يو 4:4ـ 6 : ” وكان لابد أن يجتاز السامرة، فأتى إلى مدينة من السامرة يُقال لها سوخار بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه . وكانت هناك بئر يعقوب، فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر وكان نحو الساعة السادسة” .
عبر يسوع حدود اليهودية، وصار الآن وسط الغرباء، ثم استراح المُخلّص على “بئر يعقوب”: موضحًا لنا أيضًا في مثال غامض، أنه حتى إن انتقلت الكرازة بالإنجيل من أورشليم، وأسرع الكلمة الإلهى الخطى إلى الأمم، فإن إسرائيل لن يفقد حبه لآبائه، لكن سوف يلتصق بهم مرة أخرى، وسوف ينتعش أيضًا ويستريح، كما في قديسيه، حافظًا لهم النعمة الأولى بلا نقصان تلك التي لهم منذ القدم. لأنه يُحب أن يذكر قديسيه، ليجعل نفسه مثالاً لنا في هذا أيضًا، ويصبح بداية باب الكرامة المُعطاة للآباء. ولكن ” إذ قد تعب من السفر ” كما هو مكتوب، جلس، لكن بهذا أيضًا فهو يدين عدم قبول أولئك الذين طردوه. لأنهم بدلاً من أن يربحوا صداقته بالتكريم العطوف السخى، وبتوقيره ومخافته، كواهب للبركات، فإنهم أساءوا معاملته، وراحوا يرهقونه ويدفعونه إلى بذل جهدٍ شاق، ليصدق قوله عنهم في سفر المزامير ” يجازوننى عن الخير شرًا ” (مز12:35).
يو8،7:4 :” فجاءت إمرأة من السامرة لتستقى ماءًا: فقال لها يسوع، أعطينى لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا “.
لم يكن المخلّص يجهل أمر مجىء المرأة، لأنه عرف ذلك تمامًا لكونه الله ذاته، أنها ستأتى هناك لتستقى الماء البارد من البئر. وإذ قد جاءت، بدأ يتهيأ لاقتناص فريسته وسط متاعبه، وبدأ مباشرةً بكلمة التعليم، فقد جعل حديثه من واقع الأمر الذي أمامه. لقد عيّن الناموس لليهود ألاّ يتدنسوا بأية طريقة، ولهذا أمرهم بالابتعاد عن كل شئ نجس وألا يختلطوا بالغرباء أو غير المختونين (لا2:5 ،3). لكنهم حمَّلوا الوصية فوق طاقتها، واتبعوا فرائض فارغة جدًا، أكثر من إتمام الناموس بدقة، فجاهدوا ألاّ يلمسوا جسد غريب، ودأبوا على الاعتقاد بأنهم سيتنجسون أكبر نجاسة، إن تقابلوا مع السامريين في أى شئ. وهكذا كان اختلافهم قد بلغ هذا الحد، حتى أنهم امتنعوا حتى عن تذوق الماء أو الطعام الذي يجلبه لهم الغرباء. إذن فلكى تتعجب المرأة وتندهش، ومن ثم يدفعها مسلكه الغريب إلى سؤاله مَن أنت، ومن أين أتيت، وكيف أنه يزدرى بالعادات اليهودية، وفي النهاية يبلغ الحديث مقصده ـ لكى يحدث كل هذا ـ تكلم الرب كعطشان قائلاً: ” أعطينى لأشرب ” لكنها قالت …
يو9:4 : ” فقالت له المرأة السامرية كيف تطلب منى لتشرب، وأنت يهودى وأنا إمرأة سامرية؟ لأن اليهود لا يعاملون السامريين” .
التساؤل بدء التعلم، والشك بالنسبة لمَن يجهلون أى موضوع، هو أصل الفهم، وكانت تلك البداية هى قصد الحديث: حيث يلمح المخلص بحكمة إلى أنه لا يحسب أية قيمة لعادات اليهود.
يو10:4 : ” أجاب يسوع وقال لها: لو كنتِ تعلمين عطية الله ومَن هو الذي يقول لك أعطينى لأشرب لطلبتِ أنت منه، فأعطاكِ ماءًا حيًا” .
إذ لا تدرك المرأة جوهر الابن الوحيد، الذي يفوق السماء والأرض، وإذ تجهل تمامًا مَن هو الكلمة المتجسد، فإنها تدعوه يهوديًا. أما هو فقد صمت حيال ذلك لأجل منفعتها، حتى يمسك بأطراف الحديث معها. لكن هل رفعها إلى إدراك أسمى عن نفسه، بقوله لها أنها لا تعرف مَن يكون هذا الذي يسألها أن يشرب، أو عظم النعمة التي تنجم عن العطايا الإلهية، لأنها لو كانت تعرف، ما احتملت أن تتخلف عن خدمته، لأنها كانت ستمنع الرب من السؤال. إذن فقد أثار هو فيها بذلك، الرغبة القوية في التعلم. تأملوه الآن كيف يدير دفة حديثه بمهارة ودونما أى تفاخر، فهو يقول انه الله، لكن رغم هذا كانت المرأة بطيئة في الفهم. ولكى يجعلها تتعجب لعطية الله، قدّم نفسه لها بأنه هو واهب النعمة. لأنه إن كان يقول: ” لو تعلمين عطيةالله ومَن هو هذا الذي يكلمك، لطلبتِ أنت منه ” فلمن يليق بنا أن نقدم ما يناسب الله؟ أليس للذي هو بالطبيعة الله؟
لكنه يُسّمى الموهبة المحيية التي للروح القدس ” الماء الحى”، ويخبرنا الله بشئ مثل هذا بلسان إشعياء النبى أيضًا ” يمجدنى حيوان الحق. الذئاب وبنات النعام لأنى جعلتُ في البرية ماءًا أنهارًا في القفر، لأسقى شعبى مختارى، الذيجبلته لنفسى ليحّدث برفعتى ” (إش20:43، 21). ونص آخر عن القديسين يقول إن نفس البار ستكون ” كشجرة مثمرة وتنبت كالعشب في وسط المياه، وتغدوا كالصفصاف. بجانب المياه الجارية ” (إر12:31س).
وفوق ذلك يمكننا أن نحشد العديد من الشهادات أيضًا من الكتاب المقدس حيث يكون من السهل جدًا إيضاح، أنه تحت اسم الماء، يُذكر الروح الإلهى دائمًا، لكن لا وقت لدينا للتباطؤ هنا. بل سنبحر إلى مواضع أخرى، منطلقين إلى بحر التأملات الإلهية الواسع.
يو11:4 : ” قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك، والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحى؟”.
لا تتخيل السامرية شيئًا أكثر، تلك التي اعتادت ممارسة أعمال السحر والخداع الشيطانى، أنه سيسحب لها الماء من اعماق البئر دون دلو أو شئٍ من هذا القبيل، لكنها دعت ذلك ” بالماء الحى ” بحسب فهمها هى، أى الماء العذب المتدفق حديثًا من عيون النبع.
يو12:4 : ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر وشرب منها هو وبنوه ومواشيه؟ ” .
وهنا كفّت المرأة من نفسها، إذ سرعان ما أدركت أنها قد كوّنت عنه أفكارًا لم تكن مقدسة ولا حقيقية بالمرة. لأنه كان من المستحيل أن لا تبلغ الفهم، وهى تتمتع تمامًا بالكلمات الإلهية، ولأنه لم يكن من المحتمل أن يكون المتكلم ساحرًا، بل بالحرى هو نبى، وأحد الفائقين في القداسة، وقد وعد أن يمدها بالماء الحى، من دون إحدى الوسائل العادية كالدلو، أو لأنها وجدت ماءًا أفضل لتستعمله من مصدر آخر، فقد غيرت حديثها على الفور إلى مَن هو أكثر وقارًا، وكما لو كانت استبدلت قديسًا بقديس قائلة: ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا تلك البئر؟” وبسبب ذكاء فكرها، لم تعد تتعجب من وعده لها بأن يحضر الماء من دون حبل، بل راحت تتحدث عن خواص هذا الماء من حيث المذاق.
يو13:4 ،14:” أجاب يسوع وقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه انا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية”.
تقترح المرأة السامرية، كسؤال يصعب إجابته، ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب” أما المخلص فبكل حكمة، يتجنب أى تباه، فلا يقول إنه أعظم من يعقوب، لكنه يحثها من خلال طبيعة الأشياء أن تقبله هو الذي يفوق الجميع. لهذا يكشف عن الفارق الذي لا يُقارن بين المياه الروحية، والمياه المادية الملموسة، قائلاً: ” كل مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا ” لكن الذي يمتلئ بمائى، لن يكف فقط عن العطش، بل يملك في داخله ” ينبوع ماء يرويه إلى ” حياة أبدية ” لهذا فإن من يعطى ما هو أكثر، هو أعظم من الذي يعطى ما هو أقل، ولا يمكن للمغلوب أن يحمل نفس مجد الغالب.
ويجب أن نعرف أيضًا، أن المخلّص هنا يُسَّمى نعمة الروح القدس بالماء، الذي إذا اشترك فيه أحد، تصير له موهبة التعليم الإلهى التي تفيض على الدوام في داخله، فلا يعود يصبح بحاجة إلى أن يعلّمه الآخرون، بل بالحرى يتوفر لديه ما يحث هو به المتعطشين إلى الكلمة الإلهى السماوى، مثلما كان البعض الذين لايزالون في هذه الحياة الحاضرة على الأرض، كالأنبياء والرسل، وورثتهم في الخدمة الرسولية، الذين كُتب عنهم،” فتستقون مياهًا بفرحٍ من ينابيع الخلاص ” (إش3:2).
يو15:4 : ” قالت له المرأة: يا سيد أعطنى هذا الماء لكى لا أعطش ولا آتى إلى هنا لأستقى” .
للمرة الثانية لا تزال تتكلم وتتخيل أمورًا عادية فقط، ولم تدرك شيئًا مما قيل، لكنها تفترض أن التحرر من متاعب ومشقة (الاستقاء بالقدور وآنية الماء)، يشّكل كل قصد مخلصنا، وأنها لن تعطش أبدًا وهكذا تصورت قياس نعمة الله، دون أن ترتفع بالفكر لتنال الأمور التى هى فوق العالم.
يو16:4 : ” قال لها يسوع : اذهبى وادعى زوجك وتعالى إلى ههنا “.
أظن أن الرب طلب من المرأة أن تدعو زوجها، لأنه وجد أن قلبها بطئ جدًا في التعلّم، ولم يتمرس بكلمات الحكمة، كما أن الرب فى نفس الوقت يهدف إلى شئ آخر جميل جدًا.
يو18،17:4 : ” أجابت المرأة وقالت ليس لى زوج. قال لها يسوع: حسنًا قلتِ ليس لى زوج. لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلتِ بالصدق “.
لمَن من الناس لا يتضح الآن أن المخلّص كان لا يجهل أن المرأة محرومة من زوج شرعى، وأنه لما سألها عن زوج غير موجود، أراد أن يكشف أمورًا خفية؟ لأنه بذلك استطاع أن يجعلها تتعجب منه، ليس كواحدٍ منا، بل كمَن هو فوق الإنسان، ذلك بسبب معرفته العجيبة بأحوالها ولكى ينفعها وافق على قولها إنها بغير زوج، بالرغم من أن لها كثيرين، فالذي يجعل الزواج بلا لوم، ليس الاجتماع معًا لأجل اللذة، بل هو موافقة الشريعة ورابطة الحب الطاهر.
يو19:4 : ” قالت له المرأة : يا سيد، أرى أنك نبى “
كان من الصعب عليها أن تبلغ حد الفهم، كما أن إدراكها لم يكن كاملاً، لأنها لا تزال تدعو رب الأنبياء، نبيًا. لكنها بدأت تتحسن تدريجيًا أكثر من ذى قبل، وإذ لم تخجل من التوبيخ، اقتنصت قوة الآية لمنفعتها وهكذا راحت تنتقل من فهمها الأنثوى، لتبلغ ذهنًا قويًا إلى حدٍ ما …، فتمتد بعين قلبها إلى رؤية للأمور أفضل. ونحن أيضًا ينبغى أن يزداد اعجابنا بمخلّصنا لحكمته وطول أناته وقوته، إذ يحوّل بسهولة فهمنا العاجز غير المُدّرب إلى حالة جديرة الاعجاب.
يو20:4 : ” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغى أن يُسجد فيه”.
إذ تدرك السامرية أن الرب هو في الحقيقة نبى ويهودى، فإنها تفتخر بالأكثر بعادات بلدها وتؤكد أن السامريين أسمى في الحكمة من اليهود. لأن اليهود إذ يعرفون مفاهيم بدائية عن الطبيعة الإلهية غير الجسدانية يقولون إنه في أورشليم وحدها، أو فى جارتها، صهيون، ينبغى أن يُعبد الله الكائن فوق الكل، وكأن الطبيعة الكاملة غير المنطوق بها وغير المدركة قد اتخذت لنفسها موضعًا هناك فقط وظلت فيه، وحُبست في الهياكل المصنوعة بالأيدى. لهذا حُكم عليهم بصوت الأنبياء أنهم عديمو الفهم تمامًا، إذ يقول الله ” السماء كرسى لى والأرض موطئ لقدمى، أى بيت تبنون لى يقولالرب وأى هو مكان راحتى؟ ” (أع49:7ـ من إش1:46)، وقد كان السامريون بعيدين قليلاً عن حماقة اليهود، مع بقائهم قريبين من حدود بلادهم، ومثلهم أيضًا بلا استنارة، مفترضين أنهم ينبغى أن يصلوا لله ويعبدوه في جبل جرزيم، وهكذا لا يفلتون من السخرية بهم! لكن حجتهم في انعدام حسهم أن البركة قد مُنحت في جبل جرزيم، كما نقرأ في التثنية (تث12:27). وتعرض المرأة تلك المسألة على المخلّص، وكأنها معضلة خطيرة وصعبة بعض الشئ قائلة ” آبائنا سجدوا في هذا الجبل “.
يو21:4 : ” قال لها يسوع: يا إمرأة صدقينى أنه تأتى ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب “.
ويلوم الرب حماقة الجميع على السواء، قائلاً إن أسلوب العبادة في كلا الحالين سوف يتغير وينتقل إلى ما هو حقيقى. إذ يقول لا يكون البحث منصبًا بعد على مكان ما، يتصورون أن الله يسكن فيه، بل إذ هو يملأ الكل ويحوى الكل ” يسجد له الناس كل واحد في مكانه” كما يقول أحد الأنبياء القديسين (صف11:2س). ويقول الرب إن حلوله في العالم بالجسد هو الوقت والزمن المناسب لتغيير تلك العادات.
تأملوا كيف كان حديثه لطيفًا رقيقًا للغاية، يرشد ذهن المرأة إلى المفاهيم الصحيحة بخصوص الابن، إذ يدعو الله بالآب؛ لأنه لو لم يكن الابن موجودًا لما أمكن معرفة الآب على الاطلاق.
يو22:4 : ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم، لأن الخلاص هو من اليهود “
يتحدث المسيح مرة أخرى كيهودى وكإنسان [ولأن المسيح لم يكن يترك الفرصة السانحة دونما نفع للآخرين]، لكنه مع هذا يوضح شيئًا آخر أكثر بخصوص مفهوم عبادة اليهود. لأن السامريين يعبدون الله بسذاجة ودون فحص. بينما اليهود قد استلموا بالناموس والأنبياء معرفة ذاك الذي هو الكائن بقدر استطاعتهم. لهذا يقول الرب إن السامريين ” لا يعلمون ” لكن اليهود لهم معرفة طيبة، وهذا ما يؤكد أن الخلاص سوف يظهر منهم، أى هو نفسه الخلاص، لأن المسيح هو من نسل داود حسب الجسد، وداود من سبط يهوذا. فالذي يُعبد مع الآب بواسطتنا نحن والملائكة والقديسين قد وضع نفسه كإنسان في عداد الساجدين، لأنه إذ لبس ثوب العبد، لذلك فقد تمم الخدمة اللائقة بعبد، دون أن يفقد كونه الله والرب الذي تحق له العبادة، لأنه يظل كما هو لا يتغير، رغم أنه صار إنسانًا مبقيًا على تدبير خطة الخلاص بالجسد على الدوام.
فهو لا يسجد بصفته الكلمة والإله، لكنه إذ قد صار مثلنا، فقد أخذ على عاتقه أن يفعل هذا كما يناسب الإنسان، بسبب تدبير تجسده؛ ولن نبحث عن البرهان من الخارج، لكننا سنعرفه من كلماته هو نفسه، لأنه ماذا يقول للمرأة السامرية؟ ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم ” (22) أليس من الواضح جدًا إذن، ولكل أحد أنه باستخدامه صيغة الجمع حاسبًا نفسه مع أولئك الذين يسجدون عن ضرورة وعن عبودية قد فعل هذا وهو في الطبيعة البشرية التي هى فى وضع العبودية، ولهذا فهو يقول هذا الكلام؟ وإلاّ فأخبرنى ما الذي كان يمنعه من أن ينسب السجود إلى أقنومه الذاتى “لاهوته”، لو أنه كان يرغب في أن نعرفه كعابد. لأنه كان ينبغى أن يقول بالحرى “أنا أعرف لمن أسجد”. فعندما لا يكون معدودًا مع الباقين، تكون له قوة الكلام قاصرة على نفسه وحده، لكنه الآن وبتعبير فائق الروعة وكامل الدقة يقول “نحن” إذ قد صار ضمن رتبة العبودية بسبب إنسانيته، كمعدود بين الساجدين وكيهودى بحسب الوطن.
يو23:4ـ25 : ” ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا “.
هو الآن يتحدث عن حضوره الشخصى فى الزمان الحاضر، ويقول إن المثال قد تحول إلى الحق، وإن ظل الناموس قد انتقل إلى العبادة الروحية: ويخبرنا أنه من خلال تعليم الإنجيل، فإن الساجد الحقيقى أى الإنسان الروحانى، سوف ينجذب إلى الرعية التى تُسَّر قلب الآب، مسرعًا إلى الانضمام إلى أهل بيت الله (oikeityti) لأن الله يُعرف بأنه روح، بالمقارنة بالطبيعة الجسدانية. لهذا هو يقبل بحق الساجد بالروح،الذي لا يحمل في الشكل أو المثال صورة التقوى اليهودية، لكنه بطريقة الإنجيل، إذ يصير مضيئًا بممارسات الفضيلة وباستقامة التعاليم الإلهية، فإنه يتمم العبادة الحقة الصادقة.
يو25:4 ” قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسَّيا الذي يقال له المسيح يأتى. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ “
بحسب تعليم المسيح فإن الساعة والوقت سوف يأتيان، بل بالحرى قد حضرت الآن الساعة التي فيها سيقدم الساجدون الحقيقيون العبادة لله الآب بالروح. وعلى الفور حلّقت المرأة إلى أفكار فوق ما اعتادت عليه، إلى الرجاء الموجود منذ القديم عند اليهود. فهى تقول إنها تعرف أن المسيا سوف يأتى في وقته الخاص، ولكنها لم تقل بالضبط لمَن سيأتى، هى قد قبلت المعلومات الشائعة دون أى فحص، فهى إمرأة محبة للهو وذات فكر جسدانى، ومع ذلك فهى لا تجهل تمامًا أنه سيظهر لإسرائيل كمن سيأتى بتعليم أفضل، إذ أنها بالتأكيد قد وجدت هذه المعلومات أيضًا في الأخبار التي قيلت عنه.
يو26:4 : ” قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو ” .
لا يعلن المسيح ذاته للنفوس غير المتعلمة أو الجاهلة جهلاً مطبقًا، بل يشرق بالحرى ويظهر لأولئك الذين هم أكثر استعدادًا واشتياقًا للتعلم، ولكنهم إذ يتمخضون في بداية إيمانهم بكلماتٍ بسيطة، ينطلقون إلى الأمام، إلى معرفة ما هو أكثر كمالاً. والمرأة السامرية هى مثال لهذا النوع من الأشخاص التي كشف لنا (الإنجيل) عنها، والتي كان لها عقل بطئ الفهم من جهة الأفكار الحقيقية، لكنها مع هذا لم تكن بعيدة بعدًا تامًا عن الرغبة في الفهم. لأنها أولاً، وحين طلب المسيح منها أن يشرب، لم تعطه الماء في الحال، بل إذ رأته يكسر العادات القومية لليهود، راحت أولاً تبحث عن السبب في هذا، وإذ بدأت تذكر ذلك، طلبت من الرب أن يشرح لها، إذ تقول ” كيف تطلب منىلتشرب، وأنت يهودى وأنا إمرأة سامرية؟ ” لكن مع الاستطراد في الأسئلة، بدأت تنتقل إلى الاعتراف بأنه كان نبيًا، إذ تلقت توبيخه دواء للخلاص، ثم أضافت استفهامًا آخر قائلة في غيرة من أجل التعلم: ” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغى أن يُسجد فيه“، لكنه كان يعلم للمرة الثانية، أن الزمان سيحل، بل وقد أتى الآن فعلاً، حين الساجدون الحقيقيون، وقد رفضوا السجود على جبال الأرض، سوف يقدمون العبادة السامية والروحية لله الآب. وهى إذ تنسب أفضل الأشياء على أنها تحق للمسيح وحده، فإنها تحتفظ بالمعرفة الكاملة جدًا لأزمنة المسَّيا، فتقول، ” نحن نعلم أن مسَّيا الذي يُقال له المسيح يأتى، فمتىجاء ذاك يخبرنا بكل شئ ” (25). أرأيت كيف كانت المرأة مستعدة للإيمان، وتبدو كأنها ترتقى سُلّمًا، وهى تقفز من أسئلة صغيرة إلى حالة أعلى بكثير، لهذا كان من الصواب أن يكشف لها الآن ما كانت تتوق إليه بكلام أكثر وضوحًا، فراح يخبرها بما كان محفوظًا كرجاء صالح، وها هو قد صار الآن أمام ناظريها: ” أنا الذي أكلمك هو“.
يو27:4 : ” وعند ذلك جاء تلاميذه ” .
جاء التلاميذ عند ختام حديثه مع المرأة. لأن المخلص كان قد صمت عن الكلام، وإذ قد وضع شرارة الإيمان المتوهجة بين السامريين، فإنه قد أودعها في أعضائهم الداخلية لتشتعل وتصير لهبًا عظيمًا، وهكذا يمكنكم أن تفهموا ما قاله ” جئت لألقى نارًا على الأرض فماذا أريد لواضطرمت ” (لو49:12).
” وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع إمرأة “
اندهش التلاميذ مرة أخرى من لطف المخلص، وتعجبوا لأسلوبه الوديع. بعكس أسلوب البعض الذين في تدينهم الصارم يتسمون بالقسوة، لأنه لم يرَ من المناسب أن يتجنب الحديث مع المرأة، لكنه كشف عن محبته الرؤوفة للجميع، وبذلك يُظهر، أنه إذ هو الواحد الخالق الكل، لا يعطى للرجال فقط حياة بالإيمان، بل يجتذب أيضًا جنس النساء إلى هذه الحياة.
وعلى مَن يعلّم في الكنيسة أن يتخذ هذا أيضًا كنموذج، ولا يرفض مساعدة النساء. لأنه ينبغى على المرء في كل الأمور ألا يتبع ارادته الخاصة، بل يعمل لخدمة الكرازة.
” ولكن لم يقل احد ماذا تطلب؟ أو لماذا تتكلم معها؟ “
كان عمل التلاميذ الحكماء، والذين يعرفون كيف يحفظون كرامة معلمهم أن لا يظهروا بأسئلتهم التافهة أنهم قد انخرطوا في ظنون غريبة، لأنه كان يتكلم مع إمرأة، بل بالحرى ألجموا ألسنتهم في أفواههم في وقار ومخافة، منتظرين ربهم أن يتكلم من ذاته، ليعطيهم باختياره شرحًا مناسبًا. وهكذا فإننا نتعجب للطف المسيح، ونتعجب أيضًا لحكمة التلاميذ وفهمهم ومعرفتهم بما يليق.
يو28:4 : ” فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس”.
بدت المرأة الآن وقد ارتفعت بنفسها فوق اهتمامات الجسد، تلك التي كانت منذ يومين أو ثلاثة زوجة لكثيرين، والذين كان من السهل أن تأسرهم اللذات الباطلة، والآن هى تعلو فوق الجسد وفوق احتياجاته الضرورية، فتهمل حتى العطش والشرب، ويُعاد تشكيلها إلى حالة أخرى بواسطة الإيمان. وفي الحال إذ قد مارست المحبة تاج الفضائل، وإذ كانت لها عاطفة مُحبة للقريب، ذهبت بكل اجتهادها واشتياقها إلى الآخرين أيضًا لتكرز لهم بالصلاح الذي ظهر لها، ولهذا أسرعت إلى المدينة، فربما أخبرها المخلص وهمس في ذهنها سرًا: ” مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا ” (مت8:10). فلنتعلم نحن إذن ألا نحاكى الخادم محب الكسل والذي أخفى وزنته (مت18:15) في الأرض، بل بالحرى فلنكن مجتهدين في المتاجرة بها. هذا الصنيع الحسن هو ما فعلته أيضًا تلك المرأة التي شاع ذكرها؛ إذ نقلت للآخرين الخير الذي حصلت عليه، دون أن تأخذ معها الماء الذي جاءت لتسحبه من أعماق البئر، ولم تحمل جرتها التي من الطين معها إلى بيتها، بل بالحرى حملت النعمة الإلهية السماوية، والتعليم المملوء حكمة الذي للمخلّص، والذي ملأ كل مكامن ذهنها وادراكها.
علينا نحن إذن أن نتعلّم، كما في مثال وإطار، أننا باحتقارنا للأشياء الجسدية والتافهة احتقارًا كاملاً، فإننا ننال من الله أمورًا عديدة أكثر وأحسن. لأن ما هو الماء الأرضى إذا ما قورن بالحكمة السماوية؟
يو29:4 : ” هلموا انظروا إنسانًا قال لى كل ما فعلت، أليس هذا هو المسيح؟”.
ياللتحول العجيب! يالقدرة الله العظيمة حقًا، التي تكشف عجائب لا يُنطق بها! إن المرأة الحاذقة في العمل بالتعليم، بادرت وهى تلك التي لم تفهم أيًا من الأمور التى قيلت أولاً، ولهذا سمعت بصواب ” اذهبى وادعىزوجك وتعالى إلى ههنا “، فانظروا كيف تحدثت بمهارة مع السامريين. فلم تقل إنها وجدت المسيح، كما أنها لم تُدخل يسوع في روايتها في بادئ الأمر. لأنها كانت ستُرفض حتمًا، وعن حق، لو أنها تكلمت بكلام يفوق قياس الكلمات المناسبة لها. إذ أن سامعيها لا يجهلون عاداتها، لهذا فهى تمهد الطريق لهذه الأعجوبة، وإذ قد أدهشتهم بالمعجزة أولاً، فإنها تجعل الطريق أيسر إلى الإيمان، إن جاز التعبير. وقالت بحكمة: ” هلموا انظروا ” صارخة بصوت عال وبجدية عظيمة. ويكفى النظر فقط للإيمان، إذ يؤكد للحاضرين أعاجيبه الجديرة بالإلتفات. لأن الذي يعلم الخفايا، وله هذه الكرامة العظيمة، كيف لا يسرع بسخائه ليحقق تلك الأمور التي يشاءها؟
يو30:4 : ” فخرجوا من المدينة وأتوا إليه “.
أظهر السامريين أنفسهم مرتفعين فوق حماقة اليهود، وبالطاعة انتصروا على جهل اليهود المتأصل فيهم. إذ أصغوا إلى معجزة واحدة فقط، فأسرعوا مهرولين إلى يسوع، دون أن يكون الأنبياء القديسون قد سبقوا قبلاً وأقنعوهم بأصواتهم، أو بإعلانات موسى ولا حتى بشهادات يوحنا الفعلية، بل أخبرتهم عنه إمرأة واحدة فقط، كانت خاطئة.
يو31:4 : ” وفي أثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين: يا معلم كُلْ “
نجح الإنجيلى الإلهى بشكل فائق للغاية في وضع هذا الكتاب، ولم يحذف شيئًا يعتقد أنه يمكنه أن ينفع القراء. اسمع إذن كيف يقدم يسوع مرة أخرى كمثال لفعل جدير بانتباهنا جدًا. لأنى لا أظن أن شيئًا ما قد وُضع هكذا عبثًا في الكتب المقدسة، لكن ما يحسبه أى أحد أنه ذو شأن قليل، يجده أحيانًا مملوءًا بنفع لا يمكن ازدراؤه. وإذ قد بدأ السامريون يتحولون ويبحثون عنه: لهذا قصد قصدًا كاملاً ومطلقًا خلاص أولئك المدعوين، فلم يولِ الطعام الجسدانى اهتمامًا، بالرغم من أنه ” قد تعب من السفر” (آية6) كما هو مكتوب: وبهذا أيضًا ينفع المعلّمين في الكنائس، أن يستخفوا بكل تعب، وأن تكون لهم غيرة عظيمة لأجل خلاص الآخرين، أكثر من اهتمامهم بأجسادهم. إذن لكى نعرف نحن أيضًا أن الرب كان قد اعتاد أن يجول دون طعام في مثل تلك الأوقات، نرى الإنجيلى يقدم لنا التلاميذ وهم يترجون الرب، أن يأخذ ولو قليلاً من الطعام الذي أحضروه، كطعام ضرورى لا غنى عنه، لأنهم كانوا ” قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا” (آية 8)، وكانوا قد أتوا به الآن فعلاً. فقال لهم ” أنا لى طعام لآكل، لستم تعرفونه أنتم“. صاغ المخلّص إجابته بحذق مما كان أمامه. إذ كان يتكلم بشكل سرى. فلو كانوا قد عرفوا أن تحول السامريين أوشك أن يتم، لكانوا قد طلبوا إليه بالحرى أن يتمسك بأمر أكثر رفعة من طعام الجسد. ومن هذا أيضًا نعرف مقدار حبه العظيم نحو الإنسان: لأنه يعتبر رجوع الضال إلى الخلاص هو طعامه ولذته.
يو33:4 : ” فقال التلاميذ بعضهم لبعض: ألعل أحدًا أتاه بشئ ليأكل؟ “.
وإذ لم يفهم التلاميذ بعد، الكلام الذي بدا غامضًا لهم، كانوا يفكرون فيما كان يحدث بينهم أحيانًا كثيرة، وانحدروا إلى درك الأفكار، متخيلين أن أحدًا قد أحضر طعامًا، وربما كان هذا الطعام أغلى وأحلى مما جلبوه معهم!
يو34:4 : ” فقال لهم يسوع طعامى أن أعمل مشيئة الذي أرسلنى وأتمم عمله”.
يقدّم يسوع نفسه كمثال لمعلّمى العالم مستقبلاً، بغيرة متفاضلة وفائقة كثيرًا، ليتبصروا من جهة إيثار واجب التعليم، وعلى هذا الأساس يليق بهم أن يعتبروا حاجات الجسد في المرتبة الثانية. إذ بقوله إن طعامه الذي يسره هو أن يفعل مشيئة ذاك الذي أرسله وأن يتمم عمله فإنه يرسم ملامح الخدمة الرسولية ويوضح بجلاء أى نوع من الرجال ينبغى أن يكونوا في سلوكهم. كان من الضرورى أن يهتموا بالتعليم فقط، ويليق بهم أن ينصرفوا تمامًا عن ملذات الجسد، وفي بعض الأحيان والأوقات قد يضطرون للاستغناء حتى عن الخدمة الضرورية للجسد لحفظه من الموت!
ولنقل هذا لأجل الوقت الراهن، لما هو لائق بخصوص نموذج ومثال الجماعة الرسولية. لكن إن كان ينبغى بالإضافة إلى ما سبق أن قيل، أن نشغل أنفسنا بالحديث أكثر عن التعليم، فإنه يقول بوضوح، إنه أُرسل بواسطة الله الآب، أما من جهة التجسد، الذي به أشرق على العالم جسديًا، بمسرة الآب الصالحة، أو كالكلمة الصادر من العقل الوالد، بكيفية ما، والمُرسَل والمُتمّم لأمره، لا باعتباره خادمًا لإرادات الآخرين. ولكونه هو ذاته الكلمة الحى وفي نفس الوقت مشيئة الآب فائقة الوضوح، فإنه يُخلّص حالاً أولئك الذين هلكوا . لذلك فإن القول ” إنه عمل الذي أرسله ” يبين أنه هو نفسه المتمم لهذا العمل: لأن كل الأشياء هى من الآببالابن في الروح القدس.
يو35:4 : ” أما تقولون إنه يكون أربعة أشهر ثم يأتى الحصاد؟ “.
ها هو يتخذ من مناسبات حديثة من جهة الزمن والحدث، ومن أشياء محسوسة بالفعل، وسيلة بها يشكّل اعلانه للأفكار الروحية. إذ كان الوقت لا يزال شتاءً بعد، ولا تزال سيقان القمح الهشة الرقيقة تبرز من سطح التربة، لكن بعد انقضاء أربعة أشهر، تنتظر أن تحصدها أيدى الحاصدين. [لهذا يصرح] ألا تقولون أيها الناس، هناك أربعة شهور لا تزال ويأتى الحصاد؟.
“ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول. إنها قد ابيضت للحصاد”
أى ارفعوا قليلاً أعين فهمكم عن شئون الأرض، واهتموا بالبذر الروحى، الذي نما فعلاً، وابيض في الأرض، وفي النهاية يطلب منجل الحصاد لنفسه. لكن من المشابهة بالأمور في الحياة الفعلية، سترون ما يعنيه هذا الأمر. لأنكم ستدركون أن البذر الروحى وحشود السنابل الروحية، هم أولئك الذين، إذ حُرِثوا قبلاً بصوت الأنبياء، يأتون إلى الإيمان بالمسيح. لكن البذر أبيض، إذ نضج فعلاً وصار جاهزًا للإيمان، وثابتًا للتقوى، لكن منجل الحصاد هو كلمة الكرازة المضيئة، تقطع سامعيها عن العبادة حسب الناموس، وتنقلهم إلى الأرض، أى إلى كنيسة الله، هناك يُعصرون ويُضغطون بالأتعاب الصالحة ليعطوا قمحًا نقيًا جديرًا بجرن ذلك الذي يجمعه إليه.
يو37،36:4 : ” والحاصد يأخذ أجرة ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية لكى يفرح الزارع والحاصد معًا. لأنه في هذا يصدق القول أن واحدًا يزرع وآخر يحصد”.
يقول إنه وقت الكلمة اللوغوس الذي يدعو إلى الإيمان، ويكشف للسامعين تحقيق غاية كرازة الناموس والأنبياء. لأن الناموس بخدمات رمزية، كما في ظلال قد ألمح إلى ذلك الذي يجب أن يأتى، أى المسيح، والأنبياء بعد الناموس، يفسرون كلمات الروح: ” لأنه بعد قليل جدًا” (عب37:10 قابل إش20:26). من هنا يشيرون إلى أنه أوشك على المجىء والحضور. لكنه إذ دلف إلى الأبواب، فإن كلمة الرسل لن تجعل ما كان منتظرًا، رجاءً بعيد المدى جدًا، بل سوف تستعلنه حاضرًا فعلاً بيننا وسوف “تحصد” من العبادة الناموسية أولئك الذين لا يزالون بعد تحت عبودية الناموس، والذين يقبعون في الحرف فقط، وسوف تنقلهم تلك الكرازة كحزم إلى النهج الإنجيلى ورعويته وسوف تقطع كذلك عبدة الأوثان من ضلال تعدد الآلهة، وتنقلهم إلى معرفة ذاك الذي هو بالحق، الله، ولكن نوجز الأمر كله بإحكام، فإنها ستنقل أولئك الذين يفتكرون في “ الأمور التي على الأرض” (كو2:3) إلى حياة الملائكة بواسطة الإيمان بالمسيح. ويقول هذا ما ستفعله كلمة الحاصدين، ومع هذا فلن تكون بلا “أجرة” لأنها سوف تجمع لهم فعلاً (ثمرًا) يزدهر إلى “حياة أبدية”، وهؤلاء الذين يقبلون هذا الثمر لن يفرحوا هم وحدهم فقط، بل لأنهم قد دخلوا على أتعاب وخدمات الأنبياء، وقد حصدوا البذار التي سبق وحرثها قبلهم (الأنبياء)، لذلك سوف يصبحون شركاء معهم، لكننى أظن أن الحكيم بولس، وقد تعلّم جيدًا أمثلة الأشياء العتيدة، يقول عن الآباء القديسين والأنبياء إنهم: ” كلهم مشهودًا لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل لكى لا يكملوا بدوننا” (عب39:11،40). لأن المخلّص قصد صالحًا، أن الحاصد “سوف يفرح” مع مَن كان قد بذر قبله.
يو38:4 : ” أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم قد دخلتم على تعبهم “.
ها هو في النهاية، يكشف لهم عن السر كله، وإذ قد أزال غطاء الكلمات المعتمة، جعل المعنى جليًا للغاية. لأن المخلّص وهو محب الأنبياء، ومحب الرسل، لم يجعل تعب أولئك منفصلاً عن أيدى الرسل، ولا نسب إلى الرسل القديسين على الاطلاق المجد الخاص بأولئك الذين يخلصون بالإيمان به، بل إذ خلط تعب كل منهم مع تعب الآخر في شركة العمل الواحد، يقول إن كرامة الواحد هى كرامة للاثنين معًا. فهو يؤكد أن الرسل قد دخلوا على تعب الأنبياء القديسين، فلم يجعلهم يقفزون فوق صيت الذين سبقوهم، بل يحثهم بالحرى أن يكرموهم، إذ سبقوهم في التعب والزمان. وهذا أيضًا درس نافع وجميل لنا.
يو39:4 : ” فآمن به من تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد أنه قال لى كل ما فعلت “.
ها هو إسرائيل قد دين هنا مرة أخرى، وبسبب طاعة السامريين واستعدادهم للإيمان، يُوبخ بأنه غير راغب في المعرفة وقاسى القلب، لأن الإنجيلى يتعجب جدًا بسبب كثرة الذين آمنوا بالمسيح، قائلين ” بسبب كلام المرأة ” على الرغم من أن الذين تهذبوا بناموس المعرفة قبلاً، لم يقبلوا لا كلمات موسى، ولا أقروا أن عليهم أن يؤمنوا بأقوال الأنبياء، وهو بتلك الكلمات يمهد الطريق مقدمًا، أو بالحرى بحكمة يدافع مسبقًا، أن إسرائيل يجب وبحق أن تُطرح بعيدًا عن النعمة والرجاء الذي في المسيح وعوضًا عن ذلك يأتى ملء الأمم أو الغرباء الذين هم أكثر طاعة.
يو40:4 : ” فآمن به أكثر جدًا بسبب كلامه ” .
يشرح الإنجيلى ما حدث في كلمات بسيطة، ومرة أخرى يعطى برهانًا آخر، أن إسرائيل بعدل يجب أن يطرح من رجائه، وأن يُطعِّم الغرباء في هذا الرجاء. لأن اليهود بظنونهم المُرّة والغير محتملة، كانوا يقاومون يسوع بالرغم من صنعه العديد من المعجزات أمامهم وقد سطع بمجده، بل ولم يخجلوا من أن يندفعوا في غضب شديد ليطردوه، وفي غيرة جامحة يخرجونه خارج مدينتهم. وهو الذي يهبهم كل الفرح. بينما يقتنع السامريون بسبب كلام المرأة، ويرجونه أن يأتى إليهم على وجه السرعة. وعندما أتوا إليه، بدأوا في غيرة يتوسلون إليه أن يأتى إلى مدينتهم، وأن يهبهم كلمة الخلاص، وسرعان ما استجاب المسيح لهم، عالمًا أن النعمة ستثمر فيهم. لأن ” كثيرين آمنوا بسبب كلامه ” فليعرف إذن مَن يحب الله ويتقيه، أن المسيح يرحل عن الذين يحزنونه، لكنه يسكن في قلوب الذين يفرّحونه بالطاعة والإيمان الصالح.
يو42:4 : ” وقالوا للمرأة إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن. لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم ” .
ها هو إيمان السامريين ينبع من عظائم الأمور، وليس مما تعلموه من آخرين، بل مما تعجبوا هم أنفسهم بسماعه بأذانهم، لأنهم يقولون إنهم “يعرفون إنه هو مخلّص العالم حقًا”، جاعلين من الاعتراف برجائهم فيه عربون إيمانهم.
+++++++
1 من شرح القديس كيرلس للإصحاح الرابع من الإنجيل حسب القديس يوحنا.
لقاء المسيح مع السامرية – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد
1ـ لا شك أن سير الأمور وتدرجها بشكل طبيعي يحقق فائدةً كبيرةً. فبهذه الطريقة يمكننا أن ننهي الكثير من الأعمال الفنية التي تحتاج إلى مهارة خاصة، دون أن يكون مطلوبًا منا أن نُلم بكل التفاصيل دفعةً واحدةً. وكما نبني المدن تدريجياً شيئًا فشيئًا بهذه الطريقة الهادئة، يمكننا أيضًا – بنفس الطريقة – أن نحفظ حياتنا، فلا تنهار في مواجهة صعاب الحياة، إذا ما أدرك المرء ما تنطوي عليه نفسه من قوة روحية.
بهذه الطريقة، أمكن لليهود أن يتخلصوا من عبادة الأصنام، ولأنه لم يكن لديهم ـ منذ البداية ـ تعاليم سامية، ولا تعاليم عن العقائد، ولا حتى عن الحياة، فقد تم إنقاذهم تدريجيًا رويدًا رويدًا من هذه العبادة.
وهكذا بعد مجيء المسيح، حينما جاء ملء الزمان لظهور التعاليم السامية، دعا الرسلُ اليهودَ دون أن يكلموهم بما هو أعلى من مستواهم.
وقد استعمل المسيح أيضاً هذه الطريقة منذ البداية متحدثًا مع الأكثرية.
وهذا هو أيضًا ما انتهجه يوحنا المعمدان بخصوص المسيح، حيث عرض ما هو سامٍ في تعليمه بطريقة غامضة. فقد تحدث عنه – في البداية ـ كما لو أنه يتحدث عن مجرد إنسان، وإن كان جديرًا بالإعجاب، فيقول: ” لا يقدر إنسانٌ أن يأخذ شيئًا“، ثم يضيف إلى ذلك المعنى السامي، فيقول: ” الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع“. وإذ يتكلم ببساطة، يقول: ” ليس بكيلٍ يعطي الله الروح“، ومن ثمَّ يضيف: ” الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده“.
ولأن يوحنا المعمدان أدرك إن كثيرين لم يتأثروا لا بالوعود بالخيرات الصالحة، ولا بالتهديد بالمصاعب، فقد قدَّر أن حديثه عن الجحيم قد يأتي بالفائدة المرجوة، لذا نجده ينهي حديثه بالتشديد على أن: ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً بل يمكث عليه غضب الله“.
فهو هنا يغيِّر مستوى الحديث، فيرفعه من الكلام عن الجحيم إلى الكلام عن الآب. فلم يقل ” يمكث عليه غضب الابن“، رغم أن الابن هو الديَّان، بل يضعهم مباشرةً في مواجهة الآب، حتى ما يخيفهم بالأكثر.
ويمكنك أن تسأل: هل يكفي المرءُ الإيمانَ بالابن حتى تكون له الحياة الأبدية؟ إطلاقًا. اسمع كيف يحدد المسيح نفسه هذا الأمر: “ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات” (مت 7: 21)، كما أن التجديف على الروح القدس، وحده كافٍ لأنْ يلقى المرءَ في جهنم.
وماذا يمكن أن نقول عن العقائد؟ فلو كان إيمان شخصٍ ما بالآب والابن والروح القدس مستقيمًا، فإن إيمانه هذا لن يخلِّصه لو كانت حياته غير مستقيمة. وعندما يقول المسيح إن: “هذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك” (يو 17: 3)، فلا يجب أن نظن أن هذا كافٍ أيضًا لخلاصنا؛ لأننا – بالإضافة إلى ذلك ـ في احتياج إلى سلوك أخلاقي طاهرٍ، وحياةٍ تقيةٍ. وبالرغم من أن يوحنا قال إنَّ: ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية“، إلاَّ أنه شدد بالأكثر على ما قاله بعد ذلك؛ لأنه لا يصيغ كلامه من العبارات الإيجابية فقط، بل من السلبيةِ أيضًا.
ولعلك تنتبه إلى الطريقة التي يتبعها يوحنا في ذلك، فقد أضاف: ” الذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً، بل يمكث عليه غضب الله“. وبالرغم حتى من هذا القول، فإننا لا نقبل أن يكون الإيمان ـ وحده ـ كافيًا للخلاص، بينما نهمل كل ما كُتب في مواضع كثيرة في الأناجيل عن الحياة الصالحة. فلأجل هذا لم يقل ـ بالتحديد ـ إن هذه هي فقط الحياة الأبدية، ولم يقل إن من يؤمن بالابن فقط تكون له الحياة الأبدية، لكنه هنا وهناك يشدد على أن تكون الحياة الصالحة هي واقع الحياة الحاضرة؛ ولو لم يحيا المرء هذه الحياة، فعقابه كبير، ولذلك لم يقل ” يمكث له“، بل “يمكث عليه”؛ لكي يؤكد على أنه لن يتخلَّص إطلاقًا من غضب الله.
