السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

(1)

”الآب يحب الابن، وقد دفع كل شيء في يده. الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً بل يمكث عليه غضب الله”

(يو3: 35ـ36)

 

النمو فى الإيمان[1]:

     1ـ لا شك أن سير الأمور وتدرجها بشكل طبيعي يحقق فائدةً كبيرةً. فبهذه الطريقة يمكننا أن ننهي الكثير من الأعمال الفنية التي تحتاج إلى مهارة خاصة، دون أن يكون مطلوبًا منا أن نُلم بكل التفاصيل دفعةً واحدةً. وكما نبني المدن تدريجياً شيئًا فشيئًا بهذه الطريقة الهادئة، يمكننا أيضًا – بنفس الطريقة – أن نحفظ حياتنا، فلا تنهار في مواجهة صعاب الحياة، إذا ما أدرك المرء ما تنطوي عليه نفسه من قوة روحية.

     بهذه الطريقة، أمكن لليهود أن يتخلصوا من عبادة الأصنام، ولأنه لم يكن لديهم ـ منذ البداية ـ تعاليم سامية، ولا تعاليم عن العقائد، ولا حتى عن الحياة، فقد تم إنقاذهم تدريجيًا رويدًا رويدًا من هذه العبادة.

وهكذا بعد مجيء المسيح، حينما جاء ملء الزمان لظهور التعاليم السامية، دعا الرسلُ اليهودَ دون أن يكلموهم بما هو أعلى من مستواهم.

وقد استعمل المسيح أيضاً هذه الطريقة منذ البداية متحدثًا مع الأكثرية.

وهذا هو أيضًا ما انتهجه يوحنا المعمدان بخصوص المسيح، حيث عرض ما هو سامٍ في تعليمه بطريقة غامضة. فقد تحدث عنه – في البداية ـ كما لو أنه يتحدث عن مجرد إنسان، وإن كان جديرًا بالإعجاب، فيقول: ” لا يقدر إنسانٌ أن يأخذ شيئًا“، ثم يضيف إلى ذلك المعنى السامي، فيقول: ” الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع“. وإذ يتكلم ببساطة، يقول: ” ليس بكيلٍ يعطي الله الروح“، ومن ثمَّ يضيف: ” الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده“.

ولأن يوحنا المعمدان أدرك إن كثيرين لم يتأثروا لا بالوعود بالخيرات الصالحة، ولا بالتهديد بالمصاعب، فقد قدَّر أن حديثه عن الجحيم قد يأتي بالفائدة المرجوة، لذا نجده ينهي حديثه بالتشديد على أن: ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً بل يمكث عليه غضب الله“.

فهو هنا يغيِّر مستوى الحديث، فيرفعه من الكلام عن الجحيم إلى الكلام عن الآب. فلم يقل ” يمكث عليه غضب الابن“، رغم أن الابن هو الديَّان، بل يضعهم مباشرةً في مواجهة الآب، حتى ما يخيفهم بالأكثر.

ويمكنك أن تسأل: هل يكفي المرءُ الإيمانَ بالابن حتى تكون له الحياة الأبدية؟ إطلاقًا. اسمع كيف يحدد المسيح نفسه هذا الأمر:      “ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات” (مت 7: 21)، كما أن التجديف على الروح القدس، وحده كافٍ لأنْ يلقى المرءَ في جهنم.

وماذا يمكن أن نقول عن العقائد؟ فلو كان إيمان شخصٍ ما بالآب والابن والروح القدس مستقيمًا، فإن إيمانه هذا لن يخلِّصه لو كانت حياته غير مستقيمة. وعندما يقول المسيح إن: “هذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك” (يو 17: 3)، فلا يجب أن نظن أن هذا كافٍ أيضًا لخلاصنا؛ لأننا – بالإضافة إلى ذلك ـ في احتياج إلى سلوك أخلاقي طاهرٍ، وحياةٍ تقيةٍ. وبالرغم من أن يوحنا قال إنَّ: ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية“، إلاَّ أنه شدد بالأكثر على ما قاله بعد ذلك؛ لأنه لا يصيغ كلامه من العبارات الإيجابية فقط، بل من السلبيةِ أيضًا.

ولعلك تنتبه إلى الطريقة التي يتبعها يوحنا في ذلك، فقد أضاف:   ” الذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً، بل يمكث عليه غضب الله“. وبالرغم حتى من هذا القول، فإننا لا نقبل أن يكون الإيمان ـ وحده ـ كافيًا للخلاص، بينما نهمل كل ما كُتب في مواضع كثيرة في الأناجيل عن الحياة الصالحة. فلأجل هذا لم يقل ـ بالتحديد ـ إن هذه هي فقط الحياة الأبدية، ولم يقل إن من يؤمن بالابن فقط تكون له الحياة الأبدية، لكنه هنا وهناك يشدد على أن تكون الحياة الصالحة هي واقع الحياة الحاضرة؛ ولو لم يحيا المرء هذه الحياة، فعقابه كبير، ولذلك لم يقل ” يمكث له“، بل “يمكث عليه”؛ لكي يؤكد على أنه لن يتخلَّص إطلاقًا من غضب الله.

وحتى لا تظن أن عبارة ” لن يرى حياةً” تعني الموت المؤقت، بل تتأكد من ديمومة الجحيم، يستخدم الفعل “يمكث” مريدًا أن يؤكد على أن الغضب دائمًا ما يتربص به.

هكذا صنع يوحنا لأنه أراد أن يدفع سامعيه دفعًا تجاه المسيح، فهو لم يُرد مجرد نصحهم بطريقة معينة، بل أراد أن يؤثِّر فيهم بالأكثر بحديثه؛ ولذلك لم يقل لهم إذا آمنتم، وإذا لم تؤمنوا، بل تحدث بشكل مباشر حتى لا يسبب كلامه أي شبهة. وبالتالي كان كلامه بالصرامةٍ بالمقارنة مع كلام المسيح.

فالمسيح قال: ” الذي لا يؤمن قد دِين بالفعل“، بينما يوحنا قال:    ” لن يرى الحياة بل يمكث عليه غضب الله“. ولا شك أن يوحنا محقٌ في صرامته؛ لأن الطريقة التي يتكلم بها المسيحُ عن نفسه تختلف عن الطريقة التي يتكلم بها عنه آخر. فقد يظنون أن المسيح قال هذا طلبًا للمجد أو محبةً للتباهي. أمَّا يوحنا، فكان بعيدًا عن أن تلحقه هذه الشبهة.

 

ترك اليهودية ومضى إلى الجليل:

وإن كان المسيح قد استخدم فيما بعد أسلوبًا أكثر صرامةً. فعندما كوَّن هؤلاء رأيًا قاطعًا عنه، تحوَّل عنهم وترك اليهودية ومضى إلى الجليل.

فلما عَلِمَ الربُ أنَّ الفريسيين سمعوا أنَّ يسوع يُصيِّر ويُعمِّد تلاميذ أكثر من يوحنا. مع أن يسوع نفسه لم يكن يُعمِّد بل تلاميذه، ترك اليهوديةَ ومضي أيضًا إلى الجليل وكان لابد أن يجتاز السامرة” (يو4: 1ـ4). فالمسيح لم يكن يُعمِّد، بل كان الكارزون (التلاميذ) هم الذين يُعمِّدون، إلاَّ أنهم (أي اليهود) قالوا هذا لأنهم أرادوا أن يُثيروا كُره السامعين ضده.

وقد نتساءل: لماذا ترك المسيح اليهودية ومضى إلى الجليل؟

لم يمضِ المسيحُ بسبب الخوف منهم؛ لأنه كان يستطيع أن يواجههم، ولكن لأنه أراد أن ينـزع كُرههم ويُبطل حسدهم. فالمسيحُ لم يكن دائم الانسحاب والمضي من أمامهم حتى لا يدفعهم ذلك نحو الشك في ولادته بحسب الجسد؛ لأنه لو كان دائمَ الانسحاب باستمرار كلما أرادوا القبض عليه لَسبَّبَ ذلك ارتياب الكثيرين[2]، ولهذا تصرَّف بشكل يتفق وما اعتاد البشر أن يفعلوه؛ لأنه أراد ـ تحديدًا ـ أن يُؤمنوا به على أنه كان ومازال هو الإله بالرغم من أنه اتخذ جسدًا، ولذلك قال لتلاميذه بعد قيامته: “جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو24: 39).

وهذا، أي حرص المسيح على أن يُؤمنوا به على أنه الإله رغم أنه اتخذ جسدًا، كان محل اهتمام كبير من بطرس الأمر الذي دعاه إلى رفض تألم المسيح وموته، فقال له: “حاشاك يا رب لا يكون لك هذا” (مت 16: 22).

2ـ إن التشديد على حقيقة تجسده وميلاده الحقيقي هو أساس تعليم الكنيسة، وهذه الحقيقة تمثل رأس خلاصنا الذي من خلاله (التجسُّد) يصير الكل ويكمتل. لأن الموت قد أُبطل، والخطية غُفِرت، واللعنة زالت، وخيرات غير محدودة استُجدت في حياتنا عن طريق التجسُّد. لقد أراد المسيح أن يصدِّق الناس أن ميلاده بالجسد هو أصل ومنبع خيرات لا تحصى. وهو وإنْ اهتم أن يُظهر الطبيعة البشرية، لم يَدع الطبيعة الإلهية في الظلال.

 

المسيح يتجه إلى الأمم:

ولأن كل ما سبق كان في بؤرة اهتمامه، فقد ارتحل ومضى من هناك. لأنه لم يمضِ إلى الجليل دونما سبب، لكنه أراد أن يصنع أشياءً عظيمةً بين السامريين، ولكي يحقق ما أضمره، دبَّر الأمور بطريقة أكثر كمالاً بحيث لا تسمح لليهود الأشرار أن يحتجوا عليه بأنه تركهم وذهب إلى الأمم. هذا ما أشار إليه الإنجيلي قائلاً: ” كان لا بُد أن يجتاز السامرة“، فقد أراد أن يبدو ما فعله المسيح كأنه أمر عارض أو على هامش عمله. وهكذا فعل الرسل أيضًا؛ لأنه كما أن أولئك “السامريين” كانوا قد لجأوا إلى عبادة الأوثان، عندما أُدينوا من قبَل اليهود، هكذا المسيح أيضًا، عندما طردوه ذهب عندئذٍ إلى الأمم، وهكذا الأمر عندما أُرسل إيليا إلى امرأة بيت صرفا. لقد تم الأمر بهذه الطريقة حتى لا يكون لليهود الحق في أن يقولوا أنه تركنا وذهب إلى غير المختونين، وبالتالي تكون هناك فرصة للغفران لغير المختونين لنوال الصفح والغفران.

لذلك قال التلاميذ لهم: ” كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلى الأمم” (أع 13: 46). والرب نفسه كان قد قال: “ لم أُرسل إلاَّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت 15: 24)، وأيضًا:      ” ليس حسنًا أن يُخذ خبز البنين ويطرح للكلاب” (مت 15: 26).

ولكن لأنهم طردوه، فقد فتحوا الباب للأمم. وبالتالي فهو لم يأتِ إلى أولئك كيفما اتفق، بل بقصد المجيء إليهم.

 

فأتى إلى مدينة من السامرة يقال لها سوخار بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه، وكانت هناك بئر ليعقوب”.

         لماذا اعتنى الإنجيلي بذكر المكان بدقة؟ حتى لا يُساء فهم ما قالته المرأة فيما بعد: “أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر”. لأنه في هذا المكان انتقم لاوى وشمعون لـ “دينة أختهم” وحدثت هناك مذبحة كبيرة[3].

 

قصة مدينة السامرة:

     قد يكون من المفيد هنا أن نذكر من أين انحدر السامريون، ولماذا تدعى كل هذه المنطقة بالسامرة، ومن أين أخذوا هذا الاسم؟ سومور هو جبل أخذ هذا الاسم من صاحبه كما يقول أشعياء: ” ورأس افرايم السامرة، ورأس السامرة ابن رمليا” (إش7: 9). لكن الساكنين هناك لم يدعوا أنفسهم السامريين بل الإسرائيليون دعوهم هكذا. وبمرور الزمن وقعوا في عدم رضا الله. وعندما كان فقح بن رمليا ملكًا حينما أتى تغلث فلاسر (ملك أشور) واستولى على مدن كثيرة، وفتن هوشع بن إيله على فقح بن رمليا وقتله (2مل30:15) وسلم الملك إلى يوثام بن عزيا وهجم ضده شلمنآسر الذي استولى على مدن كثيرة وجعلها تدفع له الجزية. لكن عزيا في البداية تراجع، لكن بعد ذلك تمرد وطلب معونة الأثيوبيين، وعندما علم آشور جيَّش جيوشًا ضدهم وقتلهم، ولم يسمح للسبط أن يسكن هناك حتى لا يتمردوا مرةً أخرى. لذلك نقلهم إلى بابل ومديان وحيث إنه أخذ أمم أخرى مختلفة هناك، لذلك وضعهم في السامرة حتى يظل الباقي في أمان إذ سُلِّمت المنطقة إلى أُناسٍ خاضعين له.

عندما حدث هذا أراد الله أن يُظهر قوته، وإنه لم يسلِّم اليهود عن ضعف لكن من أجل خطايا الساكنين، أرسل البرابرة الذين أفسدوا كل المنطقة. هذه الأمور أخبر بها الملك الذي أرسل كاهنًا لكي يسلمهم نواميس الله، لكن ولا حتى بهذه الطريقة تركوا عبادة الأوثان إلاَّ أنهم كرهوها ثم مع مرور الزمن هجروا عبادة الأوثان وعبدوا الله[4].

حسنًا، إذن سارت الأمور هكذا. ولكن، عندما رجع اليهود أخذوا يتصرفون تجاه السامريين بكبرياء كجنس آخر وكأعداء، ودعوهم بهذا الاسم، سامريين من اسم الجبل الذى فى هذه المنطقة. وكان الصراع كبيرًا بين الاثنين؛ لأن السامريين لم يقبلوا كل الكتب المقدسة لكن قبلوا فقط كتب موسى ولم يهتموا كثيرًا بكتب الأنبياء. وبالرغم من أن السامريين قد حرصوا على إظهار أصلهم اليهودي والافتخار بإبراهيم ـ الذي يعتبرونه أبوهم باعتباره أتى من كلدان ـ ويعقوب ابنه، لكن اليهود كانوا ينفرون منهم ويحتقرونهم.

لكل ما سبق اتهم اليهودُ المسيحَ قائلين: “ أنت سامريٌ وبك شيطان” (يو8: 43). وفي مَثَل الإنسان الذي نزل من أورشليم إلى أريحا ـ الذي صاغه المسيح ـ أدخل السامري ” الذي أظهر له الرحمة” (يو10: 37)، بالرغم من أن السامري كان شخصًا لا قيمة له محتقرًا ومكروهًا لدى اليهود. ولذلك أيضًا دُعى العشرة البُرَّص من جنس غريب (لأنهم كانوا سامريين)، وهو نفسه تحدث إلى تلاميذه قائلاً:    “ إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا” (مت5:10)[5].

3ـ ولكن الإنجيلي لا يذكر لنا قصة هذا المكان لأجل يعقوب، لكن لكي يُظهر مدى غربة اليهود التي حدثت ذات مرةٍ، لأن ذلك المكان كان ملكًا لهم في زمن الأجداد، ولكنهم خسروا هذه الأماكن بسبب خمولهم وفجورهم. لذلك لا توجد أي فائدة من انحدارهم من أجداد صالحين، عندما احتل هؤلاء الأحفاد المكان، لأن البرابرة أى الأمم عندما عاملوهم بوحشية الأسود عندئذٍ فقط  رجعوا إلى العبادة اليهودية. لكن اليهود بالرغم من أنهم كابدوا عقوبات شديدة لم يتأدبوا حتى بهذه الطريقة.

 

لم يسلك طريقًا سهلاً:

وعندما ارتحل المسيح إلى هناك، لم يسلك طريقًا سهلة، ولكنه استهان بالتعب والمشقة، مقدمًا نفسه لنا كمثال، فهو لم يستخدم ـ حتى ـ دابةً، بل ذهب ماشيًا على قدميه، حتى نتشجع نحن على أن نتخلى عن أشياءٍ كثيرة نحتاجها.

وفي مناسبة أخرى قال: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (مت8: 20). لذلك كان يمكث أغلب الوقت في الجبال والصحارى، ليس فقط في النهار، بل بالليل أيضًا. وهذا ما سبق وأخبرنا به داوود قائلاً: ” من النهر يشرب في الطريق، لذلك يرفع الرأس” (مز110: 7). وهذا أيضًا ما يُظهره هنا يوحنا.

فإذ كان يسوع قد تعب من السفر، جلس هكذا على البئر. وكان نحو الساعة السادسة. فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماءً. فقال لها يسوع أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا” (يو4: 6ـ8).

         من هنا نعلم مدى احتماله لتعب الطريق ولامبالاته من جهة الطعام، وكيف أنه لا يعتبر هذا الأمر جدير بالاهتمام. وقد ربَّى تلاميذه على أن ينظموا أمورهم الخاصة بهذه الطريقة. ولذلك لم يحملوا معهم طعامًا. وقد ذكر إنجيليٌ آخر بعضًا من هذه الأمور (انظر مت16: 11) ” كيف لا تفهمون أني ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين“، فقد ظنوا أنه يقول لهم هذا الكلام لأنه لم يكن لديهم خبزًا. وعندما جاعوا، قطفوا السنابل ليأكلوا، وعندما جاع هو ذهب للتينة. بكل هذه الأمثلة لم يعلمنا شيئًا إلاَّ أن نحتقر البطن وألاَّ نهتم بها كثيرًا.

لعلك انتبهت إلى أنهم لم يُحضروا معهم شيئًا، ولا حتى اهتموا أن يجهزوا شيئًا منذ الصباح الباكر، لكنهم اشتروا طعامًا في حينه، فهم لم يفعلوا مثلما نفعل نحن، الذين بمجرد أن نستيقظ من النوم ـ قبل أي شيء ـ ننادي على الطباخين وخدام الموائد ونخبرهم بطلباتنا باهتمام عظيم، وبعد ذلك نهتم بالأمور الأخرى معتبرين أن المأكولات، هي أكثر أهميةً من الأمور الروحية، ومفضلين عليها الأشياء التي كان يجب أن تكون هامشية في حياتنا. لذلك تسود الفوضى وتنقلب كل الأمور رأسًا على عقب. على النقيض من ذلك، كان يجب أن نهتم بالأمور الروحية، ثم بعد ذلك ننشغل بأمور معيشتنا.

 

لا يطلب المجد الباطل وكذلك تلاميذه:

هنا يجب أن نلاحظ، ليس فقط احتمال يسوع للأتعاب والمشقات، لكن كم هو بعيدٌ عن أي افتخار أو تباهٍ. فقد كان مُتعَبًا بالفعل، وقد ظل بمفرده في الطريق، بعد أن تركه لتلاميذه مؤقتًا. وكان يمكنه ـ إن أراد ـ ألاَّ يرسلهم كلهم لكي يبتاعوا طعامًا، أو أن يكون لديه خدام آخرون، لكنه لم يُرِد.

وقد اعتاد تلاميذه على ذلك، حتى أنهم أصبحوا يحتقرون أي تباهٍ أيضًا. وقد يتساءل أحدكم: ما الذي يستحق الدهشة في هذا، وهم قد تصرفوا بما يتفق مع مستواهم المعيشي إذ كانوا إمَّا صانعي خيام أو صيادين؟

لكن بالرغم من أنهم كانوا إمَّا صانعي خيام أو صيادين إلاَّ أنهم ارتفعوا مباشرةً إلى أعلى السماء وصاروا مُمجدين أكثر من الملوك، لأنهم حُسبوا مستحقين أن يعاشروا رب المسكونة، وقد تبعوا معلمًا أدهش الجميع في كل مكان.

قد يكون من السهل على أولئك الذين يأتون من مستوى معيشي أدنى أن يتيهوا فخرًا ومباهاةً إذا ما تقلدوا مناصب رفيعة؛ لأنهم كانوا محرومين من هذه الكرامة العظيمة. ولكن، لأن الرب جمَّع هؤلاء التلاميذ على أساس الوداعة، وعلمهم أن يكونوا متواضعين في كل شيء، فلم يعودوا في احتياجٍ إلى تباهٍ.

ويقول الإنجيلي: ” فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر” (يو 4: 6).

هل رأيت كيف جلس ـ بسبب تعبه ـ منتظرًا التلاميذ؟ لقد عرف ما سوف يفعله في السامرة، وإن كان لم يأتِ لهذا السبب تحديدًا، إلاَّ أنه وعلى الرغم من أن ذلك لم يكن هذا هو السبب الوحيد لمجيئه، فلم يكن هناك مبرر لأن يطرد تلك المرأة التي أظهرت استعدادًا حسنًا للتعلم منه، خصوصًا وأن اليهود، بالرغم من أنه أتى إليهم، إلاَّ أنهم طردوه. أمَّا الأمم، فلأنهم سلكوا مسلكًا آخر، فقد صاروا مدعوين لأخذ مكانهم (أي مكان اليهود). وبينما كان اليهود يحنقون عليه، نجد أن الأمم قد صدقوه وآمنوا به.

الأولون (اليهود) كرهوه، أمَّا الآخرون فأُعجبوا به وسجدوا له. فما هو الأمر إذن؟ هل يهمل خلاص هؤلاء الناس ويترك استعدادهم العظيم؟ إطلاقًا، فهذا لا يليق بكونه محب البشر. لكن بما أنهم استجابوا للحكمة، فهو يمسك بخيوط كل الأحداث.

جلس إذن لكي يريح جسده ويستظل بجوار البئر. لأن النهار كان قد انتصف بالفعل، الأمر الذي أعلنه الإنجيلي قائلاً: “وكان نحو الساعة السادسة جلس هكذا على“، فماذا يعني الإنجيلي بـ “جلس هكذا على“؟ لم يجلس فوق العرش، ولا حتى فوق وسادة، لكن مجرد أنه جلس هكذا فوق التراب.

 

فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماءً، فقال لها يسوع: اعطينى لأشرب”.

4 ـ انظر كيف أظهر (الإنجيلى) أنها أتت لسبب آخر أى لتستقى ماءً، وذلك لكى يُفند ما يمكن أن يثيره اليهود من جدال وقح. وحتى لا يمكن لأحد أن يزعم بأنه يناقض نفسه، باعتبار أنه سبق أن أمرَ تلاميذه ألاَّ يدخلوا مدينةً للسامريين، وعلى الرغم من ذلك، فها هو نفسه يتحدث مع امرأة سامرية. لذلك يبرر الإنجيلي حديثه مع السامرية بقوله ” لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا“.

أعطينى لأشرب:

ماذا فعلت المرأة إذن؟ عندما سمعت المرأة ” أعطيني لأشرب“، وجدت فرصةً جميلةً جدًا لكي تسأل المسيح:

كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية”؟

وكيف أدركت أن يسوع كان يهوديًا؟ ربما من ملبسه، ربما من طريقة نطقه للكلام. لكن لعلك تلاحظ مدى جرأة هذه المرأة؛ لأنه لو كان على أحد أن يتحفَّظ في الحديث، فهذا هو المسيح (لكونه يهوديًا)، لا هي. فالإنجيلى يقول:  ” لأن اليهود لا يعاملون السامريين“، ولم يقل إن السامريين لا يعاملون اليهود. لكن بالرغم من أن المرأة لم تكن مشاركة فى تهمة (حديث اليهودى مع السامرى)؛ إلاّ أنها لم تصمت بل قامت بتصحيح ـ بحسب رأيها ـ ذاك الذي صار (مبادرة المسيح فى الحديث معها) بخلاف اعتقاد اليهود.

ويمكن لأي شخص أن يتساءل. كيف يطلب يسوع منها أن يشرب ماءً بينما تقليد اليهود يحرِّم هذا؟ وقد يظن أحد أن المسيح كان عليه ألاَّ يطلب هذا الطلب؛ لأنه كان يتوقع ألاَّ تعطيه.

فما الذي يمكن أن نفترضه إذن؟ لم يُبدِ المسيح أي اهتمام بتلك الملاحظات التي تُزايد على الناموس. لأنه طالما هو نفسه علَّم الآخرين أن يخالفوها[6]، ففي الغالب سوف يخالفها هو نفسه، لأنه قال: ” لا ينجس الإنسان ما يدخل فمه، بل ذاك الذي يخرج من فمه” (راجع مت15: 11).

ومع ذلك، فهذا الحديث لا يمكن أن يوفر دافعًا لاتهام اليهود له، لأنه في مرات كثيرة، بالرغم من أن أحاديثه وأعماله قد خلبت لُبهم وبهتوا منها، إلاَّ أنهم لم يطيعوه. بعكس هذه المرأة التي بُهتت لمجرد أن سألها سؤالاً، بالرغم من أن المسيح لم ينتظر هذا الأمر من أحد، ولم يضغط على أحدٍ في هذا الاتجاه. ولم يُعِق أحدًا من الذين أتوا إليه.

 

الماء الحي:

لكن، لماذا لم يكتفِ المسيح بأن يقول لتلاميذه ألاَّ يستجيبوا للسامريين إذا أتوا إليهم، بل نهاهم أصلاً ألاَّ يدخلوا إلى مدينةٍ للسامريين؟. لأنهم وقتذاك كانوا غير مستحقين لمحبته. لذلك رد على المرأة وقال:

لو كنت تعلمين عطية الله ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حيًا”.

         وهنا يتضح لنا أنها كانت جديرة أن تسمع وتقبل كلامه، ومن ثم أعلن لها نفسه (ذاته)، وللتو عندما سمعت من هو، لفت انتباهها. وبالتالي لا يمكن لأحد من اليهود أن يتقول بشيء؛ لأنه بالرغم من أنهم سمعوا عنه، لم يطلبوا منه شيئًا، ولا كانوا مستعدين لتعلم شئ مفيد لكن شتموه وأدانوه.

وعندما سمعت المرأة هذه الأقوال ـ لاحظ مدى وداعتها ـ أجابت:

يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟

         فهي إذن لم تعتبره ـ بالرغم من رأيها المتواضع ـ إنسانًا عاديًا، لأنها لم تدعوه “يا سيد” هكذا بدون قصد، لكن نسبت له كرامةً عظيمةً. ويتضح ذلك من أنها لم تسخر من أقواله ولا استهزأت به. لكن كان لديها بعض الشكوك. وإن كانت لم تفهم كل أقواله، فهذا لا يجعلك تشك فيها؛ لأنه حتى نيقوديموس نفسه لم يفهم. ولذلك سأله: “كيف يولد الإنسان وهو شيخ، ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانيةً ويولد؟” (يو3: 4).

لكن السامرية تسأل في احترام شديد: “يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك بالماء الحي؟“. وبينما كان المسيح يقصد معنىً معينًا، فهمت هي أمرًا آخر تمامًا، فقد أخذت الكلام على علاته دون أن تعتقد أن وراءه يكمن معنىً سامٍ. ورغم أنه كان يمكنها أن تتواقح وتقول له: لو كان لديك ماءً حيًا فلماذا تطلب مني ماءً؟ أو كان يمكنك أن تعطي نفسك، إلاَّ أنها ردت باعتدال منذ البداية. فمنذ البداية قالت له: ” كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهوديٌ وأنا امرأة سامرية؟“. وكان يمكنها أن تقول: لماذا تتحدث مع إنسان غريب، وعدو، وأنا لا أستطيع أن أعطيك لأنك عدوٌ وغريب. بل، وهناك ما هو أكثر من ذلك، فعندما سمعت منه ما هو أعظم، وهو ما قد يُغضب الأعداء، لم تسخر منه، بل سألت:

ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر لنشرب منها وشرب منها هو ومواشيه وبنوه؟”.

هل رأيت كيف تريد أن تُظهر له أصلها اليهودي؟ وليس ذلك فقط، بل إن ما قالته يعني: إن ذاك (أي يعقوب) فقط استخدم هذا الماء، ولم يكن لديه شيئًا أعظم يعطيه. ومن هذه الإجابة أيضًا يتضح لنا أنها بدأت تُدرك أن في الأمر شيئًا مهمًا وساميًا؛ لأن قولها: “وشرب منها هو وبنوه ومواشيه” يعني أنها تختزن في عقلها أمرًا لم تفصح عنه، ألا وهو أن هناك ماءً آخر ممتازًا، لكن لم تجده ولا عرفته جيدًا. وبكل وضوح، أقول لكم إن ما أرادت أن تقوله هو الآتي: لا أستطيع أن أزعم أن يعقوب الذي أعطى لنا البئر، قد استخدم بئرًا أخرى؛ لأنه بالفعل شرب من هذه البئر هو وبنوه، ولو كان لديه بئرًا أفضل لمَا شربوا من هذه البئر. وأنت نفسك لا تستطيع أن تعطي بئرًا أخرى، ولا يمكن أن يكون لديك أخرى أفضل، بالرغم من أنك تقرر أنك أعظم من يعقوب. فمن أين إذن لديك الماء الذي تَعد أن تعطيه لنا؟

 

وداعة السامرية:

على أن اليهود لم يكونوا في مثل وداعة السامرية، فبالرغم من أنه تحدَّث إليهم عن ذات الموضوع وكلمهم عن هذا الماء، لكنهم لم يحصلوا على أية فائدة. وعندما ذكر لهم إبراهيم كانوا يريدون قتله[7]. لكن السامرية لم تتصرف معه على هذا النحو، بل تعاملت معه بوداعة شديدة رغم الجو الحارق. كذلك هو، فبينما كان النهار في منتصفه، كان يقول ويسمع كل شيء بصبر كبير. أرجو أن تقارن هذا الموقف، بالموقف الذي اتخذه اليهود. ربما تقول مثلهم: إنه مجنون، وقد فقد عقله، ويخدعني بأن لديه بئرًا ومنابع دون أن يعطيني شيئًا، وأنه يتكلم كلامًا كبيرًا أجوفًا. أمَّا المرأة السامرية، فكانت صبورة وسمعت بانتباه حتى كشف لها ما تريده.

