تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الخامس

العلاقات الرعوية

  1. نصائح للرعاة ١ – ٤.
  2. نصائح للرعية ٥ – ٧.
  3. نصائح ختامية ٨ – ١٤.

١. نصائح للرعاة

أطلب إلى الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ رفيقهم،

والشاهد لآلام المسيح،

وشريك المجد العتيد أن يعلن” [1].

ونلاحظ أن كلمة “الشيوخ” ترجمت في أع ٢٠: ١٧ بالقسوس، وقد دعاهم في أع ٢٠: ٢٨ بالأساقفة. ومن هذا يظهر أن كلمة “الشيوخ” يقصد بها جماعة الأساقفة والقسوس ويقول القديس ايرونيموس[1] إن الكنيسة الأولى كانت كثيرًا ما تطلق لفظًا مشتركًا يقصد به الأساقفة والقسوس، أما الشمامسة فتتحدث عنهم على انفراد.

يقول الرسول “أنا الشيخ رفيقهم” دون أن يميز نفسه أنه رئيس عليهم كما يدعي البعض، بل كواحد منهم وزميلٍ لهم. هذا ما وضعه الرب كدستورٍ لتلاميذه، إنه ليس بينهم رئيس، بل من أراد أن يكون أولاً فليكن آخر الكل.

يقول: “الشاهد لآلام المسيح، وشريك المجد العتيد أن يعلن“، وهو يكتب بحكمة عجيبة، فإذ يدور حديثه في الرسالة حول “الآلام في حياة المؤمن” وقد ربطها بآلام السيد المسيح، لهذا يؤكد أنه مُعاين لآلام الرب بنفسه فهو لا يتحدث حديثًا نظريًا بل شاهد عيان.

يربط الرسول الآلام بالأمجاد ويُظْهِر لهم أنه شريك معهم في هذا الرجاء نحو الميراث الأبدي.

نصائح للرعاة:

قدم الرسول للرعاة هذه النصائح:

أولاً: “ارعوا رعية الله التي بينكم”

الخدمة هي رعاية، فيها يقدم الخادم للمخدومين كل ما يحتاجون إليه، ليس من ذاته، بل من راعي الرعاة، الرب يسوع الذي نادى قائلاً: “أنا هو الراعي الصالح“. إنها رعية ثمينة لأنها “رعية الله“. من يهتم بها يكون قد قدم الخدمة لصاحب الرعية نفسه، ومن يهلكها يكون قد أهانه.

يقول الأب افراهات:

[أيها الرعاة تمثلوا بالرعاة القدامى الصالحين. فإن يعقوب كان راعي غنم لابان، يهتم بها ويجاهد لأجلها ويسهر عليها وعندئذ نال المكافأة. لقد قال يعقوب للابان: “الآن عشرين سنة أنا معك. نعاجك وعنازك لم تسقط، وكباش غنمك لم آكل. فريسة لم أحضر إليك. أنا كنت أخسرها… كنت في النهار يأكلني الحر، وفي الليل الجليد ،وطار نومي من عيني” (تك ٣١: ٣٨–٤٠)…

وكما كان يعقوب راعيًا هكذا كان يوسف وإخوته أيضًا رعاة، وموسى وداود وعاموس، الكل كانوا رعاة… هؤلاء كانوا يرعون حسنًا.

والآن يا أحبائي لماذا يرعون الغنم وعندئذ يُختارون لرعاية البشر؟ بالتأكيد لكي يتعلموا كيف يهتم الراعي بقطيعه، ويسير ويجاهد فيما يعود لصالحه، وإذ اكتسبوا صفات الرعاة، أُختيروا لوظيفة البشر[2].]

ثانيًا: “نظارًا”

أي يكونوا رقباء ذوي عينين مفتوحتين حذرين وحكماء في توجيه رعية الله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزمه أن يكون متيقظًا جدًا، حارًا في الروح، كما لو كان يستنشق نارًا[3].]

ويعلل القديس غريغوريوس النزينزي[4] أهمية الحكمة في الرعاة من خطورتها:

  1. لأنها رعاية نفوس ثمينة هكذا إذ مات المسيح عنها!
  2. اختلاف طباع كل إنسان عن الآخر، واختلاف الظروف…
  3. اختلاف الأعمار والأجناس…

ثالثًا: “لا عن اضطرار بل بالاختيار”

لا ينظر إلى الخدمة كحملٍ ثقيلٍ ملزم به، بل يرعى بفرح وسرور، لأنه خادم في كرم أبيه السماوي.

رابعًا: “ولا لربح قبيح بنشاط” [2].

لا يخدم الراعي بقصد تحقيق أهدافٍ زمنيةٍ بل بذهن متيقظ نحو الرعية يهتم بخلاصهم وحياتهم مع الرب.

يقول القديس أغسطينوس: [الذين يرعون رعية المسيح على أنها تصير خرافًا لهم، وليس للمسيح يُظْهِرون أنهم محبون لأنفسهم لا للمسيح[5].]

خامسًا: “ولا كمن يسود على الأنصبة”

لا يتطلع الراعي إلى الرعية كنصيب له، يستغلها فيستولى عليها ويسيطر، بل يحبها ويخدمها.

سادسًا: “بل صائرين أمثلة للرعية” [3].

الراعي مثالٌ أمام رعيته، سلوكه وحياته وكل تصرفاته وعظ عملي وحديث مؤثر في حياة رعيته أكثر مما للسانه أو كلماته. لهذا يقول أحد الآباء: [إذا شرد الراعي لم يلبث أن يضل قطيعه مثله فيسقط متدهورًا.]

سابعًا: “ينتظر الإكليل السماوي”

الراعي هو الذي ترتفع أنظاره على الدوام منتظرًا مجيء راعي الرعاة ربنا يسوع لكي يهبه الميراث السماوي.

ومتي يظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلى” [4].

كرئيس للرعاة صاحب مجد متى ظهر يقدم للرعاة الذين تحت يده وقد تمثلوا به ورعوا رعيته أن يشتركوا معه في المجد الأبدي.

‏2.‏ نصائح للرعية

كذلك أيها الأحداث اخضعوا للشيوخ،

وكونوا جميعًا خاضعين بعضكم لبعض، وتسربلوا بالتواضع،

لأن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة.

فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه.

ملقين كل همكم عليه، لأنه هو يعتني بكم” [5-7].

يركز الرسول أنظار الرعية تجاه “التواضع في ربنا يسوع” فيطالبنا:

  1. الخضوع للرعاة:

التواضع هو الثوب الذي به تحتشم النفس البشريّة خلاله، فلا يظهر خزيها وعارها، لهذا يقول الرسول “تسربلوا بالتواضع“. ويظهر التواضع خلال الطاعة والخضوع بعضنا لبعض. فكم بالأكثر يليق بنا أن نخضع لمن اختارهم الرب لرعايتنا روحيًا (عب ١٣: ١٧)!

يقول مار فيلوكسينوس: [إني أقول لكم يا إخوتي….. ليحذر كل واحد من أن يعدل عن مشورة مرشده يمينًا أو شمالاً لئلا تَفْتَح أرض قلة الطاعة فاهها وتبتلعه، مثل أولئك الأوقاح الذين لم يطيعوا الطوباوي موسى، ففتحت الأرض فاهها وابتلعتهم[6].]

ويقول يوحنا الدرجي: [يا لسعادة من يُميت إرادته، ويترك تدابير نفسه لذاك الذي أعطاه الله إياه أبًا ومعلمًا، فسيكون موضعه عن يمين يسوع المسيح المصلوب[7].]

  1. خضوع في الرب:

الخضوع هنا ليس شخصيًا، بل في الرب ومن أجله، لهذا يقول الرسول “فتواضعوا تحت يد الله القوية”. الذي يهب العون لا للمعلمين في ذواتهم وفي شخصياتهم أو برِّهم أو تعاليمهم الخاصة، بل نعمة ربنا هي التي تسند.

هذه النعمة يشبهها القديس أغسطينوس[8] بسيدة لها أغنية سرية تسبح بها قائلة: “لأن الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة”.

أما مركز الراعي، فيشبهه القديس أغسطينوس[9] بالحاجب الذي لا ينطق بشيء من ذاته، بل بما يحكم به القاضي، حتى وإن كان على خلاف ما يريد أو يشتهي. فنحن نخضع لهم بما ينطق به الرب على ألسنتهم غير مسئولين عما يرتكبونه من أخطاء، إذ هم يدانون عنها.

  1. التطلع إلى رعاية الله:

لا يلهينا اهتمام رعاتنا أو حبهم لنا، بل نرى خلاله حب الله وعنايته الساهرة: “ملقين كل همكم عليه لأنه هو يعتني بكم”.

فإن كنا نلقب الكاهن: “أبانا” إنما نلقبه في الله الأب الواحد، وإذ ندعوه راعيًا إنما في شخص الراعي الأعظم، إذ هو وحده الذي له الخراف وهو العريس الوحيد الذي له العروس (يو ٣: ٢٩، ١٠: ١١).

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[10] إن الرعية هي فلاحة الله (١ كو ٣: ٩)، فلا تُنْسَب لمن يزرع فيه بل لمالكه، وهي بناء الله لا تُنْسَب لمن يعمل فيه بل لصاحبه. فالرعية الناصحة هي الذي لا تتعلق بالرعاة تعلقًا شخصيًا بل في الرب كراعٍ صالح معتنٍ بكل أمورها.

‏3.‏ نصائح ختامية

يختتم الرسول رسالته بالحديث عن الشيطان عدو الخير بكونه العدو اللدود الذي يريد إهلاكنا. وبهذا لا يكره الإنسان أخاه الذي يضايقه بل الشيطان.

اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو.

فقاموه راسخين في الإيمان،

عالمين أن نفس هذه الآلام تجري على إخوتكم الذين في العالم.

وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع

بعدما تألمتم يسيرًا،

هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم.

له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين” [8-11].

  1. المعركة والآلام ليس سببها البشر، بل في حقيقتها هي معركة بين الله والشيطان. فإبليس هو الخصم وإله كل نعمة هو الذي يكمل ويثبت ويقوي ويُمَكِّن الإنسان على حياة النصرة.

يقول القديس أغسطينوس[11] إنه يلزمنا ألاّ نكره الناس بل افتراءاتهم وعداوتهم. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم البطريرك المتألم: [حتى متى يضاد أحدنا الآخر؟ إلى متى يحارب بعضنا البعض، فنفرح بذلك إبليس عدونا؟[12]]

  1. إبليس خصم عنيف، كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه… هو خصمنا بسبب عداوته لله ونحن صورة الله. وهو عدونا بسبب كبريائه. وهو مضايق لنا بسبب حسده لنا لأننا نحتل مركزه الذي سقط منه. ومع هذا كله فليس له سلطان علينا ما لم نستسلم نحن له بإرادتنا. هو يخدع، لكنه لا يُلْزِم. هو يجول، لكنه يعجز عن أن يقترب إلينا ما لم نسمح له وعندئذ يصير له حق الاستقرار فينا.

كتب القديس الأنبا شنودة[13] رئيس المتوحدين مقالاً كشف فيه عجز الشيطان بالنسبة لأولاد الله. وكتب القديس يوحنا الذهبي الفم ثلاث مقالات عن “رد على القائلين بأن للشيطان سلطان علينا[14]” جاء فيها:

أ. لم تستطع الشياطين أن تدخل حتى في الخنازير إلاَّ بإذن منه (مت ٨: ٢٨–٣٨).

ب. لم تستطع الشياطين أن تحارب أيوب بغير إذن منه.

ج. تهاوننا هو الذي يجعل الشيطان مضللًا، ويقظتنا تجعلنا منتصرين فنكلل، أما هو فيخزى.

د. لا نلقي كل اللوم على الشيطان بل على أنفسنا. فإن كنا نتعثر بسبب الشيطان، فإن هناك من يتعثر من الخليقة الجميلة (رو ١: ٢١–٢٥)، ومن يتعثر من أعضاء جسده المخلوقة لمجد الله، ومن يتعثر من الصليب الذي هو قوة الله للخلاص (١ كو ١: ٢٨، ٣٢)، ومن يتعثر من المسيح نفسه واهب النصرة والحياة (يو ٩: ٣٩)، ومن يتعثر من الرسل الكارزين بالحق (٢ كو ٢: ١٦).

  1. يطالبنا الرسول أن نقاوم بالإيمان: لنؤمن أن إله كل نعمة الذي دعانا لمجده الأبدي، لا يمكن أن يقدم الدعوة بغير إمكانيّة البلوغ إليها. إنما ترافقها إمكانيّة إلهيّة عملية لاحتمال الألم ومقاومة إبليس حتى تتحقق لنا مواعيده ودعوته.

يقول القديس كيرلس الأورشليمي:

[هل يوجد شيء أكثر رعبًا من الشيطان؟ ومع ذلك لا نجد درعًا ضده سوى الإيمان، إذ هو ترس غير منظور ضد عدو غير منظور، يصوب أسهمًا مختلفة في وسط الليل نحو الذين بلا حذر.

لكن إذ هو عدو غير منظور فلنا الإيمان عدة قوية كقول الرسول: “حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة” (أف ١٦: ٦).

فإذ يُلقي الشيطان شرارة ملتهبة من الشهوة المنحطة، يُظهِر الإيمان صورة الدينونة فيطفيء الذهن الشرارة[15].]

ختام

بيد سلوانس الأخ الأمين كما أظن

كتبت إليكم بكلمات قليلة واعظًا وشاهدًا

أن هذه هي نعمة الله الحقيقية التي فيها تقومون” [12].

يرجح أن اسم سلوانس هذا اختصاره “سيلا” المذكور في سفر الأعمال (١٥: ٢٢-٣٢، ٤٠)، وأنه هو سلوانس المذكور في ١ تس ١: ١؛ ٢ تس ١: ١؛ ٢ كو ١: ١٩.

كلمة “أظن” في الأصل اليوناني لا تحمل الشك بل اليقين.

نُعِتَ سلوانس بالأخ الأمين، ربما لأن سلوانس كان خادمًا للأمم، الأمر الذي كان يثير من هم كانوا قبلاً من أهل الختان.

إن هذه الرسالة المختصرة هي لأجل وعظهم لا ليدرسوها ويتفهموها نظريًا، بل “فيها يقومون“، أي يعيشون ويحيون بواسطة نعمة الله الحقيقيّة.

تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقس ابني” [13].

  • رأينا في المقدمة أن بابل على الأرجح هي بابليون أي مصر القديمة.

هناك رأي ليس له أساس يقول بأن بابل هي زوجة القديس بطرس الرسول، وهي زوجة فاضلة مختارة من قبل الرب، كانت تعين الرسول وتجول معه ومعروفة لدى المؤمنين، وقد قيل أنها استشهدت قبله.

  • يفسر إخوتنا الكاثوليك عبارة “مرقس ابني” بأن القديس مار مرقس عرف المسيحية على يدي القديس بطرس بعد قيامة الرب، وادَّعوا أنه لم يسمع السيد المسيح ولا تبعه[16]. غير أنه ثابت تاريخيًا أن بيت مار مرقس هو الذي أُعِدَّ فيه الفصح (مر ١٤: ١٣-١٤) وهو أول الكنيسة في العالم. وهو الشاب الذي كان تابعًا الرب حتى لحظات القبض عليه عندما ترك إزاره وهرب (مر ١٤ : ٥١-٥٢).

وتقول دائرة المعارف الفرنسية[17] وناشروها كاثوليك “إن دعوى تَتَلْمُذ مرقس لبطرس لم تكن سوى خرافة بنيت على سقطات بعض الكتاب”.

وفي الثيؤطوكيات للأقباط الكاثوليك يقال: [أيها الرسول الإنجيلي (مرقس) المتكلم بالإلهيات، والإنجيلي والرسول… نلت إكليل الرسولية… رفقاؤك الرسل يفتخرون بك ونحن نفتخر بك وبهم[18].]

ولهذا فإن دعوته “ابني” هي فيض حب مع القرابة وكبر سن القديس بطرس، إذ كانت زوجة بطرس الرسول بنت عم والد مرقس الرسول، وكان القديس بطرس يتردد كثيرًا على بيت مار مرقس[19].

سلموا بعضكم على بعض بقبلة المحبة.

سلام لكم جميعكم الذين في المسيح يسوع. آمين” [14].

كانت عادة الكنائس منذ العصر الرسولي أن يقبلوا بعضهم البعض، لهذا ينادي الشماس في القداس الإلهي قائلاً: “قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة…” ويتبين لنا ذلك مما يأتي[20]:

  1. أقوال القديسيْن بولس وبطرس في ختام رسائلهما (رو ١٦: ١٦، ١ كو ١٦: ٢٠، ٢ كو ١٣: 12).
  2. في أوامر الرسل: “ولا يدع أحد بينه وبين أخيه حقدًا ولا رياء، ثم بعد ذلك فليقبل كل أحد من الرجال الآخَرَ بقبلة طاهرة”.
  3. أكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن القبلة مستعملة في الكنيسة منذ العصر الرسولي[21].
  4. يقول القديس ديونيسيوس: [وفي حين اقتراب رفع الغطاء وعن خبز البركة لتُعط القبلة الإلهية.]
  5. يقول العلامة ترتليان: [توجد عادة صارت الآن متأصِّلة، وهي إننا ونحن في الصوم نستخدم قبلة السلام. وهي ختم الصلاة، وذلك بعدما نتمم الصلاة مع الإخوة… فتصعد صلواتنا بأكثر قبول… إذ كيف تكون الصلاة كاملة إن خلعت عنها “القبلة المقدسة[22]“؟]

أخيرًا يهدي الرسول السلام، سلام ربنا يسوع المسيح الداخلي.

[1] راجع رسائل القديس أيرونيموس.

[2] الحب الرعوي، 1966، ص ٤٦٣ – ٤٦٤.

[3]  الحب الرعوي، 1966،  ص ٧٣٤.

[4] راجع مقال “أن يكون حكيمًا” في الحب الرعوي، 1966،  ص ٧٢٧ – ٧٥٩.

[5] راجع الحب الرعوي “الحب يميز الراعي من الأجير واللص”، 1966،  ص ٤٩٣ – ٥٢٦.

[6] الآباء الحاذقون في العبادة، ج٢ لدير السريان.

[7] سلم السماء ودرجات الفضائل.

[8] City of God 17 : 4.

[9] الحب الرعوي، 1966،  ص ٥٧.

[10] الحب الرعوي، 1966،  ص ١٤.

[11] راجع عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد

[12] القيم الروحية لعيد النيروز ص ٤٥.

[13] قام بترجمته الشماس يوسف حبيب وطبعه سنة ١٩٦٨.

[14] كتيب “هل للشيطان سلطان عليك؟” طبعة ١٩٦٧.

[15] Catchetical Lect. 5 : 4.

[16] راجع كنز العبادة الثمين في أخبار القديسين (٢٥ نيسان)، مروج الأخبار في تراحم الأبرار (٢٥ نيسان).

[17] مجلة ١٦ ص ٨٧١.

[18]  شهر كيهك ١٧٥ – ١٧٧.

[19] راجع كتاب “ناظر الإله الإنجيلي مرقس الرسول” لنيافة أنبا شنودة (البابا شندة الثالث).

[20] أقوال الآباء في شرح التسبحة والقداس طبعة ١٩٥٨ لكنيسة السيدة العذراء محرم بك، ص ٤٣.

[21] مقال ٢٤ في تفسير رسالة كورنثوس الأولى.

[22] Tert. On Prayer 17.

تفسير رسالة بطرس الأولى 5 الأصحاح الخامس  – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع

الآلام

  1. 1. الآلام وترك الشهوات ١ – ٤.
  2. الآلام والدينونة ٥ – ١١.
  3. الآلام والأمجاد ١٢ – ١٩.

