الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

العظة الثانية

 

الصوم سلاح روحى:

1ـ ” عزوا عزوا شعبى يقول إلهكم طيبو قلب أورشليم” (إش1:40 ـ2)

          إن إلقاء الكلمات المُشجّعة تُشدّد العزائم وتشحذ الهمم، وتُحفّز الكسالى والمتوانين على العمل. ومن أجل هذا فإن العسكريين عندما يُعدّون الجيش لمعركة قادمة، فإنهم يشرعون في إلقاء الخطب الحماسية عن ضرورة القتال، ويقدّمون النصائح والوصايا التي لها من القوة أن تجعل الكثيرين في مرات عديدة أن يستهينوا بالموت. أيضًا عندما يقوم المدّربون، بقيادة الشباب الرياضيين في المباريات وهم داخل الاستاد، فإنهم يقدّمون نصائح كثيرة عما يجب أن يفعلوه وأنه ينبغى عليهم أن يبذلوا أقصى جهد لكى يفوزوا ويُتّوجوا، حتى أن الكثيرين عندما يقتنعون بأهمية وشرف الانتصار يستهينوا بالأتعاب الجسدية. وبناء عليه فإننى أُعِد جنودًا للمسيح من أجل الحرب ضد الأعداء غير المرئيين وأحث المجاهدين على التقوى وضبط النفس، لكى ينالوا تيجان البر، لذلك فهناك ضرورة لتقديم النصيحة والإرشاد.

ماذا أريد أن أقول أيها الاخوة؟ إن أولئك الذين يدرسون الأمور الخاصة برياضة المصارعة التي تُمارس في حلبة المصارعة، يعرفون أنه أمر طبيعى إذا حدث إسراف في الطعام فسيزداد وزن الرياضيين، حتى أنه يصعب عليهم المشاركة في المباريات. لكن أنتم لا تُصارعون مع لحم ودم، بل ” مع الرؤساء. مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف12:6). إذًا في هذه الحرب من الضرورى ممارسة الصوم وضبط النفس لأن الدسم يُزيد وزن مَن يجاهد، بينما الصوم يقوي الإنسان التقى. حتى أنه على قدر ما يفقد الجسد هذه الزيادة، على قدر ما تشرق النفس بالبهاء الروحى. لأن الانتصار على الأعداء غير المرئيين لا يتحقق بالإمكانيات الجسدية، لكن بإصرار النفس وصبرها على الضيقات.

 

الصوم رفيق حسنٌ في الطريق:

          2 ـ إذًا فالصوم ـ لأولئك الذين يعرفون قيمته ـ هو نافع ومفيد طول العام، لأن الحيّل الشيطانية لن تؤثر في الصائم، وبالأكثر فإن الملائكة الحارسون لحياتنا يظلوا إلى جوار أولئك الذين تنّقوا بالصوم، وبالأولى جدًا الآن حيث انتشرت البشارة في كل المسكونة ولا يوجد مكان في الأرض لم يسمع بالبشارة سواء كان جزيرة أم قارة أم مدينة أم أمة، أو أقصى الأرض. وأيضًا الجنود في معسكراتهم، والمسافرين والبحارة والتجّار، جميعهم قد سمعوا الدعوة المملوءة فرحًا وقبلوها. حتى أنه لا ينبغى لأحد أن يستثنى نفسه من قائمة الصائمين. وهذه القائمة تشتمل على كل الأجناس وكل الأعمار وكل المناصب. إن الذين يسجلون قائمة الصائمين في كل كنيسة هم الملائكة. فلتحذر ـ ربما بسبب شهوة عابرة للأكل ـ أن تفقد تسجيل اسمك، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ستجعل نفسك في حكم الفارين من الجنديّة. إن الخطر الذي يتعرّض له شخص ترك درعه أثناء المعركة، يُعد أقل إذا ما قورن بترك سلاح الصوم.

          فإن كنت غنيًا لا تهين الصوم بأن تستنكف أن تُعِد مائدة تحوى أطعمة للصوم، ترى أنها لا تليق بك ولا ينبغى أن تُبعد هذه الأطعمة من بيتك، كأنها محتقرة بسبب أنها لا تحقق اللذة المرجوّة، حتى لا يُدينك مُشرِّع الأصوام وتعانى من تأديبات كثيرة، مثل أن يُحكم عليك بأمراض جسدية أو أى ظرف آخر مؤلم. وإن كنت فقيرًا، فصُم ولا تخشى سخرية البعض منك بقولهم إنك صائم دائمًا بسبب حالتك المادية. وأقول للمرأة أن تصوم، فالصوم لها مثل التنفس هو أمر طبيعى ومألوف، وللأولاد الذين هم مثل النباتات النضرة الخضراء، يرتون بماء الصوم. بالنسبة للكهنة فإن الألفة القديمة مع الصوم تجعل الأتعاب سهلة. لأن الأتعاب التي تأتى بعد عادات استقرت طويلاً لا تُثير آلام كثيرة عند المتمرنين عليها.

          بالنسبة للذين يرتحلون كثيرًا، فإن الصوم هو رفيق حسن للطريق. فكما أن الأطعمة تؤدى بالضرورة إلى زيادة الوزن، هكذا فإن الصوم يجعلهم أقل وزنًا وأكثر حيوية وحركة. ثم أنه عندما يُنادى بحملة عسكرية خارج حدود الدولة، فإن الجنود يُزوّدون بالاحتياجات الضرورية وليست تلك التي تُثير المتع. أما من جهتنا نحن الذين نُحارب ضد الأعداء غير المرئيين، فإنه لا يليق بنا بالأكثر أن نُقبل على الأطعمة، بل يجب أن نكتفى بالاحتياجات الضرورية، كما لو كنا نتدرب في معسكرات. لأن هدفنا هو الانتصار عليهم والانتقال إلى الوطن السماوى.

 

الصوم وحياة التقوى:

          3 ـ ” فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندى صالح … وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونيًا” (2تى5:3). ينبغى علىّ ألاّ أتجاهل ما ورد بخاطرى الآن وهو ما أريد التحدث عنه، أن النصيب المُقَدّم من الأكل للجنود يزداد وفقًا للأتعاب لكن بالنسبة للجنود الروحيين فإن الجندى الذي له طعام أقل له رتبة أعلى. كما أن خوذتنا تختلف جوهريًا عن الخوذة الأخرى التي تتعرّض للتلف، لأن المادة التي تُصنع منها الخوذة هى النحاس، أما الأخرى فقد أُعدت وتثبتت برجاء الخلاص (انظر 1تس8:5). والدرع بالنسبة للجنود العالميين مصنوع من الخشب والجلد، أما بالنسبة لنا فهو ترس الإيمان وقد سُيّج حولنا بدرع البر والسيف الذي نستخدمه في الدفاع هو سيف الروح القدس (انظر أف16:6ـ17). لكننا نجد أن الآخرين يفضلّون السيف المصنوع من الحديد، وبالتالى فإن الطعام بحد ذاته لا يقويهم. لكن الذي يُقوينا نحن هو حياة التقوى، بينما مَن يشتهون الأكل فلهم احتياج لأن يملأوا بطونهم.

إن دوران الزمن يحمل لنا مرة أخرى تلك الأيام الجميلة، وعلينا أن نُقبِل على تعاليم الكنيسة بفرحٍ، كما يفرح الطفل بأمِهِ. لأنه بهذه التعاليم فإن الكنيسة تُطعمنا بالتقوى. إذًا متى صُمت لا تكن عابسًا مثل اليهودى، لكن اجعل ذاتك مُشرقة بالفرح (انظر مت16:6ـ17). بمعنى أنه لا ينبغى أن تحزن لأجل حرمان بطنك من الأطعمة، بل أن تفرح من كل نفسك من أجل المتع الروحية. لأنك تعلم جيدًا أن ” الجسد يشتهى ضد الروح. والروح تشتهى ضد الجسد” (غلا17:5). إذًا لأن كل منهما (أى الجسد والروح) يشتهى ضد الآخر، فلنقلّل من شهوة الجسد، ولنزيد من قوة النفس، لكى نلبس إكليل العفة، حيث إنه بالصوم نحصل على الغلبة ضد الشهوات.

 

الصوم ونقاوة النفس:

4 ـ إذًا، فلتجعل نفسك مستحقة للتكريم عن طريق هذا الصوم المبارك، ولا تُفسد عفة وطهارة الغد، بسكر اليوم. واعلم أن القول بأنه يحق لنا بعد الصوم أن نغرق في السكر هو بمثابة فكر شرير وخبيث. فكما أنه لا يوجد أحد ـ عندما ينوى أن يتزوج من امرأة وقورة بحسب القوانين ـ يسمح بوجود زانية في بيته، لأن الزوجة الشرعيّة لا تقبل ولا تحتمل أن تسكن مع ساقطة. هكذا يجب عليك أنت أيضًا ألاّ تلجأ أولاً إلى السكر أو تلجأ جهارًا إلى الزنى، أى إلى مصدر الوقاحة وصنو الخداع، إلى الخبل، وإلى قبول كل فكرة مرذولة بكل سهولة، بينما تنتظر الصوم. إن النفس التي تلوثت بالسكر، لا يسكن فيها الصوم والصلاة[1]. إن السيد الرب يقبل في شركته ذلك الذي يصوم، بينما لا يقبل في شركته الدنس والنجس والمدمن. فلو أنك أتيت غدًا ورائحة الخمر تفوح منك، كيف أحسبك صائمًا وأنت في هذه الحالة من السكر الشديد؟ ولا تُقيم حساباتك على أنك مؤخرًا لم تشرب خمرًا بصورة كبيرة، لكن التقييم الحقيقى هو أنك لم تتنقى من إدمان الخمر بعد. في أى وضع يمكن أن أُصنفك؟ هل أضعك ضمن السكارى، أم من ضمن الصائمين؟ لأن حالة السكر السابقة تجذبك نحوها، بينما إتباع نظام التقليل في الطعام يؤكد الصوم. أنك مُستعبد للسكر وستظل محصورًا في ذاتك، لأنه إن كانت رائحة الخمر لازالت في الوعاء، فهذا يُعد دليلاً واضحًا على العبودية. وأقول لك بطريقة مباشرة وبلا مواربة إن أول يوم في الصوم سيكون بالنسبة لك بلا فائدة وغير مناسب، لأن بقايا السكر مازالت موجودة داخلك ” فلا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو1:6). فهؤلاء بدايتهم بل وكل مسيرتهم محتقرة، ومن الواضح أنهم مرذولون.

          ما هو النفع لو أنك أقبلت على الصوم وأنت سكران؟ لأنه إن كان السُكر يُبعدك عن الملكوت، فكيف يكون الصوم نافعًا لك؟ ألا ترى كيف أن هؤلاء الأكثر خبرة في ترويض وإعداد الخيول قبل مباريات السباق، يُقلّلون طعام الخيول التي ستشارك في السباق؟ بينما أنت تسرف عمدًا في الشراهة. إنك تتجاوز الخيول بكثير من جهة النهم!. كما أنه ليس من الحكمة في شئ أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضًا، لأن المعدة وهى متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى.

 

الصوم هو معلّم الهدوء:

          5 ـ والصوم يحفظ الأطفال ويُهذب الشباب ويجعل الشيخ أكثر وقارًا. لأن الشيخوخة عندما تكون مُزينة بالصوم، تصير أكثر وقارًا. وهو للمرأة زينة لائقة ومناسبة، ولجام لكل من هم في حالة عنفوان كما يُمثل الصوم حفظًا للحياة الزوجية وغذاءً للبتولية. مثل هذه الأمور ينبغى أن تكون موضع اهتمام كل بيت.

ولنرى كيف تُمارس السياسة في حياتنا العامة؟ تمارس على النحو الذي فيه تصير الأمور مُنظمة ويهدأ الصياح وتنتفى المنازعات ويتوقف الكلام السيئ، يحدث هذا في المدينة كلها ومن نحو كل الشعب. وهل هناك معلّم مثل الصوم يستطيع بحضوره أن يعيد الهدوء لأولادنا الذين يثيرون الضوضاء؟ فهو أيضًا الذي يكبح اضطرابات المدينة عندما تثور ومَنْ مِن أولئك المشاركين في اللهو يستطيع أن يتقدم نحو الصوم؟ وأى رقص ماجن يمكن أن يتناسب مع الصوم؟ فالضحكات الناعمة، والأغانى الهابطة، والرقصات المثيرة للشهوة، هذه كلها ستُطرد خِفيةً من المدينة عندما يحل الصوم كما لو أنها قد هربت من أمام قاضٍ متشدّد.

          فلو أن الجميع قبلوا الصوم كمرشد لن تحدث هذه الأفعال ولن يوجد أى شئ يمكن أن يُعيق سيادة السلام الكامل في كل المسكونة، طالما أن الأمم لن تثور الواحدة ضد الأخرى ولن تتصادم الجيوش فيما بينها. لو ساد الصوم، فلن تُصنّع الأسلحة ولن تُقام المحاكم ولن يُسجن البعض، وبصفة عامة لن يصير القفر مكان استضافة للمجرمين ولن تستضيف المدن أصحاب الدسائس ولا البحار ستصير ملجأ للقراصنة.

لو أن الجميع تتلمذوا على الصوم فلن يُسمع مُطلقًا بحسب ما كتب أيوب، صوت محصل الضرائب، وأيضًا لو أن الصوم ساد على حياتنا (أيوب18:3) فلن تصيبها الحسرة أو تصير مملوءة بالتجهم والعبوس لأنه من الواضح أن الصوم سوف يُعلّم الجميع ليس فقط العفة، لكن أيضًا الرحيل الكامل والتغرب عن البخل والطمع وعن كل شر. فلو أننا ازدرينا بهذه الأمور، فلن يكون هناك شيئًا يمكن أن يُعيقنا عن أن نتمتع بسلام عميق ونفس مملوءة بالهدوء.

 

ثمار الصوم:

          6ـ لكن هؤلاء الذين يرفضون الصوم الآن هم من ناحية يسعون نحو الترف والتمتع كسعادة في هذه الحياة، ومن ناحية أخرى يجلبون الكثير من الشرور على أنفسهم وبالأكثر يدمرون أجسادهم. ولتلاحظ من فضلك الفروق بين هؤلاء الأشخاص الذين سيحضرون هذا المساء وأولئك الذين سيأتون في الغد. اليوم ستجدهم منتفخين ووجوههم حمراء جدًا، مُبللين بسبب العرق الكثيف، وعيون زائغة ومحرومة من الرؤية الدقيقة بسبب الظلام الداخلى، لكن غدًا سنجد أشخاص خجولين، وقورين، لونهم طبيعى، ومملؤين بالحكمة والأحاسيس الصادقة، طالما أنه لا يوجد أى علة داخلية يمكن أن تظلم حياتهم.

الصوم هو تشبيه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذي جعل موسى مشرِّعًا. وصموئيل أيضًا هو ثمرة صوم حنة النبيّة التي صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: ” يارب الجنود إن نظرت نظرًا إلى مذلة أمتك وذكرتنى ولم تنسى أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإنى أعطيه للرب كل أيام حياته” (1صم11:1). ” وخمرًا ومسكرًا لا يشرب حتى يوم الموت” (انظر قض14:13). الصوم هو الذي أسس ونمّى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذي وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (انظر قض6:14). لكن عندما وقع أسيرًا للسكر والزنا، وقع في أيدى الأعداء بعدما فقد بصره وصار لعبة في أيدى عبيد أمم غريبة (انظر قض12:6ـ25). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن تُعطى مطرًا ثلاث سنين وستة أشهر (انظر 1مل1:17). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعى عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقفت خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد قُطع بمقطع حاد.

          7 ـ هذا الصوم قد قبله الفقراء والساكنين معكم وشركاء المائدة الواحدة. إنه للعبيد راحة من عناء العمل، وهو للأغنياء شفاء من ضرر النهم، وفي هذا الإطار فإن الصوم يجعل الأمور التي كانت محتقرة قبلاً بحسب العادة، الآن أكثر متعة. والصوم للمرضى هو مصدر الصحة، وللأصحاء هو حفظًا للصحة الجيدة. فلتسأل الأطباء وسيُجيبونك بأن أكثر الأشياء خطرًا على صحة الإنسان هو امتلاء الجسم. من أجل هذا فإن الذين هم أكثر خبرة بالصوم، يتخلّصون من الدهون الزائدة حتى لا تُسحق عافيتهم تحت ثقل الجسم الممتلئ. لأن الحرمان من بعض الأطعمة عن قصد، يؤدى إلى اختفاء الترهل الناتج عن زيادة الوزن، ويمنح غذاء صحى ومريح ونسكى، وهكذا في كل عمل وكل عادة جسديّة يكون الصوم هو أمر مفيد وهو مناسب لكل الأشياء الأخرى. فهو لائق في البيوت وفي السوق، وهو مناسب في الليل وفي النهار، في المدينة والصحراء. إذًا فلنقبل على الصوم بكل الطرق فهو الذي يمنحنا كل الخيرات، ولنقبله بالفرح وفقًا لكلمة الله لكى لا نظهر عابسين، بل نُظهر فرح النفس بدون تكلّف (انظر مت16:6ـ17). ولا أتصور أن الحث على الصوم يحتاج إلى كل هذا الجهاد، إلاّ بسبب التحذير من أن يقع أحد اليوم في رذيلة السكر. لأن الكثيرين يقبلون على الصوم بسبب العادة وبسبب خجل الواحد من الآخر. لكننى أرتعب ممَن يسكرون، فالإسراف في شُرب الخمر هو مثل شئ يتوارثونه فيما بينهم. وهناك بعض الأغبياء الذين يسرفون في شرب الخمر قبل الصوم. ومثل هؤلاء الذين يقومون برحلات بعيدة، فإن البعض من الحمقى اليوم يسرفون في شرب الخمر وقتًا طويلاً قبل بداية الصوم. من ذا الذي يتسم بهذا القدر من الحماقة، حتى أنه قبل أن يشرب يسلك سلوك السكارى غير المتزن؟ لا يوجد. ألا تعلم أن البطن لا تدخر شيئًا؟ البطن هى الرفيق الذي لا يحظى بالثقة. هى الخزينة التي لا تُضبط، لأنه بينما تُملأ بأشياء كثيرة، لا تحتفظ بها وقتًا طويلاً ويصيبها الضرر. انتبه أنت أيضًا لئلا يصادفك ما سيُقال غدًا بشأن السكر، هذه التي قُرئت الآن ” أمثل هذا يكون صوم أختاره” (إش5:58). لماذا تخلط بين الأمور التي لا تقبل الاختلاط؟ وأى علاقة للصوم مع السكر؟ وأى علاقة للسكر مع العفة؟ ” وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان” (2كو16:6). لأن هيكل الله هم أولئك الذين يسكن فيهم روح الله (1كو16:3). بينما هيكل الأوثان هم أولئك الذين يقبلون شركة الرعاع السالكين في الفسق والفجور بسبب السكر.

هذا اليوم هو مدخل للأصوام وبالتأكيد فإن ذاك الذي تدنس عند المدخل لا يستحق أن يأتى إلى المقدسات. لا يوجد عبد يريد أن يكسب رضى سيده ثم يلجأ إلى عدوه باعتباره مدافعًا عنه وشفيعًا له.

          السُكر هو عداوة لله لكن الصوم هو بداية التوبة. فلو أنك أردت أن تأتى إلى الله مرة أخرى عن طريق الاعتراف، فينبغى عليك أن تتجنب السُكر حتى لا تتغرب عن الله فيصير تجديدك أصعب. لكن لا يكفى فقط الابتعاد عن الأمور الدنسة ليُمتدح صومك، لكن ينبغى أن تصوم صومًا مقبولاً ومُرضِى أمام الله. الصوم الحقيقى هو في الابتعاد عن الشر وفي عفة الكلمة وفي البُعد عن الغضب وفي الانفصال عن الشهوة وعن التجديف وعن الكذب وعن حلف الزور. البُعد عن كل هذه الأمور، هو الصوم الحقيقى.

          8 ـ فلنبتهج في الرب بدراسة كلمات الروح وقبول العادات المخلّصة وبكل تعليم يؤدى إلى تقويم أنفسنا. فلنحترس إذًا من الصوم الذي يسبّبه العوز أو الاحتياج. هذا الصوم لا يتمناه النبى القائل: ” الرب لا يُجيع نفس الصديق ولكنه يدفع هوى الأشرار” (أم3:10). وأيضًا ” لم أر صديقًا تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزًا” (مز25:37). لأن ذاك الذي يعرف أن أبناء أبينا يعقوب قد نزلوا مصر بسبب الاحتياج إلى الخبز، لا يمكنه أن يتكلم عن الخبز المادى المحسوس، لكنه يتكلم عن الطعام الروحى والذي به يصير إنساننا الداخلى كاملاً. نترجى ألا يأتى إلينا الصوم الذي هدَّد به الله اليهود ” هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض. لا جوع للخبز ولا عطشًا للماء. بل لاستماع كلمات الرب” (عا11:8). وقد أثار هذا الجوع، القاضى العادل، لأنه رأى أن الإيمان الحقيقى في أذهان هؤلاء يتلوث بأمور هزيلة، وأن إنسان الخارج يزداد وزنه بصورة ملفتة للنظر ويصير كله جسد ضخم. إذًا كل الأيام القادمة سيُقدِّم لنا الروح القدس وجبة روحية مفرحة في الصباح والمساء[2]. لذلك لا ينبغى أن يتغيّب أحد بإرادته عن هذه البركة الروحية. فلنتناول جميعًا من الكأس الروحى النقى والذي قدمته لنا الحكمة، بعدما فرحنا معًا، لكى ينهل منه كل أحد على قدر ما يستطيع. لأن الحكمة “ ذبحت ذبحها مزجت خمرها” (أم2:9). أى أنه هذا هو طعام الكاملين الذين ” بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب14:5). إن الغِنى يتحقق بهذا، طالما أننا قد شبعنا به، ويا ليتنا نكون مستحقين لشركة الفرح ونُحسب ضمن قائمة العرس في شركة يسوع المسيح ربنا الذي له المجد والقوة إلى الأبد أمين.

 

[1] بحسب فكر آباء الكنيسة، فإن الصوم يصاحبه الصلاة ولا يمكن قبول الواحد دون الآخر.

[2] هذه إشارة إلى الكلمة التي ألقاها القديس باسيليوس، في صباح ومساء اليوم.

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

 

العظة الأولى

 

الصوم الحقيقي[1]:

يوصينا النبى قائلاً: ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا” (مز3:81). إن الكلمات تُعلن لنا بحسب (إش4:58ـ6) ـ والتي هى أعظم من الأبواق وأجدر من كل الآلات الموسيقية ـ عن مجىء عيد الأعياد. فلقد عرفنا من إشعياء نعمة الصوم، فهو الذي استنكر طريقة اليهود في ممارسة الصوم وأظهر لنا الصوم الحقيقى عندما قال: ” ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون“، ” أليس هذا صومًا أختاره؟ حلَّ قيود الشر” (إش4:58ـ6). والرب يقول ” ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين. فإنهم يغيرون وجوههم لكى يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك” (مت16:6ـ 17).

          دعونا نتصرّف كما تعلّمنا ـ فلا نظهر عابسى الوجه في أيام الصوم القادمة، لكن علينا أن نظهر بوجه بشوش كما يليق بالقديسين. فعديم الشفقة لا يُتوج، ولا عابس الوجه يحتفل بنصر. فلا يليق أن أفرح وأسعى نحو صحة النفس، بينما ينتابنى حزن بسبب تغيير الأطعمة في فترة الصوم، لماذا أفرح وأهتم براحة الجسد، في الوقت الذي لا أبالى براحة النفس؟! فالحقيقة أن الرفاهية تعوق استمتاع البطن بالمأكولات، أما الصوم فيجلب فائدة إلى النفس. لهذا ينبغى عليك أن تفرح إذ أُعطى لك دواءً فعالاً من الطبيب، دواءً يُمحى الخطية. لأنه كما تموت الديدان التي تحيا في أمعاء الأطفال بدواءٍ فعّال، هكذا الصوم عندما يدخل إلى عمق النفس فإنه يميت الخطية التي تسكن فيها.

          2ـ إن كلمات الرب: ” ادهن رأسك واغسل وجهك” (مت17:6) تدعوك إلى ممارسة الأسرار. فالذي يُدهن يُمسح والذي يغتسل يتطهّر. ونحن نتكلّم عن الإنسان الداخلى، فهيا طَهِّر نفسك من الخطايا ولتمسح رأسك بالمسحة المقدسة لتصير شريكًا للمسيح. وهكذا تأتى إلى الصوم. فلا تكتئب وتكسى وجهك بالسواد مثل المرائيين. فالوجه يكسوه السواد عندما يتلون الإنسان الداخلى بالرياء، فيتغطّى الشكل الخارجى بقناع كاذب مُزيّف. فالممثل هو الذي يلبس قناعًا على وجهه وهو على المسرح. كما أن العبد مرات كثيرة يلبس قناعًا ليتشبه بالسيد، وبعض المرات يلبس قناعًا ليتشبه بالملك. هكذا في هذه الحياة نجد الأغلبية من البشر ـ كأنها على مسرح ـ تلعب أدوارًا تمثيلية، فهم يحملون في القلب أمورًا دفينة بينما يظهرون إلى الناس أمورًا أخرى مغايرة. إذًا لا تضع قناعًا على وجهك بل عش على حقيقتك.

          لا تتملق وتظهر بوجه عابس، لتقتنص مجدًا ليس لك. فبالإحسان الذي تفعله علنًا وبالصوم الذي لا تتوانى في إعلانه جهارًا لن تستفيد شيئًا، لأن أمور النفاق والتملّق التي تمارسها بطريقة ظاهرة لا تثمر ثمارًا للحياة الأبدية، فأنت تُفسد الثمار بقبولك لمديح الناس. أسرع إذًا بفرح إلى نعمة الصوم. فالصوم هو عطية وُهبت لنا منذ القِدَم وهو لا يهرم ولا يشيخ. بل يتجدد دائمًا وينمو ويزهر لكى يأتى بثمارٍ ناضجة.

 

أقدمية الصوم:

          3 ـ هل تظن أن الصوم هو أقدم من الناموس؟ نعم إن الصوم هو أقدم من الناموس. انتظر قليلاً وتمهل وسوف تتحقق من صدق كلامى. لا تظن أن بداية التشريع بممارسة الصوم بالنسبة لإسرائيل كان في اليوم العاشر من الشهر السابع (لا29:16، 27:23). بل تعال نغوص داخل التاريخ لنجد بداية للصوم. فالصوم ليس هو ابتداع حديث. فالصوم جوهرة غالية ورثناها من الأجداد، وكل شئ قديم جدير بالوقار. ليتك تُقدّر معى أقدمية الصوم. فالصوم قديم قِدَم البشرية. لقد شُرِّع الصوم في الفردوس. فوصيّة آدم الأولى كانت:   ” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تك16:2ـ17).

          فعبارة “لا تأكل” هى تشريع للصوم والانضباط. فلو مارست حواء الصوم وتجنبّت الأكل من ثمر هذه الشجرة، ما كُنّا في حاجة إلى هذا الصوم لأنه ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (مت 12:9). فخطيتنا هى التي جلبت علينا المرض. فدعونا إذًا لنُشفى بالتوبة، غير أن التوبة بدون ممارسة الصوم هى باطلة ” ملعونة الأرض بسببك. وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل” (تك 17:3ـ 18).

