تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

رسالة بطرس الأولى

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

 

 

رسالة بطرس الرسول الأولى

مشكلة الألم والحياة الجديدة

 

لهذه الرسالة أهميتها الخاصة في حياة الكنيسة، إذ تعالج مشكلة الألم، هذه التي يئن منها كل إنسان، تشغل فكره، وتهز كل كيانه، خاصة حين يسقط تحت ضيقٍ جسدي أو نفسي أو أدبي، فيشعر بالحاجة إلى من يضمد جراحاته العميقة، لا على مستوى فلسفي نظري، وإنما على مستوى الحياة الواقعية العملية.

والرسالة في جوهرها دعوة لمقابلة الألم لا بنظرة سوداوية قاتمة، وإنما بروح الرجاء الحي، خلال تمتعنا بميلاد جديد غالب للألم بل وللموت نفسه، إذ يقوم على قوة “قيامة يسوع المسيح من الأموات” (1: 3). عِوَض الارتباك بمرارة الألم يرفعنا الرسول إلى بهجة التمتع بالميراث الأبدي، فننعم بفرح لا ينطق به ومجيد (1: 8)، وعِوَض الانغماس في متاعب الحياة القاتلة للنفس يرفعنا إلى انتظار مجيء القدوس خلال الحياة المقدسة (1: 15-16)، مدركين دورنا الحقيقي كحجارة حية في البيت الروحي الكهنوتي (2: 5).

إن كانت هذه الرسالة قد كُتِبَت إلى “المتغربين من شتات بُنتُس وغلاطية…” (1: 1)، فغالبًا لم تُكتَب من أجل اليهود الذين تشتتوا عن وطنهم، بل من أجل جميع المؤمنين، ايًا كان أصلهم، وقد عانوا التشتت بسبب إيمانهم، إذ واضح إنه يُحَدِّث أيضًا مؤمنين من أصل أممي (5: 14، 18؛ 2: 10؛ 4: 3). فالتغرُّب والتشتيت هنا يشير إلى كل مؤمن يشعر بتغرُّبه عن موطنه السماوي (في 3: 20). إنها رسالة موجهة إلى كل إنسان متألم في غربته!

كاتب الرسالة

  1. أجمع مؤرخو الكنيسة وقديسوها أن كاتبها القديس بطرس الرسول.
  2. 2. القديس إيريناؤس هو أول من اقتبس منها ذكر اسم الرسول بطرس، غير أننا نجد مقتطفات منها أو ما يناظرها في كتابات آباء سابقين له من القرن الأول، وأيضًا آباء لاحقين؛ مثلما جاء في رسالة برنابا[1]، وكتابات القديس إكليمنضس أسقف روما[2]، وكتاب الراعي لهرماس[3]، وكتابات القديس بوليكربوس الشهيد.
  3. أشار إليها القديس إكليمنضس السكندري والعلامة ترتليان، كما ذكر المؤرخ يوسابيوس أن رسالة بطرس الرسول من الكتب التي تقبلتها الكنيسة دون أدنى شك.
  4. تتفق الرسالة مع أسلوب عظات الرسول الواردة في سفر الأعمال مثال:

أولاً: أشار إلى الله كديان يحكم بغير محاباة (١: ٧ مع أع ١٠: ٣٤).

ثانيًا: يهتم بالحديث عن الآب الذي أقام المسيح (١: ٢١ مع أع ٢: ٣٢، ٣: ١٥، ١٠: ٤٠).

ثالثا: إعلانه عن السيد المسيح بكونه رأس الزاوية (٢: ٧ مع أع ٤: ١١).

لمن كُتِبَت رسالة بطرس الأولى؟

  1. كتبت إلى المؤمنين المتغربين من شتات بُنتُس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينية (١: ١)، وهذه جميعها تقع في آسيا الصغرى.
  2. يوجد رأي ينادي بأن الرسول لم يقصد بهذه الأسماء المقاطعات بحسب حدودها الجغرافية الرسمية، فمثلا بنتس كانت ضمن مقاطعة غلاطية حتى سنة ٦٣م. وفريجية التي تشمل جزءًا كبيرًا وسط آسيا الصغرى لم تذكر بين هذه المقاطعات وقد كان غير ممكن لحامل الرسالة أن يجتاز من كبدوكية إلى آسيا دون أن يمر بفريجية، ولهذا فإنه من غير الممكن أن لا نُدخِل مسيحيّي مقاطعة فريجية ضمن قراء هذه الرسالة خاصة وأن عددهم كان كبيرًا (أع ١٨: ٢٣) لهذا فإن هذه الأسماء تؤخذ بمعنى أوسع أي يقصد بها كل آسيا الصغرى[4].
  3. كان في يوم الخمسين من يمثل بنتس وكبدوكية وآسيا (أع ٢: ٩).
  4. بُنتُس: تقع بالقرب من بحر القزم، وهي مسقط أكيلا. وإذ بدأ الرسول بها لذلك لقب العلامة ترتليان والشهيد كبريانوس والقديس چيروم هذه الرسالة بالرسالة البنطية أو الرسالة إلى أهل بنتس.
  5. كبدوكية: وهي تميل إلى غرب بنتس.
  6. آسيا: ويقصد بها مقاطعة آسيا التابعة لآسيا الصغرى، وهي موطن أكيلا المختار (أع ١٨: ٢).
  7. بيثينية: بالقرب من بنتس من جهة القسطنطينية.

زمان ومكان كتابتها

يرجح أنها كتبت ما بين سنة ٦٣، ٦٧ م أثناء اضطهاد نيرون (٥٤ – ٦٨ م).

كتبت من بابل (5: ١٣) وقد اختلفت الآراء في تحديد مدينة بابل:

  1. يكاد يجمع الرأي أنها ليست بابل التي على نهر الفرات إذ كانت خربة، كما لم يذكر التقليد أن الرسول ذهب إليها، ويبعد جدًا أن يكون القديسان مرقس وسيلا هناك.
  2. يدعي الكاثوليك أنها تشير إلى روما مستندين في ذلك إلى أن “بابل” الواردة في سفر الرؤيا تشير إلى روما، لكن ليس هناك ما يسند هذا الرأي بل ما ينقضه:

أولاً: ما الداعي لعدم ذكر الرسول اسم روما صراحةً؟

ثانيًا: ثابت تاريخيًا أن الرسول بطرس لم يصل روما قبل استشهاده بها بفترة طويلة كافية لإرسال رسالتين.

ثالثًا: ترتيب الولايات كما جاء في الرسالة من الشرق إلى الغرب مما يؤيد أن الرسالة كُتبت من مكان ما بالشرق.

  1. الرأي الأرجح أن بابل هي “بابلون” أي مصر القديمة. وقد كانت قبلاً موطنًا لجماعة من اليهود ومقر عسكر روماني لا تزال آثاره قائمة إلى يومنا هذا.

وهذا الرأي تسنده التقاليد التاريخية التي تقول بأن القديس مرقس الرسول قدم إلى مصر حوالي سنة ٦١ أو ٦٢م.

خصائص الرسالة

  1. امتازت بكثرة التشابه بينها وبين ما ورد في بعض رسائل بولس الرسول وخاصة الرسالة إلى أفسس[5]، والرسالة إلى أهل رومية[6]، والرسالة إلى أهل غلاطية[7]، والرسالة إلى تيطس[8]… ونجد تشابهًا بينها وبين الرسالة إلى العبرانيين على نطاق واسع، إذ نجد كثيرًا من الألفاظ وردت في الرسالتين دون غيرهما من أسفار العهد الجديد[9].
  2. اقتبست الرسالة الكثير من العهد القديم، وذلك لأنه رسول الختان.
  3. كثرة الإشارة إلى أقوال السيد المسيح، لأنه كان شاهد عيان لما رأي وسمع من الرب نفسه.

غاية الرسالة

  1. تشجيع المؤمنين لقبول الألم. وتعتبر هذه الرسالة من رسائل التعزيّة الرائعة، ولا يخلو أصحاح من الحديث عنه.
  2. الكشف عن الحياة المقدسة العمليّة والعلاقات المتبادلة في العائلة والمجتمع والكنيسة خلال الإيمان بربنا يسوع المتألم.

اعتراضات على كاتب الرسالة والرد عليها

تحدثنا عن الجانب الإيجابي الذي يؤكد أن الرسالة من وضع القديس بطرس الرسول، غير أن بعض النقاد قدموا اعتراضات على الكاتب، وقد قدم الدارسون ردًا عليها:

أولاً: من الجانب اللغوي:

لم يكن القديس بطرس رجلاً أميًا، لكنه في نفس الوقت ليس ذا ثقافة عالية، فقد كان صيادًا (مر 1: 16؛ لو 5: 2-3، يو 21: 3)، جاء من بيت صيدا بالجليل (يو 1: 44)، قيل عنه هو ويوحنا أمام مجمع السنهدرين “إنهما إنسانان عديما العلم وعاميان (أع 4: 13).

مع هذا فإن الرسالة تضم أجمل وأروع ما كُتب في العهد الجديد من جهة اللغة اليونانية[10]، فالفكر متقدم والعبارات سهلة وجذابة، تستخدم عبارات فنيّة رائعة كما في (3: 21)، تكشف عن غنى عظيم في المفردات، إذ بها 60 كلمة يونانيّة لم توجد في بقية أسفار العهد الجديد، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن أن تكون قد كُتبت أولاً بالآرامية، اللغة اليوميّة لشعب فلسطين في أيام السيد المسيح، ثم ترجمت إلى اليونانيّة، لأنها تحوي اقتباسات من العهد القديم مقتطفة مباشرة من الترجمة السبعينيّة[11].

يرى[12] R. knoph أن لوقا وكاتب الرسالة إلى العبرانيّين وحدهما يمكن مقارنتهما بكاتب هذه الرسالة من جهة الطابع اليوناني.

أسلوبها اليوناني أكثر سلاسة من أسلوب القديس بولس وأعلى من أن تكون للقديس بطرس[13].

والآن نقدم في اختصار الرد على هذه الاعتراضات:

  1. من جهة اللغة والثقافة اليونانيّة، فكما سبق أن قلت في مقدمة الإنجيل بحسب يوحنا إن اليهود اعتادوا أن تكون لهم حرفة، مهما بلغت ثقافتهم أو غناهم، فكان شاول الطرسوسي ضليعًا في المعرفة وله مكانته الاجتماعيّة والدينيّة وفي نفس الوقت يمارس حرفة الخيام، هكذا أيضًا سمعان بطرس وإن كان صياد سمك، فهذا لا يعني أنه ليس بذي ثقافة يونانيّة عالية، خاصة وأن موطنه هو بيت صيدا، قرية على الجانب الشرقي من الأردن ليست ببعيدة عن بحيرة جنيسارت؛ المنطقة يهوديّة لكنها تحمل طابعًا عالميًا. لهذا نجد أخاه أندراوس وأيضًا فيلبس من بيت صيدا (يو 1: 44، 12: 21) يحملان اسمين يونانيين. كل من نشأ في بيت صيدا، يفهم اليونانيّة وله معرفة بالثقافة الهيلينيّة[14].
  2. يركز كثير من الدارسين على عبارة الرسول: “بيد سلوانس الأخ الأمين كما أظن كتبت إليكم بكلمات قليلة…” (5: 12) ، متسائلين ما هو الدور الحقيقي لسلوانس الذي يدعى سيلا، ويُحسب نبيًا ورافق القديس بولس في كرازته (أع 15-18)؟

يرى البعض أنه لم يكن كاتبًا للقديس بطرس وسكرتيرًا له فحسب، كما كان أيضًا بالنسبة للقديس بولس، وإنما ككارز وخادم له دوره الحيوي في الكنيسة، ساهم مع القديس بطرس في الرسالة، من جهة اللغة وأيضًا في الفكر. وربما كان يمثل حلقة اتصال في الفكر بين الرسولين، لذا جاءت الرسالة متقاربة مع بعض رسائل القديس بولس.

يرى بعض النقاد أن سيلا أو سلوانس كان مسيحيًا من أورشليم ذا ثقافة هيلينيّة عالية، لذا كان له دوره الرئيسي كحلقة اتصال بين الرسل والناطقين باليونانيّة. هذا واضح من اختياره مع يهوذا الملقب برسابا للذهاب إلى أنطاكية وسوريا وكيليكيّة يترجم للكنائس ما نطق بها القديس يعقوب في مجمع أورشليم (15: 22 الخ.).

 

ثانيًا: من الجانب التعليمي أو اللاهوتي:

يعترض البعض على الكاتب، بالقول إنه لو كان الكاتب هو القديس بطرس الذي عاش قريبًا جدًا من السيد المسيح لما كتب بعبارات لاهوتيّة وإنما لسجل لنا ما جمعه من السيد. حقًا لقد دعا نفسه “الشاهد لآلام المسيح” (5: 1)، لكنه لم يقدم تفاصيل للآلام.

الفكر اللاهوتي هنا، في رأي بعض النقاد، إنه أقرب إلى مدرسة القديس بولس منه إلى القديس بطرس، لذا يرون إنه يمكن أن تكون من وضع أحد تلاميذ بولس وليس القديس بطرس. يرى[15] F.W. Beare أن للكاتب فكرًا خاصًا به يختلف عن فكر القديس بولس لكنه تشكل خلال كتابات بولس كتلميذ له.

ويرد على ذلك بالآتي:

  1. بالنسبة للاعتراض على نسبتها للرسول بحجة أنه لم يكتب ذكرياته أو ما جمعه عن أعمال السيد المسيح الشخصيّة، فإن كثير من الدارسين يجدون في هذا الاعتراض ما يحمل العكس، أي يحمل التأييد لنسبتها للرسول الذي كان الإنجيل واضحًا نصب عينيه، إذ هو يهتم كيف يدخل بالمؤمنين إلى الحياة المُقامة في المسيح يسوع، ويلهب قلوب المتألمين بالتطلع نحو مجيء المسيح الأخير لا إلى تقديم ذكريات شخصيّة.
  2. أما بالنسبة إلى ما تحمله الرسالة من فكر مقارب لمدرسة القديس بولس الرسول، فنود أولاً تأكيد جانبين هامين: الأول عدم تجاهل دور الروح القدس في الوحي الإلهي الذي يهب للكتاب المقدس كله وحدة واحدة. فإن كان لكل كاتب سماته الخاصة التي تميزه، لكن الروح واحد. كما يقول الرسول بطرس: “عالمين هذا أولاً أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسانٍ بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2 بط 1: 20-21). ثانيًا، أنه وإن تمايز القديسان بطرس وبولس في تقديم الفكر اللاهوتي، فلا يعني هذا التمايز اختلافًا في الفكر، بل وحدة الفكر اللاهوتي الأصيل، مع تقديمه بطريقة متمايزة حسب مواهب كل رسول وحسب احتياجات السامعين. وحدة الفكر تقوم على أساس الوحدة في جسد المسيح الواحد خلال عمل الروح القدس الواحد، وتبني التسليم الواحد المُسَلَّم مرة للقديسين.

هذا ولا ننكر أن شركة الحب العامل بين الرسل، ولقاءاتهم المستمرة في المسيح يسوع قد أعطت تفاعلاً فيما بينهم، فيتأثر كل منهم بأخيه، مع وجود القاعدة الإيمانيّة الأساسيّة الثابتة. ففي الرسالة إلى أهل غلاطية يتحدث القديس بولس بكل وضوح: “ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضًا إلى أورشليم… صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً” (غلا 2: 1-2). وفي نفس الوقت يقول: “ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملومًا” (غل 2: 11).

هذا ويرى[16] J.W.C. Wand في الرسالة غياب التعاليم البولسيّة مثل التبرير، والناموس، وآدم الجديد، والجسد؛ مع ظهور الملامح الخاصة بفكر القديس بطرس بوضوح مثل فيض الاقتباسات من العهد القديم، والشعور الكنسي والتاريخي، والشعور بالسيد المسيح. إن كان لا يمكن وضع الفكر اللاهوتي الخاص بالقديس بطرس بطريقة علميّة معينة، لكنه متمايز عن الفكر البولسي[17]. فمن ملامح الرسالة الرئيسيّة انطباع قيامة السيد المسيح، التي تلامس معها القديس بطرس، على كل رسالة، خاصة في التعليم بنزول السيد المسيح إلى الجحيم (السجن) ليكرز للأموات مبشرًا إياهم بتحقيق ما ماتوا عنه على الرجاء (3: 19).

ثالثًا: من الجانب التاريخي

يعترض البعض كيف يمكن أن يكون الكاتب هو بطرس الرسول، بينما يحدث الكاتب المسيحيّين المُضطهدين (1: 6؛ 2: 12، 15؛ 4: 12، 14-16؛ 5: 8-9)، بكونهم مُضطهدين من أجل اسم المسيح. هذا يفترض أن المسيحيّة في ذلك الوقت كانت تُحسب جريمة في ذاتها يُعاقب عليها رسميًا، وأن الأمر ليس مجرد ضيق فردي أو من جماعات غير مسئولة. ويرى بعض النقاد من الجانب التاريخي إنه وإن كان الاضطهاد النيروني قد أثُير ضد المسيحيّين في روما، فإن هذا الاضطهاد في نظرهم لم يمتد إلى البلاد المذكورة في هذه الرسالة (بنطس، غلاطية، كبادوكية، آسيا، بيثينيّة)، لهذا فإن هذه الرسالة، في نظر هؤلاء النقاد، كُتبت إما في أثناء اضطهاد دومتيان أو تراجان بينما استشهد القديس بطرس مبكرًا في عهد نيرون.

يؤيد ذلك، غي نظر الناقدين، التقارب بين ما جاء في هذه الرسالة وما جاء في رسالة بليني Pliny للإمبراطور تراجان[18].

يُرَد على ذلك بالآتي:

  1. من جهة افتراض أن الاضطهادَ المذكور في الرسالة هو اضطهادٌ شامل ورسمي لا يناسب عهد نيرون بل دوميتان، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، لأنه وإن وُجد استشهاد لعدد قليل من المسيحيّين في روما مثل فلافيوس كليمندس ودوميتلا في عهد دوميتان، إلاّ أنه لا يوجد دليل قاطع على قيام اضطهاد شامل في المقاطعات المذكورة في الرسالة، الأمر الذي يصعب معه اعتبار الكاتب معاصرًا لعهد دوميتان.
  2. ليس من ضرورة تُلزم بأن الاضطهاد المذكور في الرسالة اضطهاد رسمي ضد المسيحيّين. فإن كان الرسول يذكر أنهم تألموا من أجل اسم المسيح (4: 14)، هذا لا يعني لأنهم يُدعون مسيحيّين، فإن المؤمنين منذ البداية يعتبرون كل ألم يصيبهم هو من أجل اسم المسيح. هذا بالإضافة إلى أن اسم “مسيحيين” لم يكن قد انتشر بعد في هذه المقاطعات.
  3. لا يمكن قبول نظريّة بعض النقاد بأن هذه الرسالة كُتبت في عهد تراجان، بسبب التشابه بينها وبين مراسلات بليني الوالي للإمبراطور والتي يكشف عن وضع المسيحيّين، وذلك للأسباب التالية:

أ. ما جاء في بليني لا يكشف عن اضطهاد شامل في كل موضع، أما ما جاء في الرسالة هنا (5: 9) فيعلن عن ضيق يحل بالمسيحيّين أينما وجدوا.

ب. ما جاء في بليني يظهر أن ما يحل بالمسيحيّين ليس بالأمر الجديد، لكنه عمل ممتد من الماضي، أما ما جاء في رسالة القديس بطرس فيظهر كخبرة جديدة (4: 12).

  1. ليس ما يمنع من قبول أن الاضطهاد المذكور في الرسالة كان في عهد نيرون، فإن كان ليس هناك من دليل على امتداد الاضطهاد في كل المقاطعات، لكن العلامة ترتليان يقدم لنا تقريرًا عن الـ “Institutum Neronianum” جاء فيه أن المسيحيّين لا يحميهم القانون[19]، (وإن كنا لا نجد ما يؤكد ذلك).على أي الأحوال، بلا شك كانت المقاطعات المذكورة في الرسالة على علاقة بالعاصمة روما، وما حلّ بالمسيحيّين في روما قد بلغ هذه المقاطعات، وكان له أثره على التعامل مع المسيحيّين في كل موضع، بالرغم من عدم صدور منشور رسمي بالاضطهاد. ما جاء في الرسالة لا ينفي قبول هذه النظريّة[20].
  2. هل من ضرورة تلزم بأن ما جاء في الرسالة يعني اضطهادًا رسميًا من الدولة الرومانيّة؟ ما جاء في الجزء الأول من الرسالة يتحدث عن الآلام بصفة عامة (1: 6، 7؛ 3: 13-17) أما ما ورد في نهاية الرسالة فيكشف عن مقاومة شديدة وضيقة مرّة حلت بهم، إذ يقول: أيها الأحباء لا تسغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب” (4: 12). غير أن هذا لا يعني بالضرورة دخولهم تحت ضيق الاستشهاد بسفك دمهم بأمر إمبراطوري، إنما هو انعكاس لنظرة المواطنين إليهم بطريقة ممقوتة.

لعل قوله “البلوى المحرقة” يشير إلى ما كان يفعله نيرون حيث استخدام المسيحيّين كمشاعل في الطرق بحرقهم بالنار، وربمًا يعني رمزيًا الضيق المرّ الذي يجعل الإنسان كمن يحترق.

 رابعًا: في قول الرسول: “الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ”. ما جعل البعض يتشكك في أن يكون الكاتب هو بطرس الرسول، خاصة أن القديس بطرس لم يشاهد آلام السيد المسيح بينما يقول هنا “والشاهد لآلام المسيح”، فيرد على ذلك بالآتي:

  1. إن كلمة “شيوخ” في اليونانية “presbyteroi” وتعني “كهنة” أيُا كانت درجتهم (أساقفة أو قسوس أو شمامسة)؛ والقديس بطرس وهو رسول يحمل “الكهنوت”. كان هذا اللقب يطلق على الرسل حتى أيام بابياس[21]، فلا يعني في الكنيسة الأولى لقبًا أقل. لهذا يدعو الرسول يوحنا نفسه الشيخ “presbyteros” (2 يو 1، 3 يو 1).
  2. يرى H. Windish أن الرسول بطرس تحدث هكذا كواحدٍ بين الشيوخ بروح التواضع، غير مميزٍ نفسه عنهم، ويرى Selwyn أن الرسول بطرس كتب هذا تعاطفًا مع قارئيه.
  3. إن كان الرسول بطرس لم يعاين كل آلام السيد، لكنه هو شاهد لها بمعاينته نصيبًا منها.

أقسام الرسالة

  1. الخلاص والآلام الأصحاح الأول.
  2. علاقتنا بالمسيح صخرتنا الأصحاح الثاني.
  3. علاقاتنا الاجتماعية في الرب يسوع الأصحاح الثاني.
  4. علاقاتنا العائلية في الرب يسوع الأصحاح الثالث.
  5. علاقاتنا بالمضايقين في الرب يسوع الأصحاح الثالث.
  6. الضيق وحياة القداسة الأصحاح الرابع.
  7. علاقاتنا الكنسية في الرب يسوع الأصحاح الخامس.

 

[1] قارن رسالة برنابا ١: ٥ مع ١ بط ٩ – ٤: ١٢ مع ١: ١٧ – ٥: ١ مع ١: ٢ – ٥: ٦ مع ١: ١١ – ١٦: ١٠ مع ٢: ٥.

[2] قارن رسالة إكليمنضس أسقف روما (طبعة ١٩٦٨) ٧: ٤ مع ١ بط 3: 20 – ٩: ٤ مع ٣: ٢٠ – ٣٦: ٢ مع ٢: ٩ – ٣٠: ٢ مع ٥: ٥ – ٤٩: ٥٠ مع ٤: ٨.

[3] راجع كتاب الراعي لهرماس ٣: ٥، ٤: ٣، ٤.

[4] دراسات في رسالة بطرس الأولى للدكتور موريس تواضروس.

[5] قابل ١ بط ١: ١-3 مع أف ١: ١–٣؛ ١: ٢٠ مع ١: ٤؛ ٢: ٩ مع ١: ١٤؛ ٣: ٢٢ مع ١: ٢١؛ ٢: ٥ مع ٢: ٢١، ٢٢؛ ٣: ١–٦ مع ٥: ٢٢–٢٤.

[6] قابل ١ بط ١: ٢١ مع رو ٤: ٢٤؛ ٤: ١ مع ٦: ٦، ٧؛ ٢: ٢٤ مع ٦: ١١؛ ٥: ١ مع ٨: ١٨؛ ٣: ٢٢ مع ٨: ٣٤، ٢: ٥ مع ١٢: ١؛ ١: ١٤ مع ١٢: ٢؛ ٤: ١٠، ١١ مع ١٢: ٣ – ٨؛ ١: ٢١ مع ١٢: ٩؛ ١٠، ٣: ٨ – ١٢ مع ١٢: ١٤ – ١٩؛ ٣: ١٣، ١٤ مع ١٣: ١ – ٤؛ ٢: ٦، ٧ مع ٩: ٣٣.

[7] قابل ١ بط ١: ٤ مع غلا ٣: ٢٣؛ ٢: ١٦ مع ٥: ١٣.

[8] قابل ١ بط ١: ١ مع تي ١: ١؛ ٢: ٩ مع ٢: ١٤؛ ١: ٣ مع ٣: ٥؛ ٣: ٧ مع ٣: ٧؛ ١: ١٨ مع ٢: ١٤.

[9] راجع دراسات في رسالة بطرس الرسول الأولى للدكتور موريس تواضروس.

[10] A.. C. R. Leany: The New Testament., 1972, p. 195.

[11] Oscar Cullmann: The New Testamen, SCM, 1968, p. 98.

[12] Die Biefe und Juda, 1912, p. 16.

[13] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 784.

[14] Oscar Cullmann: The New Testamen, SCM, 1968, p. 98, 99.

[15] M. Dibelius: A Fresh Approach to the New Testament and the Early Christian Literature, 1936, p.188.

[16] The General Epistles of St. Peter and St. Jude, 1934, p. 17f.

[17] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 785.

[18] B. H. Streeter: The Primitive Church, p. 122f.

[19] Ad Nationes VII.

[20] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 783.

[21]Eusebius: H.E. 3:39:4.

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الخامس: إمكانيات الإيمان

 

في هذا الأصحاح يتحدث الرسول عن قوة الإيمان بربنا يسوع المسيح ابن اللَّه:

    1. الإيمان والحب ١ – ٣.
    2. الإيمان وحياة النصرة ٤ – ٥.
    3. أساس الإيمان والشهادة له ٦ – ١٠.
    4. الإيمان وعطية الحياة الأبدية ١١ – ١٣.
  1. الإيمان واستجابة الصلاة ١٤ – ١٥.
  2. المؤمنون وصلاتهم من أجل إخوتهم ١٦ – ١٨.
  3. المؤمنون ينالون بصيرة المعرفة ١٩ – ٢٠.
  4. الإنذار الأخير ٢١.
  5. الإيمان والحب

كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من اللَّه.

وكل من يحب الوالد يحب المولود منه” [1].

بعدما تحدث الرسول عن الحب. ربط بين الإيمان والميلاد الفوقاني والحب. فميلادنا الثاني يقوم على أساس إيماننا بربنا يسوع أنه هو المسيح، الذي صالحنا مع أبيه، وربطنا به، فصارت لنا بالمعمودية البنوة للآب والحب له. وحبنا للآب يدفعنا لمحبة الابن، ذلك كما أنه [ليس لنا حب في داخلنا تجاه اللَّه الآب إلاَ خلال الإيمان بابنه[1].]

وحبنا للَّه يدفعنا لمحبة إخوتنا، كما أن حبنا للإخوة لا يكون حقيقيًا خالصًا إلاَ على أساس حبنا للَّه خلال وصاياه. “بهذا نعرف أننا نحب أولاد اللَّه، إذا أحببنا اللَّه، وحفظنا وصاياه” [2]. بهذا نقبل الجسد بقبولنا الرأس.