فإن كانت السامرية قد أظهرت استعدادًا لتعرف شيئًا مفيدًا، وقد آمنت بالمسيح، بالرغم من أنها لم تعرفه، فأي غفران نناله نحن الذين عرفناه، دون أن نكون موجودين بالقرب من البئر، أو في الصحراء، أو في منتصف النهار، أو تحت حرارة الشمس، لكن في الفجر، وتحت حماية الظل الممتعة ورطوبة الجو، ومع ذلك ليس لدينا صبرٌ لنسمع أقواله، بل نستسلم للجمود والخمول؟!!

لم تتصرف السامرية مثلنا، لكنها كانت تنصت لأقواله وتسمعها بحرص، حتى أنها دعت الآخرين. بعكس اليهود الذين لم يكتفوا ـ فقط ـ بعدم دعوتهم لآخرين، بل أعاقوا حتى أولئك الذين أرادوا أن يأتوا. لأجل هذا ذكر الإنجيل: ” ألعل أحدًا من الرؤساء أو من الفريسيين آمن به، ولكن هذا الشعب لا يفهم الناموس هو ملعون” (يو7: 48ـ49).

 

اعمل حساب الحياة الآتية:

ليتنا نتشبَّه إذن بالسامرية، وتعالوا نتبادل الحديث مع المسيح؛ لأنه بالفعل قائم في وسطنا يتحدث بواسطة الأنبياء والتلاميذ. تعالوا نسمع ونؤمن، فإلى متى نعيش في عبثٍ؟ لماذا لا ندرك أننا نعيش بلا فائدة إذا لم نعمل كل ما يسر الله؟ وليس بلا فائدة فقط، بل وغالبًا ما نضر أنفسنا. لأننا، إذ نهدر الزمن الذي أعطاه لنا الله بلا فائدة، فإننا سنرحل من هنا لكي نعاقب بصرامة على ما بذَّرناه بغير هدف. فإذا أخذ أحدٌ أموالاً لكي يتاجر بها، فبذَّرها، ألا يعطي عنها حسابًا لمَنْ ائتمنه. هكذا، فمَنْ بذَّر حياته بلا هدف، لا يمكن أن يتجنب العقاب؛ لأن الله لم يأتِ بنا إلى هذه الحياة الحاضرة ولا نفخ في نفوسنا نسمة الحياة لأجل هذه الحياة الحاضرة، بل لكي يكون كل شيء لأجل الحياة الأبدية الآتية.

الحيوانات غير العاقلة فقط هي التى خُلقت لهذه الحياة الحاضرة. أمَّا نحن، فلنا نفسٌ خالدةٌ، حتى نفعل كل ما يقودنا للاستعداد والتهيؤ للحياة الآتية. فلو سأل أحدٌ ما هي فائدة الخيول، والحمير، والبقر، والحيوانات الأخرى، فسوف نجيبه: لا يوجد فائدة أخرى إلاَّ أن تخدم الحياة الحاضرة. ولكن لا يمكن أن نزعم نفس الأمر بالنسبة لنا، لأنه إذا كانت الحالة الأفضل بالنسبة لنا هي ارتحالنا عن هذا العالم، وَجَبَ علينا أن نعمل كل ما يجعلنا لامعين هناك، وهكذا يمكننا أن ننتسب إلى صفوف الملائكة، ونوجد بالقرب من الملك دائمًا في الدهور الأبدية.

لهذا نقول إن نفوسنا خالدة، بل والجسد أيضًا سيكون خالدًا لكي نستمتع بالخيرات الأبدية. فلو كنت ملتصقًا بالأرض، بينما هو يفضِّل لك السماء، فكم يكون ـ إذن ـ حجم تقدمات المانح الكريم. لأن ذاك يعطيك السماويات أمَّا أنت فتستبدلها بالأرضيات لأنك لا تفضِّل السماويات. لذلك يهددك بجهنم أنت يا مَنْ تستهين به لكي تعلم مقدار الخيرات التي سوف تُحرم منها. ليتنا لا نتعرف أبدًا على ذلك الجحيم طالما لنا رجاء فى المسيح، ليتنا نفوز بالخيرات الأبدية بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والابن والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 
   

(2)

”أجاب يسوع  وقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا.ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير منه ينوع ماء ينبع إلى حياةٍ أبدية. فقالت له المرأة يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي”

(يو4: 13 – 15)

 

الروح القدس: نار وماء:

     1ـ يدعو الكتاب المقدس نعمة الروح القدس نارًا، وأحيانًا ماء؛ لأنه يريد أن يظهر لنا أن الأسماء لا تحل محل الجوهر[8]، لكن تعبِّر فقط عن فعل الروح القدس. واستخدام الأسماء المختلفة لا يعني أن الروح القدس يتكون من جواهر مختلفة، لأنه غير منظور، ووحيد في نوعه. ولذلك، فبينما قصد يوحنا المعمدان أمرًا معينًا بقوله: “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت 3: 11)، كان المسيح يقصد أمرًا آخر حين قال: ” من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو 7: 38 ـ 39).

            لأجل هذا يدعو المسيح ـ أثناء حديثه مع المرأة ـ الروح القدس ماءًا ” مَنْ يشرب من الماء الذي أُعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد” (يو 4: 14). وعلى هذا، عندما يدعو الروح القدس “نارًا”، فإنه يشير إلى قوة وحرارة النعمة، وعندما يدعوه “ماءً”، فهو يريد أن يظهر أن التطهير يتم بالروح القدس، وإنه المريح العظيم للنفوس التي تناله. والكتاب على حقٍ في هذا؛ لأنه مثل بستان دائم الخضرة ومملوء بثمار أشجار متنوعة. هكذا الروح القدس يزين النفس بالتأهب، ولا يتركها تشعر بالحزن ولا بسيطرة الشيطان؛ لأنه بسهولةٍ يُطفئ سهام الشرير الملتهبة نارًا.

 

يعقوب والمسيح:

انظر ـ من فضلك ـ إلى حكمة المسيح، إذ يثير انتباه المرأة بمنتهى الهدوءٍ؛ لأنه لم يقل لها مباشرةً: ” لو علمت مَنْ الذي يقول لك أعطني لأشرب“. لكنه قال ذلك عندما دعته ـ متهمةً إياه ـ أنه يهوديٌ، فلكي يرد هذا الاتهام عندئذٍ قال: ” لو كنت تعلمين عطية الله ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حيًا“، وعندما ” قالت له المرأة يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك الماء الحي ألعلك أعظم من أبينا يعقوب“، لم يقل لها: نعم أنا أعظم؛ لأنه بدون أن يكون قد أعطي برهانا بعد على هذا، يبدو وكأنه فقط يتفاخر.

     فهو لم يقل للسامرية هكذا ببساطة سوف أعطيك ماءًا، لكن كان يجب أن يُظهر أولاً ضَعف ما قالته عن يعقوب، ومن ثم يقدِّم نفسه باعتباره استثناءً؛ لأنه أراد أن يُظهر ـ بواسطة اختلاف العطايا الممنوحة ـ الرسالة المختلفة لكل شخص على حدة، كما أراد أن يُظهر الاختلاف بين مانحي هذه العطايا، ومدى تفوقه على البطريرك (يعقوب)، وكأنه يقول إن كنت تُعجبين هكذا بيعقوب لمجرد أنه أعطى هذا الماء، فماذا تقولين إن أعطاك ماءً أفضل كثيرًا من هذا الماء؟ لقد اعترفتي مسبقًا أنني بالفعل أعظم من يعقوب عندما قلت:   ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب؟“، عندما وعدت أن أعطي ماءً أفضل؟ فلا شك أنكِ سوف تعترفين أنني أعظم، عندما تأخذين ذلك الماء.

     لعلك رأيت حكم المرأة النـزيه عن يعقوب البطريرك وعن المسيح؟ لم يكن اليهود على هذا المستوى من النزاهة، فعندما رأوا المسيح يخرج الشياطين، لم يكتفوا فقط بأنهم لم يعتبروه أعظم من البطريرك (إبراهيم)، لكن زعموا أيضًا أن به شيطان. أما السامرية فلم تفعل ذلك، بل بَنَتَ رأيها على الأساس الذي يريده المسيح، أي على برهان عملي. لأنه هو نفسه قال: ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي” (يو 10: 37).

ويمكننا أن نقول إن السامرية قد أتت إلى الإيمان هكذا: عندما سمع المسيح: ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب“، لم يَرُد على هذا الاتهام، بل ترك يعقوب جانبًا، وأجرى مقارنةً بين ماءٍ وماء قائلاً:   ” مَنْ يشرب مِن هذا الماء يعطش أيضًا“.

     لم يسفِّه يسوع هذا الماء، ولا قال أنه لا يساوي شيئًا، أو إنه لا يستحق الحديث عنه، لكنه وَعَدَ بذاك الماء الذي طبيعته تشهد عن نفسها: ” مَنْ يشرب مِن هذا الماء يعطش أيضًا. ولكن مَنْ يشرب مِن الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد“. لقد سمعت المرأة بالفعل عن الماء الحي، الماء الذي لا يتوقف، بل يتدفق دائمًا دون أن ينقطع تدفقه، وهذا ما ظنته المرأة. لذلك، ولكي يجعل كلامه واضحًا، أضاف قائلاً: ” لكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد“، لقد أظهر التفوق كما قلت ـ ليس فقط ـ بهذه الطريقة، بل وبما قاله بعد ذلك. لأن الماء العادي قياسًا على ما قاله ليس شيئًا. فماذا قال؟ ” الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (يو4: 14). إذًا من يكون عنده نبعٌ في داخله، فإنه لن يعطش أبدًا، على عكس ذلك تمامًا، من لا يملك هذا الماء.

 

إيمان السامرية: المسيح أعظم من يعقوب:

     لقد آمنت المرأة مباشرةً مدركةً إدراكًا أفضل من نيقوديموس، وليس فقط أكثر إدراكًا بل أكثر قوة؛ لأن نيقوديموس ـ بالرغم من أنه سمع كثيرًا جدًا ـ إلاَّ أنه لم يقم بدعوة أى شخص آخر (إلى المسيح) وحتى هو نفسه لم يحصل على الإيمان. لكن هذه عملت عملاً إرساليًا، فقد عرّفت الكل بالخبر ودعتهم إلى المسيح، وجذبت كل المدينة للخارج لمقابلته. أمَّا نيقوديموس ـ عندما سمع المسيح ـ سأل: ” كيف يمكن للإنسان أن يُولد وهو شيخٌ“. وعندما ضرب المسيح له مثل الريح لم يقبل كلامه. لكن، مع المرأة لم يحدث نفس الأمر، فهي وإن كانت قد بدأت تشك في البداية، إلاَّ أنها قبلت كلامه فيما بعد ليس بتحفظٍ كبير، فقد انقادت مباشرةً إلى القبول. لأنه عندما قال المسيح: ” الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية“، قالت له المرأة: ” يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش، ولا آتي إلى هنا لأستقي“.

     هل رأيت كيف أنها انقادت بسهولة إلى أعلى التعاليم والعقائد وأسماها؟ في البداية ظنت أنه مجرد يهودي عابر سبيل. ولكنه حين أجابها ورد على اتهامها، ” كرز لها“، لم يُسبب أي شبهة. وعندما سمعت عن الماء الحي ظنت أنه يتحدث عن الماء العادي. ولكن، عندما أدركت أخيرًا روحانية هذه الأقوال، آمنت أنه يمكن للماء أن يسد الحاجة إلى العطش، وإن كانت ما تزال لم تفهم بعد بشكل كامل؛ لأنها وإن ظنت أن هذه الأقوال أعظم من أن تُفهم بطريقة محسوسة، إلاَّ أنها لم تعرف جيدًا من هو الذى يتكلّم بهذه الأقوال؟

     لكن الآن، وبما أنها رأت الأفضل، وإن كانت لم تفهم بعد كل شيء؛ لأنها قالت: ” اعطني هذا الماء لكي لا أعطش، ولا أتي إلى هنا لأستقي“، فقد فضَّلته بالفعل على يعقوب. وكأن لسان حالها يقول: ليس لي احتياج هنا للبئر إذا أخذت منك ذلك الماء. هل رأيت كيف فضَّلت المسيح على البطريرك يعقوب؟ هذا مثالٌ للنفس التقية. لقد أظهرت كيف أن لها رأيًا عظيمًا في يعقوب، لكنها رأت أن المسيح أفضل من يعقوب ولم تظل على رأيها الأول. إن السامرية لم تصدق بسهولة؛ فهي لم تقبل كلام المسيح دون فحص، بل بحثت بدقة. كما لم تكن غير مؤمنة، ولا مُحبة للنـزاع، وهذا ما أظهرته من خلال طلبها. وإن كان المسيح قد قال مرة لليهود: “من يقبل إلىَّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا” (يو6: 35)، ولم يؤمنوا، بل فضلاً عن ذلك أيضًا تعثَّروا، فإن المرأة لم تفعل شيئًا مثل هذا، بل تماسكت وظلت تسأل. وإن كان المسيح قد قال لليهود في وضوح: “مَنْ يؤمن بي فلا يعطش“، فإنه بطريقة غير مباشرة قال للمرأة: ” الذي يشرب من هذا الماء لن يعطش“؛ لأن أقواله لها كانت وعودًا روحيةً، وليست حقائق منظورة. ولهذا، وبالرغم من أنه ملأها بالرجاء نتيجة هذه الوعود، إلاَّ أنها ظلت في دائرة المحسوسات؛ لأنها لم تستطع أن تفهم الروحيات بدقة؛ لأنه لو كان قد قال لها إن آمنت بي سوف لا تعطشين، فإنها لن تفهمه؛ لأنها لم تعرف بعد مَن الذي كان يتحدث معها، ولا عن أي عطشٍٍ كان يتحدث.

     لكن لماذا لم يتحدث معها بنفس الطريقة التي تحدث بها مع اليهود؟

 

المسيح يختبر السامرية:

اذهبي وأدعي زوجك وتعالي إلى هاهنا، أجابت المرأة وقالت ليس لي زوج، فقال لها يسوع حسنًا قلت ليس لي زوج لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة يا سيد أري أنك نبيٌ” (يو16:4ـ19)

لأن أولئك اليهود رأوا معجزات كثيرة صنعها، بينما هذه لم ترَ ولا معجزة واحدة. ففي أول لقاء بينهما سمعت فقط منه كلامًا، لذلك أعلن لها قوته بالنبوة، ولم يمتحنها مباشرةً، بل قال لها: ” اذهبي وأدعي زوجك“.

كم هو عظيمٌ حقًا إدراك هذه المرأة! فقد قبلت الامتحان في هدوء! ربما تقول ألم يمتحن اليهود مرات كثيرة وبدرجة أكبر؟ لا، لأنه يوجد فرق بين أن يعلن المسيح خفايا النفس، وأن يُظهر شيئًا كان مخفيًا. لأن إعلان خفايا النفس لا يكون إلاَّ لله فقط، ولا يعرفها أي شخص آخر إلاَّ فقط مَن لديه هذه الخفايا في نفسه. أمَّا ما أعلنه فى حالة اليهود كان معروفًا للجميع.

لكن اليهود لم يتحمل الامتحان بهدوء، بل عندما سأل المسيحُ اليهود: ” لماذا تطلبون أن تقتلوني؟” لم يعجبوا به مثلما فعلت المرأة السامرية، وليس ذلك فقط، بل شتموه وأهانوه. وبالرغم من أنه أَعطى براهين لليهود تشهد لنفسه بواسطة معجزات كثيرة، في الوقت الذي اقتصر الأمر بالنسبة للسامرية على السماع فقط، إلاَّ أن رد فعل اليهود لم يقتصر فقط على عدم الإعجاب به، بل شتموه قائلين: “ بك شيطان من يطلب أن يقتلك؟” (يو7: 20).

     لكن السامرية لم تشتمه، بل أُعجبت به واندهشت وعبَّرت عن إعجابها بقولها إنه نبي. لقد كان امتحانها أكثر حدة من اليهود، لأن اختبارها كان خاصًا بخطيةٍ محددة، أمَّا بالنسبة لكل اليهود فقد كان الأمر عامًا. وهو لم يُظهر أسفًا لأجل الأمور العامة، بل من أجل الخطايا المحددة على وجه الخصوص. ولأن اليهود ظنوا أنهم سيحققون شيئًا هامًا إذا قتلوه، بينما كانت خطية المرأة معروفة، لكنها لم تتضايق، بل أظهرت دهشةً وإعجابًا.

     وهذا هو ما فعله المسيح أيضًا مع نثنائيل. فهو لم يكلمه بنبوةٍ فى البداية، كما أنه لم يقل: “رأيتك تحت التينة” أولاً، لكن المسيح قال هذا ردًا على سؤال نثنائيل من أين تعرفني؟ لقد أراد أن تكون بداية المعجزات والنبوات تحدث لأولئك الذين أتوا إليه بأنفسهم، حتى يتصالح هؤلاء بالأكثر بكل ما يحدث مع أولئك المحيطون بهم. في الوقت الذي ينجو هو فيه من شبهة محبة المجد.

وما فعله المسيح مع نثنائيل، فعله أيضًا في هذه الحالة موضوع بحثنا؛ فقد قدَّر كم سيكون مزعجًا وغير مقبول عندها أن يتهمها أو يدينها مباشرةً قائلاً:”ليس لك زوج”. ولكي يصحح هذه الأمور في وداعة ولطف، أخذ دافعًا منها هي عندما سمعها تتكلم، وانتهز فرصة كلامها (عن أن ليس لها زوج) فقال لها: ” حسنًا قُلتِ“.

     وقد تسأل: ما هي علاقة ذلك بقوله: “اذهبي وادعي زوجك”؟ لقد كان كلام المسيح هنا عن عطية ونعمة تفوق الطبيعة البشرية، ولذلك وقفت المرأة وأصرَّت على أن تفهم. لكن المسيح قال لها: “ ادعي زوجك“، وكأنه كان يريد أن يكون الزوج مشاركًا لكل العطايا. لكن، ولأن تلك المرأة كانت قد اشتاقت أن تعلم، ولأنها أرادت أن تُخفي خجلها، وقد ظنت أنها تتحدث مع مجرد إنسان، أجابت: ” ليس لي زوج“. وإذ كان المسيح قد امتحنها بالطريقة المناسبة، فعندما سمع منها هذه الإجابة، شرَّح بكل دقة أمرين، الأول: قدم لها إحصاءً بكل أزواجها السابقين، والثانى: أعلن لها ما تخفيه الآن.

 

السامرية تسأل عن العقائد السامية:

     فماذا فعلت المرأة؟ لم تتضايق، ولا تركته ومضت، ولا ظنت أنه أهانها، لكن اُعجبت به أكثر وأصرَّت على الاستمرار فى الحديث معه، فقالت له:” أرى أنك نبي“. لاحظ مدى حصافتها، فهي لم تتسرع، لكن مازالت تفحص الأمور وتتعجب؛ لأن ” أرى” تعني يبدو لي أنك نبيٌ. ولأنها كانت تتوقع مثل هذا الأمر، لم تسأله عن شيء أرضي ولا عن الصحة الجسدية، ولا عن الأموال، ولا عن الغنى، لكن مباشرة عن التعاليم الإيمانية والعبادة. فماذا قالت؟:

 

آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه. قال لها يسوع يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب” (يو4: 20ـ21).

     هل رأيت كيف ارتفع المسيح في نظرها؟ لأنها بعد أن انشغلت بإطفاء عطشها، ها هي الآن تسأل عن التعاليم الإيمانية. ماذا فعل المسيح؟ لم يجب على السؤال (لأن اهتمامه الأعظم لم يكن الرد تفصيليًا عن الأسئلة باعتبار أن ذلك أمر زائد عن الحاجة)، لكنه قاد المرأة إلى مستوىً عالٍ. غير أنه لم يتحدث إليها عن أمور أعظم مما قبلته هي باعتباره نبيًا، وبذلك يجتذب مزيدًا من انتباهها لما سيأتي من حديث. لأنها متى آمنت، فإنها تكف عن الشك في كل ما سيقوله.

     ليت حمرة الخجل تكسي وجوهنا! امرأةٌ سامريةٌ لها خمسةُ أزواجٍ، تُبدِ استعدادًا هائلاً لتعلّم التعاليم الإيمانية، ولم يُثنِها عن هذه المناقشات عمل أو انشغال كان يجب انجازه في ساعة النهار هذه. وبينما نحن لا نسأل عن هذه التعاليم، لا نكتفي بذلك، بل ونبدو بالنسبة لأي شيء غير مبالين وكسالى. لذلك نحن نهمل كل شيء. ودعوني أسأل: من منكم وهو في مسكنه يمسك بالكتاب المقدس، ويعكف على دراسة المكتوب ويبحث في الكتاب؟ لا أحد يستطيع أن يقول إنه يقوم بمثل هذا العمل. لكن سنجد مكعبات للعب، ونرد الطاولات بالأكثر، لكننا ، سوف لا نجد كتب إطلاقًا، أو سنجد كتبًا عند قليلين.

 

سطِّر التعاليم فى قلبك:

     لكن حتى هؤلاء القليلون يشبهون أولئك الذين لا يملكون كتبًا، لأنهم يحافظون على الكتب ويربطونها ويضعونها في الصناديق، وكل اهتمامهم ينحصر في مدى دقة أغلفة الكتب الجلدية وجمال الأحرف، لا القراءة. لأنهم لم يحصلوا عليها لأجل المنفعة، بل لكي يُظهروا غناهم وحبهم للمجد، هذه هى الأمور التى ينشغلون بها!

     إن حبهم للمجد لا حد له. لأنني لم أسمع عن أحد يفتخر ويعتز بما يقرأ، لكني أسمع فقط عمن يكتب كتبه بأحرفٍ مذهَّبة. قل لي، ما هى الفائدة إذن؟ إن الكتبَ لم تعطَ لنا لمجرد أن يكون لدينا كتب، لكن لكي نكتبها في قلوبنا.

     وبالتالي، يصبح اقتناء الكتب مثالاً على محبة اليهودي للمجد، فقد كان يكتفي فقط بكتابة الوصايا بالحروف، في حين أن الناموس لم يعطَ لهذا الغرض منذ البدء. لكن في ألواح القلب اللحمية. أنا لا أقول هذا الكلام لكي أعيقكم عن اقتناء الكتب، فأنا أثني عليكم لأجل هذا الأمر، وأتمنى أن يستمر. لكني أريد أن يحضر محتوى الكتب في عقولكم حتى يمكنكم معرفة معنى المكتوب. لأن الشيطان لا يتجرَّأ على دخول مسكنٍ يكون فيه الإنجيل موجودًا، ولا يجرؤ أبدًا على أن يمس النفس التي تنشغل بتعاليم الكتاب، هذه النفس لا يستولي عليها الشيطان ولا طبيعة الخطية.

     إذن، قدِّس نفسك، وقدِّس جسدك. فليكن المكتوب دائمًا في قلبك وعلى لسانك. لأنه إذا كانت الأقوال الوقحة والدنسة تجلب الشياطين، فغني عن البيان أن القراءة الروحية تقدِّس، وتجذب نعمة الروح القدس. لأن الكتب المقدسة هي الأناشيد الإلهية. فتعالوا نسبِّح داخليًا ونستخدم الأدوية التي تشفي من شهوات النفس. لأنه لو عرفنا هذه الكتب، وكنا مستعدين تمامًا لقراءتها، سنسمع كل هذا.

 

انشغل بالمعرفة الروحية:

     هذه الأمور أرددها دائمًا، ولن أكف عن ترديدها. لأنه كيف يُعقل أن يخوض الجالسون في السوق في أخطاء المذنبين، وأسماء الراقصات، ويتحرون عن الأصل، والمدن والأعمال، ويعرفون بدقة أفضل وأسوأ الخيول في السباق، بينما من يتجمعون هنا (أى فى الكنيسة) لا يعرفون شيئًا عما يحدث أمامهم، بل ويجهلون حتى عدد أسفار الكتب المقدسة؟ لأنك لو كنت تنشد السعادة، وطردت تلك الأمور، فسوف يتضح لك أنه يوجد هنا ما هو أعظم. دعني أسأل: ما الذي يجلب سعادةً أكثر، ويستحق الإعجاب: أن ترى أناسًا يصارعون ضد أناسٍ، أم أن يلاكم إنسانٌ شيطانًا، ومن ثم يشتبك الجسد مع القوة غير الجسدية، وينتصر؟ ليتنا نراقب هذه المسابقات ونتابعها؛ لأنه يليق بنا أن نقلِّد هذه المسابقات ونفيد منها. لأنه يجب أن نتشبَّه بالمنتصرين ونفوز بإكليل النصر، لا أن نتشبَّه بالذين، شهوتهم تخُجِل أى أناس أن يتشبهوا بهم. إن المصارعة التي أقصدها هي المصارعة مع الشياطين، تلك التي يمكن أن تشاهدها بمعونة رب الملائكة.

     قل لي إذن، ألا تعتقد أنك تنال شرفًا عظيمًا إذا ما جلست مع الملوك والرؤساء لتشاهد مشهدًا تستمتع به؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف لا تسرع لترى ملك الملائكة وقد قيد الشيطان من خلف، وبرغم المجهود الذي يبذله الشيطان ليحمي نفسه، لا يفلح أبدًا في هذا الصراع؟ وإذا سألت: كيف يكون هذا؟ عندما تأخذ الكتاب المقدس بين يديك، سوف ترى فيه ساحات صراعٍ، ومسيرات إصلاحٍ طويلة، دوافع يعطيها لك، وكذلك خبرة الأبرار. وعندما تراقب هذه الأمور سوف تتعلم المصارعة والتخلص من الشياطين. والمناظر الخارجة (التى سوف تراها) هي احتفالات للشياطين، وليست مناظر بشرية؛ لأنه إن كان غير مسموح لتلك المناظر بالدخول في هيكل الأوثان، فعلى الأقل لا يُسمح لها بالدخول أثناء الاحتفال الشيطاني[9].

     لن أتوقف عن ترديد مثل هذا الكلام، وسأظل استحثكم حتى أراكم وقد تغيَّرتم. لأنه كما يقول بولس الرسول: ” كتابة هذه الأمور إليكم ليست علىَّ ثقيلة، وأمَّا لكم فهي مؤمَّنة” (في3: 1). لا تتثقل إذن بنصيحتي، لأنه إن كان لأحدٍ أن يمل، فهو أنا، إذ أتكلم دائما دون أن يُسمع كلامي، وأن كنت لا أقصدكم أنتم، فأنتم تسمعونني. لكن ليتكم لا تضعون أنفسكم في موضع اتهام بسبب هذه الأمور على الإطلاق، واعلموا أنه طالما تحررتم من هذا الجهل، فإنكم تستحقون رؤية المناظر الروحية وتستمتعون بالمجد الآتي بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

 
   

(3)

”قال لها يسوع يا امرأة  صدقيني أنه تأتي ساعة  لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أمَّا نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق ” (يو4: 21 ـ 23)

 

الإيمان مصدر الصالحات:

      1ـ أيها الأحباء، نحن دائمًا في احتياج للإيمان؛ لأن الإيمان هو مصدر الخيرات ودواء الخلاص. بدونه لا نستطيع أن نفهم التعاليم الإيمانية. إن من يشرعون في عبور البحر دون سفينة، يستطيعون السباحة قليلاً مستخدمين الأيدي والأرجل، لكن بعدما يتقدمون بعيدًا سرعان ما يغوصون في الأعماق بسبب الأمواج، هكذا أولئك الذين، قبل أن يتعلموا شيئًا ـ يستخدمون تأملاتهم الخاصة، إنهم هؤلاء الذين قال لهم بولس  ” هؤلاء ينكسر بهم السفينة من جهة الإيمان“.

     وحتى لا نتعرّض نحن لهذا الأمر، ليتنا نمسك بالمرساة المقدسة، التي بواسطتها قاد يسوع الآن المرأة السامرية. فعندما سألته: “ أنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه“، قال لها يسوع: “يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب“. لقد كشف المسيح لها تعليمًا إيمانيًا عظيمًا لم يكن مفهومًا لنيقوديموس ولا لنثنائيل. وبالرغم من أن السامرية أرادت أن تؤكد سمو ما لديها من تعليم فوق التعاليم اليهودية، إذ أنها أرجعته إلى الآباء البطاركة القدماء، إلاَّ أن المسيح لم يُجب على سؤالها باعتباره زائدًا عن الحاجة قياسًا على ما سيقوله ويبرهن عليه، إن آباءها عبدوا الله على جبل السامرة، بينما عبده اليهود في أورشليم.