١. الآلام وترك الشهوات[1]

فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد،

تسلحوا أنتم أيضًا بهذه النية،

فإن من تألم في الجسد كُفَّ عن الخطية” [1].

بداية سقوط الإنسان هي رغبته في الاستقلال عن الله، ليتحرر من إرادة الله وفكره، مغلقًا على نفسه بروح الظلمة في الجسد، فصارت نفسه تميل إلى شهوات الجسد خاضعة لها. هكذا أحنى الإنسان برأسه لكي لا يرى السماوي والسماويات، بل يرى ذاته منغمسًا في الأرضيات كمن يخلد هنا إلى الأبد. هنا تألم الرب يسوع المسيح لأجلنا بالجسد، مُقَدِّمًا لنا صليبه سكينًا نذبح بها الخطية الرابضة في الجسد، ونبتر بها الفساد الداخلي لكي يعود للجسد صحته، ونقول: نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش فيها؟… عالمين أن الإنسان العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة (رو ٦: ٢، ٦).

لكي لا يعيش أيضًا الزمان الباقي في الجسد لشهوات الناس،

بل لإرادة الله” [2].

بالصليب تموت أجسادنا عن شهواتها، فنحيا بقية أيام غربتنا سالكين ليس حسب شهوات الناس بل لإرادة الله حسب قصده. لقد مات المسيح “كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات من أجلهم وقام” (٢ كو 5: ١٥).

وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري[2] صار لنا صليب ربنا حدًا، صار سياجًا وحصنًا ضد خطايانا السابقة. لذلك إذ نحن قد تجددنا فلنثبت أنفسنا فيه (في الصليب) في الحق، ونعود إلى تقديس نفوسنا ووقارها.

لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا

لنكون قد عملنا إرادة الأمم،

 سالكين في الدعارة والشهوات وإدمان الخمر

والبطر والمنادمات وعبادة الأوثان المحرمة” [3].

يوبخنا الرسول في لطف بأن أيام غربتنا قليلة. يكفي ما مضى أننا خسرناه بسبب سلوكنا حسب إرادة الأمم في الشرور السابق ذكرها. أما الآن فَعِوَض الذات البشرية بكل أفكارها وشهواتها، صار لنا المسيح المصلوب عاملاً فينا نحيا به. صار لنا به حياة النصرة والغلبة على الشهوات المحرمة.

الأمر الذي فيه يستغربون أنكم لستم تركضون معهم إلى فيض هذه الخلاعة عينها مجدفين” [4].

يقف الوثنيون حائرين كيف خلعنا أعمال الإنسان العتيق فلا نسلك مثلهم منجذبين إلى فيض الخلاعة بتهور. وفي حيرتهم هذه يجدفون بأن ينسبوا إلى المؤمنين الكبت والحرمان والجهل، دون أن يدركوا مقدار السعادة التي نحن فيها.

الإنسان الشهواني يظن بل ويؤكد داخل نفسه إنه لا يمكن أن يوجد إنسان طاهر، إذ يُسقط نفسه على البشرية فيراها ضعيفة هزيلة مثله. وإن رأى من كان طاهرًا ظن أنه مرائي ومخادع. وبنفس الطريقة يتعجب المؤمن المجاهد – المرتبط بصليب ربنا عمليًا – كيف لا يأتي الناس ويذوقوا عذوبة الحياة الطاهرة المقدسة.

أخيرًا بعدما تحدث الرسول عن فاعلية آلام الرب في حياة المؤمن عاد ليشجع المؤمن في تحمله للألم برفع نظره إلى الدينونة.

٢. الآلام والدينونة

الذين سوف يعطون حسابًا للذي هو على استعداد أن يدين الأحياء والأموات.

فإنه لأجل هذا بشر الموتى أيضًا

لكي يدانوا حسب الناس بالجسد،

ولكن ليحيوا حسب الله بالروح.

وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت” [5-6].

يبشر الرسول المتألمين قائلاً: “الذي هو على استعداد أن يدين“، وكأن الرب قد تهيأ ليدين… لقد اقتربت نهاية كل شيء. فالدينونة على الأبواب فكيف نكف عن احتمال الآلام بفرح أو نضطرب من المجدفين علينا؟

إنه يدين الأحياء والأموات، أي يدين القديسين الأحياء بالروح ويحملون أيضًا جسدهم في عدم فساد وعدم موت، كما يدين الأموات الذين أماتت الخطية نفوسهم واستكانوا لذلك. أيضًا يدين الأحياء الذين لم ينتقلوا إلى يوم مجيئه فإنهم في لحظة يتغيرون، كما لا ينسى الذين سبقوا فماتوا بالجسد. لا يفلت من بين يديه أحد الكل ينال جزاءه كبيرهم وصغيرهم مند خلقة آدم إلى آخر الدهور.

من أجل هذا بشر الديان، ربنا يسوع، الموتى… ومن هم هؤلاء الموتى؟

  1. ربما قُصد بهم الذين انتقلوا من العالم حاملين آلامهم وأتعابهم من أجل الإيمان، هؤلاء الذين دانهم الناس حسب الجسد وحكموا عليهم أنهم مستحقون الموت مع إنهم بالروح هم أحياء في نظر الله.
  2. إن الديان بشر الموتى بالروح (مت ٨: ٢٢ و يو ٥: ٢٥) أي الأشرار لكي يتوبوا ويقبلوا إدانة الناس لهم مهتمين بأمر واحد أن يحيوا بالروح.

ويقول القديس أغسطينوس: [ليس ما يلزمنا تفسير قول الرسول على أنه يصف ما يحدث في الجحيم (الموتى)، فإن الإنجيل يُبَشَّر به في هذه الحياة للأموات أي غير المؤمنين الأشرار، حتى عندما يؤمنون “يدانوا حسب الناس بالجسد” أي يدانوا بالأحزان الكثيرة وموت الجسد نفسه… ولكنهم يحيوا حسب الله بالروح، حيث كانت أرواحهم ذاتها ميتة عندما كانوا مسجونين في عدم الإيمان والشر[3].]

وما هي ثمار تأملنا الدائم في مجيء الرب؟

اعتادت الكنيسة الأولى وخاصة بين الرهبان على ممارسة ثلاثة تداريب تعتبر أساسية في حياة المؤمن وخاصة بالنسبة لراغبي الرهبنة وهي:

  1. زيارة المدافن.
  2. ممارسة “صلاة يسوع”، أو الصلاة الدائمة أو كما يسميها القديس أغسطينوس بالصلاة السهمية. لأنها تصوب ضد الشيطان، ولا يقدر على صدها.
  3. تذكر يوم الدينونة ومجيء الرب.

وهنا يقدم لنا الرسول التدريب الثالث كباعثٍ لنا على الآتي:

ا. التعقل والسهر للصلاة

يقول الرسول “فتعقلوا واصحوا للصلوات”، فتَذَكُّر الدينونة يسلخ الإنسان عن شهواته الجسدية فيحيا متعقلاً، أي خاضعًا لعقله أو لذهنه الروحي وليس لجسده وشهواته.

ويُعَرِّف العظيم أنبا أنطونيوس العقلاء بأنهم [من كانت نفوسهم عاقلة، تقدر أن تميز بين ما هو خير وما هو شر ومضر للنفس، ويحرصون بحكمة على ما هو خير ونافع للنفس، ويمارسونه بشكرٍ عظيم لله[4].]

لِنَصْحْ ولنسهر حتى لا يكون نصيبنا مع تلك التي رآها هرماس إذ نظر النفس الخاملة كعجوز خائرة مسترخية على كرسي عاجزة عن الحركة، فلما سأل عن السبب قيل له [لأن روحكم الآن عجوز قد فقدت قوتها بسبب ضعفاتكم وشكوكم. لقد صارت كالشيوخ الذين فقدوا الأمل في تجديد قوتهم، ولم يعودوا بعد يتوقعون سوى أنهم يغطون في نومهم الأخير، وهكذا ضعفتم بسبب الانشغالات العالمية، وأسلمتم نفوسكم للخمول ولم تلقوا همكم على الله (١ بط ٥: ٧)[5].

ب. محبتنا لإخوتنا

ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة،

لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا” [8].

إن كانت الصلاة الدائمة هي غاية عبادتنا إذ نكون على الدوام في حضن الله، لكن لا نَفْعَ لها ما لم تستند بحبنا لإخوتنا محبة شديدة نابعة من أعماق القلب الداخلية. لأنه بالمحبة تستر أخطاء الغير وعيوبهم، فيستر الله علينا ويغفر خطايانا، ويمتعنا بصلاة هادئة[6] مقبولة لدى الله، وبهذا يزداد اتحادنا بالرب.

يقول القديس إكليمنضس الروماني: [الحب يوحدنا مع الله إذ “المحبة تستر كثرة من الخطايا[7]“.]

هذا الحب يبعثه أيضًا التأمل في يوم الدينونة حيث نجد أن الله لا ينسى تعب محبتنا بل كأس ماء بارد نعطيه لا يضيع أجرنا فيه.

وإذ ترتفع أنظارنا إلى الدينونة، نشتهي أن نرى حتى المضايقين لنا كملائكة الله نشترك جميعًا في التسبيح والتمجيد لله، وهذا يبعث فينا حبًا روحيًا عميقًا.

ج. إضافة الغرباء

كونوا مضيفين بعضكم بعضًا بلا دمدمة” [9].

التأمل في مجيء الرب على السحاب ومناداتنا بأسمائنا لندخل إلى شركة أمجاده، مستضيفًا لنا في أحضانه الأبديّة بفرح وبسرور، يبعث فينا نحن الضعفاء أن نفتح قلوبنا وبيوتنا لأخوتنا الغرباء، فنستضيفهم بلا دمدمة، أي بلا تذمر بل بفرحٍ وبشاشةٍ حقيقيّة.

ومن اهتمام الآباء الرهبان بإضافة الغرباء أنهم كانوا يسمحون لأنفسهم، حتى بالنسبة للنساك المتوحدين، أن يكسروا أصوامهم من أجل الغريب في استضافتهم له، لكي لا يُحرموا من تقديم ذبيحة الحب لله في شخص الغريب.

د. خدمة الآخرين

ليكن كل واحدٍبحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضًا،

كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة.

إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله،

وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله،

ليتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح،

الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين” [10-11.]

كلما ارتفعت أنظار المؤمن تجاه الأبديّة يُضرِم الموهبة التي نالها من الرب بلا كسل وهنا نلاحظ:

أ. يقول الرسول “ليكن كل واحدٍ، فلا يوجد في الكنيسة كلها إنسان قط بلا موهبة، سواء كان طفلاً أو شيخًا، رجلاً أو امرأة، كاهنًا أو علمانيًا، بتولاً أو أرملاً أو متزوجًا. لأننا جميعًا أعضاء في جسد المسيح، ولا يمكن أن يكون في هذا الجسد عضو بلا عمل.

ب. “بحسب ما أخذ“، أي ليس لعضوٍ فضل فيما له من مواهب. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله يوزع علينا المواهب بالقدر الذي يرى فيه خلاصنا. فيعطي لإنسان موهبة أقل ليس عن عدم محبة من الله تجاهه، بل لأنه يعلم أنه لا يقدر أن يُضرِم أكثر من ذلك، فلو قدم له ما هو أكثر لصار هذا الإنسان مهملاً. ويعطي الرب لآخر موهبة أكثر ليس لأنه أفضل من أخيه، لكن لأن الله يعلم أنه بهذا القدر يقدر هذا الأخ أن يثابر ويعمل وبدونها يفشل في عمله. هكذا يُنَسِّق صانع الخيرات ضابط الكل حسبما يرى فيه خيرنا وخلاصنا.

ج. “يخدم بها بعضكم بعضًا كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة“. أي أعطيت هذه المواهب من يديّ الله لا للمباهاة بها، بل لخدمة الكنيسة والبشريّة كلها.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في الكنيسة أعضاء كثيرون مختلفون، بعضهم ذوي كرامة الآخرون أقل كرامة. مثال ذلك توجد جوقة من المتبتلين، ومجموعات من الأرامل، وإخوة مرتبطون بزواج مقدس… ومع ذلك فالكل يكمل بعضهم بعضًا… قد تكون موهبة إنسان أقل لكنها ضرورية، فإذا تعطل العضو (عن عمله) تعطلت أعمال كثيرة[8].]

د. “إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله“، أي أن من وُهِبَ عطية الوعظ فليختفِ في كلمة الله لكي يظهر الله وتختفي كل فلسفة بشريّة.

ه. “وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله ليتمجد الله في كل شيء، بيسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين”.

وكما يختفي الواعظ والمتكلم في كلمة الله ليُظْهِرها كما هي بلا تنميق ولا تمويه ولا تزيين، هكذا من وُهب عطية الخدمة في أي نوع من أنواع الخدمات، فليعلم أنه يعجز عن الخدمة ما لم يُعطه الرب القوة للتنفيذ. بهذا يتمجد الآب في كل شيء بيسوع المسيح صاحب المجد والسلطان.

وكلمة “آمين” هنا لا تعني ختام الحديث وإنما تعني “ليكن هذا!”

٣. الآلام والأمجاد

أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة،

لأجل امتحانكم، كأنه أصابكم أمر غريب.

بل كما اشتركتم في آلام المسيح،

افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده مبتهجين” [12-13].

هذا القول يكشف عن شدة الاضطهاد الذي اجتازته الكنيسة في آسيا إذ يسميه “البلوى المحرقة“. وهذا الأمر ليس بغريب إذ يقول الرسول “لا تستغربوا“، فإن هذا الأمر هام وحيوي في حياة المؤمن لأن التجارب والآلام وإن كانت “محرقة” لكنها نافعة وذلك لسببين:

  1. “لأجل امتحانكم“، فالطالب بالرغم مما يعانيه من آلام في ليالي الامتحانات، لكنه يتمم ذلك بفرح وبهجة قلب منتظرًا النجاح.

والذهب والفضة يُمْحَصا ويُمْتَحنا في البوتقة فيحترق الزغل ويزداد بريقًا لهذا يقول: “جربتنا يا الله، محصتنا كمحص الفضة[9]“.

لهذا يحث الشهيد كبريانوس شعب Thibares على الاستشهاد فيقول:

[الآن يعلمنا الرسل هذه الأمور التي تعلمتموها من وصايا الرب والأوامر السماويّة، فإن الرب نفسه يشجعنا قائلاً: “الحق أقول لكم ان ليس أحد ترك بيتًا أو والدين أو إخوة أو امرأة أو أولادًا من أجل ملكوت الله إلاَّ ويأخذ في هذا الزمان أضعافًا كثيرة وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية” (لو ١٨: ٢٩-٣٠). ويقول “طوباكم إذا أبغضكم الناس وإذا أفرزوكم وعيروكم وأخرجوا اسمكم كشريرٍ من أجل ابن الإنسان. افرحوا في ذلك وتهللوا، فهوذا أجركم عظيم في السماء” (لو ٦: ٢٢-٢٣).

لقد أراد الرب أن نفرح ونمتلئ بهجة في الضيقات، لأنه حيث توجد اضطهادات تُعطى أكاليل الإيمان ويتزكى جنود المسيح وتنفتح السماوات للشهداء[10].]

يجتاز المؤمن هذه الضيقات سواء كان في عصر الاضطهاد أو في وقت سلم لأن الحرب قائمة من إبليس ضد أولاد الله. فليس من الضروري أن تكون الحرب خارجة من إنسان. لكن يكفي المحاربة ضد الخطية. وكما يقول الشهيد كبريانوس في رسالته الحادية عشر: [كما في أثناء الاضطهاد ينال الإنسان إكليل الشهادة، كذلك في وقت السلام يتوج بتاج نقاوة الضمير[11].]

  1. “كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا… ” إن سرّ فرحنا ليس فقط أننا نتزكى قدامه لننال الإكليل، بل ونشارك المسيح في آلامه. أي مجد لنا أن يكون لنا هذا النصيب!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [“لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا” (٢ كو ١: ٥)… إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أننا شركاء المسيح، ومن أجله نتألم[12]!]

إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم،

لأن روح المجد والله يحل عليكم.

أما من جهتهم فيجدف عليه،

وأما من جهتكم فيمجد” [14].

مادامت الآلام والتعييرات ليست نابعة عن عداء شخصي أو بسبب خطأ ارتكبه المؤمن، بل “باسم المسيح” فطوباه. وسرّ هذا التطويب أن الروح القدس “روح المجد” يحل على المتألم من أجل الرب. يحل عليه لكي يحمل أتعابه ويسنده، ويحل عليه ليهبه مجدًا، فيجدف الشرير على الروح القدس ويضطهده في شخص المؤمن.

فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أو فاعل شر أو متداخل في أمور غيره.

ولكن إن كان كمسيحي فلا يخجل،

بل يمجد الله من هذا القبيل” [15-16].

يخجل الإنسان متى سقط تحت العقوبة بسبب جريمة قتل أو سرقة أو فعل شر أو بسبب تدخله في أمورٍ لا شأن له بها! أما إذا احتمل الآلام “كمسيحيٍ” أي بسبب نسبته للسيد المسيح، فلا يخجل بل يمجد الله لأنه غير مستحق لهذا الشرف.

وقد سبق الرب فأخبر تلاميذه قائلاً: “ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم. في العالم سيكون لكم ضيق[13]” (يو ١٥: ٢٠؛ ١٦: 3٣).

لكن ربما يتذمر أحد قائلاً: إلى متى نحتمل الألم من أجل الأمجاد؟

يجيب الرسول مؤكدًا:

  1. إن القضاء قد اقترب.
  2. إن الخلاص يتطلب جهادًا ومثابرة.
  3. إننا في أيدي خالق أمين في عمل الخير.
  4. إن القضاء قد اقترب

“لأن الوقت لابتداء القضاء من بيت الله،

فإن كان أولاً منا،

فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله” [17].

ربما قصد الرسول أنه إن كان هكذا قد خرج الأمر بخراب أورشليم وهيكل اليهود لأنهم رفضوه واضطهدوه كما ضايقوا تلاميذه، فإن هذا دليل على أن القضاء آتٍ لا محالة… فلا حاجة بعد للاستعجال. إذن ليحتمل المؤمن منتظرًا الأمجاد الآتية دون أدنى شك.

  1. إن الخلاص يحتاج إلى جهاد

“وإن كان البار بالجهد يخلص، فالفاجر والخاطئ أين يظهران؟” [18].

وكأن الرسول يهدىء من روع المتعجلين بالقضاء بسبب ما يعانونه من الآلام المُرّة، فيقول لهم إن خلاص الإنسان البار ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى جهد، إذ يقول الرب: “ملكوت السماوات يغتصب والغاصبون يختطفونه”، فكم يليق بنا نحن الفجار والخطاة أن نحتمل آلامًا وأتعابًا بصبر من أجل خلاصنا لنرث السماوات‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟ وكأنه يذكرنا بقول الرب: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق” (لو ١٣: ٢٤).

لهذا نصلي في غروب كل يوم قائلين: [إذا كان الصديق بالجهد يخلص فأين أظهر أنا الخاطي؟ ثقل النهار وحره لم أحتمل لضعف بشريتي، لكن أنت يا الله الرحوم احسبني مع أصحاب الساعة الحادية عشرة[14]…]

يقول العظيم أنطونيوس: [يجب علينا ألا نقول باستحالة السلوك في حياة الفضيلة بالنسبة للإنسان، إنما نقول عنه أنه ليس سهلاً. يستحيل عليك أن تصير صالحًا أو حكيمًا في لحظة، إنما تحتاج إلى المذاكرة والحرص والتمرن والتدرب والجهاد الطويل[15].]