وحتى لا تظن أن عبارة ” لن يرى حياةً” تعني الموت المؤقت، بل تتأكد من ديمومة الجحيم، يستخدم الفعل “يمكث” مريدًا أن يؤكد على أن الغضب دائمًا ما يتربص به.
هكذا صنع يوحنا لأنه أراد أن يدفع سامعيه دفعًا تجاه المسيح، فهو لم يُرد مجرد نصحهم بطريقة معينة، بل أراد أن يؤثِّر فيهم بالأكثر بحديثه؛ ولذلك لم يقل لهم إذا آمنتم، وإذا لم تؤمنوا، بل تحدث بشكل مباشر حتى لا يسبب كلامه أي شبهة. وبالتالي كان كلامه بالصرامةٍ بالمقارنة مع كلام المسيح.
فالمسيح قال: ” الذي لا يؤمن قد دِين بالفعل“، بينما يوحنا قال: ” لن يرى الحياة بل يمكث عليه غضب الله“. ولا شك أن يوحنا محقٌ في صرامته؛ لأن الطريقة التي يتكلم بها المسيحُ عن نفسه تختلف عن الطريقة التي يتكلم بها عنه آخر. فقد يظنون أن المسيح قال هذا طلبًا للمجد أو محبةً للتباهي. أمَّا يوحنا، فكان بعيدًا عن أن تلحقه هذه الشبهة.
ترك اليهودية ومضى إلى الجليل:
وإن كان المسيح قد استخدم فيما بعد أسلوبًا أكثر صرامةً. فعندما كوَّن هؤلاء رأيًا قاطعًا عنه، تحوَّل عنهم وترك اليهودية ومضى إلى الجليل.
” فلما عَلِمَ الربُ أنَّ الفريسيين سمعوا أنَّ يسوع يُصيِّر ويُعمِّد تلاميذ أكثر من يوحنا. مع أن يسوع نفسه لم يكن يُعمِّد بل تلاميذه، ترك اليهوديةَ ومضي أيضًا إلى الجليل وكان لابد أن يجتاز السامرة” (يو4: 1ـ4). فالمسيح لم يكن يُعمِّد، بل كان الكارزون (التلاميذ) هم الذين يُعمِّدون، إلاَّ أنهم (أي اليهود) قالوا هذا لأنهم أرادوا أن يُثيروا كُره السامعين ضده.
وقد نتساءل: لماذا ترك المسيح اليهودية ومضى إلى الجليل؟
لم يمضِ المسيحُ بسبب الخوف منهم؛ لأنه كان يستطيع أن يواجههم، ولكن لأنه أراد أن ينـزع كُرههم ويُبطل حسدهم. فالمسيحُ لم يكن دائم الانسحاب والمضي من أمامهم حتى لا يدفعهم ذلك نحو الشك في ولادته بحسب الجسد؛ لأنه لو كان دائمَ الانسحاب باستمرار كلما أرادوا القبض عليه لَسبَّبَ ذلك ارتياب الكثيرين[2]، ولهذا تصرَّف بشكل يتفق وما اعتاد البشر أن يفعلوه؛ لأنه أراد ـ تحديدًا ـ أن يُؤمنوا به على أنه كان ومازال هو الإله بالرغم من أنه اتخذ جسدًا، ولذلك قال لتلاميذه بعد قيامته: “جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو24: 39).
وهذا، أي حرص المسيح على أن يُؤمنوا به على أنه الإله رغم أنه اتخذ جسدًا، كان محل اهتمام كبير من بطرس الأمر الذي دعاه إلى رفض تألم المسيح وموته، فقال له: “حاشاك يا رب لا يكون لك هذا” (مت 16: 22).
2ـ إن التشديد على حقيقة تجسده وميلاده الحقيقي هو أساس تعليم الكنيسة، وهذه الحقيقة تمثل رأس خلاصنا الذي من خلاله (التجسُّد) يصير الكل ويكمتل. لأن الموت قد أُبطل، والخطية غُفِرت، واللعنة زالت، وخيرات غير محدودة استُجدت في حياتنا عن طريق التجسُّد. لقد أراد المسيح أن يصدِّق الناس أن ميلاده بالجسد هو أصل ومنبع خيرات لا تحصى. وهو وإنْ اهتم أن يُظهر الطبيعة البشرية، لم يَدع الطبيعة الإلهية في الظلال.
المسيح يتجه إلى الأمم:
ولأن كل ما سبق كان في بؤرة اهتمامه، فقد ارتحل ومضى من هناك. لأنه لم يمضِ إلى الجليل دونما سبب، لكنه أراد أن يصنع أشياءً عظيمةً بين السامريين، ولكي يحقق ما أضمره، دبَّر الأمور بطريقة أكثر كمالاً بحيث لا تسمح لليهود الأشرار أن يحتجوا عليه بأنه تركهم وذهب إلى الأمم. هذا ما أشار إليه الإنجيلي قائلاً: ” كان لا بُد أن يجتاز السامرة“، فقد أراد أن يبدو ما فعله المسيح كأنه أمر عارض أو على هامش عمله. وهكذا فعل الرسل أيضًا؛ لأنه كما أن أولئك “السامريين” كانوا قد لجأوا إلى عبادة الأوثان، عندما أُدينوا من قبَل اليهود، هكذا المسيح أيضًا، عندما طردوه ذهب عندئذٍ إلى الأمم، وهكذا الأمر عندما أُرسل إيليا إلى امرأة بيت صرفا. لقد تم الأمر بهذه الطريقة حتى لا يكون لليهود الحق في أن يقولوا أنه تركنا وذهب إلى غير المختونين، وبالتالي تكون هناك فرصة للغفران لغير المختونين لنوال الصفح والغفران.
لذلك قال التلاميذ لهم: ” كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلى الأمم” (أع 13: 46). والرب نفسه كان قد قال: “ لم أُرسل إلاَّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت 15: 24)، وأيضًا: ” ليس حسنًا أن يُخذ خبز البنين ويطرح للكلاب” (مت 15: 26).
ولكن لأنهم طردوه، فقد فتحوا الباب للأمم. وبالتالي فهو لم يأتِ إلى أولئك كيفما اتفق، بل بقصد المجيء إليهم.
” فأتى إلى مدينة من السامرة يقال لها سوخار بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه، وكانت هناك بئر ليعقوب”.
لماذا اعتنى الإنجيلي بذكر المكان بدقة؟ حتى لا يُساء فهم ما قالته المرأة فيما بعد: “أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر”. لأنه في هذا المكان انتقم لاوى وشمعون لـ “دينة أختهم” وحدثت هناك مذبحة كبيرة[3].
قصة مدينة السامرة:
قد يكون من المفيد هنا أن نذكر من أين انحدر السامريون، ولماذا تدعى كل هذه المنطقة بالسامرة، ومن أين أخذوا هذا الاسم؟ سومور هو جبل أخذ هذا الاسم من صاحبه كما يقول أشعياء: ” ورأس افرايم السامرة، ورأس السامرة ابن رمليا” (إش7: 9). لكن الساكنين هناك لم يدعوا أنفسهم السامريين بل الإسرائيليون دعوهم هكذا. وبمرور الزمن وقعوا في عدم رضا الله. وعندما كان فقح بن رمليا ملكًا حينما أتى تغلث فلاسر (ملك أشور) واستولى على مدن كثيرة، وفتن هوشع بن إيله على فقح بن رمليا وقتله (2مل30:15) وسلم الملك إلى يوثام بن عزيا وهجم ضده شلمنآسر الذي استولى على مدن كثيرة وجعلها تدفع له الجزية. لكن عزيا في البداية تراجع، لكن بعد ذلك تمرد وطلب معونة الأثيوبيين، وعندما علم آشور جيَّش جيوشًا ضدهم وقتلهم، ولم يسمح للسبط أن يسكن هناك حتى لا يتمردوا مرةً أخرى. لذلك نقلهم إلى بابل ومديان وحيث إنه أخذ أمم أخرى مختلفة هناك، لذلك وضعهم في السامرة حتى يظل الباقي في أمان إذ سُلِّمت المنطقة إلى أُناسٍ خاضعين له.
عندما حدث هذا أراد الله أن يُظهر قوته، وإنه لم يسلِّم اليهود عن ضعف لكن من أجل خطايا الساكنين، أرسل البرابرة الذين أفسدوا كل المنطقة. هذه الأمور أخبر بها الملك الذي أرسل كاهنًا لكي يسلمهم نواميس الله، لكن ولا حتى بهذه الطريقة تركوا عبادة الأوثان إلاَّ أنهم كرهوها ثم مع مرور الزمن هجروا عبادة الأوثان وعبدوا الله[4].
حسنًا، إذن سارت الأمور هكذا. ولكن، عندما رجع اليهود أخذوا يتصرفون تجاه السامريين بكبرياء كجنس آخر وكأعداء، ودعوهم بهذا الاسم، سامريين من اسم الجبل الذى فى هذه المنطقة. وكان الصراع كبيرًا بين الاثنين؛ لأن السامريين لم يقبلوا كل الكتب المقدسة لكن قبلوا فقط كتب موسى ولم يهتموا كثيرًا بكتب الأنبياء. وبالرغم من أن السامريين قد حرصوا على إظهار أصلهم اليهودي والافتخار بإبراهيم ـ الذي يعتبرونه أبوهم باعتباره أتى من كلدان ـ ويعقوب ابنه، لكن اليهود كانوا ينفرون منهم ويحتقرونهم.
لكل ما سبق اتهم اليهودُ المسيحَ قائلين: “ أنت سامريٌ وبك شيطان” (يو8: 43). وفي مَثَل الإنسان الذي نزل من أورشليم إلى أريحا ـ الذي صاغه المسيح ـ أدخل السامري ” الذي أظهر له الرحمة” (يو10: 37)، بالرغم من أن السامري كان شخصًا لا قيمة له محتقرًا ومكروهًا لدى اليهود. ولذلك أيضًا دُعى العشرة البُرَّص من جنس غريب (لأنهم كانوا سامريين)، وهو نفسه تحدث إلى تلاميذه قائلاً: “ إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا” (مت5:10)[5].
3ـ ولكن الإنجيلي لا يذكر لنا قصة هذا المكان لأجل يعقوب، لكن لكي يُظهر مدى غربة اليهود التي حدثت ذات مرةٍ، لأن ذلك المكان كان ملكًا لهم في زمن الأجداد، ولكنهم خسروا هذه الأماكن بسبب خمولهم وفجورهم. لذلك لا توجد أي فائدة من انحدارهم من أجداد صالحين، عندما احتل هؤلاء الأحفاد المكان، لأن البرابرة أى الأمم عندما عاملوهم بوحشية الأسود عندئذٍ فقط رجعوا إلى العبادة اليهودية. لكن اليهود بالرغم من أنهم كابدوا عقوبات شديدة لم يتأدبوا حتى بهذه الطريقة.
لم يسلك طريقًا سهلاً:
وعندما ارتحل المسيح إلى هناك، لم يسلك طريقًا سهلة، ولكنه استهان بالتعب والمشقة، مقدمًا نفسه لنا كمثال، فهو لم يستخدم ـ حتى ـ دابةً، بل ذهب ماشيًا على قدميه، حتى نتشجع نحن على أن نتخلى عن أشياءٍ كثيرة نحتاجها.
وفي مناسبة أخرى قال: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (مت8: 20). لذلك كان يمكث أغلب الوقت في الجبال والصحارى، ليس فقط في النهار، بل بالليل أيضًا. وهذا ما سبق وأخبرنا به داوود قائلاً: ” من النهر يشرب في الطريق، لذلك يرفع الرأس” (مز110: 7). وهذا أيضًا ما يُظهره هنا يوحنا.
” فإذ كان يسوع قد تعب من السفر، جلس هكذا على البئر. وكان نحو الساعة السادسة. فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماءً. فقال لها يسوع أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا” (يو4: 6ـ8).
من هنا نعلم مدى احتماله لتعب الطريق ولامبالاته من جهة الطعام، وكيف أنه لا يعتبر هذا الأمر جدير بالاهتمام. وقد ربَّى تلاميذه على أن ينظموا أمورهم الخاصة بهذه الطريقة. ولذلك لم يحملوا معهم طعامًا. وقد ذكر إنجيليٌ آخر بعضًا من هذه الأمور (انظر مت16: 11) ” كيف لا تفهمون أني ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين“، فقد ظنوا أنه يقول لهم هذا الكلام لأنه لم يكن لديهم خبزًا. وعندما جاعوا، قطفوا السنابل ليأكلوا، وعندما جاع هو ذهب للتينة. بكل هذه الأمثلة لم يعلمنا شيئًا إلاَّ أن نحتقر البطن وألاَّ نهتم بها كثيرًا.
لعلك انتبهت إلى أنهم لم يُحضروا معهم شيئًا، ولا حتى اهتموا أن يجهزوا شيئًا منذ الصباح الباكر، لكنهم اشتروا طعامًا في حينه، فهم لم يفعلوا مثلما نفعل نحن، الذين بمجرد أن نستيقظ من النوم ـ قبل أي شيء ـ ننادي على الطباخين وخدام الموائد ونخبرهم بطلباتنا باهتمام عظيم، وبعد ذلك نهتم بالأمور الأخرى معتبرين أن المأكولات، هي أكثر أهميةً من الأمور الروحية، ومفضلين عليها الأشياء التي كان يجب أن تكون هامشية في حياتنا. لذلك تسود الفوضى وتنقلب كل الأمور رأسًا على عقب. على النقيض من ذلك، كان يجب أن نهتم بالأمور الروحية، ثم بعد ذلك ننشغل بأمور معيشتنا.
لا يطلب المجد الباطل وكذلك تلاميذه:
هنا يجب أن نلاحظ، ليس فقط احتمال يسوع للأتعاب والمشقات، لكن كم هو بعيدٌ عن أي افتخار أو تباهٍ. فقد كان مُتعَبًا بالفعل، وقد ظل بمفرده في الطريق، بعد أن تركه لتلاميذه مؤقتًا. وكان يمكنه ـ إن أراد ـ ألاَّ يرسلهم كلهم لكي يبتاعوا طعامًا، أو أن يكون لديه خدام آخرون، لكنه لم يُرِد.
وقد اعتاد تلاميذه على ذلك، حتى أنهم أصبحوا يحتقرون أي تباهٍ أيضًا. وقد يتساءل أحدكم: ما الذي يستحق الدهشة في هذا، وهم قد تصرفوا بما يتفق مع مستواهم المعيشي إذ كانوا إمَّا صانعي خيام أو صيادين؟
لكن بالرغم من أنهم كانوا إمَّا صانعي خيام أو صيادين إلاَّ أنهم ارتفعوا مباشرةً إلى أعلى السماء وصاروا مُمجدين أكثر من الملوك، لأنهم حُسبوا مستحقين أن يعاشروا رب المسكونة، وقد تبعوا معلمًا أدهش الجميع في كل مكان.
قد يكون من السهل على أولئك الذين يأتون من مستوى معيشي أدنى أن يتيهوا فخرًا ومباهاةً إذا ما تقلدوا مناصب رفيعة؛ لأنهم كانوا محرومين من هذه الكرامة العظيمة. ولكن، لأن الرب جمَّع هؤلاء التلاميذ على أساس الوداعة، وعلمهم أن يكونوا متواضعين في كل شيء، فلم يعودوا في احتياجٍ إلى تباهٍ.
ويقول الإنجيلي: ” فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر” (يو 4: 6).
هل رأيت كيف جلس ـ بسبب تعبه ـ منتظرًا التلاميذ؟ لقد عرف ما سوف يفعله في السامرة، وإن كان لم يأتِ لهذا السبب تحديدًا، إلاَّ أنه وعلى الرغم من أن ذلك لم يكن هذا هو السبب الوحيد لمجيئه، فلم يكن هناك مبرر لأن يطرد تلك المرأة التي أظهرت استعدادًا حسنًا للتعلم منه، خصوصًا وأن اليهود، بالرغم من أنه أتى إليهم، إلاَّ أنهم طردوه. أمَّا الأمم، فلأنهم سلكوا مسلكًا آخر، فقد صاروا مدعوين لأخذ مكانهم (أي مكان اليهود). وبينما كان اليهود يحنقون عليه، نجد أن الأمم قد صدقوه وآمنوا به.
الأولون (اليهود) كرهوه، أمَّا الآخرون فأُعجبوا به وسجدوا له. فما هو الأمر إذن؟ هل يهمل خلاص هؤلاء الناس ويترك استعدادهم العظيم؟ إطلاقًا، فهذا لا يليق بكونه محب البشر. لكن بما أنهم استجابوا للحكمة، فهو يمسك بخيوط كل الأحداث.
جلس إذن لكي يريح جسده ويستظل بجوار البئر. لأن النهار كان قد انتصف بالفعل، الأمر الذي أعلنه الإنجيلي قائلاً: “وكان نحو الساعة السادسة جلس هكذا على“، فماذا يعني الإنجيلي بـ “جلس هكذا على“؟ لم يجلس فوق العرش، ولا حتى فوق وسادة، لكن مجرد أنه جلس هكذا فوق التراب.
” فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماءً، فقال لها يسوع: اعطينى لأشرب”.
4 ـ انظر كيف أظهر (الإنجيلى) أنها أتت لسبب آخر أى لتستقى ماءً، وذلك لكى يُفند ما يمكن أن يثيره اليهود من جدال وقح. وحتى لا يمكن لأحد أن يزعم بأنه يناقض نفسه، باعتبار أنه سبق أن أمرَ تلاميذه ألاَّ يدخلوا مدينةً للسامريين، وعلى الرغم من ذلك، فها هو نفسه يتحدث مع امرأة سامرية. لذلك يبرر الإنجيلي حديثه مع السامرية بقوله ” لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا“.
أعطينى لأشرب:
ماذا فعلت المرأة إذن؟ عندما سمعت المرأة ” أعطيني لأشرب“، وجدت فرصةً جميلةً جدًا لكي تسأل المسيح:
” كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية”؟
وكيف أدركت أن يسوع كان يهوديًا؟ ربما من ملبسه، ربما من طريقة نطقه للكلام. لكن لعلك تلاحظ مدى جرأة هذه المرأة؛ لأنه لو كان على أحد أن يتحفَّظ في الحديث، فهذا هو المسيح (لكونه يهوديًا)، لا هي. فالإنجيلى يقول: ” لأن اليهود لا يعاملون السامريين“، ولم يقل إن السامريين لا يعاملون اليهود. لكن بالرغم من أن المرأة لم تكن مشاركة فى تهمة (حديث اليهودى مع السامرى)؛ إلاّ أنها لم تصمت بل قامت بتصحيح ـ بحسب رأيها ـ ذاك الذي صار (مبادرة المسيح فى الحديث معها) بخلاف اعتقاد اليهود.
ويمكن لأي شخص أن يتساءل. كيف يطلب يسوع منها أن يشرب ماءً بينما تقليد اليهود يحرِّم هذا؟ وقد يظن أحد أن المسيح كان عليه ألاَّ يطلب هذا الطلب؛ لأنه كان يتوقع ألاَّ تعطيه.
فما الذي يمكن أن نفترضه إذن؟ لم يُبدِ المسيح أي اهتمام بتلك الملاحظات التي تُزايد على الناموس. لأنه طالما هو نفسه علَّم الآخرين أن يخالفوها[6]، ففي الغالب سوف يخالفها هو نفسه، لأنه قال: ” لا ينجس الإنسان ما يدخل فمه، بل ذاك الذي يخرج من فمه” (راجع مت15: 11).
ومع ذلك، فهذا الحديث لا يمكن أن يوفر دافعًا لاتهام اليهود له، لأنه في مرات كثيرة، بالرغم من أن أحاديثه وأعماله قد خلبت لُبهم وبهتوا منها، إلاَّ أنهم لم يطيعوه. بعكس هذه المرأة التي بُهتت لمجرد أن سألها سؤالاً، بالرغم من أن المسيح لم ينتظر هذا الأمر من أحد، ولم يضغط على أحدٍ في هذا الاتجاه. ولم يُعِق أحدًا من الذين أتوا إليه.
الماء الحي:
لكن، لماذا لم يكتفِ المسيح بأن يقول لتلاميذه ألاَّ يستجيبوا للسامريين إذا أتوا إليهم، بل نهاهم أصلاً ألاَّ يدخلوا إلى مدينةٍ للسامريين؟. لأنهم وقتذاك كانوا غير مستحقين لمحبته. لذلك رد على المرأة وقال:
” لو كنت تعلمين عطية الله ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حيًا”.
وهنا يتضح لنا أنها كانت جديرة أن تسمع وتقبل كلامه، ومن ثم أعلن لها نفسه (ذاته)، وللتو عندما سمعت من هو، لفت انتباهها. وبالتالي لا يمكن لأحد من اليهود أن يتقول بشيء؛ لأنه بالرغم من أنهم سمعوا عنه، لم يطلبوا منه شيئًا، ولا كانوا مستعدين لتعلم شئ مفيد لكن شتموه وأدانوه.
وعندما سمعت المرأة هذه الأقوال ـ لاحظ مدى وداعتها ـ أجابت:
” يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟”
فهي إذن لم تعتبره ـ بالرغم من رأيها المتواضع ـ إنسانًا عاديًا، لأنها لم تدعوه “يا سيد” هكذا بدون قصد، لكن نسبت له كرامةً عظيمةً. ويتضح ذلك من أنها لم تسخر من أقواله ولا استهزأت به. لكن كان لديها بعض الشكوك. وإن كانت لم تفهم كل أقواله، فهذا لا يجعلك تشك فيها؛ لأنه حتى نيقوديموس نفسه لم يفهم. ولذلك سأله: “كيف يولد الإنسان وهو شيخ، ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانيةً ويولد؟” (يو3: 4).
لكن السامرية تسأل في احترام شديد: “يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك بالماء الحي؟“. وبينما كان المسيح يقصد معنىً معينًا، فهمت هي أمرًا آخر تمامًا، فقد أخذت الكلام على علاته دون أن تعتقد أن وراءه يكمن معنىً سامٍ. ورغم أنه كان يمكنها أن تتواقح وتقول له: لو كان لديك ماءً حيًا فلماذا تطلب مني ماءً؟ أو كان يمكنك أن تعطي نفسك، إلاَّ أنها ردت باعتدال منذ البداية. فمنذ البداية قالت له: ” كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهوديٌ وأنا امرأة سامرية؟“. وكان يمكنها أن تقول: لماذا تتحدث مع إنسان غريب، وعدو، وأنا لا أستطيع أن أعطيك لأنك عدوٌ وغريب. بل، وهناك ما هو أكثر من ذلك، فعندما سمعت منه ما هو أعظم، وهو ما قد يُغضب الأعداء، لم تسخر منه، بل سألت:
” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر لنشرب منها وشرب منها هو ومواشيه وبنوه؟”.
