أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

أحد الرفاع

من تفسير للقديس يوحنا ذهبي الفم

(على إنجيل متى)

الصدقة:

” احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات ” (مت1:6)

 

1ـ أن المسيح الآن يطرد الشهوة الأكثر سيطرة من بين كل الشهوات: جنون محبة المجد الباطل، التي استولت على هؤلاء الذين يتممون الوصايا الإلهية شكليًا. هذه الشهوة لا توجد من ذاتها، بل تظهر دائمًا أثناء تتميم الوصايا التي أوصانا بها المسيح. كان ينبغي أولاً أن يزرع الفضيلة، ثم بعد ذلك يجتث المرض الذي يؤثر على ثمارها. لاحظ من أين يبدأ؛ من الصدقة، والصوم، والصلاة. فإن محبة المجد الباطل قد تأتي أثناء ممارسة هذه الفضائل. لقد انتفخ الفريسي قائلاً: ” أصوم مرتين في الأسبوع واعشّر كل ما أقتنيه” (مت12:18). وفي صلاته هذه كان يُظهر افتخاره، ولأنه لم يكن حاضرًا إلاّ العشار، عقد مقارنة بينه وبين العشار قائلاً: ” إني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار” (مت11:18).

          لاحظ أيضًا كيف بدأ؟، إنه يتحدث كما لو عن وحش مفترس، من الصعب أن يُمسك، وأيضًا ، من السهل أن يخدع الإنسان غير المتيقظ، لذلك يقول: ” احترزوا من جهة صدقتكم“، وهكذا أيضًا يقول بولس لأهل فيلبي ” انظروا (احترزوا) الكلاب” (2:3). لقد قدّم لنا، الله الآب الذي يشرق شمسه على الأشرار والأبرار، وبكافة الطرق يحثنا على فعل الوصية، ويقنعنا بأن نفرح بوفرة العطية، نازعًا كل الزوان الذي يعطل الزيتونة. لذلك يقول: ” احترزوا أن لا تصنعوا صدقتكم قدام الناس” ثم يضيف ” لكي ينظروكم“. فالمهم ليس هو العطاء ذاته لكن الدافع أو الغرض من العطاء. إن لم يوجد هذا التمييز الدقيق، فإن كثيرين سيترددون في تتميم فضيلة الصدقة، طالما أنه ليست هناك طريقة لكي يمارسونها في الخفاء. لذلك فهو يحررك من هذا الخوف، ويحدد العقوبة والمكافأة، ليس بنتيجة العمل، لكن من خلال الغرض منه. وحتى لا يتساءل أحد قائلاً: ما الذي سوف يصيبني إذا رآني أحد أمارس الفضيلة؟. الرب يطلب منك فكرك وطريقتك في العطاء، لأنه يريد أن يجدّد نفسك ويحررها من أي مرض. وطالما أوضح لهم الضرر الذي يسببه هذا المرض، فإنه يقوّي إرادتهم ثانيةً ويذكّرهم بالآب والسماء حتى لا يزعزعهم بمجرد ذكر الضرر فقط، بل يستحثهم بقوله: ” فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات“. ولم يتوقف هنا، بل استمر أبعد من ذلك، محاولاً أن يحرضهم بأمور أخرى كثيرة. كما قدم لهم ـ من قبل ـ عادات الفريسيين والأمم التي تجلب عارًا على الذين يتشبهون بهم، هكذا هنا يقدم المرائين ويقول: ” فمتى صنعت صدقة فلا تصوّت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون” (2:6).

          بالتأكيد لم يمسكوا بوقًا، لكنه أراد أن يشير إلى هوسهم الزائد بالمجد الباطل معبّرًا بذلك عن سخريته واستهزائه بهم. لقد دعاهم “مرائين”، أي “ممثلين”، فالصدقة بالنسبة لهم كانت مجرد قناع، أما قلوبهم فمليئة بالقسوة وعدم الشفقة. فهم يفعلون الصدقة، لا لأنهم يرحمون قريبهم، بل لكي يكسبوا المجد الباطل. وهذه هي قمة القسوة، فالآخر يهلك جوعًا وأنت تطلب المجد الباطل. ليس المهم أن نعطي صدقة، ولكن ما هو غرضنا من  إعطاء هذه الصدقة؟

 

” وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرّف شمالك ما تفعل يمينك ” (مت3:6).

2 ـ وحيث إنه استهزأ بهم بما فيه الكفاية، وأدانهم، حتى يُخجل المستمع، قوّم أيضًا الفكر الذي يعاني من هذا المرض، وقال: ” فلا تعرّف شمالك ما تفعل يمينك“. هنا بالتأكيد لا يقصد الأيدي، بل استخدم الأيدي للتعبير، أراد أن يقول: اعتني بأنك تخفي صدقتك بكافة الطرق، وإن أمكن أن تخفى الأمر عن اليد الأخرى.

          ثم تأمل كم يكون الأجر؟. لقد تحدث عن الجحيم الذي يأتي من علانية الصدقة، والآن يتحدث عن الكرامة التي تأتي من العطاء في الخفاء. إذ يريدنا أن نعرف أن الله يوجد في كل مكان. وأن مسيرتنا لا تنتهي في الحياة الحاضرة، بل من الآن تنتظرنا محاكمة رهيبة، عن كل أعمالنا، ومكافآت وعقوبات. وكل ما فعله المرء سواء صغيرًا أو كبيرًا فلن يُخفى حتى لو ظن أنه مخفي عن كل البشر. كل هذا يشير إليه بقوله: ” فأبوك الذي في الخفاء يجازيك علانية” (4:6)، معطيًا إياه بوفرة ما يرغبه بالضبط. يقول: ماذا ترغب؟ هل تريد أن يكون لديك بعض الناس لينظروا أعمالك؟ الآن لديك، ليس الملائكة ولا رؤساء الملائكة، لكن إله الجميع نفسه. إذا أردت أن يكون لديك مشاهدين من البشر، لن يتأخر في تحقيق رغبتك، وبكل كرم وسخاء. إذا أردت الآن سيكون لك عشرة أو عشرين أو مائة إنسان يشاهدك. لكن إذا أخفيت الآن صدقتك عن أعين الناس، سوف يجازيك الله حينئذٍ علانية، في حضور كل المسكونة. إذا أردت أن يري الناس فضائلك، عليك أن تخفيها الآن حتى يراها وقتئذٍ الكل وتحصل على مجد عظيم، فسوف يظهرها الله ويرفعها ويعلنها للجميع. الذين يشاهدونك الآن سوف يدينوك كمحب للمجد الباطل، أما عندما يشاهدونك متوجًا، ليس فقط لا يدينونك بل سوف يمدحونك.

          ياللحماقة، أتخسر أجرك بينما في إمكانك أن تطلب الأجر من الله ويكون لك مُشَاهِد إلهي، فأنت حين تفتخر الآن بأعمالك فأنت تطلب الأجر من البشر. فإن كان لابد أن تتباهى، فيجب أن تتباهى أمام الآب، الذي في سلطانه التتويج والعقاب معًا. من هو أكثر تعاسة من ذلك الذي يترك الملك الذي جاء خصيصًا ليرى أعماله، ويتوسل للبشر حتى ينظروا إليه؟! لذلك يأمر، ليس فقط بعدم التظاهر، ولكن يأمر أيضًا أن نجاهد لكي نتمم الفضيلة في الخفاء:

 

الصلاة:

” ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس، الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك واغلق بابك وصَلِ إلى أبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية” (5:6 ـ 6).

          للمرة الثانية يدعو هؤلاء “مرائين”، وحسنًا فعل، إذ يدّعون أنهم يصلون إلى الله لكن يظهروا للناس من حولهم، ولا يقفون كما يليق بالمتضرعين، لكن مثل أناس مستهترين. فالذي يتضرع عليه أن يترك الكل، وينظر فقط إلى ذاك الذي عنده المقدرة على تحقيق طلبه. إنما لو تركت الله وأخذت تراقب وتحوم بعينيك في كل مكان حولك، سوف تعود بعد ذلك خالي الوفاض. هل تريد أجرًا؟ إنه لم يقل إن هؤلاء الناس سوف لا يأخذون أجرًا، لكنهم سينالون من الذين يريدون منهم أجرًا أي البشر. الله أراد أن يعطى مكافأة، لكن أولئك طالما يطلبون مكافأة البشر فليس لهم الحق في أن يأخذوا مكافأة الله، خاصة أنهم لم يفعلوا شيئًا لأجلها. أما أنت فانتبه لمحبة الله للبشر، لقد وعَّد أن يمنحنا مكافأة على كل صلاح نطلبه منه.

          وحيث إنه قد أدان هؤلاء الذين لم يمارسوا الصلاة كما يليق، وذلك بالنسبة لمكان الصلاة وبالنسبة للدافع الداخلي، وأظهر خزيهم، فقد قدم في النهاية الطريقة الحسنة للصلاة، مانحًا أيضًا المكافأة، إذ قال: ” فادخل إلى مخدعك“.

 

3 ـ لكن سوف يتساءل شخص: هل يجب أن أذهب للصلاة في الكنيسة؟ نعم ينبغي أن نصلي بكل الطرق، ولكن المهم في الدافع. لأن الله دائمًا يطلب الهدف أو القصد من أعمالنا. لأنه حتى إن دخلت إلى مخدعك وأغلقت بابك وأنت تصلي من أجل التباهي أو الظهور، فسوف لا يفيدك غلق الأبواب بشيء. إذن، لاحظ هنا مدى الدقة التي حدد بها الأمور: ” لكي يظهروا للناس“. إنه يطالبك بتأمين أبواب ذهنك قبل أن تغلق جيدًا أبواب المخدع. إنه من الجيد أن تتخلص من المجد الباطل بالحرى في ساعة الصلاة. كيف نسمع أقوال صلاتنا، عندما ندخل إلى المخدع ومعنا هذا المرض اللعين (المجد الباطل)؟ وإن لم نسمع الكلام الذي نتضرع به إلى الله، كيف نستحق أن يسمعنا الله؟

          للأسف البعض يتصرف ـ بعد كل هذا الكلام الكثير الذي قلناه ـ بشكل غير لائق تمامًا أثناء الصلاة. فبالرغم أنهم لا يظهرون بأجسادهم، إلاّ أنهم يُظهرون ذواتهم للكل بأصواتهم، صارخين بصوت عالٍ كأنهم في سوق خادعين ذواتهم بالتمايل والصوت العالي.

          ألا ترى أنه حتى في السوق، فإن مَنْ يقترب بمثل هذه الطريقة ويستعطى بأصوات عالية سوف يجعل الشخص الموجه له هذا التوسل يبتعد بعيدًا؟! بينما لو اقترب بهدوء وبطريقة لائقة عندئذ يتأثر بالحرى هذا الشخص ويعطيه للفور إحسانًا. إذن، ليس بتمايل الجسد ولا بحدة الصوت، لكن بالدافع الحسن علينا أن نصلى. ولا أيضًا بضجة ولا بضوضاء بغرض الظهور، حتى يرانا الذين حولنا، ولكن بطريقة لائقة، بانسحاق النفس وبالدموع من الأعماق. هل أنت متألم في داخلك وتضطر أن تصرخ؟ عليك كما قلت بهدوء أن تصلى وتتضرع يا من تتألم ألمًا كثيرًا. تألم موسى النبي وصلى هكذا وسُمع، لذلك قال له الله: ” ما لك تصرخ إلىّ” (خر15:14). وحنة النبية أيضًا لم يسمع أحد صوتها أثناء الصلاة ونالت كل ما تريد لأنها صرخت بقلبها (انظر اصم3:1). وهابيل أيضًا بموته لم يصمت، لكن صلى ودمه صرخ بصوت أقوى من البوق (أنظر تك1:4). إذن، احزن وأنا لا أمنعك؛ مزق قلبك وليس ثيابك، كما ينصح النبي (انظر يؤ13:2)، اطلب الله من أعماق قلبك ” من الأعماق صرخت إليك يارب” (مز1:130). أطلق صرخة من قلبك، واجعل صلاتك سر. ألاّ ترى أن داخل القصور لا يسمع أحد ضجة إذ يسود الهدوء والصمت المكان كله؟ وأنت أيضًا عندما تدخل القصور، ليست الأرضية، بل الأعظم والأرهب من كل القصور الأرضية، أي السماوية، اظهر وقارًا لائقًا جدًا. لأن جوقة الملائكة لها مكان هناك. فأنت بصحبة رؤساء الملائكة ترنم مع السيرافيم. تصطف كل هذه الطغمات بترتيب وتناسق جميل وبخشوع عظيم ترنم تلك التسابيح السرية المقدسة إلى الله ملك الملوك. ليتك تصير أنت واحدًا من هؤلاء عندما تصلى وتتشبه بنظامهم السري. لأنك بالتأكيد لا تصلى إلى البشر بل إلى الله الموجود في كل مكان، الذي يسمع ونحن نتحدث إليه ويعرف مكنونات نفوسنا. إذا صليت هكذا، سوف تنال أجرًا عظيمًا. يقول: “ أبوك الذي يراك في الخفاء يجازيك علانية“.

          لم يقل سوف يمنحك، لكن سوف يجازيك، وبذلك جعلك مكرّمًا بشرف عظيم. إن الله الذي هو غير منظور، يرغب في أن تكون صلاتك أيضا غير منظورة. يقول لنا بعد ذلك:

 

 ” عندما تصلون لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم” (7:6).

          عندما تحدث عن الصلاة لم يحذر فقط من مرض محبة المجد الباطل، بل أضاف أيضًا شيئًا آخر؛ هو تجنب الثرثرة. ومثلما تهكم هناك على المرائين، يتهكم هنا على الوثنيين محذرًا السامع في كل حالة من تفاهة الأشخاص. إنه يسمّى الهذيان ثرثرة، أي عندما نطلب من الله كل ما هو غير لائق، مثل السلطة والمجد والفوز على الأعداء، أو نطلب نقودًا كثيرة، وعمومًا كل الأشياء التي لا تفيدنا بتاتًا. لأن الله يعرف كل شئ نحتاجه، إذ قال:

” لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه ” (8:6).

 

4ـ بالإضافة إلى كل هذا، يجب أن أنصحكم الآن ألاّ تجعلوا صلواتكم طويلة، لا أقصد بالنسبة للزمن، لكن من جهة كثرة الأقوال. يجب أن نطلب في صلاتنا، نفس الأمور دائمًا بصبر ولجاجة. يقول لنا: ” مواظبين على الصلاة” (رو12:12). والمسيح نفسه قال لنا مثل الأرملة التي استمالت بطلبها القاضي القاسي وغير الرؤوف بلجاجة صلاتها(انظر لو1:18ـ8)، وأيضًا مثل الصديق الذي أتي ليلاً بدون مراعاة وقت النوم، وأنهض صديقه النائم من سريره (انظر لو5:11)، ليس لأنهما كانا صديقان، لكن بإصراره على طلبه. لقد أوصى بأن نصلي إليه بلجاجة، لكن لم ينصح بأن نأتي إليه ونعلن له فقط صلاة تتكون من أعداد لا حصر لها من السطور، هذا ما أشار إليه بقوله ” إنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم” (7:6).

          وإذا تساءل شخص: إن كان الله يعرف احتياجاتنا، فلأي سبب ينبغي أن نصلى؟ ليس من أجل أن تخبره بهذه الاحتياجات، لكن لأجل أن تدنو نحوه، لتثمر باستمرارك في الصلاة وأيضًا لكى تتواضع وأنت تتذكر خطاياك. هكذا يقول لنا:

 

الصلاة الربانية:

” فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات” (9:6).

لاحظ كيف أنه يُنهض السامع ويذكّره في مقدمة الكلام بكل سخاء الله. لأن من يقول إلى الله ” يا أبانا “، بهذا اللقب يقرّ بغفران الخطايا والبر والقداسة والفداء والتبني والميراث والعلاقة الحميمة بالابن الوحيد الجنس، وعطية الروح القدس. لأنه لا يمكن أن تدعو الله أبًا، إن لم يكن قد حصلت على هذه الخيرات. لقد شدّد إرادتهم بالاثنين؛ بالاستحقاق الذي يعطيه من خلال مناداته بلقب “أب”، وبعظم الخيرات التي يتمتعون بها. وعندما يقول   ” في السموات ” لا لكي يحصر الله هناك، بل لكي يرفع المصلى عن الأرضيات وليجعل عينيه محدقةً في الأماكن السامية والمساكن السماوية. يعلمنا أيضًا أن نصلى صلاتنا من أجل اخوتنا، فلا يقول: ” أبي الذي في السموات”، لكن “أبانا”، معلنًا هكذا أن نوجّه تضرعاتنا لأجل الجسد الواحد. وفي أية حالة، لا يهدف المصلي إلى مصلحته الشخصية بل لمصلحة قريبة. بهذه الصياغة قد محا العداوة وأزاح اليأس بعيدًا ونزع الحسد، وأتي بدلاً من كل هذا بأم الصالحات: المحبة. وهكذا أقصى الفروق من بين البشر، وأظهر التساوي في الكرامة بين الملك والفقير، طالما أن الكل مشترك بالتساوي في الأمور العظيمة والجوهرية. هل هناك ضرر يأتي علينا، عندما يربطنا بالانتماء السماوي، حيث لا أحد لديه أكثر من الآخر: الغني من الفقير، السيد من العبد، الرئيس من المرؤوس، الملك من الجندي، الفيلسوف من البربري، والحكيم من الجاهل؟. لقد منح الجميع أصلاً كريم، وجعلنا مستحقين لأن ندعوه ” أبانا “. بعدما ذكّرنا بهذا الكرم وهذه العطية السماوية، والكرامة المتساوية مع اخوتنا و، والمحبة، وذلك بابتعادنا عن الأرض وارتباطنا بالسموات، ليتنا نرى الآن ما الذي ينصحنا به لنطلبه.

 

” ليتقدس اسمك ”:

تعنى ليتمجد. الله طبعًا مجده كامل وهو دائمًا مملوء مجدًا، لكنه يوصي المصلي أن يسعي لكي يمجد الله في حياته الخاصة. لقد قال من قبل نفس الأمر: ” فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السموات” (16:5). والسيرافيم الذين يمجدونه قالوا: ” قدوس، قدوس، قدوس” (إش3:6). هكذا “ليتقدس” يعني يتمجد. اجعلنا مستحقين لكي نحيا بأكثر نقاء، حتى يمجدك الجميع بواسطتنا.

 

” ليأتِ ملكوتك ” (10:6):

وهذه أيضًا طلبة الابن المعترف بالجميل، لكي لا ينخدع بالأمور المنظورة، ولا يعتبر الأمور الحاضرة ذات شأن هام، لكن عليه أن يسير نحو الآب، وألاّ يشتهي الأمور العتيدة. هذا هو الضمير الصالح والنفس المتحررة من الأمور الأرضية.

 

5 ـ هذا ما كان يتوق إليه بولس في كل يوم من حياته. لأجل هذا كان يقول: ” نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضا نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا” (رو23:8). مَنْ لديه هذا الشوق، فلا أمور الحياة الصالحة يفتخر بها، ولا المؤسفة تقلل من قيمته، لكن كأنه يوجد في السموات وقد تخلص من كليهما.

 

” لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض ” (10:6).

          أرأيت هذه الصلاة المتعقلة والهامة؟ لقد أرشدنا أن نشتاق للأمور العتيدة، ونسرع للذهاب إليها. لكن إلى أن يتم هذا، علينا أن نظهر هنا بما سنكون عليه في السماء. ينبغي علينا أن نشتهي السماء والأمور السماوية الأخرى، فينصحنا بأن نجعل الأرض سماءً ونحيا فيها ونسلك كمواطنين سمائيين، هكذا فلنعمل ولنتكلم: لا شئ يعيق وصولنا إلى عظمة القوات السماوية، بسبب أننا نسكن في الأرض، لكن من الممكن أن تحيا هنا وتفعل كل شئ كما لو أنك قد وصلت إلى السماء. وكما أن الكل في السماء خاضع لله تمامًا؛ فالملائكة لا تخضع في أمور وتعصى في أمور أخرى، لكنها مطيعة وخاضعة في كل الأمور، إذ مكتوب:        ” باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه” (مز20:103). هكذا جعلنا نحن البشر مستحقين أن نتمم كل شئ كما يشاء وليس جزء من إرادته.

         

هل رأيت كيف يعلمنا أن نكون فضلاء، إذ يعلن أن الفضيلة ليست مجرد إنجاز خاص بنا، لكن للنعمة الإلهية؟ وأيضًا حدد لكل واحد منا أن نصلي آخذًا على عاتقه مسئولية الاعتناء بكل المسكونة. لأنه لم يقل ” لتكن مشيئتك فيّ أو فينا”، لكن لكل مكان على سطح الأرض، حتى يبيد الضلال ويزرع الحق ويقتلع كل الشر وتأتي الفضيلة ولا تختلف السماء إطلاقًا عن الأرض. لو صار هذا، فسوف لا يختلف ما هو أسفل عن ما هو فوق، بالرغم من أن الاختلاف هو بحسب الطبيعة.

 

”خبزنا اليومي أعطنا اليوم ” (11:6).

          ما معنى ” الخبز اليومي “؟ خبزنا اليوم. ولأنه قال ” لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض“، ثم يتوجه إلى البشر الذين لهم أجساد خاضعة لنواميس طبيعتهم، إذ لا يمكن أن يكون لديهم عدم الهوى (عدم الانفعال) الذي لطبيعة الملائكة، يقول لنا، علينا أن نفعل وصاياه كما يفعل الملائكة، لكنه تنازل من أجل ضعف طبيعتنا، واكتفى بأن نسلك بتدقيق في حياتنا ولم يطالبنا بعدم الهوى. لأن قدرة طبيعتكم لا تسمح بهذا، إنها تحتاج إلى غذاء ضروري. لاحظ كيف ينظر إلى الأمور الجسدية نظرة روحية. لم يقل لأجل الأموال، ولا لأجل الحياة المترفة، ولا لأجل الثياب الفاخرة، ولا لأي شئ مثل هذا، لكن فقط من أجل خبزنا، وحسنًا من أجل خبزنا اليومي، حتى لا ننشغل بخبزنا الذي للغد. لأجل هذا أضاف: ” اعطنا اليوم“، حتى لا نقلق ذواتنا بالانشغال باليوم التالي. لماذا تصرّ على الاهتمام باليوم الذي لا تعرفه؟ وقد تحدث فيما بعد عن ذلك: ” لا تهتموا بالغد” (34:6). إنه يريد دائمًا أن نكون متأهبين ولنا أجنحة مثل الملائكة، معطين للطبيعة البشرية بقدر ما تطلبه الضرورات.

 

وبسبب أننا نخطئ بعد حميم ميلادنا الثاني، قد عيّن لأجل غفران خطايانا أن نصلى إلى الله محب البشر، ونتوجه إليه هكذا:

 

” واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا ” (12:6) .

          هل رأيت المحبة الفائقة؟! بعد أن محا شرورًا كثيرة وبعد عطيته الكثيرة التي لا تُوصف في المعمودية، جعلنا مستحقين للغفران إذا أخطأنا من جديد. إن هذه الطلبة تناسب المؤمنين، وقوانين الكنيسة تعلم بهذا، وكذلك مقدمة هذه الصلاة (أبانا). مَنْ هو خارج الكنيسة لا يستطيع أن يدعو الله أبًا. وبما أن الصلاة تناسب المؤمنين الذين يصلون ويتضرعون ليغفر الله لهم خطاياهم، فإن التوبة لها فاعلية حتى بعد المعمودية. والدليل على ذلك أن المسيح أمرنا أن نصلى هكذا. إنه يذكّرنا بخطايانا، وينصحنا بأن نطلب الغفران وهو على يقين في الوقت نفسه بأن نوال هذا الغفران هو متيسر. من الواضح أنه يريد أن يعلمنا بأنه يمكننا أن نتطهر من خطايانا بعد المعمودية، ولأجل هذا وضع لنا هذه الطلبة. فمن جهة، أراد أن يذكّرنا بخطايانا حتى نسعى نحو الفضيلة. ومن جهة أخرى، بالغفران للآخرين نتخلص من أي ذِكر للشر. وبوعده لنا بأنه سوف يغفر خطايانا، يخلق فينا آمال صالحة ويعلمنا بأن نصير حكماء بمحبة الله للبشر التي لا تُوصف.

 

6ـ ” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي“(14:6)، هكذا الأمر ينطلق منا، والدينونة العتيدة تتوقف علينا. اجعل القرار يتوقف عليك، حتى لا يمكن أيضًا لأحد من الناس، عديمي الإحساس، أن يدينك في المحكمة لأجل أي أمر صغيرًا كان أم كبيرًا. فإن غفرت لخادمك سوف تنال أنت هذه النعمة. بالرغم من أنها لا تكون بالتأكيد مساوية لغفرانك؛ لأنك في احتياج لأن تغفر، أما الله فليس في احتياج لشيء. أنت تغفر لخادمك (الذي هو إنسان مثلك)، أما الله فيغفر لعبده. أنت مُعرض لأخطاء لا حصر لها، أما الله فهو بلا خطية.

          هكذا يعلن الله محبته للبشر. كان يمكن أن يغفر لك كل خطاياك بدون أن تغفر لأخيك، لكن يريد أن يكرّمك ويمنح لك حشد من الفرص لأنه يحبك. يريد أن يقتلع الرغبات المتوحشة بداخلك ويطفئ شعلة الغضب التي فيك، ويربطك بأخيك من كل جانب.

          هل هناك شيئًا تريد أن تقوله؟ هل تألمت ظلمًا من جارك؟ تذكّر أنك تأتي لكي تنال غفرانًا لأجل مثل هذه المظالم. وهذا الغفران الذي تناله ربما لأمور أعظم من الألم الذي سببه لك جارك. ومع كل هذا ينتظرك هناك أجر عظيم، وسوف لا يطلب منك الله جوابًا على إي من أخطاءك. إذن أي عقاب نكون جديرين به، إذ بينما لدينا إمكانية أن يُغفر لنا، ونحن نخون خلاصنا (في حالة عدم غفراننا لأخينا)؟ كيف نكون مستحقين لأن يسمع لنا الله طلباتنا، بينما نحن لا نريد أن نعتني بأنفسنا، لأجل أمور في متناول أيدينا (يقصد أن نسامح الآخرين)؟

 

” ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين ” (13:6).

          هنا يظهر بوضوح مدى ضعفنا محجمًا كبرياءنا، معلمًا إيانا أن نتجنب الخوض في التجارب، وعلينا ألاّ نندفع نحوها. هكذا فإن انتصارنا بعد ذلك سيكون أكثر بهاءً، أما هزيمة الشيطان فستكون أكثر فظاعة. فعندما نظل هادئين منتظرين وقت الحروب سوف نبرهن على أننا لا نحب المجد الباطل، بل نحب سمو الروح.

هنا يدعو الشيطان ” الشرير” حتى نتأهب دائمًا لحرب مستمرة ضده، وأيضًا لكي يُظهر لنا أن هذا اللقب “الشرير” ليس صفة لطبيعتنا. فالشر ليس من تكوين طبيعتنا لكن نتيجة اختيارنا. بينما الشيطان دُعي شريرًا بسبب شره الزائد، وبسبب أنه يشن علينا حربًا بلا هوادة، بدون أن نرتكب شرًا. لذلك لم يقل ” نجنا من الشرور”، بل ” من الشرير“. يعلمنا أن لا نسئ إطلاقًا لاخوتنا في الإنسانية لأجل شر فعلوه لنا، لكن فلننقل عداوتنا لهم، نحو الشيطان، لأنه هو علة كل الشرور.

          وطالما حدثنا عن الحروب والتجارب، يشجعنا ثانية ويسمو بنا مذكرًا إيانا بالملك الذي نخضع له، مؤكدًا لنا أنه أعظم قوة من الكل، فيقول لنا:   ” لأن لك الملك والقوة والمجد“. بالتالي فإن كان المُلك له، فلا أحد ينبغي عليه أن يخاف، لأن لا أحد يستطيع أن يقف ضده أو يشاركه في سلطته. عندما يقول: ” لأن لك الملك“، يُظهر أن الشيطان الذي يحاربنا هو أيضًا تحت سلطانه. وعندما يحاربنا الشيطان، فإنه يفعل ذلك بسماح من الله. لأن الشيطان أيضًا من عبيد الله، بالرغم من أنه من المتمردين عليه. وما كان يتجرأ على مهاجمة أحد من عبيد الله، إن لم يكن قد أخذ تصريحًا من فوق. ولماذا أقول مهاجمة أحد من عبيد الله؟! فإنه لا يتجرأ على مهاجمة الخنازير، إلاّ إذا أخذ تصريحًا من السماء.

          و” القوة “: إذن، إن كنت ضعيفًا للغاية فلك الحق أن تحصل على شجاعة وثقة لأن لك مثل هذا الملك الذي يحقق لك كل شئ بسهولة.

” والمجد إلى الأبد آمين ” .

7 ـ ولا يخلصك فقط من المصاعب التي تأتي عليك، لكن يستطيع أن يجعلك مُمجدًا ومتألقًا. فكما أن قوته عظيمة، هكذا مجده لا يُوصف، وكلاهما أزليان وليس لهما نهاية. أرأيت كيف أعَّد كل شئ ليجعلك مثل الرياضي، جسورًا وشجاعًا؟

          لقد أراد أن يُظهر أنه يمقت ويكره تذكار الشر، ويستحسن ـ أكثر من أي شئ ـ الفضيلة المُضادة للشر، ويقود المستمع إلى طاعة الوصية.

 

” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم ” (15،14:6).

          وقد ذكر أيضًا السموات والآب، حتى يشجع المستمع القاسي القلب، إذ له مثل هذا الآب السماوي، وعليه أن لا يسلك سلوكًا أرضيًا لأن دعوته هي من السماء. لأننا لا ينبغي أن نكون أولاده بالنعمة فقط، لكن بأعمالنا أيضًا. ولا يوجد شئ يجعلنا متشبهين بالله بقدر أن نمنح غفرانًا للأشرار ولكل الذين يسيئون إلينا. كما علمنا منذ قليل: أن الشمس تُشرق على الأشرار والأبرار. لذلك أمرنا بأن نصلى جميعنا صلاة مشتركة: ” أبانا”  و” ليتقدس اسمك، كما في السماء كذلك على الأرض“، و” خبزنا كفافنا أعطنا“، و” واغفر لنا ذنوبنا“، و” لا تدخلنا في تجربة“، و” نجنا“. هكذا أراد أن نستخدم صيغة الجمع حتى لا يكون لدينا ضد أخينا أي أثر للغضب. فكم يستحقون العقاب الذين ـ بعد كل هذا ـ ليس فقط لا يغفرون، بل يدعون الله لكي ينتقم من أعدائهم، بينا الله يفعل كل شئ حتى لا يكون هناك خصام فيما بيننا؟

          ولأن المحبة هي أصل كل الصلاح، فإن الرب يزيل كل ما يفسدها من أي جهة، ويلصقنا الواحد بالآخرين. لا يوجد أحد: لا أب، ولا أم، ولا صديق، قد أحبنا بالقدر الذي أحبنا به الله الذي خلقنا. وهذا واضح جدًا من إحساناته وأعماله. فلو حسبنا بالتفصيل مخالفتنا وخطايانا ليوم واحد، سوف ندرك مقدار المصاعب التي نستحق أن نعاني منها. سوف أترك المخالفات الخاصة التي يفعلها كل واحد، ودعوني أذكر المخالفات المشتركة والتي تحدث الآن؛

مَنْ منكم لم يصلي برخاوة؟!

مَنْ منكم لم ينتابه اليأس؟!

مَنْ منكم لم يحب المجد الباطل؟!

مَنْ منكم لم يتكلم بسوء على أخيه؟!

مَنْ منكم لم يسبب لأخيه شهوة ردية؟!

مَنْ منكم لم يضمر في نفسه شرًا تجاه عدوه؟!

مَنْ منكم لم ينتفخ بقلبه؟!

          إن كنا ونحن موجودين في الكنيسة ولفترة زمنية قصيرة نرتكب أخطاء كثيرة، فماذا يحدث بعدما نخرج من هنا؟!

          فإذا هبت علينا أمواج كثيرة ونحن داخل الميناء، وعندما نبحر في بحر المتاعب، أقصد السوق والأشغال العامة والاهتمامات العالمية، هل سوف نستطيع التعرف على ذواتنا؟!

          لكن لكي نتخلص من خطايا كثيرة، أعطانا الله طريقًا سريعًا وسهلاً، لا يجلب علينا أي متاعب. هل يصعب عليك أن تغفر للذي أخطأ إليك؟!

 

8 ـ لا تحتاج أن تجوب البحار، ولا أن تسافر أسفارًا طويلة، ولا أن تتسلق قمم الجبال، ولا أن تقترض نقودًا، أو أن تعذب جسدك، بل يكفي أن تريد وسوف تُمحى كل خطاياك.

          أي رجاء لك لتخلص، إن كنت لا تغفر لعدوك، بل بالإضافة إلى ذلك تصلى إلى الله ضده، وأنت تظهر كأنك تصلي، بينما تصرخ صراخًا وحشيًا، وتحوّل سهام الشرير ضدك؟ لذلك فإن بولس عندما يتحدث عن الصلاة، لا يطلب شيئًا، بقدر حفظ هذه الوصية: ” رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال” (1تي7:2). فإذا كنت في حاجة إلى رحمة الله، وتتمسك بغضبك بالرغم من أنك تعرف جيدًا أنك بموقفك هذا تطلق سهام الشرير على ذاتك، متى تصير محبًا وتطرد هذا السم الشرير؟! إن لم تدرك حجم هذا الخطأ، افحصه في علاقات البشر بعضهم لبعض، وعندئذٍ سوف تتحقق من مدى الحالة المهينة التي وصل إليها البشر. على سبيل المثال: عندما يأتي إليك شخص يطلب رحمتك جاثيًا على الأرض، وعندما انتهى من توسله هذا، رأي عدوه قادم، فنهض للتو وأخذ يضربه ويتوعده، ألاّ سوف تغضب بالأكثر ضده؟

          تأمل؛ إن نفس الأمر يحدث مع الله. وبينما أنت تتضرع إلى الله، تترك تضرعك وتضرب بكلامك عدوك وتحرض المُشرّع (الله) بأن يصب جام غضبه على الذين يسيئون إليك، وكأنك لا تكتفي بمخالفة ناموس الله، بل تريد أن يفعل الله نفس الأمر!! هل نسيت كل ما أعلنه لنا؟ أتظن أن الله مثل الإنسان؟ إن الله الذي يعرف كل شئ ويريدنا أن نحفظ وصاياه بكل دقة، وأنت تبتعد كثيرًا عن فعل الأمور الجديرة بأن تفعلها، فتجعله يتحول عنك ويمقتك، لأن ما تقوله يتطلب أقصى العقوبات.

          يوجد كثيرون يهذون إلى هذه الدرجة، حتى أنهم يلعنون ليس فقط أعداءهم بل أولادهم، ويتمنون ـ لو كان في الإمكان ـ أن يأكلوا أجسادهم. لا تقل لي؛ إنك لم تغرس أسنانك  في جسد الذي أساء إليك. لقد فعلت شيئًا سيئ جدًا، وذلك عندما أعلنت رغبتك في أن يسقط فوقه غضب السماء، لكي تسلمه للعقاب الأبدي وتدمره مع كل عائلته.

أليس هذا الأمر هو أسوأ من كل اللدغات؟ أليس هو أكثر ألمًا من كل النبال؟ ألم يعلمك المسيح بأن مثل هذه الأمور هي أسوأ من أفواه ملطخة بالدماء؟ كيف بعد ذلك تقترب من الذبيحة؟ كيف تتذوق دم الرب؟ فعندما تصلي وتقول: اسحقه ودمر بيته ودمره من كل جهة، فأنت لم تختلف في شئ عن قاتل أو بالحرى عن وحش مفترس.

 

9 ـ ليتنا نُوقف هذا المرض، وهذا الهَوَس، ودعونا نقدم محبة للذين أساءوا إلينا، لكي نصير متشبهين بإلهنا السماوي، وسوف نتوقف لو أحضرنا في ذهننا خطايانا الخاصة. ولو فحصنا بدقة كل الأخطاء التي فعلناها في البيت، وفي السوق وفي الكنيسة. على الأقل فنحن نستحق لأجل عدم مبالاتنا هنا في الكنيسة؛ إذ بينما يرنم الأنبياء، ويسبح الرسل، ويكلمنا، نتوه نحن خارجًا ونفكر في أمور الحياة المعيشية. للأسف لا ننصت بهدوء لتعاليم الله، بقدر الهدوء الذي يحتفظ به المشاهدون في المسرح لسماع الأخبار الملوكية. لأن هناك عندما تُقرأ هذه الأخبار يقف الكل: شهود العيان والمديرون والبرلمان والمجلس المحلي، ليسمعوا في صمت كل ما يُقال. وإذا حدث أن تكلم أحد بصوت عالٍ يجلب على نفسه مشاكل مع الملك، ويُحكم عليه بعقاب قاسي. أما هنا فحين نقرأ الأقوال السماوية، تحدث ضجة كبيرة من كل جهة. بالرغم من أن رسائل الرسل هي أعظم من أوامر الملك. والمشهد أكثر وقارًا، لأنه لا يتكون فقط من البشر، لكن أيضًا من الملائكة. لذا الذين يباركون الله ليس البشر فقط، لكن الملائكة ورؤساء الملائكة وكل الطغمات السمائية، وكل ساكني الأرض ” باركوا الرب يا جميع أعماله” (مز22:103).

          وعندما تُقال هذه الأقوال يجب أن نسمعها بتقوى ورهبة، ولا نظن أننا نُوجد على الأرض، لكن للأسف نحن نتصرف بضوضاء كما لو كنا في السوق، ونصرف وقت الاجتماع في الحديث. إننا ننصت خارج الكنيسة للأحاديث الصغير والكبيرة، أما في الكنيسة فإننا نظل غير مبالين، وبالإضافة إلى ذلك نلعن أعداءنا في صلواتنا، فمن أين ننال رجاء الخلاص، هل من خطايانا التي نفعلها، بالإضافة إلى الهذيان الذي نقوله في الصلاة؟!

          ليتنا نطرد السموم من داخلنا، ليتنا نحل عداوتنا ونصلي كما يليق بنا. دعونا ننال هدوء الملائكة بدلاً من ضوضاء الشياطين. ليتنا نلجم غضبنا أمام كل المظالم التي أصابتنا، طالما نحتفظ في ذهننا بالأجر الذي سوف ينتظرنا بعد تنفيذ الوصية، ليتنا نكبح الأمواج لكي نقضي الحياة الحاضرة بلا اضطراب حتى نصل إلى الرب. لو كان هذا الأمر ثقيل ومخيف، دعونا نجعله خفيفًا ومحبوبًا، وليتنا نفتح الأبواب البهية نحوه. وهذا الذي لم نحققه بالكف عن الخطايا، سوف نحققه بأن نصير مسالمين تجاه هؤلاء الذين أذنبوا إلينا (وهذا ليس ثقيلاً ولا صعبًا). إذ بإحساننا إلى الأعداء نكون جديرين برحمته الجزيلة علينا. لأنه هكذا في هذه الحياة سوف يحبنا الجميع والأكثر من الجميع الله. وسوف يحبنا ويكلّلنا ويجعلنا مستحقين للخيرات العتيدة والتي جميعنا ننالها بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين[1].

 

الصوم:

    ” ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فإنهم يغيّرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لكي لا تظهر للناس صائمًا بل لأبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية”[2] (16:6).

          يليق بنا أن نئن هنا كثيرًا وننتحب بمرارة، لأننا لا نشبه المرائين فقط، بل تفوقنا عليهم. لأني أعرف كثيرين آخرين لا يصومون ويلبسون قناع أُناس يصومون، والأكثر من ذلك إنهم يتسلحون بعذر أقبح من خطيتهم، قائلين إننا نفعل هذا لكي لا نعثر الآخرين. ما هذا الذي تقوله؟ إن ناموس الله هو الذي حدَّد كل هذا، وأنت تتذكر العثرة؟ وتعتقد أنك تعثر عندما تحفظ الناموس، وتجنب الناس العثرة عندما تخالف الناموس؟ هل يمكن أن تكون هناك حماقة أسوأ من هذه؟ ألا تكفّ عن أن تكون أسوأ من المرائين؟ وعندما تتأمل في فداحة هذا الشر العظيم، ألم تخجل من قوة التعبير في هذه الآية؟ لأن المسيح لم يقل فقط إنهم “كالمرائين”، بل أراد أن يفضحهم أكثر، فقال إنهم ” يغيرون وجوههم“، أي إنهم يفسدون وجوههم ويشوهونها. وإذا قيل إنهم يغيرون وجوههم بسبب التفاخر ومحبة المجد الباطل، فما الذي نستطيع أن نقوله عن النسوة اللاتي يفسدن وجوههن بالألوان والأصباغ من أجل الإيقاع بالشباب؟ وإن كان المراؤون يؤذون أنفسهم فقط، فإن هؤلاء النسوة يؤذون أنفسهن والذين ينظرون إليهن. ولهذا يجب أن نهرب بكل قوتنا من كليهما.

          والرب لم يوصينا فقط بألاّ نتباهي بما نفعل، لكن أيضًا أن نحاول جاهدين بألاّ يلاحظ أحد ما نفعل، الأمر الذي شدّد عليه سابقًا. وفي حالة الصدقة لم يشرّع الوصية بطريقة مجردة، لكن قال: ” احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس“، ثم أضاف قائلاً: ” لكي ينظروكم” (1:6). أما في حالة الصوم والصلاة لم يحدد مثل هذا الأمر. لأن الصدقة من المستحيل أن تُخفى بالكامل (على الأقل الذي تُعطى له الصدقة يعرف من هو الذي أعطاه)، لكن من الممكن أن تُخفى الصلاة وكذلك الصوم. وعندما قال: ” لا تعرّف شمالك ما تفعله يمينك“، لا يقصد الأيدي، لكن علينا أن نحترس من أن يلاحظنا أحد. وعندما نصحنا بأن ندخل مخدعنا، لم يحدد المكان الوحيد الذي ينبغي أن نصلي فيه، لكن أراد أن يشير إلى نفس المعنى السابق، أي لا يلاحظنا أحد. هكذا بالنسبة لوصيته بأن ندهن رؤوسنا، لا تعنى ـ على أية حال ـ مجرد الدهان، لأننا بذلك سنكون كلنا مخالفين، خاصة الرهبان الذين يسكنون الجبال ولا يستخدمون الزيت لدهان رؤوسهم. إذن لم يحدد هكذا الوصية. لكن بسبب أن القدماء اعتادوا أن يدهنوا رؤوسهم في كل مناسبة سعيدة ـ وهذا ممكن أن يتحقق منه المرء في زمن داود ودانيال ـ قال “ندهن نحن رؤوسنا” ليس لكي نفعل هذا على الدوام، لكن لنعتني بكافة الطرق وباحتراس شديد أن نخفي أمر صيامنا. ولكي تعلم أن الذي أوصي هكذا بالصوم، قد سبق له أن صام أربعين يومًا وظل مختفيًا عن أنظار الجميع ولا دهن رأسه ولا اغتسل. لقد مارس هذه الوصية بدون أن يطلب المجد الباطل أكثر من أي أحد آخر. هذا ما حدده لنا وما عبّر عنه عندما أشار إلى ” المرائين “. وبهذه الوصية قد رد المستمعين عن فعل هذه الأمور الشكلية التي تنشد المجد الباطل. وشئ آخر أراد أن نفهمه بكلمة ” المرائين “، و”المرائي” هو كالممثل، يؤثر على المشاهدين لفترة، فهو يبدو متألقًا يتابعه المشاهدون، ولكن هم يعرفون حقيقته عندما ينتهي هذا العرض المسرحي، وبذلك يكون قد أعاقنا ـ بهذه الإشارة إلى “الممثل” ـ عن محبة هذه الشهوة الشريرة، أي المجد الباطل. فالأغلبية تدرك أن المرائيين يلبسون قناعًا وإنهم سينكشفون حينما يظهر كل شئ مكشوفًا وعريانًا.

          أيضًا بطريقة أخرى يُبعد المستمعين عن المرائين، إذ يقدم وصيته على أنها هينة. فلم يجعل الصيام صارمًا، ولا طلب منا المبالغة في الصوم، لكن شدّد على أن لا يُفقد إكليل هذا الصوم. لأن ما يبدو ثقيلاً في الصوم، هو مشترك للكل حتى للمرائين (يقصد العطش والجوع..)، لأنهم يصومون أيضًا. لكن المسيح ينصحنا بألاّ نفقد أجرة تعبنا من هذا الصوم، فهو لا يضيف شيئًا على أتعابنا، لكن لا يريد أن نرحل بلا أكاليل مثل المرائين.

          فلا تمارس الفضيلة من أجل اكتساب المجد من الآخرين، ولا تطيع الله من أجل البشر، بل بالحرى البشر من أجل الله.

1  انتهت هنا عظة رقم 19 (التي تشمل تفسير مت1:6ـ15).

2 من هذه الآيات تبدأ العظة 20 (التي تشمل تفسير مت16:6ـ23).

أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

العظة الثانية

 

الصوم سلاح روحى:

1ـ ” عزوا عزوا شعبى يقول إلهكم طيبو قلب أورشليم” (إش1:40 ـ2)

          إن إلقاء الكلمات المُشجّعة تُشدّد العزائم وتشحذ الهمم، وتُحفّز الكسالى والمتوانين على العمل. ومن أجل هذا فإن العسكريين عندما يُعدّون الجيش لمعركة قادمة، فإنهم يشرعون في إلقاء الخطب الحماسية عن ضرورة القتال، ويقدّمون النصائح والوصايا التي لها من القوة أن تجعل الكثيرين في مرات عديدة أن يستهينوا بالموت. أيضًا عندما يقوم المدّربون، بقيادة الشباب الرياضيين في المباريات وهم داخل الاستاد، فإنهم يقدّمون نصائح كثيرة عما يجب أن يفعلوه وأنه ينبغى عليهم أن يبذلوا أقصى جهد لكى يفوزوا ويُتّوجوا، حتى أن الكثيرين عندما يقتنعون بأهمية وشرف الانتصار يستهينوا بالأتعاب الجسدية. وبناء عليه فإننى أُعِد جنودًا للمسيح من أجل الحرب ضد الأعداء غير المرئيين وأحث المجاهدين على التقوى وضبط النفس، لكى ينالوا تيجان البر، لذلك فهناك ضرورة لتقديم النصيحة والإرشاد.

ماذا أريد أن أقول أيها الاخوة؟ إن أولئك الذين يدرسون الأمور الخاصة برياضة المصارعة التي تُمارس في حلبة المصارعة، يعرفون أنه أمر طبيعى إذا حدث إسراف في الطعام فسيزداد وزن الرياضيين، حتى أنه يصعب عليهم المشاركة في المباريات. لكن أنتم لا تُصارعون مع لحم ودم، بل ” مع الرؤساء. مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف12:6). إذًا في هذه الحرب من الضرورى ممارسة الصوم وضبط النفس لأن الدسم يُزيد وزن مَن يجاهد، بينما الصوم يقوي الإنسان التقى. حتى أنه على قدر ما يفقد الجسد هذه الزيادة، على قدر ما تشرق النفس بالبهاء الروحى. لأن الانتصار على الأعداء غير المرئيين لا يتحقق بالإمكانيات الجسدية، لكن بإصرار النفس وصبرها على الضيقات.

 

الصوم رفيق حسنٌ في الطريق:

          2 ـ إذًا فالصوم ـ لأولئك الذين يعرفون قيمته ـ هو نافع ومفيد طول العام، لأن الحيّل الشيطانية لن تؤثر في الصائم، وبالأكثر فإن الملائكة الحارسون لحياتنا يظلوا إلى جوار أولئك الذين تنّقوا بالصوم، وبالأولى جدًا الآن حيث انتشرت البشارة في كل المسكونة ولا يوجد مكان في الأرض لم يسمع بالبشارة سواء كان جزيرة أم قارة أم مدينة أم أمة، أو أقصى الأرض. وأيضًا الجنود في معسكراتهم، والمسافرين والبحارة والتجّار، جميعهم قد سمعوا الدعوة المملوءة فرحًا وقبلوها. حتى أنه لا ينبغى لأحد أن يستثنى نفسه من قائمة الصائمين. وهذه القائمة تشتمل على كل الأجناس وكل الأعمار وكل المناصب. إن الذين يسجلون قائمة الصائمين في كل كنيسة هم الملائكة. فلتحذر ـ ربما بسبب شهوة عابرة للأكل ـ أن تفقد تسجيل اسمك، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ستجعل نفسك في حكم الفارين من الجنديّة. إن الخطر الذي يتعرّض له شخص ترك درعه أثناء المعركة، يُعد أقل إذا ما قورن بترك سلاح الصوم.

          فإن كنت غنيًا لا تهين الصوم بأن تستنكف أن تُعِد مائدة تحوى أطعمة للصوم، ترى أنها لا تليق بك ولا ينبغى أن تُبعد هذه الأطعمة من بيتك، كأنها محتقرة بسبب أنها لا تحقق اللذة المرجوّة، حتى لا يُدينك مُشرِّع الأصوام وتعانى من تأديبات كثيرة، مثل أن يُحكم عليك بأمراض جسدية أو أى ظرف آخر مؤلم. وإن كنت فقيرًا، فصُم ولا تخشى سخرية البعض منك بقولهم إنك صائم دائمًا بسبب حالتك المادية. وأقول للمرأة أن تصوم، فالصوم لها مثل التنفس هو أمر طبيعى ومألوف، وللأولاد الذين هم مثل النباتات النضرة الخضراء، يرتون بماء الصوم. بالنسبة للكهنة فإن الألفة القديمة مع الصوم تجعل الأتعاب سهلة. لأن الأتعاب التي تأتى بعد عادات استقرت طويلاً لا تُثير آلام كثيرة عند المتمرنين عليها.

          بالنسبة للذين يرتحلون كثيرًا، فإن الصوم هو رفيق حسن للطريق. فكما أن الأطعمة تؤدى بالضرورة إلى زيادة الوزن، هكذا فإن الصوم يجعلهم أقل وزنًا وأكثر حيوية وحركة. ثم أنه عندما يُنادى بحملة عسكرية خارج حدود الدولة، فإن الجنود يُزوّدون بالاحتياجات الضرورية وليست تلك التي تُثير المتع. أما من جهتنا نحن الذين نُحارب ضد الأعداء غير المرئيين، فإنه لا يليق بنا بالأكثر أن نُقبل على الأطعمة، بل يجب أن نكتفى بالاحتياجات الضرورية، كما لو كنا نتدرب في معسكرات. لأن هدفنا هو الانتصار عليهم والانتقال إلى الوطن السماوى.

 

الصوم وحياة التقوى:

          3 ـ ” فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندى صالح … وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونيًا” (2تى5:3). ينبغى علىّ ألاّ أتجاهل ما ورد بخاطرى الآن وهو ما أريد التحدث عنه، أن النصيب المُقَدّم من الأكل للجنود يزداد وفقًا للأتعاب لكن بالنسبة للجنود الروحيين فإن الجندى الذي له طعام أقل له رتبة أعلى. كما أن خوذتنا تختلف جوهريًا عن الخوذة الأخرى التي تتعرّض للتلف، لأن المادة التي تُصنع منها الخوذة هى النحاس، أما الأخرى فقد أُعدت وتثبتت برجاء الخلاص (انظر 1تس8:5). والدرع بالنسبة للجنود العالميين مصنوع من الخشب والجلد، أما بالنسبة لنا فهو ترس الإيمان وقد سُيّج حولنا بدرع البر والسيف الذي نستخدمه في الدفاع هو سيف الروح القدس (انظر أف16:6ـ17). لكننا نجد أن الآخرين يفضلّون السيف المصنوع من الحديد، وبالتالى فإن الطعام بحد ذاته لا يقويهم. لكن الذي يُقوينا نحن هو حياة التقوى، بينما مَن يشتهون الأكل فلهم احتياج لأن يملأوا بطونهم.

إن دوران الزمن يحمل لنا مرة أخرى تلك الأيام الجميلة، وعلينا أن نُقبِل على تعاليم الكنيسة بفرحٍ، كما يفرح الطفل بأمِهِ. لأنه بهذه التعاليم فإن الكنيسة تُطعمنا بالتقوى. إذًا متى صُمت لا تكن عابسًا مثل اليهودى، لكن اجعل ذاتك مُشرقة بالفرح (انظر مت16:6ـ17). بمعنى أنه لا ينبغى أن تحزن لأجل حرمان بطنك من الأطعمة، بل أن تفرح من كل نفسك من أجل المتع الروحية. لأنك تعلم جيدًا أن ” الجسد يشتهى ضد الروح. والروح تشتهى ضد الجسد” (غلا17:5). إذًا لأن كل منهما (أى الجسد والروح) يشتهى ضد الآخر، فلنقلّل من شهوة الجسد، ولنزيد من قوة النفس، لكى نلبس إكليل العفة، حيث إنه بالصوم نحصل على الغلبة ضد الشهوات.