          إن الوصية قد أُعطيت لك لكى تعيش وتحيا حياة الاختبار، لا لكى تحيا حياة سهلة، حياة الرفاهية بدون اختبار. هيا تحدّث مع الله وتعرّف على أهمية الصوم. الحياة في الفردوس كانت مثالاً للإنسان الصائم. ليس فقط لأن الإنسان كان يشارك الملائكة على المائدة وتشبّه بهم عندما عاش في قناعة، لكن أيضًا لأن كل ما ابتدعه الإنسان بفكره فيما بعد لم يكن موجودًا في الفردوس. فلم يكن شرب الخمر موجودًا بتاتًا، ولم تكن هناك ذبائح حيوانية ولا كل ما يكدّر الذهن البشرى.

 

خطورة عدم الصوم:

          4 ـ ولأننا لم نَصُم فقد تعرّضنا للسقوط من الفردوس. إذًا علينا أن نصوم لكى نأتى إليه مرة ثانية. ألم ترى كيف أن لعازر دخل إلى الفردوس بواسطة الصوم؟ (انظر لو20:16ـ31). وليتك لا تجعل قصة مخالفة حواء لوصية الصوم مثالاً تحتذيه وتقبل مرة أخرى نصيحة الحيّة، تلك الحيّة التي فضلّت الأكل والاهتمام بالجسد. لا تتعلّل بالمرض والضعف الجسدى وترفض ممارسة الصوم. ولا تصنع أمامى مبررات لعدم صومك بل اعترف بها للذي يعرف كل الخبايا. فأخبرنى إن كنت لا تستطيع أن تصوم، ودعنى أسألك: ألا تسعى لإشباع جسدك طوال حياتك وتسحقه تحت وطأة الانسياق وراء شهوة الأكل والشرب. إننى أعرف جيدًا أن الأطباء يفرضون على المرضى الانقطاع عن الأكل أو تناول أطعمة خفيفة ويمنعون عنهم الأطعمة الدسمة. لذا أقول لك كيف أنك تقدر على فعل كل ما يوصيك به الأطباء بينما تتعلّل الآن بأنك لا تقوى على ممارسة الصوم؟! هيا نتحاجج معًا ما هو الأكثر سهولة على الإنسان، أن ينام طوال الليل بعد أن يتناول أطعمة خفيفة أم بعد أن تمتلئ معدته بأطعمة ثقيلة؟ ماذا تقول؟ هل من السهل أن ينقذ القائد سفينة تجارية محملّة بأثقال كثيرة أم سفينة مُحملّة بأحمال خفيفة؟! إن السفينة المحملّة بأثقال كثيرة عندما تتعرض لنوة بحرية صغيرة فإنها تغرق بسهولة، أما تلك التي بها أحمال معقولة ومتوازنة فإنها تعبر النوة البحرية طالما لا يعوقها شئ عن الارتفاع واجتياز هذه النوة. هكذا أجساد البشر عندما تتثقل بالتخمة المستمرة فإنها تُصاب بسهولة بأمراض كثيرة. لكن عندما تصير هذه الأجساد منضبطة بتناولها أطعمة خفيفة فإنها تتجنب الإصابة بالأمراض حتى تلك التي يسببها المناخ السئ، ولا يعتريها الملل حتى لو كان مثل الدوامة في هجومه. والإنسان الذي له قوة إرادة إيجابية من السهل أن يشعر بالكفاية الذاتية والقناعة أمام ملذات العالم، بينما عندما يترك الإنسان الضعيف نفسه يتناول أطعمة كثيرة ومتنوعة وفاخرة وشهية فإنه لا يبلغ حد الكفاية فيسبب لنفسه أنواع كثيرة من الأمراض.

 

الصوم تقليد آبائى:

          5 ـ ليت حديثنا يمضى نحو فحص أقدمية الصوم، وكيف أن كل القديسين حافظوا على هذا التقليد الآبائى الذي استلموه وسلّموه إلينا. ولتعلم أن الخمر لم يكن موجودًا في الفردوس، فلقد ظهر الخمر بعد الطوفان ولا كان هناك ذبح للحيوانات ولا أكل للحوم. ويقول الكتاب ـ بعد الطوفان ـ ” كل دابة حيّة تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع ” (تك3:9).

 

نوح لم يكن يعرف إدمان الخمر ثم أدمنه:

         في ذلك الوقت عندما تراجع الكمال ظهر التمتّع. والمثال على عدم معرفة الخمر هو نوح الذي لم يكن يعرف استخدام الخمر، إذ لم يكن الخمر دخل في حياة البشر، ولم يكن قد شاع استخدامه بين البشر. هكذا نوح لم يكن قد رأى أحد يشرب الخمر، ولا هو نفسه قد ذاق الخمر ثم وقع في إدمانه، إذ يقول الكتاب ” وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه” (تك20:9ـ21). وحدث ذلك الأمر لا لأن نوح كان مدمنًا خمرًا لكن لأنه لم يكن يعرف الكمية المعتدلة في الشرب. بالتالى جاء اكتشاف شرب الخمر وإدمانه بعد الطرد من الفردوس أى أن الإنسان كان قد مارس الصوم في الفردوس.

 

موسى النبى يقترب إلى الله بالصوم بينما الشعب يحتقر الصوم:

         لقد اقترب موسى من الجبل بعد أن صام (خر8:24)، إذ لم تكن له الجرأة لأن يقترب من قمة الجبل الذي كان يدخن، ولم تكن له الشجاعة أن يأتى إلى الضباب إن لم يكن قد تسلّح بسلاح الصوم. لقد قَبِل موسى الناموس بعد أن صام، ذلك الناموس الذي كُتب على لوحى الشريعة بإصبع الله. وبينما صار الصوم أعلى الجبل سببًا لإعطاء الشريعة، تسببت شراهة شعب أسفل الجبل في الوقوع في عبادة الأصنام، إذ ” جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب” (خر6:32). لقد أفسد إدمان الخمر ما كان ينتظره موسى من صومه وصلاته لأن النبي رأى أن شعب الله المخمور لم يكن يستحق هذه الشرائع خلال الأربعون يومًا. وهكذا نرى وكأن الخمر قد كسر لوحى الشريعة اللذان كُتبا بأصبع الله. هذا الشعب الذي عرف الله من خلال معجزات عظيمة حدثت له ـ في لحظة ـ بسبب الشراهة في عبادة الأصنام. قارن إذًا بين الحالتين كيف أن الصوم يقود إلى الله وكيف أن الشراهة تقود إلى الهلاك.

 

فاعلية الصوم:

          6 ـ ما الذي نَجَّس عيسو وجعله عبدًا لأخيه؟ ألم يكن طعام بسيط هو الذي تسبّب في أن يبيع البكورية؟ (انظر تك30:25ـ34). وصموئيل النبى ألم يُمسح بفضل صلاة وصوم أمه؟ (انظر 1صم13:1ـ16). ما الذي جعل شمشون محاربًا وبطلاً شجاعًا؟ ألم تنجبه أمه بفضل الصوم؟ (انظر قض4:13) الصوم هو الذي أنجبه فهو قد أتى بإرادة الصوم، والصوم صنع منه رجلاً. الصوم هو الموضوع الذي تحدث عنه الملاك لأمه قائلاً: ” من كل ما يخرج من حفنة الخمر لا تأكل وخمرًا ومسكرًا لا تشرب وكل نجس لا تأكل. لتحذر من كل ما أوصيتها ” (قض14:13).

 

أنشودة الصوم:

الصوم حارس للنفس، ورفيق أمين للجسد،

الصوم سلاح الشجعان، ومدرب النُساك،

الصوم يصَّد التجارب، ويُمهد الطريق للتقوى،

إنه رفيق الهدوء وصانع العفة

الصوم يعمل أعمالاً باهرة في الحروب،

ويُعلَّم السكينة في وقت السلام

الصوم يُقدِّس النذير[2] ويجعل الكاهن كاملاً.

الصوم يجعل العاقر تلد أولادًا،

ويصنع الأقوياء، ويجعل المشرّعين حكماء

          لأنه كيف للكاهن أن يصلى بدون صوم؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمرًا ضروريًا ليس فقط في عبادة العهد الجديد السرائرية ولكن أيضًا بالنسبة للعبادة الناموسية.

 

الصوم وإيليا النبى:

الصوم هو الذي جعل إيليا النبى يشاهد رؤى إلهية. إذ صام مدة أربعين يومًا وتنقت نفسه واستحق أن يرى الرب على جبل حوريب (1مل8:19ـ23)، الأمر الذي هو صعب الحدوث لأى إنسان. بالصوم أعاد إيليا الحياة إلى ابن الأرملة، فأقامه وسلّمه إليها، إذ بواسطة الصوم برهن أنه أقوى من الموت.

          لقد خرج أمرًا من فم إيليا الصائم بأن يتوقف المطر ـ بسبب معصية الشعب ـ ثلاث سنوات ونصف واستجابت السماء لأمره. لقد فضّل أن يحكم على نفسه مع الآخرين بهذا الحكم الشديد حتى يلين قلب الشعب القاسى. لذلك قال ” حى هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه أنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلاّ عند قولى” (1مل1:17). لقد دعا كل الشعب إلى صوم لكى يواجهوا الشر الذي أتى من حياة التراخى والتلذذ بالأكل والشرب.

ما السبب في أن حياة إليشع النبى مثال للسيرة الحسنة. تأمل كيف أن المرأة الشونمية استضافته، وكيف أنه هو نفسه كان يستضيف بنى الأنبياء؟ انظر معى هل قدّم لبنى الأنبياء قليل من الخبز مع نباتات برية سامة؟ بالطبع لا، لأن واحدًا من هؤلاء خرج إلى الحقل وجمع يقطينًا بريًا سامًا ووضعه مع السليقة في القدر ولكن بفضل صلوات هذا النبى الصائم ـ إذ كان الموت متربصًا بمن يأكل ما هو موجود في القدر ـ اختفى السُم من الطعام. (2مل39:4ـ41).

 

الصوم والفتية الثلاثة:

          من السهل أن ترى ـ وبشكل عام ـ الصوم وهو يقود كل القديسين إلى مدينة الله. مثلاً، يوجد مادة يسمونها الأمينت[3] لا يعتريها أى فساد عندما توضع في النار، مع أنه عندما توضع في النار تبدو للناظرين أنها تتفحم لكن عندما يخرجونها من النار تصير نقية كما لو أنها أُلقت في الماء فصارت نقية. كانت أجساد الثلاث فتية في أتون النار مثل هذه المادة وذلك من جراء الصوم (انظر دا8:1ـ16). إذ أنهم برهنوا وهم في أتون النار أنهم أقوى من النار كما لو كانت طبيعتهم من الذهب. والحق يقال إنهم أظهروا أنفسهم أنهم أقوى حتى من الذهب. إذ لا أحد وقتذاك كان قادرًا على منع تلك النار التي صبوا عليها زيت ونفط ومواد سريعة الاشتعال حتى أنها امتدت لارتفاع تسعة وأربعون زراعًا وأكلت كل ما هو موجود حولها. هذه النار المتقدة تمشوا فيها الثلاث فتية بعد أن صاموا، لقد تنسموا نسيمًا لطيفًا وهواءً باردًا عليلاً في وسط هذه النيران الشديدة لأن الكتاب يقول ” لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم ” (دا27:3).

 

الصوم ودانيال النبى:

         7 ـ ودانيال الرجل الذي لم يأكل خبزًا لمدة ثلاثة أسابيع ولم يشرب ماءً (انظر دا2:10ـ3) علّم الأسود أن تصوم عندما نزل جُب الأسود (انظر دا 16:6ـ22). والأسود لم تستطع أن تلتهمه بأسنانها وكأن جسده مصنوع من الحجر الصلد أو النحاس أو من أى معدن آخر صلب. هكذا يُقوَّى الصوم الجسد ليصير مثل الحديد مما جعل الأسود لا تقوى عليه. لأنهم لم يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم أمام القديس. فالصوم ” أطفأ قوة النار وسد أفواه الأسود”[4].

 

الصوم والحياة العملية:

الصوم يُصعد الصلاة إلى السماء كما لو كانت ريشة تطير نحو الأعالى. الصوم هو سبب رُقيّ وتقدم الشعوب، الصوم أصل الصحة، الصوم مربى للشباب وزينة الشيوخ، والرفيق الصالح للمسافرين. الصوم هو خيمة آمنة للذين يطلبون مأوى. فالرجل المتزوج لا يرتاب من زوجته عندما يراها تصوم دائمًا. بالمثل فالمرأة تثق في رجلها ولا تدع الغيرة تتملكها عندما تراه يصوم دائمًا. هل تسبب الصوم في ضرر لأحد؟ طبعًا لا، فلن يغيب شيئًا من الأشياء الموجودة في البيت، لأن رب البيت الصائم لن يستدين أبدًا. لن تسمع في هذا البيت حشرجة موت من أى حيوان يُذبح، لن تجد دم في هذا البيت، لن تجد شهوة بطن تصدر قرار دموى ضد أى حيوان في البيت. سوف يتوقف سكين الجزار عن عمله. فالمائدة تكتفى بأطعمة خفيفة بسيطة. وكما أُعطى السبت لليهودى، إذ يقول الكتاب ” لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك” (خر10:20).       لندع الصوم يكون فرصة راحة للخدم الذي يعملون طوال العام. أعط راحة لطباخك واسمح لخادمك بإجازة، لا تقبل دعوة من أحد لمائدة احتفالية. ليت صانع الحلوى يتوقف عن صنعها. ليت البيت يهدأ وتختفى الضوضاء والجلبة الكثيرة، ليت الدخان ورائحة الشواء يختفيا من البيت، ليت الخدم يستريحون، هؤلاء النازلون والصاعدون على السلالم ليخدموا البطون الشرهة. وكما أن محصلى الضرائب يعطون المديونين مهلة لترتيب أوضاعهم، هكذا فلتُعطى الفم مهلة لتستريح البطن، مهلة لخمسة أيام، تلك (أى البطن) التي لا تتوقف مطالبها.

 

          8 ـ الصائم لا يعرف الاقتراض والسلف والدين. الصائم لا يعرف الفوائد التي يحصل عليها المرابين. الديون مثل الحيّات لكنها لا تستطيع أن تقترب من أولاد الصائم. أضف إلى ذلك أن الصوم يصير دافعًا للابتهاج والسرور. لأنه مثل العطش الذي يجعل كأس الماء حلوًا وكذلك الجوع الذي يجعل المائدة شهية، هكذا الصوم يُبهج متعة الطعام. إذ بالانقطاع عن الأكل يصير تناول الطعام أمرًا جميلاً كلقاء الأحباء بعد طول سفر. وإذا أردت أن تتحقق من هذا الأمر، عليك أن تخضع للصوم، لكن للأسف وأنت محاط بشدة بالتخمة قد نسيت نفسك بإنكبابك على الأطعمة. لقد أبطلت لذة الأكل بمحبتك وانسياقك الدائم للأكل والشرب. إذا أردت أن تستمتع بالطعام عليك أن تمارس الصوم. عليك أن ترى الشئ ونقيضه حتى تشعر بنعمة الشئ الذي تحصل عليه. هكذا الخالق قصد أن توجد أمور متنوعة في الحياة لكى نشعر ونُقدر الأشياء التي أُعطيت لنا. ألم ترى كيف تبدو الشمس أكثر لمعانًا بعد الليل المظلم؟ ألا تشعر بأن اليقظة حلوة بعد النوم الطويل، وأن قيمة الصحة عظيمة بعد اجتياز أزمات صحية؟ وهكذا تصير المائدة أكثر بهجة بعد الصوم.

 

الغنى ولعازر الصائم:

          9 ـ عليك أن تتعظ من مَثَل الغنى، فالرفاهية المستمرة في الحياة سلّمت ذاك إلى النار. لأن الغنى لم يُدان لأنه كان ظالمًا، بل لأنه كان يحيا حياة الرفاهية لهذا فقد احترق في نار الأتون. ولكى نُطفئ تلك النار نحتاج إلى ماء (أى إلى الصوم). ليس للصوم فائدة فقط في المستقبل الأخروى لكن فائدته أيضًا بالأكثر هى لحياتنا الحاضرة. لأن للرفاهية والغنى الفاحش عواقب وخيمة حيث لا يقوى الإنسان على احتمال ثقل بدانة جسده. احذر من نفورك الآن من الماء وانسياقك وراء الخمر لأنك سوف تشتهى قطرة ماء مثل الغنى (انظر لو24:16). فلا سمعنا أن أحد قد سكر من الماء. ولا أحد تألم رأسه بسبب أنه شرب ماءً كثيرًا. ولا أحد احتاج لصحبة أناس غرباء لكى يشرب ماء. ولا أحد تقيدت رجلاه[5] بسبب الماء. ولا أحد صارت يداه غير مقيدة[6] وهو يرتوى بالماء. احذر أيضًا لأن سوء الهضم الذي يحدث بعد تناول أطعمة دسمة يسبب أمراض مخيفة للجسد، ألا تلاحظ أن لون بشرة الصائم هو جميل وهادئ، فوجه الصائم لا يعتريه أى إحمرار من الخجل. إنه مزيّن بالحشمة والأدب، عيناه وديعتان، تصرفاته حكيمة، وجهه مشرق، ابتسامته رزينة، كلامه موزون ، قلبه طاهر ونقى.

 

الإقتداء بالقديسين في صومهم، المسيح هو أساس الصوم:

لذا عليك أن تتذكّر القديسين في كل العصور، هؤلاء الذين ” لم يكن العالم مستحقًا لهم” (عب37:11ـ38). عليك أن تقتدى بهم في تربيتهم وسلوكهم، إن كنت تريد أن يكون لك نصيبًا معهم. وأنا أسألك ما الذي أراح لعازر في أحضان إبراهيم؟ (انظر لو23:16). أليس هو الصوم؟ كما أن حياة يوحنا المعمدان كانت صومًا مستمرًا (انظر مت4:3). فلم يكن ليوحنا المعمدان سريرًا ولا مائدة طعام ولا حقولاً ولا أبقارًا ومحراثًا ولا فرن لعمل الخبز ولا شئ من الأشياء اللازمة للمعيشة، لذلك قيل عنه ” لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11). الصوم الذي افتخر به بولس هو الذي أصعده إلى السماء الثالثة (انظر 2كو27:11، 2:12).

لكن أساس كل شئ هو ربنا يسوع المسيح الذي صام ـ إذ اتخذ جسدًا ـ لأجلنا وانتصر على الشيطان لكى يعلّمنا أنه بالصوم نجهز أنفسنا لمواجهة محاربات الشيطان، كأنك تضع لجامًا لخصمك. لأنك عندما تسمو بالصوم لا يستطيع العدو أن يقترب منك. وإن كان المسيح بعد قيامته قد أكل ” فأخذ وأكل قدامهم” (انظر لو43:24)، فإنه فعل ذلك لكى يؤكد على حقيقة قيامته بالجسد. وأنا أسألك: أى شئ فعلته بخصوص الوصايا الخلاصية والمحييّة وأنت تحرم ذهنك من الأطعمة الروحية؟ ربما تجهل أن النظم الحربية تعترف بأن الانحياز إلى طرف في الحرب يجعل هزيمة الطرف الآخر مضمونة؟ أقول لك هذا، لأن هذا هو ما يحدث عندما تتعاون مع شهوات الجسد وتنحاز لها فتصير بذلك محاربًا ضد الروح، والعكس يحدث عندما تنحاز للروح فتستطيع بسهولة هزيمة شهوات الجسد. لأنك تعرف أن الاثنين أى الروح والجسد ” يقاوم أحدهما الآخر” (غلا17:5) لدرجة أنك إذا أردت أن تُقَّوى الذهن عليك أن تُقمع جسدك بالصوم. وهذا هو ما يقوله الرسول بولس أى بقدر ما يفنى الإنسان الخارجى، بقدر ما يتجدد الإنسان الداخلى أيضًا (2كو16:4). هل لا تشتهى مائدة الملك؟ إذًا دعنى أسألك مَن مِن هؤلاء الذين يحيّون في رفاهية مستمرة قَبِل شركة الموهبة الروحية؟ مَن هم الذين سقطوا في الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب17:3) أليسوا هم هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد33:11). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنَّ ولا بالماء الذي خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ في الأوانى (انظر خر3:16) تقهقروا إلى الخلف، ولم يرى أحد منهم أرض الموعد. هل لا تخاف من تكرار هذا النموذج؟ هل لا ترتعب من حقيقة أن الانسياق وراء الأكل ربما يحرمك من الخيرات المنتظرة؟ أستطيع أن أقول لك إنه ولا الحكيم دانيال النبى كان سيرى رؤى إن لم يكن قد تطهّر أولاً بالصوم. لا أخفى عليك أن الأكل الدسم ينبعث منه أدخنة تعتّم أنوار العقل التى تأتى من الروح القدس. يوجد غذاء ملائكى كما يقول النبى ” أكل الإنسان خبز الملائكة” (مز25:78). غذاء الملائكة مختلف عن بقية الأطعمة، فهو ليس لحم ولا خمر ولا طعام يهتم به عبيد البطن. تذكّر أن الصوم هو سلاح لمحاربة الشياطين، لأن ” هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشئ إلاّ بالصلاة والصوم” (مر28:9). لكن شهوة محبة الأكل هى بداية الإهانات[7]، إذ أن الرفاهية والإدمان ومحبة اللذات تثير فينا كل أنواع الفحشاء. وكما يقول النبى إرميا: يصير البشر ” حُصُنًا[8] معلوفة سائبة” (إر8:5) وذلك بسبب الأهواء التي تنتج من ترف النفس. إن الانحرافات في السلوك البشرى تأتى من هؤلاء المدمنين والسكارى الذين يمارسون أمورًا شائنة ويستخدمون المرأة والرجل على عكس طبيعتهما. لكن الصوم يعلّمك الاعتدال في الزواج ” لا يسلب أحدكم الآخر إلاّ أن يكون على موافقة إلى حين لكى تتفرغوا للصلاة والصوم” (1كو5:7).

 

خاتمة:

          10 ـ إذًا لا تحصر الصوم في الابتعاد فقط عن الأطعمة. لأن الصوم الحقيقى هو الابتعاد عن الشرور ” أن تحل قيود الظلم” (إش6:63). فإن كنت فى الصوم لا تأكل لحومًا لكن مع الأسف تأكل لحم أخيك. وإن كنت لا تشرب خمرًا لكنك لا تستطيع أن تضبط لسانك عن الشتائم. وبالرغم من أنك تنتظر حتى المساء لكى تتناول الطعام، إلاّ أنك تقضى كل نهارك في المحاكم ” ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادى سمائن المضروبين بالخمر” (إش1:28).

          أرجو أن تلاحظ أن الغضب يُعتبر بمثابة سُكر للنفس، لأنه يجعل النفس تائهة مثلما يفعل الخمر. الحزن أيضًا هو إدمان وسُكر إذ يُغرق العقل. والخوف كذلك هو سُكر وإدمان عندما يحدث في غير موضعه. لأن مكتوب ” من خوف العدو احفظ حياتى” (مز1:64). وعمومًا أى تصرف أو فكر يُخرّب العقل يُدعى حقًا سُكرًا. تأمل، من فضلك، الغضوب كيف أنه يتصرّف كالسكير فهو لا يضبط نفسه أو كلامه ولا يعرف حتى الذين هم معه في مجلسه. إنه يشبه مَن يتعارك في ظلمة الليل فيمسك بأى شئ في طريقه، ويتعثر في أى شئ أمامه ولا يعرف ماذا يقول، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، فهو يشتم ويضرب، ويهدد، ويقسم ويصرخ. عليك أن تهرب من هذا السُكر تمامًا كهروبك من السُكر الحقيقي الذي يسببه الخمر. لا تحتقر شرب الماء بدلاً من شرب الخمر، لأن الخمر لا يقودك إلى الصوم. فلا يوجد دخول إلى الصوم من خلال السُكر، كما لا يتحقق العدل من خلال الظلم ولا الانضباط من خلال الفسق، ولا الفضيلة من خلال الشر. باب الصوم له طريق آخر. فبينما يقود الإدمان إلى الفجور فإن الانضباط يقود إلى الصوم. وكما أن الرياضى يتمرّن أولاً قبل أن يخوض في أى منافسة هكذا الذي هو مقبل على الصوم عليه أن ينضبط أولاً. لا تتصرف كما لو كنت تتصرف بانتقام لأنك مُقبل على فترة صوم، فلا تجعل آفة إدمان الخمر تتملكك قبل الدخول في الخمس أيام الأولى للصيام. لن تستفيد من قمعك للجسد ولن تتعزى وأنت تحرم نفسك من الطعام إذا امتلكت شهوة إدمان الخمر. وكأنك تلقى خزينتك في إناء مثقوب. فالخمر يذهب والخطية وارتكاب الآثام يبقيان. العبد يهرب عندما يضربه سيده، أما أنت فإنك تترك نفسك للخمر بالرغم من أنه يضرب دماغك يوميًا وأنت تعرف أن احتياج الجسم المريض للخمر هو محدود كما يعلّمنا الكتاب (انظر 1تيمو23:5).

          إن لم تنضبط اليوم ولا تتعدى حدودك في استخدام الخمر، غدًا سوف تصبح رأسك ثقيلة وسوف تتوه، وتدوخ وستنبعث منك رائحة الخمر الكريهة. سيبدو لك أن كل شئ حولك يلف ويدور ويتأرجح. علاوة على ذلك يُسبب لك السُكر أيضًا نومًا يشبه الموت وكذلك يقظة تشبه يقظة الأحلام.

          11ـ عرفت إذًا مَن هو الذي عليك أن تقبله؟ إنه ذاك الذي كرز قائلاً  ” إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى إليه نأتى وعنده نصنع منزلاً” (يو23:14). لماذا تسلك في طريق السُكر والإدمان وتغلق الباب المؤدى إلى الرب؟ لماذا تُعطى للشيطان فرصة لأن يهاجمك؟ فالسُكر لا يقود إلى طريق الرب، السُكر يبعد عنا الروح القدس. لأنه كما يطرد الدخان النحل كذلك الإدمان يطرد المواهب الروحية.

          الصوم هو كرامة المدينة

          سلام الشعوب

          خلاص لكل ما هو موجود

          هل تريد أن ترى عظمة الصوم؟ قارن، من فضلك، هذا بما سيحدث غدًا. سوف ترى أن المدينة تغيّرت من الاضطراب والفوضى إلى السكينة والهدوء. أتمنى أن هذا المساء يشبه ما سيصير غدًا من حشمة ووقار وغدًا لا يقل عن اليوم في الابتهاج. والرب الذي قادنا إلى هذه الفترة من السنة (الصوم) ليته يعضدّنا ـ كما لو كنا مصارعين قد أظهرنا ثباتًا وقوةً وصبرًا في المنافسات التمهيدية ـ لكى نصل إلى يوم البر، يوم الأكاليل، من الآن حيث ذكرى آلام المخلّص، إلى يوم المجازاة العتيد للذين عاشوا منا برّ المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين.

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] النذيرين هم جماعة من اليهود مكرسون لله بقسم وهم يبتعدون عن شرب الخمر وعن تناول بعض الأطعمة. مثل هؤلاء كان شمشون وصموئيل ويوحنا المعمدان.

[3] مادة تحتمل النار ولا تتأثر بها.

[4] يضع القديس باسيليوس هذه العبارة بين قوسين لعله أخذها من نص معروف وقتذاك لدى الكنيسة. ومن الجدير بالذكر أن هذه العبارة موجودة في قسمة الصوم الكبير.

[5] إدمان الخمر يجعل الإنسان لا يقوى على المشى كما لو كانت قدميه مقيدة.

[6] بمعنى أن السكير لا يتحكم في حركات يديه فيضرب بهما في كل اتجاه.

[7] بحسب القديس باسيليوس، إن حب الإنسان للشراهة والدناءة هو السبب في سقوط الإنسان من الفردوس وفي الحالة المهينة التي صار عليها.

