 7. عقماء.
  4. محبون للذة. 8. يشوّهون مفهوم الحرّية.

وقد سبق لنا شرح بعض هذه الصفات في تفسير رسالة يهوذا[19].

  1. سالكون حسب الجسد.

“ولاسيما الذين يذهبون وراء الجسد في شهوة النجاسة”

وقد ميّز القديس أغسطينوس في مقاله عن ضبط النفس[20] بين:

أ. الجسد بغرائزه: وهو من عمل الله كلي الصلاح، لذلك فهو صالح.

ب. الروح بطاقاتها: وهي من عمل الله كلي الصلاح، لذلك فهي صالحة.

ج. شهوات الجسد: وهي دخيلة على الإنسان نتيجة انحراف توجيه غرائز الإنسان وطاقاته.

د. شهوات الروح: وهي اشتياقات الروح لتنطلق إلى حضن الخالق، وهذه تضاد شهوات الجسد التي هي كالمرض دخيلة على الإنسان.

فالقول “يذهبون وراء الجسد” يعني أن الإنسان يسلك حسب هواه أو ذاته أو رغباته الأرضية البشرية وليس حسب شهوات الروح، أي ليس حسب إرادة الله السماوية. وكما يقول القديس أغسطينوس:

[هذا كشفه الرسول نفسه بصورة أوضح في موضع آخر، إذ يقول “ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟” (1 كو 3: 3). فعندما دعاهم جسديين لم يقل: “وتسلكون حسب الجسد”، بل قال حسب البشر، لأنه بالحق لو كان من يسلك “حسب الجسد” يستحق اللوم ومن يسلك حسب البشر” يستحق المديح، لما قال لهم موبخًا “وتسلكون حسب البشر”؟

انصت يا إنسان. لا تسلك حسب البشر، بل حسب الذي خلقك.

لا تهرب من ذاك الذي أوجدك. لا تفلت منه حتى باتكالك على ذاتك (وليس فقط على غيرك) لأن ذاك الذي لم يسلك حسب البشر، قالليس أننا كُفاة من أنفسنا بل كفايتنا من الله (2كو3: 5)… لهذا لا تسلك يا إنسان حسب ذاتك وإلا هلكت.

عندما تسمع يا إنسان القول:لأن إن عشتم حسب الجسد فستموتون (رو 8: 13)، لا تسلك حسب ذاتك، لأن الشيطان ليس له جسد، ومع ذلك إذ أراد أن يعيش حسب ذاته لم يثبت في الحق (رو 8: 44).

إذن هؤلاء المعلمون يذهبون وراء الجسد، أي وراء نزواتهم الخاصة في شهوة النجاسة… وأية نجاسة أبشع من أن يقبل الإنسان إرادته عوض إرادة الله وعوض الانقياد بروح الله كابن له (رو 8: 14) ينقاد بأعمال جسده؟[21]]

  1. يستهينون بالسيادة

“ويستهينون بالسيادة،

جسورون، معجبون بأنفسهم،

لا يرتعبون أن يفتروا على ذوي الأمجاد” [10].

وقد سبق لنا شرح هذه العبارة في تفسير رسالة يهوذا ع 8، نرجو الرجوع إليه.

إنهم معتدون بذواتهم وبآرائهم، لا يقبلون الخضوع لما تسلمته الكنيسة جيلاً بعد جيلٍ، بل يرغبون في شرح الكتاب المقدس وتفسيرهم له حسبما تمليه عليهم أفكارهم الخاصة.

وهم في هذا لا يقتدون بالملائكة المتواضعين، الذين وهم أعظم منهم قوة وقدرة وفهمًا وحكمة، لا يقدمون حكم افتراء حتى ضد الشياطين بل يتركون الرب ينتهرهم (راجع تفسير رسالة يهوذا ع 9).

  1. جاهلون كالحيوانات

“أما هؤلاء فكحيوانات غير ناطقة طبيعية،

مولودة للصيد والهلاك،

يفترون على ما يجهلون،

فسيهلكون في فسادهم” [12]

إذ يرفضون الحق ويقاومونه، يكونون بلا فهم كالحيوانات غير الناطقة، وكما يقول القديس أنطونيوس الكبير: [هذه النفوس تهلك كالحيوانات العجم. لأن عقولهم تسحبها الشهوات، كما تسحب الخيول الجامحة راكبيها[22]]، بل صاروا أدنى منها.

أ. إن الحيوانات غير ناطقة بالطبيعة، لكن الإنسان وهب عقلاً كما يقول القديس أنطونيوس: [ليعين الإنسان في علاقته مع الله[23]]، فانحرافهم عما خُلقوا لأجلها يجعلهم أدنى من الحيوانات.

ب. إن الحيوانات مخلوقة “للصيد والهلاك“، أما الإنسان فمخلوق ليحيا إلى الأبد، وكما يقول القديس أنبا أنطونيوس: [الإنسان العاقل عندما يفحص نفسه يرى ما يجب عليه أن يفعله، وما هو نافع له، وما هو قريب لنفسه، ويقودها إلى الخلاص، كما يرى ما هو غريب عن النفس ويقودها إلى الهلاك، وبهذا يتجنب ما يؤذي النفس باعتباره شيئًا غريبًا عنها[24].]

ج. إن المبتدعين ليس فقط يجهلون الأمور، لكنهم في تجاسر يفترون، مقاومين الحق مع أنه كان يجدر بهم على الأقل أن يصمتوا بسبب جهلهم.

د. إن سبب هلاكهم ليس خارجًا عنهم، بل “سيهلكون في فسادهم” أي أَسلموا أنفسهم بأنفسهم للهلاك.

  1. محبون للذة

“آخذين أجرة الإثم الذين يحسبون تنعم يوم لذة.

أدناس وعيوب،

يتنعمون في غرورهم صانعين ولائم معكم” [13].

نجدهم في العالم كأنهم ناجحون ومزدهرون، إذ يتنعمون بلذة يوم قصير، لابد أن يعبر ليأتي يوم الدين.

هذا هو مبدأهم كمبدأ الأبيقوريين “لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت”، فيفرحون بلذة مؤقتة يحسبونها نصيبهم، متجاهلين السعادة الأبدية الدائمة. وهم في هذا يقتدون بعيسو الذي من أجل لذة أكلة عدس باع بكوريته، وعاد ليبكي بمرارة بلا نفع.

يقول الرسول: “الذي يزرعه الإنسان إيّاه يحصد، لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادًا(غل 6: 7-8). وإذ يتنعمون هنا في غرورهم، آخذين أجرة الإثم، يتعذّبون هناك.

أما خطورة هؤلاء المبتدعين أنهم “صانعين ولائم معنا“، أي يحاولون نسب أنفسهم إلى وليمة المسيح، ويدعون أنهم أعضاء في الكنيسة، وهم يحملون كل كراهية وبُغضة ضدها.

  1. مخادعون

“لهم عيون مملوءة فسقًا، لا تكف عن الخطية،

خادعون النفوس غير الثابتة.

لهم قلب متدرب في الطمع،

أولاد اللعنة” [4].

من يستهين بحياته فيعيش في إباحية باستهتار تصير عيناه مملوءة فسقًا، أي زنا. فيفقد المعلم الكاذب العين البسيطة التي تنير الجسد كله، وتصير عيناه مظلمتين لا تنظران إلا ما هو شر ودنس “لا تكف عن الخطية”. هؤلاء المعلّمون المملوءة عيونهم فسقًا، ولا يكفّون عن الخطية، يخدعون النفوس غير الثابتة خلال مظهرهم الخارجي المملوء غيرةً وحماسًا وطهارةً وعفةً.

هؤلاء “لهم قلب متدرب في الطمع، أولاد اللعنة”، أي يحمل قلبهم ما تمتلئ به عيونهم من فسق. قلب لا يشبع ولا يرتوي، في طمعٍ دائمٍ، لا من جهة المادة فحسب، بل وفي صنع الشر واقتناء الكرامة وحب الظهور، ولو على فيه هلاك البسطاء، والانحراف بهم عن إيمانهم البسيط! لهذا استحقوا أن يدعوا “أولاد اللعنة“.

  1. محبون للأجرة[25]

“قد تركوا الطريق المستقيم فضلّوا،

تابعين طريق بلعام بن بصور، الذي أحب أجرة الإثم.

ولكنه حصل على توبيخ تعدّيه،

إذ منع حماقة النبي حمار أعجم، ناطقًا بصوت إنسان” [15-16].

“قد تركوا الطريق المستقيم”، أي كانوا يومًا ما سالكين فيه، لكنهم انحرفوا منخدعين بطريق بلعام محب أجرة الإثم من الخدمة، حتى انغلق ذهنه فلم يدرك. وقد استخدم الله الحمار الأعجم لتوبيخ من فقد عقله.

  1. عقماء

“هؤلاء هم آبار بلا ماء،

غيوم يسوقها النوء.

الذين قد حُفظ لهم قتام الظلام إلى الأبد” [17].

لهم مظهر خارجي خادع. فإذ يرى الظمآن البئر يفرح بها، لكنه يحاول الشرب فلا يجد ماءً. وكالفلاح الذي يفرح بالغيوم، لكن سرعان ما تحملها لرياح دون أن تمطر. وستنكشف حقيقة هذا المظهر في الأبدية “الذين قد حُفظ لهم قتام الظلام إلى الأبد”، أي يتركهم الرب هنا قليلاً، ولا يعلموا أنهم محفوظون للظلمة الأبدية.

“لأنهم إذ ينطقون بعظائم البُطلِ،

يخدعون بشهوات الجسد في الدعارة

من هرب قليلاً من الذين يسيرون في الضلال” [18].

أي أنهم يدعون في كبرياءٍ واعتدادٍ المعرفة الفائقة والحكمة، ويحسبون أن تعاليمهم ذات شأن، وهم في الحقيقة مخدوعون بشهوات الجسد، أي بنزواتهم الخاصة. وإذ يجذبون الناس عن ضلالهم، يلقونهم مرة أخرى فيما هو أشر. إنهم يقدمون آمالاً عظيمة ويفتحون الباب للخطاة، لكن في هذا كله يعتمدون على فلسفتهم الذاتية، فيحرفونهم معهم في ضلالهم.

  1. 8. يشوّهون مفهوم الحرية

“واعدين إيّاهم بالحرية،

هم أنفسهم عبيد الفساد،

لأن ما أنغلب منه أحد، فهو مُستعبد أيضًا” [19]

يكرزون بالحرية… وهذه الكرازة لها جاذبيتها الجميلة ومظهرها البرّاق، لكن للأسف هم أنفسهم مستعبدون للخطية لأنهم مغلوبون منها، وكما يقول الرب الحق الحق أقول لكم أن كل ما يعمل الخطية هو عبد للخطية” (يو 8: 34). ولعلهم استخدموا هذه الكلمة العذبة “الحرية” التي من أجلها جاء الرب متجسدًا وتألم ومات وقبر وقام وصعد. هذا كله ليصعدنا معه كأبناء أحرار ورثة الملكوت. استخدموها في مفهوم خاطئ مثل:

  1. التحرر من الناموس باستهتار، وقد عالج الأب ثيوناس هذا الأمر مع الأبوين يوحنا كاسيان وجرمانيوس علاجًا مستفيضًا يمكن الرجوع إليه. وكما يقول الأب يوحنا كاسيان للأب ثيوناس [الشخص الخاضع لشرائع الناموس، ولم يفوق مطالبها بعد، لا يقدر أن يصل إلى كمال الإنجيل، حتى ولو كان يفخر، في تهاونه، أنه مسيحي ومتحرر بنعمة الرب[26].]
  2. التحرر من النظم والترتيبات التي وضعتها الكنيسة لأجل حياة أولادها.
  3. التحرر بمعنى الفوضى في العبادة يفعل ما يشاء بلا إرشاد.

“لأنه إذا كانوا بعدها هربوا من نجاسات العالم

بمعرفة الرب والمخلص يسوع المسيح،

 يرتبكون أيضًا فيها فينغلبون،

فقد صارت لهم الأواخر أشر من الأوائل” [20].

إذ ينادون بربنا يسوع المسيح كمخلصٍ يعودون فيرتكبون الخطية مغلوبين منها، وبهذا يصيرون إلى حال أشر، وذلك كالمثال الذي ذكره الرب في إنجيل معلمنا لوقا البشير (11: 26)، إذ بعدما خرج الشيطان من إنسانٍ ولم يجد له مكانًا، عاد فوجد مسكنه الأول مكنوسًا مزينًاأ فاستصحب معه سبعة شياطين أشر منه.

وسر ما بلغ إليه حالهم في المرة الثانية هو…

  1. أنه لم يعد لهم الجهل عذرًا (مت 12: 45).
  2. من سقط وله معرفة لا يعود ينصت بعد إلى من يرشده أو يعظه.
  3. السقوط بمعرفة يدفع الإنسان إلى اليأس.

لأنه كان خيرًا لهم لو لم يعرفوا طريق البرّ،

 من أنهم بعد ما عرفوا يرتدّون عن الوصية المقدسة المسلمة إليهم.

قد أصابهم ما في المثل الصادق:

كلب قد عاد إلى قيئه، وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحماة” [21-22].

وقد اقتبس الرسول هذا المثل عن سفر الأمثال كما يعود الكلب إلى قيئه هكذا يعيد حماقته (أم 26: 11). والمراغة هو مكان التمرغ، والحمأة هي الطين الأسود النتن الذي فيه تتمرغ الخنازير.

هكذا يعود هؤلاء بعدما سمعوا وتحدثوا عن الحرية التي في المسيح إلى حياة العبودية مرة أخرى بسبب شرهم، ويصيروا عبيدًا مهما ادعوا لأنفسهم أنهم سادة. وكما يقول القديس أغسطينوس: [الإنسان الصالح وإن كان عبدًا فهو حر، أما الشرير فحتى إن كان ملك فهو عبد[27].]

[13] Tertullian: The Prescription against Heretics, 1.

[14] راجع أع 20: 28، 1كو 6: 20، 37، رؤ 5: 9.

[15] عظات علي فصول منتخبة من العهد الجديد 1.

[16] راجع تفسير يهوذا 6.

[17] Nature of good against Manichians.

[18] راجع تفسير يهوذا 7.

[19] راجع تفسير يهوذا، 1974، ص 8-11.

[20] ترجم في كتيب تحت اسم العفة.

[21] للمؤلف: العفة لأغسطينوس، 1976، ص 32-34.

[22] للمؤلف: الفيلوكاليا، 1993، ص 41.

[23] للمؤلف: الفيلوكاليا، 1993، ص 48.

[24] للمؤلف: الفيلوكاليا، 1993، ص 21.

[25] راجع تفسير يهوذا، 1974، ص10-11.

[26] راجع مناظرات كاسيان 21 (ص825).

[27] City of God 4: 12: 3.

تفسير رسالة بطرس الثانية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول

ملكوت السماوات

 

  1. عمل الله من أجل الملكوت 1-4.
  2. جهاد الإنسان من أجل الملكوت 5-11.
  3. تأكيد الملكوت الأبدي:

 أولاً: أنه لا يحتاج إلى تأكيد    12-15.

 ثانيًا: التجلّي يشهد له 16-18.

 ثالثًا: الأنبياء يشهدون له      19-21.

1. عمل الله من أجل الملكوت

سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله،

إلى الذين نالوا معنا إيمانًا ثمينًا مساويًا لنا،

ببرّ لهنا والمخلص يسوع المسيح ربنا[1].

اختلفت هذه الافتتاحية عن تلك التي جاءت في الرسالة الأولى:

أولاً: هنا يذكر اسمه الأول “سمعان” ملازمًا الاسم الذي دعاه به الرب. فلو أن هذه الرسالة مدسوسة لما كتب هذا الاسم مقتبسًا الافتتاحية الأولى.

ثانيًا: دعا نفسه عبدًا، مظهرًا حقيقة مركزه بالنسبة لربنا يسوع[4].

ثالثًا: إذ يتحدث في هذه الرسالة عن “ملكوت السماوات وانتظار مجيء الرب الثاني”، لهذا يذكر في الافتتاحية أنها موجهة “إلى الذين نالوا معنا إيمانًا ثمينًا مساويًا لنا ببرّ إلهنا والمخلص يسوع المسيح ربنا” وهنا نلاحظ:

  1. لم يقل لهم إلى “المتغربين من شتات…” كما في الرسالة الأولى، حيث يحدثهم عن الآلام والضيق فيذكرهم بغربتهم، إنما يتحدث هنا “إلى الذين نالوا معنا إيمانًا ثمينًا“، إذ هذا هو طريق الملكوت.
  2. كان من الصعب عليهم أن يدركوا أن الإيمان الذي يتقبله الأمم مساويًا لإيمانهم لهذا أكد “مساويًا لنا”.
  3. ولئلا يظن القارئ أن الملكوت خاص بالرسل والتلاميذ وحدهم أراد أن يؤكد لهم أن الإيمان الثمين الذي لهم مساويًا لما هو للرسل لذا يقول: ببرّ إلهنا، أي ليس لأحد فضل فيه.
  4. لا يقول “مخلصنا” بل “المخلص” موضحًا أنه جاء ليخلص كل البشرية.

لتكثر لكم النعمة والسلام” راجع تفسير (1 بط 1: 2).

بمعرفة الله ويسوع ربنا [2] شروط التمتع بنعمة الرب وسلامه الحقيقي هو المعرفة الإلهية، ليست المعرفة الذهنية بل العملية أيضًا.

لهذا يطالبنا الأب نسطور أن نهتم بالمعرفة الاختبارية العملية، ولا نقف عند مجرد التأمل والفهم، وكما يقول: [يستحيل على النفس غير النقية، مهما بلغت أشواقها نحو القراءة، أن تحصل على معرفة روحية. لأنه لا يقدر أحد أن يسكب دهنًا طيبًا أو عسلاً جيدًا أو أي سائل قيّم في إناءٍ قذرٍ كريه الرائحة، لأن الإناء الذي امتلأ بروائح كريهة يفسد ما يوضح فيه أكثر مما يتأثر هو من الشيء الصالح، لأن ما هو نقي يفسد بسرعة أكثر من تأثير النقي عليه[5].]

تحمل هذه المعرفة الحقيقية لصاحبها حياة أبدية، إذ يقول الرب: “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو 17: 3).

“كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى

بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة،

اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى الثمينة،

لكي تصيروا بها شركة الطبيعة الإلهية،

هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة[3-4].

لقد كشف لنا الرسول:

أولاً: المدعوّين للملكوت

أعلن الله أعماق محبته لنا إذ دعا الجميع دعوة عامة للميراث الأبدي، إذ هو “المخلص” مقدمًا لنا إيمانًا ثمينًا مجانيًا بلا محاباة أو تمييز [1]. هذا الإيمان الثمين ليس لشعبٍ أو جنسٍ فضل فيه، بل قدمه ربنا؛ “ببرّ إلهنا والمخلص يسوع المسيح” الذي دفع ثمنًا على الصليب هذا مقداره!

ثانيًا: الدعوة بالمجد والفضيلة

عمومية الدعوة ومجانيتها لا يعنيان إلا حب الله. إذ هي دعوة للتزين بالمجد والفضيلة. وأي مجد؟ وأية فضيلة؟ إننا مدعوّون لنتزين بالله ونتسربل بفضائله، فهو مجدنا، وهو سلاحنا.

لسنا مدعوّين لفضائل خارجية بل للاتحاد به، والامتثال به، فيكون لنا حب الرب، وقداسته، وصبره واحتماله وطول أناته ووداعته وبساطته. لهذا يقول الرسول: “لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة”.

فإذ نحن في العالم كيف نسلم من الفساد؟ بالاتحاد بالرب القدوس والإقتداء به؛ نتمثل به فلا يلمسنا فساد العالم الذي بالشهوة.

إنها دعوة ثمينة أن تنعكس علينا إشعاعات الصفات الإلهية من حب وقداسة ووداعة… على القلب لنكون مثله (1 يو 3: 2؛ مت 6: 23)!.