هل رأيت كيف تريد أن تُظهر له أصلها اليهودي؟ وليس ذلك فقط، بل إن ما قالته يعني: إن ذاك (أي يعقوب) فقط استخدم هذا الماء، ولم يكن لديه شيئًا أعظم يعطيه. ومن هذه الإجابة أيضًا يتضح لنا أنها بدأت تُدرك أن في الأمر شيئًا مهمًا وساميًا؛ لأن قولها: “وشرب منها هو وبنوه ومواشيه” يعني أنها تختزن في عقلها أمرًا لم تفصح عنه، ألا وهو أن هناك ماءً آخر ممتازًا، لكن لم تجده ولا عرفته جيدًا. وبكل وضوح، أقول لكم إن ما أرادت أن تقوله هو الآتي: لا أستطيع أن أزعم أن يعقوب الذي أعطى لنا البئر، قد استخدم بئرًا أخرى؛ لأنه بالفعل شرب من هذه البئر هو وبنوه، ولو كان لديه بئرًا أفضل لمَا شربوا من هذه البئر. وأنت نفسك لا تستطيع أن تعطي بئرًا أخرى، ولا يمكن أن يكون لديك أخرى أفضل، بالرغم من أنك تقرر أنك أعظم من يعقوب. فمن أين إذن لديك الماء الذي تَعد أن تعطيه لنا؟
وداعة السامرية:
على أن اليهود لم يكونوا في مثل وداعة السامرية، فبالرغم من أنه تحدَّث إليهم عن ذات الموضوع وكلمهم عن هذا الماء، لكنهم لم يحصلوا على أية فائدة. وعندما ذكر لهم إبراهيم كانوا يريدون قتله[7]. لكن السامرية لم تتصرف معه على هذا النحو، بل تعاملت معه بوداعة شديدة رغم الجو الحارق. كذلك هو، فبينما كان النهار في منتصفه، كان يقول ويسمع كل شيء بصبر كبير. أرجو أن تقارن هذا الموقف، بالموقف الذي اتخذه اليهود. ربما تقول مثلهم: إنه مجنون، وقد فقد عقله، ويخدعني بأن لديه بئرًا ومنابع دون أن يعطيني شيئًا، وأنه يتكلم كلامًا كبيرًا أجوفًا. أمَّا المرأة السامرية، فكانت صبورة وسمعت بانتباه حتى كشف لها ما تريده.
فإن كانت السامرية قد أظهرت استعدادًا لتعرف شيئًا مفيدًا، وقد آمنت بالمسيح، بالرغم من أنها لم تعرفه، فأي غفران نناله نحن الذين عرفناه، دون أن نكون موجودين بالقرب من البئر، أو في الصحراء، أو في منتصف النهار، أو تحت حرارة الشمس، لكن في الفجر، وتحت حماية الظل الممتعة ورطوبة الجو، ومع ذلك ليس لدينا صبرٌ لنسمع أقواله، بل نستسلم للجمود والخمول؟!!
لم تتصرف السامرية مثلنا، لكنها كانت تنصت لأقواله وتسمعها بحرص، حتى أنها دعت الآخرين. بعكس اليهود الذين لم يكتفوا ـ فقط ـ بعدم دعوتهم لآخرين، بل أعاقوا حتى أولئك الذين أرادوا أن يأتوا. لأجل هذا ذكر الإنجيل: ” ألعل أحدًا من الرؤساء أو من الفريسيين آمن به، ولكن هذا الشعب لا يفهم الناموس هو ملعون” (يو7: 48ـ49).
اعمل حساب الحياة الآتية:
ليتنا نتشبَّه إذن بالسامرية، وتعالوا نتبادل الحديث مع المسيح؛ لأنه بالفعل قائم في وسطنا يتحدث بواسطة الأنبياء والتلاميذ. تعالوا نسمع ونؤمن، فإلى متى نعيش في عبثٍ؟ لماذا لا ندرك أننا نعيش بلا فائدة إذا لم نعمل كل ما يسر الله؟ وليس بلا فائدة فقط، بل وغالبًا ما نضر أنفسنا. لأننا، إذ نهدر الزمن الذي أعطاه لنا الله بلا فائدة، فإننا سنرحل من هنا لكي نعاقب بصرامة على ما بذَّرناه بغير هدف. فإذا أخذ أحدٌ أموالاً لكي يتاجر بها، فبذَّرها، ألا يعطي عنها حسابًا لمَنْ ائتمنه. هكذا، فمَنْ بذَّر حياته بلا هدف، لا يمكن أن يتجنب العقاب؛ لأن الله لم يأتِ بنا إلى هذه الحياة الحاضرة ولا نفخ في نفوسنا نسمة الحياة لأجل هذه الحياة الحاضرة، بل لكي يكون كل شيء لأجل الحياة الأبدية الآتية.
الحيوانات غير العاقلة فقط هي التى خُلقت لهذه الحياة الحاضرة. أمَّا نحن، فلنا نفسٌ خالدةٌ، حتى نفعل كل ما يقودنا للاستعداد والتهيؤ للحياة الآتية. فلو سأل أحدٌ ما هي فائدة الخيول، والحمير، والبقر، والحيوانات الأخرى، فسوف نجيبه: لا يوجد فائدة أخرى إلاَّ أن تخدم الحياة الحاضرة. ولكن لا يمكن أن نزعم نفس الأمر بالنسبة لنا، لأنه إذا كانت الحالة الأفضل بالنسبة لنا هي ارتحالنا عن هذا العالم، وَجَبَ علينا أن نعمل كل ما يجعلنا لامعين هناك، وهكذا يمكننا أن ننتسب إلى صفوف الملائكة، ونوجد بالقرب من الملك دائمًا في الدهور الأبدية.
لهذا نقول إن نفوسنا خالدة، بل والجسد أيضًا سيكون خالدًا لكي نستمتع بالخيرات الأبدية. فلو كنت ملتصقًا بالأرض، بينما هو يفضِّل لك السماء، فكم يكون ـ إذن ـ حجم تقدمات المانح الكريم. لأن ذاك يعطيك السماويات أمَّا أنت فتستبدلها بالأرضيات لأنك لا تفضِّل السماويات. لذلك يهددك بجهنم أنت يا مَنْ تستهين به لكي تعلم مقدار الخيرات التي سوف تُحرم منها. ليتنا لا نتعرف أبدًا على ذلك الجحيم طالما لنا رجاء فى المسيح، ليتنا نفوز بالخيرات الأبدية بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والابن والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.
(2)
”أجاب يسوع وقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا.ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير منه ينوع ماء ينبع إلى حياةٍ أبدية. فقالت له المرأة يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي”
(يو4: 13 – 15)
الروح القدس: نار وماء:
1ـ يدعو الكتاب المقدس نعمة الروح القدس نارًا، وأحيانًا ماء؛ لأنه يريد أن يظهر لنا أن الأسماء لا تحل محل الجوهر[8]، لكن تعبِّر فقط عن فعل الروح القدس. واستخدام الأسماء المختلفة لا يعني أن الروح القدس يتكون من جواهر مختلفة، لأنه غير منظور، ووحيد في نوعه. ولذلك، فبينما قصد يوحنا المعمدان أمرًا معينًا بقوله: “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت 3: 11)، كان المسيح يقصد أمرًا آخر حين قال: ” من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو 7: 38 ـ 39).
لأجل هذا يدعو المسيح ـ أثناء حديثه مع المرأة ـ الروح القدس ماءًا ” مَنْ يشرب من الماء الذي أُعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد” (يو 4: 14). وعلى هذا، عندما يدعو الروح القدس “نارًا”، فإنه يشير إلى قوة وحرارة النعمة، وعندما يدعوه “ماءً”، فهو يريد أن يظهر أن التطهير يتم بالروح القدس، وإنه المريح العظيم للنفوس التي تناله. والكتاب على حقٍ في هذا؛ لأنه مثل بستان دائم الخضرة ومملوء بثمار أشجار متنوعة. هكذا الروح القدس يزين النفس بالتأهب، ولا يتركها تشعر بالحزن ولا بسيطرة الشيطان؛ لأنه بسهولةٍ يُطفئ سهام الشرير الملتهبة نارًا.
يعقوب والمسيح:
انظر ـ من فضلك ـ إلى حكمة المسيح، إذ يثير انتباه المرأة بمنتهى الهدوءٍ؛ لأنه لم يقل لها مباشرةً: ” لو علمت مَنْ الذي يقول لك أعطني لأشرب“. لكنه قال ذلك عندما دعته ـ متهمةً إياه ـ أنه يهوديٌ، فلكي يرد هذا الاتهام عندئذٍ قال: ” لو كنت تعلمين عطية الله ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حيًا“، وعندما ” قالت له المرأة يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك الماء الحي ألعلك أعظم من أبينا يعقوب“، لم يقل لها: نعم أنا أعظم؛ لأنه بدون أن يكون قد أعطي برهانا بعد على هذا، يبدو وكأنه فقط يتفاخر.
فهو لم يقل للسامرية هكذا ببساطة سوف أعطيك ماءًا، لكن كان يجب أن يُظهر أولاً ضَعف ما قالته عن يعقوب، ومن ثم يقدِّم نفسه باعتباره استثناءً؛ لأنه أراد أن يُظهر ـ بواسطة اختلاف العطايا الممنوحة ـ الرسالة المختلفة لكل شخص على حدة، كما أراد أن يُظهر الاختلاف بين مانحي هذه العطايا، ومدى تفوقه على البطريرك (يعقوب)، وكأنه يقول إن كنت تُعجبين هكذا بيعقوب لمجرد أنه أعطى هذا الماء، فماذا تقولين إن أعطاك ماءً أفضل كثيرًا من هذا الماء؟ لقد اعترفتي مسبقًا أنني بالفعل أعظم من يعقوب عندما قلت: ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب؟“، عندما وعدت أن أعطي ماءً أفضل؟ فلا شك أنكِ سوف تعترفين أنني أعظم، عندما تأخذين ذلك الماء.
لعلك رأيت حكم المرأة النـزيه عن يعقوب البطريرك وعن المسيح؟ لم يكن اليهود على هذا المستوى من النزاهة، فعندما رأوا المسيح يخرج الشياطين، لم يكتفوا فقط بأنهم لم يعتبروه أعظم من البطريرك (إبراهيم)، لكن زعموا أيضًا أن به شيطان. أما السامرية فلم تفعل ذلك، بل بَنَتَ رأيها على الأساس الذي يريده المسيح، أي على برهان عملي. لأنه هو نفسه قال: ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي” (يو 10: 37).
ويمكننا أن نقول إن السامرية قد أتت إلى الإيمان هكذا: عندما سمع المسيح: ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب“، لم يَرُد على هذا الاتهام، بل ترك يعقوب جانبًا، وأجرى مقارنةً بين ماءٍ وماء قائلاً: ” مَنْ يشرب مِن هذا الماء يعطش أيضًا“.
لم يسفِّه يسوع هذا الماء، ولا قال أنه لا يساوي شيئًا، أو إنه لا يستحق الحديث عنه، لكنه وَعَدَ بذاك الماء الذي طبيعته تشهد عن نفسها: ” مَنْ يشرب مِن هذا الماء يعطش أيضًا. ولكن مَنْ يشرب مِن الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد“. لقد سمعت المرأة بالفعل عن الماء الحي، الماء الذي لا يتوقف، بل يتدفق دائمًا دون أن ينقطع تدفقه، وهذا ما ظنته المرأة. لذلك، ولكي يجعل كلامه واضحًا، أضاف قائلاً: ” لكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد“، لقد أظهر التفوق كما قلت ـ ليس فقط ـ بهذه الطريقة، بل وبما قاله بعد ذلك. لأن الماء العادي قياسًا على ما قاله ليس شيئًا. فماذا قال؟ ” الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (يو4: 14). إذًا من يكون عنده نبعٌ في داخله، فإنه لن يعطش أبدًا، على عكس ذلك تمامًا، من لا يملك هذا الماء.
إيمان السامرية: المسيح أعظم من يعقوب:
لقد آمنت المرأة مباشرةً مدركةً إدراكًا أفضل من نيقوديموس، وليس فقط أكثر إدراكًا بل أكثر قوة؛ لأن نيقوديموس ـ بالرغم من أنه سمع كثيرًا جدًا ـ إلاَّ أنه لم يقم بدعوة أى شخص آخر (إلى المسيح) وحتى هو نفسه لم يحصل على الإيمان. لكن هذه عملت عملاً إرساليًا، فقد عرّفت الكل بالخبر ودعتهم إلى المسيح، وجذبت كل المدينة للخارج لمقابلته. أمَّا نيقوديموس ـ عندما سمع المسيح ـ سأل: ” كيف يمكن للإنسان أن يُولد وهو شيخٌ“. وعندما ضرب المسيح له مثل الريح لم يقبل كلامه. لكن، مع المرأة لم يحدث نفس الأمر، فهي وإن كانت قد بدأت تشك في البداية، إلاَّ أنها قبلت كلامه فيما بعد ليس بتحفظٍ كبير، فقد انقادت مباشرةً إلى القبول. لأنه عندما قال المسيح: ” الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية“، قالت له المرأة: ” يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش، ولا آتي إلى هنا لأستقي“.
هل رأيت كيف أنها انقادت بسهولة إلى أعلى التعاليم والعقائد وأسماها؟ في البداية ظنت أنه مجرد يهودي عابر سبيل. ولكنه حين أجابها ورد على اتهامها، ” كرزلها“، لم يُسبب أي شبهة. وعندما سمعت عن الماء الحي ظنت أنه يتحدث عن الماء العادي. ولكن، عندما أدركت أخيرًا روحانية هذه الأقوال، آمنت أنه يمكن للماء أن يسد الحاجة إلى العطش، وإن كانت ما تزال لم تفهم بعد بشكل كامل؛ لأنها وإن ظنت أن هذه الأقوال أعظم من أن تُفهم بطريقة محسوسة، إلاَّ أنها لم تعرف جيدًا من هو الذى يتكلّم بهذه الأقوال؟
لكن الآن، وبما أنها رأت الأفضل، وإن كانت لم تفهم بعد كل شيء؛ لأنها قالت: ” اعطني هذا الماء لكي لا أعطش، ولا أتي إلى هنا لأستقي“، فقد فضَّلته بالفعل على يعقوب. وكأن لسان حالها يقول: ليس لي احتياج هنا للبئر إذا أخذت منك ذلك الماء. هل رأيت كيف فضَّلت المسيح على البطريرك يعقوب؟ هذا مثالٌ للنفس التقية. لقد أظهرت كيف أن لها رأيًا عظيمًا في يعقوب، لكنها رأت أن المسيح أفضل من يعقوب ولم تظل على رأيها الأول. إن السامرية لم تصدق بسهولة؛ فهي لم تقبل كلام المسيح دون فحص، بل بحثت بدقة. كما لم تكن غير مؤمنة، ولا مُحبة للنـزاع، وهذا ما أظهرته من خلال طلبها. وإن كان المسيح قد قال مرة لليهود: “من يقبل إلىَّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا” (يو6: 35)، ولم يؤمنوا، بل فضلاً عن ذلك أيضًا تعثَّروا، فإن المرأة لم تفعل شيئًا مثل هذا، بل تماسكت وظلت تسأل. وإن كان المسيح قد قال لليهود في وضوح: “مَنْ يؤمن بي فلا يعطش“، فإنه بطريقة غير مباشرة قال للمرأة: ” الذي يشرب من هذا الماء لن يعطش“؛ لأن أقواله لها كانت وعودًا روحيةً، وليست حقائق منظورة. ولهذا، وبالرغم من أنه ملأها بالرجاء نتيجة هذه الوعود، إلاَّ أنها ظلت في دائرة المحسوسات؛ لأنها لم تستطع أن تفهم الروحيات بدقة؛ لأنه لو كان قد قال لها إن آمنت بي سوف لا تعطشين، فإنها لن تفهمه؛ لأنها لم تعرف بعد مَن الذي كان يتحدث معها، ولا عن أي عطشٍٍ كان يتحدث.
لكن لماذا لم يتحدث معها بنفس الطريقة التي تحدث بها مع اليهود؟
المسيح يختبر السامرية:
” اذهبي وأدعي زوجك وتعالي إلى هاهنا، أجابت المرأة وقالت ليس لي زوج، فقال لها يسوع حسنًا قلت ليس لي زوج لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة يا سيد أري أنك نبيٌ” (يو16:4ـ19)
لأن أولئك اليهود رأوا معجزات كثيرة صنعها، بينما هذه لم ترَ ولا معجزة واحدة. ففي أول لقاء بينهما سمعت فقط منه كلامًا، لذلك أعلن لها قوته بالنبوة، ولم يمتحنها مباشرةً، بل قال لها: ” اذهبي وأدعي زوجك“.
كم هو عظيمٌ حقًا إدراك هذه المرأة! فقد قبلت الامتحان في هدوء! ربما تقول ألم يمتحن اليهود مرات كثيرة وبدرجة أكبر؟ لا، لأنه يوجد فرق بين أن يعلن المسيح خفايا النفس، وأن يُظهر شيئًا كان مخفيًا. لأن إعلان خفايا النفس لا يكون إلاَّ لله فقط، ولا يعرفها أي شخص آخر إلاَّ فقط مَن لديه هذه الخفايا في نفسه. أمَّا ما أعلنه فى حالة اليهود كان معروفًا للجميع.
لكن اليهود لم يتحمل الامتحان بهدوء، بل عندما سأل المسيحُ اليهود: ” لماذا تطلبون أن تقتلوني؟” لم يعجبوا به مثلما فعلت المرأة السامرية، وليس ذلك فقط، بل شتموه وأهانوه. وبالرغم من أنه أَعطى براهين لليهود تشهد لنفسه بواسطة معجزات كثيرة، في الوقت الذي اقتصر الأمر بالنسبة للسامرية على السماع فقط، إلاَّ أن رد فعل اليهود لم يقتصر فقط على عدم الإعجاب به، بل شتموه قائلين: “ بك شيطان من يطلب أن يقتلك؟” (يو7: 20).
لكن السامرية لم تشتمه، بل أُعجبت به واندهشت وعبَّرت عن إعجابها بقولها إنه نبي. لقد كان امتحانها أكثر حدة من اليهود، لأن اختبارها كان خاصًا بخطيةٍ محددة، أمَّا بالنسبة لكل اليهود فقد كان الأمر عامًا. وهو لم يُظهر أسفًا لأجل الأمور العامة، بل من أجل الخطايا المحددة على وجه الخصوص. ولأن اليهود ظنوا أنهم سيحققون شيئًا هامًا إذا قتلوه، بينما كانت خطية المرأة معروفة، لكنها لم تتضايق، بل أظهرت دهشةً وإعجابًا.
وهذا هو ما فعله المسيح أيضًا مع نثنائيل. فهو لم يكلمه بنبوةٍ فى البداية، كما أنه لم يقل: “رأيتك تحت التينة” أولاً، لكن المسيح قال هذا ردًا على سؤال نثنائيل من أين تعرفني؟ لقد أراد أن تكون بداية المعجزات والنبوات تحدث لأولئك الذين أتوا إليه بأنفسهم، حتى يتصالح هؤلاء بالأكثر بكل ما يحدث مع أولئك المحيطون بهم. في الوقت الذي ينجو هو فيه من شبهة محبة المجد.
وما فعله المسيح مع نثنائيل، فعله أيضًا في هذه الحالة موضوع بحثنا؛ فقد قدَّر كم سيكون مزعجًا وغير مقبول عندها أن يتهمها أو يدينها مباشرةً قائلاً:”ليس لك زوج”. ولكي يصحح هذه الأمور في وداعة ولطف، أخذ دافعًا منها هي عندما سمعها تتكلم، وانتهز فرصة كلامها (عن أن ليس لها زوج) فقال لها: ” حسنًا قُلتِ“.
وقد تسأل: ما هي علاقة ذلك بقوله: “اذهبي وادعي زوجك”؟ لقد كان كلام المسيح هنا عن عطية ونعمة تفوق الطبيعة البشرية، ولذلك وقفت المرأة وأصرَّت على أن تفهم. لكن المسيح قال لها: “ ادعي زوجك“، وكأنه كان يريد أن يكون الزوج مشاركًا لكل العطايا. لكن، ولأن تلك المرأة كانت قد اشتاقت أن تعلم، ولأنها أرادت أن تُخفي خجلها، وقد ظنت أنها تتحدث مع مجرد إنسان، أجابت: ” ليس لي زوج“. وإذ كان المسيح قد امتحنها بالطريقة المناسبة، فعندما سمع منها هذه الإجابة، شرَّح بكل دقة أمرين، الأول: قدم لها إحصاءً بكل أزواجها السابقين، والثانى: أعلن لها ما تخفيه الآن.
السامرية تسأل عن العقائد السامية:
فماذا فعلت المرأة؟ لم تتضايق، ولا تركته ومضت، ولا ظنت أنه أهانها، لكن اُعجبت به أكثر وأصرَّت على الاستمرار فى الحديث معه، فقالت له:” أرى أنك نبي“. لاحظ مدى حصافتها، فهي لم تتسرع، لكن مازالت تفحص الأمور وتتعجب؛ لأن ” أرى” تعني يبدو لي أنك نبيٌ. ولأنها كانت تتوقع مثل هذا الأمر، لم تسأله عن شيء أرضي ولا عن الصحة الجسدية، ولا عن الأموال، ولا عن الغنى، لكن مباشرة عن التعاليم الإيمانية والعبادة. فماذا قالت؟:
” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه. قال لها يسوع يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب” (يو4: 20ـ21).
هل رأيت كيف ارتفع المسيح في نظرها؟ لأنها بعد أن انشغلت بإطفاء عطشها، ها هي الآن تسأل عن التعاليم الإيمانية. ماذا فعل المسيح؟ لم يجب على السؤال (لأن اهتمامه الأعظم لم يكن الرد تفصيليًا عن الأسئلة باعتبار أن ذلك أمر زائد عن الحاجة)، لكنه قاد المرأة إلى مستوىً عالٍ. غير أنه لم يتحدث إليها عن أمور أعظم مما قبلته هي باعتباره نبيًا، وبذلك يجتذب مزيدًا من انتباهها لما سيأتي من حديث. لأنها متى آمنت، فإنها تكف عن الشك في كل ما سيقوله.