[8] حُصُنًا جمع حصان.

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

الصوم

 

عظة للقديس يوحنا ذهبى الفم

عن كيفية الاستعداد للصوم[1]

 

ينبغى أن يفرح المسيحيون بقدوم الصوم لأن خيراته كثيرة:

 

إن اجتماعنا اليوم مفرح وأكثر بهاءً من الاجتماعات المعتادة، تُرى ما هو سبب ذلك؟ إن مصدر هذا الابتهاج هو الصوم. الصوم الذى لم يبدأ بعد، ولكننا ننتظره. هذا الصوم جمعنا فى بيت الآب، الصوم أحضركم إلى حضن الأم. فإن كان انتظاره فقط جلب لنا غيره عظيمة، تخيلوا كم يخلق مجيئه وحضوره وقارًا وتقوى فينا!! نحن نشبه مدينة كانت يسودها الفوضى، ولكن عندما علمت هذه المدينة بأن رئيسًا مهيبًا ينوى أن يزورها، بدأت فورًا تتأهب لاستقبال هذا الرئيس.

 

لكن لا تخافوا مما سمعتم بأن الصوم مثل رئيس مهيب، لأنه ليس مخيفًا لنا، لكن لجنس الشياطين. إن كان يوجد شخص به شيطان، واجهه بالصوم، فإنه سيرتعب خوفًا، وسيظل متحجرًا وأصلد من الصخر، وسيظهر كأنه مقيد بقيدٍ. وسيعانى كثيرًا جدًا من ذلك، عندما يصحب الصوم بالصلاة، إذ يقول ربنا يسوع المسيح: ” هذا الجنس (الشياطين) لا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم” (مت 21:17)

 

إذن، فطالما أن الصوم يُبِعد أعداء خلاصنا بعيدًا جدًا، وأيضًا يرعبهم، فعلينا أن نحبه ونرحب بقدومه، ولا نخاف منه. وإن كان ينبغى أن نخاف شيئاً، فعلينا أن نخاف من السُكر والإدمان والإفراط فى الأكل، وليس من الصوم. لأن أكلنا وشربنا يقيد اليد (عن إعطاء الصدقة)، ويسلمنا عبيدًا وأسرى للطاغية (الشيطان)، كما إلى امرأة شريرة. وبعكس الأكل والشرب، فالصوم يفك قيودنا ويخلّصنا من الطاغية، ويردّنا إلى حريتنا الأولى.

 

الصوم يرفع البشر ويقربهم من الله:

أتريد أن تعرف كم يزّين الصوم البشر، كم يحميهم من كل جانب، كم يؤّمن حياتهم؟ أرجوك أن تتأمل النظام الحلو والجميل فى حياة الرهبان. هؤلاء الذين تركوا ضجه العالم، وصعدوا قمم الجبال، وأقاموا قلاليهم داخل الصحراء فى الهدوء، وكمثل ميناء هادى، جعلوا الصوم هو صديقهم ورفيقهم مدى الحياة. وهكذا نرى أن الصوم جعل البشر يصيرون ملائكة، وليس هؤلاء فقط (أى الرهبان)، لكن الذين يمارسونه فى المدن، يصعدهم إلى قمة الفضيلة. هكذا عندما أراد النبيان العظيمان موسى وإيليا أن يقتربا من الله ويتحدثا إليه، لجئا إلى الصوم، وبمعونة الصوم صارا فى شركة مع الله.

 

 

عصيان الأبوين الأولين كان مخالفة لوصية الصوم:

لاحظ أنه من البدء عندما خلق الله الإنسان وضعه مباشرة بين “يدى” الصوم، ذلك الصوم الذى كان كمثل أم حنون ومعلمه صالحة تهتم بخلاصه، لأن الوصية كانت هكذا:

من جميع شجر الجنه تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تك16:2ـ17)، كانت هذه الوصية “نوع” من الصوم، فإن كان الصوم ضروريًا فى الفردوس، فبالأكثر جداً يكون ضروريًا خارج الفردوس. وإذا كان الدواء قبل “الجرح” مفيدًا، فبالأكثر جداً بعد “الجرح”. كذلك، إن كان “السلاح” ضرورى لنا، قبلما تبدأ حرب الشهوات الشريرة، بالأكثر جداً بعد اشتعال الحرب، حيث تضرم الشياطين فينا الشهوات، فإننا نحتاج لهذا “السلاح” الذى هو الصوم. لو أدرك آدم هذا الكلام، لما سمع الكلام الآخر الذى قاله الله: ” لأنك تراب وإلى تراب تعود” (تك19:3)، لكن بسبب أنه خالف القول الأول، لذلك أتى الموت وما ترتب على ذلك من هموم ومتاعب ومشقات، هكذا أتت الأشواك والزوان، هكذا أتت العذابات والآلام والحياة البائسة.

 

الصوم أنقذ أهل نينوى:

إن كنت قد رأيت كيف أن الله لم يُسرّ باحتقارنا للصوم، فتعلّم الآن كيف تبتهج، بإكرّام الصوم. لأنه كما أنه باحتقار الصوم أتت عقوبة الموت، هكذا أيضًا، عندما نُكرّمه تُرفع العقوبة. ولأن الله أراد أن يُظهِر لك قوة الصوم، نجده بعد أن أدان آدم على تعديه وعدم “صومه” كما قلنا، قد جعل الصوم “طريقًا” للسائرين نحو الموت كى يعودوا مرة أخرى إلى الحياة. وهذا لم يفعله لا باثنين أو ثلاثة أو عشرون من البشر لكن بمدينة كاملة، مدينة نينوى العظيمة والعجيبة، التى ركعت وتذلّلت بسبب الدمار المزمع أن يصيبها من جراء العقاب الإلهى، فجاء الصوم كمثل قوة رفعتها إلى أعلى، واختطفتها من قبضة الموت وردتها إلى الحياة. وإذا أردتم دعونا نسمع ما حدث:

 

قصة يونان وخلاص أهل نينوى:

يقول الكتاب ” وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاى قائلاً: قم أذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادى عليها لأنه قد صعد شرهم أمامى” (يون1:1ـ2)

 

نجد هنا وصفًا للمدينة ـ إذ قال الله عنها المدينة العظيمة ـ لعله بهذا الوصف يؤثر على يونان لأنه كان يعرف مسبقًا أنه مزمع أن يهرب. لكن دعونا نسمع ما أنذر به يونان أهل المدينة: ” بعد أربعين يومًا تنقلب المدينة” (يون4:3).

          لماذا تهرب يا يونان ؟

هل تصورت أمامك مصاعب تتوقعها بسبب (توبة المدينة)؟

ألاّ تعرف أن تهديدات الله بالجحيم كانت لكى لا يقود (الله) أحدًا إلى الجحيم؟.

ولأى سبب منحهم الله فرصة قصيرة؟ نجيب لكى تعلم أن الغرباء (أهل نينوى) يستطيعون فى هذه المدة أن يطفئوا غضبًا عظيمًا، سببته خطاياهم، وأيضًا لكي نثق نحن ونتيقن من محبة الله للبشر. وحتى لا تيأس أنت يا من فعلت آلاف الخطايا. لأنه إذا أعطيت الكسول وغير المبالى، مهلة كبيرة للتوبة، فإنه سوف لا يفعل شيئاً وسوف لا يتصالح مع الله بسبب إهماله وتهاونه، بينما الإنسان النشط واليقظ لو أعطيته فترة زمنية قصيرة جدًا سوف يستطيع أن ينعم بغفران خطايا ارتكبها فى سنين عديدة.

 

ألم ينكر بطرس المسيح ثلاث مرات؟

وفي المرة الثالثة، ألم يلعن ويحلف أنه لا يعرفه ؟

ألم يخف من كلام خادمة صغيرة ومغمورة؟ ماذا إذن؟

هل احتاج سنين عديدة لكى يتوب ؟

إطلاقًا لكن فى نفس الليلة

سقط وقام،

جُرح وشُفى،

مَرضّ وتعافى.

كيف وبأى طريقة؟

إنه بكى وحزن، وهو لم يبكِ فقط لكن بكى بألم وإنسحاق. لذلك فإن الإنجيلى لم يقل بكى لكن قال” بكى بكاءاً مراً” (مت75:26).

 

انظر، لا تستطيع أى كلمة أن تصف مدى القوة العظيمة لتلك الدموع، وتطور الأحداث يظهر قوة هذه الدموع. لأن بعد ذلك السقوط الرهيب ـ أى إنكار المسيح ـ وبعد هذه الخطية الكبيرة، أعاده المسيح إلى الكرامة الأولى، وكلّفه برعاية بالكنيسة، والأهم أنه أظهر لنا كيف أن بطرس إقتنى محبة عظيمة نحو الرب أكثر من كل الرسل، وذلك عندما سأله قائلاً: ” يا سمعان بن يونا أتحبنى أكثر من هؤلاء” (يو15:21). إذن حتى لا تقول إن الله كان محقًا في أن يغفر لأهل نينوى، الذين هم غرباء وغير متعلمين، لأن العبد ” الذى لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يضُرب قليلاً” (لو48:12)، لذلك قدمت لك مثال بطرس العبد الذى يعرف كثيراً جداً إرادة سيده.

أرأيت كيف ارتفع عاليًا بتوبته؟.

إذن لا تيأس بسبب خطاياك.

لأن الأسوأ من الخطية هو أن تظل فى الخطية،

والأردأ من السقوط هو أن تظل فى السقوط.

لأجل هذه الحالة يبكى بولس ويحزن،

فهذه الحالة جديرة بالرثاء،

 

فهو يقول:

لأنى أخاف إذا جئت.. أن يذلنى إلهى عندكم.. إذا جئت أيضاً وأنوح على كثيرين    من الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا عن النجاسة والزنى والعهارة التى فعلوها” (2كو21:12).

 

واعلموا أن الوقت المناسب جدًا للتوبة هو وقت الصوم. لكن ليتنا نعود إلى موضوعنا (يونان وأهل نينوى)، عندما سمع النبى يونان كلمات الرب قام : ” ليهرب إلى ترشيش فدفع أجرتها ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرب” (يون3:1).

أين تذهب أيها الإنسان؟ ألم تسمع النبى يقول:

أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب” (مز7:139).

هل ستذهب إلى الأرض؟ اسمع

للرب الأرض وملؤها. المسكونة وكل الساكنين فيها” (مز1:24). ربما تقول: أذهب إلى الجحيم؟

إن صعدت إلى السموات فأنت هناك. وأن فرشت فى الهاوية فها أنت.. أن أخذت جناحى الصبح وسكنت فى أقاصى البحر فهناك أيضاً تهدينى” (مز8:139ـ10).

          أم ستقول إلى : ” أقاصى البحر” حيث ذهب يونان النبى؟.

 

          الخطية تؤدى بنا إلى هذيان عظيم!. لأنه كما أن الذين يستولى عليهم الإدمان والسُكر، يجولون بلا وعى هنا وهناك، ولو صادفتهم ورطه أو أى شئ آخر، يسقطون فجأة، هكذا الذين ينزلقون فى الخطية تستولى عليهم شهوة فعل الشرور مثل إدمان الخمر، ولا يعرفون ماذا يفعلون، بل يكونون غير مبالين لا بالحاضر ولا بالمستقبل .

 

          اخبرنى يا يونان، هل هربت بعيدًا من الرب؟ إذن انتظر قليلاً، فمن الحوادث التى سوف تجرى لك ستعلم كيف أنك لا تستطيع أن تفلت من قبضة البحر، الذى هو أيضًا عبد لله، يفعل ما يأمره به سيده. وإلاّ فلماذا عندما نزل النبى إلى السفينة، علتّ الأمواج جداً؟ ولأن البحر كان مثل ذلك العبد المطيع، الذى تقابل مع عبد آخر سرق شئ من سيده وهربّ، فإنه لا يتوقف عن أن يزعج من تستروا على العبد السارق حتى يأخذه ويعيده إلى سيده، هكذا البحر، عندما وجد يونان الهارب وتعرّف عليه، سبّب اضطرابات كثيرة للبحارة وهدد أنه لن يهدأ حتى يسلّم الملاحون يونان له.

وماذا فعل البحارة عندما صارت كل هذه الإضطرابات؟

مكتوب: “ خاف الملاحون وصرخوا كل واحد إلى إلهه وطرحوا الأمتعه التى فى السفينة إلى البحر ليخففوا عنهم” (يون5:11). لأن كل الأمتعة كانت بالداخل، أى جسد النبى الذى كان حملاً ثقيلاً ليس بسبب وزنه المادى لكن بسبب ثقل الخطية. لأنه لا يوجد ما هو أثقل من الخطية، لذلك يشبهها النبى زكريا بالرصاص (انظر زكريا 7:5)، بينما داود يصف طبيعتها قائلاً: ” لأن آثامى قد طمّت فوق رأسى. كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل” (مز5:38).

 

والمسيح يصرخ بقوة للغارقين فى الخطية قائلاً: ” تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين وثقيلى الأحمال وأنا أريحكم” (مت28:11).

 

          إذن الخطية ثّقلت السفينة فكانت على وشك الغرق، ويونان كان نائماً فى نوم عميق. أخذه النوم الثقيل ليس نتيجة فرحه، ولكن بسبب حزنه، ليس خمولاً أو كسلاً ولكن بسبب الضيق.

 

          لأن الخدام الصالحين يشعرون بخطاياهم بسرعة، الأمر الذى عاناه يونان، حيث فعل الخطية وأدرك بعد ذلك شرها. لأن الخطية تُولد أولاً، ثم بعد ذلك تجلب الآلام المخيفة باستمرار إلى النفس التى ولدتها، على عكس القانون الطبيعى لولادتنا. فنحن عندما نولد تتوقف آلام الولادة عند الأم فى الحال، لكن الخطية إذ تُولد، تسبّب بعد ذلك إضطرابًا وآلامًا للذهن الذى ولدها.

 

ثم، ماذا فعل القبطان؟ اقترب من يونان وقال له: ” قم أصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك” (يون6:1). لقد فهم من خبرته أن هذه الأمواج لم تكن عادية، وأيضًا بأنها كانت ضربة مرسلة من الله.

كيف أن اضطراب البحر لم تصلح معه الوسائل البشرية؟!  وكيف أن تصرفات القائد لإنقاذ الموقف كانت بلا فائدة؟!، هذا لأن الحالة كانت تحتاج إلى قبطان أعظم، أى إلى ذلك الذى يقود الكون كله. الحالة تحتاج إلى معونة من فوق. لذلك تركوا الشراع والحبال وكل شئ، وأوقفوا التجديف، رفعوا أيديهم نحو السماء وترَّجوا الله ليخلّصهم. وعندما لم يحدث  شئ، ألقوا قرعة، ووقعت القرعة على المسئول. وهؤلاء بالرغم من أن قرعتهم أظهرت يونان كمسئول، لم يلقوه فى البحر. وبالرغم من أن الضجة والإضطراب العظيم كانا مستمرين،  فإنهم أقاموا له محكمة فى السفينة وكأن الهدوء قد حلّ، وأعطوه فرصة ليتكلم وطلبوا منه أن يدافع عن نفسه وحققوا معه بدقة، وكأنهم سيعطون حسابًا عما سيقرره.

 

اسمعهم إذن، كيف يفحصون كل شئ، كما يحدث فى المحكمة.

أى عمل تعمل؟

من أين أتيت؟

أين تذهب؟

ما هى بلدك وإلى أى أمه تنتمى؟

 

وبينما أدانه البحر بصوت عالٍ، والقرعة أظهرته أنه المسئول، إلاّ أن الملاّحين لم يتأثروا بصراخ البحر، ولا بالشهادة القوية التى أظهرتها القرعة ولم يتخذوا أى قرار. لكن فعلوا مثلما يحدث فى المحكمة، حيث المتهمون حاضرون والشهود موجودون والمحققون قد أنهوا اجراءاتهم، إلاّ أن القضاة لا يقررون إلاّ بعد أن يعترف المتهم نفسه بذنبه. هكذا فعل الملاحون فبالرغم من أنهم غرباء وغير متعلمين إلاّ انهم حفظوا الإجراء الذى يتم فى المحكمة وتصرفوا هكذا بالرغم من الخوف العظيم، والأمواج العالية جداً، والإضطراب العظيم المحيط بهم.

من أين إذن، يا أحبائى أتت هذه العناية العظيمة؟

من تدبير الله. لأن الله دبر الأمور هكذا لكى يتعلم النبى، أن يكون محبًا ورؤوفًا، وكأن الله يقول له: تشبّه يا يونان بالملاحين، بالناس غير المتعلمين الذين لا يحتقرون نفسًا واحدة، الذين لم يهملوا إنسانًا واحداً الذى هو أنت، وأنت تهمل مدينة بأكملها، فيها آلاف الناس، تتركها تُدِمر، بينما كان هناك أمور كثيرة تتوقف عليك. هؤلاء عندما اكتشفوا عِلة الشرور التى أصابتهم، لم يندفعوا لكى يدينوك، أما أنت فبدون أن يكون عندك شئ ضد أهل نينوى، تريد أن تهلكهم. وبينما أنا آمرك بأن تذهب إليهم وبالكرازة تقودهم إلى الخلاص، فإنك لم تطع، أما الملاّحون، فرغم أنهم لم يأخذوا أمرًا من أحد، قد فعلوا ما بوسعهم محاولين أن ينقذونك أنت الذى كان ينبغى أن تُعاقب.

 

          إذن، بعد إدانه البحر (بأمواجه)، وبعد وقوع القرعة التى أظهرته مذنبًا، وبعد إقراره بذنبه وإعترافه بهربه، فإن الملاحين أيضًا لم يريدوا أن يؤذوا النبى، بل فعلوا كل شئ، حتى لا يسلموه إلى البحر الهائج. لكن البحر لم يتركه أو بالأحرى الله لم يتركه، لأنه كما أراد أن يهذبه بواسطة الملاحين هكذا أيضًا فعل بواسطة الحوت. لذلك عندما سمعوا ” خذونى وأطرحونى فى البحر فيسكن البحر عنكم لأننى عالم أنه بسببى هذا النوء العظيم عليكم” (يون12:1)، حاولوا أن يأتوا بالسفينة إلى البر لكن الأمواج أعاقتهم.

 

 

وأنت يا من تسمعنى، كما رأيت النبى وهو يهرب، اسمعه أيضًا وهو يصلى داخل بطن الحوت. ففى هروبه عانى وتألم كإنسان عادى، بينما فى بطن الحوت أظهر أنه نبى. فمثلما أخذه البحر، ووضعه فى بطن الحوت، كمثل زنزانه، وحُفظ سليمًا من أجل الرب،  هكذا الحوت، الأشد قسوة من الأمواج، الذى يبلع ويميت، أنقذه وقاده إلى المدينة. فالبحر والحوت فعلا أفعالاً تتعارض مع النواميس الطبيعية، لكى يتعلم النبى من كل هذا.

 

هكذا، وصل يونان سليماً إلى المدينة، وأعلن للساكنين قرار الله كأنه يقرأ رسالة ملوكية تهدد بعقاب، وقال لهم: ” بعد أربعين يوماً تنقلب المدينة” (يون4:3).

 

أرأيتم كيف أن أولئك عندما سمعوا يونان صدقوة واهتموا بالأمر وأخذوا جميعًا طريقًا واحدًا، هو طريق الصوم: الرجال والنساء، العبيد والسادة، الرؤساء والمرؤوسين، الأولاد والعجائز، وحتى حيواناتهم غير العاقلة لم يُستثنوا من هذا الفعل. فى كل مكان لبسوا  ملابس الحداد، وفى كل مكان كان رماد وحزن ونحيب ونواح. حتى الملك أيضًا الذى كان يلبس التاج نزل من عرشه الملوكى وتغطى بمسح وجلس على الرماد، ألقى الرماد على رأسه وأنقذ المدينة من الخطر. أرأيت شيئًا أغرب من هذا!. فالمسوح ظهرت أنها أعظم من الملابس الملوكية. لأن ما لم تحققه الملابس الملوكية، حققته المسوح. وما لم يحققه التاج، حققه الرماد.

          ألم أقل لك كيف أننا لا ينبغى أن نخاف من الصوم بل نخاف من السُكر والإدمان والإفراط فى الأكل؟ لأن السُكر ومحبة الأكل قد زعزعتا مدينة نينوى فى الوقت التى كانت تقف شامخة، أما الصوم فحفظها واقفه شامخة لا يُمسها سوء فى الوقت التى كانت على وشك الدمار والسقوط.

 

بالصوم تتم المعجزات:

بالصوم دخل دانيال جُب الأسود ونجح فى أن يخرج من هناك كما لو كان قد خالط حملانًا هادئة. لأنه بالرغم من أن الوحوش كانت تزأر غضبًا، فإنها لم تستطع أن تمس الطعام المعُد لها والذى وُضع أمامها (أى دانيال)، وبالرغم من طبيعتهم المتوحشة وكذلك الجوع أيضًا الذي كان يحرّك ويستثير هذه الأسود، إلا أنهم احترموا هذا “الطعام” ولم يلتهموه، وكأن قوة أخرى كانت داخل الجب قامت بترويض هذه الأسود الجائعة لدرجة أنها لم تستطع أن تقترب من جسد النبى.

أيضًا بالصوم دخل الثلاث فتيه إلى أتون النار، وإذ ظلوا ساعات طويلة داخل النار، خرجوا من الأتون أحياء بأجساد تلمع أكثر من النار.

لماذا لم تؤثر فيهم النار رغم أنها كانت نارًا حقيقية متقدة؟!

ولماذا لم تتأثر أجسادهم بالنار رغم أن أجسادهم كانت أجسادًا بشرية؟! أتعرفون لماذا ؟

اسألوا الصوم سوف يجيبكم، وسوف يحل لكم هذا اللغز.

ألم يكن شيئًا عجيبًا أن تهاجم النار الجسد وينتصر الجسد عليها؟.

أرأيت هذه المعركة الغريبة؟

أرأيت كم هو مدهش هذا النصر؟

 

عظيم هو الصوم،

وعليك أن تستقبله بأحضان مفتوحة.

لماذا؟

لأن الصوم ينقذ فى الأتون،

ويحمى فى جُب الأسود،

ويُبعد الشياطين،

ويغير قرار الله،

ويُوقف إثارة الشهوات،

ويعيدنا إلى الحرية،

ويُهدئ أفكارنا،

إذن كيف لا يكون جنونًا مُطبقًا أن نهرب من الصوم ونخاف منه،

وهو الذى يغدق علينا خيرات كثيرة؟

 

الصوم يفيد كثيراً صحتنا الجسدية

يزعم بعض الأشخاص أن الصوم يُضعف جسدنا لذا نهرب منه ونخافه، غير أنه مكتوب أنه عندما يفنى الإنسان الخارجى فإن الإنسان الداخلى (النفس) يتجدد يوماً بعد يوم (2كو16:4). وإذا أردت أن تفحص الأمر من جهة أخرى، فسوف تتحقق أن الصوم هو أصل الصحة الجسدية. وإن كنت لا تصدق أقوالى، اسأل الأطباء وهم سوف يؤكدون لك بوضوح هذا،. فالذين يأكلون قليلاً يكونون فى صحة وعافية، بينما الذين يحيون حياة الخمول ويأكلون بنهم شديد يصابون بأمراض متنوعة مثل: آلام الأرجل وصداع الرأس والسكتات الدماغية والسُل والاستسقاء والالتهابات والدمامل وسيل من الأمراض الأخرى. طريقة الحياة هذه هى مثل مجرى مياه ملوث تنبع من منبع دنس وتدمر صحة الجسد وأيضًا عفة النفس.

 

مباهج الأكل تبطل خيرات الصوم:

إن الأكل الزائد والسُكر فى اليوم السابق للصوم أو بعد اليوم الأخير للصوم هو أمر غير مقبول. كذلك الاحتفاليات الكثيرة تبطل خيرات الصوم.

 

 

إذن ليتنا لا نخاف الصوم الذى يخلّصنا من شرور كثيرة. أقول هذا لأننى أرى أناسًا كثيرين كما لو كانوا سيسلمون أنفسهم إلى وحش مفترس، هكذا يترددون ويتقهقرون عند مجىء الصوم ويدمرون ذواتهم بالسُكر والأكل الزائد، لذلك أنصحكم حتى لا تُضَيِّعوا الفائدة التى تنتج من الصوم بالشراهة والسُكر. وكل الذين يعانون من آلام المعدة، عندما يشربون الدواء، لن يستفيدوا منه، لأن المعدة الملوءة بالأكل والشراب سوف تعيق فاعلية الدواء. بالضبط كما يأمر الأطباء مرضاهم بالنوم مساءً وبالصوم حتى يستفيدوا من العلاج بالأدوية. نفس الأمر يصير مع الصوم. إذا كنت اليوم (السابق للصوم) تأكل بشراهة وتسكر وغدًا تأخذ “دواء الصوم” فإن هذا الدواء سيكون غير مفيد، لأنك سوف تجرد الدواء (أى الصوم) من فاعليته بإدمانك للخمر حتى الثُمالة. لكن لو احتفظت بجسدك خفيفاً (غير مثقل بالأكل)  وذلك بابتعادك عن الشراهة، ثم بعد ذلك تأخذ “الدواء” بعقلٍ صافٍ، سوف تتطهر كثيرًا من خطاياك القديمة.

 

 

إذن ليتنا لا نستقبل الصوم بالسُكر ولا حتى بعد انتهائه نفعل ذلك، حتى لا يحدث مثلما يحدث لمريض صار متعافيًا وبينما هو يحاول أن ينتصب واقفًا، يقفز مسرعًا فيسقط ثانية إلى أسفل ويصير فى حالة أسوأ. هذا يحدث مع نفوسنا عندما تكون فى الحالتين، سواء فى بداية الصوم أو نهايته، إذ بالسُكر نفقد الاستنارة التى منحها لنا الصوم. ومثلما يفعل كل الذين يريدون أن يصارعوا الوحوش فإنهم يدافعون عن أجسادهم بوسائل مختلفة فى مواجهة هذه الوحوش، هكذا أرى للأسف أن كثيرين من البشر الذين يستقبلون الصوم، كما لو كانوا سوف يصارعون وحشًا، فيتسلحون بالأكل المفرط لمواجهته، وأخيرًا إذ تمتلئ بطونهم بالطعام ويظلم عقلهم يُقبِلون على الصوم بارتباك كثير مع أن الصوم يقود إلى الهدوء والسكينة.

 

وإذا سألتك: لأى سبب تُسرع اليوم لتغتسل؟ سترد علىّ لكى استقبل الصوم بجسد نظيف، وإذا سألتك ثانية: لأى سبب أنت تسكر؟ أيضاً سوف ترد علىّ: بسبب أننى سوف أدخل فى فترة صوم. إذن أليس من غير المعقول أن تستقبل هذا الصوم الجميل من جهة بجسد نظيف، ومن جهة أخرى بنفس دنسة صارت مظلمة بالسكر؟!!.

 

 

ليت الله يعطينا استعدادًا مباركًا

لنقدس له صومًا مقبولاً

لنحصد خيرات الصوم

بنعمة ربنا يسوع المسيح

الذى له المجد

مع أبيه الصالح

والروح القدس

أمين.

[1] عظة ألقاها القديس يوحنا ذهبي الفم، في الاستعداد للصوم الأربعيني المقدس، فى إحدة السنوات بين 386ـ397م، قبل سيامته بطريركًا للقسطنطينية.والنص موجود فىPG49, 305-314 ، ΕΠΕ30, 184-207.

 

الصوم – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

(عظة 83 على يوحنا1:18ـ37)

” قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه ” (يو18: 1).