 

الصوم ونقاوة النفس:

4 ـ إذًا، فلتجعل نفسك مستحقة للتكريم عن طريق هذا الصوم المبارك، ولا تُفسد عفة وطهارة الغد، بسكر اليوم. واعلم أن القول بأنه يحق لنا بعد الصوم أن نغرق في السكر هو بمثابة فكر شرير وخبيث. فكما أنه لا يوجد أحد ـ عندما ينوى أن يتزوج من امرأة وقورة بحسب القوانين ـ يسمح بوجود زانية في بيته، لأن الزوجة الشرعيّة لا تقبل ولا تحتمل أن تسكن مع ساقطة. هكذا يجب عليك أنت أيضًا ألاّ تلجأ أولاً إلى السكر أو تلجأ جهارًا إلى الزنى، أى إلى مصدر الوقاحة وصنو الخداع، إلى الخبل، وإلى قبول كل فكرة مرذولة بكل سهولة، بينما تنتظر الصوم. إن النفس التي تلوثت بالسكر، لا يسكن فيها الصوم والصلاة[1]. إن السيد الرب يقبل في شركته ذلك الذي يصوم، بينما لا يقبل في شركته الدنس والنجس والمدمن. فلو أنك أتيت غدًا ورائحة الخمر تفوح منك، كيف أحسبك صائمًا وأنت في هذه الحالة من السكر الشديد؟ ولا تُقيم حساباتك على أنك مؤخرًا لم تشرب خمرًا بصورة كبيرة، لكن التقييم الحقيقى هو أنك لم تتنقى من إدمان الخمر بعد. في أى وضع يمكن أن أُصنفك؟ هل أضعك ضمن السكارى، أم من ضمن الصائمين؟ لأن حالة السكر السابقة تجذبك نحوها، بينما إتباع نظام التقليل في الطعام يؤكد الصوم. أنك مُستعبد للسكر وستظل محصورًا في ذاتك، لأنه إن كانت رائحة الخمر لازالت في الوعاء، فهذا يُعد دليلاً واضحًا على العبودية. وأقول لك بطريقة مباشرة وبلا مواربة إن أول يوم في الصوم سيكون بالنسبة لك بلا فائدة وغير مناسب، لأن بقايا السكر مازالت موجودة داخلك ” فلا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو1:6). فهؤلاء بدايتهم بل وكل مسيرتهم محتقرة، ومن الواضح أنهم مرذولون.

          ما هو النفع لو أنك أقبلت على الصوم وأنت سكران؟ لأنه إن كان السُكر يُبعدك عن الملكوت، فكيف يكون الصوم نافعًا لك؟ ألا ترى كيف أن هؤلاء الأكثر خبرة في ترويض وإعداد الخيول قبل مباريات السباق، يُقلّلون طعام الخيول التي ستشارك في السباق؟ بينما أنت تسرف عمدًا في الشراهة. إنك تتجاوز الخيول بكثير من جهة النهم!. كما أنه ليس من الحكمة في شئ أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضًا، لأن المعدة وهى متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى.

 

الصوم هو معلّم الهدوء:

          5 ـ والصوم يحفظ الأطفال ويُهذب الشباب ويجعل الشيخ أكثر وقارًا. لأن الشيخوخة عندما تكون مُزينة بالصوم، تصير أكثر وقارًا. وهو للمرأة زينة لائقة ومناسبة، ولجام لكل من هم في حالة عنفوان كما يُمثل الصوم حفظًا للحياة الزوجية وغذاءً للبتولية. مثل هذه الأمور ينبغى أن تكون موضع اهتمام كل بيت.

ولنرى كيف تُمارس السياسة في حياتنا العامة؟ تمارس على النحو الذي فيه تصير الأمور مُنظمة ويهدأ الصياح وتنتفى المنازعات ويتوقف الكلام السيئ، يحدث هذا في المدينة كلها ومن نحو كل الشعب. وهل هناك معلّم مثل الصوم يستطيع بحضوره أن يعيد الهدوء لأولادنا الذين يثيرون الضوضاء؟ فهو أيضًا الذي يكبح اضطرابات المدينة عندما تثور ومَنْ مِن أولئك المشاركين في اللهو يستطيع أن يتقدم نحو الصوم؟ وأى رقص ماجن يمكن أن يتناسب مع الصوم؟ فالضحكات الناعمة، والأغانى الهابطة، والرقصات المثيرة للشهوة، هذه كلها ستُطرد خِفيةً من المدينة عندما يحل الصوم كما لو أنها قد هربت من أمام قاضٍ متشدّد.

          فلو أن الجميع قبلوا الصوم كمرشد لن تحدث هذه الأفعال ولن يوجد أى شئ يمكن أن يُعيق سيادة السلام الكامل في كل المسكونة، طالما أن الأمم لن تثور الواحدة ضد الأخرى ولن تتصادم الجيوش فيما بينها. لو ساد الصوم، فلن تُصنّع الأسلحة ولن تُقام المحاكم ولن يُسجن البعض، وبصفة عامة لن يصير القفر مكان استضافة للمجرمين ولن تستضيف المدن أصحاب الدسائس ولا البحار ستصير ملجأ للقراصنة.

لو أن الجميع تتلمذوا على الصوم فلن يُسمع مُطلقًا بحسب ما كتب أيوب، صوت محصل الضرائب، وأيضًا لو أن الصوم ساد على حياتنا (أيوب18:3) فلن تصيبها الحسرة أو تصير مملوءة بالتجهم والعبوس لأنه من الواضح أن الصوم سوف يُعلّم الجميع ليس فقط العفة، لكن أيضًا الرحيل الكامل والتغرب عن البخل والطمع وعن كل شر. فلو أننا ازدرينا بهذه الأمور، فلن يكون هناك شيئًا يمكن أن يُعيقنا عن أن نتمتع بسلام عميق ونفس مملوءة بالهدوء.

 

ثمار الصوم:

          6ـ لكن هؤلاء الذين يرفضون الصوم الآن هم من ناحية يسعون نحو الترف والتمتع كسعادة في هذه الحياة، ومن ناحية أخرى يجلبون الكثير من الشرور على أنفسهم وبالأكثر يدمرون أجسادهم. ولتلاحظ من فضلك الفروق بين هؤلاء الأشخاص الذين سيحضرون هذا المساء وأولئك الذين سيأتون في الغد. اليوم ستجدهم منتفخين ووجوههم حمراء جدًا، مُبللين بسبب العرق الكثيف، وعيون زائغة ومحرومة من الرؤية الدقيقة بسبب الظلام الداخلى، لكن غدًا سنجد أشخاص خجولين، وقورين، لونهم طبيعى، ومملؤين بالحكمة والأحاسيس الصادقة، طالما أنه لا يوجد أى علة داخلية يمكن أن تظلم حياتهم.

الصوم هو تشبيه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذي جعل موسى مشرِّعًا. وصموئيل أيضًا هو ثمرة صوم حنة النبيّة التي صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: ” يارب الجنود إن نظرت نظرًا إلى مذلة أمتك وذكرتنى ولم تنسى أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإنى أعطيه للرب كل أيام حياته” (1صم11:1). ” وخمرًا ومسكرًا لا يشرب حتى يوم الموت” (انظر قض14:13). الصوم هو الذي أسس ونمّى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذي وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (انظر قض6:14). لكن عندما وقع أسيرًا للسكر والزنا، وقع في أيدى الأعداء بعدما فقد بصره وصار لعبة في أيدى عبيد أمم غريبة (انظر قض12:6ـ25). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن تُعطى مطرًا ثلاث سنين وستة أشهر (انظر 1مل1:17). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعى عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقفت خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد قُطع بمقطع حاد.

          7 ـ هذا الصوم قد قبله الفقراء والساكنين معكم وشركاء المائدة الواحدة. إنه للعبيد راحة من عناء العمل، وهو للأغنياء شفاء من ضرر النهم، وفي هذا الإطار فإن الصوم يجعل الأمور التي كانت محتقرة قبلاً بحسب العادة، الآن أكثر متعة. والصوم للمرضى هو مصدر الصحة، وللأصحاء هو حفظًا للصحة الجيدة. فلتسأل الأطباء وسيُجيبونك بأن أكثر الأشياء خطرًا على صحة الإنسان هو امتلاء الجسم. من أجل هذا فإن الذين هم أكثر خبرة بالصوم، يتخلّصون من الدهون الزائدة حتى لا تُسحق عافيتهم تحت ثقل الجسم الممتلئ. لأن الحرمان من بعض الأطعمة عن قصد، يؤدى إلى اختفاء الترهل الناتج عن زيادة الوزن، ويمنح غذاء صحى ومريح ونسكى، وهكذا في كل عمل وكل عادة جسديّة يكون الصوم هو أمر مفيد وهو مناسب لكل الأشياء الأخرى. فهو لائق في البيوت وفي السوق، وهو مناسب في الليل وفي النهار، في المدينة والصحراء. إذًا فلنقبل على الصوم بكل الطرق فهو الذي يمنحنا كل الخيرات، ولنقبله بالفرح وفقًا لكلمة الله لكى لا نظهر عابسين، بل نُظهر فرح النفس بدون تكلّف (انظر مت16:6ـ17). ولا أتصور أن الحث على الصوم يحتاج إلى كل هذا الجهاد، إلاّ بسبب التحذير من أن يقع أحد اليوم في رذيلة السكر. لأن الكثيرين يقبلون على الصوم بسبب العادة وبسبب خجل الواحد من الآخر. لكننى أرتعب ممَن يسكرون، فالإسراف في شُرب الخمر هو مثل شئ يتوارثونه فيما بينهم. وهناك بعض الأغبياء الذين يسرفون في شرب الخمر قبل الصوم. ومثل هؤلاء الذين يقومون برحلات بعيدة، فإن البعض من الحمقى اليوم يسرفون في شرب الخمر وقتًا طويلاً قبل بداية الصوم. من ذا الذي يتسم بهذا القدر من الحماقة، حتى أنه قبل أن يشرب يسلك سلوك السكارى غير المتزن؟ لا يوجد. ألا تعلم أن البطن لا تدخر شيئًا؟ البطن هى الرفيق الذي لا يحظى بالثقة. هى الخزينة التي لا تُضبط، لأنه بينما تُملأ بأشياء كثيرة، لا تحتفظ بها وقتًا طويلاً ويصيبها الضرر. انتبه أنت أيضًا لئلا يصادفك ما سيُقال غدًا بشأن السكر، هذه التي قُرئت الآن ” أمثل هذا يكون صوم أختاره” (إش5:58). لماذا تخلط بين الأمور التي لا تقبل الاختلاط؟ وأى علاقة للصوم مع السكر؟ وأى علاقة للسكر مع العفة؟ ” وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان” (2كو16:6). لأن هيكل الله هم أولئك الذين يسكن فيهم روح الله (1كو16:3). بينما هيكل الأوثان هم أولئك الذين يقبلون شركة الرعاع السالكين في الفسق والفجور بسبب السكر.

هذا اليوم هو مدخل للأصوام وبالتأكيد فإن ذاك الذي تدنس عند المدخل لا يستحق أن يأتى إلى المقدسات. لا يوجد عبد يريد أن يكسب رضى سيده ثم يلجأ إلى عدوه باعتباره مدافعًا عنه وشفيعًا له.

          السُكر هو عداوة لله لكن الصوم هو بداية التوبة. فلو أنك أردت أن تأتى إلى الله مرة أخرى عن طريق الاعتراف، فينبغى عليك أن تتجنب السُكر حتى لا تتغرب عن الله فيصير تجديدك أصعب. لكن لا يكفى فقط الابتعاد عن الأمور الدنسة ليُمتدح صومك، لكن ينبغى أن تصوم صومًا مقبولاً ومُرضِى أمام الله. الصوم الحقيقى هو في الابتعاد عن الشر وفي عفة الكلمة وفي البُعد عن الغضب وفي الانفصال عن الشهوة وعن التجديف وعن الكذب وعن حلف الزور. البُعد عن كل هذه الأمور، هو الصوم الحقيقى.

          8 ـ فلنبتهج في الرب بدراسة كلمات الروح وقبول العادات المخلّصة وبكل تعليم يؤدى إلى تقويم أنفسنا. فلنحترس إذًا من الصوم الذي يسبّبه العوز أو الاحتياج. هذا الصوم لا يتمناه النبى القائل: ” الرب لا يُجيع نفس الصديق ولكنه يدفع هوى الأشرار” (أم3:10). وأيضًا ” لم أر صديقًا تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزًا” (مز25:37). لأن ذاك الذي يعرف أن أبناء أبينا يعقوب قد نزلوا مصر بسبب الاحتياج إلى الخبز، لا يمكنه أن يتكلم عن الخبز المادى المحسوس، لكنه يتكلم عن الطعام الروحى والذي به يصير إنساننا الداخلى كاملاً. نترجى ألا يأتى إلينا الصوم الذي هدَّد به الله اليهود ” هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض. لا جوع للخبز ولا عطشًا للماء. بل لاستماع كلمات الرب” (عا11:8). وقد أثار هذا الجوع، القاضى العادل، لأنه رأى أن الإيمان الحقيقى في أذهان هؤلاء يتلوث بأمور هزيلة، وأن إنسان الخارج يزداد وزنه بصورة ملفتة للنظر ويصير كله جسد ضخم. إذًا كل الأيام القادمة سيُقدِّم لنا الروح القدس وجبة روحية مفرحة في الصباح والمساء[2]. لذلك لا ينبغى أن يتغيّب أحد بإرادته عن هذه البركة الروحية. فلنتناول جميعًا من الكأس الروحى النقى والذي قدمته لنا الحكمة، بعدما فرحنا معًا، لكى ينهل منه كل أحد على قدر ما يستطيع. لأن الحكمة “ ذبحت ذبحها مزجت خمرها” (أم2:9). أى أنه هذا هو طعام الكاملين الذين ” بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب14:5). إن الغِنى يتحقق بهذا، طالما أننا قد شبعنا به، ويا ليتنا نكون مستحقين لشركة الفرح ونُحسب ضمن قائمة العرس في شركة يسوع المسيح ربنا الذي له المجد والقوة إلى الأبد أمين.

 

[1] بحسب فكر آباء الكنيسة، فإن الصوم يصاحبه الصلاة ولا يمكن قبول الواحد دون الآخر.

[2] هذه إشارة إلى الكلمة التي ألقاها القديس باسيليوس، في صباح ومساء اليوم.

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

 

العظة الأولى

 

الصوم الحقيقي[1]:

يوصينا النبى قائلاً: ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا” (مز3:81). إن الكلمات تُعلن لنا بحسب (إش4:58ـ6) ـ والتي هى أعظم من الأبواق وأجدر من كل الآلات الموسيقية ـ عن مجىء عيد الأعياد. فلقد عرفنا من إشعياء نعمة الصوم، فهو الذي استنكر طريقة اليهود في ممارسة الصوم وأظهر لنا الصوم الحقيقى عندما قال: ” ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون“، ” أليس هذا صومًا أختاره؟ حلَّ قيود الشر” (إش4:58ـ6). والرب يقول ” ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين. فإنهم يغيرون وجوههم لكى يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك” (مت16:6ـ 17).

          دعونا نتصرّف كما تعلّمنا ـ فلا نظهر عابسى الوجه في أيام الصوم القادمة، لكن علينا أن نظهر بوجه بشوش كما يليق بالقديسين. فعديم الشفقة لا يُتوج، ولا عابس الوجه يحتفل بنصر. فلا يليق أن أفرح وأسعى نحو صحة النفس، بينما ينتابنى حزن بسبب تغيير الأطعمة في فترة الصوم، لماذا أفرح وأهتم براحة الجسد، في الوقت الذي لا أبالى براحة النفس؟! فالحقيقة أن الرفاهية تعوق استمتاع البطن بالمأكولات، أما الصوم فيجلب فائدة إلى النفس. لهذا ينبغى عليك أن تفرح إذ أُعطى لك دواءً فعالاً من الطبيب، دواءً يُمحى الخطية. لأنه كما تموت الديدان التي تحيا في أمعاء الأطفال بدواءٍ فعّال، هكذا الصوم عندما يدخل إلى عمق النفس فإنه يميت الخطية التي تسكن فيها.

          2ـ إن كلمات الرب: ” ادهن رأسك واغسل وجهك” (مت17:6) تدعوك إلى ممارسة الأسرار. فالذي يُدهن يُمسح والذي يغتسل يتطهّر. ونحن نتكلّم عن الإنسان الداخلى، فهيا طَهِّر نفسك من الخطايا ولتمسح رأسك بالمسحة المقدسة لتصير شريكًا للمسيح. وهكذا تأتى إلى الصوم. فلا تكتئب وتكسى وجهك بالسواد مثل المرائيين. فالوجه يكسوه السواد عندما يتلون الإنسان الداخلى بالرياء، فيتغطّى الشكل الخارجى بقناع كاذب مُزيّف. فالممثل هو الذي يلبس قناعًا على وجهه وهو على المسرح. كما أن العبد مرات كثيرة يلبس قناعًا ليتشبه بالسيد، وبعض المرات يلبس قناعًا ليتشبه بالملك. هكذا في هذه الحياة نجد الأغلبية من البشر ـ كأنها على مسرح ـ تلعب أدوارًا تمثيلية، فهم يحملون في القلب أمورًا دفينة بينما يظهرون إلى الناس أمورًا أخرى مغايرة. إذًا لا تضع قناعًا على وجهك بل عش على حقيقتك.

          لا تتملق وتظهر بوجه عابس، لتقتنص مجدًا ليس لك. فبالإحسان الذي تفعله علنًا وبالصوم الذي لا تتوانى في إعلانه جهارًا لن تستفيد شيئًا، لأن أمور النفاق والتملّق التي تمارسها بطريقة ظاهرة لا تثمر ثمارًا للحياة الأبدية، فأنت تُفسد الثمار بقبولك لمديح الناس. أسرع إذًا بفرح إلى نعمة الصوم. فالصوم هو عطية وُهبت لنا منذ القِدَم وهو لا يهرم ولا يشيخ. بل يتجدد دائمًا وينمو ويزهر لكى يأتى بثمارٍ ناضجة.

 

أقدمية الصوم:

          3 ـ هل تظن أن الصوم هو أقدم من الناموس؟ نعم إن الصوم هو أقدم من الناموس. انتظر قليلاً وتمهل وسوف تتحقق من صدق كلامى. لا تظن أن بداية التشريع بممارسة الصوم بالنسبة لإسرائيل كان في اليوم العاشر من الشهر السابع (لا29:16، 27:23). بل تعال نغوص داخل التاريخ لنجد بداية للصوم. فالصوم ليس هو ابتداع حديث. فالصوم جوهرة غالية ورثناها من الأجداد، وكل شئ قديم جدير بالوقار. ليتك تُقدّر معى أقدمية الصوم. فالصوم قديم قِدَم البشرية. لقد شُرِّع الصوم في الفردوس. فوصيّة آدم الأولى كانت:   ” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تك16:2ـ17).

          فعبارة “لا تأكل” هى تشريع للصوم والانضباط. فلو مارست حواء الصوم وتجنبّت الأكل من ثمر هذه الشجرة، ما كُنّا في حاجة إلى هذا الصوم لأنه ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (مت 12:9). فخطيتنا هى التي جلبت علينا المرض. فدعونا إذًا لنُشفى بالتوبة، غير أن التوبة بدون ممارسة الصوم هى باطلة ” ملعونة الأرض بسببك. وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل” (تك 17:3ـ 18).

          إن الوصية قد أُعطيت لك لكى تعيش وتحيا حياة الاختبار، لا لكى تحيا حياة سهلة، حياة الرفاهية بدون اختبار. هيا تحدّث مع الله وتعرّف على أهمية الصوم. الحياة في الفردوس كانت مثالاً للإنسان الصائم. ليس فقط لأن الإنسان كان يشارك الملائكة على المائدة وتشبّه بهم عندما عاش في قناعة، لكن أيضًا لأن كل ما ابتدعه الإنسان بفكره فيما بعد لم يكن موجودًا في الفردوس. فلم يكن شرب الخمر موجودًا بتاتًا، ولم تكن هناك ذبائح حيوانية ولا كل ما يكدّر الذهن البشرى.

 

خطورة عدم الصوم:

          4 ـ ولأننا لم نَصُم فقد تعرّضنا للسقوط من الفردوس. إذًا علينا أن نصوم لكى نأتى إليه مرة ثانية. ألم ترى كيف أن لعازر دخل إلى الفردوس بواسطة الصوم؟ (انظر لو20:16ـ31). وليتك لا تجعل قصة مخالفة حواء لوصية الصوم مثالاً تحتذيه وتقبل مرة أخرى نصيحة الحيّة، تلك الحيّة التي فضلّت الأكل والاهتمام بالجسد. لا تتعلّل بالمرض والضعف الجسدى وترفض ممارسة الصوم. ولا تصنع أمامى مبررات لعدم صومك بل اعترف بها للذي يعرف كل الخبايا. فأخبرنى إن كنت لا تستطيع أن تصوم، ودعنى أسألك: ألا تسعى لإشباع جسدك طوال حياتك وتسحقه تحت وطأة الانسياق وراء شهوة الأكل والشرب. إننى أعرف جيدًا أن الأطباء يفرضون على المرضى الانقطاع عن الأكل أو تناول أطعمة خفيفة ويمنعون عنهم الأطعمة الدسمة. لذا أقول لك كيف أنك تقدر على فعل كل ما يوصيك به الأطباء بينما تتعلّل الآن بأنك لا تقوى على ممارسة الصوم؟! هيا نتحاجج معًا ما هو الأكثر سهولة على الإنسان، أن ينام طوال الليل بعد أن يتناول أطعمة خفيفة أم بعد أن تمتلئ معدته بأطعمة ثقيلة؟ ماذا تقول؟ هل من السهل أن ينقذ القائد سفينة تجارية محملّة بأثقال كثيرة أم سفينة مُحملّة بأحمال خفيفة؟! إن السفينة المحملّة بأثقال كثيرة عندما تتعرض لنوة بحرية صغيرة فإنها تغرق بسهولة، أما تلك التي بها أحمال معقولة ومتوازنة فإنها تعبر النوة البحرية طالما لا يعوقها شئ عن الارتفاع واجتياز هذه النوة. هكذا أجساد البشر عندما تتثقل بالتخمة المستمرة فإنها تُصاب بسهولة بأمراض كثيرة. لكن عندما تصير هذه الأجساد منضبطة بتناولها أطعمة خفيفة فإنها تتجنب الإصابة بالأمراض حتى تلك التي يسببها المناخ السئ، ولا يعتريها الملل حتى لو كان مثل الدوامة في هجومه. والإنسان الذي له قوة إرادة إيجابية من السهل أن يشعر بالكفاية الذاتية والقناعة أمام ملذات العالم، بينما عندما يترك الإنسان الضعيف نفسه يتناول أطعمة كثيرة ومتنوعة وفاخرة وشهية فإنه لا يبلغ حد الكفاية فيسبب لنفسه أنواع كثيرة من الأمراض.

 

الصوم تقليد آبائى:

          5 ـ ليت حديثنا يمضى نحو فحص أقدمية الصوم، وكيف أن كل القديسين حافظوا على هذا التقليد الآبائى الذي استلموه وسلّموه إلينا. ولتعلم أن الخمر لم يكن موجودًا في الفردوس، فلقد ظهر الخمر بعد الطوفان ولا كان هناك ذبح للحيوانات ولا أكل للحوم. ويقول الكتاب ـ بعد الطوفان ـ ” كل دابة حيّة تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع ” (تك3:9).

 

نوح لم يكن يعرف إدمان الخمر ثم أدمنه:

         في ذلك الوقت عندما تراجع الكمال ظهر التمتّع. والمثال على عدم معرفة الخمر هو نوح الذي لم يكن يعرف استخدام الخمر، إذ لم يكن الخمر دخل في حياة البشر، ولم يكن قد شاع استخدامه بين البشر. هكذا نوح لم يكن قد رأى أحد يشرب الخمر، ولا هو نفسه قد ذاق الخمر ثم وقع في إدمانه، إذ يقول الكتاب ” وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه” (تك20:9ـ21). وحدث ذلك الأمر لا لأن نوح كان مدمنًا خمرًا لكن لأنه لم يكن يعرف الكمية المعتدلة في الشرب. بالتالى جاء اكتشاف شرب الخمر وإدمانه بعد الطرد من الفردوس أى أن الإنسان كان قد مارس الصوم في الفردوس.

 

موسى النبى يقترب إلى الله بالصوم بينما الشعب يحتقر الصوم:

         لقد اقترب موسى من الجبل بعد أن صام (خر8:24)، إذ لم تكن له الجرأة لأن يقترب من قمة الجبل الذي كان يدخن، ولم تكن له الشجاعة أن يأتى إلى الضباب إن لم يكن قد تسلّح بسلاح الصوم. لقد قَبِل موسى الناموس بعد أن صام، ذلك الناموس الذي كُتب على لوحى الشريعة بإصبع الله. وبينما صار الصوم أعلى الجبل سببًا لإعطاء الشريعة، تسببت شراهة شعب أسفل الجبل في الوقوع في عبادة الأصنام، إذ ” جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب” (خر6:32). لقد أفسد إدمان الخمر ما كان ينتظره موسى من صومه وصلاته لأن النبي رأى أن شعب الله المخمور لم يكن يستحق هذه الشرائع خلال الأربعون يومًا. وهكذا نرى وكأن الخمر قد كسر لوحى الشريعة اللذان كُتبا بأصبع الله. هذا الشعب الذي عرف الله من خلال معجزات عظيمة حدثت له ـ في لحظة ـ بسبب الشراهة في عبادة الأصنام. قارن إذًا بين الحالتين كيف أن الصوم يقود إلى الله وكيف أن الشراهة تقود إلى الهلاك.

 

فاعلية الصوم:

          6 ـ ما الذي نَجَّس عيسو وجعله عبدًا لأخيه؟ ألم يكن طعام بسيط هو الذي تسبّب في أن يبيع البكورية؟ (انظر تك30:25ـ34). وصموئيل النبى ألم يُمسح بفضل صلاة وصوم أمه؟ (انظر 1صم13:1ـ16). ما الذي جعل شمشون محاربًا وبطلاً شجاعًا؟ ألم تنجبه أمه بفضل الصوم؟ (انظر قض4:13) الصوم هو الذي أنجبه فهو قد أتى بإرادة الصوم، والصوم صنع منه رجلاً. الصوم هو الموضوع الذي تحدث عنه الملاك لأمه قائلاً: ” من كل ما يخرج من حفنة الخمر لا تأكل وخمرًا ومسكرًا لا تشرب وكل نجس لا تأكل. لتحذر من كل ما أوصيتها ” (قض14:13).

 

أنشودة الصوم:

الصوم حارس للنفس، ورفيق أمين للجسد،

الصوم سلاح الشجعان، ومدرب النُساك،

الصوم يصَّد التجارب، ويُمهد الطريق للتقوى،

إنه رفيق الهدوء وصانع العفة

الصوم يعمل أعمالاً باهرة في الحروب،

ويُعلَّم السكينة في وقت السلام

الصوم يُقدِّس النذير[2] ويجعل الكاهن كاملاً.

الصوم يجعل العاقر تلد أولادًا،

ويصنع الأقوياء، ويجعل المشرّعين حكماء

          لأنه كيف للكاهن أن يصلى بدون صوم؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمرًا ضروريًا ليس فقط في عبادة العهد الجديد السرائرية ولكن أيضًا بالنسبة للعبادة الناموسية.

 

الصوم وإيليا النبى:

الصوم هو الذي جعل إيليا النبى يشاهد رؤى إلهية. إذ صام مدة أربعين يومًا وتنقت نفسه واستحق أن يرى الرب على جبل حوريب (1مل8:19ـ23)، الأمر الذي هو صعب الحدوث لأى إنسان. بالصوم أعاد إيليا الحياة إلى ابن الأرملة، فأقامه وسلّمه إليها، إذ بواسطة الصوم برهن أنه أقوى من الموت.

          لقد خرج أمرًا من فم إيليا الصائم بأن يتوقف المطر ـ بسبب معصية الشعب ـ ثلاث سنوات ونصف واستجابت السماء لأمره. لقد فضّل أن يحكم على نفسه مع الآخرين بهذا الحكم الشديد حتى يلين قلب الشعب القاسى. لذلك قال ” حى هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه أنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلاّ عند قولى” (1مل1:17). لقد دعا كل الشعب إلى صوم لكى يواجهوا الشر الذي أتى من حياة التراخى والتلذذ بالأكل والشرب.

ما السبب في أن حياة إليشع النبى مثال للسيرة الحسنة. تأمل كيف أن المرأة الشونمية استضافته، وكيف أنه هو نفسه كان يستضيف بنى الأنبياء؟ انظر معى هل قدّم لبنى الأنبياء قليل من الخبز مع نباتات برية سامة؟ بالطبع لا، لأن واحدًا من هؤلاء خرج إلى الحقل وجمع يقطينًا بريًا سامًا ووضعه مع السليقة في القدر ولكن بفضل صلوات هذا النبى الصائم ـ إذ كان الموت متربصًا بمن يأكل ما هو موجود في القدر ـ اختفى السُم من الطعام. (2مل39:4ـ41).

 

الصوم والفتية الثلاثة:

          من السهل أن ترى ـ وبشكل عام ـ الصوم وهو يقود كل القديسين إلى مدينة الله. مثلاً، يوجد مادة يسمونها الأمينت[3] لا يعتريها أى فساد عندما توضع في النار، مع أنه عندما توضع في النار تبدو للناظرين أنها تتفحم لكن عندما يخرجونها من النار تصير نقية كما لو أنها أُلقت في الماء فصارت نقية. كانت أجساد الثلاث فتية في أتون النار مثل هذه المادة وذلك من جراء الصوم (انظر دا8:1ـ16). إذ أنهم برهنوا وهم في أتون النار أنهم أقوى من النار كما لو كانت طبيعتهم من الذهب. والحق يقال إنهم أظهروا أنفسهم أنهم أقوى حتى من الذهب. إذ لا أحد وقتذاك كان قادرًا على منع تلك النار التي صبوا عليها زيت ونفط ومواد سريعة الاشتعال حتى أنها امتدت لارتفاع تسعة وأربعون زراعًا وأكلت كل ما هو موجود حولها. هذه النار المتقدة تمشوا فيها الثلاث فتية بعد أن صاموا، لقد تنسموا نسيمًا لطيفًا وهواءً باردًا عليلاً في وسط هذه النيران الشديدة لأن الكتاب يقول ” لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم ” (دا27:3).

 

الصوم ودانيال النبى:

         7 ـ ودانيال الرجل الذي لم يأكل خبزًا لمدة ثلاثة أسابيع ولم يشرب ماءً (انظر دا2:10ـ3) علّم الأسود أن تصوم عندما نزل جُب الأسود (انظر دا 16:6ـ22). والأسود لم تستطع أن تلتهمه بأسنانها وكأن جسده مصنوع من الحجر الصلد أو النحاس أو من أى معدن آخر صلب. هكذا يُقوَّى الصوم الجسد ليصير مثل الحديد مما جعل الأسود لا تقوى عليه. لأنهم لم يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم أمام القديس. فالصوم ” أطفأ قوة النار وسد أفواه الأسود”[4].

 

الصوم والحياة العملية:

الصوم يُصعد الصلاة إلى السماء كما لو كانت ريشة تطير نحو الأعالى. الصوم هو سبب رُقيّ وتقدم الشعوب، الصوم أصل الصحة، الصوم مربى للشباب وزينة الشيوخ، والرفيق الصالح للمسافرين. الصوم هو خيمة آمنة للذين يطلبون مأوى. فالرجل المتزوج لا يرتاب من زوجته عندما يراها تصوم دائمًا. بالمثل فالمرأة تثق في رجلها ولا تدع الغيرة تتملكها عندما تراه يصوم دائمًا. هل تسبب الصوم في ضرر لأحد؟ طبعًا لا، فلن يغيب شيئًا من الأشياء الموجودة في البيت، لأن رب البيت الصائم لن يستدين أبدًا. لن تسمع في هذا البيت حشرجة موت من أى حيوان يُذبح، لن تجد دم في هذا البيت، لن تجد شهوة بطن تصدر قرار دموى ضد أى حيوان في البيت. سوف يتوقف سكين الجزار عن عمله. فالمائدة تكتفى بأطعمة خفيفة بسيطة. وكما أُعطى السبت لليهودى، إذ يقول الكتاب ” لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك” (خر10:20).       لندع الصوم يكون فرصة راحة للخدم الذي يعملون طوال العام. أعط راحة لطباخك واسمح لخادمك بإجازة، لا تقبل دعوة من أحد لمائدة احتفالية. ليت صانع الحلوى يتوقف عن صنعها. ليت البيت يهدأ وتختفى الضوضاء والجلبة الكثيرة، ليت الدخان ورائحة الشواء يختفيا من البيت، ليت الخدم يستريحون، هؤلاء النازلون والصاعدون على السلالم ليخدموا البطون الشرهة. وكما أن محصلى الضرائب يعطون المديونين مهلة لترتيب أوضاعهم، هكذا فلتُعطى الفم مهلة لتستريح البطن، مهلة لخمسة أيام، تلك (أى البطن) التي لا تتوقف مطالبها.

 

          8 ـ الصائم لا يعرف الاقتراض والسلف والدين. الصائم لا يعرف الفوائد التي يحصل عليها المرابين. الديون مثل الحيّات لكنها لا تستطيع أن تقترب من أولاد الصائم. أضف إلى ذلك أن الصوم يصير دافعًا للابتهاج والسرور. لأنه مثل العطش الذي يجعل كأس الماء حلوًا وكذلك الجوع الذي يجعل المائدة شهية، هكذا الصوم يُبهج متعة الطعام. إذ بالانقطاع عن الأكل يصير تناول الطعام أمرًا جميلاً كلقاء الأحباء بعد طول سفر. وإذا أردت أن تتحقق من هذا الأمر، عليك أن تخضع للصوم، لكن للأسف وأنت محاط بشدة بالتخمة قد نسيت نفسك بإنكبابك على الأطعمة. لقد أبطلت لذة الأكل بمحبتك وانسياقك الدائم للأكل والشرب. إذا أردت أن تستمتع بالطعام عليك أن تمارس الصوم. عليك أن ترى الشئ ونقيضه حتى تشعر بنعمة الشئ الذي تحصل عليه. هكذا الخالق قصد أن توجد أمور متنوعة في الحياة لكى نشعر ونُقدر الأشياء التي أُعطيت لنا. ألم ترى كيف تبدو الشمس أكثر لمعانًا بعد الليل المظلم؟ ألا تشعر بأن اليقظة حلوة بعد النوم الطويل، وأن قيمة الصحة عظيمة بعد اجتياز أزمات صحية؟ وهكذا تصير المائدة أكثر بهجة بعد الصوم.

 

الغنى ولعازر الصائم:

          9 ـ عليك أن تتعظ من مَثَل الغنى، فالرفاهية المستمرة في الحياة سلّمت ذاك إلى النار. لأن الغنى لم يُدان لأنه كان ظالمًا، بل لأنه كان يحيا حياة الرفاهية لهذا فقد احترق في نار الأتون. ولكى نُطفئ تلك النار نحتاج إلى ماء (أى إلى الصوم). ليس للصوم فائدة فقط في المستقبل الأخروى لكن فائدته أيضًا بالأكثر هى لحياتنا الحاضرة. لأن للرفاهية والغنى الفاحش عواقب وخيمة حيث لا يقوى الإنسان على احتمال ثقل بدانة جسده. احذر من نفورك الآن من الماء وانسياقك وراء الخمر لأنك سوف تشتهى قطرة ماء مثل الغنى (انظر لو24:16). فلا سمعنا أن أحد قد سكر من الماء. ولا أحد تألم رأسه بسبب أنه شرب ماءً كثيرًا. ولا أحد احتاج لصحبة أناس غرباء لكى يشرب ماء. ولا أحد تقيدت رجلاه[5] بسبب الماء. ولا أحد صارت يداه غير مقيدة[6] وهو يرتوى بالماء. احذر أيضًا لأن سوء الهضم الذي يحدث بعد تناول أطعمة دسمة يسبب أمراض مخيفة للجسد، ألا تلاحظ أن لون بشرة الصائم هو جميل وهادئ، فوجه الصائم لا يعتريه أى إحمرار من الخجل. إنه مزيّن بالحشمة والأدب، عيناه وديعتان، تصرفاته حكيمة، وجهه مشرق، ابتسامته رزينة، كلامه موزون ، قلبه طاهر ونقى.

 

الإقتداء بالقديسين في صومهم، المسيح هو أساس الصوم:

لذا عليك أن تتذكّر القديسين في كل العصور، هؤلاء الذين ” لم يكن العالم مستحقًا لهم” (عب37:11ـ38). عليك أن تقتدى بهم في تربيتهم وسلوكهم، إن كنت تريد أن يكون لك نصيبًا معهم. وأنا أسألك ما الذي أراح لعازر في أحضان إبراهيم؟ (انظر لو23:16). أليس هو الصوم؟ كما أن حياة يوحنا المعمدان كانت صومًا مستمرًا (انظر مت4:3). فلم يكن ليوحنا المعمدان سريرًا ولا مائدة طعام ولا حقولاً ولا أبقارًا ومحراثًا ولا فرن لعمل الخبز ولا شئ من الأشياء اللازمة للمعيشة، لذلك قيل عنه ” لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11). الصوم الذي افتخر به بولس هو الذي أصعده إلى السماء الثالثة (انظر 2كو27:11، 2:12).

لكن أساس كل شئ هو ربنا يسوع المسيح الذي صام ـ إذ اتخذ جسدًا ـ لأجلنا وانتصر على الشيطان لكى يعلّمنا أنه بالصوم نجهز أنفسنا لمواجهة محاربات الشيطان، كأنك تضع لجامًا لخصمك. لأنك عندما تسمو بالصوم لا يستطيع العدو أن يقترب منك. وإن كان المسيح بعد قيامته قد أكل ” فأخذ وأكل قدامهم” (انظر لو43:24)، فإنه فعل ذلك لكى يؤكد على حقيقة قيامته بالجسد. وأنا أسألك: أى شئ فعلته بخصوص الوصايا الخلاصية والمحييّة وأنت تحرم ذهنك من الأطعمة الروحية؟ ربما تجهل أن النظم الحربية تعترف بأن الانحياز إلى طرف في الحرب يجعل هزيمة الطرف الآخر مضمونة؟ أقول لك هذا، لأن هذا هو ما يحدث عندما تتعاون مع شهوات الجسد وتنحاز لها فتصير بذلك محاربًا ضد الروح، والعكس يحدث عندما تنحاز للروح فتستطيع بسهولة هزيمة شهوات الجسد. لأنك تعرف أن الاثنين أى الروح والجسد ” يقاوم أحدهما الآخر” (غلا17:5) لدرجة أنك إذا أردت أن تُقَّوى الذهن عليك أن تُقمع جسدك بالصوم. وهذا هو ما يقوله الرسول بولس أى بقدر ما يفنى الإنسان الخارجى، بقدر ما يتجدد الإنسان الداخلى أيضًا (2كو16:4). هل لا تشتهى مائدة الملك؟ إذًا دعنى أسألك مَن مِن هؤلاء الذين يحيّون في رفاهية مستمرة قَبِل شركة الموهبة الروحية؟ مَن هم الذين سقطوا في الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب17:3) أليسوا هم هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد33:11). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنَّ ولا بالماء الذي خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ في الأوانى (انظر خر3:16) تقهقروا إلى الخلف، ولم يرى أحد منهم أرض الموعد. هل لا تخاف من تكرار هذا النموذج؟ هل لا ترتعب من حقيقة أن الانسياق وراء الأكل ربما يحرمك من الخيرات المنتظرة؟ أستطيع أن أقول لك إنه ولا الحكيم دانيال النبى كان سيرى رؤى إن لم يكن قد تطهّر أولاً بالصوم. لا أخفى عليك أن الأكل الدسم ينبعث منه أدخنة تعتّم أنوار العقل التى تأتى من الروح القدس. يوجد غذاء ملائكى كما يقول النبى ” أكل الإنسان خبز الملائكة” (مز25:78). غذاء الملائكة مختلف عن بقية الأطعمة، فهو ليس لحم ولا خمر ولا طعام يهتم به عبيد البطن. تذكّر أن الصوم هو سلاح لمحاربة الشياطين، لأن ” هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشئ إلاّ بالصلاة والصوم” (مر28:9). لكن شهوة محبة الأكل هى بداية الإهانات[7]، إذ أن الرفاهية والإدمان ومحبة اللذات تثير فينا كل أنواع الفحشاء. وكما يقول النبى إرميا: يصير البشر ” حُصُنًا[8] معلوفة سائبة” (إر8:5) وذلك بسبب الأهواء التي تنتج من ترف النفس. إن الانحرافات في السلوك البشرى تأتى من هؤلاء المدمنين والسكارى الذين يمارسون أمورًا شائنة ويستخدمون المرأة والرجل على عكس طبيعتهما. لكن الصوم يعلّمك الاعتدال في الزواج ” لا يسلب أحدكم الآخر إلاّ أن يكون على موافقة إلى حين لكى تتفرغوا للصلاة والصوم” (1كو5:7).

 

خاتمة:

          10 ـ إذًا لا تحصر الصوم في الابتعاد فقط عن الأطعمة. لأن الصوم الحقيقى هو الابتعاد عن الشرور ” أن تحل قيود الظلم” (إش6:63). فإن كنت فى الصوم لا تأكل لحومًا لكن مع الأسف تأكل لحم أخيك. وإن كنت لا تشرب خمرًا لكنك لا تستطيع أن تضبط لسانك عن الشتائم. وبالرغم من أنك تنتظر حتى المساء لكى تتناول الطعام، إلاّ أنك تقضى كل نهارك في المحاكم ” ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادى سمائن المضروبين بالخمر” (إش1:28).

          أرجو أن تلاحظ أن الغضب يُعتبر بمثابة سُكر للنفس، لأنه يجعل النفس تائهة مثلما يفعل الخمر. الحزن أيضًا هو إدمان وسُكر إذ يُغرق العقل. والخوف كذلك هو سُكر وإدمان عندما يحدث في غير موضعه. لأن مكتوب ” من خوف العدو احفظ حياتى” (مز1:64). وعمومًا أى تصرف أو فكر يُخرّب العقل يُدعى حقًا سُكرًا. تأمل، من فضلك، الغضوب كيف أنه يتصرّف كالسكير فهو لا يضبط نفسه أو كلامه ولا يعرف حتى الذين هم معه في مجلسه. إنه يشبه مَن يتعارك في ظلمة الليل فيمسك بأى شئ في طريقه، ويتعثر في أى شئ أمامه ولا يعرف ماذا يقول، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، فهو يشتم ويضرب، ويهدد، ويقسم ويصرخ. عليك أن تهرب من هذا السُكر تمامًا كهروبك من السُكر الحقيقي الذي يسببه الخمر. لا تحتقر شرب الماء بدلاً من شرب الخمر، لأن الخمر لا يقودك إلى الصوم. فلا يوجد دخول إلى الصوم من خلال السُكر، كما لا يتحقق العدل من خلال الظلم ولا الانضباط من خلال الفسق، ولا الفضيلة من خلال الشر. باب الصوم له طريق آخر. فبينما يقود الإدمان إلى الفجور فإن الانضباط يقود إلى الصوم. وكما أن الرياضى يتمرّن أولاً قبل أن يخوض في أى منافسة هكذا الذي هو مقبل على الصوم عليه أن ينضبط أولاً. لا تتصرف كما لو كنت تتصرف بانتقام لأنك مُقبل على فترة صوم، فلا تجعل آفة إدمان الخمر تتملكك قبل الدخول في الخمس أيام الأولى للصيام. لن تستفيد من قمعك للجسد ولن تتعزى وأنت تحرم نفسك من الطعام إذا امتلكت شهوة إدمان الخمر. وكأنك تلقى خزينتك في إناء مثقوب. فالخمر يذهب والخطية وارتكاب الآثام يبقيان. العبد يهرب عندما يضربه سيده، أما أنت فإنك تترك نفسك للخمر بالرغم من أنه يضرب دماغك يوميًا وأنت تعرف أن احتياج الجسم المريض للخمر هو محدود كما يعلّمنا الكتاب (انظر 1تيمو23:5).

          إن لم تنضبط اليوم ولا تتعدى حدودك في استخدام الخمر، غدًا سوف تصبح رأسك ثقيلة وسوف تتوه، وتدوخ وستنبعث منك رائحة الخمر الكريهة. سيبدو لك أن كل شئ حولك يلف ويدور ويتأرجح. علاوة على ذلك يُسبب لك السُكر أيضًا نومًا يشبه الموت وكذلك يقظة تشبه يقظة الأحلام.

          11ـ عرفت إذًا مَن هو الذي عليك أن تقبله؟ إنه ذاك الذي كرز قائلاً  ” إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى إليه نأتى وعنده نصنع منزلاً” (يو23:14). لماذا تسلك في طريق السُكر والإدمان وتغلق الباب المؤدى إلى الرب؟ لماذا تُعطى للشيطان فرصة لأن يهاجمك؟ فالسُكر لا يقود إلى طريق الرب، السُكر يبعد عنا الروح القدس. لأنه كما يطرد الدخان النحل كذلك الإدمان يطرد المواهب الروحية.

          الصوم هو كرامة المدينة

          سلام الشعوب

          خلاص لكل ما هو موجود

          هل تريد أن ترى عظمة الصوم؟ قارن، من فضلك، هذا بما سيحدث غدًا. سوف ترى أن المدينة تغيّرت من الاضطراب والفوضى إلى السكينة والهدوء. أتمنى أن هذا المساء يشبه ما سيصير غدًا من حشمة ووقار وغدًا لا يقل عن اليوم في الابتهاج. والرب الذي قادنا إلى هذه الفترة من السنة (الصوم) ليته يعضدّنا ـ كما لو كنا مصارعين قد أظهرنا ثباتًا وقوةً وصبرًا في المنافسات التمهيدية ـ لكى نصل إلى يوم البر، يوم الأكاليل، من الآن حيث ذكرى آلام المخلّص، إلى يوم المجازاة العتيد للذين عاشوا منا برّ المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين.

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] النذيرين هم جماعة من اليهود مكرسون لله بقسم وهم يبتعدون عن شرب الخمر وعن تناول بعض الأطعمة. مثل هؤلاء كان شمشون وصموئيل ويوحنا المعمدان.

[3] مادة تحتمل النار ولا تتأثر بها.

[4] يضع القديس باسيليوس هذه العبارة بين قوسين لعله أخذها من نص معروف وقتذاك لدى الكنيسة. ومن الجدير بالذكر أن هذه العبارة موجودة في قسمة الصوم الكبير.

[5] إدمان الخمر يجعل الإنسان لا يقوى على المشى كما لو كانت قدميه مقيدة.

[6] بمعنى أن السكير لا يتحكم في حركات يديه فيضرب بهما في كل اتجاه.

[7] بحسب القديس باسيليوس، إن حب الإنسان للشراهة والدناءة هو السبب في سقوط الإنسان من الفردوس وفي الحالة المهينة التي صار عليها.

[8] حُصُنًا جمع حصان.

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

 

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

أنشودة الميلاد

           

1 ـ وُلد المسيح فمجدوه،              أتى المسيح من السموات فاستقبلوه،

أتى المسيح إلى الأرض فعظموه

سبحى الرب يا كل الأرض ” (مز1:96)

لتفرح السموات وتبتهج الأرض                   بالسماوى الذي صار على الأرض.

المسيح تجسد                                                                  ابتهجوا بفرح وخوف.

الخوف بسبب الخطية،                                   والفرح بسبب الرجاء.

جاء المسيح من عذراء،

فعشن عذارى يا نساء                                     لتصَّرن أمهات للمسيح.

مَنْ الذي لا يسجد للذي كان منذ البدء؟

مَنْ الذي لا يمجد ذاك الذي هو الآخِر؟

2 ـ مرة أخرى ينقشع الظلام[1]،         مرة أخرى يُشرق النور.               

مرة أخرى يحل الظلمة كعقاب على مصر[2]،

مرة أخرى يستنير شعب الله بعمود من نار (انظر خر21:13)

الشعب الجالس في الظلمة            أبصر نور معرفة الأسرار الإلهية،

الأشياء العتيقة قد مضت           هوذا الكل صار جديدًا” (2كو17:5).

الحرف يتراجع،                                            والروح يتقدم.

الظلال تهرب                                             بينما الحق[3] يحل مكانها.

مثال ملكى صادق قد تحقق (مز4:110)،

الذي كان بلا أم                                           صار الآن بلا أب.

النواميس الطبيعية انحلت.            العالم السماوى ينبغى أن يكتمل[4].

المسيح يأمر                                                         أن لا نضع أنفسنا ضده

هيا صفقوا بأيديكم يا كل الأمم” (مز1:47)،

لأنه وُلد لنا ولد                                            وأُعطى لنا ابنًا،

تكون الرئاسة على كتفه                         (لأن كتفه رُفع بالصليب)،

ويُدعى اسمه ملاك المشورة العظيم (انظر إش5:9س).

دعوا يوحنا يصرخ ” أعدوا طريق الرب ” (مت3:3)،

وأنا سوف أتحدث عن قوة هذا اليوم:

الذي بلا جسد تجسد                                      الكلمة صار له جسم

غير المنظور صار منظورًا           غير الملموس صار ملموسًا

غير الزمنى                                                         صارت له بداية زمنية

ابن الله                                                               يصير ابن الإنسان

يسوع المسيح هو هو                          أمسًا واليوم وإلى الأبد

اليهود يعثرون، واليونانيون يسخرون، والهراطقة يثرثرون.

سوف يؤمنون به                                عندما يرونه صاعدًا إلى السماء،

وإن لم يؤمنوا وقتذاك،                           فسوف يرونه

آتيًا من السموات                                          وجالسًا كديان.

هذه الأمور سوف تحدث فيما بعد.

 

اسمان للاحتفال: ثيئوفانيا والميلاد[5]:

          3 ـ أما اليوم، فالإحتفال هو بالظهور الإلهى أى الميلاد. هذا الإحتفال الواحد يطلق عليه اسمان لأن الله ظهر للبشر بواسطة الميلاد. الكلمة هو كائن أبدى من الكائن الأبدى فوق كل عِلة وكلمة (لأنه لا توجد كلمة قبل اللوغوس) صار جسدًا لأجلنا لكى ـ كما منحنا الوجود ـ يعطيينا أيضًا الوجود الأفضل الذي سقطنا منه بسبب شرورنا أو بالحرى لكى يعيدنا إليه بتجسده. هكذا أطلق اسم “ثيئوفانيا” إشارة إلى هذا الظهور، وكذلك أيضًا أُطلق اسم الميلاد إشارة إلى مولده.

 

لماذا نحتفل بهذا العيد؟:

          4 ـ بالنسبة لنا هذا هو مفهوم الاحتفال، وهذا هو ما نحتفل به اليوم: نُعيد لسكنى الله بين البشر الذى يرفعنا لنسكن بجوار الله، أو بالحرى لنرجع إليه، لكى بخلعنا الإنسان العتيق، نلبس الإنسان الجديد. وكما متنا في آدم، هكذا يمكننا أن نحيا في المسيح، إذ نولد معه، ونُصلب معه ونُدفن معه لكى نقوم بقيامته. لأنه ينبغى أن نتغير التغيير الحسن الصالح. فكما أن الأمور الحسنة (الحالة الفردوسية الأولى) تبعتها الأمور التعسة (حالة السقوط)، هكذا ينبغى بالأحرى أن تأتى الأمور الحسنة من الأمور التعيسة. ” لأنه حيثما تكثر الخطية تزداد النعمة جدًا” (رو20:5).

          وإذا كان تذوق الأكل[6] قد جَلَب الإدانة فكم بالأكثر تُبررنا آلام المسيح. إذن فلنُعيد، ليس بطريقة الإحتفالات الوثنية الصاخبة، لكن بطريقة إلهية، ليس بطريقة العالم لكن بطريقة روحية. لا باعتباره عيدنا نحن بل باعتباره عيد ذاك الذي هو لنا (أى المسيح) أو بالأحرى عيد ربنا. نعيد ليس بما للمرض بل بما للشفاء. نُعيد ليس بما يخص الخلق، بل بما يخص إعادة الخلق.

 

كيف نحتفل بالعيد؟:

          5 ـ وكيف يصير هذا التعييد؟ لا بأن نزين الأبواب، ولا نقيم حفلات رقص، ولا نزين الشوارع ولا نبهج عيوننا، ولا نُطرب أسماعنا بموسيقى صاخبة، ولا نلذذ أنوفنا بروائح أنثوية غير لائقة، دعونا لا نفسد حاسة التذوق، ولا نسمح لحاسة اللمس أن تتلذذ بلمس أشياء غير لائقة. هذه الحواس التي يمكن أن تكون مداخل سهلة للخطية؛ لنكن غير متخنثين بلبس الملابس الناعمة والكثيرة الثمن، والتي لا نفع لها. ولا نتزين بأحجار ثمينة وبذهب لامع، وبأصباغ تشوه الجمال الطبيعى الذي خُلِقَ على صورة الله، ولا للهزء والسكر الذي يصاحبه دائمًا الفسق والدعارة (انظر رو13:13)، لأن التعاليم الشريرة تأتى من المعلّمين الأشرار، أو بكلام أفضل، لأن البذرة الشريرة تنبت نباتًا شريرًا، فلا نفترش الفرش الناعم الذي يرضى لذّات البطن والشهوات العابرة. ولا نُقبِل على شرب الخمور الممزوجة برائحة الزهور، ولا على الطعام الشهى الذي يتفنن الطهاه في طهيه. ولا نُدهن بطيب غالى الثمن. لا ندع الأرض والبحر يقدمان نفاياتهما الثمينة كهدية ـ لأنى أُسمَّى الرفاهية نفاية ـ دعونا لا ننافس أحدنا الآخر في إرتكاب المعاصى، فكل شئ زائد عن الحاجة الضرورية هو إفراط. بينما يوجد آخرون ـ من نفس طينتنا وطبيعتنا ـ يتضورون جوعًا، وهم في غاية العوز.