هكذا نحن مطالبون باحتمال الآلام، ليس من الغير بل وبإرادتنا، فتموت أجسادنا وتُصلب عن شهواتها، ونقدم ذبيحة الفقر الاختياري وتعب الزهد والبذل محبة في الرب يسوع.

  1. إننا في أيدي خالق أمين في عمل الخير

“فإذًا الذين يتألمون بحسب مشيئة الله،

فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير” [19].

قدم لنا ربنا يسوع نفسه درسًا، إذ صرخ على الصليب بطمأنينة قلب قائلاً: “يا أبتاه في يديك أستودع روحي” (لو ٢٣: ٤٦).

لماذا تخاف الآلام وقد أكد لنا الرب أن شعرة واحدة من رؤوسنا لا تسقط إلاَّ بإذن أبينا السماوي. إنه صانع خيرات كما تسميه الكنيسة في صلواتها، نسلمه حياتنا كوديعة ليسمح لنا بالتجارب حسبما يراه لخيرنا. وذلك كما تستسلم قطعة الطين في يدي الفخاري.

لندخل في الفرن، لكن يكفينا نظرات الفخاري التي لا تفارقنا لأننا داخل فرن التجربة، يعرف درجة الحرارة المناسبة، وموضعنا المناسب داخل الفرن، والوقت اللازم لنتهيأ كإناء للكرامة.

كلما حلت الضيقات أو الأمراض بالطفل يكشف الأب والأم حبهما له، هكذا لا نخف فإنه في لحظات الألم يترفق الله والكنيسة بنا للغاية.

[1] راجع كتاب الحب الإلهي، 1967، فصل: يسوع صُلب لأجلي.

[2] Instructor 3 : 12

[3] Letter 164 ch 7.

[4] الفيلوكاليا، 1993، ص ١٩.

[5] The Pastor, Book 1, vision 4.

[6]راجع تفسير يع ٥ : ٢٠ ومقال الأب اسحق في مناظرات كاسيان ص ٢١٠ .

[7] رسالة إكليمنضس أسقف روما ص ٤٠..

[8] الحب الأخوي، 1964، ص ٤٢٢ – ٤٢٤.

[9] راجع تث ١٣ : ٣؛ يشوع بن سيراخ ٢٧ : ٥؛ رو ٥ : ٢.

[10] Epistle 55 (Oxford ed. Epistle No. 28).

[11] طبعة أكسفورد رسالة رقم ١٣.

[12] الحب الإلهي، 1967، ص ٣٦٠ – ٣٦١.

[13] راجع مقال “الألم والمعية” – الحب الإلهي، 1967، ص ٣٥٥ – ٣٦٦.

[14] صلوات الأجبية.

[15] الفيلوكاليا، 1993، ص ٢٢، ٢٩.

تفسير رسالة بطرس الأولى 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني

مسئوليتنا كأولاد الله

 

  1. الجانب السلبي ١
  2. الجانب الإيجابي

 أولاً: الارتباط بالأم                                ٢

 ثانيًا: الارتباط بالرب الحجر الحي                  ٢ – ١٠

 ثالثًا: الارتباط بالسلوك العملي                     ١١ – ١٢

  1. سلوكنا في المجتمع كأولاد الله

 أولاً: الخضوع لنظم الدولة                         ١٣ – ١٧

 ثانيًا: الأمانة في الخدمة                          ١٨ – ٢٥

 

١. الجانب السلبي

فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” [1].

إذ نلنا ميلادًا سماويًا يليق بنا أن نطرح عنا كل أعمال الإنسان العتيق وشهواته كخرقة دنسة لا يطيقها الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق.

فنطرح كل خبث، أي عدم الإخلاص (١ كو ٥: ٨)، إذ هو من سمات عدو الخير والوثنيين المعاندين لروح الله (رو ١: ٢٩) الذين يتعمدون الشر والأذى.

ولنطرح كل مكر، فنكون كأبينا البسيط الذي ليس فيه خداع أو طرق ملتوية. بهذا نعود إلى بساطة الطفولة في عبادتنا وكرازتنا، فنكون أبناء الملكوت (مت ١٨: 3).

ولنستنكف من الرياء، فلا نحمل الثياب الفريسية المصطنعة بل نطلب المجد الخفي كعروس تتزين لعريسها دون سواه.

ولنترك الحسد الذي به يطلب الإنسان الفشل لأخيه. هذا الباعث هو الذي دفع الشيطان لمهاجمة آدم، والذي به أسلم اليهود الرب يسوع للصليب[1].

ولنطرح المذمة إذ يُهين الإنسان أخاه علنًا ويُحقِّر من شأنه. وهو الدرجة الثالثة من الغضب، إذ يقسم القديسون[2] الغضب إلى غضب داخلي – غضب مصحوب بكلمة تعبر عنه مثل “رقا” – غضوب مصحوب بكلمة ذم مثل “يا أحمق”.

٢. الجانب الإيجابي

أولاً: الارتباط بالأم

وكأطفال مولودين الآن

 اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش، لكي تنموا به” [2].

بداية الجانب الإيجابي هو أن يدرك المؤمن على الدوام أنه كطفلٍ رضيعٍ “مولود الآن”، لا يلهيه شيئًا سوى ثديي أمه الحنون، فيشتهي صدر أمه مرتميًا عليه. وميزة لبن الكنيسة الأم انه لبن عقلي محيي يهب نموًا باستمرار “لكي تنموا به”. ونلاحظ أن كلمة “عقلي” في اليونانية مشتقة من “اللوغوس” أي “الكلمة” أي اللبن الذي يهبه الرب يسوع كلمة الله في كنيسته.

وبماذا ترضعنا الكنيسة؟

  • يقول القديس إكليمنضس السكندري: [إنه لبن الحب! طوبى لمن يرضع منه! إنه موجود في الشتاء كما في الصيف… لا يحتاج أن يسخن أو يبرد بل هو لبن جاهز[3].]
  • إنه التعليم الروحي غير المغشوش تسلمناه جيلاً بعد جيلٍ، ليس فيه فلسفة ولا تنميق، بل روح وحياة اختبره القديسون عبر الأجيال.
  • إنها الطقوس الحية التي تنعش النفس فتعين الجسد والروح في العبادة.
  • إنها شفاعات القديسين وصلواتهم الذين يحبوننا.

ثانيًا: الارتباط بالرب الحجر الحي

إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح،

الذي إذ تأتون إليه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس

ولكن مختار من الله كريم” [3-4].

حرف “إن” لا يفيد الشك بل القطع بمعنى “إذ ذقتم أن الرب صالح…” فإن من ذاق الرب أنه صالح يأتي إليه ليجده حجرًا حيًا.

ولعل بطرس تذكر ما دعاه به الرب أنه “بطرس، أو “صفا” أي صخرة، يوم أعلن إيمانه بالرب يسوع. هنا يُظهِر بطرس أن الرب يسوع هو الصخرة أو الحجر الحي الذي تبنى عليه الكنيسة.

ويقول الشهيد كبريانوس:

[لقد دُعِيَ المسيح “حجرًا”، ففي إشعياء قيل: “هأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية، كريمًا أساسًا مؤسسًا من آمن لا يهرب” (إش 28: ١٦). وأيضًا في المزمور الـ١١٧: “الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأسًا للزاوية”. وفي زكريا: “فهوذا الحجر الذي وضعته قدام يهوشع على حجر واحد سبع أعين. هأنذا ناقش نَقْشَه يقول رب الجنود وأزيل إثم تلك الأرض في يوم واحد” (٣ : ٩). وفي سفر التثنية: “وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشًا جيدًا” (٧ : ٨). وأيضا في يشوع بن نون: “وأخذ حجرًا كبيرًا ونصبه هناك تحت البلوطة التي عند مقدس الرب. ثم قال يشوع لجميع الشعب: إن هذا الحجر يكون شاهدًا علينا لأنه قد سمع كل كلام الرب الذي كلمنا به فيكون شاهدًا عليكم لئلا تجحدوا إلهكم” (٢٤: ٢٦-٢٧)…

إنه الحجر المذكور في سفر التكوين الذي وضعه يعقوب تحت رأسه، إذ المسيح رأس الرجل، وإذ نام رأى سلمًا واصلاً إلى السماوات حيث يوجد الرب والملائكة صاعدون ونازلون…

إنه الحجر المذكور في سفر الخروج، الذي جلس عليه موسى على قمة التل عندما كان يشوع بن نون يحارب عماليق وبسر الحجر المقدس وثبات جلوسه عليه انهزم عماليق بيشوع كما انهزم الشيطان بالمسيح. إنه الحجر العظيم الوارد في سفر صموئيل الأول حيث وُضع تابوت العهد عندما أحضره الثور في المركبة إذ رده الغرباء. وأيضًا هو الحجر الوارد في سفر صموئيل الأول الذي به ضرب داود رأس جليات وذبحه إشارة إلى انهزام الشيطان وخدامه حيث لا تكون الجبهة في الرأس غير مختومة (باسم المسيح)، ذلك الختم الذي يهب أمانًا وحياة على الدوام. إنه الحجر الذي أقامه صموئيل عندما غلبوا الغرباء، ودعاه بحجر المعونة أي الحجر الذي يعين[4].]

فالرب يسوع هو الحجر الذي به نقهر الشيطان، وهو الحجر الحي الذي نأتي إليه. ومع أن الرسول يحدث المؤمنين فإنه لا يقول: “أتيتم” بل “تأتون”، لأنه يليق بنا أن نثابر مجاهدين على الدوام إلى الاقتراب منه إلى النفس الأخير.

وهو حجر حي أي مملوء حبًا وليس جامدًا، لنأتي إليه لا في عبادة جامدة بل في حب نناجيه ونسمع مناجاته، نعاتبه وننصت إلى عتابه، لنكشف له كل ما في قلبنا فهو لا يقف جامدًا أمام ضعفنا.

كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية، بيتًا روحيًا.

كهنوتًا مقدسًا، لتقديم ذبائح روحية،

مقبولة عند الله بيسوع المسيح” [5].

إذ هو الحجر الحي نُبني عليه كحجارة حية. فكما هو حي نحن نحيا به (يو ١٤: ١٩).

لقد جعلنا بيتًا روحيًا، مسكنًا لله بالروح (أف ٢: ١٨–٢١) ونلاحظ في هذا البيت الآتي:

  1. إنه بيت واحد غير منقسم على ذاته، بل مرتبط برباط الحب فوق حدود الزمان والمكان، وكل مصاف الرسل والشهداء والسواح والعباد والمنتقلين، كحجارة حية، فالقديسة مريم تصلي من أجلنا نحن المجاهدين كحجارة حية أخرى، ونحن أيضًا نصلي ونحب الأجيال المقبلة.

رأى هرماس[5] في إحدى رؤياه الكنيسة المنتصرة كبناء، إذ نُقلت حجارة كثيرة من الأرض، وبُنِيَت بجوار بعضها البعض، واتحدت معًا حتى أن خطوط الصفوف لا يمكن إدراكها، وصارت برجًا كحجر واحد.

  1. رأى أيضًا هرماس أن حجارة كثيرة رفضت أن تكون في البناء. هذه الحجارة هي التي اعتمدت على ذاتها وظنت أنها قادرة أن تتأسس على المسيح خارج الكنيسة، فتركت روح الآباء، ورفضت تعاليمهم وأرادت أن تكون مستقلة بذاتها، فخرجت خارج البيت الروحي.

كهنوت مقدس“، إذ صار لنا أن نقدم ذبائح روحيّة من داخل القلب، وذلك كقول العلامة ترتليان: [تخرج هذه الذبيحة من كل القلب، وتتغذى على الإيمان وتراعي الحق. تدخل في براءة ونقاوة، في عفة، تتزين بالحب. ويلزمنا أن نحرسها بعظمة الأعمال الصالحة مقدمين مزامير وتسابيح على مذبح الله لننال كل الأشياء منه[6].]

هذه الذبائح يقدمها جميع المؤمنين، لكن هناك كهنة مفروزين لأعمال الكهنوت كما جاء في رسالة يعقوب (ص ٥) والذين وضع الرسول بولس شروطهم[7].

وماهي الذبائح الروحية المقبولة عند الله بيسوع المسيح؟

  1. ذبح الإرادة البشرية أو الأنا… وهي أجمل ذبيحة… يرفع الإنسان يده بالصليب كسكين روحيّة يذبح إرادته الذاتية واشتياقاته الخاصة التي يتبناها، وذلك كما رفع إبراهيم السكين لذبح إسحق. وكما رجع اسحق حيًا. لكنه عاد ابن البركة والموعد، هكذا نذبح إرادتنا بالصليب فلا نصير بلا إرادة بل تعود لنا إرادة المسيح القوية واشتياقات وفكر المسيح. وبهذا نترنم مع الرسول قائلين “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا” لقد صلبت “الأنا” ليصير لي “المسيح يحيا فيّ”.
  2. ذبيحة التواضع أمام الله والناس، وكما يقول المرتل “لأنك لا تُسَر بذبيحة وإلاَّ فكنت أقدمها، بمحرقة لا ترضي. ذبائح الله هي روح منسحقة، القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره” (مز ٥١: ١٦- ١٧).
  3. ذبيحة الأعمال الصالحة، وكما يقول الرسول: “ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله” (عب ١٣: ٦)، ويقول المرتل: “اذبحوا ذبائح البرّ” (مز ٤: ٥). فصنع الخير أو عمل البرّ فيه تَرْك وحرمان وبذل، فيه حَمْل صليب، لهذا فإن الله يشتّّمه خلال صليب الرب ذبيحة برّ مقبولة لديه.
  4. ذبائح الآلام والأتعاب من أجل الرب، وكما يقول الرسول “من سيفصلنا عن محبة المسيح، أشدة أم ضيق… كما هو مكتوب أننا من أجلك نمات كل النهار. قد حُسِبْنا مثل غنم للذبح” (رو ٨: ٢٥-٢٦).
  5. ذبيحة الجسد، فالمؤمن لا ينظر إلى الجسد ذاته كعدو، إنما بالعكس يلزمه كقول الرسول أن يحبه ويقوته ويربيه (أف ٥: ٢٥–٢٩). وعندما يتحدث الكتاب المقدس أو أحد الآباء عن معاداتنا للجسد إنما يقصد به شهوات الجسد وأعماله الأرضية.

وقد كتب القديس أغسطينوس كتابًا خاصًا عن ضبط النفس يقصد به الكشف عن أهمية الجسد ويرد فيه على الهراطقة الذين يعادون الجسد[8].

إذن ليُرْبَط الجسد بأربطة الحب، وليُقدم على المذبح، ولتمسك بصليب الرب، مُقَدِّمًا أعضاء جسدك ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله (رو ١٢: ١)، فتذبحه كأعضاء إثم للموت ليقوم بالرب يسوع أعضاء برّ لله. وهكذا تتقدس أعضاء الجسد وحواسه وميوله وشهواته، لتكون طاقة مُعينة للروح بدلاً من أن تكون محاربة لها.

  1. ذبيحة الحمد والشكر: يوصينا الرسول: “فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه[9] (عب ١٣: ١٥). وذبيحة الحمد والشكر هي ذبائح الملائكة. فالسمائيون ليس لهم جسد مادي مثلنا يقدمونه ذبيحة مقدسة، ولا ممتلكات مادية يدفعون منها لمحتاجين، ولا من يضايقهم فيسامحونه، وليست لهم إرادة مخالفة لإرادة سيدهم حتى يرفضوها، ولا يقعون تحت آلام جسدية. فماذا يقدمون لله سوى ذبيحة التسبيح والشكر الدائم!

لهذا تدرب الكنيسة أولادها على حياة التسبيح كما في الابصلمودية والمزامير والألحان لكي تمرن ألسنتهم على عمل الملائكة.

ويقدم لنا العظيم أنبا أنطونيوس أب الرهبان هذا التدريب: [عندما تنام على سريرك تذكر بركات الله وعنايته بك، واشكره على هذا. فإذ تمتلىء بهذا تفرح في الروح… مقدمًا لله تسبيحًا يرتفع إلى الأعالي. لأنه عندما لا يوجد شر في الإنسان، فإن الشكر وحده يرضي الله أكثر من تقدمات كثيرة[10].]

غير أن هذه الذبائح جميعها يتقبلها الآب بالرب يسوع المسيح.

لذلك يتضمن أيضًا في الكتاب هأنذا أضع في صهيون حجر زاوية،

مختارًا كريمًا،

والذي يؤمن به لن يخزى” [6].

  1. لقد وضع الآب ابنه حجر زاوية في صهيون أي في الكنيسة. به يدخل المؤمن في عضوية الكنيسة ليكون عضوًا في جسد الرب السري.

لقد رأي هرماس ربنا يسوع صخرة قديمة وبابًا جديدًا فسأل عن سبب ذلك فقيل له:

[هذه الصخرة وهذا الباب هما ابن الله.

قلت: كيف تكون الصخرة قديمة والباب جديدًا؟

قال لي: أنصت وافهم أيها الإنسان الجاهل. إن ابن الإنسان قديم عن كل الخليقة وهو شريك الآب في عمل الخلقة، لهذا فهو “أزلي“.

قلت: ولماذا الباب جديد يا سيدي؟

أجاب: لأنه قد “أُظْهِر في الأزمنة الأخيرة” (١ بط ١: ٢٠) لهذا صارت البوابة جديدة، حتى أن الذين يخلصون بها يدخلون ملكوت الله.

قال: أترى كيف أن الحجارة التي دخلت خلال البوابة استخدمت في بناء البرج (الكنيسة)، وأما التي لم تدخل فألقيت مرة أخرى إلى موضعها خارجًا؟

قلت: إنني أرى ذلك يا سيدي.

ثم أكمل قائلاً: هكذا لا يدخل أحد ملكوت الله ما لم يستلم اسم (المسيح) القدوس، لأنك متى رغبت… في دخول مدينة مسورة بسور وليس لها إلاَّ باب واحد، فإنك لا تقدر الدخول بغيره… هكذا بنفس الكيفية لا يقدر إنسانًا أن يدخل ملكوت الله إلاَّ بواسطة اسم ابنه الحبيب[11].]

  1. ربنا يسوع هو حجر الزاوية الذي يضبط البناء كله ويربط بعضه البعض. وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن حجر الزاوية يربط بين حائطين، هكذا لما رفض اليهود الأشرار الإيمان به جمع الذين آمنوا به منهم مع كثيرين من الذين كانوا قبلاً أممًا… وبهذا ربط بين الاثنين دون أن يحابي اليهود كما كانوا يظنون في تعصبهم الأعمى[12].]
  2. ربنا يسوع هو أيضًا حجر الزاوية السري الذي ربط بين حائط العهد القديم وحائط العهد الجديد… فعلى جبل طابور اجتمع بموسى مستلم الشريعة وإيليا النبي وثلاثة من التلاميذ، رابطًا وموحدًا بين العهدين، معلنًا أنه حجر الزاوية للشريعة والنبوة والكرازة بالإنجيل.

فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة،

أما الذين لا يطيعون

فالحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية” [7] .

قيل أنه في بناء هيكل سليمان جاءوا بحجرٍ ضخم جدًا فلم يجد البناءون له نفعًا فتركوه وأهملوه، ولما بحثوا عن حجرٍ ليكون رأسًا للزاوية لم يجدوا حجرًا يصلح لذلك سواه ففرح به البناءون.