 

ذهب إلى الألم بإرادته[1]:

يعتبرُ الموت أمرًا رهيبًا يبعث على الخوف الشديد، ولكن ليس للذين يعرفون الحكمة السمائية. فالموتَ يعتبر انحلالاً ونهايةً للحياة للذين ليس لديهم معرفةً واضحةً عن الأمور المستقبلية. لذا يكون من الطبيعي أن يرتعبوا ويخافوا على أساس أنهم ماضون نحو العدم. أمَّا بالنسبة لنا نحن الذين تعلمنا ـ بنعمة الله ـ الأمور غير المعروفة وخفايا حكمته، فنعتبر الموت انتقالاً من هذه الحياة الحاضرة إلى الحياة الأخرى. لذا ليس من الصواب أن نرتعب، بل أن نفرح ونبتهج. لأننا، إذ نترك هذه الحياة الفانية، ننتقل إلى الأخرى. إلى حياة أفضل جدًا وأكثر بهاءً وبلا نهاية.

هذا هو ما علَّمه المسيح بأعماله، فقد ذهب إلى الألم ليس عن قهر أو إجبار، بل بإرادته. ” قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون حيث كان بستانٌ دخله هو وتلاميذه، وكان يهوذا مسلِّمه يعرف الموضع لأن يسوع اجتمع كثيرًا مع تلاميذه” (يو18: 1ـ2). لقد تمشى في منتصف الليل، وعبَر الوادى، وسار ليذهب إلى المكان الذي كان معروفًا للخائن. هكذا لم يُتعب أولئك الذين تشاوروا معه (أي مع يهوذا) وجنَّبهم التعب والحيرة بشأن المكان الذي يوجد فيه. وبذلك برهن لتلاميذه على أنه أتى إلى المكان الذي سوف يُلقى فيه القبض عليه، بإرادته، الأمر الذي يمكن أن يعزِّيهم. وجاء بنفسه إلى البستان، كما لو كان يتعمد أن يسلِّم نفسه إليهم.

هذا هو ما يعنيه بقوله: ” قال يسوع هذا“. لقد كان يتحدث مع بطرس بالتأكيد. وبالتأكيد كان يصلِّي. وأتساءل: لماذا أوقف الصلاة، وأتى للتو إلى هناك؟ لقد فعل ذلك، لأنه لم يكن يصلِّي، بل كان حديثًا صار لأجل التلاميذ الذين ذهبوا معه إلى البستان. وبهذه الطريقة خلَّصهم من الخوف، حتى لا يعترضوا على ما سمعوا منه[2]، بل يذهبوا معه إلى البستان.

أيضًا نتساءل كيف ذهب يهوذا هناك؟ من أين عَرِفَ المكان؟ واضحٌ تماماً أن المسيح ـ في مراتٍ كثيرة ـ كان يقضي الليل في هذا المكان. ولم يكن من الممكن أن يأتي يهوذا إلى هذا المكان الهادئ، لو كان المسيح يقضي وقته دائمًا في البيت. هكذا ذهب يهوذا إلى البستان وهو يأمل أن يرى المسيحَ نائمًا. وعندما تسمع كلمة “بستان”، لا تعتقد أنه اختفى. لذلك فقد أضاف يوحنا الإنجيلي قائلاً:    “وكان يهوذا مسلِّمه يعرف الموضع” (يو18: 2). وليس مجرد أنه يعرفه، بل “ لأن يسوع اجتمع هناك كثيرًا مع تلاميذه” (يو18: 2). فقد كان ينتقل مراتٍ كثيرة مع هؤلاء التلاميذ إلى أماكن خاصة لكي يتحدث معهم عن أمور ضرورية، لا يجب أن يسمعها الآخرون. كان يفعل هذا الأمر على الجبال وفي البساتين. كان يطلب دائمًا مكانًا هادئًا بلا ضوضاء حتى يهيئ عقولهم لسماع حديثة.

 

فأخذ يهوذا الجند وخدامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح ” (يو18: 3).

كثيرًا ما أرسلوا إليه أُناسًا لكي يقبضوا عليه لكن لم يتمكنوا. بالتالي، فمن الواضح آنذاك، أنه سلَّم ذاته بإرادته. ولكن، كيف اقنعوا كل هذه العُصبة أن يفعلوا هذا الأمر؟

هذه العُصبة كانت من رجال اعتادوا أن يعملوا جنوداً مقابل أموال. ” فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم مَنْ تطلبون“. هكذا لم ينتظر أن يعرف منهم لماذا أتوا، لكنه تحدث إليهم وفعل كل شيء دون أي اضطراب، فقد كان يعرف كل ما سيحدث. لكني أتساءل لماذا أتوا بأسلحة لكي يقبضوا عليه؟ ربما خافوا من أتباع يسوع؛ لأجل هذا أتوا ليلاً.

 

قوة يسوع لا تُقهر:

وقال لهم مَن تطلبون، فأجابوه يسوع الناصري“. أرأيت القوة التي لا تُقهر، كيف أعمىَ عيونهم بمجرد حضوره بينهم؟ لم يكن الظلام هو سبب عماهم؛ لأن الإنجيلي قال إنه كانت لديهم مصابيح. ولكن، وإن لم تكن لديهم مصابيح، كان يجب أن يعرفوه من صوته. لأنه وإن كان أولئك لم يعرفوه، فقد عرفَه يهوذا، الذي كان قريبًا منه باستمرار.

إذن، فطالما كان موجودًا معهم، وسقط معهم على الأرض، فإن هذا يبرهن على أنهم ـ ليس فقط ـ لم يتمكنوا من القبض عليه، بل ولا حتى استطاعوا أن ينظروا إليه ـ على الرغم من أنه كان موجودًا بينهم ـ إن لم يسمح هو نفسه بهذا.

أيضًا يقول ” مَن تطلبون؟” يا له من جُبن شديد! كلامه أسقطهم على الأرض وهكذا تراجعوا. ولكن، على الرغم من أنهم اختبروا قوته العظيمة جدًا، إلاَّ أن ذلك لم يمنعهم من الهجوم عليه. وعندما أتموا كل ما كانوا قد عزموا أن يفعلوه، عندئذٍ سلَّم نفسه وقال لهم    ” أنا هو. وكان يهوذا مسلِّمه أيضًا واقفًا معهم“.

 

دعوا هؤلاء يذهبون:

لاحظ حكمة الإنجيلي يوحنا واعتداله، كيف أنه لم يشتم الخائن، بل سرد الحدث بهدف أن يُثبت أمرًا واحدًا فقط، هو أن كل شئ حدث لأن يسوع سمَح به. ولئلا يقول أحدٌ إن يهوذا هو الذي دلَّهم عليه، لذلك سلَّم ذاته. لقد اقتصر عمل يهوذا على أنه قد أظهره لهم، ورغم أن المسيح تركهم يفعلون كل ما كان مسموحًا به لهم، استمروا في شرهم دون أن يكون لديهم مبرر لذلك. عندئذ سلَّم ذاته قائلاً ” فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون“، مُظهرًا بذلك محبته لهم حتى آخر ساعة، وكأنه يقول: إن كنتم تطلبونني، فليس هناك شيئًا تأخذونه من هؤلاء؛ لأنني أنا أُسلِّم نفسي ” ليتم القول الذي قاله إنَّ الذين أعطيتني لم أُهلِك منهم أحدًا“. الهلاك هنا ليس موتهم الجسدي فقط، بل والأبدي أيضًا. والإنجيلي كان حاضرًا لهذا الموقف، وعاين تلك اللحظة.

وقد يُدهش أحدكم، كيف لم يُقبض عليهم معه، وكيف لم يُقتَلوا، خاصة في اللحظة التي فيها بَثَّ بطرس فيهم الجرأة بما فعله مع عبد رئيس الكهنة؟ مَنْ ـ إذن ـ الذي منعَّهم؟ لا احد إلاَّ تلك القوة التي طرحتهم على الأرض، الأمر الذي أظهره الإنجيلي بكل وضوح. فلم يمتنع اليهود بإرادتهم عن أن يسبّبوا أذىً للتلاميذ، بل كان الأمر رهنًا بقوة المقبوض عليه وقراره، لذلك أضاف: ” ليتم القول الذي قاله إن الذين أعطيتني لم أُهلِك منهم أحدًا“.

 

شجاعة بطرس وموقف يسوع:

لقد نال بطرس جرأةً وشجاعةً من أقوال المسيح. وهكذا فإن ما حدث هو أنه صار قويًا فى مواجهة أولئك الذين أتوا ضدهم. ولكن، كيف لمَنْ أخذ وصيةً ألاَّ يمتلك كيسًا ولا ثوبين، أن يمتلك سكينًا؟

أنا أظن أنه تجَهَّز منذ فترة؛ لأنه كان يخاف من وقوع هذا الحدث. لكن إن قُلت: كيف لمن أخذ وصيةُ ألاَّ يلطم، أن يصير قاتلاً؟ أقول: بالتأكيد، لقد أخذ وصيةً ألاَّ يدافع عن نفسه، بيد أنه لم يكن هنا يدافع عن نفسه، بل عن معلمه. إضافةً إلى أنهم لم يكونوا ـ بعد ـ كاملين روحيًا.

لكنك، إذا أردت أن ترى صلابة بطرس، فسوف تراه بعد ذلك يتحمل الأذى بوداعة، ويكابد آلامًا لا حصر لها دون أن يغضب.

يسوع هنا يصنع المعجزات، وفي نفس الوقت يُعلِّم أنه يجب أن نُحسن لمن يسيئون إلينا، ويعلن قوته، لذلك أرجع أُذن العبد. وأمَّا بطرس فقد قال له ” لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون” (مت26: 52). وكما فعل بالضبط عند غسل أرجل التلاميذ، فقد أطفأ شِدة حماسه وغيرته عليه، هكذا هنا.

وقد أضاف الإنجيلي اسم العبد؛ لأن ذلك كان ضروريًا جدًا، ليس فقط لأنه شفى هذا العبد، بل لأن هذا العبد كان ضده، وقد لطمَّه، وبذلك أوقف المسيحُ الغضب الذي كان مشتعلاً ضد التلاميذ من جراء هذه الحادثة. وقد ذكر الإنجيلي اسم العبد حتى يعطي فرصةً للذين لا يعرفون هذه الأمور أن يناقشوها ويبحثوا إن كانت قد حدثت بالفعل أم لم تحدث. ولم يذكر الأذن اليُمنى مصادفةً، بل لأنه أراد أن يُظهِر اندفاع الرسول، أي أنه هوى بالسيف على رأسه. ولكن يسوع، لم يضبط اندفاع بطرس بالإنذار فقط، بل عزاه بكلام آخر قائلاً:     ” الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها“، وهكذا يظهر ـ مرةً أخرى ـ أن الحدث لم يكن نتيجة قوة أولئك، بل بسبب أنه سمَح به، ولكي يُعلن أنه لم تكن له إرادة ضد إرادة الله، بل أطاع أبيه حتى الموت.

 

أمام حنان:

ثم أن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع وأوثقوه ومضوا به إلى حنَّان“. لماذا “إلى حنَّان”؟ لقد وجهَّوا الأحداث كما لو كانوا يحتفلون بنصرٍ، ويقيمون نُصبًا تذكاريًا للفوز. ” لأنه كان حما قيافا الذي كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة. وكان قيافا هو الذي أشار على اليهود أنه خير أن يموت إنسانٌ واحدٌ عن الشعب“.

ولماذا يُذَّكرنا الإنجيلي بهذه النبوة؟

لكي يبرهن على أن هذه الأمور صارت لأجل الخلاص. ولكي يبرهن أيضاً على أن الحقيقة عظيمة جدًا، حتى أن الأعداء أنفسهم تحدثوا عنها. ولكي لا يتشكك أحدٌ ـ عندما يسمع عن القيود ـ أنَّ خلاص العالم تم بموته.

 

تواضع يوحنا الحبيب:

وكان سمعان بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع“. مَن هو     ” التلميذ الآخر“؟ هو الذي كتب هذه الأقوال (يوحنا الإنجيلي). ولماذا لم يُسمِ نفسه؟ لأنه عندما ذكر أنه اتكأ على صدر يسوع، أخفى اسمه. ولماذا فعل هذا الآن؟ لأجل السبب ذاته. فبما أن الجميع ابتعدوا وهربَّوا، أمَّا هو فقد تبعه، فالحديث هنا عن إنجاز عظيم، لذلك أخفى ذاته. وهو يذكر بطرس أولاً، لكي تعلم أنه يسرد الأحداث بدقة شديدة، إذ كان يتابع الأحداث من دار الولاية، أي من الداخل، ولم يكن لازمًا أن يذكر اسمه. ولاحظ أنه لا يمدح نفسه، حتى لا يقول أحدٌ ها هو يثني على نفسه. ولكن كيف دخل إلى دار الولاية، وسبق بطرس في الوقت الذي هرب فيه الجميع؟ يقول: “وكان ذلك التلميذ معروفًا عند رئيس الكهنة“. وهو يقول ذلك، حتى لا ينبهر أحدٌ بسبب إتباعه للمسيح، ولا يمدحه لأجل شجاعته. ولكن تجدر الإشارة إلى ما حدث لبطرس، فعلى الرغم من أنه كان خائفًا، فإنه وصل إلى الدار الخارجية، في الوقت الذي هرب فيه الآخرون. وقد كان هذا برهانًا على شوقه ومحبته.

 

بطرس يتابع مشهد الآلام وينكر المسيح:

أمَّا فيما يختص بعدم دخوله الدار الداخلية، فهذا يرجع إلى الصراع الذي كان يعتمل بداخله. وهكذا أتى الإنجيلي على ذكر كل هذه الأحداث، وربطها معاً لكي يهيئ الأمر للحديث عن إنكار بطرس. لذا لم يُشِر إلى نفسه بأي شيء هام، سوى فقط، أنه كان معروفًا لرئيس الكهنة، لذا ” دخل مع يسوع“. وحتى لا تعتقد أنه ذو شأن كبير، أشار إلى السبب (أي سبب دخوله). الأمر الذي كان يمكن أن يساعد بطرس على الدخول، وهذا هو ما أظهره فيما بعد.

فعندما دخل يسوع طلب يوحنا من البوابة أن تسمح لبطرس بالدخول. وللتو دخل بطرس. أمَّا لماذا لم يقم هو بإدخال بطرس للداخل؟ فلأنه كان ملتصقًا بالمسيح وملازمًا له، لذلك طلب من البوابة أن تقوده إلى الداخل. فماذا قالت المرأة؟ “ ألست أنت أيضًا من تلاميذ هذا الإنسان؟”

ماذا قُلت يا بطرس؟

ألم تقل من قبل أنني سوف ” أضع نفسي عنك“؟ (يو13: 27).

إذن ماذا حدث، حتى أنك لم تستطع أن تحتمل سؤال البوابة؟

فقد يكون مقبولاً أنك لا تحتمل السؤال لو كان مَن سألك جنديًا؟

أو كان واحدًا من الذين قبضوا على يسوع؟

ولكن التى سألتك كانت مجرد بوابة، في أدنى الدرجات الوظيفية.

ولم يكن سؤالها وقحًا؛ لأنها لم تقل إنك تلميذ هذا المضلل والمدمر، بل ” تلميذ هذا الإنسان“، الأمر الذي يعنى أنها امرأةٌ ممتلئةٌ عطفًا وحزنًا عليه. لكن بطرس لم يحتمل شيئًا من مثل هذا. ” ألست أنت؟” قالت هذا لأن يوحنا كان داخل دار الولاية. لقد تحدثت المرأة مع بطرس بتحفظٍ شديد. لكنه لم يُدرك شيئًا من هذا كله، ولا خطر على باله. ولا حتى عندما أنكر في المرة الأولى. ولا أيضًا في المرة الثانية. ولا في المرة الثالثة. ولا حتى صياح الديك جعله يتذكر، إلى أن حانت اللحظة التي فيها نظر إليه يسوع بنظرةٍ مملوءة بالحزن، بينما كان واقفًا هناك يستدفئ مع عبيد رئيس الكهنة، وكان المسيح مقيدًا بالداخل.

 

رئيس الكهنة يستجوب المسيح:

هذا نقوله، ليس لكي ندين بطرس، بل لكي نُظهر حقيقة الأقوال التي قالها المسيح:” فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعاليمه“.

         يا له من خبثٍ فظيع!

         فبالرغم من أنه كان يسمع أن يسوع يتحدث دائًما في الهيكل ويُعلِّم بجرأة. يريد الآن أن يعلم!!

         لقد سألوه عن تلاميذه؛ لأنهم لم يكن لديهم أي اتهام ضد المسيح، ولذلك سألوه أين هم الآن؟ وبأي هدف تجتمع بهم؟ وما الذي تريد فعله؟ هذه هي الأسئلة التي وجهها رئيس الكهنة للمسيح، كأنه أراد أن يختبره ويحقق معه كمتمردٍ ومبتدع. وكما لو لم يكن هناك من رآه وهو يزاول نشاطه هذا. وكأن تلاميذه كانوا يشكلون عصابةً شريرةً. ماذا أجاب المسيح؟ ردَّ يسوع على هذا السؤال، وقال: ” أنا كلَّمتُ العالم علانية” ليس لفئةٍ خاصةٍ من التلاميذ، ” أنا علَّمت كل حين في المجمع وفي الهيكل” (يو20:18). ماذا إذن، هو لم يقل شيئًا في الخفاء، لقد قال هذه الأقوال دون أدنى خوف، وليس كما كان هؤلاء يظنون. فأقواله كانت أعلا من قدرات سامعيه الفكرية. كأنه يقول: لماذا تسألني أنا؟ سَل الذين سمعوا هذه الأقوال، فهي لا تتضمن أية إساءة.

لكن الرد الذي كان مقنعًا حقًا، هو ما قاله منذ البداية: ” إن كنت اشهد لنفسي فشهادتي ليست حقًا” (يو5: 31). وكأنه بهذا يقول: أريد أن أقدم شهادةً صادقةً. ولأن رئيس الكهنة سأله عن تلاميذه. وقال برده هذا ـ كما هو واضح من الإجابة ” أتسألني عن خاصتي“؟ اسأل الأعداء المتآمرين. أولئك الذين قيدوني، فليقولوا. وشهادة الأعداء للحق هي برهان غير قابل للشك. فماذا قال رئيس الكهنة؟ لم يفعل شيئًا، في حين كان عليه أن يتجه نحو الذين سمعوه ليستعلم منهم.

المسيح يُلطم:

ولما قال هذا لطم يسوع واحدٌ من الخدام كان واقفًا” (يو22:18). وأنا أتساءل هل هناك أوقح من هذا الذي حدث؟ ارتعدي أيتها السماء. واهربي أيتها الأرض من مكانك بسبب طول أناة الرب وجحود العبيد. ماذا قال؟ لم يتجنب الرد حين قال ” لماذا تسألني“، ولكنه تكلم أيضًا هذه المرة، بهدف أن يكشف عن كل ما في داخلهم من دوافع للجحود. وقَبِلَ اللطم بينما كان في استطاعته أن يبيد من أمامه كل شئ ويُمحوه. ولكنه لم يفعل أي شئ من هذا، بل قال كلامًا يمكن أن يُوقف أى وحشية: ” إن كنت قد تكلمت رديًا فأشهد على الردئ“، أي إن كان لديك إدانةً على كلامي أظهرها لي. “وإن حسنًا فلماذا تضربني؟” (يو23:18) أرأيت هذه المحكمة المليئة بالفوضى والاضطراب والغضب وخلط الأمور بعضها ببعض؟ وفي الوقت الذي سأله رئيس الكهنة في خسةٍ وجُبن، أجاب المسيح باستقامة ولياقة. ما الذى كان على رئيس الكهنة أن يفعله؟ إمِّا أن يواجهه بما لديه من اعتراضات، أو أن يقبل ما قاله. لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل لطمه العبد. يتضح لنا من ذلك أن ما جرى لم يكن محاكمة، بل مؤامرة واستبداد.

 

يسوع يُساق إلى قيافا:

ولكن، ولأنهم لم يجدوا فيه شيئًا يدينه، ” أرسله موثقًا إلى قيافا رئيس الكهنة” (يو24:18). “ وسمعان بطرس كان يصطلي” (يو25:18). يا حسرتاه! كم أصابه الدفء بالخمول في ذات اللحظة التي يُساق فيها يسوع إلى قيافا؟ وبالرغم من كل ما حدث لم يتحرك، بل ظل واقفاً يصطلي، وهو ما يُظهِر مدى الضعف الذي يصيب الطبيعة البشرية بدون (نعمة) الله. وعندما سُئل أيضًا، أنكر. ” ثم قال واحد من عبيد رئيس الكهنة وهو نسيب الذي قطع بطرس أذنه“. وكان بطرس مضطربًا مما يحدث. قال له العبد ” أما رأيتك أنا معه في البستان؟” (يو26:18). وحتى البستان لم يجعله يتذكر، ولا الحُب الشديد الذي عبَّر عنه هناك بأقواله. كان قد نسى كل شيء بسبب صراعه الداخلي.

         لماذا كتب الإنجيليون عن بطرس أقوالا متفقة عن إنكاره؟ ليس لكي يدينوا بطرس التلميذ، بل أرادوا أن يعلمونا كيف يصل الشر إلى مداه حتى أنه يجعلنا لا نثق بالله. ولا تكون لنا ثقة في أنفسنا. ثم لعلك تتعجب من محبة المعلِّم لأنه على الرغم من أنه كان مقبوضًا عليه ومُقيدًا، إلاَّ أنه اظهر عنايةً فائقةً بتلميذه. لقد فعل هذا بنظراته. وهذه النظرات جعلت بطرس يخرج ويبكى بكاءً مُرًا.

 

المثول أمام قيافا ثم بيلاطس:

ثم جاءوا بيسوع من عِند قيافا إلى دار الولاية” (يو28:18). كان الغرض من هذا أن يبدو هؤلاء القضاة قد فحصوا وحققوا بكل يقظة. “وكان صبح“. قبل أن يصيح الديك اقتادوه إلى قيافا. وفي الصباح جاءوا به إلى بيلاطس. بهذا اظهر الإنجيلي أن قيافا كان يستجوبه منذ منتصف الليل، ولكنه لم يجد يسوع مُذنباً. لأجل هذا أرسله إلى بيلاطس. وقد ترك الإنجيلي تفاصيل تلك الفترة؛ لأن الإنجيليين الآخرين تكلموا عنها. لذا فهو يُسجل كل ما حدث بعد ذلك.

 

ديانة اليهود الشكلية:

لاحظ اليهود الجديرين بالاستهزاء، لقد قبضوا على البار حاملين معهم أسلحتهم، ولكنهم لم يدخلوا إلى دار الولاية ” لكي لا يتنجسوا” (عدد28). أخبرني إذن: مَن هو النجس؟ أليس هو الذى يحكم على البريء ظلمًا ليحاكَم من الظالمين؟! إن هؤلاء الظالمين الذين يُعشِّرون النعناع والشبث (مت23:23، لو42:11) في الوقت الذي يمتنعون فيه عن الدخول إلى دار الولاية لئلا يتنجسوا، لم يشعروا بأنهم قد تنجسوا فعلاً عندما حكموا عليه بالقتل ظلمًا. ولماذا لم يقتلوه، بل اقتادوه إلى بيلاطس؟ من المؤكد أنه لم يكن في سلطتهم القيام بالأمر الأهم (وهو الحكم على أحدٍ بالقتل)، فقد كانت كل أمورهم تحت سلطان الرومان. ومن ناحية أخرى، ربما خافوا من أن يُعاقبوا بعد ذلك بسبب إدانتهم له.

ماذا يعني ” فيأكلون الفصح؟” (يتم الاحتفال بالعيد من أول يوم للفطير). عندما يقول “فصح أو بصخة” فإنه يقصد العيد ككل. أي من الوقت الذي كانوا يعيدون فيه بالبصخة. وقد سُلِّم المسيح قبل اليوم الأول للفطير. كان تحت الحفظ ليوم الاستعداد، الذي فيه كانوا يعيدون البصخة قديمًا. لقد جاء هؤلاء حاملين أسلحةً، وهو الأمر الذي لم يُكن مسموحًا به. وأخذ سافكو الدماء يفحصون دار الحاكم (ما إذا كان سينجسهم أم لا) ويجبرون بيلاطس أن يخرج إليهم.

 

بيلاطس يتفحص الأمر:

وعندما خرج، قال ” أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟” (عدد29) هل رأيت هذا المتحرر من محبة الفضة والحسد؟ فعندما رآه مقيدًا وسط حشدٍ كبير، لم يتطرق إليه شكٌ في أنهم يملكون دليلَ إدانةٍ غير مشكوك فيه. ولكن الطريقة العشوائية التي حكموا بها عليه، ورغبتهم في تنفيذ الحكم عليه دون محاكمة قانونية، أثارت في نفسه العجب! فماذا قالوا؟

لو لم يكن فاعل شر لما كُنا قد سلَّمناه إليك” (يو30:18).

يا للغباء الشديد! لماذا لم تفصحوا عما أتاه من شرٍ، بل تخفوه؟

لماذا لم تُظهروا هذا الشر؟

هل رأيت كيف أنهم دائمًا ما يهربون من توجيه اتهام مباشر، وهم لا يستطيعون أن يقولوا شيئًا؟

لقد سأله حنَّان عن تعليمه، وعندما سمعه أرسله إلى قيافا. وقيافا سأله أيضًا ولم يجد فيه أيَّة عِلةٍ، فأرسله إلى بيلاطس. وهنا أيضًا ليس لديهم ما يقولونه عليه، سوى بعض الإدعاءات. ولذلك لم يعرف (بيلاطس) ماذا يفعل. وقال “خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم. فقال له اليهود لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا“. ليتم قول يسوع الذي قاله ” مشيرًا إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يموت” (عدد31و32).

فماذا كانوا يقصدون من قولهم: ” لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا“؟ لا شك أن الإنجيلي كان يقصد أنه لا يمكن أن يموت عنهم وحدهم فقط بل لأجل الأمم أيضًا. أما هم فكانوا يقصدون أنه لا يجوز لهم أن ينفذوا حكم القتل بالصليب. فعندما قالوا ” لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا” كانوا يقصدون أنهم يرفضون أن يتم القتل بالوسيلة التي كانت مستخدمة في هذا العصر تحديدًا، أي الموت بالصليب. لأنهم كانوا يقتلون بطرق أخرى، كما يظهر من حادثة رجم اسطفانوس.

 

الموت صلبًا لملك اليهود:

ولكن اليهود كانوا يريدون أن يموت المسيحُ مصلوبًا لكى يهينوه بطريقة موته. وإذ أراد بيلاطس أن يتخلص سريعًا من هذا الإزعاج، قصد أن لا تكون المحاكمة طويلة، بل سأل يسوع قائلاً: ” أنت ملك اليهود. أجابه يسوع أمِن ذاتك تقول هذا، أم آخرون قالوا لك عني“؟ (يو33:18).

فلماذا سأله المسيح هذا السؤال؟ لقد أراد المسيح أن يُظهر نية اليهود الشريرة. ولا شك أن بيلاطس قد سمع هذا من كثيرين؛ لأن أولئك اليهود لم يقولوا شيئًا عليه. ولكن، حتى لا يستغرق التحقيق وقتاً طويلاً، أراد أن يعرضه عليهم، فقال لهم ” خذوه واحكموا عليه حسب ناموسكم“. ولكن، ونظرًا لأنهم لم يريدوا أن يُظهروا أن العلةَ دينية، قالوا “ لا يجوز لنا“. كأنهم يقولون: إنه لم يخطئ وفق ناموسنا، فالجريمة مدنية وليست دينية. وعندما أدرك بيلاطس هذا الأمر، وعرف أنه سوف يتعرض للخطر، قال له ” أنت ملك اليهود“؟ بالطبع لم يسأل ـ بيلاطس ـ المسيحَ عن جهلٍ، بل أراد عن طريق ذلك السؤال أن يترك الفرصة لليهود ليوجهوا تهمةً ضده.