  1. الإيمان وحياة النصرة

قد يسأل أحد: ومن يقدر أن ينفذ وصايا اللَّه؟ من يقدر أن يغلب محبة العالم بكل مغرياته وضيقاته؟ خلال إيماننا بربنا يسوع الذي غلب والذي لا يزال يغلب بعمله فينا وسيغلب. فإذ نختفي فيه يصير الطريق سهلاً، والحمل الثقيل هينًا، وإغراء العالم كلا شيء، وضيقات العالم موضوع سرورنا.

ووصاياه ليست ثقيلة.

لأن كل من وُلد من اللَّه يغلب العالم.

وهذه الغلبة التي تغلب العالم إيماننا.

من هو الذي يغلب العالم، إلاَ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن اللَّه![4-5].

ويعلق الأب ثيوناس:

[كل من يتسلق مرتفعات الكمال الإنجيلي يرتفع إلى أعالي الفضيلة متخطيًا كل قانون، ناظرًا إلى أن ما قد أمر به موسى على أنه أمر بسيط سهل، مدركًا أنه بخضوعه لنعمة المخلص يصل إلى تلك الحالة التي هي في غاية السمو.

وعلى هذا لا يكون للخطية سلطان عليه، “لأن محبة اللَّه قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا” (رو ٥: ٥). بهذا ينزع عنه كل اهتمام بأي أمر آخر، ولا يرغب في صنع ما هو ممنوع عنه، أو يهمل فيما قد أُمر به، لكن إذ يكن كل هدفه وكل اشتياقه في الحب الإلهي على الدوام، لا يقع في التلذذ بالأمور التافهة، بل ويطلب الأمور المسموح بها…[2]

لا تهلك جذور الخطية تحت الناموس، إنما تحت النعمة ليس فقط تُبتر أغصان الشر، إنما تقتلع أيضًا جذوره التي للإرادة الشريرة[3].]

ويقول القديس كيرلس الكبير: [والحق يقال أنه لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس إلاَ الابن يسوع المسيح الذي سكن المغارة، فكافحه كفاحًا شديدًا، وهو على صورتنا. ولذلك انتصرت الطبيعة البشرية في يسوع المسيح ونالت إكليل الظفر والغلبة… انتصر المسيح على الشيطان وتوّج هامة الطبيعة البشرية بإكليل المجد والظفر[4].]

  1. أساس الإيمان والشهادة له

هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح،

لا بالماء فقط بل بالماء والدم.

والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق [6].

يقوم إيماننا على أساس دم المسيح، وموتنا ودفننا معه بالمعمودية. هنا يميز الرسول بين معمودية يوحنا التي بالماء لمغفرة الخطايا (يو 1: 31) ومعمودية السيد المسيح التي بالماء والروح، حيث ندفن مع المسيح، ونقوم أيضًا بإنسان داخلي جديد على صورة ربنا يسوع. هذه هي المعمودية التي تقوم على صليب السيد المسيح.

يقول القديس أمبروسيوس: [كانت مارة عين ماء شديدة المرارة، فلما طرح موسى الشجرة أصبحت مياهها عذبة. لأن الماء بدون الكرازة بصليب ربنا لا فائدة منه للخلاص العتيد. ولكن بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ أنه كما ألقى موسى النبي الخشبة في تلك العين، هكذا أيضًا الكاهن ينطق على جرن المعمودية بشهادة صليب ربنا فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة[5].]

هذه المعمودية يشهد لها الروح وشهادته حق، ليست شهادة كلام، بل بالعمل إذ هي عمله، وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [حينما تدخلون في الماء لا تجدون بعد ماء بسيطًا بل تنتظرون خلاصًا بالروح القدس، لأنكم تستطيعون بلا مانع أن تصلوا للكمال[6].]

فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة:

الآب والكلمة والروح القدس.

وهؤلاء الثلاثة هم واحد” [7].

يشهد الثالوث القدوس لقوة المعمودية في العهد الجديد، وذلك كما رأينا في عماد ربنا يسوع، الذي منه استمدت قوتها.

والمعمودية هي من اختصاص الروح القدس واهب الغفران والشركة، فيربطنا بالثالوث القدوس. وتقوم على عمل الثالوث، إذ تقوم على صليب المسيح. فالآب أحبنا وأسلم ابنه، الابن بذل ذاته على الصليب حيث طُعن ربنا فخرج دم وماء (يو 19: 34)، على أساسهما قامت المعمودية.

فشهادة الثالوث القدوس ليست كلامًا، بل شهادة إيجابية. شهادة عمل وبذل من أجل الإنسان لكي يحيا كابن للَّه. هذه الشهادة السماوية تلازمها شهادة في الأرض إذ يقول الرسول:

والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة:

الروح والماء والدم والثلاثة واحد [8].

يقول القديس أمبروسيوس: [الشهود الثلاثة في المعمودية: الماء والدم والروح هم واحد. لأنك إن انتزعت واحدًا منها لما وجد سرّ المعمودية. لأنه ما هو الماء بغير صليب المسيح؟! عنصر مادي بدون أي فعل سري! كما أنه لا يوجد سرّ التجديد بدون ماء لأنه “إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه” (يو ٣: ٥)[7].]

ويقول القديس أغسطينوس:

[وإذ قال أن الثلاثة في الواحد أوضح أنه لا يقصد بالروح والماء والدم المفهوم العام بل هي أمور سرية.

لأن مادة الروح ومادة الماء ومادة الدم ليسوا واحدًا. ولكن كما نقول مثلاً أن الصخرة والماء هما واحد قاصدين بالصخرة المسيح وبالماء الروح القدس.

من يشك في أن الصخرة والماء هما مادتان مختلفتان، لكن إذ السيد المسيح والروح القدس طبيعة واحدة نقول أن الصخرة والماء واحد.

إننا نعلم أن ثلاثة خرجوا من جسد ربنا وهو معلق على الصليب.

أ. الروح إذ كتب “ونكس رأسه وأسلم الروح” (يو ١٩: ٣٠).

ب، ج. وعندما طُعن خرج منه دم وماء.

هذه الثلاثة مختلفو المادة ومتميزون، فهم ليسوا بواحد. إنما الوحدانية هنا تحمل معنى أن جسد المسيح السري أي الكنيسة يثبت في الثالوث القدوس ويكرز به.

فالروح نفهم منها ما جاء أن “اللَّه روح” (يو ٤: ١٤)، والدم يعني الابن الذي صار جسدًا (يو ١: ١٤)، والماء يشير إلى الروح القدس كقول ربنا (يو ٧: ٣٨)…

أما عن كون الثالوث القدوس شاهدًا، فهذا ما لا يشك فيه كل من يؤمن بالإنجيل، إذ يقول الابن “أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الآب الذي أرسلني” (يو ٨: ١٨). “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي” (يو ١٥: ٢٦).

هؤلاء الشهود الثلاثة هم واحد، طبيعة واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد[8].]

إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة اللَّه أعظم،

لأن هذه هي شهادة اللَّه التي قد شهد بها عن ابنه [9].

في أمور كثيرة نتقبل شهادة الناس فكم بالأولى تكون شهادة الآب عن ابنه، الذي شهد له في عماده، وفي تجليه وعند موته بإقامته من الأموات.

من يؤمن بابن اللَّه فعنده الشهادة في نفسه.

من لا يصدق الله فقد جعله كاذبًا،

لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها اللَّه عن ابنه [10].

إيماننا باللَّه يجعلنا في غنى عن للشهادة الخارجية، بل يشهد روح اللَّه فينا شهادة عملية اختبارية، فنثق في كلمة اللَّه بغير تشكك.

أما من لا يصدق اللَّه فيجعله كاذبًا”، ليس لنا أن نسأل “كيف؟” بل نقبل ما ورد في الكتاب المقدس بإيمان.

  1. الإيمان وعطية الحياة الأبدية

“وهذه هي الشهادة أن اللَّه أعطانا حياة أبدية،

وهذه الحياة هي في ابنه.

“من له الابن فله الحياة،

ومن ليس له ابن اللَّه فليست له الحياة.

“كتبت الكم هذا لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية،

ولكي تؤمنوا باسم ابن اللَّه” [11-13].

هذا هو غاية إيماننا أن نتمتع بالحياة الأبدية. هذه هي الحياة ليست مجرد عطية من اللَّه، بل ابن اللَّه ذاته هو حياتنا “هذه الحياة هي في ابنه“.

هذا هي غاية التجسد. جاء ربنا كبكرٍ لنا، مات وقام وبصعوده حملنا فيه، إذ ارتفع الإله المتأنس إلى أعالي السماوات، حيث ارتفعت أمامه الأبواب الدهرية، ووقفت الطغمات السمائية مبهورة أمام المجد الموهوب لبني البشر في شخص الإله المتأنس، لأنه حيث يكون البكر يرتفع فيه وبه أعضاء جسده السري ويحيون هناك إلى الأبد[9].

  1. الإيمان واستجابة الصلاة

هذه هي الثقة التي لنا عنده،

 أنه إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا [14].

يقول الأب اسحق:

[إنه يأمرنا أن تكون لنا ثقة كاملة بغير ارتياب من جهة استجابة الطلبات التي ليست من أجل نفعنا (الأرضي) أو راحتنا الزمنية، إنما تطابق مشيئة ربنا. وتعلمنا الصلاة الربانية هذا، إذ نقول “لتكن مشيئتك” أي ليس حسب مشيئتنا نحن.

فإن تذكرنا كلمات الرسول: “لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي” (رو ٨: ٢٦)، ندرك أننا أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا، وبواسطة العناية الإلهية تُرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن.

وهذا ما حدث مع معلم الأمم عندما صلى أن ينزع عنه ملاك الشيطان الذي سمح به ربنا لأجل نفعه. “من أجل هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال: تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل” (٢ كو ١٢: ٨-٩)[10].]

وإن كنا نعلم أنه يسمع لنا مهما طلبنا،

نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها [15].

فالمؤًمن الذي يتجاوب مع روح اللَّه يتعلم ماذا يطلب، لذلك فكل ما يطلبه إذ هو حسب مشيئة اللَّه يستجيب ربنا له.

  1. المؤمنون وصلاتهم من أجل إخوتهم

“إن رأى أحد أخاه يخطئ ليست للموت،

يطلب فيعطيه حياة للذين يخطئون ليس للموت.

توجد خطية للموت.

ليس لأجل هذه أقول أن يطلب” [16].

يقول القديس أغسطينوس:

[واضح هنا أن هناك إخوة لا نصلي من أجلهم مع أن ربنا يوصينا أن نصلي حتى من أجل الذين يضطهدوننا. فخطية الأخ هنا أشر من كل خطية المضطهد لنا. وواضح أن كلمة “أخ” هنا تعني الإنسان المسيحي كما في 1 كو ٧: 14-15… إنني أفترض أن خطية الموت هنا هي مقاومة الإنسان للحب الأخوي وامتلاء قلبه بالكراهية ضد النعمة التي بها تصالحنا مع اللَّه بعدما تعرفنا على اللَّه بنعمة ربنا يسوع المسيح. (أي مقاوم في داخل الكنيسة فيفقدهم نعمة الرب).

أما الخطية التي ليست للموت فهي ألا يقوم الإنسان بواجبات الحب الأخوي عن ضعف في الروح

ونلاحظ أن الرسول بولس لم يصلِ من أجل إسكندر، وأحسب أن السبب هو أنه كان مسيحيًا أخطأ خطية الموت، إي كان مقاومًا لشركة الروح بالبغضة... إذ يقول “إسكندر النحاس أظهر شرورًا كثيرة ليجازه الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا لأنه قاوم أقوالنا جدًا” (٢ تي ٤: 15). أما الذين يصلي من أجلهم فيقول عنهم “في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني. لا يحسب عليهم” (٢ تي ٤: 16).]

ولعله لهذا السبب كانت الكنيسة تصلي ضد المبتدعين المصرين على عدم التوبة ليس انتقامًا لأنها كعريسها لا تحب الانتقام، إنما خوفًا على أولادها البسطاء الذين يخدعهم هؤلاء المبتدعين أمثال أريوس ونسطور…

ويرى تقليد الآباء اليونان أن الخطية التي للموت هي التي يصر عليها مرتكبيها بغير توبة. لهذا لا تصلي الكنيسة من أجل المنتحرين لأنهم أصروا على يأسهم إلى النهاية.

هذا ونلاحظ أن الرسول لم يأمر بعدم الصلاة من أجل الذين يخطئون خطية الموت إنما لم يطلب منهم أن يصلوا، تاركًا للمؤمن الأمر.

كل إثم هو خطية، وتوجد خطية ليست للموت [17].

كلمة “إثم” كما جاءت في اليونانية تعني اعتداء الإنسان على حق الغير، وكلمة “خطية” تعنى مخالفة إرادة اللَّه ووصاياه. فكل اعتداء على حق الآخرين هو خطية لأنها تخالف إرادة اللَّه، إذ يريد الحب بيننا.

ولكن هناك خطايا ليست للموت، ليس لأن طبيعتها هكذا، لكن لصدورها عن ضعف بغير إرادة أو عن جهل رغم توبتنا المستمرة. وهذه الخطايا ليست غير ملومة، ولا تعني أننا لا نتوب عنها. لهذا في كل يوم نصلي قائلين: “واغفر لنا ذنوبنا”

  1. المؤمنون وهبوا بصيرة المعرفة

أ. “نعلم أن كل من وُلد من اللَّه لا يخطئ،

بل المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه [18].

وقد سبق[11] أن رأينا أن المولود من اللَّه يدرك إمكانيات الولادة الجديدة، وهي أنه كابن لا يخطئ ما دام ثابتًا في أبيه، لكن في اللحظة التي فيها ينسى بنوته، وينحرف قليلاً عن أبيه يسقط. وهنا يطلب الرسول من المولود من اللَّه أن يجاهد “يحفظ نفسه“. وإذ يرى الشرير (الشيطان) ثباته في اللَّه وجهاده لا يقدر أن يمسه.

ب. نعلم أننا نحن من اللَّه والعالم كله قد وضع في الشرير [19].

 يدرك أولاد اللَّه أنهم من اللَّه، ليس بالكلام إنما بالحياة معه. ويتطلعون إلى “العالم كله” وهنا لا يقصد كل البشرية، إنما الذين أحبوا العالم وتعلقوا به أنهم قد اختاروا ملكوت الشرير.

ج. “ونعلم أن ابن اللَّه قد جاء،

وأعطانا بصيرة لنعرف الحق.

ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح،

هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية [20].

يعلم المؤمن من هو ربنا يسوع. إنه الحق واهب الحياة. هذه هي البصيرة الداخلية التي بها تعاين النفس ربنا يسوع أنه كل الحق فتشبع منه، وأنه مصدر حياتها، فتثبت فيه ولا تريد أن تفارقه.

الإنذار الأخير

“أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام [21].

يذكرنا هنا بنسبنا للَّه “أيها الأولاد“، أي يا أولاد اللَّه، لا يليق بكم أن تسلموا أنفسكم لغير أبيكم “لأن” الأصنام هي تسليم القلب الذي للرب لغيره.

إنه يذكرنا بمركزنا كأولاد للَّه طالبًا أن تتقدس قلوبنا له. وفي نفس الوقت يشجعنا على المثابرة والجهاد “احفظوا أنفسكم” حتى لا نقبل شيئًا أو أحدًا أن يحتل مكان اللَّه في قلوبنا.

بركة ربنا وإلهنا بصلوات أبينا الحبيب القديس يوحنا وجميع القديسين تحفظنا إلى الأبد. آمين.

[1] القديس هيلاري أسقف بواتييه: الثالوث ٦: ٤٢.

[2] ضرب أمثلة كثيرة لم أوردها.

[3] مناظرات القديس يوحنا كاسيان، 1968، ص ٥٥٠ – ٥٥٢.

[4] الحب الإلهي، 1967، ص ٢٩٦.

[5] الحب الإلهي، 1967، (سرّ الميلاد الجديد) ص ٨٥٩.

[6] الحب الإلهي، 1967،  ص ٨٥١.

[7] الحب الإلهي، 1967،  ص ٨٦٠.

[8] Cf. St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.                   

[9] راجع مقال “عيد الصعود والحب الإلهي” في كتاب الحب الإلهي، 1967،  ص ٧٣٠ – ٧٤٧.

[10] مناظرات القديس يوحنا كاسيان، 1968، ٩: ٣٣.

[11] راجع تفسير ١ يو ٣: ٦ – ٩.

 

تفسير رسالة يوحنا الأولى 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع: المحبة والحكمة

 

  1. المحبة والحكمة: الحب يعني رفضنا ما يضاد روح الرب ١ – ٦.
  2. المحبة الحقيقية مصدرها الصليب                                ٧ – ١١.
  3. كيف نتذوق المحبة؟

 أ. خلال حبنا لإخوتنا                                                            ١٢ – ١٦.

 ب. خلال انتظارنا يوم الرب بفرح                                         ١٧ – ٢١.

  1. المحبة والحكمة

أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح،

بل امتحنوا الأرواح هل هي من عند اللَّه،

لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم” [1].

يهب الحب للإنسان بساطة، فيصدق كل شيء. لكن ينبغي أن يكون ملازمًا له روح التمييز أو الحكمة، حتى لا ينخدع الإنسان بالمعلمين الكذبة، الذين يأتون تحت اسم “المسيح” ويتسترون بكلمة “المحبة” ليخفوا اسمهم في بريق كلمات جذابة وفلسفة باطلة، مدعين أنهم مرشدين بالروح القدس.

ولقد حذرنا ربنا من هؤلاء قائلاً: “انظروا لا يضلكم أحد فإن كثيرين سيأتون باسمي… ويضلون كثيرين” (مت 14: 4-5).

ويحذرنا سليمان الحكيم ألا نشرب من ماءٍ غريبٍ، مهما بدا عذبًا وحلوًا وظهر مقدسًا (أم 9: 18)، وقد أشار ربنا عن الروح القدس بالماء (يو 7: 37). إذن، لنحذر ممن يدعون أنهم مرشدون بالروح وهم غرباء عن الكنيسة.

لقد خاف الرسول على الكنيسة من أمثال هؤلاء قائلاً: “فإني أغار عليكم غيرة اللَّه، لأني خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح. ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح. فإنه إن كان الآتي يكرز بيسوع آخر لم نكرز به، أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه أو إنجيلاً آخر لم تقبلوه…” (٢ كو 11: 2-4). إنه يخشى خلال بساطتها تتقبل مسيحًا آخر أو روحًا آخر أو إنجيلاً آخر، وهو ليس آخر ولكن يعلنونه بفهمهم الخاص وأهوائهم (غل 1: 6-9). والخطير فيهم أنهم “يغيرون شكلهم كخدام للبرّ” (٢ كو 11: 15).

يقول الأب موسى: [يلزمنا أولاً أن نختبر بكل حرص كل فكر يدخل إلى قلوبنا، وكل تعليم نقبله، لنرى إذا كان قد تنقى بنار الروح القدس الإلهي السماوي، أو ينتمي إلى خزعبلات اليهود، أو هو ثمرة كبرياء الفلسفة البشرية التي ليس لها إلاَ سطحيات التدين. فينخدع البعض بهذا النوع، إذ يغويهم حسن التنسيق وتجذبهم التعاليم الفلسفية التي تخدع لأول وهلة بما فيها من بعض المعاني الورعة التي تتفق مع الدين… ومن جهة أخرى يلزمنا أن نحرص لئلا يُوضع أمامنا تفسيرًا خاطئًا للذهب النقي الذي هو الكتاب المقدس فنُخدع[1].]

لكن قد تسأل: وما هي علامات الروح الحقيقي؟

بهذا تعرفون روح اللَّه.

كل روح يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فهو من اللَّه.

وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من اللَّه.

وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي والآن هو في العالم” [2-3].

المعلم الحقيقي هو الذي يشهد للسيد المسيح الذي جاء إلى العالم ليخلصنا.

توجد بدع كثيرة لم تنكر مجيء ربنا يسوع في الجسد، لكن منها من أنكر لاهوته أو لاهوت الروح القدس مثل الأريوسية أو أتباع سابليانوس، فهل هذه البدع من اللَّه؟

إنهم بلا شك ليسوا منا، وإلا ما كانوا خرجوا عنا. لقد خرجوا عن الكنيسة جسد المسيح الواحد، وصار لهم إيمان مخالف وفكر مغاير، وبهذا صاروا ضد المسيح حتى ولو نسبوا أنفسهم له.

والآن بعدما بلغ في الخارج عدد الطواِئف ما يقرب من ٦٠٠ طائفة، الكل يؤكد أن إيمانه هو إيمان الكنيسة السليم، فكيف نتحقق الإيمان الحقيقي الخالص من الإيمان المزيف؟

لنعد إلى إيمان الكنيسة الواحد بروح الكنيسة وفكرها الواحد من أقصى المسكونة إلى أقصاها قبل الانقسام في مجمع خلقيدونية المشئوم (في القرن الخامس) فإن الكنيسة خلال الأربعة قرون الأولى، بالرغم من انتشارها شرقًا وغربًا، ومع اختلاف البيئات وتعدد الإيبارشيات وكثرة الرعاة وضخامة الكتابات المسيحية إلاَ إنها تمتاز بوحدة الفكر، فلا عجب إن رأينا كتابات القديسين باسيليوس الكبير أسقف قيصرية وهيلاري أسقف بواتيه ويوحنا الذهبي الفم أسقف القسطنطينية وأثناسيوس الرسولي أسقف الإسكندرية والبابا كيرلس الكبير الخ. آلاف من الآباء القديسين كتبوا وفسروا وبعثوا رسائل لبعضهم البعض أو لرعاية شعبهم. وكأن الكل قد تتلمذ في مدرسة واحدة بفكرٍ واحدٍ.

هذا هو الحق الذي تشربته الكنيسة الواحدة وتتشربه جيلاً بعد جيلٍ، فيه نتتلمذ لآبائنا بغير كبرياء ولا تشامخ أو اعتداد بالذات. هذا ما دفع بالكثيرين إلى نشر كتابات الآباء الأولين.

إذن لنحذر من المخادعين الذين يعتمدون على قدرتهم الذاتية في الإقناع الشخصي ومظهرهم الخارجي، ولا نخف أو نضطرب لأنه كما يقول الرسول:

أنتم من اللَّه أيها الأولاد وقد غلبتموهم،

لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم [4].

هكذا يشجعنا الرسول، لأن الذي فينا روح الحق الذي لا ينهزم، به صرنا أعضاء في جسد المسيح السري، هذا الذي قال: “أنا قد غلبت العالم” (يو 16: 33)، وبه صار لنا روح الغلبة والنصرة ضد الشر.

هم من العالم، من أجل ذلك يتكلمون من العالم، والعالم يسمع لهم” [5].

إنهم من العالم. وهنا لا يقصد كل سكان العالم، بل الذين تعلقت قلوبهم بمحبة الأمور الزمنية. لذلك فإن دوافعهم في الكرازة دوافع زمنية، “يتكلمون من العالم”، إمّا لمكسب مادي أو سياسي (كما نرى للأسف في بعض الإرساليات الأجنبية)، أو بدوافع الاعتداد بالذات وحب الظهور. هؤلاء يستخدمون الخدع المنمقة والمظهر المملوء لينًا ولطفًا دون أن يكون لهم الحب في الداخل.

نحن من اللَّه، فمن يعرف اللَّه يسمع لنا،

ومن ليس من اللَّه لا يسمع لنا.

من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال” [6].

يضع الرسول “الاستماع لنا” هو الحد الفاصل بين روح الحق وروح الضلال، وماذا يعني كلمة “لنا” إلاَ التلاميذ والرسل الذين سلموا الإيمان للكنيسة نقيًا. ليت الكل يرجع إلى الإيمان الرسولي المسلم للقديسين، رافضين كل فكر فلسفي محدث.

2.المحبة الحقيقية مصدرها الصليب

أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضًا،

لأن المحبة هي من اللَّه،

وكل من يحب فقد ولد من اللَّه ويعرف اللَّه.

ومن لا يحب لم يعرف اللَّه، لأن اللَّه محبة[7-8].

يقول الرسول “لنحب” وليس “لنحاول أن نحب”، لأنه قد وهبت لنا إمكانية الحب الذي من اللَّه. بهذا الحب نتمثل بأبينا إذ هو “محبة“.

يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [اللَّه محبة وينبوع كل حب… كذلك جعل الخالق المحبة من سماتنا قائلاً: “بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضًا لبعض” (يو 13: 35). فإن لم توجد فينا المحبة، نكون قد غيرنا الخاتم الذي به نتشكل بشكل اللَّه[2].]

ويقول يوحنا الدرجي: [إن من يود أن يتكلم عن الحب، التزم أن يتكلم عن اللَّه ذاته. فالمحبة المقدسة هي مشابهة اللَّه على قدر ما يستطيع البشر.]

ويقول القديس أغسطينوس: [يمكن للإنسان أن يعتمد ومع ذلك لا يتجاوب مع عمل الروح القدس الساكن فيه، وربما ينال روح النبوة ويتنبأ مثل شاول (١ صم ١٩: 23). وقد يتناول من جسد ربنا ودمه بغير استحقاق (١ كو 11: 29) وقد ينسب نفسه للمسيح فيُجدف على اسم اللَّه بسببه… ولكن أمر واحد لا يقدر عليه وهو أن يبقى فيه الشر ويحب، لأن من يحب حبًا مصدره اللَّه، لا يقدر أن يتمسك بعد بشره. هذا هو الحب الحقيقي الذي أعلنه اللَّه.]

ننال بذور هذا الحب في المعمودية وينمو فينا بالتوبة المستمرة والتناول من الأسرار المقدسة والصلاح مع الجهاد والمثابرة. هذا الحب هو هبة من اللَّه الذي أحبنا!

“بهذا أظهرت محبة اللَّه فينا،

أن اللَّه قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به.

في هذا هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا اللَّه،

بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه الوحيد كفارة لخطايانا” [9-10].

أعلن الحب الحقيقي على الصليب. أحبنا الآب فبذل ابنه عنا “الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شيء!” (رو 8: 32). والابن “أحبني وأسلم نفسه لأجلي” (غل 2: 20). هكذا نجد في الصليب ينبوع الحب الفياض. كلما تأملنا فيه نخجل أمام محبة اللَّه اللانهائية، وإذ أحبنا أولاً قبل أن نعرفه يليق بنا كأولاد له أن نحب نحن أيضًا. “أيها الأحباء إن كان اللَّه قد أحبنا هكذا ينبغي لنا أيضًا أن يحب بعضنا بعضًا” [11].

أحبنا اللَّه نحن العبيد رغم عدم استحقاقنا لحبه، فكم بالأولى نلتزم نحن بحب إخوتنا مهما يكن طبعهم أو حالهم أو تصرفاتهم تجاهنا. هو يحب… فأي فخر لنا كأولاد له أن نتمثل بأبينا لنحب الإخوة على مثاله!

  1. كيف نتذوق المحبة؟

أ. خلال حبنا لإخوتنا

“اللَّه لم ينظره أحد قط.

إن أحب بعضنا بعضًا فاللَّه يثبت فينا،ومحبته قد تكملت فينا” [12].

محبة اللَّه كاملة، لكننا لا نتمتع بها إلاَ عندما نفتح قلوبنا لإخوتنا. بهذا الحب تتنقى قلوبنا بالروح القدس،فتقدر على معاينة اللَّه.”طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون اللَّه”.

“بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا انه قد أعطانا من روحه” [13].

حيث يكون فينا الحب نكون عاملين بالروح القدس المعطى لنا “لأن محبة اللَّه قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس” (رو ٥: 5). والحب الحقيقي هو الترمومتر لمعرفة ثباتنا في اللَّه.

“ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصًا للعالم [14].