     وبما أنه رفع نفسها عاليًا، وقد جرَّد الموضعين من عظمتهما، موضحًا أنه لا اليهود ولا آباؤها استطاعوا أن يمنحوا المستقبل شيئًا هامًا، ولذلك لم تُحر جوابًا ولاذت بالصمت. وعندئذ عرض الخلاف، فبرهن على أن اليهود كانوا أعظم، ليس بمقارنة مكان بمكان، ولكن لأنهم كانوا أصحاب العبادة الأفضل، فاليهود كانوا يتفوقون على السامريين في العبادة لأنه يقول: ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أمَّا نحن فنسجد لما نعلم“. إذن، فالمشكلة ليست في المكان.

     لماذا لم يعرف السامريون لمَن يسجدون؟ لأنهم اعتقدوا أن الله يمكن أن ينحصر في مكان ومن ثم يمكن أن يتجزَّأ، هكذا عبدوه. وهكذا أبلغوا الفرس قائلين إن إله هذا المكان غضب منهم؛ لأن تصورهم عن الله لم يكن أفضل من تصورهم لأصنام الوثنيين. لذلك استمروا في السجود لهذا الإله والشياطين خالطين ما لا يُخلط.

     لكن اليهود كانوا متحررين من هذا الاعتقاد، بل أقرّوا أن الله هو إله المسكونة كلها حتى لو لم يؤمن به الجميع. لذلك يقول المسيح:    ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أمَّا نحن فنسجد لما نعلم“.

 

 

أرى أنك نبى:

     لا تتشكك إذن؛ إذا رأيت المسيح يحسِب نفسه ضمن اليهود؛ لأنه يتحدث وفقًا لرأي المرأة السامرية بأنه نبي اليهود، لذلك استخدم كلمة “نسجد“. أمَّا كونه هو المسجود له فهو أمرٌ لا يجهله أحد. لأن الخليقة نفسها هي التي تسجد لرب الخليقة. وهو أيضًا يتحدث كيهودي. ويقصد بكلمة “نحن“، ” نحن اليهود“.

     وبالرغم من أنه رفع اليهود، لكنه لم يكن محلاً لثقتهم؛ لأنه يربط الإيمان بأقواله مُبعدًا أية شبهة ومبرهنًا على أنهم لم يُستثنوا بسبب القرابة؛ لأن المسيح عبَّر عن رأيه حول المكان الذي كان محلاً لافتخارهم، وكانوا يظنون أنه أعظم من أي مكان آخر، وبما أنه جرَّد كِلا المكانين من عظمتهما، فمن الواضح أنه لا يقول هذه الأقوال لكي يسعد أحدًا، لكنه قال هذه الأقوال لأجل الحق وقوة الإعلان الإلهى.

 

مفهوم ” إن الخلاص هو من اليهود”:

     إذن، وبما انه أبعد السامرية عن هذه الأفكار، وقال لها: “ إن الخلاص هو من اليهود“، فإن ما قاله يعني أحد أمرين، الأول: من هناك تأتي كل الخيرات للمسكونة (لأن معرفة الله وإدانة الأصنام جاءت من شعب اليهود، وكذلك كل التعاليم الأخرى، وعبادتك (عبادة السامريين) ـ بالرغم من عدم استقامتها ـ فهي جاءت من اليهود). أمَّا الثاني: فهو أن مجيئه هو يُدعى خلاصًا. وعلى الأغلب فإن كلا المعنيين واردٌ، ولا يستبعد أحدهما الآخر، بالرغم من أنه يدعو كلا الأمرين: خلاصًا، أي الخلاص الذي قال عنه أنه يأتي من اليهود. وهذا ما أشار إليه بولس الرسول حين قال: “ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين” (رو9: 5). هل رأيت كيف يشير إلى العهد القديم باعتباره أصلاً لكل الخيرات، وإنه بكافة الطرق ليس معاديًا للناموس؟ وبالرغم من أنه قال إن اليهود هم السبب في كل الصالحات، إلاَّ أنه:

تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له” (يو4: 23).

وكأنه يقول نمتاز عنكم يا امرأة من جهة طريقة العبادة، بالرغم من أنها قاربت على الانتهاء. لأن تلك النماذج (نماذج العبادة) ستتغير، وتتغير أيضًا طرق العبادة. وهذا الأمر قريب جدًا؛ لأنه يقول: “ستأتي ساعة وهي الآن“.

 

الساجدون الحقيقيون:

     2ـ ولأن الأنبياء سبق أن قالوا منذ زمن بعيد هذه الأقوال، فقد تم التصديق عليها هنا، ولذلك قال: “وهي الآن“، أي لا تظني أن هذه النبوة ستتحقق بعد مرور وقت طويل؛ لأن هذه الأمور حاضرةٌ الآن والساعة قريبة جدًا “حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق“. وعندما قال: “الحقيقيون” أغلق على السامريين واليهود معًا، لأنه بالرغم من أن الأخيرين أفضل من الأولين، لكن مستقبلهم سيكون أكثر انحطاطًا. وبقدر الاختلاف بين الحقيقة والظل، يقول عن الكنيسة، إنها هي العبادة الحقيقية واللائقة بالله ” لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له“.

     إذن من هم أولئك الساجدون الحقيقيون؟ هل هم الذين يحصرون العبادة في مكان ما؟ لا، بل الذين يعبدون الله روحيًا كما قال بولس الرسول: ” فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه” (رو1: 9)، ثم يقول: ” فأطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حيةً مقدسةً مرضية عند الله عبادتكم العقلية” (رو12: 1). وحين قال المسيح: “ الله روح” لم يعلن شيئًا آخر سوى أنه غير جسدي. إذن يجب أن تكون العبادة غير جسدية، وأن تقدَّم بواسطة ما هو غير جسدي داخلنا، أي من خلال نقاوة النفس والذهن، لذلك يقول:

 

والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يو24:4).

     ولأن السامريين واليهود سبق لهم أن أهملوا النفس، وانشغلوا كثيرًا بالجسد مطهِّرين إياه بكافة طرق العبادة الشكلية، يشدد المسيح على أن غير الجسدي، إنما يُسجد له، لا بالطهارة الجسدية، بل بالعبادة الروحية، أي بالقلب وبالروح.

لا تقدِّم ذبيحةً من الخراف والثيران، لكن قدِّم ذاتك ذبيحةً لله؛ فبهذه الطريقة فقط يمكنك أن تُقَدِّم ذبيحةً حيةً. وينبغي أن تعبده بالحق، ولذلك، فكل ما كان فى القديم: مثل الختان، والذبائح والمحرقات، وتقدمة البخور، كانت كلها مجرد رموز وظلال للحق، لكن ليس لها وجود الآن؛ لأن كل شيء صار حقيقيةً، فلا ينبغي لأحد أن يبغض الجسد، بل الأفكار الشريرة، ويصلب ذاته ويمحي أفكاره الشهوانية بتقديم ذاته ذبيحةً.

 

المسيح هو المسيا:

لقد سببت أقوال المسيح اضطرابًا فكريًا للمرأة، فلم تستطع أن تصل إلى سمو هذه الأقوال، وقد تَعِبت. اسمع ماذا أجابت:

 

أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي, فمتى جاء ذاك يُخبرنا بكل شيء. قال لها يسوع أنا الذي أُكلمك هو” (يو25:4و26).

من أين للسامريين أن ينتظروا المسيح وقد قبلوا ـ فقط ـ موسى؟ من نفس ما كتبه موسى. لأن الابن أُعلن منذ البداية؛ لأن عبارة “ نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك1: 26) قيلت للابن. ويعقوب يتنبأ عنه ويقول: “ لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوبٍ” (تك 49: 10). وموسى نفسه قال: ” يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون” (تث18: 15). وكل ما هو مكتوب عن الحية وعصا موسى، وعن اسحق والحمل، وأمورٌ أخرى كثيرة ـ يمكن لأي أحد أن يجمعها ـ كل هذه تشهد لمجيئه.

وسوف تسأل: لماذا لم يستخدم المسيح كل هذه الشواهد لكي يقنع المرأة، فقد ضرب مثلاً لنيقوديموس: عن الحية (التي رفعها موسى في البرية)، وذكر لنثنائيل نبوةً، أمَّا لتلك المرأة فلم يقل شيئًا؟ فما هو السبب في ذلك؟ لأن أولئك كانوا رجالاً، وكانوا مهتمين بهذه الشواهد، أمَّا هذه فقد كانت امرأة فقيرة وغير متعلمة، وبالتالي لم تعرف الكتب المقدسة. لأجل هذا لم يتحدث معها عن هذه الأمور، لكن جذبها بحديثه عن الماء وكشف عن خباياها، واستدعى إلى ذاكرتها المسيا وأعلن ذاته، وهو الأمر الذي يختلف عما لو كان قد قال لها من البداية هذا الإعلان، عندئذٍ كان سيبدو في نظرها مجرد شخص يثرثر ويعبث، لكن بينما هو يستدعي في ذاكرتها هذه الأمور، يكشف لها عن ذاته بطريقةٍ مناسبةٍ.

والمسيح لم يُجب بوضوح على تساؤلات اليهود الذين دائما ما كانوا يسألون دائمًا: “حتى متى تعلَّق أنفسنا. إن كنت أنت المسيح قل لنا” (يو10: 24). لكنه قال للمرأة بكل وضوح إنه هو المسيح؛ لأن هذه المرأة كانت أكثر استعدادًا من اليهود. فاليهود لم يسألوا لأنهم يريدون أن يتعلموا، لكن يريدون أن يصطادوه. لأنهم لو كانوا يريدون التعلّم لكان يكفيهم تعليم الكتب المقدسة والتقليد، لكن السامرية تحدثت معه بذهن بسيط، وفحص نقي ونزيه. ويبدو هذا واضحًا مما فعلته بعد هذا الحديث، فقد سمعت وصدَّقت وأتت بآخرين إلى الإيمان، ويمكن لأي أحد على أي وجه أن يلحظ جدية وإيمان هذه المرأة.

وعند ذلك جاء تلاميذه“، لقد جاء تلاميذه بينما كان يتحدث مع المرأة، لكن لم يسأل أحدٌ منهم المسيحَ عما يتحدث به مع المرأة، أو لماذا يتحدث معها؟ (يو27:4).

لكن لماذا صار التلاميذ في حيرة وارتياب؟ ألأجل وضاعتها الشديدة؟ بينما كان المسيح معروفًا لدى الكل، يرونه الآن يتناقش بتواضع مع امرأة سامرية نكرة. وبالرغم من أنهم تعجَّبوا، إلاَّ أنهم لم يسألوا عن السبب، فقد كانوا مطيعين دائمًا في حفظ رتبتهم كتلاميذ، فكانوا يهابونه ويحترمونه جدًا. وبالرغم من أنه لم يكن هناك بعد إيمان قاطع وراسخ بشأنه (كابن الله)، لكنهم كانوا يقدرونه كإنسان جدير بالإعجاب، ويحترمونه احترامًا عظيمًا.

لكن، في مراتٍ كثيرة بدا التلاميذ أكثر جرأة: عندما اتكأ يوحنا على صدره، وعندما سألوه: “من هو الأعظم في ملكوت السموات“، وعندما طلب ابني زبدي من المسيح أن يجلس الواحد منهما عن يمينه والآخر عن اليسار (مت20:20). فلماذا لم يسألوه في هذه الحالة؟ يبدو أنهم وقتذاك كانوا في حاجة إلى أن يسألوا عن أمورٍ خاصة بهم، أمَّا الآن فالحدث لا يهمهم كثيرًا.

 

التلميذ الذى كان يسوع يحبه:

يوحنا أيضًا بعد مرور الزمن صنع نفس الأمر لأجل هذا الهدف، بعد أن كانت له قناعات عظيمة وعندما تمتع بحب المسيح بدرجة أعظم فقد كان ” التلميذ الذي كان يسوع يحبه” (مت19: 26).

ما هو وجه الشبه فى هذا مع الطوباوي؟

دعونا لا نتوقف يا أحبائي عند مجرد تطويب الرسول، بل تعالوا نبحث وراء تلك الأسباب التي استدعت هذه الدرجة من المحبة؟ هل لأنه هجر أبيه، وترك سفينته وشباكه وتبع المسيح؟. حسنًا، ولكن بطرس وأندراوس وباقي الرسل الآخرين، فعلوا نفس الأمر، فما هو إذن ذلك الأمر الاستثنائي الممتاز الذي استدعى هذه المحبة العظيمة؟ إن يوحنا نفسه لم يقل شيئًا إلاَّ فقط أنه محبوب عند المسيح، وقد كان واضحًا لكل واحد أن المسيح يحبه حبًا خاصًا. وإن كان لم يتحدث إطلاقًا معه عن هذا الأمر ولا سأله، كما حدث مرات كثيرة مع بطرس، ومع يهوذا ومع توما، وإن كان ذلك قد حدث مرة واحدة فقط عندما أراد أن يشكره ويُسمع شريكه في الخدمة الرسولية، فعندما أومأ إليه المتقدم فى الرسل، ونظرًا لما بينهم من محبة كبيرة، عندئذٍ اضطر يوحنا أن يسأله[10]. وهكذا نجد فيما بعد أنهما يصعدان معًا إلى الهيكل ويخطبان في الجموع.

وبالرغم من أن بطرس كان يتحرك كثيرًا ويتحدث بحرارة، إلاَّ أن ذلك لم يمنع يسوع في النهاية أن يسأله: ” يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء” (يو21: 15). لقد أحبه ذاك (أى يوحنا) بالأكثر. من الواضح أن المحبة نحو المسيح شيء، وأن يكون محبوبًا من المسيح شيء آخر. إذن، ما هو الذي استدعى المحبة الشديدة نحو يوحنا؟ أنا أعتقد أن يوحنا كان ذا شخصية متواضعة ووديعة بدرجة عظيمة، لذلك لا يبدو أنه تصرف بجسارة على الإطلاق. كم هو عظيم هذا الأمر، وهو الأمر الذي نلاحظه عند موسى أيضًا؛ لأنه تصرف بنفس الطريقة.

حقًا لا يوجد أعظم من التواضع! لذلك افتتح المسيح التطويبات بهذه الفضيلة (مت5: 3). لأنه مثل من يبني مبنىً كبيرًا ويضع حجر الأساس والقاعدة، هكذا المسيح وضع أولاً التواضع؛ لأنه ليس من الممكن، بل أنه من المستحيل أن نخلص بدون الوداعة والتواضع. فلو صام أحد، ولو صلَّى، ولو فعل الإحسان، فهذه كلها لا تعتبر شيئًا إذا غابت الوداعة. إن تلك الفضيلة المرغوبة، جديرةٌ بالمحبة؛ لأنها تحفظ من يمارسها إذا كانت موجودة عنده.

 

ليتنا نكون متواضعين:

ليتنا نكون متواضعين يا أحبائي، ليتنا نكون متواضعين؛ لأننا لو أدركنا هذه الفضيلة لوجدناها سهلة جدًا. لأنه ما هو ذاك الذي يدفعك أيها الإنسان إلى التكبُّر؟ ألا ترى عدم نفع طبيعتنا، ألا ترى أن الشهوة دائمًا ما تؤدي إلى الانزلاق؟ تأمل موتك، تأمل كثرة خطاياك. ربما تتكبر لأنك تستطيع أن تنجز أشياءً كثيرةً، اعلم إذن أنك سوف تفقد الكل.

الخاطئ لا يحتاج أن يكون وديعًا، بل الساعي إلى الفضيلة يجب أن يكون هو الوديع. لماذا؟ لأن الواحد يفكر بهذا عن وعي، أما الآخر إن لم يكن ذو فهم، فإنه سرعان ما ينجرف مع الريح ويُفقد ويُمحى مثل ذلك الفريسي.

لكن أعط للفقراء. إن غناك ليس ملكًا لك، لكن للرب، بل هو مشاع للعبيد. لذلك ينبغي أن تكون وديعًا. وعندما تري خيرك في خير إخوتك في الإنسانية، عندئذٍ تكتشف نفسك فيهم. ألم نأت من نفس الجدود؟ إن كان الغنى معنا اليوم، فهو يتركنا غدًا. وما هو الغنى؟ ظلالٌ ساكنة، دخانٌ سرعان ما ينقشع، زهرةُ نباتٍ أرق من الورود، فلماذا تتكبر من أجل عشب؟ ألا يذهب الغنى للصوص والمفسدين والزناة ولسارقي القبور؟ هل تفتخر لأنك تشترك مع هؤلاء الأغنياء؟

هل تشتهي الكرامات أيضًا؟ لا يوجد شيءٌ أدعى للكرامات من الإحسان؛ لأن الكرامات التي تأتي عن طريق الغنى والقوة، إنما تأتي عن إجبار وسطوة وإكراه، لكن الكرامة الحقيقية تأتي من الإرادة الحسنة، ومن إدراك المكرِّمين. لو كانت فضيلة الإحسان محل احترام البشر، لجاءت لهم بكل الخيرات. تأمل حجم المكافأة التي سوف ينالونها من الله محب البشر! إنها مكافأة كبيرة، وأيّة مكافأة! ليتنا نطلب هذا الغنى الذي يبقى ولا يتبدد أبدًا، ذلك الغنى الذي يجعلنا هنا عظماء، وهناك نلمع في بهاء، نذوق الخيرات الأبدية بنعمة ومحبة البشر لربنا يسوع المسيح الذي له كل المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين آمين.

(4)

” فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس. هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح؟”

(يو4: 28 ـ 30)

 

السامرية كارزة:

     1ـ نحتاج إلى حماس كبير وغيرة شديدة؛ لأنه بدون ذلك لا يمكننا أن نذوق الخيرات الموعودة لنا. وهذا هو ما أراد المسيح أن يؤكد عليه في إحدى المرات عندما قال: “ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني” (مت10: 38). وفي مرة أخرى قال: ” فكونوا انتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان” (لو12: 40). بهذين القولين أراد أن يوضح لنا ما ينبغي أن يكون عليه مَن يريد أن يكون تلميذًا للمسيح من غيرة وحماس، واستعداد لتحمل الأخطار.

     لقد امتلأت المرأة السامرية بحماسٍ شديد حتى أنها تركت جرتها، ونسيت الأمر الضروري الذي أتى بها إلى هذا المكان، وأسرعت إلى المدينة تدعو كل الشعب للمسيح قائلةً: “هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت” (يو4: 28). لعلك تلاحظ استعدادها وفهمها. لقد ذهبت لتستقي ماءً، ولأنها نجحت في الوصول إلى النبع الحقيقي احتقرت النبع المادي، معلِّمةً إيانا ـ بمثال صغير ـ أنه ينبغي علينا أن نصير مثلها غيورين للأمور الروحية، ونحتقر كل الأمور المادية وألاَّ نقيم لها وزنًا.

     لقد فعلت هذه المرأة ما فعله الرسل بكل ما أوتيت من قوة، بل وبحماس أعظم؛ لأن الرسل تركوا الشِّباك، فقط عندما دعاهم المسيح، أمَّا هي، فبملء إرادتها، ودون أن يعلِّمها أحدٌ تركت جرتها واضطلعت بهذا العمل الرسولي، وهى تطير فرحًا، وكأن أجنحةً قد نبتت لها. فلم تكتفِ بدعوة واحد أو اثنين ـ مثلاً أندراوس وفيلبس – لكن حركت المدينة وكل الشعب وجاءت بهم إلى المسيح. وعليك أن تلاحظ مدى فهمها وكيف صاغت حديثها، فهي لم تقل هلموا لتنظروا المسيح، لكن دعت رجال المدينة بنفس الدعوة التي دعاها بها المسيح، إذ قالت: “هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت“، ولم تخجل حين قالت: ” قال لي كل ما فعلت“. لقد كانت تستطيع أن تتحدث بطريقة أخرى: هلموا انظروا النبي، مثلاً. لكن النفس عندما تلتهب بالنار الإلهية لا ترى شيئًا من الأمور الأرضية، لا المجد ولا العار.

     ” ألعل هذا هو المسيح؟” هل رأيت حكمة المرأة العظيمة؟ لم تصمت، ولكنها تحدثت بكل وضوح. فهي لم تُرِد أن تجذبهم برأيها الخاص، ولكن بما أنهم سمعوا المسيح صاروا شركاء بقرارهم الخاص، وهذا جعل كلامها أكثر قبولًا. وبالرغم من أنها لم تكشف للمسيح كل حياتها، بل كانت على قناعة أنه يعرف بقية تفاصيل حياتها مما قاله، بالرغم من ذلك، لم تقل هلموا آمنوا، بل ” هلموا انظروا“، وهو قول مُهذَب، وقد جذبهم بالأكثر.

     هل رأيت حكمتها؟ لقد عرفت كيف تعبِّر جيدًا عن أنهم لو ذاقوا فقط من هذا النبع، سيحدث لهم ما حدث لها. ولو كانت امرأة غيرها متبلدة الإحساس، لكانت قد سترت خطاياها في الظلام بعيدًٍا عن أعين الناس. لكن هذه المرأة كشفت كل حياتها حتى تجذبهم وتأسرهم جميعًا.

 

“طعامى أن أعمل مشيئة أبى”

وفي أثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين يا معلم كُل” (يو4: 31).

         “سألوه”، أى ترجُّوه بحسب كلامهم الدارج. ترجُّوه أن يأكل. لم يكن رجاؤهم له دليلاً على سوء التصرف، لكن تعبيرًا عن حبهم للمعلم. فبماذا أجاب يسوع؟

أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم. فقال التلاميذ بعضهم لبعض ألعل أحدًا أتاه بشيء ليأكل” (يو4: 33ـ34).

         وهنا يثور التساؤل: لماذا إذن نستغرب أن تظن المرأة أنه كان يتحدث معها عن الماء العادي عندما سمعته يتكلم عن الماء؟ فها هم التلاميذ، حدث منهم نفس الشيء، ولم يفهموا شيئًا روحيًا، بل كانوا متحيرين، وبالرغم من أنهم يعاملون معلمهم باحترام وتقدير إلاَّ أنهم لم يجرؤوا أن يسألوه؟ وكان هذا الأمر قد تكرر أكثر من مرة. ماذا أجاب يسوع؟ “طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله” (يو 4: 34). إنه يدعو خلاص البشرية طعامًا، مظهرًا كم هو مستعد للعناية بنا، لأنه كما يعتني بطعامنا هكذا يعتني بخلاصنا.

     اسمع إذن. ما هي الطريقة التي يكشف بها المسيح كل شيء؟ ليس مباشرةً، لكن أولاً يثير حيرة السامع ليشُد انتباهه بالأكثر حتى يبدأ في البحث عن معنى ما قيل، ومن ثم، عندما تنتابه الشكوك ويتعب، حينئذٍ يقبل شرح ما يبحث فيه، باستعدادٍ أكبر. لماذا لم يقل مباشرةً “طعامي أن أعمل مشيئة أبي“، وبالرغم من أن الكلام هنا ليس واضحًا بشكلٍ كافِ، لكنه على أية حال أكثر وضوحًا مما قاله سابقًا؟ لأنه كما قلت أراد أن يكونوا أكثر يقظةً عن طريق الحيرة والشك، ولكي يعوِّدهم أن يسمعوا أقواله الرمزية هذه.

     ما هي إذن إرادة أبيه؟ لقد أعلن عنها وفسرها:

أما تقولون إنه يكون أربعة أشهر ثم يأتي الحصاد. ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول إنها قد ابيضَّت للحصاد” (يو4: 35).

         ها هو أيضًا يرفع ذهن التلاميذ إلى الأمور السامية عن طريق الكلام المألوف في الحياة اليومية. بكلمة “طعامي” لا يعني شيئًا إلاَّ خلاص البشرية الذى سيتممه. كذلك كلمتي “الحقل” و”الحصاد“، يعنيان جمع النفوس المهيَّأة لقبول الكرازة. وبكلمة “عيون” يعني أيضًا عيون الروح والجسد. لأن التلاميذ رأوا بالفعل جمع السامريين الذين أتوا. وأمَّا استعداد إرادة أولئك، فيدعوها “حقول قد أبيضت“. لأنه كما تَبيَّض سنابل القمح، وتكون جاهزة للحصاد، هكذا أيضًا السامريون، هم الآن جاهزون، وهم بمثابة باكورة للخلاص.

     لكن، لماذا لم يقُل بوضوح ها إن الناس يأتون لقبول الإيمان، وها هم مهيئون لقبول الكلمة، طالما هم بالفعل قد قبلوا تعليم الأنبياء، وجاء وقت عطاء الثمر؟ لماذا يُصر على أن يدعوهم حقولاً وحصادًا؟ ماذا يقول المفسرون في هذا؟

لا يقتصر الأمر على حالتنا هذه، لكن كثيرًا ما نجد هذا في كل الإنجيل. ففي كثيرٍ من الأحيان يأخذ الأنبياء في الحديث بأقوال رمزية على قدر كبير من الأهمية، فما هو السبب وراء ذلك؟ نرى أن هناك سببين:

الأول: لأن الرمزية تجعل الكلمة أكثر قوة وأبعد مدىً؛ لأن الفكر يحمل صورة الأشياء المشار إليها، فتبدو وكأنها تتحرك بالأكثر وبالتالي تأسر العقل بأكثر سهولة، كأن أحدًا يرى الحقائق مرسومة أمامه. هذا هو السبب الأول.

السبب الثاني هو أنه بهذه الطريقة يصير السرد مبهجًا بالأكثر ويجعل حضوره في الذهن أكثر ديمومة. لأن مجرد الإرادة لا تقنع السامعين، وتبهر عقولهم مثلما يفعل ذلك وصف تلك الأمور كما رأيناها هنا. وهذا الأمر يمكن للمرء أن يراه إذا استخدم المتحدث الأمثالَ ـ بحكمةٍ ـ في توضيح فكرته[11].

     فعندما يقول:

والحاصد يأخذ أجره ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية لكي يفرح الزارع والحاصد معًا” (يو36:4).

         فهو يعني أن ثمر حصاد الحقول هنا فى العالم مفيد فقط للحياة الحاضرة، لا للحياة الأبدية. أمَّا الثمر الروحي فهو مفيد للحياة الدائمة والخالدة. أرأيت كيف أن هذه الأقوال بالرغم من أنها مادية ومحسوسة، إلاَّ أنها ذات معاني روحية؟. وكيف أنه يميِّز بهذه الكلمات الأرضيات عن السمائيات؟

     ولذلك، فعندما تحدث عن الماء، نجده يفصح عن خاصيته، فيقول: ” الذي يشرب منه لا يعطش إلى الأبد“. وهو ذات ما يفعله الآن عندما يقول إن هذا الثمر سيجمع في الحياة الأبدية ” لكي يفرح الزارع والحاصد معًا“. مَنْ هو الزارع؟ ومَنْ هو الحاصد؟ الأنبياء هم الزرَّاع، والرسل هم الذين حصدوا. ولكن الأنبياء لم يحرموا من الفرح ومن المكافأة نتيجة أتعابهم، وإن كانوا قد فرحوا وسُروا معنا، بالرغم من أنهم لم يحصدوا معنا؛ لأن الحصاد ليس هو عمل الزارع.

كأن المسيح يقول: هناك وضعتكم، وحيث يكون التعبُ قليلاً، يكون الفرح أكبر، وليس في الحصاد من تعبٍ شديد أو مشقة كبيرة، ولكن فائدته كبيرة. بهذه الأقوال أراد أن يظهر أن إرادة الأنبياء هى أن يأتي (المسيح) للبشر. وهذا ما قام به الناموس أيضًا لإعداد البشرية. لأجل ذلك قد زرع الأنبياء لكي يحصد التلاميذ هذا الثمر.

     وقد أظهر أيضًا أنه هو الذي أرسل هؤلاء الأنبياء، وأنه توجد رابطة عظيمة بين العهد القديم والعهد الجديد، وقد أوضح كل هذه المعاني والمفاهيم بالمثل الذى يقول:

 

لأنه في هذا يصدق القول إن واحدًا يزرع وآخر يحصد” (يو37:4).

         وقد استخدم كثيرون أيضًا هذا المثل أن آخرون تعبوا وآخرون حصدوا ثمارهم. ويشدد المسيح على أن هذا القول يصدق تمامًا في هذه الحالة. لأن الأنبياء تعبوا لكن أنتم حصدتم الثمار جراء تعبهم. لاحظ أنه لم يقل “الأجرة“، لكن “الثمار“؛ لأن تعب الأنبياء لم يكن بدون أجر.

لذلك، قال يسوع مسبقًا: ” لكي يفرح الزارع والحاصد معًا“؛ لأنه أراد أن يقول إن واحدًا يزرع وآخر يحصد. وحتى لا يظن أحدٌ ـ كما قلت ـ إن الأنبياء قد حُرموا من الأجر، يقول شيئًا غريبًا وغير منتظر، هذا الشيء وإن كان لا يحدث عادةً في الأمور المادية، لكنه يحدث استثناءً فقط في الأمور الروحية؛ لأنه في أمور العالم لو حدث أن زرع واحدٌ وحصد آخر، فإن الاثنين لا يفرحان معًا، لكن يحزن الذين زرعوا، ويفرح فقط الحاصدون؛ لأن آخرين قد تعبوا. لكن في حالتنا هذه لا يحدث هكذا، فأولئك الذين لم يحصدوا ما زرعوه يبدون متساوين مع أولئك الذين حصدوا. إذن من الواضح أن هؤلاء يشتركون في الأجر.

 

أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم دخلتم على تعبهم” (يو38:4).