عندما قال المسيح لبيلاطس ” آخرون قالوا لك عني؟”، أراد بيلاطس أن يتحقق من هذا الأمر، فقال ” ألعلى أنا يهودي. أُمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليَّ. ماذا فعلت؟” (عدد35).

وإذ أراد بيلاطس أن يخلِّص نفسه، قال ” أأنت ملك اليهود“؟

وردَّ يسوع عليه بنفس الرد، إذ قال له، لقد سمعت ذلك بالتأكيد من اليهود، فلماذا لا تتحقق من الأمر بالتفصيل؟

لقد قالوا إني شرير، اسألهم ما الشر الذي فعلته؟

ولكنك لم تفعل ذلك، ولم توجِّه لي أي اتهام.

 

مملكتى ليست من هذا العالم:

لقد سَمِعَ طبعًا عن المسيح من آخرين، لكنه لم يستطع الإجابة مباشرةً، بل غيَّر مجرى الكلام مشيرًا إلى الجمع قائلاً لقد ” أسلموك إليَّ“، ويجب أن أسألك ماذا فعلت؟ أما المسيح فقال له: ” مملكتي ليست من هذا العالم” (عدد36).

لقد رفع المسيحُ نظر بيلاطس إلى أمور سامية جدًا، لأنه لم يكن خبيثًا مثل أولئك اليهود، ولذلك أراد الرب أن يُظهر له أنه ليس إنسانًا عاديًا، بل هو الله، وابن الله. فماذا قال أيضًا؟ ” لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خُدامي يجاهدون لكي لا أُسلّم إلى اليهود” (عدد36)، الأمر الذي خفّف مخاوف بيلاطس. فالموضوع لا يندرج تحت الشروع في تكوين سلطة طاغية.

ولكن، أليست مملكته من هذا العالم؟ هي كذلك بالتأكيد.

فكيف يقول ” أنها ليست كذلك”؟

والحقيقة هى أن سيادة مملكته ليست مثل سيادة المملكة البشرية هنا، بل أن السيادة والسلطة الكاملة ستكون في السماء. فهذه المملكة ليست بشرية، بل أسمى جدًا من المملكة الأرضية، وأكثر بهاءً منها. لكن إذا كانت مملكتك أعظم، فكيف يُقبض عليك من قِبل المملكة الأرضية؟ قد حدث هذا لأنه بإرادته سُلِّم إلى هؤلاء، رغم أن هذا لم يظهر منذ البداية.

 

المسيح يعلن ضعف المملكة الأرضية:

فماذا قال إذًا؟ ” لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خُدامي يجاهدون لكي لا أُسلّم إلى اليهود“، بهذه الكلمات يُظهِر ضعف المملكة الأرضية التي تضع قوتها في الخدام. بينما السمائية كافيه في ذاتها، لا تحتاج إلى أحد.

وإن كان أعداء الإيمان[3] قد أخذوا من أقواله حجةً على ما ظنوه تناقضاً في أقوال الخالق، فقالوا فعلاً: ماذا يعني بقوله ” جاء إلى خاصته” (يو1 :11) في الوقت الذي يقول ” ليسوا من العالم كما أني لست من العالم” (يو17: 14)؟ هكذا بنفس الطريقة يقول هنا عن مملكته أنها ليست من هذا العالم. لقد قال هذا، لا لكي يحرم العالم من عنايته ورعايته، بل ليبرهن ـ كما ذكرت ـ على أن مملكته ليست بشريةً، ولا هي فاسدة.

 

لهذا قد وُلدت لأشهد للحق:

قال بيلاطس: ” أفأنت إذن ملك. أجاب يسوع أنت تقول أني ملك. لهذا قد وُلدت أنا” (عدد37). فإن كان قد وُلِد ملكًا، فهذا بالتأكيد بالنسبة لكل ما يتمتع به بسبب أنه ولد ملكًا، ولم يكتسب شيئًا من الخارج. وبالتالي عندما تسمع ” كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته“، لا تفكر في شيء سوى في هذه الولادة. ولك أن تتأمل في ذلك أيضًا من خلال قوله ” ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق“، أي لكي أقول وأُعلِّم هذا (الحق)، وأُقنع الجميع لكى يؤمنوا.

 

تمثلوا بالمسيح:

أيها الإنسان، ضع في اعتبارك هذه الأمور، وأنت تشاهد ربك مقيدًا ومُقتادًا هنا وهناك. انتبه إلى أن أمور هذه الحياة الحاضرة لا تساوي شيئًا. لأنه من الغريب أن يحتمل هو أشياءً كثيرةً لأجلك، بينما أنت في ـ مرات كثيرة ـ لا تحتمل سماع أقوال الكتاب؟

         وبينما بُصِقَ عليه، تهتم أنت بتزيين ملابسك. وتشعر أن حياتك لا تُطاق إن لم تنل استحسان الجميع. وفي حين شُتم وأُهِين وضُرِب وصُفِع على وجهه وهم يضحكون عليه، تطلب أنت التكريم والاحترام والتقدير، ولا تحتمل إهانةً من اجل المسيح. ألم تستمع إلى قول بولس ” تمثلوا بى كما أنا بالمسيح“.

إذن، عندما يستهزئ بك أحد، تذَّكر سيدك. لقد سجدوا له باستهزاء. وأهانوه بالكلام والأفعال وسخروا منه في معاملتهم له، ولم يدافع عن نفسه. وليس هذا فحسب، بل اتخذ موقفًا مختلفًا، فدافع عن نفسه بالوداعة والرحمة. ليتنا نتمثل به؛ لأنه هكذا نستطيع أن نتحرَّر من كل تأثير إهانة. فمن يُصاب بالأذى والضرر، ليس هو الذى يُشتم، بل مَن هو عديم الأناة، والذى يتضايق من الشتائم. هم يعانون الشرور، وهم الذين يسببون الشرور، فلماذا إذن يستولي عليك الحزن؟

إن شُتمت ظُلمًا فلا تغضب ممن ظلمك، بل تراءف عليه وارحمه. وإن شُتمت بسبب خطأ حدث منك، فبالأحرى جدًا، يجب ان تبقى هادئًا. وإن مدحك أحدٌ على أنك غني، بينما أنت في الحقيقة فقير، فإنَّ عبارات الثناء هنا لا تفيدك بشيء، بل بالحري لا تكون عبارات الثناء هذه، إلاَّ استهزاءً (بك). وعلى نفس القياس، إن شتمك أحدٌ بسبب أشياء غير صحيحة، فسخريته هذه لا علاقة لها بك.

أمَّا إذا ضايقك ضميرك لأجل كلمات السبُاب التي وُجِّهت إليك، فلا تستلم للحزن، بل عليك أن تُصلح أعمالك. وإن شُتمت لأجل فقرك، أو انتمائك إلى طبقةٍ متواضعة، فهذا أيضًا يستحق الضحك، طالما لا تمثل هذه الشتائم إهانةً لمن يسمعها، بل بالحري لمن ينطق بها؛ لأنه لا يتصف بالحكمة.

أمَّا عندما تصدر هذه الشتائم ممن لا يعرفون الحق، يكون الجرح عندئذ غير محتمل. ولكن يمكنك أن تحتمله إذا كان هناك شهود عيان يمتدحونك. أمَّا المسيح فقد استهزءوا به وسخروا منه، ولم يدافع عن نفسه، بل لم يقل شيئًا. ولذلك، فهو جدير بالتمجيد أكثر من الذين يفكرون بطريقة عقلية محضة. ولذلك، إن تخطَّى أحدكم طريقة التفكير هذه، فسيفرح به المسيح، وينال فرحًا سماويًا؛ لأن الكل هناك سوف يمتدحونه، والجميع سيصفقون له ويطوبونه. بل يكفيه أن يرى ذلك من ملاكٍ واحدٍ عوضًا عن المسكونة جمعاء. ولماذا أقول الملائكة، فالله الآب نفسه سوف يشهد له.

ليتنا نطبق هذه الأفكار على ذواتنا؛ لأن الخطأ ليس في أن يصمت أحد وهو يُشتم، بل على النقيض، فإن الدفاع عن النفس هو الخطأ. إذ لو كان الصمتُ خطأً، لِمَا قال المسيح ” من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر” (مت5: 39).

إذن، فإنْ ادعى عليك أحدٌ بأمور ليست حقيقية، فارحمَّه وتراءف عليه لأنه يجلب على نفسه الجحيم والعقاب، ولا يكون هذا الشخص مستحقًا حتى لقراءة الكتب المقدسة “وللشرير قال الله مالك تُحدث بفرائضي وتحمل عهدي على فمك. تجلس تتكلم على أخيك. لابن أمك تصنع معثرة” (مز16:50ـ20). فالذي يقول أشياءً ليست حقيقية يكون إنسانًا بائسًا وشقيًا. فالفريسي قال أشياء ليست حقيقية. لكن عندما سمع العشار ما قاله الفريسي عنه، لم يُصب بأذىً، بل عاد عليه ذلك بالفائدة، بينما حُرم الفريسي من خيراتٍ لا تحصى، وعانى الموت من هذه الإدانة. هكذا في الحالتين: فإن مَن يُدان ليس أنت، بل الذي يشتمك.

أمَّا أنت، فإذا تيقظت، فإنك سوف تأخذ ربحًا مزدوجًا: تربح اعتدالاً ورزانةً، وفي نفس الوقت تعتبر ما يُقال ضدك، دافعًا تُصلح به من نفسك، وتحتقر المجد البشري. لأن اهتمامك بما يقال عنك من الناس، قد يسبب لك الحزن، ولكن لو تصرفنا بحكمةٍ، فسوف نكتشف أن تلك الأمور البشرية لا قيمة لها على الإطلاق.

تعالوا ـ إذن ـ نتعلّم مما ذكرنا، متفكرين في أخطائنا، لكي نصرف زماننا في تصحيح أخطائنا وتقويم أنفسنا. تعالوا نقول لأنفسنا: سوف أصلح هذا الخطأ أثناء هذا الشهر. وفي الشهر التالي الخطأ الآخر. وفي الشهر الثالث أنظر لخطأ ثالث أصلحه وأُجرى عملية الإصلاح هذه. وهكذا، كأننا نصعد ونرتفع تدريجيًا لكي نصل إلى السماء بواسطة سُلَّم يعقوب. فأنا أعتقد أن هذا السُلَّم الذي رآه في الحُلم يُشير إلى الصعود التدريجي بواسطة الفضيلة التي ترفعنا من الأرض إلى السماء، مستخدمين، ليس درجات محسوسة مادية، بل الفضيلة التي بها نُصلح أنفسنا.

ليتنا ننشغل بهذه الرحلة، وهذا الصعود لكي ننجح في الوصول إلى السماء ونستمتع بكل الخيرات بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح للبشر، الذي له المجد من الآن والى أبد الآبدين أمين.

 

(عظة 84 على يوحنا 18: 37ـ19: 15)

” لهذا قد وُلِدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق. كل من هو من الحق يسمع صوتي” (يو18: 37).

 

طول أناة المسيح:

لا شك أن طول الأناة أمرٌ يستحق الإعجاب، فهي تجعل النفس تبدو وكأنها موجودة في ميناء هادئ وتخلصها من الأمواج والأرواح الشريرة. وهذا ما علَّمه لنا المسيح. والآن فعندما يُحكم عليه ويُساق من محاكمة إلى أخرى، حيث اقتادوه إلى حنَّان، أجاب برأفة ورحمة كبيرة، ونطق بكلمات مليئة بقوة للعبد الذى لطمه، تمحو أي حسد وكراهية. ومن هناك ذهب إلى قيافا ثم إلى بيلاطس وقضى الليل كله بالقرب منهما، وأظهر كل وداعة. وعندما زعموا أنه شرير ولم يتمكنوا من البرهنة على ذلك، وقف صامتاً. وعندما سُئل في المحاكمة عن مملكته، تحدث حينئذ إلى بيلاطس مُعلِّماً ورافعاً إياه ـ روحيًا ـ إلى أعلى. ولكن لماذا لم يستجوبه بيلاطس في حضورهم، بل فضَّل أن يحاكمه بمفرده عندما دخل إلى دار الولاية؟ لقد كانت لديه شكوكاً قوية فيهم، ولذلك أراد أن يعرف كل شيء بدقة. ولكن حين سأله ” ماذا فعلت؟”، لم يُجب ولم يحقق رغبة بيلاطس في معرفة ما يتوق إليه. بينما عندما سأله عن مملكته، أجاب قائلاً “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36). وكأنه أراد أن يقول: أنا ملك لكن ليس مثلما تظن. إن مملكته أكثرُ بهاءً. وقد أظهر أنه لم يفعل أي شر عندما قال ” لهذا قد وُلدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق” (يو18: 37). لأنه بهذا القول أظهر أنه لم يفعل أي شر.

 

بيلاطس يسأل عن الحق ويبرئ المسيح:

وعندما يقول “ كل مَن هو مِن الحق يسمع صوتى” (يو18: 37)، كان يريد أن يجذبه (أي يجذب بيلاطس) ويقنعه بأن يصير سامعًا جيدًا لأقواله. على أية حال، فقد حدث ذلك وانجذب بيلاطس سريعاً لهذه الأقوال، لدرجة أنه قال ” ما هو الحق؟”، لكنه توقف والتفت إلى الأمر العاجل. إذ أدرك أن هذا السؤال يحتاج إلى وقت مناسب، بينما كان عليه في تلك اللحظة أن يخلُّصه من هجوم اليهود الشرس عليه، لذلك خرج وقال لهم؟ ” أنا لست أجد فيه عِلة واحدة” (عدد38).

 

اليهود يطلبون اللص:

ولك أن تلاحظ مدى إدراكه وفهمه، فهو لم يقل: إنه مستوجب الموت لأنه أخطأ، ولكن امنحوا له الحياة بسبب العيد. بل وأكثر من ذلك، فإذ نفى عنه أولاً أية تهمة من خلال شهادته هذه، تحدث معهم لكي إذا كانوا لا يريدون أن يطلقوه كبريء، فإنه يتعين عليهم ـ على الأقل ـ أن يضمنوا له الحياة بسبب العيد إذا كان مذنباً في نظرهم. لذلك قال ” لكم عادة أن أُطلق لكم واحدًا في الفصح“، ومن ثم جعل يحدثهم بطريقة جيدة حتى يحترموه ويقدِّروه ” أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ فصرخوا أيضًا جميعهم قائلين ليس هذا، بل باراباس” (عدد39و40).

يا له من قرار أحمق! يطلبون اللصوص لأنهم يشبهونهم، ويطلقون المذنبين، أمَّا البريء فيتحرشون به ويحكمون عليه؛ لأن هذه عادتهم منذ القدم. ورغم ذلك، تلاحظ عظم محبة الرب لهم.

 

يسوع يُجلد:

فحينئذٍ اخذ بيلاطس يسوع وجلده” (يو1:19). ربما أراد أن يُهدئ الغيرة اليهودية ويُسَّكِنها. وإذ رأى أن محاولاته التي بذلها لإنقاذه منهم باءت بالفشل. أراد أن يوقف الشر عند هذا الحد (أي حتى مرحلة الجلد). فجلده وسمح بكل ما حدث بعد ذلك، فجعلهم ” يلبسونه ثوب الأرجوان، وإكليل الشوك” (يو2:19) حتى يهدئ من غضبهم. ولأجل هذا ساقه إليهم لابساً الإكليل لكي يروا مدى الإهانة التي تعرَّض لها. لقد أراد أن يُخرِج السُم من داخلهم ويطفئ رغبتهم في الانتقام. لأنه كيف فعل الجنود كل هذا، إن لم يكن بأمر الرئيس؟ هو سمح بذلك. لكن الجنود نفذوا أوامره محبةً في الأموال التي يأخذونها من اليهود. لأن هؤلاء الجنود ـ في البداية ـ عندما (أتوا إلى البستان أثناء الليل لم يأخذوا أمرًا منه)، بل فعلوا كل ذلك بهدف الحصول على المال. لقد فعلوا كل ذلك إرضاءً لليهود، ولكن على الرغم من كل ما حدث، إلاَّ أنه ظلَّ صامتًا. الأمر الذي فعله أثناء المحاكمة، ولم يعطِ أية إجابة.

 

تشبّه بالمسيح:

لا تكتفِ بسماع هذه الأمور، بل احفظها دائماً في فكرك، وأطبع في ذهنك صورة ملك المسكونة والجنود يستهزئون به بالأقوال والأفعال، وهو يحتمل كل هذا صامتاً. فلتتشبَّه به بأعمالك.

عندما قال جنود بيلاطس ” يا ملك اليهود” (3:19)، ألبسوه ثوبًا أُرجوانيًا، ثم أخرجه خارجًا قائلاً (مرة أخرى): ” لم أجد فيه عِلةً واحدةً” (عدد4). لقد خرج لابسًا إكليلاً، ولكن هذا لم يُطفئ غضبهم، بل صرخوا ” أصلبه أصلبه“. وعندما رأى بيلاطس أنه لم يجنِ فائدةً مما حدث، قال “خذوه أنتم واصلبوه” (عدد6). وهذا بالتالي يُثبت أن كل ما فعله من قبل كان بسبب هوس اليهود إذ يقول: ” لأني لست أجد فيه عِلةً واحدة“.

لاحظ هنا كيف كان الوالي يدافع عنه بطرق كثيرة محاولاً إنقاذه من التُهم، لكن ولا واحد من هؤلاء (اليهود) سمح له بذلك. وعندما قال لهم “خذوه واصلبوه” كانت هذه الكلمات تدل على مدى ولائه للمسيح، وتدل على إن ذلك كان إقرارًا منه أنه لا يستحق الموت. إذن، برغم أن هؤلاء اليهود اقتادوه إلى بيلاطس ـ لكى يستصدروا قرارًا من الوالي بالحكم عليه بالموت ـ إلاّ أن بيلاطس فعل العكس، فقد أخذ يتنصل من إصدار مثل هذا القرار. ولأنهم شعروا بالعار، قالوا ” لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله” (عدد7). عندما قال الوالي ” خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم“، قالوا ” لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا” (يو18: 31) ها هم الآن يلجأون إلى الناموس!

 

صمت المسيح:

وعليك أن تنتبه للاتهام: “جعل نفسه ابن الله”. اخبرني. هل يمكن أن يُعتبر مثل هذا القول اتهاماً؟ بما أنه يعمل أعمال الله، فإنه يدعو نفسه ابن الله. ماذا فعل المسيحُ إذن؟ لقد صَمَتَ، بينما كانوا يتحدثون فيما بينهم بهذه الأقوال، متمماً بذلك نبؤة النبي القائل “ أمَّا هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامته أمام جازيها فلم يفتح فاه” (إش53: 7ـ8).

لقد

خاف بيلاطس عندما سمع من هؤلاء أنه يجعل نفسه ابن الله، ربما لأن ما قيل قد يكون حقيقياً، وبالتالي يعتبر كاسرًا للناموس. والعجيب أن هؤلاء اليهود الذين عرفوه من أعماله وأقواله لم يرتعدوا، بل أصرَّوا على قتله لأجل أمور كانت تستحق أن يسجدوا له من أجلها. ولأن رعبًا حل عليه من فوق، عندما كان يستجوبه، لذلك لم يسأله مرة ثانية ” ماذا فعلت؟” (يو18: 35). ولكنه سأله قائلاً:   ” أفأنت إذاً ملك“؟ فلم يجبه بشيء، بل سمع منه ” لهذا قد وُلِدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق“. كما قال له أيضاً إن “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36).

 

وبالرغم من أنه كان ينبغى أن يعارضهم ويخلِّصه منهم، إلاَّ أنه لم يفعل هذا، بل انساق مع الاندفاع اليهودي. وحين رأوا أن أفواههم سُدَّت من كل جانب، قدمَّوا الاتهام كجريمة سياسية قائلين ” كل مَن يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر” (يو12:19). وهنا كان يجب على بيلاطس أن يحقق بالتفصيل في هذا الأمر. أي كان يجب عليه أن يتحقق مما إن كان المسيح ينوي أن يطرد قيصر من المملكة، وينصب نفسه ملكاً بالقوة أم لا؟ لكنه لم يُجرِ تحقيقاً مفصلاً. لذلك لم يعطِ المسيحُ له إجابةً؛ لأنه عرف أنه لا جدوى من ذلك.

 

ليس لك علىَّ سلطان البتة:

على الجانب الآخر، طالما أن الأعمال التي أتمها المسيح كانت تدعم موقفه وتسانده، لم يُرِد أن يجيب ويدافع عن نفسه بالكلام، حتى يبرهن على أنه ذاهب إلى الألم بإرادته. ولأجل أنه صمت، قال له بيلاطس ” ألست تعلم أن لي سلطانًا أن أصلبك وسلطانًا أن أطلقك” (10:19). أرأيت كيف يدين نفسه مسبقاً؟ لأنه إن كان كل شيء يعتمد عليك (يا بيلاطس)، فما هو السبب الذي جعلك لا تطلقه، طالما أنك لم تجد فيه عِله واحدة؟ ولذلك قال له المسيح ” الذي أسلمني إليك له خطية أعظم” (عدد11). إذن فقد أصدر بيلاطس قرارًا ضد نفسه شخصيًا. وهكذا أظهر كلام المسيح أن بيلاطس نفسه كان مسئولاً عن هذه الخطية (صلب المسيح). ومن ثم كَبَحَ المسيحُ جماح إحساسه بالسلطة وحماسه هذا قائلاً له: ” لم يكن لك عليَّ سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق” (يو19: 11)، لكي يثبت له أن هذا الأمر لا يحدث صدفةً، ولا هو نتاج ترتيب طبيعي للأحداث، لكنه يُتمم بطريقة خفية (حسب مشيئة الله).

 

مسئولية بيلاطس:

ولكي لا تظن (يا عزيزى) إن عبارة ” لو لم تكن قد أُعطيت من فوق“، تعفى بيلاطس من المسئولية، إذ قال له: ” الذي أسلمني إليك له خطية أعظم“. ربما تتساءل: إن كانت إرادة الله أن يُسلَّم إليهم، إذن، فلا بيلاطس، ولا اليهود يكونون مسئولين عن جرائمهم. أنت تقول هذا بدون تروّى؛ لأن كلمة “أُعطيت” تعني هنا “السمَاح”، كأنه يقول: قد سمَحَ الله أن يحدث كل هذا، لكنكم لن تكونوا أبرياء من المسئولية عن فعل الشر.

 

اليهود يطلبون ملكًا أرضيًا:

لقد أدهش دفاعُ المسيح بيلاطس، لذلك طلب أن يطلقه. أمَّا هؤلاء، فصرخوا ثانيةً ” إن أطلقت هذا فلست محبًا لقيصر“. لقد لجئوا إلى ما هو خارج الناموس بعدما استنفذوا الاتهامات التي اخترعوها من الناموس. وبطريقة خبيثة قالوا ” كلُ مَن يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر” ومن أين بدا لكم أن المسيح متمردٌ أو مستبدٌ؟ على ماذا تستندون فيما تدَّعون؟ أعلى ثوب الأرجوان؟ أمْ على الإكليل؟ هل بدا لكم ذلك مِن منظره؟ أمْ مِن الجنود المحيطين به؟ ألم يكن يرافقه اثني عشر تلميذاً فقط؟ ألم يقبل إلاَّ القليل من طعام ولباس ومسكن؟ يا لها من خِسة غريبة! ولأن بيلاطس شعر بأنه يخاطر بمنصبه إذا ما تغافل عن هذه الأقوال، وصل إلى الهدف من التحقيق في الأمر لأنه “جلس على كرسى الولاية” (14:19)، ولكن دون أن يقُم بأي تحقيق، ثم سلَّمهم إياه معتقداً بذلك أنه يهدئهم. واسمع ماذا قال “هوذا ملككم” (عدد14)، ولأنهم قالوا ” أصلبه“، أضاف قائلاً ” أأصلب ملككم؟”. فصرخوا      ” ليس لنا ملكٌ إلاَّ قيصر” (عدد15).

 

لقد ألقوا أنفسهم ـ بإرادتهم ـ في الجحيم، لذلك تركهم الله؛ لأنهم أبعدوا أنفسهم عن عنايته وحمايته. وبسبب رفضهم ـ بالإجماع ـ لملكه تركهَّم يجلبون على أنفسهم ـ بقرارهم ـ المتاعب والمشقات. وعلى الرغم من أن كُل ما قيل، وما حدث كان كافياً لإيقاف غضبهم إلاَّ أنهم خافوا لئلا يُترك حراً، فيجذب إليه حشداً من الشعب. لقد فعلوا كل ذلك لأنهم محبون للرئاسة، وهذا أمر مرعب جدًا، ورهيب يؤدي بالنفس إلى الهلاك، لهذا السبب لم يسمعوا.

 

لماذا موت الصليب؟

وبينما أراد بيلاطس أن يطلقه بمجرد أن سَمِعَ ما قاله المسيح، أصرَّ أولئك قائلين “أصلبه“. ولماذا أردوا أن يميتوه بهذه الطريقة؟ لأن هذا الموت (موت الصليب) كان محتقرًا. لقد كانوا خائفين لئلا ـ بعد كل هذا ـ يترك ذكرى طيبةً، فحرصوا على أن يقتادوه إلى اللعنة، غير مدركين أن الشدائد تجعل الحقيقةَ أكثرُ لمعاناً. ويمكنك أن تتأكد من نياتهم السيئة هذه من قولهم “يا سيد قد تذكرنا أن ذلك المُضِّل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم” (مت27: 63). ولكى يصلوا إلى هدفهم، فقد خططوا جيدًا لكل ما شرعوا في عمله، وظلوا يصرخون مرات عديدة “أصلبه“. يا له من جمع فوضوي وفاسد من الرؤساء.

 

ينبغى علينا أن نتبع خطواته:

نحن لا نكتفي فقط بقراءة هذه الأقوال، بل نفكر ونتأمل فيها، مثل الأقوال عن: إكليل الشوك، ثوبه الأرجواني، القصبة، اللطمات، الجلدات التي تحملها سائرًا في طريقه إلى الجلجثه، التفل على وجهه، التهكم عليه؛ لأن هذه الأمور يمكن أن تؤثر على أفكارنا، فتمحو من داخلنا أي غضبٍ. فإن تعرضنا للسخرية، وإن تألمنا ظُلمًا، نقول ” لا يوجد عبد أعظم من سيده” (يو13: 16). ونفكر فيما قاله اليهود وهم يصيحون في وجهه ” بك شيطان” (يو7: 20)، ” أنت سامريٌ” (يو8: 48)، وإنه “ببعلزبول يُخرج الشياطين” (لو11: 15). لقد احتمل كل هذا لكي نتبع خطواته ونحتمل الإهانات مثلما احتملها هو، الأمر الذي أغضبهم بالأكثر. لقد كانت للمسيح قوة تفوق كثيرًا تلك الإهانات، ولذلك لم يحتمل يسوع كل هذا فقط، بل صنع كل ما من شأنه أن يخلِّص الذين فعلوا به كل هذا من العقاب الذي كان محفوظًا لهم. فقد أرسل الرسل لخلاصهم. اسمع هؤلاء الرسل يقولون لهم ” بجهالة عملتم كما رؤسائكم أيضًا” (أع3: 17). ودعوهم إلى التوبة.