أي لم يعد الحب مجهولاً بل نظر التلاميذ والرسل وشهدوا عظم محبة اللَّه المعلنة على الصليب. هذه الشهادة الرسولية تسلمتها الكنيسة لترضع أولادها بها ليشبوا على مثال أبيهم.

“من اعترف أن يسوع هو ابن اللَّه فاللَّه يثبت فيه وهو في اللَّه [15].

فمن يقبل شهادة الكنيسة ويعترف بحب اللَّه العملي المعلن في الخلاص اعترافًا عمليًا يثبت اللَّه فيه وهو في اللَّه وبهذا لم يعد الحب غريبًا عنه بل في داخله.

“ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي للَّه فينا [16].

فإذ صار الحب فينا نكون قد عرفناه وتذوقناه وصدقناه، فنتجاوب معه أكثر فأكثر.

ب.خلال انتظارنا يوم الرب بفرح

بهذا تكملت المحبة فينا،

أن يكون لنا ثقة في يوم الدين،

لأنه كما هو في هذا العالم، هكذا نحن أيضًا” [17].

إذ نتذوق حب اللَّه ونتجاوب معه، فإن كمال حبنا هو اشتهاء يوم الرب في ثقةٍ، لأننا كما نسلك هنا على مثاله يكون لنا نصيب معه هناك.

حسن أن نبدأ بالمخافة، فنرهب يوم الرب، فنتيقظ ضد أعدائنا، أي الخطية… لكن قدرما نستعذب محبة اللَّه ونحب إخوتنا نتوق إلى ربنا وتشتهي النفس قبلات العريس منتظرة في فرح يوم عرسها كعذراء عفيفة متحلية بالإيمان والرجاء والمحبة. وهكذا ينتزع الخوف ليحتل الحب مكانه إذ يقول الرسول:

لا خوف في المحبة،

بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج [18].

يقول القديس أغسطينوس: [كلما تزايدت المحبة تناقص الخوف. وكلما قلت المحبة تزايد الخوف لكن إن لم يكن خوف فليس هناك حب. وكما نرى في الحياكة أن الخيط يطرز بمخراز، فإن لم يخرج المخراز لا يدخل الخيط ليحتل مكانه، هكذا يشغل الخوف النفس، لكنه لا يظل فيها بل يترك مكانه للحب[3].]

يقول القديس مرقس الناسك: [الخوف من جهنم يشجع المبتدئين حتى يتركوا شرهم. أما المتقدمون فإن رغبتهم في المكافأة تحفزهم على تنفيذ الصلاح. وأما سرّ الحب فهو أنه يسمو بالعقل ليرتفع فوق كل المخلوقات خافيًا عن عينيه كل شيء غير اللَّه[4].]

لأن الخوف له عذاب“.

يقول القديس أغسطينوس:

[عندما يعرف الإنسان خطيته يتألم… وإذ تدخل المحبة إلى النفس تبرئ كل جراحات الخوف. فخوف اللَّه يسبب جراحات كما من مشرط الطبيب الذي ينزع الجرح، ولو أدى ذلك إلى اتساعه…

إذن ليشغل الخوف نفوسنا حتى يحل الحب محله، ويلتئم الجرح!…

الخوف الأول، فيه يخاف الإنسان لئلا يُطرح في الجحيم ويحترق بالنار الأبدية مع إبليس وجنوده. أما الخوف الثاني، ففيه يخاف لئلا يفقد الصلاح ويتركه اللَّه، إذ هو مشتاق إلى التمتع باللَّه ذاته.

ويمكننا إدراك الفرق بين الخوف الذي تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقي الثابت إلى الأبد إذا ما قارناهما بنوعين من النساء:

  1. سيدة تشتهي ارتكاب الزنا وتتلذذ بالشر، لكنها تخاف نقمة زوجها. تخافه لكنها لا تزال تحب الإثم، ووجود زوجها يسبب لها ضيقًا وحزنًا. وإن حدث أن سلكت في الشر تخشى مجيئه… هكذا يخشى البعض مجيء الرب.
  2. والثانية تحب زوجها وتشعر أنها مدينة له بقبلاتها الطاهرة، فتحفظ نفسها من الزنا مشتهية مجيئه والوجود معه.

هكذا كل من الاثنتين تخاف رجلها… الأولى تخشى مجيئه، والثانية تخشى لئلا يرحل عنها. الأولى تخاف عقابه، والثانية تخاف تركه لها.

فالنفس التي لها الخوف النقي تئن متألمة “رحمة وحكمة أغني لك يا رب أرنم. أتعقل في طريق كامل متى تأتي إليّ” (مز 101: 1). في طريق كامل تتعقل فلا تخاف، لأن المحبة تطرح الخوف إلى خارج، وعندما يأتي العريس إلى ذراعيها تخاف لكن كمن هي في أمان… تخاف لا من أن تطرح في جهنم، وإنما لئلا يكون فيها إثم أو خطية فيتركها عريسها[5].]

يؤكد الأب شيريمون[6] نفس المعنى معلمًا إيانا عن قيمة مخافة الرب موضحًا الفرق بين خوف العبيد الذي هو بداية الطريق والمخافة الكاملة النابعة عن الحب العظيم. هذه المخافة التي وصفها النبي على أنها غنى خلاصنا (إش 3٣: ٦)، وهي من صفات ربنا يسوع نفسه، إذ يقول النبي: “يحل عليه روح الرب… روح المعرفة ومخافة الرب… لذته تكون في مخافة الرب” (إش ١١: 1).

ويقول مار فليكسينوس: [يوجد من يخاف لئلا يجلد، وهذا خوف العبيد، ويوجد من يخاف لئلا يخسر وهذا خوف الأجير. ويوجد من يخاف لئلا يغيظ وهذا خوف الصديقين[7].]

يقول القديس مقاريوس الكبير: [الرسل أنفسهم مع أنه كان فيهم المعزي إلاَ أنهم لم يكونوا خالين من الخوف مطلقًا (١ كو 9: 27)، لأنه مع الفرح والبهجة كان فيهم أيضًا الخوف والرعدة (في 2: 12-13) الناشئين عن النعمة ذاتها، وليس عن الطبيعة الفاسدة. ولكن تلك النعمة عينها كانت حارسة لهم لئلا يزيغوا ولو قليلاً.]

هكذا حتى الشاروبيم وكل طغمات السمائيين يحبون اللَّه لكنهم يقفون أمامه بخوف ورعدة، ليس خوفًا من نار جهنم، لكن مهابةً واحترمًا.

تفسير آخر

يقول العلامة ترتليان[8] في حديثه عن الاضطهاد عن الخوف المطروح خارجًا، انه الخوف بالمعنى العام، أي خوف الإنسان على حياته الزمنية. فإذ يعلمنا الرسول يوحنا أن نضع أنفسنا لأجل الإخوة (١ يو 3: 16)، فبالأولى جدًا يليق بنا أن نصنعه من أجل الرب. أما الذي يخاف من أن يتألم، فهذا لا يستطيع أن ينتسب للذي تألم. أما الذي لا يخاف من أن يتألم فإنه يكتمل في الحب، أي في حب اللَّه.

نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً” [19].

أحبنا ونحن بعد خطاة (رو ٥: ٣٨) واختارنا عروسًا له، فأي فضل لنا إن أحببناه؟ إننا نرد له هذه المحبة في أولاده إخوتنا.

إن قال أحد أني أحب اللَّه، وأبغض أخاه فهو كاذب“. وعلامة كذبه هو “لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب اللَّه الذي لم يبصره؟” [20]

فبحبنا للإخوة المنظورين تزول عنا الغشاوة الداخلية، فتعاين قلوبنا اللَّه. وبحبنا لإخوتنا نكون قد نفذنا وصيته، مبرهنين على حبنا له.

 

 

[1] مناظرات يوحنا كاسيان، طبعة ١٩٨٦م، ١: ٢٠.

[2] الحب الأخوي، 1964، ص ٩.

[3] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[4] الفيلوكاليا.

[5] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[6] راجع مناظرات كاسيان ١١: ١١، ١٣.

[7] دير السريان: الآباء الحاذقون في العبادة، ج١.

[8] Cf. Fuga in Persecutione 9 & 13 De

 

تفسير رسالة يوحنا الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث

بنوتنا للَّه

  1. اللَّه واهب البنوة له 1-2.
  2. مسئوليتنا كأبناء للَّه

 ا. تشبهنا به في الطهارة               3.

 ب. تشبهنا به في عدم فعل الخطية     4-5.

 ج. تشبهنا به في صنع البرّ والحب     6-21.

 د. ثقتنا في اللَّه أبينا                   22-24.

    1. اللَّه واهب البنوة له

إذ ختم الرسول الأصحاح السابق بقوله “إن كل من يصنع البرّ مولود منه”، بدأ يحدثنا عن مركزنا بالنسبة للَّه، مميزًا بين عائلتين روحيتين في العالم، إحداهما تنتسب للَّه والأخرى تنتسب لإبليس.

نحن كمؤمنين بربنا يسوع اعتمدنا باسمه، فصرنا أعضاء في جسده السري، وبالتالي انتقلنا إلى البنوة للَّه. وكما يقول الرسول “لأنكم جميعًا أبناء اللَّه بالإيمان بالمسيح يسوع، لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غل ٣: ٢٦-27).

هذا المركز هو لنا بغض النظر عن حالتنا غير أنه إن سلكنا بما لا يليق بأبينا السماوي نكون غير ثابتين في أبينا. وفي هذه الحالة لا تنتفي عنا البنوة، بل تتحول إلى دينونة أعظم. فقد يسئ الابن إلى أبيه، وقد يُحرم من الميراث ويطرد من حضرة أبيه لكن نسبه لأبيه يبقى مبكتًا لضميره طول حياته، ويصير كمن هو ليس ابنًا يحسبونه هكذا ويشتهي لو لم يكن حاله هكذا.

لهذا يوصينا القديس أغسطينوس قائلاً: [لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا. لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا. انظروا كيف تنازل خالقنا ليكون أبًا لنا؟! لقد وجدنا لنا أبًا في السماوات. لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض، لأن من ينتسب لآب هكذا ينبغي عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه؟[1]]

انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد اللَّه؟” [1].

أي شرف لنا أعظم من هذا أن ندعى أبناء الخالق؟! عظيمة جدًا هي هذه العطية المجانية التي وهبت لنا. لنعمل إذن حتى نقدم عنها حسابًا كما يليق.وكما يقول القديس أغسطينوس:

[ماذا ينتفع أولئك الذين يدعون أبناء والبنوة ليست عاملة فيهم؟!

كثيرون يدعون أنهم أطباء لكنهم لا يعرفون كيف يعالجون الناس! وكثيرون يدعون ساهرين وهم نيام الليل كله!

كم من أناس يدعون مسيحيين لكنهم بأعمالهم لم يوجدوا هكذا، لأنهم ليسوا مسيحيين لا في الحياة ولا في السلوك ولا في الإيمان ولا في الرجاء ولا في المحبة!

كل إنسان منكم يسلك الصلاح ويحتقر أمور العالم ولا يختار ارتياد الملاهي، ومن نفسه لا يقبل أن يكون سكيرًا أو ينجس نفسه تحت ستار الأعياد مقدسة… مثل هذا يحتقره أولئك الذين يفعلون هذه الأمور…

من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه” [1].

ومن هو العالم؟ إنه يعني الذين يحبونه ويسكنونه على أساس تعلقهم به، وبهذا اكتسبوا اسمه.

لأنه لا يعرفه“: لقد سار ربنا يسوع المسيح في العالم بنفسه في الجسد. إنه اللَّه، وهو قوي في الضعف، فلماذا لا يكون معروفًا؟ لأنه وبخ على كل خطية في الناس. فمحبتهم للذة الإثم جعلتهم لا يعرفونه، وحبهم لتلك الأمور دفع بهم إلى الحمى وأساءوا إلى الطبيب[2].]

هذا ما قاله الإنجيلي (يو 1: 10) وما أكده ربنا قائلاً: “أيها الآب البار، العالم لم يعرفك” (يو 17: 25). لأن محبو العالم لهم أب آخر غير اللَّه يحتل قلوبهم فلا يستطيعوا معاينته، وذاك كما قال الرب لليهود الأشرار “لو كان اللَّه أباكم، لكنتم تحبونني، لأني خرجت من قبل الآب وأتيت… لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي. أنتم من أب هو إبليس” (يو 8: 42-44).

وإذ لا يستطيع الأشرار أن يعرفوا اللَّه فكيف يعرفون أولاده؟! لكن هذا لا يخيف أولاد اللَّه، لأنهم وإن حرموا من محبة الأشرار، إلاَ أنهم يجدون أنفسهم موضوع حب اللَّه وكل قديسيه، لهذا يدعوهم الرسول “أيها الأحباء“. فالبغضة التي من الأشرار لا تشغل بال أولاد اللَّه.

“أيها الأحباء نحن أولاد اللَّه، ولم يظهر بعد ماذا سنكون،

لكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو” [2].

فكر أولاد اللَّه مشغول بأمر جد خطير، ألا وهو الحياة الأبدية، حيث يلتقون بأبيهم ويكونون مثله ويرونه وجهًا لوجه. “سينظرون وجهه واسمه على جباههم” (رؤ 22: 4). وكما يقول الرسول: “الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون “على صورة جسد مجده” (في 3: 21). فهل لنا كعروس المسيح وأولاد اللَّه أن نتعلق بالأمور الزمنية أو نبالي بمضايقات الأشرار مادامت روحنا ناظرة تجاه جمال الرب قائلة: “أما أنا فبالبرّ أنظر وجهك أشبع إذا استيقظت بشبهك” (مز 17: 15).

  1. مسئوليتنا كأبناء للَّه

ا. تشبهنا به في الطهارة

لقد تصالحنا مع اللَّه بالمسيح يسوع، ونلنا بالمعمودية البنوة له، وإذ ارتفعت أفكارنا إلى فوق أصبحنا بالرجاء نسير كما يليق بأبناء اللَّه القدوس فنسلك في حياة طاهرة.

وكل من عنده هذا الرجاء،

به يطهر نفسه كما هو طاهر” [3].

وقوله “يطهر نفسه” تؤكد مساهمتنا نحن في السلوك، لأنه وإن كان ليس لنا أن نتطهر إلاَ باللَّه القدوس، لكن لا نتطهر ما لم نقبل نحن ذلك ونتجاوب مع عمل اللَّه، مجاهدين ومثابرين ومغتصبين.

ب. تشبهنا به في عدم فعل الخطية

كل من يفعل الخطية يفعل التعدي” [4].

معنى التعدي العصيان، فيصير الإنسان بفعله الخطية عاصيًا أي عاقًا، وهذا لا يليق بالأبناء. لهذا جاء ربنا يسوع يكسر سلطان الخطية إذ  “وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية” [5].

جاء لينزع شوكة الخطية، ويعلن أنه بلا خطية، فنقتدي به ونتعلق به، ثابتين فيه كي نصير نحن أيضًا بلا خطية. لكن هل يعني هذا أنه يوجد إنسان على الأرض بلا خطية؟!

ج. تشبهنا به في صنع البرّ والحب

“كل من يثبت فيه لا يخطئ. كل من يخطئ لم يبصره ولا يعرفه.

أيها الأولاد لا يضلكم أحد. من يفعل البرّ فهو بار، كما أن ذاك بار.

من يفعل الخطية، فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ.

لأجل هذا أظهر ابن اللَّه، لكي ينقض أعمال إبليس.

كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه،

ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من اللَّه” [6-9].

يمكن إنجاز هذا الفكر الوارد في هذا النص وغيره في نفس الرسالة فيما يلي:

  1. أن من يثبت في النور لا يخطئ.
  2. المولود من اللَّه لا يقدر أن يخطئ.
  3. المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه (١ يو 5: 18).
  4. من يخطئ لم يعرف اللَّه ولا أبصره.
  5. من يفعل الخطية هو من إبليس.

هذه النصوص لو اقتطفت من الكتاب المقدس منفصلة من غير ربطها ببقية السفر أو ما يسبقها أو يليها، ربما تدفع بالإنسان إلى فهم أن كل إنسان يخطئ أية خطية (لأنه من أخطأ في واحدة كسر الناموس كله) ليس ابنًا للَّه بل لإبليس، مما قد يدفع به إلى اليأس.

عندما تطلع إليها البعض منفصلة عن بقية الكتاب المقدس سقطوا في بدعة وجود معموديتين: إحداهما معمودية الماء الشكلية من يصطبغ بها يبقى معرضًا للخطية ولا يتمتع بالخلاص. والثانية معمودية الروح، ومن يتمتع بها يتحصن من الخطية ولا يخطئ ولا يستطيع أن يسقط في تجربة. ويبررون قولهم هذا بأنه لو كان في معمودية الماء يولد الإنسان ميلادًا جديدًا، فلماذا يتعرض المعمدون للخطية، ويسقطون مع أن أولاد اللَّه لا يخطئون؟ ففي نظرهم محتاجون إلى معمودية الروح.

لكننا نتساءل لماذا لم يذكر السيد المسيح في حديثه مع نيقوديموس عن المعمودية هكذا، إذ لم يقل: “إن كان أحد بعد عماده بالماء لا يولد من الروح” بل قال: “يولد من الماء والروح” دون أن يفصلهما عن بعضهما البعض؟ ولم يرد في الكتاب المقدس ولا في تاريخ الكنيسة أن التلاميذ والرسل وخلفاؤهم كانوا يعمدون بالماء ثم يعودوا ليعمدوا بالروح؟!

ثم لو كان حديثهم صحيحًا فهل كل من يتعرض للسقوط أو يسقط فعلاً يكون محتاجًا إلى معمودية الروح لأنه لم يصطبغ بها بعد؟! وعلى هذا يكون يوحنا الحبيب أثناء كتابته للرسالة قائلاً: “إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا” لم يعتمد بعد بالروح؟! وبولس الرسول الذي قال: “ليس ساكن فيّ أي في جسدي شيء صالح” (رو 7: 18)، لم يعتمد أيضًا بالروح؟

ولماذا لم يطلب ربنا يسوع من أساقفة أو ملائكة كنائس آسيا الذين حذرهم في سفر الرؤيا طالبًا منهم التوبة أن يعتمدوا بالروح؟!

لكن كما يقول القديس مرقس الناسك:

[العماد المقدس عمل كامل ويهبنا الكمال، إلاَ أنه لا يكمل إنسانًا… يفشل (يهمل) في تنفيذ الوصايا…

والإنسان يتوجه بإرادته حيثما يحب، حتى بعد المعمودية، إذ لا تسلبنا المعمودية حريتنا. فعندما يقول الكتاب المقدس “ملكوت السماوات يغتصب” (مت 11: 12)، إنما يتكلم عن الإرادة الخاصة بكل شخصٍ، حتى لا يعود يلتفت كل منا – بعد ما تعمد – إلى الشر، وإنما يثبت في الخير.

والذين نالوا قوة لتنفيذ الوصايا، يوصيهم الرب كمؤمنين أن يجاهدوا فيها حتى لا يرتدوا عنها…

“لقد لبستم المسيح بالمعمودية” (غل 3: 27)، “وملكتم قوةً وسلطانًا لهدم ظنون” (٢ كو 10: 5). ولكن إذ نلتم هذه القوة للغلبة عليها، مع ذلك لم تعملوا على هدمها منذ اللحظة الأولى التي تخطر الظنون فيها على بالكم، فمن الواضح أنكم محبون للشهوات في عدم إيمان حتى أنكم قبلتموها وتصادقتم معها[3].]

لكن ما هو تفسير الآيات السابقة؟

  1. رأي القديس أغسطينوس

[يقول الرسول: “كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل الخطية”… وفي نفس الرسالة يقول: “إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا” فماذا يفعل الإنسان إزاء هذين القولين في نفس الرسالة؟ فإن اعترف أنه خاطئ يخشى لئلا يقال عنه أنه ليس مولود من اللَّه، وإن قال أنه صالح ولا يخطئ يواجه القول الثاني “نضل أنفسنا”…

فالرسول يقصد خطية معينة لا يستطيع المولود من اللَّه (كابن للَّه) أن يرتكبها. هذه الخطية متى ارتكبها صار الإنسان مخطئًا في الكل… ألا وهي كسر الوصية؟ “وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضًا” (يو 13: 34).]

وهكذا يرى القديس أغسطينوس أنه يستحيل على الإنسان كابن للَّه ألا يحب إخوته، فإن لم يحب إخوته يكون قد انحرف عن السمة التي وهبت له وهي المحبة.

هذا أيضًا ما نادى به الأب شيريمون مطالبًا المعتمدين أن يتشبهوا باللَّه بأن يظهروا محبة هادئة داخلية نحو الصالحين والطالحين[4]

  1. رأي البابا أثناسيوس الرسولي

يرى القديس أن [الكلمة ارتدى جسدًا مضمدًا كل لدغة الحية، نازعًا كل شرٍ ينبع عن عواطف الجسد، مبطلاً أيضًا الموت المصاحب للخطية… وكما كتب يوحنا: “لأجل هذا أظهر ابن اللَّه ينقض أعمال إبليس”[5].]

هذه هي الإمكانية المعطاة لنا كأولاد للَّه، فصار لنا أن نهزم أعمال إبليس بالرب يسوع لكن ليس قهرًا بل حسب إرادتنا، أي إن ثبتنا فيه وتمسكنا به.

  1. رأي العلامة ترتليان

[يؤكد الرسول أننا لا نخطئ قط، وقد عالج هذا بتوسع حتى لا نذعن للخطية، موضحًا لنا أن الخطايا قد نقضها السيد المسيح فصار لنا أن نسلك في النور… غير أن هناك بعض الخطايا اليومية التي يرتكبها الإنسان ونخضع جميعًا لها… فإن لم نجد عفوًا عنها يصير الخلاص مستحيلاً بالنسبة للجميع.]

  1. رأي القديس إيرونيموس (چيروم[6])

[أما المنطق الثاني لجوفنيانوس فهو أن الإنسان الذي اعتمد لا يقدر الشيطان أن يجربه (يسقطه). ولكي ما يهرب جوفيانوس مما يتهم به بأن قوله هذا سخيف، يضيف قائلاً: “ولكن متى جرب أحد فإنه بهذا يظهر أنه قد اعتمد بالماء وليس بالروح، وذلك كما في حالة سيمون الساحر. وفي هذا يقول يوحنا “كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من اللَّه. بهذا أولاد اللَّه ظاهرون وأولاد إبليس” [٩-١٠]. وفي النهاية يقول الرسول “كل من ولد من اللَّه لا يخطئ بل المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه” (1 يو 5: 18).]

هذا يمكن أن يكون صعبًا بحق ويعجز الإنسان عن حل المشكلة تمامًا لو لم يكمل الرسول قائلاً: “أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام” (١ يو 5: 21). فلو كان المولود من اللَّه لا يخطئ قط ولا يقدر الشيطان أن يجربه فكيف يأمرهم محذرًا إياهم من التجربة؟!

كذلك نقرأ في الرسالة: “إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا” (١ يو 1: 8-10).

إنني افترض أن يوحنا قد اعتمد وكتب لأناس معمدين، وإني أتصور أن كل خطية هي من الشيطان، فإننا نجد يوحنا يعترف هنا بنفسه أنه خاطئ ويترجى الغفران بعد عماده.

ماذا أقول يا صديقي جوفيانوس؟! هل الرسول يناقض نفسه؟ حاشا! إنما يوضح الرسول سبب حديثه هذا بقوله: “يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. إن أخطأ أحد فلنا شفيع… بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه…” (١ يو 2: 1-6).

إن سبب حديثي لكم يا أولادي بأن المولود من اللَّه لا يخطئ، هو لكي لا تخطئوا، حتى تعرفوا أنه طالما أنتم تخطئون فأنتم غير ثابتين في الميلاد الذي يهبه اللَّه لكم.

نعم. إن الذين يثبتون في ذلك الميلاد لا يخطئون، لأنه “أية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟!” (٢ كو 6: 14-15). وكما يتميز النهار عن الليل، هكذا البرّ عن الشر، والخطية عن الأعمال الصالحة، والمسيح عن ضد المسيح.

إن كنا نعطي المسيح مسكنًا في قلوبنا، فلنطرد الشيطان من هناك.

إن كنا نخطئ ويدخل الشيطان خلال باب الخطية، ينسحب المسيح للحال.

وهنا يقول داود “رد لي بهجة خلاصك” (مز 51: 12)، أي رد الفرح الذي فقدته بالخطية.

أيضًا “من قال قد عرفته ولا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه” (١ يو 2: 4). والمسيح هو الذي يدعي بالحق (يو 14: 6)، فباطلاً نفتخر به ذاك الذي لا نحفظ وصاياه…

يلزمنا ألا نظنه أمرًا عظيمًا أن نعرف اللَّه الواحد، إن كان حتى الشياطين تؤمن وترتعب. “من قال أنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا” (1 يو 2: 6).

فلخصمنا (جوفيانوس) أن يختار بين أمرين: هل هو ثابت في المسيح أم لا؟!

إن كان ثابتًا فيه فليسلك كما سلك المسيح. ولكن إن كان هناك استهتار بالتمثل بفضائل ربنا، يكون غير ثابتٍ في المسيح، لأنه لا يسلك كما سلك المسيح “الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر الذي إذ شُتم لم يكن يشتم عوضًا” (١ بط 2: 22)… وإليه جاء رئيس هذا العالم ولم يجد فيه شيئًا…

أما بالنسبة لنا، فنتطلع إلى ما جاء في رسالة يعقوب “في أشياء كثيرة نعثر كلنا” (يع 3: 2)، لأنه ليس أحد طاهرًا من دنس ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض.

ولكي لا نسقط في اليأس المطبق فنظن أننا إن أخطأنا بعد المعمودية لا يمكننا أن نخلص، قال: “وإن أخطأ أحد فلنا شفيع (محام)… “

لقد وجه هذا القول للمؤمنين الذين نالوا العماد، وهو يعدهم بالرب كمحامٍ يدافع عنهم من جهة خطاياهم، وهو لا يقول: “فلكم شفيع” بل “فلنا شفيع” حتى لا يظن أحد أنه يقول هذا عمن عماده مفتقر إلى الإيمان الحقيقي…

باطلاً يكون لنا محام هو يسوع المسيح، لو أن الخطية مستحيلة بالنسبة لنا…

إننا نقول في الصلاة الربانية: “واغفر لنا ذنوبنا… ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير”. فلو أننا نعد العماد لا نخطئ لما طلبنا الغفران عن خطايا غفرت فعلاً في المعمودية! لماذا نصلي لكي لا ندخل في تجربة وننجو من الشرير لو أن الشيطان لا يستطيع أن يجربنا؟!

بولس الإناء المختار يقمع جسده ويستعبده لئلا بعد ما كرز للآخرين هو نفسه يكون مرفوضًا (1 كو 9: 27).ويخبرنا أنة أُعطى شوكة في الجسد رسول الشيطان ليلطمه لئلا يرتفع (2 كو 12: 7). ويكتب إلى أهل كورنثوس “ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح” (٢ كو 11: 3). وفي موضع أخر يقول “لئلا يطمع فينا الشيطان لأننا نجهل أفكاره”(2 كو 2: 11). وأيضًا “وإن من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط” (١ كو 10: 12)… ويحدث المتزوجين قائلاً: “ثم تجتمعوا أيضًا لكي لا يجربكم الشيطان بسبب عدم نزاهتكم” (١ كو 7: 5).

ويكتب إلى أهل أفسس: “فإن مصارعتنا ليس مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف 6: 12)، فهل يظن أحد أننا في أمان ويلزمنا أن ننام بعد ما نعتمد؟!