بهذه الأقوال يحذِّرهم إذ يبيّن لهم أن تعبًا شديدًا ينتظرهم عند طوافهم كل المسكونة ليكرزوا، وفي نفس الوقت يظهر لهم أنه أمرٌ سهل جدًا؛ لأن ما كان متعبًا ويحتاج إلى جهد كبير هو أن يلقوا بذارهم في النفس التى لم تهتدِ بعد لكي يأتوا بها إلى معرفة الله. إذن، لأي سبب يقول هذه الأقوال؟ حتى لا يخافوا عندما يرسلهم ليكرزوا، وكأنهم ذاهبون إلى شيء متعب جدًا؛ لأنه يقول إن الواجب الملقى على عاتق الأنبياء كان متعبًا جدًا مثلما يشهد واقع ما حدث معهم، بينما أنتم أتيتم إلى ما هو أكثر سهولة؛ لأنه مثلما يجمع الثمر بسهولة في الحصاد، ويمتلئ الجرن بالحزم في فترة زمنية قصيرة، فلا تنتظر تغيرات جوية ـ شتاء، ربيع ، مطر ـ هكذا يصير الآن، والأعمال نفسها تشهد بذلك.

     وبينما كان المسيح يقول هذه الأقوال جاء السامريون، وجمَّع التلاميذ هذه الثمار الكثيفة، لذلك قال: ” ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول أنها قد ابيضَّت للحصاد“. هذا ما قاله المسيح، وما قاله تحقق لأنه أكَّد كلامه بالأعمال ” فآمن كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد أنه قال لي كل ما فعلت“؛ لأنهم تحققوا أن المرأة لا تمدح ـ بدون سبب ـ ذاك الذي اختبرها وعرف خطاياها وأخبرها عن حياتها.

 

ليتنا لا نخجل من ذكر خطايانا:

     3ـ فلنتشبه إذن بالمرأة، وليكن تصرفها نموذجًا لنا. ليتنا لا نخجل من ذكر خطايانا أمام الناس، بل تعالوا بنا نهاب الله كما يليق، الله الذي يرى الآن أعمالنا وسيعاقب هؤلاء الذين الآن لا يتوبون. لكننا نفعل العكس؛ لأننا لا نخاف الله الذي سوف يديننا، بينما نخاف من هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يلحقوا بنا أي أذى، ونرتعب حتى لا يصفونا بأننا أشرار. لأن من يعتني بألاَّ يبدو سيئًا فقط أمام الناس، لا يخجل من فعل الشر إذ أن من يراه هو الله فقط. وإن لم يُرد أن يتوب ويتغيَّر، ففي ذلك اليوم (يوم الدينونة) يصير موضع سخرية، ليس أمام واحد أو اثنين، لكن أمام المسكونة كلها. لأن فحصًا دقيقًا وشاملاً للأعمال الصالحة والشريرة سيتم هناك. إن مَثَلُ الخراف والجداء يعلِّمك هذا الأمر. وبولس الطوباوي الذي قال: ” لأنه لا بد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا” (2كو5: 10)، وأيضًا قال: ” سينير الرب خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب” (1كو4: 5).

     هل فعلت أو أضمرت فكرًا شريرًا حاولت أن تخفيه عن الناس؟ ولكن هل لا تستطيع أن تخفي شيئًا عن الله. إذا كان خوفك الوحيد هو عيون الناس، إذن يجب أن تفهم أن في ذلك اليوم فى (الدينونة)، لن تستطيع أن تخفي شيئًا حتى من الناس. لأنه حينئذٍ سوف تعرض على عيوننا كل أعمالنا كما في صورة لدرجة أن كل واحد سوف يدين نفسه.

     وهذا واضح من مَثَل الغني. لأنه احتقر لعازر ذلك المسكين. لقد رأى الغني لعازر قائمًا أمام عينيه وأصابعه ـ التي كانت سابقًا قذرة ـ يترجاها الآن لكي تُطفئ لهيبه، الغني يترجى الفقير لكي يعزيِّه!!

     إذن من فضلكم، حتى لو أن أعمالنا لم يكن يراها أحد، فعلى كل واحد منا أن يتوغل في أعماق ضميره ويحكم حكمًا متعقلًا على ذاته ويكشف خطاياه أمامه. وإذا أردت أن لا تظهر هذه الخطايا في ذلك اليوم المخيف، فعليك أن تستخدم التوبة كدواء لكى تُشفى جروحك. عندئذٍ فإن مَنْ كان مملوءًا بالجروح سيذهب مُعافى ” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر أيضًا لكم أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم” (مت6: 14 ـ 15).

 

المعمودية وغفران الخطايا، ودعوة للتوبة:

     وكما اغتسلنا في المعمودية وتطهرنا من خطايانا، هكذا يمحى تمامًا ما نرتكبه من خطايا عندما نتوب[12]. والتوبة هي أن لا يعود أحد ليفعل نفس الخطايا التي ارتكبها سابقًا ” لأنه كان خيرًا لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعد ما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم. قد أصابهم ما في المثل الصادق كلب عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة” (2بط2: 21ـ22). فبحسب هذا المثل كأن شخصًا يضرم النار، ثم يحاول أن يستقي ماءً في وعاءٍ مثقوب. إذن يجب أن نبتعد عن الأعمال الشريرة سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً. وطالما ابتعدنا عنها، علينا أن نضع الدواء فوق الجروح، الدواء الذي هو مضاد للخطايا. على سبيل المثال: هل كنت سارقًا أو طماعًا؟ ابتعد عن السرقة وضع فوق الجُرح الإحسان (محبة العطاء). هل تزني؟ ابتعد عن الزنى وضع فوق الجرح دواء الطهارة. هل تتكلم كلامًا شريرًا وتؤذي أخيك؟ توقف عن الكلام الردئ واستخدم التعقل[13].

     ليتنا نفعل هكذا مع كل خطية من الخطايا، ولا ننسى شيئًا؛ لأن وقت إعطاء الجواب عما عملناه قد حان. لذلك قال بولس الرسول: ” الرب قريب. لا تهتموا بشيء” (في4: 5ـ6). لكن بالنسبة لنا يجب أن يقال النقيض. الرب قريب، اهتموا! لقد سمع أولئك جيدًا: ” لا تهتموا بشيء“؛ لأنهم كانوا حزانى ويعانون الأتعاب والصراعات. أما الذين يحيون في رفاهية من السرقات، فإنهم سيعطون حسابًا ثقيلاً، وسوف يسمعون ـ عن حق ـ الرب قريب.

     لأن الوقت الباقى على النهاية ليس طويلاً، فالعالم يسير بالفعل نحو نهايته[14]، وهذا ما تظهره الحروب، والأحزان والهموم، والزلازل والمحبة المنطفئة. لأنه مثلما تنحشر النفس، يعاني الجسد آلامًا غير متناهية عندما يكون قريبًا من الموت.وعندما يبدأ المسكن في الانهيار، تنهار عادة الأقسام العلوية من السقف والحوائط. هكذا يقترب هذا اليوم، والنهاية على الأبواب ولذلك تنتشر الشرور في كل مكان. لأنه لو كان حينذاك (أيام الرسول بولس) الرب قريب، فهو الآن هو أكثر قربًا، لأنه إذا كانت هذه الأقوال قد قيلت قبل أربعمائة عام وبولس الرسول يسمي هذا الوقت ملء الأزمنة، فبالأكثر جدًا يسمّى زمننا بهذا الاسم[15].

     لكن ربما لا يصدق البعض هذا الأمر. ولكن كان يجب أن يؤمنوا بهذا، لأنه من أين تعرف أيها الإنسان أن النهاية لا تقترب، وأن ما تحدثنا عنه لن يتحقق في لمح البصر؟

ليتنا نقمع ذواتنا، وتعالوا نتغذى على خوف الله؛ لأنه عندما نقضي حياتنا في العصيان ولا نعتني بأنفسنا أبدًا ولا ننتظر مجيء الرب، فإنه سيأتي بغتة.

     هذا ما أراد أن يشدد عليه المسيح حين قال: “وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان” (مت24: 37). وهذا ما أراد أن يعلنه بولس حين قال: “لأنه حينما يقولون سلام وأمان حينئذٍ يفاجئهم هلاك بغتة كالمخاض للحبلى فلا ينجون” (1تس5: 3).

     في مرات كثيرة يفاجئ ألم المخاض، النساء الحوامل بينما هنَّ يلعبن أو يأكلن أو يكنَّ في الحمام أو يتجولن في الأسواق، لأنهن لا يتوقعن المخاض فجأة. ولأن أمورنا هي مثل هذا الأمر، علينا أن نكون مستعدين دائمًا. لأننا لن نسمع دائمًا هذه التحذيرات، ولا سيكون لدينا دائمًا هذه الفرصة. لأن النبي يقول: “ في الهاوية من يحمدك” (مز6: 5).

         إذن تعالوا نتوب لكي نحظى برحمة الله يوم الدينونة، وبالتالى يمكننا أن نستمتع بالغفران تمامًا. ليتنا نوفَّق جميعنا بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم هنا على حقيقة ميلاد المسيح بالجسد ضد الخياليين الذي قالوا إن التجسد لم يكن حقيقياً وإنما هو بحسب الخيال.

[3] راجع تكوين أصحاح 34. فحدث في اليوم الثالث إذ كانوا متوجعين أن ابني يعقوب شمعون ولاوى اخوي دينة أخذا كل واحد سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر. وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف.وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا. ثم أتى بنو يعقوب على القتلى ونهبوا المدينة.لأنهم نجّسوا أختهم.

[4] لمزيد من التفاصيل عن تاريخ السامرة، انظر دائرة المعارف الكتابية، الجزء الرابع (ر ـ ش)، دار الثقافة 1992، ص312ـ325.

[5] هاتان القصتان ذُكرتا لكى يظهر مدى وقاحة اليهود الذين وصلوا إلى درجة من الوقاحة والدناءة وكانت تصرفات بعض السامريين أفضل منهم.

[6] الكلام هنا عن تقليد اليهود من الكتبة والفريسين وليس على الناموس.

[7] يو8: 37 “أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم. لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم”.

[8] هنا نتذكر كلام أفنوميوس الهرطوقى الذى نادى بأن الاسم يعبّر عن الجوهر، فالآب له جوهر يختلف عن جوهر الابن بسبب التسمية وكذلك الروح القدس. وهنا ذهبى الفم ينتقد هذا الفكر.

[9] هنا نتذكر قول بولس الرسول: ” إن مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة هذا العالم..” (أف12:6).

[10] يوحنا13: 20ـ25 “الحق الحق أقول لكم الذي يقبل من أرسله يقبلني. والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني، لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني، فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه. وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه.فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي.

[11] انظر مقالات المسيح المعلم في الدورية: أعداد يناير 2004 ويوليو 2004 ويناير 2005.

[12] يعتبر هذا النص من النصوص الهامة التى تشهد للتعليم الرسولي عن التوبة، فالتوبة تغفر الخطايا، فقط بسبب المعمودية، والتوبة تُعد معمودية ثانية لأنها تفعل فعل المعمودية الأولى، فهي تعيد الخاطئ إلى حالة البراءة الأولى التى للمعمودية.

[13] يظهر من هذا النص تفوق القديس يوحنا ذهبي الفم باعتباره طبيبًا روحيًا ممتازًا، فهو ليس مجرد واعظ يُظهر شر الخطايا ويكتفي فقط بطلب عدم إتيانها، ولكنه يضع العلاج، ويؤكد على السلوك البديل الذي يشفي الخاطئ من الخطية.

[14] يسير الزمن في خط مستقيم، نحو تحقيق الهدف من الخلق، أي يتجمع الكل تحت رأس واحد في المسيح يسوع، وهذه الفكرة تختلف عن الزمن اليوناني الذي يسير في خط دائري، ومن هنا جاءت الكلمة الشهيرة : إن التاريخ يعيد نفسه، وهي مقولة لا تعبر عن الفهم المسيحي للخلق الذي لا بد أن ينتهي بتحقيق ملكوت الله.

[15] وما الذي يمكن أن نقوله نحن الآن بعد مرور أكثر من ألفي سنة؟

 

السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

(عظة 36)

” وبعد هذا كان عيد لليهود فصعد يسوع إلى أورشليم”

(يو5: 1)

 

أي عيد هذا؟[1]

         أنا أعتقد أنه عيد الخمسين، ” صعد يسوع إلى أورشليم“. ففي الأعياد كان يسوع يصعد إلى المدينة لكي يحتفل بالأعياد معهم، ولكي يدعو بسطاء الشعب إلى الإيمان. وكان الأتقياء يذهبون أيضًا إلى المدينة في تلك الأيام.

وفي أورشليم عند باب الضأن بركة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة. في هذه كان مضطجعًا جمهور كثير من مرضى وعُمي وعُرج وعُسم يتوقعون تحريك الماء” (يو5: 2ـ3).

         أي طريقة شفاء هذه؟ وإلى أي سر تشير؟ إن هذه الأمور لم تكتب دونما سبب، لكنه يصف ما هو آتٍ بما يشبه العرض أو الصورة التوضيحية حتى لا يسبب هذا ضررًا لإيمان الكثيرين. ورغم غرابة أسلوب الشفاء هذا وعدم توقعه إلاَّ أنه كان يحدث.

 

سر المعمودية:

         إذن ما هذا الذي يريد أن نصفه؟ لقد أراد أن يتحدث عن المعمودية التي هي ملء القوة والنعمة. المعمودية التي تطهِّر كل الخطايا، والتي أقامت من الأموات. وقد استخدم صورة البِركة باعتبارها تعبيرًا وصفيًا عن هذه الأمور وغيرها من الأمور الأخرى. في البداية يشير إلى الماء الذي يطهر أدناس الجسد والدنسين، مثلما شفى البُّرص الذين كانوا في القبور، أو كانوا في تشييع جنازة. ويمكن للمرء أن يرى أن بعض المعجزات في العهد القديم قد حدثت لنفس هذا السبب، أي للإشارة إلى ما سيحدث في المستقبل.

         دعونا نعود لموضوعنا. في البداية ـ كما قلت ـ خلُصنا بواسطة الماء من أدناس الجسد ومن أمراضٍ مختلفة. لكن الله أراد الآن أن يقدم لنا صورةً أكثر قربًا عن حقيقة نعمة المعمودية لكي يشفي ليس النجسين فقط، بل والمرضى بأمراض مستعصية أيضًا. لأن التصويرات التي تقترب من الحقيقة تبدو أكثر وضوحًا في المعمودية، وفي الألم، وفي بعض الأمور الأخرى الخاصة بالعهد القديم. وكأنك أمام صورة عن أعوان الملك، يكون الأكثر ظهورًا فيها هم المتواجدون بالقرب منه، بعكس أولئك البعيدين عنه.

         أمَّا عن نزول ملاك ليحِّرك الماء ويمنحه قوة شفاء، فلكي يتعلم اليهود أن رب الملائكة يستطيع بالأكثر جدًا أن يشفي أمراض النفس المستعصية. ويجب أن نلاحظ أن الشفاء هنا ليس ناتجًا عن خاصية الماء فقط، لكن عن فعل الملاك، وهذا هو ما كان يحدث دائمًا. هكذا الأمر بالنسبة لنا فالشفاء ليس من فعل ماء المعمودية، لكن عندما يقبل الماء نعمة الروح القدس عندئذٍ يغفر كل الخطايا.

         بالقرب من هذه البركة ” كان مضطجعًا جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم يتوقعون تحريك الماء“. في ذلك الوقت كان المرض يعيق كل مَن يريد أن يبرأ، لكن الآن كل واحد يستطيع أن يأتي، لأنه لم يعد الملاك هو الذى يحرك الماء، لكن رب الملائكة هو الذي يفعل كل شيء. وبالتالي لا يستطيع أحد أن يزعم قائلاً: بينما أستعد للنزول يسبقني آخر، فلو أتت كل المسكونة فلا النعمة تنتهي ولا الفاعلية تُستنزف، لكن تظل النعمة كما هي (بدون نقص). فكما أن أشعة الشمس تنير طوال النهار دون أن تنفد، ولا يُستنزف عطاؤها الوفير بحيث ينقص نورها، هكذا بالحري جدًا لا يعتري فعل الروح القدس أي نقصان بسبب الجمع الكثير الذي يستمتع بفعله. وقد صار الأمر هكذا حتى يؤمن أولئك الذين خضعوا للمرض سنين طويلة أنه يمكن بسهولة، ليس فقط شفاء أمراض الجسد المستعصية، بل وأمراض النفس المستعصية أيضًا.

         ولكن لماذا ترك يسوع الآخرين واقترب من مريض الثماني والثلاثين سنة؟ ولماذا سأله: ” أتريد أن تبرأ؟” طبعًا ليس لكي يعرف؛ لأن حالته لا تحتاج إلى سؤال، لكن لكي يُظهر لنا صبر المريض واحتماله، ولكي نفهم أنه لأجل هذا بالتحديد (أي صبر المريض واحتماله) ترك الآخرين وذهب لهذا المريض، فماذا فعل المريض؟

 

حوار هادئ:

أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء، بل بينما أنا آتٍ ينـزل قدامي آخر” (يو5: 7).

         إذن، سأله يسوع ” أتريد أن تبرأ؟” لكي نعرف نحن رد المريض. ولم يقل له يسوع أتريد أن أشفيك؟ بل سأله ” أتريد أن تبرأ؟“.لأن المريض لم يكن لديه فكرة مسبقة عنه.

         لقد كان صبر المشلول مدهشًا؛ فقد ظل مشلولاً لمدة ثمان وثلاثين سنة، وفي كل سنة كان يأمل أن يتخلص من مرضه، فلبِثَ عند البركة ولم يبتعد عنها. ولو لم يكن على صبر عظيم لكان قد ترك المكان وهرب لعدم ثقته بالمستقبل. تأمَّل من فضلك، كم كان يجب على المرضى أن يكونوا على يقظة من أمرهم لأن أحدًا لم يكن يعلم متى يأتي الملاك ليحرك الماء. وإذا قلنا إن المشلولين والعسم كان في مقدورهم أن يروا ذلك بعيونهم، فليس أمام العميان إلاَّ أن يعرفوا ذلك عن طريق ما يحدث من ضوضاء عند تحريك الماء.

         وإذا كان المشلول قد ظل ثمان وثلاثين عامًا عند البركة ولم يبتعد، بالرغم من أنه لم يفلح في تحقيق ما أراد، فليتنا نخجل إذن     يا أحبائي، ليتنا نخجل، بل دعونا نحزن لما نحن فيه من خمول وكسل ولامبالاة. فالمريض لم يفلح، لا بسبب إهماله، لكن لأنه أُعيق وعانى من قهر الآخرين، ولكنه لم ييأس من ذلك أيضًا. أمَّا بالنسبة لنا، فإن بقينا عشرة أيام فقط نترجى شيئًا ولم يتحقق، يعترينا خمول شديد، ولا نُبدى ما سبق أن أبديناه من استعداد. وقد نظل سنوات عديدة مجندين أنفسنا لأجل قريب لنا بالجسد، محتملين المشقة، ومقدمين له خدامنا لكي يخدموه صابرين حتى النهاية، أمَّا قريب ربنا[2] حيث يمكننا أن نفوز بمكافأة أعظم جدًا بالمقارنة مع أتعابنا، لا نحتمل أن نبقى معه بالاستعداد اللائق، أي بالرجاء والصبر، بينما الرسول يقول: ” الرجاء لا يخزى” (رو5:5).

 

أعمال الفضيلة:

         ولذلك كم عقابٌ يكون خليقًا بنا أن نعانيه لأجل كل هذا؟ فإن كنا لم نأخذ شيئًا بعدُ من حديثنا، فإن الاستمرار فيه يكون بلا طائل ولا يساوي قيمة الخيرات الصالحة الأبدية. هل تعتبر الصلاة الدائمة عملاً متعبًا؟ اخبرني أيضًا: ما هو غير المتعب من أعمال الفضيلة؟ ستقول إنه سوف تنتابك حيرة كبيرة، فمن جهة الشر: فإن نصيبك من السعادة سوف يزول لأنها وقتية، بينما في الفضيلة لابد من التعب. فما هو سبب ذلك؟ لقد أعطانا الله في البداية حياةً حرةً ومتحررة من الهموم والأتعاب، لكننا لم نستخدم العطية كما يليق، بل أفسدناها بالخمول، ففقدنا الفردوس. لذلك جعل بقية حياتنا مليئةً بالأتعاب، وكمن يشرح موقفه من الجنس البشري كأنه يقول: لقد أعطيتكم منذ البداية حياةً سعيدة، لكنكم صرتم أكثر سوءًا بسبب حنانى، لذلك أمرت أن تبذلوا جهدًا وعرقًا وأتعابًا بقية حياتكم.

         ولأن ذلك التعب لم يلجِّمنا، فقد أعطى ناموسًا بوصايا كثيرة مثلما يضع أحدٌ لجامًا لحصانٍ أهوج لكي يلجم جموحه. هكذا يفعل مروضو الجياد. إذن، فحياتنا شاقة لأننا نفسد راحتنا بأنفسنا. ولأن الخمول غير نافع لطبيعتنا، لأنها تميل بسهولة ناحية الشر. لأننا لو افترضنا أن الإنسان الحكيم لا يحتاج للأتعاب، وكذلك الآخر الذي يمارس الفضيلة، فكيف نوفَّق في تحقيق المطلوب، ونحن هادئين؟ وفيم نستخدم الراحة؟ أليس للجهل والحسد؟

         وقد تسأل، لماذا ترتبط السعادة بالشر، وتحتاج الفضيلة إلى تعبٌ كثيرٌ وجهدٌ وعرق؟ وأي سعادة يمكن أن تنالها، ولأي سبب ستأخذ مكافأة، لو لم تكن الفضيلة متعبة؟

         استطيع أن أبيِّن لك أن هناك البعض هم بحسب طبيعتهم يتجنبون الاختلاط بالنساء، ويتجنبون معاشرة النساء باعتبارها عملاً دنسًا، أفهل نسمي هؤلاء أعفَّاء، ونتوجهم بالكرامة؟ أبدًا، إن العفة هي الانضباط، وهي معركةٌ للانتصار على اللذات. وفي الحروب، عندما تكون الصراعات شديدة، تبدو عند ذلك فقط رايةُ النصر أكثر بهاءً، لا عندما لا يكون هناك قتال.

         يوجد كثيرون ضعفاء بالطبيعة، هل ندعو هؤلاء ودعاء؟ أبدًا، لذلك يذكر المسيح ثلاثة مستويات للخصيان، المستويان الأولان تركهما دون تتويج، أما الثالث فقد أدخله ملكوت السموات[3].

         وقد تسأل: أي ضرورة للشر؟ وأنا أيضًا أسأل نفس السؤال. من هو خالق الخمول؟ من هو ذلك الآخر الذي يقيم خارج رخاوة إرادتنا؟ وقد تقول: كان يجب أن نكون صالحين بذواتنا، حسنًا، فما هى علامة هذا الصلاح؟ أيكون المرء فاهمًا ومتيقظًا، أو يكون نائمًا وخاملاً؟ ولماذا؟ سوف تتساءل: لماذا لم يتم تنظيم الأمور بحيث يكون الإنسان صالحًا ويفعل كل شيء دون تعب؟ أنت تقول كلامًا يليق بالبهائم والشرهين، وأولئك الذين إلههم بطنهم. ولكي تعرف مدى غباء هذه الأقوال أجبني عن الآتي: لو افترضنا أن هناك ملكًا يغُطُّ في نوم عميق، بينما هناك جنديٌ يبذل جهدًا ليرفع رايات النصر، فلمَن تظن يُنسب هذا النصر، ومن يجني فرح الانتصار؟

         ألا ترى أن النفس تميل غالبًا إلى ما تبذل من أجله مجهودًا؟ لأجل هذا يخلط الله العمل بالتعب، وهكذا الفضيلة؛ لأنه أراد أن يوطن النفس مع الفضيلة. لهذا نمدح الفضيلة حتى ولو لم نمارسها بعد، ونذم الشر حتى لو كان سبب فرح أو سعادة أرضية ووقتية. وإن كنت تتساءل في حيرة: لماذا لا نمدح الفضيلة الآتية عن ضعف الطبيعة، بينما نُثني على أولئك الفضلاء بالإرادة؟ نقول: إنه يحق علينا أن نفضِّل من يتعب أكثر ممن لا يتعب.

         وقد تسأل: ما الذي يدعونا للتعب الآن؟ أقول إننا إن لم نتعب، سوف نستسلم للخمول. ولو فحص أحد الأمر بدقة لوجد أن الخمول يفسدنا ويتعبنا كثيرًا. ولو أردت أن تتأكد من ذلك، دعنا ندعو إنسانًا لمكان ما نقدم له فيه الطعام بمفرده، ونمده بكل ما تريده بطنه دون توقف، على أن لا يعمل أو يمشي، لكن فقط يأكل وينام ويحيا حياة هانئة دائما، فأي حياة تكون أسوأ من هذه الحياة؟

         لكن عليك أن تفرِّق بين كونك تعمل، وبين أن تتعب، فهذا شيءٌ آخر. لكن، هل هناك عمل دون تعب؟ هل هذا ممكن؟ نعم، هكذا كانت إرادة الله، لكنك رفضت هذه الإرادة. فقد أعدَّك في الفردوس لكي تعمل، وحدد لك ماذا تعمل، وإن كان لم يمزجه بالتعب؛ لأنه لو كان تعب منذ البداية، لَمَا أصبح التعب عقابًا فيما بعد. إذن كان من الممكن أن يعمل الإنسان بدون تعب مثل الملائكة، فالملائكة تعمل أيضًا. اسمع ماذا يقول: ” باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه” (مز103: 20). إن غياب العافية (الذهنية) هو ما يسبب التعب الكثير، لكن فى البداية لم يكن الأمر هكذا. لأن من يأتي إلى راحته “ يستريح من أتعابه” (عب4: 4)، كما استراح الله من أعماله، لأن الله ما يزال يعمل كما يؤكد المسيح      ” أبي يعمل وأنا أعمل” (يو5: 17).

         لذلك أنصحكم طالما تخلصتم من الإهمال واللامبالاة أن تتبعوا الفضيلة فورًا؛ لأن السعادة التي تأتي من الشر لا تدوم كثيرًا، بينما الحزن المتأتي منه يستمر دائمًا. على النقيض من ذلك، فإن الفرح الناتج عن الفضيلة هو فرح أبدي، أما التعب الناشئ عنها فهو وقتي. والفضيلة ترفع فاعلها وتغذيه بالرجاء قبل أن تتوجه، لكن الشر يعاقب فاعله وقبل العقاب يتسبب في قلق الضمير والخوف ويجعل كل شئ أمامه سببًا للتعاسة. وكم هذه الأمور أسوأ من الأتعاب والمشقات؟!.

         إن لم تكن هناك أتعاب ومشقات، فسوف توجد اللذة، ولكن ما أتفهها من لذة؛ لأنها تطير وتذبل وترحل قبل أن تحصل عليها، حتى لو كانت هذه اللذة لذةً جسديةً، أو لذة طول العمر أو لذة المال. إن هذه كلها لا تتوقف عن أن تشيخ وتذبل كل يوم، وعندما يكون هناك جحيم وعقاب، فهل هناك مصير أسوأ من ذلك؟

         فلنضع في اعتبارنا كل هذا، ودعونا نتحمل كل شيء في سبيل الفضيلة؛ لأننا هكذا نستمتع بالفضيلة الحقيقية، بنعمة محبة البشر التي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

 

(عظة 37)

”هذا رآه يسوع … فقال له أتريد أن تبرأ. أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء. بل بينما أنا آتٍ ينزل قدامي آخر. فقال له يسوع  قم. احمل سريرك وأمش”

(يو5: 6ـ8)

 

 

الكتب المقدسة عزاؤنا:

         إن ربحنا من الكتب المقدسة هو ربح عظيم، وفائدتها لنا كبيرة. وهذا ما أراد أن يظهره بولس حين قال: ” لأن كل ما سبق فكُتِبَ، كُتِبَ لأجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاءٌ” (رو5: 1ـ4). فالكتب المقدسة هي كنـز من الأدوية، بحيث لو احتاج أحدٌ أن ينزع الغيرة والحسد، أو أن يخمد الشهوة ويدوس على حب المال ويحتقر الألم، ويهيئ نفسه ويتحلى بالصبر ويتزين بالفرح، فإنه سيجد فى الكتب المقدسة علاجًا عظيمًا لكل هذه.

         لأنه مَنْ من أولئك الذين يصارعون دائمًا مع الفقر، أو مِن أولئك الذين يعانون مرضًا عضالاً لا يأخذ عزاءً كبيرًا من قراءة مقطع الإنجيل المذكور أعلاه؟ لأن هذا المريض ظل ثمان وثلاثون سنةً مشلولاً وكل عام يرى الآخرين يشفون، بينما ما يزال المرض جاثمًا على صدره، لكن بالرغم من كل هذا لم يفقد شجاعته ولم ييأس. ولكن الحزن على ما فات، وغياب الرجاء في المستقبل كان يمكن أن يزعزعانه.