 

ليتنا نتمثل بهؤلاء الرسل؛ لأنه لا يوجد شئ يجعل الله راضيًا عنا، مثل محبتنا لأعدائنا، وإحساننا إلى الذين يسيئون إلينا. فعندما يصنع معك أحدٌ شرًا، لا تنظر إليه، بل إلى الشيطان الذي يُحرَّكه. ومن ثم فرِّغ غضبك كُله فيه، أمَّا الذى ترك نفسه للشيطان ليحركها، فتراءف عليه. فالكذب يأتي من الشيطان لكي يجعلنا نغضب بلا تبصُّر، ولذلك إذا رأيت أحدًا يسخر منكَ، ضع في فكرك أن الشيطان هو الذي يُحرِّكه؛ لأن التهكم والسخرية والضحك ليست من ملامح المسيحيين. فالذي أخذ وصيةً أن يحزن[4] ويسمع ما قاله الكتاب       ” الويل لكم أيها الضاحكون” (لو6: 25) يدرك أن هذا الضاحك، أي المستهزئ ـ عندما يشتم ويسخر ويغضب ـ لا يجب أن يُشتم من جانبنا، بل بالحري يستحق أن نحزن عليه، فالمسيح اضطرب حزنًا عندما فكر في يهوذا.

 

ليتنا

 إذًا نمعن الفكر في كل ذلك، ونطبقه في حياتنا وأعمالنا؛ لأننا إن لم ننجز كل هذا، يكون مجيئنا إلى العالم دونما فائدة، وبالتالى نكون قد أتينا ـ على الأرجح ـ لأجل فعل الشر، وبالتالى أيضًا يعجز الإيمان عن أن يقودنا إلى ملكوت السموات. بيد أن أمر الإيمان على النقيض من ذلك، فالإيمان له من القوة أن يدين الذين يحيون حياةً شريرةً “ أمَّا ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرب كثيرًا” (يو12: 47). وأيضًا ” لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية” (يو15: 22).

إذن، أيُ مبررٍ يكون لنا عندئذٍ، نحن الذين نحيا داخل القصر الإلهي، وحُسبنا مستحقين أن ندخل إلى الأعماق، مشتركين في تلك الأسرار التي تحُرر من الخطايا. ولكننا نصير أسوأ من الأمم الذين لم يستحقوا أن يشتركوا في أي واحدة من هذه الأمور؛ لأنه إن كان أولئك قد اظهروا مجرد حكمة من المجد الباطل، فبالأكثر جدًا علينا نحن أن نمارس كل فضيلة؛ لأن الله يُسرّ بهذه.

 

فنحن إلى الآن لا نحتقر الأموال، بينما أولئك (الأمم) كثيرًا ما كانوا يحتقروا حياتهم، بل واحتقروا الضرورات الطبيعية (مثل المحبة الطبيعية بين الآب وابنه) من اجل الشياطين، فاسلموا أولادهم لهوس الشياطين أثناء حروبهم،. أمَّا نحن، فحتى الأموال لم نحتقرها بعد من اجل المسيح، ولا الغضب تخلَّصنا منه، بل دائمًا ما نغضب، بل ونصل إلى حالة ليست أقل ممن يصابون بالحمى. فكما أن أولئك، إذ يستولي عليهم الشر، يصيرون ضعفاء لدرجة أنهم يحترقون بشهواتهم، هكذا نحن أيضًا لا نستطيع أن نوقف شهواتنا بأي طريقة، كأننا نحترق في النار عندما نشتعل بالغضب وحُب المال. لذا، فأنا أخجل وأندهش إذ أرى كثيرًا من الأمم يحتقرون الأموال، بينما نحن جميعًا يستولي علينا هذا الهوس. وبرغم أنني أرى البعض منا يحتقرون الأموال، إلاَّ أنني احزن لأن الشهوات تستولي على كل من غضب وحقد. فمن الصعب أن أجد تقوى نقية.

 

إذن، السبب هو أننا لا نحرص على تناول الأدوية من الكتب المقدسة. ولا نتيقظ لها بانتباه، فنسمعها فقط متى يتوفر لنا وقت. بينما إذا انشغلنا بقضايا معيشية، فإننا نجعلها تغطي على كل شيء في حياتنا وتستولي علينا، وبالتالي نسمع أقوال الله دون أي يقظة أو انتباه. أمَّا إذا كان الأمر يتعلق بحصولنا على مكسب، فإننا نختفي تمامًا عن الحضور وسماع كلمة الله.

 

إن مَن يصاب بجرح، لا يمكن أن يُشفى بمجرد وضع دواءً فوق الجرح، دون أن يربطه بإحكام، بل يترك الرباط يسقط، فيتسرب للجرح ماء وتراب وقذارة، وأشياء أخرى. وعدم تحسُّن حالة الجرح هنا لا يرجع إلى الدواء، بل إلى اللامبالاة. هذا يحدث لنا عندما لا نعطي انتباهًا تامًا للأقوال الإلهية، بينما دائمًا ما نتصرَّف بدقة وإخلاص تجاه الأمور العالمية. وهكذا تُخنق كل البذار وتصير عقيمة وبلا ثمر. وحتى لا يحدث هذا، ليتنا نرجع إلى أنفسنا قليلاً. ليتنا ننظر نحو السماء، ونرفع نظرنا أيضًا إلى القبور ونرى انحلال أجساد الموتى التي ينخر فيها السوس؛ لأن هذه النهاية تنتظرنا نحن أيضًا، وقد يأتي ارتحالنا من هذا العالم قبل المساء.

 

إذن

 دعونا نستعد لهذا الخروج طالما نحن في حاجة كثيرة إلى المؤن؛ لأن النيران ـ هناك ـ شديدة، والجفاف قاس والوحدة رهيبة. وهناك لا يمكن أن ينزل أحدٌ إلى الفندق، أو يمكن أن يشتري شيئاً، فلابد أن يأخذ كل شيء من هنا. اسمع ما قالته العذارى ” اذهبن إلى الباعة وابتعن لكُنَّ” (مت25: 9). لكن لم يجدن ما يطلبن عندما ذهبن. أسمع ماذا قال إبراهيم ” بيننا وبينكم هوة عظيمة” (لو16: 26).

ليت

 هذا القول لا يكون موجهًا لنا. فطالما أخذنا ـ من هنا ـ مؤنًا كافيةً، فإننا نلتقى بربنا يسوع المسيح بدالة، الذي له المجد والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان والى دهر الدهور أمين.

 

(عظة 85 على يو19: 16ـ40)

”فحينئذٍ أسلمه إليهم ليُصلب فاخذوا يسوع ومضوا به. فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يُقال له موضع الجمجمة ويُقال له بالعبرانية جُلجثه حيث صلبوه” (يو19: 16 ـ 18).

 

بيلاطس يسلّم المسيح لليهود:

يتميز المتنعمون بأن لديهم قوة جذب كبيرة حتى للذين يمكنهم أن يفوزوا عليهم. فاليهود برغم أنهم نالوا معونة الله في البداية، وانتصروا على مملكة المصريين، إلاَّ أنهم اشتهوا ناموس مملكة الأمم (التنعم). فبعد أن أكلوا المن في الصحراء، اشتهوا أكل البصل في مصر. بنفس الطريقة هنا رفضوا ملك المسيح طالبين لأنفسهم ملك قيصر. ولأجل هذا أعُطى لهم ملكاً بحسب ما أرادوا.

عندما سمع بيلاطس هذا الكلام، سلَّمه إليهم لكي يُصلب. يا له من انعدام تام للبصيرة. إذ بينما كان يجب عليه أن يتحقق ويسأل عما إن كان المسيح حقاً قد شرع في أن يُنصِّب نفسه ملكاً بسلطة مستبدة، نجده يصدر قراراً نتيجة الخوف. وبالرغم من أن المسيح قال له إن “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36)، إلاَّ أن بيلاطس كان قد استسلم للأمور العالمية (السلطة). لم يُرد أن يتدبر الأمر بحكمه حتى يُتاح له نصيب فى ما هو أعظم. وبالرغم من أن حُلم امرأته كان يمكن أن يدهشه ويحيره، مما يجعله يعيد النظر في قراره، إلاّ أنه ظل كما هو ولم يتغيَّر إلى الأفضل، ولا استطاع أن ينظر إلى السماء، بل سلَّمه لليهود.

اسحق والمسيح:

أولئك اليهود حملَّوه خشبة الصليب كأنه محكوم عليه، ولأنهم اعتبروا خشبة الصليب علامة لعنةٍ، رفضوا حملها أو الاقتراب منها. هكذا تحقق ما اخبرنا به الكتاب بالرموز والظلال عن الموت على مثال الصليب. حيث حمل اسحق خشب المحرقة. لكن في حالة اسحق لم يصل الأمر إلى لحظة تنفيذ القرار بواسطة أبيه (إذ كان الحدثُ مثالاً). لكن الأمر في حالة المسيح وصل إلى التنفيذ الفعلى؛ لأن موته كان حقيقةً وليس ظلاً، فجاء إلى مكان الجمجمة. والبعض يرى أن آدم مات ودُفن في هذا المكان، والمسيح صُلِبَ في هذا المكان حيث ملك الموت. هناك أقام النُصُب التذكاري للنصر حيث خرج حاملاً الصليب كنُصُبٍ تذكاريٍ للانتصار على طغيان الموت. ومثل المنتصرين حمل المسيح ـ هكذا ـ الصليب على كتفيه شعارًا للنُصرة.

 

صُلب مع اللصوص:

وهنا تبدو أهمية عدم تردد اليهود في اتخاذ قرار صلب المسيح، إذ أن تلك الأمور التي فعلوها، صارت لأجل إظهار الحق، ولكي تعلم كم هي قوة الحق. لأن هذه الأمور سبق وأن قالها النبي بوحى من السماء ” أُحصيَّ مع أثمةٍ” (إش53: 12). لقد أراد الشيطان أن يغطي على الحدث، ولكنه لم يستطع. فبالرغم من أن ثلاثةً صُلبوا فعلاً، لكن واحدًا فقط كان ذو بهاء وهو المسيح. وحتى تعلم أن قوته صنعت كل شئ، فإنه بالرغم من أن الثلاثة كانوا معلقين كل واحد فوق صليبه، لم يستطع أحد أن ينسب واحدة من المعجزات التي حدثت إلى أيٍ من الاثنين الآخرين، بل فقط إلى يسوع المسيح. وهكذا هرب الشيطان خائفًا، وخرج كل ما كان يفكر فيه بعيدًا عن الهدف تماماً، حتى أن واحدًا من اللصين خَلُصَ. إذن فالشيطان لم يستطع أن يلحق ضررًا بمجد المصلوب. وليس هذا فقط، بل تمَّم كل شيء يؤدى إلى مجده. لأن تحول اللص المصلوب وذهابه إلى الفردوس أحدث دوياً هائلاً ليس أقل من الدوي الهائل الذي حدث حين تزعزعت الصخور وتشققت.

 

ملك اليهود:

وكتب بيلاطس عنوانًا” (يو19:19). وهذا كان أمرًا ضد اليهود وفي نفس الوقت لمجد المسيح. فقد تسلَّم اليهودُ المسيح من بيلاطس بسبب خسّة الأخير، وإمعانًا في إهانته قرروا أن يُصلب مع لصين، حتى لا يعطوا أحدًا الفرصة من التحقق من اتهاماتهم الخبيثة، فيصدق أنه شخصٌ شرير. ولكن بيلاطس ـ بهذا المكتوب ـ لم يسُدَّ أفواههم فقط، بل وكل الذين حكموا على المسيح. فأظهر للجميع أنهم تمردوا ضد ملكهم، فظهر الصليب وكأنه نُصبٌ تذكاريٌ للنصر كُتِبَ عليه عنوان يقول للجميع افرحوا وأعلنوا النصر واكرزوا بالملكوت. وقد أعلن هذا، ليس بلغةٍ واحدة، بل بثلاث لغات. إذ أن كثيرين من أممٍ أخرى غير اليهود كانوا موجودين بسبب العيد. فحتى لا يجهل أحدٌ الإعلان الذي يعتبر دفاعًا عن المسيح، فضح هَوَس اليهود بكل اللغات حيث إنهم حقدوا على المصلوب.

ودعونا نسأل اليهود: بماذا أذاكم المسيح؟ طبعًا لم يؤذهم بالمرة. فإن كان غيرُ قادرٍ على فعل شئ، وسينتهي تمامًا بموته، فلماذا تخافون من الحروف التي تقول إنه ملك اليهود؟ ماذا قالوا؟ ” إنَّ ذاك قال” (يو21:19)، وحتى يظهروا كأن أمر الحكم عليه هو بمثابة قرار ورأي عام، قالوا ” ذاك قال” حتى يظهروا أن الاتهام كان نتيجة وقاحته وكبريائه. لكن بيلاطس لم يُغير رأيه بل ظلَّ ثابتًا على رأيه السابق (يو22:19).

ولهذا الإعلان المكتوب أهمية عظمى بالنسبة لخطة تدبير الله؛ لأن خشبة الصليب التي دُقت على الأرض، لم يهتم أحدٌ بإخراجها بعد إتمام عملية الصلب والدفن بسبب الخوف الذي سيطر على الجميع آنذاك. وكذلك بسبب انشغال المؤمنين بمسائل أخرى طارئة. لذا فقد بدأ البحث عن صليب المسيح بعد سنوات من هذا الحدث، وكانت هناك بالطبع ثلاثة صلبان معًا. وحتى لا يكون صليب الرب مجهولاً، فقد صار معروفاً للجميع أولاً من أنه كان موجودًا في وسط اثنين آخرين. ثم ثانيًا من الإعلان المكتوب عليه؛ لأن صليبي اللصين لم يُكتب عليهما أي إعلان.

 

ثياب المسيح وقميصه:

قسَّم الجنود ثياب المسيح فيما بينهم، ولكنهم لم يقسموا القميص. لاحظ كيف أنهم بأفعالهم الشريرة يتمّمون النبوات (دون أن يدروا)؛ لأن هذا سبق أن قِيل منذ القديم. وبرغم أن ثلاثةً قد صُلبوا إلاَّ أنهم قسَّموا ثيابَ واحدٍ فقط. فلماذا لم يقسِّموا ثياب الآخرين، بل ثياب المسيح فقط؟ انتبه من فضلك إلى دقة النبوة. لأن النبى قال اقتسموا ثيابه، والقميص لم يقتسموه بل اقترعوا عليه. كما أن تعبير ” منسوجًا كله من فوق” (يو23:19) لم يكن على سبيل الصدفة. فهناك من يعطون هذا التعبير أهميةً رمزيةً تدل على أن المصلوب لم يكن إنساناً عادياً، بل يحمل في ذاته إلوهةً من السماء. أمَّا البعض الآخر فقالوا إن الإنجيلي كان يسجل لنا تاريخيًا نوع ذلك القميص؛ لأن الثياب في فلسطين كانت عادةً ما تتكون من قطعتين من القماش مخيطين معًا، وكانوا ينسجون الثياب بهذه الطريقة، ولكي يُظهر يوحنا أن المسيح كان لابسًا مثل هذا القميص، قال ” منسوجًا كله من فوق“. هذا قاله مُشيرًا ـ كما أظن ـ إلى ثمن ثيابه الزهيد. وبالمثل أيضًا كانت كل الأشياء الأخرى التي كان يستخدمها. هكذا أظهر أن الرب كان متقشفًا في ملابسه.

 

المسيح يسّلم أمه ليوحنا:

وبينما كان الجنود يقومون بتقسيم ملابسه عليهم، كان المسيح الرب يُسلِّم أمه إلى تلميذه مُعلِّمًا إيانا أنه يجب أن نبذل كل اهتمام بالوالدين حتى اللحظة الأخيرة. وإن كان قد قال لها في إحدى المرات عندما طَلَبت منه شيئًا في لحظة غير مناسبة ” مالي ولكِ يا امرأة” (يو2: 4)، وقال في إحدى المرات متسائلاً “من هي أمي؟” (مت12: 48)، إلاَّ أنه يظهر هنا حنانًا قويًا، إذ أنه سلَّمها إلى التلميذ الذي كان يحبه. ويوحنا ـ أيضًا ـ يخفي ذاته من فرط تواضعه؛ لأنه لو كان يريد أن يفتخر، لكان قد ذكر السبب الذي لأجله أحبه، حيث إن السبب ـ من الطبيعي ـ أن يكون عظيمًا وعجيبًا. لكن لماذا لم يقل المسيح ليوحنا شيئاً آخر، ولا حتى عزَّاه إذ كان حزينًا؟ طبعًا لأنه لم يكن الوقت مناسبًا لكلمات التعزية. على الجانب الآخر لم يكن أمرًا هينًا أن يُكرم بمثل هذه الكرامة ويأخذ مكافأة على بقائه بالقرب من الرب وقت الصلب.

لكن

 عليك أن تلاحظ من فضلك، أنه بينما كان مصلوبًا، فقد فعل كل شئ بلا اضطرب. فقد تحدث مع تلميذه عن أمة، وتمم النبوة، وأعطى رجاءً حسنًا للص، وذلك كله رغم ما بدا عليه قَبل الصليب من الإجهاد نتيجة التعب والصراع والاضطراب. ماذا يعني هذا؟ لم يثِر هذا الموقف أبدًا الشك والريبة؛ لأن الرب أظهر في الإجهاد والتعب ضعف الطبيعة البشرية، بينما هنا أظهر عظمة قوته. من جهةٍ أخرى، فهو يعلِّمنا بهذين الموقفين أننا دائمًا ما ننزعج عند حدوث النكبات. ولكن هذا لا ينبغى أن يجعلنا نهرب من المشقات، بل عندما ندخل في المعركة أو الصراع، فيجب أن نعتبر كل الأمور الحادثة مفرحة وسهلة ولا تسبب لنا أي اضطراب.

 

لا ينبغى أن نرتعب من الموت:

إذن دعونا لا نرتعب من الموت. ويمكننا إن نؤكد أن النفس ـ بطبيعتها ـ تحب الحياة، لكن الأمر يتوقف علينا، إمَّا أن نُخلصها من قيودها ونضعف الشهوة، أو نربطها بشدة بهذه القيود ونجعل الشهوة أكثر طغيانًا وسيطرة. يحدث ذلك مثلاً في شهوة الاتصال الجسدي، فعندما نتدبر الأمر بحكمه يمكننا أن نسيطر عليها. هكذا يحدث أيضًا مع الحياة. فكما وضع الله داخلنا الشهوة الجسدية لأجل ولادة الأبناء، وبذلك يكون الله قد ضمن تعاقب الجنس البشري وحفظه من الفناء بواسطة الأولاد، ولم يُعِق سيرنا في طريق الانضباط السامي. هكذا زرع داخلنا الشوق للحياة ليمنع بذلك الرغبة في أن نتخلص من حياتنا، وبذلك يشجعنا على احتقار أمور الحياة الحاضرة.

إذن يجب علينا ـ ونحن نعرف كل هذا ـ أن نحرص على الاعتدال، ولا نذهب بإرادتنا إلى الموت. وإن كُنا نعاني من مشقات لا حصر لها، فلا ننجذب لأولئك الذين يخافون ويترددون، بل علينا أن نشارك في الجهاد بجرأة مفضلين الحياة الأخرى على الحياة الحاضرة.

 

النساء يتابعن الموقف عند الصليب:

وكانت نساء واقفات عند صليب يسوع” (يو25:19). لقد أظهر الجنس الأضعف وقتذاك جرأةً أكثر؛ لأنهن صنعن كل شئ. لقد سلَّم المسيح أمه لتلميذه قائلاً “ هوذا ابنك” (يو26:19). يا لها من كرامة عظيمة! لقد كرَّم تلميذه بكرامة عظيمة!

فالمسيح يسلَّم تلميذه مهمة رعاية أمه بعد رحيله من هذا العالم. فمن السهل جدًا أن يطمئن عليها عندما تكون عند ذاك الذي كان يحبه، فقد كانت (بالنسبة ليوحنا) في منزلة أمه طبعًا، وكانت مغتمة وحزينة وتحتاج إلى عناية. ولذلك يقول لتلميذه ” هوذا أمك“. وقال كل ذلك لكي يوحَّد بينهما بالمحبة. الأمر الذي فهمه يوحنا ” ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته” (يو27:19).

ولكن لماذا لم يقل شيئًا عن أي امرأة أخرى، بالرغم من وجود امرأة أخرى هناك؟ لكي يعلّمنا أن نعطى أمهاتنا رعايةً أكثر. فعندما يقاومنا الوالدان فيما يختص بحياتنا الروحية، لا يجب حتى أن نلتفت إليهما. لكن عندما لا يسبّبا لنا أية عراقيل في مسيرتنا الروحية يجب أن نقدم لهما  كل محبة. وأن يكونا في الرتبة الأولى قبل الآخرين؛ لأنهما احتملا مشقات لا حصر لها من أجلنا. هكذا أفحم (الرب) وقاحة ماركيون الهرطوقي؛ لأنه لو لم يكن وُلِدَ بحسب الجسد لما كانت له أم. وإلاَّ لأي سبب يعتني ـ فقط ـ بها وهو فوق الصليب؟

 

المسيح يقبل الموت بإرادته:

بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمُل” (يو28:19)، بمعنى أنه لم ينقص شيئًا من خطة التدبير الإلهي؛ فقد حرص ـ بكل الطرق ـ أن يبرهن على أنه يواجه الموت في جسده لأول مرة. وطالما أن قبوله الموت كان متوقفًا على إرادته، ولم يكن قد واجه الموت في جسده قبل هذا الوقت، فقد قبله الآن طالما أنه أكمل كل شئ، لذلك قال (سابقًا): ” ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا” (يو10: 18).

لقد

عرف ـ إذن ـ أن كل شئ قد تمَّ. فقال ” أنا عطشان“. وهنا أيضًا يتمم النبوة. أرجو أن تنتبه لمدى رداءة هؤلاء الموجودين (من اليهود والرومان). فعلى الرغم مما قد يكون لنا من أعداء لا حصر لهم، وما قد يلحقوه بنا من شرور لا مفر من مواجهتها، إلاَّ أننا نأسف ونحزن عليهم عندما نراهم يقتلون أنفسهم. أمَّا هؤلاء فلم يتعاطفوا معه ولم يهدأوا حتى بعد كل ما رأوه، بل بالأكثر صاروا أكثر وحشية وزادوا من سخريتهم به وقدموا له خلاً موضوعًا على زوفا. هكذا سقوه. مثلما يفعلوا مع المدانين، لأنه كان يوجد إناءً مملوءًا خلاً (يو29:19).

فلما اخذ يسوع الخل قال قد أُكمل” (يو30:19). أراءيت كيف أنه فعل كل شئ بلا اضطراب بل بسلطان؟ هذا ما أظهره. وبعدما أتم كل شئ ” نكَّس رأسه“، “وأسلم الروح” بمعنى أن الروح قد انطلقت. فالنفس الأخير لم ينطلق أولاً، ثم بعد ذلك نكس الرأس، إذ أنه لم ينكس رأسه لأن روحه انطلقت، الأمر الذي يحدث معنا نحن البشر، بل انطلقت الروح بعد أن نكس رأسه. وهكذا أظهر الإنجيلي أنه كان رب الكل.

أمَّا اليهود الذين ” يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل” (مت23: 24)، فرغم ما فعلوه لم يهتموا بشيء إلاَّ بالبحث بكل تبجح عن الشكليات الجانبية. ” ثم إذ كان استعداد فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن يوم السبت عظيمًا سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويرفعوا” (يو19: 31).

 

الكنيسة وجنب المسيح:

أرأيت قوة الحقيقة؟ لقد تحققت بعض النبوات بكل ما فعلوه بسيدنا المسيح. كما تحققت نبوة أخرى عندما أتى الجنود وكسروا سيقان اللصين لكنهم لم يكسروا عظام المسيح. ولكى يصنعوا خدمةً لليهود ثقبوا جنبه بحربه فجرى من الجسد الميت دم وماء. يا لها من نوايا دنسه وحمقاء! ولكن لا تنزعج ولا تتضايق أيها الحبيب؛ لأن كل ما فعلوه بقصد شرير، كان لإظهار الحق حيث إن ثمة نبؤة تقول:       ” سينظرون إلى الذي طعنوه” (يو19: 37، زك12: 10).

وليس هذا فقط، بل إن هذه الجسارة صارت برهانًا للإيمان عند أولئك الذين سوف يؤمنون، مثل توما وأمثاله. ومع كل هذا فقد تممَّ سرًا لا يُوصف؛ لأنه خرج منه دم وماء. هذان النبعان لم ينشئا صدفةً، إذ بالاثنين تتكون الكنيسة. والذين يشتركون في الأسرار يعرفون ذلك معترفين بالماء (المعمودية) ومتغذين بالدم والجسد (الإفخارستيا) من هنا ينالون الأسرار. لدرجة أنهم عندما يأتون إلى الكأس الرهيب، يأتون هكذا كأنهم يشربون من هذا الجنب المطعون.

 

يوحنا شاهد عيان:

والذي عاين شهد وشهادته حق” (يو35:19). أي لم أسمع من آخر. لكن أنا نفسي رأيت وكنت موجودًا هناك. وشهادتي هي حق وحسنة جدًا. لأنه يصف سُبابًا وشتائم ولا يصف شيئًا عجيبًا حتى لا يُسبب شبهه للوصف، بل هو نفسه سدَّ أفواه الهراطقة وقال مسبقًا عن الأسرار التى ستتم فى المستقبل، ورأى الكنـز الذي يوجد فيها. لقد وصف الحدث بدقة. لقد تحققت تلك النبوة التي تقول ” عظم لا يُكسر منه” (يو19: 36 مز33: 21). لأنه، بالرغم من أن هذا قِيل عن خروف اليهود (خروف الفصح) وإن كان المثال قد قيل مسبقًا، ولكنه صار منطبقًا بالأكثر على ما حدث هنا. لذلك أشار يوحنا الرسول إلى النبي؛ لأنه رأى أنه غير مستحق أن يشير إلى ذاته، فأشار إلى موسى قائلاً إن هذا لم يحدث صدفةً، بل قِيل مسبقًا من البداية. وهذا هو الذي قِيل عنه بأن “عظمًا لا تكسروا منه” (خر12: 46. عدد9: 12). وأيضًا ينسب للنبي تقييم الأحداث التي تُسرد. هذه الأقوال قالها لكى تعلموا أن علاقة المثال بالواقع الحقيقي علاقة كبيرة جدًا. أرأيت كيف أنه حرص على أن يصبح ذلك الأمر محل إيمان وتصديق، ذلك الأمر الذي يعتبر عارًا ويسبب خجلاً؟[5].

كل

هذا سجَّله الإنجيلي ” لكي تؤمنوا” (يو31:20). فلا يخجل أحدٌ متصورًا أن الإيمان بهذه الأمور يسيء إلى فضائلنا. لأن ما يعتبر عدم كرامة فإنه يمثل فخرًا لأمورنا الصالحة.