ثالثًا: إمكانيات الدعوة

ما فائدة الدعوة الثمينة التي دفع فيها ثمنًا هذا قدره، وقُدمت لننال مجدًا سماويًا وفضائل روحية بغير إمكانية للتنفيذ؟ لهذا يقول الرسول:”كما أن قدرته الإلهية قد وَهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى“. وكأن الرسول يقول لنا ما هو عذرنا بعد إن كان اللَّه قد قدم لنا بقدرته الإلهية كل ما هو للحياة والتقوى، إذ قدم لنا:

  1. ميلادًا جديدًا سماويًا، به نولد روحانيًا، لنمتثل باللَّه القدوس.

يقول الأب هيبوليتس:

[أتوسل إليكم أن تصغوا إليّ جيدًا، فإنني أرغب في الرجوع بكم إلى ينبوع الحياة لتروا الينبوع المتدفق بالشفاء.

الآب الخالد أرسل ابنه الكلمة الخالد إلى العالم، هذا الذي جاء إلى الإنسان لكي يغسله بالماء والروح، فأعادنا ثانية إلى عدم الفساد الذي للنفس والجسد، ونفخ فينا نسمة الحياة، وأمدنا بسلاحٍ غير فاسد. لذلك إذ يصير الإنسان خالدًا يصير إلهًا، وإذ يصير بالماء والروح القدس إلهًا خلال تجديده في الجرن، يصير بعد قيامته من الأموات شريكًا في الميراث مع المسيح (رو 8: 17).

لهذا فإنني أكرز بهذا الهدف: تعالوا يا جميع أجناس الأمم إلى الخلود الذي يهبه العماد.

إنني أقدم لكم بشائر الحياة الحسنة يا من تتخبطون في ظلمة الجهل!

تعالوا إلى الحرية يا من في العبودية! إلى الملكوت يا من في الظلمة! تعالوا من الفساد إلى عدم الفساد!

يقول قائل: وكيف نأتي؟ كيف؟ بواسطة الماء والروح القدس. هذا هو الماء المرتبط بالروح، الذي به يرتوي الفردوس، والذي به تغتني الأرض، وتنمو النباتات، وتتكاثر الحيوانات… وفي كلمة الذي به يُولد الإنسان ثانية ويتمتع بالحياة[6].]

  1. تكريسًا للأعضاء والحواس والعواطف والغرائز بسر الميرون.
  2. غسلاً لأقدامنا مع التلاميذ بيدي الرب يسوع الطاهرتين، الذي يتقدم في سرّ التوبة والاعتراف ويغسلهما.
  3. 4. تثبيتًا فيه وهو فينا خلال التناول من الأسرار المقدسة.
  4. وهبنا تعليمًا روحيًا غير غاش لنمونا، يرضعنا به الروح في الكنيسة.
  5. يقدم لنا الروح كل ما نحتاج إليه من ثمار وبركات روحية بل وزمنية أيضًا تعمل لأجل خلاصنا الخ.

2. جهاد الإنسان من أجل الملكوت

ضرورة الجهاد لخلاصنا

قدم لنا ربنا: 1. إيمانًا ببر إلهنا، بدونه نعجز عن العبور إلى الأبدية.

  1. دعوة للمجد والفضيلة.
  2. إمكانيات إلهية للحياة والتقوى.

ولكن هل يمكن للإنسان أن يخلص منتفعًا بهذه التقدمات الإلهية بغير جهاد؟ إننا لا نقدر أن نخلص ما لم نشترك في حمل الصليب، ليس بذاتيتنا، ولكن بنعمة اللَّه المعينة والمساعدة والمرشدة.

يا لعظم حبه الفائق أن يجعلنا ننحني مع سمعان القيرواني لنحمل معه صليبه؟ لهذا يقول الرسول: “ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد[5]، أي لأجل الدعوة للأبدية ،أو لأجل خلاصكم وأنتم باذلون. وماذا نبذل؟ كل اجتهادٍ. فكما بذل الآب ابنه الوحيد، هكذا نربط نحن ابننا (كل ما هو محبوب لدينا) ونذبحه للرب كما قدم إبراهيم اسحق.

طريق الجهاد

قدموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة.

وفي المعرفة تعففًا، وفي التعفف صبرًا،

وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية،

وفي المودة الأخوية محبة[6-7].

يربط الرسول الفضائل بعضها البعض دون تقديم الواحدة عن الأخرى، فلا يقول “بعد إيمانكم فضيلة” بل “في إيمانكم فضيلة“. وكما يؤكد آباء الكنيسة أن الفضائل كما الرذائل هي سلسلة مترابطة وانعكاسات على بعضها البعض بطريقة لا تنفصل.

  1. فضيلة: يطالبنا الرسول أن نقدم في الإيمان أعمالاً حتى لا يكون ميتًا[7].
  2. معرفة: من يسير في الفضيلة بغير معرفة، يكون كمن يسير بلا هدف، ومن يدّعي المعرفة بغير السلوك في الفضيلة يكون ثرثارًا متكبرًا[8].
  3. تعفف: من له معرفة عملية تعرف نفسه الخطية، بل وكل ما هو زمني مشتاقًا إلى الأبديات، وكما يستند التعفف أي ضبط النفس على المعرفة، يسند هو أيضًا المعرفة.
  4. صبر: ضبط النفس أو التعفف النابع عن محبة السماويات يبعث في النفس قدرة على الاحتمال والصبر، فيترك الإنسان كل شيء برضا. هذا الصبر أو الاحتمال أيضًا يسند التعفف، لأن بدونه لا يقدر الإنسان أن يكون ضابطًا لنفسه.
  5. تقوى: الاحتمال من أجل السماويات يهب للنفس تقوى، أي يبعث فيها الورع والمخافة الإلهية، وهذه التقوى تعين الإنسان، فيحتمل صابرًا.
  6. المودة الأخوية: من يخاف الله ويتّقيه يعامل إخوته بلطفٍ وحنانٍ، وهذه المودة الأخوية أيضًا تملأ القلب ورعًا وتقوى.
  7. المحبة: أما من يحب فقد اقتنى كل الفضائل، ولا تقوم فضيلة ما بغير محبة. هذا وقدر ما يتسع القلب للمودة الأخوية يحب الله، وقدر ما يحب الله يتسع لمودة الناس.

يقول القديس دوروثيؤس: [تصور دائرة تخرج من مركزها أشعة أو خطوط. فبقدر ما تبتعد الخطوط عن المركز تفترق عن بعضها البعض… وبالعكس كلما اقتربت من المركز تقاربت نحو بعضها البعض. افترض أن هذه الدائرة في العالم ومركز الدائرة هو الله. والخطوط من المركز إلى المحيط أو من المحيط إلى المركز هي طريق حياة البشر، فإننا نجد نفس الأمر، فبقدر ما يتحرك القديسون في داخل الدائرة تجاه المركز راغبين في الاقتراب من الله، يقترب كل منهما للآخر[9].]

أهمية الجهاد وخطورة التخلي عنه

  1. لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت، تصيّركم لا متكاسلين، ولا غير مثمرين، لمعرفة ربنا يسوع المسيح[8].

متى كان فينا الجهاد في الفضائل السابق ذكرها، ونمونا فيها، تصّيرنا في حياة حيّة نشيطة مملوءة ثمارًا. هذه الثمار وسيلة للتعرف على ربنا يسوع معرفة حقيقية. من أجل هذا تطلب الكنيسة من الإشبين أن يزرع في الطفل المعمّد هذه الفضائل على الأرض الجيدة الخارجة من المعمودية والمرويّة بالماء حي والروح القدس.

  1. لأن الذي ليس عنده هذه هو أعمى، قصير البصر، قد نسى تطهير خطاياه السالفة[9].

وأما من كان خاليًا منها فهو أعمى بلا بصيرة روحية، فقد إدراكه لقيمة التطهير السالف الذي ناله في المعمودية، وهو قصير البصر لا تتعدى عيناه الأرضيات، مضروب بالنسيان من جهة أعمال اللَّه معه.

  1. لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين، لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلّوا أبدًا[10].

إن الجهاد هام لجعل الدعوة والاختيار ثابتين، فبدونه يزل الإنسان ويتعثر كالأعمى، ويخسر دعوته واختياره[10]

ولكن خشي الرسول لئلا ييأس أحد من خلاصه، لهذا أكمل قائلاً: “لأنه هكذا يقدم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدي” [11]. ملكوت الله مفتوح متسع للمجاهدين لأننا إن صبرنا معه، فسنملك معه أيضًا (تي 2: 12). أبوابه مفتوحة على مصراعيه، لأن الله سخي وكريم.

 3. تأكيد الملكوت الأبدي

أولاً: أنه لا يحتاج إلى تذكير

موضوع الملكوت ليس أمرًا جديدًا بل يكتب إليهم عنه لمجرد التذكرة.

لذلك لا أهمل أن أذكركم دائمًا بهذه الأمور،

وإن كنتم عالمين ومثبتين في الحق الحاضر.

لكنني أحسبه حقًا مادمت في هذا المسكن أن أنهضكم بالتذكرة.

عالمًا أن خلع مسكني قريب،

كما أعلن لي ربنا يسوع المسيح أيضًا.

فاجتهدوا أيضًا أن تكونوا بعد خروجي تتذكرون كل حين بهذه الأمور[12-15].

أدرك الرسول اقتراب خلع مسكنه، كما روى القديس أمبروسيوس[11]أن الوثنيين استشاطوا غيظًا فأرادوا قتله، فأوعز إليه المؤمنون أن يهرب. قبل الرسول مشورتهم، وفيما هو خارج من باب مدينة روما رأى السيد داخلاً فسأله القديس: إلي أين تذهب يا سيدي؟ فأجابه: إلي روما لكي أصلب ثانية. فأدرك بطرس أن السيد المسيح يريد استشهاده، فرجع للحال وأخبر المؤمنين بذلك، وسُجن 9 شهور إلى أن صلب منكّس الرأس، وقطعت رأس بولس الرسول بالسيف في نفس اليوم.

إدراكه اقتراب يوم انتقاله جعله لا يهمل أن يُذكّر أولاده بأبديتهم بالرغم من علمهم بها. وهذا التذكر لا يمل منه المؤمن مهما تكرر، بل يتوق لسماعه كمن يسمعه لأول مرة.

ونلاحظ أن الرسول يطالب أولاده أن يتذكروا هذا بعد انتقاله.

ثانيًا: التجلي يشهد لملكوته

لأننا لم نتبع خرافات مصنعة،

إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه،

بل قد كنا معاينين عظمته[16].

لم تكن الكرازة بالملكوت من وحي خيال الرسل، بل عرفوا وعاينوا عظمة الرب وقوته خلال أعماله وفي تجلّيه، وقد عاين بطرس مع يعقوب ويوحنا التجلي الذي قال عنه الرب: “إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته” (مت 16: 28). وقد شهد أيضًا يوحنا بما عاينه في التجلي قائلاً: “ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا” (يو1: 14).

ثالثًا: وماذا أدرك في التجلي؟

لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا،

إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى،

هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.

ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء

إذ كنا معه في الجبل المقدس[17-18].

  1. انكشفت كرامته ومجده اللذان أخذهما من الآب، فإذ أخلى ذاته بإرادته، صار عبدًا ليعود فيتقبل الكرامة والمجد اللذين له من يديّ الآب في طاعة كاملة. هذا القبول ليس من أجل نفسه، لكنه قبول البشرية كلها في شخصه، لكي نكون شركاء معه في كرامته ومجده.
  2. الآب يشهد له أنه ابنه الحبيب الذي به سُر، ولم يكن ذلك وهمًا بل “نحن سمعناه” وعلى شاهدين أو ثلاثة تقوم الشهادة.
  3. هذا الصوت “من السماء“، لأن مجد الرب وكرامته ليسا أرضيين بل سماويين.
  4. تجلّي الرب جعله الجبل مقدسًا “إذ كنا معه في الجبل المقدس“.

رابعًا: الأنبياء يشهدون له

“وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت،

التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها

كما إلى سراج منير في موضع مظلم،

إلى أن يتفجر النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم” [19].

يهتم الرسول بطرس كخادم للختان بشهادة نبوات العهد القديم (1 بط 1: 10-12، أع 3: 20-21) وهي أثبت. إنها شهادة أنبياء من أزمنة مختلفة تدور حول تجسد الرب وآلامه وصلبه وقيامته وأمجاده ومجيئه الثاني.

يمدحهم الرسول من أجل اهتمامهم بدراستها وفحصها بتدقيق “التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير”، يبدد الظلمة، ويشرق في القلب كوكب الصبح – الرب يسوع – ويظهر نهاره مضيئًا ظلمة القلب.

عالمين هذا أولاً،

أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص.

لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان،

بل تكلم أناس اللَّه القديسون،

مسوقين من الروح القدس” [20-21].

سجّل الأنبياء نبواتهم لا عن اجتهاد بشري، أي ليس عن تفسير خاص، بل بوحي من الروح القدس. إنهم أشبه بالقيثارة في يدي الروح تحركها لتعطي لحنًا عذبًا عن محبة اللَّه المعلنة في تجسد الرب وموته وقيامته ومجيئه الثاني لنرث معه.

وقد دعاهم الرسول “أناس اللَّه“، لأنهم قيثارته، مسوقين كالسفينة التي يوجهها ربّان ماهر.

هذا ما نطق به الرسول أيضًا قائلاً: “أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود” (أع 1: 15).

ويقول الأب هيبوليتس:

[يقال عن الأنبياء الطوباويين أنهم عيوننا، إذ سبق فرأوا خلال الإيمان أسرار الكلمة، وصاروا خدامًا لتلك الأمور الخاصة بالأجيال المتعاقبة، فلا يتحدثون فقط عن الأمور الماضية، بل ويعلنون الحاضر والمستقبل…

لأن هؤلاء انتعشوا بالروح القدس، وتكرّموا كثيرًا بالكلمة ذاته، وهكذا كانوا كآلات موسيقى، وكانت لهم الكلمة دائمًا مثل آلة plectrum يعملون معًا في انسجام، وإذ كان الكلمة (المسيح) يحثهم يعلنون إرادة اللَّه، لأنهم لم يكونوا يتكلمون من ذواتهم، ولا حسب أهوائهم[12].]

[4] راجع تفسير يع 1:1.

[5] مناظرات يوحنا كاسيان، مناظرة 14:14.

[6] Hippolytus Discourse on the Holy Theophany 8.

[7] راجع تفسير يع 2: 14-25.

[8] راجع مقال “المعرفة الروحية ” للأب نسطور- مناظرات كاسيان 14.

[9] الفيلوكاليا، ص 176.

[10] راجع تفسير رسالة يوحنا الأولى.

[11] عظة 68.

[12] Hippolytus: Treatise on Christ and antichrist 2.

تفسير رسالة بطرس الثانية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

رسالة بطرس الثانية

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

مقدمة

كاتب الرسالة

ثارت بعض الشكوك في أمر كاتب هذه الرسالة، وكما يقول القديس إيرونيموس أن هناك قلة تشككوا من جهة كاتبها بسبب الاختلاف في الأسلوب والصياغة بين الرسالتين، غير أنه عاد فأكد أنها للرسول بطرس وحسبها ضمن رسائل الكاثوليكون في رسالته إلى Paulinius، موضحًا أن سرّ الاختلاف بين الرسالتين هو اختلاف المترجمين. وفيما يلي الأدلة على صحة نسبتها للرسول.

أولاً: حاول بعض الكتاب أن يحصوا عدد الكلمات اليونانية المشتركة بين الرسالتين فوجدوا:

أن 369 كلمة استخدمت في الرسالة الأولى دون الثانية،

230 كلمة استخدمت في الثانية دون الأولى،

100 كلمة استخدمت في الرسالتين.

ونلاحظ الآتي:

أ. 6/1 الكلمات مشتركة بين رسالتين صغيرتين ليس بالدليل الكافي للتشكيك، بل بالعكس هي نسبة ليست بالقليلة.

ب. يجهل الرسول بطرس اليونانية، فمن ترجم له الأولى خلاف من ترجم الثانية.

ج. اختلاف موضوع الحديث والهدف يقلل من وجود كلمات مشتركة.

ثانيًا: قبلتها الكنيسة الأولى، إذ يذكر يوسابيوس المؤرخ[1] أن القديس إكليمنضس السكندري اقتبس منها. ويؤكد كل من القديس جيروم وFirmilians أسقف قيصرية وتلميذ العلامة أوريجينوس أنها للقديس بطرس.

  • اقتبس منها القديس إكليمنضس الروماني الكثير.
  • هناك كلمات أو عبارات وردت في كتابات الآباء الرسوليين متناثرة لم ترد إلا في هذه الرسالة مثل: طريق الحق، لا متكاسلين ولا غير مثمرين، ملكوت أبدي، الكلمة النبوية، معاين، الأسنى[2]
  • تتشابه هذه الرسالة مع رسالة معلمنا يهوذا بصورة واضحة كما سنرى.

ثالثًا: يتحدث الرسول بطرس بخصوص رسائل معلمنا بولس الرسول في (3: 5، 16) مما يجعل البعض يرى أنها كتبت في تاريخ متأخر بالنسبة لرسائل الرسول بولس.

والرد على هذا الاعتراض هو أن الرسائل كانت تنسخ وتتناول بين الكنائس في الحال (كو4: 16). هذا مع وجود صداقة قوية بين الرسولين مما جعل الرسول بطرس ملمًا برسائل زميله.

رابعًا: شهادة الكاتب نفسه إذ:

  1. افتتح الرسالة بقوله “سمعان بطرس…”
  2. دعا نفسه من جملة الرسل (1:1-3).
  3. كان مع السيد المسيح في تجلّيه (1: 16-18).
  4. أظهر أنه كتب رسالة سابقة (3: 1).

لمن كتبت؟

وجهها إلى نفس مسيحي آسيا الصغرى الذين وُجهت إليهم الرسالة الأولى، إذ يقول لهم: “هذه أكتبها إليكم رسالة ثانية…” (2 بط 3: 1).

تاريخ كتابتها

كتبت في أواخر حياته، كما يظهر من قبوله: “عالمًا أن خلع مسكني قريب” (2 بط 1: 14). أي ما بين سنة 64 و68م.

أسبابها

  1. إذ أعلن الرب له عن انتقاله بعث إلى أولاده وصيته الوداعية ليحدثهم عن أثمن اشتياقات قلبه: “ملكوت السماوات ومجيء الرب الثاني”.
  2. انتظار الملكوت السماوي يدفع المؤمن إلى حياة القداسة ورفض البدع.
تشابه الرسالة مع رسالة يهوذا[3]

أولاً: تتشابه الرسالتان بصورة كبيرة، خاصة فيما ورد في الأصحاح الثاني كما يبدو مما يأتي:

  1. المعلمون الكذبة 2 بط 1: 1-3             يه 4.
  2. هلاك الملائكة الأشرار 2 بط 2: 4                يه 6.
  3. هلاك سدوم وعمورة 2 بط 2: 2                يه 7.
  4. الفساد والافتراء على ذوي الأمجاد 2 بط 2: 10-12         يه 8-10.
  5. ولائم المعلمين وتنعمهم 2 بط 2: 13              يه 12.
  6. إتباع طريق بلعام 2 بط 2: 15              يه 11.
  7. حفظ الهراطقة للظلام 2 بط 2: 17              يه 13.
  8. التكلم بعظائم 2 بط 2: 18              يه 16.
  9. التذكير بأقوال الرسل 2 بط 3: 1-3             يه 17-18.

 ثانيًا: هذا التشابه في صورته القوية الذي تُعدى حدود المعنى والهدف إلى الأسلوب والكلمات عينها أثار كثير من الفروض بين الباحثين منها:

  1. أن يكون أحدهما اعتمد على الآخر، فالبعض نادى بأن بطرس اعتمد على رسالة يهوذا، والبعض نادى بالعكس.
  2. قال البعض أن الأصحاح الثاني من رسالة بطرس الثانية حتى العدد الثاني من الأصحاح الثالث قد أضيف فيما بعد إلى أصل الرسالة معتمدًا على رسالة يهوذا، وأن الباقي من الرسالة هو جوهرها ومضمونها الحقيقي. لكن هذا الرأي لم يجد من يؤيده لأن هذا الجزء (2 بط 2: 1-3: 2) الإنتقال إليه ومنه إنتقال طبيعي، وفي حذفه لا تكون الرسالة كاملة في ثوبها. هذا مع وحدة الأسلوب في الرسالة كلها بلا تمييز يعلن خطأ هذا الافتراض.
  3. جاءت كثير من العبارات في رسالة يهوذا موضحة لما ورد في رسالة بطرس الثانية. هذا وأن الرسول بطرس استخدم صيغة المستقبل بينما يشير يهوذا عنها كحقيقة حادثة، أي أن الأولى (2 بط) سبقت الثانية (يهوذا).