 

ليس لى إنسان:

         إذن اسمع ماذا يقول وتأمَّل حجم مأساته. فعندما سأله المسيح:     “ أتريد أن تبرأ؟”، أجاب: ” يا سيد ليس لي إنسانٌ يلقيني في البِركة متى تحرك الماء“. ما الذي يمكن أن يوجد أسوأ من هذه الأقوال؟ أي مصيبة كبيرة هذه؟ هل رأيت نفسًا سُحقت من المرض الدائم؟ هل رأيت قدرته على كبح جماح الغضب؟ فهو لم يتفوه بأي تجديف من تلك التي نسمعها في مثل هذه الحالات. لم يلعن يومه، لم يسأل سؤالاً لا يليق، ولا قال لقد أتيت لتخدعني وتسخر مني لأنك تسألني هل أريد أن أبرأ؟ لكنه أجاب بهدوء واعتدال عظيم: ” نعم يا سيد” ولم يكن يعرف مَنْ هو الذى كان يسأله، ولا إن كان سوف يشفيه، لكنه يتكلّم بهدوء ولا يطلب شيئًا، كمن يتحدث مع الطبيب ويريد فقط أن يشرح مرضه. لأنه ربما كان يرجو أن يكون المسيح له مفيدًا في هذا، أي أن يلقيه في الماء، وأراد بهذه الأقوال أن يدعوه ليفعل ذلك. ماذا فعل المسيح؟ بما أن المسيح يستطيع دومًا أن يفعل كل شيء بكلمة، قال له: ” قم. احمل سريرك وامشِ” (يو5: 8).

 

بين المخلع والمفلوج:

         كان البعض قد ظن أن هذا المشلول هو نفسه المشلول الذي ذكر في نص متى الإنجيلي[4] لكن ليس هو نفسه. وهذا يبدو من كثير من الأدلة والشواهد:

أولاً: يبدو هذا من عدم وجود من يعتني به، بعكس المفلوج فى إنجيل متى التف حوله كثيرون يعتنون به ونقلوه، بينما هذا ليس له أحد. لذلك قال: ” ليس لي إنسان“.

ثانيًا: يظهر ذلك من الإجابة؛ لأن مفلوج “إنجيل متى” لا يقول شيئًا، لكن المشلول هنا يعرض كل ما عنده.

وثالثًا: يظهر من الزمن (أي زمن تتميم المعجزة)؛ لأن هذا يشفي هنا في يوم عيد، اقصد السبت، بينما الآخر في يوم آخر. كما أن مكان كل منهما مختلف. الواحد شفي في بيت، والآخر بالقرب من البِركة.

         أيضًا طريقة الشفاء مختلفة: لأن المسيح يقول “لمفلوج متى”:      ” يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2). أما هنا فيشفي الجسد أولاً، ومن ثم يعتني بالنفس. ففي الحالة الأولى يعطي الصفح ويقول: “مغفورة لك خطاياك“، أمَّا هنا في هذه الحالة فيعطي نصيحةً وتحذيرًا لكى يؤمِّن المشلول في المستقبل؛ لأن المسيح قال له: ” لا تعد تخطئ لئلا يكون لك أشر“.

 

يسوع يقود إلى الإيمان:

         وقد استتبع ذلك اختلاف اتهامات اليهود؛ ففي هذه الحالة يتهمونه بأنه عمل يوم السبت، بينما في الحالة الأخرى اتهموه بأنه قد جدَّف. لعلك تلاحظ حكمة الله الفائقة، فهو لم يُقِم المشلول مباشرةً، لكن هو تآلف معه بالسؤال أولاً، لكي يفتح له طريقًا للإيمان بعد ذلك، وهو لم يقمه فقط، بل أمره أن يحمل سريره حتى يؤكد حدوث المعجزة، فلا يستطيع أحد أن يشك أنها قد حدثت بالفعل، أو أنها نتاج خيال وضلال؛ لأنه لو أن أعضاء الجسد لم تكتسب الثبات والقوة ما كان المشلول قد استطاع أن يحمل السرير.

         مرات كثيرة يفعل المسيح ذلك لكي يسد أفواه هؤلاء الذين يريدون أن يشوهونه بأقوالٍ سيئةٍ.ففي معجزة الخبزات، حَرِصَ على أن يجمعوا الفائض الكثير من الخبز، حتى لا يقول أحد إنَّ الناس شبعوا، لأنهم تخيّلوا ذلك.

         وقال للأبرص الذي طهَّره: ” اذهب أرِ نفسك للكاهن” (مت8: 4) لكي يجعل برهان الشفاء واضحًا وثابتًا لكي يغلق أفواه الوقحين الذين يزعمون أنه يعمل ضد وصايا الله. وقد فعل نفس الأمر أيضًا عندما حوَّل الماء إلى خمر؛ لأنه لم يُظهر فقط الخمر، لكن حَرِصَ على أن يعطيه لرئيس المتكأ حتى يعترف ذاك أنه لم يكن يعرف ما كان قد حدث، حتى يعطي شهادته دون أية شبهة أو تشكيك، لذلك قال الإنجيلي، إن رئيس المتكأ لم يعرف من أين جاء هذا الخمر موضحًا بهذه الطريقة صدق شهادته. وفي حالة أخرى، حيث أقام (ابنة يايرس)، قال أعطوها لتأكل (لو8: 55)، لكي يعطي دليلاً غير قابلٍ للشك أنها قامت. لقد حاول أن يقنع هؤلاء الأغبياء أنه لم يكن مضلاً، أو مجرد صانع للمعجزات مثل السابقين، لكنه أتى لخلاص كل البشر.

         لكن لماذا لم يطلب إيمانًا من المشلول كما فعل مع الأعميان الذين قال لهما: ” أتؤمنان أني أقدر أن أفعل هذا؟” (مت9: 28). لأن المشلول لم يكن يعرف أبدًا أنه هو المسيح. إضافةً إلى أن الرب اعتاد أن يفعل ذلك بعد المعجزات لا قبلها. لأن أولئك الذين رأوا قوته في حالات أخرى، كانوا قد سمعوه قبل المعجزات. أما الذين لم يعرفوه أبدًا، لكن كان لهم أن يتعلموا من معجزاته، هؤلاء دُعوا إلى الإيمان بعد المعجزات. لذلك لم يذكر متى الإنجيلي أن المسيحَ قال هذه الأقوال في بداية المعجزات، لكن شفى كثيرين أولاً، ثم قال هذا للأعميين.

         لكن لعلك تلاحظ إيمان هذا المشلول. لأنه عندما سمع: احمل سريرك وامشِ، لم يسخر، ولا قال ما هذا الذي تقوله؟ عندما ينزل ملاك ويحرِّك الماء ويشفى واحد فقط، وتجيء أنت، وأنت إنسانٌ تظن أنك تستطيع أن تنجز شيئًا أكثر مما يفعله الملاك، بمجرد كلمة منك؟ لم يقل أي قول من هذه الأقوال السخيفة التي تستحق السخرية. بل ولم يطرأ شيء من ذلك على فكره، بل أطاع مباشرةً وقام. وإذ صار معافى أطاع أمر السيد: ” فحالاً برئ الإنسان وحمل سريره ومشى” (يو5: 9).

 

شهادة حية:

         إن هذا الأمر لجديرٌ بالإعجاب، لكن ما هو أكثر جدارة، ما قد تم بعد ذلك.

على أن الأمر لم يكن يستحق هذا القدر من الإعجاب ـ غالبًا ـ لو كان المشلول في البداية ـ على الأقل ـ آمن بالمسيح دون أن يزعجه أحدٌ. لكنى اعتقد أنه أظهر شجاعةً عظيمةً، إذ بعد المعجزة، بينما هاجمه اليهود وأهانوه، واتهموه وحاصروه قائلين: ” لا يحل لك أن تحمل سريرك“، عندئذٍ لم يحتقر جنونهم فقط، لكن بشجاعة عظيمةٍ وفي وسط مسرح الأحداث أعلن شفاءه على رؤؤس الأشهاد وأخرس ألسنتهم الوقحة، الأمر الذي بحسب رأيي يظهر رجولةً وشجاعةً عظيمةً.

         عندما اجتمع اليهود وقالوا للمشلول بوقاحة: ” إنه سبت، لا يحل لك أن تحمل سريرك“، اسمع ماذا أجاب: ” الذي أبرأني هو قال لي احمل سريرك وامشِ“، وكأن لسان حاله يقول لهم أنتم تثرثرون بحماقة عندما تأمروني أن لا أقدِّر مَن أنقذني من مرضي المزمن، وتريدون أن لا أطيع وصاياه. في الوقت الذي كان يمكنه أن يسيء التصرف، ويعبّر عن الأمر بطريقة مختلفة، كأن يقول: لم أفعل هذا بإرادتي، لكن أمرني آخر. إن كان هذا (حمل السرير) خطية، فأدينوا هذا الذي أمرني ألاَّ أترك سريري مكانه. فهو يعرف جيدًا أن اليهود لا يفعلون شيئًا فيه نقض للسبت، حتى وإن كان ذلك للشفاء من المرض.

         ولكنه لم يُخفِ شفاءه، ولا نطق بمثل تلك الأقوال التي أشرنا إليها، ولا طلب صفحًا، لكن بصوت عالٍ اعترف وأعلن شفاءه. هذا ما فعله المشلول. على الجانب الآخر، لاحظ مقدار الكفر الذي تصرف به اليهود؛ لأنهم لم يسألوه مَن هو الذى شفاك، بل صمتوا بشأن هذا الأمر، لكن أحضروا بجرأة كبيرة المخالفة الظاهرة (جسم الجريمة) في الوسط للتشنيع والاصطياد في الماء العكر وسألوه: “مَنْ هو الإنسان الذي قال لك احمل سريرك وأمشِ. أمَّا الذي شفي فلم يعرف من هو. لأن يسوع اعتزل، إذ كان في الموضع جمع” (يو5: 12ـ13).

         لماذا اختفى المسيح؟ أولاً حتى لا يكون هناك أى شبهة من جهة حدوث المعجزة؛ لأن المشلول طالما شعر بأنه قد استعاد عافيته، كان شاهدًا حسنًا لقوة المخلص. وحتى لا تشتعل في نفوس اليهود أحقاد كبيرة؛ لأنه كان يعرف أن حضور هذا الرجل الذي شُفي يسبب حقدًا، وشرارة غضبٍ كبيرة في نفوس الحاقدين. لذلك اختفى عنهم لكي يترك عمله المعجزي (المشلول المعافى) يصارعهم، فلا يكتفي في نفسه بما حدث، بل يتناقش الذي شُفي مع مَنْ يشتكون عليه ويتهمونه.

 

شهادة الأعداء:

         ويجب أن نلاحظ أيضًا أن الذين يشتكون عليه يعطون شهادةً للمعجزة. لأنهم لم يقولوا له لماذا تقصد أن يصير هذا يوم السبت، لكنهم قالوا لماذا فعلت كل هذا في يوم السبت. ليس لأن الأمر يتعلق بالمخالفة، لكن لأنهم يحسدونه من أجل خلاص المشلول. إن ما فعله المسيح كان فقط مجرد قول. وهو بهذا يأمر بإبطال السبت. لكن في حالة أخرى يقوم هو بنفسه بهذا العمل، حيث صنع من التفل طينًا ووضعه على العينين. وهو بهذا لم يخالف الناموس، بل تخطى الناموس، لكننا سنتكلم عن هذه الأمور فيما بعد. لكن يجب أن نلاحظ بدقة أنه لا يدافع بنفس الأقوال عندما يتهم بكسر السبت.

         ليتنا نرى ما تنطوي عليه الكراهية من شر رهيب، وكيف أنها تعمي أعين نفس مَن يمقت وتدمره؛ لأنه كما يحدث في كثير من المرات يوجه المهوسون سيفهم ضد ذواتهم، هكذا الكارهون فإنهم  يهدفون إلى إبادة أولئك الذين يكرهونهم، ويتصرفون نحوهم بطريقة غير عاقلة، هؤلاء هم أكثر سوءًا من الوحوش؛ لأن الوحوش تهاجمنا بسبب احتياجها للطعام، أو لأننا سبقنا وتسببنا في هياجهم، لكن هؤلاء، بالرغم من إحساناتنا نحوهم، إلاَّ أنهم يعتبروننا أعداء.

         إذن هؤلاء هم أسوء من الوحوش، هم أشبه بالشياطين، وربما أسوء منهم . لأن الشياطين، وإن كانت عداوتهم ضدنا شديدة، لكن لا يتآمرون بنفس طريقتهم. وعندما قال المسيح إن كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب، فقد سد بهذه الأقوال أفواه اليهود عندما زعموا أنه بقوة بعلزبول يُخرج الشياطين. لكن هؤلاء لا يحترمون السير الطبيعي للأمور، ولا يأسفون على ذواتهم؛ لأنهم بسبب البغضة يُؤذون أنفسهم؛ لأنهم ممتلئون من كل تشويش وضيق.

 

احذروا من خطية الكراهية:

         لماذا تغتم أيها الإنسان بسبب خيرات قريبك؟ إن ما يجب أن تغتم لأجله هو الشرور التي نعاني منها، وليس لأننا نرى الآخرين يعيشون في سعادة. لذلك، لا مغفرة لهذه لخطية. لأن الزاني تحركه شهوته، والسارق يدفعه الفقر، والقاتل يحرضه الغضب. وإن كان هؤلاء عديمي الإحساس وفاقدي العقل، إلاَّ أنهم يقدمون بعض المبرارات لما يفعلونه، أمَّا أنت، فأيُ مبررٍ تقدم؟ لا يوجد أي مبرر على الإطلاق إلاَّ الخبث الشديد. لأننا إن كنا قد أُمرنا أن نحب أعدائنا، فعندما نكره من يحبوننا، فأي عقاب نستحقه؟ وإن كان من يحب أصدقاءه فقط لا يختلف عن عابدي الأصنام، فمن يؤذي هؤلاء الذين لم يدينوه أي غفران يناله؟ أي عزاء؟ اسمع ماذا قال بولس:    ” وإن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى احترق، ولكن ليس لي محبة فلا انتفع شيئًا” (1كو13: 3). إذن، يتضح لنا تمامًا أنه حيث يوجد حسد وكراهية، فإن المحبة تختفي تمامًا. إن خطية الكراهية أسوء من الزنا والدعارة؛ لأن هذه الخطية (أى الزنا) تخص الشخص المصاب بها، لكن سطوة الكراهية تهيِّج كل الكنيسة وتؤذي كل المسكونة. إنها أُم القتل. هكذا قتل قايين أخيه، وأفسدت علاقة عيسو مع يعقوب، وأخوة يوسف مع يوسف والشيطان مع البشر.

         وإن كنت الآن لم تقتل، إلاَّ أنك تفعل أمورًا أخرى أسوأ من القتل، فطالما تتمنى أن تشوه أخيك فتنصب له شباكًا، وطالما تشرع في أعمال مشبوهة ضد الفضيلة، وطالما تغتم بكل ما يسر رب المسكونة، فأنت بالتالي لا تحارب من شُفى، بل من شَفىَ. وتحط من كرامتك بالإساءة إلى كرامته. والأسوأ من كل ذلك هو أنك تعتبر خطيتك صغيرة، بينما هي أثقل من الكل. لأنه بالرغم من أنك تفعل الإحسان وتسهر وتصوم إلاَّ أنك أكثر جرمًا من الكل لأنك تحقد على أخيك. وهذا يظهر من الآتي: في مرة زنى شخص في كورنثوس، لكنه عندما أُدين صار عفيفًا، لكن قايين حقد على أخيه، ولم يُشفَ من الحقد، وبالرغم من أن الله ذكَّره بالجرح، إلاَّ أنه تألم وغضب أكثر، وجهز لجريمة القتل.

         هذا إذن هو خطر الكراهية الذي هو أثقل من الخطأ السابق (الزنا)، وهو داء لا يستجيب بسهولة للعلاج إن لم ننتبه.

         دعونا إذن أن نقلع هذا الخطأ من جذوره واضعين في حسابنا أننا نخطئ إلى الله عندما نحترق من الكراهية لأجل خيرات الآخرين. هكذا نصير مقبولين عنده حين نفرح ونشترك مع ذاك الذي نال الصالحات باستقامة. لذلك ينصح بولس قائلاً: ” فرحًا مع الفرحين، وبكاءً مع الباكين” (رو12: 15)، لكي نستمتع بفائدة عظيمة.

         إذن، طالما ندرك أننا وإن كنا لم نتعب، لكن عندما نفرح مع ذاك الذي يتعب ونتقاسم معه الأكاليل دعونا نطرد أي كراهية، ودعونا نزرع في نفوسنا المحبة حيث نتهلل ونفرح من أجل مسرات أخوتنا لكي ننال الخيرات الحاضرة والمستقبلة بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان إلى أبد الآبدين آمين.

 

(عظة 38)

”بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر”

(يو5: 14)

 

الخطية مصدر الأمراض:

         لا شك أن الخطية أمرٌ فظيع، فظيعٌ للنفس. وعندما يطفح الشر، كثيرًا ما يؤثر على الأجساد. وعندما تمرض النفس، قد لا نتألم جسديًا، لكن عندما يعاني الجسد ضررًا، وإن كان صغيرًا، نبذل كل مجهود ممكن لكي نتخلص من هذا الضرر، لذلك في مرات كثيرة قد يعاقب الله الجسد لأجل خطايا النفس، حتى يشفى الكبير بعقاب الصغير. بهذه الطريقة شفى بولس زاني كورنثوس، فقد أهلك الجسد لكي ما يشفى  مرض النفس؛ لأنه أوقف الشر بجرح الجسد، مثل الطبيب الممتاز عندما يمرض المرء بالاستسقاء أو بالطحال ولا تجدي الأدوية الداخلية (التي تعطى داخل الجسم)، فإنه يلجأ للكي من الخارج.

         هذا هو ما فعله المسيح مع المشلول. ولعلك تلاحظ ماذا قال له؟   ” ها أنت قد برئت. فلا تخطئ لئلا يكون لك أشر“. ماذا نتعلم من هذه الأقوال؟

أولاً: إن مرض المشلول كان نتيجة خطيئته.

ثانيًا: حقيقة الحديث عن جهنم.

ثالثًا: ديمومة العقاب وطول مداه الزمني. فأين هم الذين يزعمون قائلين: ألأجل ساعة قتلت فيها، وفي أقل زمن ارتكبت الزنا أعاقب عقابًا أبديًا؟ وهذا المشلول لم يخطئ لفترة سنين كثيرة، لكنه قضى كل حياته في عقاب طويل. لأن الخطايا لا تُصنَّف من قِبل الله على أساس الفترة الزمنية، لكن وفق طبيعة الجرائم نفسها.

 

نحن نجلب على أنفسنا العقاب:

         بالإضافة إلى هذا، ينبغي أن نلاحظ أنه وإن كنا خاضعين لعقاب ثقيل لأجل خطايا سابقة، إلاّ أننا لا نزال نفعل الخطايا نفسها، فإننا بذلك سنعاني ما هو أكثر سوءًا. وهذا حق؛ لأن ذاك الذي لم يصر إلى حال أفضل بالعقاب، يجلب على نفسه عقابًا أعظم كإنسان عديم الشعور وفاسد. لأن العقاب يكفى أن يحجِّم من أخطأ مرةً واحدة فيصير أكثر تهذيبًا. لكن، مَنْ فُرِض عليه عقاب أولى، ورغم هذا لم يثب إلى رشده، بل تواقح للدرجة التي معها يرتكب نفس الخطايا، فإن عقاب هذا الإنسان يكون عادلاً، طالما هو نفسه يجلب على نفسه العقاب[5]. ولو سقطنا أيضًا في ذات الخطايا التي عوقبنا من أجلها، نعاقب بعقاب أثقل. وعندما لا نعاقب هنا من أجل خطايا ارتكبناها، كيف لا نخاف ونرتعب مما سوف نواجهه هناك من عقوبات لا حصر لها؟!!.

         وقد تسألني عن السبب في أن الكل لا يعاقبون بطريقة واحدة؟ لأننا نرى كثيرين من الملحدين أصحاء جسديًا وممتلئين حيويةً ويرفلون في رفاهية عظيمة؟ لكن وإن كنا لسنا على يقين من أنهم كذلك، فليتنا نبكي عليهم بالأكثر؛ لأن كونهم لا يعانون شيئًا في هذه الحياة، يكونون بمثابة وقود لعقابهم الأعظم في الحياة الآتية[6]. وقد شرح القديس بولس هذا حين قال: ” ولكن إذ قد حُكِمَ علينا نُؤدَّب من الرب لكي لا ندان مع العالم” (1كو11: 32)؛ لأننا هنا قد نتقبل النصائح، أمَّا هناك فلا يوجد غير العقاب.

         إذن ماذا يحدث؟ وسوف تسأل: هل كل الأمراض تأتي من الخطايا؟ ليس كلها بالتأكيد، لكن أغلبها يأتي من الخطايا. لأن النهم والسكر والخمول (البطالة) توَّلد هذه الأمراض. إذن، ففي كل حالة خاطئة يجب البحث عن مرض من الأمراض، هكذا نعاني كل صعوبة نتيجة سعادة وقتية، فبسبب الخطايا تصير كل النكبات (الآلام) لأننا نرى في كتب الملوك أن واحدًا من الملوك (آسا ملك يهوذا) عانى مرضًا في رجليه (1مل15: 23). إن هذا الأمور كلها تحدث لكي نكون أكثر تقوى مثلما قال الله لأيوب (انظر أيوب40).

         لكن لماذا أعلن المسيح عن خطايا هذين المشلولين؟ حيث قال للمشلول الذي ذكره القديس متى: ” ثق يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2). وفي حالة هذا المشلول يقول له: “ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر“(يو5: 14)؟ أعرف أن البعض يعتقدون أن هذا المشلول ارتكب جريمةً ما؛ لأنه صار متهمًا في مواجهة المسيح، ولهذا سَمِعَ المسيح يوجه له هذه الأقوال. لكن ماذا نقول عن المفلوج الذي ذكره متى الإنجيلي الذي سمع تقريبًا نفس الأقوال؟ لكن بما أن المسيح قال له: “مغفورة لك خطاياك“، فالواضح أنه لم يسمع هذه الأقوال لنفس السبب. وهذا يمكن أن نتبينه بسهولة؛ لأن الإنجيلي يوحنا يقول: “بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل“، الأمر الذي يبرهن على تقوى عظيمة. فهو لم يذهب إلى الأسواق أو إلى النزهات، ولا استسلم للراحة والتنعم، لكن قضى وقته في الهيكل. وبالرغم من أنه تعرض للهجوم وللطرد من الهيكل، إلاَّ أن شيئًا من ذلك لم يجعله يبتعد عن الهيكل. وعندما قابله المسيح، بعد مناقشته مع اليهود، فإن شيئًا من ذلك لم يؤثر فيه. لأنه لو أراد (المسيح) أن يدينه، لكان في استطاعته أن يقول له: أتفعل نفس الأشياء ثانيةً؟ ألم تصِر أفضل حتى بالشفاء؟ لكن لم يقل له شيئًا من هذا، لكن نبهه إلى أن يكون متيقظًا للمستقبل.

         إذن، لماذا لم يقل لكل المفلوجين والمشلولين الذين شفاهم مثل ما قاله لهذين؟ أنا أعتقد أن الخطايا هي السبب الرئيسي لمرض الاثنين، أما الآخرون فبسبب ضعفهم الجسدى. وأعتقد أيضًا أن المسيح قال لهؤلاء ما قاله لهذين. لأنه كان يشفي الأمراض الصغيرة من خلال شفائه للأمراض الكبيرة أى الروحية، لأن هذه الأمراض كانت دائمًا أثقل، فطالما شفى المرء، ينصحه لكي يمجد الله، ولذلك فهو لم يعطِ هذه النصيحة لواحد فقط، بل للجميع. هكذا ـ من خلال هذين المريضين ـ يثير انتباه الجميع ويرشدهم بنفس الأقوال التي قالها لهما. ويمكننا أن نقول أنه كان قد استشف ما تنطوي عليه نفس المشلول من احتمال وصبر، ومدى قابليته لتقبُّل الوصية، لذلك نصحه وضبطه بإحسانه أى بنعمة الشفاء ولأجل صحته حذره من الشرور الآتية.

 

نصيحة ثمينة:

         ولعلك تلاحظ غياب التفاخر والتباهي؛ فهو لم يقل له (أرأيت أنني جعلتك معافىً)، بل قال له: ” ها قد برئت فلا تعد تخطئ“، وكذلك لم يقل له “لئلا أعاقبك”، بل ” لئلا يكون لك أشر“، هذين التعبيرين يدلان على أن العافية كانت نتيجة عمل النعمة، وليس لأنه مستحق الشفاء؛ لأنه لم يقل إن المشلول كان جديرًا بأن يتحرر من العقاب، لكنه شُفي بإحسان الله محب البشر. لأن الأمر لو كان على خلاف ذلك لكان قد قال له: هل رأيت الآن أنك قد عُوقبت عقابًا كافيًا لأجل خطيئتك، عليك أن تنتبه من الآن فصاعدًا. ولكنه لم يقل له هذا، لكن: “ها قد برئت فلا تخطئ أيضًا“.

         ليتنا نكرر هذه الأقوال على أنفسنا، وإن تحررنا من العقاب، فعلى كل واحد أن يقول لنفسه: ” ها قد برئت فلا تخطئ أيضًا“. أمَّا إن كنا لم نُعاقَب بعد، فلنُبقِ على نفس الأقوال أيضًا، وتعالوا نردد أقوال الرسول: “أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة. ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذَّخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة” (رو2: 4ـ5).

         ولعلك تلاحظ أيضًا أن المسيح لم يعطِ المشلولَ برهانًا على إلوهيته فقط بشفاء جسده، بل بطريقة أخرى. فبقوله: ” لا تخطئ أيضًا” يبرهن على أنه يعرف كل الخطايا السابقة التي اقترفها، وبالتالي يكون جديرًا فيما يخص الأمور المقبلة.

 

الاعتراف بالجميل:

         ” فمضى الإنسان وأخبر اليهود إن يسوع هو الذي أبرأه” (يو5: 15). وهنا نراه مصممًا على إعلان اعترافه بالجميل؛ لأنه لم يقل إن المسيح أمره: ” احمل سريرك“؛ فقد أثار اليهود ـ بحسب رأيهم ـ دائمًا هذا الاتهام، ولكن المشلول كان دائمًا ما يصر على نفس الدفاع، حتى يمجِّد الطبيب ويمهد لدعوة الآخرين ليتعرَّفوا على المسيح. فلم يكن عديم الإحساس، حتى أنه بعد فعل الإحسان هذا وما أسداه إليه من نُصحٍ، يخون من أحسن إليه، ويقول عنه كلامًا سيئًا. فحتى لو كان وحشًا، وإن كان مجردًا من الإنسانية أو كان قد صُنع من حجرٍ، فالإحسان والخوف كانا قادرين على ضبطه، لأن تهديدًا كان قد وصل إلى مسامعه، فخاف أن يكون له أشر؛ خصوصًا وقد حصل على برهان عظيم عن قوة الطبيب، هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى، لو كان قد أراد أن يشي به، لكان في استطاعته أن يتغاضى عن عافيته، فيؤكد لليهود أن المسيح خالف الوصية فيتهمونه بكسر السبت، لكنه لم يفعل ذلك. بل على النقيض، فقد تحدَّث بجرأة كبيرة، وعرفان بالجميل، ومجَّد من شفاه وأحسن إليه إحسانًا ليس بأقل من الذى ناله المولود أعمى.

         لأن المولود أعمى قال: ” صنع من التفل طينًا وطلى بالطين عينيَّ” (يو9: 6). كذلك قال المشلول: ” فمضى ذلك الإنسان وأخبر اليهود إن يسوع هو الذي أبرأه” (يو5: 15). “ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في سبتٍ“.

 

المساواة بين الآب والابن:

         بماذا أجاب المسيح؟: ” أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل“. وعندما دافع عن تلاميذه وضرب لهم مثال داوود وقال: ” أما قرأتم ما فعله داوود حين جاع هو والذين معه؟” (مت12: 3). إذن، عندما أراد أن يتكلم عن نفسه لجأ إلى الآب لكي يبرهن على أن له نفس كرامة الآب، فهو يذكره بقوله “أبى”، من ناحية. ومن ناحية أخرى، هو يعمل نفس الأعمال معه.

         ولماذا لم يذكر لهم المسيح ما صار في أريحا (لو1:19ـ10)[7]، لقد أراد أن يفصلهم عن الأرض والفكر الأرضى حتى لا يروا فيه مجرد إنسان، بل إلهًا ومشِّرعًا حين قال ” أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل“. لأنه، لو لم يكن ابنًا حقيقيًا وليس من ذات جوهر الآب، لكان الدفاع أقل من أن يرد الاتهام. فإنه لو خالف أحد الرؤساء القانون الملكي مستندًا على أن الملك نفسه يخالف القانون، لما استطاع أن يخلص نفسه، بل يزيد ذلك من صعوبة موقفه.

                 لكن، إذا كانت الكرامة متساوية، عندئذٍ يكون هذا الدفاع متفقًا وحكم القانون. فالمسيح يريد أن يقول إن الله برئ من كل ما تقولونه، وأنا أيضًا كذلك. لذلك، كلمهم منذ البداية عن “أبيه” مريدًا أن يقنعهم بذلك لكى يتفهموا موقفه بشفاء المريض (يوم السبت) ويحترموا معرفته الحقيقية للآب.