ويقول في رسالته إلى العبرانيين: “لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس. وذاقوا كلمة اللَّه الصالحة وقوات الدهر الآتي وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة إذ هم يصلبون لأنفسهم إبن اللَّه ثانية ويشهرونه” (عب 6: 4-6). ونحن لا نقدر أن ننكر أن الذين استناروا هم معمدين… فلو أن المعمدين لا يخطئون فكيف يقول عنهم الرسول هنا “سقطوا”؟

إن فونتنيانوس ونوفاتيوس[7]يبتسمان لهذا قائلين بأنه يستحيل التجديد (الذهني) مرة أخرى خلال التوبة بالنسبة للذين صلبوا ابن اللَّه وشهروا به…

ولكن يصحح هذا الخطأ (في الفهم) ما جاء بعد ذلك “ولكننا قد تيقنا من جهتكم أيها الأحباء أمورًا أفضل ومختصة بالخلاص، وإن كنا نتعلم هكذا. لأن اللَّه ليس بظالمٍ حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه، إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم” (عب 6: 9-10). فلو أن اللَّه يعاقب على الخطية ولا يهتم بالأعمال الصالحة لنسبنا بهذا للَّه ظلمًا عظيمًا. لكن كأن الرسول يقول لهم إنني أتحدث معكم بهذا لكي أسحبكم من خطاياكم وأجعلكم أكثر حرصًا خشية اليأس. ولكنني أيها الأحباء إنني أتتبع أمورًا أفضل بالنسبة لكم، وأمورًا فيها خلاص. فإنه لا يليق مع بر اللَّه أن ينسى أعمالكم الصالحة إذ بالحقيقة خدمتم القديسين وتخدمونهم من أجل اسمه، فيتذكر خطاياكم وحدها.

وإذ يعلِّم يعقوب الرسول أن المعمدين يمكن أن يجربوا ويسقطوا في تجربة اختيارهم يقول: “طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة. لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه” (يع 1: 12). ولئلا نظن أننا نجرب من اللَّه كما جاء عن إبراهيم في سفر التكوين، أضاف قائلاً: “لا يقل أحد إذا جرب أني أجرب من قبل اللَّه. لأن اللَّه غير مجرب بالشرور. وهو لا يجرب أحدًا. لكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية، والخطية إذ أكملت ننتج موتًا”

لقد خلقك اللَّه بإرادة حرة، فلا نلزم قسرًا تجاه الفضيلة أو الرذيلة، وإلاَ ما كان يوجد إكليل…]

الخلاصة:

نلخص من هذا أن الرسول يوحنا يوجه أنظارنا إلى المعمودية مذكرًا إيانا بالبنوة وإمكانيات السلوك على منوال ربنا المحب، لأنه لم يعد للخطية سلطان علينا كقول الرسول “فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية” (عب 2: 14-15). وبهذا الحب نستطيع أن نحب ولا نقبل إلاَ الحب.

هكذا لم تعد بعد الخطية تسودنا (رو 6: 14) إذ صار للإنسان الجديد أن يدوس على الخطية وشوكتها، ويحيا بربنا يسوع المحب سالكًا في الروح.

هذه الإمكانية تكون لنا باختيارنا كأولاد اللَّه لا نخطئ مادمنا مرتبطون بربنا ثابتين فيه. وفي اللحظة التي نخطئ فيها نكون قد انحرفنا عن وضعنا الحقيقي كأبناء، ومع هذا فإن طريق الدموع مفتوح.

فالمحبة الحقيقية هي الخط الفاصل بين أولاد اللَّه السالكين كأبناء وبين أولاد إبليس السالكين على منوال أبيهم أي الكراهية والخطية. لهذا يقول الرسول:

 “بهذا أولاد اللَّه ظاهرون وأولاد إبليس.

كل من لا يفعل البرّ وكذا من لا يحب أخاه [10].

الحب هو سمة صليب ربنا يسوع المسيح، ننمو فيه مادمنا ثابتين في الرب، أما من لا يحب فينحرف تجاه طريق إبليس، رافضًا البنوة للَّه، مختارًا البنوة لإبليس. يقول القديس أغسطينوس: [إذن لندرب أنفسنا على محبة الإخوة… فإن أحببت أخاك ستعاين اللَّه، لأن بمحبتك لأخيك تعاين المحبة ذاتها التي فيها يسكن اللَّه[8].]

لأن هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء:

 أن يحب بعضنا بعضًا. ليس كما كان قايين من الشرير وذبح أخاه.

 ولماذا ذبحه؟ لأن أعماله شريرة وأعمال أخيه بارة [11-12].

يقول القديس أغسطينوس: [لم يكن قايين يعرف المحبة. وما كانت قرابين هابيل تقبل، لو لم يكن يعرف المحبة. فكلاهما قدم القرابين، أحدهما قدم من ثمار الأرض والآخر من نتائج القطيع. أتظنوا يا إخوتي أن اللَّه يبغض ثمار الأرض ويحب نتاج القطيع؟! حاشا! فإن اللَّه لا ينظر إلى الأيدي وما تحملها بل إلى القلب. فمن قدم التقدمة من قلب محب قبله الرب، أما من قدم التقدمة بقلب حاسد، فقد أدار ربنا عنه وجهه. فالرسول يقصد بأعمال هابيل الصالحة “المحبة”، كما يعني بأعمال قايين الشريرة كراهيته لأخيه. الذي لم يكتفِ عند الكراهية والحسد بل قام وقتله بدلاً من أن يتمثل به. وهكذا ظهر قايين كابن لإبليس، وهابيل كابن للَّه[9].]

هكذا أولاد اللَّه يحبون وأولاد إبليس لا يقدرون أن يحبوا لهذا “لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم” [13].

لأن الذين تعلقوا بالعالم أي الأشرار ليس لهم روح الحب الحقيقي ولا يطيقوا اللَّه ولا أولاده.

نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة،

لأننا نحب الإخوة” [14].

أما نحن فإذ صرنا ثابتين في مصدر في مصدر حياتنا ربنا يسوع فنحب اخوتنا به وعلى مثاله، فإننا بهذا نكون قد تمتعنا بالحياة وانتقلنا من حالة الموت التي هي الدفن في الخطية والتراخي فيها والاستسلام لها.

لكن “كل من يبغض أخاه، فهو قاتل نفس [15].

وكما يقول القديس چيروم: [لأن القتل ينبع من البغضة، لذلك فالذي يبغض ولو لم يقتل فريسته، يحسب قلبه قاتلاً، وهكذا لا ينتقل القلب إلى الحياة بل يبقى في الموت[10].]

فإن كان هذا هو عمل الحب وهذه هي نهاية البغضة، فمن أين لنا أن نعمل الحب؟

بهذا عرفنا المحبة، أن ذاك وضع نفسه لأجلنا

فنحن ينبغي أن نضع نفوسنا لأجل إخوتنا [16].

أحب السيد العبيد حتى الموت حتى يقتفي العبيد آثار خطواته، فيحبون زملاءهم العبيد مثله. وكما يقول الرب: “هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم. ليس حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يو 15: 12-13).

وإذ أراد الرسول أن يدربنا على الحب العملي طلب منا أن نبدأ بالعطاء قائلاً:

وأما من كان له معيشة العالم، ونظر أخاه محتاجًا،

وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة اللَّه فيه؟” [17]

إذ نتذوق الحب خلال العطاء المادي نستعذبه، وندرك حلاوته الداخلية، فنستطيع بالرب يسوع أن نحب إخوتنا ونحب اللَّه حتى الموت. فالرب لا يطلب الصدقة لأجل إشباع الفقراء إنما لنقدم له تقدمة الحب الشهي، فيتقبلها وكما يقول الرسول عن العطاء: “ليس لأني أطلب العطية بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم” (في 4: 17).

والسبب الثاني ما يقوله القديس يوحنا ذهبي الفم: [إنها تعلمك كيف تصير شبيهًا باللَّه. وهذه رأس كل الخيرات[11].]

والسبب الثالث هو أن فيها مشاركة أعضاء جسد المسيح المتألم لبعضه البعض[12].

“يا أولادي لا نحب بالكلام واللسان، بل بالعمل والحق.

“بهذا نعرف أننا من الحق، وتسكن قلوبنا قدامه” [18-19].

إن أحببنا إخوتنا عمليًا وبالحق، أي في المسيح يسوع، وليس بقصد المجد الباطل، فإننا بهذا نعرف أننا ثابتون في ربنا يسوع “الحق”، وتطمئن قلوبنا قدام اللَّه فاحص القلوب.

أي في حبنا لإخوتنا لا نطلب مديح الناس ولا شهادتهم، لأنهم لا يعرفون دوافعنا الداخلية، بل شهادة اللَّه لأن “فخرنا هو هذا شهاداة ضميرنا” (٢ كو 1: 12)، أي مجدنا الداخلي السري الذي لا يتعرف عليه إلاَ اللَّه والنفس.

لأنه إن لامتنا قلوبنا“، أي إن أعلنت لنا حياتنا الداخلية أن دوافعنا غير سليمة “فاللَّه أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيء [20]، أي لنرتمي على اللَّه، معترفين له بضعفنا رغم مديح الناس لنا. وهو أعظم من قلوبنا، قادر على إصلاح دوافعنا.

أيها الأحباء إن لم تلمنا قلوبنا، فلنا ثقة من نحو اللَّه [21]، بمعنى إن شهدت قلوبنا لنا أننا نحب حبًا حقيقيًا، فلنا ثقة ليس في جهة الناس، بل من نحو اللَّه.

د. ثقتنا في اللَّه أبينا

مهما سألنا ننال منه، لأننا نحفظ وصاياه،

 ونعمل الأعمال المرضية أمامه[22].

إذ نحب نحفظ وصاياه، ويسر هو بنا، فلا يجعلنا معتازين شيئًا، بل يأتمنا على كل شيء، إذ نحن أمناء في حبنا لإخوتنا.

وما هي الأمور التي نعملها فترضيه؟

  1. أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح، أي نقبله فاديًا ومخلصًا ممسوحًا لأجل التكفير عن خطايانا، “وهذه وصيته أن نؤمن باسم يسوع المسيح“.
  2. بحب إخوتنا، فنتمتع بحب اللَّه لنا “ونحب بعضنا بعضًا كما أعطانا وصية“.
  3. بتنفيذنا الوصية، أي نؤمن باسم ابنه ونحب الإخوة، بهذا نثبت فيه وهو فينا إذ يقول الرسول: “من يحفظ وصاياه يثبت فيه وهو فيه. وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا [24].

ثبوتنا في اللَّه ليس كلامًا أو مجرد تخيلات لكن يتطلب حفظنا وصاياه التي تدور حول الحب. ومن يقدر أن يحب إلاَ بالروح القدس الذي أعطانا؟ وكما يقول القديس أغسطينوس: [بهذا الروح القدس تتطهر النفس وتقتات. هذا هو روح اللَّه الذي لا يمكن أن يكون للَّهراطقة والمنشقين عن الكنيسة بالنسبة للذين لم ينفصلوا عنها علانية لكنهم انفصلوا بعصيانهم لها، هؤلاء صاروا قشًا لا قمحًا رغم وجودهم فيها.]

[1] القديس أغسطينوس: الصلاة الربانية مأخوذة عن: “عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد”.

[2] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[3] الفيلوكاليا طبعة ١9٦٦ ص ٩٠، ٩٢.

[4] راجع مناظرات يوحنا كاسيان، طبعة 1968، 9:11.

[5] Cf. St. Athanasius: 4 Discourses against the Arians, 2: 89.

[6] ضد جوفنيانوس.

[7] مبتدعان أتباع ماني يناديان بأنه بعد العماد لا يمكن قبول الإنسان إن سقط في خطايا معينة. وقد أثار هذا قلب القديس أمبروسيوس وكتب رسالتين عن “التوبة” ردًا على أتباع نوفانيوس كاشفًا فيها مقدار حب اللَّه لخلاص كل نفس، وكيف أن رسالة الكنيسة هي أن تحل الخطايا للتائبين مهما بلغت خطاياهم، حتى ولو بعد العماد. وقد سبق أن ترجمت الرسالتين وبوبتا في كتيب مطبوع باسم “ترفقوا بالخطاة!”

[8] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[9] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[10] His letter to Castoina his maternal aunt.

[11] الحب الأخوي، طبعة 1964، ص ١٤٦.

[12] راجع أقوال الآباء في “الحب الأخوي”، 1964، ص ١٤٠ – ١٤٢.

تفسير رسالة يوحنا الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الثاني

الحب

يدور هذا الأصحاح حول موضوع الحب:

  1. حب المسيح لنا                                                                ١-٢.
  2. حبنا له بحفظنا وصاياه التي تتركز حول المحبة الأخوية 3-11.
  3. حبنا للَّه

 أ. إمكانياتنا كأبناء محبين                                          ١٢-١٤.

 ب. رفضنا محبة العالم                                             ١٥–١7.

 ج. رفضنا للبدع المنشقة على اللَّه وكنيسته            ١٨-٢٣.

 د. ثباتنا في اللَّه                                                      ٢٤-٢٧.

  1. محبو اللَّه وبنوتهم له

 أ. ينتظرون مجيئه                                                    ٢٨.

 ب. يصنعون البرّ                                                      ٢٩.

 

  1. حب المسيح لنا

يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا.

وإن أخطأ أحد فلنا شفيع Paraclete عند الآب يسوع المسيح البار.

وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم” [1-2].

يبدأ الرسول حديثه بقوله: “يا أولادي“. إنه أب محب يكشف لأولاده الدافع لكتابته هذه الرسالة “لكي لا تخطئوا“، أي لكي نعيش حياة مقدسة تليق بنا كسالكين في النور. بمعنى آخر يجدر بنا ألا نستهتر بالخطية بسبب أمانة اللَّه وحبه لنا، إنما نسلك في النور مثابرين في كل عملٍ صالحٍ. لكن من يستطيع ألا يتعثر في هذه الحياة الزمنية لذلك “إن أخطأ أحد فلنا شفيع…” يقوم هذا الشفيع كمحامٍ يدافع عنا ليبرئنا في القضية. ومن هو هذا الشفيع؟

أ. شفيع Paraclete أو Advocate. يقول العلامة أوريجينوس [لقد دُعي مخلصنا أيضًا بالباراكليت وذلك في رسالة يوحنا عندما قال “فلنا شفيع Paraclete… وهذه الكلمة في اليونانية تحمل معنيين: وسيط ومعزي. فالباراكليت تًفهم بمعنى شفيع يتوسط عند الآب بالنسبة لمخلصنا. وتفهم بمعنى المعزي بالنسبة للروح القدس إذ يهب تعزية للنفوس التي يعلن لها بوضوح المعرفة الروحية[1].]

يقول القديس أغسطينوس:

[إنه الشفيع فلنحاول ألا نخطئ. وإن باغتتك الخطية من أجل دنس الحياة أنظر إليها في الحال واحزن والعنها. فإن فعلت هذا تأتي في حضرة الديان مطمئنًا لأنه شفيعك. وباعترافك لا تخف من أن تخسر القضية.

غالبا ما يوكل الإنسان محاميًا Advocate بليغًا… وها أنت قد أوكلت الكلمة، فهل تهلك؟!…

انظر فإن يوحنا الذي كان بالتأكيد إنسانًا بارًا وعظيمًا، هذا الذي تشرب الأسرار الإلهية من صدر الرب وارتوى منه فكتب عن لاهوته… لم يقل “لكم شفيع”، بل “لنا شفيعًا” ولم يقل “إني شفيعكم” ولا “المسيح شفيعكم”، بل “لنا شفيع”… لقد اختار بالأحرى أن يحصي نفسه في عداد الآثمة ليكون المسيح شفيعًا له…

لكن قد يقول قائل: أما يطلب القديسون عنا؟ أما يطلب الأساقفة والمدبرون عن الشعب؟

نعم! فلنتأمل الأسفار المقدسة لنشاهد المدبرين أنفسهم يوصون الشعب أن يصلوا من أجلهم، وهكذا يطلب الرسول من الكنيسة “مصلين في ذلك لأجلنا نحن أيضًا” (كو ٤ :٣). فالرسول يصلي من أجل الشعب، والشعب يصلي من أجل الرسول.

يا إخوتي… إننا نصلي من أجلكم، فهل تصلون أنتم أيضًا من أجلنا؟ ليُصلِ كل عضوٍ منا من أجل الخير. وليشفع الرأس المسيح من أجل الجميع[2].]

ب. عند الآب: هذا المحامي كلمة الآب وابنه، واحد معه في الجوهر، لا ينفصل عنه قط، لهذا تطمئن نفوسنا، متى طلبناه نجده في الحال مدافعًا في شفاعة دائمة. “إنه حي في كل حين ليشفع فينا” (عب 7: 25).

ج. يسوع، أي مخلص، محب للخطاة كي يقدسهم ويبررهم.

د. المسيح، أي ممسوح لأجل خلاصنا، هذه هي اشتياقاته “أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون”. فمن يشعر بخطاياه ويتوق للتطهير المستمر يجد شفيعًا دائم الشفاعة، وفي اللحظة التي فيها نشعر بأننا أبرار غير محتاجين للتطهير لا ننتفع من الخلاص الذي قدمه لنا.

ه. البار “تألم مرة واحدة من أجل الخطايا. البار من أجل الآثمة” (1 بط 3: 18). لو لم يكن بارًا فكيف يدافع عنا؟! لقد حمل أثقالنا عنا، وأوفى ديوننا. [السبح للغني الذي دفع عنا ما لم يقترضه، وكتب على نفسه صكًا وصار مدينًا! بحمله نيره كسر عنا قيود ذاك الذي أسرنا[3]!]

ز. كفارة: محامينا بار، وبره يقتضي إلاَ يبرئنا في القضية ظلمًا. إنه لا يدافع عنا في السماء في غير عدل، لكن دفع عنا ديننا. [أحشاء الآب أرسلته إلينا، فلم يرفع آثامنا إلى العظمة الإلهية، بل بصلاحه قدم له كفارة عنا[4]!]

يعتز المؤمن بنعمة الشفاعة التي يقدمها كلمة اللَّه نفسه لدى الآب عنه. هذه الشفاعة الكفارية لا يشاركه أحد فيها، حيث يقدم السيد المسيح دمه الكفاري، ويخفينا في جراحاته، فنظهر أمام الآب بلا لوم، حاملين برّ مخلصنا. يحملنا مسيحنا كأعضاء في جسده، فنصير موضع سرور الآب. هذه الشفاعة تختلف عن شفاعتنا نحن عن بعضنا البعض، حيث نتوسل للَّه خلال حبنا لإخوتنا، ليهبهم نعمة التوبة والبنيان المستمر والشهادة الحقيقية.

  • لنا شفيع، يسوع المسيح، بالحقيقة لا ينبطح أمام الآب متضرعًا من أجلنا. فإن مثل هذه الفكرة خاصة بالرقيق وغير لائقة بالروح! إنه لا يليق بالآب أن يطلب ذلك، وأيضًا بالابن أن يخضع لها، ولا يحق لنا أن نفكر بمثل هذه الأمور بالنسبة للَّه. ولكن ما تألم به كإنسان، فإنه إذ هو الكلمة والمشير يطلب من اللَّه أن يطيل أناته علينا. أظن هذا هو معنى شفاعته[5].

القديس غريغوريوس النزينزي

  • إنني افتخر لأنني أخلص، وليس لأنني بلا خطايا، بل لأن الخطايا قد غُفرت. إنني لا أفتخر لأني نافع أو لأن أحدًا ما نافع لي، وإنما لأن المسيح هو شفيعي (محامي) أمام الآب، لأن دم المسيح سفك من أجلي[6].

القديس أمبروسيوس

  • إن كان لديك قضية معروضة أمام قاضٍ ويلزمك أن تقيم محاميًا، وقد قبل المحامي قضيتك، فإنه يشفع في قضيتك قدر استطاعته. فإن سمعت قبل المرافعة أنه هو الذي يحكم كم يكون فرحك أنه يكون القاضي ذاك الذي كان منذ محاميك[7].

القديس أغسطينوس

  • عندما يقول يوحنا أن المسيح قد مات لأجل خطايا “كل العالم”، ما يعنيه أنه مات عن الكنيسة كلها[8].

هيلاري أسقف آرل

  1. حبنا له بحفظنا وصاياه

التي تتركز حول المحبة الأخوية

“وبهذا نعرف أننا قد عرفناه، إن حفظنا وصاياه.

من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه[3-4].

من يحب يحفظ وصية محبوبه، يخضع له ويود أن ينفذ رغبته… “إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي” (يو 14: 15). أما من يستصعب الوصية ويراها قاسية ومستحيلة، فالسبب ليس في الوصية لكن في القلب العاجز عن الحب والتعرف على اللَّه. بهذه المعرفة الإيمانية الاختبارية تدرك النفس قوة اللَّه وفاعلية الروح القدس الساكن فيها فتنهل بالوصايا، وتنفذ وتجاهد وتثابر. وفي هذا كله تشعر بالتقصير من أجل اتساع قلبها بالحب وتعرفها على الحق الذي فيها.

  • الشخص الذي يعرف يعمل أيضًا الأعمال التي تليق بواجب الفضيلة، ولكن يوجد من يمارس الأعمال وهو ليس بالضرورة بين أصحاب المعرفة. أن قد يفهم أن يميز بين ما هو مستقيم وما هو خطأ، لكن ليس لديه معرفة بالأسرار السماوية. علاوة على هذا يفعل البعض الصلاح خشية العقوبة أو لنوال مكافأة، لذلك يعلمنا يوحنا أن الإنسان الذي له معرفة كاملة يمارس هذه الأعمال عن حب.

القديس إكليمنضس السكندري

  • غالبًا ما تعني كلمة “يعرف” في الكتب المقدسة ليس بمعنى إدراكه أمرٍ ما، بل وجود علاقة شخصية بالشيء. فيسوع لم يعرف خطية، ليس لأنه لا يعرف عنها شيء، وإنما لأنه لم يرتكبها قط بنفسه. فمع كونه يشبهنا في كل طريق آخر إلا أنه لم يخطئ قط (عب 4: 15). بتقديم هذا المعنى لكلمة “يعرف” واضح أنه كل شخص يقول بأنه يعرف اللَّه يلزمه أن يحفظ وصاياه، لأن الاثنين يسيران معًا.

القديس ديديموس الضرير

  • الذين يهلكون لا يعرفون اللَّه، وسينكر اللَّه أنه يعرفهم، كما قال: “ابعدوا عني لأني لا أعرفكم” (مت 7: 23)[9].

هيلاري أسقف آرل

وأما من يحفظ كلمته، فحقًا في هذا تكملت محبة اللَّه” [5].

إذ يحفظ الإنسان المحب الوصايا، يراها وصية واحدة أو “كلمته“، لأن جميع الوصايا ترتبط بفكر واحد وتدور حول شخص الرب يسوع. وإذ يذوق الإنسان حلاوة تنفيذ الوصية يستعذب طعم محبة اللَّه في صورة أكمل “في هذا تكملت محبة اللَّه“، إذ لا يراها أوامر ونواهٍ بل حب وعشق من اللَّه نحو الإنسان، إذ يقدم لنا كلمته لتكون لنا شركة معه ونراه في داخلها.

  • يختفي اللَّه في وصاياه، فمن يطلبه يجده فيها، لا تقل إنني أتممت الوصايا ولم أجد الرب، لأن من يبحث عنه بحق يجد سلامًا[10].

الأب مرقس الناسك

  • الشخص الذي بحق يحب اللَّه يحفظ وصاياه، يؤكد بحفظه لها أنه يعرف محبة اللَّه. طاعتنا هي ثمرة حبه.

القديس ديديموس الضرير

يقول ربنا “الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني… وأظهر له ذاتي” (يو 14: 21). فربنا يريدنا حفظ وصاياه لنكتشفه ونقبله عريسًا لنا، وإذ نكون عروسًا له نلتزم بالامتثال به إذ “من قال أنه ثابت فيه، ينبغي أنه كما سلك ذلك، هكذا يسلك هو أيضًا” [6].

وأي طريق سلكه ربنا سوى الصليب؟ إذن، فلتسلك عروسه طريق الصليب، طريق الحب العملي الباذل الضيق. الطريق الهادف الذي فيه تصلب الأنا والشهوات والارتباطات الزمنية ليتعلق القلب بربنا وحده.

من هنا صار للرسول أن يتكلم عن قلب الرسالة ألا وهو “الحب” فيقول:

أيها الأخوة لست أكتب إليكم وصية جديدة،

بل وصية قديمة كانت عندكم من البدء.

أيضًا وصية جديدة أكتب إليكم ما هو حق فيه وفيكم” [7-8].

وصية المحبة ليست جديدة بل قديمة إذ عرفها الإنسان بالطبيعة، لذلك عندما قتل قايين أخاه أدرك خطأه.

  • يتحدث الرسول هنا عن الحب. لم تكن الوصية جديدة، فقد أعلنها الأنبياء منذ زمن بعيد[11].

القديس كيرلس الكبير

وهي أيضًا جديدة حيث أدركها الإنسان لها كما ينبغي “ما هو حق فيه“، إذ على الصليب عرفنا الحب ليس مجرد عواطف وانفعالات أو كلمات مداهنة بل حب باذل لأجل خلاص البشر.

  • الوصية هي “حق فيه“، لأنه أحبنا حتى مات لأجلنا، وهي “حق فينا” أيضًا، إن كنا نحب الواحد الآخر[12].

هيلاري أسقف آرل

وهي أيضًا جديدة من حيث الإمكانية، إذ صارت المحبة ليست ثقيلة علينا ولا صعبة، لأن “الظلمة قد مضت والنور الحقيقي الآن يضيء” [8]. لقد صار لنا بالصليب أن نصلب “الأنا” ليحيا المسيح فينا، تذهب الأنانية والذاتية ليحل الحب الإلهي فينا، وكما يقول الرسول: “إذ خلعتم الإنسان العتيق… ولبستم الجديد” (كو 3: 9-10)، “كنتم قبلاً ظلمة وأما الآن فنور في الرب” (أف 5: 8).

هذا هو جوهر المسيحية، أما “من قال أنه في النور“، أي قال أنه مسيحي “وهو يبغض أخاه، فهو إلى الآن في الظلمة” [9]. لأننا دعينا لتكون لنا شركة مع ربنا يسوع – الحب الحقيقي – فكيف نبغض بعد؟!

  • النور هو نور الإيمان العامل فينا، حسب خطة اللَّه السابقة.
  • النور هو الحق، والأخ ليس هو مجرد قريبنا، لكنه قريب الرب (يسوع) أيضًا.

القديس إكليمنضس السكندري

من يحب أخاه يثبت في النور، وليس فيه عثرة” [10].

من يحب أن يسلك بربنا يسوع في النور، فهذا لا يتعثر، لا في المسيح ولا في الكنيسة، إذ يقول القديس أغسطينوس:

[من هم أولئك الذين يتعثرون أو يسببون عثرة؟! إنهم الذين يصطدمون بالمسيح والكنيسة. فالذين يصطدمون بالمسيح يكونون كمن احترق بالشمس، ومن يصطدم بالكنيسة يكون كمن احترق بالقمر. ويقول المزمور “لا تضربك الشمس في النهار ولا القمر في الليل” (مز١٢١: ٦).

فإن ثبتم في المحبة لن تتعثروا في المسيح ولا في كنيسته، ولن تتركوا المسيح ولا الكنيسة.

ومن يترك الكنيسة، كيف يبقى في المسيح وهو غير باق في جسده؟!

الضربة (الواردة في المزمور) تعني العثرة. فإن الذين لا يطيقون احتمال بعض الأمور في الكنيسة يتركونها منسحبين عن اسم المسيح أو الكنيسة. يا لعارهم!!

انظروا كيف وصموا بالعار أولئك الجسدانيون الذين علمهم السيد المسيح عن جسده قائلاً: “إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم” (يو 6: 53-69). كثيرون قالوا هذا الكلام صعب ورجعوا من ورائه وبقي الإثنا عشر. لقد ضربتهم الشمس، ورجعوا إلى الوراء عاجزين عن احتمال قوة الكلمة…

أما الذين تضربهم الكنيسة كالقمر فهم أولئك الذين يسببون الانشقاقات (بالبدع)…

آه! لو كنتم تحبون إخوتكم ما كانت توجد فيكم عثرة![13]]

وأما من يبغض أخاه فهو في الظلمة، وفي الظلمة يسلك.