كما جاء في يهوذا أن الرسل تنبأوا عن هذه الأمور (يه 17-18)، وربما قصد من بينهم الرسول بطرس بما كتبه في هذه الرسالة.

غير أن استخدام الرسول يهوذا بعض مصطلحات للرسول بولس لم يستخدمها الرسول بطرس مثل: المدعوين (يه 1)، القديسين (يه 3)، نفسانيون (يه 9)، جعل البعض ينادي بأن الرسول يهوذا لم يقتبس رسالته من رسالة الرسول بطرس وإنما جاء التشابه نتيجة وحدة الظروف والهدف ووحدة الزمن تقريبًا.

أقسام الرسالة

  1. ملكوت السماوات الأصحاح الأول.
  2. ظهور المعلمين الكذبة الأصحاح الثاني.
  3. مجيء المسيح الثاني الأصحاح الثالث.

[1] Ecol. His. 6:14:1.

[2] راجع “دراسات في رسالة بطرس الرسول الثانية” للدكتور موريس تاوضروس.

[3] راجع “دراسات في رسالة بطرس الرسول الثانية” للدكتور موريس تاوضروس.

تفسير رسالة بطرس الثانية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الخامس

العلاقات الرعوية

  1. نصائح للرعاة ١ – ٤.
  2. نصائح للرعية ٥ – ٧.
  3. نصائح ختامية ٨ – ١٤.

١. نصائح للرعاة

أطلب إلى الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ رفيقهم،

والشاهد لآلام المسيح،

وشريك المجد العتيد أن يعلن” [1].

ونلاحظ أن كلمة “الشيوخ” ترجمت في أع ٢٠: ١٧ بالقسوس، وقد دعاهم في أع ٢٠: ٢٨ بالأساقفة. ومن هذا يظهر أن كلمة “الشيوخ” يقصد بها جماعة الأساقفة والقسوس ويقول القديس ايرونيموس[1] إن الكنيسة الأولى كانت كثيرًا ما تطلق لفظًا مشتركًا يقصد به الأساقفة والقسوس، أما الشمامسة فتتحدث عنهم على انفراد.

يقول الرسول “أنا الشيخ رفيقهم” دون أن يميز نفسه أنه رئيس عليهم كما يدعي البعض، بل كواحد منهم وزميلٍ لهم. هذا ما وضعه الرب كدستورٍ لتلاميذه، إنه ليس بينهم رئيس، بل من أراد أن يكون أولاً فليكن آخر الكل.

يقول: “الشاهد لآلام المسيح، وشريك المجد العتيد أن يعلن“، وهو يكتب بحكمة عجيبة، فإذ يدور حديثه في الرسالة حول “الآلام في حياة المؤمن” وقد ربطها بآلام السيد المسيح، لهذا يؤكد أنه مُعاين لآلام الرب بنفسه فهو لا يتحدث حديثًا نظريًا بل شاهد عيان.

يربط الرسول الآلام بالأمجاد ويُظْهِر لهم أنه شريك معهم في هذا الرجاء نحو الميراث الأبدي.

نصائح للرعاة:

قدم الرسول للرعاة هذه النصائح:

أولاً: “ارعوا رعية الله التي بينكم”

الخدمة هي رعاية، فيها يقدم الخادم للمخدومين كل ما يحتاجون إليه، ليس من ذاته، بل من راعي الرعاة، الرب يسوع الذي نادى قائلاً: “أنا هو الراعي الصالح“. إنها رعية ثمينة لأنها “رعية الله“. من يهتم بها يكون قد قدم الخدمة لصاحب الرعية نفسه، ومن يهلكها يكون قد أهانه.

يقول الأب افراهات:

[أيها الرعاة تمثلوا بالرعاة القدامى الصالحين. فإن يعقوب كان راعي غنم لابان، يهتم بها ويجاهد لأجلها ويسهر عليها وعندئذ نال المكافأة. لقد قال يعقوب للابان: “الآن عشرين سنة أنا معك. نعاجك وعنازك لم تسقط، وكباش غنمك لم آكل. فريسة لم أحضر إليك. أنا كنت أخسرها… كنت في النهار يأكلني الحر، وفي الليل الجليد ،وطار نومي من عيني” (تك ٣١: ٣٨–٤٠)…

وكما كان يعقوب راعيًا هكذا كان يوسف وإخوته أيضًا رعاة، وموسى وداود وعاموس، الكل كانوا رعاة… هؤلاء كانوا يرعون حسنًا.

والآن يا أحبائي لماذا يرعون الغنم وعندئذ يُختارون لرعاية البشر؟ بالتأكيد لكي يتعلموا كيف يهتم الراعي بقطيعه، ويسير ويجاهد فيما يعود لصالحه، وإذ اكتسبوا صفات الرعاة، أُختيروا لوظيفة البشر[2].]

ثانيًا: “نظارًا”

أي يكونوا رقباء ذوي عينين مفتوحتين حذرين وحكماء في توجيه رعية الله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزمه أن يكون متيقظًا جدًا، حارًا في الروح، كما لو كان يستنشق نارًا[3].]

ويعلل القديس غريغوريوس النزينزي[4] أهمية الحكمة في الرعاة من خطورتها:

  1. لأنها رعاية نفوس ثمينة هكذا إذ مات المسيح عنها!
  2. اختلاف طباع كل إنسان عن الآخر، واختلاف الظروف…
  3. اختلاف الأعمار والأجناس…

ثالثًا: “لا عن اضطرار بل بالاختيار”

لا ينظر إلى الخدمة كحملٍ ثقيلٍ ملزم به، بل يرعى بفرح وسرور، لأنه خادم في كرم أبيه السماوي.

رابعًا: “ولا لربح قبيح بنشاط” [2].

لا يخدم الراعي بقصد تحقيق أهدافٍ زمنيةٍ بل بذهن متيقظ نحو الرعية يهتم بخلاصهم وحياتهم مع الرب.

يقول القديس أغسطينوس: [الذين يرعون رعية المسيح على أنها تصير خرافًا لهم، وليس للمسيح يُظْهِرون أنهم محبون لأنفسهم لا للمسيح[5].]

خامسًا: “ولا كمن يسود على الأنصبة”

لا يتطلع الراعي إلى الرعية كنصيب له، يستغلها فيستولى عليها ويسيطر، بل يحبها ويخدمها.

سادسًا: “بل صائرين أمثلة للرعية” [3].

الراعي مثالٌ أمام رعيته، سلوكه وحياته وكل تصرفاته وعظ عملي وحديث مؤثر في حياة رعيته أكثر مما للسانه أو كلماته. لهذا يقول أحد الآباء: [إذا شرد الراعي لم يلبث أن يضل قطيعه مثله فيسقط متدهورًا.]

سابعًا: “ينتظر الإكليل السماوي”

الراعي هو الذي ترتفع أنظاره على الدوام منتظرًا مجيء راعي الرعاة ربنا يسوع لكي يهبه الميراث السماوي.

ومتي يظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلى” [4].

كرئيس للرعاة صاحب مجد متى ظهر يقدم للرعاة الذين تحت يده وقد تمثلوا به ورعوا رعيته أن يشتركوا معه في المجد الأبدي.

‏2.‏ نصائح للرعية

كذلك أيها الأحداث اخضعوا للشيوخ،

وكونوا جميعًا خاضعين بعضكم لبعض، وتسربلوا بالتواضع،

لأن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة.

فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه.

ملقين كل همكم عليه، لأنه هو يعتني بكم” [5-7].

يركز الرسول أنظار الرعية تجاه “التواضع في ربنا يسوع” فيطالبنا:

  1. الخضوع للرعاة:

التواضع هو الثوب الذي به تحتشم النفس البشريّة خلاله، فلا يظهر خزيها وعارها، لهذا يقول الرسول “تسربلوا بالتواضع“. ويظهر التواضع خلال الطاعة والخضوع بعضنا لبعض. فكم بالأكثر يليق بنا أن نخضع لمن اختارهم الرب لرعايتنا روحيًا (عب ١٣: ١٧)!

يقول مار فيلوكسينوس: [إني أقول لكم يا إخوتي….. ليحذر كل واحد من أن يعدل عن مشورة مرشده يمينًا أو شمالاً لئلا تَفْتَح أرض قلة الطاعة فاهها وتبتلعه، مثل أولئك الأوقاح الذين لم يطيعوا الطوباوي موسى، ففتحت الأرض فاهها وابتلعتهم[6].]

ويقول يوحنا الدرجي: [يا لسعادة من يُميت إرادته، ويترك تدابير نفسه لذاك الذي أعطاه الله إياه أبًا ومعلمًا، فسيكون موضعه عن يمين يسوع المسيح المصلوب[7].]

  1. خضوع في الرب:

الخضوع هنا ليس شخصيًا، بل في الرب ومن أجله، لهذا يقول الرسول “فتواضعوا تحت يد الله القوية”. الذي يهب العون لا للمعلمين في ذواتهم وفي شخصياتهم أو برِّهم أو تعاليمهم الخاصة، بل نعمة ربنا هي التي تسند.

هذه النعمة يشبهها القديس أغسطينوس[8] بسيدة لها أغنية سرية تسبح بها قائلة: “لأن الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة”.

أما مركز الراعي، فيشبهه القديس أغسطينوس[9] بالحاجب الذي لا ينطق بشيء من ذاته، بل بما يحكم به القاضي، حتى وإن كان على خلاف ما يريد أو يشتهي. فنحن نخضع لهم بما ينطق به الرب على ألسنتهم غير مسئولين عما يرتكبونه من أخطاء، إذ هم يدانون عنها.

  1. التطلع إلى رعاية الله:

لا يلهينا اهتمام رعاتنا أو حبهم لنا، بل نرى خلاله حب الله وعنايته الساهرة: “ملقين كل همكم عليه لأنه هو يعتني بكم”.

فإن كنا نلقب الكاهن: “أبانا” إنما نلقبه في الله الأب الواحد، وإذ ندعوه راعيًا إنما في شخص الراعي الأعظم، إذ هو وحده الذي له الخراف وهو العريس الوحيد الذي له العروس (يو ٣: ٢٩، ١٠: ١١).

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[10] إن الرعية هي فلاحة الله (١ كو ٣: ٩)، فلا تُنْسَب لمن يزرع فيه بل لمالكه، وهي بناء الله لا تُنْسَب لمن يعمل فيه بل لصاحبه. فالرعية الناصحة هي الذي لا تتعلق بالرعاة تعلقًا شخصيًا بل في الرب كراعٍ صالح معتنٍ بكل أمورها.

‏3.‏ نصائح ختامية

يختتم الرسول رسالته بالحديث عن الشيطان عدو الخير بكونه العدو اللدود الذي يريد إهلاكنا. وبهذا لا يكره الإنسان أخاه الذي يضايقه بل الشيطان.

اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو.

فقاموه راسخين في الإيمان،

عالمين أن نفس هذه الآلام تجري على إخوتكم الذين في العالم.

وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع

بعدما تألمتم يسيرًا،

هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم.

له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين” [8-11].

  1. المعركة والآلام ليس سببها البشر، بل في حقيقتها هي معركة بين الله والشيطان. فإبليس هو الخصم وإله كل نعمة هو الذي يكمل ويثبت ويقوي ويُمَكِّن الإنسان على حياة النصرة.

يقول القديس أغسطينوس[11] إنه يلزمنا ألاّ نكره الناس بل افتراءاتهم وعداوتهم. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم البطريرك المتألم: [حتى متى يضاد أحدنا الآخر؟ إلى متى يحارب بعضنا البعض، فنفرح بذلك إبليس عدونا؟[12]]

  1. إبليس خصم عنيف، كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه… هو خصمنا بسبب عداوته لله ونحن صورة الله. وهو عدونا بسبب كبريائه. وهو مضايق لنا بسبب حسده لنا لأننا نحتل مركزه الذي سقط منه. ومع هذا كله فليس له سلطان علينا ما لم نستسلم نحن له بإرادتنا. هو يخدع، لكنه لا يُلْزِم. هو يجول، لكنه يعجز عن أن يقترب إلينا ما لم نسمح له وعندئذ يصير له حق الاستقرار فينا.

كتب القديس الأنبا شنودة[13] رئيس المتوحدين مقالاً كشف فيه عجز الشيطان بالنسبة لأولاد الله. وكتب القديس يوحنا الذهبي الفم ثلاث مقالات عن “رد على القائلين بأن للشيطان سلطان علينا[14]” جاء فيها:

أ. لم تستطع الشياطين أن تدخل حتى في الخنازير إلاَّ بإذن منه (مت ٨: ٢٨–٣٨).

ب. لم تستطع الشياطين أن تحارب أيوب بغير إذن منه.

ج. تهاوننا هو الذي يجعل الشيطان مضللًا، ويقظتنا تجعلنا منتصرين فنكلل، أما هو فيخزى.

د. لا نلقي كل اللوم على الشيطان بل على أنفسنا. فإن كنا نتعثر بسبب الشيطان، فإن هناك من يتعثر من الخليقة الجميلة (رو ١: ٢١–٢٥)، ومن يتعثر من أعضاء جسده المخلوقة لمجد الله، ومن يتعثر من الصليب الذي هو قوة الله للخلاص (١ كو ١: ٢٨، ٣٢)، ومن يتعثر من المسيح نفسه واهب النصرة والحياة (يو ٩: ٣٩)، ومن يتعثر من الرسل الكارزين بالحق (٢ كو ٢: ١٦).

  1. يطالبنا الرسول أن نقاوم بالإيمان: لنؤمن أن إله كل نعمة الذي دعانا لمجده الأبدي، لا يمكن أن يقدم الدعوة بغير إمكانيّة البلوغ إليها. إنما ترافقها إمكانيّة إلهيّة عملية لاحتمال الألم ومقاومة إبليس حتى تتحقق لنا مواعيده ودعوته.

يقول القديس كيرلس الأورشليمي:

[هل يوجد شيء أكثر رعبًا من الشيطان؟ ومع ذلك لا نجد درعًا ضده سوى الإيمان، إذ هو ترس غير منظور ضد عدو غير منظور، يصوب أسهمًا مختلفة في وسط الليل نحو الذين بلا حذر.

لكن إذ هو عدو غير منظور فلنا الإيمان عدة قوية كقول الرسول: “حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة” (أف ١٦: ٦).

فإذ يُلقي الشيطان شرارة ملتهبة من الشهوة المنحطة، يُظهِر الإيمان صورة الدينونة فيطفيء الذهن الشرارة[15].]

ختام

بيد سلوانس الأخ الأمين كما أظن

كتبت إليكم بكلمات قليلة واعظًا وشاهدًا

أن هذه هي نعمة الله الحقيقية التي فيها تقومون” [12].

يرجح أن اسم سلوانس هذا اختصاره “سيلا” المذكور في سفر الأعمال (١٥: ٢٢-٣٢، ٤٠)، وأنه هو سلوانس المذكور في ١ تس ١: ١؛ ٢ تس ١: ١؛ ٢ كو ١: ١٩.

كلمة “أظن” في الأصل اليوناني لا تحمل الشك بل اليقين.

نُعِتَ سلوانس بالأخ الأمين، ربما لأن سلوانس كان خادمًا للأمم، الأمر الذي كان يثير من هم كانوا قبلاً من أهل الختان.

إن هذه الرسالة المختصرة هي لأجل وعظهم لا ليدرسوها ويتفهموها نظريًا، بل “فيها يقومون“، أي يعيشون ويحيون بواسطة نعمة الله الحقيقيّة.

تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقس ابني” [13].

  • رأينا في المقدمة أن بابل على الأرجح هي بابليون أي مصر القديمة.

هناك رأي ليس له أساس يقول بأن بابل هي زوجة القديس بطرس الرسول، وهي زوجة فاضلة مختارة من قبل الرب، كانت تعين الرسول وتجول معه ومعروفة لدى المؤمنين، وقد قيل أنها استشهدت قبله.

  • يفسر إخوتنا الكاثوليك عبارة “مرقس ابني” بأن القديس مار مرقس عرف المسيحية على يدي القديس بطرس بعد قيامة الرب، وادَّعوا أنه لم يسمع السيد المسيح ولا تبعه[16]. غير أنه ثابت تاريخيًا أن بيت مار مرقس هو الذي أُعِدَّ فيه الفصح (مر ١٤: ١٣-١٤) وهو أول الكنيسة في العالم. وهو الشاب الذي كان تابعًا الرب حتى لحظات القبض عليه عندما ترك إزاره وهرب (مر ١٤ : ٥١-٥٢).

وتقول دائرة المعارف الفرنسية[17] وناشروها كاثوليك “إن دعوى تَتَلْمُذ مرقس لبطرس لم تكن سوى خرافة بنيت على سقطات بعض الكتاب”.

وفي الثيؤطوكيات للأقباط الكاثوليك يقال: [أيها الرسول الإنجيلي (مرقس) المتكلم بالإلهيات، والإنجيلي والرسول… نلت إكليل الرسولية… رفقاؤك الرسل يفتخرون بك ونحن نفتخر بك وبهم[18].]

ولهذا فإن دعوته “ابني” هي فيض حب مع القرابة وكبر سن القديس بطرس، إذ كانت زوجة بطرس الرسول بنت عم والد مرقس الرسول، وكان القديس بطرس يتردد كثيرًا على بيت مار مرقس[19].

سلموا بعضكم على بعض بقبلة المحبة.

سلام لكم جميعكم الذين في المسيح يسوع. آمين” [14].

كانت عادة الكنائس منذ العصر الرسولي أن يقبلوا بعضهم البعض، لهذا ينادي الشماس في القداس الإلهي قائلاً: “قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة…” ويتبين لنا ذلك مما يأتي[20]:

  1. أقوال القديسيْن بولس وبطرس في ختام رسائلهما (رو ١٦: ١٦، ١ كو ١٦: ٢٠، ٢ كو ١٣: 12).
  2. في أوامر الرسل: “ولا يدع أحد بينه وبين أخيه حقدًا ولا رياء، ثم بعد ذلك فليقبل كل أحد من الرجال الآخَرَ بقبلة طاهرة”.
  3. أكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن القبلة مستعملة في الكنيسة منذ العصر الرسولي[21].
  4. يقول القديس ديونيسيوس: [وفي حين اقتراب رفع الغطاء وعن خبز البركة لتُعط القبلة الإلهية.]
  5. يقول العلامة ترتليان: [توجد عادة صارت الآن متأصِّلة، وهي إننا ونحن في الصوم نستخدم قبلة السلام. وهي ختم الصلاة، وذلك بعدما نتمم الصلاة مع الإخوة… فتصعد صلواتنا بأكثر قبول… إذ كيف تكون الصلاة كاملة إن خلعت عنها “القبلة المقدسة[22]“؟]

أخيرًا يهدي الرسول السلام، سلام ربنا يسوع المسيح الداخلي.

[1] راجع رسائل القديس أيرونيموس.

[2] الحب الرعوي، 1966، ص ٤٦٣ – ٤٦٤.

[3]  الحب الرعوي، 1966،  ص ٧٣٤.

[4] راجع مقال “أن يكون حكيمًا” في الحب الرعوي، 1966،  ص ٧٢٧ – ٧٥٩.

[5] راجع الحب الرعوي “الحب يميز الراعي من الأجير واللص”، 1966،  ص ٤٩٣ – ٥٢٦.

[6] الآباء الحاذقون في العبادة، ج٢ لدير السريان.

[7] سلم السماء ودرجات الفضائل.

[8] City of God 17 : 4.

[9] الحب الرعوي، 1966،  ص ٥٧.

[10] الحب الرعوي، 1966،  ص ١٤.

[11] راجع عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد

[12] القيم الروحية لعيد النيروز ص ٤٥.

[13] قام بترجمته الشماس يوسف حبيب وطبعه سنة ١٩٦٨.

[14] كتيب “هل للشيطان سلطان عليك؟” طبعة ١٩٦٧.

[15] Catchetical Lect. 5 : 4.