          6 ـ فلنترك كل هذه الأمور للوثنيين ولإحتفالات الوثنيين، الذين تسر آلهتهم برائحة شواء الذبائح، ويقدمون لها العبادة بالطعام والشراب، فهم مخترعون للشر، وكهنة وخدام للشياطين. أما نحن الذين نقدم عبادتنا “للكلمة”، إن كان يجب أن نستمتع بشئ، فلنستمتع بالكلمة، بالناموس الإلهى وبالشواهد الكتابية خاصةً تلك التي تحدثنا عن موضوعات مثل موضوع إحتفال اليوم، حتى تكون متعتنا قريبة من ذاك الذي جمعنا معًا للإحتفال به (أى المسيح) وليست بعيدة عنه. هل تريدون (لأنى أنا اليوم سوف أقدم لكم المائدة يا ضيوفى) أن أضع أمامكم رواية هذه الأحداث (الميلادية) بأكثر غزارة وأجمل كلام أستطيعه، لكى تعرفوا كيف يستطيع شخص غريب[7] أن يُغذى مواطنى البلد، وساكن الريف أن يغذى سكان المدينة، والذي لا يهتم بالمتع أن يُغذى أولئك الذين يسرون بالمتعة، ومَنْ هو فقير وليس له بيت ولا يملك أى شئ أن يغذى أولئك المشهورون بسبب غناهم.

 

 

افتتاحية تعليمية عن الله (الثيولوجيا):

          سوف أبدأ بالآتى: نقوا عقولكم وآذانكم وأفكاركم أنتم الذين تبتهجون بهذه الأشياء، لأن حديثنا سيكون حديثًا مقدسًا عن الله؛ حتى حينما تغادرون المكان تكونون قد استمتعتم حقًا بسماع تلك الأمور المبهجة التي لن تنتهى ولا تخبو.

          سوف يكون الحديث ملىء تمامًا وفي نفس الوقت سيكون موجزًا، حتى لا تتضايقوا بسبب غياب بعض الحقائق، كما أنه لن يكون مملاً بسبب الإطالة الزائدة.

          7 ـ الله كان كائنًا دائمًا وهو كائن في الحاضر وسيكون دائمًا إلى الأبد، أو بالحرى، هو كائن دائمًا. لأن “كان” و “سيكون” هى أجزاء من الزمن ومن طبيعتنا المتغيرة. أما هو فهو “كائن” أبدى، وهذا هو الاسم الذي أعطاه لنفسه عندما ظهر لموسى ” أنا هو الكائن” (خر 14:3). لأنه يجمع ويحوى كل “الوجود”، وهو بلا بداية في الماضى، وبلا نهاية في المستقبل؛ مثل بحر عظيم لا حدود لوجوده، لا يُحد ولا يُحوى، وهو يتعالى كلية فوق أى مفهوم للزمان وللطبيعة، وبالكاد يمكن أن يُدرك فقط بالعقل ولكنه إدراك غامض جدًا وضعيف جدًا، ليس إدراك لجوهره، بل إدراك بما هو حوله[8]، أى إدراكه من تجميع بعض ظواهر خارجية متنوعة، لتقديم صورة للحقيقة سرعان ما تفلت منا قبل أن نتمكن من الإمساك بها، إذ تختفى قبل أن نُدركها. هذه الصورة تبرق في عقولنا فقط عندما يكون العقل نقيًا كمثل البرق الذي يبرق بسرعة ويختفى. أعتقد أن هذا الإدراك يصير هكذا، لكى ننجذب إلى ما يمكن أن ندركه، (لأن غير المدرك تمامًا، يُحبط أى محاولة للإقتراب منه). ومن جهة أخرى فإن غير المدرك يثير إعجابنا ودهشتنا، وهذه الدهشة تخلق فينا شوقًا أكثر، وهذا الشوق ينقينا ويطهرنا، والتنقية تجعلنا مثل الله. وعندما نصير مثله، فإنى أتجاسر أن أقول إنه يتحدث إلينا كأقرباء له باتحاده بنا، وذلك بقدر ما يعرف هو الذين هم معروفين عنده. إن الطبيعة الإلهية لا حد لها ويصعب إدراكها. وكل ما يمكن أن نفهمه عنها هو عدم محدوديتها، وحتى لو ظن الواحد منا أن الله بسبب كونه من طبيعة بسيطة، لذلك فهو إما غير ممكن فهمه بالمرة، أو أنه يمكن أن يُفهم فهمًا كاملاً. ودعنا نسأل أيضًا، ما هو المقصود بعبارة “من طبيعة بسيطة”؟ لأنه أمر أكيد أن هذه البساطة لا تمثل طبيعته نفسها، مثلما أن التركيب ليس هو بذاته جوهر الموجودات المركبة.

          8 ـ يمكن التفكير في اللانهائية من ناحيتين، أى من البداية ومن النهاية (لأن كل ما يتخطى البداية والنهاية ولا يُحصر داخلها فهو لانهائى). فعندما ينظر العقل إلى العمق العلوى، وإذ لا يكون لديه مكان يقف عليه، بل يتكئ على المظاهر الخارجية لكى يكوّن فكرة عن الله، فإنه يدعو اللانهائى الذي لا يُدنى منه باسم غير الزمنى. وعندما ينظر العقل إلى الأعماق السفلى وإلى أعماق المستقبل فإنه يدعو اللانهائى باسم غير المائت وغير الفانى. وعندما يجمع خلاصته من الإتجاهات معًا فإنه يدعو اللانهائى باسم الأبدى لأن الأبدية ليست هى الزمان ولا هى جزء من الزمان لأنها غير قابلة للقياس. فكما أن الزمان بالنسبة لنا هو ما يُقاس بشروق الشمس وغروبها هكذا تكون الأبدية بالنسبة للدائم إلى الأبد.

          نكتفى الآن بهذا الحديث الفلسفى عن الله، لأن الوقت الحاضر غير مناسب، إذ أن موضوع حديثنا الآن هو عن تدبير التجسد وليس عن طبيعة الله (ثيؤلوجيا). ولكن عندما أقول الله فأنا أعنى الآب والابن والروح القدس. لأن الألوهية لا تمتد إلى ما يزيد عن الثالوث وإلاّ كان هناك حشد من الآلهة، كما أنها لا تحد بنطاق أصغر من الثالوث حتى لا نتهم بأن مفهومنا عن الألوهية فقير جدًا وهزيل، وحتى لا ينسب إلينا أننا نتهود بالحفاظ على الوحدانية، أو أننا نسقط في الوثنية بتعدد الآلهة. إذ أن نفس الشر موجود في الاثنين اليهودية أو الوثنية، حتى إن كان موجودًا في إتجاهين متعارضين. هذا إذَا هو “قدس الأقداس”[9] المخفى عن السيرافيم وهو الذي يُسبّح بنشيد الثلاثة تقديسات، والثلاثة يُنسب إليها لقب واحد هو الرب والإله، كما تحدث عن ذلك أحد سابقينا[10] بطريقة جميلة وسامية جدًا.

 

خلق العالم العقلى:

          9 ـ ولكن حيث إن حركة التأمل الذاتى لا تستطيع وحدها أن تشبع “الصلاح”[11]، بل كان يجب أن يُسكب الصلاح وينتشر خارج ذاته، لكى يكثر الذين ينالون من إحسانه (لأن هذا كان أساسيًا للصلاح الأسمى)، لذلك فإن الله فكر أولاً في خلقة الملائكة والقوات السمائية. وفكره هذا صار عملاً تحقق بواسطة كلمته واكتمل بواسطة روحه. وكذلك أيضًا خُلقت المخلوقات النورانية الثانية، كخُدام للنور الأول، الذين ندركهم كأرواح عقلية أو كنار غير مادية وغير فانية، أو كطبيعة أخرى تقترب بقدر الإمكان من كل الوصف السابق. وأريد أن أقول، إنهم لم يكن في إستطاعتهم أن يتحركوا نحو الشر، بل كانوا يستطيعون أن يتحركوا فقط نحو الخير لأنهم موجودون بالقرب من الله ويحصلون على الإنارة بالإشعاعات الأولى من الله، لأن الأرضيين يحصلون على الإنارة الثانية. لكنى مضطر للتوقف عن إعتبارهم أنهم لم يكن في استطاعتهم بالمرة أن يتحركوا ناحية الشر، بل أتكلم عنهم فقط على أنه كان من الصعب أن يتحركوا نحو الشر بسبب ذاك الذي بسبب بهائه سمى يوسيفوروس[12]، ولكنه صار ظلمة ودُعى ظلمة بسبب كبريائه، هو والقوات التي تحت رئاسته، وصاروا خالقين للشر بتمردهم على الله، وأيضًا صاروا محرضين لنا على الشر.

 

خلق العالم المادى:

          10 ـ هكذا خُلق هذا العالم العقلى من فيض صلاح الله، بقدر ما أستطيع أن أتفكر في هذه الأمور وأتناول أمورًا عظيمة بلغتى الفقيرة. وبعد أن وجد خليقته الأولى في حالة حسنة، فكر في إبداع عالم ثانى، عالم مادى ومنظور، وهذا العالم هو منظومة مركّبة بين السماء والأرض وكل ما هو موجود بينهما، وهى خليقة جديرة بالإعجاب حينما ننظر إلى جمال كل شئ فيها، وهى أكثر جدارة بالإعجاب حينما نلاحظ التوافق والإنسجام بين المخلوقات وبعضها، إذ يتوافق الواحد مع الآخر، والكل فيما بينهم في نظام جميل لكى يُكوّنوا كمنظومة كاملة متكاملة لعالم واحد. وهذا لكى يوضح أنه يستطيع أن يحضر إلى الوجود ليس فقط طبيعة شبيهة به، بل وطبيعة مختلفة تمامًا عنه. لأن الكائنات العقلية هى شبيهة بالألوهية، وتُدرك فقط بواسطة العقل؛ أما كل المخلوقات التي تُعرَف بالحواس الجسدية فهى مختلفة تمامًا عن الألوهية، وأكثر هذه المخلوقات ابتعادًا هى تلك التي بلا نفس وعديمة الحركة. لكن قد يقول أحد المندفعين، ما الذي يعنينا من كل هذا؟ وقد يتساءل أحد من المشاركين في الاحتفال من المؤمنين المتحمسين “أُنخس الحصان لكى تصل إلى الهدف”، “حدثنا عن العيد وعن الأمور التي من أجلها إجتمعنا اليوم “. هذا ما سوف أفعله. حالاً، رغم أنى قد ابتدأت بأمور عالية إضطرنى إليها حبى لها، بالإضافة إلى ما يحتاجه حديثنا عن العيد.

 

خلق الإنسان:

          11 ـ إذًا، فالعقل والجسد (المادى) المتميزين الواحد عن الآخر، يظلان كل واحد ضمن حدود طبيعته، ويحملان في ذاتهما عظمة الكلمة الخالق، وهما مسبحان صامتان وشاهدان مثيران جدًا لعمله الكلى القدرة. لم يكن بعد يوجد كائن مكون من الاثنين (العقل والحس) معًا، ولا أى إتحاد من هذه الطبائع المتضادة، إنه مثال أسمى للحكمة والتنوع في خلق الطبائع، ولم يكن معروفًا بعد كل غنى الصلاح. ولأن الكلمة الخالق قرر أن يظهر غنى هذا الصلاح، ويخلق كائنًا حيًا واحدًا مكونًا من الاثنين معًا، ـ أى من الطبيعتين المنظورة وغير المنظورة ـ لذلك خلق الإنسان. ولقد خلق الجسد من المادة التي كانت موجودة، وبعد ذلك وضع فيه نفخة منه، التي عُرفت بأنها نفس عاقلة وصورة لله، ثم أقامه على الأرض كعالم ثانٍ عظيم في صغره؛ ملاك آخر، عابد مركب[13]. له معرفة كاملة بأعماق الخليقة المنظورة، أما الخليقة غير المنظورة فيعرفها جزئيًا فقط؛ ملك على الموجودات التي على الأرض ولكنه تحت سلطان الملك الذي في الأعالى. أرضى وسماوى، زمنى ومع ذلك غير مائت. منظور ولكنه عقلى. في وضع متوسط بين الوضاعة والعظمة. هو نفسه روح وجسد في شخص واحد. روح بسبب النعمة التي وُهبت له، وجسد لكى يسمو الإنسان بواسطته. الواحد لكى يحيا ويمجد الله المحسن إليه، والآخر لكى يتألم وبالألم يتذكر، ويتم إصلاحه إذا تكبر بسبب عظمته. كائن حى يتدرب على الأرض لكى ينتقل إلى عالم آخر، وكأن غاية السر هو أن يصير إلهًا[14] بميله إلى الله. فإنى أرى أن نور الحق الذي نناله هنا، ولكن بقدر معين يتجه بنا لكى نرى ونختبر بهاء الله. الذي هو بهاء ذاك الذي كوننا[15]، والذي سوف يحلنا ثم يعيد تكويننا بطريقة أكثر مجدًا[16].

 

 

الحالة الفردوسية للإنسان:

          12 ـ هذا الكائن (أى الإنسان) وضعه الخالق في الفردوس (أيًا كان هذا الفردوس)، وقد كرَّمه بهبة حرية الإرادة، لكى يكون تمتعه بالله عن اختيار حر، بفضل عطية الله الذي غرس فيه هذه الحرية، ولكى يفلّح النباتات الخالدة التي تعنى المفاهيم الإلهية، الأكثر بساطة والأكثر كمالاً معًا، عاريًا في بساطته وحياته غير المصطنعة، وبدون أى غطاء أو ستار، لأنه كان من الملائم لذاك الذي في البداية (أى الإنسان الأول) أن يكون هكذا. وأيضًا أعطاه ناموسًا ليظهر به حرية اختياره. هذا الناموس كان وصية من جهة النباتات التي يمكن أن يأكلها، والنبات الذي يجب أن لا يلمسه. هذا النبات الأخير كان شجرة المعرفة، وذلك ليس بسبب أنها كانت شريرة حينما غُرست في البداية، ولا حُرمت على الإنسان عن حسدٍ (من ناحية الله، ولا ندع ألسنة أعداء الله تتحدت هكذا، كما لا نقلد الحية!).

 

السقوط:

وهذه الشجرة كانت يمكن أن تكون صالحة لو أن الإنسان أكل منها في الوقت المناسب (لأن الشجرة، بحسب رؤيتى، كانت هى رؤية الله التي هى مأمونة فقط بالنسبة لأولئك الذين تكَّملوا بالتمرن والنسك للإقتراب منها بدون مخاطرة)، لكنها ليست صالحة للذين لم يتدربوا بعد وللشرهين من جهة الشهوة، وذلك كالطعام القوى الذي ليس له فائدة، للذين مازالوا ضعفاء ويحتاجون إلى اللبن (انظر عب12:5). لكن بسبب حسد إبليس وإغوائه للمرأة التي استسلمت لكونها أكثر ضعفًا، وبدورها حرضت آدم لأنها كانت ذات تأثير عليه، وأسفاه على ضعفى! (لأن ضعف أبى الأول هو ضعفى)، إذ نسى الوصية التي أُعطيت له، واستسلم للأكل من الثمرة المهلكة، وهكذا طُرد في الحال من الفردوس ومن شجرة الحياة ومن حضرة الله بسبب خطيته، ولبس الأقمصة الجلدية ربما يعنى أنه لبس الجسد الأكثر غلاظة، والقابل للموت والمناقض للأول)[17].

          وكأول نتيجة، شعرا بالخزى وإختفيا من وجه الله. وهنا حصل الإنسان الأول على ربح له وهو الموت، وقطع الخطية، حتى لا يصير الشر خالدًا، وهكذا فإن العقاب تحول إلى رحمة[18]، لأنى أعتقد أن الله يفرض العقاب بدافع الرحمة.

 

تدبير الله للخلاص:

          13 ـ وبعد أن عاقب الله الإنسان أولاً ـ بطرق كثيرة، لأن خطاياه كانت كثيرة (من التي نبتت من جذر الشر، والتي نشأت من أسباب مختلفة وفي أزمنة متفرقة)، أدَّبه بالكلمة، والناموس، والأنبياء، والإحسانات، والتهديدات، والفيضانات والنيران، والحروب، والانتصارات، والهزائم، والعلامات في السماء، وعلامات في الهواء وفي الأرض وفي البحر، وبتغييرات مفاجئة للأمم والمدن والشعوب ـ كل هذه الأمور كانت تهدف لإبادة الشر ـ وأخيرًا إحتاج الإنسان لدواء أكثر قوة لأن أمراضه كانت تزداد سوءً: مثل قتل الأخ والزنى والقسم الكاذب، والجرائم الشاذة، وأول وآخر كل الشرور أى عبادة الأصنام وتحويل العبادة تجاه المخلوقات بدلاً من الخالق (انظر رو18:1ـ32). وبما أن هذه كانت تحتاج إلى معونة أكبر، لذلك حصلت على مَن هو أعظم. ذلك هو كلمة الله ذاته ـ  الأبدى الذي هو قبل كل الدهور، وهو غير المنظور، غير المفحوص وغير الجسدى، البدء الذي من البدء، النور الذي من النور، مصدر الحياة والخلود، صورة الجمال الأصلى الأول، الختم الذي لا يزول، الصورة التي لا تتغير، كلمة الآب وإعلانه[19]، هذا أتى إلى صورته[20]، وأخذ جسدًا لأجل جسدنا، ووحد ذاته بنفس عاقلة لأجل نفسى لكى يطّهر الشبه بواسطة شبهه، وصار إنسانًا مثلنا في كل شئ ماعدا الخطية إذ وُلد من العذراء التي طُهّرت أولاً نفسًا وجسدًا، بالروح القدس (لأنه كان يجب أن تُكرم ولادة البنين وأيضًا أن تنال العذراوية كرامة أعظم)، وهكذا حتى بعد أن اتخذ جسدًا ظل إلهًا، إذ هو شخص واحد من الاثنين، ياله من اتحاد عجيب، الكائن بذاته يأتى إلى الوجود، غير المخلوق يُخلق[21]، غير المحوى يُحوى بواسطة نفس عاقلة تتوسط بين الألوهة والجسد المادى. ذاك الذي يمنح الغنى يصير فقيرًا، فقد أخذ على نفسه فقر جسدى، لكى آخذ غنى ألوهيته. ذاك الذي هو ملئ يخلى نفسه، لأنه أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة، ليكون لى نصيب في ملئه. أى صلاح هذا؟! وأى سر يحيط بى؟! إشتركت في الصورة؛ ولم أصنها، فاشترك في جسدى لكى يخلّص الصورة ولكى يجعل الجسد عديم الموت. هو يدخل في شركة ثانية معى أعجب كثيرًا من الأولى، وبقدر ما أعطى حينئذ الطبيعة الأفضل، فهو الآن يشترك في الأسوأ[22]. هذا العمل الأخير (التجسد) يليق بالله أكثر من الأول (الخلق)، وهو سامى جدًا في نظر الفاهمين.

 

اتضع لأجلك فلا تحتقر تواضعه:

          14 ـ ما الذي سوف يقوله المعترضون والمجدفون على الألوهية، أولئك المشتكون ضد كل الأمور الجديرة بالمديح، أولئك الذين يجعلون النور مظلمًا، والذين لم يتهذبوا بالحكمة، أولئك الذين مات المسيح لأجلهم باطلاً، أولئك المخلوقات غير الشاكرة الذين هم من صنع الشرير؟ هل تحوّل هذا الإحسان إلى شكوى ضد الله؟ هل تنظر إليه على أنه صغير بسبب أنه اتضع لأجلك؟ وهل تعتبره صغيرًا لأنه هو الراعى الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو11:10)، والذي أتى ليطلب الخروف الذي ضلّ فوق التلال والجبال والتي كانت تقدم فيها ذبائح لآلهة غريبة، وعندما وجده، حمله على منكبيه ـ اللتين حمل عليهما خشبة الصليب، وأعاده إلى الحياة الأسمى، وعندما أعاده حسبه مع أولئك الذين لم يضلوا أبدًا؟ هل تحتقره لأنه أضاء سراجًا الذي هو جسده، وكنس البيت، مطهرًا العالم من الخطية، وفتش عن الدرهم، أى الصورة الملكية التي دُفنت وغطتها الشهوات. وجمّع الملائكة أصدقاءه؛ عندما وجد الدرهم جعلهم شركاء في فرحه، والذين جعلهم أيضًا مشاركين في سر التجسد؟ فبعد سراج السابق الذي أعّد الطريق، يأتى النور الذي يفوقه في البريق، وبعد “الصوت” أتى “الكلمة” وبعد صديق العريس جاء العريس، صديق العريس الذي أعد الطريق للرب شعبًا مختارًا، مطهرًا إياهم بالماء ليجهزهم للروح القدس؟ هل تلوم الله على كل هذا؟ هل على هذا الأساس تعتبره وضيعًا لأنه شد الحزام على وسطه وغسل أرجل تلاميذه (يو4:13)، وأظهر أن التواضع هو أفضل طريق للرفعة؟ لقد اتضع لأجل النفس التي إنحنت إلى الحضيض لكى يرفعها معه، تلك النفس التي كانت تترنح لتسقط تحت ثقل الخطية؟ كيف لا تتهمه أيضًا بجرم الأكل مع العشارين وعلى موائد العشارين (انظر لو27:5)، وأنه يتخذ تلاميذًا من العشارين، لكى يربح… وماذا يربح؟ خلاص الخطاة. وإن كان الأمر هكذا، فيجب أن نلوم الطبيب بسبب أنه ينحنى على الجروح ويحتمل الرائحة النتنة لكى يعطى الصحة للمرضى، أو هل نلوم ذاك الذي من رحمته ينحنى لكى ينقذ حيوانًا سقط في حفرة كما يقول الناموس (انظر تث40:22، لو5:14).

          15 ـ المسيح أُرسل، لكنه أُرسل كإنسان لأنه من طبيعة مزدوجة[23]. لأنه شعر بالتعب وجاع وعطش وتألم وبكى حسب طبيعة كائن له جسد. وإذا استعمل تعبير “أُرسل” عنه، فمعناه أن مسرة الآب الصالحة يجب أن تعتبر إرسالاً، فهو يرجع كل ما يختص بنفسه إلى هذه الإرسالية، وذلك لكى يكرم المبدأ الأزلى، وأيضًا لأنه لا ينبغى أن يُنظر إليه على أنه مضاد لله. فقد كتب عنه أنه سُلم بخيانة وأيضًا سلّم ذاته، وأيضًا كتب عنه أنه أُقيم بواسطة الآب وأنه أُصعد، ومن جهة أخرى أنه أيضًا أقام ذاته وصعد. فما ذُكِر أولاً في كل عبارة فهو من إرادة الآب (أنه سُلِّم وأنه أُقيم)، أما الجزء الثانى من كل عبارة فيشير إلى قوته هو. فهل تفكر في الأمور الأولى التي تجعله يبدو وضيعًا، أما الثانية التي ترّفعه فأنت تتغافل عنها. وتضع في حسابك أنه تألم، ولا تحسب أن هذا الألم تم بإرادته. انظر فحتى الآن لا يزال الكلمة يتألم. فالبعض يكرمونه كإله ولكن يخلطون بينه وبين الآب، والبعض الآخر يحقرونه كمجرد جسد ويفصلونه عن اللاهوت. فعلى مَن يصب جام[24] غضبه بالأكثر؟ أو بالأحرى مَن هم الذين يغفر لهم؟ هل الذين يخلطونه بطريقة جارحة أم أولئك الذين يقسمونه؟ فالأولون كان يجب أن يميزوا (بين الأقانيم) والآخرون كان يجب أن يوحدوه[25] (مع الآب). الأولون من جهة عدد الأقانيم والآخرون من جهة الألوهية. هل تتعثر من جسده؟ هذا ما فعله اليهود. ربما تريد أن تدعوه سامريًا؟ ولن أذكر ما قالوه عن المسيح بعد ذلك (انظر يو48:8) هل تنكر ألوهيته؟ هذا لم يفعله حتى الشياطين. للأسف كم أنت أقل إيمانًا من الشياطين! وأكثر جهلاً من اليهود! فهؤلاء اليهود قد فهموا أن اسم ابن يدل على أنه مساوى في الرتبة (أى مساوى لله)، أما أولئك الشياطين فعرفوا أن الذي طردهم هو إله، لأنهم إقتنعوا بذلك بسبب ما حدث لهم. أما أنت فلا تعترف بالمساواة ولا تقر بلاهوته. كان من الأفضل أن تكون إما يهوديًا أو شيطانًا (لو عبّرت عن ذلك بطريقة مضحكة)، عن أن يتسلط على ذهنك الشر والكفر وأنت أغلف وبصحة جيدة.

 

كل هذا لأجلى:

          16 ـ بعد قليل سوف ترى يسوع ينزل ليتطهر في الأردن (مت17:3) لأجل تطهيرى أنا، أو بالحرى ليقدس المياه بطهارته (لأنه لم يكن في إحتياج إلى التطهير ذاك الذي يرفع خطية العالم). وإنشقت السماوات، وشهد له الروح الذي من نفس الطبيعة الواحدة معه؛ وسنراه يُجرب وينتصر على التجارب ويُخدم من الملائكة (انظر مت 1:4ـ11)، ويشفى كل مرض وكل ضعف (مت23:4)، ويمنح الحياة للأموات (وليته يهبك الحياة أنت الذي مت بسبب هرطقتك)، ويطرد الشياطين (مت33:9) أحيانًا بنفسه وأحيانًا أخرى بواسطة تلاميذه. ويُطعم بخبزات قليلة آلاف من البشر (مت14:14)، ويمشى على البحر كأرض جافة (مت25:14)، ويُسلّم ويُصلب صالبًا خطيتى معه، وقُدم ذبيحة كحمل، وأيضًا قدم ذاته ككاهن يقدم ذبيحة، ودُفن كإنسان وقام ثانية كإله، ثم صعد إلى السموات لكى يعود ثانية في مجده. كم من الأعياد توجد لأجلى في كل سر من أسرار المسيح! وغاية كل هذه الأسرار تجديدى وتكميلى أنا، لكى أرجع إلى حالة آدم الأولى.

          17 ـ إذًا، أرجوكم إقبلوا حمله في داخلكم (كما حملته العذراء في بطنها)، وإقفزوا فرحًا أمامه إن لم يكن مثل يوحنا المعمدان وهو في بطن أمه (لو1:1)، فعلى الأقل مثل داود أمام تابوت العهد (2صم 14:6). وعليك أن تحترم الإكتتاب الذي بسببه كُتبت أنت في السموات. واسجد للميلاد (لو1:2ـ5) الذي بواسطته فُككت من ولادتك الجسدية. واكرم بيت لحم الصغرى التي أرجعتك مرة أخرى إلى الفردوس. واسجد لطفل المزود الذي به تغذيت باللوغوس (الكلمة) بعدما كنت ضالاً. اعرف قانيك كما يعرف الثور قانيه، والحمار معلف صاحبه، حسب قول إشعياء (3:1)، ذلك إن كنت من الطاهرين الذين يكرمون الناموس وينشغلون بترديد أقواله باجترار، واللائقين للذبائح. أما إن كنت من أولئك الذين لا يزالون نجسين ولم يكن يحق لهم أن يأكلوا من المقدسات، وغير لائقين لتقديم الذبائح، وهم من الأمم الوثنيين، فإسرع مع النجم وقدم هدايا مع المجوس ذهبًا ولبانًا ومرًا كما لملك، وإله، ولواحد قد مات لأجلك. مجّده مع الرعاة، وسبحه مع خورس الملائكة، ورتل تسابيحك مع رؤساء الملائكة. فليكن هذا الإحتفال مشتركًا بين القوات السماوية والقوات الأرضية. لأننى أؤمن أن الأجناد السماوية يشتركون في التمجيد معنا، ويحتفلون بالعيد العظيم معنا اليوم، لأنهم يحبون البشر ويحبون الله، كما كتب داود عن أمثال هؤلاء الذين صعدوا مع المسيح بعد آلامه لكى يستقبلوه وهم ينادون أحدهم الآخر ان يرفعوا الأبواب الدهرية (مز7:24ـ9).

 

بيت لحم والصليب والقيامة:

          18 ـ هناك أمر واحد فقط مرتبط بمناسبة ميلاد المسيح، أريدكم أن تبغضوه، ألا وهو قتل الأطفال على يد هيرودس، أو بالحرى يجب أن تكرموا أيضًا، هؤلاء الذين ذُبحوا وهم من نفس عمر المسيح، هؤلاء صاروا ذبيحة قُدمت قبل الذبيحة الجديدة (أى الصليب).

 

 

كن ملازمًا للمسيح:

          عندما يهرب إلى مصر اهرب أنت معه؛ ورافقه فرحًا في المنفى. إنه عمل عظيم أن تشترك مع المسيح المضطهد. وإن أبطأ كثيرًا في مصر فادعوه من هناك بتقديم عبادة خاشعة له هناك. إتبع المسيح بلا لوم في كل مراحل حياته وكل صفاته. تطهر واختتن؛ إنزع البرقع الذي كان يغطيك منذ ولادتك. بعد ذلك علّم في الهيكل واطرد التجار من هيكل الله، اسمح لهم أن يرجموك لو لزم الأمر، فإنى أعرف جيدًا أنك سوف تفلت من بين هؤلاء الذين يرجموك مثل الله (انظر يو59:8). لأن الكلمة لا يُرجم. إن جاءوا بك إلى هيرودس لا تعطيه إجابة عن أغلب أسئلته؛ فسوف يحترم صمتك أكثر من احترامه لأحاديث الشعب الكثيرة. إذا جلدوك اطلب منهم أن يتمموا كل الجلدات. ذُق المر واشرب الخل؛ واطلب أن يبصقوا على وجهك؛ اقبل منهم اللطمات والشتائم، وتوج رأسك بإكليل الشوك، أى بأشواك حياة التقوى. إلبس ثوب الأرجوان وأمسك القصبة في يدك، واقبل السجود بسخرية من أولئك الذين يسخرون من الحق؛ أخيرًا فلتُصلب مع المسيح واشترك في موته ودفنه بفرح لكى تقوم معه وتتمجد معه وتملك معه. انظر إلى الله العظيم الذي يُسجد له ويمجد في ثالوث، ودعه ينظر إليك وليته يظهر الآن بوضوح أمامك، بقدر ما تسمح قيود الجسد، بيسوع المسيح ربنا الذي له المجد من الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1]  الظلمة تنقشع بولادة الرب مثلما حدث أثناء خلق العالم بخلق النور الذي جعل الظلمة التي كانت تغطى الأرض تنقشع (انظر تك2:1 وفيما بعده).

[2] انظر خر21:10. يقصد بمصر العالم الذي يعيش في ظلمة.

[3] يشير كل من “الحرف” و “الظلال” إلى “الناموس” الموسوى، بينما كل من “الروح” و “الحق” إلى الحياة الجديدة التي ظهرت في العالم بميلاد المخلّص.

[4] العالم السماوى يكتمل بعودة الجنس البشرى إلى الموطن السماوى.

5 هذا العنوان وكل العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

[6] يشير هنا القديس غريغوريوس إلى “الأكل من الثمرة المحرمة ” الذي تسبب في سقوط الأبوين الأولين (تك3).

[7] يشير هنا إلى أنه غريب وليس من أهل القسطنطينية، وهو يلقى خطابه بعد وصوله إليها بفترة قصيرة بعد أن كان يعيش في كبادوكية البعيدة عن القسطنطينية ويخدم في مواضع صغيرة وغير مشهورة مثل نازينز التي جاء منها.

[8] أى من خلال أفعاله الإلهية.

[9] قدس الأقداس هنا يعنى الثالوث القدوس.

[10] على الأغلب يشير القديس غريغوريوس إلى القديس أثناسيوس الرسولى الذي انشغل بمهارة فائقة بالتعليم عن الله في كتابه ضد الآريوسيين.

[11] يدعو القديس غريغوريوس الله بالصلاح، وكان هذا معتادًا عند الآباء أن يستخدموا صفات الله كأسماء لله.

[12] يوسيفوروس يعنى حامل الفجر أى النور. أول إشارة إليه كانت في سفر إشعياء 12:14، لكن ظل يُدعى شيطان Satana وهى كلمة من الفعل العبرى Satan بمعنى المقاوم.

[13] أى من المادة والروح.

[14] طبعًا لا يقصد القديس غريغوريوس أن الإنسان يصير إلهًا مثل الله: يوجد في كل مكان وقادر على كل شئ، وأبدى … الخ، لكن يشير هنا إلى اكتساب الفضائل الإلهية.

[15] أى من المادة والروح.

[16] يشير القديس غريغوريوس إلى الخلق بواسطة إتحاد الجسد والنفس، والموت هو إنحلال هذا الإتحاد ثم يأتى بعد ذلك إعادة هذا الإتحاد في الدهر الآتى بأكثر مجدًا.

[17] هنا يشرح القديس غريغوريوس مفهوم الأقمصة الجلدية.

[18] هنا نتذكر قول القداس الغريغورى: ” حوّلت لى العقوبة خلاصًا “.

[19] انظر القداس الغريغورى الذي يخاطب المسيح الكلمة بقوله “الذي لا ينطق به، غير المرئى، غير المحوى، غير المبتدئ، الأبدى، غير الزمنى، الذي لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل (أى غير المتغير)”. وهذا يوضح أن القداس هو من وضع القديس غريغوريوس نفسه الذي تفوه بهذه العظة وغيرها من الخطب والعظات المعروفة باسمه.

[20] أى إلى الإنسان الذي خلق على صورته.

[21] بناسوت خلقه هو فى أحشاء العذراء.

[22] فى الخلق خلق الله الإنسان “على صورة الله”، بينما في التجسد أخذ الجسد: “أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له”.

[23] طبعًا من جهة طبيعته التي فيها اللاهوت متحد بالناسوت.

[24] يقصد أصحاب بدعة سابيليوس الذي قال إن الآب هو نفسه صار المسيح وصلب وبعد صعود المسيح جاء باسم الروح القدس أى الثالوث أقنوم واحد وليس ثلاثة أقانيم للاهوت واحد.

[25]  يقصد الآريوسيين.

 

أنشودة الميلاد – ق. غريغوريوس النزينزى – د. جورج عوض إبراهيم

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

 

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

 

عمانوئيل الله معنا

 

عظة على بند ”تجسد وتأنس”

من قانون الإيمان

 

قراءة من إشعياء:

 

    ” ثم عاد الرب فكلم آحاز قائلاً أطلب لنفسك آية من الرب إلهك…. يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعو إسمه عمانوئيل” (أش 7: 10- 14).

 

المسيح الملك والطبيب[1]:

   يا رفاق النقاوة وتلاميذ العفة، تعالوا نُسبح الله بشفاهٍ مملوءةٍ من الطهر، نسبح الله الذي وُلدِ من العذراء. نحن الذين جُعلنا مستحقين أن نتناول من جسد الحمل العقلي، دعُونا نأكل الرأس مع الأرجل (انظر خر 12: 9): الرأس تشير إلى لاهوته، أمَّا الأرجل فهي تشير إلى ناسوته. ليت الذين يسمعون الأناجيل المقدسة يؤمنون بما كتبه يوحنا اللاهوتي. فهو الذي قال ” في البدء كان الكلمة” (يو1:1)، ثم كتب أيضًا “والكلمة صار جسداً” (يو14:1). لأنه ليس من الصواب أن نسجد لإنسان عادي، ولا من التقوى أن ندعوه إلهاً بدون ناسوته؛ لأنه لو كان المسيح هو الله، فقط كما هو حقًا كذلك، دون أن يتخذ الطبيعة البشرية لكنا نحن غرباء عن الخلاص[2]. فلنسجد له لأنه إله، ونؤمن أيضاً بأنه قد صار إنساناً؛ لأنه لو قُلنا عنه إنه إنسانٌ بدون إلوهية، فلن ننتفع شيئاً، وهكذا أيضًا إن لم نعترف بناسوته مع لاهوته، فلن يكون لنا خلاص. ليتنا نعترف بمجيء ذلك الذي هو ملك وطبيب؛ لأن الملك يسوع الْتَحَفَ بطبيعتنا البشرية لكي يشفيها من وجعها. لقد صار معلمُ الأطفال الكامل، طفلاً مع الأطفال، لكي يعطي حكمة للجهلاء. وقد نزل الخبز السماوي إلى الأرض (انظر يو 41:6)، لكي يُطعم الجياع.

 

اليهود في ضلال:

   لقد رفض أبناء اليهود المسيح الذي جاء، وينتظرون ذاك الأثيم الذي كانوا يظنون أنه سوف يأتي. لم يعترف هؤلاء الضالون بالمسيا الحقيقي، بينما ينتظرون المُضلّ لكي يقبلوه! وعن هذا الأمر قال المخلص الحقيقي ” أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني. إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه” (يو 5: 43).

   جيدٌ إذاً أن نطرح سؤالاً على اليهود: ما رأيكم فيما قاله النبي إشعياء متنبئاً بأن عمانوئيل سوف يُولد من العذراء؟ أكان ذاك حقاً أم كذباً؟

   فإذا حكموا على النبي أنه كاذب، فهذا ليس غريباً أبداً، لأنهم اعتادوا ـ ليس فقط ـ على اتهام الأنبياء بأنهم كاذبون، بل اعتادوا على رجمهم أيضاً. وإذا كان ما قاله النبيُ حقٌ، فهذا يؤكد لنا مَنْ هو عمانوئيل. وأي واحدٍ من الاثنين هو، هل هو من تنتظرون مجيئه؟ وما إذا كان سوف يُولد من عذراء أم لا؟ لأنه إن لم يُولد من عذراء، فسوف تتهمون النبي بالكذب. وبالإضافة إلى ذلك، إذا كنتم تنتظرون أن يحدث هذا في المستقبل، فلماذا ترفضون ما حدث بالفعل؟

    دع اليهودَ في ضلالهم طالما يريدون ذلك، ولتتمجد كنيسة الله؛ لأننا نحن نقبل الإله الكلمة الذي صار إنساناً بالحقيقة، ليس من مشيئة رجل وامرأة، كما يقول الهراطقة، بل صار إنساناً من العذراء والروح القدس بحسب تعليم الإنجيل، ليس بالخيال لكن بالحقيقة.

    أمَّا عن كونه صار إنساناً بالحقيقة من العذراء، فعليك أن تنتظر ما سوف أسوقه من براهين في هذه العظة؛ لأن ضلال الهراطقة ضلالٌ متعددٌ ومتشابكٌ.

    فقد قال البعض منهم إنه على أيةِ حالٍ لم يُولد من عذراء. آخرون يقولون إنه وُلدِ طبعاً، لكن ليس من عذراء، بل من إمرأة عاشت مع رجل. وآخرون أيضاً يقولون إنَّ المسيح ليس إلهاً صار إنساناً، بل إنساناً صار إلهًا، بمعنى أنهم تجرأوا على القول بأن الكلمة الأزلي لم يَصِر إنساناً، بل هو إنسانٌ تقدم في الفضيلة وتمت مكافأته بأن يصير إلهًا[3].

    أمَّا أنت فاحفظ في ذاكرتك ما قلناه بالأمس عن إلوهية المسيح، آمِن بأن ابن الله وحيد الجنس، هو نفسه وُلدِ من العذراء. ثق فيما يقوله يوحنا الإنجيلي ” والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا” (يو 14:1). لأن الكلمة الأزلي مولود من الآب أزلياً قبل كل الدهور، بينما أخذ جسداً في الزمان لأجل خلاصنا.

 

هل من ضرورة للتجسد؟:

   كثيرون يقولون ما هي الضرورة العظمى التي تجعل الله يصير إنساناً؟ ويقولون أيضاً هل من الممكن أن تلد عذراء بدون رجل؟ وهل من طبيعة الله أن يتصل بالبشر؟ لكن بسبب كثرة الاعتراضات، وتعدد أبعاد المعركة، هيا بنا ـ بنعمة المسيح وصلوات الحاضرين ـ لنرد على هذه الاعتراضات.

 

الكتب المقدسة هي شهادتنا:

   دعونا أولاً نفتش عن السبب الذي من أجله نزل المسيح الرب إلى العالم. والآن لا تعتمد على ما أقوله من براهين لأنه من الممكن أن تنخدع، بل إن لم تسمع شهادات الأنبياء عن كل أمر، فلا تؤمن بما أقوله. وإن لم تتعلم من الكتب المقدسة عن ما تقوله عن العذراء وعن المكان والزمن وطريقة ولادة المسيح، ” فلا تقبل شهادة من أي إنسان” (انظر يو34:5). لأنه يجوز لأي واحد أن يعتبر الذي هو حاضر معكم الآن ويعلّمكم في موضع شك، ولكن هل هناك إنسان عاقل يمكن أن يشك في ما تم التنبؤ به منذ أكثر من ألف عام؟

    حسناً. إذا أردت أن تفتش عن سبب مجيء المسيح فتعالَ، إلى أول سفر في الكتاب المقدس. لقد خلق الله العالم في ستة أيام، لكن العالم خُلق لأجل الإنسان، فالشمس التي تشرق بأشعتها البهية وجُدت لكي تنير للإنسان، وكل الحيوانات وُجدت لكي تخدمه، كذلك النباتات والأشجار لكي يكون لنا منها طعام. وكل المخلوقات كانت حسنة (راجع تك 21:1)، لكن لم يكن هناك مخلوق من هذه المخلوقات، على صورة الله إلا الإنسان وحده. الشمس خُلقت بمجرد أمرٍ، بينما الإنسان كُوِّن بيدي الله ” فلنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26). فإذا كانت الصورة الخشبية للملك الأرضي تنال تكريماً، فكم بالأكثر ينبغي أن تُكرم صورة الله العقلية؟

 

الإنسان أعظم المخلوقات يخرج من الفردوس:

   إن هذا المخلوق الأعظم جداً من كل المخلوقات، والذي كان يعيش منفردًا في الفردوس، أخرجه خارجاً حسد إبليس. والعدو فَرِح بسقوط ذاك الذي حسده. إذاً هل تريد أن يستمر العدو في فرحه؟ إنه لم يتجرأ على الاقتراب من آدم بسبب قوته، فاقترب من المرأة بإعتبارها الأضعف، تلك التي كانت ماتزال عذراء؛ لأن آدم لم يعرف حواء امرأته إلاَّ بعد أن طُردا من الفردوس (راجع تك 4: 1).

 

إنحدار البشرية إلى الباطل:

   كان قايين وهابيل هما الجيل الثاني للجنس البشري، وكان قايين هو أول قاتل. ثم بعد ذلك جاء الطوفان بسبب شر البشر العظيم. ثم نزلت النار من السماء فوق سكان سدوم بسبب خطاياهم. وبعد سنين كثيرة اختار الله الشعب الإسرائيلي، لكن هذا الشعب إنحرف والجنس المختار سقط في الشر. لأنه، بينما كان موسى فوق جبل سيناء أمام الله، سجَّد الشعب في أسفل الجبل لعجلٍ كإله له (انظر خر 32: 1ـ 4). في زمن موسى الذي قال ” لا تزن” (راجع خر 20: 13) تجرأ رجلٌ ودخل إلى القبة وارتكب المعصية (انظر عد 25: 6). وبعد موسى أُرسِل الأنبياء لكي يشفوا الشعب الإسرائيلي، لكن بينما حاولوا أن يشفوا هذا الشعب انتحبوا لأنهم لم يستطيعوا أن ينتصروا على ضعفه، كما قال أحدهم ” ويل لي… قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس” (مي 7: 1ـ 2). وأيضاً ” الكل قد زاغوا معاً فسدوا. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد” (مز 14: 3). وكذلك ” لعنٌ وكذبٌ وقتلٌ وسرقةٌ وفسقٌ. يعتنقون ودماءٌ تلحق دماء” (هو 4: 2)، ” وذبحوا بنيهم وبناتهم للأوثان” (مز 105: 37). انشغلوا بالعرافين والسحرة والجان، وأيضاً    ” يتمددون على ثياب مرهونة بجانب كل مذبح ويشربون خمر المغرمَّين في بيت آلهتهم” (عا 2: 8).

 

البشرية جُرِحت جُرحًا خطيرًا:

   هكذا، كان جُرح البشريةِ خطيرًا جدًا، من القدم حتى الرأس لا يوجد أي عضو سليم، ولم يكن من الممكن لأحد أن يضع على الجروح ضمادات أو زيت ولا أربطة (راجع أش 1: 6)، الأنبياء انتحبوا وبكوا وقالوا: ” ليت من صهيون خلاص إسرائيل” (مز 14: 7). وأيضاً ” لتكن يدك على رجل يمينك وعلى ابن آدم الذي اخترته لنفسك. فلا نرتد عنك” (مز 80: 17، 18). ونجد المُرنم يتوسل قائلاً: ” يا رب طأطأ سمواتك وانزل إلمس الجبال فتدخن” (مز 144: 5). أنزل لأن جروح البشرية تخطت قدرتنا على شفائها. ” نقضوا مذابحك وقتلوا أنبيائك بالسيف” (1مل 19: 1). لا يمكن للشر أن يُهزم من جانبنا، فالحاجة إليك وحدك لكي تخلّص الإنسان[4].

 

أرسل الله إبنه لكي يشفينا:

   سمِع الربُ طلبة الأنبياء. لم يهمل الآب جنسنا الهالك، بل أرسل ابنه، الرب من السماء كطبيب لكي يشفينا[5]. وقال أحد الأنبياء ” يأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه” (ملا 31: 1)، لقد أتى الرب إلى هيكله حيث حاول اليهود أن يرجموه (راجع يو 8: 59). وعندما سمع نبي آخر هذا الكلام، فكأنه يقول للنبي أتعلن خلاص الله وتقول هذا الأمر هكذا بهدوء تام؟ أتحمل بشارة مجيء الله للخلاص وتتحدث بها في الخفاء؟

   “على جبل عالٍ اصعدي يا مبشرة صهيون. ارفعي صوتك بقوة يا مبشرة أورشليم. ارفعي لا تخافي. قولي لمدن يهوذا هوذا إلهك. هوذا السيد الرب بقوة يأتي…” (أش 40: 9، 10).

   أيضًا الرب نفسه يقول ” هاأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب. فتتصل أمم كثيرة بالرب” (زك 2: 10، 11). لكن بني إسرائيل رفضوا خلاصي الذي قدمته لهم، ولذلك “جئت لأجمع كل الأمم والألسنة فيأتون ويرون مجدي” (انظر إش 66: 18). لأنه ” جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله” (يو 1: 11)، وما الذي تمنحه للأمم عندما تأتي؟ يقول: ” أجعل فيهم آية” (أش 66: 19)، لأني بينما أنا أتألم فوق الصليب، أعطي لكل واحد من جنودي، أعطي ختمًا ملكيًا لكي يحمله على جبينه. ونبي آخر قال ” طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه” (مز 18: 9)، لأن، نزوله من السماء لم يكن معروفًا للبشر.

   بعدما سمع سليمان أباه داود يقول هذه الأقوال، بني هيكلاً عظيماً، وهو يرى مسبقاً ذاك الذي سوف يأتي إلى هذا الهيكل، وقال مندهشاً “هل يسكن الله حقاً على الأرض؟”، تنبأ داود في المزمور المُعطى لـ “سليمان”: ” ينزل مثل المطر على الجزاز مثل الغيوث الذارفة على الأرض” (مز 72: 6).

   يقول “مثل المطر” إشارةً إلى أنه سماويٌ، بينما “على الجزاز” يشير إلى بشريته. ولأن المطر يقع على الجزاز بدون صوت، هكذا سرُ الميلاد كان غير معروفٍ، لذا يسأل المجوس ” أين وُلد ملك اليهود؟” (مت 2: 2) وهيرودس يسأل وهو مضطرب عن ولادته قائلاً   ” أين يُولد المسيح” (مت 2: 4).

   لكن مَنْ هو هذا الذي ينزل؟ يقول في المزمور ” يخشونك مادامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور” (مز 72: 5). ويقول نبيٌ آخر أيضاً: ” ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومخلّص” (انظر زك 9: 9س).

 

الملك الوديع:

   أشرح لي أيها النبي عن أي ملكٍ تتحدث فالملوك كثيرون؟ أعطِ لنا علامةً تميز الملك الذي تتحدث عن مجيئه. إن كنت تتحدث عن الملك الذي يلبس الأرجوان، فالآخرون قد أخذوا قبله هذه الكرامة. وإذا كنت تتحدث عن شخص يحرسه الجنود ويجلس فوق مركبة ذهبية، فهذا أيضاً قد صار لآخرين. أعطنا علامةً خاصةً للملك الذي تعلن لنا عن مجيئه. يجيب النبي قائلاً: “هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومخلّص، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان” وليس على مركبة. هذه علامةٌ فريدةٌ للملك الذي أتى. الرب يسوع هو الوحيد بين الملوك الذي جلس على جحشٍ ابن أتان، ودخل أورشليم بهتاف كملك (راجع مت 21: 7)، وماذا يفعل هذا الملك عندما يأتي؟ يقول النبي: ” وأنت أيضاً فإني بدم عهدك قد أطلقت أسراك من الجب الذي ليس فيه ماء” (زك 9: 11).

   وربما يحدث أن يجلس ملكٌ على جحش، لكن أعطني بالحري علامة أخرى، تدلنا على المكان الذي سوف يقف فيه الملك عندما يدخل المدينة. أظهر لنا المكان الذي يكون غير بعيد عن المدينة، حتى يمكننا أن نعرفه، أعطنا علامة واضحة يمكن أن نراها بالأعين، لكي نستطيع أن نرى المكان حتى عندما نكون في المدينة. يجيب النبي أيضاً قائلاً ” وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق” (زك 14: 4)، هكذا يكون في إمكان المرء الواقف في وسط المدينة أن يرى المكان؟[6]

 

الملك صانع المعجزات:

   الآن عندنا علامتين، نريد أن نعرف الثالثة. أخبرني ماذا سيفعل الرب عندما يأتي؟ يقول نبي آخر: ” هو يأتي ويخلصنا. حينئذٍ تنفتح عيون العمى وآذان الصم تتفتح. حينئذٍ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس” (إش 35: 4ـ6). قُل لي شهادةً أخرى أيها النبي، فأنت تقول لنا إن الرب الآتي سيصنع معجزات لم تحدث قبل ذلك أبداً (انظر يو 15: 24). أي معجزة أخرى بارزة تريد أن تخبرنا بها؟ يقول النبي: ” الرب يدخل في المحاكمة مع شيوخ شعبه ورؤسائهم” (إش 4: 14)، هذه هي العلامة البارزة، السيد احتمل الآلام وحُكِمَ عليه من عبيده شيوخ الشعب.

 

صار مثلنا لكي نستحق أن نتمتع به:

   وبالرغم من أن اليهود كانوا يقرأون كل هذه الشهادات، لكنهم لم يسمعوا؛ لأنهم أغلقوا آذان قلوبهم حتى لا يسمعوا. أما نحن فنؤمن بيسوع المسيح الذي أخذ جسداً وصار إنساناً، لأننا بغير ذلك لا يمكننا أن نعرفه ونقبله، فنحن ولا نستطيع أن نراه ونتمتع به كما هو (قبل التجسد)، ولذلك صار كما نحن حتى يسمح لنا أن نتمتع به. لأنه، إن كُنا لا نستطيع أن نرى الشمس، التي خُلقت في اليوم الرابع، فهل نستطيع أن نرى الله خالق الشمس؟ لقد نزل الله على جبل سيناء في لهيب نار ولم يستطع الشعب أن يتحمل رؤيته وقالوا لموسى: ” تكلم أنت معنا فنسمع. ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت” (خر 20: 19). وأيضاً   ” لأنه مَنْ هو مِن جميع البشر الذي سمع صوت الله الحي يتكلّم من وسط النار مثلنا وعاش” (تث 5: 26). فإن كان الإنسان يموت بمجرد أن يسمع صوت الله، فكيف يمكن أن يرى الله نفسه، ألا يتسبب هذا في موته؟ ولماذا تنتابك الدهشة؟ إن موسى نفسه يقول ” أنا مرتعب ومرتعد” (انظر عب 12: 21).

    إذاً ماذا تريد؟ هل تريد أن يصير هذا الذي أتى لكي يقدم لنا الخلاص سبباً للموت؛ لأن البشر لا يتحملونه، أم أن يقدم لنا النعمة بالقدر الذي يمكننا أن نقبلها؟ فإن كان دانيال لم يتحمل رؤية ملاك، هل يمكنك أنت أن تحتمل مشهد رب الملائكة؟ لقد سقط دانيال على الأرض عندما ظهر له جبرائيل الملاك (انظر دا 10: 9). وكيف ظهر الملاك وبأي شكل؟ يقول: “جسمه كالزبرجد ووجهه كمنظر البرق وعيناه كمصباحي نار وذراعاه ورجلاه كعين النحاس المصقول وصوت كلامه كصوت جمهور” (دا 10: 6). إن صوته ليس مثل صوت اثني عشرة طغمة من الملائكة، وبالرغم من ذلك سقط النبي على الأرض. واقترب منه الملاك وقال له: ” لا تخف يا دانيال… سُمع كلامك وأنا أتيت لأجل كلامك” (دا 10: 12)، وقال دانيال: ” قمت مرتعدًا ” (دا 10: 11).