هكذا رفض اليهود ربنا يسوع واحتقروه صالبين إياه. لأنهم يريدون مسيحًا حسب أهوائهم الأرضية يملك ملكًا أرضيًا. أما الذين آمنوا به فوجدوا “يسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مركبًا معًا، ينمو هيكلاً مقدسًا في الرب، الذي فيه أنتم مبنيون معًا مسكنا لله في الروح” (أف ٢: ٢٠–٢٢).

لقد وجدناه، الصخرة غير الجامدة، الصخرة الروحية التي تتابعنا ونشرب منها شرابًا واحدًا روحيًا  (١ كو ١٠: ٤).

يقول القديس أغسطينوس: [عرفه اليهود فصلبوه، وأما العالم كله فسمع عنه وآمن[13].]

ويقول الرسول إنه بالنسبة للرافضين “حجر صدمة وصخرة عثرة الذين يعثرون غير طائعين للكلمة، الأمر الذي جُعِلوا له” [8] .

قوله “الذي جُعِلوا له” لا يعني أن الله هو الذي أراد رفضهم، وإنما هم رفضوه وقد سبق فأعلن الرب عما سيفعلونه (أش ٨: ١٣-١٥)، بل وأعلنه بفمه الإلهي قائلاً: “كل من سقط على ذلك الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه” (لو ٢٠: ١٧-١٨). إنه كالحجر اصطدموا به، وحتى لا يلقى باللوم عليه قيل “وصخرة عثرة“. الصخرة بطبيعتها ضخمة يليق بالسائر أن يراها فلا يصطدم بها، لكنهم في عدم طاعتهم تعثروا فيه أما هو فلم يتأثر ولا تزحزح! بقلبهم الحجري لم يطيعوا اللوح الحجري (الكلمة المنقوشة على الحجر)، فاصطدموا بالحجر الحي وتعثروا فيه، أما نحن فإذ نطيعه لا نصطدم به.

ويقول القديس أغسطينوس:

[يمكنك بقلب غير حجري أن ترى في تلك الألواح الحجرية (العهد الجديد) ما يناسب الشعب غليظ الرقبة، وفي نفس الوقت تستطيع أن ترى أيضًا “الحجر” عريسك الذي نعته بطرس بحجر حي…

بالنسبة لهم هو “حجر صدمة وصخرة عثرة“، أما بالنسبة لك فهو “الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأس الزاوية”…

لا تخف عندما تقرأ هذه الألواح، فإنها مرسلة لك من عريسك. فبالنسبة لغيرك هي حجر إشارة إلى عدم الحساسية، وأما أنت فهي تشير إلى القوة والثبات.

بإصبع الله كُتِبَت هذه الألواح، وبإصبع الله تخرج الشياطين، وبإصبع الله تطرد تعاليم الشياطين التي تمزق الضمير[14].]

وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء،

لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب” [9] .

إذ تأسسنا على حجر الزاوية وارتبطنا به فإننا بهذا نكون:

جنس مختار“: هذه العبارة ينطق بها رسول الختان ليصحح مفاهيمهم، إذ يحسبون أنفسهم أنهم دون سائر البشر “جنس مختار“، وأن الاختيار من قِبَل الله واقع بسبب جنسيتهم كيهود. لكن مجيء الرب متجسدًا وفي نسبه أسلاف أمميات، ودعوة الرب ورُسله للأمم كشفت حب الله للبشرية كلها، وأن الاختيار هنا لا يدفع إلى الكبرياء والتعصب بل إلى حمل المسئولية.

كهنوت ملوكي“: وقد اقتبس هذا النص من سفر الخروج (١٩: ١)، ومع هذا فنحن نعلم أنه في العهد القديم لم يكن الكل كهنة وملوكًا بل كانوا مختارين، هكذا فإن القول “كهنوت ملوكي” تعني أنه قد صار بيننا كهنة مفرزون لخدمة ملك الملوك.

أمة مقدسة شعب اقتناء“، عملها الكرازة والشهادة للذي دعانا من الظلمة إلى نوره العجيب، بحديث عملي، بسلوكنا كأولاد للنور.

فما نخبر به هو “فضائل الذي دعانا“… أي نعكس جمال المسيح الساطع علينا. فيرى الناس نوره الإلهي في داخل قلوبنا، ويدركونه خلال تصرفاتنا وسلوكنا في الحياة. عندئذ يتحقق قول المرتل “من صهيون (الكنيسة) كمال جمال الله أشرق” (مز ٥٠: ٢).

في هذا كله ليس لنا فضل بل للذي رحمنا، إذ يكمل الرسول قائلاً:

“والذين قبلاً لم تكونوا شعبًا،

وأما الآن فأنتم شعب الله،

الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون” [10].

لقد كنا في ظلمة فدعانا إلى نوره العجيب… ماذا نطلب بعد؟ لقد اختارنا شعبًا لله كما تنبأ هوشع بذلك (١: ٦، ٩، ٢: ٢٣)!

ثالثًا: الارتباط بالسلوك العملي

إذ أنهى حديثه عن “تأسيسنا على الرب يسوع” بأن نخبر بفضائله، بدأ يوضح لنا أهمية السيرة الحسنة قائلاً:

أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء

أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس” [11].

يدعوهم “أيها الأحباء” لكي يستميلهم إلى الإنصات والتنفيذ. وقد كان هذا النداء محببًا إلى نفوس التلاميذ والرسل إذ تشربوه من ربنا يسوع المحب، وسمعوا صوت الآب تجاه الابن يقول: “ابني الحبيب” عند العماد والتجلي، لهذا شغفوا به.

يدعوهم أيضًا “غرباء ونزلاء“، أي غرباء وضيوف، فقد سبق أن أوصاهم أن يتركوا شهوات الجسد بكونهم أبناء لله يعافون هذه الأمور، وهنا يقدم باعثًا ثانيًا هو إحساسهم بغربتهم وعدم ارتباطهم بالأرض. وقد أخذ الآباء الرهبان هذا الباعث كتدريب لكل طالب الرهبنة، إذ كانوا يدربونه على زيارة المدافن يوميًا لساعات طويلة حتى يعرف حقيقة هذه الحياة.

عندما سقط ثيؤدور المتنسك صديق القديس يوحنا الذهبي الفم في حب السيدة Hermoine الشابة الجميلة الصورة كتب إليه ذهبي الفم يطالبه بالعودة إلى حياته النسكية الأولى مسجلاً له الكثير عن مراحم الله ومحبته، مقدمًا له من بين التداريب الهامة للانتصار على حرب الشهوة أن يزور المدافن ويتأمل التراب والرماد والدود، متذكرًا نهاية الأشرار وسعادة الأبرار[15].

ونلاحظ أن الرسول لم يقل “أن تمتنعوا عن الخطايا” بل طلب الامتناع عن الجذر العميق لها، أي “الشهوات الجسدية”، لأنه كما يقول الأب دوروثيؤس: [الخطايا هي تنفيذ هذه الشهوات عمليًا، بمعنى أن الإنسان ينفذ بجسده الأعمال التي تثيرها فيه شهواته[16].]

هذه الشهوات يلزمنا أن نقلع عنها حتى وإن لم تخرج إلى حيز التنفيذ لأنها “تحارب النفس“. هذه الحرب الداخلية بين شهوات الجسد وشهوات الروح قائمة على الدوام مادمنا في الجسد، لكن ليس لها سلطان علينا أو حق السيادة والملكية على إرادتنا مادمنا لا نذعن لها. إذن لنمتنع عن شهوات الجسد بعدم قبولنا لها أو إرضائها، بهذا تكون حربها بلا قوة التنفيذ أو السيطرة، إنما تصبح أعضاؤنا آلات برّ لله شاهدة له أمام الأمم، إذ يرون الثمار المنظورة كانعكاس لنقاء داخلي وغلبة لشهوات الروح، وطاعة الجسد للروح وخضوعه لها[17].

 وقد شبه الأب Mathetes من رجال القرن الثاني[18] علاقة النفس بالجسد المحارب لها كعلاقة المسيحيين الحقيقيين بالعالم الوثني الشرير الذي كان مضطهدًا للكنيسة.

  • النفس منتشرة خلال كل أعضاء الجسد، والمسيحيون منتشرون خلال كل مدن العالم.

تسكن النفس في الجسد لكنها ليست منه، ويسكن المسيحيون العالم وهم ليسوا من العالم (يو ١٧: ١١، ١٤، ١٦).

النفس غير المنظورة حافظة للجسد المنظور، والمسيحيون معروفون حقًا إنهم في العالم وصلاحهم غير منظور.

يبغض الجسد النفس ويحاربها مع أنها لا تؤذيه بل لأنها تمنعه من التمتع بالملذات، هكذا يبغض العالم المسيحيين مع أنهم لا يضرونه، إنما لأنهم يمنعونه عن الملذات.

تحب النفس الجسد الذي يبغضها ويحب المسيحيون أيضًا الذين يبغضونهم.

النفس مسجونة في الجسد ومع هذا تحفظ الجسد ذاته، والمسيحيون موجودون في العالم كما في سجن ومع ذلك فهم غير الفاسدين فيه.

تسكن النفس الخالدة خيمة الجسد القابلة للموت، ويقطن المسيحيون كغرباء في مسكنٍ زائلٍ متطلعين إلى المسكن غير الفاسد في السماوات.

عندما تزهد النفس الطعام والشراب تصير في حال أفضل، والمسيحيون مع أنهم يومًا فيومًا يخضعون للعقاب (الاضطهاد الوثني) لكنهم يزدادون عددًا. لقد عين الله لهم هذا المركز المرموق الذي يلزمهم ألا ينسوه[19].

الرسالة إلى ديوغنيتس

أن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة،

لكي يكونوا فيما يفترون عليكم كفاعلي شر،

يمجدون الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها” [12].

ما أكثر الافتراءات التي وجهها الرومان ضد المسيحيين: يقول العلامة ترتليان: [لقد فاض نهر تيبار وأضر أسوار روما فنسبوا ذلك إلى المسيحيين. وكانوا إذا لم يفض نهر النيل كحده المعتاد نسبوه إليهم. وإذا حدث زلزال في المملكة أو جوع أو وباء نسبوه إليهم صارخين “القوهم إلى الأسود”.]

ومع هذا ففي يوم الافتقاد أي يوم مجيء الرب للدينونة، أو يوم يكشف الله عن عيونهم لمعرفة الحق، تنكشف سيرة المؤمنين الحسنة فيمجدوا أباهم السماوي (مت ٥: ١٦).

لهذا كتب الشهيد كبريانوس إلى الكاهن Rogatianus ومعترفين آخرين ملقين في السجون يقول لهم: [إنني أُسَر أن أقول لكم إن هذا هو العمل الأعظم المُلْقَى عليكم، وهو أن تكونوا في حال أفضل مهتمين بذلك حتى أنه خلال اعترافكم ذاته يلاحظون مجد (هذا الاعتراف) خلال حياتكم الفاضلة الهادئة[20].]

ويرى الأسقف الشهيد كبريانوس أن السيرة الحسنة تزين المعترفين والشهداء.

٣. سلوكنا في المجتمع كأولاد لله

أولاً: الخضوع لنظم الدولة

اخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب.

إن كان للملك فكمن هو فوق الكل” [13].

أثار اليهود الفتنة عند الحكام تتلخص في خضوع المسيحيّين للملك يسوع، فلا يخضعون للإمبراطور أو الولاة، عاصين لكل أمر وقانون. وحتى لا يختلط الأمر على المؤمن بين الخضوع للمملكة السماوية والطاعة للرؤساء نجد السيد نفسه يعلن ضرورة الخضوع للنًظم القائمة (مت ٢٢: ٢١). وهكذا سلك الرسول بولس على نفس المنوال (رو ١٣: ١-٧)، وطلب من تلميذه تيطس أن يُذَكِّر الشعب بالخضوع للرئاسات والسلاطين ويكونوا مستعدين لكل عمل صالح (٣: ١).

فالمسيحية جوهرها الحب والخضوع (التواضع) والطاعة، وليس الكبرياء والعصيان لهذا بينما ينصح القديس أغسطينوس[21] شعبه ألا يخافوا من تهديد الولاة لإلزامهم عبادة الأوثان، يقول:

[هل نرفع أنفسنا في كبرياء أم أطلب إليكم أن تزدروا بالسلاطين المرئية؟ لا يكون!… فإن الرسول نفسه يقول “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. لأنه ليس سطان إلاَّ من الله. السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله” (رو ١٣: ١-٢)].

ويقول العلامة ترتليان: [لذلك فإنه بخصوص الكرامات الواجبة للملوك والأباطرة، لدينا نص كافٍ أنه يليق بنا أن نكون في تمام الطاعة وذلك كوصية الرسول “أن يخضعوا للرياسات والسلاطين” (تي ٣ : ١) ولكن حدود الطاعة في هذا أن نحفظ أنفسنا منعزلين عن عبادة الأوثان. ولنا في هذا أيضًا مثال الثلاثة فتية، الذين مع طاعتهم للملك نبوخذنصر ازدروا بتقديم التكريم لتمثاله فلم يقبلوا العبادة له… وهكذا أيضًا دانيال، كان خاضعًا لداريوس في كل الأمور، ثابتًا في واجبه مادام بعيدًا عن أساس إيمانه (دا ٦)[22].]

أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعلي الشر

وللمدح كفاعلي الخير” [14].

أي لا نخاف من نواب الإمبراطور (الولاة) بل نحبهم ونخضع لهم، لأنهم معينون لأجل الانتقام من الأشرار ومدح فاعلي الخير (رو ١٣: ٣-٤). نخضع لهمk مهتمين فقط بصنع الخير، وهذا يسد الأفواه المشتكية ظلمًا “لأن هذه هي مشيئة الله أن تفعلوا الخيرً فتسكتوا جهالة الناس الأغبياء” [15].

لكن قد يسأل أحد: لماذا نخضع لهم ألسنا أحرارًا؟ الحرية في المسيحية ليست فوضى ولا عصيانًا للنظم والقوانين، بل هي خضوع وطاعة برضا وفرح، صانعين الخير كاسرين الشر تحت أقدامنا.

كأحرار وليس كالذين الحرية عندهم سترة للشر

بل كعبيد لله” [16].

يقول القديس أنبا أنطونيوس: [لا نعتبر الأحرار هم أولئك الأحرار بحسب مركزهم، بل الذين هم بحق أحرار في حياتهم وطبعهم… حرية النفس وطوباويتها هما نتيجة النقاء الحقيقي والازدراء بالزمنيات[23].] وأيضًا [الإنسان الحر هو ذاك الذي لا تستعبده الملذات بل يتحكم في الجسد بتمييز صالح وعفة، قانعًا بما يعطيه الله، مهما كان قليلاً، شاكرًا إياه من كل قلبه[24].]

الحر ليس بمركزه بل أن يتحرر في داخله مما فيه، فيعيش غير خانعٍ لشهوة ولا تلعب به لذات. فالحرية لا تبعث فينا الاستهتار بل تحملنا المسئولية. وكما يقول القديس إيريناؤس: [يحاسب العبد عن أفعاله، أما الابن فإنه يطالب بأكثر من ذلك، فيحاسب عن كلماته (مت ١٢: ٣٦) وعما يدور في فكره (مت ٥ : ٢٨) فإذ نال الحرية هذا يجعله ممحص أكثر[25].]

أكرموا الجميع.

أحبوا الإخوة.

خافوا الله.

أكرموا الملك” [17].

يبدأ الرسول بإكرام الجميع حتى لا يظنوا أنه عندما يتحدث عن إعطاء الكرامة لمن له الكرامة يكون فيه محاباة وإهانة للفقير والضعيف، إنما يلزمنا إكرام خليقة الله كلها التي مات المسيح من أجلها. فمن يحتقر إنسانًا يهين خالقه وفاديه. وإذ نكرم الجميع يليق بنا أن نحب الأخوة، ذلك الحب الذي تحدث عنه الرسول بولس (١ كو ١٣) والذي بدونه تفقد العبادة كيانها ووجودها. وبهذا الحب يمكننا أن نتقي الله ونخافه، لأن من لا يحب أخاه كيف يقدر أن يعبد الله؟ مخافتنا للرب تبعث فينا تكريم الرؤساء والملوك المرسلين منه. هذا الإكرام ليس مبعثه شخص الملك بل مخافة الرب.

ثانيًا: الأمانة في الخدمة

أيها الخدام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة،

ليس للصالحين المترفقين فقط،

بل للعنفاء أيضًا” [18].

مادام الخضوع أساسه “مخافة الرب”، لهذا لا يليق بالمؤمن أن يفحص أعمال رؤسائه، بل يحترمهم ويحبهم حتى وإن كانوا عنفاء.

ويقصد الرسول بالخدام العبيد أيضًا، إذ كان عددهم في ذلك الوقت ضخمًا. فيذكر المؤرخ بلينوس أن لأحد أصدقائه ٤٠٠٠ عبدًا ليس لهم أي حق شرعي.

وإذ كان قد آمن عدد كبير منهم بالمسيحية لذلك كان لزامًا أن تُوَجَّه إليهم نصائح خاصة بعملهم. فتُطالبهم بالخضوع برضا، حتى وإن كان سادتهم عنفاء. وقد استطاعت المسيحية خلال العبيد أن تكسب كثير من السادة، وخلال المرؤوسين أن يكرزوا بالسيرة الحسنة ورائحة المسيح النابعة فيهم لرؤسائهم.

وتظهر أهمية الأمانة في العمل من الرسالة التي وجهها أبونا البابا ثيوناس الاسكندري إلى لوقيانوس كبير أمناء القصر الإمبراطوري نذكر منها مقتطفات[26]:

[ما أظن ولا أود يا عزيزي لوقيانوس أن تتباهى بهذا الأمر أن كثير من رجال قصر الإمبراطور قد بلغوا إلى معرفة الحق. بل بالحري يليق بنا أن نقدم الشكر لإلهنا الذي يستخدمنا كآنية صالحة لعمل صالح، وقد منحك كرامة عظيمة لدى الإمبراطور حتى تظهر رائحة اسم المسيحي الذكية التي هي لمجد المسيح ولخلاص كثيرين.

فإنه وإن كان الإمبراطور نفسه لم يتلامس تمامًا مع الإيمان المسيحي، إلاَّ أنه يضع ثقته بخصوص أموره الخاصة وحياته في أيدي المسيحيين لأنهم أكثر الخدام أمانة… لذلك يجدر بك أن تبذل كل ما في وسعك ألا تسقط في أمر دنيء معيب، ولا تنطق بأي حال من الأحوال بكلمة نابية حتى لا يجدف على اسم المسيح بسببك

الله لا يسمح أن نكون من بين المرتشين لبلوغ مآرب لدى الإمبراطور…

إياك وشهوة الطمع الذي يخدم الأصنام لا المسيح (أف ٥: ٤-٥)…

لنفعل كل شيء بوداعة ولياقة واستقامة حتى يتمجد اسم إلهنا وربنا يسوع المسيح في كل شيء.

تمم الأعمال الموكولة إليك بمخافة الرب وفي محبة لرئيسك وبعناية كاملة.

انظر إلى كل أمر صادر من الإمبراطور، ولا يعارض الله، إنه صادر من الله ذاته. ولتتقد بالمحبة كما بالخوف وبكل فرح…

ولكي ما يتمجد الله فيكم، اطئوا تحت أقدامكم كل رذائلكم الذهنية وشهوات جسدكم.

التحفوا بالصبر والشجاعة وانتعشوا بالفضائل ورجاء المسيح.

احتملوا كل شيء من أجل خالقكم نفسه. احتملوا كل شيء. اغلبوا كل شيء، لكي تربحوا المسيح الرب…

عزيزي لوقيانوس إذ أنت حكيم احتمل بطيب قلب غير الحكماء (٢ كو ١١: ١٩) فربما يصيروا حكماء.