[16] راجع كنز العبادة الثمين في أخبار القديسين (٢٥ نيسان)، مروج الأخبار في تراحم الأبرار (٢٥ نيسان).

[17] مجلة ١٦ ص ٨٧١.

[18]  شهر كيهك ١٧٥ – ١٧٧.

[19] راجع كتاب “ناظر الإله الإنجيلي مرقس الرسول” لنيافة أنبا شنودة (البابا شندة الثالث).

[20] أقوال الآباء في شرح التسبحة والقداس طبعة ١٩٥٨ لكنيسة السيدة العذراء محرم بك، ص ٤٣.

[21] مقال ٢٤ في تفسير رسالة كورنثوس الأولى.

[22] Tert. On Prayer 17.

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع

الآلام

  1. 1. الآلام وترك الشهوات ١ – ٤.
  2. الآلام والدينونة ٥ – ١١.
  3. الآلام والأمجاد ١٢ – ١٩.

١. الآلام وترك الشهوات[1]

فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد،

تسلحوا أنتم أيضًا بهذه النية،

فإن من تألم في الجسد كُفَّ عن الخطية” [1].

بداية سقوط الإنسان هي رغبته في الاستقلال عن الله، ليتحرر من إرادة الله وفكره، مغلقًا على نفسه بروح الظلمة في الجسد، فصارت نفسه تميل إلى شهوات الجسد خاضعة لها. هكذا أحنى الإنسان برأسه لكي لا يرى السماوي والسماويات، بل يرى ذاته منغمسًا في الأرضيات كمن يخلد هنا إلى الأبد. هنا تألم الرب يسوع المسيح لأجلنا بالجسد، مُقَدِّمًا لنا صليبه سكينًا نذبح بها الخطية الرابضة في الجسد، ونبتر بها الفساد الداخلي لكي يعود للجسد صحته، ونقول: نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش فيها؟… عالمين أن الإنسان العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة (رو ٦: ٢، ٦).

لكي لا يعيش أيضًا الزمان الباقي في الجسد لشهوات الناس،

بل لإرادة الله” [2].

بالصليب تموت أجسادنا عن شهواتها، فنحيا بقية أيام غربتنا سالكين ليس حسب شهوات الناس بل لإرادة الله حسب قصده. لقد مات المسيح “كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات من أجلهم وقام” (٢ كو 5: ١٥).

وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري[2] صار لنا صليب ربنا حدًا، صار سياجًا وحصنًا ضد خطايانا السابقة. لذلك إذ نحن قد تجددنا فلنثبت أنفسنا فيه (في الصليب) في الحق، ونعود إلى تقديس نفوسنا ووقارها.

لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا

لنكون قد عملنا إرادة الأمم،

 سالكين في الدعارة والشهوات وإدمان الخمر

والبطر والمنادمات وعبادة الأوثان المحرمة” [3].

يوبخنا الرسول في لطف بأن أيام غربتنا قليلة. يكفي ما مضى أننا خسرناه بسبب سلوكنا حسب إرادة الأمم في الشرور السابق ذكرها. أما الآن فَعِوَض الذات البشرية بكل أفكارها وشهواتها، صار لنا المسيح المصلوب عاملاً فينا نحيا به. صار لنا به حياة النصرة والغلبة على الشهوات المحرمة.

الأمر الذي فيه يستغربون أنكم لستم تركضون معهم إلى فيض هذه الخلاعة عينها مجدفين” [4].

يقف الوثنيون حائرين كيف خلعنا أعمال الإنسان العتيق فلا نسلك مثلهم منجذبين إلى فيض الخلاعة بتهور. وفي حيرتهم هذه يجدفون بأن ينسبوا إلى المؤمنين الكبت والحرمان والجهل، دون أن يدركوا مقدار السعادة التي نحن فيها.

الإنسان الشهواني يظن بل ويؤكد داخل نفسه إنه لا يمكن أن يوجد إنسان طاهر، إذ يُسقط نفسه على البشرية فيراها ضعيفة هزيلة مثله. وإن رأى من كان طاهرًا ظن أنه مرائي ومخادع. وبنفس الطريقة يتعجب المؤمن المجاهد – المرتبط بصليب ربنا عمليًا – كيف لا يأتي الناس ويذوقوا عذوبة الحياة الطاهرة المقدسة.

أخيرًا بعدما تحدث الرسول عن فاعلية آلام الرب في حياة المؤمن عاد ليشجع المؤمن في تحمله للألم برفع نظره إلى الدينونة.

٢. الآلام والدينونة

الذين سوف يعطون حسابًا للذي هو على استعداد أن يدين الأحياء والأموات.

فإنه لأجل هذا بشر الموتى أيضًا

لكي يدانوا حسب الناس بالجسد،

ولكن ليحيوا حسب الله بالروح.

وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت” [5-6].

يبشر الرسول المتألمين قائلاً: “الذي هو على استعداد أن يدين“، وكأن الرب قد تهيأ ليدين… لقد اقتربت نهاية كل شيء. فالدينونة على الأبواب فكيف نكف عن احتمال الآلام بفرح أو نضطرب من المجدفين علينا؟

إنه يدين الأحياء والأموات، أي يدين القديسين الأحياء بالروح ويحملون أيضًا جسدهم في عدم فساد وعدم موت، كما يدين الأموات الذين أماتت الخطية نفوسهم واستكانوا لذلك. أيضًا يدين الأحياء الذين لم ينتقلوا إلى يوم مجيئه فإنهم في لحظة يتغيرون، كما لا ينسى الذين سبقوا فماتوا بالجسد. لا يفلت من بين يديه أحد الكل ينال جزاءه كبيرهم وصغيرهم مند خلقة آدم إلى آخر الدهور.

من أجل هذا بشر الديان، ربنا يسوع، الموتى… ومن هم هؤلاء الموتى؟

  1. ربما قُصد بهم الذين انتقلوا من العالم حاملين آلامهم وأتعابهم من أجل الإيمان، هؤلاء الذين دانهم الناس حسب الجسد وحكموا عليهم أنهم مستحقون الموت مع إنهم بالروح هم أحياء في نظر الله.
  2. إن الديان بشر الموتى بالروح (مت ٨: ٢٢ و يو ٥: ٢٥) أي الأشرار لكي يتوبوا ويقبلوا إدانة الناس لهم مهتمين بأمر واحد أن يحيوا بالروح.

ويقول القديس أغسطينوس: [ليس ما يلزمنا تفسير قول الرسول على أنه يصف ما يحدث في الجحيم (الموتى)، فإن الإنجيل يُبَشَّر به في هذه الحياة للأموات أي غير المؤمنين الأشرار، حتى عندما يؤمنون “يدانوا حسب الناس بالجسد” أي يدانوا بالأحزان الكثيرة وموت الجسد نفسه… ولكنهم يحيوا حسب الله بالروح، حيث كانت أرواحهم ذاتها ميتة عندما كانوا مسجونين في عدم الإيمان والشر[3].]

وما هي ثمار تأملنا الدائم في مجيء الرب؟

اعتادت الكنيسة الأولى وخاصة بين الرهبان على ممارسة ثلاثة تداريب تعتبر أساسية في حياة المؤمن وخاصة بالنسبة لراغبي الرهبنة وهي:

  1. زيارة المدافن.
  2. ممارسة “صلاة يسوع”، أو الصلاة الدائمة أو كما يسميها القديس أغسطينوس بالصلاة السهمية. لأنها تصوب ضد الشيطان، ولا يقدر على صدها.
  3. تذكر يوم الدينونة ومجيء الرب.

وهنا يقدم لنا الرسول التدريب الثالث كباعثٍ لنا على الآتي:

ا. التعقل والسهر للصلاة

يقول الرسول “فتعقلوا واصحوا للصلوات”، فتَذَكُّر الدينونة يسلخ الإنسان عن شهواته الجسدية فيحيا متعقلاً، أي خاضعًا لعقله أو لذهنه الروحي وليس لجسده وشهواته.

ويُعَرِّف العظيم أنبا أنطونيوس العقلاء بأنهم [من كانت نفوسهم عاقلة، تقدر أن تميز بين ما هو خير وما هو شر ومضر للنفس، ويحرصون بحكمة على ما هو خير ونافع للنفس، ويمارسونه بشكرٍ عظيم لله[4].]

لِنَصْحْ ولنسهر حتى لا يكون نصيبنا مع تلك التي رآها هرماس إذ نظر النفس الخاملة كعجوز خائرة مسترخية على كرسي عاجزة عن الحركة، فلما سأل عن السبب قيل له [لأن روحكم الآن عجوز قد فقدت قوتها بسبب ضعفاتكم وشكوكم. لقد صارت كالشيوخ الذين فقدوا الأمل في تجديد قوتهم، ولم يعودوا بعد يتوقعون سوى أنهم يغطون في نومهم الأخير، وهكذا ضعفتم بسبب الانشغالات العالمية، وأسلمتم نفوسكم للخمول ولم تلقوا همكم على الله (١ بط ٥: ٧)[5].

ب. محبتنا لإخوتنا

ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة،

لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا” [8].

إن كانت الصلاة الدائمة هي غاية عبادتنا إذ نكون على الدوام في حضن الله، لكن لا نَفْعَ لها ما لم تستند بحبنا لإخوتنا محبة شديدة نابعة من أعماق القلب الداخلية. لأنه بالمحبة تستر أخطاء الغير وعيوبهم، فيستر الله علينا ويغفر خطايانا، ويمتعنا بصلاة هادئة[6] مقبولة لدى الله، وبهذا يزداد اتحادنا بالرب.

يقول القديس إكليمنضس الروماني: [الحب يوحدنا مع الله إذ “المحبة تستر كثرة من الخطايا[7]“.]

هذا الحب يبعثه أيضًا التأمل في يوم الدينونة حيث نجد أن الله لا ينسى تعب محبتنا بل كأس ماء بارد نعطيه لا يضيع أجرنا فيه.

وإذ ترتفع أنظارنا إلى الدينونة، نشتهي أن نرى حتى المضايقين لنا كملائكة الله نشترك جميعًا في التسبيح والتمجيد لله، وهذا يبعث فينا حبًا روحيًا عميقًا.

ج. إضافة الغرباء

كونوا مضيفين بعضكم بعضًا بلا دمدمة” [9].

التأمل في مجيء الرب على السحاب ومناداتنا بأسمائنا لندخل إلى شركة أمجاده، مستضيفًا لنا في أحضانه الأبديّة بفرح وبسرور، يبعث فينا نحن الضعفاء أن نفتح قلوبنا وبيوتنا لأخوتنا الغرباء، فنستضيفهم بلا دمدمة، أي بلا تذمر بل بفرحٍ وبشاشةٍ حقيقيّة.

ومن اهتمام الآباء الرهبان بإضافة الغرباء أنهم كانوا يسمحون لأنفسهم، حتى بالنسبة للنساك المتوحدين، أن يكسروا أصوامهم من أجل الغريب في استضافتهم له، لكي لا يُحرموا من تقديم ذبيحة الحب لله في شخص الغريب.

د. خدمة الآخرين

ليكن كل واحدٍبحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضًا،

كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة.

إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله،

وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله،

ليتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح،

الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين” [10-11.]

كلما ارتفعت أنظار المؤمن تجاه الأبديّة يُضرِم الموهبة التي نالها من الرب بلا كسل وهنا نلاحظ:

أ. يقول الرسول “ليكن كل واحدٍ، فلا يوجد في الكنيسة كلها إنسان قط بلا موهبة، سواء كان طفلاً أو شيخًا، رجلاً أو امرأة، كاهنًا أو علمانيًا، بتولاً أو أرملاً أو متزوجًا. لأننا جميعًا أعضاء في جسد المسيح، ولا يمكن أن يكون في هذا الجسد عضو بلا عمل.

ب. “بحسب ما أخذ“، أي ليس لعضوٍ فضل فيما له من مواهب. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله يوزع علينا المواهب بالقدر الذي يرى فيه خلاصنا. فيعطي لإنسان موهبة أقل ليس عن عدم محبة من الله تجاهه، بل لأنه يعلم أنه لا يقدر أن يُضرِم أكثر من ذلك، فلو قدم له ما هو أكثر لصار هذا الإنسان مهملاً. ويعطي الرب لآخر موهبة أكثر ليس لأنه أفضل من أخيه، لكن لأن الله يعلم أنه بهذا القدر يقدر هذا الأخ أن يثابر ويعمل وبدونها يفشل في عمله. هكذا يُنَسِّق صانع الخيرات ضابط الكل حسبما يرى فيه خيرنا وخلاصنا.

ج. “يخدم بها بعضكم بعضًا كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة“. أي أعطيت هذه المواهب من يديّ الله لا للمباهاة بها، بل لخدمة الكنيسة والبشريّة كلها.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في الكنيسة أعضاء كثيرون مختلفون، بعضهم ذوي كرامة الآخرون أقل كرامة. مثال ذلك توجد جوقة من المتبتلين، ومجموعات من الأرامل، وإخوة مرتبطون بزواج مقدس… ومع ذلك فالكل يكمل بعضهم بعضًا… قد تكون موهبة إنسان أقل لكنها ضرورية، فإذا تعطل العضو (عن عمله) تعطلت أعمال كثيرة[8].]

د. “إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله“، أي أن من وُهِبَ عطية الوعظ فليختفِ في كلمة الله لكي يظهر الله وتختفي كل فلسفة بشريّة.

ه. “وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله ليتمجد الله في كل شيء، بيسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين”.

وكما يختفي الواعظ والمتكلم في كلمة الله ليُظْهِرها كما هي بلا تنميق ولا تمويه ولا تزيين، هكذا من وُهب عطية الخدمة في أي نوع من أنواع الخدمات، فليعلم أنه يعجز عن الخدمة ما لم يُعطه الرب القوة للتنفيذ. بهذا يتمجد الآب في كل شيء بيسوع المسيح صاحب المجد والسلطان.

وكلمة “آمين” هنا لا تعني ختام الحديث وإنما تعني “ليكن هذا!”

٣. الآلام والأمجاد

أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة،

لأجل امتحانكم، كأنه أصابكم أمر غريب.

بل كما اشتركتم في آلام المسيح،

افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده مبتهجين” [12-13].

هذا القول يكشف عن شدة الاضطهاد الذي اجتازته الكنيسة في آسيا إذ يسميه “البلوى المحرقة“. وهذا الأمر ليس بغريب إذ يقول الرسول “لا تستغربوا“، فإن هذا الأمر هام وحيوي في حياة المؤمن لأن التجارب والآلام وإن كانت “محرقة” لكنها نافعة وذلك لسببين:

  1. “لأجل امتحانكم“، فالطالب بالرغم مما يعانيه من آلام في ليالي الامتحانات، لكنه يتمم ذلك بفرح وبهجة قلب منتظرًا النجاح.

والذهب والفضة يُمْحَصا ويُمْتَحنا في البوتقة فيحترق الزغل ويزداد بريقًا لهذا يقول: “جربتنا يا الله، محصتنا كمحص الفضة[9]“.

لهذا يحث الشهيد كبريانوس شعب Thibares على الاستشهاد فيقول:

[الآن يعلمنا الرسل هذه الأمور التي تعلمتموها من وصايا الرب والأوامر السماويّة، فإن الرب نفسه يشجعنا قائلاً: “الحق أقول لكم ان ليس أحد ترك بيتًا أو والدين أو إخوة أو امرأة أو أولادًا من أجل ملكوت الله إلاَّ ويأخذ في هذا الزمان أضعافًا كثيرة وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية” (لو ١٨: ٢٩-٣٠). ويقول “طوباكم إذا أبغضكم الناس وإذا أفرزوكم وعيروكم وأخرجوا اسمكم كشريرٍ من أجل ابن الإنسان. افرحوا في ذلك وتهللوا، فهوذا أجركم عظيم في السماء” (لو ٦: ٢٢-٢٣).

لقد أراد الرب أن نفرح ونمتلئ بهجة في الضيقات، لأنه حيث توجد اضطهادات تُعطى أكاليل الإيمان ويتزكى جنود المسيح وتنفتح السماوات للشهداء[10].]

يجتاز المؤمن هذه الضيقات سواء كان في عصر الاضطهاد أو في وقت سلم لأن الحرب قائمة من إبليس ضد أولاد الله. فليس من الضروري أن تكون الحرب خارجة من إنسان. لكن يكفي المحاربة ضد الخطية. وكما يقول الشهيد كبريانوس في رسالته الحادية عشر: [كما في أثناء الاضطهاد ينال الإنسان إكليل الشهادة، كذلك في وقت السلام يتوج بتاج نقاوة الضمير[11].]

  1. “كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا… ” إن سرّ فرحنا ليس فقط أننا نتزكى قدامه لننال الإكليل، بل ونشارك المسيح في آلامه. أي مجد لنا أن يكون لنا هذا النصيب!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [“لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا” (٢ كو ١: ٥)… إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أننا شركاء المسيح، ومن أجله نتألم[12]!]

إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم،

لأن روح المجد والله يحل عليكم.

أما من جهتهم فيجدف عليه،

وأما من جهتكم فيمجد” [14].

مادامت الآلام والتعييرات ليست نابعة عن عداء شخصي أو بسبب خطأ ارتكبه المؤمن، بل “باسم المسيح” فطوباه. وسرّ هذا التطويب أن الروح القدس “روح المجد” يحل على المتألم من أجل الرب. يحل عليه لكي يحمل أتعابه ويسنده، ويحل عليه ليهبه مجدًا، فيجدف الشرير على الروح القدس ويضطهده في شخص المؤمن.

فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أو فاعل شر أو متداخل في أمور غيره.

ولكن إن كان كمسيحي فلا يخجل،

بل يمجد الله من هذا القبيل” [15-16].

يخجل الإنسان متى سقط تحت العقوبة بسبب جريمة قتل أو سرقة أو فعل شر أو بسبب تدخله في أمورٍ لا شأن له بها! أما إذا احتمل الآلام “كمسيحيٍ” أي بسبب نسبته للسيد المسيح، فلا يخجل بل يمجد الله لأنه غير مستحق لهذا الشرف.

وقد سبق الرب فأخبر تلاميذه قائلاً: “ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم. في العالم سيكون لكم ضيق[13]” (يو ١٥: ٢٠؛ ١٦: 3٣).

لكن ربما يتذمر أحد قائلاً: إلى متى نحتمل الألم من أجل الأمجاد؟

يجيب الرسول مؤكدًا:

  1. إن القضاء قد اقترب.
  2. إن الخلاص يتطلب جهادًا ومثابرة.
  3. إننا في أيدي خالق أمين في عمل الخير.
  4. إن القضاء قد اقترب

“لأن الوقت لابتداء القضاء من بيت الله،

فإن كان أولاً منا،

فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله” [17].

ربما قصد الرسول أنه إن كان هكذا قد خرج الأمر بخراب أورشليم وهيكل اليهود لأنهم رفضوه واضطهدوه كما ضايقوا تلاميذه، فإن هذا دليل على أن القضاء آتٍ لا محالة… فلا حاجة بعد للاستعجال. إذن ليحتمل المؤمن منتظرًا الأمجاد الآتية دون أدنى شك.

  1. إن الخلاص يحتاج إلى جهاد

“وإن كان البار بالجهد يخلص، فالفاجر والخاطئ أين يظهران؟” [18].

وكأن الرسول يهدىء من روع المتعجلين بالقضاء بسبب ما يعانونه من الآلام المُرّة، فيقول لهم إن خلاص الإنسان البار ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى جهد، إذ يقول الرب: “ملكوت السماوات يغتصب والغاصبون يختطفونه”، فكم يليق بنا نحن الفجار والخطاة أن نحتمل آلامًا وأتعابًا بصبر من أجل خلاصنا لنرث السماوات‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟ وكأنه يذكرنا بقول الرب: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق” (لو ١٣: ٢٤).

لهذا نصلي في غروب كل يوم قائلين: [إذا كان الصديق بالجهد يخلص فأين أظهر أنا الخاطي؟ ثقل النهار وحره لم أحتمل لضعف بشريتي، لكن أنت يا الله الرحوم احسبني مع أصحاب الساعة الحادية عشرة[14]…]

يقول العظيم أنطونيوس: [يجب علينا ألا نقول باستحالة السلوك في حياة الفضيلة بالنسبة للإنسان، إنما نقول عنه أنه ليس سهلاً. يستحيل عليك أن تصير صالحًا أو حكيمًا في لحظة، إنما تحتاج إلى المذاكرة والحرص والتمرن والتدرب والجهاد الطويل[15].]