ولا يعلم أين يمضي، لأن الظلمة أعمت عينيه” [11].

من يترك طريق الحب يتخبط في الظلمة ويتعثر ليصطدم بالرب الحجر الذي قُطع بغير يدين (دا 6: 53-69) فلا يطلب غفرانًا من الرب ولا يقبل وصايا ولا يصدق مواعيده. ويصطدم أيضًا بالكنيسة فلا يقبلها ولا يطيق العبادة فيها متعثرًا من كل شيء فيها، لأن الظلمة أعمت عينيه.

  • من يفعل الشر ويبغض أخاه، أطفأ سراج الحب، ولهذا يسلك في الظلمة[14].

العلامة أوريجينوس

  • إن أبغض إنسان أخاه يسلك في الظلمة ولا يعرف إلى أين يذهب. ففي جهله ينحدر إلى الهاوية، وفي عماه يسقط بتهور تحت العقوبة، لأنه ينسحب من نور المسيح[15].

الأب قيصريوس أسقف آرل

  1. حبنا للَّه

 

أ. إمكانياتنا كأبناء محبين للَّه

“أكتب إليكم أيها الأولاد،

لأنه قد غفرت لكم خطاياكم من أجل اسمه” [12].

يقول القديس أغسطينوس:

[لقد دُعينا أولادًا بالمعمودية ونلنا غفران الخطايا من أجل اسم المسيح. لأننا لم نعتمد باسم بولس ولا باسم بطرس ولا باسم آخر غير الثالوث القدوس.

تدعو المحبة أولادها الذين من أحشائها منتحبة عليهم من أجل الانقسام والانشقاق في الإيمان، مذكرة إيانا أننا قد اعتمدنا جميعًا وغفرت لنا خطايانا من أجل اسم المسيح الواحد.

أكتب إليكم أيها الآباء،

لأنكم قد عرفتم الذي من البدء” [13].

لقد صار للآباء الكهنة الأبوة إذ عرفوا اللَّه الأبدي الذي وحده له الأبوة الحقيقية نحو البشرية جميعًا. أما هم فيستمدون أبوتهم منه.

أكتب إليكم أيها الأولاد… أيها الآباء…

أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير“.

لقد حدث الأولاد عن الأبوة الغافرة للخطايا، والآباء عن الأبوة التي لهم من عند الآب السماوي الذي من البدء، والأحداث الذين وهبوا قوة للغلبة. فإن الشرير يحاربنا، لكنه لا يقدر أن يغلبنا، لأننا أقوياء بالمسيح يسوع، “لأنه إن كان قد صلب عن ضعف، لكنه حي بقوة اللَّه” (٢ كو 13: 4).

يعود الرسول فيؤكد ما سبق أن قاله:

أكتب إليكم أيها الأولاد، لأنكم قد عرفتم الآب.

كتبت إليكم أيها الآباء، لأنكم قد عرفتم الذي من البدء” [13-14].

يحذرنا الرسول لئلا ننسى الذي من البدء، فنفقد الأبوة الروحية. ويؤكد أيضًا للأحداث أنه يليق بهم أن يقاوموا حتى يغلبوا فيكللوا، وأن يمتلئوا بالرجاء في قتالهم، إذ يقول لهم: “كتبت إليكم أيها الأحداث، لأنكم أقوياء، وكلمة اللَّه ثابتة فيكم، وقد غلبتم الشرير” [14].

وصيته للأولاد، “قد عرفتم الآب“، وللآباء: “قد عرفتم الذي من البدء“. فهو يوصي بالمعرفة، لكن ليست المعرفة التي تنفخ بل المملوءة حبًا فتبني (١كو 8: 1).  فمن كانت له معرفة بغير حب يكون كالشياطين التي تعرف ابن اللَّه وتعترف به (مت 8: 29) لكن الرب انتهرها. أما المعرفة المطلوبة فهي المملوءة بحب اللَّه الذي يضاد محبة العالم. فإن تفرغت قلوبنا من المحبة الأرضية تشبع من الحب الإلهي، ويدخل اللَّه في قلوبنا كزارع في حقل يقتلع ما يجده من حطب، وينظفها ويهيئها ليغرس فيها شجرة “الحب”، أما الحطب الذي يقتلعه فهو محبة العالم[16].]

 

ب. رفضنا محبة العالم

“لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم.

إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب” [15].

يقول القديس أغسطينوس:

[نلنا الميلاد الجديد بالمعمودية منذ سنوات، فيجدر بنا ألا نحب العالم، حتى لا تتحول الأقداس التي فينا إلى لعنة بدلاً من أن تكون للقوة والخلاص.

كيف تتأسس المحبة في قلب مولع بمحبة العالم؟ لابد من انتزاع الحطب، وغرس البذور السمائية ولا نترك الشوك يخنق الزرع.

لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة.

والعالم يمضي وشهوته.

أما الذي يصنع مشيئة اللَّه، فيثبت إلى الأبد” [16-17].

يجرفنا نهر العالم مع أمواجه، لكن ربنا يسوع المسيح كشجرة مغروسة على مجاري المياه (مز١ :٣) تجسد ومات وقام وصعد إلى السماوات. هكذا بإرادته زرع ذاته بجوار المياه الجارفة حتى متى جرفتنا الأمواج نسرع ونمسك به. وإن استحوزت دوامة الأمور الزمنية حبنا، نسرع إلى ربنا يسوع ونمسك به، ذاك الذي من أجلنا أخذ الجسد الزمني لنصير نحن أبديين. ومع أنه أخذ ما هو زمني إلاَ أنه يبقى أبديًا.

لكن كيف لا نحب الأشياء التي في العالم؟

إن قدم عريس خاتمًا لعروسه فهل تحب الخاتم أكثر منه؟! فلتحب الخاتم كيفما تشاء، لكن هل يحق لها أن تكتفي بالخاتم قائلة: لا أريد أن أرى وجه العريس؟! هكذا من يحب الخليقة دون خالقها. فإن هذا الحب يُحسب زنًا.

ولقد جرب العدو “الشيطان” ربنا يسوع في هذه الأمور الثلاثة:

  1. شهوة الجسد: إذ قال له: “إن كنت ابن اللَّه فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا”. قال له هذا وهو جائع بعد صومٍ دام أربعين يومًا.
  2. شهوة العيون: وذلك من جهة اشتهاء صنع المعجزات (لينال كرامة بشرية) إذ قال له: “اطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيديهم يحملونك، لكي لا يصطدم بحجر رجلك”. لكن ربنا لم يكن يصنع المعجزات حبًا في الظهور، بل بدافع الحنان والترفق.
  3. تعظم المعيشة: إذ أخذه إبليس إلى جبل عالٍ جدًا وأراه ممالك العالم ومجدها، وقال له: “أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي”. فقد أراد أن يجرب ملك العالم كله بمجد العالم الباطل[17].]
  4.  

ج. رفضنا للبدع المنشقة على اللَّه وكنيسته

أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة،

وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي،

 وقد صار أضداد للمسيح كثيرون.

 من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة” [18].

هي الساعة الأخيرة“، إنها اللحظات الأخيرة للمعركة بين اللَّه والشيطان. يمد اللَّه أولاده بذاته ليعطيهم النصرة، والشيطان أيضًا إذ يرى أيامه قد اقتربت يصارع باثًا روحه في أضداد المسيح لكي يفسدوا إيمان أولاد اللَّه وحياتهم.

لكن أولاد اللَّه يحبون أباهم، مستتفهين الحياة الزمنية. يرون أيام غربتهم مهما امتدت هي “ساعة أخيرة” تنتهي حتمًا، ليحيوا في الفردوس، إلى أن يُكللوا في الأبدية. بهذا يطمئن الرسول أولاده ألا يخافوا من المقاومين لهم.

يقول القديس أغسطينوس:

[“منا خرجوا“: لا نحزن يا إخوتي لأنهم “لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا، لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا” [19].

كثيرون منهم نالوا معنا سرّ المعمودية، وكانوا يشتركون معنا في المقدسات، شركة قدس الأقداس، ومع ذلك فهم ليسوا منا…

أما الذين خرجوا منا لكنهم يعودون تائبين، فهؤلاء ليسوا أضداد المسيح، لأنهم لم يستطيعوا الحياة بدونه.

أضداد المسيح هم الذين خرجوا مصرين على خروجهم “ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا“.

هم لم يكونوا منا، لكنهم لم يكونوا ظاهرين هكذا.

“أما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء” [20].

هذه المسحة هي الروح القدس الذي فيكم، وهو الذي يكشف أسرار اللَّه في القلب ويعلمنا ويذوقنا حلاوة العشرة معه، ويفتح أذهاننا فنتعلم كل شيء[18].]

لم أكتب إليكم لأنكم لستم تعلمون الحق، بل لأنكم تعلمونه.

وإن كل كذب ليس من الحق” [21].

لا نحتاج إلى تعاليم جديدة، بل إلى عمل الروح القدس الذي يذكرنا بالحق. ويهبنا تمييزًا لرفض كل تعليم غريب.

من هو الكذاب، إلاَ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح؟

هذا هو ضد المسيح، الذي ينكر الآب والابن.

كل من ينكر الابن، ليس له الآب أيضًا.

ومن يعترف بالابن، فله الآب أيضًا” [22-23].

الكذاب هو الذي يرفض الحق منكرًا أن يسوع هو المسيح. أي يرفض ربنا كمخلصٍ له، منكرًا تأنسه، أو يرفض عمل المسيح في حياته، فيسلك بروح الضلال رغم دعوته مسيحيًا، هؤلاء يعترفون أنهم يعرفون اللَّه لكنهم بالأعمال يفرضونه (تي 1: 16).

ومن يرفض المسيح لا يتمتع بالآب والابن، لأنه “لا أحد يعرف الآب إلاَ الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له” (مت ١١: ٢8).

 

د. ثباتنا في اللَّه

وأما أنتم فما سمعتموه من البدء، فليثبت إذا فيكم.

إن ثبت فيكم ما سمعتموه من البدء، فأنتم أيضًا تثبتون في الابن وفي الآب.

وهذا الوعد الذي وعدنا به، هو الحياة الأبدية” [24-25].

بالنسبة لنا نحن الذين لم ننشق عن الكنيسة، فلنثبت فيما سمعناه من البدء وتسلمناه جيلاً بعد جيل. وبثباتنا في الإيمان المستقيم والحياة نثبت في الابن وفي الآب، متطلعين إلى الوعد الذي نشتهيه، أي “الحياة الأبدية”.

كتبت إليكم هذا عن الذين يضلونكم” [26].

فغاية كتابته توجيه أنظار المؤمنين حتى لا يضلهم المبتدعون بأساليبهم المخادعة.

وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم،

ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد،

كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء” [27].

وأما أنتم، أي المؤمنون؛ ففينا مسحة القدوس ثابتة، ولسنا محتاجين إلى تعاليم غريبة جديدة تلك الذي بلغت أحيانًا ما يقرب من ٦٠٠ طائفة جديدة. أما نحن فلنثبت على ما سلمه لنا الروح القدس، روح الحق الذي ليس فيه خداع “وهي حق وليست كذبًا“، حيث يختفي جميع المعلمين فلا يخدموا من عندهم، بل في المعلم الواحد وهو المسيح (مت 23: 10). إذًا لنثبت في هذا التعليم “كما علمتكم تبنون“.

 

4. محبو اللَّه وبنوتهم له

“والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه،

حتى إذا أظهر يكون لنا ثقة،

ولا نخجل منه في مجيئه.

“إن علمتم أنه بار،

فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه” [28-29].

إذ يثبت محبو اللَّه في كلامه بالمسحة الثابتة فيهم عندئذ:

أ. يصير لهم رجاء وشوق نحو مجيئه، كعروس تنتظر عريسها، لتعيش في حضنه، وتراه وجهًا لوجه في الأبدية.

ب. إذ يعلمون أنه بار فكأولاد له لا يقبلوا إلاَ أن يكونوا على مثال أبيهم، فيجاهدوا مثابرين لعمل البرّ بقوة المسحة التي فيهم.

 

 

[1] Origen: De Principiis 2: 7: 4.

[2] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[3] مار افرام السرياني: ميامر الميلاد طبعة 6٧، ص ١٦.

[4] مار افرام السرياني: ميامر الميلاد طبعة 6٧، ص ٤٥.

[5] Theological Orations 30:14.

[6] On Jacob and the Happy Life 6:21.

[7] Sermon 213:5.

[8] Introductory Commentary on 1 John.

[9] Introductory Commentary on 1 John.

[10] الحب الإلهي، 1967، ص ٩٣ (راجع مفهوم الوصية ص ٨٥ – ٩٣).

[11] Catena.

[12] Introductory Commentary on 1 John.

[13] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[14] Hom. On Levit. 13:4.

[15] Sermons 90:6.

[16] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John .

[17] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John .

[18] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

 

 

تفسير رسالة يوحنا الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول – التجسد الإلهي

 

يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن:

1.تجسد الله الكلمة واهب الحياة                 ١.

2.غاية التجسد:

 أ. يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح      ٢-٤.

 ب. نتبع الله ونسلك في النور                   ٥-٧.

 ج. نعترف بخطايانا                                 ٨-١0.

 د. نقبل الرب شفيعًا كفاريًا                    (1 يو 2: 1-2).

 

 

  1. تجسد الله الكلمة واهب الحياة

 

“الذي كان من البدء،

الذي سمعناه،

الذي رأيناه بعيوننا،

الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة” [1].

لاق بالرسول يوحنا أن يبدأ رسالته بهذه الشهادة القوية، لأنه كان أكثر التلاميذ والرسل دالة عند ربنا. انفرد باتكائه على صدره (يو 13: 23)، فتشرّب منه أسرارًا عميقة، وعاين مع يعقوب وبطرس أمجاد الابن على جبل تابور (مت 17: 1)، ورافق ربنا في خدمته حتى الصليب، متسلمًا منه الأم الحنون العذراء مريم أمًا له (يو 19: 25-27)، ونظر ولمس مع التلاميذ آثار جراحات ربنا القائم من بين الأموات (لو 24: 39).

ولعل القديس يوحنا كان في ذلك الوقت الرسول الوحيد الذي كشاهد عيان للرب لم ينتقل بعد، لذلك قال “الذي كان من البدء“، أي الأزلي غير المنظور، هذا صار جسدًا. أخذ ناسوتًا حقيقيًا هذا “الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا“، أي جاء الابن متأنسًا، فسمعناه ورأيناه ولمسناه، فأدركته قلوبنا “من جهة كلمة الحياة“. جاءنا لكي نراه من جهة الناسوت، فتتلامس معه أرواحنا، وتحيا به، إذ هو الإله الحي مصدر الحياة (يو 1: 1، 3).

وكما يقول القديس أغسطينوس: [من كان يستطيع أن يلمس الله الكلمة لو لم يكن الكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا؟! لقد أخذ الكلمة المتجسد بداية ناسوته من مريم العذراء، لكن ليست هذه هي بداية الكلمة، إذ يقول الرسول: “الذي كان من البدء”، شريك الآب في الأزلية[1].]

جاء الكلمة متجسدًا لكي يعلن للبشر محبته لهم. فهو لا يريد أن يكون غريبًا عنهم بل قريبًا إليهم، يسمعون صوته في داخل نفوسهم ويرونه بقلوبهم، وتلمسه حياتهم الداخلية. وبهذا يتمتعون بكلمة الحياة، إذ يقول الرسول: “لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء، أي ليحدر المسيح. أو من يهبط إلى الهاوية، أي ليصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول؟ الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك” (رو ١٠: ٦–٨).

ويعلق العلامة ترتليان على هذا النص فيقول: بأن الله لا يراه أحد ويعيش (خر 33: 20؛ يو 1: 18). فالآب غير منظور، والابن غير منظور، لكنه أخذ جسدًا فصار منظورًا. هذا الابن، الذي وحده له عدم الموت، “ساكنًا في نورٍ لا يُدنى منه” (1 تي 6: ٦) أخذ جسدًا فمات عنا (1 كو 15: ٣) وصار منظورًا (1 كو 15: 8). لكن عندما رآه الرسول لم يكن قادرًا أن يبصره من أجل بهائه (أع ٢٢: ١١)، ولم يستطع بطرس ويعقوب ويوحنا أن يحتملوه (مت ١٧: ٦؛ مر ٩: ٦)[2].

إذن جاء الابن الكلمة متجسدًا حتى تسمعه مع يوحنا وبقية التلاميذ ينادي الخطاة والعشارين بأسمائهم مترفقًا بهم بلا عتاب أو توبيخ. تسمعه بأذنين نقيتين يغفر لك خطاياك، مصالحًا إياك مع أبيه، دافعًا ثمن المصالحة: دمه الثمين.

وتشاهده يبحث عنك كراعٍ صالحٍ وأبٍ حقيقيٍّ. يذهب بإرادته إلى الصليب ويفتح جنبه حصنًا وسترًا لك، ترى فيه الأحشاء الملتهبة حبًا لك. تراه قائمًا من بين الأموات، صاعدًا إلى السماوات، فيرتفع قلبك به ومعه ويستقر فيه، لتكون حيث هو جالس.

تلمسه مع أمه العذراء مريم فتشتاق إليه، مقدمًا نفسك عروسًا بتولاً عذراء نقية له، وتلمسه مع تومًا معترفًا بألوهيته وربوبيته. تلمس قدميه مع المرأة الزانية، وتغسلهما بدموعك. فلا يستنكف منك بل يطوِّبك ويباركك. لا يرفض لمسات يدك ولا يستخف بدموعك، بل يحرص عليها كجواهرٍ ثمينةٍ لديه.

لأجلي ولأجلك جاء ربنا متجسدًا حتى تتمتع بالحياة التي أظهرها لنا “فإن الحياة أظهرت [2]. وكما يقول القديس أغسطينوس: [لقد ظهر المسيح… كلمة الحياة بالجسد للبشر. في البدء ظهر للملائكة لا للناس، فعاينوه واقتاتوا به كخبز لهم. والآن صار خبزًا لنا إذ يقول الكتاب: “أكل الإنسان خبز الملائكة” (مز 78: 25)[3].]

كما يقول: [لقد أُظهرت الحياة في الجسد، حتى أن من يمكن رؤيته بواسطة القلب وحده يُرى أيضًا بالعينين، حتى تُشفى القلوب[4].]

ويقول العلامة ترتليان: [لقد جاء المسيح لكي يظهر ذاته كحياة للنفس البشرية، مخلصًا الإنسان من موته الروحي، وليس بقصد الكشف لنا عن أسرار النفس[5].]

هذا هو غاية تجسد الكلمة. هذا هو ما رآه التلاميذ وشهدوا به.

  • عندما يقول: “الذي كان من البدء” يشير إلى ميلاد الابن الذي بلا بداية، إذ هو موجود أزليًا مع الآب. ففعل “كان” هنا يعني “الأزلية”، بكونه الكلمة نفسه، أي الابن الذي هو واحد مع الآب، ومساوي معه في الجوهر، أزلي غير مخلوق. وعندما يقول: “لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة” لا يعني جسد الابن مجردًا بل قوته أيضًا[6].

القديس أثناسيوس الرسولي

  • يظن كثيرون أن هذه الكلمات تنطبق على ظهورات يسوع بعد القيامة. يقولون بأن يوحنا يتحدث عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين، الذين سمعوا أولاً أن الرب قد قام، وبعد ذلك رأوه بأعينهم، لدرجة أنهم لمسوا قدميه ويديه وجنبه، وتحسسوا آثار المسامير. فإنه إن كان توما هو الوحيد الذي تلامس معه بالفعل جسديًا، فقد كان ممثلاً للآخرين. فقد طلب منهم المخلص أن يلمسوه ويروا ذلك بأنفسهم (لو 24: 39).

لكن آخرين رأوا في هذه الكلمات معنى أعمق، مدركين أنهم لم يتحدثوا على مجرد اللمس، بل أيضًا عن تدبير “كلمة الحياة الذي من البدء”. فإلى من يشير هذا إلا إلى الذي قال: “أنا هو الذي هو” (خر 3: 14).

يوجد تفسير آخر وهو أننا نرى علانية بأعيننا ذاك الذي كان من البدء، الذي تحدث عن الناموس والأنبياء أنه سيجيء. لقد جاء حقًا ونُظر في الجسد، وبعد معالجة ضخمة للنصوص الكتابية التي تشهد له. هذا ما نؤمن به بخصوص كلمة الحياة[7].

القديس ديديموس الضرير

وقد رأينا ونشهد” [2].

يقول القديس أغسطينوس: [إن كلمة “نشهد” تعني “صرنا شهداء”. فعندما نقول “رأينا ونشهد” كأنما نقول “رأينا وصرنا شهداء”، لأن الشهداء احتملوا العذابات بسبب شهادتهم الحقة لما رأوه وسمعوه عنه من الذين شاهدوا. هذه الشهادة أغضبت من جاءت ضدهم، فصار الشهود شهداء. وهذه هي مسرة الله أن يشهد الناس له، ليشهد هو أيضًا لهم[8].]

إذن لنرى ربنا في حياتنا، ونشهد له بتجاوبنا مع عمله، حاملين سماته في حياتنا، مذبوحين كل يوم من أجله.

  1. غاية التجسد

أ. أن يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح

ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا.

الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به” [2].

تتلخص رسالة ربنا يسوع في تقديم نفسه للبشرية لكي يقبلوه رأسًا غير منفصلٍ عنهم ولا هم عنه، بل يصيرون من لحمه وعظامه (أف ٥: ٣٠)، أعضاء حية في جسده السري.

لقد أماتت الخطية النفس البشرية إذ حجبتها عن الله مصدر حياتها، فجاء الابن الكلمة متجسدًا. واهب الحياة نفسه نزل إلينا ومات عنا وقام وصعد بقوة سلطانه، حاملاً إيانا على كتفيه كغنائم حية كسبها المنتصر الغالب الموت والظلمة، داخلاً بمجد عظيم، لا بمفرده بل حاملاً المفديين، لنكون معه ونتمتع به في السماويات.

وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [لقد تنازل الله غير المنحصر، الجائز كل إدراك، صلاحًا منه ولبس أعضاء هذا الجسد، وتخلى عن المجد الذي لا يمكن الدنو منه… صار جسدًا واتحد به ليأخذ إليه النفوس المقدسة المقبولة الأمينة، ويصير معها روحًا واحدًا كقول الرسول بولس (١ كو ٦: ١٧)… لتعيش النفس باتفاق تام، وتتذوق الحياة الخالدة وتصير شريكة في المجد الذي لا يفسد[9].]

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [والآن نحن الذين قبلاً حُسبنا غير مستأهلين البقاء في الأرض (تك 6: 7) رُفعنا إلى السماوات. نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد إلى ملكوت السماوات وندخل السماوات ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي[10].]

هذا ما رآه التلاميذ وسمعوه يخبروننا به، فهل نحن لا نتمتع مثلهم؟ لهذا أضاف الرسول:

لكي يكون لكم أيضًا شركة معنا” [3].

نحن شركاؤهم في الإيمان وفي الحياة الأبدية. إذ لمسه توما، قائلاً: “ربي وإلهي” لمسته أيدي البشرية كلها. لأننا وإن كنا لم نلمس بأيدٍ جسدية، لكننا نسمع ذلك التطويب الصادر من الفم الإلهي: “لأنك رأيتني آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا”.

لقد قام المسيح وتأكدنا من قيامته، وصارت لنا القيامة فيه. وبهذا اشتركنا مع التلاميذ في إيمانهم وتمتعنا معهم بالقيامة معه والحياة به.

  • شركتنا هي في وحدة إيماننا هنا على الأرض، وفي مسكن الله الأبدي في السماء[11].

هيلاري أسقف آرل

وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.

نكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً” [3-4].

لمسه التلاميذ كشهود عيان بالحواس الخارجية، وأدركوه بالحواس الداخلية. وسلموا هذه الشهادة للأجيال التالية، فيتسلم كل جيل من سلفه بفرح “الإيمان المسّلم مرة للقديسين” (يه ٣).

وإذ يكون لنا هذا الإيمان الرسولي، الإيمان الواحد عبر كل الأجيال للكنيسة الواحدة نستطيع خلال الكنيسة وليس خارجها أن نتمتع بالشركة مع الآب والابن عريس الكنيسة، وبهذا يتحقق لنا الفرح الكامل من أجل الشركة والحب والوحدة الحقيقية، متمتعين هنا بعربون الحياة الأبدية.

وليس بالأمر العجيب ألا يذكر الرسول شركتنا مع الآب والابن إلاَ بعد قوله: “يكون لكم شركة معنا“، لأنه ليس لنا شركة إلاَ معهم، أي مع كل الرسل في داخل الكنيسة كأعضاء حية في جسد المسيح، مرتبطين بالإيمان الواحد للكنيسة مستقيمة الرأي.

  • يحل كمال الفرح عندما نكون في شركة مع الرسل، كما مع الآب والابن والروح القدس[12].

هيلاري أسقف آرل

ب. أن نتبع الله ونسلك في النور

غاية التجسد أن نتعرف على ربنا مخلصنا ونقبل الشركة معه، مقدمًا رأسمالها كله أي النور، وأما مساهمتنا نحن الذين في الظلمة والضعف، فباتحادنا مع النور تزول ظلمتنا لنسلك في النور.

يقول القديس أغسطينوس:

[“وهذا الخبر الذي سمعناه ونخبركم به“، ما هو الخبر الذي سمعوه ولمسوه بأيديهم؟… “أن الله نور وليس فيه ظلمة البتة” [5].

هذا ما ينبغي أن نعلنه. فمن يجرؤ ويقول أن الله فيه ظلمة؟!

ما هو النور؟ وما هي الظلمة؟ فربما يقصد الرسول مفهومهما العام.

الله نور“. يقول البعض أن الشمس نور والقمر نور والشمعة نور. إذن لابد أن يكون دلك النور أعظم بكثير من هذا كله. بل وأكثر سموًا وعلوًا. فما أبعد الله عن المخلوق!!

يمكننا أن نقترب من هذا النور إن عرفناه، وسلمنا له نفوسنا لتستنير به. فنحن بأنفسنا ظلمة، ولا نصير نورًا إلاَ إذا استنرنا به هو وحده!

وإذ نحن متعثرون بذواتنا ينبغي ألا نتعثر به. ومن ذا الذي يتعثر به إلاَ الذي لا يدرك أنه خاطئ؟!

وماذا تعني الاستنارة به سوى أن يعرف الإنسان أن نفسه قد أظلمت بالخطية. ويرغب في الاستنارة بالنور فيقترب منه. وكما يقول المزمور: “اقتربوا إلى الرب واستنيروا، ووجوهكم لا تخزى” (مز 3٤: ٥). فإنك لن تخجل من هذا النور عندما يكشف لك ذاتك، ويعرفك أنك شرير. فتحزن على شرَّك، وعندئذ تدرك جمال النور[13].]

ويقول العلامة أوريجينوس: [حقًا إن الله هو النور الذي يضيء أفهام القادرين على تقبل الحق، كما قيل في المزمور 36 “بنورك نعاين النور“. أي نور به نعاين النور، سوي الله الذي يضيء الإنسان فيجعله يرى الحق في كل شيء، ويأتي به إلى معرفة الله ذاته الذي يدعى “الحق”. فبقوله “بنورك يا رب نعاين النور” يعني أنه بكلمتك وحكمتك أي بابنك نرى فيه الآب[14].]

  • لا يعرِّف يوحنا جوهر الله… بولس أيضًا يدعو الله “نور لا يُدنى منه” (1تي 16: 6).