    وهكذا، عندما ظهر الملاك بشكل إنسان، عندئذٍ تحدث دانيال. فماذا قال؟ ” يا سيدي بالرؤيا انقلبت علىَّ أوجاعي فما ضبطت قوة” (دا 10: 16)، فإن كان بظهور ملاك قد تلاشى صوت النبي وقوته، فهل تبقى فيه نفس بظهور الله؟! وكما يقول الكتاب ” فعاد ولمسني كمنظر إنسان وقواني” (دا 10: 18)، إذاً، فطالما اختُبِرت طبيعتنا البشرية، وظهر مدى ضعفنا، أخذ الرب على عاتقه أن يمنح الإنسان ما يحتاجه. فلأن الإنسان يريد أن يسمع إنساناً له نفس الشكل مثله، صار المخلصُ إنساناً، لكي يستطيع البشر بسهولة أن ينالوا الخلاص.

 

جاء المسيح لكي يعتمد ويُقَدِس المعمودية:

   أيضاً اسمع سبباً آخراً. لقد جاء المسيح لكي يعتمد ويقدس المعمودية. جاء لكي يصنع المعجزات ماشياً فوق مياه البحر (انظر متى 14: 25). ولأن البحرَ رآه ـ قبل تآنسه ـ فهرب، والأردن رجع إلى الخلف (انظر مز 114: 3)، أخذ الرب جسداً، حتى يراه البحر ويتحمله ويقبله الأردن بلا خوف، هذا هو أحد الأسباب.

 

الخلاص بالتجسد من العذراء:  

   لكن يوجد سبب آخر، لقد أتى الموت إلى العالم من خلال حواء العذراء، فكان يجب إذاً بواسطة عذراء أو بالحرى من عذراء أن تظهر الحياة. فان كانت حواء قد خدعها الشيطان، فإن الملاك جبرائيل بشر العذراء بخبر الخلاص المفرح[7].

صار الله إنسانًا ليقضي على الضلال:

   وحيث إن البشر هجروا الله، وصنعوا أصنام بصورة بشرية، ولأنهم عبدوا صورة لإنسان واعتبروه إلهاً، صار الله إنساناً حقًا لكي يقضي على هذا الضلال. لقد استخدم الشيطانُ الجسدَ ـ كأداةٍ ـ ضداً لنا. وبولس وهو يعرف هذا الأمر قال: ” أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني” (رو 7: 23).

 

الحياة تنتصر على الموت:

   حسناً. فبالأسلحة التي حاربنا بها الشيطان، بهذه الأسلحة نفسها خلَّصنا الرب. لقد أخذ الرب شبهنا لكي يخلِّص البشرية. فقد أخذ الرب شبهنا لكي يمنحنا نعمةً أعظم كانت تنقصنا، وحتى تصير البشرية الخاطئة مشاركة لله، لأنه ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً” (رو 5: 20)، كان ينبغي أن يتألم الرب لأجلنا (انظر لو 24: 26)، لكن لو كان الشيطان قد عرفه لما تجرأ واقترب منه، ” لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو 2: 8). إذاً الجسد صار طُعماً للموت، وهكذا صار للتنين أملٌ في ابتلاعه، حتى بإبتلاعه هذا الجسد يتقيأه خارجاً ومعه أولئك الذين قد سبق وابتلعهم بالفعل[8]. أما الرب    ” فيبلع الموت إلى الأبد“، وأيضاً “ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه” (انظر أش 25: 8).

   هل صار المسيحُ إنساناً دون أن يكون هناك سبب لتجسده؟ وهل تعاليمنا عنه مجرد أدبيات جمالية وادعاءات بشرية؟ أليست الكتب المقدسة هي خلاصنا؟ أليست هي شهادات الأنبياء؟ أحفظ إذن هذه الوديعة من التحريف، ولا تدع أحد يحولّك عنها.

 

ما الغريب في أن يصير الله إنسانًا:

    آمن بأن الله صار إنساناً. ورغم إنه قد تبرهن أنه من الممكن أن يصير إنساناً. ولكن إن كان اليهود لا يزالون غير مؤمنين، نسألهم: ما الغريب في كرازتنا التي تنادي بأن الله صار إنساناً، وأنتم أنفسكم تقولون إن إبرآم استضاف الرب؟ ما الغريب في كرازتنا بينما يعقوب يقول ” إني رأيت الله وجهاً لوجه ونجت نفسي” (تك 32: 31س)، فالرب الذي أكل مع إبرآم (تك 18: 8)، أكل معنا نحن أيضًا. ما الغريب إذاً فيما نكرز به؟ نقدم أيضاً شاهدين وقفا بجوار الرب في جبل سيناء: موسى الذي كان موجوداً في شق صخرة وإيليا الذي عاش في مغارة (1مل8:19). لقد كانا حاضرين معه عندما تجلى على جبل تابور[9]، وتكلما معه عن خروجه الذي الذي كان عتيدًا أن يكمله في أورشليم (راجع لو 9: 30ـ 31).

   أيضاً كونه من الممكن أن يصير إنساناً بُرهن عليه كما قُلت من قبل. دعونا إذاً نترك بقية البراهين ليدرسها المجتهدون في البحث.

 

العهد القديم يخبرنا عن زمن ومكان مجيء المخلص:

    لقد وعدتكم في حديثي أن أعرفكم عن زمن مجيء المخلص ومكانه. ولا يجب أن تنصرفوا من اجتماعنا متهِمين إيانا بالكذب، بل بالحري يجب أن نساعد أولئك الذين أتوا حديثاً إلى الكنيسة لكي ينصرفوا وهم متشددين في الإيمان. دعونا إذاً نبحث عن الزمن، الذي فيه جاء الرب؛ لأن حضوره حدث في الزمن وهذا ليس موضع شك. ” فالمسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد” (عب 13: 8). لقد قال موسى النبي: ” يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من أخوتك مثلي” (تث 18: 15) فلنترك مؤقتاً كلمة “مثلي” لأننا سوف نفحصها فيما بعد. لكن متى يأتي هذا النبي المنتظر؟ ارجع إلى المكتوب بخصوص هذا الأمر.

 

زمن مجيء المخلص:

    افحص بعناية النبوة التي قالها يعقوب ليهوذا ” يهوذا إياك يحمد أخوتك” (تك 49: 8)، ” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب (ليس اليهود بل الأمم)” (تك 49: 10). إذاً فانقطاع الحكم اليهودي، هو علامةُ تشير إلى مجيء المسيح. فلو لم يكن اليهود الآن تحت حكم الرومان، فلا يكون المسيح قد أتى بعد. ولو كان لديهم ملك من نسل يهوذا ومن نسل داود، لا يكون المنتظر قد جاء. لكن أي علامةٍ أخرى تدل على الذي يأتي والذي هو مشتهي كل الأمم؟ يقول يعقوب بعد ذلك: ” رابطاً بالكرمة جحشة” (تك 49: 11). وهكذا ترى ذلك الجحش الذي تنبأ به زكريا النبي بوضوح؟ (زك 9: 9).

    لكنك تطلب أيضاً شهادةً أخرى عن زمن مجيئه. يقول في المزمور: ” قال (الرب) لي أنت أبني.أنا اليوم ولدتك” (مز 2: 7)، ثم يقول ” تحطمهم (تحكمهم) بقضيب من حديد” (مز 2: 9). لقد قُلت من قبل إن قضيب الحديد يشير بوضوح إلى ملك الرومان. لنتذكر الآن دانيال النبي الذي وصف وفسر لنبوخذ نصر صورة التمثال، بعد أن ذكر له كل الحلم الذي كان قد رآه وأنه ” قطع حجر بغير يدين” (دا 2: 34)، أي بدون أن يُصنع من قِبَل إنسان، وأنه سوف يسّود على كل المسكونة، ويقول بكل وضوح ما يلي: ” وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يُترك لشعب آخر”      (دا 2: 44).

    مازلنا نبحث عن برهان أكثر وضوحًا عن زمن مجيء المسيح على الأرض. ولأن الإنسان بحسب طبيعته يصدِّق بصعوبة، فإن لم تفسَّر الشهادات الأكثر دقة، لن يؤمن بكل ما يُقال. إذاً، فما هو زمن مجيئه؟ عندما كف أن يكون هناك ملوك من نسل يهوذا، ومَلَكَ هيرودوس وهو من جنس آخر، يقول الملاك الذي تحدث إلى دانيال، ” فإعلم وإفهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً” (دا 9: 25، 26).

   إذاً، تسعةٌ وستون أسبوعًا تعادل أربعمائة وثلاثة وثمانين سنة. أي أنه قال إنه بعد بناء أورشليم، ومرور 483سنة، وزوال الحُكاّم الذين من نسل يهوذا، حينذاك يأتي ملكٌ من جنس آخر، وفي عصره يُولد المسيح.

   قد أعاد داريوس الذي من مادي بناء أورشليم في السنة السادسة لملكة، والتي تتزامن مع أول عام للألعاب الأوليمبية اليونانية السادسة والستين. والألعاب الأوليمبية كانت تصير كل أربع سنوات، لأن كل أربع سنوات من مسيرة الشمس ومن الثلاث ساعات الإضافية لكل سنة يكتمل يوم. وعندما ملَكَ هيرودوس في السنة الرابعة للألعاب الأوليمبية المائة والسادسة والثمانين. والآن فمن السادس والستون حتى الألمبياد المائة وستة وثمانون تم إقامة الألعاب الأوليمبية مائة وعشرون مرة. والمائة والعشرون مرة تعادل أربعمائة وثمانون عاماً. أما الثلاث سنوات الباقية فتؤخذ من الفترة التي بين السنة الأولى والسنة الرابعة للألعاب الأوليمبية. كما أن لديك برهانٌ من الكتاب المقدس يقول إن ” من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً يعود ويبني” (دا9: 25). وإذاً بالنسبة لزمن مجيء يسوع لدينا الآن برهانٌ، بالرغم من أنه يوجد تفاسير أخرى لأسابيع دانيال التي ذكرناها.

 

مكان مجيء المخلص:

   والآن اسمع الوعد عن مكان ولادة يسوع من ميخا النبي الذي يقول ” أمَّا أنتِ يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” (مي 5: 2). وبما أنك أنتَ من أهل أورشليم، فلا بد أن تكون قد رأيت ما هو مكتوب عن المكان في (مز 132: 6)،   ” هوذا قد سمعنا به في أفراته.وجدناه في حقول الوعر“. وحقًا قبل سنين قليلة كان المكانُ غابةً.

   اسمع أيضاً حبقوق النبي حين قال للرب ” يا رب عملك وسط السنين أحيه، في وسط السنين عَرّفِ” (حب 3: 2). وأي علامة لمجي الرب أيها النبي؟ يقول النبي: ” سيظهر للبشر في صورتين للحياة” (حب 3: 2س). أراد أن يقول بوضوح للرب أنك عندما تأتي إلى الأرض سوف تحيا وسوف تموت، وعندما تقوم من بين الأموات ستحيا ثانية. ومن أي جزء من أورشليم سيأتي؟ وذاك النبي يجيب بكل وضوح ” الله جاء من تيمان (أي من الجنوب) والقدوس من جبل فاران” (حب 3: 3)، حقاً بنفس الطريقة قال المرنم ” وجدناه في حقول الوعر” (مز 132: 6).

 

ها العذراء تحبل:

   وعندما نسأل ممَنْ آتي؟ وبأي طريقة؟ يخبرنا إشعياء النبي: ” ها العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعو اسمه عمانوئيل” (إش 7: 14). لكن اليهود يعارضون هذه الأقوال لأن هذه هي عادتهم منذ القديم، أن يعارضوا الحق، ويقولون إن النبوة لا تذكر كلمة “عذراء”، بل “فتاة”. أنا أوافقهم فيما يقولونه، وأيضاً سأنتهي إلى نفس الحق. لأنه يجب أن نسألهم: عندما تُغتصب عذراء، فمتى تصرخ، أبعد الاغتصاب أم قبله؟ إذاً عندما يقول في موضع آخر” فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن من يخلصها” (تث 22: 27)، أما كان يتحدث عن عذراء؟!! أيضاً لكي ترى بالأفضل أن العذراء أيضاً في الكتب المقدسة تُسمى فتاة، اسمع ماذا يقول سفر الملوك عن أبيشاج الشونمية “وكانت الفتاة جميلة” (1مل 1: 4)، لقد اختاروها وهي عذراء وقدموها إلى داود.

   لكن اليهود يقولون إن مقطع إشعياء (أش 7: 14) قيل لآحاز ويخص ابن حزقيا. إذاً دعونا نقرأ الكتاب ” أطلب لنفسك آية من الرب إلهك. عمّق طلبك أو رفِّعه إلى فوق” (أش 7: 11)، وهذه الآية يجب أن تكون عجيبة، مثل معجزة إخراج الماء من الصخرة (خر 17: 8)، والبحر الذي انشق (خر 14: 21ـ 22)، أو رجوع الشمس إلى الخلف أو ما شابه ذلك، لكن كل ما سوف أقوله سيكون بالحري دحض لكلام اليهود.

   أعترف بأنني أتكلم كلاماً كثيراً والسامعون قد تعبوا، لكن تحمّلوا أقوالي الكثيرة لأنها تُقال عن المسيح وليس عن أمور عادية.

   لقد قال إشعياء هذا الكلام عندما ملكَ أحاز الذي تملَّك ستة عشر سنة (2 مل 16: 2)، وحيث إن نبوة إشعياء قيلت له في هذه الفترة، تبطل حجة اليهود بأنه يقصد ابن آحاز حزقيا الذي خلفه، والذي عندما صعد إلى العرش كان عمره خمسة وعشرون عاماً (2مل 18: 2). فبما أن النبوة كانت في فترة الستة عشر عاماً للملك آحاز، فإن ذلك يعني أنٍ حزقيا وُلد قبل النبوة بتسعة سنين. فلأي سبب إذاً تُقال نبوةٌ عنه وهو المولود قبل أن يملك أبيه آحاز؟ إضافةًً إلى أنه يتنبأ مسبقًا عن أمور ستحدث، فهو لم يقل إن العذراء حبلت بل ستحبل (راجع أش 7: 14).

 

المسيح من نسل داود:

   إذاً نحن نعرف بالتأكيد أن الرب سوف يُولد من عذراء. دعونا نوضّح الآن، مِن أي نسل أتت العذراء، ” أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك” (مز 132: 11)، وأيضاً ” وأجعل إلى الأبد نسله وكرسيه مثل أيام السموات” (مز 89: 29)، وبعد ذلك يقول: ” مرة حلفت بقدسي أني لا أكذب لداود نسله إلى الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامي. مثل القمر يثبت إلى الدهر” (مز 89: 34ـ37). هل رأيت أن الحديث صار عن المسيح وليس عن سليمان؛ لأن عرشه لم يبقَ مثل بقاء الشمس؟ وإذا اعترض أحدٌ لأن المسيح لم يجلس على عرش داود الخشبي، دعونا نذكر المكتوب: “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون” (متى 23: 2)، إذاً فهو لا يقصد بالتالي عرشاً خشبياً، بل سلطة التعليم. هكذا لا ننظر إلى عرش داود على أنه عرشٌ خشبيٌ، بل المُلك نفسه. وخذ أيضاً شهادات الأطفال الذين صرخوا ” أوصنا لابن داود مبارك الملك الآتي باسم الرب.أوصنا في الأعالي” (مت 21: 9 و لو38:19).

   والأعميان قالا ” ارحمنا يا ابن داود” (مت 9: 27)، وجبرائيل يشهد بوضوح قائلاً لمريم ” هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه” (لو 1: 32). وبولس الرسول يقول:       ” أذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي” (2تي 2: 8). وفي بداية رسالته إلى أهل رومية يقول: ” الذي صار من نسل داود من جهة الجسد” (رو 1: 3). إذاً فلتقبل هذا الذي هو من نسل داود وآمن بالنبوة التي تقول ” ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسىّ القائم رايةً للشعوب إياه تطلب الأمم” (إش 11: 10).

 

مملكة إبن الله ليست لها نهاية:

   لكن اليهود يتضايقون من هذه الأقوال. وهذا الأمر يعرفه إشعياء من قبل، حين قال ” كل سلاح المتسلح في الوغى وكل رداء مدحرج في الدماء يكون للحريق مأكلاً للنار. لأنه يولد لنا (وليس لهم) ولد ونُعطى ابنًا” (إش 9: 5ـ6). ولاحظ أنه أولاً كان ابن الله ثم أُعطى لنا. وبعد ذلك يقول: ” وللسلام لا نهاية” (إش 9: 7)، الرومانيون لهم حدود، أمَّا مملكة ابن الله فليس لها نهاية. فارس ومادي لهما حدود، بينما مملكة الابن لا نهاية لها. ثم يقول على كرسي داود يجلس ويقيم مملكته. إذاً العذراء القديسة هي من نسل داود.

   كان ينبغي بالتأكيد للطاهر ومعلم الطهارة أن يخرج من أحشاء العذراء الطاهرة؛ لأنه إذا كان على من يخدم كاهنًا للمسيح في الأقداس أن يبتعد عن امرأته، فكيف يكون من الممكن أن يأتي المسيح من رجلٍ وامرأة؟ إذ يقول في المزامير ” عليك أُلقيت من الرحم” (مز 22: 10) تأمل جيداً في هذا ” عليك أُلقيت من الرحم” يعني “بدون رجل“، أي وُلد من بطن عذراء وجسدها، بينما الذين يولدون نتيجة إتحاد جسدي ليسوا كذلك.

 

الله خلق الجسد فالجسد مقدس:

   ولم يخجل من أخذ جسد من تلك الأعضاء التي هو نفسه خلقها. ومَنْ تعتقد يقول لنا هذا؟ يقوله الرب لأرميا ” قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك” (أر 1: 5). هذا الذي لم يخجل عندما لمسَّ البشر وهو يكونهم، كيف يمكن أن يخجل من تكوين جسده المقدس، هذا الجسد الذي هو بمثابة حجاب للاهوته؟

   إن الله هو الذي يخلق الأجنة في البطون حتى الآن كما هو مكتوب في سفر أيوب: ” ألم تصبَّني كاللبن وخثرتني كالجبن. كسوتني جلداً ولحماً فنسجتني بعظام وعصب” (أي 10: 10ـ 11). لا يوجد شيءٌ نجسٌ في تكوين الإنسان أما ما يدنس الإنسان فهو الزنى والفحشاء. فالذي خلق آدم هو الذي خلق حواء أيضاً، الذكر والأنثى خلقهما بيديه الإلهتين، ولم يُخلق ـ في البدء ـ أي عضو من أعضاء الجسد نجساً. فلتسد أفواه كل الهراطقة الذين يحتقرون الأجساد، بل بالحري هم يحتقرون خالق الأجساد.

   لكن دعونا نذكر بولس الرسول حين يقول: ” أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم” (1كو 6: 19). وقد سبق النبي وتكلم بلسان المسيح، قائلاً: “جسدي مأخوذ منهم” (هو 9: 12س). ومكتوب في موضع آخر في الكتاب: ” لذلك يُسلِّمهم إلى أن تكون قد ولدت والدة” (مي 5: 3). وما هي العلامة، يقول النبي بعد ذلك: ” ثم ترجع بقية أخوته إلى بني إسرائيل” (مي 5: 3). وما هي وعود العُرس المقدّمة للعذراء العروس المقدسة؟ يقول في هوشع: ” وأخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب” (هو 2: 20). وأليصابات حين تتحدث إلى مريم تتكلم بنفس الطريقة:     ” فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب” (لو 1: 45).

 

الرد على اليونانيين بشأن ولادة المسيح من عذراء:

   يفترى علينا اليونانيون واليهود ويقولون إنه من المستحيل أن يُولد المسيح من عذراء. أما من جهة اليونانيين فسنسد أفواهم من أساطيرهم. يا من تقولون في أساطيركم إن الأحجار عندما ألقيت تحولت إلى بشر، كيف تزعمون أنه من المستحيل على عذراء أن تلد؟ أنتم يا من تقولون في أساطيركم إن فتاةً وُلِدَت من الرأس، كيف تزعمون أنه من المستحيل أن يُولد ابنٌ من بطن عذراء؟ أنتم الذين تقولون في الأسطورة إن ديونيسيوس[10] حُبل به من فخذ زيوس[11] كيف ترفضون الحق؟ إني أعرف أنني أقول الآن أشياء لا تليق بالسامعين الحاضرين، لكن ذكرت كل هذا لكي يمكنكم أن تُخجلوا اليونانيين بإستخدام هذه البراهين من أساطيرهم.

 

الرد على اليهود بشأن ولادة المسيح من عذراء:

   وأرد على أهل الختان بهذا السؤال: أيهما أصعب أن تلد عاقرٌ عجوزٌ لا تملك في جسدها عوامل الإخصاب، أم عذراءٌ شابة؟

   سارة كانت عاقراً (تك30:11) وبينما لم يكن لديها عوامل الإخصاب (تك 18: 1) إلا أنها ولدت إبنًا بخلاف الطبيعة.

   إذاً طالما كان من الممكن أن تلد العاقر “بخلاف الطبيعة”، وهكذا يمكن للعذراء أن تلد، فإما أن ترفض الاثنين أو تقبل الاثنين. ولأن الله نفسه هو الذي فعل المعجزة الأولى وكذلك الثانية، لذلك لن تتجرأ على القول بأن المعجزة الأولى كان من الممكن أن يصنعها الله، أمَّا الأخرى فلا يمكن أن يصنعها، وأيضاً، كيف يكون من الطبيعي أن تتغيّر يد الإنسان في ساعة ثم ترجع إلى حالتها الأولى؟ كيف إذاً تغيّرت يد موسى إلى يدٍ بيضاء كالثلج، وبعد ذلك عادت مرة أخرى كما كانت من قبل (انظر خر 4: 60 7)؟ قد تقول إن الله فعل هذا الأمر لأنه أراد ذلك. فهل أراد الله في هذه الحالة وفعل، أمَّا في حالة العذراء فلم يستطع؟!

 

   إن ما حدث لموسى كان معجزة صارت فقط لأجل المصريين، أمَّا هذه التي للعذراء، فهي معجزة معطاة لكل العالم.

   أيها اليهود، أيهما أكثر صعوبة أن تلد العذراء، أم أن تتغيّر العصا إلى مخلوق حي؟ أنتم تعترفون بأنه في زمن موسى صارت العصا حيةً (انظر خر 4: 3)، وقد ارتعب منها الذي ألقاها على الأرض، وذاك الذي كان يمسكها من قبل هرب معتقداً أنها تنين وكانت حقاً تنينًا. وقد هرب، ليس لأنه خاف من العصا التي كان يمسكها، بل خوفًا من ذاك الذي غيَّرها إلى حيَّة. العصا صار لها أسنان وعيون التنين. فإن كانت العصا نبتت فيها أعين، ألا يمكن أن يُولد ابن من بطن عذراء، إذا أراد الله ذلك؟!

   لقد صمْتُ عن حادثة عصا هرون التي في ليلة واحدة ازهرت، في حين أن الأشجار الأخرى تحتاج إلى فترات زمنية طويلة لتزهر. مَنْ الذي لا يعرف إن عصاً نُزع منها قشرتها المثمرة لا تنبت أبداً من طبيعتها حتى لو زُرعت في نهرٍ؟ لكن لأن الله لا يتبع قوانين الأشجار الطبيعي، بل هو خالق النواميس الطبيعية جعل العصا التي بلا ثمر الجافة التي بلا قشرة، تزهر وتنبت وتصنع ثماراً. إذاً الذي منح للعصا ثماراً فوق طبيعية لأجل رئيس الكهنة الذي كان مثالاً للعتيد أن يكون، ألا يمنح العذراء القدرة على ولادة رئيس الكهنة الحقيقي؟

   وبالرغم من كل هذه الأمثلة الحسنة التي قلناها إلاَّ أن اليهود مازالوا يعترضون ولم تقنعهم معجزة العصا، بل لكي يقتنعوا يريدون مثل هذه الأمثلة التي “بخلاف الطبيعة” على أن تكون خاصة بالولادة. إذاً فلنسألهم: ممَن وُلِدَت حواء في البداية؟ الكتاب المقدس يقول، إنها أُخذتْ من جنب آدم (انظر تك 2: 22)، إذاً طالما أن حواء وُلدت بدون أُم من جنب آدم، ألا يمكن أن يُولد طفلٌ من بطن عذراء بدون رجل؟ الجنس الأنثوي مديون للرجال، لأن حواء وُلدت من آدم بدون أُم، أي وُلِدت فقط من رجل. هكذا رَدَّتْ مريم الدَّين عندما حَبِلَت، ليس بمعونة رجل، بل وحدها من الروح القدس بقوة الله.

 

عودة إلى معجزة خلق الإنسان العجيبة:

   دعونا نأخذ أيضاً مثالاً أعظم من هذه الأمثلة. لأنه وإن كان طبيعياً أن تُولد الأجساد من أجساد، بالرغم من أن هذا الأمر عجيب، لكن هل من الممكن أن تصير حفنة من تراب الأرض إنساناً، لا شك أن هذا الأمر يستحق إعجابًا أكثر. وأنْ يتحول التراب إلى إنسان به عيون، هذا أيضاً يستحق إعجابًا أكثر. وأن يصير من نفس الطين عظام صلبة، ورئتين رقيقتين، وأشكالٌ أخرى لأعضاء الجسد، فهذا أمر عجيب جدًا. وأن يكون الطين له نفس ويتحدث (انظر أي 38: 14)، ويبني بيوتًا ويصير ملكاً، فهذا أيضاً أمر عجيب. من أين إذاً أيها اليهود الجهلاء خُلِقَ آدم؟ ألم يأخذ الله تراباً من الأرض (انظر تك 2: 7)، وصنع منه هذا المخلوق العجيب؟ فإن كان الطين قد تحول إلى عين، ألا تستطيع العذراء أن تلد أبنًا؟

 

مريم عذراء على الدوام:

   أيها الأخوة، فلتتذكروا هذه الأقوال واستخدموها كأدوات في دفاعكم. ليتنا نُفحم الهراطقة الذين يعلّمون بأن تجسد الرب كان خياليًا. ونرفض أولئك الذين يزعمون أن ولادة المخلص صارت من رجل وامرأة، ويقولون إن المخلص كان ابن يوسف ومريم إستنادًا إلى قول الكتاب: “وأخذ امرأته” (مت 1: 24). وهنا أذكركم بيعقوب الذي قبل أن يتزوج راحيل قال للابان ” أعطني امرأتي” (تك 29: 21). إذاً، كما أن تلك قبل أن تتزوج، بل بوعد الزواج فقط، دُعيتْ امرأة يعقوب، هكذا مريم، لأنها كانت مخطوبة، دُعيت امرأة يوسف. ولاحظ دقة الإنجيل الذي يقول: ” وفي الشهر السادس أُرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل أسمها ناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف” (لو 1: 26ـ27).

   وأيضاً عندما حدث الإكتتاب وذهب يوسف لكي يُكتتب، ماذا يقول الكتاب؟ ” فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعي بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته ليُكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حُبلى” لو 2: 4ـ 5).

   كانت حاملاً بالتأكيد، لكن لم يقُل فقط: ” مع مريم امرأته، بل مع “مريم امرأته المخطوبة وهي حُبلى“. ويقول بولس الرسول: ” لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة” (غل 4: 4)، هكذا “مولوداً من امرأة“، أي من العذراء. وهكذا، إذا كنا قد برَّهنا على أن العذراء تُدعى امرأة، فالمسيح الذي يجعل النفوس البشرية عذراوية هو نفسه وُلد من عذراء.

 

 

 

الكلمة صار إنسانـًًا بالحقيقة:

   هل أنت متحير من هذا الذي صار؟ لا عجب في أن تندهش مما حدث. فالعذراء نفسها التي حملته تعجبت من هذا الأمر، إذ قالت لجبرائيل ” كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً” (لو 1: 34)، أجابها الملاك قائلاً: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تُظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله” (لو 1: 35). إنها ولادة طاهرة وغير دنسة. لأنه حيثما يهبّ الروح القدس فهو ينزع أي دنس. إذاً ولادة الابن وحيد الجنس بالجسد من العذراء هي غير دنسه. وإذا كان لدى الهراطقة اعتراضات على الحق فالروح القدس سيبكتهم، وقوة العلي ستغضب عليهم، تلك القوة التي ظللت العذراء، وسوف يأتي الملاك جبرائيل لكي يواجههم ويقف ضدهم في يوم الدينونة. ومكان المذود الذي أحتضن الرب سوف يُخجلهم. والرعاة الذين سمعوا البشارة المفرحة سيشهدون، وكذلك جنود الملائكة الذين سبحوا ورنموا قائلين: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي أناس المسرة” (لو 2: 24).

   والهيكل سوف يشهد أيضاً الذي حُمِلَ إليه الطفل بعد أربعين يوماً من ولادته. وزوج اليمام الذي قُدِّم لأجله، وسمعان الذي أخذه في حضنه هناك، وحنة النبيه التي كانت حاضرة، كل هؤلاء يشهدون.

   إذاً حيث إن الله يشهد، والروح القدس يشترك في الشهادة، والمسيح يقول ” الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعة من الله” (يو 8: 40)، فليستد فم الهراطقة الذين يشكُّون في ناسوت المسيح. لأنهم يتكلمون ضد ذاك الذي قال: ” انظروا يدي ورجلي إني أنا هو. جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو 24: 39).

   فليكن الرب الذي وُلد من عذراء مسجودًا له وممجدًا، ولتعترف العذارى بتاج عذراويتهم. لتعرف طغمة الرهبان مجد العفة، لأننا نحن البشر لم نُحرم من كرامة العفة. لقد ظلَّ المخلص تسعة أشهر في بطن العذراء، بينما الرب عاش بيننا ثلاثة وثلاثون عاماً. وهكذا فإن افتخرت به العذراء لأنه بقى فيها تسعة شهور، فبالأكثر يجب أن نفتخر نحن إذا كان هو طوال هذه السنين العديدة يعيش معنا.

   إذاً فلنسرع جميعنا في طريق العفة بنعمة الله، فتيان وفتيات، شيوخ مع شباب (انظر مز 148: 12) مُسبحين اسم المسيح ومبتعدين عن الشهوات الجسدية.

 

ليتنا نهتم بطهارة الجسد ليصير هيكلاً لله:

   ينبغي ألا نجهل مجد العفة فتاجها ملائكي، وعظمتها تفوق ما هو بشري. ليتنا نهتم بأجسادنا التي سوف تضيء مثل الشمس. دعونا لا ندنس الجسد من أجل لذة وقتية، الجسد الذي له مثل هذا المجد العظيم، لأن الخطية للحظة قصيرة، أما العار فهو أبديٌ. هؤلاء الذين يحفظون العفة هم ملائكة يمشون على الأرض. العذارى سوف يكون نصيبهن مع مريم العذراء. فلنرفض الاهتمام باللذات الوقتية، ونترك كل نظرة مهلكة وكذلك أي مشية شهوانية، وكل ملبس غير لائق وكل رائحة مثيرة. فلتكن رائحة الصلاة الزكية هي عطرنا جميعاً، وكذلك فلتكن أعمالنا الحسنة وتقديس أجسادنا، حتى يقول الرب ـ الذي وُلد من العذراء ـ لنا نحن الرجال والنساء الذين نسير في طريق العفة كإكليل لنا: ” إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً” (2كو 6: 16)، الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.

+++++++

 

 
   

 

 

كتابات الآباء التي صدرت

1ـ65، 67ـ80، 82ـ84، 86ـ89، 91، 92، 94، 96، 108، 114، 115 صدرت ونفذت.

66      السجود والعبادة بالروح والحق ج3 (المقالة الرابعة والخامسة) للقديس كيرلس الأسكندري.

81       الرسالة إلى ديوجينيتوس.

85       عظات القديس مقاريوس الكبير ـ طبعة رابعة مُراجعة ومُنقحة.

90       حوار حول الثالوث (الجزء الثاني) ـ للقديس كيرلس الكبير.

93       تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج2 (الإصحاحات 3-7).

95       الروح القدس ـ للقديس أثناسيوس ـ طبعة ثانية منقحة.

97     السجود والعبادة بالروح والحق ج5 (المقالتان 8، 9) للقديس كيرلس الأسكندري.

98       لك القوة والمجد ـ للقديس يوحنا ذهبي الفم.

102      الرسائل الفصحية ـ للقديس أثناسيوس.

103      خلق الإنسان على صورة الله ومثالة ـ للقديس غريغوريوس النيسي.

105      أوريجينوس ـ عظات على سفر العدد ج1 ـ طبعة ثانية منقحة.

106    شرح إنجيل يوحنا (الإصحاح الـ11) للقديس كيرلس الإسكندري ـ الجزء السادس.

107     تجسد الكلمة ـ للقديس أثناسيوس الرسولي ـ طبعة رابعة.

109      تفسير رسالة بولس الرسول لأهل رومية ج3 (الاصحاحات 8 ـ11).

110      أوريجينوس ـ عظات على سفر العدد ـ الجزء الثاني.

111      فلتعبر عني هذه الكأس ـ يوحنا ذهبي الفم.

112      بالحقيقة قام ـ يوحنا ذهبي الفم.

113   المقالة الثالثة ضد الآريوسيين ـ للقديس أثناسيوس الرسولي ـ طبعة ثانية منقحة.

116    تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندري (كامل في مجلد واحد 776 صفحة).

117   السجود والعبادة بالروح والحق ج6 (المقالتان 10، 11) للقديس كيرلس الأسكندري.

118   شرح إنجيل يوحنا (الأصحاحان 12، 13) للقديس كيرلس الإسكندري ـ الجزء السابع.

119   عمانوئيل الله معنا ـ للقديس كيرلس الأورشليمي.

 

[1] العناوين من وضع المترجم.

[2] هنا يتعرض لهرطقة الخياليين الذين أنكروا الطبيعة البشرية للمسيح ونادوا بأن التجسد كان ظاهرياً راجع العظة الرابعة فقرة 9 للقديس كيرلس الأورشليمي.

[3] أي تمت مكافأته بالتأله لأنه تقدم في الفضيلة.

[4] يعبر القداس الغريغوري عن هذه الحقيقة بقوله: “لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباءٍ ائتمنتهم على خلاصنا، بل أنت بغير استحالةٍ تجسدت وتأنست…..”.

[5] يشرح القداس الباسيلي ذلك بقوله: “لم تتركنا عنك أيضاً إلى الانقضاء، بل تعهدتنا دائماً بأنبيائك القديسين، وفي آخر الأيام ظهرت لنا نحن الجلوس في الظلمة وظلال الموت بابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح”.

[6] يبدو جبل الزيتون ظاهراً جداً من أورشليم، وخاصة من جبل الجلجثة حيث كان كيرلس الأورشليمي يلقي عظاته.

[7] تعبر ثيؤطوكية الاثنين عن ذلك بقولها: “حواء التي أغرتها الحية  حُكِمَ عليها من قِبَلِ الرب …. أشرق جسدياً من العذراء بغير زرع بشر حتى خلصنا”. ويستفيض لُبش الآدام على ثيؤطوكية يوم الاثنين في الشرح فيقول: “بمشورة أمنا الأولى أكل آدم من ثمرة الشجرة، فجاء على جنسنا وكل الخليقة سلطان الموت والفساد، ومن قِبَلِ مريم والدة الإله اُرجع آدم إلى رئاسته دفعةً أخرى”.

[8] يقصد كيرلس الأورشليمي بالذين قد سبق وابتلعهم بالفعل، أنهم أبرار العهد القديم أما التنين الذي ابتلعهم فهو الموت.

[9] جبل طابور لم يُذكر في حادثة التجلي التي رواها كل من مرقس (مر9: 22) ولوقا (لو 9: 28) لكن التقليد القديم والذي يؤكده كيرلس الأورشليمي يعتبر طابور هو الجبل الذي فوقه حدث تجلي للمخلص.

[10] أحد الآلهة الإغريقية الوثنية.

[11] كبير آلهة الإغريق.

 

عمانوئيل الله معنا – ق. كيرلس الأورشليمي – د. جورج عوض إبراهيم

لا تبكوا على الراقدين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

لا تبكوا على الراقدين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

لا تبكوا على الراقدين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

لا تبكوا على الراقدين

(عظة عن الموت)

 
ساعة الموت، لماذا هي مجهولة بالنسبة لنا؟

          يا أحبائي، إن عقلنا في شوقٍ دائم لمعرفة وفهم أمور كثيرة. وأول هذه الأُمور هو الوقت الذي ستحدث فيه نهاية العالم. ولكي يحدّ القديس بولس من هذا الفضول، يكتب في إحدى رسائله ” وأمَّا الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الاخوة أن أكتب إليكم عنها” (1تس1:5). وأنا بدوري أتساءل، ما الذي نستفيده لو عرفنا متى سيحدث هذا الأمر؟ هل لكم أن تخبروني؟

 

          دعونا نفترض أن مجيء الرب الثاني سوف يحدث بعد عشرين عامًا، أو ثلاثين أو مائة، أيةُ أهمية سوف تترتب على ذلك؟ ألاّ تأتي نهاية العالم لكل واحد منا بنهاية حياته الأرضية؟![1]، لماذا إذن تجهد فكرك متسائلاً في ضيقٍ: متى ستحدث النهاية العامة لجميعنا؟ فمثلما يحدث في ظروف أخرى ـ حيث نترك ما يخصنا وننشغل بشئون الآخرين، ونهتم بالأكثر بقضايا غريبة لا تهمنا ـ هكذا الأمر في موضوعنا هذا، فبدلاً من أن ينشغل كل واحدٍ منا بنهاية حياته هو، فإنه يريد أن يعلم بالتفصيل كيف ومتى ستأتي نهاية الكل؟

 

          أمَّا إذا أردتم أن تعرفوا لماذا تظل نهاية حياة كل واحد منا مجهولة؟ ولماذا يأتي الموت فجأةً مثل اللص في منتصف الليل؟ فسوف أجيبكم عن ذلك بحسب ما أعتقد أنه صحيح.

 

          أعتقد أنه لو عرِفَ كل واحد منا متى تنتهي حياته، فسوف لا يعتني أحدٌ بأن يسلك في أعمال الفضيلة أثناء حياته، فإذا عرف أحد اليوم الأخير لحياته، ففي هذه الحالة ـ يفعل شرورًا لا حصر لها ـ يتوب قبل نهايته بقليل، لكى يرحل من الحياة الحاضرة وهو مغفور الخطايا. أمَّا إذا كان الخوف من ساعة الموت المجهولة هو ما يدفع النفوس للتوجه معًا نحو الله، فمَن من أولئك سوف يهتم بالفضيلة ـ إن كانوا على يقين من الساعة التي سوف يموتون فيها ـ طالما وضعوا في قرارة نفوسهم أن يتوبوا في اللحظات الأخيرة؟ فضلاً عن ذلك، لو عرف أحدٌ ـ بالتأكيد ـ إنه سيموت غدًا، فإنه لن يتردد في أن يعمل كل ما يريد عمله قبل ذلك اليوم: يقتل، وينتقم من أعدائه، وبعد أن يجتهد في تحقيق رغباته، عندئذ سوف يقبل الموت.

 

          بالإضافة إلى ذلك، فحتى أولئك الذين يظهرون سخاءً عمليًا عندما يواجهون أخطارًا مختلفة ببسالةٍ، فإنهم سوف لا ينالون المكافأة، طالما أن بسالتهم تكون نابعة من يقينهم أنهم يقتربون من ساعة موتهم. زد على ذلك، إنه حتى الجبان سوف يلقي بنفسه في التهلكة طالما أن لديه ضمانًا مؤكدًا بأنه لن يصبه ألم أو شر. أمَّا مَنْ يعتقد أنه من الممكن أن يفقد حياته عندما يتعرض لخطر من الأخطار، ويعرف أنه سوف يحفظ حياته إن لم يحدث هذا الخطر، وأنه يخاطر بحياته لو اجتاز فيه، فإنه يقدم بذلك دليلاً على استعداده هذا، كما أنه يظهر في الوقت نفسه استهانته بهذه الحياة الحاضرة.

          أمّا الذي يمتلك حقيقةً تفكيرًا حكيمًا، ويوجه دفة حياته على رجاء الخيرات العتيدة، فإنه عندما يرى أمامه شخصًا مائتًا، فهو لن يعتبر الموت أنه موت حقًا (أي نهاية كل شئ)، ولن يحزن على مَنْ يموتون في ظروفٍ مشابهة؛ لأنه يفكر في الأكاليل التي يمنحها الله. وإذا كان الزارع لا يأسف ولا يتجهم إذا ما رأى القمح منتشرًا في حقله، هكذا أيضًا البار الذي ينجح في تحقيق مفاخر الفضيلة ويحيا يوميًا متطلعًا باشتياق إلى ملكوت الله، لن يُصَب بالضيق مثل معظم البشر إذا ما أتاه الموت، ولن ينزعج أو يضطرب لأنه يعرف أن الموت بالنسبة لأولئك الذين عاشوا حياة الفضيلة هو انتقالٌ ورحلة إلى مكان أفضل وحياة أرقى، وطريقٌ يقود إلى الأكاليل التي يمنحها الله.

 

          إنَّ حادثة الموت ـ بحد ذاتها ـ تسبب اضطرابًا للإنسان كما أنها تعرّفه ـ أكثر من أي شئ آخر ـ كم هو تافهٌ وضعيف. لأجل هذا السبب تُبنى القبور أمام المدن، وأمام الحقول. توجد القبور دائمًا أمام أعيننا من أجل تذكيرنا بضعفنا البشري باستمرار. فعندما يزور شخصٌ مدينةً فخمةً تفتخر بغناها وقادتها وبملكٍ يجلس على عرشه، فإنه يري ما يوجد حقيقةً (أي القبور التي تشير إلى حقيقة الموت) قبل أن يرى ما كان يتوقعه وينتظره، وبهذه الطريقة، إذ نتعلم أولاً إلى أي شئ ننتهي، عندئذِ نستطيع أن نرى الغنى الفائق.

 

وليس هذا فقط، فعندما يريد رجل أن يتخذ امرأةً زوجةٍ له، فإنه يخضع للقانون، فيلتزم بالمهر، ولكن قبل أن تتحقق وحدة الزوجين، بل قبل أن يرى الرجلُ المرأةَ التي سوف يتخذها زوجة له، يأتي ذكر الموت فيشتمل عقد الاتفاق على ترتيبات ما بعد الموت: ما الذي يحدث لو مات الزوج قبل الزوجة؟ ماذا لو ماتت المرأة قبل الرجل؟ ولا يقتصر الأمر على أولئك الذين يعيشون ثم يدركهم الموت، بل يتعداهم إلى الذين لم يُولدوا بعد، فيجب أن يُذكر في العقد ما الذي يترتب على موت الولد الذي سوف يولد. وهكذا نرى أن قرار الموت قد صدر قبل أن يتم الزواج وقبل ظهور ثمرته

 

ولا شك أنه أمر حسن أن نثبت تعهداتنا بشأن المهر وكافة الترتيبات الأُخرى المتعلقة بالزواج أمام مكاتب العقود، إلاَّ أنه بالرغم من أن كل واحد فينا يعرف وهن الطبيعة البشرية، فإنه ينسى ذلك الذي كتبه والتزم به إذا ما عانى شيئًا مما يعانيه البشر أو لو ماتت المرأة، عندئذ ـ وفي وسط الكارثة ـ يتفوه بغير ما تعهد به، فيقول: هل لابد أن أُعاني مثل هذه الأمور؟ هل هذا هو ما انتظرته، أن يحدث لي ما حدث وأفقد زوجتي؟ ماذا تقول أيها الإنسان؟ عندما كنت بعيدًا عن هذه الأحداث عرفت جيدًا قوانين الطبيعة، أفعندما تُبتلى بمصيبةٍ تنسى؟ إذن عندما ترى واحدًا من أهلك يرحل عن هذا العالم، لا تستسلم للضيق، بل اهتم بنفسك وامتحن ضميرك، فكِّر أنه بعد قليل تنتظرك نفس النهاية.

 

          لكن سيقول لي شخصٌ: إن من يموت سيفسد وسيصير ترابًا ورمادًا. نعم هذا هو ما يحدث بالضبط، لهذا ينبغي أن نفرح بالأكثر؛ لأنه عندما يشرع شخصٌ ما في إعادة بناء منزل قد تداعى وأصبح على وشك الانهيار، فمادام قد أخرج خارجًا سكان هذا المنزل أولاً، عندئذٍ يقدر أن ينقضه ويبنيه بناء أكثر جمالاً. وهذا الأمر لا يسبب أي حزنٍ لأولئك الذين يخرجون خارج البيت، بل بالحري يسعدهم؛ لأنهم لا يعطون أهميةً لما يشاهدونه بأعينهم من هدمٍ، بل للبناء الذي سوف يقوم، وإن لم يروه بعد. نفس الأمر يفعله الله، عندما ينوي أن يُحلَّل جسدنا، يُخرِج مسبقًا النفس التي تسكن هذا الجسد، ومن ثم يقيمها مرةً أُخرى فيه بمجدٍ عظيم بعد أن يعيد بناء هذا البيت ثانيةً. ولأن الله عندما خلق آدم، خلق النفس والجسد معًا، فإن آدم لم يرَ أن الجسد قد خُلِقَ من تراب، بمعنى أن الله لم يخلق النفس قبل الجسد حتى لا ترى النفسُ خلقة الجسد، لذلك فإن النفس لا تعرف مدى تفاهة وضعف الجسد، لكن عندما يقوم الجسد في القيامة العامة، عندئذٍ تعرف النفس أنها قامت إذ تكون قد سبقت فلبست ملبسها الأرضي.

 

لأنه بالرغم من أن المائت لا يرى ذاته، إلاّ أنه سبق له عندما كان حيًا أن رأى من مات، وعرف إن ذاك الذي مات تغيَّر إلى تراب، فإنه يرى هذه الأمور ويتعلم الكثير.

 

          ألم يتصادف أن رأيت أُناسًا يبدون منتفخين وأنانيين، وبالرغم من ذلك تجدهم أمام رؤية الموت جبناء؟ إن قلوبهم ترتعب خوفًا من مجرد ذكر كلمة الموت. ونحن أيضًا عندما نقف أمام القبور فإننا نتأمل آسفين، وكأننا صرنا حكماء ـ إلاَّ أننا ننسى ما في طبيعتنا من ضعف ووهن بمجرد مغادرة تلك الأماكن.

 

          وعندما نتواجد أمام القبور، يقول كل واحد منا لقريبه (تقريبًا الآتي): بالحق كم نحن مساكين! كم هي تافهةٌ حياتنا! إلاَّ أنه وعلى الرغم من هذا، وبدلاً من أن نفكر فيما سيؤول إليه مصيرنا بعد الموت، نعيش حياتنا في غضب وسرقة وعدم الصفح للآخرين، وكل واحد منا يكتفي بالتفلسف أمام حقيقة الموت كما لو كان في تلك اللحظة يستنكر تمامًا ما حدث من شر بسبب خطايانا، وفي نفس الوقت نجده يحارب الله بأعماله.

 
موقفنا من موت أحبائنا

            دعونا نأتي إلى موضوعنا. أخبرني، لأي سبب تبكي بحزن شديد على من مات؟ هل لأنه كان خاطئًا؟ لو كان كذلك، كان ينبغي أن تشكر الله؛ لأجل توقف ذلك الإنسان عن ارتكاب الخطية. أو هل تحزن لأن الإنسان الذي مات كان صالحًا وفاضلاً؟ وهنا أيضًا ينبغي أن تفرح؛ لأنه مات قبل أن تنجح الخطية في تغيير قصده ونيته (راجع حكمة سليمان4: 11) أم تحزن لأنه كان شابًا؟ وفي هذه الحالة أيضًا ينبغي أن تشكر الله وتمجده لأنه أخذه بالقرب منه، فهؤلاء يشبهون الذين دُعوا لكي ينالوا رتبةً، إن كثيرين منهم يُودَّعون بثناءٍ[2]، فبنفس الطريقة ينبغي لنا أن نشيِّع بمزيد من الرضا أولئك الذين يرحلون عن هذا العالم، لا أن نحزن حزنًا أكثر من اللازم. لأننا لو اعتبرنا أن من مات هو إنسانٌ فانٍ بطبيعته، وأن الله هو الذي أخذه من هذه الحياة الحاضرة، فسوف نتعزى تمامًا. أمَّا إن كنا نسخط في هذه الحالات، فهذا معناه أننا نشبه مَنْ يحيا كما في برج عالٍ، وهو يجهل ما يناسب الطبيعة البشرية. لقد وُلدت إنسانًا، وبالتالي فأنت فانٍ، لماذا إذن تتألم طالما أن ما حدث هو أمر طبيعى؟ َهل يضايقك أن تتغذى عن طريق الأكل؟ هل تريد أن تحيا بدون غذاء؟ على هذا القياس ينبغي أن نتفهم حالة الموت. لا تطلب خلودًا (على الأرض) طالما أنت فاني، لأن هذا الأمر عُيِّن وقُنِّن بشكل نهائي. وعندما يدعو الله شخصًا ما إلى جواره، لا ينبغي أن نكون كالعبيد ناكري الجميل الذين يغتصبون ما لسادتهم، لأن الله يكون قد أخذ ما له، إذا أخذ منا مالاً أو كرامةً أو مجدًا، أو الجسد وحتى النفس. فلو أخذ الله ابنك منك إلى جواره، فهو لم يأخذ ابنك بل عبده الذي يملكه. إذن، فإن كنا لا نملك ذواتنا، فكيف ندَّعي ملكية ما هو لله. إن كانت نفسك ليست ملكك، فكيف تكون فضتك ملكك؟ وإذا لم تكن تملك شيئًا، فكيف تنفق ما ائتُمنت عليه؟ لا تقل إذن إنني أنفق ما أملكه، وأستمتع بمالي؛ لأنك لا تنفق ما يخصك ولا تستمتع بما هو لك لكن تنفق من أموال غيرك، إذ أن الله يريدك أن توزع ما أعطاه بين يديك على الفقراء. فإذا أنت أنفقتها على هؤلاء عندئذ فإن ما ليس لك يصير ملكًا لك، أمَّا إذا أنفقتها لأجل ذاتك، فما تظن أنه ملكك يصير غريبًا عنك.

          ألا ترى أن أجسادنا تخدمها الأيدي، وإن الفم يمضغ الطعام والمعدة تقبله؟ أفهل يحق للمعدة أن تحتفظ بالطعام لنفسها طالما هي تقبله؟ أَوَ يحق للعين ـ إذ تقبل النور ـ أن تحتفظ به لذاتها فلا تنير كل الجسد؟ هل يحق للأرجل ـ إذ هي فقط التي تمشي ـ أن تنتقل بمفردها من مكان إلى آخر دون باقي الجسد؟

          إن أولئك الذين يمارسون مهنةً معينةً لو لم يقدم كل منهم الفائدة الناتجة من مهنته إلى الآخرين، فإن الضرر الناتج عن ذلك لن يقتصر على الآخرين، بل يشملهم هم أيضًا. ولو كان الفقراء على درجة عالية من الشر، فإذ تغلقون أحشائكم عنهم وتنكبون على الشراهة والغنى غير مفتكرين في أي أحد آخر، فإنكم سرعان ما تتحولون إلى فقراء.

 

ألم الوالدين بسبب موت ابنهم، وما الذي نتعلمه من قصة إبراهيم وإسحق:

          قد يقول شخصٍ ما: لكنني قد فقدتُ ابني الوحيد الذي كنتُ أعتمد عليه كثيرًا وعلَّقتُ عليه كل آمالي، إذ هو من كان سيرثني، ماذا عن هذا الأمر؟ أقول لك لا تتحسَّر، لكن مجِّد الله واشكر ذاك الذي أخذه، ولا تكن أقل من إبراهيم إذ قدَّم ولده الوحيد إلى الله عندما أمره بذلك، هكذا أنتَ أيضًا لا تتحسَّر إذا أخذ الله ابنك. لأنك إذا شكرتَ الله عندما ترى ابنك ميتًا، فمكافأتك لن تكون أقل من إبراهيم الذي قاد ابنه بنفسه إلى الجبل وقدَّمه. ولو وجَّهت كل الناس إلى تمجيد الله بدلاً من النحيب والحزن، فستكافأ من الله والناس؛ لأنك سوف تنال إعجاب الناس، وفرح الملائكة، والإكليل من الله.