هكذا نحن مطالبون باحتمال الآلام، ليس من الغير بل وبإرادتنا، فتموت أجسادنا وتُصلب عن شهواتها، ونقدم ذبيحة الفقر الاختياري وتعب الزهد والبذل محبة في الرب يسوع.

  1. إننا في أيدي خالق أمين في عمل الخير

“فإذًا الذين يتألمون بحسب مشيئة الله،

فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير” [19].

قدم لنا ربنا يسوع نفسه درسًا، إذ صرخ على الصليب بطمأنينة قلب قائلاً: “يا أبتاه في يديك أستودع روحي” (لو ٢٣: ٤٦).

لماذا تخاف الآلام وقد أكد لنا الرب أن شعرة واحدة من رؤوسنا لا تسقط إلاَّ بإذن أبينا السماوي. إنه صانع خيرات كما تسميه الكنيسة في صلواتها، نسلمه حياتنا كوديعة ليسمح لنا بالتجارب حسبما يراه لخيرنا. وذلك كما تستسلم قطعة الطين في يدي الفخاري.

لندخل في الفرن، لكن يكفينا نظرات الفخاري التي لا تفارقنا لأننا داخل فرن التجربة، يعرف درجة الحرارة المناسبة، وموضعنا المناسب داخل الفرن، والوقت اللازم لنتهيأ كإناء للكرامة.

كلما حلت الضيقات أو الأمراض بالطفل يكشف الأب والأم حبهما له، هكذا لا نخف فإنه في لحظات الألم يترفق الله والكنيسة بنا للغاية.

[1] راجع كتاب الحب الإلهي، 1967، فصل: يسوع صُلب لأجلي.

[2] Instructor 3 : 12

[3] Letter 164 ch 7.

[4] الفيلوكاليا، 1993، ص ١٩.

[5] The Pastor, Book 1, vision 4.

[6]راجع تفسير يع ٥ : ٢٠ ومقال الأب اسحق في مناظرات كاسيان ص ٢١٠ .

[7] رسالة إكليمنضس أسقف روما ص ٤٠..

[8] الحب الأخوي، 1964، ص ٤٢٢ – ٤٢٤.

[9] راجع تث ١٣ : ٣؛ يشوع بن سيراخ ٢٧ : ٥؛ رو ٥ : ٢.

[10] Epistle 55 (Oxford ed. Epistle No. 28).

[11] طبعة أكسفورد رسالة رقم ١٣.

[12] الحب الإلهي، 1967، ص ٣٦٠ – ٣٦١.

[13] راجع مقال “الألم والمعية” – الحب الإلهي، 1967، ص ٣٥٥ – ٣٦٦.

[14] صلوات الأجبية.

[15] الفيلوكاليا، 1993، ص ٢٢، ٢٩.

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني

مسئوليتنا كأولاد الله

 

  1. الجانب السلبي ١
  2. الجانب الإيجابي

 أولاً: الارتباط بالأم                                ٢

 ثانيًا: الارتباط بالرب الحجر الحي                  ٢ – ١٠

 ثالثًا: الارتباط بالسلوك العملي                     ١١ – ١٢

  1. سلوكنا في المجتمع كأولاد الله

 أولاً: الخضوع لنظم الدولة                         ١٣ – ١٧

 ثانيًا: الأمانة في الخدمة                          ١٨ – ٢٥

 

١. الجانب السلبي

فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” [1].

إذ نلنا ميلادًا سماويًا يليق بنا أن نطرح عنا كل أعمال الإنسان العتيق وشهواته كخرقة دنسة لا يطيقها الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق.

فنطرح كل خبث، أي عدم الإخلاص (١ كو ٥: ٨)، إذ هو من سمات عدو الخير والوثنيين المعاندين لروح الله (رو ١: ٢٩) الذين يتعمدون الشر والأذى.

ولنطرح كل مكر، فنكون كأبينا البسيط الذي ليس فيه خداع أو طرق ملتوية. بهذا نعود إلى بساطة الطفولة في عبادتنا وكرازتنا، فنكون أبناء الملكوت (مت ١٨: 3).

ولنستنكف من الرياء، فلا نحمل الثياب الفريسية المصطنعة بل نطلب المجد الخفي كعروس تتزين لعريسها دون سواه.

ولنترك الحسد الذي به يطلب الإنسان الفشل لأخيه. هذا الباعث هو الذي دفع الشيطان لمهاجمة آدم، والذي به أسلم اليهود الرب يسوع للصليب[1].

ولنطرح المذمة إذ يُهين الإنسان أخاه علنًا ويُحقِّر من شأنه. وهو الدرجة الثالثة من الغضب، إذ يقسم القديسون[2] الغضب إلى غضب داخلي – غضب مصحوب بكلمة تعبر عنه مثل “رقا” – غضوب مصحوب بكلمة ذم مثل “يا أحمق”.

٢. الجانب الإيجابي

أولاً: الارتباط بالأم

وكأطفال مولودين الآن

 اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش، لكي تنموا به” [2].

بداية الجانب الإيجابي هو أن يدرك المؤمن على الدوام أنه كطفلٍ رضيعٍ “مولود الآن”، لا يلهيه شيئًا سوى ثديي أمه الحنون، فيشتهي صدر أمه مرتميًا عليه. وميزة لبن الكنيسة الأم انه لبن عقلي محيي يهب نموًا باستمرار “لكي تنموا به”. ونلاحظ أن كلمة “عقلي” في اليونانية مشتقة من “اللوغوس” أي “الكلمة” أي اللبن الذي يهبه الرب يسوع كلمة الله في كنيسته.

وبماذا ترضعنا الكنيسة؟

  • يقول القديس إكليمنضس السكندري: [إنه لبن الحب! طوبى لمن يرضع منه! إنه موجود في الشتاء كما في الصيف… لا يحتاج أن يسخن أو يبرد بل هو لبن جاهز[3].]
  • إنه التعليم الروحي غير المغشوش تسلمناه جيلاً بعد جيلٍ، ليس فيه فلسفة ولا تنميق، بل روح وحياة اختبره القديسون عبر الأجيال.
  • إنها الطقوس الحية التي تنعش النفس فتعين الجسد والروح في العبادة.
  • إنها شفاعات القديسين وصلواتهم الذين يحبوننا.

ثانيًا: الارتباط بالرب الحجر الحي

إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح،

الذي إذ تأتون إليه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس

ولكن مختار من الله كريم” [3-4].

حرف “إن” لا يفيد الشك بل القطع بمعنى “إذ ذقتم أن الرب صالح…” فإن من ذاق الرب أنه صالح يأتي إليه ليجده حجرًا حيًا.

ولعل بطرس تذكر ما دعاه به الرب أنه “بطرس، أو “صفا” أي صخرة، يوم أعلن إيمانه بالرب يسوع. هنا يُظهِر بطرس أن الرب يسوع هو الصخرة أو الحجر الحي الذي تبنى عليه الكنيسة.

ويقول الشهيد كبريانوس:

[لقد دُعِيَ المسيح “حجرًا”، ففي إشعياء قيل: “هأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية، كريمًا أساسًا مؤسسًا من آمن لا يهرب” (إش 28: ١٦). وأيضًا في المزمور الـ١١٧: “الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأسًا للزاوية”. وفي زكريا: “فهوذا الحجر الذي وضعته قدام يهوشع على حجر واحد سبع أعين. هأنذا ناقش نَقْشَه يقول رب الجنود وأزيل إثم تلك الأرض في يوم واحد” (٣ : ٩). وفي سفر التثنية: “وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشًا جيدًا” (٧ : ٨). وأيضا في يشوع بن نون: “وأخذ حجرًا كبيرًا ونصبه هناك تحت البلوطة التي عند مقدس الرب. ثم قال يشوع لجميع الشعب: إن هذا الحجر يكون شاهدًا علينا لأنه قد سمع كل كلام الرب الذي كلمنا به فيكون شاهدًا عليكم لئلا تجحدوا إلهكم” (٢٤: ٢٦-٢٧)…

إنه الحجر المذكور في سفر التكوين الذي وضعه يعقوب تحت رأسه، إذ المسيح رأس الرجل، وإذ نام رأى سلمًا واصلاً إلى السماوات حيث يوجد الرب والملائكة صاعدون ونازلون…

إنه الحجر المذكور في سفر الخروج، الذي جلس عليه موسى على قمة التل عندما كان يشوع بن نون يحارب عماليق وبسر الحجر المقدس وثبات جلوسه عليه انهزم عماليق بيشوع كما انهزم الشيطان بالمسيح. إنه الحجر العظيم الوارد في سفر صموئيل الأول حيث وُضع تابوت العهد عندما أحضره الثور في المركبة إذ رده الغرباء. وأيضًا هو الحجر الوارد في سفر صموئيل الأول الذي به ضرب داود رأس جليات وذبحه إشارة إلى انهزام الشيطان وخدامه حيث لا تكون الجبهة في الرأس غير مختومة (باسم المسيح)، ذلك الختم الذي يهب أمانًا وحياة على الدوام. إنه الحجر الذي أقامه صموئيل عندما غلبوا الغرباء، ودعاه بحجر المعونة أي الحجر الذي يعين[4].]

فالرب يسوع هو الحجر الذي به نقهر الشيطان، وهو الحجر الحي الذي نأتي إليه. ومع أن الرسول يحدث المؤمنين فإنه لا يقول: “أتيتم” بل “تأتون”، لأنه يليق بنا أن نثابر مجاهدين على الدوام إلى الاقتراب منه إلى النفس الأخير.

وهو حجر حي أي مملوء حبًا وليس جامدًا، لنأتي إليه لا في عبادة جامدة بل في حب نناجيه ونسمع مناجاته، نعاتبه وننصت إلى عتابه، لنكشف له كل ما في قلبنا فهو لا يقف جامدًا أمام ضعفنا.

كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية، بيتًا روحيًا.

كهنوتًا مقدسًا، لتقديم ذبائح روحية،

مقبولة عند الله بيسوع المسيح” [5].

إذ هو الحجر الحي نُبني عليه كحجارة حية. فكما هو حي نحن نحيا به (يو ١٤: ١٩).

لقد جعلنا بيتًا روحيًا، مسكنًا لله بالروح (أف ٢: ١٨–٢١) ونلاحظ في هذا البيت الآتي:

  1. إنه بيت واحد غير منقسم على ذاته، بل مرتبط برباط الحب فوق حدود الزمان والمكان، وكل مصاف الرسل والشهداء والسواح والعباد والمنتقلين، كحجارة حية، فالقديسة مريم تصلي من أجلنا نحن المجاهدين كحجارة حية أخرى، ونحن أيضًا نصلي ونحب الأجيال المقبلة.

رأى هرماس[5] في إحدى رؤياه الكنيسة المنتصرة كبناء، إذ نُقلت حجارة كثيرة من الأرض، وبُنِيَت بجوار بعضها البعض، واتحدت معًا حتى أن خطوط الصفوف لا يمكن إدراكها، وصارت برجًا كحجر واحد.

  1. رأى أيضًا هرماس أن حجارة كثيرة رفضت أن تكون في البناء. هذه الحجارة هي التي اعتمدت على ذاتها وظنت أنها قادرة أن تتأسس على المسيح خارج الكنيسة، فتركت روح الآباء، ورفضت تعاليمهم وأرادت أن تكون مستقلة بذاتها، فخرجت خارج البيت الروحي.

كهنوت مقدس“، إذ صار لنا أن نقدم ذبائح روحيّة من داخل القلب، وذلك كقول العلامة ترتليان: [تخرج هذه الذبيحة من كل القلب، وتتغذى على الإيمان وتراعي الحق. تدخل في براءة ونقاوة، في عفة، تتزين بالحب. ويلزمنا أن نحرسها بعظمة الأعمال الصالحة مقدمين مزامير وتسابيح على مذبح الله لننال كل الأشياء منه[6].]

هذه الذبائح يقدمها جميع المؤمنين، لكن هناك كهنة مفروزين لأعمال الكهنوت كما جاء في رسالة يعقوب (ص ٥) والذين وضع الرسول بولس شروطهم[7].

وماهي الذبائح الروحية المقبولة عند الله بيسوع المسيح؟

  1. ذبح الإرادة البشرية أو الأنا… وهي أجمل ذبيحة… يرفع الإنسان يده بالصليب كسكين روحيّة يذبح إرادته الذاتية واشتياقاته الخاصة التي يتبناها، وذلك كما رفع إبراهيم السكين لذبح إسحق. وكما رجع اسحق حيًا. لكنه عاد ابن البركة والموعد، هكذا نذبح إرادتنا بالصليب فلا نصير بلا إرادة بل تعود لنا إرادة المسيح القوية واشتياقات وفكر المسيح. وبهذا نترنم مع الرسول قائلين “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا” لقد صلبت “الأنا” ليصير لي “المسيح يحيا فيّ”.
  2. ذبيحة التواضع أمام الله والناس، وكما يقول المرتل “لأنك لا تُسَر بذبيحة وإلاَّ فكنت أقدمها، بمحرقة لا ترضي. ذبائح الله هي روح منسحقة، القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره” (مز ٥١: ١٦- ١٧).
  3. ذبيحة الأعمال الصالحة، وكما يقول الرسول: “ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله” (عب ١٣: ٦)، ويقول المرتل: “اذبحوا ذبائح البرّ” (مز ٤: ٥). فصنع الخير أو عمل البرّ فيه تَرْك وحرمان وبذل، فيه حَمْل صليب، لهذا فإن الله يشتّّمه خلال صليب الرب ذبيحة برّ مقبولة لديه.
  4. ذبائح الآلام والأتعاب من أجل الرب، وكما يقول الرسول “من سيفصلنا عن محبة المسيح، أشدة أم ضيق… كما هو مكتوب أننا من أجلك نمات كل النهار. قد حُسِبْنا مثل غنم للذبح” (رو ٨: ٢٥-٢٦).
  5. ذبيحة الجسد، فالمؤمن لا ينظر إلى الجسد ذاته كعدو، إنما بالعكس يلزمه كقول الرسول أن يحبه ويقوته ويربيه (أف ٥: ٢٥–٢٩). وعندما يتحدث الكتاب المقدس أو أحد الآباء عن معاداتنا للجسد إنما يقصد به شهوات الجسد وأعماله الأرضية.

وقد كتب القديس أغسطينوس كتابًا خاصًا عن ضبط النفس يقصد به الكشف عن أهمية الجسد ويرد فيه على الهراطقة الذين يعادون الجسد[8].

إذن ليُرْبَط الجسد بأربطة الحب، وليُقدم على المذبح، ولتمسك بصليب الرب، مُقَدِّمًا أعضاء جسدك ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله (رو ١٢: ١)، فتذبحه كأعضاء إثم للموت ليقوم بالرب يسوع أعضاء برّ لله. وهكذا تتقدس أعضاء الجسد وحواسه وميوله وشهواته، لتكون طاقة مُعينة للروح بدلاً من أن تكون محاربة لها.

  1. ذبيحة الحمد والشكر: يوصينا الرسول: “فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه[9] (عب ١٣: ١٥). وذبيحة الحمد والشكر هي ذبائح الملائكة. فالسمائيون ليس لهم جسد مادي مثلنا يقدمونه ذبيحة مقدسة، ولا ممتلكات مادية يدفعون منها لمحتاجين، ولا من يضايقهم فيسامحونه، وليست لهم إرادة مخالفة لإرادة سيدهم حتى يرفضوها، ولا يقعون تحت آلام جسدية. فماذا يقدمون لله سوى ذبيحة التسبيح والشكر الدائم!

لهذا تدرب الكنيسة أولادها على حياة التسبيح كما في الابصلمودية والمزامير والألحان لكي تمرن ألسنتهم على عمل الملائكة.

ويقدم لنا العظيم أنبا أنطونيوس أب الرهبان هذا التدريب: [عندما تنام على سريرك تذكر بركات الله وعنايته بك، واشكره على هذا. فإذ تمتلىء بهذا تفرح في الروح… مقدمًا لله تسبيحًا يرتفع إلى الأعالي. لأنه عندما لا يوجد شر في الإنسان، فإن الشكر وحده يرضي الله أكثر من تقدمات كثيرة[10].]

غير أن هذه الذبائح جميعها يتقبلها الآب بالرب يسوع المسيح.

لذلك يتضمن أيضًا في الكتاب هأنذا أضع في صهيون حجر زاوية،

مختارًا كريمًا،

والذي يؤمن به لن يخزى” [6].

  1. لقد وضع الآب ابنه حجر زاوية في صهيون أي في الكنيسة. به يدخل المؤمن في عضوية الكنيسة ليكون عضوًا في جسد الرب السري.

لقد رأي هرماس ربنا يسوع صخرة قديمة وبابًا جديدًا فسأل عن سبب ذلك فقيل له:

[هذه الصخرة وهذا الباب هما ابن الله.

قلت: كيف تكون الصخرة قديمة والباب جديدًا؟

قال لي: أنصت وافهم أيها الإنسان الجاهل. إن ابن الإنسان قديم عن كل الخليقة وهو شريك الآب في عمل الخلقة، لهذا فهو “أزلي“.

قلت: ولماذا الباب جديد يا سيدي؟

أجاب: لأنه قد “أُظْهِر في الأزمنة الأخيرة” (١ بط ١: ٢٠) لهذا صارت البوابة جديدة، حتى أن الذين يخلصون بها يدخلون ملكوت الله.

قال: أترى كيف أن الحجارة التي دخلت خلال البوابة استخدمت في بناء البرج (الكنيسة)، وأما التي لم تدخل فألقيت مرة أخرى إلى موضعها خارجًا؟

قلت: إنني أرى ذلك يا سيدي.

ثم أكمل قائلاً: هكذا لا يدخل أحد ملكوت الله ما لم يستلم اسم (المسيح) القدوس، لأنك متى رغبت… في دخول مدينة مسورة بسور وليس لها إلاَّ باب واحد، فإنك لا تقدر الدخول بغيره… هكذا بنفس الكيفية لا يقدر إنسانًا أن يدخل ملكوت الله إلاَّ بواسطة اسم ابنه الحبيب[11].]

  1. ربنا يسوع هو حجر الزاوية الذي يضبط البناء كله ويربط بعضه البعض. وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن حجر الزاوية يربط بين حائطين، هكذا لما رفض اليهود الأشرار الإيمان به جمع الذين آمنوا به منهم مع كثيرين من الذين كانوا قبلاً أممًا… وبهذا ربط بين الاثنين دون أن يحابي اليهود كما كانوا يظنون في تعصبهم الأعمى[12].]
  2. ربنا يسوع هو أيضًا حجر الزاوية السري الذي ربط بين حائط العهد القديم وحائط العهد الجديد… فعلى جبل طابور اجتمع بموسى مستلم الشريعة وإيليا النبي وثلاثة من التلاميذ، رابطًا وموحدًا بين العهدين، معلنًا أنه حجر الزاوية للشريعة والنبوة والكرازة بالإنجيل.

فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة،

أما الذين لا يطيعون

فالحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية” [7] .

قيل أنه في بناء هيكل سليمان جاءوا بحجرٍ ضخم جدًا فلم يجد البناءون له نفعًا فتركوه وأهملوه، ولما بحثوا عن حجرٍ ليكون رأسًا للزاوية لم يجدوا حجرًا يصلح لذلك سواه ففرح به البناءون.

هكذا رفض اليهود ربنا يسوع واحتقروه صالبين إياه. لأنهم يريدون مسيحًا حسب أهوائهم الأرضية يملك ملكًا أرضيًا. أما الذين آمنوا به فوجدوا “يسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مركبًا معًا، ينمو هيكلاً مقدسًا في الرب، الذي فيه أنتم مبنيون معًا مسكنا لله في الروح” (أف ٢: ٢٠–٢٢).

لقد وجدناه، الصخرة غير الجامدة، الصخرة الروحية التي تتابعنا ونشرب منها شرابًا واحدًا روحيًا  (١ كو ١٠: ٤).

يقول القديس أغسطينوس: [عرفه اليهود فصلبوه، وأما العالم كله فسمع عنه وآمن[13].]