ليت حمرة الخجل تكسي وجوهنا! امرأةٌ سامريةٌ لها خمسةُ أزواجٍ، تُبدِ استعدادًا هائلاً لتعلّم التعاليم الإيمانية، ولم يُثنِها عن هذه المناقشات عمل أو انشغال كان يجب انجازه في ساعة النهار هذه. وبينما نحن لا نسأل عن هذه التعاليم، لا نكتفي بذلك، بل ونبدو بالنسبة لأي شيء غير مبالين وكسالى. لذلك نحن نهمل كل شيء. ودعوني أسأل: من منكم وهو في مسكنه يمسك بالكتاب المقدس، ويعكف على دراسة المكتوب ويبحث في الكتاب؟ لا أحد يستطيع أن يقول إنه يقوم بمثل هذا العمل. لكن سنجد مكعبات للعب، ونرد الطاولات بالأكثر، لكننا ، سوف لا نجد كتب إطلاقًا، أو سنجد كتبًا عند قليلين.
سطِّر التعاليم فى قلبك:
لكن حتى هؤلاء القليلون يشبهون أولئك الذين لا يملكون كتبًا، لأنهم يحافظون على الكتب ويربطونها ويضعونها في الصناديق، وكل اهتمامهم ينحصر في مدى دقة أغلفة الكتب الجلدية وجمال الأحرف، لا القراءة. لأنهم لم يحصلوا عليها لأجل المنفعة، بل لكي يُظهروا غناهم وحبهم للمجد، هذه هى الأمور التى ينشغلون بها!
إن حبهم للمجد لا حد له. لأنني لم أسمع عن أحد يفتخر ويعتز بما يقرأ، لكني أسمع فقط عمن يكتب كتبه بأحرفٍ مذهَّبة. قل لي، ما هى الفائدة إذن؟ إن الكتبَ لم تعطَ لنا لمجرد أن يكون لدينا كتب، لكن لكي نكتبها في قلوبنا.
وبالتالي، يصبح اقتناء الكتب مثالاً على محبة اليهودي للمجد، فقد كان يكتفي فقط بكتابة الوصايا بالحروف، في حين أن الناموس لم يعطَ لهذا الغرض منذ البدء. لكن في ألواح القلب اللحمية. أنا لا أقول هذا الكلام لكي أعيقكم عن اقتناء الكتب، فأنا أثني عليكم لأجل هذا الأمر، وأتمنى أن يستمر. لكني أريد أن يحضر محتوى الكتب في عقولكم حتى يمكنكم معرفة معنى المكتوب. لأن الشيطان لا يتجرَّأ على دخول مسكنٍ يكون فيه الإنجيل موجودًا، ولا يجرؤ أبدًا على أن يمس النفس التي تنشغل بتعاليم الكتاب، هذه النفس لا يستولي عليها الشيطان ولا طبيعة الخطية.
إذن، قدِّس نفسك، وقدِّس جسدك. فليكن المكتوب دائمًا في قلبك وعلى لسانك. لأنه إذا كانت الأقوال الوقحة والدنسة تجلب الشياطين، فغني عن البيان أن القراءة الروحية تقدِّس، وتجذب نعمة الروح القدس. لأن الكتب المقدسة هي الأناشيد الإلهية. فتعالوا نسبِّح داخليًا ونستخدم الأدوية التي تشفي من شهوات النفس. لأنه لو عرفنا هذه الكتب، وكنا مستعدين تمامًا لقراءتها، سنسمع كل هذا.
انشغل بالمعرفة الروحية:
هذه الأمور أرددها دائمًا، ولن أكف عن ترديدها. لأنه كيف يُعقل أن يخوض الجالسون في السوق في أخطاء المذنبين، وأسماء الراقصات، ويتحرون عن الأصل، والمدن والأعمال، ويعرفون بدقة أفضل وأسوأ الخيول في السباق، بينما من يتجمعون هنا (أى فى الكنيسة) لا يعرفون شيئًا عما يحدث أمامهم، بل ويجهلون حتى عدد أسفار الكتب المقدسة؟ لأنك لو كنت تنشد السعادة، وطردت تلك الأمور، فسوف يتضح لك أنه يوجد هنا ما هو أعظم. دعني أسأل: ما الذي يجلب سعادةً أكثر، ويستحق الإعجاب: أن ترى أناسًا يصارعون ضد أناسٍ، أم أن يلاكم إنسانٌ شيطانًا، ومن ثم يشتبك الجسد مع القوة غير الجسدية، وينتصر؟ ليتنا نراقب هذه المسابقات ونتابعها؛ لأنه يليق بنا أن نقلِّد هذه المسابقات ونفيد منها. لأنه يجب أن نتشبَّه بالمنتصرين ونفوز بإكليل النصر، لا أن نتشبَّه بالذين، شهوتهم تخُجِل أى أناس أن يتشبهوا بهم. إن المصارعة التي أقصدها هي المصارعة مع الشياطين، تلك التي يمكن أن تشاهدها بمعونة رب الملائكة.
قل لي إذن، ألا تعتقد أنك تنال شرفًا عظيمًا إذا ما جلست مع الملوك والرؤساء لتشاهد مشهدًا تستمتع به؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف لا تسرع لترى ملك الملائكة وقد قيد الشيطان من خلف، وبرغم المجهود الذي يبذله الشيطان ليحمي نفسه، لا يفلح أبدًا في هذا الصراع؟ وإذا سألت: كيف يكون هذا؟ عندما تأخذ الكتاب المقدس بين يديك، سوف ترى فيه ساحات صراعٍ، ومسيرات إصلاحٍ طويلة، دوافع يعطيها لك، وكذلك خبرة الأبرار. وعندما تراقب هذه الأمور سوف تتعلم المصارعة والتخلص من الشياطين. والمناظر الخارجة (التى سوف تراها) هي احتفالات للشياطين، وليست مناظر بشرية؛ لأنه إن كان غير مسموح لتلك المناظر بالدخول في هيكل الأوثان، فعلى الأقل لا يُسمح لها بالدخول أثناء الاحتفال الشيطاني[9].
لن أتوقف عن ترديد مثل هذا الكلام، وسأظل استحثكم حتى أراكم وقد تغيَّرتم. لأنه كما يقول بولس الرسول: ” كتابة هذه الأمور إليكم ليست علىَّ ثقيلة، وأمَّا لكم فهي مؤمَّنة” (في3: 1). لا تتثقل إذن بنصيحتي، لأنه إن كان لأحدٍ أن يمل، فهو أنا، إذ أتكلم دائما دون أن يُسمع كلامي، وأن كنت لا أقصدكم أنتم، فأنتم تسمعونني. لكن ليتكم لا تضعون أنفسكم في موضع اتهام بسبب هذه الأمور على الإطلاق، واعلموا أنه طالما تحررتم من هذا الجهل، فإنكم تستحقون رؤية المناظر الروحية وتستمتعون بالمجد الآتي بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.
(3)
”قال لها يسوع يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أمَّا نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق ” (يو4: 21 ـ 23)
الإيمان مصدر الصالحات:
1ـ أيها الأحباء، نحن دائمًا في احتياج للإيمان؛ لأن الإيمان هو مصدر الخيرات ودواء الخلاص. بدونه لا نستطيع أن نفهم التعاليم الإيمانية. إن من يشرعون في عبور البحر دون سفينة، يستطيعون السباحة قليلاً مستخدمين الأيدي والأرجل، لكن بعدما يتقدمون بعيدًا سرعان ما يغوصون في الأعماق بسبب الأمواج، هكذا أولئك الذين، قبل أن يتعلموا شيئًا ـ يستخدمون تأملاتهم الخاصة، إنهم هؤلاء الذين قال لهم بولس ” هؤلاء ينكسر بهم السفينة من جهة الإيمان“.
وحتى لا نتعرّض نحن لهذا الأمر، ليتنا نمسك بالمرساة المقدسة، التي بواسطتها قاد يسوع الآن المرأة السامرية. فعندما سألته: “ أنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه“، قال لها يسوع: “يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب“. لقد كشف المسيح لها تعليمًا إيمانيًا عظيمًا لم يكن مفهومًا لنيقوديموس ولا لنثنائيل. وبالرغم من أن السامرية أرادت أن تؤكد سمو ما لديها من تعليم فوق التعاليم اليهودية، إذ أنها أرجعته إلى الآباء البطاركة القدماء، إلاَّ أن المسيح لم يُجب على سؤالها باعتباره زائدًا عن الحاجة قياسًا على ما سيقوله ويبرهن عليه، إن آباءها عبدوا الله على جبل السامرة، بينما عبده اليهود في أورشليم.
وبما أنه رفع نفسها عاليًا، وقد جرَّد الموضعين من عظمتهما، موضحًا أنه لا اليهود ولا آباؤها استطاعوا أن يمنحوا المستقبل شيئًا هامًا، ولذلك لم تُحر جوابًا ولاذت بالصمت. وعندئذ عرض الخلاف، فبرهن على أن اليهود كانوا أعظم، ليس بمقارنة مكان بمكان، ولكن لأنهم كانوا أصحاب العبادة الأفضل، فاليهود كانوا يتفوقون على السامريين في العبادة لأنه يقول: ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أمَّا نحن فنسجد لما نعلم“. إذن، فالمشكلة ليست في المكان.
لماذا لم يعرف السامريون لمَن يسجدون؟ لأنهم اعتقدوا أن الله يمكن أن ينحصر في مكان ومن ثم يمكن أن يتجزَّأ، هكذا عبدوه. وهكذا أبلغوا الفرس قائلين إن إله هذا المكان غضب منهم؛ لأن تصورهم عن الله لم يكن أفضل من تصورهم لأصنام الوثنيين. لذلك استمروا في السجود لهذا الإله والشياطين خالطين ما لا يُخلط.
لكن اليهود كانوا متحررين من هذا الاعتقاد، بل أقرّوا أن الله هو إله المسكونة كلها حتى لو لم يؤمن به الجميع. لذلك يقول المسيح: ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أمَّا نحن فنسجد لما نعلم“.
أرى أنك نبى:
لا تتشكك إذن؛ إذا رأيت المسيح يحسِب نفسه ضمن اليهود؛ لأنه يتحدث وفقًا لرأي المرأة السامرية بأنه نبي اليهود، لذلك استخدم كلمة “نسجد“. أمَّا كونه هو المسجود له فهو أمرٌ لا يجهله أحد. لأن الخليقة نفسها هي التي تسجد لرب الخليقة. وهو أيضًا يتحدث كيهودي. ويقصد بكلمة “نحن“، ” نحن اليهود“.
وبالرغم من أنه رفع اليهود، لكنه لم يكن محلاً لثقتهم؛ لأنه يربط الإيمان بأقواله مُبعدًا أية شبهة ومبرهنًا على أنهم لم يُستثنوا بسبب القرابة؛ لأن المسيح عبَّر عن رأيه حول المكان الذي كان محلاً لافتخارهم، وكانوا يظنون أنه أعظم من أي مكان آخر، وبما أنه جرَّد كِلا المكانين من عظمتهما، فمن الواضح أنه لا يقول هذه الأقوال لكي يسعد أحدًا، لكنه قال هذه الأقوال لأجل الحق وقوة الإعلان الإلهى.
مفهوم ” إن الخلاص هو من اليهود”:
إذن، وبما انه أبعد السامرية عن هذه الأفكار، وقال لها: “ إن الخلاص هو من اليهود“، فإن ما قاله يعني أحد أمرين، الأول: من هناك تأتي كل الخيرات للمسكونة (لأن معرفة الله وإدانة الأصنام جاءت من شعب اليهود، وكذلك كل التعاليم الأخرى، وعبادتك (عبادة السامريين) ـ بالرغم من عدم استقامتها ـ فهي جاءت من اليهود). أمَّا الثاني: فهو أن مجيئه هو يُدعى خلاصًا. وعلى الأغلب فإن كلا المعنيين واردٌ، ولا يستبعد أحدهما الآخر، بالرغم من أنه يدعو كلا الأمرين: خلاصًا، أي الخلاص الذي قال عنه أنه يأتي من اليهود. وهذا ما أشار إليه بولس الرسول حين قال: “ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين” (رو9: 5). هل رأيت كيف يشير إلى العهد القديم باعتباره أصلاً لكل الخيرات، وإنه بكافة الطرق ليس معاديًا للناموس؟ وبالرغم من أنه قال إن اليهود هم السبب في كل الصالحات، إلاَّ أنه:
” تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له” (يو4: 23).
وكأنه يقول نمتاز عنكم يا امرأة من جهة طريقة العبادة، بالرغم من أنها قاربت على الانتهاء. لأن تلك النماذج (نماذج العبادة) ستتغير، وتتغير أيضًا طرق العبادة. وهذا الأمر قريب جدًا؛ لأنه يقول: “ستأتي ساعة وهي الآن“.
الساجدون الحقيقيون:
2ـ ولأن الأنبياء سبق أن قالوا منذ زمن بعيد هذه الأقوال، فقد تم التصديق عليها هنا، ولذلك قال: “وهي الآن“، أي لا تظني أن هذه النبوة ستتحقق بعد مرور وقت طويل؛ لأن هذه الأمور حاضرةٌ الآن والساعة قريبة جدًا “حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق“. وعندما قال: “الحقيقيون” أغلق على السامريين واليهود معًا، لأنه بالرغم من أن الأخيرين أفضل من الأولين، لكن مستقبلهم سيكون أكثر انحطاطًا. وبقدر الاختلاف بين الحقيقة والظل، يقول عن الكنيسة، إنها هي العبادة الحقيقية واللائقة بالله ” لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له“.
إذن من هم أولئك الساجدون الحقيقيون؟ هل هم الذين يحصرون العبادة في مكان ما؟ لا، بل الذين يعبدون الله روحيًا كما قال بولس الرسول: ” فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه” (رو1: 9)، ثم يقول: ” فأطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حيةً مقدسةً مرضية عند الله عبادتكم العقلية” (رو12: 1). وحين قال المسيح: “ الله روح” لم يعلن شيئًا آخر سوى أنه غير جسدي. إذن يجب أن تكون العبادة غير جسدية، وأن تقدَّم بواسطة ما هو غير جسدي داخلنا، أي من خلال نقاوة النفس والذهن، لذلك يقول:
”والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يو24:4).
ولأن السامريين واليهود سبق لهم أن أهملوا النفس، وانشغلوا كثيرًا بالجسد مطهِّرين إياه بكافة طرق العبادة الشكلية، يشدد المسيح على أن غير الجسدي، إنما يُسجد له، لا بالطهارة الجسدية، بل بالعبادة الروحية، أي بالقلب وبالروح.
لا تقدِّم ذبيحةً من الخراف والثيران، لكن قدِّم ذاتك ذبيحةً لله؛ فبهذه الطريقة فقط يمكنك أن تُقَدِّم ذبيحةً حيةً. وينبغي أن تعبده بالحق، ولذلك، فكل ما كان فى القديم: مثل الختان، والذبائح والمحرقات، وتقدمة البخور، كانت كلها مجرد رموز وظلال للحق، لكن ليس لها وجود الآن؛ لأن كل شيء صار حقيقيةً، فلا ينبغي لأحد أن يبغض الجسد، بل الأفكار الشريرة، ويصلب ذاته ويمحي أفكاره الشهوانية بتقديم ذاته ذبيحةً.
المسيح هو المسيا:
لقد سببت أقوال المسيح اضطرابًا فكريًا للمرأة، فلم تستطع أن تصل إلى سمو هذه الأقوال، وقد تَعِبت. اسمع ماذا أجابت:
” أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي, فمتى جاء ذاك يُخبرنا بكل شيء. قال لها يسوع أنا الذي أُكلمك هو” (يو25:4و26).
من أين للسامريين أن ينتظروا المسيح وقد قبلوا ـ فقط ـ موسى؟ من نفس ما كتبه موسى. لأن الابن أُعلن منذ البداية؛ لأن عبارة “ نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك1: 26) قيلت للابن. ويعقوب يتنبأ عنه ويقول: “ لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوبٍ” (تك 49: 10). وموسى نفسه قال: ” يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون” (تث18: 15). وكل ما هو مكتوب عن الحية وعصا موسى، وعن اسحق والحمل، وأمورٌ أخرى كثيرة ـ يمكن لأي أحد أن يجمعها ـ كل هذه تشهد لمجيئه.
وسوف تسأل: لماذا لم يستخدم المسيح كل هذه الشواهد لكي يقنع المرأة، فقد ضرب مثلاً لنيقوديموس: عن الحية (التي رفعها موسى في البرية)، وذكر لنثنائيل نبوةً، أمَّا لتلك المرأة فلم يقل شيئًا؟ فما هو السبب في ذلك؟ لأن أولئك كانوا رجالاً، وكانوا مهتمين بهذه الشواهد، أمَّا هذه فقد كانت امرأة فقيرة وغير متعلمة، وبالتالي لم تعرف الكتب المقدسة. لأجل هذا لم يتحدث معها عن هذه الأمور، لكن جذبها بحديثه عن الماء وكشف عن خباياها، واستدعى إلى ذاكرتها المسيا وأعلن ذاته، وهو الأمر الذي يختلف عما لو كان قد قال لها من البداية هذا الإعلان، عندئذٍ كان سيبدو في نظرها مجرد شخص يثرثر ويعبث، لكن بينما هو يستدعي في ذاكرتها هذه الأمور، يكشف لها عن ذاته بطريقةٍ مناسبةٍ.
والمسيح لم يُجب بوضوح على تساؤلات اليهود الذين دائما ما كانوا يسألون دائمًا: “حتى متى تعلَّق أنفسنا. إن كنت أنت المسيح قل لنا” (يو10: 24). لكنه قال للمرأة بكل وضوح إنه هو المسيح؛ لأن هذه المرأة كانت أكثر استعدادًا من اليهود. فاليهود لم يسألوا لأنهم يريدون أن يتعلموا، لكن يريدون أن يصطادوه. لأنهم لو كانوا يريدون التعلّم لكان يكفيهم تعليم الكتب المقدسة والتقليد، لكن السامرية تحدثت معه بذهن بسيط، وفحص نقي ونزيه. ويبدو هذا واضحًا مما فعلته بعد هذا الحديث، فقد سمعت وصدَّقت وأتت بآخرين إلى الإيمان، ويمكن لأي أحد على أي وجه أن يلحظ جدية وإيمان هذه المرأة.
“وعند ذلك جاء تلاميذه“، لقد جاء تلاميذه بينما كان يتحدث مع المرأة، لكن لم يسأل أحدٌ منهم المسيحَ عما يتحدث به مع المرأة، أو لماذا يتحدث معها؟ (يو27:4).
لكن لماذا صار التلاميذ في حيرة وارتياب؟ ألأجل وضاعتها الشديدة؟ بينما كان المسيح معروفًا لدى الكل، يرونه الآن يتناقش بتواضع مع امرأة سامرية نكرة. وبالرغم من أنهم تعجَّبوا، إلاَّ أنهم لم يسألوا عن السبب، فقد كانوا مطيعين دائمًا في حفظ رتبتهم كتلاميذ، فكانوا يهابونه ويحترمونه جدًا. وبالرغم من أنه لم يكن هناك بعد إيمان قاطع وراسخ بشأنه (كابن الله)، لكنهم كانوا يقدرونه كإنسان جدير بالإعجاب، ويحترمونه احترامًا عظيمًا.
لكن، في مراتٍ كثيرة بدا التلاميذ أكثر جرأة: عندما اتكأ يوحنا على صدره، وعندما سألوه: “من هو الأعظم في ملكوت السموات“، وعندما طلب ابني زبدي من المسيح أن يجلس الواحد منهما عن يمينه والآخر عن اليسار (مت20:20). فلماذا لم يسألوه في هذه الحالة؟ يبدو أنهم وقتذاك كانوا في حاجة إلى أن يسألوا عن أمورٍ خاصة بهم، أمَّا الآن فالحدث لا يهمهم كثيرًا.
التلميذ الذى كان يسوع يحبه:
يوحنا أيضًا بعد مرور الزمن صنع نفس الأمر لأجل هذا الهدف، بعد أن كانت له قناعات عظيمة وعندما تمتع بحب المسيح بدرجة أعظم فقد كان ” التلميذ الذي كان يسوع يحبه” (مت19: 26).
ما هو وجه الشبه فى هذا مع الطوباوي؟
دعونا لا نتوقف يا أحبائي عند مجرد تطويب الرسول، بل تعالوا نبحث وراء تلك الأسباب التي استدعت هذه الدرجة من المحبة؟ هل لأنه هجر أبيه، وترك سفينته وشباكه وتبع المسيح؟. حسنًا، ولكن بطرس وأندراوس وباقي الرسل الآخرين، فعلوا نفس الأمر، فما هو إذن ذلك الأمر الاستثنائي الممتاز الذي استدعى هذه المحبة العظيمة؟ إن يوحنا نفسه لم يقل شيئًا إلاَّ فقط أنه محبوب عند المسيح، وقد كان واضحًا لكل واحد أن المسيح يحبه حبًا خاصًا. وإن كان لم يتحدث إطلاقًا معه عن هذا الأمر ولا سأله، كما حدث مرات كثيرة مع بطرس، ومع يهوذا ومع توما، وإن كان ذلك قد حدث مرة واحدة فقط عندما أراد أن يشكره ويُسمع شريكه في الخدمة الرسولية، فعندما أومأ إليه المتقدم فى الرسل، ونظرًا لما بينهم من محبة كبيرة، عندئذٍ اضطر يوحنا أن يسأله[10]. وهكذا نجد فيما بعد أنهما يصعدان معًا إلى الهيكل ويخطبان في الجموع.
وبالرغم من أن بطرس كان يتحرك كثيرًا ويتحدث بحرارة، إلاَّ أن ذلك لم يمنع يسوع في النهاية أن يسأله: ” يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء” (يو21: 15). لقد أحبه ذاك (أى يوحنا) بالأكثر. من الواضح أن المحبة نحو المسيح شيء، وأن يكون محبوبًا من المسيح شيء آخر. إذن، ما هو الذي استدعى المحبة الشديدة نحو يوحنا؟ أنا أعتقد أن يوحنا كان ذا شخصية متواضعة ووديعة بدرجة عظيمة، لذلك لا يبدو أنه تصرف بجسارة على الإطلاق. كم هو عظيم هذا الأمر، وهو الأمر الذي نلاحظه عند موسى أيضًا؛ لأنه تصرف بنفس الطريقة.
حقًا لا يوجد أعظم من التواضع! لذلك افتتح المسيح التطويبات بهذه الفضيلة (مت5: 3). لأنه مثل من يبني مبنىً كبيرًا ويضع حجر الأساس والقاعدة، هكذا المسيح وضع أولاً التواضع؛ لأنه ليس من الممكن، بل أنه من المستحيل أن نخلص بدون الوداعة والتواضع. فلو صام أحد، ولو صلَّى، ولو فعل الإحسان، فهذه كلها لا تعتبر شيئًا إذا غابت الوداعة. إن تلك الفضيلة المرغوبة، جديرةٌ بالمحبة؛ لأنها تحفظ من يمارسها إذا كانت موجودة عنده.