 

          وربما يقول آخر أيضًا: وكيف لا أحزن وأنا منذ الآن سأحرم من كان ينادينى “أبي”؟ ما هذا الذي تقوله؟ هل تعتقد أنك فقدت ابنك؟ كلا، بل احسبه ملكًا لك وأنت مطمئنٌ تمامًا. إنك لم تفقد لقبك كأب، لكن بالحري الآن اكتسبت لقبًا يزيدك شرفًا؛ لأنك ستكون أبًا ليس لمخلوقٍ فانٍ، بل لكائنٍ خالدٍ. لا تظن أنك فقدت ابنك لأنه الآن بعيدٌ عنك، فلو أنه كان قد سافر إلى مكان بعيد، فعلاقة القرابة التي بينكما تظل موجودة، فهكذا حتى لو رأيت ابنك راقدًا، فلا تفكر فيه أنه ميت، بل هو كمَن طار وصعد إلى السماء. إذن عندما ترى عيونه مغلقةً وفمه صامتًا وجسده لا يتحرك، فلا تظن أن هذا الفم لن يتحدث بعد، وهذه العيون لن تنظر بعد، وهذه الأرجل لن تمشِ بعد، بل فلتتأمل مفكرًا في أن هذا الفم سيقول كلامًا أفضل، وهذه العيون سوف ترى أمورًا أعظم، وهذه الأرجل سوف تصعد إلى سحب السماء، وهذا الجسد الذي يتحلل الآن سوف يلبس الخلود، وسوف يمكنك أن تأخذ ابنك المُمجَّد مرةً أخرى.

 

          فلتُعَظَّم البطريرك إبراهيم فهو لم ير فقط اسحق، بل أكثر من ذلك صدر له أمر أن يميته بنفسه، الأمر الذي يزيد في قسوته وحزنه عما لو كان رآه ميتًا. فإنه لم يتفوه بكلمة مضادة لوصية الله، ولم يسخط، ولم يقل: أيجعلني الله أبًا ليجعلني قاتلاً؟ كان من الأفضل ألا تعطيني – من البداية – ابنًا من أن تحرمني منه بهذه الطريقة، ما دمت قد أعطيتني إياه، فلماذا تريد أن تأخذه؟ لأي سبب تأمرني أن أذبحه وأنجِّس يديَّ؟ ألم تعطني وعدًا أن يملأ نسلي المسكونة بواسطته؟ إذن كيف تعدنى بالثمار بينما تقتلع الشجرة؟ من رأى مثل هذا، ومن سمِع بهذه الأمور؟ ولكن إبراهيم لم يتفوَّه بشيءٍ مثل هذا، إطلاقًا لم يفكر مثل هذا التفكير، لم يكن لديه حتى رد فعل على ذاك الذي أَمَرَه، لم يطلب مبررات، لكن بمجرد أن سَمِع “ خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق وقدِّمه ذبيحةً لي فوق الجبل الذي أُريك إياه” (تك2:22)، فإنه تمَّم هذا الأمر على أكمل وجه حتى أنه فعل أكثر مما أُمِر به، لأنه أخفى الأمر عن امرأته، بل وخدع عبيده إذ تركهم ينتظرون أسفل الجبل.

 

          إذن تأمل وفكر في مقدار المرارة الذي كان لإبراهيم عندما تحدث مع ابنه بمفرده وبدون وجود أحد آخر، إذ توهجت مشاعره ومحبته تجاه ولده، ولكنها صارت أقوى. ما الذي يمكن قوله، ويعبِّر بدقة عما كان يعتمل في نفسه؟ لقد قاد ولده إلى الجبل، قيَّده ووضعه على المذبح واستل سكينًا مستعدًا لذبحه. كيف، وبأية طريقةٍ أستطيع أن أصف الأسى الذي كان يغمر نفسه؟ أنا لستُ في مكانه حتى يمكنني أن أخبركم عن ذلك، لكن – فقط – ذاك الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد يمكنه أن يعرف ما يختلج في نفس إبراهيم، لأن الكلام البشري يقصر عن أن يعرض الأمور على وجهها الحقيقي. كيف ظلت يد الأب ثابتة؟ كيف لم تنحل قوة أعصابه؟ كيف لم يضطرب أثناء مواجهة ولده المحبوب؟

 

          هل رأى أحدٌ أبًا يصير هو نفسه الكاهن المتأهب لتقديم الذبيحة؟ لقد كان تقديم إسحق ذبيحةً بدون سفك دم، ومحرقةً بدون نار؛ لأن ابرام ذبح ابنه ولم يذبحه. لم يذبحه بيديه، لكن قَدَّمه باستعداده وذَبَحَه بنيته، وذلك لكي ـ بهذا المثال ـ يعلِّم الذين يأتون بعده أن وصايا الله ينبغي أن تُراعى أكثر من الأبناء، وأكثر من الطبيعة (الغريزة الطبيعية)، ومن كل الكائنات، ومن حياتنا نفسها.

 

إن موقف ابرام هو مثال عظيم للوالدين اللذين يفقدان ابنهما الوحيد

          تأمَّل كَرَم وبسالة هذا الإنسان، فعندما أمره الله أن يذبح ابنه المحبوب والوحيد، ابنه الذي أُعطي له بعد أن انقطع رجاءه، لابد أن الأفكار هاجمته بشدة، ولكنه أبعدَها عنه، لقد ارتعبت منه مثلما يرتعب الحراس من الملك، إذ ينضبط الجميع بنظرةٍ منه ولا يجرؤ الواحد منهم على أن ينطق ببنت شفة، هكذا أيضًا توقفت الأفكار منحنية لإبراهيم احترامًا، لا خوفًا. تأمل احتماله وصبره، لقد هُزِمت الطبيعة وكل أسلحتها[3] طُرِحت أرضًا بينما وقف إبراهيم شامخًا بيده المرفوعة والممسكة – ليست بتاجٍ – ولكن بسكينٍ تلمع أكثر من أي تاج، وصفوف الملائكة تصفق له من أجل عمله هذا، ومن السموات يُظِهرُ الله إبراهيم منتصرًا. أي رمزٍ للانتصار إذن يساوى هذا الرمز؟ عندما يفوز أحد الرياضيين في حلبة السباق، ويقوم الملك بنفسه ـ وليس مذيع الحلبة ـ بإعلان هذا الانتصار من على المنصة، ألا يَعتبر هذا البطل أن إعلان الملك بنفسه عن فوزه يفوق مجدًا وبهاءً أي تاج يكلَّل به؟ إن ذلك – بدون شك ـ سوف يلفت إليه نظر كل من هم بالإستاد. إذن، عندما يُعلن الله نفسه ـ لا إنسان حتى ولو كان ملكًا ـ في إستادٍ يشمل كل المسكونة ـ لا إستاد عادي ـ بنداءٍ من أعلى السموات، انتصار إبراهيم، في أي مكانٍ إذن سوف نضع هذا القديس؟ أخبرني، إذا كان من الصعب على الآباء أن يحتقروا أولادهم حتى ولو كانوا أشرارًا وضالين، بل ويحزنون عليهم إذا ماتوا، فمن يستطيع إذن أن يعبِّر – بالكلام – عن طاعة هذا الإنسان الذي قدَّم ابنه المتزن والعاقل، الوحيد والمحبوب، ذبيحةً لله؟

          آه كم هي مغبوطة يد إبراهيم، يا لشرف السكين الذي أمسكته هذه اليد! إنها سكينٌ تستحق كل إعجاب! لأي استخدامٍ جُعلت؟ أيةُ خدمةٍ قدَّمت؟ ولأي نموذجٍ أو مثالٍ رمزت ودلَّت؟ كيف صُبغت في الدم دون أن تُصبَغ؟ لماذا؟ لا أعرف ما أقوله. لقد كان هذا السر مرعبًا جدًا: لم تقترب السكين من عنق الولد، ولا طعنت رقبته، ولم تصِر حمراءَ مصبوغةً بدم إسحق البار، لا بل بالحري اقتربت إلى عنقه، وثقبت رقبته، واحمرَّت، وصُبِغت في الدم ولم تُصبَغ. ربما يبدو لكم أنني أهذي قائلاً أمورًا متناقضةً. لا أنا لا أقول كلامًا متناقضًا، لكني ـ بالتأكيد ـ مترعُ بالدهشةِ إذ أننى أتأمل في عظمة إبراهيم البار؛ لأن يد ذلك الإنسان البار غرزت السكين في رقبة الولد، لكن يد الله لم تتركها تتلوَّث بدمه؛ لأن السكين لم تكن فقط في يد إبراهيم، بل في يد الله أيضًا، ولأن إبراهيم غرس السكين بالنية، أمَّا الله فأعاقها بصوته.

 

          لكن لاحظ أمرًا آخرًا: قال الله قدِّم ابنك ذبيحةً، وللتو تسلح ابراهيم بسكين الذبيحة. بعد ذلك قال الله له لا تُقدَّم ابنك ذبيحةً، فللحال ترك إبراهيم السلاح. لأنه فضَّل أن يبدو عبدًا معترفًا بالجميل عن أن يُدعَى أبًا بواسطة ولده، ولأنه قَبِل أن يُحرم ممن ينتمي إليه لأجل الله، لذلك منحه الله ما هو إلهيٌ إلى جوار ما هو له، وأوقف تنفيذ أمره عندما أظهر إبراهيم طاعةً واستعدادًا لإنجازه.

 

          وليس هناك ما يدعو أن تقول لي: إنه فقط بنى المذبح، ووضع الحطب فوقه، ولكنه عندما سَمِعَ صوت ولده يسأله: أبي أين الخروف للمحرقة؟ طغته أمواج الأفكار من كل جهة وزعزعت فكره ومزقت قلبه كأنها سهام نارية. أقول إنه ليس هناك ما يدعو أن تقول لي ذلك؛ لأنه بالرغم من أن كثيرين ـ حتى من هؤلاء الذين لم يصيروا آباء بعد ـ يتأثرون من هذا الموقف، لكن دعونا نرى هل تسببت مثل هذه الأفكار في معاناة لإبراهيم: صحيحٌ أنه ولد إسحق ورباه، وكان إسحق تعزيةً له في شيخوخته، كما أنه وحيده الذي له في العالم، الذي يسمعه ويراه، والآن ينوي أن يذبحه! ولكني أؤكد أن أيًا من هذه الأفكار لم تُخِف ذلك الذي يشبه الماس في معدنه، ولا زعزعته، فلم يقل لابنه: لا تَدْعُني أبًا لأني بعد قليل لن أكون أبيك، لكن ماذا قال؟ ” الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني” (تك22: 8). ولعلنا نلاحظ أن كلاً منهما يخاطب الآخر بالألفاظ التي تدل على القرابة الطبيعية: إسحق يدعو إبراهيم أبًا، وإبراهيم يدعو إسحق ابنًا. حربُ أفكارٍ رهيبة، وريحٌ عاتية تهب من الجانبين، ولكن لا غرق! لأنه عندما سَمِع إسحق أن الله سوف يتكفل بهذا الأمر، لم يقل شيئًا، ولا فحص عن الأمر بالتفصيل، كم كان ابنًا مطيعًا مؤدبًا وهو في ريعان الشباب!

 

          ألم يباغتكم غليان الدماء في رؤوسكم؟ ألم يعانق كل منكم ـ في فكره ـ اسحق الشاب؟ ألم يُثِركم تفهمه للموقف، فتحترمون تقواه؟ لماذا لم يُصَب بالذهول عندما قُيِّد ووُضِع فوق الحطب؟ ولمَ لم يشرع في الهروب، أو يتهم أباه بالجنون؟ لقد قَبِل أن يقيد ويوضع على المذبح، بل وتحمَّل كل شيء دون أن يتفوه بكلمة، كما لو كان حملاً وديعًا، أو بالحرى مثل رب الكل تشبَّه بصلاحه، إذ رمز بذلك إليه كذبيح، لأن ربنا ” ظُلِم أمَّا هو فتذلل، ولم يفتح فاه، كشاةٍ تُساق إلى الذبح وكنعجةٍ صامتةٍ أمام جازيها، فلم يفتح فاه” (إش53: 7).

 

          إذن لا يسألني أحدكم كيف لم يعاني إبراهيم ولم يتألم مثلما يتألم الآباء الطبيعيون، وفي نفس الوقت لا يحاول أحدكم البرهنة على أن إبراهيم لم يكن يبالي حتى يسلبه حقه في مديح يستحقه. لأننا عندما يتصادف أن نرى ـ في السوق ـ أُناسًا منَّا كانوا غارقين في الاستمتاع بملذات الحياة الحاضرة، يساقون لتنفيذ حكم الإعدام جزاءً وفاقًا على أعمالهم السيئة، فإننا نتألم لأجلهم متضايقين، رغم أنهم غير معروفين لدينا ولم نرهم من قبل، بل ونبكي بحرقةٍ شفقةً عليهم. إذا كان الأمر كذلك، فكم وكم ما يجول بخاطر مَن أُمِر أن يذبح ابنه ويُصعده محرقةً كذبيح مُقدَّس فوق نار المذبح؟ ابنه المنحدر من صلبه، ابنه الوحيد الذي وُلِد بعد مرور سنين كثيرة وكان عزيز المنال، ابنه الذي كان في ريعان شبابه في الوقت الذي كان فيه أبيه شيخًا طاعنًا في السن! لو كان إبراهيم قد قُدَ من حجرٍ، أو كان من الحديد، أو حتى من الماس، ألم يكن يتأثر بضياع زهرة شباب ابنه، ألا يؤثر فيه كلامه المتعقل، أو تقوى نفسه؟ لقد سمع إسحق أبيه يقول “إن الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني”، ولكنه لم يسأل عن شيء آخر. رأى أبيه يقيده، فلم تصدر عنه ردةُ فعلٍ. وُضِع فوق الحطب، فلم يحاول القفز أو الهرب. رأى السكين جاهزًا لذبحه، فلم يرتعب. أي نفسٍ تستطيع أن تكون أكثر تقوى من نفس إسحق؟ مَن سيجرؤ بعد ذلك على القول بأن إبراهيم ـ بعد كل ذلك ـ لم يعانى أي اضطراب؟ لو فُرِض أن عدوًا كان ينوي أن يذبحه، أو لو وحشًا افترسه، ألم تكن تتألم نفسه؟ بالطبع هذا غير ممكن، لا يمكن أن تصير الأمور هكذا. لذلك أتوسل إليك أيها الإنسان، إذا فقدت ابنًا لك أو ابنةً، ألا تبكي بإفراطٍ، أو ترشم نفسك بإشارة الصليب باستهتار، لكن تأمَّل في أن إبراهيم ذبح ابنه دون أن يُسِل دمعةً ولا تفوه بكلمةٍ مُرة. وأيوب أيضًا تألم بالتأكيد، بقدر ما هو طبيعيٌ أن يتألم أبٌ يحب أولاده، لكن ما نفعله نحن ـ في مثل هذه المواقف ـ يتناسب فقط مع ما يفعله الأعداء. فلو بكيت وانتحبت على شخصٍ دُعي إلى البلاط الملكي لكي يكرَّم من الملك، فلن يقول الناس أنك صديقٌ لهذا الشخص، بل عدوٌ.

 

الصلاة والإحسان من أجل نفوس الآخرين، فلتحزن على هؤلاء الذين يموتون غير تائبين

          ربما تقول لي: لكني لا أعرف أين ذهب؟ لماذا لا تعرف ذلك؟ أخبرني، فسواء عاش حياته باستقامة أم لا، فمعروف أين سوف يذهب. عندئذ تقول لي: ولكني أبكي لأجل هذا بالضبط، فلقد رحل محملاً بكثير من الخطايا. وأنا أيضًا أقول لك لأجل هذا عليك أن تفرح! لأنه توقف عن فعل الخطية، ولن يُضِف على حمله المزيد من الشرور، ولأنه بإمكانك أن تساعده بالتأكيد، لا بالدموع والنحيب لكن بالصلوات والتوسلات والإحسانات والتقدمات. لأن هذه الأمور لم تتقرر اعتباطًا، وليس بدون سببٍ يقف الكاهن بالقرب من المذبح المقدس الذي تُرفَع عليه الأسرار الرهيبة مصليًا “من أجل الذين رقدوا في المسيح، وأيضًا من أجل الذين تحل ذكرى رقادهم”، لكن كل هذا يصير بعد استنارة الروح القدس. فإذا كانت الذبيحة التي كان يقدمها أيوب تطهر أولاده من الخطايا، فلماذا تتشكك أنت عندما ترفع تقدماتك لأجل أولئك الذين رحلوا عن هذه الحياة. لا شك أن ذلك يسبب لهم بعض الراحة والتخفيف. إذن دعونا نبكي لا على على الأموات عمومًا، بل بالحري نبكى على أولئك الذين في غناهم يموتون دون أن يُؤمِّنوا لأنفسهم بعض الراحة بهذا الغِنَى، فلنبكِ على من لديهم الإمكانيات ويملكون الوسائل التي تطهرهم من خطاياهم، ولكنهم لم يفعلوا شيئًا، فلنبكِ على هؤلاء. ولا ننسى أنفسنا خاصة، بل وكل الناس بشكل عام، ليس ليومٍ أو اثنين، بل كل أيام حياتنا، ولنساعدهم بقدر ما نستطيع فلنفكر بطريقة أو بأخرى كيف نمدهم بمساعدةٍ ما، أو راحةٍ حتى ولو كانت بسيطة، كيف يمكننا ذلك؟ عندما نصلي لأجل نفوسهم، ونترجى الآخرين أن يُصلُّوا أيضًا من أجلهم، أو نصنع دائما إحسانًا وصدقةً للفقراء من أجل نفوسهم، فهذا الأمر يعطي بعض التعزية للموتى، لأنه ماذا يقول الله عن ذلك “وأُحامي عن هذه المدينة لأُخلصها من أجل نفسي، ومن أجل داود عبدي” (2مل19: 34)، فإذا كانت ذكرى شخص بار لها قوة بهذا المقدار، إذ تُصنَع أعمال صالحة من أجله، ألا يكون لها نتائج عظيمة؟ ليس اعتباطًا (أي ليس بدون علةٍ) شرّع الآباء الرسل ذكر الأموات أثناء تتميم الأسرار العظيمة، فقد عرفوا مقدار الربح وعظم الفائدة التي يجنيها الموتى من ذلك. فكيف لا نُرضِي الله عندما يقف كل الشعب رافعين أكفهم بالضراعة إلى السماء، وبالاشتراك مع الإكليروس المقدس أثناء الصلاة أمام الذبيحة المهيبة غير الدموية، نترجاه من أجل إخوتنا الراقدين؟ كل هذا يقتصر بالتأكيد على الموتى المسيحيين المعمدين، لكن الموعوظين (الذين لم يعتمدوا بعد) لا يتمتعون بأية معونة سوى ما يقدَّم إحسانًا إلى الفقراء من أجل راحة نفوسهم، هذا الإحسان يمدهم ببعض الراحة. بناء على ما تقدم، فإن الموت لا يعتبر شرًا، إلاَّ من يموت غارقًا في خطاياه.

لماذا نخاف الموت؟

أتريدون يا أحبائي أن أقول لكم لماذا تخافون من الموت؟ إذا أردنا أن نعرف ذلك، يجب أن نسأل أنفسنا لماذا لا يستولي علينا عشق ملكوت السموات؟ لماذا لا يشغلنا الاشتياق للخيرات العتيدة؟ لأنه عندما يحدث هذا، فسوف نحتقر كل خيرات الحياة الحاضرة، بل ومن كان سابقًا يخاف جهنم أو الجحيم، فإنه عندما يتحول للاشتياق للملكوت فإنه لن يبالِ بالموت.

وبهذه المناسبة اسمحوا لي يا إخوتي أن أعطي لكم بعض النصائح: لا يكن تفكيركم مثل الأطفال، لكن كونوا أطفالاً في الشر، لأنهم لا يخافون النار المشتعلة، بقدر ما يخافون من الخيالات، فهم يخافون الأقنعة، لكن إذا أجلسهم أحد بجوار المصباح فسرعان ما يحاولون إمساك اللهب.

          أتريد أن أقول لك سببًا آخر يجعلنا نخاف الموت؟ نحن لا نعيش حياةً فاضلةً، وليس لدينا ضمير طاهر، فلو كنا نعيش حياةً فاضلةً، ولدينا ضمير نقي، فليس من سبب يجعلنا نخاف الموت. قد تقول: برهن لي على أنني سوف أرث ملكوت السموات، ومن ثم اذبحني لو أردت، عندئذٍ سوف أكون لك مديونًا، إذ ترسلني إلى تلك الخيرات سريعًا. ولكني أخاف أن أموت ظلمًا، أي بلا فائدة! ما هذا الذي تقوله؟ أخبرني، أتخاف أن تموت ظلمًا، ولذلك تريد أن تموت لأجل الحق؟! كيف لمن هو ضائعٌ ومعذب بهذا القدر أن يعتقد أنه يموت ظلمًا، وليس للحق؟ إذا كان ينبغي أن تخاف الموت، فكان يجب عليك أن تخاف الله، ذاك الذي يأتي بالحق. إن من يموت ظلمًا هو من تشبَّه بالقديسين؛ لأن أكثر الذين أرضوا الرب خضعوا للموت ظلمًا. والأول هابيل الذي لم يُذبح بسبب وقوعه في خطأ تجاه أخيه قايين، أو أنه أحزنه، لكن لأنه قد كرَّم الله. وإذا كان الله قد سمح بهذا، فهل لأنه كان يحب هابيل أم لأنه كان يكرهه؟ من الواضح جدًا أنه فعل هذا لأنه كان يحبه وأراد أن يصنع له تاجًا أكثر بهاءً بسبب هذا الذبح الظالم. أرأيت أنه لا ينبغي أن تخاف الموت ظلمًا، بل خَف أن تموت مثقلاً بخطايا كثيرة. وبينما مات هابيل ظلمًا، عاش قايين هائمًا مرعوبًا. مَن مِن الاثنين كان مغبوطًا، أخبرني؟ أذاك الذي كسب البر إذ توقفت حياته، أم ذاك الذي ما يزال عائشًا في الخطية؟ أذاك الذي مات ظلمًا، أم من يعيش مرتعبًا عن حق؟ وأية جريمة هي أسوء من القتل، أخبرني؟ لكن ليس كل قتل يُعتَبر جريمة، لأن الفاعل قد يكون لديه مبررات قوية، كيف ذلك؟ إسمعني: المديانيون[4] أرادوا أن يجعلوا الله عدوًا لليهود، لأنهم إذ يحرمونهم من معونة الرب، يُحيون الأمل في الانتصار عليهم، فزينوا بعض الفتيات أخرجوهن أمام جيش اليهود، وبهذه الطريقة أغروهم وجذبوهم إلى الزنا، فعندما رأى فينحاس ذلك استل سيفه وقتل اثنان من اليهود أثناء اللحظة التي كانا يفعلان فيها الخطية، ليس لأنه يكره القتيلين لكن لكي ينقذ الباقين. لا شك أن هذا العمل يُعتبر قتلاً، لكن النتيجة أنه صار سبب خلاص أولئك الذين وُجدوا في خطر الانزلاق في الخطية. لقد قتل اثنين، ولكنه أنقذ آلافًا كثيرة. فمثل الأطباء الذين إذ يبترون العضو الفاسد ينقذون كل الجسد، هكذا فعل فينحاس، لذلك فعمله يعتبر مبررًا.

 

          دعونا لا نبكِ – إذن – بغير تمييز على من يموتون، لكن على أولئك الذين يموتون مثقلين بخطاياهم الكثيرة. هؤلاء هم المستحقون للنحيب والحزن. لأن أي رجاء يوجد لمن يرحلون مثقلين بخطاياهم الكثيرة، بينما التطهر من الخطايا هناك مستحيلٌ. لن أعيقكم إذ تبكون على من يرحلون عن هذا العالم وهم ينوؤون تحت وطأة خطاياهم، لكن ليكن بكائنا بطريقةٍ لائقة، لا شاذة، أي ليس بأن نرخي شعورنا ونمزق ملابسنا، ونغير هيئة وجوهنا، لكن فلنترك دموعنا تنساب بهدوء من عمق نفوسنا، هذا يفيدنا نحن؛ لأن من يحزن بهذه الطريقة على من مات، سيحاول ألا يسقط هو في ذات الخطايا. عندما ترى شخصًا ميتًا يُحمل إلى مسكنه الأخير، يتبعه أولاده الأيتام وأرملته وهم حزانى، ويبكيه عبيده وأصدقاؤه، فكِّر كيف أن أمور هذا العالم الحاضر لا قيمة لها وأنها لا تختلف في شيء عن الظلال والأوهام والأحلام. أُنظر المباني العظيمة والمشهورة التي صارت أنقاضًا بعد أن انهارت، لذلك يقول الكتاب” كثير من الطغاة جلسوا على التراب والخامل الذكر لبس التاج” (حكمة بن سيراخ11: 5) ألا يكفيك كل هذا؟ تفكر إذن ـ قبل الموت ـ عندما تنام أية قيمة لك. ربما تفتك بك حشرة ضعيفة جدًا، كم من مرةٍ حدث لكثيرين أن سقط أحدهم من سقف الحجرة فخُلعت عينه أو تسببت في شرٍ أعظم.

 

إنَّ الموت يكشف عبث الأمور البشرية

تفكَّر في هذا دائمًا، لا تعجب بجمال الوجه الإنساني، ولا اعتدال القوام وتناسقه، ولا الملبس الفاخر، ولا ما تملكه من جياد ومن عبيد. ينبغي أن تُفكَّر في أمرٍ واحد: أين ينتهي كل هذا؟ لكن لو كنت تُعجب بالمظاهر، فسأوجهك إلى ما ذُكِر في الكتب المقدسة التي هي أكثر بهاءً من كل هذا. علينا أن ننظر إلى جوهر الأشياء التي نعجب بها بسبب مظهرها الخارجي، الذي هو كفخار سيؤول مصيره إلى تراب. أرني هذا الإنسان إذا ما أُصيب بحمى، ويكون عندئذٍ مشرفًا على الموت. ساعتها فقط سندير حوارًا وسأسألك: أين أولئك الذين يمشون بخيلاء وتكبُّر، ها إن كثيرون يتبعونهم في طريق السوق. أين هم الذين يلبسون الحرير؟ أين هم الذين أمسكوا الطعام عن الكثير من المحتاجين، بينما كانوا دائمًا منكبون على ملذاتهم؟ أين هي سهراتهم الفاخرة، أين فرق الموسيقى، أين المتملقون، أين هي ضحكاتهم الكثيرة وترف نفوسهم، أين هي شهواتهم، أين هي حياتهم الرخوة كثيرة النفقات؟ الكل رحل وتلاشى بعيدًا. ماذا حدث للجسد الذي نال عنايةً ونظافةً فائقتين؟ اقترب من القبر، هل لاحظت التراب والرماد والسوس وكم القذارة الموجودة؟ أنظر، وتأوه بمرارةٍ، ويا ليت الأمر يقتصر فقط على هذا الوضع السيئ، لكن الآن انقل تفكيرك من القبر إلى تلك الحلقة التي لا تنتهي، إلى صرير الأسنان، إلى الظلمة الخارجية، إلى النار التي لا تُطفئ، إلى تلك العقوبات المُرة غير المحتملة، تلك التي تستمر بدون نهاية في الأبدية، وهو الأمر الذي يختلف عما يحدث في الحياة الحاضرة، فكلا الأعمال الصالحة والشريرة لهما نهاية سريعة هنا. أمَّا هناك في الحياة الأخرى فكلاهما مستمرين إلى الأبد، وذلك رغم اختلاف طبيعة الأعمال الصالحة وشرور الحياة الحاضرة بما لا يقاس عن الحياة الأخرى. إذن ماذا حدث لتلك الزينة الفاخرة؟ أين هي جميع التملقات والمداهنات، أين ما كان يقوم به العبيد من عناية وسهر، أين وفرة المال وغنى الممتلكات؟ أي ريح عاتية أتت في الداخل وزعزعت كل هذا وشتَّتته؟

 

وما الحاجة إلى كل تلك النفقات الكبيرة التي تُنفَق على الجنازة، وبينما يتسبب ذلك في ضرر مادي كبير للمشيعين، فإن الميت لا يربح شيئًا. عندما تسمع أن المسيح قام من الموت عريانًا، كف عن محبة المظاهر ولا تتعلل بالموت. وعندما تسمع قول المسيح: “رأيتموني جوعانًا فأطعمتموني، وعطشانًا فسقيتموني، وعريانًا فكسوتموني”، أضِف “وميتًا فدفنتموني”؛ لأنه إذا كان قد أخبرنا – ونحن أحياء – ألاَّ يكون لدينا أكثر من ثوب، فكم بالحري عندما نموت. وأي مبررٍ نعطي إذا كنا نُزيَّن الجسد الذي يتحلل ويصبح مأكلاً للسوس، بينما نحتقر المسيح جائعًا وعطشانًا، أو عندما يتجول عاريًا وكغريب؟

 

وإذا كنا نُقدَّم رموز التفاخر والغنى للميت، فنغطيه بالملابس الفاخرة، وتُشيَّع جنازته في مشهدٍ مهيب، والأغنياء والفقراء يمدحونه، فاعلم أن هذا المشهد سرعان ما يختفي، وكأنه يشبه وردة تذبل، يظهر ذلك عندما نمر على عتبات أبواب المدينة راجعين عقب تسليمنا الجسد إلى السوس. وإلاَّ فدعني أسألك: أين ذهب هذا الجمع كله؟ ما الذي أسكت أصوات النحيب والضجة؟ أين المصابيح، وأين فرق النساء اللاتي كن يندبنَ؟ أَوَ هل كان ذلك حلمًا؟ أين الضجيج، أين تلك الأصوات التي كانت تنادي وتحثنا على ألاَّ نفقد شجاعتنا لأنه ليس أحد خالدًا؟ لماذا تخاطب تلك الأفواه الآن من لا يسمع؟ كان واجبًا أن تحثه على أن يكون لديه قناعة عندما خطف وطمع، وأن تنبهه إلى أنه ليس أحدٌ خالدًا.

 

ألا تعتقد أنك تتضايق لو أن أحدًا يبني بيوتًا لحسابك وأنت لن تسكن فيها؟ فلماذا إذن تريد أن تغتني في هذا العالم الذي قد تخرج منه قبل أن يحل الليل؟ اضبط إذن هوسك، سكِّن شهوتك العنيفة، ولا تكتفي بأن تقول لمن ظُلِم: لا تفقد شجاعتك.

 

وبالرغم من أن هذا الكلام غير مفيد لمن خرج من إستاد مسابقات الحياة الحاضرة، فعلى الأقل دعونا نُسمِع أولئك الذين يصاحبونه إلى القبر ولهم نفس الأخطاء، لأنهم لا يفكرون في شيء من مثل هذا إذ أنهم سكارى من شهوة الغنى، ولكن في ساعة الجنازة هذه، تؤكد مواجهة الموت صحة ما قلته. دعونا نتعفف، دعونا نتعلم أنه بعد وقت قليل سوف يأخذهم الذين يقودونهم إلى المحكمة المخيفة ليعطوا حسابًا عما ارتكبوه من شرور في هذه الحياة. وحتى لا نشترك مع أولئك في معاناتهم، دعونا نبذل محاولة لكي نتغير لنصير أفضل، بقدر ما تسمح به قوانا، لكي نفوز بالخيرات العتيدة بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة مع الآب والروح القدس المحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1] يقصد القديس يوحنا أنه ليس بالضرورة أن يكون كل الناس أحياء عند حدوث القيامة العامة، فقد يموت الكثيرون قبل حدوثها.

[2] يقصد ذهبى الفم أن الذين ينالون رُتبًا سامية فى وظائفهم يُوَّدعون بثناء عندما يتقاعدون من مناصبهم.

[3] يقصد بأسلحة الطبيعة ـ بحسب ذهبي الفم ـ المحبة والحنان.

[4]  عد: 25.

 

لا تبكوا على الراقدين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الاحتفال بالقيامة – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الاحتفال بالقيامة – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

الاحتفال بالقيامة – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

الاحتفال بالقيامة

الصوم الجسدي والروحي، والسُكر بالخمر والسُكر الروحى

 

1 ـ بعد أن ألقينا حِمل الصوم من على كاهلنا، لا ينبغي أن نترك ثماره تتلف، إذ من الممكن أن نلقي عنا حمل الصوم بدون أن نكف عن إتلاف ثماره. انتهت الأتعاب، لكن لا ينبغي أن ينتهي اهتمامنا بنتائج جهادنا. انتهت فترة الصوم الأربعيني، ويا ليت التقوى تستمر وبالأحرى أيضًا ليت الصوم لا ينتهي. لا يخاف أحد، أنا أقول هذا لا لكي أعلن لكم عن بداية أربعين مقدسة أخرى، لكن لكي أقول لكم يجب أن تظلوا سالكين فى الفضيلة. الصوم الجسدي قد انتهى، ولكن الصوم الروحي باقٍ. فالثاني أفضل من الأول، كما أن الأول صار من أجل الثاني. وكما قلت لكم وأنتم صائمون إنه من الممكن ألاّ يعتبر الشخص صائمًا على الرغم من أنه يُمارس الصوم، هكذا أقول لكم الآن كيف أنه من الممكن أن “يصوم” الشخص غير الصائم، ربما يبدو أن ما  أقوله غريبًا، لكن سوف أشرح لكم كيف يكون ممكنًا ألاّ يكون الشخص غير صائمٍ على الرغم من ممارسته الصوم، يحدث هذا عندما يمتنع عن الطعام ولا يمتنع من الخطية.

 

          ومن ناحية أخرى كيف يمكن أن يكون الشخص صائمًا وهو لم يمارس الصوم؟ ونجيب عندما يأكل بحرية أطعمة مختلفة، لكنه يصوم ويتجنب تذوق طعم الخطية، هذا الصوم هو الأفضل والأسهل.

 

فكثيرون يجدون عذرًا لعدم الصوم متعلّلين بأن الصوم الجسدي يجلب أمراضًا خطيرة واضطرابًا رهيبًا. فقد يقول شخص: ضعفت صحتي من الأكل المسلوق بالماء، لا أستطيع أن أشبع بالخضروات. لقد سمعت كثيرًا من هذه الأعذار أثناء فترة الصوم، لكن لا يستطيع أحد أن يقول شئ مثل هذا عن الصوم الروحي. فالآن وقد انتهى الصوم، اجلس إلى المائدة، اشبع من اللحوم ولن يعوقك أحد، تذوق كل شئ بحرية، فقط ابتعد عن الخطية. هل رأيت أن هذا الصوم الروحى سهل للجميع؟ لا تستطيع أن تعتذر بالضعف الجسدي، فهذا الصوم هو مفخرة للنفس.

 

          أيضَا من الممكن أن يسكر المرء بدون أن يشرب الخمر، وبالعكس يمكن أن يظل متعقلاً طالما قد شرب باعتدال. اسمع ماذا يقول النبي عن إمكانية أن يسكر المرء دون أن يشرب الخمر: ” ويل للذين يسكرون بدون شرب الخمر” (إش28: 1س). لكن كيف من الممكن أن يسكر أحد بدون أن يشرب خمرًا؟ ونجيب عندما لا يُحَجِم بفكره عن الشهوات. إنه من الممكن أيضًا أن يشرب أحد الخمر ولا يسكر، لأنه إن لم يكن هذا ممكنًا، هل كان سينصح بولس تيموثاؤس ويكتب له قائلاً: ” اشرب خمرًا قليلاً من أجل معدتك” (1تي5: 23). لأن السُكر ليس شيئًا آخر إلا فقدان التعقل، واختلال العقل، والحرمان من الفهم. وهذه الأشياء لا يسببها فقط السكر، نتيجة إدمان الخمر، لكن تكون أيضًا نتيجة السُكر بالغضب وبالشهوات الجامحة. ونفس الأمر يسببه السهر والانفعال والضيق والأطعمة الفاسدة، فالأسباب مختلفة لكن النتيجة واحدة تلك التى تؤدى إلى نفس الأمراض. فالخمر كما قلنا يسبب السُكر، وأيضًا نفس الأمر تفعله الشهوة، والنتيجة رغم اختلاف الأسباب هي واحدة: المرض والمعاناة.

          فلنهرب من إدمان الخمر الذي يسبب السُكر، ولا أقول نهرب من الخمر بل من السُكر، فالخمر لا يسبب سُكرًا لأنه يدخل ضمن خيرات الله، وخيرات الله لا تسبب أي ضرر لكن رغبة النفس الشريرة هي التي تسبب السٌكر. اسمع ما يقوله بولس: ” لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة” (أف5: 18). وبطريقة عجيبة وبجملة مختصرة أدان إدمان الخمر. ماذا يعني ” لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة“؟ فالذين يمارسون الخلاعة هم أولئك الشباب الذين نالوا ميراثاً من والديهم وأنفقوه بدون أن يفكروا لحساب من يبذرون أموالهم ولا حتى يدركون أنه ينبغى عليهم أن يحافظوا على ما يملكون، لكن بعثروه كله على الزناة وعلى التفاهات مثل شراء الثياب والذهب والفضة. مثل هذا الشر هو سُكر، طالما أنه يأسر فكر هؤلاء الذين يُدمنونه، وتُستعبد عقولهم لهذا الشر، إذ يجبرهم على بعثرة كل ميراثهم الروحي بدون فهم: المُدمن لا يعرف متى يتحدث ومتى يصمت ففمه مفتوح دائمًا. والمُدمن لا يمكن أن يتحدث بأدب، لا يمكن أن يستخدم كنوز نفسه بالصواب، يصرف ويبذر كل كنوزه. السُكر هو جنون ينتابنا بإرادتنا، إنه خيانه للتعقل، هو كارثة يسخر منها الكل، هو مرض يتهكم عليه الجميع، إنه شيطان يستولي علينا بإرادتنا، إنه أكثر خطرًا من الجنون.

 

الامتناع عن السكر:

2 ـ هل تريد أن تعلم لماذا يعتبر المخمور هو أسوأ من الذى به شيطان؟ هذا الإنسان يحزن عليه الجميع، أما المخمور فيمقته الكل. الأول يجعلنا نشاركه الحزن، أما الثانى فيملأنا بالغضب والغيظ. لكن لماذا؟ لأن الأول هو مريض بغير إرادته، أما الثانى هو مريض نتيجة لا مبالاته. الذى به شيطان هو مريض والمسئول عن مرضه هو الشيطان، أما المخمور فهو مريض وهو نفسه المسئول عن مرض. والمخمور يعاني نفس ما يعانيه الذى به شيطان، يتصرف بنفس الطريقة، وبنفس الدرجة يظلمَّ عقله، وينهار، وبنفس الطريقة تَحوَّلَ عيناه، وبنفس الكيفية يسقط إلى أسفل على الأرض ويتلوى, يمتلئ فمه بالريم ويسيل منه لعاب قذر ويمتلئ فمه هكذا برائحة كريهة لا تُطاق. وأصدقائه يشعرون بإشمئزاز تجاهه، وأعداؤه يتهكمون عليه، وخُدامه يحتقرونه، وفي نظر امرأته هو تعيس، إنه مُزعج للجميع وتصرفاته ممقوتة إذ تتجاوز تصرفات الحيوانات، لأن الحيوانات تشرب على قدر ما تعطش، ويشبعون رغباتهم وفق إحتياجاتهم، بينما المخمور يتجاوز حدود احتياجاته ويصير بالأكثر أغبى من الحيوانات.

 

          والأسوأ هو أن هذا “المرض” الذي هو مملوء من الشرور ويسبب دمارًا شديدًا يتسابق عليه الجلساء على موائد الأغنياء، ويتنافسون تنافسًا شديدًا فيما بينهم حول مَن سوف يُسيئ إلى نفسه بالأكثر؟ مَنْ سوف يثير أعصابه بالأكثر؟ مَن سيدمر قوته النفسية والجسدية بالأكثر؟ مَن سيُغضِب بالأكثر رب المائدة بأفعاله؟ ويرى المرء في هذه الجلسات مناوشات ومنافسات تُسعد الشيطان. لذلك فإن المخمور هو في حالة يُرثى لها أكثر من رثاء الأحياء للأموات، لأن المائت لا يشعر بشئ ولا يفعل الصلاح ولا الشر، بينما المخمور قادر على أن يفعل الشر. وكأنه دفن نفسه وجعل جسده قبر لها، وأخذ يجول بجسد ميت.

          هل رأيت كم هو هالك أكثر من الإنسان الذى به شيطان؟ وكم أنه ميت وفى حالة أسوأ من الذين ماتوا؟ هل تريد أن أقول لك الأسوأ والأكثر إيلاماً من كل هذا؟ المخمور لا يمكن أن يدخل ملكوت السموات. مَن قال هذا؟ قاله الرسول بولس” لا تضلوا. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور. ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت السموات” (1كو6: 9ـ10). هل سمعت مع مَنْ تشابه المخمور؟ مع عبدة الأوثان، ومع الزناة ومع المأبونين ومع الشتامين ومع الطماعين مع السارقين. لكن سوف يتساءل أحد هل المخمور والزاني يتساويان؟ لا تسألني، من فضلك، مثل هذه الأسئلة. اسأل بولس وسوف يرد عليك. لا أستطيع أنا أن أوكد لك إن كان المخمور سوف يُعاقب في الجحيم مثل الآخرين. لكن أستطيع بيقين أن أزعم بأنه سوف يفقد ملكوت السموات مثل عابد الأوثان. وطالما أن هذا هو ما يؤكده لنا بولس، لماذا تطلب تفسيرًا عن حجم هذه الخطية؟ أي لماذا تسألني عن درجة وثقل هذه الخطية، في الوقت الذي نحن متيقنين فيه أنه سوف يظل خارج الفردوس، وأنه سوف يفقد الملكوت، وسوف يفقد الخلاص، وسوف يذهب إلى الجحيم.

 

امتلئوا بنعمة الروح القدس

          يا أحبائي، أنا لا أخصكم بالحديث لأنني على اقتناع تام بأن نفوسكم متحررة من هذا المرض وهذه الشهوة، وبرهان عافيتكم هو حضوركم هنا، واستعدادكم الدائم للمجئ وانصاتكم بدقة لأقوال الله، لأن لا يوجد مخمور لديه القدرة لأن يسمع العظة الإلهية. ” لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح” (أف5: 18). هذا هو الخمر الجيد، أن تملأ نفسك بنعمة الروح القدس ولا تملأها بالخمر الذي فيه الخلاعة. اعتني بأن تملأ فكرك وذهنك بنعمة الروح القدس، حتى لا يكون فارغًا وتسكن فيه هذه الشهوة المخيفة والقبيحة. لذلك لم يقل ضع في نفسك الروح القدس، بل قال: ” املأ نفسك بالروح القدس” وذلك باستخدام فعل “امتلئوا”.

          إذن املأ نفسك تمامًا من نعمة الروح القدس، حتى لا يستطيع الشيطان أن يضع شيئاً داخلك. لذا يجب أن تشتركوا في التسابيح والترانيم والألحان الكنسية، لأن بهذه الأمور التي تسمعونها اليوم وتفرحوا بها تمتلئوا بنعمة الروح القدس. وإني على يقين بأنكم متعقلون. يوجد أمامكم كأس مملوء بخمر جيد للسُكر الروحي، كأس سُكر يسبب التعفف والتعقل وليس الهذيان. وما هو هذا الكأس؟ هو الكأس الروحي، كأس دم الرب الأبدي. هذا الكأس لا يسبب سُكرًا، ولا هذيانًا، لأنه لا يُقيد قوتنا بل يشدّدها، لا يحل أعصابنا بل يقويها. هذا الكأس يخلق في داخلنا هدوء النفس، هذا الكأس يكرّمه الملائكة، وترتعب منه الشياطين، إنه الكأس الجدير بالتقدير والإحترام من جانب البشر والمحبوب لدى الله. اسمع ماذا قال داود عن هذا الكأس الروحي الموجود على المائدة المقدسة: ” قدمت لي كأسًا يعطي سُكرًا قويًا وعظيمًا” (مز 23: 5س).

 

          لقد أضاف داود عبارة ” قويًا وعظيمًا” حتى لا تخاف للتو عندما تسمع كلمة ” سُكرًا” وتظن أنه يجلب مرضًا. اذن لدينا طريقة جديدة للسُكر تضع فينا قوة وتجعلنا أكثر انضباطًا وأكثر عافية، لأن هذا السُكر يأتي من منبع روحي. وهو لا يضلّل أفكارنا لنفعل الشر ولكنه يخلق فينا أمورًا روحية جديدة.

 

البصخة (القيامة) عيد روحي 

3 ـ ليتنا نُفضل هذا السُكر الروحي ونبتعد عن السُكر الآخر، حتى لا نسئ إلى هذا العيد، لأن هذا العيد لا يُحتفل به فقط في الأرض لكن في السماء. فاليوم تفرح الأرض والسماء، لأنه إذا كان فرح عظيم على الأرض وفي السماء لخلاص خاطئ واحد، فإنه يصير فرح أعظم في السماء من أجل كل المسكونه التي حررها المسيح من يد الشيطان. اليوم تفرح الملائكة، اليوم يفرح رؤساء الملائكة فرحًا عظيمًا، اليوم السيرافيم والشاروبيم يشاركون في الاحتفال بالعيد.

 

          إنهم الآن لا يخجلون مِنا نحن الذين صرنا عبيدًا للرب، لكن يفرحون معنا لأجل خلاصنا. فبالرغم من أن الجنس البشري أُقيم بواسطة الرب، إلا أن الفرح هو خاص بهم. ولماذا أتحدث فقط عن الملائكة، الذين هم أيضًا عبيد لله؟! فرب الملائكة والبشر يشتهى أن يشاركنا في هذا الاحتفال. ولا أحتاج لأن أقول كيف إنه يشتهى، لأنه قال: ” شهوة اشتهت أن آكل الفصح معكم” (لو22: 15). وطالما أراد أن يحتفل معنا (بالفصح) بالبصخة، فمن الواضح أن نفس الأمر يسري على القيامة. إذن عندما تفرح الملائكة ورؤساء الملائكة ويحتفل معنا رب القوات السماوية، فلأي سبب نحزن؟

 

رؤية إفخارستية للغنى والفقر

          لا ينبغي أن يحزن أي فقير بسبب فقره، لأن هذا العيد هو عيد روحي. ولا ينبغي لأي غني أن يفتخر بسبب غناه، لأن أمواله لا يمكن أن تضيف شيئًا لفرح هذا العيد. ففي الأعياد الأخرى التي نشاهدها في حياتنا اليومية، يوجد الخمر والمائدة المملوءة بالأطعمة حيث الشراهة والضحك، كما تسودها الأفعال الشيطانية، من الطبيعي أن يكون الفقير حزينًا والغني فَرِحًا، لكن لماذا؟ لأن الغني يعد مائدة غنية تتميز بكل الرفاهية، بينما يستحي الفقير من فقره، إذ يظهر بهذا المظهر المتواضع. لكن هنا لا يحدث مثل هذا الأمر. فإنه توجد مائدة واحدة مشتركة لأجل الجميع، للغني وللفقير، ولا يستطيع الغني أن يضيف شيئًا لهذه المائدة، كما أن الفقير لا يُحرم بسبب فقره من الشركة فى هذه المائدة الإلهية، لأن النعمة الإلهية تُقدم هنا للكل. ولماذا يبدو لك أنه أمر غريب أن تُقدم مائدة واحدة للغني وللفقير معًا؟ طالما أن هذا الأمر يسرى على الملك نفسه، فالملك الذي يلبس الثياب الملوكية ويضع التاج على رأسه، والذي له سلطة عظيمة على كل الأرض، يشارك الفقير، الذي يطلب إحسانًا، نفس المائدة. وهذه هي العطايا التي يقدمها لنا الرب. إنه لا يقسّم المجتمع إلى طبقات وفقًا للمكانة الاجتماعية، لكنه يعامل كل واحد بحسب استعداده الشخصى وإيمانه.

 

          إذن عندما ترى في الكنيسة الفقير يقف بجوار الغني، والرئيس بجوار المواطن العادي، والمغمور بجوار المشهور، وعندما ترى ذاك الذي يرتعب خارج الكنيسة من الضابط صاحب المقام العالي لكنه الآن يقف بجواره، عندئذ سوف تفهم ماذا تعني عبارة ” سيوجد الذئب مع الحمل” (إش6: 11). بالتالي فالكتاب يدعو الغني ذئبًا والفقير حملاً. من أين نستنتج أن الذئب سوف يتآلف مع الحمل، مثلما يتألف الغني مع الفقير؟ انتبه لما أقوله. مرات كثيرة يأتي إلى الكنيسة الغني والفقير وعندما يأتي وقت تقديس الأسرار المقدسة، يضطر الغني لأن يخرج خارج الكنيسة، لأنه مازال في عداد الموعوظين، بينما يظل الفقير داخل الكنيسة[1]، وهذا لا يسبب غضبًا للغَنى، لأنه يعرف أنه مازال بعيدًا عن التقدم الأسرار الإلهية. آه كم عظيمة هي نعمة الله! إن نعمة الله تجعل كل الذين هم داخل الكنيسة ليسوا فقط متساوين، بل مرات كثيرة يتفوق الفقير على الغني في التقوى، لأن الغني الذى لا يعيش بالتقوى لا ينتفع إطلاقًا بما يملكه، كما أن الفقر لا يسبب ضررًا للمؤمن الذي يقف بتقوى وخوف أمام المذبح المقدس. هذا أقوله، يا أحبائي، للموعوظين وليس لأولئك الذين هم مجرد أغنياء. تأمل، أيها الحبيب الذى كُتب، إن سيد البيت يترك الكنيسة بينما يظل العبد في الكنيسة يتابع الأسرار لأنه مسيحي مؤمن، وترحل السيدة وتبقى العبده ” لأن الله لا يحابي الوجوه” (غلا2: 6). إذن لا يوجد في الكنيسة عبد وحر. إنما الكتاب يعتبر العبد هو مَنْ يُستعبد للخطية      ” لأن من يفعل الخطية هو عبد للخطية” (يو8: 34). كما أنه يصف الحر بأنه ذاك الذي حررته نعمة الله من الخطية.

          إذن يأتي الملك والفقير إلى هذه المائدة بنفس الثقة وبنفس الكرامة، ومرات كثيرة يأتى الفقير بكرامة أعظم. لكن لماذا؟ لأن الملك كثيرًا ما يتورط في آلاف الأمور العالمية وتضربه ـ كسفينة فى عرض البحر ـ أمواج الخطية التي تحيط به، بينما الفقير الذي ينشغل فقط بطعامه الضروري، تتسم حياته بالهدوء والسكينة، فهو هادئ كما لو كان موجودًا في الميناء، ويقترب إلى المائدة المقدسة بدون اضطراب.

 

          أيضًا في الأعياد العالمية يتضايق الفقير، بينما يفرح الغَني، ليس فقط لأجل حرمانه من المائدة المملوءة بالأطعمة لكن أيضًا لأجل افتقاره للملابس الغالية الثمن. فما عانى منه بسبب المائدة، يعاني منه بسبب الملابس. فعندما يرى الفقير أن الغني يلبس الملابس الغالية والثمينة، يتضايق كثيرًا ويعتقد في نفسه أنه أكثر تعاسة من الكل. لكن هنا في الكنيسة يختفى هذا النوع من الفقر، لأن هنا يوجد لباس واحد للجميع، لباس العماد الخلاصي. لذلك يقول بولس: ” أنتم الذين إعتمدتم قد لبستم المسيح” (غلا3: 27).

 

 

إذن ليتنا لا نُهين هذا العيد بالسُكر، لأن إلهنا قد كرَّم الأغنياء والفقراء، العبيد والسادة على السواء. لكن يجب أن نستجيب لإحسانات الرب علينا، والاستجابة الممتازة هي أن نحيا فى توبة عن ارتكاب الخطايا وأن تكون نفوسنا متيقظة. هذا العيد وهذا الاحتفال لا يتطلب أموالاً ولا نفقات، بل يحتاج إلى الاستعداد الروحى والفكر الصالح. هنا لا يوجد شئ مادي يُباع، لكن توجد كلمة الله، وطلبات الآباء القديسين، وبركات الكهنة، والوفاق والسلام، والإتفاق، هنا العطايا والمكافأت الروحية.

ليتنا نشترك ـ إذن ـ في هذا العيد العظيم والبهي، أى في قيامة ربنا.

ليتنا نُعيّد له بالفرح والتقوى معًا، لأن الرب قام وقامت معه كل المسكونة.

قام المسيح ومزق رباطات الموت،

وبينما أخطأ آدم ومات بسبب الخطية،

فإن المسيح لم يخطئ ولكنه مات.

هذا الحدث عجيب ومدهش!.

فآدم أخطأ ومات،

بينما المسيح مات فى حين أنه لم يخطئ.

وأتساءل لأي سبب؟

 

          لقد حدث هذا لكي يستطيع ذاك الذى أخطأ ومات (آدم) أن يتحرر من قيود الموت بمعونة (المسيح) الذي مات دون أن يخطئ. مثلما يحدث في حالة الإقتراض، فالشخص الذي عليه دين، إن لم يكن لديه مال ليدفع دينه سوف يُسجن، فإذا وُجِد شخص آخر لديه مال ويريد أن يدفع عنه الدين، فإذا دفع دينه يكون قد منحه الحرية. هكذا صار في حالة آدم. استدان آدم وكان في قبضة الشيطان، ولم يكن لديه ما يدفعه، لكن المسيح لم يُستدِن ولم يكن في قبضة الشيطان، لكنه كان الوحيد الذي يمكنه أن يسدد الدين. فأتى ودفع بموته دين ذاك الذي كان في قبضة الشيطان، لكي يحرره.