لا تسمح بأذية أحد في أي وقت ولا تدع أحدًا يغضب.

إن حدث لك ضرر فتطلع إلى يسوع المسيح… لا تترك يومًا يمر بغير قراءة نصيب في الكتاب المقدس مخصصًا وقتًا مناسبًا له تاركًا وقتًا للتأمل.]

لأن هذا فضل، إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله

يحتمل أحزانًا متألمًا بالظلم.

لأنه أي مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون،

بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون،

فهذا فضل عند الله” [19-20].

كان اللطم هو القصاص العادي للخدام متى أخطأوا… فإن لُطِمْنا من أجل خطأ ارتكبناه ما هو مجدنا؟ أما من يُلْطَم متألمًا من أجل عمل الخير فيصبر، فهذا فضل عند الله. وكلمة “فضل” في اليونانية تحمل معنيين في نفس الوقت وهما “نعمة ومعروف”.

نقبل اللطم ظلمًا من أجله بسرورٍ ورضا. يذكر لنا الأب بيامون[27] قصة امرأة شريفة بالإسكندرية طلبت من البابا أثناسيوس أرملة تعينها في الخدمة فأعطاها أرملة تخاف الرب. عادت السيدة تطلب غيرها فأرسل لها أشر أرملة، حتى تطاولت وضربت سيدتها، فجاءت السيدة شاكرة البابا قائلة له: “لقد أعطيتني حقًا امرأة تعينني وتشددني… أما الأولى فكانت تكرمني بالأكثر وتدللني بخدماتها”.

السيد المسيح كمثال لنا

لأنكم لهذا دُعِيتُم فإن المسيح أيضًا تألم من أجلنا،

تاركًا لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته” [21].

نزل السيد المسيح بنفسه وعاش بين الخدام ولُطِم منهم، حتى نستطيع نحن أيضًا أن نتبع خطواته.

لأنكم لهذا دعيتم“، أي أن هذه هي دعوة المسيح لنا، كما يقول القديس أغسطينوس: [أن نرفع أنظارنا إلى العريس السماوي، فإنه عُلِّق على الصليب كعبد متألم ظلمًا[28].]

ويقول أبونا البابا أثناسيوس الرسولي: [سَبَقَنا ربنا في هذا عندما أراد أن يظهر للناس كيف يحتملون؟… عندما ضُرِب احتمل بصبر، وعندما شُتِم لم يشتم، وإذ تألم لم يهدد بل قدم ظهره للضاربين وخديه للذين يلطمونه، ولم يحول وجهه عن البصاق. وأخيرًا كانت إرادته أن يُقاد إلى الموت حتى نرى فيه صورة كل الفضائل والخلود، فنسلك مقتفين آثار خطواته، فندوس بالحق على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (الخطية)[29].]

وماذا قدم لنا المسيح كمثال؟

  1. الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر[22] .

لم يقصد الرسول أن يتحدث هنا عن قداسة المسيح، فهو قدوس بلا خطية، لكنه يسير معنا في طريق الصليب لكي نقتفي آثار خطواته، فإنه لم يفعل خطية واتُّهِمَ بأنه صانع شر؛ ولا وُجِدَ في فمه مكر واتُّهِمَ كمضلل.

  1. الذي إذ شُتِمَ لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يهدد، بل كان يسلم لمن يقضي بعدل” [23]. كديان من حقه الانتقام، لكنه قبل آلام الصليب، محتملاً الشتم كنعجة صامته أمام جازيها لم يفتح فاه (إش ٥٣: ٧)، وهكذا كل من يختار السير مع المسيح المصلوب!
  2. الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على خشبة، لكي نموت عن الخطايا، فنحيا للبرّ الذي بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة، لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها” [24-25].

بطرس الرسول كشاهد عيان لآلام ربنا يسوع رآه مثالاً لاحتمالها. رآه وهو يعلن نفسي حزينة جدًا حتى الموت”… دخل البستان ليحمل خطايا البشرية على كتفيه ويصلبها على الصليب. أما الرسول بولس فركز حديثه عن الرب يسوع كمثال في احتمال الموت على الصليب.

يكشف لنا الرسول مفهوم آلام الصليب إنها ليست مجرد شجاعة وقدرة على الاحتمال، بل أساسها حب وبذل، إذ أراد بجلدته أي جراحاته أن يشفي جراحاتنا، فأحنى ظهره باختياره، ليحمل بطريقة سرية خطايانا في جسده، إذ “قدم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين” (عب ٩: ٢٨). “إنه سكب للموت نفسه وأُحصي مع آثمة، وهو حَمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين” (إش ٥٣: ١٢).

بآلام الحب أوضح لنا رعايته لنا إذ هو “راعي نفوسنا وأسقفها“، يبحث عن كل نفس مريضة فاتحًا ذراعيه لكل ضال!

اختار الموت “على خشبة”، وهذا لم يكن جُزافًا، بل كما يقول أبونا البابا أثناسيوس الرسولي:

[لم يكن لائقًا بالرب أن يمرض وهو الذي يشفي الآخرين…

لقد جاء كمخلصٍ لا لينقذ موتًا خاصًا به، بل يموت نيابة عن الآخرين… لذلك قَبِل الموت الذي جاءه من البشر لكي ينزع بالكمال الموت.

لو أن الموت حدث بصورة سرية، لما كان موته يشهد للقيامة…

جاء بنفسه ليحمل اللعنة التي علينا (غل ٣: ١٣) وهذا هو الصليب.

كيف يدعونا (نحن الأمم) ما لم يُصلب باسطًا يديه لدعوتنا؟

من أجل أن الصليب كان أفظع وجوه الموت وأقصى غاية المعاقبين، لذلك احتمل السيد المسيح الصلب طوعًا بكيان ناسوته المحتمل ذلك فداءً لبني آدم من أقصى غاية العقوبات للموت[30].]

يقول القديس أغسطينوس: [اختار الصليب ليذوق أمَرّ العذابات، إذ يموت موتًا بطيئًا، إذ أطاع حتى الموت موت الصليب (في ٢: ٨).]

يقول العلامة ترتليان[31]: [إاختار الصليب إتمامًا للنبوات والرموز الواردة في العهد القديم.]

وكيف نقتدي بالمسيح المصلوب؟

يقول الرسول “لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ”. يقول القديس أمبروسيوس: [لذلك هل صُلِبَتْ الخطية لكي نحيا لله؟ فمن يموت عن الخطية يعيش لله! هل تعيش لذاك الذي بذل ابنه حتى يَصْلِب شهواتنا في جسده؟ فإن المسيح مات عنا حتى نعيش في جسده المحيي لذلك فإنه لم تَمُتْ حياتنا بل مات عصياننا فيه… إذن خشب الصليب هو سفينة خلاصنا لعبورنا[32].]

ويقدم لنا القديس أمبروسيوس درسًا آخر إذ يقول: [من لا يتعلم أن يغفر لمضايقيه عندما يتطلع إلى المسيح وهو على الصليب يطلب من أجل مضطهديه؟ أما ترى أن هذه الصفات التي للمسيح – كما يحلو لك أن تقول – إنها قوتك[33].]

[1] راجع أقوال الآباء عن الحسد في كتاب “الحب الأخوي”، 1964.

[2] الحب الأخوي، 1964، ص ٢٣٢.

[3] Instructor 1 : 6.

[4] Three books of Testimonies against the Jews, 2 : 16.

[5] The Shepherd, Book 1 vision 3.

[6] Tert. On Prayer 28.

[7] راجع رسالة تيموثاوس الأولى.

[8] طبع باسم العفة سنة ١٩٦٧.

[9] راجع مزمور ٥٦ : ١٢، ١٠ : ٢٢.

[10] الفيلوكاليا، 1993، ص ٢٣.

[11] كتاب الراعي ك٣ رؤيا ١٢.

[12] راجع عظات عن فصول منتخبة من العهد الجديد (١ : ١٤، ١٥).

[13] راجع عظات عن فصول منتخبة من العهد الجديد (١٢ : ٤).

[14] Reply to Faustus the manchasan 15 : 5.

[15] ستعود بقوة أعظم ليوحنا ذهبي الفم، 1969، ص ٢٢.

[16] الفيلوكاليا، 1993، ص ١٥٢.

[17] راجع “العفة” 1967، لأغسطينوس.

[18] أحد تلاميذ القديس بولس الرسول أو رفقائه.

[19] The Epistle of Diognetus 6.

[20] رسالة ١٣ (طبعة اكسفورد) إلى الكاهن Rogatianus.

[21] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد ١٢.

[22] On Idolatry 15.

[23] الفيلوكاليا، 1993، ص ٣٤.

[24] الفيلوكاليا، 1993، ص ٤٣.

[25] Irenaeus against hereses 4 : 165.

[26] A. N. Fathers V. 6 P. 158/161.

[27] مناظرات كاسيان، ص ٤٦٤ – ٤٦٩.

[28] القيم الروحية لعيد النيروز، 1973، ص ٤.

[29] رسائل القيامة 1967، ص ١٢0 – ١٢١.

[30] ملخص من مقال “هل من ضرورة لعار الصليب؟!” بكتاب الحب الإلهي، 1967.

[31] A. N. Fathers V. 3 p. 164 – 165.

[32] A. N. Fathers V. 3 p. 164 – 165.

[33] The Christian faith 2 : 11: 95.

تفسير رسالة بطرس الأولى 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول

 

الخلاص والآلام

  1. تحية افتتاحية ١.
  2. عمل الله الخلاصي

   أولاً: حب الثالوث لنا              ٢.

   ثانيًا: عطايا الله الجديدة           ٣ – ٥.

  1. موقفنا تجاه الخلاص

   أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة      ٦ – ١٢.

   ثانيًا: الجهاد والعمل               ١٣ – 25.

١. تحية افتتاحية

بطرس رسول يسوع المسيح إلى المتغربين

من شتات بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينيية”  [1].

“بطرس” وهو الاسم الذي دعاه به الرب (يو ١: ٤٢)، ويسمى بالسريانية “صفا” أو “كيفا”، ومعناه “صخرة”، إشارة إلى الإيمان الذي نطق به من جهة الرب يسوع.

رسول يسوع المسيح” وهنا يدعو نفسه رسولاً، أي أحد الإثني عشر، وليس برئيس عليهم بل واحدًا منهم.

إلى المتغربين من شتات بنتس وغلاطية وقد سبق لنا الحديث عن هذه البلاد. وهنا يدعوهم بالمتغربين والمشتتين، وهذا يتناسب مع روح الرسالة إذ هي موجهة إلى أناس متألمين. لا تقوم هذه الغربة على مجرد قصر الحياة الزمنية فحسب، لكن على ما هو أسمى وهو انتسابنا إلى ملكوت المسيح السماوي. وكما يقول الرسول، “فإن سيرتنا نحن في السماوات” (في ٣: ٢٠).

هذا الإحساس بالغربة النابع، لا عن نظرة تشاؤمية يائسة، بل نظرة مبهجة، وهو التعلق بالسماويات، هو الأساس لاحتمال الآلام بصبر ورفض الأرضيات، بل هو أساس حياتنا الروحية كلها.

وقد عرَّف القديس يوحنا الدرجي الغربة قائلاً: [الغربة تعني أننا نترك إلى الأبد كل ما في أرضنا من أمر زمني يعوقنا عن الوصول إلى غاية الحياة الروحية. الغربة هي سلوك متواضع… حكمة خفية… فطنة لا يعرفها الأكثرية… حياة مستترة… هدف غير منظور… تأمل غير مرئي… اشتياق للتواضع… رغبة في الألم… عزيمة دائمة على محبة الله… كثرة إحسان… نبذ المجد الباطل… صمت عميق[1].]

الغربة هي انطلاقة بالنفس البشرية بكل طاقاتها لتعبر فوق كل الآلام والأتعاب لتهيم في حب الثالوث القدوس.

 

٢. عمل الله الخلاصي

أولاً: حب الثالوث لنا

لما كانت الرسالة تدور حول “الألم في حياة المؤمن” فكان لِزامًا على الرسول أن يبدأ حديثه بالخلاص الذي يقدمه لنا الثالوث القدوس في حب لا ينطق به، لأن اكتشاف الإنسان لمحبة الله الباذلة هو الدافع القوي لاحتمال الآلام برضا، لذلك حدثنا عن:

  1. حب الآب المُعلَن في اختياره للإنسان.
  2. حب الروح القدس المُعلَن في تقديسنا للطاعة.
  3. حب الابن المُعلَن على الصليب.
  4. اختيار الآب لنا

“(إلى) المختارين بمقتضى علم الله السابق في تقديس الروح للطاعة

ورش دم يسوع المسيح[2].

أعلن الله حبه للإنسان باختيارنا للملكوت. هذا الاختيار فهمه اليهود المتعصبون فهمًا خاطئًا، إذ حسبوه قائمًا على محاباة الله لشعبٍ معينٍ أو جنس معين وإلزامهم بالسلوك في طريقه، لهذا التزم رسول الختان أن يتحدث عن اختيار الآب لنا إذ أوضح:

  1. أن الاختيار قائم “بمقتضى علم الله السابق“، هذا العلم غير الإرادة. فمن جهة الإرادة يود أن الجميع يخلصون، لكن بسابق علمه يعرف الذين يقبلونه ويؤمنون به ويثبتون فيه. وكما يقول الرسول: “لأن الذين سبق فغينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه” (رو ٨: ٢٩). على الصليب فتح الابن يديه معلنًا دعوة الآب لكل البشرية. لكن الآب يعرف الذين يتبعونه ويسلكون في وصاياه كما يعرف الابن خرافه (يو ١٠: ١٤).
  2. يقول القديس أغسطينوس بأن الرسول يدعو المؤمنين مختارين، ليس لأن جميعهم يثبتون في الاختيار إلى النهاية، لكن من قبيل أن المختارين هم بين صفوف المؤمنين.
  3. الاختيار هنا ليس فيه حرمان للإنسان حريته وقسره على سلوك معين، بل هو “في تقديس الروح للطاعة“، أي في الخاضعين لعمل روح الرب، السالكين في الطاعة.

وقد عالج القديس أغسطينوس هذا الموضوع فقال:

[يقول القديس بولس عن فليمون: “الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل، ولكن بدون رأيك لم أشاء أن أفعل شيئًا، لكي لا يكون خيرك على سبيل الاضطرار بل على سبيل الاختيار”. وجاء في سفر التثنية “أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، الموت والشر… فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك” (٣٠: ١٥، ١٩). وأيضًا في سفر ابن سيراخ: “هو صنع الإنسان في البدء وتركه في يد اختياره… فإن شئت حفظت الوصايا ووفيت مرضاته. وعرض لك النار والماء فتمد يدك إلى ما شئت” (سي ١٥: ١٤، ١٧). هكذا أيضًا نقرأ في سفر إشعياء “إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم” (١: ١٩-٢٠)… فإننا لا نبلغ إلى الغاية بغير إرادتنا، ولكن لا نستطيع أن نكمل الغاية ما لم ننل المعونة الإلهيّة[2].]

  1. تقديس الروح للطاعة

الآب يحبنا فاختارنا له، والروح القدس يحبنا بذات حب الآب لأنه روح الآب، وعمله أن يقدسنا للطاعة. فالإنسان لا يقدر بذاته أن يتقدس، ولا يقدر بذاته أن يجاهد، لذلك وهبنا الله روحه معينًا لنا. فخلال  سرّي المعمودية والميرون سكن فينا روح الله وصرنا مُفرزين له. وخلال سر التوبة والاعتراف تغفر لنا خطايانا. وخلال سر الإفخارستيا نثبت في الله. كما يقدم لنا الروح أعماله التقوية من محبة وفرح وسلام ووداعة… بهذا كله يقدسنا الروح ويعيننا على الطاعة والمثابرة[3].

  1. “ورش دم يسوع المسيح”

حب الله في اختياره لنا وتقديسه حياتنا كلفة ثمنًا هذا مقداره! دم يسوع المسيح كفارة عن خطايانا وشفاءً لأمراض نفوسنا وعهدًا للشركة معه! أمام هذا الحب العملي الباذل نخجل أن نتذمر من جهة الآلام أو نشكو من ضيقات أو نخاف من الموت!

“لتكثر لكم النعمة والسلام”

إذ قدم لنا كل إمكانية إلهيّة، إذ دفع الثمن ووهبنا روحه معينًا في الجهاد، لذلك فهو يفيض علينا بالنعم والسلام.

  1. النعمة: أي نعمه المجانيّة وبركاته الإلهيّة التي تملأ القلب سلامًا.
  2. السلام: وهو يقوم على نعمة الله، فتدرك النفس مصالحتها مع الله مصدر سلامها وسعادتها، فتهيم معه في شركة حب وتسمو فوق كل الآلام. وهذا يعكس أيضًا سلامًا مع الغير حتى المضايقين لنا، لأن الداخل قوي وثابت فلا يضطرب الخارج[4]!

ثانيًا: عطايا الله الجديدة

يرسم لنا الرسول عظمة عطاياه المجانية التي نتمتع بها باستحقاقات الدم، فيقول “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية” [3].

لك البركة أيها الآب إذ قدمت لنا برحمتك الغنية أثمن عطية… وهبتنا ميلادًا جديدًا بالمعمودية! هذا الميلاد الذي على أساسه تبني كل عبادتنا لك!

إذ وهبتنا:

  1. الميلاد الجديد به نُزِعنا من الزيتونة البرية وطُعمنا في الزيتونة الجديدة (رو ١١ : ٢4)، صُلب إنساننا العتيق ووهبنا أن نكون خلقة جديدة (٢ كو ٥: ١٧) “لا بأعمال برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تي ٣: ٥).

وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [عندما نغطس في جرن المعمودية، فبفضل صلاح الله الآب وبنعمة روحه القدوس نتعرى من خطايانا، إذ نتخلص من إنساننا العتيق، ونتجدد، ونُختم بقوته لملكيته الخاصة. ولكن عندما نخرج من جرن المعمودية نلبس المسيح مخلصنا كثوبٍ لا يبلى، مستحقًا لكرامة الروح القدس عينها، الروح القدس الذي جددنا ودفعنا بختمه[5].]

  1. الرجاء الجديد: إذ يكمل الرسول قائلاً: “لرجاءٍ حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات” [4].

كانت الأنظار، في العهد القديم، تتركز حول أرض الموعد والبركات الزمنية كرمز لأورشليم السمائية والبركات الأبدية، مع تلميح بالأمور الأبديّة قدر ما تستطيع أعينهم أن ترى. أما الآن بعد أن صار لنا الميلاد الذي من أب سماوي وأم سماوية (الكنيسة) فإنه لا يليق بنا أن يكون لنا رجاء في الزمنيات.

هذا الرجاء الجديد يقوم على قيامة الرب من بين الأموات، إذ صار لنا نحن أعضاء جسده السري أن نخلع كل رجاء زمني متطلعين برجاء حي تجاه ميراث أبدي. إنه رجاء حي لأنه ينبع من قلب حي يفيض على الدوام بحياة حب لا ينضب!