         وإذا سأله أحدٌ أين هو عمل الآب طالما أنه استراح في اليوم السابع من كل أعماله؟ فليته يعلم كيف يعمل. وما هي طريقة عمله؟ إنه يحفظ خليقته ويعتنى بها على الدوام. فعندما ترى الشمس تُشرق، والقمر يسطع، عندما ترى المواني، والينابيع، والأنهار، والمطر، وعندما ترى بصمة الطبيعة سواء على أجسادنا، أو على أجسام الحيوانات غير العاقلة، وكل الأمور الأخرى التي يتكون منها الكون، عندئذٍ تدرك عمل الآب الدائم. لأن الإنجيلي يقول: ” فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين” (مت5: 45)، ثم يستمر قائلاً: ” فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدًا في التنور يُلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جدًا يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان” (مت6: 30)، وعن العصافير يقول: ” أبوكم السماوي يقوتها” (مت6: 26).

         هنا صنع المسيح المعجزة في يوم السبت، ولم يضِّف شيئًا. لكن ما حدث في الهيكل بعد ذلك، وما فعله اليهود، يدفع الاتهام، ليس بالنسبة لِما أمر أن يكون من عمل، مثل أن يرفع المشلول سريره، فإن ذلك لم يكن أمرًا على درجة كبيرة من الأهمية في حد ذاته، لكن بالنسبة لمَن أشار بوضوح إلى مخالفة السبت، يتوسع المسيح في كلامه بالأكثر؛ لأنه أراد أن يفاجئهم بكل ما قاله عن مساواته بالآب، ويرفعهم إلى أعلى. لذلك، عندما كان الحديث يدور حول السبت، لم يكن يدافع بصفته إلهًا فقط، أو كإنسان فقط كان يتكلم، لكنه كان يتكلم بأيٍ من الطريقتين بحسب الأحوال؛ لأنه أراد أن يؤمنوا بالاثنين: أي الولادة بالجسد، والمساواة في الإلوهية. لذلك يمكننا أن نؤكد أن حديثه هنا كان كإله.

         لأنه لو أراد أن يتحدث إليهم دائمًا باعتباره إنسانًا، لاستمر على هذه الحال. ولهذا ذكر الآب لكى يوضح بنوته للآب. ولكن بما أن الخليقة نفسها تستمر في العمل يوم السبت، حيث ترسم الشمس مسارها، والأنهار تخط طريقها، والينابيع تتدفق، والنساء تلد، ولكي تعلم أن عطلة السبت لا علاقة لها بالخليقة، لم يقل نعم أنا أعمل، لكنه قال أنا أعمل لأن أبي يعمل، ” فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه؛ لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله” وقد برهن على ذلك ليس فقط بالأقوال، لكن بالأكثر جدًا بالأعمال. إذن لماذا طلب اليهود أن يقتلوه؟ لأنه لو برهن بالأقوال فقط لكانوا قد اكتفوا بأن يستهزئوا به ويتهمونه، ولكن لأنهم رأوا إن الأقوال تتفق مع الأعمال، لم يستطيعوا أن يواجهوه.

         وإن كان أولئك الذين لم يريدوا أن يقبلوا كل هذا ـ من باب التقوى[8] ـ يزعمون إن المسيح لم يجعل نفسه مساويًا لله، لكن اليهود هم من ادعى عليه هذا الادعاء.

         إلاَّ أن ملخَّص ما قلناه يرد على هؤلاء. اخبرني: هل أدانه اليهود أم لم يدينوه؟ الواضح للكل أنهم أدانوه. بل وقد أدانوه لأجل هذا السبب بالتحديد كما أقرَّ بذلك الجميع. هل أبطل السبت أم لم يبطله؟ إن أحدًا لا يستطيع أن يعترض على هذا الاتهام. ألم يقل إن الله أبوه؟ وهذا أيضًا صحيح، لقد قال إن الله أبوه. إن تجميع حلقات هذه السلسلة يؤدي بنا إلى النتيجة التالية: بما أنه قال إن الله أبوه، وإنه أبطل السبت بالفعل، وقد أدانه اليهود على كلا الاتهامين، إذن فهم لم يدَّعوا عليه كذبًا، لكن ما اتهموه به كان حقيقةً واقعةً، لأنه إذا كان قد جعل نفسه مساويًا لله، فقد كان ذلك إعلانًا عن ذاته.

         من كل ما سبق يمكن للمرء أن يتأكد من مساواته لله بوضوح. لأن تعبير المسيح ” أبي يعمل وأنا أعمل” يعني أنه جعل نفسه مساويًا لله، ولا يمكن لأحد أن يختلف على ذلك، فهو لم يقل: ذاك يعمل وأنا اخدمه، لكن قال: كما يعمل ذاك، هكذا أعمل أنا، وأظهر بالفعل مساواةً تامةً. وإذا لم يكن المسيح قد أراد بالفعل أن يُظهر ذلك، لكان عبثًا ما يدعيه عليه اليهود، وما كان المسيح ليتركهم يرون فيه رأيًا خاطئًا، بل كان سيصحح لهم هذا الرأي. بل وما كان يوحنا الإنجيلي قد صَمَت، بل لقال بوضوح إن اليهود قد اشتكوا عليه أنه جعل نفسه مساويًا لله.

         وقد حدث ذلك عدة مرات، عندما كان المسيح يتكلم عن أمرٍ ما، في الوقت الذي كان فيه اليهود يفهمون أمرًا آخر. وعلى سبيل المثال: عندما كان يتكلم عن جسده، قال: ” انقضوا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيام“، أمَّا اليهود فلم يفهموا ماذا يقصد بقوله هذا، فقد ظنوا أنه يقول عن مبنى الهيكل اليهودي، فأجابوه: ” في ست وأربعين سنة بُني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده” (يو2: 20ـ21). واضح لنا هنا أن المسيح بينما هو يتكلم عن أمرٍ ما، فهم اليهود أمرًا آخر، فبينما كان المسيح يكلمهم عن جسده، ظنوا هم أنه يتحدث عن هيكلهم. فهل صَمَت الإنجيلي أم بالأحرى صحح رأيهم؟ لقد صحح لهم ما فهموه عندما أضاف: “ أما هو فكان يتكلم عن هيكل جسده“. إذن، فبالرغم من أن المسيح ـ في هذه الحالة ـ لم يكن يتكلم عن مساواته لله، ولا أراد أن يعرض لهذا الأمر، لم يتركهم الإنجيلي في خطئهم، بل صحح لهم رأيهم.

         ولم يقتصر هذا الأمر على يوحنا الإنجيلي، لأن إنجيليًا آخر صنع نفس الأمر في حالة أخرى. فعندما أوصى المسيح تلاميذه قائلاً:     ” انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين” (مت16: 6)، لم يكن يتكلم عن أن التلاميذ لم يأخذوا خبزًا، وإنما دعا تعليم الفريسيين والصدوقيين خميرًا. ولكن التلاميذ فهموا شيئًا آخر، فقد ظنوا أنه يتكلم عن خبز الأكل. هنا، ليس الإنجيلي، بل المسيح نفسه هو من صحح لهم الأمر قائلاً: ” كيف لا تفهمون إني ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين حينئذ فهموا انه لم يقل أن يتحرزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيين والصدوقيين” (مت16: 11ـ12).

         هنا أيضًا تم التصحيح، رغم أن المسيح لم يتكلم عن مساواته لله بل عن موضوع آخر.

 

 

ليت الرب يبارك حياتنا بصلوات القديس يوحنا ذهبى الفم،

ولإلهنا المجد والكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] يقصد الفقير من إخوة الرب.

[3] ” لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أُمهاتهم. ويوجد خصيان خصاهم الناس. ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات” (مت12:19).

[4] يقصد القديس يوحنا ذهبي الفم معجزة شفاء المفلوج الذي دلاه أصدقاؤه من فتحة السقف (انظر مت9).

[5] “أنا اختطفت لى قضية الموت” (القداس الغريغورى).

[6] مثلما يقول الكتاب: ” أفرزهم كغنم للذبح” (انظر إر3:12).

[7] ربما عندما تذمر الجميع أن يسوع دخل بيت زكا العشار، وقال لهم المسيح: ” أن ابن الإنسان قد جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك“.

[8] ذهبي الفم يقصد ـ طبعاً ـ التقوى الزائفة.

 

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

بالحقيقة قام

(عظة 85 على يو1:20ـ 9)

   ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باقٍ فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر ” (يو1:20).

 

إنفتح القبر بعد القيامة*:

   قام المسيح، والقبر مغلق بالحجر والأختام عليه، ولكي يعرف الآخرون بقيامته، انفتح القبر بعد القيامة، وهكذا تأكد الحدث. لقد تأثرت مريم مثلها مثل الآخرين بموت المسيح، لأنها كانت تحب المعلم حبًا شديدًا وانقضى السبت ولم تستطع أن تهدأ فأتت إلى القبر باكرًا لعلها تجد أي عزاء من وجودها في المكان الذي دُفِن فيه المسيح. وعندما رأت مكان القبر والحجر مرفوعًا، لم تدخل ولا مالت لتنظر، لكن أسرعت إلى التلاميذ مدفوعة بمحبتها الكبيرة للرب، لأن ما كان يشغلها هو أن تعلم ما الذي صار للجسد حيث هذا ما كانت تهدف إليه فأسرعت إلى تلاميذه قائلة ” أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه” هل رأيت كيف أنها ما زالت ليس لديها معرفة واضحة عن قيامته، لكنها ظنت أن جسده نُقِلَ ووُضِع في مكان آخر. ويوحنا الإنجيلي ذكر هذه الواقعة لكي لا يحرم المرأة من أن يُثني عليها من كل قارئ للإنجيل، لذا لم يعتبر أنه من العار أن يعلم التلاميذ عن قيامة الرب، منها. إذ كانت مستيقظة ورأت الأحداث قبلهم، إن محبة يوحنا للحقيقة تسطع دائمًا.

 

“الأكفان موضوعة”:

   أتت مريم وقالت هذه الأمور للتلاميذ وبمجرد أن سمعوا هذه الأخبار، ذهبوا بسرعة شديدة إلى القبر ورأوا: “الأكفان موضوعة”، الأمر الذي كان دليلاً على قيامته، لأنه لم يكن في استطاعة أي أشخاص أن يفعلوا هذا الأمر ثم يأخذوا الجسد، أي أن يجردوا الجسد من الأكفان. ولا يمكن للسارقين أن ينزعوا منديل الرأس ويفكوا الأكفان ويأخذوا الجسد ويخفونه في “مكان ما”، لكن ما الذي كان ممكنًا أن يفعلوه؟ كانوا سيأخذون الجسد كما هو بالأكفان. قد سبق يوحنا وقال أنه كُفن بسكب كثير من المُر والذي يُلصِق ـ ليس أقل من الرصاص ـ الأكفان مع الجسد، لذا عندما تسمع أن المنديل الذي كان حول الرأس كان موجودًا هناك بعيدًا عن الجسد، فإنك لا تطيق الكلام الذي يقول إنه سُرق، لأن ذلك السارق يكون في غاية الغباء لدرجة أنه يهتم اهتمامًا شديدًا بشيء نافل جدًا. لأنه لماذا يترك المنديل الذي كان حول الرأس؟ كيف لا ينتبه الحُراس لهذا العمل؟ فك الأكفان عن الجسد يحتاج إلى وقت طويل، ويكون السارق معرضًا لخطر ضبطه وهو يسرق، فالتأخير ليس في صالح السارق.

 

   ولماذا وُجدت الأكفان بمفردها “والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده“؟ لكي تعلم أن هذا العمل ليس من فعل أُناس في حالة استعجال، ويستولي عليهم الإضطراب ويضعون منديل الرأس منفصلاً (بمفرده) والأكفان بمفردها. وبسبب هذا الأمر آمن التلاميذ بالقيامة. لذلك بعد أن حدثت هذه الأمور ظهر لهم المسيح، عندئذ تأكدوا بأعينهم أنه قام.

 

بطرس ويوحنا يتحققان من قيامة الرب:

   لاحظ هنا وداعة الإنجيلي، كيف ينسب إلى بطرس دقة البحث. لأنه بالرغم من أنه وصل قبل بطرس ورأى الأكفان موضوعة هناك، لم يشغل نفسه أكثر من هذا لكن توقف هناك، أما ذاك المشتعل حماسًا دائمًا، بطرس فدخل إلى داخل القبر وفحص الكل بالتفصيل ورأى أمورًا أكثر، وبعد ذلك دخل يوحنا وتعزى بتلك الأمور التي رآها، عاد ورأى الأكفان موضوعة ومنفصلة عن منديل الرأس. أما أن يفصلهما أحد ويضعهما هكذا الواحد بعيدًا عن الآخر، فهذا يحتاج إلى تأني شديد وعناية فائقة ولا يتم بطريقة عشوائية وباضطراب واستعجال.

 

لتكن تصرفاتنا عاقلة بشأن الجنازات:

   لكن، عندما تسمعون أن الرب قام عاريًا فلتوقفوا الهوس الذي يحدث أثناء الجنازات. لأنه ما الفائدة من النفقة الباهظة وغير المفيدة التي تُسبَّب ضررًا شديدًا لأولئك الذين ينفقون أموالاً طائلة للتكفين، حيث إنها لا تفيد المنتقل بأي شيء بل بالحري أقول إنها تسبب ضررًا؟ لأن فخامة القبر تكون في مرات كثيرة دافعًا لنقب القبور وسرقتها، وبالتالي هذه الفخامة قد تكون سببًا في أن يُلقى عاريًا ذاك الذي يُدفن بتكلفة كبيرة. أيضًا كم هو عبث كبير هذا الأمر. كم يظهر مدى التصرف الأحمق في وقت الحزن وكم هو غباء! وكثيرون ـ حتى لا تحدث السرقة ـ يشقون الأكفان إلى شرائط ويملئونها بأطياب كثيرة ويلفونها حتى تصير بلا فائدة لسارقي القبور، وهكذا يتم دفن الميت بهذه الطريقة في باطن الأرض. أليست هذه الأمور هي من ملامح المهووسين؟ هل هذه الأمور هي قدوة للبشر الذين يعملون ويحتاطون من السرقة؟ بأن يُظهروا حُبهم واحترامهم أثناء التكفين وأيضًا هم أنفسهم بتصرفاتهم يلاشون هذا الاحترام، هم يتعللون بأن كل هذه الترتيبات هي من أجل أن يظل كل ما دُفِن في أمان. ماذا إذًا؟ إن لم يأخذ سارقوا القبور هذه الأشياء ألا يأكلها الدود! وإن كان الدود يأكلها، ألا يتلفها الزمن والعفن؟ وإذا إفترضتا أن الأشياء الموضوعة مع الأجساد الميتة سوف لا تختفي بواسطة سارقوا القبور ولا من الدود ولا من الزمن ولا من أي شيء على الإطلاق، والجسد أيضًا سوف يظَّل بدون أن يُمس حتى يوم القيامة، وهذه الأشياء سوف تُحفظ كأنها جديدة، ما الذي سوف يربحه الراحلون من هذه الحياة عندما تُقام أجسادهم عارية. أقول نحن مسئولون عن هذه التصرفات غير المفيدة ومطالبون بأن نعطي جوابًا عنها.

 

   قد تتساءل لماذا سُكبت الأطياب أثناء تكفين المسيح؟ أولاً هذه الأشياء التي تمت مع المسيح لا تقارن بالأمور البشرية (لأن الزانية سكبت الطيب على قدميه المقدستين)، فإن كان ينبغي أن نتحدث عن هذه الأمور، فأول كل شيء هو أن هذه الأمور صارت هكذا لأن أولئك الذين تمموها لم يعرفوا الحديث عن القيامة لذلك يقول الإنجيلي “كما لليهود عادة أن يكفنوا”، لأن أولئك الذين كرمَّوا المسيح هكذا لم يكونوا من ضمن تلاميذه الإثنى عشر، وإكرامهم له لم يكن كثيرًا جدًا، بالطبع الإثنى عشر لم يكرموه بهذه الوسيلة بل كرمّوه بالموت والذبح والتعرض للأخطار من أجله. إذًا ما فعله (الأولون) كان تكريمًا لكن أدنى من الذي أشرت إليه). على الجانب الآخر، نحن الآن نتحدث عن البشر، بينما هذه الأشياء تمت ـ وقتذاك ـ لأجل الرب.

 

ملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية:

   ولكي تعلم أن المسيح لم يتحدث عن هذه الأمور، قال ” لأني جُعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عُريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليَّ” (مت36:25). ولم يقل إطلاقًا كنت ميتًا فدفنتموني. وهذه الأقوال أقولها ليس لكي ألغي الدفن بل لكي أوقِف الضلال ومحبة المجد الباطل. فقد يُقال إن هذه الأشياء تستثير الحزن والغم والشوق نحو الميت. لا، بل أن هذه الأشياء لا تعبر عن مدى محبتنا للميت، بل حبنا للمجد الباطل، لأنك إذا أردت أن تُظِهر مشاركتك في الأحزان لأجل الميت، فسوف أظهر لك طريق آخر للجنازة، وأنصحك بأن تلبس ملابس القائمين معه التي تجعله جالسًا في بهاء، لأن هذه الملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية ولا سارقو القبور يستطيعون سرقتها.

 

   ما هي ـ إذًا ـ هذه الملابس؟

   لُباس الإحسان، لأن هذا اللُباس يقوم معه طالما أن ختم الإحسان هو معه. أولئك يكونون في بهاء بواسطة هذه الملابس ويسمعون القول “لأني جُعت فأطعمتموني”. هذه الملابس تجعلهم في مكانة عظيمة وفخورين وآمنين، بينما كل ما صار الآن فليس شيئًا آخرًا سوى أشياء تتلف بواسطة العثة والسوس. وهذا أقوله ليس لكي أعيقكم عن تجنيز الأموات بل لكي تتصرفوا باعتدال. هكذا تغطون الجسد ولا تُسلموه للأرض عاريًا، لأنه أعُلِن لنا نحن الأحياء إننا سوف لا نأخذ معنا أي شيء من هذه الأشياء التي في العالم إلا غطاءً واحدًا، لأننا حين نموت، فإن الجسد ليس في احتياج للملابس، مثلما كان في احتياج إليها عندما كان يحيا ويتنفس. لأننا ونحن أحياء نحتاج للملابس بسبب البرودة (أي الملابس تقينا من البرد)، وبسبب اللياقة، لكن عندما نموت، لا نحتاج إلى أي شيء من هذه، بل حتى لا يظل الجسد عاريًا نحتاج إلى الدفن، وبدل التكفين فإن الأرض هي غطاء جيد يتناسب مع طبيعة أجسادنا[1]. فإن كنا ـ ونحن ـ هنا الآن حيث نحتاج أشياء كثيرة، لا ينبغي أن نطلب شيئًا زائدًا عن الحاجة، فبالأكثر جدًا هناك، حيث لا يكون لدينا احتياج لمثل هذه الأشياء، يكون محبة المجد الباطل أمرًا غير لائق بالمرة.

 

إياك وشدة الحزن والبكاء بمرارة أثناء الجنازة:

   قد يُقال، إن أولئك الذين يشاهدون هذه البساطة في التكفين سوف يسخرون. أولاً، حتى لو وُجد شخص واحد يسخر، فلا يجب أن تحسب له حسابًا إذ إنه يظهر غباءً شديدً بموقفه هذا، بينما في الحقيقة فإن كثيرين يعجبون بطريقتنا الحكيمة في مواجهة هذا الأمر (طريقة الدفن)، لأن ما يستحق السخرية ليس هذه الأمور التي قلتها لكن تلك التي نفعلها الآن عندما نحزن وندفن ذواتنا مع الأموات (من شدة الحزن والبكاء أثناء تشييع الجنازة). فتلك الأمور جديرة بالضحك وبالعقاب، بينما عندما نُظهِر مثل هذه الطريقة الحكيمة التي ذكرتها من جهة أمور التكفين والملبس اللائق، فإنها سوف تمنحنا أكاليل ومدحًا في يوم القيامة. والجميع سوف يصفقون لنا ويعجبون بقوة المسيح ويقولون عجبًا عجبًا لقوة المصلوب التي أقنعت الذين كانوا سائرين في طريق الهلاك والفساد  بأن الموت ليس موتًا لأنهم لا يفعلون الأمور التي تصير لأولئك السائرين نحو الهلاك، بل يفعلون الأمور التي تليق بأولئك الذاهبين إلى مكان أسمى. قوة المصلوب أقنعت هؤلاء بأن الجسد، هذا الجسد الفاسد والأرضي، سوف يلبس لُباسًا بهيًا جدًا لُباسًا ذهبيًا، وغير فاسد. لذلك لا يظهرون عناية كبيرة بالدفن، لكن يعتبرون التكفين العظيم العجيب هو الحياة الفاضلة. هذه الأقوال سوف يقولونها عندما يروننا نتصرف بهذه الطريقة الحكيمة، أما إذا شاهدونا ننحني من الحزن، ونركع في شكل دائرة حول الميت سوف يضحكون ويسخرون مِنا ويتهموننا بإتهامات لا حصر لها بتورطنا بأمور لا هدف وآلام باطلة عبثية، و نسمع هذه الإتهامات من الجميع. وهم على صواب، فأي مبرر سوف نقوله، عندما يضمحل الجسد من الفساد والسوس فهل نُزينَّه ـ بهذه الطريقة ـ ونهين المسيح، بينما هو عطشان ويتجول هنا وهناك عاريًا وغريبًا؟ أنظر قوله “كنت جوعانًا، مريضًا، غريبًا”.

 

الإحسان يُقيم الموتى:

   إذًا دعونا نكف عن هذا الاهتمام الزائد، ليتنا نقوم بدفن أمواتنا بطريقة لائقة تكون لمنفعتنا ولمنفعة أولئك الأموات لأجل مجد الله. ليتنا نُحسِن كثيرًا من أجل هؤلاء، ليتنا نُرسل معهم مؤن أفضل، لأنه إن كانت ذكرى الرجال العِظام الذين ماتوا تصير سببًا لفائدة الأحياء، لأنه يقول “ وأحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل داود عبدي” (2ملوك34:19)، بالأكثر سينفع الإحسان في هذا الأمر. لأن الإحسان يُقيِم الموتى عندما ” تقف الأرامل ويعرضن ما كانت تفعله طابيثا عندما كانت معهم ” (أع36:9). إذًا عندما يقترب أحد من الموت علينا أولاً أن نقنعه أن يترك شيئًا لهؤلاء المحتاجين. ليتنا نُشيعه بملابس الإحسان ونقنعه بأن يترك للمسيح إرثًا، لأنه، لو أن الملوك حددَّوا إرث لكانوا قد خلّفوا. أمانًا كبيرًا لأهلهم، فالذي يترك للمسيح إرثًا مع أولاده، سينال قبولاً عظيمًا سوف يربحه لذاته ولأولاده. هذه هي طريقة التكفين التي تنفع أولئك الذين يبقون على قيد الحياة، وكذلك أولئك الذين يرحلون عن هذه الحياة. لو كنا نكفن الأموات هكذا سنكون أكثر بهاءً في القيامة، أما إذا أظهرنا إهتمامًا زائدًا بالجسد (عن طريق تكفينه تكفينًا مكلفًا “غاليًا”)، وأهملنا النفس الغالية سنعاني من شرور كثيرة هناك، وسوف نكون مثارًا للضحك، لأنه لا الفقر يصير سببًا أن يرحل أحد عاريًا من الفضيلة، ولا الجسد الملقى بلا دفن يشعر بالعار بقدر ما تشعر النفس ـ وقتذاك ـ وهي عارية من الفضيلة. علينا إذًا أن نلبس الفضيلة ونحرص على أن نتزين بها، وهذا بالطبع يجب أن يصير كل الوقت، لكن إذ أظهرنا لا مبالاة فعلى الأقل ليتنا نُظِهر التعقل والحكمة، ونحن مشرفون على الموت، ودعونا نترك وصية لخاصتنا بأن يساعدوننا عندما نرحل من هذه الحياة، بالإحسان. هكذا فليساعد الواحد منا الآخر وسوف نربح دالة كبيرة، بنعمة ربنا يسوع المسيح مُحب البشر مع الآب والروح القدس وإلى الأبد آمين.

 

 

 

 

(عظة 86 على يو10:20ـ23)

 

   ” فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي “

 

مريم ترثيه باكية:

   الجنس الأنثوي يتميز برقة مشاعره وله ميل كبير إلى الشفقة. هذا أقوله، حتى لا تفكر وتقول، لماذا مريم تبكي بحزنٍ، بينما بطرس لم ينتابه مثل هذا الأمر، لأنه يقول “فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”، طالما أن طبيعتها ضعيفة ولم تعرف بوضوح حديثه عن القيامة، مثل أولئك أيضًا، الذين رأوا الأكفان وآمنوا، ورجعوا وهم مندهشين. ولأي سبب لم يأتوا مباشرةً إلى الجليل، كما أوصى الرب قبل آلامه؟ ربما انتظروا الباقين. هؤلاء ـ إذًا ـ رجعوا، بينما هي وقفت عند القبر، كما قلت، كان منظر القبر عزاءً كبيرًا.

 

ملاكان جالسين فوق القبر:

   هل رأيت ـ إذًا ـ هذه التي انحنت لكي ترى المكان الموضوع فيه الجسد لكي تتعزى؟ لذلك ـ إذًا، نالت أجرًا كبيرًا لإهتمامها الكبير، لأن ذاك الذي لم يره التلاميذ، رأته المرأة أولاً، رأت الملاكين جالسين الواحد عند قدميه والآخر عند الرأس بثياب بيضاء، ووجهيهما مملوئين بالبهجة وبالفرح. ولأن إدراك هذه المرأة لم يكن عاليًا، حتى تستنتج قيامته من الأكفان ـ احتاجت شيئًا أكثر وضوحًا، أي شاهدت ملاكين جالسين فوق القبر بوجوه فرحة حتى تُسكَِّن حزنها بهذا المنظر وتتعزى، لكن الملاكين لم يقولا لها شيئًا عن القيامة، لكنها إنقادت تدريجيًا إلى هذا التفكير.

 

“يا امرأة لماذا تبكين”:

   رأت وجهين بشوشين أكثر جدًا من المعتاد، رأت شكلاً بهيًا، سمعت صوتًا عطوفًا. يقول ” يا امرأة لماذا تبكين“. هكذا بسبب هذه الأمور ـ كأنه من باب مفتوح ـ إنقادت إلى الحديث عن القيامة. والطريقة التي كانا جالسين بها، قادتها إلى أن تسألهما إذا بدا عليهما أنهما يعرفان ما حدث. لذلك لم يجلسا معًا، لكن الواحد بعيدًا عن الآخر.

 

   وبسبب أنه كان طبيعيًا أن لا تتجرأ وتسألهما، لذلك بسؤالهما لها وبالطريقة التي جلسا بهما إنقادت إلى سؤالهما. ماذا قالت إذًا؟ لقد تحدثت معهما بحرارة وفي نفس الوقت بحنان ” أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه” ما هذا القول يا امرأة؟ ألم تعرفي شيئًا عن القيامة، إلى الآن تفكرين في تغيير مكانه؟ هل رأيت كيف أنها ما زالت لم تدرك الخبر السامي؟ “ ولما قالت هذا إلتفتت إلى الوراء” كيف حدث هذا، بينما هي تتحدث مع الملاكين ولم تسمع بعد أي شيء ألتفتت بنظرها إلى الوراء؟ أنا أعتقد، أنها مجرد أن قالت هذا الكلام، فجأة ظهر المسيح خلفها، وفاجأ الملاكين، وهذان ـ عندما نظرا الرب أثر ذلك في شكلهما ونظرتهما وحركتهما، ولاحظت المرأة الدهشة المرسومة على الملاكين مما جعلها تلتفت بنظرها إلى الخلف. إذًا هكذا ظهر لهذين الملاكين، أما للمرأة فليس هكذا، حتى لا يفاجئها بظهوره الأول، لكن ظهر لها بمظهر متواضع وعادي، وصار ظاهرًا لها كأنه هو البُستاني. لقد كان فكرها متواضعًا لذا لم يقدها مباشرةً إلى الأفكار السامية بل تدرج معها في الكلام.

 

   لقد سألها ” يا امرأة لماذا تبكين. مَنْ تطلبين” هذا يُظهر أنه بسؤاله يعرف ما يريد وهكذا قادها إلى الإجابة. إذًا هذا ما أدركته المرأة، لكن لم تنطق بعد أسم يسوع، إذا شعرت أن هذا الذي يسأل يعرف ما هو الذي يسأل عنه، قالت ” يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقُل لي أين وضعته وأنا آخذه“. تتحدث هنا كأنها تتحدث عن ميت، وعن تغيير موضع الجسد، وعن أخذه ونقله إلى مكان آخر. لقد أرادت أن تقول له: إن كُنت قد أخذته من هنا بسبب الخوف من اليهود أرجوك أخبرني أين وضعته. يا له من عطف وحنان كبير عند هذه المرأة، لكن لا يوجد عندها أي فكر عالي. لذلك يُظهر لها ليس بوجهه بل بواسطة صوته [2]، لأنه كما يظهر لليهود أحيانًا كشخص معروف وأحيانًا لا يبدو لهم أنه كان حاضرًا بينهم، هكذا عندما كان يتحدث، وعندما يريد، يجعل نفسه، معروفًا، حين قال لليهود “ من تطلبون” يو4:18. لأنهم لم يعرفوا لا شكله ولا صوته، وهذا هو ما يحدث هنا. وذكرَّ فقط اسمها ليؤنبها وينبهها بأنها تفكر فيه هكذا بأنه ميت وهو الحيٌّ.