الموت والقيامة

4 ـ رأيت ما الذي ظفرنا به بقيامة المسيح؟ نحن متنا مرتين، لذلك يجب أن ننتظر قيامة مزدوجة. والمسيح مات مرة واحدة، لذلك قام مرة. كيف حدث ذلك؟ سوف أشرح لكم؟ لقد أخطأ آدم فمات جسديًا ونفسيًا إذ قال له الرب: “ يوم تأكل من هذه الشجرة موتاً تموت” (تك2: 17). وفي ذلك اليوم لم يذق الموت الجسدي لكن موت الخطية (النفس). لقد ماتت نفسه[2] وبعد ذلك مات جسده هنا في الأرض. موت النفس هو نتيجة الخطية والعقاب الأبدي. لذلك يقول المسيح: ” ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحرى من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم” (مت10: 28).

 

          لكن دعونا أن نرجع مرة ثانية إلى هذا الذي قلته سابقًا، أي أن الموت الذى نجتازه هو موت مزدوج. وبما أن الأمر هكذا، إذن يجب أن تكون القيامة أيضًا مزدوجة. أما في حالة المسيح فإنه مات مرة واحدة، لأنه لم يخطئ كما أخطأ آدم أولاً، لكن الموت الواحد الذى ماته على الصليب صار لنا، لأنه هو لم يكن يستحق يموت، لأنه كان بلا خطية، وبالتالي جاز الموت وهو لم يكن مسئولاً عنه. لذلك قام مرة واحدة، كما مات مرة واحدة. لكن نحن الذين نموت مرتين، يجب أن نقوم مرتين. قمنا من الخطية القديمة طالما أننا بالعماد الذي قبلناه دُفنا معه، وبالمعمودية أيضًا قُمنا معه. هذه هي القيامة الأولى التي خلّصتنا من الخطية، بينما الثانية تخص قيامة الجسد. لقد منحنا الرب القيامة العظمى، فيجب أن ننتظر الصغرى. الأولى أعظم من الثانية، طالما أن هناك ضرورة للتخلص من الخطايا. لقد سقط الإنسان بسبب الخطية. وطالما أن الخطية هي سبب السقوط، فبداية القيامة يجب أن تكون التخلّص من الخطية. إذن فقد حصلنا على القيامة العظمى، إذ زال عنا موت الخطية الرهيب وخلعنا الملابس القديمة. ليتنا لا نقلل من قيمة القيامة الثانية. إذن نحن قد حصلنا على القيامة الأكثر أهمية، عندما تعمدنا نحن، وكذلك كل الذين استحقوا أن يُعمدوا هذا المساء[3].

 

          أمس كان الرب فوق الصليب، لكنه الليلة قد قام، وهؤلاء (المقبلين على المعمودية) كانوا بالأمس عبيدًا للخطية، لكنهم الآن قاموا مع المسيح. ذاك مات جسديًا وقام جسديًا، هؤلاء ماتوا بالخطية وتحرروا من الخطية وقاموا. حسنًا هذه الأرض في فصل الربيع تنبت ورودًا وريحانًا. لكن مياه هذا الفصل (إذ صارت مياهًا للمعمودية) تقدم لنا نبعًا عظيمًا. ولا تتشكك كيف تنبت الورود من الماء. لأن في بداية الخليقة أفاضت الماء كائنات حية تتحرك إذ قال الله: ” لتفض المياه زحافات ذات نفس حية” (تك1: 20)، وقد تحقق أمره على الفور. هكذا الآن، فمياه المعمودية لم تلد كائنات حية، لكنها ولدت مواهب روحية. لقد ولدت المياه وقتئذ (أي في الخلق) أسماك بدون عقل أو نطق، لكن الآن ولدت المياه أسماكًا روحية وعاقلة، أسماكًا اصطادها الرسل. وطريقتهم فى الصيد هي في الحقيقة طريقة جديدة. فمن يصطاد السمك يخرجه من المياه، بينما نحن نلقيها داخل الماء وهكذا نصطادها.

 

          كان لليهود أيضًا معمودية. لكن اسمع أى قوة كانت لها حتى تدرك مدي الفقر اليهودي ولكي تعلم مدى غنى كنيسة المسيح. كان لديهم “بِركة” بها ماء وينزل ملاك ليحرك المياة. وبعد تحريك المياه يدخل مريض واحد إلى المياه ويشفى. واحد فقط يُشفى خلال السنة كلها، وبعد ذلك تُستنزف النعمة مباشرة، ليس لأن من يمنحها هو فقير، لكن لأن أولئك الذين سينالون النعمة هم غير قادرين (على اقتنائها). إذن ينزل الملاك إلى “البِركة” يحرك المياه ويشفى واحد فقط. بينما رب الملائكة نزل فى الأردن، وحَرَك المياه وشفى كل المسكونه. في تلك المعمودية لم يُشف ذاك الذي دخل إليها وترتيبه الثانى، أى بعد نزول الأول، لأن نعمة الله هناك تُقدم الى اليهود الفقراء والمرضى روحياًً، لكن هنا، بعد نزول الأول يدخل الثانى ثم الثالث وهكذا حتى لو نزل العاشر أو العشرين أو المائة أو الآلاف، ولو نزلت كل المسكونة، لا تتوقف نعمة الله، لا تنتهى القوة الصالحة ولا تتدنس المياه. لدينا طريقة جديدة للتطهير والتى لا تنحصر فى الجسد فقط. لأنه عندما نغسل الأجساد فبقدر ما نغسلها كثيرًا بقدر ما تتدنس المياه بالأكثر، بينما هنا بقدر ما تغتسل النفوس بقدر ما تصير المياه نظيفة بالأكثر.

 

حرب ضد الخطيئة

هل رأيت كم أحسن إلينا الرب كثيرًا ؟ فيجب عليك أيها الإنسان، أن تحرس هذه العطية معترفًا بالجميل، واخضع لناموس الله واحفظه بكل دقة. فالحياة هى جهاد وصراع، ومن يجاهد عليه أن يظل منضبطًا في كل شئ، وسوف أقول لك طريقة جيدة وآمنة لكى تنجح. ليتنا نبعد عن نفوسنا تلك الأمور التي تبدو أنها ليست شريرة، لكن تُوّلِد خطايا. لأن بعض من أعمالنا هي خاطئة وبعض الأعمال الأخرى ليست خاطئة، ولكن الثانية قد تصير سببًا للخطايا. فالضحك ـ على سبيل المثال ـ ليس فى حد ذاته خطية، لكن يصير خطية عندما يتجاوز الحد. لأننا ننقاد من الضحك إلى التهكمات ومن التهكمات إلى الأقوال الهزلية، ومن الأقوال الهزلية إلى الأعمال القبيحة، ومن الأعمال القبيحة إلى الجحيم والعقاب. إذن اقتلع الجذر من أساسه لكي تُشفى من المرض كله، لأننا لو حفظنا ذواتنا من تلك الأمور التي تبدو أنها ليست شريرة، فلن نصل على الإطلاق إلى مستوى الانحلال الخلقي. هكذا يعتقد الكثيرون، على سبيل المثال: إنه ليس شرًا أن نرى المناظر المثيرة، لكن أقول إنه من هذه النظرة الشريرة تُولد الرغبة المنحلة، والشهوة تقود إلى الزنى ونتيجة الزنى هى الجحيم والعقاب. والتنعم ليس شرًا، لكن منه يأتي السُكر ومن السُكر شرور كثيرة تصاحبها.

 

 

ليتنا نجتث جذور الخطايا. وسيتحقق لنا هذا إن استمعنا باستمرار وكل يوم  لكلمة الله، لذلك لدينا اجتماع فى كل أيام الأسبوع وفيه نقدم لكم المائدة الروحية ونعطيكم فرصة لأن تسمعوا كلام الله، نُعدِّكم يوميًا ونُسلحكم ضد الشيطان، لأنه الآن يهاجمكم بشراسة. وكلما يفيض الله عليكم بالنعمة، بقدر ذلك يصنع الشيطان معكم حربًا شديدة، فالشيطان ـ كما نعرف ـ لا يطيق أن يرى إنسانًا واحدًا في الفردوس. اخبرني، كيف سيتحمل أن يرى كثيرين في السماء؟ اغضِب الوحش، ولا تخاف، إذ لديك قوة عظيمة، وسيف مسنون، اضرب به الحيّة (الشيطان). ولقد سمح الله للحيّة أن تستشيط غضبًا ضدك، لكي تكتسب الخبرة وتدرك حجم القوة التي فيك. ومثل مدرب متميز عندما يتعهد لاعبًا ويغيره من حالة الخمول واللامبالاة وذلك بإعداده بالتدريبات ليُرجع له قوته الجسدية ليخوض المسابقات، عندئذٍ لا يتركه ليهدأ، لكن يشجعه لكي يشارك باستمرار في المسابقات حتى يتعرف عمليًا على مدى القوة التي اكتسبها. وهكذا فعل المسيح، إذ بينما لديه المقدرة لأن يجرد العدو (ويقصيه عن الدخول فى أى منافسة) فإنه لكي يعلّمك مدى عظمة القوة الروحية التي أخذتها في المعمودية، سَمَح للشيطان أن يصارعك لكي يقدم لك فرص كثيرة لتنتصر وتتوج. لذلك على مدى سبعة أيام مستمرة تسمعون كلمة الله، لكي تتعلّموا بالضبط فنون وأسرار الجهاد. على الجانب الآخر هذا الذي يحدث هنا (في الكنيسة) هو زواج روحي. ففي بيت الزوجية نجد أن  حجرة العروس مزينة حتى اليوم السابع. لذلك رأينا نحن أن تظلوا سبعة أيام في هذه الحجرة المُزينة (الكنيسة)، وإذا أردت، تستطيع أن توجد طول فترة حياتك في هذه الحجرة (الكنيسة). أيضا في الزواج بين البشر، بعد الشهر الأول أو الثاني تقل محبة العريس تجاه عروسه، لكن هنا لا يصير نفس الأمر، لكن بقدر مرور الزمن، تصير محبة العروس أعظم، والقبلات أنقى والعلاقة أكثر روحانية إن بقينا في الفضيلة. أيضًا الأجساد تَهِرَّم بعد مرور زمن الشباب، لكن هنا تأتى الحيوية والشباب، إنها تأتي بعد أزمنة الكِبر والعجز، والحيوية تظل دائمًا إذا أردنا.

 

          عظيمة هي النعمة التي يمنحها الله لنا، وستكون أعظم إذا أردنا نحن. وبولس كان عظيمًا قبل أن يعتمد، لكن صار أكثر عظمة بعد العماد، وذلك عندما كرز بكلمة الله وزعزع نفوس اليهود. وبعد هذه الأعمال العظيمة اختُطف إلى الفردوس وصعد حتى إلى السماء الثالثة.

 

          هكذا نستطيع نحن، إذا أردنا، أن نصير عظماء وننمو فى النعمة التي أعطاها الله لنا عندما إعتمدنا. ونصير فى مكانة أعظم وأبهى ونتقدم بالأكثر فى ممارسة أعمال الفضيلة. وعندما يصير هذا، سوف ندخل إلى حجرة العُرس مع العريس بشجاعة عظيمة، وسوف نستمتع بالخيرات التي توجد هناك فى صحبة أولئك الذين يحبونه. وياليتنا جميعًا نستمتع بهذه الخيرات بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذى له المجد والسجود مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين، آمين.

[1] يقصد ذهبى الفم أن الغنى لو كان من ضمن الموعوظين ولم يدخل بعد فى شركة الكنيسة بالمعمودية المقدسة فلا يحق له إلاّ أن يشترك فى قداس الموعوظين فقط، أما قداس المؤمنين فيحق حضوره للمؤمنين فقط.

[2] بانفصالها عن الله الذى هو مصدر الحياة.

[3] وهذا يوضح أن سر المعمودية قديمًا كان يُمارس فى ليلة عيد القيامة والسبب فى ذلك واضح من ارتباط فعل المعمودية بالموت والقيامة.

 

الاحتفال بالقيامة – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

الصوم

 

عظة للقديس يوحنا ذهبى الفم

عن كيفية الاستعداد للصوم[1]

 

ينبغى أن يفرح المسيحيون بقدوم الصوم لأن خيراته كثيرة:

 

إن اجتماعنا اليوم مفرح وأكثر بهاءً من الاجتماعات المعتادة، تُرى ما هو سبب ذلك؟ إن مصدر هذا الابتهاج هو الصوم. الصوم الذى لم يبدأ بعد، ولكننا ننتظره. هذا الصوم جمعنا فى بيت الآب، الصوم أحضركم إلى حضن الأم. فإن كان انتظاره فقط جلب لنا غيره عظيمة، تخيلوا كم يخلق مجيئه وحضوره وقارًا وتقوى فينا!! نحن نشبه مدينة كانت يسودها الفوضى، ولكن عندما علمت هذه المدينة بأن رئيسًا مهيبًا ينوى أن يزورها، بدأت فورًا تتأهب لاستقبال هذا الرئيس.

 

لكن لا تخافوا مما سمعتم بأن الصوم مثل رئيس مهيب، لأنه ليس مخيفًا لنا، لكن لجنس الشياطين. إن كان يوجد شخص به شيطان، واجهه بالصوم، فإنه سيرتعب خوفًا، وسيظل متحجرًا وأصلد من الصخر، وسيظهر كأنه مقيد بقيدٍ. وسيعانى كثيرًا جدًا من ذلك، عندما يصحب الصوم بالصلاة، إذ يقول ربنا يسوع المسيح: ” هذا الجنس (الشياطين) لا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم” (مت 21:17)

 

إذن، فطالما أن الصوم يُبِعد أعداء خلاصنا بعيدًا جدًا، وأيضًا يرعبهم، فعلينا أن نحبه ونرحب بقدومه، ولا نخاف منه. وإن كان ينبغى أن نخاف شيئاً، فعلينا أن نخاف من السُكر والإدمان والإفراط فى الأكل، وليس من الصوم. لأن أكلنا وشربنا يقيد اليد (عن إعطاء الصدقة)، ويسلمنا عبيدًا وأسرى للطاغية (الشيطان)، كما إلى امرأة شريرة. وبعكس الأكل والشرب، فالصوم يفك قيودنا ويخلّصنا من الطاغية، ويردّنا إلى حريتنا الأولى.

 

الصوم يرفع البشر ويقربهم من الله:

أتريد أن تعرف كم يزّين الصوم البشر، كم يحميهم من كل جانب، كم يؤّمن حياتهم؟ أرجوك أن تتأمل النظام الحلو والجميل فى حياة الرهبان. هؤلاء الذين تركوا ضجه العالم، وصعدوا قمم الجبال، وأقاموا قلاليهم داخل الصحراء فى الهدوء، وكمثل ميناء هادى، جعلوا الصوم هو صديقهم ورفيقهم مدى الحياة. وهكذا نرى أن الصوم جعل البشر يصيرون ملائكة، وليس هؤلاء فقط (أى الرهبان)، لكن الذين يمارسونه فى المدن، يصعدهم إلى قمة الفضيلة. هكذا عندما أراد النبيان العظيمان موسى وإيليا أن يقتربا من الله ويتحدثا إليه، لجئا إلى الصوم، وبمعونة الصوم صارا فى شركة مع الله.

 

 

عصيان الأبوين الأولين كان مخالفة لوصية الصوم:

لاحظ أنه من البدء عندما خلق الله الإنسان وضعه مباشرة بين “يدى” الصوم، ذلك الصوم الذى كان كمثل أم حنون ومعلمه صالحة تهتم بخلاصه، لأن الوصية كانت هكذا:

من جميع شجر الجنه تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تك16:2ـ17)، كانت هذه الوصية “نوع” من الصوم، فإن كان الصوم ضروريًا فى الفردوس، فبالأكثر جداً يكون ضروريًا خارج الفردوس. وإذا كان الدواء قبل “الجرح” مفيدًا، فبالأكثر جداً بعد “الجرح”. كذلك، إن كان “السلاح” ضرورى لنا، قبلما تبدأ حرب الشهوات الشريرة، بالأكثر جداً بعد اشتعال الحرب، حيث تضرم الشياطين فينا الشهوات، فإننا نحتاج لهذا “السلاح” الذى هو الصوم. لو أدرك آدم هذا الكلام، لما سمع الكلام الآخر الذى قاله الله: ” لأنك تراب وإلى تراب تعود” (تك19:3)، لكن بسبب أنه خالف القول الأول، لذلك أتى الموت وما ترتب على ذلك من هموم ومتاعب ومشقات، هكذا أتت الأشواك والزوان، هكذا أتت العذابات والآلام والحياة البائسة.

 

الصوم أنقذ أهل نينوى:

إن كنت قد رأيت كيف أن الله لم يُسرّ باحتقارنا للصوم، فتعلّم الآن كيف تبتهج، بإكرّام الصوم. لأنه كما أنه باحتقار الصوم أتت عقوبة الموت، هكذا أيضًا، عندما نُكرّمه تُرفع العقوبة. ولأن الله أراد أن يُظهِر لك قوة الصوم، نجده بعد أن أدان آدم على تعديه وعدم “صومه” كما قلنا، قد جعل الصوم “طريقًا” للسائرين نحو الموت كى يعودوا مرة أخرى إلى الحياة. وهذا لم يفعله لا باثنين أو ثلاثة أو عشرون من البشر لكن بمدينة كاملة، مدينة نينوى العظيمة والعجيبة، التى ركعت وتذلّلت بسبب الدمار المزمع أن يصيبها من جراء العقاب الإلهى، فجاء الصوم كمثل قوة رفعتها إلى أعلى، واختطفتها من قبضة الموت وردتها إلى الحياة. وإذا أردتم دعونا نسمع ما حدث:

 

قصة يونان وخلاص أهل نينوى:

يقول الكتاب ” وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاى قائلاً: قم أذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادى عليها لأنه قد صعد شرهم أمامى” (يون1:1ـ2)

 

نجد هنا وصفًا للمدينة ـ إذ قال الله عنها المدينة العظيمة ـ لعله بهذا الوصف يؤثر على يونان لأنه كان يعرف مسبقًا أنه مزمع أن يهرب. لكن دعونا نسمع ما أنذر به يونان أهل المدينة: ” بعد أربعين يومًا تنقلب المدينة” (يون4:3).

          لماذا تهرب يا يونان ؟

هل تصورت أمامك مصاعب تتوقعها بسبب (توبة المدينة)؟

ألاّ تعرف أن تهديدات الله بالجحيم كانت لكى لا يقود (الله) أحدًا إلى الجحيم؟.

ولأى سبب منحهم الله فرصة قصيرة؟ نجيب لكى تعلم أن الغرباء (أهل نينوى) يستطيعون فى هذه المدة أن يطفئوا غضبًا عظيمًا، سببته خطاياهم، وأيضًا لكي نثق نحن ونتيقن من محبة الله للبشر. وحتى لا تيأس أنت يا من فعلت آلاف الخطايا. لأنه إذا أعطيت الكسول وغير المبالى، مهلة كبيرة للتوبة، فإنه سوف لا يفعل شيئاً وسوف لا يتصالح مع الله بسبب إهماله وتهاونه، بينما الإنسان النشط واليقظ لو أعطيته فترة زمنية قصيرة جدًا سوف يستطيع أن ينعم بغفران خطايا ارتكبها فى سنين عديدة.

 

ألم ينكر بطرس المسيح ثلاث مرات؟

وفي المرة الثالثة، ألم يلعن ويحلف أنه لا يعرفه ؟

ألم يخف من كلام خادمة صغيرة ومغمورة؟ ماذا إذن؟

هل احتاج سنين عديدة لكى يتوب ؟

إطلاقًا لكن فى نفس الليلة

سقط وقام،

جُرح وشُفى،

مَرضّ وتعافى.

كيف وبأى طريقة؟

إنه بكى وحزن، وهو لم يبكِ فقط لكن بكى بألم وإنسحاق. لذلك فإن الإنجيلى لم يقل بكى لكن قال” بكى بكاءاً مراً” (مت75:26).

 

انظر، لا تستطيع أى كلمة أن تصف مدى القوة العظيمة لتلك الدموع، وتطور الأحداث يظهر قوة هذه الدموع. لأن بعد ذلك السقوط الرهيب ـ أى إنكار المسيح ـ وبعد هذه الخطية الكبيرة، أعاده المسيح إلى الكرامة الأولى، وكلّفه برعاية بالكنيسة، والأهم أنه أظهر لنا كيف أن بطرس إقتنى محبة عظيمة نحو الرب أكثر من كل الرسل، وذلك عندما سأله قائلاً: ” يا سمعان بن يونا أتحبنى أكثر من هؤلاء” (يو15:21). إذن حتى لا تقول إن الله كان محقًا في أن يغفر لأهل نينوى، الذين هم غرباء وغير متعلمين، لأن العبد ” الذى لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يضُرب قليلاً” (لو48:12)، لذلك قدمت لك مثال بطرس العبد الذى يعرف كثيراً جداً إرادة سيده.

أرأيت كيف ارتفع عاليًا بتوبته؟.

إذن لا تيأس بسبب خطاياك.

لأن الأسوأ من الخطية هو أن تظل فى الخطية،

والأردأ من السقوط هو أن تظل فى السقوط.

لأجل هذه الحالة يبكى بولس ويحزن،

فهذه الحالة جديرة بالرثاء،

 

فهو يقول:

لأنى أخاف إذا جئت.. أن يذلنى إلهى عندكم.. إذا جئت أيضاً وأنوح على كثيرين    من الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا عن النجاسة والزنى والعهارة التى فعلوها” (2كو21:12).

 

واعلموا أن الوقت المناسب جدًا للتوبة هو وقت الصوم. لكن ليتنا نعود إلى موضوعنا (يونان وأهل نينوى)، عندما سمع النبى يونان كلمات الرب قام : ” ليهرب إلى ترشيش فدفع أجرتها ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرب” (يون3:1).

أين تذهب أيها الإنسان؟ ألم تسمع النبى يقول:

أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب” (مز7:139).

هل ستذهب إلى الأرض؟ اسمع

للرب الأرض وملؤها. المسكونة وكل الساكنين فيها” (مز1:24). ربما تقول: أذهب إلى الجحيم؟

إن صعدت إلى السموات فأنت هناك. وأن فرشت فى الهاوية فها أنت.. أن أخذت جناحى الصبح وسكنت فى أقاصى البحر فهناك أيضاً تهدينى” (مز8:139ـ10).

          أم ستقول إلى : ” أقاصى البحر” حيث ذهب يونان النبى؟.

 

          الخطية تؤدى بنا إلى هذيان عظيم!. لأنه كما أن الذين يستولى عليهم الإدمان والسُكر، يجولون بلا وعى هنا وهناك، ولو صادفتهم ورطه أو أى شئ آخر، يسقطون فجأة، هكذا الذين ينزلقون فى الخطية تستولى عليهم شهوة فعل الشرور مثل إدمان الخمر، ولا يعرفون ماذا يفعلون، بل يكونون غير مبالين لا بالحاضر ولا بالمستقبل .

 

          اخبرنى يا يونان، هل هربت بعيدًا من الرب؟ إذن انتظر قليلاً، فمن الحوادث التى سوف تجرى لك ستعلم كيف أنك لا تستطيع أن تفلت من قبضة البحر، الذى هو أيضًا عبد لله، يفعل ما يأمره به سيده. وإلاّ فلماذا عندما نزل النبى إلى السفينة، علتّ الأمواج جداً؟ ولأن البحر كان مثل ذلك العبد المطيع، الذى تقابل مع عبد آخر سرق شئ من سيده وهربّ، فإنه لا يتوقف عن أن يزعج من تستروا على العبد السارق حتى يأخذه ويعيده إلى سيده، هكذا البحر، عندما وجد يونان الهارب وتعرّف عليه، سبّب اضطرابات كثيرة للبحارة وهدد أنه لن يهدأ حتى يسلّم الملاحون يونان له.

وماذا فعل البحارة عندما صارت كل هذه الإضطرابات؟

مكتوب: “ خاف الملاحون وصرخوا كل واحد إلى إلهه وطرحوا الأمتعه التى فى السفينة إلى البحر ليخففوا عنهم” (يون5:11). لأن كل الأمتعة كانت بالداخل، أى جسد النبى الذى كان حملاً ثقيلاً ليس بسبب وزنه المادى لكن بسبب ثقل الخطية. لأنه لا يوجد ما هو أثقل من الخطية، لذلك يشبهها النبى زكريا بالرصاص (انظر زكريا 7:5)، بينما داود يصف طبيعتها قائلاً: ” لأن آثامى قد طمّت فوق رأسى. كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل” (مز5:38).

 

والمسيح يصرخ بقوة للغارقين فى الخطية قائلاً: ” تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين وثقيلى الأحمال وأنا أريحكم” (مت28:11).

 

          إذن الخطية ثّقلت السفينة فكانت على وشك الغرق، ويونان كان نائماً فى نوم عميق. أخذه النوم الثقيل ليس نتيجة فرحه، ولكن بسبب حزنه، ليس خمولاً أو كسلاً ولكن بسبب الضيق.

 

          لأن الخدام الصالحين يشعرون بخطاياهم بسرعة، الأمر الذى عاناه يونان، حيث فعل الخطية وأدرك بعد ذلك شرها. لأن الخطية تُولد أولاً، ثم بعد ذلك تجلب الآلام المخيفة باستمرار إلى النفس التى ولدتها، على عكس القانون الطبيعى لولادتنا. فنحن عندما نولد تتوقف آلام الولادة عند الأم فى الحال، لكن الخطية إذ تُولد، تسبّب بعد ذلك إضطرابًا وآلامًا للذهن الذى ولدها.

 

ثم، ماذا فعل القبطان؟ اقترب من يونان وقال له: ” قم أصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك” (يون6:1). لقد فهم من خبرته أن هذه الأمواج لم تكن عادية، وأيضًا بأنها كانت ضربة مرسلة من الله.

كيف أن اضطراب البحر لم تصلح معه الوسائل البشرية؟!  وكيف أن تصرفات القائد لإنقاذ الموقف كانت بلا فائدة؟!، هذا لأن الحالة كانت تحتاج إلى قبطان أعظم، أى إلى ذلك الذى يقود الكون كله. الحالة تحتاج إلى معونة من فوق. لذلك تركوا الشراع والحبال وكل شئ، وأوقفوا التجديف، رفعوا أيديهم نحو السماء وترَّجوا الله ليخلّصهم. وعندما لم يحدث  شئ، ألقوا قرعة، ووقعت القرعة على المسئول. وهؤلاء بالرغم من أن قرعتهم أظهرت يونان كمسئول، لم يلقوه فى البحر. وبالرغم من أن الضجة والإضطراب العظيم كانا مستمرين،  فإنهم أقاموا له محكمة فى السفينة وكأن الهدوء قد حلّ، وأعطوه فرصة ليتكلم وطلبوا منه أن يدافع عن نفسه وحققوا معه بدقة، وكأنهم سيعطون حسابًا عما سيقرره.

 

اسمعهم إذن، كيف يفحصون كل شئ، كما يحدث فى المحكمة.

أى عمل تعمل؟

من أين أتيت؟

أين تذهب؟

ما هى بلدك وإلى أى أمه تنتمى؟

 

وبينما أدانه البحر بصوت عالٍ، والقرعة أظهرته أنه المسئول، إلاّ أن الملاّحين لم يتأثروا بصراخ البحر، ولا بالشهادة القوية التى أظهرتها القرعة ولم يتخذوا أى قرار. لكن فعلوا مثلما يحدث فى المحكمة، حيث المتهمون حاضرون والشهود موجودون والمحققون قد أنهوا اجراءاتهم، إلاّ أن القضاة لا يقررون إلاّ بعد أن يعترف المتهم نفسه بذنبه. هكذا فعل الملاحون فبالرغم من أنهم غرباء وغير متعلمين إلاّ انهم حفظوا الإجراء الذى يتم فى المحكمة وتصرفوا هكذا بالرغم من الخوف العظيم، والأمواج العالية جداً، والإضطراب العظيم المحيط بهم.

من أين إذن، يا أحبائى أتت هذه العناية العظيمة؟

من تدبير الله. لأن الله دبر الأمور هكذا لكى يتعلم النبى، أن يكون محبًا ورؤوفًا، وكأن الله يقول له: تشبّه يا يونان بالملاحين، بالناس غير المتعلمين الذين لا يحتقرون نفسًا واحدة، الذين لم يهملوا إنسانًا واحداً الذى هو أنت، وأنت تهمل مدينة بأكملها، فيها آلاف الناس، تتركها تُدِمر، بينما كان هناك أمور كثيرة تتوقف عليك. هؤلاء عندما اكتشفوا عِلة الشرور التى أصابتهم، لم يندفعوا لكى يدينوك، أما أنت فبدون أن يكون عندك شئ ضد أهل نينوى، تريد أن تهلكهم. وبينما أنا آمرك بأن تذهب إليهم وبالكرازة تقودهم إلى الخلاص، فإنك لم تطع، أما الملاّحون، فرغم أنهم لم يأخذوا أمرًا من أحد، قد فعلوا ما بوسعهم محاولين أن ينقذونك أنت الذى كان ينبغى أن تُعاقب.

 

          إذن، بعد إدانه البحر (بأمواجه)، وبعد وقوع القرعة التى أظهرته مذنبًا، وبعد إقراره بذنبه وإعترافه بهربه، فإن الملاحين أيضًا لم يريدوا أن يؤذوا النبى، بل فعلوا كل شئ، حتى لا يسلموه إلى البحر الهائج. لكن البحر لم يتركه أو بالأحرى الله لم يتركه، لأنه كما أراد أن يهذبه بواسطة الملاحين هكذا أيضًا فعل بواسطة الحوت. لذلك عندما سمعوا ” خذونى وأطرحونى فى البحر فيسكن البحر عنكم لأننى عالم أنه بسببى هذا النوء العظيم عليكم” (يون12:1)، حاولوا أن يأتوا بالسفينة إلى البر لكن الأمواج أعاقتهم.

 

 

وأنت يا من تسمعنى، كما رأيت النبى وهو يهرب، اسمعه أيضًا وهو يصلى داخل بطن الحوت. ففى هروبه عانى وتألم كإنسان عادى، بينما فى بطن الحوت أظهر أنه نبى. فمثلما أخذه البحر، ووضعه فى بطن الحوت، كمثل زنزانه، وحُفظ سليمًا من أجل الرب،  هكذا الحوت، الأشد قسوة من الأمواج، الذى يبلع ويميت، أنقذه وقاده إلى المدينة. فالبحر والحوت فعلا أفعالاً تتعارض مع النواميس الطبيعية، لكى يتعلم النبى من كل هذا.

 

هكذا، وصل يونان سليماً إلى المدينة، وأعلن للساكنين قرار الله كأنه يقرأ رسالة ملوكية تهدد بعقاب، وقال لهم: ” بعد أربعين يوماً تنقلب المدينة” (يون4:3).

 

أرأيتم كيف أن أولئك عندما سمعوا يونان صدقوة واهتموا بالأمر وأخذوا جميعًا طريقًا واحدًا، هو طريق الصوم: الرجال والنساء، العبيد والسادة، الرؤساء والمرؤوسين، الأولاد والعجائز، وحتى حيواناتهم غير العاقلة لم يُستثنوا من هذا الفعل. فى كل مكان لبسوا  ملابس الحداد، وفى كل مكان كان رماد وحزن ونحيب ونواح. حتى الملك أيضًا الذى كان يلبس التاج نزل من عرشه الملوكى وتغطى بمسح وجلس على الرماد، ألقى الرماد على رأسه وأنقذ المدينة من الخطر. أرأيت شيئًا أغرب من هذا!. فالمسوح ظهرت أنها أعظم من الملابس الملوكية. لأن ما لم تحققه الملابس الملوكية، حققته المسوح. وما لم يحققه التاج، حققه الرماد.

          ألم أقل لك كيف أننا لا ينبغى أن نخاف من الصوم بل نخاف من السُكر والإدمان والإفراط فى الأكل؟ لأن السُكر ومحبة الأكل قد زعزعتا مدينة نينوى فى الوقت التى كانت تقف شامخة، أما الصوم فحفظها واقفه شامخة لا يُمسها سوء فى الوقت التى كانت على وشك الدمار والسقوط.

 

بالصوم تتم المعجزات:

بالصوم دخل دانيال جُب الأسود ونجح فى أن يخرج من هناك كما لو كان قد خالط حملانًا هادئة. لأنه بالرغم من أن الوحوش كانت تزأر غضبًا، فإنها لم تستطع أن تمس الطعام المعُد لها والذى وُضع أمامها (أى دانيال)، وبالرغم من طبيعتهم المتوحشة وكذلك الجوع أيضًا الذي كان يحرّك ويستثير هذه الأسود، إلا أنهم احترموا هذا “الطعام” ولم يلتهموه، وكأن قوة أخرى كانت داخل الجب قامت بترويض هذه الأسود الجائعة لدرجة أنها لم تستطع أن تقترب من جسد النبى.

أيضًا بالصوم دخل الثلاث فتيه إلى أتون النار، وإذ ظلوا ساعات طويلة داخل النار، خرجوا من الأتون أحياء بأجساد تلمع أكثر من النار.

لماذا لم تؤثر فيهم النار رغم أنها كانت نارًا حقيقية متقدة؟!

ولماذا لم تتأثر أجسادهم بالنار رغم أن أجسادهم كانت أجسادًا بشرية؟! أتعرفون لماذا ؟

اسألوا الصوم سوف يجيبكم، وسوف يحل لكم هذا اللغز.

ألم يكن شيئًا عجيبًا أن تهاجم النار الجسد وينتصر الجسد عليها؟.

أرأيت هذه المعركة الغريبة؟

أرأيت كم هو مدهش هذا النصر؟

 

عظيم هو الصوم،

وعليك أن تستقبله بأحضان مفتوحة.

لماذا؟

لأن الصوم ينقذ فى الأتون،

ويحمى فى جُب الأسود،

ويُبعد الشياطين،

ويغير قرار الله،

ويُوقف إثارة الشهوات،

ويعيدنا إلى الحرية،

ويُهدئ أفكارنا،

إذن كيف لا يكون جنونًا مُطبقًا أن نهرب من الصوم ونخاف منه،

وهو الذى يغدق علينا خيرات كثيرة؟

 

الصوم يفيد كثيراً صحتنا الجسدية

يزعم بعض الأشخاص أن الصوم يُضعف جسدنا لذا نهرب منه ونخافه، غير أنه مكتوب أنه عندما يفنى الإنسان الخارجى فإن الإنسان الداخلى (النفس) يتجدد يوماً بعد يوم (2كو16:4). وإذا أردت أن تفحص الأمر من جهة أخرى، فسوف تتحقق أن الصوم هو أصل الصحة الجسدية. وإن كنت لا تصدق أقوالى، اسأل الأطباء وهم سوف يؤكدون لك بوضوح هذا،. فالذين يأكلون قليلاً يكونون فى صحة وعافية، بينما الذين يحيون حياة الخمول ويأكلون بنهم شديد يصابون بأمراض متنوعة مثل: آلام الأرجل وصداع الرأس والسكتات الدماغية والسُل والاستسقاء والالتهابات والدمامل وسيل من الأمراض الأخرى. طريقة الحياة هذه هى مثل مجرى مياه ملوث تنبع من منبع دنس وتدمر صحة الجسد وأيضًا عفة النفس.

 

مباهج الأكل تبطل خيرات الصوم:

إن الأكل الزائد والسُكر فى اليوم السابق للصوم أو بعد اليوم الأخير للصوم هو أمر غير مقبول. كذلك الاحتفاليات الكثيرة تبطل خيرات الصوم.

 

 

إذن ليتنا لا نخاف الصوم الذى يخلّصنا من شرور كثيرة. أقول هذا لأننى أرى أناسًا كثيرين كما لو كانوا سيسلمون أنفسهم إلى وحش مفترس، هكذا يترددون ويتقهقرون عند مجىء الصوم ويدمرون ذواتهم بالسُكر والأكل الزائد، لذلك أنصحكم حتى لا تُضَيِّعوا الفائدة التى تنتج من الصوم بالشراهة والسُكر. وكل الذين يعانون من آلام المعدة، عندما يشربون الدواء، لن يستفيدوا منه، لأن المعدة الملوءة بالأكل والشراب سوف تعيق فاعلية الدواء. بالضبط كما يأمر الأطباء مرضاهم بالنوم مساءً وبالصوم حتى يستفيدوا من العلاج بالأدوية. نفس الأمر يصير مع الصوم. إذا كنت اليوم (السابق للصوم) تأكل بشراهة وتسكر وغدًا تأخذ “دواء الصوم” فإن هذا الدواء سيكون غير مفيد، لأنك سوف تجرد الدواء (أى الصوم) من فاعليته بإدمانك للخمر حتى الثُمالة. لكن لو احتفظت بجسدك خفيفاً (غير مثقل بالأكل)  وذلك بابتعادك عن الشراهة، ثم بعد ذلك تأخذ “الدواء” بعقلٍ صافٍ، سوف تتطهر كثيرًا من خطاياك القديمة.

 

 

إذن ليتنا لا نستقبل الصوم بالسُكر ولا حتى بعد انتهائه نفعل ذلك، حتى لا يحدث مثلما يحدث لمريض صار متعافيًا وبينما هو يحاول أن ينتصب واقفًا، يقفز مسرعًا فيسقط ثانية إلى أسفل ويصير فى حالة أسوأ. هذا يحدث مع نفوسنا عندما تكون فى الحالتين، سواء فى بداية الصوم أو نهايته، إذ بالسُكر نفقد الاستنارة التى منحها لنا الصوم. ومثلما يفعل كل الذين يريدون أن يصارعوا الوحوش فإنهم يدافعون عن أجسادهم بوسائل مختلفة فى مواجهة هذه الوحوش، هكذا أرى للأسف أن كثيرين من البشر الذين يستقبلون الصوم، كما لو كانوا سوف يصارعون وحشًا، فيتسلحون بالأكل المفرط لمواجهته، وأخيرًا إذ تمتلئ بطونهم بالطعام ويظلم عقلهم يُقبِلون على الصوم بارتباك كثير مع أن الصوم يقود إلى الهدوء والسكينة.

 

وإذا سألتك: لأى سبب تُسرع اليوم لتغتسل؟ سترد علىّ لكى استقبل الصوم بجسد نظيف، وإذا سألتك ثانية: لأى سبب أنت تسكر؟ أيضاً سوف ترد علىّ: بسبب أننى سوف أدخل فى فترة صوم. إذن أليس من غير المعقول أن تستقبل هذا الصوم الجميل من جهة بجسد نظيف، ومن جهة أخرى بنفس دنسة صارت مظلمة بالسكر؟!!.

 

 

ليت الله يعطينا استعدادًا مباركًا

لنقدس له صومًا مقبولاً

لنحصد خيرات الصوم

بنعمة ربنا يسوع المسيح

الذى له المجد

مع أبيه الصالح

والروح القدس

أمين.

[1] عظة ألقاها القديس يوحنا ذهبي الفم، في الاستعداد للصوم الأربعيني المقدس، فى إحدة السنوات بين 386ـ397م، قبل سيامته بطريركًا للقسطنطينية.والنص موجود فىPG49, 305-314 ، ΕΠΕ30, 184-207.

 

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

تجسد ورأينا مجده – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

تجسد ورأينا مجده – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

تجسد ورأينا مجده – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

( 1 )

”والكلمةُ صار جسدًا وحَلَّ بيننا” [1]

(يو1: 14)

 

استعدوا لسماع كلمة الله:

          اسمحوا لي قبل أن أتأمَّل في كلمات الإنجيل، أنْ أطلبَ منكم أمرًا أرجو ألاَّ ترفضوه؛ لأنَّ ما أطلبه منكم ليس عسيرًا أو ثقيلاً أو صعبًا. وهذا الأمر ليس مفيدًا لكم فقط، بل ولي أنا أيضًا. فما هو هذا الأمر؟:

         إنه يجب على كل واحدٍ منكم عندما يأتي إلى الكنيسة يوم السبت أو الأحد، أنْ يأخذ بين يديه مقطع الإنجيل الذي سوف يُقرأ في الأيام القادمة، ثم يعكف في بيته على قراءته بحرص، وأن يسجِّل عليه ملاحظاته الآتية بدقة:

هل هناكَ غموضٌ يكتنف النص؟،

وما هو الواضح فيه؟

ما الذي يبدو متناقضًا؟،

وما الذي يظهر منسجمًا؟

وما هو معنى النص وتفسيره؟ إلخ …

وهكذا تكونون جاهزين للتفاعل مع كل ما يقال في اجتماعنا.

 

 

إن الفائدةَ المرجوةَ من هذا الاستعداد لن تكون قليلةً، سواء بالنسبة لكم أو لي؛ لأننا لن نعود نجد مشقةٍ في عرض الموضوع بوضوح، طالما كانت أذهانكم مهيأة، وقد عايشتم النص. وهذا بدوره يُضرم فيكم شوقًا، فتجيئون إلى الكنيسة مسرعين متيقظي الأذهان. على أن الفائدة التي ستعود عليكم لن تقتصر فقط على السمع والتعلّم، بل تشمل أيضًا استعدادكم لتعليم الآخرين. لأن كثيرين من الذين يأتون إلى هنا ليسمعوا العظة، لا يستطيعون أن يحصلوا على فائدةٍ كبيرة، إذ ينبغي لهم أن يتعلّموا قراءة النصوص وفهم كل ما نقوله عنها، وكيف يتحقق ذلك في هذا الوقتٍ الوجيز؟

 

         قد يتعلّل البعض بمبرراتٍ مثل الهموم والارتباطات الاجتماعية أو الخاصة. وهؤلاء لا يدرون أنهم يرتكبون جرمًا كبيرًا في حق أنفسهم عندما يسمحون للمشاغل الخاصة، والمطالب العامة بأن تستحوذ عليهم إلى الدرجة التي لا يستطيعون معها أن يخصصوا وقتًا وإنْ كان قليلاً لمَا هو أكثر ضرورةً لحياتهم.

 

         وقد يتعلّل البعض الآخر بأنهم على ارتباطٍ بأصدقائهم لارتياد المسارح، أو ليكونوا ضمن الحشود التي تتابع مسابقات الخيول، وفي مرات كثيرة يقضون أيامًا كاملةً مع هؤلاء الأصدقاء، والمدهش في الأمر أن واحدًا منهم لا يعتذر عن عدم ذهابه إلى هذه الأماكن بانشغاله بمواضيع معينة.

 

         هكذا ترتادون تلك الأماكن التافهة دون أي مبرر، بينما تنقطعون تمامًا عن المجيء إلى الكنيسة. وبينما من الواجب عليكم أن تهتموا بما يخص الله، يبدو لكم هذا الأمر تافهًا للدرجة التي لا تكون لديكم معها قناعة بأنَّ هذه الأمور تستحق أنْ يُخصص لها وقتًا ولو كان قليلاً.

 

         وقد يحتج هؤلاء الخاملون بحجةٍ غير معقولة، فيقولون إنهم لا يملكون كُتبًا[2]. فإن كان هؤلاء من الأغنياء، فإنه من المضحك أن نرد عليهم. ولكن إن كان كثيرون من الفقراء يسوقون هذا المبرر، فأنا أقول لهم: لو أن أحدًا منكم لم يكن لديه كل الأدوات الحرفية اللازمة لممارسة مهنته إلى الحد الذي يضع له فيه الفقر عشرات العقبات أمام ممارسته لمهنته، وأنا أتساءل أيقعد عن ممارسة مهنته متعللاً بفقره وما وضعه أمامه من عقبات ـ في الوقت الذي تُدر عليه هذه المهنة مكسبًا وفيرًا؟

 

         عمومًا، لو كان البعض منكم فقراء جدًا، فمن الممكن لهم أن يُلموا بكل ما في الكتب المقدسة، إذا ما تابعوا باهتمام القراءة المستمرة لنصوص الكتاب في الكنيسة. وإن كان هذا الأمر يبدو لكم غير ممكنٍ، فقد تكونون على حق، إذ أن كثيرين منكم لا يأتون مهيَّئى الأسماع، بل ويكتفون بسماع ما يُقرأ، عندئذٍ للتو يرجعون إلى بيوتهم غير منتظرين ما يُقال من تعليقات حول النص. أمَّا الذين بقوا منتظرين، فهم ليسوا أفضل حالاً من الذين انصرفوا لأنهم حاضرون فقط بأجسادهم.

 

         دعونا الآن نأتي إلى كلام الإنجيل حتى لا نهدر الوقت في سرد هذه الحجج والمبررات، فقد حان الوقت لنتكلّم في موضوعنا. تيقظوا إذن حتى لا يفوتكم شيءٌ مما أقوله.

 

” والكلمةُ صار جسدًا وحَلَّ بيننا ”.

فبعدما قال إنَّ كل الذين قَبِلوه وُلِدوا من الله وصاروا أبناء الله، يعرض الآن لسبب هذا الشرف غير الموصوف وأساسه. هـذا الشرف هـو أن الكلمةُ

تجسَّد والربُ أخذ شكل العبد. صار ابنُ الإنسان بينما كان وما زال هو ابنُ الله الحقيقي، لكي يجعل أبناء البشر أبناء الله. لأن العظيم عندما يأتي إلى الوضيع، فإنه لا يفقد شيئًا من مجده، بل يرفع الوضيع ويقيمه من وضاعته.

         حسنًا، لقد حدث هذا في حالة المسيح، إذ لم يعترِ طبيعته نقصٌ ما بسبب تنازله إلينا، بل نحن القابعون في المهانة والظلمة رُفعنا إلى المجد الفائق. وهذا هو ما يحدث بالضبط عندما يتعطّف الملك فيتحدّث مع أحد الفقراء بحنوٍ، فهو لا يُسبب لنفسه أي خزي أو عار، بينما يصير هذا الفقير علمًا ويصير ممجدًا من الكل. فإذا كان الأمر على هذا النحو من جانب البشر، فلا يصيب الضرر مَن يتمتع منهم بمكانةٍ عالية إذا ما خالطوا مَن هم أقل منهم في المرتبة، فكم بالأكثر يكون الأمر بالنسبة للجوهر الطاهر والطوباوى، الذي لا يستمد شيئًا من خارجه، وهو غير قابل للتحوّل بل هو يملك كل الصالحات بثباتٍ وعدم تغيُّر!.

 

معنى فعل ”صار”:

         هكذا، عندما تسمع قول الكتاب “الكلمةُ صار جسدًا“، لا يضطرب ذهنك، ولا تشعر بصغر النفس؛ لأن الجوهر الإلهي لا يتغيَّر إلى جسدٍ ـ فمجرد التفكير في هذا يعتبر كفرًا ـ لكنه ظَلَّ كما هو آخذًا شكل العبد.

 

         لقد استخدم الإنجيلي الفعل “صار” لكي يسُدَّ أفواه الهراطقة. لأن هناك مَن يقول إن كل أحداث التدبير الإلهي كانت مجردُ خيالٍ[3]. فلكي يفنِّد ـ مسبقًا ـ تجديفهم، استخدم الفعل “صار” الذي لا يعني أن جوهر الله قد تغيَّر، بل يعني أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا.

 

         وبالمثل تمامًا المكتوب ” المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنةً لنا لأنه مكتوبٌ ملعونٌ مَن عُلِّقَ على خشبة” (غل 3: 13)، فهو لا يعني أن جوهره انفصل عن مجده وتغيَّر إلى لعنةٍ، فمثل هذا التفكير لا يجرؤ عليه، حتى الشياطين، فهو تفكير غبيٌ، وكُفرٌ صريح. هكذا، فالمعنى الصحيح هو أنه قَبِلَ اللعنةَ، ولم يتركنا لنكونَ بعدُ ملعونين.

 

 

هكذا بالمثل، فعندما يقول الكتاب المقدس إنه “صار جسدًا“، فهو لا يعني أنه غيَّر جوهره إلى جسدٍ، لكن اتخذه، بينما ظلّ جوهره كما هو غيرَ مُقَتَرَبٍ إليه.

 

         وإن زعموا أنه إله، وإنه يستطيع فعل كل شيء، وبالتالي يمكنه أن يتغيَّر إلى جسدٍ، نقول لهم: نعم يستطيع أن يفعل كل شيء، على أن يظل إلهًا كما هو. فكيف يكون إلهًا إذا ما اعتراه تغييرٌ، وما بالكم لو كان هذا التغيير للأسوأ؟!!

 

         لا شك أن التغيير يعتبر أمرًا غريبًا على الطبيعة الإلهية الطاهرة، لذلك قال النبي: “مِن قِدَمٍ أسست الأرضَ، والسموات هي عمل يديك. هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوبٍ تبلى، كرداءٍ تغيرهن فتتغيَّر وأنت هو وسنوك لن تنتهي” (مز102: 25ـ27، راجع أيضًا عب1: 11). هكذا، فإنَّ جوهرَ الله فوق أيُ تغييرٍ، ولا يوجد ما هو أسمى منه، وبالتالي يكون مستحيلاً أن يقبل تغييرًا؛ لأنه لن يكون في هذه الحالة “الله”. لذلك دعونا نترك نتيجة هذه التجاديف تحيق بمن ينطقون بها.

 

 

       وأمَّا أنه قيل عنه إنه “صار“، فلكي لا يُظَنُّ أنه مجردُ خيالٍ. وعلينا أن نلاحظ كيف أوضح الأمر بما قاله بعد ذلك. فلكي يفنِّد ظنهم الشرير، أضاف “وحَلَّ بيننا“،

 فلا يأتي على ذهنك أمر سخيف نتيجة استخدامه للفعل “صار” بمفرده، فهو لم يَقُل إن الطبيعة غير المتغيِّرة تغيَّرت، بل قال: حَلَّ، أو سَكَنَ، أو خَيَّمَ. والفعل “خَيَّمَ” يختلف عن كلمة “خَيمة”، إذ هو يعني شيئًا آخر، وإلاَّ فإنه يكون قد خَيَّمَ في ذاته. فهو يعني به الاتحاد بين الكلمة والجسد دون أن يحدث اختلاط أو زوال للجوهر، بل اتحاد لا ينفصلُ إتحاد سري فائق للوصف. أمَّا عن كيف حدث هذا؟ لا تَسَل؛ لأنه ـ فقط ـ “صار” كما أُعلِنَ لنا.

 

ولكن ما المقصود بالخيمة التي خَيَّم أو سكَنَ فيها؟

 

 

اسمع النبي يقول: ” في ذلك اليوم أُقيم مظلة داود الساقطة” (عا9: 11). فقد سقطت ـ حقًا ـ طبيعتنا جثةً هامدةً بلا شفاء، ولا تقدر أن تسُدُّ احتياجها إلاَّ يدُ الله القدير. فلم تكن هناك طريقةٌ أخرى لكي تقوم طبيعتنا البشرية من موتها سوى أن تمسكها نفس اليد التي خلقتها منذ البدء، فتجددها بالولادة الفوقانية من الماء والروح.

 

 

انتبه أيضًا إلى هذا السر العظيم المخفي: إن سُكناهُ في الخيمة سُكنى دائمة. فهو لم يأخذ جسدنا لكي يتركه ثانيةً، بل أخذه ليكون معه على الدوام. وإن لم يكن الأمر على هذا النحو، لمَا جعله مستحقًا للعرش الملوكي، ولا للسجود من جنود الملائكة السماوية ورؤساء الملائكة والكراسي والربوبيات والسلاطين.

 

         وأتساءل: ما هو السبب في كل ذلك؟ أيُ عقلٍ يمكنه أن يصف عِظَم هذا الشرف الذي صار لجنسنا؟ حقًا يا لها من كرامةٍ عظيمةٍ تفوق الطبيعة! هل يستطيع الملاك أن يصف هذا الشرف العظيم؟ هل يستطيعُ ذلك رئيس الملائكة؟ لا أحدَ إطلاقًا لا في السماء ولا على الأرض؛ لأن إحسانات الله عظيمة، وإنجازاته تفوق الطبيعة حتى أن السرد التفصيلي لها يستعصي ـ ليس فقط على اللغة البشرية، بل وعلى القوات الملائكية أيضًا.

 

خاتمة

لذلك دعونا نُنهي حديثنًا حالاً، ونلوذ بالصمت متذكرين أننا رجوناكم أن تتقبلوا ما أنعم به الله عليكم من مكافآت عظيمة، وما يعود عليكم منها من نفع. تلك المكافآت، تنالونها عندما تهتمون بأنفسكم وتنصتون لأقوال الله؛ لأن هذا هو عمل محبته للبشر. فالله لا يحتاج إلينا في شيء، لكنه يغدق علينا نعمته العظيمة عندما نعتني بأنفسنا.

         وإذا كنا نستمتع بهذه الكرامة، دون أن نقدم ما هو في مقدورنا، ألا نكون مستحقين لأنْ نُتهم بالجنون؟

 

 

 

إنَّ الآلاف من الخيرات الصالحة تنتظرنا بسبب مجيء الله إلينا بالجسد. لأجل كل هذا، ليتنا نمجِّد الله محب البشر، ليس فقط بالكلام، لكن بالحري بالأعمال لكي نستمتع بالخيرات الصالحة التي هي من نصيب الكل بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح للبشر، الذي نعطي له المجدَ مع الآب في الروح القدس إلى الأبد آمين.

 

 

 

(2)
”ورأينا مجدَهُ مثل مجد ابنٍ وحيدٍ لأبيه مملوءًا نعمةً وحقًا”[4]
(يوحنا 1: 14)

 

كل ما أريده هو فائدتكم:

         قد يبدو لكم أننا نسبِّب لكم ضيقًا، إذ اتهمنا أكثركم ـ في المرة السابقة ـ بالتراخي والخمول. فما استهدفنا من إحزانكم ومضايقتكم، سوى مصلحتكم، لذا فقد احتمينا بالنعمة التي في الكلمة، فإن كنتم لا تقبلون ما قلناه، فاغفروا لنا لأجل محبتنا الكبيرة لكم.