ليتنا نكون متواضعين:
ليتنا نكون متواضعين يا أحبائي، ليتنا نكون متواضعين؛ لأننا لو أدركنا هذه الفضيلة لوجدناها سهلة جدًا. لأنه ما هو ذاك الذي يدفعك أيها الإنسان إلى التكبُّر؟ ألا ترى عدم نفع طبيعتنا، ألا ترى أن الشهوة دائمًا ما تؤدي إلى الانزلاق؟ تأمل موتك، تأمل كثرة خطاياك. ربما تتكبر لأنك تستطيع أن تنجز أشياءً كثيرةً، اعلم إذن أنك سوف تفقد الكل.
الخاطئ لا يحتاج أن يكون وديعًا، بل الساعي إلى الفضيلة يجب أن يكون هو الوديع. لماذا؟ لأن الواحد يفكر بهذا عن وعي، أما الآخر إن لم يكن ذو فهم، فإنه سرعان ما ينجرف مع الريح ويُفقد ويُمحى مثل ذلك الفريسي.
لكن أعط للفقراء. إن غناك ليس ملكًا لك، لكن للرب، بل هو مشاع للعبيد. لذلك ينبغي أن تكون وديعًا. وعندما تري خيرك في خير إخوتك في الإنسانية، عندئذٍ تكتشف نفسك فيهم. ألم نأت من نفس الجدود؟ إن كان الغنى معنا اليوم، فهو يتركنا غدًا. وما هو الغنى؟ ظلالٌ ساكنة، دخانٌ سرعان ما ينقشع، زهرةُ نباتٍ أرق من الورود، فلماذا تتكبر من أجل عشب؟ ألا يذهب الغنى للصوص والمفسدين والزناة ولسارقي القبور؟ هل تفتخر لأنك تشترك مع هؤلاء الأغنياء؟
هل تشتهي الكرامات أيضًا؟ لا يوجد شيءٌ أدعى للكرامات من الإحسان؛ لأن الكرامات التي تأتي عن طريق الغنى والقوة، إنما تأتي عن إجبار وسطوة وإكراه، لكن الكرامة الحقيقية تأتي من الإرادة الحسنة، ومن إدراك المكرِّمين. لو كانت فضيلة الإحسان محل احترام البشر، لجاءت لهم بكل الخيرات. تأمل حجم المكافأة التي سوف ينالونها من الله محب البشر! إنها مكافأة كبيرة، وأيّة مكافأة! ليتنا نطلب هذا الغنى الذي يبقى ولا يتبدد أبدًا، ذلك الغنى الذي يجعلنا هنا عظماء، وهناك نلمع في بهاء، نذوق الخيرات الأبدية بنعمة ومحبة البشر لربنا يسوع المسيح الذي له كل المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين آمين.
(4)
” فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس. هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح؟”
(يو4: 28 ـ 30)
السامرية كارزة:
1ـ نحتاج إلى حماس كبير وغيرة شديدة؛ لأنه بدون ذلك لا يمكننا أن نذوق الخيرات الموعودة لنا. وهذا هو ما أراد المسيح أن يؤكد عليه في إحدى المرات عندما قال: “ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني” (مت10: 38). وفي مرة أخرى قال: ” فكونوا انتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان” (لو12: 40). بهذين القولين أراد أن يوضح لنا ما ينبغي أن يكون عليه مَن يريد أن يكون تلميذًا للمسيح من غيرة وحماس، واستعداد لتحمل الأخطار.
لقد امتلأت المرأة السامرية بحماسٍ شديد حتى أنها تركت جرتها، ونسيت الأمر الضروري الذي أتى بها إلى هذا المكان، وأسرعت إلى المدينة تدعو كل الشعب للمسيح قائلةً: “هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت” (يو4: 28). لعلك تلاحظ استعدادها وفهمها. لقد ذهبت لتستقي ماءً، ولأنها نجحت في الوصول إلى النبع الحقيقي احتقرت النبع المادي، معلِّمةً إيانا ـ بمثال صغير ـ أنه ينبغي علينا أن نصير مثلها غيورين للأمور الروحية، ونحتقر كل الأمور المادية وألاَّ نقيم لها وزنًا.
لقد فعلت هذه المرأة ما فعله الرسل بكل ما أوتيت من قوة، بل وبحماس أعظم؛ لأن الرسل تركوا الشِّباك، فقط عندما دعاهم المسيح، أمَّا هي، فبملء إرادتها، ودون أن يعلِّمها أحدٌ تركت جرتها واضطلعت بهذا العمل الرسولي، وهى تطير فرحًا، وكأن أجنحةً قد نبتت لها. فلم تكتفِ بدعوة واحد أو اثنين ـ مثلاً أندراوس وفيلبس – لكن حركت المدينة وكل الشعب وجاءت بهم إلى المسيح. وعليك أن تلاحظ مدى فهمها وكيف صاغت حديثها، فهي لم تقل هلموا لتنظروا المسيح، لكن دعت رجال المدينة بنفس الدعوة التي دعاها بها المسيح، إذ قالت: “هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت“، ولم تخجل حين قالت: ” قال لي كل ما فعلت“. لقد كانت تستطيع أن تتحدث بطريقة أخرى: هلموا انظروا النبي، مثلاً. لكن النفس عندما تلتهب بالنار الإلهية لا ترى شيئًا من الأمور الأرضية، لا المجد ولا العار.
” ألعل هذا هو المسيح؟” هل رأيت حكمة المرأة العظيمة؟ لم تصمت، ولكنها تحدثت بكل وضوح. فهي لم تُرِد أن تجذبهم برأيها الخاص، ولكن بما أنهم سمعوا المسيح صاروا شركاء بقرارهم الخاص، وهذا جعل كلامها أكثر قبولًا. وبالرغم من أنها لم تكشف للمسيح كل حياتها، بل كانت على قناعة أنه يعرف بقية تفاصيل حياتها مما قاله، بالرغم من ذلك، لم تقل هلموا آمنوا، بل ” هلموا انظروا“، وهو قول مُهذَب، وقد جذبهم بالأكثر.
هل رأيت حكمتها؟ لقد عرفت كيف تعبِّر جيدًا عن أنهم لو ذاقوا فقط من هذا النبع، سيحدث لهم ما حدث لها. ولو كانت امرأة غيرها متبلدة الإحساس، لكانت قد سترت خطاياها في الظلام بعيدًٍا عن أعين الناس. لكن هذه المرأة كشفت كل حياتها حتى تجذبهم وتأسرهم جميعًا.
“طعامى أن أعمل مشيئة أبى”
” وفي أثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين يا معلم كُل” (يو4: 31).
“سألوه”، أى ترجُّوه بحسب كلامهم الدارج. ترجُّوه أن يأكل. لم يكن رجاؤهم له دليلاً على سوء التصرف، لكن تعبيرًا عن حبهم للمعلم. فبماذا أجاب يسوع؟
” أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم. فقال التلاميذ بعضهم لبعض ألعل أحدًا أتاه بشيء ليأكل” (يو4: 33ـ34).
وهنا يثور التساؤل: لماذا إذن نستغرب أن تظن المرأة أنه كان يتحدث معها عن الماء العادي عندما سمعته يتكلم عن الماء؟ فها هم التلاميذ، حدث منهم نفس الشيء، ولم يفهموا شيئًا روحيًا، بل كانوا متحيرين، وبالرغم من أنهم يعاملون معلمهم باحترام وتقدير إلاَّ أنهم لم يجرؤوا أن يسألوه؟ وكان هذا الأمر قد تكرر أكثر من مرة. ماذا أجاب يسوع؟ “طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله” (يو 4: 34). إنه يدعو خلاص البشرية طعامًا، مظهرًا كم هو مستعد للعناية بنا، لأنه كما يعتني بطعامنا هكذا يعتني بخلاصنا.
اسمع إذن. ما هي الطريقة التي يكشف بها المسيح كل شيء؟ ليس مباشرةً، لكن أولاً يثير حيرة السامع ليشُد انتباهه بالأكثر حتى يبدأ في البحث عن معنى ما قيل، ومن ثم، عندما تنتابه الشكوك ويتعب، حينئذٍ يقبل شرح ما يبحث فيه، باستعدادٍ أكبر. لماذا لم يقل مباشرةً “طعامي أن أعمل مشيئة أبي“، وبالرغم من أن الكلام هنا ليس واضحًا بشكلٍ كافِ، لكنه على أية حال أكثر وضوحًا مما قاله سابقًا؟ لأنه كما قلت أراد أن يكونوا أكثر يقظةً عن طريق الحيرة والشك، ولكي يعوِّدهم أن يسمعوا أقواله الرمزية هذه.
ما هي إذن إرادة أبيه؟ لقد أعلن عنها وفسرها:
” أما تقولون إنه يكون أربعة أشهر ثم يأتي الحصاد. ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول إنها قد ابيضَّت للحصاد” (يو4: 35).
ها هو أيضًا يرفع ذهن التلاميذ إلى الأمور السامية عن طريق الكلام المألوف في الحياة اليومية. بكلمة “طعامي” لا يعني شيئًا إلاَّ خلاص البشرية الذى سيتممه. كذلك كلمتي “الحقل” و”الحصاد“، يعنيان جمع النفوس المهيَّأة لقبول الكرازة. وبكلمة “عيون” يعني أيضًا عيون الروح والجسد. لأن التلاميذ رأوا بالفعل جمع السامريين الذين أتوا. وأمَّا استعداد إرادة أولئك، فيدعوها “حقول قد أبيضت“. لأنه كما تَبيَّض سنابل القمح، وتكون جاهزة للحصاد، هكذا أيضًا السامريون، هم الآن جاهزون، وهم بمثابة باكورة للخلاص.
لكن، لماذا لم يقُل بوضوح ها إن الناس يأتون لقبول الإيمان، وها هم مهيئون لقبول الكلمة، طالما هم بالفعل قد قبلوا تعليم الأنبياء، وجاء وقت عطاء الثمر؟ لماذا يُصر على أن يدعوهم حقولاً وحصادًا؟ ماذا يقول المفسرون في هذا؟
لا يقتصر الأمر على حالتنا هذه، لكن كثيرًا ما نجد هذا في كل الإنجيل. ففي كثيرٍ من الأحيان يأخذ الأنبياء في الحديث بأقوال رمزية على قدر كبير من الأهمية، فما هو السبب وراء ذلك؟ نرى أن هناك سببين:
الأول: لأن الرمزية تجعل الكلمة أكثر قوة وأبعد مدىً؛ لأن الفكر يحمل صورة الأشياء المشار إليها، فتبدو وكأنها تتحرك بالأكثر وبالتالي تأسر العقل بأكثر سهولة، كأن أحدًا يرى الحقائق مرسومة أمامه. هذا هو السبب الأول.
السببالثاني هو أنه بهذه الطريقة يصير السرد مبهجًا بالأكثر ويجعل حضوره في الذهن أكثر ديمومة. لأن مجرد الإرادة لا تقنع السامعين، وتبهر عقولهم مثلما يفعل ذلك وصف تلك الأمور كما رأيناها هنا. وهذا الأمر يمكن للمرء أن يراه إذا استخدم المتحدث الأمثالَ ـ بحكمةٍ ـ في توضيح فكرته[11].
فعندما يقول:
” والحاصد يأخذ أجره ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية لكي يفرح الزارع والحاصد معًا” (يو36:4).
فهو يعني أن ثمر حصاد الحقول هنا فى العالم مفيد فقط للحياة الحاضرة، لا للحياة الأبدية. أمَّا الثمر الروحي فهو مفيد للحياة الدائمة والخالدة. أرأيت كيف أن هذه الأقوال بالرغم من أنها مادية ومحسوسة، إلاَّ أنها ذات معاني روحية؟. وكيف أنه يميِّز بهذه الكلمات الأرضيات عن السمائيات؟
ولذلك، فعندما تحدث عن الماء، نجده يفصح عن خاصيته، فيقول: ” الذي يشرب منه لا يعطش إلى الأبد“. وهو ذات ما يفعله الآن عندما يقول إن هذا الثمر سيجمع في الحياة الأبدية ” لكي يفرح الزارع والحاصد معًا“. مَنْ هو الزارع؟ ومَنْ هو الحاصد؟ الأنبياء هم الزرَّاع، والرسل هم الذين حصدوا. ولكن الأنبياء لم يحرموا من الفرح ومن المكافأة نتيجة أتعابهم، وإن كانوا قد فرحوا وسُروا معنا، بالرغم من أنهم لم يحصدوا معنا؛ لأن الحصاد ليس هو عمل الزارع.
كأن المسيح يقول: هناك وضعتكم، وحيث يكون التعبُ قليلاً، يكون الفرح أكبر، وليس في الحصاد من تعبٍ شديد أو مشقة كبيرة، ولكن فائدته كبيرة. بهذه الأقوال أراد أن يظهر أن إرادة الأنبياء هى أن يأتي (المسيح) للبشر. وهذا ما قام به الناموس أيضًا لإعداد البشرية. لأجل ذلك قد زرع الأنبياء لكي يحصد التلاميذ هذا الثمر.
وقد أظهر أيضًا أنه هو الذي أرسل هؤلاء الأنبياء، وأنه توجد رابطة عظيمة بين العهد القديم والعهد الجديد، وقد أوضح كل هذه المعاني والمفاهيم بالمثل الذى يقول:
” لأنه في هذا يصدق القول إن واحدًا يزرع وآخر يحصد” (يو37:4).
وقد استخدم كثيرون أيضًا هذا المثل أن آخرون تعبوا وآخرون حصدوا ثمارهم. ويشدد المسيح على أن هذا القول يصدق تمامًا في هذه الحالة. لأن الأنبياء تعبوا لكن أنتم حصدتم الثمار جراء تعبهم. لاحظ أنه لم يقل “الأجرة“، لكن “الثمار“؛ لأن تعب الأنبياء لم يكن بدون أجر.
لذلك، قال يسوع مسبقًا: ” لكي يفرح الزارع والحاصد معًا“؛ لأنه أراد أن يقول إن واحدًا يزرع وآخر يحصد. وحتى لا يظن أحدٌ ـ كما قلت ـ إن الأنبياء قد حُرموا من الأجر، يقول شيئًا غريبًا وغير منتظر، هذا الشيء وإن كان لا يحدث عادةً في الأمور المادية، لكنه يحدث استثناءً فقط في الأمور الروحية؛ لأنه في أمور العالم لو حدث أن زرع واحدٌ وحصد آخر، فإن الاثنين لا يفرحان معًا، لكن يحزن الذين زرعوا، ويفرح فقط الحاصدون؛ لأن آخرين قد تعبوا. لكن في حالتنا هذه لا يحدث هكذا، فأولئك الذين لم يحصدوا ما زرعوه يبدون متساوين مع أولئك الذين حصدوا. إذن من الواضح أن هؤلاء يشتركون في الأجر.
” أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم دخلتم على تعبهم” (يو38:4).
بهذه الأقوال يحذِّرهم إذ يبيّن لهم أن تعبًا شديدًا ينتظرهم عند طوافهم كل المسكونة ليكرزوا، وفي نفس الوقت يظهر لهم أنه أمرٌ سهل جدًا؛ لأن ما كان متعبًا ويحتاج إلى جهد كبير هو أن يلقوا بذارهم في النفس التى لم تهتدِ بعد لكي يأتوا بها إلى معرفة الله. إذن، لأي سبب يقول هذه الأقوال؟ حتى لا يخافوا عندما يرسلهم ليكرزوا، وكأنهم ذاهبون إلى شيء متعب جدًا؛ لأنه يقول إن الواجب الملقى على عاتق الأنبياء كان متعبًا جدًا مثلما يشهد واقع ما حدث معهم، بينما أنتم أتيتم إلى ما هو أكثر سهولة؛ لأنه مثلما يجمع الثمر بسهولة في الحصاد، ويمتلئ الجرن بالحزم في فترة زمنية قصيرة، فلا تنتظر تغيرات جوية ـ شتاء، ربيع ، مطر ـ هكذا يصير الآن، والأعمال نفسها تشهد بذلك.
وبينما كان المسيح يقول هذه الأقوال جاء السامريون، وجمَّع التلاميذ هذه الثمار الكثيفة، لذلك قال: ” ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول أنها قد ابيضَّت للحصاد“. هذا ما قاله المسيح، وما قاله تحقق لأنه أكَّد كلامه بالأعمال ” فآمن كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد أنه قال لي كل ما فعلت“؛ لأنهم تحققوا أن المرأة لا تمدح ـ بدون سبب ـ ذاك الذي اختبرها وعرف خطاياها وأخبرها عن حياتها.
ليتنا لا نخجل من ذكر خطايانا:
3ـ فلنتشبه إذن بالمرأة، وليكن تصرفها نموذجًا لنا. ليتنا لا نخجل من ذكر خطايانا أمام الناس، بل تعالوا بنا نهاب الله كما يليق، الله الذي يرى الآن أعمالنا وسيعاقب هؤلاء الذين الآن لا يتوبون. لكننا نفعل العكس؛ لأننا لا نخاف الله الذي سوف يديننا، بينما نخاف من هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يلحقوا بنا أي أذى، ونرتعب حتى لا يصفونا بأننا أشرار. لأن من يعتني بألاَّ يبدو سيئًا فقط أمام الناس، لا يخجل من فعل الشر إذ أن من يراه هو الله فقط. وإن لم يُرد أن يتوب ويتغيَّر، ففي ذلك اليوم (يوم الدينونة) يصير موضع سخرية، ليس أمام واحد أو اثنين، لكن أمام المسكونة كلها. لأن فحصًا دقيقًا وشاملاً للأعمال الصالحة والشريرة سيتم هناك. إن مَثَلُ الخراف والجداء يعلِّمك هذا الأمر. وبولس الطوباوي الذي قال: ” لأنه لا بد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا” (2كو5: 10)، وأيضًا قال: ” سينير الرب خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب” (1كو4: 5).
هل فعلت أو أضمرت فكرًا شريرًا حاولت أن تخفيه عن الناس؟ ولكن هل لا تستطيع أن تخفي شيئًا عن الله. إذا كان خوفك الوحيد هو عيون الناس، إذن يجب أن تفهم أن في ذلك اليوم فى (الدينونة)، لن تستطيع أن تخفي شيئًا حتى من الناس. لأنه حينئذٍ سوف تعرض على عيوننا كل أعمالنا كما في صورة لدرجة أن كل واحد سوف يدين نفسه.
وهذا واضح من مَثَل الغني. لأنه احتقر لعازر ذلك المسكين. لقد رأى الغني لعازر قائمًا أمام عينيه وأصابعه ـ التي كانت سابقًا قذرة ـ يترجاها الآن لكي تُطفئ لهيبه، الغني يترجى الفقير لكي يعزيِّه!!
إذن من فضلكم، حتى لو أن أعمالنا لم يكن يراها أحد، فعلى كل واحد منا أن يتوغل في أعماق ضميره ويحكم حكمًا متعقلًا على ذاته ويكشف خطاياه أمامه. وإذا أردت أن لا تظهر هذه الخطايا في ذلك اليوم المخيف، فعليك أن تستخدم التوبة كدواء لكى تُشفى جروحك. عندئذٍ فإن مَنْ كان مملوءًا بالجروح سيذهب مُعافى ” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر أيضًا لكم أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم” (مت6: 14 ـ 15).
المعمودية وغفران الخطايا، ودعوة للتوبة:
وكما اغتسلنا في المعمودية وتطهرنا من خطايانا، هكذا يمحى تمامًا ما نرتكبه من خطايا عندما نتوب[12]. والتوبة هي أن لا يعود أحد ليفعل نفس الخطايا التي ارتكبها سابقًا ” لأنه كان خيرًا لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعد ما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم. قد أصابهم ما في المثل الصادق كلب عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة” (2بط2: 21ـ22). فبحسب هذا المثل كأن شخصًا يضرم النار، ثم يحاول أن يستقي ماءً في وعاءٍ مثقوب. إذن يجب أن نبتعد عن الأعمال الشريرة سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً. وطالما ابتعدنا عنها، علينا أن نضع الدواء فوق الجروح، الدواء الذي هو مضاد للخطايا. على سبيل المثال: هل كنت سارقًا أو طماعًا؟ ابتعد عن السرقة وضع فوق الجُرح الإحسان (محبة العطاء). هل تزني؟ ابتعد عن الزنى وضع فوق الجرح دواء الطهارة. هل تتكلم كلامًا شريرًا وتؤذي أخيك؟ توقف عن الكلام الردئ واستخدم التعقل[13].
ليتنا نفعل هكذا مع كل خطية من الخطايا، ولا ننسى شيئًا؛ لأن وقت إعطاء الجواب عما عملناه قد حان. لذلك قال بولس الرسول: ” الرب قريب. لا تهتموا بشيء” (في4: 5ـ6). لكن بالنسبة لنا يجب أن يقال النقيض. الرب قريب، اهتموا! لقد سمع أولئك جيدًا: ” لا تهتموا بشيء“؛ لأنهم كانوا حزانى ويعانون الأتعاب والصراعات. أما الذين يحيون في رفاهية من السرقات، فإنهم سيعطون حسابًا ثقيلاً، وسوف يسمعون ـ عن حق ـ الرب قريب.
لأن الوقت الباقى على النهاية ليس طويلاً، فالعالم يسير بالفعل نحو نهايته[14]، وهذا ما تظهره الحروب، والأحزان والهموم، والزلازل والمحبة المنطفئة. لأنه مثلما تنحشر النفس، يعاني الجسد آلامًا غير متناهية عندما يكون قريبًا من الموت.وعندما يبدأ المسكن في الانهيار، تنهار عادة الأقسام العلوية من السقف والحوائط. هكذا يقترب هذا اليوم، والنهاية على الأبواب ولذلك تنتشر الشرور في كل مكان. لأنه لو كان حينذاك (أيام الرسول بولس) الرب قريب، فهو الآن هو أكثر قربًا، لأنه إذا كانت هذه الأقوال قد قيلت قبل أربعمائة عام وبولس الرسول يسمي هذا الوقت ملء الأزمنة، فبالأكثر جدًا يسمّى زمننا بهذا الاسم[15].
لكن ربما لا يصدق البعض هذا الأمر. ولكن كان يجب أن يؤمنوا بهذا، لأنه من أين تعرف أيها الإنسان أن النهاية لا تقترب، وأن ما تحدثنا عنه لن يتحقق في لمح البصر؟
ليتنا نقمع ذواتنا، وتعالوا نتغذى على خوف الله؛ لأنه عندما نقضي حياتنا في العصيان ولا نعتني بأنفسنا أبدًا ولا ننتظر مجيء الرب، فإنه سيأتي بغتة.