  1. الميراث الأبدي: المولود من الجسد ينتظر ميراثًا ماديًا. والمولود من الروح يتعلق قلبه بميراث روحي. “فإن كنا أولادًا فإننا ورثةً أيضًا، ورثة الله ووارثون المسيح” (رو ٨: ١٧)… وما هي سمات هذا الميراث الروحي؟
  • “لميراث لا يفنى” لأنه ليس ميراثًا أرضيًا، بل سماويً.
  • “ولا يتدنس”، إذ يختلف عن الميراث الأرضي الذي يمكن أن يُغتصب بالخداع أو الاختلاس، كما يمكن أن يتبدد بالإسراف الشرير.
  • “ولا يضمحل”، إذ لا يزول جماله ولا يفقد بهاءه.
  • “محفوظ في السماوات لأجلكم”، إذ هو موضوع عناية الله وحراسته، يحفظه لأجلكم أي لأجل كل إنسان. فلا نيأس قط لأنه هيأ السماوات من أجلنا بالرغم مما بلغناه من انحطاط.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظروا إلى طبيعتنا كيف انحطت ثم ارتفعت؟ فإنه ما كان يمكن النزول أكثر مما هوى إليه الإنسان، ولا يمكن الصعود إلى أكثر مما ارتفع إليه المسيح (ورفعنا معه). اليوم (يوم صعود الرب) ارتفعت طبيعتنا فوق كل خليقة[6]!]

  1. قوة جديدة: “أنتم الذين بقوة الله محروسون، بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير” [5]. اليد الإلهية التي تحفظ الميراث هي التي تحرسنا نحن مهيئين للميراث، إذ تقدم لنا كل إمكانية لأجل تقديسنا للعرس السماوي الذي يُعلن يوم الرب العظيم.

٣. موقفنا تجاه الخلاص

أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة

يقدم الله كل إمكانية إلهية لأجل خلاصنا، لكننا لن نتمتع بالسير في طريق الخلاص بغير اشتراكنا بالإرادة (النية) والعمل. هذه المشاركة من جانبنا لا تقلل من عمل الله الخلاصي، أو تنفي عنه مجانيته أو تدفع بنا إلى البرّ الذاتي. لأننا نؤمن أن إيماننا ورجاءنا ومحبتنا وأعمالنا رغم ضروريتها، إذ بدونها نحرم من الخلاص، إلاَّ أنها ليست من ذواتنا. لكنها هبة من الله يقدمها للمثابرين والمغتصبين، مبنية على استحقاقات دم المسيح.

فلا تبرير لإنسان بغير الإيمان والرجاء والمحبة (أعمال المحبة)، ولا انتفاع بأعمال الله القوية من أجل خلاصنا بدونها. فما هو التزامنا نحن؟

  1. الإيمان: “الذي به تبتهجون، مع أنكم الآن إن كان يجب تُحزَنون يسيرًا بتجارب متنوعة. لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني، مع أنه يمتحن بالنار” [6-7].

وإذ يتكلم الرسول عن واجبنا أو موقفنا تجاه خلاصنا الثمين يطالبنا بالإيمان العملي:

أ. حياة مملوءة بهجة: فالإيمان بالرب الفادي يُشعل في النفس بهجة لا تطفئها الآلام أو التجارب أو أي ظرف خارجي. لنفرح ولنبتهج مع أمنا العذراء قائلين: تبتهج نفسي بالله مخلصي”. ولنقل مع المرتل في توبته: “رُد لي بهجة خلاصك”.

ب. حياة مملوءة تجارب: “إن كان يجب تُحزَنون” أي أن التجارب ليست أمرًا ثانويًا في حياة المؤمن بل إلزاميّة، خلالها يشترك مع الرب المتألم. ولا يتعرض لتجربة أو اثنتين بل لتجاربٍ متنوعةٍ، حاملاً الصليب مثل سمعان القيرواني مع ربنا يسوع. هذه الآلام يسيرة من حيث أن زمان غربتنا مهما بلغ فهو قليل بالنسبة للأبديّة. هذا الاحتمال يزكي إيماننا، وإن كنا نناله بالجهاد من يدي النعمة الإلهيّة. لهذا فاحتمالنا هذا لا ينفي مجانية الخلاص، ولا يبعث فينا الشعور بفضلٍ إلاَّ فضل الله.

  1. الرجاء:توجد للمدح والكرامة والمجد، عند استعلان يسوع المسيح[7].

يسند الرجاء المؤمن في التجارب، إذ يرفع أنظاره إلى يوم الرب العظيم ليرى:

أ. المدح من الرب من أجل صبره إلى المنتهى “من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص”.

ب. الكرامة أمام إخوته المشاركين معه في أورشليم السماوية.

ج. المجد: إذ استحق أن يكون متحدًا بعريس هكذا سماوي ومجيد!

  1. المحبة: “الذي إن لم تروه تحبونه، ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن، لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرحٍ لا يُنطق به ومجيد[8]. إن كنا لا نرى ما سنكون عليه وما سيكون لنا، لكننا نؤمن مترجين المجد الأبدي، لهذا نحب الله فرحين مبتهجين بعمله معنا.

نحب استعلان يسوع المسيح حيث يحمل جسدنا الفاسد عدم فساد، وترى النفس عريسها وجهًا لوجه. هذا هو غاية إيماننا “خلاص النفوس“.

وكما يقول القديس أغسطينوس:

[يقول الرسول بولس أيضًا أننا نخلص بغسل الميلاد الجديد، ومع ذلك يعلن في موضع آخر: “لأننا بالرجاء خلصنا. ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر” (رو ٨: ٢٤-٢٥). وبهدف مشابه أيضًا يقول زميله في الرسولية بطرس “الذي وإن لم ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبهجون بفرحٍ لا ينطق به ومجيد، نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس” [9]. فإن كان الآن هو وقت الإيمان، وجزاء الإيمان هو خلاص نفوسنا، هذا الإيمان الذي فيه نعمل بالمحبة (غل ٥: ١٦) فمن يشك أنه سيأتي اليوم إلى نهاية. وفي نهايته ننال الجزاء ليس فقط خلاص أجسادنا الذي تحدث عنه بولس الرسول (رو ٨: ٢٣) بل ونفوسنا أيضًا كما قال الرسول بطرس…

إن الزمن الحاضر سينتهي، لذلك فإن الأمر هنا متوقف على الرجاء أكثر منه على نوال المكافأة.

ولكن يلزمنا أن نتذكر هذا وهو أن إنساننا الداخلي، أي النفس، يتجدد يومًا فيومًا (٢ كو ٤: ١٦) ولهذا فإننا ونحن ننتظر الخلود الذي للجسد والخلاص الذي لنفوسنا في المستقبل، فإننا بالعربون الذي نناله هنا نقول أننا خلصنا. حتى أننا ننظر إلى معرفة كل الأمور التي سمعها الابن الوحيد من الآب كأمورٍ نرجو نوالها في المستقبل ولو أن السيد أعلنها كما لو وهبت لنا فعلاً.]

هذا الحب للسماوات والاشتياق للخلاص الأبدي هو:

أ. موضوع نبوة الأنبياء.

ب. موضوع كرازة الإنجيل.

ج. موضوع دهش السمائيّين.

أ. موضوع نبوة الأنبياء: بالحب اشتهوا الأبديّة، فوهبهم الروح القدس “روح المسيح” أن يتنبأوا عن الخلاص إذ يقول الرسول: “الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم، باحثين أي وقت أو ما الوقت الذين كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها” [10-11].

لقد فتشوا وبحثوا عنه… وهذا دليل الحب. فوهبهم روح المسيح أن يشهدوا للأبديّة (الأمجاد) مرتبطة بالآلام التي للمسيح، لأنه لا خلاص بدون سفك دم. لقد كان الصليب هو محور الرموز والنبوات. تعلق به الآباء والأنبياء بعدما رأوه من بعيد، إذ يقول الرب إبراهيم أبوكم رأى يومي فتهلل“.

رأوا الآلام بطريقة تفوق إدراكهم (دا ١٢:  ٨-٩). وهنا يستخدم صيغة الجمع ليكشف الرسول عن شدتها وكثرتها، والأمجاد أيضًا بالجمع لأنه كلما كثرت الآلام تزداد الأمجاد. هنا تشويق خفي للنفس أن تحمل آلام المسيح ولا تستكثرها، لأنها تبغي أيضًا مشاركة أمجاد فائقة الوصف. وهذا هو مفهوم الحب الحقيقي.

ب. موضوع كرازة الإنجيل: إن كان الأنبياء خلال الظلال والنبوات أحبوا الرب واشتهوا أن يروا صليب الرب وأمجاده، فكم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحبه إن كان هذا كله من أجلنا نحن!

الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم،

بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أخبرتم بها أنتم الآن

بواسطة الذين بشروكم في الروح القدس المُرسل من السماء“.

لقد جاء بنا ملء الزمان الذي به نُبَشَّر ونُبَشِّر بما اشتهى الأنبياء أن يسمعوه ويروه. هنا يقول الرسول عن الأنبياء “يخدمون بهذه الأمور“، أي لم تكن موضوع كبرياء لهم بل خدمة وتواضع.

ج. موضوع دهش السمائيّينالتي تشتهي الملائكة أن تطلع عليها” [١٢].

  • الحب من سمات الملائكة أيضًا، لذلك تشتهي أن تطلع على خلاص الإنسان، وشهوتهم هذه ليست من قبيل حب الاستطلاع لكن مشاركة للإنسان، واشتياقًا نحو توبته ورجوعه (لو ١٥: ١٠).
  • صنيع الرب معنا هو موضوع دهش الملائكة وتسبيحهم للخالق!

ثانيًا: الجهاد والعمل

إذ نتطلع إلى الخلاص الذي يقدمه لنا الله، ونؤمن به ونترجى الميراث ونحب الأبديّة ماذا نفعل؟

  1. لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين

كأن الرسول يوقظ العروس الراحلة لملاقاة عريسها مكررًا لها النداء “اصحوا” ثلاث دفعات (4:

 7، 5: 8) حتى تكون دائمة متهيئة لعريسها ممنطقة أحقاء ذهنها!

أ. أخذ الرسول هذا التشبيه مما كان يصنعه المسافرون، إذ كانت ملابسهم طويلة، فيشدوا أحقاءهم حتى لا تُعيقهم.

ب. وربما لأن الإنسان يقوم برفع أكمامه على ذراعيه (تشمير ساعديه) عندما يستغرق في تفكير عميق لأمر هام.

ج. أو لأن الصيادين اعتادوا أن يمنطقوا أحقاءهم عندما يغوصون في الماء حتى رُكَبهم.

إذن لنمنطق ذهننا بالبرّ ساهرين في حياة مقدسة متشبيهن بعريسنا. يقول البابا أثناسيوس الرسوليٍ: [لنمنطق أحقاء ذهننا متشبهين بمخلصنا يسوع المسيح الذي كتب عنه ويكون البرّ مِنطقة مَتنَيْهِ والأمانة مِنطقة حقويْه” (إش ١١: ٥)[7]ِ.]

  1. فالقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم، عند استعلان يسوع المسيح” [١٣].

السهر بغير رجاء يخور، لهذا يلزم أن يكون كل رجائنا مُنصبًا في المجد (النعمة) الذي يؤتى به إلينا عند ظهور ربنا.

ليكن الرب هو رجاءنا (١ تس ١: ٣)، وليكن ظهوره أمام أعيننا، لأنه ليس ببعيدٍ عنا بل يؤتى به إلينا، وفي النص اليوناني تعني أنه في الطريق إلينا لنناله. وليكن رجاؤنا في الأبديّة “بالتمام” أي بكمال ونضوج، لأنه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الرجاء بالتأكيد يشبه حبلاً قويًا مُدَلَّى من السماوات يُعين أرواحنا، رافعًا من يمسك به بثبات فوق هذا العالم وتجارب هذه الحياة الشريرة، فإن كان الإنسان ضعيفًا وترك هذا الهلب المقدس يسقط للحال ويختنق في هوة الشر[8].]

  1. “كأولاد الطاعة، لا تشاكلوا شهواتكم السابقة في جهالتكم” [11].

لنتطلع إلى حقيقة مركزنا أننا أولاد الآب سماوي كلي الصلاح، فكأولاد مطيعين لا نعود بعد نَسْلك فيما كنا فيه أيام جهلنا. وكما يقول القديس أغسطينوس:

[لنا والدان ولدانا على الأرض للشقاء ثم نموت. ولكننا وجدنا والدين آخرين. فالله أبونا والكنيسة أمنا، ولدانا للحياة الأبديّة. لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا؟ لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا… وجدنا لنا أبًا في السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض. لأن من ينتسب لأبٍ كهذا عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه[9].]

وأي سلوك يليق بنا؟

بل نظير القدوس الذي دعاكم،

كونوا انتم قديسين في كل سيرة.

لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس.

وإن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد،

فسيروا زمان غربتكم بخوف” [15-17].

أوضح لنا الرسول: ما هو سلوكنا؟ ومصدره ودافعه ومجالاته.

أ. سلوكنا هو القداسة أي حب السماويات وبغض الخطية.

ب. دافعه هو:

أولاً: أن نسير كما يليق بالدعوة التي دُعينا إليها.

ثانيًا: كأولاد للطاعة نخضع لإرادة الآب القدوس وكما يقول العلامة ترتليان: [إرادة الله قداستنا (١ تس ٤: ٣)، لأنه يريد منا نحن صورته، أن نكون على مثاله، لنكون قديسين كما هو قدوس (لا ١١: ٤٤)[10].]

ثالثًا: يضعنا الرسول أمام الدينونة كدافع لحياة القداسة والورع.

ج. مصدره: الله القدوس، وهو أبونا. وهذه هي كل المسيحية، أن ندرك أبوة الله لنا ونتمتع بها. هذه الأبوة لا تقوم على أساس المحاباة، بل مبنية على مراحم الله وعدله، إذ “يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد”، فلا نيأس لأنه أبونا، ولا نستهتر لأنه ديان. هو أب عادل وديان مملوء حنانًا. بهذا نزع رسول الختان الفكر اليهودي الخاطيء من جهة أن الله يحابي جنسهم على حساب البشرية وعلى حساب عدله.

د. مجالاته: “في كل سيرة”، وفي اليونانية تعني طريق الحياة أو السلوك، أي في كل تصرف: في الصمت كما في الكلام، في الأفكار الخفية كما في العمل الظاهر، ليكن كل ما هو فينا “قدس الرب”.

  1. التأمل في عظمة الخلاص

إن كنا مُطالَبين بالسهر والرجاء والطاعة والقداسة والسير بخوف الله، هذه جميعها نحمل فيها أتعابًا وآلامًا نقبلها باختيارنا، وأما ما يدفعنا لهذا، فهو تأملنا المستمر في عظمة الخلاص إذ هو:

أ. ليس بفضة أو ذهب!               د. يهبنا إمكانيّة التطهير.

ب. فداء أزلي!                       ه. أعطانا ميلادًا جديدًا.

ج. يُثَبِّت إيماننا ورجاءنا في الآب!

أ. ليس بفضة أو ذهب

عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب

من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء.

بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح” [18-١٩].

كان يُدفَع فضة أو ذهب فدية عن أسرى الحرب أو للعتق من العبوديّة، أما الرب فلم يَدفع هذا أو ذاك ليفدينا من سيرتنا الباطلة التي أُسِرْنا فيها، بل قدم دمًا كريمًا، آلامًا وأتعابًا احتملها ابن الله، انتهت إلى عار الصليب!

قَدَّم دمًا كريمًا كما من حملٍ بلا عيب، والحمل هو أطهر البهائم (خر ١٢: ٥، تث ٢٨: ٣) لذلك كان حمل التقدمة إشارة للسيد المسيح القدوس الذي بلا شر (عب ٧: ٢٦، يو ١: ٢٩).

وكما يقول العلامة ترتليان: [قد اشتُريتم بثمن أي بالدم. قد نُزِعتُم من إمبراطورية الجسد لتمجدوا الرب في أجسادكم[11].]

التأمل في صليب الرب يُشوِّق النفس للآلام ويُزهِدها في غنى العالم، ويحثها على طلب الغنى الأبدي. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [صليب الرب هو حكمتي! موت الرب هو خلاصي! لأننا نخلص بدمه الثمين كقول الرسول بطرس[12].]

ويُحَدِّث القديس أمبروسيوس الأغنياء ليتأملوا هذا الثمن قائلاً:

[لا يظن أحد أنه قد دُفع عنه ثمن مختلف بسبب غناه. فالغنى في الكنيسة هو الغنى في الإيمان، إذ المؤمن له كل عالم الغنى. أي عجب في هذا إن كان المؤمن يملك ميراث المسيح الذي هو أثمن من العالم؟

لقد قيل للجميع، وليس للأغنياء وحدهم: فقد افتُديتم بدم كريم.

فإن أردتم أن تكونوا أغنياء أطيعوا القائل “كونوا أنتم قديسين في كل سيرة”…

إنه يقول “فسيروا زمان غربتكم بخوف“، وليس بترفٍ أو تنعمٍ ولا في كبرياءٍ بل “بخوفٍ“.

إن لكم هنا على الأرض زمانًا ليس أبديًا، فاستخدموه كعابرين منه حتمًا[13]!]

ب. فداء أزلي

معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم،

ولكن قد أُظهِر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم” [20].

لنتأمل محبته الأزليّة، فهذا العمل الفدائي ليس بجديدٍ، لكنه قبل أن يخلقنا، بل قبل تأسيس العالم، منذ الأزل خطة الله مدبرة تجاه الإنسان العاصي ليدفع عنه أجرة عصيانه.

هذا هو موضوع لذة المؤمنين الحقيقيّين أن يدركوا محبة الله الباذلة “من أجلهم هم”، فإن هذا يدفعهم لتقبيل الصليب، وحمله بسرورٍ بالرب يسوع.

ج. يثبت إيماننا ورجاءنا في الآب

أنتم الذين به تؤمنون بالله الذي أقامه من الأموات،

وأعطاه مجدًا حتى أن إيمانكم ورجاءكم هما في الله” [21].

لعل الرسول خشى من البدعة التي نادى بها فيلون السكندري فيما بعد إذ نادى بوجود إلهين: إله العهد القديم قاسي، يعاقب الخطاة ويهلكهم. وإله العهد الجديد وديع ومترفق بهم. لهذا يؤكد الرسول أن ما قام به الابن إنما في طاعة للآب، فإيماننا ورجاؤنا بالمسيح هما في الله الآب، وليس منفصلاً عنه.

لقد أطاع المسيح الآب فـ “مع كونه ابنًا تعلم الطاعة مما تألم به” (عب ٥: 8)، مُسَلِّمًا الإرادة للآب. فأخلى ذاته وتجسد وتألم وقام، وأخذ المجد الذي له بإرادة الآب التي هي وإرادة الابن واحدة[14].

د. يهبنا إمكانيّة التطهير

طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح،

للمحبة الأخوية العديمة الرياء،

فأحبوا بعضكم بعضًا من قلبٍ طاهر] بشدة” [22].

لنتأمل عظمة هذا الخلاص إذ لا يسلب الإنسان حريته، بل طالبه بالعمل: “طهروا نفوسكم“، فلا خلاص لإنسان لا يُطَهِّر نفسه. هذا التطهير يتم بطاعة الحق بالروح، أي طاعة المسيح يسوع بالروح القدس.

فالطاعة هي بإرادتنا حيث نُخْضِع هذه الإرادة لإرادة المسيح فيعمل قصده فينا، والطاعة تستلزم الجهاد والعمل لكن سندنا في ذلك روحه القدوس!

هذه الطاعة تتلخص في حبنا الأخوي، لأن هذا هو قصد الرب يسوع، وهذه هي وصيته، لذلك يقول الرسول:

للمحبة الأخوية“، حيث يتسع القلب لكل البشرية بلا تمييز أو محاباة.

عديمة الرياء“، إذ لا تنبع عن دوافع مظهرية بل حب داخلي.

من قلب طاهر“، قد تَطَهَّر بالروح القدس، وصار نقيًا في غاياته.

بشدة“، لأنها على مثال حب المسيح الذي مات عنا.