         ولأنني أخشى ألاَّ تكونوا على استعدادٍ لسماعنا بالرغم من جهودنا المضنية لأجل إفادتكم، فإنني لا أُبرِّيءُ نفسي من المسئولية، لذا أجدني مضطرًا أن استحثكم وأوقظكم باستمرار حتى لا تضيع أقوالي هباءً. خصوصًا وأنا حريصٌ أن تكون لديكم القدرة والدالة على أن تحضروا في ذلك اليوم أمام المسيح.

         حسنًا، نكتفي بهذا الكلام، ودعونا ـ الآن ـ نُبحر معًا في كلمات الإنجيل.

                   

رأينا مجده:

لقد قال الإنجيلي يوحنا: ” ورأينا مجده مثل مجد ابنٍ وحيدٍ لأبيه“، وحيث سبق أن قال إننا صرنا أولاد الله، وإنَّ هذا لم يَصِر بطريقةٍ أخرى إلاَّ ـ فقط ـ بتجسُّد الكلمة، فإنه أخذ يذكر لنا فائدةً أخرى أخذناها من تجسُّد الكلمة، فما هي هذه الفائدة؟

 

”رأينا مجده مثل مجد ابنٍ وحيدٍ لأبيه”:

         فلو لم يظهر بجسده الذي اتحد به، لكان من المستحيل رؤيته.

         وإذا كان اليهود لم يقدروا أن يروا فقط وجه موسى الممجَّد، للدرجة التي احتاج البار فيها أن يغطي وجهه ببرقعٍ حتى يتمكن من تغطية ذلك المجد الفائق، وهو الأمر الذي جعل وجه النبي هادئًا ومألوفًا ووديعًا، نقول إذا كان الأمر على هذا النحو بالنسبة لموسى، رغم أنه كان من نفس طبيعتنا، فكيف يمكن لنا ـ نحن المجبولون من التراب والأرضيون ـ أن نحتمل رؤية الإلوهية عارية، تلك التي لا يستطيع أحدٌ ـ حتى القوات السماوية ـ الاقتراب منها؟

         لذلك حَلَّ وسكن داخلنا لكي نستطيع أن نقترب إليه بحريةٍ، ونتحاور معه ونصير فى أُلفة معه.

         لكن ماذا يعنى قوله: ” مثل مجد ابنٍ وحيدٍ لأبيه“؟

         لقد تمجَّد كثيرٌ من الأنبياء، وعلى سبيل المثال: موسى (خر34: 29ـ35)، وإيليا النبي (2مل2: 11)، وأليشع النبي، وداود النبي والثلاث فتية، وآخرون كثيرون غيرهم صنعوا معجزات. وكذلك الملائكة الذين ظهروا وكشفوا للبشر نور طبيعتهم البراق، وليس الملائكةُ فقط، بل والسيرافيم أيضًا ظهروا بمجدٍ عظيم. فلكي يبعدنا الإنجيلي عن هؤلاء، ولكي ينأى بتفكيرنا بعيدًا عن لمعان الخليقة المشتركة معنا في العبودية، فإنه يضعنا مباشرةً في قمة الصالحات. وكأن الإنجيلي يقول إن ما نراه ليس هو مجدَ نبيٍ، ولا ملاكٍ، ولا رئيس ملائكةٍ، ولا مجد قوات عظيمةٍ، ولا طبيعةٍ مخلوقةٍ أخرى ـ إذا كانت توجد أخرى ـ لكنه مجد الرب نفسه، الملك نفسه، الابن الوحيد الحقيقي نفسه، ربنا نفسه.

         أمَّا استخدام أداة الربط “مثل” أو “كـ”، فهي لا تعني أنه يشبه ابنًا وحيدًا لأبيه، بل على العكس، التأكيد على أنه ابنٌ وحيدٌ؛ لأنهم قالوا: رأينا مجدًا عظيمًا، وهو وصفٌ طبيعيٌ باعتبار أن هذا المجد هو مجدُ وحيدِ الجنس، وابن الله الحقيقي الذي هو ملك الكل.

 

         وتعبير “مثل”، أو “كـ” هو تعبيرٌ معتادٌ عند الكثيرين. ولأنني حريصٌ على حمايتكم بكافة الطرق، لا أتردد مطلقًا في أن استند إلى ما هو معتادٌ عند الكثيرين، رغم أنني لا أريد أن أتحدث إليكم بكلماتٍ منمقةٍ، أو مسجوعةٍ، لأن كل ما أريده هو فائدتكم، لذا لا أجدُ غضاضةً في استخدام الأساليب المعتادة عند الآخرين في حديثي إليكم، فما هي عادة هؤلاء الكثيرين؟

 

         يحدثُ كثيرًا عندما يرى أُناسٌ منكم ملكًا بهيًا مرتديًا لباسه الملوكي المُزَيّن، والمُرَصْع بالأحجار الثمينة من كل جانب، أن يقصُّوا ما رأوه للآخرين، فيحكون لهم عن بهاء الملك، وجمال لباسه وزينته، ويبدءون يستعرضون كل ما يمكن أن يصفوه، فعلى سبيل المثال: يصفون لون الرداء الخارجي، كمية الأحجار الثمينة، نظافة الأحصنة، وسروجها المطعمة بالذهب، ومن ثمَّ يلخِّصون كل ما يقولونه في عبارة “مثل ملك”، وكلمة “مثل” هنا لا يقصدون بها أنه يشبه الملك، بل يعنون الملك الحقيقي نفسه.

 

         وهكذا، فاستخدام كلمة “مثل”، يراد بها إعلان مجده وعظمته التي لا مثيل لها؛ لأن الآخرين: الملائكة ورؤساء الملائكة والأنبياء، مُجِّدوا لأنهم صنعوا كل ما أُمروا به، أمَّا المسيحُ فقد فعل كل شيءٍ كمَن له سلطان يتفق مع كونه ملكًا وربًا. وهذا ما أثار عجب الجموع عندما كان يعلِّمهم؛ لأنه كان يعلِّمهم كمَن له سلطان.

 

المسيح رب وسيد على الكل:

فظهور الملائكة إذن ـ كما سبق أن قلت ـ بمجدٍ على الأرض في زمن دانيال وموسى ـ على سبيل المثال ـ كان بأمر سيدهم كعبيدٍ وخدم، بينما صنع المسيح كل شيءٍ بكونه ربًا سيدًا على الكل، بالرغم من ظهوره للبشر في شكلٍ متواضعٍ، إذ أخذ شكل العبد؛ وذلك حتى تعرف الخليقة خالقها. ولكن كيف حدث ذلك؟

          لقد أظهر نجمًا في السماء يدعو المجوس للسجود له،

         وانتشر حشدٌ من الملائكة في كل مكان يسبِّحون الرب،

         بينما طار حشدٌ آخر يبشِّر الرعاة الذين كانوا يقيمون في المدينة.

         أيضًا غبريال الملاك بشَّر أليصابات،

         وحنة وسمعان اللذين كانا في الهيكل.

         وليس فقط الرجال والنساء أخذوا يقفزون فرحًا،

         لكن الجنين الذي لم يكن قد نزل بعدُ إلى النور،

         ساكن البرية، الذي سُمي باسم يوحنا،

         ارتكض وهو في بطن أمه،

         والجميع كانوا في غاية الفرح والسعادة بسبب اشتياقهم إلى كل ما كانوا يتطلعون إليه من جرَّاء هذا الحدث.

 

 

الآب يشهد له:

         هذه الأمور التي أتينا على ذكرها كانت على علاقة مباشرة بميلاد المسيح. لكن عندما أظهر نفسه علانيةً صارت أيضًا معجزاتٍ أخـرى أعظـم. فالـذي

شهد له ليس نجمًا في السماء، ولا الملائكة، ولا رؤساء الملائكة، ولا غبريال، ولا ميخائيل، بل الآبُ نفسه من السماء ومعه الروح القدس وصوتٌ آتٍ من السماء.

 

ملك السموات جاء وصنع معجزات:

         لأجل ذلك ـ حقًا ـ قالوا: ” رأينا مجده مثل مجد ابنٍ وحيدٍ لأبيه“. وليس لأجل ذلك فقط، لكن بسبب كل الأمور التي صارت فيما بعد. لأن البشارة المفرحة لم تُنقل فقط إلى رعاةٍ، أو أرامل، أو شيوخ، لكن ما أتاه المسيحُ كان ينطقُ بشدةٍ كما من بوق، “ فذاع خبره في جميع سورية” (مت4: 24).

الكل في كل مكان صرخ قائلاً إن ملك السموات جاء.

حتى الشياطين هربت في كل الأحوال وتقهقرت.

هكذا تراجع إبليس،

والموت الذي كانت بصماته ـ منذ البدء ـ

منطبعةً في كل مكان،

اختفى تمامًا،

وكل نوعٍ من المرض شُفي،

وتحررت قبور الأموات،

كما حُرِرَ الممسوسين من رباطات الأرواح الشريرة،

ونال المرضى الشفاء من أمراضهم،

والمرءُ رأى أمورًا عجيبةً وغريبةً اشتهى الأنبياء أن يروها.

 

    فقد شاهد الناس عيونًا تخُلَق، فيما كانوا يتوقون لمعرفة ورؤية كيف خلق الله آدم من التراب. وهذا هو ما فعله المسيح في برهة خاطفة من الزمن، حين خلق جزءًا ضروريًا وهامًا للجسد أى العين.

         لقد رأت الجموع أيضًا مشلولين وبعض مقطوعي الأعضاء تدب فيهم الحياة:

أيدٍ يابسةٍ تتحرك،

أرجل مشلولةٍ تقفز،

آذانٍ صمَّاء تُفتح،

وألسنةٍ تصرخ بأعلى صوتها،

بعد ما كانت مقيدةً بالصمت.

         لقد كان مثل مهندسٍ ممتازٍ، أخذ طبيعة البشر ـ التي كانت تشبه مسكنًا آيلاً للسقوط ـ فأكمل أعضاءها المقطوعة وعالج كسورها.

 

شفاء النفوس وقيادتها للسماء:

         وما الذي يمكن للمرء أن يقوله عن النفس التي هي أكثر عجبًا وغرابةً من الجسد؟ فصحة النفس أمرٌ أهم من صحة الجسد؛ لأن طبيعة الأجساد تبقى على حالها كما أراد لها الخالق، في حين أن النفس يمكنها أن تسيطر على ذاتها، ويمكنها أيضًا أن ترفض ما يريده الله لها، وبالتالي فهي تتحمل المسئولية عن أعمالها. ولأن الله لا يرغب أن تفعل شيئًا دون أن تريده، فهو لا يُكرِهُها على أن تكون فاضلةً وصالحةً؛ لأن ما تأتيه من صلاحٍ ـ في هذه الحالة ـ لا يُعتبر صلاحًا ولا فضيلةً. فهكذا ينبغي أن ترغب النفس فى ممارسة الفضيلة حرةً مختارةً، ومن هنا، فشفاء النفوس أصعب من شفاء الأجساد.

وكما جعل الأجساد المريضة تتعافى وتشفى شفاءً ساميًا،

هكذا لم يكتفِ بتحرير النفوس من الأهواء الشريرة،

بل قادها إلى سماء السموات:

هكذا صار العشَّارُ رسولاً.

ومَن كان يضطَهد ويشتم صار كارزًا للمسكونة.

 

والمجوس صاروا معلمين لليهود.

واللص صار من سكان الفردوس.

والزانية قَبِلها لأجل إيمانها.

والسامرية والمرأة الكنعانية:

الأولى كرزت لأهل مدينتها بالمسيح،

 فخرجوا من المدينة وأتوا إليه،

أمَّا الأخرى،فبإيمانها وإصرارها

جعلت المسيح يطرد الروح النجس من ابنتها.

وآخرون في حالة أسوأ من حالات السابقين،

صاروا ضمن صفوف التلاميذ.

المتألمين جسديًا ومرضى النفوس تعافوا معًا،

واتجهوا ناحية الفضيلة بثبات.

هذا التحوُّل لم يقتصر فقط على اثنين أو ثلاثة، ولا خمسة ولا عشرة، ولا حتى لمائة من البشر،

لكن مدنًا بكاملها وأممًا تحوَّلت بسهولة.

 

المسيح مشرِّع الناموس الأفضل:

         وما الذي يمكن للمرء أن يقوله عن حكمة وصايا المسيح وكمال النواميس السماوية والأخلاق والسلوك الملائكي؟ إن مثل هذه الحياة أُظهرت لنا، وهذه النواميس وُضِعت لأجلنا، وهذا النوع من السلوك عُيِّن لنا، حتى إذا ما سلكنا فيه نصير مثل الملائكة، ومتشبِّهين بالله، حتى لو كنا أسوأُ مَنْ في البشر.

         إذن، عندما جمَّع يوحنا الإنجيلي كم هذه المعجزات التي صنعها المسيح للأجساد والنفوس، وعناصر الطبيعة، وكذلك تعاليمه ووصاياه، وعطاياه السماوية الفائقة الوصف، وكذلك السلوك الأخلاقي الذي نادى به، وحجته وفصاحته، ووعوده بالخيرات العتيدة، وكذلك أيضًا آلامه، طفر يصرخ قائلاً: ” رأينا مجده مثل مجد ابنٍ وحيدٍ لأبيه مملوءًا نعمة وحقًا“.

 

 

رأينا مجده في آلامه:

وهكذا، نحن لا نمجده بسبب معجزاته فقط، ولكن بسبب آلامه أيضًا، إذ سُمِّر على الصليب، وجُلِدَ وطُعِنَ وبُصِقَ في وجهِهِ، وارتضى أن يُلطم على خديه من الذين أحسنَ إليهم. وبالرغم من أن هذه الأمور تعتبر جديرةٌ باللوم،

إلاَّ أننا سوف نستخدم ذات الكلمة التي قالها الإنجيلي: “رأينا مجده“؛ لأن كل ما صار للمسيح لم يكن فقط مجردُ إعلان لمحبته وعنايته بنا فقط، بل أيضًا إعلانٌ لقوته التي لا تُوصَف إذ أن:

 

الموتُ انحلَ،

واللعنةُ زالت،

والشياطين فُضِحَت وأُهينت

وشُهِّر بها جهارًا في موكب نصرة المسيح

لمَّا سَمَّر صك خطايانا على الصليب.

 

رأينا مجده في قيامته:

         لقد تمّمَ كل هذا، وإن كان بعضُ ما تمّمَهُ لم يتم علانيةً، لكن ما حدث قد برّهن أنه حقًا كان ابنًا وحيدًا لله، وربًا لكل الخليقة: فبينما كان جسده الطوباوي مازال معلقًا على الصليب، أخفت الشمس شعاعها، والأرض ماجت والظلمة غطتها، والقبور تفتحت والأرض تشققت، وقام حشدٌ كبير من الأموات وجاءوا إلى المدينة المقدسة.

 

         وبينما كانت أحجارُ قبره ما تزال في مكانها والأختام عليها، قام المائت الذي صُلِب وسُمِّر، وملأ تلاميذه بقوة عظيمة، ومن ثمَّ أرسلهم إلى الناس في كل المسكونة ليصيروا أطباء للطبيعة البشـرية. لقد قاموا ليُلقوا بذار معرفة الحقائق السماوية في كل بقعةٍ من الأرض، وأبطلوا طغيان الشياطين، وصنعوا الخيرات العظيمة الغير الموصوفة، وبشَّرونا بخلود النفس والحياة الأبدية للجسد، وبمكافآت تفوق العقل لا نهاية لها.

 

         هذه الأمور، وأكثر منها كانت في ذهن الإنجيلي يوحنا. لقد عرفها، ولكن لم يستطع أن يكتبها كلها لأن العالم كله لا يمكنه أن يتسع لها “ لأن أشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كُتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يو21: 25). وبينما كان يتأمَّل كل هذا صرخ مناديًا: ” رأينا مجده مثل مجد ابنٍ وحيدٍ لأبيه مملوءًا نعمةً وحقًا“.

 

نرى مجده عندما نحيا في المسيح:

وبالتالي، فأولئك الجديرون أن يروا مثل هذه المشاهد، ويسمعوا مثل هذه العظات، ويستمتعوا بالعطية العظمى، ينبغي عليهم أن يعيشوا حياتهم على قياس قيمة هذه الحقائق، لكي يستمتعوا هناك بالخيرات السماوية، فقد أراد ربنا يسوع المسيح أن نرى مجده، ليس فقط هنا، بل ومجده الأبدي أيضًا هناك حين قال: “ أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني” (يو17: 24).

 

المجد الفائق هناك:

وإذا كان مجده ـ هنا على الأرض ـ ظاهرًا ولامعًا جدًا، فما الذي يمكن أن يقوله المرء عن ذاك المجد الذي سيظهر من السماء؛ فهو لن يظهر على هذه الأرض الفانية، ولا نحن سنكون في أجسادٍ فانية، لكن ظهوره سيكون في الخليقة غير الفاسدة وغير الدنسة، وفي بهاءٍ عظيم لدرجة لا يمكن للمرء معها أن يعبَّر عنها بالأقوال.

يا من كنتم جديرون سابقًا أن تشاهدوا ذلك المجد! أنتم الذين يقول النبي عنكم: ” يُرحم المنافق ولا يتعلم العدل. في أرض الاستقامة يصنع شرًا ولا يرى مجد الرب” (إش26: 10).

 

تيقظوا:

         أحث كل واحدٍ منكم ألاَّ يكون نصيبه الهلاك، وألاَّ يكون مصيره عدم رؤية هذا المجد؛ لأنه إن كنا لن نستمتع به، فأحرى بنا أن يقال لنا: خيرٌ لنا لو لم نولد. لأنني أتساءل عندئذ: لماذا نعيش؟ لماذا نتنفس؟ ما هو سبب وجودنا في هذه الحياة أن كنا لن نرَ ذلك المجد الإلهي؟

 

 

إن كان الذين يُحرمون من رؤية نور الشمس يتكبدون في حياتهم متاعب كثيرة، فما بالك بما يعانيه الذين يحرمون من رؤية النور الإلهي؟

 

         إن عدم رؤية الشمس يسبب الضرر هنا على الأرض فقط، أمَّا هناك فالضرر لا يتوقف عند هذا الحد. إن العقاب لن يكون واحدًا، بل يكون هناك أكثر سوءًا بقدر سمو تلك الشمس الإلهية عن هذه الأرضية. فمَنْ لا يرى النور الإلهي يُقاد إلى الظلمة، ويُحرقٌ حرقًا أبديًا، ولسوف تنتابه حالةً من الرعب، فيُصِرُّ على أسنانه، ويعانى أشد معاناة.

 

ليتنا لا نتغافل عن ذواتنا تاركينها تسقط في الجحيم الأزلي بهذا التراخي والتنعم المستمر. دعونا نتيقظ، دعونا نُسكِّن قلوبنا. ليتنا نجاهد بكافة الطرق لكي نتمتع بالمجد الإلهي ونبقى بعيدًا عن بحيرة النار الموجودة حول المنبر الرهيب. فالذي يسقط فيها مرةً، سيبقى هناك للأبد، ولن يُستثنى أحدٌ من الجحيم، لا الأب، ولا الأم، ولا الأخ، وهذه الأمور قد سبق أن نادى بها الأنبياء، فقد قال أحدهم:” الأخ لن يفدي الإنسان فداءًا، ولا يعطي الله كفارةً عنه” (مز 49: 7). وحزقيال النبي يقول ما هو أفظع: “ وكان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب، فإنهم يخلصون أنفسهم ببرهم يقول السيد الرب، فحيٌ أنا يقول السيد الرب إنهم لا يخلصون بنين ولا بنات. هم وحدهم يخلصون والأرض تصير خربة” (حز14:14، 16).

توجد هناك ضمانة واحدة، هي صنع مشيئة الله. ومن ليس له هذه الضمانة، ليس له أمكانية الخلاص بأية طريقة أخرى.

         فلنتعقل إذن ونضع في أذهاننا مثل هذه الأمور. وليتنا نطهِّر حياتنا ونجعلها بهيةً حتى نمتلك الدالة التي بها نرى الرب ونتمتع بالخيرات التي وعدنا بها بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح، الذي به وله نعطي المجد مع الآب والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1] العظة العادية عشر على إنجيل يوحنا

[2] بالطبع لم تكن عمليات الطباعة قد اكتُشفت فى ذلك الوقت وكانت عملية نسخ الكتاب المقدس مكلفة جدًا ولا يقدر عليها سوى الأغنياء.

[3] لقد حارب القديس يوحنا الإنجيلى هذه الهرطقة التى علّم بها هؤلاء “الخياليون”، ليس فقط فى إنجيله بل أيضًا فى رسائله: ” كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد فليس من الله” (1يو3:4).

[4] العظة الثانية عشر على إنجيل يوحنا.

 

تجسد ورأينا مجده – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

(عظة 83 على يوحنا1:18ـ37)

” قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه ” (يو18: 1).

 

ذهب إلى الألم بإرادته[1]:

يعتبرُ الموت أمرًا رهيبًا يبعث على الخوف الشديد، ولكن ليس للذين يعرفون الحكمة السمائية. فالموتَ يعتبر انحلالاً ونهايةً للحياة للذين ليس لديهم معرفةً واضحةً عن الأمور المستقبلية. لذا يكون من الطبيعي أن يرتعبوا ويخافوا على أساس أنهم ماضون نحو العدم. أمَّا بالنسبة لنا نحن الذين تعلمنا ـ بنعمة الله ـ الأمور غير المعروفة وخفايا حكمته، فنعتبر الموت انتقالاً من هذه الحياة الحاضرة إلى الحياة الأخرى. لذا ليس من الصواب أن نرتعب، بل أن نفرح ونبتهج. لأننا، إذ نترك هذه الحياة الفانية، ننتقل إلى الأخرى. إلى حياة أفضل جدًا وأكثر بهاءً وبلا نهاية.

هذا هو ما علَّمه المسيح بأعماله، فقد ذهب إلى الألم ليس عن قهر أو إجبار، بل بإرادته. ” قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون حيث كان بستانٌ دخله هو وتلاميذه، وكان يهوذا مسلِّمه يعرف الموضع لأن يسوع اجتمع كثيرًا مع تلاميذه” (يو18: 1ـ2). لقد تمشى في منتصف الليل، وعبَر الوادى، وسار ليذهب إلى المكان الذي كان معروفًا للخائن. هكذا لم يُتعب أولئك الذين تشاوروا معه (أي مع يهوذا) وجنَّبهم التعب والحيرة بشأن المكان الذي يوجد فيه. وبذلك برهن لتلاميذه على أنه أتى إلى المكان الذي سوف يُلقى فيه القبض عليه، بإرادته، الأمر الذي يمكن أن يعزِّيهم. وجاء بنفسه إلى البستان، كما لو كان يتعمد أن يسلِّم نفسه إليهم.

هذا هو ما يعنيه بقوله: ” قال يسوع هذا“. لقد كان يتحدث مع بطرس بالتأكيد. وبالتأكيد كان يصلِّي. وأتساءل: لماذا أوقف الصلاة، وأتى للتو إلى هناك؟ لقد فعل ذلك، لأنه لم يكن يصلِّي، بل كان حديثًا صار لأجل التلاميذ الذين ذهبوا معه إلى البستان. وبهذه الطريقة خلَّصهم من الخوف، حتى لا يعترضوا على ما سمعوا منه[2]، بل يذهبوا معه إلى البستان.

أيضًا نتساءل كيف ذهب يهوذا هناك؟ من أين عَرِفَ المكان؟ واضحٌ تماماً أن المسيح ـ في مراتٍ كثيرة ـ كان يقضي الليل في هذا المكان. ولم يكن من الممكن أن يأتي يهوذا إلى هذا المكان الهادئ، لو كان المسيح يقضي وقته دائمًا في البيت. هكذا ذهب يهوذا إلى البستان وهو يأمل أن يرى المسيحَ نائمًا. وعندما تسمع كلمة “بستان”، لا تعتقد أنه اختفى. لذلك فقد أضاف يوحنا الإنجيلي قائلاً:    “وكان يهوذا مسلِّمه يعرف الموضع” (يو18: 2). وليس مجرد أنه يعرفه، بل “ لأن يسوع اجتمع هناك كثيرًا مع تلاميذه” (يو18: 2). فقد كان ينتقل مراتٍ كثيرة مع هؤلاء التلاميذ إلى أماكن خاصة لكي يتحدث معهم عن أمور ضرورية، لا يجب أن يسمعها الآخرون. كان يفعل هذا الأمر على الجبال وفي البساتين. كان يطلب دائمًا مكانًا هادئًا بلا ضوضاء حتى يهيئ عقولهم لسماع حديثة.

 

فأخذ يهوذا الجند وخدامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح ” (يو18: 3).

كثيرًا ما أرسلوا إليه أُناسًا لكي يقبضوا عليه لكن لم يتمكنوا. بالتالي، فمن الواضح آنذاك، أنه سلَّم ذاته بإرادته. ولكن، كيف اقنعوا كل هذه العُصبة أن يفعلوا هذا الأمر؟

هذه العُصبة كانت من رجال اعتادوا أن يعملوا جنوداً مقابل أموال. ” فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم مَنْ تطلبون“. هكذا لم ينتظر أن يعرف منهم لماذا أتوا، لكنه تحدث إليهم وفعل كل شيء دون أي اضطراب، فقد كان يعرف كل ما سيحدث. لكني أتساءل لماذا أتوا بأسلحة لكي يقبضوا عليه؟ ربما خافوا من أتباع يسوع؛ لأجل هذا أتوا ليلاً.

 

قوة يسوع لا تُقهر:

وقال لهم مَن تطلبون، فأجابوه يسوع الناصري“. أرأيت القوة التي لا تُقهر، كيف أعمىَ عيونهم بمجرد حضوره بينهم؟ لم يكن الظلام هو سبب عماهم؛ لأن الإنجيلي قال إنه كانت لديهم مصابيح. ولكن، وإن لم تكن لديهم مصابيح، كان يجب أن يعرفوه من صوته. لأنه وإن كان أولئك لم يعرفوه، فقد عرفَه يهوذا، الذي كان قريبًا منه باستمرار.

إذن، فطالما كان موجودًا معهم، وسقط معهم على الأرض، فإن هذا يبرهن على أنهم ـ ليس فقط ـ لم يتمكنوا من القبض عليه، بل ولا حتى استطاعوا أن ينظروا إليه ـ على الرغم من أنه كان موجودًا بينهم ـ إن لم يسمح هو نفسه بهذا.

أيضًا يقول ” مَن تطلبون؟” يا له من جُبن شديد! كلامه أسقطهم على الأرض وهكذا تراجعوا. ولكن، على الرغم من أنهم اختبروا قوته العظيمة جدًا، إلاَّ أن ذلك لم يمنعهم من الهجوم عليه. وعندما أتموا كل ما كانوا قد عزموا أن يفعلوه، عندئذٍ سلَّم نفسه وقال لهم    ” أنا هو. وكان يهوذا مسلِّمه أيضًا واقفًا معهم“.

 

دعوا هؤلاء يذهبون:

لاحظ حكمة الإنجيلي يوحنا واعتداله، كيف أنه لم يشتم الخائن، بل سرد الحدث بهدف أن يُثبت أمرًا واحدًا فقط، هو أن كل شئ حدث لأن يسوع سمَح به. ولئلا يقول أحدٌ إن يهوذا هو الذي دلَّهم عليه، لذلك سلَّم ذاته. لقد اقتصر عمل يهوذا على أنه قد أظهره لهم، ورغم أن المسيح تركهم يفعلون كل ما كان مسموحًا به لهم، استمروا في شرهم دون أن يكون لديهم مبرر لذلك. عندئذ سلَّم ذاته قائلاً ” فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون“، مُظهرًا بذلك محبته لهم حتى آخر ساعة، وكأنه يقول: إن كنتم تطلبونني، فليس هناك شيئًا تأخذونه من هؤلاء؛ لأنني أنا أُسلِّم نفسي ” ليتم القول الذي قاله إنَّ الذين أعطيتني لم أُهلِك منهم أحدًا“. الهلاك هنا ليس موتهم الجسدي فقط، بل والأبدي أيضًا. والإنجيلي كان حاضرًا لهذا الموقف، وعاين تلك اللحظة.

وقد يُدهش أحدكم، كيف لم يُقبض عليهم معه، وكيف لم يُقتَلوا، خاصة في اللحظة التي فيها بَثَّ بطرس فيهم الجرأة بما فعله مع عبد رئيس الكهنة؟ مَنْ ـ إذن ـ الذي منعَّهم؟ لا احد إلاَّ تلك القوة التي طرحتهم على الأرض، الأمر الذي أظهره الإنجيلي بكل وضوح. فلم يمتنع اليهود بإرادتهم عن أن يسبّبوا أذىً للتلاميذ، بل كان الأمر رهنًا بقوة المقبوض عليه وقراره، لذلك أضاف: ” ليتم القول الذي قاله إن الذين أعطيتني لم أُهلِك منهم أحدًا“.

 

شجاعة بطرس وموقف يسوع:

لقد نال بطرس جرأةً وشجاعةً من أقوال المسيح. وهكذا فإن ما حدث هو أنه صار قويًا فى مواجهة أولئك الذين أتوا ضدهم. ولكن، كيف لمَنْ أخذ وصيةً ألاَّ يمتلك كيسًا ولا ثوبين، أن يمتلك سكينًا؟

أنا أظن أنه تجَهَّز منذ فترة؛ لأنه كان يخاف من وقوع هذا الحدث. لكن إن قُلت: كيف لمن أخذ وصيةُ ألاَّ يلطم، أن يصير قاتلاً؟ أقول: بالتأكيد، لقد أخذ وصيةً ألاَّ يدافع عن نفسه، بيد أنه لم يكن هنا يدافع عن نفسه، بل عن معلمه. إضافةً إلى أنهم لم يكونوا ـ بعد ـ كاملين روحيًا.

لكنك، إذا أردت أن ترى صلابة بطرس، فسوف تراه بعد ذلك يتحمل الأذى بوداعة، ويكابد آلامًا لا حصر لها دون أن يغضب.

يسوع هنا يصنع المعجزات، وفي نفس الوقت يُعلِّم أنه يجب أن نُحسن لمن يسيئون إلينا، ويعلن قوته، لذلك أرجع أُذن العبد. وأمَّا بطرس فقد قال له ” لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون” (مت26: 52). وكما فعل بالضبط عند غسل أرجل التلاميذ، فقد أطفأ شِدة حماسه وغيرته عليه، هكذا هنا.

وقد أضاف الإنجيلي اسم العبد؛ لأن ذلك كان ضروريًا جدًا، ليس فقط لأنه شفى هذا العبد، بل لأن هذا العبد كان ضده، وقد لطمَّه، وبذلك أوقف المسيحُ الغضب الذي كان مشتعلاً ضد التلاميذ من جراء هذه الحادثة. وقد ذكر الإنجيلي اسم العبد حتى يعطي فرصةً للذين لا يعرفون هذه الأمور أن يناقشوها ويبحثوا إن كانت قد حدثت بالفعل أم لم تحدث. ولم يذكر الأذن اليُمنى مصادفةً، بل لأنه أراد أن يُظهِر اندفاع الرسول، أي أنه هوى بالسيف على رأسه. ولكن يسوع، لم يضبط اندفاع بطرس بالإنذار فقط، بل عزاه بكلام آخر قائلاً:     ” الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها“، وهكذا يظهر ـ مرةً أخرى ـ أن الحدث لم يكن نتيجة قوة أولئك، بل بسبب أنه سمَح به، ولكي يُعلن أنه لم تكن له إرادة ضد إرادة الله، بل أطاع أبيه حتى الموت.

 

أمام حنان:

ثم أن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع وأوثقوه ومضوا به إلى حنَّان“. لماذا “إلى حنَّان”؟ لقد وجهَّوا الأحداث كما لو كانوا يحتفلون بنصرٍ، ويقيمون نُصبًا تذكاريًا للفوز. ” لأنه كان حما قيافا الذي كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة. وكان قيافا هو الذي أشار على اليهود أنه خير أن يموت إنسانٌ واحدٌ عن الشعب“.

ولماذا يُذَّكرنا الإنجيلي بهذه النبوة؟

لكي يبرهن على أن هذه الأمور صارت لأجل الخلاص. ولكي يبرهن أيضاً على أن الحقيقة عظيمة جدًا، حتى أن الأعداء أنفسهم تحدثوا عنها. ولكي لا يتشكك أحدٌ ـ عندما يسمع عن القيود ـ أنَّ خلاص العالم تم بموته.

 

تواضع يوحنا الحبيب:

وكان سمعان بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع“. مَن هو     ” التلميذ الآخر“؟ هو الذي كتب هذه الأقوال (يوحنا الإنجيلي). ولماذا لم يُسمِ نفسه؟ لأنه عندما ذكر أنه اتكأ على صدر يسوع، أخفى اسمه. ولماذا فعل هذا الآن؟ لأجل السبب ذاته. فبما أن الجميع ابتعدوا وهربَّوا، أمَّا هو فقد تبعه، فالحديث هنا عن إنجاز عظيم، لذلك أخفى ذاته. وهو يذكر بطرس أولاً، لكي تعلم أنه يسرد الأحداث بدقة شديدة، إذ كان يتابع الأحداث من دار الولاية، أي من الداخل، ولم يكن لازمًا أن يذكر اسمه. ولاحظ أنه لا يمدح نفسه، حتى لا يقول أحدٌ ها هو يثني على نفسه. ولكن كيف دخل إلى دار الولاية، وسبق بطرس في الوقت الذي هرب فيه الجميع؟ يقول: “وكان ذلك التلميذ معروفًا عند رئيس الكهنة“. وهو يقول ذلك، حتى لا ينبهر أحدٌ بسبب إتباعه للمسيح، ولا يمدحه لأجل شجاعته. ولكن تجدر الإشارة إلى ما حدث لبطرس، فعلى الرغم من أنه كان خائفًا، فإنه وصل إلى الدار الخارجية، في الوقت الذي هرب فيه الآخرون. وقد كان هذا برهانًا على شوقه ومحبته.

 

بطرس يتابع مشهد الآلام وينكر المسيح:

أمَّا فيما يختص بعدم دخوله الدار الداخلية، فهذا يرجع إلى الصراع الذي كان يعتمل بداخله. وهكذا أتى الإنجيلي على ذكر كل هذه الأحداث، وربطها معاً لكي يهيئ الأمر للحديث عن إنكار بطرس. لذا لم يُشِر إلى نفسه بأي شيء هام، سوى فقط، أنه كان معروفًا لرئيس الكهنة، لذا ” دخل مع يسوع“. وحتى لا تعتقد أنه ذو شأن كبير، أشار إلى السبب (أي سبب دخوله). الأمر الذي كان يمكن أن يساعد بطرس على الدخول، وهذا هو ما أظهره فيما بعد.

فعندما دخل يسوع طلب يوحنا من البوابة أن تسمح لبطرس بالدخول. وللتو دخل بطرس. أمَّا لماذا لم يقم هو بإدخال بطرس للداخل؟ فلأنه كان ملتصقًا بالمسيح وملازمًا له، لذلك طلب من البوابة أن تقوده إلى الداخل. فماذا قالت المرأة؟ “ ألست أنت أيضًا من تلاميذ هذا الإنسان؟”

ماذا قُلت يا بطرس؟

ألم تقل من قبل أنني سوف ” أضع نفسي عنك“؟ (يو13: 27).

إذن ماذا حدث، حتى أنك لم تستطع أن تحتمل سؤال البوابة؟

فقد يكون مقبولاً أنك لا تحتمل السؤال لو كان مَن سألك جنديًا؟

أو كان واحدًا من الذين قبضوا على يسوع؟

ولكن التى سألتك كانت مجرد بوابة، في أدنى الدرجات الوظيفية.

ولم يكن سؤالها وقحًا؛ لأنها لم تقل إنك تلميذ هذا المضلل والمدمر، بل ” تلميذ هذا الإنسان“، الأمر الذي يعنى أنها امرأةٌ ممتلئةٌ عطفًا وحزنًا عليه. لكن بطرس لم يحتمل شيئًا من مثل هذا. ” ألست أنت؟” قالت هذا لأن يوحنا كان داخل دار الولاية. لقد تحدثت المرأة مع بطرس بتحفظٍ شديد. لكنه لم يُدرك شيئًا من هذا كله، ولا خطر على باله. ولا حتى عندما أنكر في المرة الأولى. ولا أيضًا في المرة الثانية. ولا في المرة الثالثة. ولا حتى صياح الديك جعله يتذكر، إلى أن حانت اللحظة التي فيها نظر إليه يسوع بنظرةٍ مملوءة بالحزن، بينما كان واقفًا هناك يستدفئ مع عبيد رئيس الكهنة، وكان المسيح مقيدًا بالداخل.

 

رئيس الكهنة يستجوب المسيح:

هذا نقوله، ليس لكي ندين بطرس، بل لكي نُظهر حقيقة الأقوال التي قالها المسيح:” فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعاليمه“.

         يا له من خبثٍ فظيع!

         فبالرغم من أنه كان يسمع أن يسوع يتحدث دائًما في الهيكل ويُعلِّم بجرأة. يريد الآن أن يعلم!!

         لقد سألوه عن تلاميذه؛ لأنهم لم يكن لديهم أي اتهام ضد المسيح، ولذلك سألوه أين هم الآن؟ وبأي هدف تجتمع بهم؟ وما الذي تريد فعله؟ هذه هي الأسئلة التي وجهها رئيس الكهنة للمسيح، كأنه أراد أن يختبره ويحقق معه كمتمردٍ ومبتدع. وكما لو لم يكن هناك من رآه وهو يزاول نشاطه هذا. وكأن تلاميذه كانوا يشكلون عصابةً شريرةً. ماذا أجاب المسيح؟ ردَّ يسوع على هذا السؤال، وقال: ” أنا كلَّمتُ العالم علانية” ليس لفئةٍ خاصةٍ من التلاميذ، ” أنا علَّمت كل حين في المجمع وفي الهيكل” (يو20:18). ماذا إذن، هو لم يقل شيئًا في الخفاء، لقد قال هذه الأقوال دون أدنى خوف، وليس كما كان هؤلاء يظنون. فأقواله كانت أعلا من قدرات سامعيه الفكرية. كأنه يقول: لماذا تسألني أنا؟ سَل الذين سمعوا هذه الأقوال، فهي لا تتضمن أية إساءة.

لكن الرد الذي كان مقنعًا حقًا، هو ما قاله منذ البداية: ” إن كنت اشهد لنفسي فشهادتي ليست حقًا” (يو5: 31). وكأنه بهذا يقول: أريد أن أقدم شهادةً صادقةً. ولأن رئيس الكهنة سأله عن تلاميذه. وقال برده هذا ـ كما هو واضح من الإجابة ” أتسألني عن خاصتي“؟ اسأل الأعداء المتآمرين. أولئك الذين قيدوني، فليقولوا. وشهادة الأعداء للحق هي برهان غير قابل للشك. فماذا قال رئيس الكهنة؟ لم يفعل شيئًا، في حين كان عليه أن يتجه نحو الذين سمعوه ليستعلم منهم.

المسيح يُلطم:

ولما قال هذا لطم يسوع واحدٌ من الخدام كان واقفًا” (يو22:18). وأنا أتساءل هل هناك أوقح من هذا الذي حدث؟ ارتعدي أيتها السماء. واهربي أيتها الأرض من مكانك بسبب طول أناة الرب وجحود العبيد. ماذا قال؟ لم يتجنب الرد حين قال ” لماذا تسألني“، ولكنه تكلم أيضًا هذه المرة، بهدف أن يكشف عن كل ما في داخلهم من دوافع للجحود. وقَبِلَ اللطم بينما كان في استطاعته أن يبيد من أمامه كل شئ ويُمحوه. ولكنه لم يفعل أي شئ من هذا، بل قال كلامًا يمكن أن يُوقف أى وحشية: ” إن كنت قد تكلمت رديًا فأشهد على الردئ“، أي إن كان لديك إدانةً على كلامي أظهرها لي. “وإن حسنًا فلماذا تضربني؟” (يو23:18) أرأيت هذه المحكمة المليئة بالفوضى والاضطراب والغضب وخلط الأمور بعضها ببعض؟ وفي الوقت الذي سأله رئيس الكهنة في خسةٍ وجُبن، أجاب المسيح باستقامة ولياقة. ما الذى كان على رئيس الكهنة أن يفعله؟ إمِّا أن يواجهه بما لديه من اعتراضات، أو أن يقبل ما قاله. لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل لطمه العبد. يتضح لنا من ذلك أن ما جرى لم يكن محاكمة، بل مؤامرة واستبداد.

 

يسوع يُساق إلى قيافا:

ولكن، ولأنهم لم يجدوا فيه شيئًا يدينه، ” أرسله موثقًا إلى قيافا رئيس الكهنة” (يو24:18). “ وسمعان بطرس كان يصطلي” (يو25:18). يا حسرتاه! كم أصابه الدفء بالخمول في ذات اللحظة التي يُساق فيها يسوع إلى قيافا؟ وبالرغم من كل ما حدث لم يتحرك، بل ظل واقفاً يصطلي، وهو ما يُظهِر مدى الضعف الذي يصيب الطبيعة البشرية بدون (نعمة) الله. وعندما سُئل أيضًا، أنكر. ” ثم قال واحد من عبيد رئيس الكهنة وهو نسيب الذي قطع بطرس أذنه“. وكان بطرس مضطربًا مما يحدث. قال له العبد ” أما رأيتك أنا معه في البستان؟” (يو26:18). وحتى البستان لم يجعله يتذكر، ولا الحُب الشديد الذي عبَّر عنه هناك بأقواله. كان قد نسى كل شيء بسبب صراعه الداخلي.

         لماذا كتب الإنجيليون عن بطرس أقوالا متفقة عن إنكاره؟ ليس لكي يدينوا بطرس التلميذ، بل أرادوا أن يعلمونا كيف يصل الشر إلى مداه حتى أنه يجعلنا لا نثق بالله. ولا تكون لنا ثقة في أنفسنا. ثم لعلك تتعجب من محبة المعلِّم لأنه على الرغم من أنه كان مقبوضًا عليه ومُقيدًا، إلاَّ أنه اظهر عنايةً فائقةً بتلميذه. لقد فعل هذا بنظراته. وهذه النظرات جعلت بطرس يخرج ويبكى بكاءً مُرًا.

 

المثول أمام قيافا ثم بيلاطس:

ثم جاءوا بيسوع من عِند قيافا إلى دار الولاية” (يو28:18). كان الغرض من هذا أن يبدو هؤلاء القضاة قد فحصوا وحققوا بكل يقظة. “وكان صبح“. قبل أن يصيح الديك اقتادوه إلى قيافا. وفي الصباح جاءوا به إلى بيلاطس. بهذا اظهر الإنجيلي أن قيافا كان يستجوبه منذ منتصف الليل، ولكنه لم يجد يسوع مُذنباً. لأجل هذا أرسله إلى بيلاطس. وقد ترك الإنجيلي تفاصيل تلك الفترة؛ لأن الإنجيليين الآخرين تكلموا عنها. لذا فهو يُسجل كل ما حدث بعد ذلك.

 

ديانة اليهود الشكلية:

لاحظ اليهود الجديرين بالاستهزاء، لقد قبضوا على البار حاملين معهم أسلحتهم، ولكنهم لم يدخلوا إلى دار الولاية ” لكي لا يتنجسوا” (عدد28). أخبرني إذن: مَن هو النجس؟ أليس هو الذى يحكم على البريء ظلمًا ليحاكَم من الظالمين؟! إن هؤلاء الظالمين الذين يُعشِّرون النعناع والشبث (مت23:23، لو42:11) في الوقت الذي يمتنعون فيه عن الدخول إلى دار الولاية لئلا يتنجسوا، لم يشعروا بأنهم قد تنجسوا فعلاً عندما حكموا عليه بالقتل ظلمًا. ولماذا لم يقتلوه، بل اقتادوه إلى بيلاطس؟ من المؤكد أنه لم يكن في سلطتهم القيام بالأمر الأهم (وهو الحكم على أحدٍ بالقتل)، فقد كانت كل أمورهم تحت سلطان الرومان. ومن ناحية أخرى، ربما خافوا من أن يُعاقبوا بعد ذلك بسبب إدانتهم له.

ماذا يعني ” فيأكلون الفصح؟” (يتم الاحتفال بالعيد من أول يوم للفطير). عندما يقول “فصح أو بصخة” فإنه يقصد العيد ككل. أي من الوقت الذي كانوا يعيدون فيه بالبصخة. وقد سُلِّم المسيح قبل اليوم الأول للفطير. كان تحت الحفظ ليوم الاستعداد، الذي فيه كانوا يعيدون البصخة قديمًا. لقد جاء هؤلاء حاملين أسلحةً، وهو الأمر الذي لم يُكن مسموحًا به. وأخذ سافكو الدماء يفحصون دار الحاكم (ما إذا كان سينجسهم أم لا) ويجبرون بيلاطس أن يخرج إليهم.

 

بيلاطس يتفحص الأمر:

وعندما خرج، قال ” أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟” (عدد29) هل رأيت هذا المتحرر من محبة الفضة والحسد؟ فعندما رآه مقيدًا وسط حشدٍ كبير، لم يتطرق إليه شكٌ في أنهم يملكون دليلَ إدانةٍ غير مشكوك فيه. ولكن الطريقة العشوائية التي حكموا بها عليه، ورغبتهم في تنفيذ الحكم عليه دون محاكمة قانونية، أثارت في نفسه العجب! فماذا قالوا؟

لو لم يكن فاعل شر لما كُنا قد سلَّمناه إليك” (يو30:18).

يا للغباء الشديد! لماذا لم تفصحوا عما أتاه من شرٍ، بل تخفوه؟

لماذا لم تُظهروا هذا الشر؟

هل رأيت كيف أنهم دائمًا ما يهربون من توجيه اتهام مباشر، وهم لا يستطيعون أن يقولوا شيئًا؟

لقد سأله حنَّان عن تعليمه، وعندما سمعه أرسله إلى قيافا. وقيافا سأله أيضًا ولم يجد فيه أيَّة عِلةٍ، فأرسله إلى بيلاطس. وهنا أيضًا ليس لديهم ما يقولونه عليه، سوى بعض الإدعاءات. ولذلك لم يعرف (بيلاطس) ماذا يفعل. وقال “خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم. فقال له اليهود لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا“. ليتم قول يسوع الذي قاله ” مشيرًا إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يموت” (عدد31و32).

فماذا كانوا يقصدون من قولهم: ” لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا“؟ لا شك أن الإنجيلي كان يقصد أنه لا يمكن أن يموت عنهم وحدهم فقط بل لأجل الأمم أيضًا. أما هم فكانوا يقصدون أنه لا يجوز لهم أن ينفذوا حكم القتل بالصليب. فعندما قالوا ” لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا” كانوا يقصدون أنهم يرفضون أن يتم القتل بالوسيلة التي كانت مستخدمة في هذا العصر تحديدًا، أي الموت بالصليب. لأنهم كانوا يقتلون بطرق أخرى، كما يظهر من حادثة رجم اسطفانوس.

 

الموت صلبًا لملك اليهود:

ولكن اليهود كانوا يريدون أن يموت المسيحُ مصلوبًا لكى يهينوه بطريقة موته. وإذ أراد بيلاطس أن يتخلص سريعًا من هذا الإزعاج، قصد أن لا تكون المحاكمة طويلة، بل سأل يسوع قائلاً: ” أنت ملك اليهود. أجابه يسوع أمِن ذاتك تقول هذا، أم آخرون قالوا لك عني“؟ (يو33:18).

فلماذا سأله المسيح هذا السؤال؟ لقد أراد المسيح أن يُظهر نية اليهود الشريرة. ولا شك أن بيلاطس قد سمع هذا من كثيرين؛ لأن أولئك اليهود لم يقولوا شيئًا عليه. ولكن، حتى لا يستغرق التحقيق وقتاً طويلاً، أراد أن يعرضه عليهم، فقال لهم ” خذوه واحكموا عليه حسب ناموسكم“. ولكن، ونظرًا لأنهم لم يريدوا أن يُظهروا أن العلةَ دينية، قالوا “ لا يجوز لنا“. كأنهم يقولون: إنه لم يخطئ وفق ناموسنا، فالجريمة مدنية وليست دينية. وعندما أدرك بيلاطس هذا الأمر، وعرف أنه سوف يتعرض للخطر، قال له ” أنت ملك اليهود“؟ بالطبع لم يسأل ـ بيلاطس ـ المسيحَ عن جهلٍ، بل أراد عن طريق ذلك السؤال أن يترك الفرصة لليهود ليوجهوا تهمةً ضده.

عندما قال المسيح لبيلاطس ” آخرون قالوا لك عني؟”، أراد بيلاطس أن يتحقق من هذا الأمر، فقال ” ألعلى أنا يهودي. أُمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليَّ. ماذا فعلت؟” (عدد35).

وإذ أراد بيلاطس أن يخلِّص نفسه، قال ” أأنت ملك اليهود“؟

وردَّ يسوع عليه بنفس الرد، إذ قال له، لقد سمعت ذلك بالتأكيد من اليهود، فلماذا لا تتحقق من الأمر بالتفصيل؟

لقد قالوا إني شرير، اسألهم ما الشر الذي فعلته؟

ولكنك لم تفعل ذلك، ولم توجِّه لي أي اتهام.

 

مملكتى ليست من هذا العالم:

لقد سَمِعَ طبعًا عن المسيح من آخرين، لكنه لم يستطع الإجابة مباشرةً، بل غيَّر مجرى الكلام مشيرًا إلى الجمع قائلاً لقد ” أسلموك إليَّ“، ويجب أن أسألك ماذا فعلت؟ أما المسيح فقال له: ” مملكتي ليست من هذا العالم” (عدد36).

لقد رفع المسيحُ نظر بيلاطس إلى أمور سامية جدًا، لأنه لم يكن خبيثًا مثل أولئك اليهود، ولذلك أراد الرب أن يُظهر له أنه ليس إنسانًا عاديًا، بل هو الله، وابن الله. فماذا قال أيضًا؟ ” لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خُدامي يجاهدون لكي لا أُسلّم إلى اليهود” (عدد36)، الأمر الذي خفّف مخاوف بيلاطس. فالموضوع لا يندرج تحت الشروع في تكوين سلطة طاغية.

ولكن، أليست مملكته من هذا العالم؟ هي كذلك بالتأكيد.

فكيف يقول ” أنها ليست كذلك”؟

والحقيقة هى أن سيادة مملكته ليست مثل سيادة المملكة البشرية هنا، بل أن السيادة والسلطة الكاملة ستكون في السماء. فهذه المملكة ليست بشرية، بل أسمى جدًا من المملكة الأرضية، وأكثر بهاءً منها. لكن إذا كانت مملكتك أعظم، فكيف يُقبض عليك من قِبل المملكة الأرضية؟ قد حدث هذا لأنه بإرادته سُلِّم إلى هؤلاء، رغم أن هذا لم يظهر منذ البداية.

 

المسيح يعلن ضعف المملكة الأرضية:

فماذا قال إذًا؟ ” لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خُدامي يجاهدون لكي لا أُسلّم إلى اليهود“، بهذه الكلمات يُظهِر ضعف المملكة الأرضية التي تضع قوتها في الخدام. بينما السمائية كافيه في ذاتها، لا تحتاج إلى أحد.

وإن كان أعداء الإيمان[3] قد أخذوا من أقواله حجةً على ما ظنوه تناقضاً في أقوال الخالق، فقالوا فعلاً: ماذا يعني بقوله ” جاء إلى خاصته” (يو1 :11) في الوقت الذي يقول ” ليسوا من العالم كما أني لست من العالم” (يو17: 14)؟ هكذا بنفس الطريقة يقول هنا عن مملكته أنها ليست من هذا العالم. لقد قال هذا، لا لكي يحرم العالم من عنايته ورعايته، بل ليبرهن ـ كما ذكرت ـ على أن مملكته ليست بشريةً، ولا هي فاسدة.

 

لهذا قد وُلدت لأشهد للحق:

قال بيلاطس: ” أفأنت إذن ملك. أجاب يسوع أنت تقول أني ملك. لهذا قد وُلدت أنا” (عدد37). فإن كان قد وُلِد ملكًا، فهذا بالتأكيد بالنسبة لكل ما يتمتع به بسبب أنه ولد ملكًا، ولم يكتسب شيئًا من الخارج. وبالتالي عندما تسمع ” كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته“، لا تفكر في شيء سوى في هذه الولادة. ولك أن تتأمل في ذلك أيضًا من خلال قوله ” ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق“، أي لكي أقول وأُعلِّم هذا (الحق)، وأُقنع الجميع لكى يؤمنوا.