عندما يقول يوحنا أنه لا توجد ظلمة في نور الله يؤكد أن كل أنوار الآخرين يشوبها بعض العيوب[15].

القديس جيروم

  • الله هو نور الأذهان الطاهرة، وليس نور الأعين الجسدية. هناك (في السماء) سيكون الذهن قادرًا على معاينة هذا النور، الذي حتى الآن لا تقدر أن تعاينه[16].

القديس أغسطينوس

إن قلنا أن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب

ولسنا نعمل الحق” [6].

جاء النور الحقيقي ليضيء لكل إنسان. “وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة” (يو ٣: 19). فمن يرفض السلوك في النور لا تكون له شركة مع الله بل يكون مخادعًا غير سالك في الحق.

  • ليس للكذب شركة مع الحق، كما ليس للنور شركة مع الظلمة. فإن وجود الواحد يستبعد الآخر[17].

القديس إيريناؤس

  • الحق هو نور، فإن لم نُسر حسب الحق فنحن في الظلمة[18].

هيلاري أسقف آرل

ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور،

فلنا شركة بعضنا مع بعض،

ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية [7].

هذه هي علامة الشركة مع الله: السلوك في النور. وهذه هي علامة السلوك في النور أن يكون لنا شركة مع بعضنا البعض، أي لنا الحب والوحدة القائمة على ارتباطنا جميعًا بإيمان واحدٍ مستقيم كأعضاء في الجسد الواحد. وأن يكون لنا تمتع مستمر بالتطهر من كل خطية خلال التوبة والاعتراف وذلك باستحقاق دم المسيح.

لقد وضع الرسول شركتنا مع بعضنا البعض، أي وحدتنا الإيمانية المملوءة حبًا ككنيسة واحدة قبل أن يقول: “ودم يسوع المسيح يطهر”، لأنه لا يستطيع إنسان أن يتمتع بدم المسيح خارج هذه الكنيسة الواحدة.

  • كان دم الذبائح الحيوانية كافيًا لغسل الشعب من خطايا معينة ارتكبوها،، أما دم المسيح ففيه الكفاية في تطهير الذين يسلكون بالحب من كل الخطايا[19].

هيلاري أسقف آرل

ج. أن نعترف بخطايانا

“إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا.

إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل

 حتى يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم.

إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا” [8-10].

  • من يظن أنه يعيش بدون خطية فهو بهذا لا ينزع عنه خطيته، بل يفقد الغفران[20].
  • قد يقول قائل: ماذا أفعل؟ كيف أكون نورًا، وها أنا أعيش في الشرور والآثام؟! وبهذا يتطرق إليه اليأس والحزن، إذ ليس لنا خلاص بدون الشركة مع الله، والله نور وليس فيه ظلمة البتة، والخطية ظلمة، فكيف أتطهر منها؟! يكمل الرسول قائلاً: “ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية“. يا لعظم هذا الضمان الذي وهبه لنا! إننا بحكم وجودنا في هذا العالم وسط التجارب قد يتعثر الإنسان بعدما غفرت له خطاياه في المعمودية، لذلك يجب علينا أن نبذل ما في وسعنا معترفين بحالنا كما هو حتى يشفينا السيد المسيح بدمه[21].

القديس أغسطينوس

  • أي أحدٍ يسلك في ظلمة الخطية ويدّعي أن ذهنه لم يظلم، وأن له علاقة مع الله فهو كاذب[22].

القديس ديديموس الضرير

لكن قد يسأل سائل: هل من حاجة للاعتراف أمام أب الاعتراف؟[23]

لكننا نسأل مع أغسطينوس قائلين: ولماذا تهرب من الاعتراف؟ هل بدافع الخجل؟ أم بسبب الكبرياء؟

  • هل يمكن للرب أن ينطق بكلامٍ لغوٍ حينما أعطى التلاميذ سلطان الحل (يو٢٠ :22؛ مت 18: 18)؟!
  • يخبرنا سفر الأعمال: “وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم” (أع ١٩: ١٨).
  • يقول القديس أغسطينوس: [أقام الرب لعازر، والذين حوله (التلاميذ) حلوه من الأربطة. ألم يكن قادرًا الذي وهب الحياة أن يحل الأربطة؟!]
  • تقابل شاول مع الرب مباشرة، والرب حوّله إلى حنانيا.
  • عاشت الكنيسة منذ القرن الأول على الاعتراف لدى الكاهن، فيقول الآباء:

أ. كما أن المعمد يستنير بنعمة الروح القدس هكذا بواسطة الكاهن ينال التائب الغفران بنعمة المسيح (البابا أثناسيوس الرسولي).

ب. إن سلطان حل الخطاة أعطى للرسل والكنائس التي هم أسسوها إذ أرسلوا من الله، وللأساقفة الذين خلفوهم. (الشهيد كبريانوس).

ج. اسكبوا قدامي دموعًا حارة وغزيرة وأنا أعمل معكم هذا العمل عينه. خذوا خادم الكنيسة شريكًا أمينًا لكم في حزنكم وأبًا روحيًا، واكشفوا له أسراركم بجسارة اكشفوا له أسرار نفوسكم كما يكشف المريض جراحه الخفية للطبيب فينال الشفاء (غريغوريوس أسقف نيصص).

أما الذي يظن أنه ليس في حاجة للتوبة والاعتراف أي يحسب نفسه بارًا فهذا:

  1. يضل نفسه [٨]، إذ يتجاهل حقيقة ضعفه وامكان سقوطه في أية لحظة.
  2. ليس الحق فيه [٨]، لأن الحق نور، فيكشف للإنسان حقيقته.
  3. يجعله كاذبًا [١٠]، أي يتهم الله نفسه الذي يؤكد إنه لا صلاح للإنسان في ذاته، وأنه مهما بلغ من درجات القداسة يمكن أن يسقط إن تكبر أو تراخى في الجهاد.
  4. وكلمته ليست فيه [١٠]، لأن هذه هي كلمة الله ووصيته أن نطلب في كل يوم قائلين: “اغفر لنا ذنوبنا”.

أن نقبل ربنا شفيعًا كفاريًا (1 يو 2: 1).

[1]St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[2] Cf. Tertullian: Against Praxeas 15.

[3] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[4] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John..

[5] Tertullian: On the Flesh of Christ.

[6] Adumbration: of Ancient Christian Commentary of Scripture, vol 11, p. 166.

[7] Comm. On 1 John PG 39:1775-76.

[8] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[9] The author: The Divine Love, 1967, p. 726-27 (in Arabic).

[10] The author: The Divine Love, 1967, p. 732

[11] Introductory Commentary on 1 John.

[12] Introductory Commentary on 1 John.

[13] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[14] Origen: De Principiis.

[15] Against the Pelagians 2:7.

[16] Letter, 92.

[17] Adv. Haer. 3:5:1.

[18] Introductory Commentary on 1 John.

[19] Introductory Commentary on 1 John.

[20] St. Augustine: City of God 9:14.

[21] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[22] من “دراسات في رسالة يوحنا الرسول الأولى” للدكتور موريس تاوضروس.

[23] The author: The Pastoral Love (in Arabic).

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

مقدمة

رسائل يوحنا الثلاث

 نسبت الكنيسة الأولى الرسائل الثلاث إلى يوحنا الحبيب تلميذ الرب يسوع ويلاحظ أن هناك تشابهاً بين هذه الرسائل وبعضها البعض.

فتتشابه الرسالتان الأولى والثانية من جهة:

  1. غاية كتابتهما، وهو أن يكون فرحنا كاملاً (١يو ١: ٤؛ ٢يو ١٢).
  2. تتركزان حول وصية “المحبة” التي يلزم أن تترجم إلى سلوك عملي في حياتنا كأولاد لله.
  3. هذا السلوك العملي الذي يلازم الإيمان المستقيم يفرز أولاد الله الثابتين في النور وأولاد إبليس الماكثين في الظلمة والرافضين الإبن سواء من جهة الإيمان به عقيدياً أو رفض عمله في حياتنا العملية.

وتتشابه الرسالتان الثانية والثالثة من جهة الأسلوب. ويمكنك إدراك هذا بمقارنة العبارات التالية.

ع١ من الرسالة ٢ مع ع١ من فسالة ٣.

ع ٤ من الرسالة ٢ مع ع٣، ٤ من رسالة ٣.

ع ١٢ من الرسالة ٢ مع ع ١٣، ١٤ من رسالة ٣.

 

رسالة يوحنا الأولى

كاتب الرسالة

إتفقت الكنيسة الأولى على نسبة هذه الرسالة إلى يوحنا الحبيب. وهي تتفق مع إنجيله في كثير من العبارات في الفكر اللاهوتي.

ونلاحظ أن الرسول جاء في الرسالة باختصار بما أورده في الإنجيل، وكأنه افترض في القارئ أن يكون قد سبق له قراءة الإنجيل.

هذا ولم يذكر الرسول إسمه، ولا افتتحها بمقدمة، ولا أنهاها بإهداء سلام خاص للمرسلة إليهم، لكنها جاءت في صيغة رسالة موجهة من أب وقور نحو أولاده المحبوبين إليه جداً والمرتبطين به في علاقات روحية قوية.

وبهذه فهي أشبه بنشرة رعوية دينية موجهة إلى المسيحيين عامة.

مكان كتابتها وزمانها

  1. كتبت من أفسس.
  2. كتبها في أواخر القرن الأول تقريباً، بعد خراب أورشليم حيث انتهت الأمة اليهودية، لهذا لم يذكر الاضطهادات التي أثارها اليهود ضد المسيحيين، وإنما ذكر المقاومة التي أثارها أصحاب البدع.

ظروف كتابتها

مع نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني ظهرت بعض البدع التي تدور حول شخصية السيد المسيح. وأساس هذه البدع قائم على وجود إلهين إله الخير خالق الروح، وإله الشر وهو موجد المادة لأن المادة – في نظرهم – شر. ولا يمكن لله أن يخلق شراً.

على هذا الأساس لا يمكن للرب أن يأخذ جسداً حقيقياً لأن الجسد شر، بل خيالياً، فترأي للناس كأنه جاع وعطش وأكل وشرب وصلب ومات … الخ.

هذا الفكر الوثني يفسد نظرة الإنسان للمادة والجسد، لهذا انبرت الكنيسة الأولى تؤكد المفهوم المسيحي تجاه المادة والجسد على انهما صالحان من حيث كونهما خلقة الله … والإنسان بشره يفسدهما.

هذا الفكر يشوه محبة الرب لنا الذي أحبنا وشابهنا في كل شئ ما خلا الخطية. وهو يناقض نصوص الكتاب المقدس، ويهدم جوهر الفداء القائم على خلاصنا بدم المسيح المسفوك على الصليب.

غاية كتابتها

ذكر الرسول في رسالته أربع غايات لكتابتها وهي:

  1. لكي يكون فرحنا كاملاً (١يو ١: ٤).
  2. لكي لا نخطئ (١يو ٢: ١).
  3. لنتجنب المضللين (١يو ٣: ٢٦).
  4. لكي نعلم أن لنا حياة أبدية ويكون لنا ثقة فيه (١يو ٥: ١٣، ١٤).

 

موضوع الرسالة وأقسامها

الأصحاح الأول: التجسد الإلهي وغايته وأثره فينا كمؤمنين به.

الأصحاح الثاني: إيماننا بالإله المتجسد والحب لله ولإخوتنا.

الأصحاح الثالث: أحبنا الله فوهبنا البنوة، فما هي مسئوليتنا؟

الأصحاح الرابع: كيف نحب بحكمة فلا ننخدع بالمبتدعين؟

الأصحاح الخامس: إمكانيات إيماننا بالرب المتجسد.

 

تذييل[1]

هناك عبارات يونانية انفردت بها الرسالة وإنجيل يوحنا وحدهما منها (يرفع الخطية (يو ١: ٢٩ . ١يو ٣: ٥)، له خطية (يو ١٥: ٢٢ . ١يو ١: ٨)، يحفظ الوصايا (يو ١٤: ١٥ . ١يو ٣: ٢٤)، … الخ)

تشابه الإنجيل والرسالة في الفكر اللاهوتي مثل:

  1. أرسل الله إبنه الوحيد ليرفع خطايا العالم (يو ١: ٢٩، ٣: ١٦ . ١يو ٣: ٥).
  2. الكلمة كان عند الله منذ الأزل (يو ١: ١، ٢ . ١يو ١: ١، ٢).
  3. تجسد الكلمة يهب حياة للمؤمنين به (يو ١: ١٤، ١٠: ١٠ . ١يو ٤: ٢، ٩).
  4. المؤمن بالمسيح ينتقل من الموت إلى الحياة (يو ٥: ٤٥ . ١يو ٣: ١٤).
  5. دُعي إبليس أباً للخطاة والكذابين (يو ١٥: ١٨، ١٩، ١٧: ١٤ . ١يو ٣: ١٣، ٤: ٥، ٦).
  6. المحبة هي أهم سمات المؤمن (يو ٣: ٣٤، ٣٥، ١٥: ١٢، ١٧ . ١يو ٢: ٧ – ١١، ٣: ١٠، ١١، ١٤، ١٦، ٢٣، ٤: ٧، ١١).

القمص تادرس يعقوب ملطي

[1] من “دراسات في رسالة يوحنا الرسول الأولى” للدكتور موريس تاوضروس.

تفسير رسالة يوحنا الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

رسالة يوحنا الثانية

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

مقدمة

كاتب الرسالة

  • كتب يوحنا الحبيب هذه الرسالة التي تليها.
  • كتبهما في أفسس، لأنه لو كتبهما في بطمس لأشار إلى ما يعانيه في النفي.

لمن الرسالة؟

تعتبر هذه الرسالة هي السفر الوحيد في الكتاب المقدس الموجه إلى سيدة، لأنه “… ليس ذكر وأنثى لأنهم جميعًا واحد في المسيح يسوع” (غلا 3: 28).

ولقد اختلف المفسرون في معرفة شخصيتها:

  1. يرى القديس جيروم[1] أنها سيدة مختارة أي لم يذكر الرسول اسمها. وهذا هو الرأي الغالب. وربما لم يكتب الرسول اسمها نوعًا من الاحتشام بكونها سيدة أو منعًا من تعرضها لمضايقات الدولة الرومانية.
  2. يرى البعض أن قوله “إلى كيرية المختارة” أي إلى السيدة “أكلسكتا“، كيرية تعني “السيدة” واسمها “أكلسكتا” أي المختارة.
  3. يرى البعض أن اسمها “كيرية”.
  4. ويرى فريق رابع أن كيرية تعني السيدة وهي تعني بصورة رمزية إلى كنيسة معينة، إذ هي عروس المسيح المختارة. وهذا الفريق يفسر قول الرسول “أولاد أختك” [13] بمعنى أولاد الكنيسة التي يرعاها الرسول.

مميزاتها

تتسم بنفس روح كتابات الرسول يوحنا حيث يركز على “الحق” الذي تقوم عليه الكرازة حيث تنادي بالمسيح وعلى “الحب”، إذ ليس “حق” بغير حب، ولا حب حقيقي بغير “الحق” أي المسيح.

أقسامها

  1. التحية الافتتاحية 1-3.
  2. الحق والحب 4-6.
  3. تحذير من المضللين 7-11.
  4. ختام 12-13.

 

 

  1. التحية الافتتاحية

الشيخ إلى كيرية المختارة وإلى أولادها الذين أنا أحبهم بالحق ولست أنا فقط بل أيضًا وجميع الذين قد عرفوا الحق” [1].

يترجم القديس جيروم[2] كلمة “الشيخ Presbyter وهي تحمل معنى كاهن وأسقف، لأن الأصل اليوناني لهما واحد.

وربما شملت الكلمة معنى الكهنوت مع كبر السن أو الشيخوخة.

  • في الأصل “كهنة presbyters” وأساقفة كانوا واحدًا. فيما بعد أُختير الواحد لكي يرأس البقية. هذا حدث لمنع الإنشقاقات. باستثناء السيامة، أي عمل يقوم به الأسقف لا يقوم به الكاهن أيضًا؟[3]

القديس چيروم

  • كانت رسالة يوحنا الثانية التي كُتبت للعذارى صريحة تمامًا. كُتبت لامرأة بابلية معينة تُدعى مختارة Electa؛ اسمها يمثل اختيار الكنيسة المقدسة.

القديس اكليمنضس الإسكندري

  • واضح أن السيدة المختارة هي الكنيسة قد بُعثت إليها الرسالة. إنها مختارة في الإيمان ومعلمة لكل الفضائل[4].

هيلاري أسقف آرل

الذين أنا أحبهم بالحق“. لقد أحب الراعي هذه السيدة وأولادها، لكن ليس حبًا نفعيًا بغية نوال جزاء مادي أو أدبي، ولا دافعه المداهنة أو الرياء مثل المضللين والمخادعين أصحاب البدع. ولا أحبهم حبًا عاطفيًا ينبع عن مجرد قرابات جسدية أو عن تعصب، لكن أحبهم “بالحق” أي بالمسيح يسوع. وهو بقوله هذا يًُحمّل السيد وأولادها أن يكون حبهم للبشر دافعه الحق وليس إرضاءً للناس، رافضين كل باطل.

هذا الحب ليس حبًا منفردًا لكنه مستمد من محبة المسيح وكنيسته لهم إذ يحبهم “جميع الذين قد عرفوا الحق”. فهو كراعٍ أمين يشعر برباط الحب نحو أولاده خلال الرب يسوع وكنيسته، مرتبط بهما حتى في حبهما للمؤمنين.

أما غاية حبه بالحق فهو:

من أجل الحق الذي يثبت فينا وسيكون معنا إلى الأبد” [2].

هذه هي غاية حبنا وكرازتنا وكل عبادتنا أن نكون نحن وكل البشرية ثابتين في اللَّه وهو فينا لنبقى معه في أحضانه إلى الأبد. هذا الثبوت يتطلب نعمة اللَّه ورحمته.

تكون معكم نعمة ورحمة وسلام من اللَّه الآب ومن الرب يسوع المسيح ابن الآب بالحق والمحبة” [3].

فما يسندنا في ثبوتنا في الرب وجهادنا خاصة ضد المخادعين المبتدعين:

  1. نعمة اللَّه المجانية التي هي ينبوع الحب الإلهي تجاه الخطاة، بدونها من يقدر أن يخلص؟ بدونها من يقدر أن يثبت؟.
  2. رحمة اللَّه إذ يفيض الرب بنعمته علينا نحن الخطاة ندرك مراحم اللَّه التي لا تحصى المعلنة على الصليب فنطلب من اللَّه بدالة.
  3. سلام اللَّه وهي العطية التي نزعتها الخطية، إذ حجبتنا عن اللَّه سلامنا. لكن الرب أعاده لنا (يو 14: 27) سلامًا داخليًا به تعيش النفس مع مصدر حياتها، فلا يستطيع الشيطان ولا التجارب ولا شيء ما أن ينزعه!

مصدر هذه النعمة والرحمة والسلام هو “اللَّه الآب والرب يسوع”.

من اللَّه الآب ومن الرب يسوع المسيح [3].

لقد ظن البعض وجود إلهين: إله العهد القديم عادل جبار يقسو على الخطاة ويبيدهم، وإله العهد الجديد طيب حنون يترفق بالخطاة… لكن ما يؤكده الرسول هنا أن الروح القدس يسوع “ابن الآب بالحق والمحبة” الابن الوحيد الحبيب موضوع سرور الآب (مر 1: 11). فغن كانت النعمة والرحمة والسلام قد تمتعنا بهم خلال الصليب، فإن ما بذله الابن إنما من قبيل حب الآب، إذ “هكذا أحب اللَّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد” (يو 3: 16) راجع (يو 4: 9-10)…

وكما يقول القديس أمبروسيوس: [حب الآب هو نفسه حب الابن، فحب الابن دفع به أن يقدم ذاته عنا ويخلصنا بدمه (أف 5: 2)، ونفس الحب هو للآب، إذ مكتوب هكذا أحب اللَّه ذاته… وموضوع الاختيار (أي الابن هو الذي يبذل ذاته) فهو يظهر وحدة الحب الإلهي[5]].

2. الحق والحب

فرحت جدًا لأني وجدت من أولادك بعضًا سالكين في الحق[4].

إذ ختم قوله السابق أن “المسيح ابن الآب بالحق والحب” وإذ ارتبطنا في المعمودية بالرب ينبغي لنا أيضًا أن نسلك في الحق والحب معًا فننادي بالحق دون أن نفقد الحب، ونحب دون أن نُسلب من الحق والإيمان الحقيقي. هذا السلوك في الحب يفرح اللَّه وخدامه الرعاة.

  • القديسون دائمًا متهللون جدًا أن يروا ثمار الحق عمليًا[6].

هيلاري أسقف آرل

وهنا نلاحظ أن الرسول يبدأ بالحديث عن الأمور المفرحة بالنسبة لبعض أولادها ليشجعها هي وأولادها، حتى تكمل فرحة قلبه وقلب الكنيسة بتنفيذ الوصايا التالية:

والآن أطلب منك يا كيرية لا كأني أكتب إليك وصية جديدة، بل التي كانت عندنا من البدء، أن يحب بعضنا بعضًا” [5].

وهنا يوجه أنظارها إلى “الحب”، وكنا نظن كعادته أن يلقب المرسل إليه بالمحبوب. لكنه لم يا “كيرية المحبوبة” خشية أن يسيء البعض فهم العبارات إذ هي موجهة إلى سيدة. وهنا يكشف لنا الرسول عن حكمة الرعاة في تصرفاتهم حتى لا يسببوا قلاقل لأولادهم.

أما عن وصية المحبة فهي ليست بجديدة من حيث معرفة الإنسان بها[7]. وهذه الوصية تعتمد على محبتنا للَّه المؤسسة على طاعتنا له في تنفيذ وصاياه.

هذه هي المحبة أن نسلك بحسب وصاياه[6].

يقول القديس غريغوريوس رئيس متوحدي قبرص: [حفظ وصايا اللَّه المقدسة يلد لنا التشبه باللَّه حسب الاستطاعة. لا لكي نكون أزليين، بل رحومين ومحبين للَّه، كقوله: “كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم[8]” (لو 6: 36)].

وكما أننا إذ نطيع الوصية ونسلك فيها يتسع قلبنا بالحب للَّه ولاخوتنا، فإننا بالحب أيضًا يتسع قلبنا لطاعة الوصية وهكذا كل منهما تدفع الأخرى.

وهذه هي الوصية كما سمعتم من البدء أن تسلكوا فيها[6] أي المحبة. لأنه بالمحبة يكمل الناموس وتنفذ ما هو حق.

هذا الحب ينبغي أن يكون مرتبطًا بالحق. فلا نطلب الوحدة بين المسيحيين تحت ستار الحب دون أن تكون هناك وحدة في الإيمان، وعودة إلى إيمان الكنيسة الأولى الواحد، أي عودة إلى الحق. لأننا لا نطلب المظهر الخارجي، بل تلاقي كل نفس في البشرية مع الحق.

3. تحذير من المضللين

لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتيًا في الجسد. هذا هو المضل والضد للمسيح[7].

يربط الرسول الحب بالحق والتمييز والحكمة. فالحب إذ هو تنفيذ وصية اللَّه لهذا لا يليق بنا أن نقبل المعلمين الذين يتسترون تحت اسم المسيح ليعلمونا بغير ما هو حق… إذ يحاولون أن يلتقوا بالبسطاء ويخدعوهم تحت اسم “المحبة”.

يقول القديس كبريانوس: [هذه هي البساطة التي يجب أن تعرف في الكنيسة. وهذه هل المحبة التي ينبغي أن تحتفظ بها، حتى يكون الحب بين الاخوة مشابهًا لما هو بين الحمام. فيسود اللطف والرأفة والوداعة بين الاخوة كما هو الحال بين الحملان الوديعة.

لكن ماذا ينجم عن وجود ذئاب متوحشة لصدر المسيحية، وهم الهراطقة والمنفصلون عن الكنيسة تحت اسم المسيح؟ وماذا تؤدي إليه شراسة كلاب وسم حيات مميت وقسوة فاتكة يستعرضها متوحشون في الكنيسة؟

إنه يجب علينا أن نهنئ أنفسنا عندما نعزل أمثال هؤلاء الناس عن عضوية الكنيسة حتى لا يكونوا عوامل إفساد بالنسبة للحملان والحمام الذي في كنيسة اللَّه بصدورهم المملوءة سمًا وحقدًا[9]].

  • لنكن غيورين لما هو صالح، محجمين عن الأمور المعثرة وعن الأخوة الكذبة وعن الذين اسم ربنا في رياء يخدعون الشعب الذي بلا معرفة[10]].

القديس بوليكرس أسقف سميرنا

انظروا إلى أنفسكم لئلا نضيع ما عملناه، بل ننال أجرًا تامًا[8].

  • يحذر يوحنا الناس لئلا يسقطوا في هرطقة أو يرتدوا إلى ناموس العهد القديم بعد ما نالوا العهد الجديد[11].

هيلاري أسقف آرل

كل من تعدى ولم يثبت في تعليم المسيح فليس له اللَّه. ومن يثبت في تعليم المسيح فهذا له الآب والابن جميعًا” [9].

طالب الرب كنيسته أن تحب الجميع… لكن يلزمها أن تحذر ممن يدعون أنه أولادها وهم ذئاب يفسدون إيمان البسطاء… هؤلاء يبلبلون أفكار البسطاء ويشككونهم في إيمانهم ويفسدون جهادهم…

يقول القديس كبريانوس: [عروس المسيح لا يمكن أن تكون زانية، بل هي طاهرة غير دنسة، إنها تعرف لها بيتًا واحدًا… وكل من ينفصل عن الكنيسة ويلتصق بالزنا (بالبدع) يُحرم من مواعيدها.

إن من يهجرها لا يقدر أن يتمتع ببركات المسيح، إذ هو غريب وجاحد ودنس… ولا يستطيع أني كون اللَّه له أبًا ما دامت الكنيسة ليست أمًا له.

فلو استطاع أحد أن ينجو وهو خارج فُلك نوح لكان يمكن لأحد أن ينجو، وهو خارج الكنيسة. والسيد المسيح يحذرنا قائلاً: “من ليس معي فهو عليّ ومن لا يجمع معي فهو يفرق[12]” (مت 12: 3)].

  • هذا أنتم ترون مثالاً للحرمان في العهد الجديد من الشركة في البيت والشركة في الكنيسة[13].

هيلاري أسقف آرل

إن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام، لأن من يسلم عليه يشترك في أعماله الشريرة[ 10-11].

مع أن الرسالة موجهة إلى سيدة، والنساء معروفات بالحرج والخجل، لكنه يطلب بحزم ألا تقبل من يدّعي الإرشاد ويأتي كمعلم ويأتينا بغير ما هو حق. بل ولا نسلم عليه حتى لا نشترك معه في جريمته (خطف النفوس البسيطة من الحظيرة).

وربما كتب الرسول هذا عن أناس قد كانوا هم السبب في أن تتعرف السيدة على يديهم على شخص المسيح أو خلالهم تعرفت على الكنيسة… لكن ما داموا قد انشقّوا وانفصلوا فلنقطعهم عن الدخول إلى بيوتنا والسلام عليهم، حتى لا نعثر البسطاء، عندما يروننا معهم فيقبلونهم هم أيضًا ويتشربون روحهم.

يقول البابا ثاوفيلس: [إن جاءك إنسان وليس له إيمان الكنيسة (إذ كانت الكنيسة في العالم كله قبل مجمع خلقيدونية لها إيمان واحد) لا نطلب له النجاح[14]].

ويقول البابا الكسندروس الإسكندري عن الأريوسين: [لا تقبلوا أحدًا منهم ولو أنهم يأتونكم بإلحاح واندفاع[15]].