ه. أعطانا ميلادًا جديدًا

مولودين ثانية لا من زرع يفنى،

بل مما لا يفنى،

بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد.

لأن كل جسد كعشب،

وكل مجد إنسان كزهر عشب.

العشب يبس وزهره سقط.

وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد.

وهذه هي الكلمة التي بُشِّرْتُم بها” [23-25].

يركز الرسول حديثه على “الولادة الثانية“.، لأن خلالها نتمتع بعظمة الخلاص، وخلالها يكون لنا حق الميراث، ونجتاز الآلام والأتعاب ببهجة قلب.

هنا يقارن بين الميلاد الروحي والميلاد الجسدي. فالميلاد الروحي من زرع لا يفنى، مصدره كلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد. ويعني بهذه الكلمة:

  1. “اللوغوس[15]” أو الكلمة المتجسد إذ خلال صليبه ودفنه وقيامته صار لنا أن ندفن معه بالمعمودية ونقوم لابسين المسيح (غل ٣: ٢٧).
  2. كلمة الكرازة “التي بشرتم بها” وهي تدور حول الصليب الذي بدونه ما كان الميلاد السماوي أن يقوم. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [لأن الماء بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ كما ألقى موسى النبي الخشب في تلك العين، هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب، فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة[16].]

[1] سلم السماء ودرجات الفضائل ٣ : ١.

[2] Augustine: Man’s perfection in Righteousness 19.

[3] راجع الحب الإلهي، 1967، باب “الله مقدسي” أيضًا ٨٠١ – ١٠٤٤.

[4] راجع تفسير ٢ يوحنا ٣.

[5] الحب الإلهي، 1967، ص 852.

[6] الحب الإلهي، 1967، ص ٧٣٧ – ٧٤٠..

[7] رسائل القيامة رسالة ٣ أيضًا ٥٢.

[8] ستعود بقوة أعظم” للقديس يوحنا الذهبي الفم.

[9] الصلاة الربانية طبعة ٦٨ ص ٩.

[10]  Tert. On Exhortation to Chastity.

[11]  Tert.: On Modesty 16.

[12]  On the Christian Faith 3 : 5.

[13]  Letter 63.

[14] إذ لا يسمح المجال بالإطالة أرجو الرجوع إلى مقال “طاعته للآب” في كتاب الحب الإلهي، 1967، ص ٢٢٥ – ٢٢٨.

[15] راجع الأب هيببوليتس The Refutation of all heresies 4 : 5.

[16] الأسرار للقديس أمبروسيوس – مجلة مرقس..

تفسير رسالة بطرس الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

رسالة بطرس الأولى

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

 

 

رسالة بطرس الرسول الأولى

مشكلة الألم والحياة الجديدة

 

لهذه الرسالة أهميتها الخاصة في حياة الكنيسة، إذ تعالج مشكلة الألم، هذه التي يئن منها كل إنسان، تشغل فكره، وتهز كل كيانه، خاصة حين يسقط تحت ضيقٍ جسدي أو نفسي أو أدبي، فيشعر بالحاجة إلى من يضمد جراحاته العميقة، لا على مستوى فلسفي نظري، وإنما على مستوى الحياة الواقعية العملية.

والرسالة في جوهرها دعوة لمقابلة الألم لا بنظرة سوداوية قاتمة، وإنما بروح الرجاء الحي، خلال تمتعنا بميلاد جديد غالب للألم بل وللموت نفسه، إذ يقوم على قوة “قيامة يسوع المسيح من الأموات” (1: 3). عِوَض الارتباك بمرارة الألم يرفعنا الرسول إلى بهجة التمتع بالميراث الأبدي، فننعم بفرح لا ينطق به ومجيد (1: 8)، وعِوَض الانغماس في متاعب الحياة القاتلة للنفس يرفعنا إلى انتظار مجيء القدوس خلال الحياة المقدسة (1: 15-16)، مدركين دورنا الحقيقي كحجارة حية في البيت الروحي الكهنوتي (2: 5).

إن كانت هذه الرسالة قد كُتِبَت إلى “المتغربين من شتات بُنتُس وغلاطية…” (1: 1)، فغالبًا لم تُكتَب من أجل اليهود الذين تشتتوا عن وطنهم، بل من أجل جميع المؤمنين، ايًا كان أصلهم، وقد عانوا التشتت بسبب إيمانهم، إذ واضح إنه يُحَدِّث أيضًا مؤمنين من أصل أممي (5: 14، 18؛ 2: 10؛ 4: 3). فالتغرُّب والتشتيت هنا يشير إلى كل مؤمن يشعر بتغرُّبه عن موطنه السماوي (في 3: 20). إنها رسالة موجهة إلى كل إنسان متألم في غربته!

كاتب الرسالة

  1. أجمع مؤرخو الكنيسة وقديسوها أن كاتبها القديس بطرس الرسول.
  2. 2. القديس إيريناؤس هو أول من اقتبس منها ذكر اسم الرسول بطرس، غير أننا نجد مقتطفات منها أو ما يناظرها في كتابات آباء سابقين له من القرن الأول، وأيضًا آباء لاحقين؛ مثلما جاء في رسالة برنابا[1]، وكتابات القديس إكليمنضس أسقف روما[2]، وكتاب الراعي لهرماس[3]، وكتابات القديس بوليكربوس الشهيد.
  3. أشار إليها القديس إكليمنضس السكندري والعلامة ترتليان، كما ذكر المؤرخ يوسابيوس أن رسالة بطرس الرسول من الكتب التي تقبلتها الكنيسة دون أدنى شك.
  4. تتفق الرسالة مع أسلوب عظات الرسول الواردة في سفر الأعمال مثال:

أولاً: أشار إلى الله كديان يحكم بغير محاباة (١: ٧ مع أع ١٠: ٣٤).

ثانيًا: يهتم بالحديث عن الآب الذي أقام المسيح (١: ٢١ مع أع ٢: ٣٢، ٣: ١٥، ١٠: ٤٠).

ثالثا: إعلانه عن السيد المسيح بكونه رأس الزاوية (٢: ٧ مع أع ٤: ١١).

لمن كُتِبَت رسالة بطرس الأولى؟

  1. كتبت إلى المؤمنين المتغربين من شتات بُنتُس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينية (١: ١)، وهذه جميعها تقع في آسيا الصغرى.
  2. يوجد رأي ينادي بأن الرسول لم يقصد بهذه الأسماء المقاطعات بحسب حدودها الجغرافية الرسمية، فمثلا بنتس كانت ضمن مقاطعة غلاطية حتى سنة ٦٣م. وفريجية التي تشمل جزءًا كبيرًا وسط آسيا الصغرى لم تذكر بين هذه المقاطعات وقد كان غير ممكن لحامل الرسالة أن يجتاز من كبدوكية إلى آسيا دون أن يمر بفريجية، ولهذا فإنه من غير الممكن أن لا نُدخِل مسيحيّي مقاطعة فريجية ضمن قراء هذه الرسالة خاصة وأن عددهم كان كبيرًا (أع ١٨: ٢٣) لهذا فإن هذه الأسماء تؤخذ بمعنى أوسع أي يقصد بها كل آسيا الصغرى[4].
  3. كان في يوم الخمسين من يمثل بنتس وكبدوكية وآسيا (أع ٢: ٩).
  4. بُنتُس: تقع بالقرب من بحر القزم، وهي مسقط أكيلا. وإذ بدأ الرسول بها لذلك لقب العلامة ترتليان والشهيد كبريانوس والقديس چيروم هذه الرسالة بالرسالة البنطية أو الرسالة إلى أهل بنتس.
  5. كبدوكية: وهي تميل إلى غرب بنتس.
  6. آسيا: ويقصد بها مقاطعة آسيا التابعة لآسيا الصغرى، وهي موطن أكيلا المختار (أع ١٨: ٢).
  7. بيثينية: بالقرب من بنتس من جهة القسطنطينية.

زمان ومكان كتابتها

يرجح أنها كتبت ما بين سنة ٦٣، ٦٧ م أثناء اضطهاد نيرون (٥٤ – ٦٨ م).

كتبت من بابل (5: ١٣) وقد اختلفت الآراء في تحديد مدينة بابل:

  1. يكاد يجمع الرأي أنها ليست بابل التي على نهر الفرات إذ كانت خربة، كما لم يذكر التقليد أن الرسول ذهب إليها، ويبعد جدًا أن يكون القديسان مرقس وسيلا هناك.
  2. يدعي الكاثوليك أنها تشير إلى روما مستندين في ذلك إلى أن “بابل” الواردة في سفر الرؤيا تشير إلى روما، لكن ليس هناك ما يسند هذا الرأي بل ما ينقضه:

أولاً: ما الداعي لعدم ذكر الرسول اسم روما صراحةً؟

ثانيًا: ثابت تاريخيًا أن الرسول بطرس لم يصل روما قبل استشهاده بها بفترة طويلة كافية لإرسال رسالتين.

ثالثًا: ترتيب الولايات كما جاء في الرسالة من الشرق إلى الغرب مما يؤيد أن الرسالة كُتبت من مكان ما بالشرق.

  1. الرأي الأرجح أن بابل هي “بابلون” أي مصر القديمة. وقد كانت قبلاً موطنًا لجماعة من اليهود ومقر عسكر روماني لا تزال آثاره قائمة إلى يومنا هذا.

وهذا الرأي تسنده التقاليد التاريخية التي تقول بأن القديس مرقس الرسول قدم إلى مصر حوالي سنة ٦١ أو ٦٢م.

خصائص الرسالة

  1. امتازت بكثرة التشابه بينها وبين ما ورد في بعض رسائل بولس الرسول وخاصة الرسالة إلى أفسس[5]، والرسالة إلى أهل رومية[6]، والرسالة إلى أهل غلاطية[7]، والرسالة إلى تيطس[8]… ونجد تشابهًا بينها وبين الرسالة إلى العبرانيين على نطاق واسع، إذ نجد كثيرًا من الألفاظ وردت في الرسالتين دون غيرهما من أسفار العهد الجديد[9].
  2. اقتبست الرسالة الكثير من العهد القديم، وذلك لأنه رسول الختان.
  3. كثرة الإشارة إلى أقوال السيد المسيح، لأنه كان شاهد عيان لما رأي وسمع من الرب نفسه.

غاية الرسالة

  1. تشجيع المؤمنين لقبول الألم. وتعتبر هذه الرسالة من رسائل التعزيّة الرائعة، ولا يخلو أصحاح من الحديث عنه.
  2. الكشف عن الحياة المقدسة العمليّة والعلاقات المتبادلة في العائلة والمجتمع والكنيسة خلال الإيمان بربنا يسوع المتألم.

اعتراضات على كاتب الرسالة والرد عليها

تحدثنا عن الجانب الإيجابي الذي يؤكد أن الرسالة من وضع القديس بطرس الرسول، غير أن بعض النقاد قدموا اعتراضات على الكاتب، وقد قدم الدارسون ردًا عليها:

أولاً: من الجانب اللغوي:

لم يكن القديس بطرس رجلاً أميًا، لكنه في نفس الوقت ليس ذا ثقافة عالية، فقد كان صيادًا (مر 1: 16؛ لو 5: 2-3، يو 21: 3)، جاء من بيت صيدا بالجليل (يو 1: 44)، قيل عنه هو ويوحنا أمام مجمع السنهدرين “إنهما إنسانان عديما العلم وعاميان (أع 4: 13).

مع هذا فإن الرسالة تضم أجمل وأروع ما كُتب في العهد الجديد من جهة اللغة اليونانية[10]، فالفكر متقدم والعبارات سهلة وجذابة، تستخدم عبارات فنيّة رائعة كما في (3: 21)، تكشف عن غنى عظيم في المفردات، إذ بها 60 كلمة يونانيّة لم توجد في بقية أسفار العهد الجديد، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن أن تكون قد كُتبت أولاً بالآرامية، اللغة اليوميّة لشعب فلسطين في أيام السيد المسيح، ثم ترجمت إلى اليونانيّة، لأنها تحوي اقتباسات من العهد القديم مقتطفة مباشرة من الترجمة السبعينيّة[11].

يرى[12] R. knoph أن لوقا وكاتب الرسالة إلى العبرانيّين وحدهما يمكن مقارنتهما بكاتب هذه الرسالة من جهة الطابع اليوناني.

أسلوبها اليوناني أكثر سلاسة من أسلوب القديس بولس وأعلى من أن تكون للقديس بطرس[13].

والآن نقدم في اختصار الرد على هذه الاعتراضات:

  1. من جهة اللغة والثقافة اليونانيّة، فكما سبق أن قلت في مقدمة الإنجيل بحسب يوحنا إن اليهود اعتادوا أن تكون لهم حرفة، مهما بلغت ثقافتهم أو غناهم، فكان شاول الطرسوسي ضليعًا في المعرفة وله مكانته الاجتماعيّة والدينيّة وفي نفس الوقت يمارس حرفة الخيام، هكذا أيضًا سمعان بطرس وإن كان صياد سمك، فهذا لا يعني أنه ليس بذي ثقافة يونانيّة عالية، خاصة وأن موطنه هو بيت صيدا، قرية على الجانب الشرقي من الأردن ليست ببعيدة عن بحيرة جنيسارت؛ المنطقة يهوديّة لكنها تحمل طابعًا عالميًا. لهذا نجد أخاه أندراوس وأيضًا فيلبس من بيت صيدا (يو 1: 44، 12: 21) يحملان اسمين يونانيين. كل من نشأ في بيت صيدا، يفهم اليونانيّة وله معرفة بالثقافة الهيلينيّة[14].
  2. يركز كثير من الدارسين على عبارة الرسول: “بيد سلوانس الأخ الأمين كما أظن كتبت إليكم بكلمات قليلة…” (5: 12) ، متسائلين ما هو الدور الحقيقي لسلوانس الذي يدعى سيلا، ويُحسب نبيًا ورافق القديس بولس في كرازته (أع 15-18)؟

يرى البعض أنه لم يكن كاتبًا للقديس بطرس وسكرتيرًا له فحسب، كما كان أيضًا بالنسبة للقديس بولس، وإنما ككارز وخادم له دوره الحيوي في الكنيسة، ساهم مع القديس بطرس في الرسالة، من جهة اللغة وأيضًا في الفكر. وربما كان يمثل حلقة اتصال في الفكر بين الرسولين، لذا جاءت الرسالة متقاربة مع بعض رسائل القديس بولس.

يرى بعض النقاد أن سيلا أو سلوانس كان مسيحيًا من أورشليم ذا ثقافة هيلينيّة عالية، لذا كان له دوره الرئيسي كحلقة اتصال بين الرسل والناطقين باليونانيّة. هذا واضح من اختياره مع يهوذا الملقب برسابا للذهاب إلى أنطاكية وسوريا وكيليكيّة يترجم للكنائس ما نطق بها القديس يعقوب في مجمع أورشليم (15: 22 الخ.).

 

ثانيًا: من الجانب التعليمي أو اللاهوتي:

يعترض البعض على الكاتب، بالقول إنه لو كان الكاتب هو القديس بطرس الذي عاش قريبًا جدًا من السيد المسيح لما كتب بعبارات لاهوتيّة وإنما لسجل لنا ما جمعه من السيد. حقًا لقد دعا نفسه “الشاهد لآلام المسيح” (5: 1)، لكنه لم يقدم تفاصيل للآلام.

الفكر اللاهوتي هنا، في رأي بعض النقاد، إنه أقرب إلى مدرسة القديس بولس منه إلى القديس بطرس، لذا يرون إنه يمكن أن تكون من وضع أحد تلاميذ بولس وليس القديس بطرس. يرى[15] F.W. Beare أن للكاتب فكرًا خاصًا به يختلف عن فكر القديس بولس لكنه تشكل خلال كتابات بولس كتلميذ له.

ويرد على ذلك بالآتي:

  1. بالنسبة للاعتراض على نسبتها للرسول بحجة أنه لم يكتب ذكرياته أو ما جمعه عن أعمال السيد المسيح الشخصيّة، فإن كثير من الدارسين يجدون في هذا الاعتراض ما يحمل العكس، أي يحمل التأييد لنسبتها للرسول الذي كان الإنجيل واضحًا نصب عينيه، إذ هو يهتم كيف يدخل بالمؤمنين إلى الحياة المُقامة في المسيح يسوع، ويلهب قلوب المتألمين بالتطلع نحو مجيء المسيح الأخير لا إلى تقديم ذكريات شخصيّة.
  2. أما بالنسبة إلى ما تحمله الرسالة من فكر مقارب لمدرسة القديس بولس الرسول، فنود أولاً تأكيد جانبين هامين: الأول عدم تجاهل دور الروح القدس في الوحي الإلهي الذي يهب للكتاب المقدس كله وحدة واحدة. فإن كان لكل كاتب سماته الخاصة التي تميزه، لكن الروح واحد. كما يقول الرسول بطرس: “عالمين هذا أولاً أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسانٍ بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2 بط 1: 20-21). ثانيًا، أنه وإن تمايز القديسان بطرس وبولس في تقديم الفكر اللاهوتي، فلا يعني هذا التمايز اختلافًا في الفكر، بل وحدة الفكر اللاهوتي الأصيل، مع تقديمه بطريقة متمايزة حسب مواهب كل رسول وحسب احتياجات السامعين. وحدة الفكر تقوم على أساس الوحدة في جسد المسيح الواحد خلال عمل الروح القدس الواحد، وتبني التسليم الواحد المُسَلَّم مرة للقديسين.

هذا ولا ننكر أن شركة الحب العامل بين الرسل، ولقاءاتهم المستمرة في المسيح يسوع قد أعطت تفاعلاً فيما بينهم، فيتأثر كل منهم بأخيه، مع وجود القاعدة الإيمانيّة الأساسيّة الثابتة. ففي الرسالة إلى أهل غلاطية يتحدث القديس بولس بكل وضوح: “ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضًا إلى أورشليم… صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً” (غلا 2: 1-2). وفي نفس الوقت يقول: “ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملومًا” (غل 2: 11).

هذا ويرى[16] J.W.C. Wand في الرسالة غياب التعاليم البولسيّة مثل التبرير، والناموس، وآدم الجديد، والجسد؛ مع ظهور الملامح الخاصة بفكر القديس بطرس بوضوح مثل فيض الاقتباسات من العهد القديم، والشعور الكنسي والتاريخي، والشعور بالسيد المسيح. إن كان لا يمكن وضع الفكر اللاهوتي الخاص بالقديس بطرس بطريقة علميّة معينة، لكنه متمايز عن الفكر البولسي[17]. فمن ملامح الرسالة الرئيسيّة انطباع قيامة السيد المسيح، التي تلامس معها القديس بطرس، على كل رسالة، خاصة في التعليم بنزول السيد المسيح إلى الجحيم (السجن) ليكرز للأموات مبشرًا إياهم بتحقيق ما ماتوا عنه على الرجاء (3: 19).

ثالثًا: من الجانب التاريخي

يعترض البعض كيف يمكن أن يكون الكاتب هو بطرس الرسول، بينما يحدث الكاتب المسيحيّين المُضطهدين (1: 6؛ 2: 12، 15؛ 4: 12، 14-16؛ 5: 8-9)، بكونهم مُضطهدين من أجل اسم المسيح. هذا يفترض أن المسيحيّة في ذلك الوقت كانت تُحسب جريمة في ذاتها يُعاقب عليها رسميًا، وأن الأمر ليس مجرد ضيق فردي أو من جماعات غير مسئولة. ويرى بعض النقاد من الجانب التاريخي إنه وإن كان الاضطهاد النيروني قد أثُير ضد المسيحيّين في روما، فإن هذا الاضطهاد في نظرهم لم يمتد إلى البلاد المذكورة في هذه الرسالة (بنطس، غلاطية، كبادوكية، آسيا، بيثينيّة)، لهذا فإن هذه الرسالة، في نظر هؤلاء النقاد، كُتبت إما في أثناء اضطهاد دومتيان أو تراجان بينما استشهد القديس بطرس مبكرًا في عهد نيرون.