ويقول الرسول إنه بالنسبة للرافضين “حجر صدمة وصخرة عثرة الذين يعثرون غير طائعين للكلمة، الأمر الذي جُعِلوا له” [8] .

قوله “الذي جُعِلوا له” لا يعني أن الله هو الذي أراد رفضهم، وإنما هم رفضوه وقد سبق فأعلن الرب عما سيفعلونه (أش ٨: ١٣-١٥)، بل وأعلنه بفمه الإلهي قائلاً: “كل من سقط على ذلك الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه” (لو ٢٠: ١٧-١٨). إنه كالحجر اصطدموا به، وحتى لا يلقى باللوم عليه قيل “وصخرة عثرة“. الصخرة بطبيعتها ضخمة يليق بالسائر أن يراها فلا يصطدم بها، لكنهم في عدم طاعتهم تعثروا فيه أما هو فلم يتأثر ولا تزحزح! بقلبهم الحجري لم يطيعوا اللوح الحجري (الكلمة المنقوشة على الحجر)، فاصطدموا بالحجر الحي وتعثروا فيه، أما نحن فإذ نطيعه لا نصطدم به.

ويقول القديس أغسطينوس:

[يمكنك بقلب غير حجري أن ترى في تلك الألواح الحجرية (العهد الجديد) ما يناسب الشعب غليظ الرقبة، وفي نفس الوقت تستطيع أن ترى أيضًا “الحجر” عريسك الذي نعته بطرس بحجر حي…

بالنسبة لهم هو “حجر صدمة وصخرة عثرة“، أما بالنسبة لك فهو “الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأس الزاوية”…

لا تخف عندما تقرأ هذه الألواح، فإنها مرسلة لك من عريسك. فبالنسبة لغيرك هي حجر إشارة إلى عدم الحساسية، وأما أنت فهي تشير إلى القوة والثبات.

بإصبع الله كُتِبَت هذه الألواح، وبإصبع الله تخرج الشياطين، وبإصبع الله تطرد تعاليم الشياطين التي تمزق الضمير[14].]

وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء،

لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب” [9] .

إذ تأسسنا على حجر الزاوية وارتبطنا به فإننا بهذا نكون:

جنس مختار“: هذه العبارة ينطق بها رسول الختان ليصحح مفاهيمهم، إذ يحسبون أنفسهم أنهم دون سائر البشر “جنس مختار“، وأن الاختيار من قِبَل الله واقع بسبب جنسيتهم كيهود. لكن مجيء الرب متجسدًا وفي نسبه أسلاف أمميات، ودعوة الرب ورُسله للأمم كشفت حب الله للبشرية كلها، وأن الاختيار هنا لا يدفع إلى الكبرياء والتعصب بل إلى حمل المسئولية.

كهنوت ملوكي“: وقد اقتبس هذا النص من سفر الخروج (١٩: ١)، ومع هذا فنحن نعلم أنه في العهد القديم لم يكن الكل كهنة وملوكًا بل كانوا مختارين، هكذا فإن القول “كهنوت ملوكي” تعني أنه قد صار بيننا كهنة مفرزون لخدمة ملك الملوك.

أمة مقدسة شعب اقتناء“، عملها الكرازة والشهادة للذي دعانا من الظلمة إلى نوره العجيب، بحديث عملي، بسلوكنا كأولاد للنور.

فما نخبر به هو “فضائل الذي دعانا“… أي نعكس جمال المسيح الساطع علينا. فيرى الناس نوره الإلهي في داخل قلوبنا، ويدركونه خلال تصرفاتنا وسلوكنا في الحياة. عندئذ يتحقق قول المرتل “من صهيون (الكنيسة) كمال جمال الله أشرق” (مز ٥٠: ٢).

في هذا كله ليس لنا فضل بل للذي رحمنا، إذ يكمل الرسول قائلاً:

“والذين قبلاً لم تكونوا شعبًا،

وأما الآن فأنتم شعب الله،

الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون” [10].

لقد كنا في ظلمة فدعانا إلى نوره العجيب… ماذا نطلب بعد؟ لقد اختارنا شعبًا لله كما تنبأ هوشع بذلك (١: ٦، ٩، ٢: ٢٣)!

ثالثًا: الارتباط بالسلوك العملي

إذ أنهى حديثه عن “تأسيسنا على الرب يسوع” بأن نخبر بفضائله، بدأ يوضح لنا أهمية السيرة الحسنة قائلاً:

أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء

أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس” [11].

يدعوهم “أيها الأحباء” لكي يستميلهم إلى الإنصات والتنفيذ. وقد كان هذا النداء محببًا إلى نفوس التلاميذ والرسل إذ تشربوه من ربنا يسوع المحب، وسمعوا صوت الآب تجاه الابن يقول: “ابني الحبيب” عند العماد والتجلي، لهذا شغفوا به.

يدعوهم أيضًا “غرباء ونزلاء“، أي غرباء وضيوف، فقد سبق أن أوصاهم أن يتركوا شهوات الجسد بكونهم أبناء لله يعافون هذه الأمور، وهنا يقدم باعثًا ثانيًا هو إحساسهم بغربتهم وعدم ارتباطهم بالأرض. وقد أخذ الآباء الرهبان هذا الباعث كتدريب لكل طالب الرهبنة، إذ كانوا يدربونه على زيارة المدافن يوميًا لساعات طويلة حتى يعرف حقيقة هذه الحياة.

عندما سقط ثيؤدور المتنسك صديق القديس يوحنا الذهبي الفم في حب السيدة Hermoine الشابة الجميلة الصورة كتب إليه ذهبي الفم يطالبه بالعودة إلى حياته النسكية الأولى مسجلاً له الكثير عن مراحم الله ومحبته، مقدمًا له من بين التداريب الهامة للانتصار على حرب الشهوة أن يزور المدافن ويتأمل التراب والرماد والدود، متذكرًا نهاية الأشرار وسعادة الأبرار[15].

ونلاحظ أن الرسول لم يقل “أن تمتنعوا عن الخطايا” بل طلب الامتناع عن الجذر العميق لها، أي “الشهوات الجسدية”، لأنه كما يقول الأب دوروثيؤس: [الخطايا هي تنفيذ هذه الشهوات عمليًا، بمعنى أن الإنسان ينفذ بجسده الأعمال التي تثيرها فيه شهواته[16].]

هذه الشهوات يلزمنا أن نقلع عنها حتى وإن لم تخرج إلى حيز التنفيذ لأنها “تحارب النفس“. هذه الحرب الداخلية بين شهوات الجسد وشهوات الروح قائمة على الدوام مادمنا في الجسد، لكن ليس لها سلطان علينا أو حق السيادة والملكية على إرادتنا مادمنا لا نذعن لها. إذن لنمتنع عن شهوات الجسد بعدم قبولنا لها أو إرضائها، بهذا تكون حربها بلا قوة التنفيذ أو السيطرة، إنما تصبح أعضاؤنا آلات برّ لله شاهدة له أمام الأمم، إذ يرون الثمار المنظورة كانعكاس لنقاء داخلي وغلبة لشهوات الروح، وطاعة الجسد للروح وخضوعه لها[17].

 وقد شبه الأب Mathetes من رجال القرن الثاني[18] علاقة النفس بالجسد المحارب لها كعلاقة المسيحيين الحقيقيين بالعالم الوثني الشرير الذي كان مضطهدًا للكنيسة.

  • النفس منتشرة خلال كل أعضاء الجسد، والمسيحيون منتشرون خلال كل مدن العالم.

تسكن النفس في الجسد لكنها ليست منه، ويسكن المسيحيون العالم وهم ليسوا من العالم (يو ١٧: ١١، ١٤، ١٦).

النفس غير المنظورة حافظة للجسد المنظور، والمسيحيون معروفون حقًا إنهم في العالم وصلاحهم غير منظور.

يبغض الجسد النفس ويحاربها مع أنها لا تؤذيه بل لأنها تمنعه من التمتع بالملذات، هكذا يبغض العالم المسيحيين مع أنهم لا يضرونه، إنما لأنهم يمنعونه عن الملذات.

تحب النفس الجسد الذي يبغضها ويحب المسيحيون أيضًا الذين يبغضونهم.

النفس مسجونة في الجسد ومع هذا تحفظ الجسد ذاته، والمسيحيون موجودون في العالم كما في سجن ومع ذلك فهم غير الفاسدين فيه.

تسكن النفس الخالدة خيمة الجسد القابلة للموت، ويقطن المسيحيون كغرباء في مسكنٍ زائلٍ متطلعين إلى المسكن غير الفاسد في السماوات.

عندما تزهد النفس الطعام والشراب تصير في حال أفضل، والمسيحيون مع أنهم يومًا فيومًا يخضعون للعقاب (الاضطهاد الوثني) لكنهم يزدادون عددًا. لقد عين الله لهم هذا المركز المرموق الذي يلزمهم ألا ينسوه[19].

الرسالة إلى ديوغنيتس

أن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة،

لكي يكونوا فيما يفترون عليكم كفاعلي شر،

يمجدون الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها” [12].

ما أكثر الافتراءات التي وجهها الرومان ضد المسيحيين: يقول العلامة ترتليان: [لقد فاض نهر تيبار وأضر أسوار روما فنسبوا ذلك إلى المسيحيين. وكانوا إذا لم يفض نهر النيل كحده المعتاد نسبوه إليهم. وإذا حدث زلزال في المملكة أو جوع أو وباء نسبوه إليهم صارخين “القوهم إلى الأسود”.]

ومع هذا ففي يوم الافتقاد أي يوم مجيء الرب للدينونة، أو يوم يكشف الله عن عيونهم لمعرفة الحق، تنكشف سيرة المؤمنين الحسنة فيمجدوا أباهم السماوي (مت ٥: ١٦).

لهذا كتب الشهيد كبريانوس إلى الكاهن Rogatianus ومعترفين آخرين ملقين في السجون يقول لهم: [إنني أُسَر أن أقول لكم إن هذا هو العمل الأعظم المُلْقَى عليكم، وهو أن تكونوا في حال أفضل مهتمين بذلك حتى أنه خلال اعترافكم ذاته يلاحظون مجد (هذا الاعتراف) خلال حياتكم الفاضلة الهادئة[20].]

ويرى الأسقف الشهيد كبريانوس أن السيرة الحسنة تزين المعترفين والشهداء.

٣. سلوكنا في المجتمع كأولاد لله

أولاً: الخضوع لنظم الدولة

اخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب.

إن كان للملك فكمن هو فوق الكل” [13].

أثار اليهود الفتنة عند الحكام تتلخص في خضوع المسيحيّين للملك يسوع، فلا يخضعون للإمبراطور أو الولاة، عاصين لكل أمر وقانون. وحتى لا يختلط الأمر على المؤمن بين الخضوع للمملكة السماوية والطاعة للرؤساء نجد السيد نفسه يعلن ضرورة الخضوع للنًظم القائمة (مت ٢٢: ٢١). وهكذا سلك الرسول بولس على نفس المنوال (رو ١٣: ١-٧)، وطلب من تلميذه تيطس أن يُذَكِّر الشعب بالخضوع للرئاسات والسلاطين ويكونوا مستعدين لكل عمل صالح (٣: ١).

فالمسيحية جوهرها الحب والخضوع (التواضع) والطاعة، وليس الكبرياء والعصيان لهذا بينما ينصح القديس أغسطينوس[21] شعبه ألا يخافوا من تهديد الولاة لإلزامهم عبادة الأوثان، يقول:

[هل نرفع أنفسنا في كبرياء أم أطلب إليكم أن تزدروا بالسلاطين المرئية؟ لا يكون!… فإن الرسول نفسه يقول “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. لأنه ليس سطان إلاَّ من الله. السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله” (رو ١٣: ١-٢)].

ويقول العلامة ترتليان: [لذلك فإنه بخصوص الكرامات الواجبة للملوك والأباطرة، لدينا نص كافٍ أنه يليق بنا أن نكون في تمام الطاعة وذلك كوصية الرسول “أن يخضعوا للرياسات والسلاطين” (تي ٣ : ١) ولكن حدود الطاعة في هذا أن نحفظ أنفسنا منعزلين عن عبادة الأوثان. ولنا في هذا أيضًا مثال الثلاثة فتية، الذين مع طاعتهم للملك نبوخذنصر ازدروا بتقديم التكريم لتمثاله فلم يقبلوا العبادة له… وهكذا أيضًا دانيال، كان خاضعًا لداريوس في كل الأمور، ثابتًا في واجبه مادام بعيدًا عن أساس إيمانه (دا ٦)[22].]

أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعلي الشر

وللمدح كفاعلي الخير” [14].

أي لا نخاف من نواب الإمبراطور (الولاة) بل نحبهم ونخضع لهم، لأنهم معينون لأجل الانتقام من الأشرار ومدح فاعلي الخير (رو ١٣: ٣-٤). نخضع لهمk مهتمين فقط بصنع الخير، وهذا يسد الأفواه المشتكية ظلمًا “لأن هذه هي مشيئة الله أن تفعلوا الخيرً فتسكتوا جهالة الناس الأغبياء” [15].

لكن قد يسأل أحد: لماذا نخضع لهم ألسنا أحرارًا؟ الحرية في المسيحية ليست فوضى ولا عصيانًا للنظم والقوانين، بل هي خضوع وطاعة برضا وفرح، صانعين الخير كاسرين الشر تحت أقدامنا.

كأحرار وليس كالذين الحرية عندهم سترة للشر

بل كعبيد لله” [16].

يقول القديس أنبا أنطونيوس: [لا نعتبر الأحرار هم أولئك الأحرار بحسب مركزهم، بل الذين هم بحق أحرار في حياتهم وطبعهم… حرية النفس وطوباويتها هما نتيجة النقاء الحقيقي والازدراء بالزمنيات[23].] وأيضًا [الإنسان الحر هو ذاك الذي لا تستعبده الملذات بل يتحكم في الجسد بتمييز صالح وعفة، قانعًا بما يعطيه الله، مهما كان قليلاً، شاكرًا إياه من كل قلبه[24].]

الحر ليس بمركزه بل أن يتحرر في داخله مما فيه، فيعيش غير خانعٍ لشهوة ولا تلعب به لذات. فالحرية لا تبعث فينا الاستهتار بل تحملنا المسئولية. وكما يقول القديس إيريناؤس: [يحاسب العبد عن أفعاله، أما الابن فإنه يطالب بأكثر من ذلك، فيحاسب عن كلماته (مت ١٢: ٣٦) وعما يدور في فكره (مت ٥ : ٢٨) فإذ نال الحرية هذا يجعله ممحص أكثر[25].]

أكرموا الجميع.

أحبوا الإخوة.

خافوا الله.

أكرموا الملك” [17].

يبدأ الرسول بإكرام الجميع حتى لا يظنوا أنه عندما يتحدث عن إعطاء الكرامة لمن له الكرامة يكون فيه محاباة وإهانة للفقير والضعيف، إنما يلزمنا إكرام خليقة الله كلها التي مات المسيح من أجلها. فمن يحتقر إنسانًا يهين خالقه وفاديه. وإذ نكرم الجميع يليق بنا أن نحب الأخوة، ذلك الحب الذي تحدث عنه الرسول بولس (١ كو ١٣) والذي بدونه تفقد العبادة كيانها ووجودها. وبهذا الحب يمكننا أن نتقي الله ونخافه، لأن من لا يحب أخاه كيف يقدر أن يعبد الله؟ مخافتنا للرب تبعث فينا تكريم الرؤساء والملوك المرسلين منه. هذا الإكرام ليس مبعثه شخص الملك بل مخافة الرب.

ثانيًا: الأمانة في الخدمة

أيها الخدام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة،

ليس للصالحين المترفقين فقط،

بل للعنفاء أيضًا” [18].

مادام الخضوع أساسه “مخافة الرب”، لهذا لا يليق بالمؤمن أن يفحص أعمال رؤسائه، بل يحترمهم ويحبهم حتى وإن كانوا عنفاء.

ويقصد الرسول بالخدام العبيد أيضًا، إذ كان عددهم في ذلك الوقت ضخمًا. فيذكر المؤرخ بلينوس أن لأحد أصدقائه ٤٠٠٠ عبدًا ليس لهم أي حق شرعي.

وإذ كان قد آمن عدد كبير منهم بالمسيحية لذلك كان لزامًا أن تُوَجَّه إليهم نصائح خاصة بعملهم. فتُطالبهم بالخضوع برضا، حتى وإن كان سادتهم عنفاء. وقد استطاعت المسيحية خلال العبيد أن تكسب كثير من السادة، وخلال المرؤوسين أن يكرزوا بالسيرة الحسنة ورائحة المسيح النابعة فيهم لرؤسائهم.

وتظهر أهمية الأمانة في العمل من الرسالة التي وجهها أبونا البابا ثيوناس الاسكندري إلى لوقيانوس كبير أمناء القصر الإمبراطوري نذكر منها مقتطفات[26]:

[ما أظن ولا أود يا عزيزي لوقيانوس أن تتباهى بهذا الأمر أن كثير من رجال قصر الإمبراطور قد بلغوا إلى معرفة الحق. بل بالحري يليق بنا أن نقدم الشكر لإلهنا الذي يستخدمنا كآنية صالحة لعمل صالح، وقد منحك كرامة عظيمة لدى الإمبراطور حتى تظهر رائحة اسم المسيحي الذكية التي هي لمجد المسيح ولخلاص كثيرين.

فإنه وإن كان الإمبراطور نفسه لم يتلامس تمامًا مع الإيمان المسيحي، إلاَّ أنه يضع ثقته بخصوص أموره الخاصة وحياته في أيدي المسيحيين لأنهم أكثر الخدام أمانة… لذلك يجدر بك أن تبذل كل ما في وسعك ألا تسقط في أمر دنيء معيب، ولا تنطق بأي حال من الأحوال بكلمة نابية حتى لا يجدف على اسم المسيح بسببك

الله لا يسمح أن نكون من بين المرتشين لبلوغ مآرب لدى الإمبراطور…

إياك وشهوة الطمع الذي يخدم الأصنام لا المسيح (أف ٥: ٤-٥)…

لنفعل كل شيء بوداعة ولياقة واستقامة حتى يتمجد اسم إلهنا وربنا يسوع المسيح في كل شيء.

تمم الأعمال الموكولة إليك بمخافة الرب وفي محبة لرئيسك وبعناية كاملة.

انظر إلى كل أمر صادر من الإمبراطور، ولا يعارض الله، إنه صادر من الله ذاته. ولتتقد بالمحبة كما بالخوف وبكل فرح…

ولكي ما يتمجد الله فيكم، اطئوا تحت أقدامكم كل رذائلكم الذهنية وشهوات جسدكم.

التحفوا بالصبر والشجاعة وانتعشوا بالفضائل ورجاء المسيح.

احتملوا كل شيء من أجل خالقكم نفسه. احتملوا كل شيء. اغلبوا كل شيء، لكي تربحوا المسيح الرب…

عزيزي لوقيانوس إذ أنت حكيم احتمل بطيب قلب غير الحكماء (٢ كو ١١: ١٩) فربما يصيروا حكماء.

لا تسمح بأذية أحد في أي وقت ولا تدع أحدًا يغضب.

إن حدث لك ضرر فتطلع إلى يسوع المسيح… لا تترك يومًا يمر بغير قراءة نصيب في الكتاب المقدس مخصصًا وقتًا مناسبًا له تاركًا وقتًا للتأمل.]

لأن هذا فضل، إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله

يحتمل أحزانًا متألمًا بالظلم.

لأنه أي مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون،

بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون،

فهذا فضل عند الله” [19-20].

كان اللطم هو القصاص العادي للخدام متى أخطأوا… فإن لُطِمْنا من أجل خطأ ارتكبناه ما هو مجدنا؟ أما من يُلْطَم متألمًا من أجل عمل الخير فيصبر، فهذا فضل عند الله. وكلمة “فضل” في اليونانية تحمل معنيين في نفس الوقت وهما “نعمة ومعروف”.