 

تكفين المسيح:

ثم إن يوسف الذي من الرامة وهو تلميذ يسوع” (يو38:19) لم يكن من الاثنى عشر لكن ربما من السبعين (لأنه بحسب اعتقاده أن غضب اليهود قد انطفأ بصلب المسيح أتى بدون خوف وانشغل بالتكفين). فقد أتى يوسف الرامي ليطلب خدمةً من بيلاطس، وبيلاطس منحها له. ولماذا لا يفعل هذا؟ لقد قدَّم يوسف خدمة إذ كان القبر جديدًا. وإذ كانوا مازالوا يعتبرونه المسيح إنسان عادى، ولتحقيق هذا الهدف (التكفين) حملوا معهم أطيابًا من التى لها خاصية حفظ الجسد لوقت أطول ولا تسمح للجسد أن للتحلل. الأمر الذى أظهر أنه لا يتوقعان (كل من يوسف ونيقوديموس) شيئًا أسمى من هذا. وبجانب ذلك فقد أظهر كل من يوسف ونيقوديموس حبهما الكبير للمسيح. لكن لماذا لم يأتِ أحد من الاثنى عشر، لا يوحنا ولا بطرس ولا شخصًا آخر من التلاميذ؟ والتلميذ (يوحنا) لا يُخفي هذا الأمر، فلو أراد أن ينكر مسألة الخوف من اليهود، لِما قال إن هؤلاء كان يتملكهم الخوف. حيث قال ” خفية بسبب الخوف من اليهود” (يو19: 37). ولا يستطيع أحد أن يقول إنه قال ذلك بسبب احتقاره الشديد لهما، بل هو نفسه برغم أنه خاف، إلاَّ أنه جاء (عند الصليب). أمَّا يوحنا فعلى الرغم من أنه كان موجودًا ساعة الصلب ورآه يُسلم الروح، إلاَّ أنه لم يفعل شيئاً مثل هذا (التكفين). فلماذا؟ أنا اعتقد بسبب أن يوسف كان من اليهود الرسميين جدًا (وهذا صار واضحًا من التكفين). وبسبب أنه كان معروفاً لبيلاطس. لذلك أخذ على عاتقه هذه الخدمة، وكفَّنه، ليس كمحكوم عليه، بل كشخص عظيم كما تقتضي العادة عند اليهود.

ونظرًا لضيق الوقت؛ لأنه مات قبل الساعة التاسعة وبعد ذلك أتى يوسف إلى بيلاطس ثم أنزل الجسد من على الصليب. وبالطبع كان وقت المساء حين لا يُسمح لأحد بالعمل، فوضعوه في قبر قريب.

 

 

لقد رتَّب التدبير الإلهي أن يوضع في قبر جديد لم يوضع أحد فيه حتى لا يظن أحدٌ أن شخصًا آخر ميتًا ـ كان في نفس القبر ـ قد قام مع يسوع. وحتى يستطيع التلاميذ أن يأتوا بسهوله وأن يروا بأعينهم الأحداث، طالما المكان قريب وكانوا شهودًا للقبر. ليس فقط هؤلاء، بل الأعداء أيضًا إذ ختموا القبر وقاموا بحراسته. هذه كلها كانت أمورًا تؤكد موته ودفنه في القبر. حيث اهتم المسيح بأن يُعترف بموته ليس بأقل من الاعتراف بقيامته. والتلاميذ اظهروا اهتمامًا كبيرًا بهذا حتى يبرهنوا أنه مات. ثم بعد ذلك الكرازة بالقيامة من الأموات.

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] “هوذا تأتي ساعةٌ، وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي. قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام” (يو16: 32ـ33).

[3] يقصد القديس يوحنا هنا الهراطقة الذين ظنوا أن هناك تناقضاً بين آيات الكتاب المقدس، وتاه منهم المجال الذي يدور فيه حديث السيد.

[4] “طوبى للحزانى لأنهم يتعزون” (مت4:5).

[5]الكلام هنا عن وصف التفاصيل المشينة التي حدثت أثناء الصلب من تكسير العظام وغيره.

 

لك القوة والمجد – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

بالحقيقة قام

(عظة 85 على يو1:20ـ 9)

   ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باقٍ فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر ” (يو1:20).

 

إنفتح القبر بعد القيامة*:

   قام المسيح، والقبر مغلق بالحجر والأختام عليه، ولكي يعرف الآخرون بقيامته، انفتح القبر بعد القيامة، وهكذا تأكد الحدث. لقد تأثرت مريم مثلها مثل الآخرين بموت المسيح، لأنها كانت تحب المعلم حبًا شديدًا وانقضى السبت ولم تستطع أن تهدأ فأتت إلى القبر باكرًا لعلها تجد أي عزاء من وجودها في المكان الذي دُفِن فيه المسيح. وعندما رأت مكان القبر والحجر مرفوعًا، لم تدخل ولا مالت لتنظر، لكن أسرعت إلى التلاميذ مدفوعة بمحبتها الكبيرة للرب، لأن ما كان يشغلها هو أن تعلم ما الذي صار للجسد حيث هذا ما كانت تهدف إليه فأسرعت إلى تلاميذه قائلة ” أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه” هل رأيت كيف أنها ما زالت ليس لديها معرفة واضحة عن قيامته، لكنها ظنت أن جسده نُقِلَ ووُضِع في مكان آخر. ويوحنا الإنجيلي ذكر هذه الواقعة لكي لا يحرم المرأة من أن يُثني عليها من كل قارئ للإنجيل، لذا لم يعتبر أنه من العار أن يعلم التلاميذ عن قيامة الرب، منها. إذ كانت مستيقظة ورأت الأحداث قبلهم، إن محبة يوحنا للحقيقة تسطع دائمًا.

 

“الأكفان موضوعة”:

   أتت مريم وقالت هذه الأمور للتلاميذ وبمجرد أن سمعوا هذه الأخبار، ذهبوا بسرعة شديدة إلى القبر ورأوا: “الأكفان موضوعة”، الأمر الذي كان دليلاً على قيامته، لأنه لم يكن في استطاعة أي أشخاص أن يفعلوا هذا الأمر ثم يأخذوا الجسد، أي أن يجردوا الجسد من الأكفان. ولا يمكن للسارقين أن ينزعوا منديل الرأس ويفكوا الأكفان ويأخذوا الجسد ويخفونه في “مكان ما”، لكن ما الذي كان ممكنًا أن يفعلوه؟ كانوا سيأخذون الجسد كما هو بالأكفان. قد سبق يوحنا وقال أنه كُفن بسكب كثير من المُر والذي يُلصِق ـ ليس أقل من الرصاص ـ الأكفان مع الجسد، لذا عندما تسمع أن المنديل الذي كان حول الرأس كان موجودًا هناك بعيدًا عن الجسد، فإنك لا تطيق الكلام الذي يقول إنه سُرق، لأن ذلك السارق يكون في غاية الغباء لدرجة أنه يهتم اهتمامًا شديدًا بشيء نافل جدًا. لأنه لماذا يترك المنديل الذي كان حول الرأس؟ كيف لا ينتبه الحُراس لهذا العمل؟ فك الأكفان عن الجسد يحتاج إلى وقت طويل، ويكون السارق معرضًا لخطر ضبطه وهو يسرق، فالتأخير ليس في صالح السارق.

 

   ولماذا وُجدت الأكفان بمفردها “والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده“؟ لكي تعلم أن هذا العمل ليس من فعل أُناس في حالة استعجال، ويستولي عليهم الإضطراب ويضعون منديل الرأس منفصلاً (بمفرده) والأكفان بمفردها. وبسبب هذا الأمر آمن التلاميذ بالقيامة. لذلك بعد أن حدثت هذه الأمور ظهر لهم المسيح، عندئذ تأكدوا بأعينهم أنه قام.

 

بطرس ويوحنا يتحققان من قيامة الرب:

   لاحظ هنا وداعة الإنجيلي، كيف ينسب إلى بطرس دقة البحث. لأنه بالرغم من أنه وصل قبل بطرس ورأى الأكفان موضوعة هناك، لم يشغل نفسه أكثر من هذا لكن توقف هناك، أما ذاك المشتعل حماسًا دائمًا، بطرس فدخل إلى داخل القبر وفحص الكل بالتفصيل ورأى أمورًا أكثر، وبعد ذلك دخل يوحنا وتعزى بتلك الأمور التي رآها، عاد ورأى الأكفان موضوعة ومنفصلة عن منديل الرأس. أما أن يفصلهما أحد ويضعهما هكذا الواحد بعيدًا عن الآخر، فهذا يحتاج إلى تأني شديد وعناية فائقة ولا يتم بطريقة عشوائية وباضطراب واستعجال.

 

لتكن تصرفاتنا عاقلة بشأن الجنازات:

   لكن، عندما تسمعون أن الرب قام عاريًا فلتوقفوا الهوس الذي يحدث أثناء الجنازات. لأنه ما الفائدة من النفقة الباهظة وغير المفيدة التي تُسبَّب ضررًا شديدًا لأولئك الذين ينفقون أموالاً طائلة للتكفين، حيث إنها لا تفيد المنتقل بأي شيء بل بالحري أقول إنها تسبب ضررًا؟ لأن فخامة القبر تكون في مرات كثيرة دافعًا لنقب القبور وسرقتها، وبالتالي هذه الفخامة قد تكون سببًا في أن يُلقى عاريًا ذاك الذي يُدفن بتكلفة كبيرة. أيضًا كم هو عبث كبير هذا الأمر. كم يظهر مدى التصرف الأحمق في وقت الحزن وكم هو غباء! وكثيرون ـ حتى لا تحدث السرقة ـ يشقون الأكفان إلى شرائط ويملئونها بأطياب كثيرة ويلفونها حتى تصير بلا فائدة لسارقي القبور، وهكذا يتم دفن الميت بهذه الطريقة في باطن الأرض. أليست هذه الأمور هي من ملامح المهووسين؟ هل هذه الأمور هي قدوة للبشر الذين يعملون ويحتاطون من السرقة؟ بأن يُظهروا حُبهم واحترامهم أثناء التكفين وأيضًا هم أنفسهم بتصرفاتهم يلاشون هذا الاحترام، هم يتعللون بأن كل هذه الترتيبات هي من أجل أن يظل كل ما دُفِن في أمان. ماذا إذًا؟ إن لم يأخذ سارقوا القبور هذه الأشياء ألا يأكلها الدود! وإن كان الدود يأكلها، ألا يتلفها الزمن والعفن؟ وإذا إفترضتا أن الأشياء الموضوعة مع الأجساد الميتة سوف لا تختفي بواسطة سارقوا القبور ولا من الدود ولا من الزمن ولا من أي شيء على الإطلاق، والجسد أيضًا سوف يظَّل بدون أن يُمس حتى يوم القيامة، وهذه الأشياء سوف تُحفظ كأنها جديدة، ما الذي سوف يربحه الراحلون من هذه الحياة عندما تُقام أجسادهم عارية. أقول نحن مسئولون عن هذه التصرفات غير المفيدة ومطالبون بأن نعطي جوابًا عنها.

 

   قد تتساءل لماذا سُكبت الأطياب أثناء تكفين المسيح؟ أولاً هذه الأشياء التي تمت مع المسيح لا تقارن بالأمور البشرية (لأن الزانية سكبت الطيب على قدميه المقدستين)، فإن كان ينبغي أن نتحدث عن هذه الأمور، فأول كل شيء هو أن هذه الأمور صارت هكذا لأن أولئك الذين تمموها لم يعرفوا الحديث عن القيامة لذلك يقول الإنجيلي “كما لليهود عادة أن يكفنوا”، لأن أولئك الذين كرمَّوا المسيح هكذا لم يكونوا من ضمن تلاميذه الإثنى عشر، وإكرامهم له لم يكن كثيرًا جدًا، بالطبع الإثنى عشر لم يكرموه بهذه الوسيلة بل كرمّوه بالموت والذبح والتعرض للأخطار من أجله. إذًا ما فعله (الأولون) كان تكريمًا لكن أدنى من الذي أشرت إليه). على الجانب الآخر، نحن الآن نتحدث عن البشر، بينما هذه الأشياء تمت ـ وقتذاك ـ لأجل الرب.

 

ملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية:

   ولكي تعلم أن المسيح لم يتحدث عن هذه الأمور، قال ” لأني جُعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عُريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليَّ” (مت36:25). ولم يقل إطلاقًا كنت ميتًا فدفنتموني. وهذه الأقوال أقولها ليس لكي ألغي الدفن بل لكي أوقِف الضلال ومحبة المجد الباطل. فقد يُقال إن هذه الأشياء تستثير الحزن والغم والشوق نحو الميت. لا، بل أن هذه الأشياء لا تعبر عن مدى محبتنا للميت، بل حبنا للمجد الباطل، لأنك إذا أردت أن تُظِهر مشاركتك في الأحزان لأجل الميت، فسوف أظهر لك طريق آخر للجنازة، وأنصحك بأن تلبس ملابس القائمين معه التي تجعله جالسًا في بهاء، لأن هذه الملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية ولا سارقو القبور يستطيعون سرقتها.

 

   ما هي ـ إذًا ـ هذه الملابس؟

   لُباس الإحسان، لأن هذا اللُباس يقوم معه طالما أن ختم الإحسان هو معه. أولئك يكونون في بهاء بواسطة هذه الملابس ويسمعون القول “لأني جُعت فأطعمتموني”. هذه الملابس تجعلهم في مكانة عظيمة وفخورين وآمنين، بينما كل ما صار الآن فليس شيئًا آخرًا سوى أشياء تتلف بواسطة العثة والسوس. وهذا أقوله ليس لكي أعيقكم عن تجنيز الأموات بل لكي تتصرفوا باعتدال. هكذا تغطون الجسد ولا تُسلموه للأرض عاريًا، لأنه أعُلِن لنا نحن الأحياء إننا سوف لا نأخذ معنا أي شيء من هذه الأشياء التي في العالم إلا غطاءً واحدًا، لأننا حين نموت، فإن الجسد ليس في احتياج للملابس، مثلما كان في احتياج إليها عندما كان يحيا ويتنفس. لأننا ونحن أحياء نحتاج للملابس بسبب البرودة (أي الملابس تقينا من البرد)، وبسبب اللياقة، لكن عندما نموت، لا نحتاج إلى أي شيء من هذه، بل حتى لا يظل الجسد عاريًا نحتاج إلى الدفن، وبدل التكفين فإن الأرض هي غطاء جيد يتناسب مع طبيعة أجسادنا[1]. فإن كنا ـ ونحن ـ هنا الآن حيث نحتاج أشياء كثيرة، لا ينبغي أن نطلب شيئًا زائدًا عن الحاجة، فبالأكثر جدًا هناك، حيث لا يكون لدينا احتياج لمثل هذه الأشياء، يكون محبة المجد الباطل أمرًا غير لائق بالمرة.

 

إياك وشدة الحزن والبكاء بمرارة أثناء الجنازة:

   قد يُقال، إن أولئك الذين يشاهدون هذه البساطة في التكفين سوف يسخرون. أولاً، حتى لو وُجد شخص واحد يسخر، فلا يجب أن تحسب له حسابًا إذ إنه يظهر غباءً شديدً بموقفه هذا، بينما في الحقيقة فإن كثيرين يعجبون بطريقتنا الحكيمة في مواجهة هذا الأمر (طريقة الدفن)، لأن ما يستحق السخرية ليس هذه الأمور التي قلتها لكن تلك التي نفعلها الآن عندما نحزن وندفن ذواتنا مع الأموات (من شدة الحزن والبكاء أثناء تشييع الجنازة). فتلك الأمور جديرة بالضحك وبالعقاب، بينما عندما نُظهِر مثل هذه الطريقة الحكيمة التي ذكرتها من جهة أمور التكفين والملبس اللائق، فإنها سوف تمنحنا أكاليل ومدحًا في يوم القيامة. والجميع سوف يصفقون لنا ويعجبون بقوة المسيح ويقولون عجبًا عجبًا لقوة المصلوب التي أقنعت الذين كانوا سائرين في طريق الهلاك والفساد  بأن الموت ليس موتًا لأنهم لا يفعلون الأمور التي تصير لأولئك السائرين نحو الهلاك، بل يفعلون الأمور التي تليق بأولئك الذاهبين إلى مكان أسمى. قوة المصلوب أقنعت هؤلاء بأن الجسد، هذا الجسد الفاسد والأرضي، سوف يلبس لُباسًا بهيًا جدًا لُباسًا ذهبيًا، وغير فاسد. لذلك لا يظهرون عناية كبيرة بالدفن، لكن يعتبرون التكفين العظيم العجيب هو الحياة الفاضلة. هذه الأقوال سوف يقولونها عندما يروننا نتصرف بهذه الطريقة الحكيمة، أما إذا شاهدونا ننحني من الحزن، ونركع في شكل دائرة حول الميت سوف يضحكون ويسخرون مِنا ويتهموننا بإتهامات لا حصر لها بتورطنا بأمور لا هدف وآلام باطلة عبثية، و نسمع هذه الإتهامات من الجميع. وهم على صواب، فأي مبرر سوف نقوله، عندما يضمحل الجسد من الفساد والسوس فهل نُزينَّه ـ بهذه الطريقة ـ ونهين المسيح، بينما هو عطشان ويتجول هنا وهناك عاريًا وغريبًا؟ أنظر قوله “كنت جوعانًا، مريضًا، غريبًا”.

 

الإحسان يُقيم الموتى:

   إذًا دعونا نكف عن هذا الاهتمام الزائد، ليتنا نقوم بدفن أمواتنا بطريقة لائقة تكون لمنفعتنا ولمنفعة أولئك الأموات لأجل مجد الله. ليتنا نُحسِن كثيرًا من أجل هؤلاء، ليتنا نُرسل معهم مؤن أفضل، لأنه إن كانت ذكرى الرجال العِظام الذين ماتوا تصير سببًا لفائدة الأحياء، لأنه يقول “ وأحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل داود عبدي” (2ملوك34:19)، بالأكثر سينفع الإحسان في هذا الأمر. لأن الإحسان يُقيِم الموتى عندما ” تقف الأرامل ويعرضن ما كانت تفعله طابيثا عندما كانت معهم ” (أع36:9). إذًا عندما يقترب أحد من الموت علينا أولاً أن نقنعه أن يترك شيئًا لهؤلاء المحتاجين. ليتنا نُشيعه بملابس الإحسان ونقنعه بأن يترك للمسيح إرثًا، لأنه، لو أن الملوك حددَّوا إرث لكانوا قد خلّفوا. أمانًا كبيرًا لأهلهم، فالذي يترك للمسيح إرثًا مع أولاده، سينال قبولاً عظيمًا سوف يربحه لذاته ولأولاده. هذه هي طريقة التكفين التي تنفع أولئك الذين يبقون على قيد الحياة، وكذلك أولئك الذين يرحلون عن هذه الحياة. لو كنا نكفن الأموات هكذا سنكون أكثر بهاءً في القيامة، أما إذا أظهرنا إهتمامًا زائدًا بالجسد (عن طريق تكفينه تكفينًا مكلفًا “غاليًا”)، وأهملنا النفس الغالية سنعاني من شرور كثيرة هناك، وسوف نكون مثارًا للضحك، لأنه لا الفقر يصير سببًا أن يرحل أحد عاريًا من الفضيلة، ولا الجسد الملقى بلا دفن يشعر بالعار بقدر ما تشعر النفس ـ وقتذاك ـ وهي عارية من الفضيلة. علينا إذًا أن نلبس الفضيلة ونحرص على أن نتزين بها، وهذا بالطبع يجب أن يصير كل الوقت، لكن إذ أظهرنا لا مبالاة فعلى الأقل ليتنا نُظِهر التعقل والحكمة، ونحن مشرفون على الموت، ودعونا نترك وصية لخاصتنا بأن يساعدوننا عندما نرحل من هذه الحياة، بالإحسان. هكذا فليساعد الواحد منا الآخر وسوف نربح دالة كبيرة، بنعمة ربنا يسوع المسيح مُحب البشر مع الآب والروح القدس وإلى الأبد آمين.

 

 

 

 

(عظة 86 على يو10:20ـ23)

 

   ” فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي “

 

مريم ترثيه باكية:

   الجنس الأنثوي يتميز برقة مشاعره وله ميل كبير إلى الشفقة. هذا أقوله، حتى لا تفكر وتقول، لماذا مريم تبكي بحزنٍ، بينما بطرس لم ينتابه مثل هذا الأمر، لأنه يقول “فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”، طالما أن طبيعتها ضعيفة ولم تعرف بوضوح حديثه عن القيامة، مثل أولئك أيضًا، الذين رأوا الأكفان وآمنوا، ورجعوا وهم مندهشين. ولأي سبب لم يأتوا مباشرةً إلى الجليل، كما أوصى الرب قبل آلامه؟ ربما انتظروا الباقين. هؤلاء ـ إذًا ـ رجعوا، بينما هي وقفت عند القبر، كما قلت، كان منظر القبر عزاءً كبيرًا.

 

ملاكان جالسين فوق القبر:

   هل رأيت ـ إذًا ـ هذه التي انحنت لكي ترى المكان الموضوع فيه الجسد لكي تتعزى؟ لذلك ـ إذًا، نالت أجرًا كبيرًا لإهتمامها الكبير، لأن ذاك الذي لم يره التلاميذ، رأته المرأة أولاً، رأت الملاكين جالسين الواحد عند قدميه والآخر عند الرأس بثياب بيضاء، ووجهيهما مملوئين بالبهجة وبالفرح. ولأن إدراك هذه المرأة لم يكن عاليًا، حتى تستنتج قيامته من الأكفان ـ احتاجت شيئًا أكثر وضوحًا، أي شاهدت ملاكين جالسين فوق القبر بوجوه فرحة حتى تُسكَِّن حزنها بهذا المنظر وتتعزى، لكن الملاكين لم يقولا لها شيئًا عن القيامة، لكنها إنقادت تدريجيًا إلى هذا التفكير.

 

“يا امرأة لماذا تبكين”:

   رأت وجهين بشوشين أكثر جدًا من المعتاد، رأت شكلاً بهيًا، سمعت صوتًا عطوفًا. يقول ” يا امرأة لماذا تبكين“. هكذا بسبب هذه الأمور ـ كأنه من باب مفتوح ـ إنقادت إلى الحديث عن القيامة. والطريقة التي كانا جالسين بها، قادتها إلى أن تسألهما إذا بدا عليهما أنهما يعرفان ما حدث. لذلك لم يجلسا معًا، لكن الواحد بعيدًا عن الآخر.

 

   وبسبب أنه كان طبيعيًا أن لا تتجرأ وتسألهما، لذلك بسؤالهما لها وبالطريقة التي جلسا بهما إنقادت إلى سؤالهما. ماذا قالت إذًا؟ لقد تحدثت معهما بحرارة وفي نفس الوقت بحنان ” أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه” ما هذا القول يا امرأة؟ ألم تعرفي شيئًا عن القيامة، إلى الآن تفكرين في تغيير مكانه؟ هل رأيت كيف أنها ما زالت لم تدرك الخبر السامي؟ “ ولما قالت هذا إلتفتت إلى الوراء” كيف حدث هذا، بينما هي تتحدث مع الملاكين ولم تسمع بعد أي شيء ألتفتت بنظرها إلى الوراء؟ أنا أعتقد، أنها مجرد أن قالت هذا الكلام، فجأة ظهر المسيح خلفها، وفاجأ الملاكين، وهذان ـ عندما نظرا الرب أثر ذلك في شكلهما ونظرتهما وحركتهما، ولاحظت المرأة الدهشة المرسومة على الملاكين مما جعلها تلتفت بنظرها إلى الخلف. إذًا هكذا ظهر لهذين الملاكين، أما للمرأة فليس هكذا، حتى لا يفاجئها بظهوره الأول، لكن ظهر لها بمظهر متواضع وعادي، وصار ظاهرًا لها كأنه هو البُستاني. لقد كان فكرها متواضعًا لذا لم يقدها مباشرةً إلى الأفكار السامية بل تدرج معها في الكلام.

 

   لقد سألها ” يا امرأة لماذا تبكين. مَنْ تطلبين” هذا يُظهر أنه بسؤاله يعرف ما يريد وهكذا قادها إلى الإجابة. إذًا هذا ما أدركته المرأة، لكن لم تنطق بعد أسم يسوع، إذا شعرت أن هذا الذي يسأل يعرف ما هو الذي يسأل عنه، قالت ” يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقُل لي أين وضعته وأنا آخذه“. تتحدث هنا كأنها تتحدث عن ميت، وعن تغيير موضع الجسد، وعن أخذه ونقله إلى مكان آخر. لقد أرادت أن تقول له: إن كُنت قد أخذته من هنا بسبب الخوف من اليهود أرجوك أخبرني أين وضعته. يا له من عطف وحنان كبير عند هذه المرأة، لكن لا يوجد عندها أي فكر عالي. لذلك يُظهر لها ليس بوجهه بل بواسطة صوته [2]، لأنه كما يظهر لليهود أحيانًا كشخص معروف وأحيانًا لا يبدو لهم أنه كان حاضرًا بينهم، هكذا عندما كان يتحدث، وعندما يريد، يجعل نفسه، معروفًا، حين قال لليهود “ من تطلبون” يو4:18. لأنهم لم يعرفوا لا شكله ولا صوته، وهذا هو ما يحدث هنا. وذكرَّ فقط اسمها ليؤنبها وينبهها بأنها تفكر فيه هكذا بأنه ميت وهو الحيٌّ.

 

مريم تتعرف على المسيح من صوته:

   لكن كيف يقول الإنجيلي إنها ” ألتفتت تلك” وهو يتحدث إليها؟ أنا أعتقد بأنها حين قالت هذا الكلام: ” أين وضعته” والتفتت ناحية الملاكين لكي تسألهما لماذا هما مندهشين، دعاها المسيح في الحال أن تلتفت إليه إذ أظهر ذاته بصوته، لأنه عندما دعاها “مريم”، عندئذٍ عَّرفته. هكذا التعرف عليه لم يأتِ من منظره لكن مِن صوته. أيضًا إن قيل من أين يبدو أنها أمسكته ووقعت أمامه؟ هذا يبدو من كلامه: ” لا تلمسيني“، وهذا ما يبدو من القول أنها ” ألتفتت تلك“. لماذا قال  “لا تلمسيني؟” البعض يقول إنها تطلب نعمة روحية، لأنها سمعته مع تلاميذه يقول: “وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلىَّ، وأنا أطلب من الآب. فيعطيكم مُعزيًا آخر“. (يو3:14، 16). وأنا أسأل كيف سمعت هذه الأقوال، وهي لم تكن موجودة هناك مع التلاميذ؟ أنا أعتقد أن هذا الرأي ليس له أي علاقة بما فعلته. كيف تطلب نعمة في هذه اللحظة بينما الرب لم يذهب بعد إلى الآب؟ ما الذي حدث إذًا؟ أعتقد إنها أرادت ـ من فرط فرحتها ـ أن تتصرف معه ـ بلا تحفظ ـ وكأنه هو عينه كما كان من قبل صلبه، ولم تفكر ـ حين كان أمامها ـ في أي شيء سامي وروحي، بالرغم من أن الرب صار من جهة الجسد ساميًا جدًا. إذًا أبعد عنها هذا الفكر ولكي تتحدث معه بمخافة شديدة (لأنه لا يبدو أنه تعامل مع التلاميذ بمثل هذه الطريقة غير المتحفظة) ورفع فكرها عاليًا، حتى تنتبه إليه بأكثر وقارٍ. وكونه قال لها لا تقتربي مني، مثلما كان يحدث مسبقًا بالضبط حين كان يمكث معهم، لأن الأمور لم تعد مثل الأول، ولا يمكن أن أمكث معكم بعد بطريقة مشابهه: هذا الأمر سوف ينشئ حزنًا ما ويتضمن تعقيدًا، بينما كونه يقول “ لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، بالرغم أنه لم يكن أمرًا محزنًا، لكن أعلن نفس الأمر، لأنه بقوله ” لم أصعد بعد” يبين أنه يتجه إلى هناك يسير ويتعجل الوصول، إذ عليه أن يصعد هناك، ولا يخالط البشر، ولا يجب أن يروه بنفس التصور الذي رأوه أولاً، وهذا ما قصده وأظهره بقوله: ” أذهبي إلى إخوتي وقُولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” وبالطبع لم يكن عليه أن يفعل ذلك مباشرةً، لكن بعد أربعين يومًا، إذًا كيف ـ يقول هذا؟ لأنه أراد أن يرفعها روحيًا ويقنعها بإنتقاله إلى السموات. أما   ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ” فهذه أقوال قيلت بحسب التدبير، بينما كلمة “أصعد” قيلت عن الجسد، لأن هذه الأقوال يقولها لتلك المرأة التي لم تفكر في شيء أسمى روحيًا.