هذا ما أراد أن يشدد عليه المسيح حين قال: “وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان” (مت24: 37). وهذا ما أراد أن يعلنه بولس حين قال: “لأنه حينما يقولون سلام وأمان حينئذٍ يفاجئهم هلاك بغتة كالمخاض للحبلى فلا ينجون” (1تس5: 3).
في مرات كثيرة يفاجئ ألم المخاض، النساء الحوامل بينما هنَّ يلعبن أو يأكلن أو يكنَّ في الحمام أو يتجولن في الأسواق، لأنهن لا يتوقعن المخاض فجأة. ولأن أمورنا هي مثل هذا الأمر، علينا أن نكون مستعدين دائمًا. لأننا لن نسمع دائمًا هذه التحذيرات، ولا سيكون لدينا دائمًا هذه الفرصة. لأن النبي يقول: “ في الهاوية من يحمدك” (مز6: 5).
إذن تعالوا نتوب لكي نحظى برحمة الله يوم الدينونة، وبالتالى يمكننا أن نستمتع بالغفران تمامًا. ليتنا نوفَّق جميعنا بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.
[2] يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم هنا على حقيقة ميلاد المسيح بالجسد ضد الخياليين الذي قالوا إن التجسد لم يكن حقيقياً وإنما هو بحسب الخيال.
[3] راجع تكوين أصحاح 34. فحدث في اليوم الثالث إذ كانوا متوجعين أن ابني يعقوب شمعون ولاوى اخوي دينة أخذا كل واحد سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر. وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف.وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا. ثم أتى بنو يعقوب على القتلى ونهبوا المدينة.لأنهم نجّسوا أختهم.
[4] لمزيد من التفاصيل عن تاريخ السامرة، انظر دائرة المعارف الكتابية، الجزء الرابع (ر ـ ش)، دار الثقافة 1992، ص312ـ325.
[5] هاتان القصتان ذُكرتا لكى يظهر مدى وقاحة اليهود الذين وصلوا إلى درجة من الوقاحة والدناءة وكانت تصرفات بعض السامريين أفضل منهم.
[6] الكلام هنا عن تقليد اليهود من الكتبة والفريسين وليس على الناموس.
[7] يو8: 37 “أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم. لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم”.
[8] هنا نتذكر كلام أفنوميوس الهرطوقى الذى نادى بأن الاسم يعبّر عن الجوهر، فالآب له جوهر يختلف عن جوهر الابن بسبب التسمية وكذلك الروح القدس. وهنا ذهبى الفم ينتقد هذا الفكر.
[9] هنا نتذكر قول بولس الرسول: ” إن مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة هذا العالم..” (أف12:6).
[10] يوحنا13: 20ـ25 “الحق الحق أقول لكم الذي يقبل من أرسله يقبلني. والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني، لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني، فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه. وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه.فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي.
[11] انظر مقالات المسيح المعلم في الدورية: أعداد يناير 2004 ويوليو 2004 ويناير 2005.
[12] يعتبر هذا النص من النصوص الهامة التى تشهد للتعليم الرسولي عن التوبة، فالتوبة تغفر الخطايا، فقط بسبب المعمودية، والتوبة تُعد معمودية ثانية لأنها تفعل فعل المعمودية الأولى، فهي تعيد الخاطئ إلى حالة البراءة الأولى التى للمعمودية.
[13] يظهر من هذا النص تفوق القديس يوحنا ذهبي الفم باعتباره طبيبًا روحيًا ممتازًا، فهو ليس مجرد واعظ يُظهر شر الخطايا ويكتفي فقط بطلب عدم إتيانها، ولكنه يضع العلاج، ويؤكد على السلوك البديل الذي يشفي الخاطئ من الخطية.
[14] يسير الزمن في خط مستقيم، نحو تحقيق الهدف من الخلق، أي يتجمع الكل تحت رأس واحد في المسيح يسوع، وهذه الفكرة تختلف عن الزمن اليوناني الذي يسير في خط دائري، ومن هنا جاءت الكلمة الشهيرة : إن التاريخ يعيد نفسه، وهي مقولة لا تعبر عن الفهم المسيحي للخلق الذي لا بد أن ينتهي بتحقيق ملكوت الله.
[15] وما الذي يمكن أن نقوله نحن الآن بعد مرور أكثر من ألفي سنة؟
السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم
لقاء المسيح مع السامرية ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
لقاء المسيح مع السامرية ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
الأحد الرابع
لقاء المسيح مع السامرية
يو25:4 ” قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسَّيا الذي يقال له المسيح يأتى. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ “
بحسب تعليم المسيح فإن الساعة والوقت سوف يأتيان، بل بالحرى قد حضرت الآن الساعة التي فيها سيقدم الساجدون الحقيقيون العبادة لله الآب بالروح. وعلى الفور حلّقت المرأة إلى أفكار فوق ما اعتادت عليه، إلى الرجاء الموجود منذ القديم عند اليهود. فهى تقول إنها تعرف أن المسيا سوف يأتى في وقته الخاص، ولكنها لم تقل بالضبط لمَن سيأتى، هى قد قبلت المعلومات الشائعة دون أى فحص، فهى إمرأة محبة للهو وذات فكر جسدانى، ومع ذلك فهى لا تجهل تمامًا أنه سيظهر لإسرائيل كمن سيأتى بتعليم أفضل، إذ أنها بالتأكيد قد وجدت هذه المعلومات أيضًا في الأخبار التي قيلت عنه.
يو26:4 : ” قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو ” .
لا يعلن المسيح ذاته للنفوس غير المتعلمة أو الجاهلة جهلاً مطبقًا، بل يشرق بالحرى ويظهر لأولئك الذين هم أكثر استعدادًا واشتياقًا للتعلم، ولكنهم إذ يتمخضون في بداية إيمانهم بكلماتٍ بسيطة، ينطلقون إلى الأمام، إلى معرفة ما هو أكثر كمالاً. والمرأة السامرية هى مثال لهذا النوع من الأشخاص التي كشف لنا (الإنجيل) عنها، والتي كان لها عقل بطئ الفهم من جهة الأفكار الحقيقية، لكنها مع هذا لم تكن بعيدة بعدًا تامًا عن الرغبة في الفهم. لأنها أولاً، وحين طلب المسيح منها أن يشرب، لم تعطه الماء في الحال، بل إذ رأته يكسر العادات القومية لليهود، راحت أولاً تبحث عن السبب في هذا، وإذ بدأت تذكر ذلك، طلبت من الرب أن يشرح لها، إذ تقول ” كيف تطلب منىلتشرب، وأنت يهودى وأنا إمرأة سامرية؟ ” لكن مع الاستطراد في الأسئلة، بدأت تنتقل إلى الاعتراف بأنه كان نبيًا، إذ تلقت توبيخه دواء للخلاص، ثم أضافت استفهامًا آخر قائلة في غيرة من أجل التعلم: ” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغى أن يُسجد فيه“، لكنه كان يعلم للمرة الثانية، أن الزمان سيحل، بل وقد أتى الآن فعلاً، حين الساجدون الحقيقيون، وقد رفضوا السجود على جبال الأرض، سوف يقدمون العبادة السامية والروحية لله الآب. وهى إذ تنسب أفضل الأشياء على أنها تحق للمسيح وحده، فإنها تحتفظ بالمعرفة الكاملة جدًا لأزمنة المسَّيا، فتقول، ” نحن نعلم أن مسَّيا الذي يُقال له المسيح يأتى، فمتىجاء ذاك يخبرنا بكل شئ ” (25). أرأيت كيف كانت المرأة مستعدة للإيمان، وتبدو كأنها ترتقى سُلّمًا، وهى تقفز من أسئلة صغيرة إلى حالة أعلى بكثير، لهذا كان من الصواب أن يكشف لها الآن ما كانت تتوق إليه بكلام أكثر وضوحًا، فراح يخبرها بما كان محفوظًا كرجاء صالح، وها هو قد صار الآن أمام ناظريها: ” أنا الذي أكلمك هو“.
يو27:4 : ” وعند ذلك جاء تلاميذه ” .
جاء التلاميذ عند ختام حديثه مع المرأة. لأن المخلص كان قد صمت عن الكلام، وإذ قد وضع شرارة الإيمان المتوهجة بين السامريين، فإنه قد أودعها في أعضائهم الداخلية لتشتعل وتصير لهبًا عظيمًا، وهكذا يمكنكم أن تفهموا ما قاله ” جئت لألقى نارًا على الأرض فماذا أريد لواضطرمت ” (لو49:12).
” وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع إمرأة “
اندهش التلاميذ مرة أخرى من لطف المخلص، وتعجبوا لأسلوبه الوديع. بعكس أسلوب البعض الذين في تدينهم الصارم يتسمون بالقسوة، لأنه لم يرَ من المناسب أن يتجنب الحديث مع المرأة، لكنه كشف عن محبته الرؤوفة للجميع، وبذلك يُظهر، أنه إذ هو الواحد الخالق الكل، لا يعطى للرجال فقط حياة بالإيمان، بل يجتذب أيضًا جنس النساء إلى هذه الحياة.
وعلى مَن يعلّم في الكنيسة أن يتخذ هذا أيضًا كنموذج، ولا يرفض مساعدة النساء. لأنه ينبغى على المرء في كل الأمور ألا يتبع ارادته الخاصة، بل يعمل لخدمة الكرازة.
” ولكن لم يقل احد ماذا تطلب؟ أو لماذا تتكلم معها؟ “
كان عمل التلاميذ الحكماء، والذين يعرفون كيف يحفظون كرامة معلمهم أن لا يظهروا بأسئلتهم التافهة أنهم قد انخرطوا في ظنون غريبة، لأنه كان يتكلم مع إمرأة، بل بالحرى ألجموا ألسنتهم في أفواههم في وقار ومخافة، منتظرين ربهم أن يتكلم من ذاته، ليعطيهم باختياره شرحًا مناسبًا. وهكذا فإننا نتعجب للطف المسيح، ونتعجب أيضًا لحكمة التلاميذ وفهمهم ومعرفتهم بما يليق.
يو28:4 : ” فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس”.
بدت المرأة الآن وقد ارتفعت بنفسها فوق اهتمامات الجسد، تلك التي كانت منذ يومين أو ثلاثة زوجة لكثيرين، والذين كان من السهل أن تأسرهم اللذات الباطلة، والآن هى تعلو فوق الجسد وفوق احتياجاته الضرورية، فتهمل حتى العطش والشرب، ويُعاد تشكيلها إلى حالة أخرى بواسطة الإيمان. وفي الحال إذ قد مارست المحبة تاج الفضائل، وإذ كانت لها عاطفة مُحبة للقريب، ذهبت بكل اجتهادها واشتياقها إلى الآخرين أيضًا لتكرز لهم بالصلاح الذي ظهر لها، ولهذا أسرعت إلى المدينة، فربما أخبرها المخلص وهمس في ذهنها سرًا: ” مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا ” (مت8:10). فلنتعلم نحن إذن ألا نحاكى الخادم محب الكسل والذي أخفى وزنته (مت18:15) في الأرض، بل بالحرى فلنكن مجتهدين في المتاجرة بها. هذا الصنيع الحسن هو ما فعلته أيضًا تلك المرأة التي شاع ذكرها؛ إذ نقلت للآخرين الخير الذي حصلت عليه، دون أن تأخذ معها الماء الذي جاءت لتسحبه من أعماق البئر، ولم تحمل جرتها التي من الطين معها إلى بيتها، بل بالحرى حملت النعمة الإلهية السماوية، والتعليم المملوء حكمة الذي للمخلّص، والذي ملأ كل مكامن ذهنها وادراكها.
علينا نحن إذن أن نتعلّم، كما في مثال وإطار، أننا باحتقارنا للأشياء الجسدية والتافهة احتقارًا كاملاً، فإننا ننال من الله أمورًا عديدة أكثر وأحسن. لأن ما هو الماء الأرضى إذا ما قورن بالحكمة السماوية؟
يو29:4 : ” هلموا انظروا إنسانًا قال لى كل ما فعلت، أليس هذا هو المسيح؟”.
ياللتحول العجيب! يالقدرة الله العظيمة حقًا، التي تكشف عجائب لا يُنطق بها! إن المرأة الحاذقة في العمل بالتعليم، بادرت وهى تلك التي لم تفهم أيًا من الأمور التى قيلت أولاً، ولهذا سمعت بصواب ” اذهبى وادعىزوجك وتعالى إلى ههنا “، فانظروا كيف تحدثت بمهارة مع السامريين. فلم تقل إنها وجدت المسيح، كما أنها لم تُدخل يسوع في روايتها في بادئ الأمر. لأنها كانت ستُرفض حتمًا، وعن حق، لو أنها تكلمت بكلام يفوق قياس الكلمات المناسبة لها. إذ أن سامعيها لا يجهلون عاداتها، لهذا فهى تمهد الطريق لهذه الأعجوبة، وإذ قد أدهشتهم بالمعجزة أولاً، فإنها تجعل الطريق أيسر إلى الإيمان، إن جاز التعبير. وقالت بحكمة: ” هلموا انظروا ” صارخة بصوت عال وبجدية عظيمة. ويكفى النظر فقط للإيمان، إذ يؤكد للحاضرين أعاجيبه الجديرة بالإلتفات. لأن الذي يعلم الخفايا، وله هذه الكرامة العظيمة، كيف لا يسرع بسخائه ليحقق تلك الأمور التي يشاءها؟
يو30:4 : ” فخرجوا من المدينة وأتوا إليه “.
أظهر السامريين أنفسهم مرتفعين فوق حماقة اليهود، وبالطاعة انتصروا على جهل اليهود المتأصل فيهم. إذ أصغوا إلى معجزة واحدة فقط، فأسرعوا مهرولين إلى يسوع، دون أن يكون الأنبياء القديسون قد سبقوا قبلاً وأقنعوهم بأصواتهم، أو بإعلانات موسى ولا حتى بشهادات يوحنا الفعلية، بل أخبرتهم عنه إمرأة واحدة فقط، كانت خاطئة.
يو31:4 : ” وفي أثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين: يا معلم كُلْ “
نجح الإنجيلى الإلهى بشكل فائق للغاية في وضع هذا الكتاب، ولم يحذف شيئًا يعتقد أنه يمكنه أن ينفع القراء. اسمع إذن كيف يقدم يسوع مرة أخرى كمثال لفعل جدير بانتباهنا جدًا. لأنى لا أظن أن شيئًا ما قد وُضع هكذا عبثًا في الكتب المقدسة، لكن ما يحسبه أى أحد أنه ذو شأن قليل، يجده أحيانًا مملوءًا بنفع لا يمكن ازدراؤه. وإذ قد بدأ السامريون يتحولون ويبحثون عنه: لهذا قصد قصدًا كاملاً ومطلقًا خلاص أولئك المدعوين، فلم يولِ الطعام الجسدانى اهتمامًا، بالرغم من أنه ” قد تعب من السفر” (آية6) كما هو مكتوب: وبهذا أيضًا ينفع المعلّمين في الكنائس، أن يستخفوا بكل تعب، وأن تكون لهم غيرة عظيمة لأجل خلاص الآخرين، أكثر من اهتمامهم بأجسادهم. إذن لكى نعرف نحن أيضًا أن الرب كان قد اعتاد أن يجول دون طعام في مثل تلك الأوقات، نرى الإنجيلى يقدم لنا التلاميذ وهم يترجون الرب، أن يأخذ ولو قليلاً من الطعام الذي أحضروه، كطعام ضرورى لا غنى عنه، لأنهم كانوا ” قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا” (آية 8)، وكانوا قد أتوا به الآن فعلاً. فقال لهم ” أنا لى طعام لآكل، لستم تعرفونه أنتم“. صاغ المخلّص إجابته بحذق مما كان أمامه. إذ كان يتكلم بشكل سرى. فلو كانوا قد عرفوا أن تحول السامريين أوشك أن يتم، لكانوا قد طلبوا إليه بالحرى أن يتمسك بأمر أكثر رفعة من طعام الجسد. ومن هذا أيضًا نعرف مقدار حبه العظيم نحو الإنسان: لأنه يعتبر رجوع الضال إلى الخلاص هو طعامه ولذته.
يو33:4 : ” فقال التلاميذ بعضهم لبعض: ألعل أحدًا أتاه بشئ ليأكل؟ “.
وإذ لم يفهم التلاميذ بعد، الكلام الذي بدا غامضًا لهم، كانوا يفكرون فيما كان يحدث بينهم أحيانًا كثيرة، وانحدروا إلى درك الأفكار، متخيلين أن أحدًا قد أحضر طعامًا، وربما كان هذا الطعام أغلى وأحلى مما جلبوه معهم!
يو34:4 : ” فقال لهم يسوع طعامى أن أعمل مشيئة الذي أرسلنى وأتمم عمله”.
يقدّم يسوع نفسه كمثال لمعلّمى العالم مستقبلاً، بغيرة متفاضلة وفائقة كثيرًا، ليتبصروا من جهة إيثار واجب التعليم، وعلى هذا الأساس يليق بهم أن يعتبروا حاجات الجسد في المرتبة الثانية. إذ بقوله إن طعامه الذي يسره هو أن يفعل مشيئة ذاك الذي أرسله وأن يتمم عمله فإنه يرسم ملامح الخدمة الرسولية ويوضح بجلاء أى نوع من الرجال ينبغى أن يكونوا في سلوكهم. كان من الضرورى أن يهتموا بالتعليم فقط، ويليق بهم أن ينصرفوا تمامًا عن ملذات الجسد، وفي بعض الأحيان والأوقات قد يضطرون للاستغناء حتى عن الخدمة الضرورية للجسد لحفظه من الموت!
ولنقل هذا لأجل الوقت الراهن، لما هو لائق بخصوص نموذج ومثال الجماعة الرسولية. لكن إن كان ينبغى بالإضافة إلى ما سبق أن قيل، أن نشغل أنفسنا بالحديث أكثر عن التعليم، فإنه يقول بوضوح، إنه أُرسل بواسطة الله الآب، أما من جهة التجسد، الذي به أشرق على العالم جسديًا، بمسرة الآب الصالحة، أو كالكلمة الصادر من العقل الوالد، بكيفية ما، والمُرسَل والمُتمّم لأمره، لا باعتباره خادمًا لإرادات الآخرين. ولكونه هو ذاته الكلمة الحى وفي نفس الوقت مشيئة الآب فائقة الوضوح، فإنه يُخلّص حالاً أولئك الذين هلكوا . لذلك فإن القول ” إنه عمل الذي أرسله ” يبين أنه هو نفسه المتمم لهذا العمل: لأن كل الأشياء هى من الآببالابن في الروح القدس.
يو35:4 : ” أما تقولون إنه يكون أربعة أشهر ثم يأتى الحصاد؟ “.
ها هو يتخذ من مناسبات حديثة من جهة الزمن والحدث، ومن أشياء محسوسة بالفعل، وسيلة بها يشكّل اعلانه للأفكار الروحية. إذ كان الوقت لا يزال شتاءً بعد، ولا تزال سيقان القمح الهشة الرقيقة تبرز من سطح التربة، لكن بعد انقضاء أربعة أشهر، تنتظر أن تحصدها أيدى الحاصدين. [لهذا يصرح] ألا تقولون أيها الناس، هناك أربعة شهور لا تزال ويأتى الحصاد؟.
“ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول. إنها قد ابيضت للحصاد”
أى ارفعوا قليلاً أعين فهمكم عن شئون الأرض، واهتموا بالبذر الروحى، الذي نما فعلاً، وابيض في الأرض، وفي النهاية يطلب منجل الحصاد لنفسه. لكن من المشابهة بالأمور في الحياة الفعلية، سترون ما يعنيه هذا الأمر. لأنكم ستدركون أن البذر الروحى وحشود السنابل الروحية، هم أولئك الذين، إذ حُرِثوا قبلاً بصوت الأنبياء، يأتون إلى الإيمان بالمسيح. لكن البذر أبيض، إذ نضج فعلاً وصار جاهزًا للإيمان، وثابتًا للتقوى، لكن منجل الحصاد هو كلمة الكرازة المضيئة، تقطع سامعيها عن العبادة حسب الناموس، وتنقلهم إلى الأرض، أى إلى كنيسة الله، هناك يُعصرون ويُضغطون بالأتعاب الصالحة ليعطوا قمحًا نقيًا جديرًا بجرن ذلك الذي يجمعه إليه.
يو37،36:4 : ” والحاصد يأخذ أجرة ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية لكى يفرح الزارع والحاصد معًا. لأنه في هذا يصدق القول أن واحدًا يزرع وآخر يحصد”.
يقول إنه وقت الكلمة اللوغوس الذي يدعو إلى الإيمان، ويكشف للسامعين تحقيق غاية كرازة الناموس والأنبياء. لأن الناموس بخدمات رمزية، كما في ظلال قد ألمح إلى ذلك الذي يجب أن يأتى، أى المسيح، والأنبياء بعد الناموس، يفسرون كلمات الروح: ” لأنه بعد قليل جدًا” (عب37:10 قابل إش20:26). من هنا يشيرون إلى أنه أوشك على المجىء والحضور. لكنه إذ دلف إلى الأبواب، فإن كلمة الرسل لن تجعل ما كان منتظرًا، رجاءً بعيد المدى جدًا، بل سوف تستعلنه حاضرًا فعلاً بيننا وسوف “تحصد” من العبادة الناموسية أولئك الذين لا يزالون بعد تحت عبودية الناموس، والذين يقبعون في الحرف فقط، وسوف تنقلهم تلك الكرازة كحزم إلى النهج الإنجيلى ورعويته وسوف تقطع كذلك عبدة الأوثان من ضلال تعدد الآلهة، وتنقلهم إلى معرفة ذاك الذي هو بالحق، الله، ولكن نوجز الأمر كله بإحكام، فإنها ستنقل أولئك الذين يفتكرون في “ الأمور التي على الأرض” (كو2:3) إلى حياة الملائكة بواسطة الإيمان بالمسيح. ويقول هذا ما ستفعله كلمة الحاصدين، ومع هذا فلن تكون بلا “أجرة” لأنها سوف تجمع لهم فعلاً (ثمرًا) يزدهر إلى “حياة أبدية”، وهؤلاء الذين يقبلون هذا الثمر لن يفرحوا هم وحدهم فقط، بل لأنهم قد دخلوا على أتعاب وخدمات الأنبياء، وقد حصدوا البذار التي سبق وحرثها قبلهم (الأنبياء)، لذلك سوف يصبحون شركاء معهم، لكننى أظن أن الحكيم بولس، وقد تعلّم جيدًا أمثلة الأشياء العتيدة، يقول عن الآباء القديسين والأنبياء إنهم: ” كلهم مشهودًا لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل لكى لا يكملوا بدوننا” (عب39:11،40). لأن المخلّص قصد صالحًا، أن الحاصد “سوف يفرح” مع مَن كان قد بذر قبله.