 

مريم تتعرف على المسيح من صوته:

   لكن كيف يقول الإنجيلي إنها ” ألتفتت تلك” وهو يتحدث إليها؟ أنا أعتقد بأنها حين قالت هذا الكلام: ” أين وضعته” والتفتت ناحية الملاكين لكي تسألهما لماذا هما مندهشين، دعاها المسيح في الحال أن تلتفت إليه إذ أظهر ذاته بصوته، لأنه عندما دعاها “مريم”، عندئذٍ عَّرفته. هكذا التعرف عليه لم يأتِ من منظره لكن مِن صوته. أيضًا إن قيل من أين يبدو أنها أمسكته ووقعت أمامه؟ هذا يبدو من كلامه: ” لا تلمسيني“، وهذا ما يبدو من القول أنها ” ألتفتت تلك“. لماذا قال  “لا تلمسيني؟” البعض يقول إنها تطلب نعمة روحية، لأنها سمعته مع تلاميذه يقول: “وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلىَّ، وأنا أطلب من الآب. فيعطيكم مُعزيًا آخر“. (يو3:14، 16). وأنا أسأل كيف سمعت هذه الأقوال، وهي لم تكن موجودة هناك مع التلاميذ؟ أنا أعتقد أن هذا الرأي ليس له أي علاقة بما فعلته. كيف تطلب نعمة في هذه اللحظة بينما الرب لم يذهب بعد إلى الآب؟ ما الذي حدث إذًا؟ أعتقد إنها أرادت ـ من فرط فرحتها ـ أن تتصرف معه ـ بلا تحفظ ـ وكأنه هو عينه كما كان من قبل صلبه، ولم تفكر ـ حين كان أمامها ـ في أي شيء سامي وروحي، بالرغم من أن الرب صار من جهة الجسد ساميًا جدًا. إذًا أبعد عنها هذا الفكر ولكي تتحدث معه بمخافة شديدة (لأنه لا يبدو أنه تعامل مع التلاميذ بمثل هذه الطريقة غير المتحفظة) ورفع فكرها عاليًا، حتى تنتبه إليه بأكثر وقارٍ. وكونه قال لها لا تقتربي مني، مثلما كان يحدث مسبقًا بالضبط حين كان يمكث معهم، لأن الأمور لم تعد مثل الأول، ولا يمكن أن أمكث معكم بعد بطريقة مشابهه: هذا الأمر سوف ينشئ حزنًا ما ويتضمن تعقيدًا، بينما كونه يقول “ لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، بالرغم أنه لم يكن أمرًا محزنًا، لكن أعلن نفس الأمر، لأنه بقوله ” لم أصعد بعد” يبين أنه يتجه إلى هناك يسير ويتعجل الوصول، إذ عليه أن يصعد هناك، ولا يخالط البشر، ولا يجب أن يروه بنفس التصور الذي رأوه أولاً، وهذا ما قصده وأظهره بقوله: ” أذهبي إلى إخوتي وقُولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” وبالطبع لم يكن عليه أن يفعل ذلك مباشرةً، لكن بعد أربعين يومًا، إذًا كيف ـ يقول هذا؟ لأنه أراد أن يرفعها روحيًا ويقنعها بإنتقاله إلى السموات. أما   ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ” فهذه أقوال قيلت بحسب التدبير، بينما كلمة “أصعد” قيلت عن الجسد، لأن هذه الأقوال يقولها لتلك المرأة التي لم تفكر في شيء أسمى روحيًا.

 

 

“أبي وأبيكم”:

   هل نفهم أن أبوة يسوع تختلف عن أبوتنا؟ بالتأكيد، لأنه، إن كان إله الأبرار يختلف عن إله الآخرين فبالأكثر هذا يحدث بين الابن وبيننا. لأنه قال ” اذهبي إلى أخوتي وقولي” حتى لا يفكروا من هذا أنه توجد مساواة بينه وبينهم، لكن هناك اختلاف، لأنه سوف يجلس على عرش الآب، بينما هؤلاء سوف يقفون بجواره، بالرغم من أنه بحسب الجسد صار أخ لنا، لكن من جهة الكرامة يختلف كثيرًا ولا يمكن أن نحدد مقدار الاختلاف. ذهبت المرأة إذًا لكي تخبر التلاميذ بكل هذا، بينما أولئك لم يحزنوا بسبب إنه سيصعد، ولا قالوا تلك الأقوال التي قالوها سابقًا؟ أخبرتهم بكل هذا وقالت لهم ما قاله، الأمر الذي كان يمكن أن يعزيهم. لأنه كان من الطبيعي أن التلاميذ بعد أن سمعوا كل هذا، أن لا يصدقوا المرأة أو إذا صدقوا فيحزنوا أنهم لم يكونوا مستحقين ظهوره، بالرغم من وعده بأنه سوف يظهر لهم في الجليل، وحتى لا يحزنوا بالتفكير في كل هذا، فهو لم يتركهم يومًا واحدًا لكن وضع فيهم الاشتياق، حين عرفوا بأنه قام وبسماعهم ما قالته المرأة، أرادوا أن يروه، وبسبب أن الخوف كان مستوليًا عليهم (الأمر الذي جعل شوقهم شديدًا جدًا)، حينذاك، ظهر لهم بطريقة عجيبة جدًا في المساء.

 

 

المسيح يظهر لهم في المساء:

   ولماذا ظهر لهم في المساء؟ لأنه كان من الطبيعي أن يكونوا مملوئين من الخوف. لكن الجدير بالإعجاب هو، كيف أنهم لم يظنوه خيالاً؟ حيث دخل بينما كانت الأبواب مغلقة والتلاميذ كانوا مجتمعين هناك. وطبعًا المرأة جعلت إيمانهم كبيرًا، لذا جعل ظهوره بطريقة عجيبة وبلا ضوضاء.

 

   لم يظهر المسيح للتلاميذ أثناء النهار، بل ظهر لهم مساءً حيث كانوا مجتمعين معًا، وكانت المفاجأة عظيمة إذ إنه لم يطرق على الباب بل وقف في الوسط بلا ضوضاء بالمرّة، وأظهر جنبه ويديه. وفي نفس الوقت هدأ فكرهم المضطرب بصوته قائلاً: “سلام لكم” أي “لا تقلقوا”، وذكرهَّم بما قاله لهم قبل صلبه “ سلامًا اترك لكم” (يو27:14)، وأيضًا “ قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام” (يو33:16).    “ ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب“. أرأيت كيف أن الأقوال صارت أعمالاً؟ لأنه قال قبل صلبه “ سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22:16). الآن يتحقق كل هذا، الأمر الذي قاد التلاميذ إلى الإيمان التام. وبسبب أنهم كانوا في عداوة شديدة مع اليهود لذلك هو يكرّر لهم قوله “سلام لكم” معطيًا لهم عزاءً في مواجهة هذا الموقف.

 

 

“سلام لكم”:

   أولاً هذا الكلام قاله بعد القيامة، سبق أن وقد بشر النساء بالنعمة لأن المشاعر الحزينة توجد بداخل هذا الجنس البشري، والمرأة هي التي قبلت الفرح أولاً. فكان من المناسب للرجال الذين هم في حرب مع اليهود أن يبشرهم بالـ “سلام” أما النساء فيبشرهم بالفرح بسبب الحزن. وحيث إنه أبطل الأحزان وأتم بركات الصليب، التي هي السلام والصلح. وإذ أزال كل المعوقات وجعل نصرته ممجده، وكل الأمور تحققت، قال ” كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” لن يكون لديكم أي صعوبة وبسبب كل ما حدث وبسبب استحقاقي الخاص أرسلكم. هنا يرفع تدبيرهم ويظهر جدارة إيمانهم العظيم حيث إنهم سوف يأخذون على عاتقهم القيام بعمله. ولا ينادي الآب بل يعطي لهم القوة إذ يقول: ” نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكت“. فهو مثل ملك يرسل قواده، ويعطي لهم سلطان ليقودوا بعض الناس إلى السجن أو يفكوهم، هكذا يرسلهم ويمنح لهم هذه القوة.

 

“خير لكم أن أنطلق”:

   إذًا كيف يقول: ” خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزي ” (يو7:16). والآن يقول: ” اقبلوا الروح “. البعض يقول إنه لم يعطهم الروح بل جعلهم بواسطة النفخ مهيئين لقبوله. لأنه، إن كان دانيال خاف عندما رأى الملاك (دا17:8)، ألم يكن من الممكن أن يحدث نفس الأمر لأولئك الذين قبلوا تلك النعمة التي لا توصف لو لم يجعلهم تلاميذه مسبقًا؟ لذلك لم يقل ” أخذتم الروح القدس” بل “خذوا الروح القدس”. ولن يخطئ أحد إذا قال إن ما أخذه التلاميذ سلطة ونعمة روحية معينة، لكنها ليست مثل القوة التي يقيمون بها الموتى ويصنعون المعجزات بل فقط ليغفروا الخطايا، لأن مواهب الروح متنوعة ومختلفة. لذلك أضاف ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” الأمر الذي يظهر نوع العطية التي يمنحها لهم. هناك بعد أكثر من أربعين يومًا أخذوا قوة لكي يصنعوا معجزات لذلك يقول “ ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض” (أع8:1). صاروا شهودًا بالمعجزات حيث إن نعمة الروح كانت لا توصف وعطيته متعددة في فعلها.

 

واحدة هي عطية وسلطان الآب والابن والروح القدس:

   لقد صار هذا لكي تتعلم أن عطية وسلطان الآب، والابن والروح القدس هي واحدة. لأن الأمور الخاصة بالآب، هي للابن وللروح القدس. إذًا يقول إن لا أحد يأتي إلى الابن ” إن لم يجتذبه الآب” (يو44:6). وهذا يبدو إنه خاصية الابن لأنه يقول ” أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14)، لاحظ كذلك أن هذا هو عمل الروح، “ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). وأيضًا نرى الُرسل يدعون الناس إلى الكنيسة مرة بواسطة الآب ومرة أخرى بواسطة الابن وكذلك مرة بواسطة الروح القدس، وتوزيع المواهب نراها بواسطة الآب والابن والروح القدس.

 

عظيمة هي مكانة الكهنة:

   إذًا ليتنا نفعل كل شيء حتى نستطيع أن نتمتع بمعية الروح القدس، ونكرم أولئك الذين عُينوا لمنحنا فعله، لأن مكانة الكهنة هي مكانة عظيمة ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” لذلك يقول ق. بولس      ” أطيعوا مرشديكم” (عب17:13)، وتكرموهم كثيرًا جدًا. لأنك أنت تهتم بما هو خاص بك، وإذا نظمت أمورك فهذا جيد، وأنت غير مسئول عن الآخرين، لكن الكاهن بالإضافة إلى تنظيم أموره جيدًا، إن لم يعتنِ بك وبكل أعضاء رعيته سوف يذهب مع الأشرار إلى جهنم، ومرات كثيرة بدون أن يُغدر به بواسطة خاصته، يُقاد للهلاك بسببكم إن لم ينظم كل تلك الأمور المتعلقة به جيدًا. لذا وهم عارفون مدى الخطورة يكون لهم عطف وحنو كبير، الأمر الذي يقوله ق.بولس      “ لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عب17:13). وليس فقط مجرد سهر، لكن “كأنهم سوف يعطون حسابًا لكي يفعلوا ذلك بفرح” (عب17:13). لأجل ذلك يجب أن ينالوا كرامة كبيرة.

 

   لكن إن إتفقتم مع آخرين ضدهم، عندئذٍ لن تكونوا في حالة جيدة،لأنه كلما كان القائد في حالة انشراح وبهجة سيكون الرُكَاب في أمان، لكن إن كان الركاب يحتقرونه (القائد) ولهم موقف عداوة ضده فهم يُعذبونه، عندئذٍ لا يمكن أن يسهر لراحتكم، وكذلك لا يمارس عمله بطريقة جيدة ـ وبدون أن يقصد ـ يضعكم في مصائب لا حصر لها. هكذا الكاهن، إذا نال كرامة من جانبكم سوف يمكن أن ينظم أموركم جيدًا، لكن إن كنتم تضايقون الكهنة وتسلبون قوتهم، سوف تجعلونهم معرضين معكم وبسهولة لضرب الأمواج حتى لو كانوا بعد شديدي البأس. تأمل ماذا يقول المسيح عن اليهود “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون” (مت2:23ـ3).

 

   لكن الآن لا نستطيع أن نقول: على كرسي موسى جلس الكهنة؟ لكن على كرسي المسيح، لأنهم أخذوا استمرارية تعليم المسيح. لذلك يقول ق.بولس ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو2:5).

 

   ألستم ترون أن الجميع يخضعون للرؤساء العالميين، وفي مرات كثيرة يكون هؤلاء أعظم من أولئك الذين يحكمون عليهم من جهة الأصل ومن جهة المعيشة ومن جهة الفهم؟ لكن بسبب ذاك الذي منحهم السلطان فهم لا يفكرون في شيء من هذه الأشياء، بل عليهم أن يحترموا قرار الملك أيًا كان ذاك الذي نال السلطان من الملك.

 

   إذا قلَّد إنسان أحد وأعطاه وظيفة فإن هذا يجعل عندكم خوف شديد واحترام له، لكن في اللحظة التي فيها يقيم الله شخصًا ونحتقر هذا الشخص الذي رُسم ونشتمه ونلوثه بشرور لا حصر لها، ونُسلط لساننا ضد الكهنة، بينما أخذنا وصيته بأن لا ندين إخوتنا، كيف إذًا يمكن أن ندافع عندما لا ننظر الخشبة التي في عيوننا، بينما قذى الآخر نفحصه بدقة بكل شرنا (انظر متى3:7، لو41:6). ألا تعرف إنك تجعل المحكمة أكثر قسوة ضدك وهي تحاكمك بهذه الطريقة؟ وهذه الأقوال لا أقولها لأمدح أولئك الذين يمارسون الكهنوت بغير استحقاق، بل إني أتراءف على هؤلاء كثيرًا جدًا وابكي بالدموع لأجلهم، لكن لا أقول إنه يحق أن يُدانوا من قبِل المبتدئين والسُذج، لأنه إن كانت حياتهم فاسدة جدًا، وإن كنت تلاحظ نفسك وتحترس فإنك سوف لا تُصاب بأي ضرر من جهة تلك (التعاليم) التي سُلمت إليهم بواسطة الله، لأنه إن كان الله قد جعل الحمار يتكلم[3] ومنح بواسطة العرافين بركات روحية، وحقق النعمة لليهود التي تفوه بها الفم الغبي واللسان الدنس لبلعام، بالأكثر جدًا لكم أنتم المعترفون بالجميل تجاهه، حتى لو كان الكهنة في وضع أدنى، سوف يفعل الله كل الأمور التي يريدها وسوف يرسل الروح القدس، لأن نقاوتهم لا تجذب الروح، بل بالحري النعمة هي تلك التي تتمم كل شيء، لأنه يقول “ فإن كل شيء لكم. أبولس أم أبلوس أم صفا” (1كو21:3، 22)؛ لأن العطية التي أخذها الكاهن لا تُمنح إلاّ من الله، ومهما وصلت الفلسفة البشرية سوف تبدو أدنى من تلك النعمة.

 

   أقول كل هذا ليس لكي نقضي حياتنا في خمول لكن لكي لا تختزنوا شرورًا كثيرة ضد ذواتكم أنتم المبتدئين، وذلك عندما يُظهر البعض من رؤسائكم خمولاً. ولماذا أقول هذا عن الكهنة؟ لا ملاك ولا رئيس ملائكة يمكن أن يفعل شيئًا فيما يتعلق بتلك النعمة التي تُعطى بواسطة الله، لكن الكل يصير من الآب والابن والروح القدس. الكاهن أثناء ممارسة العبادة يعطي لسانه ويديه لله لكي يستخدمهما، لذا لن يُضَّر أولئك الذين يأتون بإيمان إلى طريق خلاصنا بسبب شر إنسان. وإذ نحن نعرف كل هذا، فإننا نخاف الله ونحترم كهنته معطين لهم الكرامة، لكي ننال مكافأة عظيمة من الله بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح مُحِب البشر الذي مع الآب والروح القدس له المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

* العناوين من وضع المُترجم.

1 التي هي من تراب وإلى تراب تعود.

2 لأنه ظهر خلفها وليس أمامها.

3 يتكلم هنا عن “حمار بلعام” انظر سفر العدد7:22.

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

روح الحق

عظة 77

(يو 26:15ـ27) إنجيل حلول الروح القدس

 

   ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الإبتداء” (يو26:15ـ27).

 

روح الحق[1]

   انتبه ولاحظ من فضلك، أي عزاء يقوله لتلاميذه: ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الإبتداء[2].

   وجدير بنا أن نولي هذا الروح كل ثقتنا لأنه روح الحق. لأجل هذا لم يدعوه هنا روح قدس بل “روح الحق“. وعبارة ” من عند الآب ينبثق” تدل على أن المسيح يعرف بدقة كل شيء، مثلما يقول بالضبط عن ذاته ” أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب[3]. وهو هنا يتحدث أيضًا عن الحق، ” سأرسله أنا إليكم“. ليس فقط الآب الذي يُرسِل المعزي بل وأيضًا الابن. وأنتم ستكونون جديرين بالثقة إذا عِشتم معي عن قرب، وأنتم لم تسمعوا هذا الكلام من أُناس غرباء. وبسبب هذه العِشرة التي ربطت بينهم وبين المسيح فقد أكد الرسل هذا الأمر، قائلين: ” نحن الذين أكلنا وشربنا معه[4]. وكون أن هذه الأقوال لم يتكلموا بها من باب المجاملة والتفضل، فهذا ما يؤكده الروح الذي كان شاهدًا على أقوالهم.

   ” قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا[5] أي عندما ترون كثيرين لا يؤمنون، وعندما تتألمون بشرور كثيرة. ” سيخرجونكم من المجامع[6]، وقد حدث لهم ذلك بالفعل، فقد أعلن اليهود أن من يعترف بالمسيح يُحرَّم. ” بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمِة لله[7]. سوف يتفننون في قتلكم لدرجة أنهم سوف يعتبروا هذا الفِعل هو بدافع التقوى وإرضاء الله. أخذ يقدم لهم ما يعزيهم قائلاً:   ” وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب. ولا عرفوني[8].

   كأنه يقول لهم يكفيكم أن تتعزوا بأنكم تتألمون لأجلي ولأجل أبي. هنا يذكرهم أيضًا بذلك التطويب: “ طوبى لكم إذ عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. أفرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم هكذا طردوا الأنبياء من قبلكم[9].

 

المسيح يخبر التلاميذ عما يحدث لهم:

   “ لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم [10].

   أي إنه يقول لهم عليكم أن تصدقوا وتثقوا في صدق ما أقول، لأنكم لن تستطيعوا أن تقولوا إنني كنت أتملقكم وكلمتكم عن الأمور المفرحة فقط، كلامي لم يكن مخادعًا لأن من يريد أن يضلكم لا يفكر أن يكلمكم بأقوال تُبعدكم عنه. إذن لأجل هذا قُلت لكم هذا الكلام حتى لا تزعجكم الأحداث غير المتوقعة، ولكي لا تقولوا في أنفسكم أيضًا أنه لم يخبرنا بأن هذه الأمور سوف تحدث. ” حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم“، حيث إن المُضطَهَدين يضعون مثل هذه الأقوال في الحُسبان لكي يتغلبوا على التشككات الشريرة. هكذا سوف يضطهدونكم ـ يقول المخلّص للتلاميذ ـ حتى القتل. إلا أن الأمر لن يُزعج التلاميذ، طالما أنهم قد سمعوا مسبقًا وعرفوا السبب الذي لأجله يتألمون، لأن معرفة السبب تعد قوة تعطيهم جرأة على المواجهة. لذلك يعيد على مسامعهم السبب ”  لم يعرفوا الآب ولا عرفوني [11]، ” لكنهم إنما يفعلون بكم هذا كُله من أجل اسمي لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني“،[12]وإن كانوا قد إضطهدوني فسيضطهدونكم[13].

 

ليتنا نحتمل الآلام من أجل المسيح:

   ليتنا نفكر بحق في هذه الأقوال في وقت التجارب عندما نُضطهد من جانب الأشرار، واضعين نصب أعيننا رئيس إيماننا ومكمله ونحن نتألم، من أُناس منحلين، لأجل الفضيلة ولأجله هو. لأننا إذا فكرنا في هذه الأمور فسوف نجتاز كل التجارب بسهولة. فإن تألم شخص لأجل أشخاص محبوبين لديه فإنه يتفاخر لأجل هذا، فكم بالحري أن تألم لأجل الله، أي إحساس سوف يشعر به أثناء احتماله هذه المشقات؟. لأنه إن كان الصلب ـ الذي يعتبر أمرًا مُهينًا ولعنة ـ قد دعاه المسيح مجدًا وذلك لأجلنا، فكم بالأكثر جدًا ينبغي أن نُظهر نحن مثل هذا الإستعداد. وطالما، أن لدينا قوة فيجب علينا إذًا أن نحتقر الآلام، وبالأكثر جدًا ينبغي أن نحتقر المال والطمع والشراهة. إذن، فعندما نتعرض لأمر مؤلم علينا أن نفكر ليس فقط في الأتعاب بل في الأكاليل أيضًا. لأنه كما أن التجار لا يفكرون فقط في اتساع البحر ومشقة السفر بل أيضًا في المكسب؛ هكذا يجب علينا أن نفكر في السماء والدالة التي لنا عند الله. وإن كان الطمع ما زال يبدو لك أمرًا مفرحًا، فكِر في أن المسيح يرفضه وللتو سوف يبدو لك هذا الطمع أمرًا تعيسًا، أيضًا إذا كان عطاءك للفقراء يبدو لك أمرًا مزعجًا، فعليك ألا تتوقف عن التفكير في لحظة قطف الثمار التي تنتج من البذرة التي تلقيها. وعندما يصعب عليك أن تحتقر الممارسة الجسدية مع امرأة غريبة (ليست زوجتك)، عليك أن تفكر في الإكليل الذي سوف تناله لجهادك، وعندئذ سيسهل عليك أن تتحمل التعب والألم. فإن كان خوف البشر يمنعك من ارتكاب أمور مشينة فكم بالأكثر شوقنا للمسيح.

 

ممارسة الفضيلة:

   ممارسة الفضيلة ليست بالأمر الهين؛ وبرغم ذلك ليتنا نحيطها بالوعود العتيدة لكي نتشجع على ممارستها. ومُحبو الفضيلة يرون الفضيلة في حد ذاتها جميلة ولأجل ذلك يمارسونها ليس لأجل نيل الجزاء ولكن لأن الله يُسر بها. ويعتبرون العفة أمرًا مهمًا ليس لأنهم يخافون من العقاب بل لأن الله أعطاهم هذه الوصية. أما الشخص الضعيف روحيًا فليفكر في المكافآت. دعنا نطبق هذا أيضًا على فضيلة الإحسان والصدقة، ليتنا نرحم إخوتنا في الإنسانية، ليتنا لا نحتقرهم في اللحظة التي فيها يموتون فقرًا. ليس من المعقول أن يجلس الأغنياء حول المائدة يضحكون ويستمتعون بكل ما لذ وطاب من الخيرات بينما يسمعون بكاء ونواح الآخرين وهم يعبرون الطريق أمامهم.

   ألا نلتفت، ونحن منزعجين، نحو المكان الذي يصدر منه البكاء والرثاء، بل، على النقيض، ونتكدر ونسمي هذا النوح والبكاء غشًا وخداعًا؟! ماذا تقول أيها الإنسان؟ أهل لأجل رغيف من الخبز يبتكر المرء مثل هذا الخداع والغش؟ هل تجيبني بنعم، إذًا سأقول لك إنه لأجل هذا السبب عينه ينبغي عليك أن ترحمه وتُحسِن إليه، ولأجل هذا السبب ينبغي عليك ـ قبل أي شيء ـ أن تخلّصه من العوز والاحتياج. وعلى الأقل فإن كنت لا تريد أن تُحسِن إليه، فلا يجب أن تُهينه. وإذا لم ترد أن تضع نهاية لحالته المأساوية، فعلى الأقل لا تلقه في هوة الهلاك. عليك أن تفكر في ماذا سيكون موقفك وأنت تتوسل إلى الله، في حين أنك تُبعِد الفقير الذي يطلب منك مساعدة، لأنه يقول ” وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم”[14]. تأمل، كيف ينصرف هذا الفقير في مذلة برأس منكسة وبعارٍ وخجل محتملاً بالإضافة إلى فقره جرحًا من جراء إهانتك له. لأنه إن كنتم تعتبرون التسول لعنة عليكم أن تتأملوا في مدى شناعة المصيبة التي يُبتلى بها الفقير حين يطلب ولا يأخذ، بل ينصرف والشتائم تنهال عليه من كل ناحية.

 

اسلكوا برأفة ورحمة تجاه الفقراء:

   حتى متى نتشبه بالوحوش ونجهل هويتنا بسبب الطمع؟ كثيرون منكم يسمعون هذه الأقوال ويتنهدون، لكني لا أريد الآن التأوه فقط، بل بالحري عليكم أن تسلكوا برأفة ورحمة تجاه الفقراء. أرجو أن تتأملوا ذلك اليوم حين نمثل أمام عرش المسيح، حينما نتوسل طالبين الرحمة فيقول لنا أمام هؤلاء الذين رفضنا أن نساعدهم، أنكم لأجل رغيف خبز وفلس واحد قد تسببتم في حدوث عواصف عاتية في هذه النفوس. فماذا سنقول عندئذ؟ بماذا سندافع؟ ومن حيث إنه سوف يقودهم أمامنا، اسمع ماذا يقول: ” بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا”[15]، لأن هؤلاء لن يجدوا ما يشهدوا به عنا في ذلك الوقت، بل إن الله سوف يديننا بسببهم. لأن الغني حين رأى لعازر لم يتحدث عن شيء كان قد قدمه له، بينما إبراهيم تحدث لحساب ذاك. وهذا ما سوف يحدث أيضًا مع الفقراء الذين نحتقرهم اليوم، لأننا لن نرَ هؤلاء يستعطون ويمدوا أيديهم في حالة تستحق الشفقة، بل سنراهم مستريحين في أحضان القديسين، أما نحن ـ الذين رفضنا أن نقدم العون لهم ـ سوف نصبح في حالتهم البائسة وسنبدو في نفس منظرهم حين كانوا يستعطون، وليتنا نصبح هكذا فقط ولا يحدث ما هو أكثر رعبًا، أقصد العقاب! لأن الغني هناك لم يكن يرغب في الشبع بالفتات بل كان في عِقاب مخيف في النار، وسمَّع هذا القول: ” إنك إستوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا[16]. ليتنا لا نعتبر الغني شيئًا مهمًا لأنه سيكون لنا وقودًا للجحيم إن لم ننتبه. والفقر يمكن أن يصير دافعًا للتمتع والراحة حيث نتخلص من الخطايا حين نقبل الفقير بفرح، وحينذاك نكتسب دالة كبيرة أمام الله.

 

لقد أعطاك جسده وأعطاك دمه الكريم:

   إذن ليتنا لا نطلب دائمًا الراحة هنا، حتى نستمتع هناك بالراحة الحقيقية، ليتنا نقبل الأتعاب من أجل اقتناء الفضيلة ونتجنب الأمور الباطلة ولا نطلب لأنفسنا شيئًا بل لننفق ما نملكه على هؤلاء المحتاجين. لأنه أي مبرر سيكون لنا، عندما يعدنا الرب بالسماء بينما نحن لا نعطيه حتى رغيفًا واحدًا؟ إنه يُشرق عليك الشمس (مت45:5). ويمدك بالخليقة وكل خدماتها، بينما أنت لم تعطه حتى ثوبًا واحدًا، ولا جعلته مشاركًا لك في مأواك؟ ولماذا أذكر لك الشمس والخليقة! لقد أعطاك جسده، وأعطاك دمه الكريم، أما أنت فلم تُعطه حتى كأس ماء بارد؟ هل أعطيت مرة واحدة؟ ليس هذا هو الإحسان، لأنك إن لم تساعد في كل ما لديك لن تُكمل كل عملك، لأن العذارى اللاتي كانت لديهن مصابيح كان لهن زيت أيضًا، ولكنه لم يكن كافيًا. إذن إستمر في الإحسان من خيرات الرب حتى لو سبق لك أن أعطيت إحسانًا من قبل. لأي سبب تحب المال؟ من جراء الشراهة والطمع يكنز هؤلاء أموالهم وهم كسالى في فِعل الإحسان. لأن الذي تعلم أن يربح ـ بهذه الطريقة ـ لا يعرف أن يُعطي من أمواله. كيف يمكن لمَنْ هو مُدَرب على السلب والنهب أن يرتب حياته على العكس مِن ذلك؟ الذي يخطف ممتلكات الآخرين، كيف يمكن أن يعطي، فالكلب الذي أعتاد على أن يأكل لحم لا يمكن أن يحرس قطيع من الأغنام؟ لأجل هذا يقتل الرعاة مثل هذه الكلاب. ليتنا نبتعد نحن عن هذا الطعام، حتى لا يُصيبنا نفس الأمر.