 

تمثلوا بالمسيح:

أيها الإنسان، ضع في اعتبارك هذه الأمور، وأنت تشاهد ربك مقيدًا ومُقتادًا هنا وهناك. انتبه إلى أن أمور هذه الحياة الحاضرة لا تساوي شيئًا. لأنه من الغريب أن يحتمل هو أشياءً كثيرةً لأجلك، بينما أنت في ـ مرات كثيرة ـ لا تحتمل سماع أقوال الكتاب؟

         وبينما بُصِقَ عليه، تهتم أنت بتزيين ملابسك. وتشعر أن حياتك لا تُطاق إن لم تنل استحسان الجميع. وفي حين شُتم وأُهِين وضُرِب وصُفِع على وجهه وهم يضحكون عليه، تطلب أنت التكريم والاحترام والتقدير، ولا تحتمل إهانةً من اجل المسيح. ألم تستمع إلى قول بولس ” تمثلوا بى كما أنا بالمسيح“.

إذن، عندما يستهزئ بك أحد، تذَّكر سيدك. لقد سجدوا له باستهزاء. وأهانوه بالكلام والأفعال وسخروا منه في معاملتهم له، ولم يدافع عن نفسه. وليس هذا فحسب، بل اتخذ موقفًا مختلفًا، فدافع عن نفسه بالوداعة والرحمة. ليتنا نتمثل به؛ لأنه هكذا نستطيع أن نتحرَّر من كل تأثير إهانة. فمن يُصاب بالأذى والضرر، ليس هو الذى يُشتم، بل مَن هو عديم الأناة، والذى يتضايق من الشتائم. هم يعانون الشرور، وهم الذين يسببون الشرور، فلماذا إذن يستولي عليك الحزن؟

إن شُتمت ظُلمًا فلا تغضب ممن ظلمك، بل تراءف عليه وارحمه. وإن شُتمت بسبب خطأ حدث منك، فبالأحرى جدًا، يجب ان تبقى هادئًا. وإن مدحك أحدٌ على أنك غني، بينما أنت في الحقيقة فقير، فإنَّ عبارات الثناء هنا لا تفيدك بشيء، بل بالحري لا تكون عبارات الثناء هذه، إلاَّ استهزاءً (بك). وعلى نفس القياس، إن شتمك أحدٌ بسبب أشياء غير صحيحة، فسخريته هذه لا علاقة لها بك.

أمَّا إذا ضايقك ضميرك لأجل كلمات السبُاب التي وُجِّهت إليك، فلا تستلم للحزن، بل عليك أن تُصلح أعمالك. وإن شُتمت لأجل فقرك، أو انتمائك إلى طبقةٍ متواضعة، فهذا أيضًا يستحق الضحك، طالما لا تمثل هذه الشتائم إهانةً لمن يسمعها، بل بالحري لمن ينطق بها؛ لأنه لا يتصف بالحكمة.

أمَّا عندما تصدر هذه الشتائم ممن لا يعرفون الحق، يكون الجرح عندئذ غير محتمل. ولكن يمكنك أن تحتمله إذا كان هناك شهود عيان يمتدحونك. أمَّا المسيح فقد استهزءوا به وسخروا منه، ولم يدافع عن نفسه، بل لم يقل شيئًا. ولذلك، فهو جدير بالتمجيد أكثر من الذين يفكرون بطريقة عقلية محضة. ولذلك، إن تخطَّى أحدكم طريقة التفكير هذه، فسيفرح به المسيح، وينال فرحًا سماويًا؛ لأن الكل هناك سوف يمتدحونه، والجميع سيصفقون له ويطوبونه. بل يكفيه أن يرى ذلك من ملاكٍ واحدٍ عوضًا عن المسكونة جمعاء. ولماذا أقول الملائكة، فالله الآب نفسه سوف يشهد له.

ليتنا نطبق هذه الأفكار على ذواتنا؛ لأن الخطأ ليس في أن يصمت أحد وهو يُشتم، بل على النقيض، فإن الدفاع عن النفس هو الخطأ. إذ لو كان الصمتُ خطأً، لِمَا قال المسيح ” من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر” (مت5: 39).

إذن، فإنْ ادعى عليك أحدٌ بأمور ليست حقيقية، فارحمَّه وتراءف عليه لأنه يجلب على نفسه الجحيم والعقاب، ولا يكون هذا الشخص مستحقًا حتى لقراءة الكتب المقدسة “وللشرير قال الله مالك تُحدث بفرائضي وتحمل عهدي على فمك. تجلس تتكلم على أخيك. لابن أمك تصنع معثرة” (مز16:50ـ20). فالذي يقول أشياءً ليست حقيقية يكون إنسانًا بائسًا وشقيًا. فالفريسي قال أشياء ليست حقيقية. لكن عندما سمع العشار ما قاله الفريسي عنه، لم يُصب بأذىً، بل عاد عليه ذلك بالفائدة، بينما حُرم الفريسي من خيراتٍ لا تحصى، وعانى الموت من هذه الإدانة. هكذا في الحالتين: فإن مَن يُدان ليس أنت، بل الذي يشتمك.

أمَّا أنت، فإذا تيقظت، فإنك سوف تأخذ ربحًا مزدوجًا: تربح اعتدالاً ورزانةً، وفي نفس الوقت تعتبر ما يُقال ضدك، دافعًا تُصلح به من نفسك، وتحتقر المجد البشري. لأن اهتمامك بما يقال عنك من الناس، قد يسبب لك الحزن، ولكن لو تصرفنا بحكمةٍ، فسوف نكتشف أن تلك الأمور البشرية لا قيمة لها على الإطلاق.

تعالوا ـ إذن ـ نتعلّم مما ذكرنا، متفكرين في أخطائنا، لكي نصرف زماننا في تصحيح أخطائنا وتقويم أنفسنا. تعالوا نقول لأنفسنا: سوف أصلح هذا الخطأ أثناء هذا الشهر. وفي الشهر التالي الخطأ الآخر. وفي الشهر الثالث أنظر لخطأ ثالث أصلحه وأُجرى عملية الإصلاح هذه. وهكذا، كأننا نصعد ونرتفع تدريجيًا لكي نصل إلى السماء بواسطة سُلَّم يعقوب. فأنا أعتقد أن هذا السُلَّم الذي رآه في الحُلم يُشير إلى الصعود التدريجي بواسطة الفضيلة التي ترفعنا من الأرض إلى السماء، مستخدمين، ليس درجات محسوسة مادية، بل الفضيلة التي بها نُصلح أنفسنا.

ليتنا ننشغل بهذه الرحلة، وهذا الصعود لكي ننجح في الوصول إلى السماء ونستمتع بكل الخيرات بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح للبشر، الذي له المجد من الآن والى أبد الآبدين أمين.

 

(عظة 84 على يوحنا 18: 37ـ19: 15)

” لهذا قد وُلِدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق. كل من هو من الحق يسمع صوتي” (يو18: 37).

 

طول أناة المسيح:

لا شك أن طول الأناة أمرٌ يستحق الإعجاب، فهي تجعل النفس تبدو وكأنها موجودة في ميناء هادئ وتخلصها من الأمواج والأرواح الشريرة. وهذا ما علَّمه لنا المسيح. والآن فعندما يُحكم عليه ويُساق من محاكمة إلى أخرى، حيث اقتادوه إلى حنَّان، أجاب برأفة ورحمة كبيرة، ونطق بكلمات مليئة بقوة للعبد الذى لطمه، تمحو أي حسد وكراهية. ومن هناك ذهب إلى قيافا ثم إلى بيلاطس وقضى الليل كله بالقرب منهما، وأظهر كل وداعة. وعندما زعموا أنه شرير ولم يتمكنوا من البرهنة على ذلك، وقف صامتاً. وعندما سُئل في المحاكمة عن مملكته، تحدث حينئذ إلى بيلاطس مُعلِّماً ورافعاً إياه ـ روحيًا ـ إلى أعلى. ولكن لماذا لم يستجوبه بيلاطس في حضورهم، بل فضَّل أن يحاكمه بمفرده عندما دخل إلى دار الولاية؟ لقد كانت لديه شكوكاً قوية فيهم، ولذلك أراد أن يعرف كل شيء بدقة. ولكن حين سأله ” ماذا فعلت؟”، لم يُجب ولم يحقق رغبة بيلاطس في معرفة ما يتوق إليه. بينما عندما سأله عن مملكته، أجاب قائلاً “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36). وكأنه أراد أن يقول: أنا ملك لكن ليس مثلما تظن. إن مملكته أكثرُ بهاءً. وقد أظهر أنه لم يفعل أي شر عندما قال ” لهذا قد وُلدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق” (يو18: 37). لأنه بهذا القول أظهر أنه لم يفعل أي شر.

 

بيلاطس يسأل عن الحق ويبرئ المسيح:

وعندما يقول “ كل مَن هو مِن الحق يسمع صوتى” (يو18: 37)، كان يريد أن يجذبه (أي يجذب بيلاطس) ويقنعه بأن يصير سامعًا جيدًا لأقواله. على أية حال، فقد حدث ذلك وانجذب بيلاطس سريعاً لهذه الأقوال، لدرجة أنه قال ” ما هو الحق؟”، لكنه توقف والتفت إلى الأمر العاجل. إذ أدرك أن هذا السؤال يحتاج إلى وقت مناسب، بينما كان عليه في تلك اللحظة أن يخلُّصه من هجوم اليهود الشرس عليه، لذلك خرج وقال لهم؟ ” أنا لست أجد فيه عِلة واحدة” (عدد38).

 

اليهود يطلبون اللص:

ولك أن تلاحظ مدى إدراكه وفهمه، فهو لم يقل: إنه مستوجب الموت لأنه أخطأ، ولكن امنحوا له الحياة بسبب العيد. بل وأكثر من ذلك، فإذ نفى عنه أولاً أية تهمة من خلال شهادته هذه، تحدث معهم لكي إذا كانوا لا يريدون أن يطلقوه كبريء، فإنه يتعين عليهم ـ على الأقل ـ أن يضمنوا له الحياة بسبب العيد إذا كان مذنباً في نظرهم. لذلك قال ” لكم عادة أن أُطلق لكم واحدًا في الفصح“، ومن ثم جعل يحدثهم بطريقة جيدة حتى يحترموه ويقدِّروه ” أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ فصرخوا أيضًا جميعهم قائلين ليس هذا، بل باراباس” (عدد39و40).

يا له من قرار أحمق! يطلبون اللصوص لأنهم يشبهونهم، ويطلقون المذنبين، أمَّا البريء فيتحرشون به ويحكمون عليه؛ لأن هذه عادتهم منذ القدم. ورغم ذلك، تلاحظ عظم محبة الرب لهم.

 

يسوع يُجلد:

فحينئذٍ اخذ بيلاطس يسوع وجلده” (يو1:19). ربما أراد أن يُهدئ الغيرة اليهودية ويُسَّكِنها. وإذ رأى أن محاولاته التي بذلها لإنقاذه منهم باءت بالفشل. أراد أن يوقف الشر عند هذا الحد (أي حتى مرحلة الجلد). فجلده وسمح بكل ما حدث بعد ذلك، فجعلهم ” يلبسونه ثوب الأرجوان، وإكليل الشوك” (يو2:19) حتى يهدئ من غضبهم. ولأجل هذا ساقه إليهم لابساً الإكليل لكي يروا مدى الإهانة التي تعرَّض لها. لقد أراد أن يُخرِج السُم من داخلهم ويطفئ رغبتهم في الانتقام. لأنه كيف فعل الجنود كل هذا، إن لم يكن بأمر الرئيس؟ هو سمح بذلك. لكن الجنود نفذوا أوامره محبةً في الأموال التي يأخذونها من اليهود. لأن هؤلاء الجنود ـ في البداية ـ عندما (أتوا إلى البستان أثناء الليل لم يأخذوا أمرًا منه)، بل فعلوا كل ذلك بهدف الحصول على المال. لقد فعلوا كل ذلك إرضاءً لليهود، ولكن على الرغم من كل ما حدث، إلاَّ أنه ظلَّ صامتًا. الأمر الذي فعله أثناء المحاكمة، ولم يعطِ أية إجابة.

 

تشبّه بالمسيح:

لا تكتفِ بسماع هذه الأمور، بل احفظها دائماً في فكرك، وأطبع في ذهنك صورة ملك المسكونة والجنود يستهزئون به بالأقوال والأفعال، وهو يحتمل كل هذا صامتاً. فلتتشبَّه به بأعمالك.

عندما قال جنود بيلاطس ” يا ملك اليهود” (3:19)، ألبسوه ثوبًا أُرجوانيًا، ثم أخرجه خارجًا قائلاً (مرة أخرى): ” لم أجد فيه عِلةً واحدةً” (عدد4). لقد خرج لابسًا إكليلاً، ولكن هذا لم يُطفئ غضبهم، بل صرخوا ” أصلبه أصلبه“. وعندما رأى بيلاطس أنه لم يجنِ فائدةً مما حدث، قال “خذوه أنتم واصلبوه” (عدد6). وهذا بالتالي يُثبت أن كل ما فعله من قبل كان بسبب هوس اليهود إذ يقول: ” لأني لست أجد فيه عِلةً واحدة“.

لاحظ هنا كيف كان الوالي يدافع عنه بطرق كثيرة محاولاً إنقاذه من التُهم، لكن ولا واحد من هؤلاء (اليهود) سمح له بذلك. وعندما قال لهم “خذوه واصلبوه” كانت هذه الكلمات تدل على مدى ولائه للمسيح، وتدل على إن ذلك كان إقرارًا منه أنه لا يستحق الموت. إذن، برغم أن هؤلاء اليهود اقتادوه إلى بيلاطس ـ لكى يستصدروا قرارًا من الوالي بالحكم عليه بالموت ـ إلاّ أن بيلاطس فعل العكس، فقد أخذ يتنصل من إصدار مثل هذا القرار. ولأنهم شعروا بالعار، قالوا ” لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله” (عدد7). عندما قال الوالي ” خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم“، قالوا ” لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا” (يو18: 31) ها هم الآن يلجأون إلى الناموس!

 

صمت المسيح:

وعليك أن تنتبه للاتهام: “جعل نفسه ابن الله”. اخبرني. هل يمكن أن يُعتبر مثل هذا القول اتهاماً؟ بما أنه يعمل أعمال الله، فإنه يدعو نفسه ابن الله. ماذا فعل المسيحُ إذن؟ لقد صَمَتَ، بينما كانوا يتحدثون فيما بينهم بهذه الأقوال، متمماً بذلك نبؤة النبي القائل “ أمَّا هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامته أمام جازيها فلم يفتح فاه” (إش53: 7ـ8).

لقد

خاف بيلاطس عندما سمع من هؤلاء أنه يجعل نفسه ابن الله، ربما لأن ما قيل قد يكون حقيقياً، وبالتالي يعتبر كاسرًا للناموس. والعجيب أن هؤلاء اليهود الذين عرفوه من أعماله وأقواله لم يرتعدوا، بل أصرَّوا على قتله لأجل أمور كانت تستحق أن يسجدوا له من أجلها. ولأن رعبًا حل عليه من فوق، عندما كان يستجوبه، لذلك لم يسأله مرة ثانية ” ماذا فعلت؟” (يو18: 35). ولكنه سأله قائلاً:   ” أفأنت إذاً ملك“؟ فلم يجبه بشيء، بل سمع منه ” لهذا قد وُلِدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق“. كما قال له أيضاً إن “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36).

 

وبالرغم من أنه كان ينبغى أن يعارضهم ويخلِّصه منهم، إلاَّ أنه لم يفعل هذا، بل انساق مع الاندفاع اليهودي. وحين رأوا أن أفواههم سُدَّت من كل جانب، قدمَّوا الاتهام كجريمة سياسية قائلين ” كل مَن يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر” (يو12:19). وهنا كان يجب على بيلاطس أن يحقق بالتفصيل في هذا الأمر. أي كان يجب عليه أن يتحقق مما إن كان المسيح ينوي أن يطرد قيصر من المملكة، وينصب نفسه ملكاً بالقوة أم لا؟ لكنه لم يُجرِ تحقيقاً مفصلاً. لذلك لم يعطِ المسيحُ له إجابةً؛ لأنه عرف أنه لا جدوى من ذلك.

 

ليس لك علىَّ سلطان البتة:

على الجانب الآخر، طالما أن الأعمال التي أتمها المسيح كانت تدعم موقفه وتسانده، لم يُرِد أن يجيب ويدافع عن نفسه بالكلام، حتى يبرهن على أنه ذاهب إلى الألم بإرادته. ولأجل أنه صمت، قال له بيلاطس ” ألست تعلم أن لي سلطانًا أن أصلبك وسلطانًا أن أطلقك” (10:19). أرأيت كيف يدين نفسه مسبقاً؟ لأنه إن كان كل شيء يعتمد عليك (يا بيلاطس)، فما هو السبب الذي جعلك لا تطلقه، طالما أنك لم تجد فيه عِله واحدة؟ ولذلك قال له المسيح ” الذي أسلمني إليك له خطية أعظم” (عدد11). إذن فقد أصدر بيلاطس قرارًا ضد نفسه شخصيًا. وهكذا أظهر كلام المسيح أن بيلاطس نفسه كان مسئولاً عن هذه الخطية (صلب المسيح). ومن ثم كَبَحَ المسيحُ جماح إحساسه بالسلطة وحماسه هذا قائلاً له: ” لم يكن لك عليَّ سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق” (يو19: 11)، لكي يثبت له أن هذا الأمر لا يحدث صدفةً، ولا هو نتاج ترتيب طبيعي للأحداث، لكنه يُتمم بطريقة خفية (حسب مشيئة الله).

 

مسئولية بيلاطس:

ولكي لا تظن (يا عزيزى) إن عبارة ” لو لم تكن قد أُعطيت من فوق“، تعفى بيلاطس من المسئولية، إذ قال له: ” الذي أسلمني إليك له خطية أعظم“. ربما تتساءل: إن كانت إرادة الله أن يُسلَّم إليهم، إذن، فلا بيلاطس، ولا اليهود يكونون مسئولين عن جرائمهم. أنت تقول هذا بدون تروّى؛ لأن كلمة “أُعطيت” تعني هنا “السمَاح”، كأنه يقول: قد سمَحَ الله أن يحدث كل هذا، لكنكم لن تكونوا أبرياء من المسئولية عن فعل الشر.

 

اليهود يطلبون ملكًا أرضيًا:

لقد أدهش دفاعُ المسيح بيلاطس، لذلك طلب أن يطلقه. أمَّا هؤلاء، فصرخوا ثانيةً ” إن أطلقت هذا فلست محبًا لقيصر“. لقد لجئوا إلى ما هو خارج الناموس بعدما استنفذوا الاتهامات التي اخترعوها من الناموس. وبطريقة خبيثة قالوا ” كلُ مَن يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر” ومن أين بدا لكم أن المسيح متمردٌ أو مستبدٌ؟ على ماذا تستندون فيما تدَّعون؟ أعلى ثوب الأرجوان؟ أمْ على الإكليل؟ هل بدا لكم ذلك مِن منظره؟ أمْ مِن الجنود المحيطين به؟ ألم يكن يرافقه اثني عشر تلميذاً فقط؟ ألم يقبل إلاَّ القليل من طعام ولباس ومسكن؟ يا لها من خِسة غريبة! ولأن بيلاطس شعر بأنه يخاطر بمنصبه إذا ما تغافل عن هذه الأقوال، وصل إلى الهدف من التحقيق في الأمر لأنه “جلس على كرسى الولاية” (14:19)، ولكن دون أن يقُم بأي تحقيق، ثم سلَّمهم إياه معتقداً بذلك أنه يهدئهم. واسمع ماذا قال “هوذا ملككم” (عدد14)، ولأنهم قالوا ” أصلبه“، أضاف قائلاً ” أأصلب ملككم؟”. فصرخوا      ” ليس لنا ملكٌ إلاَّ قيصر” (عدد15).

 

لقد ألقوا أنفسهم ـ بإرادتهم ـ في الجحيم، لذلك تركهم الله؛ لأنهم أبعدوا أنفسهم عن عنايته وحمايته. وبسبب رفضهم ـ بالإجماع ـ لملكه تركهَّم يجلبون على أنفسهم ـ بقرارهم ـ المتاعب والمشقات. وعلى الرغم من أن كُل ما قيل، وما حدث كان كافياً لإيقاف غضبهم إلاَّ أنهم خافوا لئلا يُترك حراً، فيجذب إليه حشداً من الشعب. لقد فعلوا كل ذلك لأنهم محبون للرئاسة، وهذا أمر مرعب جدًا، ورهيب يؤدي بالنفس إلى الهلاك، لهذا السبب لم يسمعوا.

 

لماذا موت الصليب؟

وبينما أراد بيلاطس أن يطلقه بمجرد أن سَمِعَ ما قاله المسيح، أصرَّ أولئك قائلين “أصلبه“. ولماذا أردوا أن يميتوه بهذه الطريقة؟ لأن هذا الموت (موت الصليب) كان محتقرًا. لقد كانوا خائفين لئلا ـ بعد كل هذا ـ يترك ذكرى طيبةً، فحرصوا على أن يقتادوه إلى اللعنة، غير مدركين أن الشدائد تجعل الحقيقةَ أكثرُ لمعاناً. ويمكنك أن تتأكد من نياتهم السيئة هذه من قولهم “يا سيد قد تذكرنا أن ذلك المُضِّل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم” (مت27: 63). ولكى يصلوا إلى هدفهم، فقد خططوا جيدًا لكل ما شرعوا في عمله، وظلوا يصرخون مرات عديدة “أصلبه“. يا له من جمع فوضوي وفاسد من الرؤساء.

 

ينبغى علينا أن نتبع خطواته:

نحن لا نكتفي فقط بقراءة هذه الأقوال، بل نفكر ونتأمل فيها، مثل الأقوال عن: إكليل الشوك، ثوبه الأرجواني، القصبة، اللطمات، الجلدات التي تحملها سائرًا في طريقه إلى الجلجثه، التفل على وجهه، التهكم عليه؛ لأن هذه الأمور يمكن أن تؤثر على أفكارنا، فتمحو من داخلنا أي غضبٍ. فإن تعرضنا للسخرية، وإن تألمنا ظُلمًا، نقول ” لا يوجد عبد أعظم من سيده” (يو13: 16). ونفكر فيما قاله اليهود وهم يصيحون في وجهه ” بك شيطان” (يو7: 20)، ” أنت سامريٌ” (يو8: 48)، وإنه “ببعلزبول يُخرج الشياطين” (لو11: 15). لقد احتمل كل هذا لكي نتبع خطواته ونحتمل الإهانات مثلما احتملها هو، الأمر الذي أغضبهم بالأكثر. لقد كانت للمسيح قوة تفوق كثيرًا تلك الإهانات، ولذلك لم يحتمل يسوع كل هذا فقط، بل صنع كل ما من شأنه أن يخلِّص الذين فعلوا به كل هذا من العقاب الذي كان محفوظًا لهم. فقد أرسل الرسل لخلاصهم. اسمع هؤلاء الرسل يقولون لهم ” بجهالة عملتم كما رؤسائكم أيضًا” (أع3: 17). ودعوهم إلى التوبة.

 

ليتنا نتمثل بهؤلاء الرسل؛ لأنه لا يوجد شئ يجعل الله راضيًا عنا، مثل محبتنا لأعدائنا، وإحساننا إلى الذين يسيئون إلينا. فعندما يصنع معك أحدٌ شرًا، لا تنظر إليه، بل إلى الشيطان الذي يُحرَّكه. ومن ثم فرِّغ غضبك كُله فيه، أمَّا الذى ترك نفسه للشيطان ليحركها، فتراءف عليه. فالكذب يأتي من الشيطان لكي يجعلنا نغضب بلا تبصُّر، ولذلك إذا رأيت أحدًا يسخر منكَ، ضع في فكرك أن الشيطان هو الذي يُحرِّكه؛ لأن التهكم والسخرية والضحك ليست من ملامح المسيحيين. فالذي أخذ وصيةً أن يحزن[4] ويسمع ما قاله الكتاب       ” الويل لكم أيها الضاحكون” (لو6: 25) يدرك أن هذا الضاحك، أي المستهزئ ـ عندما يشتم ويسخر ويغضب ـ لا يجب أن يُشتم من جانبنا، بل بالحري يستحق أن نحزن عليه، فالمسيح اضطرب حزنًا عندما فكر في يهوذا.

 

ليتنا

 إذًا نمعن الفكر في كل ذلك، ونطبقه في حياتنا وأعمالنا؛ لأننا إن لم ننجز كل هذا، يكون مجيئنا إلى العالم دونما فائدة، وبالتالى نكون قد أتينا ـ على الأرجح ـ لأجل فعل الشر، وبالتالى أيضًا يعجز الإيمان عن أن يقودنا إلى ملكوت السموات. بيد أن أمر الإيمان على النقيض من ذلك، فالإيمان له من القوة أن يدين الذين يحيون حياةً شريرةً “ أمَّا ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرب كثيرًا” (يو12: 47). وأيضًا ” لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية” (يو15: 22).

إذن، أيُ مبررٍ يكون لنا عندئذٍ، نحن الذين نحيا داخل القصر الإلهي، وحُسبنا مستحقين أن ندخل إلى الأعماق، مشتركين في تلك الأسرار التي تحُرر من الخطايا. ولكننا نصير أسوأ من الأمم الذين لم يستحقوا أن يشتركوا في أي واحدة من هذه الأمور؛ لأنه إن كان أولئك قد اظهروا مجرد حكمة من المجد الباطل، فبالأكثر جدًا علينا نحن أن نمارس كل فضيلة؛ لأن الله يُسرّ بهذه.

 

فنحن إلى الآن لا نحتقر الأموال، بينما أولئك (الأمم) كثيرًا ما كانوا يحتقروا حياتهم، بل واحتقروا الضرورات الطبيعية (مثل المحبة الطبيعية بين الآب وابنه) من اجل الشياطين، فاسلموا أولادهم لهوس الشياطين أثناء حروبهم،. أمَّا نحن، فحتى الأموال لم نحتقرها بعد من اجل المسيح، ولا الغضب تخلَّصنا منه، بل دائمًا ما نغضب، بل ونصل إلى حالة ليست أقل ممن يصابون بالحمى. فكما أن أولئك، إذ يستولي عليهم الشر، يصيرون ضعفاء لدرجة أنهم يحترقون بشهواتهم، هكذا نحن أيضًا لا نستطيع أن نوقف شهواتنا بأي طريقة، كأننا نحترق في النار عندما نشتعل بالغضب وحُب المال. لذا، فأنا أخجل وأندهش إذ أرى كثيرًا من الأمم يحتقرون الأموال، بينما نحن جميعًا يستولي علينا هذا الهوس. وبرغم أنني أرى البعض منا يحتقرون الأموال، إلاَّ أنني احزن لأن الشهوات تستولي على كل من غضب وحقد. فمن الصعب أن أجد تقوى نقية.

 

إذن، السبب هو أننا لا نحرص على تناول الأدوية من الكتب المقدسة. ولا نتيقظ لها بانتباه، فنسمعها فقط متى يتوفر لنا وقت. بينما إذا انشغلنا بقضايا معيشية، فإننا نجعلها تغطي على كل شيء في حياتنا وتستولي علينا، وبالتالي نسمع أقوال الله دون أي يقظة أو انتباه. أمَّا إذا كان الأمر يتعلق بحصولنا على مكسب، فإننا نختفي تمامًا عن الحضور وسماع كلمة الله.

 

إن مَن يصاب بجرح، لا يمكن أن يُشفى بمجرد وضع دواءً فوق الجرح، دون أن يربطه بإحكام، بل يترك الرباط يسقط، فيتسرب للجرح ماء وتراب وقذارة، وأشياء أخرى. وعدم تحسُّن حالة الجرح هنا لا يرجع إلى الدواء، بل إلى اللامبالاة. هذا يحدث لنا عندما لا نعطي انتباهًا تامًا للأقوال الإلهية، بينما دائمًا ما نتصرَّف بدقة وإخلاص تجاه الأمور العالمية. وهكذا تُخنق كل البذار وتصير عقيمة وبلا ثمر. وحتى لا يحدث هذا، ليتنا نرجع إلى أنفسنا قليلاً. ليتنا ننظر نحو السماء، ونرفع نظرنا أيضًا إلى القبور ونرى انحلال أجساد الموتى التي ينخر فيها السوس؛ لأن هذه النهاية تنتظرنا نحن أيضًا، وقد يأتي ارتحالنا من هذا العالم قبل المساء.

 

إذن

 دعونا نستعد لهذا الخروج طالما نحن في حاجة كثيرة إلى المؤن؛ لأن النيران ـ هناك ـ شديدة، والجفاف قاس والوحدة رهيبة. وهناك لا يمكن أن ينزل أحدٌ إلى الفندق، أو يمكن أن يشتري شيئاً، فلابد أن يأخذ كل شيء من هنا. اسمع ما قالته العذارى ” اذهبن إلى الباعة وابتعن لكُنَّ” (مت25: 9). لكن لم يجدن ما يطلبن عندما ذهبن. أسمع ماذا قال إبراهيم ” بيننا وبينكم هوة عظيمة” (لو16: 26).

ليت

 هذا القول لا يكون موجهًا لنا. فطالما أخذنا ـ من هنا ـ مؤنًا كافيةً، فإننا نلتقى بربنا يسوع المسيح بدالة، الذي له المجد والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان والى دهر الدهور أمين.

 

(عظة 85 على يو19: 16ـ40)

”فحينئذٍ أسلمه إليهم ليُصلب فاخذوا يسوع ومضوا به. فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يُقال له موضع الجمجمة ويُقال له بالعبرانية جُلجثه حيث صلبوه” (يو19: 16 ـ 18).

 

بيلاطس يسلّم المسيح لليهود:

يتميز المتنعمون بأن لديهم قوة جذب كبيرة حتى للذين يمكنهم أن يفوزوا عليهم. فاليهود برغم أنهم نالوا معونة الله في البداية، وانتصروا على مملكة المصريين، إلاَّ أنهم اشتهوا ناموس مملكة الأمم (التنعم). فبعد أن أكلوا المن في الصحراء، اشتهوا أكل البصل في مصر. بنفس الطريقة هنا رفضوا ملك المسيح طالبين لأنفسهم ملك قيصر. ولأجل هذا أعُطى لهم ملكاً بحسب ما أرادوا.

عندما سمع بيلاطس هذا الكلام، سلَّمه إليهم لكي يُصلب. يا له من انعدام تام للبصيرة. إذ بينما كان يجب عليه أن يتحقق ويسأل عما إن كان المسيح حقاً قد شرع في أن يُنصِّب نفسه ملكاً بسلطة مستبدة، نجده يصدر قراراً نتيجة الخوف. وبالرغم من أن المسيح قال له إن “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36)، إلاَّ أن بيلاطس كان قد استسلم للأمور العالمية (السلطة). لم يُرد أن يتدبر الأمر بحكمه حتى يُتاح له نصيب فى ما هو أعظم. وبالرغم من أن حُلم امرأته كان يمكن أن يدهشه ويحيره، مما يجعله يعيد النظر في قراره، إلاّ أنه ظل كما هو ولم يتغيَّر إلى الأفضل، ولا استطاع أن ينظر إلى السماء، بل سلَّمه لليهود.

اسحق والمسيح:

أولئك اليهود حملَّوه خشبة الصليب كأنه محكوم عليه، ولأنهم اعتبروا خشبة الصليب علامة لعنةٍ، رفضوا حملها أو الاقتراب منها. هكذا تحقق ما اخبرنا به الكتاب بالرموز والظلال عن الموت على مثال الصليب. حيث حمل اسحق خشب المحرقة. لكن في حالة اسحق لم يصل الأمر إلى لحظة تنفيذ القرار بواسطة أبيه (إذ كان الحدثُ مثالاً). لكن الأمر في حالة المسيح وصل إلى التنفيذ الفعلى؛ لأن موته كان حقيقةً وليس ظلاً، فجاء إلى مكان الجمجمة. والبعض يرى أن آدم مات ودُفن في هذا المكان، والمسيح صُلِبَ في هذا المكان حيث ملك الموت. هناك أقام النُصُب التذكاري للنصر حيث خرج حاملاً الصليب كنُصُبٍ تذكاريٍ للانتصار على طغيان الموت. ومثل المنتصرين حمل المسيح ـ هكذا ـ الصليب على كتفيه شعارًا للنُصرة.

 

صُلب مع اللصوص:

وهنا تبدو أهمية عدم تردد اليهود في اتخاذ قرار صلب المسيح، إذ أن تلك الأمور التي فعلوها، صارت لأجل إظهار الحق، ولكي تعلم كم هي قوة الحق. لأن هذه الأمور سبق وأن قالها النبي بوحى من السماء ” أُحصيَّ مع أثمةٍ” (إش53: 12). لقد أراد الشيطان أن يغطي على الحدث، ولكنه لم يستطع. فبالرغم من أن ثلاثةً صُلبوا فعلاً، لكن واحدًا فقط كان ذو بهاء وهو المسيح. وحتى تعلم أن قوته صنعت كل شئ، فإنه بالرغم من أن الثلاثة كانوا معلقين كل واحد فوق صليبه، لم يستطع أحد أن ينسب واحدة من المعجزات التي حدثت إلى أيٍ من الاثنين الآخرين، بل فقط إلى يسوع المسيح. وهكذا هرب الشيطان خائفًا، وخرج كل ما كان يفكر فيه بعيدًا عن الهدف تماماً، حتى أن واحدًا من اللصين خَلُصَ. إذن فالشيطان لم يستطع أن يلحق ضررًا بمجد المصلوب. وليس هذا فقط، بل تمَّم كل شيء يؤدى إلى مجده. لأن تحول اللص المصلوب وذهابه إلى الفردوس أحدث دوياً هائلاً ليس أقل من الدوي الهائل الذي حدث حين تزعزعت الصخور وتشققت.

 

ملك اليهود:

وكتب بيلاطس عنوانًا” (يو19:19). وهذا كان أمرًا ضد اليهود وفي نفس الوقت لمجد المسيح. فقد تسلَّم اليهودُ المسيح من بيلاطس بسبب خسّة الأخير، وإمعانًا في إهانته قرروا أن يُصلب مع لصين، حتى لا يعطوا أحدًا الفرصة من التحقق من اتهاماتهم الخبيثة، فيصدق أنه شخصٌ شرير. ولكن بيلاطس ـ بهذا المكتوب ـ لم يسُدَّ أفواههم فقط، بل وكل الذين حكموا على المسيح. فأظهر للجميع أنهم تمردوا ضد ملكهم، فظهر الصليب وكأنه نُصبٌ تذكاريٌ للنصر كُتِبَ عليه عنوان يقول للجميع افرحوا وأعلنوا النصر واكرزوا بالملكوت. وقد أعلن هذا، ليس بلغةٍ واحدة، بل بثلاث لغات. إذ أن كثيرين من أممٍ أخرى غير اليهود كانوا موجودين بسبب العيد. فحتى لا يجهل أحدٌ الإعلان الذي يعتبر دفاعًا عن المسيح، فضح هَوَس اليهود بكل اللغات حيث إنهم حقدوا على المصلوب.

ودعونا نسأل اليهود: بماذا أذاكم المسيح؟ طبعًا لم يؤذهم بالمرة. فإن كان غيرُ قادرٍ على فعل شئ، وسينتهي تمامًا بموته، فلماذا تخافون من الحروف التي تقول إنه ملك اليهود؟ ماذا قالوا؟ ” إنَّ ذاك قال” (يو21:19)، وحتى يظهروا كأن أمر الحكم عليه هو بمثابة قرار ورأي عام، قالوا ” ذاك قال” حتى يظهروا أن الاتهام كان نتيجة وقاحته وكبريائه. لكن بيلاطس لم يُغير رأيه بل ظلَّ ثابتًا على رأيه السابق (يو22:19).

ولهذا الإعلان المكتوب أهمية عظمى بالنسبة لخطة تدبير الله؛ لأن خشبة الصليب التي دُقت على الأرض، لم يهتم أحدٌ بإخراجها بعد إتمام عملية الصلب والدفن بسبب الخوف الذي سيطر على الجميع آنذاك. وكذلك بسبب انشغال المؤمنين بمسائل أخرى طارئة. لذا فقد بدأ البحث عن صليب المسيح بعد سنوات من هذا الحدث، وكانت هناك بالطبع ثلاثة صلبان معًا. وحتى لا يكون صليب الرب مجهولاً، فقد صار معروفاً للجميع أولاً من أنه كان موجودًا في وسط اثنين آخرين. ثم ثانيًا من الإعلان المكتوب عليه؛ لأن صليبي اللصين لم يُكتب عليهما أي إعلان.

 

ثياب المسيح وقميصه:

قسَّم الجنود ثياب المسيح فيما بينهم، ولكنهم لم يقسموا القميص. لاحظ كيف أنهم بأفعالهم الشريرة يتمّمون النبوات (دون أن يدروا)؛ لأن هذا سبق أن قِيل منذ القديم. وبرغم أن ثلاثةً قد صُلبوا إلاَّ أنهم قسَّموا ثيابَ واحدٍ فقط. فلماذا لم يقسِّموا ثياب الآخرين، بل ثياب المسيح فقط؟ انتبه من فضلك إلى دقة النبوة. لأن النبى قال اقتسموا ثيابه، والقميص لم يقتسموه بل اقترعوا عليه. كما أن تعبير ” منسوجًا كله من فوق” (يو23:19) لم يكن على سبيل الصدفة. فهناك من يعطون هذا التعبير أهميةً رمزيةً تدل على أن المصلوب لم يكن إنساناً عادياً، بل يحمل في ذاته إلوهةً من السماء. أمَّا البعض الآخر فقالوا إن الإنجيلي كان يسجل لنا تاريخيًا نوع ذلك القميص؛ لأن الثياب في فلسطين كانت عادةً ما تتكون من قطعتين من القماش مخيطين معًا، وكانوا ينسجون الثياب بهذه الطريقة، ولكي يُظهر يوحنا أن المسيح كان لابسًا مثل هذا القميص، قال ” منسوجًا كله من فوق“. هذا قاله مُشيرًا ـ كما أظن ـ إلى ثمن ثيابه الزهيد. وبالمثل أيضًا كانت كل الأشياء الأخرى التي كان يستخدمها. هكذا أظهر أن الرب كان متقشفًا في ملابسه.

 

المسيح يسّلم أمه ليوحنا:

وبينما كان الجنود يقومون بتقسيم ملابسه عليهم، كان المسيح الرب يُسلِّم أمه إلى تلميذه مُعلِّمًا إيانا أنه يجب أن نبذل كل اهتمام بالوالدين حتى اللحظة الأخيرة. وإن كان قد قال لها في إحدى المرات عندما طَلَبت منه شيئًا في لحظة غير مناسبة ” مالي ولكِ يا امرأة” (يو2: 4)، وقال في إحدى المرات متسائلاً “من هي أمي؟” (مت12: 48)، إلاَّ أنه يظهر هنا حنانًا قويًا، إذ أنه سلَّمها إلى التلميذ الذي كان يحبه. ويوحنا ـ أيضًا ـ يخفي ذاته من فرط تواضعه؛ لأنه لو كان يريد أن يفتخر، لكان قد ذكر السبب الذي لأجله أحبه، حيث إن السبب ـ من الطبيعي ـ أن يكون عظيمًا وعجيبًا. لكن لماذا لم يقل المسيح ليوحنا شيئاً آخر، ولا حتى عزَّاه إذ كان حزينًا؟ طبعًا لأنه لم يكن الوقت مناسبًا لكلمات التعزية. على الجانب الآخر لم يكن أمرًا هينًا أن يُكرم بمثل هذه الكرامة ويأخذ مكافأة على بقائه بالقرب من الرب وقت الصلب.

لكن

 عليك أن تلاحظ من فضلك، أنه بينما كان مصلوبًا، فقد فعل كل شئ بلا اضطرب. فقد تحدث مع تلميذه عن أمة، وتمم النبوة، وأعطى رجاءً حسنًا للص، وذلك كله رغم ما بدا عليه قَبل الصليب من الإجهاد نتيجة التعب والصراع والاضطراب. ماذا يعني هذا؟ لم يثِر هذا الموقف أبدًا الشك والريبة؛ لأن الرب أظهر في الإجهاد والتعب ضعف الطبيعة البشرية، بينما هنا أظهر عظمة قوته. من جهةٍ أخرى، فهو يعلِّمنا بهذين الموقفين أننا دائمًا ما ننزعج عند حدوث النكبات. ولكن هذا لا ينبغى أن يجعلنا نهرب من المشقات، بل عندما ندخل في المعركة أو الصراع، فيجب أن نعتبر كل الأمور الحادثة مفرحة وسهلة ولا تسبب لنا أي اضطراب.

 

لا ينبغى أن نرتعب من الموت:

إذن دعونا لا نرتعب من الموت. ويمكننا إن نؤكد أن النفس ـ بطبيعتها ـ تحب الحياة، لكن الأمر يتوقف علينا، إمَّا أن نُخلصها من قيودها ونضعف الشهوة، أو نربطها بشدة بهذه القيود ونجعل الشهوة أكثر طغيانًا وسيطرة. يحدث ذلك مثلاً في شهوة الاتصال الجسدي، فعندما نتدبر الأمر بحكمه يمكننا أن نسيطر عليها. هكذا يحدث أيضًا مع الحياة. فكما وضع الله داخلنا الشهوة الجسدية لأجل ولادة الأبناء، وبذلك يكون الله قد ضمن تعاقب الجنس البشري وحفظه من الفناء بواسطة الأولاد، ولم يُعِق سيرنا في طريق الانضباط السامي. هكذا زرع داخلنا الشوق للحياة ليمنع بذلك الرغبة في أن نتخلص من حياتنا، وبذلك يشجعنا على احتقار أمور الحياة الحاضرة.

إذن يجب علينا ـ ونحن نعرف كل هذا ـ أن نحرص على الاعتدال، ولا نذهب بإرادتنا إلى الموت. وإن كُنا نعاني من مشقات لا حصر لها، فلا ننجذب لأولئك الذين يخافون ويترددون، بل علينا أن نشارك في الجهاد بجرأة مفضلين الحياة الأخرى على الحياة الحاضرة.

 

النساء يتابعن الموقف عند الصليب:

وكانت نساء واقفات عند صليب يسوع” (يو25:19). لقد أظهر الجنس الأضعف وقتذاك جرأةً أكثر؛ لأنهن صنعن كل شئ. لقد سلَّم المسيح أمه لتلميذه قائلاً “ هوذا ابنك” (يو26:19). يا لها من كرامة عظيمة! لقد كرَّم تلميذه بكرامة عظيمة!

فالمسيح يسلَّم تلميذه مهمة رعاية أمه بعد رحيله من هذا العالم. فمن السهل جدًا أن يطمئن عليها عندما تكون عند ذاك الذي كان يحبه، فقد كانت (بالنسبة ليوحنا) في منزلة أمه طبعًا، وكانت مغتمة وحزينة وتحتاج إلى عناية. ولذلك يقول لتلميذه ” هوذا أمك“. وقال كل ذلك لكي يوحَّد بينهما بالمحبة. الأمر الذي فهمه يوحنا ” ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته” (يو27:19).

ولكن لماذا لم يقل شيئًا عن أي امرأة أخرى، بالرغم من وجود امرأة أخرى هناك؟ لكي يعلّمنا أن نعطى أمهاتنا رعايةً أكثر. فعندما يقاومنا الوالدان فيما يختص بحياتنا الروحية، لا يجب حتى أن نلتفت إليهما. لكن عندما لا يسبّبا لنا أية عراقيل في مسيرتنا الروحية يجب أن نقدم لهما  كل محبة. وأن يكونا في الرتبة الأولى قبل الآخرين؛ لأنهما احتملا مشقات لا حصر لها من أجلنا. هكذا أفحم (الرب) وقاحة ماركيون الهرطوقي؛ لأنه لو لم يكن وُلِدَ بحسب الجسد لما كانت له أم. وإلاَّ لأي سبب يعتني ـ فقط ـ بها وهو فوق الصليب؟

 

المسيح يقبل الموت بإرادته:

بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمُل” (يو28:19)، بمعنى أنه لم ينقص شيئًا من خطة التدبير الإلهي؛ فقد حرص ـ بكل الطرق ـ أن يبرهن على أنه يواجه الموت في جسده لأول مرة. وطالما أن قبوله الموت كان متوقفًا على إرادته، ولم يكن قد واجه الموت في جسده قبل هذا الوقت، فقد قبله الآن طالما أنه أكمل كل شئ، لذلك قال (سابقًا): ” ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا” (يو10: 18).

لقد

عرف ـ إذن ـ أن كل شئ قد تمَّ. فقال ” أنا عطشان“. وهنا أيضًا يتمم النبوة. أرجو أن تنتبه لمدى رداءة هؤلاء الموجودين (من اليهود والرومان). فعلى الرغم مما قد يكون لنا من أعداء لا حصر لهم، وما قد يلحقوه بنا من شرور لا مفر من مواجهتها، إلاَّ أننا نأسف ونحزن عليهم عندما نراهم يقتلون أنفسهم. أمَّا هؤلاء فلم يتعاطفوا معه ولم يهدأوا حتى بعد كل ما رأوه، بل بالأكثر صاروا أكثر وحشية وزادوا من سخريتهم به وقدموا له خلاً موضوعًا على زوفا. هكذا سقوه. مثلما يفعلوا مع المدانين، لأنه كان يوجد إناءً مملوءًا خلاً (يو29:19).

فلما اخذ يسوع الخل قال قد أُكمل” (يو30:19). أراءيت كيف أنه فعل كل شئ بلا اضطراب بل بسلطان؟ هذا ما أظهره. وبعدما أتم كل شئ ” نكَّس رأسه“، “وأسلم الروح” بمعنى أن الروح قد انطلقت. فالنفس الأخير لم ينطلق أولاً، ثم بعد ذلك نكس الرأس، إذ أنه لم ينكس رأسه لأن روحه انطلقت، الأمر الذي يحدث معنا نحن البشر، بل انطلقت الروح بعد أن نكس رأسه. وهكذا أظهر الإنجيلي أنه كان رب الكل.

أمَّا اليهود الذين ” يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل” (مت23: 24)، فرغم ما فعلوه لم يهتموا بشيء إلاَّ بالبحث بكل تبجح عن الشكليات الجانبية. ” ثم إذ كان استعداد فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن يوم السبت عظيمًا سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويرفعوا” (يو19: 31).

 

الكنيسة وجنب المسيح:

أرأيت قوة الحقيقة؟ لقد تحققت بعض النبوات بكل ما فعلوه بسيدنا المسيح. كما تحققت نبوة أخرى عندما أتى الجنود وكسروا سيقان اللصين لكنهم لم يكسروا عظام المسيح. ولكى يصنعوا خدمةً لليهود ثقبوا جنبه بحربه فجرى من الجسد الميت دم وماء. يا لها من نوايا دنسه وحمقاء! ولكن لا تنزعج ولا تتضايق أيها الحبيب؛ لأن كل ما فعلوه بقصد شرير، كان لإظهار الحق حيث إن ثمة نبؤة تقول:       ” سينظرون إلى الذي طعنوه” (يو19: 37، زك12: 10).

وليس هذا فقط، بل إن هذه الجسارة صارت برهانًا للإيمان عند أولئك الذين سوف يؤمنون، مثل توما وأمثاله. ومع كل هذا فقد تممَّ سرًا لا يُوصف؛ لأنه خرج منه دم وماء. هذان النبعان لم ينشئا صدفةً، إذ بالاثنين تتكون الكنيسة. والذين يشتركون في الأسرار يعرفون ذلك معترفين بالماء (المعمودية) ومتغذين بالدم والجسد (الإفخارستيا) من هنا ينالون الأسرار. لدرجة أنهم عندما يأتون إلى الكأس الرهيب، يأتون هكذا كأنهم يشربون من هذا الجنب المطعون.

 

يوحنا شاهد عيان:

والذي عاين شهد وشهادته حق” (يو35:19). أي لم أسمع من آخر. لكن أنا نفسي رأيت وكنت موجودًا هناك. وشهادتي هي حق وحسنة جدًا. لأنه يصف سُبابًا وشتائم ولا يصف شيئًا عجيبًا حتى لا يُسبب شبهه للوصف، بل هو نفسه سدَّ أفواه الهراطقة وقال مسبقًا عن الأسرار التى ستتم فى المستقبل، ورأى الكنـز الذي يوجد فيها. لقد وصف الحدث بدقة. لقد تحققت تلك النبوة التي تقول ” عظم لا يُكسر منه” (يو19: 36 مز33: 21). لأنه، بالرغم من أن هذا قِيل عن خروف اليهود (خروف الفصح) وإن كان المثال قد قيل مسبقًا، ولكنه صار منطبقًا بالأكثر على ما حدث هنا. لذلك أشار يوحنا الرسول إلى النبي؛ لأنه رأى أنه غير مستحق أن يشير إلى ذاته، فأشار إلى موسى قائلاً إن هذا لم يحدث صدفةً، بل قِيل مسبقًا من البداية. وهذا هو الذي قِيل عنه بأن “عظمًا لا تكسروا منه” (خر12: 46. عدد9: 12). وأيضًا ينسب للنبي تقييم الأحداث التي تُسرد. هذه الأقوال قالها لكى تعلموا أن علاقة المثال بالواقع الحقيقي علاقة كبيرة جدًا. أرأيت كيف أنه حرص على أن يصبح ذلك الأمر محل إيمان وتصديق، ذلك الأمر الذي يعتبر عارًا ويسبب خجلاً؟[5].

كل

هذا سجَّله الإنجيلي ” لكي تؤمنوا” (يو31:20). فلا يخجل أحدٌ متصورًا أن الإيمان بهذه الأمور يسيء إلى فضائلنا. لأن ما يعتبر عدم كرامة فإنه يمثل فخرًا لأمورنا الصالحة.

 

تكفين المسيح:

ثم إن يوسف الذي من الرامة وهو تلميذ يسوع” (يو38:19) لم يكن من الاثنى عشر لكن ربما من السبعين (لأنه بحسب اعتقاده أن غضب اليهود قد انطفأ بصلب المسيح أتى بدون خوف وانشغل بالتكفين). فقد أتى يوسف الرامي ليطلب خدمةً من بيلاطس، وبيلاطس منحها له. ولماذا لا يفعل هذا؟ لقد قدَّم يوسف خدمة إذ كان القبر جديدًا. وإذ كانوا مازالوا يعتبرونه المسيح إنسان عادى، ولتحقيق هذا الهدف (التكفين) حملوا معهم أطيابًا من التى لها خاصية حفظ الجسد لوقت أطول ولا تسمح للجسد أن للتحلل. الأمر الذى أظهر أنه لا يتوقعان (كل من يوسف ونيقوديموس) شيئًا أسمى من هذا. وبجانب ذلك فقد أظهر كل من يوسف ونيقوديموس حبهما الكبير للمسيح. لكن لماذا لم يأتِ أحد من الاثنى عشر، لا يوحنا ولا بطرس ولا شخصًا آخر من التلاميذ؟ والتلميذ (يوحنا) لا يُخفي هذا الأمر، فلو أراد أن ينكر مسألة الخوف من اليهود، لِما قال إن هؤلاء كان يتملكهم الخوف. حيث قال ” خفية بسبب الخوف من اليهود” (يو19: 37). ولا يستطيع أحد أن يقول إنه قال ذلك بسبب احتقاره الشديد لهما، بل هو نفسه برغم أنه خاف، إلاَّ أنه جاء (عند الصليب). أمَّا يوحنا فعلى الرغم من أنه كان موجودًا ساعة الصلب ورآه يُسلم الروح، إلاَّ أنه لم يفعل شيئاً مثل هذا (التكفين). فلماذا؟ أنا اعتقد بسبب أن يوسف كان من اليهود الرسميين جدًا (وهذا صار واضحًا من التكفين). وبسبب أنه كان معروفاً لبيلاطس. لذلك أخذ على عاتقه هذه الخدمة، وكفَّنه، ليس كمحكوم عليه، بل كشخص عظيم كما تقتضي العادة عند اليهود.

ونظرًا لضيق الوقت؛ لأنه مات قبل الساعة التاسعة وبعد ذلك أتى يوسف إلى بيلاطس ثم أنزل الجسد من على الصليب. وبالطبع كان وقت المساء حين لا يُسمح لأحد بالعمل، فوضعوه في قبر قريب.

 

 

لقد رتَّب التدبير الإلهي أن يوضع في قبر جديد لم يوضع أحد فيه حتى لا يظن أحدٌ أن شخصًا آخر ميتًا ـ كان في نفس القبر ـ قد قام مع يسوع. وحتى يستطيع التلاميذ أن يأتوا بسهوله وأن يروا بأعينهم الأحداث، طالما المكان قريب وكانوا شهودًا للقبر. ليس فقط هؤلاء، بل الأعداء أيضًا إذ ختموا القبر وقاموا بحراسته. هذه كلها كانت أمورًا تؤكد موته ودفنه في القبر. حيث اهتم المسيح بأن يُعترف بموته ليس بأقل من الاعتراف بقيامته. والتلاميذ اظهروا اهتمامًا كبيرًا بهذا حتى يبرهنوا أنه مات. ثم بعد ذلك الكرازة بالقيامة من الأموات.

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] “هوذا تأتي ساعةٌ، وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي. قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام” (يو16: 32ـ33).

[3] يقصد القديس يوحنا هنا الهراطقة الذين ظنوا أن هناك تناقضاً بين آيات الكتاب المقدس، وتاه منهم المجال الذي يدور فيه حديث السيد.

[4] “طوبى للحزانى لأنهم يتعزون” (مت4:5).

[5]الكلام هنا عن وصف التفاصيل المشينة التي حدثت أثناء الصلب من تكسير العظام وغيره.

 

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version