ويقول القديس أثناسيوس الإسكندري: [إن جاءكم أحد ومعه تعاليم مستقيمة قولوا له سلام واقبلوه كأخ. ولكن إن تظاهر أنه يعترف بالإيمان الحقيقي وظهر أنه مشترك مع آخرين انصحوه ليهجر مثل هذا الاجتماع. فغن وعد بذلك عاملوه كأخ، وأما إذا أخذ الأمر بروح مضادة فتجنّبوه[16]].

  • إذ يريدنا حتى لا نرحب بهم فإن يوحنا تلميذ الرب يجعل من أدانتهم أقوى[17].

القديس ايريناؤس

  • يمنعنا الحق من أن نسلم على مثل هؤلاء الناس أو نستضيفهم، وذلك في ظروفٍ غير لائقة. وهو أيضًا يحذرنا من الدخول في جدال أو حوار مع أناس غير قادرين أن يقبلوا أمور الله، لئلا ننسحب من التعليم الحقيقي بالجدال الحاذق الذي له مظهر الحق. لذلك أظن أنه من الخطأ أن نصلي مع مثل هؤلاء الناس لأنه في أثناء الصلاة توجد لحظات للتحية وتبادل السلام.

القديس اكليمنضس السكندري

  • واضح أن الذين يقيمون صداقات مع أناسٍ ينطقون باطلاً على الله، والذين يأكلون معهم لا يحبون الرب الذي خلفهم ويقويهم. عوض أن يكتفوا بهذا الطعام ينقادون إلى التجديف على من يعولهم[18].

القديس باسيليوس الكبير

  • يوحِّد يوحنا قادة الكنائس في سلام، لأنها أخوات في إيمان الكنيسة وبنات لله بالعماد[19].

هيلاري أسقف آرل

  1. الختام

إذ كان لي كثير لأكتب إليكم لو أُرد أن يكون بورق وحبر، لأني أرجو أن آتي إليكم وأتكلم فمًا لفم، لكي يكون فرحنا كامل.

 يسلم عليك أولاد أختك المختارة” [12-13].

والورق المنتشر في ذلك الوقت هو البردي.

يلاحظ أن هناك أمورًا لا تكتب على ورق نطق بها الرسل لأولادهم وتسلمتها الأجيال جيلاً بعد جيل. وهذا لم يحدث فقط بالنسبة ليوحنا الرسول، بل ومع بولس الرسول حيث ترك تيطس (تي 1: 5) لكي يرتب الأمور الناقصة (ما هي؟) ويقيم في الكنيسة قسوسًا (كيف يقيمهم؟ وما هي الصلوات التي يقدمونها؟!)… هذا ما تسلمناه بالتقليد السليم[20].

 

 

 

[1] رسائل جيروم 123: 12.

[2] رسالة القديس جيروم 146: 1.

[3] Letters, 146.

[4] Introductory Commentary on 2 John.

[5] الحب الإلهي “محبة اللَّه الآب” ص216.

[6] راجع تفسير (1يو2: 8) ص20.

[7] راجع تفسير 1يو2: 8 (ص 20).

[8] الحب الأخوي ص10.

[9] الحب الرعوي ص812 راجع الراعي وموقفه من الهراطقة 787-816.

[10] Epis. to Philippians 7 : 1.

[11] Introductory Commentary on 2 John.

[12] الحب الرعوي ص808-809.

[13] Introductory Commentary on 2 John.

[14] في رسالته إلى القديس جيروم.

[15] رسالة ضد الأريوسية.

[16] رسالته الثانية إلى الرهبان (رسالة 53).

[17] Adv. Haer. 1 : 16 : 3.

[18] Catena.

[19] Introductory Commentary on 2 John.

[20] راجع أع15: 27، 16: 4، يو21: 25، يو16: 12-13، 1كو11: 34.

 

تفسير رسالة يوحنا الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

رسالة يوحنا الثالثة

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

مقدمة

موضوع الرسالة

بعث بها الرسول يوحنا إلى “غايس”، وهي الصيغة اليونانية للاسم اللاتيني “كايوس”، ومعناه “فرحان”. مدحه فيها من أجل محبته وكرم ضيافته بالنسبة للخدام.

من هو غايس؟

يصعب معرفة شخصيته، وقد ورد هذا الاسم كثيرًا في العهد الجديد.

  • غايس الذي من أهل كورنثوس (رو 16: 23)، ويرى البعض أنه هو نفسه الموجهة إليه هذه الرسالة، وهذا غير أكيد.
  • غايس آخر من أهل كورنثوس (1 كو 1: 14).
  • غايس المكدوني، كان رفيقًا للرسول بولس في أفسس عندما حدث فيها شغب بزعامة ديمتريوس الصائغ (أع 19: 23-29).
  • غايس الدربي، انتظر الرسول بولس ومن معه لمرافقته إلى أورشليم (أع 20: 4)، ربما كان أحد المنتدبين من الكنيسة لتقديم عطايا للقديسين المحتاجين هناك.

أقسام الرسالة

  1. غايس السالك في الحق 1-8.
  2. ديوتريفس الخادم المتعجرف 9-11.
  3. ديمتريوس الأمين 12.
  4. الختام 13-14.

1.غايس السالك في الحق

الشيخ[1] إلى غايس الحبيب،

الذي أنا أحبه بالحق [1].

يوجه الرسول خطابه إلى غايس ويدعوه بالحبيب، إذ يحبه بالحق وليس مداهنة أو رياء أو تحيّزًا. وهنا نلاحظ أن موضوع “الحق” أي “الرب يسوع” قد ذاب فيه الرسول يوحنا الحبيب. فهو يحب بالحق، ويتكلم بالحق وعن الحق، ويدحض كل مبتدع لأنه منحرف عن الحق. لقد اختفى القديس يوحنا في الحق فلا يرى غيره ولا يريد غيره.

أيها الحبيب في كل شيء،

 أروم أن تكون ناجحًا وصحيحًا،

كما أن نفسك ناجحة[2].

يرى البعض أن غايس كان مريضًا، وهنا يطلب الرسول له صحة جسده. فحسن للمريض أن يطلب لأجل حياته الروحية ولا ينشغل بالزمنيات، إذ يقول الرب: “اطلبوا أولاً ملكوت اللَّه وبره وهذه كلها تزاد لكم”. لكن يجدر بالكنيسة ورعاتها، بل وللأصدقاء أن يطلبوا لأجل احتياجاته الزمنية التي للكفاف. على هذا النهج سلكت الكنيسة، حيث تصلي من أجل المرضى والمسافرين والمتضايقين والذين في السبيّ الخ. وفي هذا كله تطلب لهم غفران خطاياهم.

  • تسير الأمور حسنًا بالنسبة لغايوس لأنه نفسه منشغلة بأمورٍ صالحة حسب توجيه إرادة ذهنه (الصالحة)[2].

هيلاري أسقف آرل

لأني فرحت جدًا إذ حضر إخوة،

وشهدوا بالحق الذي فيك،

كما أنك تسلك بالحق[3].

موضوع فرح الراعي أن يرى أو يسمع عن الكل أن لهم شهادة بالحق الذي فيهم، وأنهم سالكون في الحق. إنها فرحة مبهجة تُنسي الخادم أتعاب الخدمة حين يرى ثمارًا مفرحة! لهذا يكمل الرسول قائلاً: “ليس لي فرح أعظم من هذا أن أسمع عن أولادي أنهم يسلكون بالحق[4].

إنه يسر بسلوكهم بالحق لأنهم أولاده… “أولادي”. هذه الأبوة يستمدها من اللَّه وفي اللَّه وبه[3]. فإن صارت العلاقة خارج ربنا يسوع ينطبق عليه هذا القول: “لا تدعوا لكم أبًا على الأرض” (مت 23: 8-10). فلا عجب أن دعا يوحنا الحبيب الرعية أولاده، وهكذا بولس الرسول (ا تس 2: 8، 11، غل 4: 19)، بل ويفتخر بولس بهذه الأبوة قائلاً: “لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح، لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل” (1 كو 4: 15).

  • يُرى الحق الخاص بحياة غايوس في كمال أعماله. كان إنسانًا بلا أي لوم في الفكر أو القول أو العمل، تبع وصايا الله قدر استطاعته[4].

هيلاري أسقف آرل

أيها الحبيب أنت تفعل بالأمانة كل ما تصنعه إلى الإخوة وإلى الغرباء.

الذين شهدوا بمحبتك أمام الكنيسة،

الذين تفعلون حسنًا إذ شيعتهم كما يحق للَّه[5-6].

إذ يسلك في الحق عامل الإخوة والغرباء بأمانة، أي بما يليق كإنسان مؤمن محب مطيع للرب يسوع. يقصد الرسول “بالإخوة” المؤمنين الذين سبق أن عرفهم غايس قبلاً واستضافهم في بيته. وأما “الغرباء” فربما كانوا يجولون للكرازة، هؤلاء عادوا إلى يوحنا الرسول يشهدون أمامه عن محبة غايس لهم واهتمامه بهم، إذ شيعهم كما يحق للَّه، أي ساعدهم بالصلاة والمحبة وتقديم احتياجاتهم المادية. هؤلاء خرجوا للخدمة من أجل المسيح، أي ليس بغرضٍ شخصيٍ.

  • امتدح الزائرون غايوس أمام بقية الكنيسة بسبب كرمة السخي مع العاملين في خدمة الله[5].

هيلاري أسقف آرل

لأنهم لأجل اسمه خرجوا،

وهم لا يأخذوا شيئًا من الأمم[7].

أي أتاح لهم غايس إمكانية عدم مد يدهم إلى أحد. وهذا يشجع الكارز في كرازته، إذ نجد الرسول بولس يسد أعوازه وأعواز الذين معه بعمل يديه، مع أنه من حقه أن يطلب الزمنيات مادام يزرع الروحيات.

فنحن ينبغي أن نقبل أمثال هؤلاء

لكي نكون عاملين بالحق[8].

هكذا يشجعنا الرسول أن نهتم بالعاملين في كرم الرب ونعينهم ونستضيفهم، فنكون بهذا شركاء معهم في خدمتهم.

2. ديوتريفس الخادم المتعجرف

كتبت إلى الكنيسة،

ولكن ديوتريفس الذي يحب أن يكون الأول بينهم لا يقبلنا[9].

  • تعلمنا هذه الآية أنه يليق بنا أن نحتمل إساءة الذين يهينوننا برباطة جأش، لكن أحيانا يلزمنا أن نعترض عليها، لأننا إن لم نفعل ذلك يفسد هؤلاء الناس أذهان الذين كان يليق أن يسمعوا عنا ما هو خير[6].

هيلاري أسقف آرل

من أجل ذلك إذا جئت،

فسأذكره بأعماله التي يعملها،

هاذرًا علينا بأقوال خبيثة.

وإذ هو غير مكتف بهذه لا يقبل الإخوة،

ويمنع أيضًا الذين يريدون، ويطردهم من الكنيسة[10].

بمعنى أنه كتب إلى الكنيسة التي غايس عضو فيها يوصيه بخصوص هؤلاء الخدام لكي يهتم بهم، باحتياجاتهم. لكن للأسف ديوتريفس الخادم ضُرب بالكبرياء وحب الكرامة، وهذا دفع به إلى الآتي:

أ. “يحب أن يكون الأول بينهم“، وهذا يحرف الخادم عن رسالته، فبدلاً من أن يخدم الآخرين يطلب خدمتهم وتكريمهم له.

ب. “لا يقبلنا“، أي لا يطيق كلمة الحق. يريد أن يعلم ولا يتعلم، مع أن الأسقف أمبروسيوس يقول: [إنني خلال تعليم الآخرين أرغب أن أكون قادرًا على التعلم، لأنه سيد واحد (اللَّه) الذي لا يتعلم مما يُعلِّم به[7]].

القديس أغسطينوس: [إننا معلمين بالنسبة لكم… ونحن زملاء لكم في مدرسة اللَّه[8].]

ويتأوه القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [إن الرجل العلماني إذا زل ينتصح بسهولة، أما الإكليريكي فإذ صار رديئًا يُضحي غير قابل النصح[9].]

ج. “لا يقبل الإخوة” إذ حبه لذاته تبلد فيه محبة الخدمة والاهتمام بخلاص كل نفس وفرحته بنمو كل إنسان روحيًا. إنما يصير حجر عثرة وحائل يقف أمام المؤمنين والخدام، ينتهر ويطرد ويحرم بغير حق ولا يبالي! لهذا نجد الكنيسة تؤكد أن كل حرمان بدون حق يرتد إلى نفس الشخص الذي حرم.

موقف الرسول 

“من أجل ذلك إذا جئت فسأذكّره بأعماله التي يعملها، هاذرُا علينا بأقوال خبيثة“. يليق به كرسول أن يبكت ليس للانتقام، إنما للتأديب، لأجل خلاص نفسه وعدم تعثر الرعية.

لهذا وضعت المجامع المسكونية قوانين خاصة بتأديب الرعاة متى انحرفوا، على أن يكون التأديب بترتيبٍ معينٍ، فلا ينحرف الرعاة ولا الرعية أيضًا. وإذ سبق الحديث عن هذا الموضوع أرجو الرجوع إليه في موضعه[10].

غاية الحديث مع غايس ليس إدانة ديوتريفس، ولا التشهير به، إنما لكي لا يتمثل به غايس، إذ يقول الرسول:

“أيها الحبيب لا تتمثل بالشر بل بالخير،

لأن من يصنع الخير هو من اللَّه،

ومن يصنع الشر فلم يبصر اللَّه[11].

من يصنع الخير يعلن عن استحقاقه لبنوته للَّه “الخير الأعظم”، وأما من يصنع الشر سالكًا في طريق العجرفة وحب الذات، فيعلن عن انحراف قلبه ورفضه النور وانحنائه بإرادته للظلمة، فلا يقدر أن يبصر اللَّه، لأنه “أية شركة للنور مع الظلمة؟ وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟” (2 كو6: 14-15).

فلا يطيق الشرير أن يسمع صوت اللَّه، أو يقبل فكره، أو يستطيع معاينته.

  1. ديمتريوس الأمين

“ديمتريوس مشهود له من الجميع، ومن الحق نفسه،

ونحن أيضًا نشهد، وأنتم تعلمون أن شهادتنا هي صادقة” [12].

حوًل الرسول أنظار غايس إلى مثال طيب مشهود له من الجميع ومن اللَّه ومن الكنيسة، وهكذا يشجع غايس حتى لا ييأس بسبب سلوك ديوتريفس. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أن العالم مثل شجرة مورقة من يراها من بعيد يظن كلها أوراق بغير ثمر. لكن من يقترب يجد خلف الأوراق ثمار حلوة. هكذا العالم مملوء بالأشرار ويختفي فيه قديسون كثيرون[11].]

ونلاحظ أن الرسول يوحنا يضع شهادة الجميع (أي من بينهم الوثنيون وغير المؤمنين)، قبل شهادة الحق وشهادة الكنيسة، وهذا هو جمال أولاد اللَّه أنه لا يستطيع حتى الأشرار أن ينكروا سموهم.

لهذا يشترط الرسول بولس في الأسقف “أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج” (1 تي 3: 7).

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [إنه حتى الوثنيين يوقّرون الإنسان الذي بلا عيب… لذلك ليتنا نحن أيضًا نعيش هكذا حتى لا يقدر عدو أو غير مؤمن أن يتكلم عنا بشرٍ. لأن من كانت حياته صالحة يحترمه حتى هؤلاء إذ بالحق يغلق أفواه حتى الأعداء[12].]

ويقول القديس إيرونيموس [الأسقف المسيحي يلزم أن يكون هكذا: أن الذين يكابرونه معه في العقيدة لا يقدرون أن يكابرونه في حياته[13].]

  1. السلام الختامي

وكان لي كثير لأكتبه،

لكنني لست أريد أن أكتب إليك بحبر وقلم،

ولكن أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فمًا لفمٍ[14].

رأينا      في الرسالة السابقة كيف سلم الرسل أمورًا لا تُكتب على ورق ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم في مقدمته لعظاته على إنجيل متى بأن كلمة اللَّه لا تٌكتب، وإنما سجلها اللَّه بلغتنا من أجل ضعفنا لكي ننتفع، لكنها هي روح وحياة، نحيا بها ونتذوقها، ويراها الناس في حياتنا مكتوبة في قلوبنا.

“سلام لك.

يسلم عليك الأحباء.

سلم على الأحباء بأسمائهم”.

إنه سلام السيد المسيح لتلاميذه بعد قيامته (لو 24: 36)… هكذا صار للكنيسة باسم المسيح أن تعطي سلام الرب نفسه.

وهنا يكرر الرسول تعبير “الأحباء” بدلاً من “الإخوة”، لكي يؤكد رباط الحب الذي يوحّد الكنيسة كلها في “الحق” ربنا يسوع.

 

 

 

 

 

[1] راجع تفسير كلمة “الشيخ” في الرسالة السابقة.

[2] Introductory Commentary on 3 John.

[3] راجع كتاب الحب الرعوي، 1966، ص33-42.

[4] Introductory Commentary on 3 John.

[5] Introductory Commentary on 3 John.

[6] Introductory Commentary on 3 John.

[7] الحب الرعوي، 1966، ص136.

[8] الحب الرعوي، 1966، ص137.

[9] الحب الرعوي، 1966، ص164.

[10] الحب الرعوي، 1966، ص102-128.

[11] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد.

[12] الحب الرعوي ص655.

[13] الحب الرعوي ص655.

 

تفسير رسالة يوحنا الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

 القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

 

 
 
 

 

مواجهة الارتداد

إذ نقترب من سفر الرؤيا حيث يُعلن مجيء يوم الرب العظيم، فنشترك مع مسيحنا القدوس في مجده الإلهي، كما تحذرنا رسالة يهوذا من الارتداد.

عدو الخير لا يعرف الراحة، بل يبذل كل جهده ليحطم مملكة اللّه في داخلنا، وكلما اقترب زمن الدينونة ضاعف جهده ليبث روح الارتداد. وقد جاءت الرسالة تبرز شراسة العدو مع إمكانيات المؤمن الجبارة في مواجهة هذه المعركة.

هذه الرسالة هي دعوة إلهية مقدمة إليك لتكتشف أيها العزيز الطريق، وتتعرف على إمكانيات الخلاص، وتحذر حيل العدو، حتى تتهيأ لمجيء مخلصك الذي يحملك إلى أمجاده.

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

 

مقدمة

كاتب الرسالة

ورد في العهد الجديد إثنان باسم يهوذا:

  1. يهوذا أخو يعقوب, وهو أحد الإثني عشر رسولاً, ويرجح البعض أنه لباوس الملقب تداوس، وقد ذكر في (لو 16:6؛ يو 22:14؛ أع 13:1).
  2. يهوذا، كاتب الرسالة، خو الرب (أي ابن خالته مت 55:13؛ مر 3:6)، وكان له أخ يدعى يعقوب، هذا الذي كان له مركز سامٍ في الكنيسة بأورشليم، وقد رأس المجمع الأول المذكور في أعمال الرسل (ص 15).

متى كتبت رسالة يهوذا؟ لمن كتبت رسالة يهوذا؟

  • كتبت قبل خراب أورشليم، وإلا كان قد ذكر هذا الأمر مع ذكره خراب سدوم وعمورة كمثال لدينونة اللّه بالنسبة للفجار.
  • كتبت إلى المؤمنين الذين كانوا قبلا يهودًا أو أممًا.
  • هناك شبه قوي بينها وبين رسالة بطرس الثانية، إذ يتحدث كلاهما عن نفس المعلمين الكذبة الذين عناهم الرسول بطرس، لذلك يرى بعض الدارسين أنها كتبت ما بين 68م و70م.

أهمية رسالة يهوذا

مع صغر حجمها لكنها رسالة ممتعة لها أهميتها:

  1. تكشف عن الإيمان الثالوثي، فقد تحدث الكاتب عن الآب والابن والروح القدس، لا بلغة الفلسفة النظرية، وإنما بلغة الحياة العملية، حيث يختبر المؤمن عمل الثالوث القدوس، ويدرك إمكانياته فيه.

أ. في اللّه الآب ندعى قديسين [1]… فهو القدوس الذي يحتضن أولاده، ليختبروا قداسته فيهم.

ب. في المسيح يسوع نصير محفوظين [1]… فإن كانت الحرب شرسة للغاية، لكننا لسنا طرفًا فيها، هي حرب بين مسيحنا وعدو الخير، إن اختفينا في المسيح مخلصنا نبقى محفوظين.

جـ. مصلين في الروح القدس [20]… إن كنا عاجزين حتى عن الصلاة، فالروح القدس الناري يلهب قلوبنا بالحب، ويرفعها إلى عرش النعمة لتقف أمام السماوي تتحدث معه بلا حاجز!

هذا هو إيماننا بالثالوث القدوس الذي يبني النفس؛ “فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس” [20].

2. الحياة الكنسية:

مادامت الرسالة تقدم معركة خطيرة بين اللّه وإبليس، فليدرك المؤمن أنه غالب باللّه مخلصه الذي يحفظه فيه [1]، لكن ليس في سلبية أو تراخٍ أو إهمال، وإنما ببناء نفسه متكئًا على الإيمان الأقدس [20]، عاملاً لا بمفرده، بل مع اخوته بكونه عضوًا حيًا في الكنيسة الجامعة.

لقد أكد الكاتب الحياة الكنسية كسندٍ قويٍ في جهادنا الروحي:

“أكتب إليكم عن الخلاص المشترك[3].

“الإيمان المسلم مرة للقديسين” [3].

في توبتك تسند اخوتك، وفي توبة أخيك معك يسندك، وكل انحراف في حياتك يحطم حياة إخوتك.

حياتنا مع الثالوث القدوس هي حياة شخصية داخلية خفية، وفي نفس الوقت حياة كنسية مشتركة، وليست فردية مبتورة عن بقية أعضاء الجسد الواحد.

3. الحياة الكتابية (الإنجيلية)

في هذا الأصحاح الواحد أشار الكاتب إلى العهد القديم، إذ يقوم خلاصنا على فكر كتابي دون عزل للعهد القديم عن الجديد.

أشار هنا إلى أحداث وردت في العهد القديم لتعليمنا:

أ. انتهار الرب للشيطان (ع 9؛ زك 2:3).

ب. جحد إسرائيل للإيمان (ع 5؛ عدد 12:14-29؛ 64:26،65)

ج. هلاك سدوم وعمورة (ع 7؛ تك 24:19؛ تث 23:29).

د. إخفاء جسد موسى (ع 9؛ تث 34؛ 5، 6).

ه. شر قايين (ع 11؛ تك 5:4)

و. ضلالة بلعام (ع 11؛ عدد 7:22-21).

ز. تمرد قورح (ع 11؛ عدد 1:16-3).

ح. أخنوخ السابع بعد آدم (ع 14؛ تك 18:5).

  1. وجود الملائكة [6] ورؤساء الملائكة [9]؛ وأيضًا الشياطين [9,6].
  2. أكد الدينونة النهائية [6- 7، 13-15، 24]. إنها مرعبة ومظلمة للأشرار، مجيدة ومبهجة لأولاد اللّه [24].
  3. مجيء السيد المسيح الأخير وسط ربوات قديسيه [14].
  4. السفر الوحيد الذي يسجل لنا الصراع بين رئيس الملائكة ميخائيل وإبليس بخصوص جسد موسى [9]، ونبوة أخنوخ [14، 15].
  5. يشير إلى ثلاثة أمور أبدية: الحياة الأبدية [21]؛ القيود الأبدية [6]؛ والنار الأبدية [7].

أمثلة للارتداد

إن كان السيد المسيح قد سبق فأخبرنا عن الارتداد القادم الذي يسبق مجيئه الأخير كآخر محاولة يقدمها عدو الخير لكى يصطاد إن أمكن حتى المختارين، فإن الارتداد هو حرب مستمرة بدأت قبل مجىء الإنسان حين ارتد ملائكة عن الإيمان بتمردهم على اللّه وتتزايد الحركة عبر العصور حتى تبلغ ذروتها في أيام ضد المسيح.

يورد هنا الكاتب ست حركات ارتداد:

  1. ملائكة [5] : عدم حفظ النعمة – كبرياء.
  2. إسرائيل [5] : عدم إيمان.
  3. سدوم [7] : نجاسة وفساد.
  4. قايين [11] : تمرد (إرادة ذاتية).
  5. بلعام [11] : محبة المال.
  6. قورح [11] : شهوة السلطة، وتمرد على النظام الكنسي.

 

مقارنة بين المؤمنين والمرتدين

المؤمنون

المرتدون

يختبرون عمل الثالوث [20,1-21].

يرفضون شمس البرّ عمليًا [13، 14].

يختبرون الحياة الكنسية [3].

يختفون في الكنيسة 4, تائهون [13].

يترقبون مجيء المسيح [14، 15, 20].

خياليـون (محتملون) [8].

أناس صلاة [20].

مفترون [10].

محبون للإخوة [22].

محبون للمال [11].

يشتهون خلاص الغير 23].

بلا مياه نعمة ولا ثمر الروح [12].

طاهرون [23].

شهوانيون [15-19]

 

دائمو التذمر [16].

 

مفتاح السفر:

مفتاح السفر “محفوظ”، وقد تكررت الكلمة خمس مرات:

  1. نحن محفوظون للمسيح يسوع [1]… نحن أعضاء جسده!
  2. مسئوليتنا أن نحفظ الإيمان المسلم مرة للقديسين [3] لننال الخلاص المشترك.
  3. لم يحفظ إبليس وجنوده نعمة الرئاسة، المعطاة لهم كنعمةٍ إلهيةٍ، لهذا هم محفوظون ليـوم الدينونة [6].
  4. لا يحفظ المرتدون الإيمان الحي العملي [19,8]، لهذا فهم محفوظون للظلام ككواكب تائهة عن شمس البرّ [12].
  5. يتحقق حفظ نفوسنا في محبة اللّه، وترقبنا لمجيء المخلص، لكي ننال الحياة الأبدية من قبل رحمته [20].
  6. اللّه القدير هو الذي يحفظنا من عثرة المرتدين الهراطقة [24].

العمل الإلهي ودورنا الإيجابي

لا يفصل القديس يهوذا الإيمان الأقدس عن الجهاد الروحي. فاللّه هو الذي يقدسنا [1]، ويحفظنا [1]. أما من جانبنا فيقول:

ابنوا أنفسكم” [20].

“مصلين في الروح القدس” [20].

“احفظوا أنفسكم في محبة اللّه” [21].

“منتظرين (ترقبوا) رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية” [21].

“ارحموا” [22].

“خلصوا البعض” [23]… جهاد لأجل خلاص كل نفس !!!

“مبغضين)ابغضوا (حتى الثوب المدنس من الجسد” [23].

أقسام الرسالة

  1. التحية الافتتاحية [2,1].
  2. تحذير للمحافظة على الإيمان المستقيم [4,3].
  3. أمثلة عن المنحرفين:

 أ. انحراف الشعب اليهودي [5].

 ب. سقوط بعض الملائكة [6].

 جـ. حرق سدوم وعمورة [7].

  1. صفات المعلمين الكذبة [8-13].
  2. نبوات عنهم:

 أ- أخنوخ [ 14-16].

 ب- الرسل [17-19].

  1. الأسس التي تقوم عليها الحياة الروحية [20-23].
  2. الختام [24- 25].

 

 
 

1. التحية الافتتاحية

“يهوذا عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب”.

يفتخر القديس يهوذا أنه عبد يسوع المسيح، متناسيًا نسبه للرب حسب الجسد، لأن عذوبة التعبد للّه تعطينا حلاوة وفرحًا، حتى أنه يدعونا أحباء وأبناء وعروسًا له. أما نحن ففي حب نجيبه: “لسنا مستأهلين أن نكون عبيدًا لك”.

“إلى المدعوين المقدسين في اللّه الآب،

والمحفوظين ليسوع المسيح” [1].

يوجه رسالته إلى المؤمنين عامة… الـ “مدعوين” أي ليس لهم فضل، لأن اللّه أحبنا أولاً ودعانا. وفى دعوته لا يحابى، إنما يقبل الإنسان الدعوة أو يرفضها، وفى قبوله لها رغم جهاده وتعبه، يُحسب الفضل للّه وليس منا.