يؤيد ذلك، غي نظر الناقدين، التقارب بين ما جاء في هذه الرسالة وما جاء في رسالة بليني Pliny للإمبراطور تراجان[18].

يُرَد على ذلك بالآتي:

  1. من جهة افتراض أن الاضطهادَ المذكور في الرسالة هو اضطهادٌ شامل ورسمي لا يناسب عهد نيرون بل دوميتان، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، لأنه وإن وُجد استشهاد لعدد قليل من المسيحيّين في روما مثل فلافيوس كليمندس ودوميتلا في عهد دوميتان، إلاّ أنه لا يوجد دليل قاطع على قيام اضطهاد شامل في المقاطعات المذكورة في الرسالة، الأمر الذي يصعب معه اعتبار الكاتب معاصرًا لعهد دوميتان.
  2. ليس من ضرورة تُلزم بأن الاضطهاد المذكور في الرسالة اضطهاد رسمي ضد المسيحيّين. فإن كان الرسول يذكر أنهم تألموا من أجل اسم المسيح (4: 14)، هذا لا يعني لأنهم يُدعون مسيحيّين، فإن المؤمنين منذ البداية يعتبرون كل ألم يصيبهم هو من أجل اسم المسيح. هذا بالإضافة إلى أن اسم “مسيحيين” لم يكن قد انتشر بعد في هذه المقاطعات.
  3. لا يمكن قبول نظريّة بعض النقاد بأن هذه الرسالة كُتبت في عهد تراجان، بسبب التشابه بينها وبين مراسلات بليني الوالي للإمبراطور والتي يكشف عن وضع المسيحيّين، وذلك للأسباب التالية:

أ. ما جاء في بليني لا يكشف عن اضطهاد شامل في كل موضع، أما ما جاء في الرسالة هنا (5: 9) فيعلن عن ضيق يحل بالمسيحيّين أينما وجدوا.

ب. ما جاء في بليني يظهر أن ما يحل بالمسيحيّين ليس بالأمر الجديد، لكنه عمل ممتد من الماضي، أما ما جاء في رسالة القديس بطرس فيظهر كخبرة جديدة (4: 12).

  1. ليس ما يمنع من قبول أن الاضطهاد المذكور في الرسالة كان في عهد نيرون، فإن كان ليس هناك من دليل على امتداد الاضطهاد في كل المقاطعات، لكن العلامة ترتليان يقدم لنا تقريرًا عن الـ “Institutum Neronianum” جاء فيه أن المسيحيّين لا يحميهم القانون[19]، (وإن كنا لا نجد ما يؤكد ذلك).على أي الأحوال، بلا شك كانت المقاطعات المذكورة في الرسالة على علاقة بالعاصمة روما، وما حلّ بالمسيحيّين في روما قد بلغ هذه المقاطعات، وكان له أثره على التعامل مع المسيحيّين في كل موضع، بالرغم من عدم صدور منشور رسمي بالاضطهاد. ما جاء في الرسالة لا ينفي قبول هذه النظريّة[20].
  2. هل من ضرورة تلزم بأن ما جاء في الرسالة يعني اضطهادًا رسميًا من الدولة الرومانيّة؟ ما جاء في الجزء الأول من الرسالة يتحدث عن الآلام بصفة عامة (1: 6، 7؛ 3: 13-17) أما ما ورد في نهاية الرسالة فيكشف عن مقاومة شديدة وضيقة مرّة حلت بهم، إذ يقول: أيها الأحباء لا تسغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب” (4: 12). غير أن هذا لا يعني بالضرورة دخولهم تحت ضيق الاستشهاد بسفك دمهم بأمر إمبراطوري، إنما هو انعكاس لنظرة المواطنين إليهم بطريقة ممقوتة.

لعل قوله “البلوى المحرقة” يشير إلى ما كان يفعله نيرون حيث استخدام المسيحيّين كمشاعل في الطرق بحرقهم بالنار، وربمًا يعني رمزيًا الضيق المرّ الذي يجعل الإنسان كمن يحترق.

 رابعًا: في قول الرسول: “الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ”. ما جعل البعض يتشكك في أن يكون الكاتب هو بطرس الرسول، خاصة أن القديس بطرس لم يشاهد آلام السيد المسيح بينما يقول هنا “والشاهد لآلام المسيح”، فيرد على ذلك بالآتي:

  1. إن كلمة “شيوخ” في اليونانية “presbyteroi” وتعني “كهنة” أيُا كانت درجتهم (أساقفة أو قسوس أو شمامسة)؛ والقديس بطرس وهو رسول يحمل “الكهنوت”. كان هذا اللقب يطلق على الرسل حتى أيام بابياس[21]، فلا يعني في الكنيسة الأولى لقبًا أقل. لهذا يدعو الرسول يوحنا نفسه الشيخ “presbyteros” (2 يو 1، 3 يو 1).
  2. يرى H. Windish أن الرسول بطرس تحدث هكذا كواحدٍ بين الشيوخ بروح التواضع، غير مميزٍ نفسه عنهم، ويرى Selwyn أن الرسول بطرس كتب هذا تعاطفًا مع قارئيه.
  3. إن كان الرسول بطرس لم يعاين كل آلام السيد، لكنه هو شاهد لها بمعاينته نصيبًا منها.

أقسام الرسالة

  1. الخلاص والآلام الأصحاح الأول.
  2. علاقتنا بالمسيح صخرتنا الأصحاح الثاني.
  3. علاقاتنا الاجتماعية في الرب يسوع الأصحاح الثاني.
  4. علاقاتنا العائلية في الرب يسوع الأصحاح الثالث.
  5. علاقاتنا بالمضايقين في الرب يسوع الأصحاح الثالث.
  6. الضيق وحياة القداسة الأصحاح الرابع.
  7. علاقاتنا الكنسية في الرب يسوع الأصحاح الخامس.

 

[1] قارن رسالة برنابا ١: ٥ مع ١ بط ٩ – ٤: ١٢ مع ١: ١٧ – ٥: ١ مع ١: ٢ – ٥: ٦ مع ١: ١١ – ١٦: ١٠ مع ٢: ٥.

[2] قارن رسالة إكليمنضس أسقف روما (طبعة ١٩٦٨) ٧: ٤ مع ١ بط 3: 20 – ٩: ٤ مع ٣: ٢٠ – ٣٦: ٢ مع ٢: ٩ – ٣٠: ٢ مع ٥: ٥ – ٤٩: ٥٠ مع ٤: ٨.

[3] راجع كتاب الراعي لهرماس ٣: ٥، ٤: ٣، ٤.

[4] دراسات في رسالة بطرس الأولى للدكتور موريس تواضروس.

[5] قابل ١ بط ١: ١-3 مع أف ١: ١–٣؛ ١: ٢٠ مع ١: ٤؛ ٢: ٩ مع ١: ١٤؛ ٣: ٢٢ مع ١: ٢١؛ ٢: ٥ مع ٢: ٢١، ٢٢؛ ٣: ١–٦ مع ٥: ٢٢–٢٤.

[6] قابل ١ بط ١: ٢١ مع رو ٤: ٢٤؛ ٤: ١ مع ٦: ٦، ٧؛ ٢: ٢٤ مع ٦: ١١؛ ٥: ١ مع ٨: ١٨؛ ٣: ٢٢ مع ٨: ٣٤، ٢: ٥ مع ١٢: ١؛ ١: ١٤ مع ١٢: ٢؛ ٤: ١٠، ١١ مع ١٢: ٣ – ٨؛ ١: ٢١ مع ١٢: ٩؛ ١٠، ٣: ٨ – ١٢ مع ١٢: ١٤ – ١٩؛ ٣: ١٣، ١٤ مع ١٣: ١ – ٤؛ ٢: ٦، ٧ مع ٩: ٣٣.

[7] قابل ١ بط ١: ٤ مع غلا ٣: ٢٣؛ ٢: ١٦ مع ٥: ١٣.

[8] قابل ١ بط ١: ١ مع تي ١: ١؛ ٢: ٩ مع ٢: ١٤؛ ١: ٣ مع ٣: ٥؛ ٣: ٧ مع ٣: ٧؛ ١: ١٨ مع ٢: ١٤.

[9] راجع دراسات في رسالة بطرس الرسول الأولى للدكتور موريس تواضروس.

[10] A.. C. R. Leany: The New Testament., 1972, p. 195.

[11] Oscar Cullmann: The New Testamen, SCM, 1968, p. 98.

[12] Die Biefe und Juda, 1912, p. 16.

[13] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 784.

[14] Oscar Cullmann: The New Testamen, SCM, 1968, p. 98, 99.

[15] M. Dibelius: A Fresh Approach to the New Testament and the Early Christian Literature, 1936, p.188.

[16] The General Epistles of St. Peter and St. Jude, 1934, p. 17f.

[17] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 785.

[18] B. H. Streeter: The Primitive Church, p. 122f.

[19] Ad Nationes VII.

[20] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 783.

[21]Eusebius: H.E. 3:39:4.

تفسير رسالة بطرس الأولى – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

يمكنك أن تقرأ في الكتاب حول: سيادة الله المطلقة، سماح الله بالألم، الإرادة الحرة، التقديس، غاية الناموس، وغيرها من الموضوعات.

تحميل الكتاب PDF

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

تعرف على الكتاب

“ذاك هو الشعور المسيحي الواجب؛ أنّنا مسؤولون أمام ضمائرنا أنْ نَبْحَث عن إجاباتٍ من الله للعالم، لنَشْهَد له ضدَّ كلّ شكايةٍ تَرْتَفِعُ ضدّ معرفته الحقيقيّة. أنْ نُعَرِّف أنفسنا للآخرين، تلك هي أولى مراحل الشهادة للمسيح …”

— الراهب سارافيم البرموسي

“إن الله يتدخل ولكن ليس كما يترجى البعض؛ فبينما يريد البعض النقمة الإلهية وإظهار بأس شعب الله من خلال إذلال المقاومين، نجد أن الله يعمل في اتجاه آخر؛ يعمل على جذب الجميع إلى حضنه؛ المٌضطهِد (إن آمن) والمضُطهَد. لكلِّ مكانه في بيت الآب…”

— الراهب سارافيم البرموسي

“إنّ الله هو أب البشريّة كلّها، والبشريّة تتطاحن فيما بينها بسبب تَشَوُّه الطبيعة الذي حَدَثَ بالسقوط الأوّل. لذا فإنّ أي تدخُّل إلهي مهما كان متوازنًا فلن يُلاشي الألم والمعاناة من الواقع الإنساني الزمكاني لأنّه يتعامل مع عناصر متعدِّدة تعمل فيها قوى السقوط. إنّ تدخُّل الله / تأنّي الله دائمًا ما يكون مزدوج الفاعليّة، وهذا لا ينتقص من كونه القدير والصالح على الرغم من نِتاج التدخُّل / التأنّي. لقد عبَّر عن تلك الحقيقة سفر أيوب بشكلٍ مجازيٍّ، وإن كان على لسان أليفاز التيماني حينما قال: ”لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ، يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ“ (أي5: 18).”
— الراهب سارافيم البرموسي
 
“علينا أنْ نُفَرِّقَ تمامًا بين السماح من جهة، وبين الرغبة / المشيئة الإلهيّة من جهة أخرى. السماح ينطلق من واقع الحريّة الإنسانيّة، ونتاجها الذي شَوَّه العلاقات الإنسانيّة في الوجود، وهو ما يُعَبِّر عن موقفه التدبيري. فهو يسمحُ لأنّ الحريّات واقعٌ، ولها أثرٌ حقيقيٌّ، ولكن هذا لا يُعَبِّر عمّا في قلب الله الذي لا يريد أنْ يرى خليقته مُتَألِّمه بأي حال من الأحوال. في المقابل، المشيئة الإلهيّة / الإرادة الإلهيّة هي التعبير عن طبيعة الله التي هي دائمًا خير. والعالم الذي نحياه، في واقعيّة سقوطه، يحتاج إلى سماحٌ إلهيٌّ تدبيريٌّ تفاعليٌّ ما بين حرياتنا ورغبة الله، من أجل تحقيق المشيئة الإلهيّة الخيِّرة دائمًا.”
— الراهب سارافيم البرموسي
 
هل فعلاً ربنا ضابط الكل؟ وهل في نظام وسط الفوضى؟ ولو في، ليه مازلت شايف “شر” حواليا؟ هل ربنا عايز يمنع الشر، ولكن مش قادر يمنعه؟ مش ربنا يقدر يعمل أي حاجة؟ هل يقدر يمنعه، ولكن هو مش عايز؟ هل عايزني أتعب؟ طيب لو هو عايز ويقدر يمنعه… ليه فيه شر حواليا؟ وهل من الممكن يبقى فعلاً في صلاح في ظل الشر اللي بأوجهه؟ أو أي معني للألم اللي بأشعر بيه؟!
 
أسئلة كلها بتخطر على بالنا في كل مرة بنتعرض لوجع، بنواجه أزمة، أو بنصطدم مع حدث فيه شر مش قادرين نفهم سببه في ضوء الأفكار والمفاهيم اللي عارفينها عن الله والعالم من حوالنا… بالمعطيات اللي معانا في معرفتنا لربنا…

من خلال كتاب “إن كان الله ضابط الكل فلماذا الألم؟” بتبدأ رحلة “بحث” مع نفسك، بداية من دوامات الحيرة في كل الأسئلة الشائكة عن وجود الله في ظل الألم والشر اللي بتصطدم بيه، من خلال الكتاب هتبدأ تتحرك لاكتشاف مفاهيم جديدة عن الله وطبيعته ومعاملاته معنا وحبه لينا وتدبيره في الخليقة وفي تبعيتها ليه وفي علاقة البشر ببعضهم البعض، عندها تنهي رحلتك مع الكتاب ويبدأ سؤال: ماذا يفعل الله في ظل الألم والشر؟ ينعكس ببطء جواك لسؤال أعمق وأقوي: ماذا أفعل في مكاني ودائرتي لمواجهة الألم والشر؟

إزاي أفهم إن ربنا عنده كل القدرة ومش بيستعملها علشان يوقف الألم والبؤس في العالم؟ ولو عنده القدرة والإرادة ان العالم يخلص من كل الشر والبؤس؛ ليه ده مش بيحصل؟ ايه السبب اللي بيعطل إرادة الله دي؟ واشمعنى بيبان إنه بيتدخل في حالات وحالات تانية لأ؟
 

كتاب “إن كان الله ضابط الكل، فلماذا؟” دعوة للتحرك الإيجابي والخروج خارج دائرة التساؤل السلبي لرؤية أعمق تساعدنا على التفاعل مع المشكلة في محاولة فعّالة للشهادة لله وصلاحه وتدبيره ووجوده في العالم…

لحضور الكورس عن موضوع الكتاب للراهب سارافيم البرموسي على منصة UDEMY: bookstore.asfcs.org/asfcspain

 
كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

المواصفات

الكاتب: الراهب سارافيم البرموسي

مراجعة: نيافة أنبا إيسيذورس

الناشر: مدرسة الإسكندرية

تاريخ النشر: أبريل 2021م

رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 25215/ 2019

الترقيم الدولي: 7-70-6591-977-978

عدد صفحات الكتاب: 304

اللغة: عربي

 

المحتويات:

 

مقدمة

اجعلهم يتوقفون

الأم

تورات شائهة

لماذا؟

دوامات الحيرة

أصداء الألم المرنمة

تورط الله

أين الله؟

ما قبل العاصفة

كلمات بلا قوة

قضية وجدانية

ما قبل التجربة

النظرة الأبيقورية والحلول الفلسفية

السؤال القديم

زلزال لشبونة

سؤال العالم العربي

دماء على درب التقدم

رد الفعل

الثنائية

الغنوسية

ماركيون

ماني

رد الفعل المسيحي

الحوار

الرؤية

الفرضيات المسبقة

الإعلان الإلهي كنقطة انطلاق

إشكالية ثلاثية

إشكالية الخير

منهجية التفكير

إيل شداي والاحتياج للإيمان

القدير

الإله الذي فيه الكفاية

السينرجيا

القدرة الإخلائية

قوة الضعف

حبل المشنقة

اخلى ذاته

مركز الوعي الجديد في المسيحية

مركزية العلاقة في تشكيل الوعي

الله المعلن في وجه الرب يسوع

القدرة المخلصة

القدرة الأخلاقية

لماذا لم يخلقنا الله أذكياء

القادر على كل شيء

المنهجية الأخلاقية

بساطة الله وقدرته

القدرة الإيجابية

القدر الصالحة

الشر بين الوجود والعدم

الغياب والعم

الخير والشر بين الشخصانية والتجريد

المستحيلات المطلقة المشروطة

مخاض الطبيعة والأنسان

هل الله خالق الشر؟ قراءة في أشعياء 45: 6 – 7

 

ملاحظات تفسيرية

الإطار الأدبي

مواجهة الثنائية

دلاله كلمة شر في العهد القديم

دلاله فعل خلق في العهد القديم

 

إجمالا

الصلاح الإلهي نموذج الأب والأبناء

ماذا عن الأحفاد؟

لماذا لا يشرع الله بدينونة الأشرار؟

الخطية خاطئة دائما

العالم الوحيد الممكن لدى الله

الله ليس تحت الضرورة

بوتقة الألم وتشكيلنا الإيجابي

لماذا لا يخلق الله عالما أكمل؟

مستويات التدبير الثلاثة

المزيد من الجرائم كل يوم

ثلاثية الوجود

الله في ذاته والله في تدبيره

طبيعة متجددة

حينما يسألنا الله

تسابيح القدرة ومباركة الله

عالمنا يبدا من القلب

تسابيح الاله القادر على كل شيء

مبارك الله

صلاة

تحميل الكتاب PDF

كتاب مشكلة الألم – مشير سمير PDF

كتاب مشكلة الألم – مشير سمير PDF

كتاب مشكلة الألم – مشير سمير PDF

كتاب مشكلة الألم – مشير سمير PDF

تحميل الكتاب PDF

كتاب أدهشني الألم دور الألم والموت في الحياة المسيحية – ار سي سبرول PDF

ؤ

 

كتاب أدهشني الألم دور الألم والموت في الحياة المسيحية – ار سي سبرول PDF

كتاب أدهشني الألم دور الألم والموت في الحياة المسيحية – ار سي سبرول PDF

محتويات الكتاب:

تمهيد 

الجزء الاول : نحو الموت 

الفصل الاول : الالم و الحيرة و اليأس 

الفصل الثاني : السير في درب الالام 

الفصل الثالث : دراسة حالة الالم

الفصل الرابع : هناك قصد من الالم 

الفصل الخامس : الدعوة الاخيرة 

الفصل السادس :الموت في الايمان 

                

الجزء الثاني : ما بعد الموت 

الفصل السابع : تكهنات بشأن الحياة بعد الموت 

الفصل الثامن : يسوع و الحياة ما بعد الموت 

الفصل التاسع : الموت هو ربح 

الفصل العاشر : رؤيا لما هو عتيد ان يكون 

الخاتمة 

ملحق : اسئلة و اجوبة 

تحميل الكتاب PDF

 

 

الشك ف الكمين – كيف ينظر الله إلى الألم؟ وما هو مفهوم الألم؟

الشك ف الكمين – كيف ينظر الله إلى الألم؟ وما هو مفهوم الألم؟

الشك ف الكمين – كيف ينظر الله إلى الألم؟ وما هو مفهوم الألم؟

Exit mobile version