يو38:4 : ” أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم قد دخلتم على تعبهم “.
ها هو في النهاية، يكشف لهم عن السر كله، وإذ قد أزال غطاء الكلمات المعتمة، جعل المعنى جليًا للغاية. لأن المخلّص وهو محب الأنبياء، ومحب الرسل، لم يجعل تعب أولئك منفصلاً عن أيدى الرسل، ولا نسب إلى الرسل القديسين على الاطلاق المجد الخاص بأولئك الذين يخلصون بالإيمان به، بل إذ خلط تعب كل منهم مع تعب الآخر في شركة العمل الواحد، يقول إن كرامة الواحد هى كرامة للاثنين معًا. فهو يؤكد أن الرسل قد دخلوا على تعب الأنبياء القديسين، فلم يجعلهم يقفزون فوق صيت الذين سبقوهم، بل يحثهم بالحرى أن يكرموهم، إذ سبقوهم في التعب والزمان. وهذا أيضًا درس نافع وجميل لنا.
يو39:4 : ” فآمن به من تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد أنه قال لى كل ما فعلت “.
ها هو إسرائيل قد دين هنا مرة أخرى، وبسبب طاعة السامريين واستعدادهم للإيمان، يُوبخ بأنه غير راغب في المعرفة وقاسى القلب، لأن الإنجيلى يتعجب جدًا بسبب كثرة الذين آمنوا بالمسيح، قائلين ” بسبب كلام المرأة ” على الرغم من أن الذين تهذبوا بناموس المعرفة قبلاً، لم يقبلوا لا كلمات موسى، ولا أقروا أن عليهم أن يؤمنوا بأقوال الأنبياء، وهو بتلك الكلمات يمهد الطريق مقدمًا، أو بالحرى بحكمة يدافع مسبقًا، أن إسرائيل يجب وبحق أن تُطرح بعيدًا عن النعمة والرجاء الذي في المسيح وعوضًا عن ذلك يأتى ملء الأمم أو الغرباء الذين هم أكثر طاعة.
يو40:4 : ” فآمن به أكثر جدًا بسبب كلامه ” .
يشرح الإنجيلى ما حدث في كلمات بسيطة، ومرة أخرى يعطى برهانًا آخر، أن إسرائيل بعدل يجب أن يطرح من رجائه، وأن يُطعِّم الغرباء في هذا الرجاء. لأن اليهود بظنونهم المُرّة والغير محتملة، كانوا يقاومون يسوع بالرغم من صنعه العديد من المعجزات أمامهم وقد سطع بمجده، بل ولم يخجلوا من أن يندفعوا في غضب شديد ليطردوه، وفي غيرة جامحة يخرجونه خارج مدينتهم. وهو الذي يهبهم كل الفرح. بينما يقتنع السامريون بسبب كلام المرأة، ويرجونه أن يأتى إليهم على وجه السرعة. وعندما أتوا إليه، بدأوا في غيرة يتوسلون إليه أن يأتى إلى مدينتهم، وأن يهبهم كلمة الخلاص، وسرعان ما استجاب المسيح لهم، عالمًا أن النعمة ستثمر فيهم. لأن ” كثيرين آمنوا بسبب كلامه ” فليعرف إذن مَن يحب الله ويتقيه، أن المسيح يرحل عن الذين يحزنونه، لكنه يسكن في قلوب الذين يفرّحونه بالطاعة والإيمان الصالح.
يو42:4 : ” وقالوا للمرأة إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن. لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم ” .
ها هو إيمان السامريين ينبع من عظائم الأمور، وليس مما تعلموه من آخرين، بل مما تعجبوا هم أنفسهم بسماعه بأذانهم، لأنهم يقولون إنهم “يعرفون إنه هو مخلّص العالم حقًا”، جاعلين من الاعتراف برجائهم فيه عربون إيمانهم.
لقاء المسيح مع السامرية ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
يو 4:4ـ 6 : ” وكان لابد أن يجتاز السامرة، فأتى إلى مدينة من السامرة يُقال لها سوخار بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه . وكانت هناك بئر يعقوب، فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر وكان نحو الساعة السادسة” .
عبر يسوع حدود اليهودية، وصار الآن وسط الغرباء، ثم استراح المُخلّص على “بئر يعقوب”: موضحًا لنا أيضًا في مثال غامض، أنه حتى إن انتقلت الكرازة بالإنجيل من أورشليم، وأسرع الكلمة الإلهى الخطى إلى الأمم، فإن إسرائيل لن يفقد حبه لآبائه، لكن سوف يلتصق بهم مرة أخرى، وسوف ينتعش أيضًا ويستريح، كما في قديسيه، حافظًا لهم النعمة الأولى بلا نقصان تلك التي لهم منذ القدم. لأنه يُحب أن يذكر قديسيه، ليجعل نفسه مثالاً لنا في هذا أيضًا، ويصبح بداية باب الكرامة المُعطاة للآباء. ولكن ” إذ قد تعب من السفر ” كما هو مكتوب، جلس، لكن بهذا أيضًا فهو يدين عدم قبول أولئك الذين طردوه. لأنهم بدلاً من أن يربحوا صداقته بالتكريم العطوف السخى، وبتوقيره ومخافته، كواهب للبركات، فإنهم أساءوا معاملته، وراحوا يرهقونه ويدفعونه إلى بذل جهدٍ شاق، ليصدق قوله عنهم في سفر المزامير ” يجازوننى عن الخير شرًا ” (مز12:35).
يو8،7:4 :” فجاءت إمرأة من السامرة لتستقى ماءًا: فقال لها يسوع، أعطينى لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا “.
لم يكن المخلّص يجهل أمر مجىء المرأة، لأنه عرف ذلك تمامًا لكونه الله ذاته، أنها ستأتى هناك لتستقى الماء البارد من البئر. وإذ قد جاءت، بدأ يتهيأ لاقتناص فريسته وسط متاعبه، وبدأ مباشرةً بكلمة التعليم، فقد جعل حديثه من واقع الأمر الذي أمامه. لقد عيّن الناموس لليهود ألاّ يتدنسوا بأية طريقة، ولهذا أمرهم بالابتعاد عن كل شئ نجس وألا يختلطوا بالغرباء أو غير المختونين (لا2:5 ،3). لكنهم حمَّلوا الوصية فوق طاقتها، واتبعوا فرائض فارغة جدًا، أكثر من إتمام الناموس بدقة، فجاهدوا ألاّ يلمسوا جسد غريب، ودأبوا على الاعتقاد بأنهم سيتنجسون أكبر نجاسة، إن تقابلوا مع السامريين في أى شئ. وهكذا كان اختلافهم قد بلغ هذا الحد، حتى أنهم امتنعوا حتى عن تذوق الماء أو الطعام الذي يجلبه لهم الغرباء. إذن فلكى تتعجب المرأة وتندهش، ومن ثم يدفعها مسلكه الغريب إلى سؤاله مَن أنت، ومن أين أتيت، وكيف أنه يزدرى بالعادات اليهودية، وفي النهاية يبلغ الحديث مقصده ـ لكى يحدث كل هذا ـ تكلم الرب كعطشان قائلاً: ” أعطينى لأشرب ” لكنها قالت …
يو9:4 : ” فقالت له المرأة السامرية كيف تطلب منى لتشرب، وأنت يهودى وأنا إمرأة سامرية؟ لأن اليهود لا يعاملون السامريين” .
التساؤل بدء التعلم، والشك بالنسبة لمَن يجهلون أى موضوع، هو أصل الفهم، وكانت تلك البداية هى قصد الحديث: حيث يلمح المخلص بحكمة إلى أنه لا يحسب أية قيمة لعادات اليهود.
يو10:4 : ” أجاب يسوع وقال لها: لو كنتِ تعلمين عطية الله ومَن هو الذي يقول لك أعطينى لأشرب لطلبتِ أنت منه، فأعطاكِ ماءًا حيًا” .
إذ لا تدرك المرأة جوهر الابن الوحيد، الذي يفوق السماء والأرض، وإذ تجهل تمامًا مَن هو الكلمة المتجسد، فإنها تدعوه يهوديًا. أما هو فقد صمت حيال ذلك لأجل منفعتها، حتى يمسك بأطراف الحديث معها. لكن هل رفعها إلى إدراك أسمى عن نفسه، بقوله لها أنها لا تعرف مَن يكون هذا الذي يسألها أن يشرب، أو عظم النعمة التي تنجم عن العطايا الإلهية، لأنها لو كانت تعرف، ما احتملت أن تتخلف عن خدمته، لأنها كانت ستمنع الرب من السؤال. إذن فقد أثار هو فيها بذلك، الرغبة القوية في التعلم. تأملوه الآن كيف يدير دفة حديثه بمهارة ودونما أى تفاخر، فهو يقول انه الله، لكن رغم هذا كانت المرأة بطيئة في الفهم. ولكى يجعلها تتعجب لعطية الله، قدّم نفسه لها بأنه هو واهب النعمة. لأنه إن كان يقول: ” لو تعلمين عطيةالله ومَن هو هذا الذي يكلمك، لطلبتِ أنت منه ” فلمن يليق بنا أن نقدم ما يناسب الله؟ أليس للذي هو بالطبيعة الله؟
لكنه يُسّمى الموهبة المحيية التي للروح القدس ” الماء الحى”، ويخبرنا الله بشئ مثل هذا بلسان إشعياء النبى أيضًا ” يمجدنى حيوان الحق. الذئاب وبنات النعام لأنى جعلتُ في البرية ماءًا أنهارًا في القفر، لأسقى شعبى مختارى، الذيجبلته لنفسى ليحّدث برفعتى ” (إش20:43، 21). ونص آخر عن القديسين يقول إن نفس البار ستكون ” كشجرة مثمرة وتنبت كالعشب في وسط المياه، وتغدوا كالصفصاف. بجانب المياه الجارية ” (إر12:31س).
وفوق ذلك يمكننا أن نحشد العديد من الشهادات أيضًا من الكتاب المقدس حيث يكون من السهل جدًا إيضاح، أنه تحت اسم الماء، يُذكر الروح الإلهى دائمًا، لكن لا وقت لدينا للتباطؤ هنا. بل سنبحر إلى مواضع أخرى، منطلقين إلى بحر التأملات الإلهية الواسع.
يو11:4 : ” قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك، والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحى؟”.
لا تتخيل السامرية شيئًا أكثر، تلك التي اعتادت ممارسة أعمال السحر والخداع الشيطانى، أنه سيسحب لها الماء من اعماق البئر دون دلو أو شئٍ من هذا القبيل، لكنها دعت ذلك ” بالماء الحى ” بحسب فهمها هى، أى الماء العذب المتدفق حديثًا من عيون النبع.
يو12:4 : ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر وشرب منها هو وبنوه ومواشيه؟ ” .
وهنا كفّت المرأة من نفسها، إذ سرعان ما أدركت أنها قد كوّنت عنه أفكارًا لم تكن مقدسة ولا حقيقية بالمرة. لأنه كان من المستحيل أن لا تبلغ الفهم، وهى تتمتع تمامًا بالكلمات الإلهية، ولأنه لم يكن من المحتمل أن يكون المتكلم ساحرًا، بل بالحرى هو نبى، وأحد الفائقين في القداسة، وقد وعد أن يمدها بالماء الحى، من دون إحدى الوسائل العادية كالدلو، أو لأنها وجدت ماءًا أفضل لتستعمله من مصدر آخر، فقد غيرت حديثها على الفور إلى مَن هو أكثر وقارًا، وكما لو كانت استبدلت قديسًا بقديس قائلة: ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا تلك البئر؟” وبسبب ذكاء فكرها، لم تعد تتعجب من وعده لها بأن يحضر الماء من دون حبل، بل راحت تتحدث عن خواص هذا الماء من حيث المذاق.
يو13:4 ،14:” أجاب يسوع وقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه انا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية”.
تقترح المرأة السامرية، كسؤال يصعب إجابته، ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب” أما المخلص فبكل حكمة، يتجنب أى تباه، فلا يقول إنه أعظم من يعقوب، لكنه يحثها من خلال طبيعة الأشياء أن تقبله هو الذي يفوق الجميع. لهذا يكشف عن الفارق الذي لا يُقارن بين المياه الروحية، والمياه المادية الملموسة، قائلاً: ” كل مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا ” لكن الذي يمتلئ بمائى، لن يكف فقط عن العطش، بل يملك في داخله ” ينبوع ماء يرويه إلى ” حياة أبدية ” لهذا فإن من يعطى ما هو أكثر، هو أعظم من الذي يعطى ما هو أقل، ولا يمكن للمغلوب أن يحمل نفس مجد الغالب.
ويجب أن نعرف أيضًا، أن المخلّص هنا يُسَّمى نعمة الروح القدس بالماء، الذي إذا اشترك فيه أحد، تصير له موهبة التعليم الإلهى التي تفيض على الدوام في داخله، فلا يعود يصبح بحاجة إلى أن يعلّمه الآخرون، بل بالحرى يتوفر لديه ما يحث هو به المتعطشين إلى الكلمة الإلهى السماوى، مثلما كان البعض الذين لايزالون في هذه الحياة الحاضرة على الأرض، كالأنبياء والرسل، وورثتهم في الخدمة الرسولية، الذين كُتب عنهم،” فتستقون مياهًا بفرحٍ من ينابيع الخلاص ” (إش3:2).
يو15:4 : ” قالت له المرأة: يا سيد أعطنى هذا الماء لكى لا أعطش ولا آتى إلى هنا لأستقى” .
للمرة الثانية لا تزال تتكلم وتتخيل أمورًا عادية فقط، ولم تدرك شيئًا مما قيل، لكنها تفترض أن التحرر من متاعب ومشقة (الاستقاء بالقدور وآنية الماء)، يشّكل كل قصد مخلصنا، وأنها لن تعطش أبدًا وهكذا تصورت قياس نعمة الله، دون أن ترتفع بالفكر لتنال الأمور التى هى فوق العالم.
يو16:4 : ” قال لها يسوع : اذهبى وادعى زوجك وتعالى إلى ههنا “.
أظن أن الرب طلب من المرأة أن تدعو زوجها، لأنه وجد أن قلبها بطئ جدًا في التعلّم، ولم يتمرس بكلمات الحكمة، كما أن الرب فى نفس الوقت يهدف إلى شئ آخر جميل جدًا.
يو18،17:4 : ” أجابت المرأة وقالت ليس لى زوج. قال لها يسوع: حسنًا قلتِ ليس لى زوج. لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلتِ بالصدق “.
لمَن من الناس لا يتضح الآن أن المخلّص كان لا يجهل أن المرأة محرومة من زوج شرعى، وأنه لما سألها عن زوج غير موجود، أراد أن يكشف أمورًا خفية؟ لأنه بذلك استطاع أن يجعلها تتعجب منه، ليس كواحدٍ منا، بل كمَن هو فوق الإنسان، ذلك بسبب معرفته العجيبة بأحوالها ولكى ينفعها وافق على قولها إنها بغير زوج، بالرغم من أن لها كثيرين، فالذي يجعل الزواج بلا لوم، ليس الاجتماع معًا لأجل اللذة، بل هو موافقة الشريعة ورابطة الحب الطاهر.
يو19:4 : ” قالت له المرأة : يا سيد، أرى أنك نبى “
كان من الصعب عليها أن تبلغ حد الفهم، كما أن إدراكها لم يكن كاملاً، لأنها لا تزال تدعو رب الأنبياء، نبيًا. لكنها بدأت تتحسن تدريجيًا أكثر من ذى قبل، وإذ لم تخجل من التوبيخ، اقتنصت قوة الآية لمنفعتها وهكذا راحت تنتقل من فهمها الأنثوى، لتبلغ ذهنًا قويًا إلى حدٍ ما …، فتمتد بعين قلبها إلى رؤية للأمور أفضل. ونحن أيضًا ينبغى أن يزداد اعجابنا بمخلّصنا لحكمته وطول أناته وقوته، إذ يحوّل بسهولة فهمنا العاجز غير المُدّرب إلى حالة جديرة الاعجاب.
يو20:4 : ” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغى أن يُسجد فيه”.
إذ تدرك السامرية أن الرب هو في الحقيقة نبى ويهودى، فإنها تفتخر بالأكثر بعادات بلدها وتؤكد أن السامريين أسمى في الحكمة من اليهود. لأن اليهود إذ يعرفون مفاهيم بدائية عن الطبيعة الإلهية غير الجسدانية يقولون إنه في أورشليم وحدها، أو فى جارتها، صهيون، ينبغى أن يُعبد الله الكائن فوق الكل، وكأن الطبيعة الكاملة غير المنطوق بها وغير المدركة قد اتخذت لنفسها موضعًا هناك فقط وظلت فيه، وحُبست في الهياكل المصنوعة بالأيدى. لهذا حُكم عليهم بصوت الأنبياء أنهم عديمو الفهم تمامًا، إذ يقول الله ” السماء كرسى لى والأرض موطئ لقدمى، أى بيت تبنون لى يقولالرب وأى هو مكان راحتى؟ ” (أع49:7ـ من إش1:46)، وقد كان السامريون بعيدين قليلاً عن حماقة اليهود، مع بقائهم قريبين من حدود بلادهم، ومثلهم أيضًا بلا استنارة، مفترضين أنهم ينبغى أن يصلوا لله ويعبدوه في جبل جرزيم، وهكذا لا يفلتون من السخرية بهم! لكن حجتهم في انعدام حسهم أن البركة قد مُنحت في جبل جرزيم، كما نقرأ في التثنية (تث12:27). وتعرض المرأة تلك المسألة على المخلّص، وكأنها معضلة خطيرة وصعبة بعض الشئ قائلة ” آبائنا سجدوا في هذا الجبل “.
يو21:4 : ” قال لها يسوع: يا إمرأة صدقينى أنه تأتى ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب “.
ويلوم الرب حماقة الجميع على السواء، قائلاً إن أسلوب العبادة في كلا الحالين سوف يتغير وينتقل إلى ما هو حقيقى. إذ يقول لا يكون البحث منصبًا بعد على مكان ما، يتصورون أن الله يسكن فيه، بل إذ هو يملأ الكل ويحوى الكل ” يسجد له الناس كل واحد في مكانه” كما يقول أحد الأنبياء القديسين (صف11:2س). ويقول الرب إن حلوله في العالم بالجسد هو الوقت والزمن المناسب لتغيير تلك العادات.
تأملوا كيف كان حديثه لطيفًا رقيقًا للغاية، يرشد ذهن المرأة إلى المفاهيم الصحيحة بخصوص الابن، إذ يدعو الله بالآب؛ لأنه لو لم يكن الابن موجودًا لما أمكن معرفة الآب على الاطلاق.
يو22:4 : ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم، لأن الخلاص هو من اليهود “
يتحدث المسيح مرة أخرى كيهودى وكإنسان [ولأن المسيح لم يكن يترك الفرصة السانحة دونما نفع للآخرين]، لكنه مع هذا يوضح شيئًا آخر أكثر بخصوص مفهوم عبادة اليهود. لأن السامريين يعبدون الله بسذاجة ودون فحص. بينما اليهود قد استلموا بالناموس والأنبياء معرفة ذاك الذي هو الكائن بقدر استطاعتهم. لهذا يقول الرب إن السامريين ” لا يعلمون ” لكن اليهود لهم معرفة طيبة، وهذا ما يؤكد أن الخلاص سوف يظهر منهم، أى هو نفسه الخلاص، لأن المسيح هو من نسل داود حسب الجسد، وداود من سبط يهوذا. فالذي يُعبد مع الآب بواسطتنا نحن والملائكة والقديسين قد وضع نفسه كإنسان في عداد الساجدين، لأنه إذ لبس ثوب العبد، لذلك فقد تمم الخدمة اللائقة بعبد، دون أن يفقد كونه الله والرب الذي تحق له العبادة، لأنه يظل كما هو لا يتغير، رغم أنه صار إنسانًا مبقيًا على تدبير خطة الخلاص بالجسد على الدوام.
فهو لا يسجد بصفته الكلمة والإله، لكنه إذ قد صار مثلنا، فقد أخذ على عاتقه أن يفعل هذا كما يناسب الإنسان، بسبب تدبير تجسده؛ ولن نبحث عن البرهان من الخارج، لكننا سنعرفه من كلماته هو نفسه، لأنه ماذا يقول للمرأة السامرية؟ ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم ” (22) أليس من الواضح جدًا إذن، ولكل أحد أنه باستخدامه صيغة الجمع حاسبًا نفسه مع أولئك الذين يسجدون عن ضرورة وعن عبودية قد فعل هذا وهو في الطبيعة البشرية التي هى فى وضع العبودية، ولهذا فهو يقول هذا الكلام؟ وإلاّ فأخبرنى ما الذي كان يمنعه من أن ينسب السجود إلى أقنومه الذاتى “لاهوته”، لو أنه كان يرغب في أن نعرفه كعابد. لأنه كان ينبغى أن يقول بالحرى “أنا أعرف لمن أسجد”. فعندما لا يكون معدودًا مع الباقين، تكون له قوة الكلام قاصرة على نفسه وحده، لكنه الآن وبتعبير فائق الروعة وكامل الدقة يقول “نحن” إذ قد صار ضمن رتبة العبودية بسبب إنسانيته، كمعدود بين الساجدين وكيهودى بحسب الوطن.
يو23:4ـ25 : ” ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا “.
هو الآن يتحدث عن حضوره الشخصى فى الزمان الحاضر، ويقول إن المثال قد تحول إلى الحق، وإن ظل الناموس قد انتقل إلى العبادة الروحية: ويخبرنا أنه من خلال تعليم الإنجيل، فإن الساجد الحقيقى أى الإنسان الروحانى، سوف ينجذب إلى الرعية التى تُسَّر قلب الآب، مسرعًا إلى الانضمام إلى أهل بيت الله (oikeityti) لأن الله يُعرف بأنه روح، بالمقارنة بالطبيعة الجسدانية. لهذا هو يقبل بحق الساجد بالروح،الذي لا يحمل في الشكل أو المثال صورة التقوى اليهودية، لكنه بطريقة الإنجيل، إذ يصير مضيئًا بممارسات الفضيلة وباستقامة التعاليم الإلهية، فإنه يتمم العبادة الحقة الصادقة.
1 من شرح القديس كيرلس للإصحاح الرابع من الإنجيل حسب القديس يوحنا.
لقاء المسيح مع السامرية ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحى عبد الشهيد