نقبل اللطم ظلمًا من أجله بسرورٍ ورضا. يذكر لنا الأب بيامون[27] قصة امرأة شريفة بالإسكندرية طلبت من البابا أثناسيوس أرملة تعينها في الخدمة فأعطاها أرملة تخاف الرب. عادت السيدة تطلب غيرها فأرسل لها أشر أرملة، حتى تطاولت وضربت سيدتها، فجاءت السيدة شاكرة البابا قائلة له: “لقد أعطيتني حقًا امرأة تعينني وتشددني… أما الأولى فكانت تكرمني بالأكثر وتدللني بخدماتها”.

السيد المسيح كمثال لنا

لأنكم لهذا دُعِيتُم فإن المسيح أيضًا تألم من أجلنا،

تاركًا لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته” [21].

نزل السيد المسيح بنفسه وعاش بين الخدام ولُطِم منهم، حتى نستطيع نحن أيضًا أن نتبع خطواته.

لأنكم لهذا دعيتم“، أي أن هذه هي دعوة المسيح لنا، كما يقول القديس أغسطينوس: [أن نرفع أنظارنا إلى العريس السماوي، فإنه عُلِّق على الصليب كعبد متألم ظلمًا[28].]

ويقول أبونا البابا أثناسيوس الرسولي: [سَبَقَنا ربنا في هذا عندما أراد أن يظهر للناس كيف يحتملون؟… عندما ضُرِب احتمل بصبر، وعندما شُتِم لم يشتم، وإذ تألم لم يهدد بل قدم ظهره للضاربين وخديه للذين يلطمونه، ولم يحول وجهه عن البصاق. وأخيرًا كانت إرادته أن يُقاد إلى الموت حتى نرى فيه صورة كل الفضائل والخلود، فنسلك مقتفين آثار خطواته، فندوس بالحق على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (الخطية)[29].]

وماذا قدم لنا المسيح كمثال؟

  1. الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر[22] .

لم يقصد الرسول أن يتحدث هنا عن قداسة المسيح، فهو قدوس بلا خطية، لكنه يسير معنا في طريق الصليب لكي نقتفي آثار خطواته، فإنه لم يفعل خطية واتُّهِمَ بأنه صانع شر؛ ولا وُجِدَ في فمه مكر واتُّهِمَ كمضلل.

  1. الذي إذ شُتِمَ لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يهدد، بل كان يسلم لمن يقضي بعدل” [23]. كديان من حقه الانتقام، لكنه قبل آلام الصليب، محتملاً الشتم كنعجة صامته أمام جازيها لم يفتح فاه (إش ٥٣: ٧)، وهكذا كل من يختار السير مع المسيح المصلوب!
  2. الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على خشبة، لكي نموت عن الخطايا، فنحيا للبرّ الذي بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة، لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها” [24-25].

بطرس الرسول كشاهد عيان لآلام ربنا يسوع رآه مثالاً لاحتمالها. رآه وهو يعلن نفسي حزينة جدًا حتى الموت”… دخل البستان ليحمل خطايا البشرية على كتفيه ويصلبها على الصليب. أما الرسول بولس فركز حديثه عن الرب يسوع كمثال في احتمال الموت على الصليب.

يكشف لنا الرسول مفهوم آلام الصليب إنها ليست مجرد شجاعة وقدرة على الاحتمال، بل أساسها حب وبذل، إذ أراد بجلدته أي جراحاته أن يشفي جراحاتنا، فأحنى ظهره باختياره، ليحمل بطريقة سرية خطايانا في جسده، إذ “قدم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين” (عب ٩: ٢٨). “إنه سكب للموت نفسه وأُحصي مع آثمة، وهو حَمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين” (إش ٥٣: ١٢).

بآلام الحب أوضح لنا رعايته لنا إذ هو “راعي نفوسنا وأسقفها“، يبحث عن كل نفس مريضة فاتحًا ذراعيه لكل ضال!

اختار الموت “على خشبة”، وهذا لم يكن جُزافًا، بل كما يقول أبونا البابا أثناسيوس الرسولي:

[لم يكن لائقًا بالرب أن يمرض وهو الذي يشفي الآخرين…

لقد جاء كمخلصٍ لا لينقذ موتًا خاصًا به، بل يموت نيابة عن الآخرين… لذلك قَبِل الموت الذي جاءه من البشر لكي ينزع بالكمال الموت.

لو أن الموت حدث بصورة سرية، لما كان موته يشهد للقيامة…

جاء بنفسه ليحمل اللعنة التي علينا (غل ٣: ١٣) وهذا هو الصليب.

كيف يدعونا (نحن الأمم) ما لم يُصلب باسطًا يديه لدعوتنا؟

من أجل أن الصليب كان أفظع وجوه الموت وأقصى غاية المعاقبين، لذلك احتمل السيد المسيح الصلب طوعًا بكيان ناسوته المحتمل ذلك فداءً لبني آدم من أقصى غاية العقوبات للموت[30].]

يقول القديس أغسطينوس: [اختار الصليب ليذوق أمَرّ العذابات، إذ يموت موتًا بطيئًا، إذ أطاع حتى الموت موت الصليب (في ٢: ٨).]

يقول العلامة ترتليان[31]: [إاختار الصليب إتمامًا للنبوات والرموز الواردة في العهد القديم.]

وكيف نقتدي بالمسيح المصلوب؟

يقول الرسول “لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ”. يقول القديس أمبروسيوس: [لذلك هل صُلِبَتْ الخطية لكي نحيا لله؟ فمن يموت عن الخطية يعيش لله! هل تعيش لذاك الذي بذل ابنه حتى يَصْلِب شهواتنا في جسده؟ فإن المسيح مات عنا حتى نعيش في جسده المحيي لذلك فإنه لم تَمُتْ حياتنا بل مات عصياننا فيه… إذن خشب الصليب هو سفينة خلاصنا لعبورنا[32].]

ويقدم لنا القديس أمبروسيوس درسًا آخر إذ يقول: [من لا يتعلم أن يغفر لمضايقيه عندما يتطلع إلى المسيح وهو على الصليب يطلب من أجل مضطهديه؟ أما ترى أن هذه الصفات التي للمسيح – كما يحلو لك أن تقول – إنها قوتك[33].]

[1] راجع أقوال الآباء عن الحسد في كتاب “الحب الأخوي”، 1964.

[2] الحب الأخوي، 1964، ص ٢٣٢.

[3] Instructor 1 : 6.

[4] Three books of Testimonies against the Jews, 2 : 16.

[5] The Shepherd, Book 1 vision 3.

[6] Tert. On Prayer 28.

[7] راجع رسالة تيموثاوس الأولى.

[8] طبع باسم العفة سنة ١٩٦٧.

[9] راجع مزمور ٥٦ : ١٢، ١٠ : ٢٢.

[10] الفيلوكاليا، 1993، ص ٢٣.

[11] كتاب الراعي ك٣ رؤيا ١٢.

[12] راجع عظات عن فصول منتخبة من العهد الجديد (١ : ١٤، ١٥).

[13] راجع عظات عن فصول منتخبة من العهد الجديد (١٢ : ٤).

[14] Reply to Faustus the manchasan 15 : 5.

[15] ستعود بقوة أعظم ليوحنا ذهبي الفم، 1969، ص ٢٢.

[16] الفيلوكاليا، 1993، ص ١٥٢.

[17] راجع “العفة” 1967، لأغسطينوس.

[18] أحد تلاميذ القديس بولس الرسول أو رفقائه.

[19] The Epistle of Diognetus 6.

[20] رسالة ١٣ (طبعة اكسفورد) إلى الكاهن Rogatianus.

[21] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد ١٢.

[22] On Idolatry 15.

[23] الفيلوكاليا، 1993، ص ٣٤.

[24] الفيلوكاليا، 1993، ص ٤٣.

[25] Irenaeus against hereses 4 : 165.

[26] A. N. Fathers V. 6 P. 158/161.

[27] مناظرات كاسيان، ص ٤٦٤ – ٤٦٩.

[28] القيم الروحية لعيد النيروز، 1973، ص ٤.

[29] رسائل القيامة 1967، ص ١٢0 – ١٢١.

[30] ملخص من مقال “هل من ضرورة لعار الصليب؟!” بكتاب الحب الإلهي، 1967.

[31] A. N. Fathers V. 3 p. 164 – 165.

[32] A. N. Fathers V. 3 p. 164 – 165.

[33] The Christian faith 2 : 11: 95.

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول

 

الخلاص والآلام

  1. تحية افتتاحية ١.
  2. عمل الله الخلاصي

   أولاً: حب الثالوث لنا              ٢.

   ثانيًا: عطايا الله الجديدة           ٣ – ٥.

  1. موقفنا تجاه الخلاص

   أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة      ٦ – ١٢.

   ثانيًا: الجهاد والعمل               ١٣ – 25.

١. تحية افتتاحية

بطرس رسول يسوع المسيح إلى المتغربين

من شتات بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينيية”  [1].

“بطرس” وهو الاسم الذي دعاه به الرب (يو ١: ٤٢)، ويسمى بالسريانية “صفا” أو “كيفا”، ومعناه “صخرة”، إشارة إلى الإيمان الذي نطق به من جهة الرب يسوع.

رسول يسوع المسيح” وهنا يدعو نفسه رسولاً، أي أحد الإثني عشر، وليس برئيس عليهم بل واحدًا منهم.

إلى المتغربين من شتات بنتس وغلاطية وقد سبق لنا الحديث عن هذه البلاد. وهنا يدعوهم بالمتغربين والمشتتين، وهذا يتناسب مع روح الرسالة إذ هي موجهة إلى أناس متألمين. لا تقوم هذه الغربة على مجرد قصر الحياة الزمنية فحسب، لكن على ما هو أسمى وهو انتسابنا إلى ملكوت المسيح السماوي. وكما يقول الرسول، “فإن سيرتنا نحن في السماوات” (في ٣: ٢٠).

هذا الإحساس بالغربة النابع، لا عن نظرة تشاؤمية يائسة، بل نظرة مبهجة، وهو التعلق بالسماويات، هو الأساس لاحتمال الآلام بصبر ورفض الأرضيات، بل هو أساس حياتنا الروحية كلها.

وقد عرَّف القديس يوحنا الدرجي الغربة قائلاً: [الغربة تعني أننا نترك إلى الأبد كل ما في أرضنا من أمر زمني يعوقنا عن الوصول إلى غاية الحياة الروحية. الغربة هي سلوك متواضع… حكمة خفية… فطنة لا يعرفها الأكثرية… حياة مستترة… هدف غير منظور… تأمل غير مرئي… اشتياق للتواضع… رغبة في الألم… عزيمة دائمة على محبة الله… كثرة إحسان… نبذ المجد الباطل… صمت عميق[1].]

الغربة هي انطلاقة بالنفس البشرية بكل طاقاتها لتعبر فوق كل الآلام والأتعاب لتهيم في حب الثالوث القدوس.

 

٢. عمل الله الخلاصي

أولاً: حب الثالوث لنا

لما كانت الرسالة تدور حول “الألم في حياة المؤمن” فكان لِزامًا على الرسول أن يبدأ حديثه بالخلاص الذي يقدمه لنا الثالوث القدوس في حب لا ينطق به، لأن اكتشاف الإنسان لمحبة الله الباذلة هو الدافع القوي لاحتمال الآلام برضا، لذلك حدثنا عن:

  1. حب الآب المُعلَن في اختياره للإنسان.
  2. حب الروح القدس المُعلَن في تقديسنا للطاعة.
  3. حب الابن المُعلَن على الصليب.
  4. اختيار الآب لنا

“(إلى) المختارين بمقتضى علم الله السابق في تقديس الروح للطاعة

ورش دم يسوع المسيح[2].

أعلن الله حبه للإنسان باختيارنا للملكوت. هذا الاختيار فهمه اليهود المتعصبون فهمًا خاطئًا، إذ حسبوه قائمًا على محاباة الله لشعبٍ معينٍ أو جنس معين وإلزامهم بالسلوك في طريقه، لهذا التزم رسول الختان أن يتحدث عن اختيار الآب لنا إذ أوضح:

  1. أن الاختيار قائم “بمقتضى علم الله السابق“، هذا العلم غير الإرادة. فمن جهة الإرادة يود أن الجميع يخلصون، لكن بسابق علمه يعرف الذين يقبلونه ويؤمنون به ويثبتون فيه. وكما يقول الرسول: “لأن الذين سبق فغينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه” (رو ٨: ٢٩). على الصليب فتح الابن يديه معلنًا دعوة الآب لكل البشرية. لكن الآب يعرف الذين يتبعونه ويسلكون في وصاياه كما يعرف الابن خرافه (يو ١٠: ١٤).
  2. يقول القديس أغسطينوس بأن الرسول يدعو المؤمنين مختارين، ليس لأن جميعهم يثبتون في الاختيار إلى النهاية، لكن من قبيل أن المختارين هم بين صفوف المؤمنين.
  3. الاختيار هنا ليس فيه حرمان للإنسان حريته وقسره على سلوك معين، بل هو “في تقديس الروح للطاعة“، أي في الخاضعين لعمل روح الرب، السالكين في الطاعة.

وقد عالج القديس أغسطينوس هذا الموضوع فقال:

[يقول القديس بولس عن فليمون: “الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل، ولكن بدون رأيك لم أشاء أن أفعل شيئًا، لكي لا يكون خيرك على سبيل الاضطرار بل على سبيل الاختيار”. وجاء في سفر التثنية “أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، الموت والشر… فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك” (٣٠: ١٥، ١٩). وأيضًا في سفر ابن سيراخ: “هو صنع الإنسان في البدء وتركه في يد اختياره… فإن شئت حفظت الوصايا ووفيت مرضاته. وعرض لك النار والماء فتمد يدك إلى ما شئت” (سي ١٥: ١٤، ١٧). هكذا أيضًا نقرأ في سفر إشعياء “إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم” (١: ١٩-٢٠)… فإننا لا نبلغ إلى الغاية بغير إرادتنا، ولكن لا نستطيع أن نكمل الغاية ما لم ننل المعونة الإلهيّة[2].]

  1. تقديس الروح للطاعة

الآب يحبنا فاختارنا له، والروح القدس يحبنا بذات حب الآب لأنه روح الآب، وعمله أن يقدسنا للطاعة. فالإنسان لا يقدر بذاته أن يتقدس، ولا يقدر بذاته أن يجاهد، لذلك وهبنا الله روحه معينًا لنا. فخلال  سرّي المعمودية والميرون سكن فينا روح الله وصرنا مُفرزين له. وخلال سر التوبة والاعتراف تغفر لنا خطايانا. وخلال سر الإفخارستيا نثبت في الله. كما يقدم لنا الروح أعماله التقوية من محبة وفرح وسلام ووداعة… بهذا كله يقدسنا الروح ويعيننا على الطاعة والمثابرة[3].

  1. “ورش دم يسوع المسيح”

حب الله في اختياره لنا وتقديسه حياتنا كلفة ثمنًا هذا مقداره! دم يسوع المسيح كفارة عن خطايانا وشفاءً لأمراض نفوسنا وعهدًا للشركة معه! أمام هذا الحب العملي الباذل نخجل أن نتذمر من جهة الآلام أو نشكو من ضيقات أو نخاف من الموت!

“لتكثر لكم النعمة والسلام”

إذ قدم لنا كل إمكانية إلهيّة، إذ دفع الثمن ووهبنا روحه معينًا في الجهاد، لذلك فهو يفيض علينا بالنعم والسلام.

  1. النعمة: أي نعمه المجانيّة وبركاته الإلهيّة التي تملأ القلب سلامًا.
  2. السلام: وهو يقوم على نعمة الله، فتدرك النفس مصالحتها مع الله مصدر سلامها وسعادتها، فتهيم معه في شركة حب وتسمو فوق كل الآلام. وهذا يعكس أيضًا سلامًا مع الغير حتى المضايقين لنا، لأن الداخل قوي وثابت فلا يضطرب الخارج[4]!

ثانيًا: عطايا الله الجديدة

يرسم لنا الرسول عظمة عطاياه المجانية التي نتمتع بها باستحقاقات الدم، فيقول “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية” [3].

لك البركة أيها الآب إذ قدمت لنا برحمتك الغنية أثمن عطية… وهبتنا ميلادًا جديدًا بالمعمودية! هذا الميلاد الذي على أساسه تبني كل عبادتنا لك!

إذ وهبتنا:

  1. الميلاد الجديد به نُزِعنا من الزيتونة البرية وطُعمنا في الزيتونة الجديدة (رو ١١ : ٢4)، صُلب إنساننا العتيق ووهبنا أن نكون خلقة جديدة (٢ كو ٥: ١٧) “لا بأعمال برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تي ٣: ٥).

وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [عندما نغطس في جرن المعمودية، فبفضل صلاح الله الآب وبنعمة روحه القدوس نتعرى من خطايانا، إذ نتخلص من إنساننا العتيق، ونتجدد، ونُختم بقوته لملكيته الخاصة. ولكن عندما نخرج من جرن المعمودية نلبس المسيح مخلصنا كثوبٍ لا يبلى، مستحقًا لكرامة الروح القدس عينها، الروح القدس الذي جددنا ودفعنا بختمه[5].]

  1. الرجاء الجديد: إذ يكمل الرسول قائلاً: “لرجاءٍ حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات” [4].

كانت الأنظار، في العهد القديم، تتركز حول أرض الموعد والبركات الزمنية كرمز لأورشليم السمائية والبركات الأبدية، مع تلميح بالأمور الأبديّة قدر ما تستطيع أعينهم أن ترى. أما الآن بعد أن صار لنا الميلاد الذي من أب سماوي وأم سماوية (الكنيسة) فإنه لا يليق بنا أن يكون لنا رجاء في الزمنيات.

هذا الرجاء الجديد يقوم على قيامة الرب من بين الأموات، إذ صار لنا نحن أعضاء جسده السري أن نخلع كل رجاء زمني متطلعين برجاء حي تجاه ميراث أبدي. إنه رجاء حي لأنه ينبع من قلب حي يفيض على الدوام بحياة حب لا ينضب!

  1. الميراث الأبدي: المولود من الجسد ينتظر ميراثًا ماديًا. والمولود من الروح يتعلق قلبه بميراث روحي. “فإن كنا أولادًا فإننا ورثةً أيضًا، ورثة الله ووارثون المسيح” (رو ٨: ١٧)… وما هي سمات هذا الميراث الروحي؟
  • “لميراث لا يفنى” لأنه ليس ميراثًا أرضيًا، بل سماويً.
  • “ولا يتدنس”، إذ يختلف عن الميراث الأرضي الذي يمكن أن يُغتصب بالخداع أو الاختلاس، كما يمكن أن يتبدد بالإسراف الشرير.
  • “ولا يضمحل”، إذ لا يزول جماله ولا يفقد بهاءه.
  • “محفوظ في السماوات لأجلكم”، إذ هو موضوع عناية الله وحراسته، يحفظه لأجلكم أي لأجل كل إنسان. فلا نيأس قط لأنه هيأ السماوات من أجلنا بالرغم مما بلغناه من انحطاط.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظروا إلى طبيعتنا كيف انحطت ثم ارتفعت؟ فإنه ما كان يمكن النزول أكثر مما هوى إليه الإنسان، ولا يمكن الصعود إلى أكثر مما ارتفع إليه المسيح (ورفعنا معه). اليوم (يوم صعود الرب) ارتفعت طبيعتنا فوق كل خليقة[6]!]

  1. قوة جديدة: “أنتم الذين بقوة الله محروسون، بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير” [5]. اليد الإلهية التي تحفظ الميراث هي التي تحرسنا نحن مهيئين للميراث، إذ تقدم لنا كل إمكانية لأجل تقديسنا للعرس السماوي الذي يُعلن يوم الرب العظيم.

٣. موقفنا تجاه الخلاص

أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة

يقدم الله كل إمكانية إلهية لأجل خلاصنا، لكننا لن نتمتع بالسير في طريق الخلاص بغير اشتراكنا بالإرادة (النية) والعمل. هذه المشاركة من جانبنا لا تقلل من عمل الله الخلاصي، أو تنفي عنه مجانيته أو تدفع بنا إلى البرّ الذاتي. لأننا نؤمن أن إيماننا ورجاءنا ومحبتنا وأعمالنا رغم ضروريتها، إذ بدونها نحرم من الخلاص، إلاَّ أنها ليست من ذواتنا. لكنها هبة من الله يقدمها للمثابرين والمغتصبين، مبنية على استحقاقات دم المسيح.