“المقدسين“، فإذ نقبل الدعوة ونؤمن به ونعتمد، يلزمنا أن نسلم حياتنا للروح القدس الذي يقدسنا للّه الآب كأبناء له، فنصير على شبه أبينا القدوس.

“والمحفوظين ليسوع المسيح“، أي يحفظنا الروح القدس، ويهيئنا كعروسٍ عفيفةٍ تليق بعريسها الرب يسوع، وكعرشٍ مقدسٍ للّه القدوس.

وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [في العالم الظاهر إذا ذهب ملك ليقيم زمانًا (في المدينة) واتفق أنه نزل بيتًا فيه نجاسة ما فإنه يُنظم ويُزين بزينات متنوعة، ويُبخر بروائح عطرة، فكم بالحري يحتاج بيت النفس الذي يأتي الرب ليستريح فيه إلى زينات كثيرة، لكي يدخله ويقيم فيه، ذاك الذي هو نفسه نقي من كل دنسٍ وعيبٍ؛ هكذا هو القلب إذ فيه يحل اللّه وكل الكنيسة السماوية[1]].

ويقول أيضًا: [إذًا يجب على كل منا أن يجتهد بإخلاص، ولا يقصر في الفضيلة، وأن يؤمن ويطلبها من الرب لكي يصير الإنسان الباطن منه شريكًا في المجد في هذه الحياة الحاضرة، وتكون للنفس شركة في قداسة الروح (1 يو 3:1) حتى إذا تطهرنا من دنس الخطية، يكون لنا في القيامة ما نستر به عري أجسادنا عند قيامها، ونغطي به عيوننا ويحيينا ويريحنا في ملكوت السماوات إلى الأبد[2]].

“لتكثر لكم الرحمة والسلام والمحبة” [2].

هذه هي طلبة الرسل لشعبهم، يطلبون لهم مراحم اللّه التي لا تُحد، وسلام اللّه الذي يفوق كل عقل، والمحبة التي مصدرها اللّه.

لا تكف الكنيسة في بداية كل صلاة عن أن تطلب على لسان الكاهن قائلة من أجل أولادها: “السلام للكل (أيريني بآسي)”، وتطلب الرعية من أجل الراعي قائلة: “ولروحك أيضًا”.

لا يرد الشعب “ولك أيضًا”، بل “ولروحك أيضًا”، لأننا لا نطلب من أجل سلامٍ خارجيٍ، إنما سلام الروح الذي يقوم على اغتصابها رحمة اللّه ونعمته، وتمتعها بالشركة معه وغفران الخطية التي تفسد كيانها.

هكذا لا نكف عن الجهاد من أجل هذه الطلبة من أجل نفوسنا وإخوتنا، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لنغتصب هذه البركة على قدر طاقتنا، متطلعين إلى الامتلاء من الرب إلهنا. إذ يقول الرب: “افغر فاك فاملأه” )مز 10:80(].

ولما كان الرسول يهوذا يملأ الرسالة بالحديث عن المعلمين الكذبة الفجّار خشي أن يدخل إلى قلبهم بغضة شخصية، وليس ضد البطلان والشر، لهذا يطلب لهم: “لتكثر لكم … المحبة”.

 

 

2. تحذير للمحافظة على الإيمان المستقيم

 

“أيها الأحباء، إذ كنت أصنع كل الجهد لأكتب إليكم

عن الخلاص المشترك” [3].

كان الرسول يصنع كل الجهد ليكتب عن الخلاص، لأنه من يقدر أن يكتب عنه أو يعبر عنه؟ فالحديث عن الخلاص هو حديث عن الحب الإلهي غير المنطوق به. هو إيماننا باللّه الذي يتسلمه كل جيل من قلوب الأجيال الأخرى.

لذلك فالمسيحية بالحق ليست كتبًا تقرأ أو مبادئ تحفظ، بل هي حياة مع ربنا وتذوق لحلاوة العشرة معه.

لقد تلمذ ربنا يسوع تلاميذه على يديه، عاش في وسطهم وعاشوا معه. التفوا حوله، وساروا معه أينما ذهب. وهكذا طلب من تلاميذه: “اذهبوا وتلمذوا” (مت 19:28). فيتتلمذ كل جيلٍ على يدي آبائه لربنا يسوع.

وإذ ضعفت روح التلمذة في جيلنا هذا لهذا فترت الروحانية وتحولت العبادة إلى مجرد وعظ وتأليف كتب وتثقيف ذهني وحفظ كلمات وكثرة جدال[3].

“لأكتب إليكم عن الخلاص المشترك”، أي الذي تشترك فيه كل أمة ولسان وقبيلة، لأن اللّه ليس عنده محاباة.

“اضطررت أن اكتب إليكم،

واعظا أن تجتهدوا لأجل الإيمان المسلم مرة للقديسين” [3].

كان يتوق الرسول إلى الحديث عن الخلاص والصليب ومحبة اللّه والشركة معه. الأمور المبهجة، لكن إذ رأى أن بعض المعلمين يعلمون بغير ما استلمت الكنيسة، غيّر حديثه عن اضطرارٍ، مطالبًا إياهم أن يجتهدوا “لأجل الإيمان المسلم للقديسين“.

فحيث توجد البدع والهرطقات التي يبثها الغرباء، وهم يدعون أنهم مسيحيون، يليق بالراعي أن يوقظ أولاده، ويحذرهم حتى لا ينحرفوا عن الإيمان المستقيم.

وخطورة هؤلاء المعلمين أنهم يدخلون خلسة: “لأنه دخل خلسة أناس، قد كُتبوا منذ القديم لهذه الدينونة”. أي أنهم مخادعون، ينادون باسم المسيح، وهم يهاجمونه في كنيسته.

يدخلون خلسة، أي دخلاء مختلسون، يظهرون غير ما يبطنون. لهم مظهر التقوى والغيرة في الخدمة، لكنهم يحرفون تفسير الكتب.

هؤلاء هم فجّار، وذلك لسببين:

أ. “يحولون نعمة إلهنا إلى الدعارة” فجار، أي خالون من مخافة اللّه، إذ يستغلون نعمة إلهنا ومحبته كفرصة لتحقيق نزواتهم. متطلعين إلى دم السيد المسيح ليس كفرصة للجهاد والتحلي بالفضائل التي نقتنيها من يديه، بل فرصة للتراخي والانجراف في تيار الشهوات، ظانين أن مجرد الإيمان بغير جهاد يكفيهم.

ب. “ينكرون السيد الوحيد اللّه وربنا يسوع المسيح” [4]، هذا الإنكار يأخذ أحد صورتين أو كليهما، إما إنكار وجود اللّه أو لاهوت ربنا يسوع، أو إنكار لعملهما، وذلك بالاندفاع في تيار الخطية، وعدم التسليم والجهاد حسب إرادة الرب.

 

3. أمثلة لانتقام اللّه من الفجار

أ. هلاك اليهود بسبب عدم إيمانهم

“فأريد أن أذكركم ولو علمتم هذا مرة،

أن الرب بعدما خلص الشعب من أرض مصر،

أهلك أيضًا الذين لم يؤمنوا” [5].

ما يذكره الرسول هنا إنما هو مثال لما حدث في العهد القديم، والتاريخ يعيد نفسه. فهذا الشعب الذي أنقذه الرب من أرض مصر ارتد عن الإيمان، وعبدوا العجل الذهبي في البرية، وتركوا عبادة اللّه الحقيقي. فنجاتهم مرة لا يعفيهم من الهلاك. هذا ما حدث لهم، فماذا يكون موقفنا إن أهملنا خلاص اللّه، “كيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصا هذا مقداره!” (عب 3:2)

ب- هلاك الملائكة الساقطين

“والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم،

بل تركوا مسكنهم،

حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم،

لقيودٍ أبديةٍ تحت الظلام” [6].

يقول القديس بطرس: “إن كان اللّه لم يشفق على ملائكة أخطأوا، بل في سلاسل الظلام طرحهم” )2 بط 4:2(. كان إبليس وجنوده قبل سقوطهم من أكبر الطغمات السمائية، فإذ لم يحفظوا رئاستهم بحبهم للرئاسة تركوا مسكنهم. تركوا السماء التي لا يسكنها إلا المتواضعون، وحُفظوا بقيود أبدية تحت الظلام، أي ارتبطوا بالظلمة في رباط أبدي.

وهكذا كما أن الروح القدس يحفظ المؤمنين ليسوع المسيح [1]، هكذا حُفظ الملائكة الأشرار للظلمة.

 

ج. حرق سدوم وعمورة

“وكما أن سدوم وعمورة والمدن التي حولهما،

إذ زنت على طريق مثلهما،

ومضت وراء جسد آخر،

جُعلت عبرة،

مكابدة عقاب نار أبدية” [7].

صارت سدوم وعمورة عبرة أمام الأشرار حتى يتوبوا.

لقد زنى الشعب جماعيًا وذلك برفضه طريق الرب وعصيانه واختيار إله آخر غيره. هذا يعتبره الرب زنًا روحيًا. فقد مضت (مملكة إسرائيل) وراء جسدٍ آخر، أي وراء رجل آخر أو عريس آخر غير عريسها أو وراء إلهًا آخر.

إن كل ما نضعه في قلوبنا – إنسانًا أو ممتلكات أو شهوة – ليحل مكان الرب في عرشه، يصير سيدًا لنا، ويُحسب زنا وخيانة لإلهنا.

يقول القديس أغسطينوس:

[يُُفهم من الزنا جميع الشهوات الجسدية والحيوانية. فالكتاب المقدس يتحدث عن عبادة الأوثان كزنا، ويدعو الرسول بولس الطمع عبادة أوثان وبالتالي يكون زنا.

إذن كل شهوة شريرة تدعى بحق زنًا، لأن الروح تفسد بتركها الشريعة السامية التي تحكمها وتبيع شرفها بشهوة دنيئة لا تتناسب مع سمو الروح[4]!]‍‍‍‍

 

 

4. صفات المعلمين المخادعين

 

“لكن كذلك هؤلاء المحتلمون

ينجسون الجسد،

ويتهاونون بالسيادة،

ويفترون على ذوي الأمجاد”[8].

إذ سبق الرسول فوصفهم بـ “الفجار” لأنهم لا يخافون الرب لهذا نتوقع فيهم كل شر. لأنه حيث لا تكون فيهم مخافة الرب ولا محبته يصيرون أداة لعدو الخير، فهم:

أ. محتلمون: أي يعيشون على الأحلام والأوهام، لا يعتمدون على الحق، بل هم كأناس سكارى يخدعون وينخدعون، يسلكون حسب أهوائهم الخاصة، وليس حسب إرادة اللّه الثابتة.

ب. ينجسون الجسد: إذ يرفضون إرادة الرب يستهينون بأجسادهم كأعضاء المسيح، فيسلمونها للشهوات الدنسة (2 بط 10:2). أو بمعنى آخر بكبريائهم يصيرون أعضاء دنسة مبتورة، بدلاً من أعضاء حية مقدسة مرتبطة بالكنيسة جسد المسيح المقدس.

ج. يتهاونون بالسيادة: إذ يرفضون الخضوع للسلطان الكنسي. وكلمة “السيادة” في الأصل اليوناني مشتقة من كلمة “سيد” أو “رب”، أي رافضين اللّه. وهذا هو ثمرة الخطية، فإذ يسقط الإنسان في الشهوات يهدىء ضميره بإنكار وجود اللّه والاستهزاء بالكنيسة. وكما يقول القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد شهوة.

د. يفترون على ذوي الأمجاد: ربما قصد بذوي الأمجاد “سلطان الكنيسة”، وذلك كما افترى العبرانيون على موسى النبي. وقد يقصد بذوي الأمجاد الملائكة، لأنه إذ ينحرف الإنسان يدين الآخرين حتى الملائكة، ولا يرى أمامه أحدًا مقدسًا، لأن عينيه لا تستطيعان أن ترى ذلك.

هـ. متكبرون: لا يقتدون برئيس الملائكة ميخائيل، الذي عندما خاصم إبليس من جهة جسد موسى، إذ لم يرد أن يظهره حتى لا يتعبد له الشعب فأخفاه، لم يرد أن يورد حكم افتراء من ذاته بل في تواضع مملوء شجاعة قال: “لينتهرك الرب”.

وقد أخذ يهوذا هذا الأمر عن التسليم “وأما ميخائيل رئيس الملائكة، فلما خاصم إبليس محاجًا عن جسد موسى لم يجسر أن يورد حكم افتراء بل قال لينتهرك الرب” [9].

فمع أن رئيس الملائكة على حق ويعرف الحقيقة تمامًا، لكنه ينفذ كل عمل متخفيًا في الرب، أما هؤلاء المحتلمون فيعملون في عجرفة، ويخفون الله ليظهروا هم، بالرغم من جهلهم وعدم معرفتهم: “ولكن هؤلاء يفترون على مالا يعلمون”.

و. ينحطون ليصيروا أدنى من الحيوانات: “وأما ما يفهمونه بالطبيعة كالحيوانات غير الناطقة ففي ذلك يفسدون” [10]. فلا يقف أمرهم عند عدم إقتدائهم برئيس الملائكة في تواضعه بالرغم من عدم معرفتهم للأمور، لكن حتى في الأمور التي يعرفونها بالطبيعة، أي بالناموس الطبيعي، والتي تدركها الحيوانات بالغريزة الطبيعية فإنهم يفسدونها، الأمر الذي لا تصنعه الحيوانات العجماوات.

ز. غير محبين: “ويل لهم لأنهم سلكوا في طريق قايين” [11] الذي ليس فيه حب بل بغضة للإخوة وعدم مخافة اللّه بل يقتل ويتكلم بوقاحة (تك 5:4-12). هكذا هم يُهلكون نفوس كثيرة ويقتلونها بالانحراف بهم عن مصدر حياتهم، وفى نفس الوقت يدافعون عن أنفسهم بوقاحة وجسارة كأنهم لم يصنعوا شيئًا.

س. محبون للأجرة: “وانصبوا إلى ضلالة بلعام لأجل أجرة” هكذا تحت محبة الأجرة انسكبوا كالماء تجاه الضلال، مثل بلعام (عد 7:22، تث 4:23) الذي صار جاهلاً وتصرف حماره بحكمة عنه.

يقول القديس أغسطينوس: [ينبغي ألا نبشر بالإنجيل بقصد الحصول على الطعام، لكننا نأكل لنستطيع التبشير بالإنجيل. فإن كنا نبشر بالإنجيل لكي نحصل على الطعام، يكون التبشير بالإنجيل في نظرنا أقل أهمية من الطعام. ولكن ما هو الهدف في تبشيره؟… إنه بقصد نوال جزاء الإنجيل نفسه والحصول على ملكوت اللّه وبذلك يبشر به طوعًا لا كرهًا[5].]

لا تعنى الأجرة الطعام أو المال فقط، بل قد تأخذ صورة الكرامة، أو ربما لدافع سياسي كما صنعت بعض الإرساليات الأجنبية للأسف.

ش. عاصون: “وهلكوا في مشاجرة قورح” هذا الذي قاوم موسى (عد 1:16-30) هكذا يتخصص هؤلاء شفى عصيان الرب وعروسه.

ص. لهم المظهر الخارجي المخادع وهذا أشر ما فيهم أنهم يظهرون بمظهر التقوى والغيرة على الخدمة وهم في الداخل مملؤون شرًا. وقد قدم لنا الرسول تشبيهات كثيرة فقال:

  1. “هؤلاء صخور في ولائمكم المحبية، صانعين ولائم معًا بلا خوف، راعين أنفسهم” [12]. فإذ ساد الكنيسة الأولى روح الحب كانت تكثر من ولائم المحبة (الأغابي)، يشترك فيها الأغنياء والفقراء. أما هؤلاء المنفصلون فقلدوا الكنيسة في ذلك، ليس بدافع الحب، إنما لعزل أولاد الكنيسة عن ولائم المحبة وجذبهم إلى الهرطقات التي يبثونها.

ما أكثر الولائم التي يقدمها الغربيون – تحت ستار المحبة – لفصل الأقباط عن كنيستهم، وذلك تحت ستار الرحمة والمحبة، مقدمين معونات مالية وعينية… والشرط في هذا – بطريق مباشر أو غير مباشر – هو ترك كنيستهم!!

إنهم كالصخور الخفية، “هؤلاء صخور” لا تراها العين تحطم السفن!

  1. هم بحق “غيوم بلا ماء تحملها الرياح. أشجار خريفية، بلا ثمر، ميتة مضاعفًا، مقتلعة” [12]. سحاب خادع يبشر بالخير، لكنه للأسف لا يحمل ماء الحب.
  2. أشجار خريفية: والخريف هو الوقت الذي فيه تكون الأشجار محملة بالثمار، لكنها بلا ثمر وميتة. وأكثر من هذا “مُقتلعة”، واقتلاع الشجرة لا يكون إلا بعد اليأس التام منها.
  3. “أمواج بحر هائجة مزبدة بخزيهم” [13]. تجمع الأقذار المطروحة في البحر، ولا يهدأون قط عن الثورة ضد الكنيسة علنًا أو خفية، يعملون على تحطيم السفن وإغراق البشر.

“نجوم تائهة محفوظة لها قتام الظلام إلى الأبد” أي انحرفت عن مجالها، فلابد أن تسقط ولا تعود بعد تستنير وتنير! فالنجم الذي يتوه عن الشمس، يفقد انعكاس النور عليه. هكذا الهراطقة، وإن ظهروا ككواكبٍ عظيمة، لكنها تائهة بعيدة عن روح السيد المسيح شمس البرّ، لذا يفقدون نور المسيح، ويصيرون في ظلمة، ويُحفظون للظلمة الأبدية.

بينما يدعون أنهم في الكنيسة الجامعة هم في الحقيقة تائهون!

 

 

5. النبوات عنهم

 

1. خنوخ

“تنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم،

قائلاً: هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه” [14].

اقتبس الرسول هذه النبوة لأخنوخ عن التسليم… أن الرب آت في ربوات قديسيه، أما الأشرار فيدينهم ويهلكهم.

“ليصنع لدينونة على الجميع،

ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها،

وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار” [15].

إنه سيدينهم عن كل كلمة نطقوا بها ضد اللّه، وكل تصرف ليس فيه خوف الرب. شرهم وأعمالهم هي التي تدينهم.

عاد الرسول يصفهم بقوله: “هؤلاء هم مدمدمون متشكون،” أي متذمرون على الدوام، محرومون من حياة السلام والشكر.

سالكون بحسب شهواتهم” وهذا يفقدهم الشبع، مما يفقدهم السلام؛ لا يبالون بإرادة اللّه، بل يطلبون إرادتهم لعلهم يشبعون ولكن بغير جدوى.

“وفمهم يتكلم بعظائم” أي ألسنتهم مملوءة عجرفة واعتدادًا بالذات.

يحابون بالوجوه من أجل المنفعة“، أي من أجل نفعهم الخاص يحابون الأغنياء والعظماء على حساب الحق.

ب. الرسل

 “وأما أنتم أيها الأحباء،

فأذكروا الأقوال التي قالها سابقًا رسل ربنا يسوع المسيح.

فإنهم قالوا لكم

أنه في الزمان الأخير سيكون قوم مستهزئون،

سالكين بحسب شهوات فجورهم” [17، 18].

هذا الأمر ليس غريبًا بل تكلم عنه الرسل وتنبأوا به (2 تى 1:3-5، عب 2:1، أع 29:20، 1 بط 20:1، 1 يو 18:2).

 أما قوله “الزمان الأخير” فانه بعد صعود ربنا إلى السماء، يُحسب الزمن الباقي “الساعة الأخيرة” أو الزمان الأخير الذي فيه ينتظر المؤمنون مجيء الرب يسوع في يومه العظيم.

“وهؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم،

نفسانيون لا روح لهم” [19].

هؤلاء دعاهم الرسول بالمعتزلين، لأنهم يعزلون أنفسهم بأنفسهم عن الكنيسة، منشقين عليها.

نفسانيون“، أي يسلكون ليس حسب الروح في تواضع، بل معجبون بأنفسهم، لا يحترمون سوى آرائهم وتخيلاتهم ويسيرون حسب فكرهم.

لا روح لهم“، أي غير سالكين حسب روح اللّه القدوس.

 

 

6. الأسس التي تقوم عليها الحياة الروحية

 

“وأما أنتم الأحباء،

فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس” [20].

ترك الرسول الحديث عن المعلمين الكذبة بعدما حذرنا منهم، وعاد يوجه أنظارنا إلى حياتنا الداخلية، لئلا في دوامة الجهاد من أجل الإيمان المستقيم ننسى بناءنا الروحي الداخلي.

يقول الرسول “فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس“. هذا هو أساس الحياة الروحية أن تقوم على إيمان أقدس مستقيم بلا انحراف. هذا الإيمان يلزم أن ترتبط به الأعمال: “فابنوا“. وهنا يظهر ضرورة الجهاد والعمل من جانبنا. هذا الجهاد والعمل هو بقوة الروح القدس الساكن فينا، لهذا يكمل قائلاً:

“مصلين في الروح القدس[20]، إذ كل عملٍ أو جهادٍ يقوم على غير الصلاة يكون باطلاً. وكما يقول الأب اسحق: [هناك نوع من الوحدة المشتركة غير المنفصلة بين الاثنين (أي الصلاة الدائمة والفضائل). فكمال الصلاة هو تاج بنيان كل الفضائل، فإذا لم تتحد كل فضيلة اتحادًا محكمًا بالصلاة بكونها تاجها، لا يكون لها قوة وثباتًا. ودوام الهدوء في الصلاة وثباته لا يمكن أن يكون أكيدًا وكاملاً ما لم تسندها الفضائل، ولا يمكن اقتناء الفضائل التي تضع أساساتها اقتناًء كاملاً ما لم تثبت في الصلاة[6]].

“واحفظوا أنفسكم في محبة اللّه”، وكأن محبة اللّه هي المظلَّة التي نحتمي فيها، ونستتر خلال الصلاة بالروح، وهذا يتطلَّب الجهاد والمثابرة: “واحفظوا أنفسكم“.

يقول الأب بفنوتيوس: [من المفيد لنا أن نتأكد أنه بالرغم من أننا نجاهد في الفضائل جهادًا غير باطل، لا نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفى نشاط الإنسان وجهاده المجرد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية ما لم يصون جهاده التعاون مع اللّه وتوجيهات اللّه للقلب نحو الحق[7]].

“منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية” [21] ويكون جهادنا في الصلاة والتستر في محبة اللّه غايته ترجي رحمة ربنا يسوع المعلنة لنا بتقديمه الحياة الأبدية. لأنه ما هو نفع إيماننا أو جهادنا بغير رجاء في الأبدية أو حب للقاء مع العريس إلى الأبد؟!

هذا الرجاء كما يقول الأب شيريمون: [هو الذي ينزع عن عقولنا محبة الأمور الزمنية محتقرين كل الملذات الجسدية مقابل ما ننتظره من البركات السماوية[8]].

ويربطه القديس أغسطينوس بالحب قائلاً: [لا يوجد حب بدون رجاء، ولا رجاء بدون حب، ولا حب أو رجاء بدون إيمان[9]].

“وارحموا البعض مميزين” [22].

إذ لنا رجاء في محبة اللّه منتظرين الأبدية يلزمنا ألا نيأس من جهة الآخرين بل نترفق بهم. هذا الترفق يكون بتمييز وحكمة (مميزين)، فالبعض يحتاج إلى اللين في معاملته، والآخر نترفق به خلال التأديب والحزم معه حتى يرتدع، وذلك كقول الآباء:

القديس غريغوريوس: [لتكن المحبة ولكن غير رخوة. ولتكن القسوة لكن غير شديدة. ولتكن الشفقة مطابقة لمقتضى الحال، أي غير مغالٍ في التسامح[10].]

القديس أمبروسيوس: [يجب أن تكون هناك معايير حقيقية لكلماتنا وتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر اللين الزائد أو الخشونة المغالى فيها.]

القديس يوحنا الدرجى: [من يرعى الخراف، ينبغي ألا يكون أسدًا ولا نعجة.]

“وخلصوا البعض بالخوف،

مختطفين من النار،

مبغضين حتى الثوب المدنس من الجسد” [23].

اجتهدوا في إنقاذ تلك النفوس بالخوف، أي خلال التأديبات والإنذارات وذلك بالنسبة للمستهترين المحتاجين إلى حزم.

إذ يقول: “مختطفين من النار“، يعلن عن ضرورة الإسراع في اختطاف هذه النفوس بغير توانٍ من وسط النار المشتعلة فيهم.

وقوله “مبغضين حتى الثوب المدنس” تعني أننا في سعينا لخلاصهم نحذر لئلا ننجرف معهم بدلاً من إنقاذهم.

 

 

7. الختام

 

“والقادر أن يحفظكم غير عاثرين،

ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج،

الإله الحكيم الوحيد مخلصنا،

له المجد والعظمة والقدرة والسلطان،

الآن وإلى كل الدهور. آمين” [24-25].

هكذا يختتم الرسول رسالته بكلمة تملأ النفس رجاء، خاصة وأن أغلب الرسالة تحدثت عن المعلمين المخادعين الذين يتخفون تحت اسم السيد المسيح.

يعود فيحدثهم عن ضرورة جهادهم ومثابرتهم وبحثهم عن كل نفس مع الحذر من الانحراف معهم.

  • القادر أن يحفظكم …” مشجعًا إيانا ألا نخاف في الخدمة، لأن اللّه يستطيع أن يحفظنا بغير عثرة، ويهبنا حياة مقدسة بلا عيب في الابتهاج، أي في يوم الدينونة المفرح.
  • يذكرنا بالمجد الدائم والبهجة المنتظرة، الأمر الذي يعطى للنفس أن تحمل الصليب بفرحٍ.
  • يذكرنا بالإله الحكيم مخلصنا، فهو اللّه الواحد يعرف بحكمته كيف يخلص وينقذ.
  • وأخيرًا يذكرنا بالتسبحة التي ينشدها أولاد اللّه الذين ذاقوا حلاوة العشرة مع المخلص وسينشدونها بفرح أيضًا إلى الأبد.

ليهبنا الرب النصيب الأبدي فنتمجد معه وبه.آمين.

 

 

من وحي يهوذا

احفظني لك، يا عريس نفسي!

 

  • ما أعجبك يا إلهي!

 تركت عدو الخير يدخل معك في معركة، يا خالق الكل!

ارتد عن رتبته الملائكية،

وصار ضالاً ومضلاً.

  • بقى العدو في معركته وسيبقى،

حتى يأتي بكل طاقاته كضد المسيح.

  • إني لا أخافه مادمت معي!

فيك اختفى، يا عريس نفسي!

إني محفوظ لك بروحك القدوس!

  • احفظ كنيستك يا مخلص العالم!

احفظها ممن دخلوا خلسة،

يحملون روح الضلال لا روح الحق،

ويعملون لحساب العدو متسترين باسمك!

احفظني لك، يا عريس نفسي!

احفظ كنيستك!

احفظ البشرية كلها مقدسة لك،

يا مخلص العالم!

 

 

[1] للمؤلف: الحب الإلهي، الإسكندرية، 1967، ص 1016.

[2] الحب الإلهي، ص 1019.

[3] للمؤلف: الحب الرعوي، الإسكندرية، 1965، “الاعتراف تلمذة”، ص274 الخ.

[4] للمؤلف: القديس أغسطينوس في شرح الموعظة علي الجبل، طبعة 68، ص 92.

[5] للمؤلف: القديس أغسطينوس في شرح الموعظة علي الجبل، طبعة 68، ص 216-218.

[6] للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان، ص 210.

[7] المرجع السابق ص 95.

[8] المرجع السابق ص 275-276.

[9] القديس أغسطينوس :الإيمان والرجاء والمحبة (تحت الطبع).

[10] الحب الرعوي ص607.

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version