 

عليك أن تقضي على اليأس بواسطة أعمال الرحمة:

   ألم ترَ كيف أن الله أنعم علينا بكل شيء ليكون من نصيب الجميع؟ فإن كان الله سمَّح بوجود فقراء بيننا، فهذا فعله لكي يُعزي الأغنياء حتى يتمكنوا بإحساناتهم على أولئك الفقراء أن يتخلصوا من خطاياهم، بيد أنك قد صرت قاسيًا وغير إنساني.

   إذن فعلى الرغم من أنك أخذت قوة لتمتلك أعمال الرحمة، إلا أنك ترتكب جرائم قتل لا حصر لها، فأنت تقضي على النور وعلى الحياة كلها. ولكي توقف ذلك، عليك أن تقضي على اليأس بواسطة أعمال الرحمة. فإن كنت تأسف لمجرد سماع هذا الكلام، فكم ينبغي علىّ أنا أن أحزن لأنني أرى هذه الأمور تحدث. حتى متى ستظل في غِنى وذاك يظل فقيرًا؟ حتى ساعة الموت، أؤكد لك بأنها ليست بعيدة على الإطلاق، لأن الحياة قصيرة جدًا ونهاية كل شيء قريبة جدًا، حتى أن كل شيء يعبر سريعًا وكأنه ساعة زمن. ما الذي تحتاجه من الكنوز المكدسة وحشد الخدم والمدبرين؟ لماذا لا يوجد معك من يتحدث عنك وعن إحساناتك؟ أن الكنز الذي تدخره ليس لديه صوت يُنادي به لأجلك، بل إنه يجذب إليه اللصوص، أما الإحسان إلى الفقراء فيصعد إلى الله ويشهد لك أمامه، ويجعل حياتك الحاضرة سعيدة وينقذك من خطاياك، ويقدم لك المجد من قِبَل الله والكرامة من قِبَل البشر. لماذا ـ إذن ـ تحرم نفسك مثل هذه الخيرات الكثيرة جدًا؟

   فأنت في الحقيقية لا تُفيد الفقراء بل بالأكثر جدًا تفيد نفسك. لأنك سوف لا تحسن حالة الفقراء الحاضرة فقط، بل ـ بفعل الإحسان ـ تُدخر لنفسك مسبقًا المجد العتيد وتلك الدالة أمام الله التي أتمنى أن ننالها جميعًا بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة من الآن وإلى الأبد آمين.

 

عظة78 على يو4:16ـ15

 

   ” ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم. وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم” (يو4:16ـ6).

 

إستحوذ الحزن على التلاميذ:

   إن ألم الحزن المفرط هو أمر صعب للغاية ونحن نحتاج إلى شجاعة كبيرة حتى نقف أمامه ونحن متشددين. والألم له فوائد، فعندما نخطئ نحن أو الآخرين فمن الصواب أن نحزن. ولكن لا يجب علينا أن نحزن بشكل مُبالغ فيه على الظروف التي تحدث لنا كبشر لأن ذلك غير مفيد. لقد استحوذ الحزن على التلاميذ الذين لم يكونوا بعد كاملين روحيًا، ولذلك راحوا يلقون عليه أسئلة كثيرة.

   فقد قال له بطرس ” أين تذهب؟” [17]، وتوما قال له: ” يا سيد لسنا نعرف أين تذهب. فكيف نقدر أن نعرف الطريق[18]. وفيلبس أيضًا قال له: ” أرنا الآب[19]. ولكن علينا أن نلاحظ كيف إنه يقومهم بشدة فها هم يسمعون أن اليهود “سيخرجونهم من المجامع” (أنظر يو2:16)، وقول المسيح لهم ” طوباكم إذا أبغضكم الناس[20]، وكذلك: ” تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله[21]، وقد فقدوا شجاعتهم حتى أن آخرين منهم لم يستطيعوا أن يقولوا له شيئًا وظلَّوا في مكانهم.

   وكان الرب يُقدر هذا الموقف، إذ قال لهم: “ ولم أقل لكم من البداية لأني كُنت معكم. أما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم[22].

   حقًا فإن الحزن الشديد يعد أمرًا مخيفًا، إنه مُرعب وقد يؤدي أيضًا إلى الموت. لأجل هذا قال بولس: ” لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المُفرط[23]. يقول لهم: ” ولم أقل لكم من البداية “. لماذا لم يقل لهم من البداية؟ حتى لا يقول أحد إنه قال هذه الأقوال من جراء خبرته ورؤيته لأمور حدثت أمامه مرات كثيرة، أي بمثابة استنتاجات فقط. ولماذا يبدأ في قول أمر صعب جدًا؟ إنه يعرف هذه الأمور من البداية، ولكنه لم يقلها ليس لأنه لم يكن يعرفها، بل كما قال هو       ” لأني كنت معكم“. وهذا الكلام يقوله إنسانيًا، كأنه قال: لأنكم أنتم في آمان وكان في استطاعتكم أن تسألوني حين تريدون، والحرب كلها كانت تنقض علىَّ، وكان من الخطأ أن أقول لكم هذا من البداية. لكنني أتساءل: ألم يقل من قبل مثل هذه الأقوال؟ ألم يقل للتلاميذ     ” وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم. ولأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم[24]. كيف إذن يقول   ” ولم أقل لكم من البداية “. لأنه سبق وقال آنذاك يجلدونكم وتساقون أمام الرؤساء، ولكنه لم يحدثهم عن موتهم، هذا الأمر خطير جدًا حتى أن قتلهم سيعتبر بمثابة عبادة من جانب القاتلين كأنهم يقدمون خدمة إلى الله. وهذا الأمر سيُدهشهم إذا علموه من البداية: أي سوف يُحاكموا فيما بعد ككفار وأُناس متمردين. نستطيع أن نقول أن إعلانه الأول كان يختص بالآلام التي سوف يعانون منها على أيدي الأمم، أما هنا فإنه يضيف، مع التأكيد على آلامهم أيضًا بواسطة اليهود، وأخبرهم أن هذه الآلام قريبة جدًا.

   ” وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم [25].

   وكون أن السيد المسيح قد أعلمهم أنه يعرف مدى حزنهم قد منحهم تعزية ليست بقليلة، إذ أن القلق لأجل غيابه هذا وانتظار المشقات العتيدة أن تحدث (لأنهم لم يعرفوا ما إذا كانوا يستطيعون أن يتحملوا المشقات بشجاعة) جعلهم مندهشين تمامًا.

 

موقف التلاميذ من حديث المسيح:

   لماذا إذًا لم يحدثهم عن ذلك عندما أصبحوا جديرين بأن ينالوا الروح؟ لكي تعلم أنهم كانوا أُناسًا فاضلين جدًا؛ إذ وهم غير جديرين بأن يأخذوا الروح لم يتركوا السيد المسيح والحزن جاثم على قلوبهم، أدعوك أن تتأمل في ما سوف يصيرون عليه عندما ينالون النعمة، لقد تحملوا كل هذا الكلام وسمعوه، لأنه لو إذا كان قد قيل  بعد حلول الروح القدس عليهم لكان الثناء يُنسب للروح، أما الآن فموقفهم هذا يعد ثمرة تفكير ذهنهم وبرهان واضح على آلامهم من أجل المسيح.    ” لكن أقول لكم الحق[26]. هنا يعزيهم أيضًا، لأنه يقول لهم إنني لا أخبركم عن أمور مفرحة، أما إذا كان هذا الكلام صعب فإنني أرى إنكم لابد أن تسمعوه لفائدتكم، لأنكم ترغبون في أن أبقى معكم بينما الفائدة هي في أمر آخر. إن الذي يحب أصدقاءه ويعتني بهم يتصف دائمًا بعدم الخداع فهو يقول لهم ما يفيدهم حتى إذا كان كلامه هذا ضد رغبتهم، فهو بذلك لا يبعدهم عن ما يفيدهم، لذا يقول لهم المسيح. ” إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي[27].

 

 

عمل الروح القدس:

   ماذا يقول هنا أولئك الذين ليس لديهم معرفة لائقة عن الروح القدس؟

   يقولون: هل فائدتهم تكمن في أن يرحل الرب ويأتي العبد[28]؟ لكن، هل رأيت مدى عظمة وقيمة الروح؟ ” إن ذهبت أرسله إليكم[29]. وما هي الفائدة؟ ذاك سوف يبكت العالم، أي أن هؤلاء الذين يتطاولون على الرب لن يفلتوا من العقاب إذا جاء المعزي. لقد تحدث الرسل وقاموا بأعمال ـ قبل حلول الروح القدس ـ تسد أفواه المتطاولين، ولكن عندما تحدث أمور بواسطة الروح، ويقدم التلاميذ تعليمًا كاملاً بالروح ويصنعون معجزات أعظم، سوف يُدان أهل هذا العالم وهم ينظرون أمورًا كثيرة تحدث باسمه، الأمر الذي سيكون بمثابة برهان ساطع لقيامته، كأن المسيح يقول لهم: الآن يستطيعون أن يقولوا، أليس هذا ابن النجار الذي نعرف أباه وأمه. أما عندما يحل الروح المعزي عليكم فسوف يروا كيف يقضي على الموت ويهرب الشر وتُشفى الطبيعة البشرية من الشلل، و تُطرد الشياطين، وهكذا يتضح أن عطية الروح عظيمة وتفوق الوصف (انظر أع1:2ـ وما بعدها). إن كل هذا يحدث باسمي، فماذا إذن سيقولون؟ لأن الآب يشهد لي وسوف يشهد أيضًا الروح، لقد شهدَّ بكل تأكيد في البداية (متى17:3)، لكن سيشهد أيضًا والآن.

   ” يُبكت العالم على خطية[30]. يعني أنه سيقضي على عنادهم وسيُظهر لهم إنهم ارتكبوا أمورًا لا تُغفر. ” وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا[31]. لقد منحنا حياة لا تُدرك بالعقل. وهذا برهان على أنه سوف ينتقل إلى أبيه، نظرًا لأنهم دائمًا كانوا يدينونه بأنه لم يأت من الله، ولذلك دعوه خاطئًا ومخالفًا، لذا يقول أنه سيدحض هذا المبرر أيضًا. انه يريد أن يقول: إنهم لم يعتبروني آتيًا من عند الله، الأمر الذي يُظهرني مخالفًا، وعندما يُبرهن الروح بأنني أنتقل إلى هناك ليس للحظة بل إنني أبقى هناك إلى الأبد (لأنه “بعد قليل لا تبصرونني”)، ما الذي سوف يقولونه أيضًا؟ انتبه حيث أنه ثبت خطأ رأيهم الشرير من خلال نقطتين: إن عمل المعجزات ليس من سمات الخاطئ (إذ إنه لا يتمكن من عمل معجزات)، كما أن القرب من الله بصفه دائمة ليس من صفاته ولذلك فإنهم لا يستطيعون إن يقولوا أن هذا خاطئ، وأنه لم يأتِ من الله.

   ” وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين[32]. يتحدث هنا أيضًا عن البر، لأنه انتصر على المقاوم لبره. وكان من المستحيل أن ينتصر عليه لو كان هو خاطئًا. ولم يتمكن أي بار من القيام بهذا العمل. ومن حيث إن رئيس هذا العالم قد دين بواسطتي، فهذا يعرفه أولئك الذين سوف يدسونه تحت أرجلهم فيما بعد. وسوف يعرفون بوضوح قيامتي، وهذا ما يميز الشخص الذي يحكم ويُدين، لأنه لم يستطع أن يتحداني. لقد قالوا عني إن بي شيطان وأنني مُضِل، ومثل هذه الاتهامات سوف تظهر أنها لا تستند على الحق، لأنني لو كنت خاطئًا لما استطعت أن أُنازله، أما الآن فقد أُدين وهُزم.

   ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن ” إذن ” خير لكم أن أنطلق “، حيث آنذاك سوف تفهمون هذه الأمور وتحتملوها عندما أنطلق. ما الذي حدث؟ هل الروح أعظم طالما إنكم لا تحتملون الآن هذه الأمور، بينما ذاك (الروح) سوف يعدِّكم لكي تفهموها؟ هل عمل الروح أعظم وأكمل؟ ليس الأمر هكذا، طالما أن المعزي سيقول أن هذا هو ما قلته لكم. لذلك يقول: ” وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي[33].

   إذًا، فلأنه قال ما يعني ” ذاك يمجدني. ويذكركم بكل شئ. ويعزيكم في حزنكم”، الأمر الذي لم يفعله هو، وكذلك حين قال: “خير لكم أن أنطلق”، وأيضًا ” لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. لكن حينذاك تستطيعون” وكذلك ” فهو يرشدكم إلى جميع الحق”، ولكي لا يعتبروا وهم يسمعون هذه الأقوال أن الروح أعظم ويقعون في كُفر رهيب، لأجل هذا يقول ” يأخذ مما لي” أي أنه سوف يقول نفس الكلام الذي قلته. وعندما يقول ” لا يتكلم من نفسه ” يقصد أنه لا يتكلم بشئ معارض، لن يقول شيئًا من عنده، بل فقط ما قلته أنا. مثلما يقول عن ذاته ” لست أتكلم به من نفسي[34]، هذا يعني، أن لا شئ من هذا الكلام الذي أقوله هو خارج عن أقوال الآب، لا شئ لديه مناقض لذاك وغريب عنه، هكذا أيضًا عندما تحدث عن الروح. “مما لي” تعني أي ما أعرفه أنا، أي من معرفتي، لأن معرفتي ومعرفة الروح واحدة. ” ويخبركم بأمور آتية ” لقد استنفر اهتمامهم لأن لا شئ يشتاق إليه الجنس البشري مثل أن يعرفوا الأمور الآتية التي سوف تحدث. لذلك كانوا يسألونه باستمرار ” أين يذهب؟”، أي مجد يكون هذا؟ (أنظر يو5:14، 36:13). إذن لقد حررَّهم من هذا الإنشغال، إذ يقول إن كل الأمور سوف يقولها لكن مسبقًا حتى تكونوا مستعدين.

   ” ذاك يمجدني” كيف؟ عندما يطلب الرسل اسمى سوف يحقق الروح أعمالاً عظيمة. فسوف يعملون معجزات عظيمة عندما يأتي الروح، لأجل هذا، يقول مشيرًا إلى المساواة: “ذاك يمجدني”. ماذا يقصد بقوله ” جميع الحق” هذا يعني أن الحق يُشهد له بواسطة المعزي، فالمعزي سوف “يرشدنا إلى كل الحق” أي إلى الرب نفسه لأنه أخذ جسدًا بشريًا ولم يحدثهم حديثًا كاملاً عن ذاته، ولم يعرفوا معرفة كاملة عن القيامة إذ كانوا غير كاملين روحيًا.

   وبالنسبة لليهود لم يقل لهم شيئًا روحيًا ساميًا حتى لا يعاقبونه مُعتبرينه مخالفًا لتعاليمهم، وذلك من جراء عدم فهمهم، وعندما أخذ التلاميذ وفصلهم عن قطيعهم ـ إذ كانوا سابقًا خارج كرم يسوع ـ آمن كثيرون وغُفرت لهم الخطايا، وآخرون تحدثوا معه بحسب المنطق الطبيعي، لذا لم يقل لهم الكثير عن ذاته. هكذا فكأنه يقول: إنني لم أقل ما ينبغي أن أقوله، وهذا لا يرجع إلى جهلي بل بسبب الضعف الروحي للسامعين. وحيث إنه قال ” فهو يرشدكم إلى كل الحق” وأضاف ” لا يتكلم من نفسه“، الروح لا يحتاج إلى تعليم، إسمع بولس الرسول حين يقول: ” أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله [35]. إذن فكما أن روح الإنسان هو الذي يعرف الإنسان دون أن يتعلم من آخر، هكذا الروح القدس ” يأخذ مما لي ويخبركم” أي سوف يتكلم بما يتفق مع أقوالي. ” كل ما للآب هو لي“. إذن الباراكليت سوف يثبت أقوالي الخاصة، وهذه الأقوال هي للآب، إذن فهو يخبر بكلام الآب الذي هو كلامي.

   لماذا لم يأتِ الروح قبل رحيل المسيح من العالم؟ لأن اللعنة لم تكن قد بَطُلت بعد، والخطية لم تكن قد هُزمت، وكان الجميع لا يزالون تحت القصاص، لذا لم يكن ممكنًا أن يأتي. وكان لابد للعداوة أن تنتهي وأن تتصالحوا مع الله وبعد ذلك تقبلون تلك العطية. لكن لماذا يقول “سأرسله[36]. أي سوف أعَّدكم لكي تقبلوه، لأنه كيف يُرسل ذاك الذي هو حاضر دائمًا؟ أراد إذن أن يُظهِر لهم تمايز الأقانيم. هناك سببان وراء ما قاله: أولاً: كان هؤلاء مرتبطين به بشدة، فلابد أن يقنعهم بأن يقبلوا إلى الروح ويطيعوه، لأجل هذا أيضًا جعل الروح يصنع عجائب لكي يدركوا قدرته ومكانته. وكما أن الآب يستطيع أن يُحضر الكائنات إلى الوجود إلا إنه جعل الابن يفعل ذلك، هكذا أيضًا فقد جعل الروح يفعل كل هذه الأمور لكي يدركوا قوته. لأجل هذا أيضًا تجسد الابن ولكنه جعل الروح هو الذي يتمم كل ما فعل. لقد وجد البعض في محبة الابن غير الموصوفة دافعًا للكفر؛ إذ اعتبروا الابن المتجسد أقل من الآب. ونحن نقول لهم: ما الذي سوف تقولونه عن الروح؟ لأنه لم يأخذ جسدًا. إنكم لن تقولوا بالطبع لأنه، لهذا السبب، أعظم من الابن، ولا الابن أقل منه. إننا ننال عمل الثالوث في المعمودية، حيث إن الآب يمكن أن يفعل كل شيء وكذلك الابن والروح القدس. الثالوث حاضر في الحياة السرائرية حتى لا يتشكك أحد في الابن والروح القدس، فنحن نتعلم شركة الأقانيم أثناء شركة عطية تلك الخيرات السرائرية.

   حقًا إن الابن يستطيع أن يفعل كل هذه الأمور بمفرده حيث انه يشترك مع الآب والروح القدس أيضًا أثناء المعمودية. أرجو أن تسمع هذه الأقوال بوضوح إذ يقول لليهود: ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا[37]، وأيضًا        ” لتصيروا أبناء النور[38]، و ” أنا أعطيها حياة أبدية[39]. وبعد ذلك يقول: ” أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل[40]. دعونا نرى أيضًا الروح الذي يصنع هذا بعينه. أين نراه يفعل ذلك؟ نرى هذا في الشواهد الكتابية الآتية: “ ولكل واحد يُعطى إظهار الروح للمنفعة[41]. ] ذاك الذي يمنح هذه يستطيع بالأكثر جدًا أن يغفر الخطايا[، وأيضًا ” الروح هو الذي يُحيي[42]. و”سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم[43].” و ” أما الروح فحياة بسبب البر[44]. وأيضًا ” إذا أنقدتم بالروح فلستم تحت الناموس[45]، ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا آبا الآب[46]، أليس ما فعله (الآب) فعله (بواسطة) الروح، ولذا بولس كتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: ” ولكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا[47].

   إذًا فلأنهم سمعوا كثيرًا عن الآب ورأوا الابن يتمم أعمالاً كثيرة، بينما لم يكونوا يعرفون شيئًا بعد بوضوح عن الروح، جاء دور الروح القدس ليصنع معجزات ويمنح المعرفة التامة. لكن لئلا يعتبر البعض إنه بسبب هذا الدور الذي سوف يقوم به فهو يعتبر أعظم من الابن (كما قُلت سابقًا)، قال لتلاميذه ” كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية“.

   هل الروح سيسمع كلام الآب ثم ينقله للتلاميذ؟ يقول البعض إن لديه معرفة كاملة فقط لأجل أولئك الذين سيسمعون. وأنا أقول لهم: أي مخالفة أكثر من تلك المخالفة التي تراها في هذه الأقوال التي يتقولون بها عن الروح؟. على الجانب الآخر ما الذي سوف يسمعه؟ أليس كل هذا الكلام قيل بواسطة الأنبياء؟ سوف يتحدث عن إبطال الناموس، ونحن نقول: قد قيلت هذه الأقوال، وإنه سيتحدث عن المسيح، وإلوهيته وتدبيره، نقول: لقد قيل كل ذلك. فما هو الأهم الذي سوف يقوله بعد كل ذلك؟ ” يخبركم بأمور آتية” هنا يبرهن ـ قبل أي شيء ـ على رتبته ومكانته في الثالوث كأحد الأقانيم الثلاثة، فإنه من صفات الله أن يعرف ما سيحدث في المستقبل. هنا يُعلن أن لديه المعرفة الكاملة والدقيقة عن الله وليس مثل الأنبياء الذين تنبأوا عن بعض الأمور. لذا يستحيل على الروح أن يقول شيئًا مختلفًا عما لدى الآب والابن.

   ” يأخذ مما لي ” أي ستكون له نفس المعرفة التي لي وهو مثلي ليس في احتياج أن يتعلمها من آخر، فالمعرفة واحدة بالنسبة لي وله. إنه يحدثهم هنا بهذه الطريقة حتى يتعرفوا على الروح ويصدقوه وحتى لا يعثروا، إذ سبق وقال لهم ” معلمكم واحد المسيح[48]، حتى لا يظنوا أن سماعهم للروح فيه معصية. فالتعليم هو واحد، تعليمي وتعليم الروح. كأنه يقول لهم: لا تظنوا أن تعليم الروح مختلف، طالما أن تلك التعاليم هي من تعاليمي وتكوَّن مجدي الخاص، لأنها بمشيئة الآب والابن والروح القدس. هكذا يريد أن نكون نحن هكذا، لذا قال: ” ليكونوا واحدًا كما نحن[49].

 

المحبة والوفاق:

   لا شيء أفضل من الإتحاد والإتفاق، فيهما يصير الواحد واحدًا في كثيرين، فإن كان يوجد اثنان أو عشرة لهم نفس الرأي والوحدة، فلن يصبح الواحد من العشرة هو واحد بعد، بل كل واحد من هؤلاء يصير عشرة أضعاف، وسوف تجد في العشرة واحد وفي الواحد عشرة. والعدو لا يقدر عليهم لأنه بينما يقاتل واحدًا منهم يجد نفسه يقاتل عشرة. هل يفتقر الواحد لأي شيء؟ لا، ليس هو في إحتياج بل له ما يكفيه من حيث القسم الأعظم (التسعة)، والجزء الصغير (الواحد) يغتني بالتسعة (الجزء الأكبر). كل واحد من العشرة له عشرون يد وعشرون عين وأرجلاً وإمكانيات أخرى كثيرة.

   إذن لن يرى بعينيه فقط بل بأعين الآخرين، لا يستند فقط على أرجله بل على أرجل الآخرين، لا يعمل فقط بيديه بل بأيدي الآخرين. لديه عشرة نفوس. وبذلك لن يكون وحيدًا بمفرده في إعتنائه بنفسه بل إن الآخرين يعتنون به. ولو كانت العشرة مائة فسيحدث نفس الأمر وسوف تتسع قوتهم.

   هل رأيت كيف أن المحبة القوية تجعل الواحد لا يُهزم بل تتضاعف قوته؟ كيف يُوجد الواحد في كل مكان أيضًا؟ بمعنى يُوجد في بلاد فارس وفي نفس الوقت في روما؟ فما لم تنجح فيه الطبيعة البشرية، تحققه المحبة؟ بالمحبة يُوجد هنا وهناك. فإن كان لديه ألف صديق أو ألفان، تأمل عندئذٍ في مدى قوته المتزايدة. هل رأيت مدى تزايد المحبة؟ فالمحبة تجعل الواحد يصير ألوفًا. لماذا إذن لا نحصل على هذه القوة ونؤَّمِن ذواتنا؟ هذا هو أعظم من كل سلطان وغِنى. فالمحبة أكثر أهمية من الزعامة ومن النور نفسه، لأنها سبب الفرح. حتى متى نحصر محبتنا في واحد أو اثنين؟

   اعرف الأمر من نقيضه. فإن كان المرء ليس له صديق، الأمر الذي يعتبر مثالاً للحماقة (لأن الجاهل يقول ليس لي صديق)، فأي حياة يعيشها؟ حتى لو كان ما زال لديه ثراء ويحيا في رغد العيش، أو يكسب خيرات لا حصر لها، إلا إنه سينتهي إلى مصير يكون فيه مجردًا وعاريًا من كل شيء. أما بالنسبة للإنسان الذي له كثير من الأصدقاء والأحباب والمحبين، فحتى أن كانوا فقراء، يصيرون أغنياء ومن الأغنياء، والعمل الذي لا يستطيع أن يقوم به هذا الإنسان بنفسه يقوم به الصديق الآخر، وكل ما لا يستطيع أن يمنحه لنفسه يمكن أن يتم من صديق آخر، وسيصبح الأصدقاء سبب فرح لنا وآمان. فإن مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يعاني من أي شر في اللحظة التي يكون فيها مُحاطًا بالأصدقاء ويتمتع بحمايتهم.

   وإن كان حُراس الملك يجتهدون وينشغلون بحراسة الملك، إلا إنهم يتممون هذه الأعمال عن خوف واحتياج، بينما هؤلاء الأصدقاء بدافع المحبة يعتنون بصديقهم ويحرسونه ليس عن خوف. لذا لا يخاف هذا الإنسان من مؤامرات قد تُحاك ضده من الأصدقاء مثل شعور الملك تجاه حُراسه.

   ليتنا نستفيد إذًا من هذا الصلاح. فليشعر الفقير بالعزاء في فقره، والغني فليكن عنده أمان في غِناه، والرئيس فليمارس سلطته بآمان، والمرؤوس ينال القبول من رؤسائه. إذًا فالمحبة والوفاق يجلبان الهدوء والسكينة، هنا نبع الوداعة. فالوحوش لا تحيا في شكل قطيع بل تحيا في رُعب وخوف. لأجل هذا نحن نسكن المدن ولدينا أسواق لكي يتآلف الواحد مع الآخر. لقد أعطى بولس الرسول هذه الوصية، قائلاً: ” غير تاركين إجتماعنا[50]، لأن لا شيء يكون أكثر شرًا من الإنعزال، والإنسحاب وتجنب العلاقات بين البشر بعضهم مع بعض. فماذا ـ إذًا ـ بالنسبة للرهبان الذين احتلوا قمم الجبال؟.

   أقول لكم: ولا حتى أولئك هم بدون أصدقاء، ولكنهم تجنبوا ضوضاء السوق، وأصدقاءهم كثيرون من الذين لهم نفس توجهاتهم ومرتبطين بشدة فيما بينهم، ولكي يصلوا إلى ذلك إرتحلوا إلى الجبال. فإن العِراك من أجل الأشياء العالمية يخلق نزاعات كثيرة، لأجل هذا، تركوا العالم ومارسوا المحبة باهتمام كبير.

   ماذا إذن، إن كان شخص، يقول إنه وحيد بينما الآخر له أصدقاء لا حصر لهم؟ إنني أريد بكل تأكيد، أن يتآلف الواحد مع الآخر، وأهم شيء هو أن الصداقة ثابتة. والمكان لا يصنع الأصدقاء، فالمحبة بين الأصدقاء هي الأهم. وهؤلاء أيضًا يُصلَّون لأجل كل المسكونة، الأمر الذي يبرهن على الصداقة الكاملة. ولذلك فالواحد يقبل الآخر أثناء تتميم الأسرار، لكي يصير الكثيرون واحدًا، وجميع الداخلين للإيمان يصلون صلاة واحدة، ونطلب جميعًا من أجل المرضى، وثمار المسكونة ومن أجل الأرض والبحر. هل رأيت قوة المحبة في الصلوات، وفي الأسرار، وفي النصائح والإرشاد؟ أنها السبب وراء جميع كل الصالحات. دعونا نمارس المحبة بطريقة تليق وننظم حياتنا الحاضرة جيدًا وسوف ننال الملكوت السمائي الذي ننتمي إليه جميعًا. ليتنا نناله بنعمة مُحب البشر ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

[2] يو26:15ـ27.

[3] يو14:8.

[4] أع41:10.

[5] يو1:16.

[6] يو2:16.

[7] يو2:16.

[8] يو3:16.

[9] مت11:5ـ12.

[10] يو4:16.

[11] يو3:16.

[12] يو21:15.

[13] يو20:15.

[14] مت2:7.

[15] مت45:25.

[16] لو25:16.

[17] يو36:13

[18] يو5:14.

[19] يو8:14.

[20] لو22:6.

[21] يو2:16.

[22] يو4:6ـ6.

[23] 2كو7:2.

[24] مت17،10ـ 18.

[25] يو5:16ـ6.

[26] يو7:16.

[27] يو7:16.

[28] هنا يقصد الرأي الهرطوقي بأن الروح القدس هو مجرد عبد مخلوق.

[29] يو7:16.

[30] يو8:16.

[31] يو10:16.

[32] يو11:16.

[33] يو13:16ـ15.

[34] يو10:14.

[35] 1كو11:2.

[36] يو26:15.

[37] يو10:2.

[38] يو36:2.

[39] يو28:10.

[40] يو10:10.

[41] 1كو7:12.

[42] يو63:6.

[43] رو11:8.

[44] رو10:8.

[45] غلا18:5.

[46] رو15:18.

[47] 1كو11:6.

[48] مت8:23.

[49] يو11:17.

[50] عب25:1.

 

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version