فلا تبرير لإنسان بغير الإيمان والرجاء والمحبة (أعمال المحبة)، ولا انتفاع بأعمال الله القوية من أجل خلاصنا بدونها. فما هو التزامنا نحن؟

  1. الإيمان: “الذي به تبتهجون، مع أنكم الآن إن كان يجب تُحزَنون يسيرًا بتجارب متنوعة. لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني، مع أنه يمتحن بالنار” [6-7].

وإذ يتكلم الرسول عن واجبنا أو موقفنا تجاه خلاصنا الثمين يطالبنا بالإيمان العملي:

أ. حياة مملوءة بهجة: فالإيمان بالرب الفادي يُشعل في النفس بهجة لا تطفئها الآلام أو التجارب أو أي ظرف خارجي. لنفرح ولنبتهج مع أمنا العذراء قائلين: تبتهج نفسي بالله مخلصي”. ولنقل مع المرتل في توبته: “رُد لي بهجة خلاصك”.

ب. حياة مملوءة تجارب: “إن كان يجب تُحزَنون” أي أن التجارب ليست أمرًا ثانويًا في حياة المؤمن بل إلزاميّة، خلالها يشترك مع الرب المتألم. ولا يتعرض لتجربة أو اثنتين بل لتجاربٍ متنوعةٍ، حاملاً الصليب مثل سمعان القيرواني مع ربنا يسوع. هذه الآلام يسيرة من حيث أن زمان غربتنا مهما بلغ فهو قليل بالنسبة للأبديّة. هذا الاحتمال يزكي إيماننا، وإن كنا نناله بالجهاد من يدي النعمة الإلهيّة. لهذا فاحتمالنا هذا لا ينفي مجانية الخلاص، ولا يبعث فينا الشعور بفضلٍ إلاَّ فضل الله.

  1. الرجاء:توجد للمدح والكرامة والمجد، عند استعلان يسوع المسيح[7].

يسند الرجاء المؤمن في التجارب، إذ يرفع أنظاره إلى يوم الرب العظيم ليرى:

أ. المدح من الرب من أجل صبره إلى المنتهى “من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص”.

ب. الكرامة أمام إخوته المشاركين معه في أورشليم السماوية.

ج. المجد: إذ استحق أن يكون متحدًا بعريس هكذا سماوي ومجيد!

  1. المحبة: “الذي إن لم تروه تحبونه، ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن، لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرحٍ لا يُنطق به ومجيد[8]. إن كنا لا نرى ما سنكون عليه وما سيكون لنا، لكننا نؤمن مترجين المجد الأبدي، لهذا نحب الله فرحين مبتهجين بعمله معنا.

نحب استعلان يسوع المسيح حيث يحمل جسدنا الفاسد عدم فساد، وترى النفس عريسها وجهًا لوجه. هذا هو غاية إيماننا “خلاص النفوس“.

وكما يقول القديس أغسطينوس:

[يقول الرسول بولس أيضًا أننا نخلص بغسل الميلاد الجديد، ومع ذلك يعلن في موضع آخر: “لأننا بالرجاء خلصنا. ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر” (رو ٨: ٢٤-٢٥). وبهدف مشابه أيضًا يقول زميله في الرسولية بطرس “الذي وإن لم ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبهجون بفرحٍ لا ينطق به ومجيد، نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس” [9]. فإن كان الآن هو وقت الإيمان، وجزاء الإيمان هو خلاص نفوسنا، هذا الإيمان الذي فيه نعمل بالمحبة (غل ٥: ١٦) فمن يشك أنه سيأتي اليوم إلى نهاية. وفي نهايته ننال الجزاء ليس فقط خلاص أجسادنا الذي تحدث عنه بولس الرسول (رو ٨: ٢٣) بل ونفوسنا أيضًا كما قال الرسول بطرس…

إن الزمن الحاضر سينتهي، لذلك فإن الأمر هنا متوقف على الرجاء أكثر منه على نوال المكافأة.

ولكن يلزمنا أن نتذكر هذا وهو أن إنساننا الداخلي، أي النفس، يتجدد يومًا فيومًا (٢ كو ٤: ١٦) ولهذا فإننا ونحن ننتظر الخلود الذي للجسد والخلاص الذي لنفوسنا في المستقبل، فإننا بالعربون الذي نناله هنا نقول أننا خلصنا. حتى أننا ننظر إلى معرفة كل الأمور التي سمعها الابن الوحيد من الآب كأمورٍ نرجو نوالها في المستقبل ولو أن السيد أعلنها كما لو وهبت لنا فعلاً.]

هذا الحب للسماوات والاشتياق للخلاص الأبدي هو:

أ. موضوع نبوة الأنبياء.

ب. موضوع كرازة الإنجيل.

ج. موضوع دهش السمائيّين.

أ. موضوع نبوة الأنبياء: بالحب اشتهوا الأبديّة، فوهبهم الروح القدس “روح المسيح” أن يتنبأوا عن الخلاص إذ يقول الرسول: “الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم، باحثين أي وقت أو ما الوقت الذين كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها” [10-11].

لقد فتشوا وبحثوا عنه… وهذا دليل الحب. فوهبهم روح المسيح أن يشهدوا للأبديّة (الأمجاد) مرتبطة بالآلام التي للمسيح، لأنه لا خلاص بدون سفك دم. لقد كان الصليب هو محور الرموز والنبوات. تعلق به الآباء والأنبياء بعدما رأوه من بعيد، إذ يقول الرب إبراهيم أبوكم رأى يومي فتهلل“.

رأوا الآلام بطريقة تفوق إدراكهم (دا ١٢:  ٨-٩). وهنا يستخدم صيغة الجمع ليكشف الرسول عن شدتها وكثرتها، والأمجاد أيضًا بالجمع لأنه كلما كثرت الآلام تزداد الأمجاد. هنا تشويق خفي للنفس أن تحمل آلام المسيح ولا تستكثرها، لأنها تبغي أيضًا مشاركة أمجاد فائقة الوصف. وهذا هو مفهوم الحب الحقيقي.

ب. موضوع كرازة الإنجيل: إن كان الأنبياء خلال الظلال والنبوات أحبوا الرب واشتهوا أن يروا صليب الرب وأمجاده، فكم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحبه إن كان هذا كله من أجلنا نحن!

الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم،

بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أخبرتم بها أنتم الآن

بواسطة الذين بشروكم في الروح القدس المُرسل من السماء“.

لقد جاء بنا ملء الزمان الذي به نُبَشَّر ونُبَشِّر بما اشتهى الأنبياء أن يسمعوه ويروه. هنا يقول الرسول عن الأنبياء “يخدمون بهذه الأمور“، أي لم تكن موضوع كبرياء لهم بل خدمة وتواضع.

ج. موضوع دهش السمائيّينالتي تشتهي الملائكة أن تطلع عليها” [١٢].

  • الحب من سمات الملائكة أيضًا، لذلك تشتهي أن تطلع على خلاص الإنسان، وشهوتهم هذه ليست من قبيل حب الاستطلاع لكن مشاركة للإنسان، واشتياقًا نحو توبته ورجوعه (لو ١٥: ١٠).
  • صنيع الرب معنا هو موضوع دهش الملائكة وتسبيحهم للخالق!

ثانيًا: الجهاد والعمل

إذ نتطلع إلى الخلاص الذي يقدمه لنا الله، ونؤمن به ونترجى الميراث ونحب الأبديّة ماذا نفعل؟

  1. لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين

كأن الرسول يوقظ العروس الراحلة لملاقاة عريسها مكررًا لها النداء “اصحوا” ثلاث دفعات (4:

 7، 5: 8) حتى تكون دائمة متهيئة لعريسها ممنطقة أحقاء ذهنها!

أ. أخذ الرسول هذا التشبيه مما كان يصنعه المسافرون، إذ كانت ملابسهم طويلة، فيشدوا أحقاءهم حتى لا تُعيقهم.

ب. وربما لأن الإنسان يقوم برفع أكمامه على ذراعيه (تشمير ساعديه) عندما يستغرق في تفكير عميق لأمر هام.

ج. أو لأن الصيادين اعتادوا أن يمنطقوا أحقاءهم عندما يغوصون في الماء حتى رُكَبهم.

إذن لنمنطق ذهننا بالبرّ ساهرين في حياة مقدسة متشبيهن بعريسنا. يقول البابا أثناسيوس الرسوليٍ: [لنمنطق أحقاء ذهننا متشبهين بمخلصنا يسوع المسيح الذي كتب عنه ويكون البرّ مِنطقة مَتنَيْهِ والأمانة مِنطقة حقويْه” (إش ١١: ٥)[7]ِ.]

  1. فالقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم، عند استعلان يسوع المسيح” [١٣].

السهر بغير رجاء يخور، لهذا يلزم أن يكون كل رجائنا مُنصبًا في المجد (النعمة) الذي يؤتى به إلينا عند ظهور ربنا.

ليكن الرب هو رجاءنا (١ تس ١: ٣)، وليكن ظهوره أمام أعيننا، لأنه ليس ببعيدٍ عنا بل يؤتى به إلينا، وفي النص اليوناني تعني أنه في الطريق إلينا لنناله. وليكن رجاؤنا في الأبديّة “بالتمام” أي بكمال ونضوج، لأنه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الرجاء بالتأكيد يشبه حبلاً قويًا مُدَلَّى من السماوات يُعين أرواحنا، رافعًا من يمسك به بثبات فوق هذا العالم وتجارب هذه الحياة الشريرة، فإن كان الإنسان ضعيفًا وترك هذا الهلب المقدس يسقط للحال ويختنق في هوة الشر[8].]

  1. “كأولاد الطاعة، لا تشاكلوا شهواتكم السابقة في جهالتكم” [11].

لنتطلع إلى حقيقة مركزنا أننا أولاد الآب سماوي كلي الصلاح، فكأولاد مطيعين لا نعود بعد نَسْلك فيما كنا فيه أيام جهلنا. وكما يقول القديس أغسطينوس:

[لنا والدان ولدانا على الأرض للشقاء ثم نموت. ولكننا وجدنا والدين آخرين. فالله أبونا والكنيسة أمنا، ولدانا للحياة الأبديّة. لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا؟ لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا… وجدنا لنا أبًا في السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض. لأن من ينتسب لأبٍ كهذا عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه[9].]

وأي سلوك يليق بنا؟

بل نظير القدوس الذي دعاكم،

كونوا انتم قديسين في كل سيرة.

لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس.

وإن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد،

فسيروا زمان غربتكم بخوف” [15-17].

أوضح لنا الرسول: ما هو سلوكنا؟ ومصدره ودافعه ومجالاته.

أ. سلوكنا هو القداسة أي حب السماويات وبغض الخطية.

ب. دافعه هو:

أولاً: أن نسير كما يليق بالدعوة التي دُعينا إليها.

ثانيًا: كأولاد للطاعة نخضع لإرادة الآب القدوس وكما يقول العلامة ترتليان: [إرادة الله قداستنا (١ تس ٤: ٣)، لأنه يريد منا نحن صورته، أن نكون على مثاله، لنكون قديسين كما هو قدوس (لا ١١: ٤٤)[10].]

ثالثًا: يضعنا الرسول أمام الدينونة كدافع لحياة القداسة والورع.

ج. مصدره: الله القدوس، وهو أبونا. وهذه هي كل المسيحية، أن ندرك أبوة الله لنا ونتمتع بها. هذه الأبوة لا تقوم على أساس المحاباة، بل مبنية على مراحم الله وعدله، إذ “يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد”، فلا نيأس لأنه أبونا، ولا نستهتر لأنه ديان. هو أب عادل وديان مملوء حنانًا. بهذا نزع رسول الختان الفكر اليهودي الخاطيء من جهة أن الله يحابي جنسهم على حساب البشرية وعلى حساب عدله.

د. مجالاته: “في كل سيرة”، وفي اليونانية تعني طريق الحياة أو السلوك، أي في كل تصرف: في الصمت كما في الكلام، في الأفكار الخفية كما في العمل الظاهر، ليكن كل ما هو فينا “قدس الرب”.

  1. التأمل في عظمة الخلاص

إن كنا مُطالَبين بالسهر والرجاء والطاعة والقداسة والسير بخوف الله، هذه جميعها نحمل فيها أتعابًا وآلامًا نقبلها باختيارنا، وأما ما يدفعنا لهذا، فهو تأملنا المستمر في عظمة الخلاص إذ هو:

أ. ليس بفضة أو ذهب!               د. يهبنا إمكانيّة التطهير.

ب. فداء أزلي!                       ه. أعطانا ميلادًا جديدًا.

ج. يُثَبِّت إيماننا ورجاءنا في الآب!

أ. ليس بفضة أو ذهب

عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب

من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء.

بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح” [18-١٩].

كان يُدفَع فضة أو ذهب فدية عن أسرى الحرب أو للعتق من العبوديّة، أما الرب فلم يَدفع هذا أو ذاك ليفدينا من سيرتنا الباطلة التي أُسِرْنا فيها، بل قدم دمًا كريمًا، آلامًا وأتعابًا احتملها ابن الله، انتهت إلى عار الصليب!

قَدَّم دمًا كريمًا كما من حملٍ بلا عيب، والحمل هو أطهر البهائم (خر ١٢: ٥، تث ٢٨: ٣) لذلك كان حمل التقدمة إشارة للسيد المسيح القدوس الذي بلا شر (عب ٧: ٢٦، يو ١: ٢٩).

وكما يقول العلامة ترتليان: [قد اشتُريتم بثمن أي بالدم. قد نُزِعتُم من إمبراطورية الجسد لتمجدوا الرب في أجسادكم[11].]

التأمل في صليب الرب يُشوِّق النفس للآلام ويُزهِدها في غنى العالم، ويحثها على طلب الغنى الأبدي. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [صليب الرب هو حكمتي! موت الرب هو خلاصي! لأننا نخلص بدمه الثمين كقول الرسول بطرس[12].]

ويُحَدِّث القديس أمبروسيوس الأغنياء ليتأملوا هذا الثمن قائلاً:

[لا يظن أحد أنه قد دُفع عنه ثمن مختلف بسبب غناه. فالغنى في الكنيسة هو الغنى في الإيمان، إذ المؤمن له كل عالم الغنى. أي عجب في هذا إن كان المؤمن يملك ميراث المسيح الذي هو أثمن من العالم؟

لقد قيل للجميع، وليس للأغنياء وحدهم: فقد افتُديتم بدم كريم.

فإن أردتم أن تكونوا أغنياء أطيعوا القائل “كونوا أنتم قديسين في كل سيرة”…

إنه يقول “فسيروا زمان غربتكم بخوف“، وليس بترفٍ أو تنعمٍ ولا في كبرياءٍ بل “بخوفٍ“.

إن لكم هنا على الأرض زمانًا ليس أبديًا، فاستخدموه كعابرين منه حتمًا[13]!]

ب. فداء أزلي

معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم،

ولكن قد أُظهِر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم” [20].

لنتأمل محبته الأزليّة، فهذا العمل الفدائي ليس بجديدٍ، لكنه قبل أن يخلقنا، بل قبل تأسيس العالم، منذ الأزل خطة الله مدبرة تجاه الإنسان العاصي ليدفع عنه أجرة عصيانه.

هذا هو موضوع لذة المؤمنين الحقيقيّين أن يدركوا محبة الله الباذلة “من أجلهم هم”، فإن هذا يدفعهم لتقبيل الصليب، وحمله بسرورٍ بالرب يسوع.

ج. يثبت إيماننا ورجاءنا في الآب

أنتم الذين به تؤمنون بالله الذي أقامه من الأموات،

وأعطاه مجدًا حتى أن إيمانكم ورجاءكم هما في الله” [21].

لعل الرسول خشى من البدعة التي نادى بها فيلون السكندري فيما بعد إذ نادى بوجود إلهين: إله العهد القديم قاسي، يعاقب الخطاة ويهلكهم. وإله العهد الجديد وديع ومترفق بهم. لهذا يؤكد الرسول أن ما قام به الابن إنما في طاعة للآب، فإيماننا ورجاؤنا بالمسيح هما في الله الآب، وليس منفصلاً عنه.

لقد أطاع المسيح الآب فـ “مع كونه ابنًا تعلم الطاعة مما تألم به” (عب ٥: 8)، مُسَلِّمًا الإرادة للآب. فأخلى ذاته وتجسد وتألم وقام، وأخذ المجد الذي له بإرادة الآب التي هي وإرادة الابن واحدة[14].

د. يهبنا إمكانيّة التطهير

طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح،

للمحبة الأخوية العديمة الرياء،

فأحبوا بعضكم بعضًا من قلبٍ طاهر] بشدة” [22].

لنتأمل عظمة هذا الخلاص إذ لا يسلب الإنسان حريته، بل طالبه بالعمل: “طهروا نفوسكم“، فلا خلاص لإنسان لا يُطَهِّر نفسه. هذا التطهير يتم بطاعة الحق بالروح، أي طاعة المسيح يسوع بالروح القدس.

فالطاعة هي بإرادتنا حيث نُخْضِع هذه الإرادة لإرادة المسيح فيعمل قصده فينا، والطاعة تستلزم الجهاد والعمل لكن سندنا في ذلك روحه القدوس!

هذه الطاعة تتلخص في حبنا الأخوي، لأن هذا هو قصد الرب يسوع، وهذه هي وصيته، لذلك يقول الرسول:

للمحبة الأخوية“، حيث يتسع القلب لكل البشرية بلا تمييز أو محاباة.

عديمة الرياء“، إذ لا تنبع عن دوافع مظهرية بل حب داخلي.

من قلب طاهر“، قد تَطَهَّر بالروح القدس، وصار نقيًا في غاياته.

بشدة“، لأنها على مثال حب المسيح الذي مات عنا.

ه. أعطانا ميلادًا جديدًا

مولودين ثانية لا من زرع يفنى،

بل مما لا يفنى،

بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد.

لأن كل جسد كعشب،

وكل مجد إنسان كزهر عشب.

العشب يبس وزهره سقط.

وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد.

وهذه هي الكلمة التي بُشِّرْتُم بها” [23-25].

يركز الرسول حديثه على “الولادة الثانية“.، لأن خلالها نتمتع بعظمة الخلاص، وخلالها يكون لنا حق الميراث، ونجتاز الآلام والأتعاب ببهجة قلب.

هنا يقارن بين الميلاد الروحي والميلاد الجسدي. فالميلاد الروحي من زرع لا يفنى، مصدره كلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد. ويعني بهذه الكلمة:

  1. “اللوغوس[15]” أو الكلمة المتجسد إذ خلال صليبه ودفنه وقيامته صار لنا أن ندفن معه بالمعمودية ونقوم لابسين المسيح (غل ٣: ٢٧).
  2. كلمة الكرازة “التي بشرتم بها” وهي تدور حول الصليب الذي بدونه ما كان الميلاد السماوي أن يقوم. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [لأن الماء بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ كما ألقى موسى النبي الخشب في تلك العين، هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب، فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة[16].]

[1] سلم السماء ودرجات الفضائل ٣ : ١.

[2] Augustine: Man’s perfection in Righteousness 19.

[3] راجع الحب الإلهي، 1967، باب “الله مقدسي” أيضًا ٨٠١ – ١٠٤٤.

[4] راجع تفسير ٢ يوحنا ٣.

[5] الحب الإلهي، 1967، ص 852.

[6] الحب الإلهي، 1967، ص ٧٣٧ – ٧٤٠..

[7] رسائل القيامة رسالة ٣ أيضًا ٥٢.

[8] ستعود بقوة أعظم” للقديس يوحنا الذهبي الفم.

[9] الصلاة الربانية طبعة ٦٨ ص ٩.

[10]  Tert. On Exhortation to Chastity.

[11]  Tert.: On Modesty 16.

[12]  On the Christian Faith 3 : 5.

[13]  Letter 63.

[14] إذ لا يسمح المجال بالإطالة أرجو الرجوع إلى مقال “طاعته للآب” في كتاب الحب الإلهي، 1967، ص ٢٢٥ – ٢٢٨.

[15] راجع الأب هيببوليتس The Refutation of all heresies 4 : 5.

[16] الأسرار للقديس أمبروسيوس – مجلة مرقس..

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version