 

 

“أبي وأبيكم”:

   هل نفهم أن أبوة يسوع تختلف عن أبوتنا؟ بالتأكيد، لأنه، إن كان إله الأبرار يختلف عن إله الآخرين فبالأكثر هذا يحدث بين الابن وبيننا. لأنه قال ” اذهبي إلى أخوتي وقولي” حتى لا يفكروا من هذا أنه توجد مساواة بينه وبينهم، لكن هناك اختلاف، لأنه سوف يجلس على عرش الآب، بينما هؤلاء سوف يقفون بجواره، بالرغم من أنه بحسب الجسد صار أخ لنا، لكن من جهة الكرامة يختلف كثيرًا ولا يمكن أن نحدد مقدار الاختلاف. ذهبت المرأة إذًا لكي تخبر التلاميذ بكل هذا، بينما أولئك لم يحزنوا بسبب إنه سيصعد، ولا قالوا تلك الأقوال التي قالوها سابقًا؟ أخبرتهم بكل هذا وقالت لهم ما قاله، الأمر الذي كان يمكن أن يعزيهم. لأنه كان من الطبيعي أن التلاميذ بعد أن سمعوا كل هذا، أن لا يصدقوا المرأة أو إذا صدقوا فيحزنوا أنهم لم يكونوا مستحقين ظهوره، بالرغم من وعده بأنه سوف يظهر لهم في الجليل، وحتى لا يحزنوا بالتفكير في كل هذا، فهو لم يتركهم يومًا واحدًا لكن وضع فيهم الاشتياق، حين عرفوا بأنه قام وبسماعهم ما قالته المرأة، أرادوا أن يروه، وبسبب أن الخوف كان مستوليًا عليهم (الأمر الذي جعل شوقهم شديدًا جدًا)، حينذاك، ظهر لهم بطريقة عجيبة جدًا في المساء.

 

 

المسيح يظهر لهم في المساء:

   ولماذا ظهر لهم في المساء؟ لأنه كان من الطبيعي أن يكونوا مملوئين من الخوف. لكن الجدير بالإعجاب هو، كيف أنهم لم يظنوه خيالاً؟ حيث دخل بينما كانت الأبواب مغلقة والتلاميذ كانوا مجتمعين هناك. وطبعًا المرأة جعلت إيمانهم كبيرًا، لذا جعل ظهوره بطريقة عجيبة وبلا ضوضاء.

 

   لم يظهر المسيح للتلاميذ أثناء النهار، بل ظهر لهم مساءً حيث كانوا مجتمعين معًا، وكانت المفاجأة عظيمة إذ إنه لم يطرق على الباب بل وقف في الوسط بلا ضوضاء بالمرّة، وأظهر جنبه ويديه. وفي نفس الوقت هدأ فكرهم المضطرب بصوته قائلاً: “سلام لكم” أي “لا تقلقوا”، وذكرهَّم بما قاله لهم قبل صلبه “ سلامًا اترك لكم” (يو27:14)، وأيضًا “ قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام” (يو33:16).    “ ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب“. أرأيت كيف أن الأقوال صارت أعمالاً؟ لأنه قال قبل صلبه “ سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22:16). الآن يتحقق كل هذا، الأمر الذي قاد التلاميذ إلى الإيمان التام. وبسبب أنهم كانوا في عداوة شديدة مع اليهود لذلك هو يكرّر لهم قوله “سلام لكم” معطيًا لهم عزاءً في مواجهة هذا الموقف.

 

 

“سلام لكم”:

   أولاً هذا الكلام قاله بعد القيامة، سبق أن وقد بشر النساء بالنعمة لأن المشاعر الحزينة توجد بداخل هذا الجنس البشري، والمرأة هي التي قبلت الفرح أولاً. فكان من المناسب للرجال الذين هم في حرب مع اليهود أن يبشرهم بالـ “سلام” أما النساء فيبشرهم بالفرح بسبب الحزن. وحيث إنه أبطل الأحزان وأتم بركات الصليب، التي هي السلام والصلح. وإذ أزال كل المعوقات وجعل نصرته ممجده، وكل الأمور تحققت، قال ” كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” لن يكون لديكم أي صعوبة وبسبب كل ما حدث وبسبب استحقاقي الخاص أرسلكم. هنا يرفع تدبيرهم ويظهر جدارة إيمانهم العظيم حيث إنهم سوف يأخذون على عاتقهم القيام بعمله. ولا ينادي الآب بل يعطي لهم القوة إذ يقول: ” نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكت“. فهو مثل ملك يرسل قواده، ويعطي لهم سلطان ليقودوا بعض الناس إلى السجن أو يفكوهم، هكذا يرسلهم ويمنح لهم هذه القوة.

 

“خير لكم أن أنطلق”:

   إذًا كيف يقول: ” خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزي ” (يو7:16). والآن يقول: ” اقبلوا الروح “. البعض يقول إنه لم يعطهم الروح بل جعلهم بواسطة النفخ مهيئين لقبوله. لأنه، إن كان دانيال خاف عندما رأى الملاك (دا17:8)، ألم يكن من الممكن أن يحدث نفس الأمر لأولئك الذين قبلوا تلك النعمة التي لا توصف لو لم يجعلهم تلاميذه مسبقًا؟ لذلك لم يقل ” أخذتم الروح القدس” بل “خذوا الروح القدس”. ولن يخطئ أحد إذا قال إن ما أخذه التلاميذ سلطة ونعمة روحية معينة، لكنها ليست مثل القوة التي يقيمون بها الموتى ويصنعون المعجزات بل فقط ليغفروا الخطايا، لأن مواهب الروح متنوعة ومختلفة. لذلك أضاف ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” الأمر الذي يظهر نوع العطية التي يمنحها لهم. هناك بعد أكثر من أربعين يومًا أخذوا قوة لكي يصنعوا معجزات لذلك يقول “ ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض” (أع8:1). صاروا شهودًا بالمعجزات حيث إن نعمة الروح كانت لا توصف وعطيته متعددة في فعلها.

 

واحدة هي عطية وسلطان الآب والابن والروح القدس:

   لقد صار هذا لكي تتعلم أن عطية وسلطان الآب، والابن والروح القدس هي واحدة. لأن الأمور الخاصة بالآب، هي للابن وللروح القدس. إذًا يقول إن لا أحد يأتي إلى الابن ” إن لم يجتذبه الآب” (يو44:6). وهذا يبدو إنه خاصية الابن لأنه يقول ” أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14)، لاحظ كذلك أن هذا هو عمل الروح، “ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). وأيضًا نرى الُرسل يدعون الناس إلى الكنيسة مرة بواسطة الآب ومرة أخرى بواسطة الابن وكذلك مرة بواسطة الروح القدس، وتوزيع المواهب نراها بواسطة الآب والابن والروح القدس.

 

عظيمة هي مكانة الكهنة:

   إذًا ليتنا نفعل كل شيء حتى نستطيع أن نتمتع بمعية الروح القدس، ونكرم أولئك الذين عُينوا لمنحنا فعله، لأن مكانة الكهنة هي مكانة عظيمة ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” لذلك يقول ق. بولس      ” أطيعوا مرشديكم” (عب17:13)، وتكرموهم كثيرًا جدًا. لأنك أنت تهتم بما هو خاص بك، وإذا نظمت أمورك فهذا جيد، وأنت غير مسئول عن الآخرين، لكن الكاهن بالإضافة إلى تنظيم أموره جيدًا، إن لم يعتنِ بك وبكل أعضاء رعيته سوف يذهب مع الأشرار إلى جهنم، ومرات كثيرة بدون أن يُغدر به بواسطة خاصته، يُقاد للهلاك بسببكم إن لم ينظم كل تلك الأمور المتعلقة به جيدًا. لذا وهم عارفون مدى الخطورة يكون لهم عطف وحنو كبير، الأمر الذي يقوله ق.بولس      “ لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عب17:13). وليس فقط مجرد سهر، لكن “كأنهم سوف يعطون حسابًا لكي يفعلوا ذلك بفرح” (عب17:13). لأجل ذلك يجب أن ينالوا كرامة كبيرة.

 

   لكن إن إتفقتم مع آخرين ضدهم، عندئذٍ لن تكونوا في حالة جيدة،لأنه كلما كان القائد في حالة انشراح وبهجة سيكون الرُكَاب في أمان، لكن إن كان الركاب يحتقرونه (القائد) ولهم موقف عداوة ضده فهم يُعذبونه، عندئذٍ لا يمكن أن يسهر لراحتكم، وكذلك لا يمارس عمله بطريقة جيدة ـ وبدون أن يقصد ـ يضعكم في مصائب لا حصر لها. هكذا الكاهن، إذا نال كرامة من جانبكم سوف يمكن أن ينظم أموركم جيدًا، لكن إن كنتم تضايقون الكهنة وتسلبون قوتهم، سوف تجعلونهم معرضين معكم وبسهولة لضرب الأمواج حتى لو كانوا بعد شديدي البأس. تأمل ماذا يقول المسيح عن اليهود “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون” (مت2:23ـ3).

 

   لكن الآن لا نستطيع أن نقول: على كرسي موسى جلس الكهنة؟ لكن على كرسي المسيح، لأنهم أخذوا استمرارية تعليم المسيح. لذلك يقول ق.بولس ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو2:5).

 

   ألستم ترون أن الجميع يخضعون للرؤساء العالميين، وفي مرات كثيرة يكون هؤلاء أعظم من أولئك الذين يحكمون عليهم من جهة الأصل ومن جهة المعيشة ومن جهة الفهم؟ لكن بسبب ذاك الذي منحهم السلطان فهم لا يفكرون في شيء من هذه الأشياء، بل عليهم أن يحترموا قرار الملك أيًا كان ذاك الذي نال السلطان من الملك.

 

   إذا قلَّد إنسان أحد وأعطاه وظيفة فإن هذا يجعل عندكم خوف شديد واحترام له، لكن في اللحظة التي فيها يقيم الله شخصًا ونحتقر هذا الشخص الذي رُسم ونشتمه ونلوثه بشرور لا حصر لها، ونُسلط لساننا ضد الكهنة، بينما أخذنا وصيته بأن لا ندين إخوتنا، كيف إذًا يمكن أن ندافع عندما لا ننظر الخشبة التي في عيوننا، بينما قذى الآخر نفحصه بدقة بكل شرنا (انظر متى3:7، لو41:6). ألا تعرف إنك تجعل المحكمة أكثر قسوة ضدك وهي تحاكمك بهذه الطريقة؟ وهذه الأقوال لا أقولها لأمدح أولئك الذين يمارسون الكهنوت بغير استحقاق، بل إني أتراءف على هؤلاء كثيرًا جدًا وابكي بالدموع لأجلهم، لكن لا أقول إنه يحق أن يُدانوا من قبِل المبتدئين والسُذج، لأنه إن كانت حياتهم فاسدة جدًا، وإن كنت تلاحظ نفسك وتحترس فإنك سوف لا تُصاب بأي ضرر من جهة تلك (التعاليم) التي سُلمت إليهم بواسطة الله، لأنه إن كان الله قد جعل الحمار يتكلم[3] ومنح بواسطة العرافين بركات روحية، وحقق النعمة لليهود التي تفوه بها الفم الغبي واللسان الدنس لبلعام، بالأكثر جدًا لكم أنتم المعترفون بالجميل تجاهه، حتى لو كان الكهنة في وضع أدنى، سوف يفعل الله كل الأمور التي يريدها وسوف يرسل الروح القدس، لأن نقاوتهم لا تجذب الروح، بل بالحري النعمة هي تلك التي تتمم كل شيء، لأنه يقول “ فإن كل شيء لكم. أبولس أم أبلوس أم صفا” (1كو21:3، 22)؛ لأن العطية التي أخذها الكاهن لا تُمنح إلاّ من الله، ومهما وصلت الفلسفة البشرية سوف تبدو أدنى من تلك النعمة.

 

   أقول كل هذا ليس لكي نقضي حياتنا في خمول لكن لكي لا تختزنوا شرورًا كثيرة ضد ذواتكم أنتم المبتدئين، وذلك عندما يُظهر البعض من رؤسائكم خمولاً. ولماذا أقول هذا عن الكهنة؟ لا ملاك ولا رئيس ملائكة يمكن أن يفعل شيئًا فيما يتعلق بتلك النعمة التي تُعطى بواسطة الله، لكن الكل يصير من الآب والابن والروح القدس. الكاهن أثناء ممارسة العبادة يعطي لسانه ويديه لله لكي يستخدمهما، لذا لن يُضَّر أولئك الذين يأتون بإيمان إلى طريق خلاصنا بسبب شر إنسان. وإذ نحن نعرف كل هذا، فإننا نخاف الله ونحترم كهنته معطين لهم الكرامة، لكي ننال مكافأة عظيمة من الله بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح مُحِب البشر الذي مع الآب والروح القدس له المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

* العناوين من وضع المُترجم.

1 التي هي من تراب وإلى تراب تعود.

2 لأنه ظهر خلفها وليس أمامها.

3 يتكلم هنا عن “حمار بلعام” انظر سفر العدد7:22.

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

روح الحق

عظة 77

(يو 26:15ـ27) إنجيل حلول الروح القدس

 

   ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الإبتداء” (يو26:15ـ27).

 

روح الحق[1]

   انتبه ولاحظ من فضلك، أي عزاء يقوله لتلاميذه: ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الإبتداء[2].

   وجدير بنا أن نولي هذا الروح كل ثقتنا لأنه روح الحق. لأجل هذا لم يدعوه هنا روح قدس بل “روح الحق“. وعبارة ” من عند الآب ينبثق” تدل على أن المسيح يعرف بدقة كل شيء، مثلما يقول بالضبط عن ذاته ” أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب[3]. وهو هنا يتحدث أيضًا عن الحق، ” سأرسله أنا إليكم“. ليس فقط الآب الذي يُرسِل المعزي بل وأيضًا الابن. وأنتم ستكونون جديرين بالثقة إذا عِشتم معي عن قرب، وأنتم لم تسمعوا هذا الكلام من أُناس غرباء. وبسبب هذه العِشرة التي ربطت بينهم وبين المسيح فقد أكد الرسل هذا الأمر، قائلين: ” نحن الذين أكلنا وشربنا معه[4]. وكون أن هذه الأقوال لم يتكلموا بها من باب المجاملة والتفضل، فهذا ما يؤكده الروح الذي كان شاهدًا على أقوالهم.

   ” قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا[5] أي عندما ترون كثيرين لا يؤمنون، وعندما تتألمون بشرور كثيرة. ” سيخرجونكم من المجامع[6]، وقد حدث لهم ذلك بالفعل، فقد أعلن اليهود أن من يعترف بالمسيح يُحرَّم. ” بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمِة لله[7]. سوف يتفننون في قتلكم لدرجة أنهم سوف يعتبروا هذا الفِعل هو بدافع التقوى وإرضاء الله. أخذ يقدم لهم ما يعزيهم قائلاً:   ” وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب. ولا عرفوني[8].

   كأنه يقول لهم يكفيكم أن تتعزوا بأنكم تتألمون لأجلي ولأجل أبي. هنا يذكرهم أيضًا بذلك التطويب: “ طوبى لكم إذ عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. أفرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم هكذا طردوا الأنبياء من قبلكم[9].

 

المسيح يخبر التلاميذ عما يحدث لهم:

   “ لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم [10].

   أي إنه يقول لهم عليكم أن تصدقوا وتثقوا في صدق ما أقول، لأنكم لن تستطيعوا أن تقولوا إنني كنت أتملقكم وكلمتكم عن الأمور المفرحة فقط، كلامي لم يكن مخادعًا لأن من يريد أن يضلكم لا يفكر أن يكلمكم بأقوال تُبعدكم عنه. إذن لأجل هذا قُلت لكم هذا الكلام حتى لا تزعجكم الأحداث غير المتوقعة، ولكي لا تقولوا في أنفسكم أيضًا أنه لم يخبرنا بأن هذه الأمور سوف تحدث. ” حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم“، حيث إن المُضطَهَدين يضعون مثل هذه الأقوال في الحُسبان لكي يتغلبوا على التشككات الشريرة. هكذا سوف يضطهدونكم ـ يقول المخلّص للتلاميذ ـ حتى القتل. إلا أن الأمر لن يُزعج التلاميذ، طالما أنهم قد سمعوا مسبقًا وعرفوا السبب الذي لأجله يتألمون، لأن معرفة السبب تعد قوة تعطيهم جرأة على المواجهة. لذلك يعيد على مسامعهم السبب ”  لم يعرفوا الآب ولا عرفوني [11]، ” لكنهم إنما يفعلون بكم هذا كُله من أجل اسمي لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني“،[12]وإن كانوا قد إضطهدوني فسيضطهدونكم[13].

 

ليتنا نحتمل الآلام من أجل المسيح:

   ليتنا نفكر بحق في هذه الأقوال في وقت التجارب عندما نُضطهد من جانب الأشرار، واضعين نصب أعيننا رئيس إيماننا ومكمله ونحن نتألم، من أُناس منحلين، لأجل الفضيلة ولأجله هو. لأننا إذا فكرنا في هذه الأمور فسوف نجتاز كل التجارب بسهولة. فإن تألم شخص لأجل أشخاص محبوبين لديه فإنه يتفاخر لأجل هذا، فكم بالحري أن تألم لأجل الله، أي إحساس سوف يشعر به أثناء احتماله هذه المشقات؟. لأنه إن كان الصلب ـ الذي يعتبر أمرًا مُهينًا ولعنة ـ قد دعاه المسيح مجدًا وذلك لأجلنا، فكم بالأكثر جدًا ينبغي أن نُظهر نحن مثل هذا الإستعداد. وطالما، أن لدينا قوة فيجب علينا إذًا أن نحتقر الآلام، وبالأكثر جدًا ينبغي أن نحتقر المال والطمع والشراهة. إذن، فعندما نتعرض لأمر مؤلم علينا أن نفكر ليس فقط في الأتعاب بل في الأكاليل أيضًا. لأنه كما أن التجار لا يفكرون فقط في اتساع البحر ومشقة السفر بل أيضًا في المكسب؛ هكذا يجب علينا أن نفكر في السماء والدالة التي لنا عند الله. وإن كان الطمع ما زال يبدو لك أمرًا مفرحًا، فكِر في أن المسيح يرفضه وللتو سوف يبدو لك هذا الطمع أمرًا تعيسًا، أيضًا إذا كان عطاءك للفقراء يبدو لك أمرًا مزعجًا، فعليك ألا تتوقف عن التفكير في لحظة قطف الثمار التي تنتج من البذرة التي تلقيها. وعندما يصعب عليك أن تحتقر الممارسة الجسدية مع امرأة غريبة (ليست زوجتك)، عليك أن تفكر في الإكليل الذي سوف تناله لجهادك، وعندئذ سيسهل عليك أن تتحمل التعب والألم. فإن كان خوف البشر يمنعك من ارتكاب أمور مشينة فكم بالأكثر شوقنا للمسيح.

 

ممارسة الفضيلة:

   ممارسة الفضيلة ليست بالأمر الهين؛ وبرغم ذلك ليتنا نحيطها بالوعود العتيدة لكي نتشجع على ممارستها. ومُحبو الفضيلة يرون الفضيلة في حد ذاتها جميلة ولأجل ذلك يمارسونها ليس لأجل نيل الجزاء ولكن لأن الله يُسر بها. ويعتبرون العفة أمرًا مهمًا ليس لأنهم يخافون من العقاب بل لأن الله أعطاهم هذه الوصية. أما الشخص الضعيف روحيًا فليفكر في المكافآت. دعنا نطبق هذا أيضًا على فضيلة الإحسان والصدقة، ليتنا نرحم إخوتنا في الإنسانية، ليتنا لا نحتقرهم في اللحظة التي فيها يموتون فقرًا. ليس من المعقول أن يجلس الأغنياء حول المائدة يضحكون ويستمتعون بكل ما لذ وطاب من الخيرات بينما يسمعون بكاء ونواح الآخرين وهم يعبرون الطريق أمامهم.

   ألا نلتفت، ونحن منزعجين، نحو المكان الذي يصدر منه البكاء والرثاء، بل، على النقيض، ونتكدر ونسمي هذا النوح والبكاء غشًا وخداعًا؟! ماذا تقول أيها الإنسان؟ أهل لأجل رغيف من الخبز يبتكر المرء مثل هذا الخداع والغش؟ هل تجيبني بنعم، إذًا سأقول لك إنه لأجل هذا السبب عينه ينبغي عليك أن ترحمه وتُحسِن إليه، ولأجل هذا السبب ينبغي عليك ـ قبل أي شيء ـ أن تخلّصه من العوز والاحتياج. وعلى الأقل فإن كنت لا تريد أن تُحسِن إليه، فلا يجب أن تُهينه. وإذا لم ترد أن تضع نهاية لحالته المأساوية، فعلى الأقل لا تلقه في هوة الهلاك. عليك أن تفكر في ماذا سيكون موقفك وأنت تتوسل إلى الله، في حين أنك تُبعِد الفقير الذي يطلب منك مساعدة، لأنه يقول ” وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم”[14]. تأمل، كيف ينصرف هذا الفقير في مذلة برأس منكسة وبعارٍ وخجل محتملاً بالإضافة إلى فقره جرحًا من جراء إهانتك له. لأنه إن كنتم تعتبرون التسول لعنة عليكم أن تتأملوا في مدى شناعة المصيبة التي يُبتلى بها الفقير حين يطلب ولا يأخذ، بل ينصرف والشتائم تنهال عليه من كل ناحية.

 

اسلكوا برأفة ورحمة تجاه الفقراء:

   حتى متى نتشبه بالوحوش ونجهل هويتنا بسبب الطمع؟ كثيرون منكم يسمعون هذه الأقوال ويتنهدون، لكني لا أريد الآن التأوه فقط، بل بالحري عليكم أن تسلكوا برأفة ورحمة تجاه الفقراء. أرجو أن تتأملوا ذلك اليوم حين نمثل أمام عرش المسيح، حينما نتوسل طالبين الرحمة فيقول لنا أمام هؤلاء الذين رفضنا أن نساعدهم، أنكم لأجل رغيف خبز وفلس واحد قد تسببتم في حدوث عواصف عاتية في هذه النفوس. فماذا سنقول عندئذ؟ بماذا سندافع؟ ومن حيث إنه سوف يقودهم أمامنا، اسمع ماذا يقول: ” بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا”[15]، لأن هؤلاء لن يجدوا ما يشهدوا به عنا في ذلك الوقت، بل إن الله سوف يديننا بسببهم. لأن الغني حين رأى لعازر لم يتحدث عن شيء كان قد قدمه له، بينما إبراهيم تحدث لحساب ذاك. وهذا ما سوف يحدث أيضًا مع الفقراء الذين نحتقرهم اليوم، لأننا لن نرَ هؤلاء يستعطون ويمدوا أيديهم في حالة تستحق الشفقة، بل سنراهم مستريحين في أحضان القديسين، أما نحن ـ الذين رفضنا أن نقدم العون لهم ـ سوف نصبح في حالتهم البائسة وسنبدو في نفس منظرهم حين كانوا يستعطون، وليتنا نصبح هكذا فقط ولا يحدث ما هو أكثر رعبًا، أقصد العقاب! لأن الغني هناك لم يكن يرغب في الشبع بالفتات بل كان في عِقاب مخيف في النار، وسمَّع هذا القول: ” إنك إستوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا[16]. ليتنا لا نعتبر الغني شيئًا مهمًا لأنه سيكون لنا وقودًا للجحيم إن لم ننتبه. والفقر يمكن أن يصير دافعًا للتمتع والراحة حيث نتخلص من الخطايا حين نقبل الفقير بفرح، وحينذاك نكتسب دالة كبيرة أمام الله.

 

لقد أعطاك جسده وأعطاك دمه الكريم:

   إذن ليتنا لا نطلب دائمًا الراحة هنا، حتى نستمتع هناك بالراحة الحقيقية، ليتنا نقبل الأتعاب من أجل اقتناء الفضيلة ونتجنب الأمور الباطلة ولا نطلب لأنفسنا شيئًا بل لننفق ما نملكه على هؤلاء المحتاجين. لأنه أي مبرر سيكون لنا، عندما يعدنا الرب بالسماء بينما نحن لا نعطيه حتى رغيفًا واحدًا؟ إنه يُشرق عليك الشمس (مت45:5). ويمدك بالخليقة وكل خدماتها، بينما أنت لم تعطه حتى ثوبًا واحدًا، ولا جعلته مشاركًا لك في مأواك؟ ولماذا أذكر لك الشمس والخليقة! لقد أعطاك جسده، وأعطاك دمه الكريم، أما أنت فلم تُعطه حتى كأس ماء بارد؟ هل أعطيت مرة واحدة؟ ليس هذا هو الإحسان، لأنك إن لم تساعد في كل ما لديك لن تُكمل كل عملك، لأن العذارى اللاتي كانت لديهن مصابيح كان لهن زيت أيضًا، ولكنه لم يكن كافيًا. إذن إستمر في الإحسان من خيرات الرب حتى لو سبق لك أن أعطيت إحسانًا من قبل. لأي سبب تحب المال؟ من جراء الشراهة والطمع يكنز هؤلاء أموالهم وهم كسالى في فِعل الإحسان. لأن الذي تعلم أن يربح ـ بهذه الطريقة ـ لا يعرف أن يُعطي من أمواله. كيف يمكن لمَنْ هو مُدَرب على السلب والنهب أن يرتب حياته على العكس مِن ذلك؟ الذي يخطف ممتلكات الآخرين، كيف يمكن أن يعطي، فالكلب الذي أعتاد على أن يأكل لحم لا يمكن أن يحرس قطيع من الأغنام؟ لأجل هذا يقتل الرعاة مثل هذه الكلاب. ليتنا نبتعد نحن عن هذا الطعام، حتى لا يُصيبنا نفس الأمر.

 

عليك أن تقضي على اليأس بواسطة أعمال الرحمة:

   ألم ترَ كيف أن الله أنعم علينا بكل شيء ليكون من نصيب الجميع؟ فإن كان الله سمَّح بوجود فقراء بيننا، فهذا فعله لكي يُعزي الأغنياء حتى يتمكنوا بإحساناتهم على أولئك الفقراء أن يتخلصوا من خطاياهم، بيد أنك قد صرت قاسيًا وغير إنساني.

   إذن فعلى الرغم من أنك أخذت قوة لتمتلك أعمال الرحمة، إلا أنك ترتكب جرائم قتل لا حصر لها، فأنت تقضي على النور وعلى الحياة كلها. ولكي توقف ذلك، عليك أن تقضي على اليأس بواسطة أعمال الرحمة. فإن كنت تأسف لمجرد سماع هذا الكلام، فكم ينبغي علىّ أنا أن أحزن لأنني أرى هذه الأمور تحدث. حتى متى ستظل في غِنى وذاك يظل فقيرًا؟ حتى ساعة الموت، أؤكد لك بأنها ليست بعيدة على الإطلاق، لأن الحياة قصيرة جدًا ونهاية كل شيء قريبة جدًا، حتى أن كل شيء يعبر سريعًا وكأنه ساعة زمن. ما الذي تحتاجه من الكنوز المكدسة وحشد الخدم والمدبرين؟ لماذا لا يوجد معك من يتحدث عنك وعن إحساناتك؟ أن الكنز الذي تدخره ليس لديه صوت يُنادي به لأجلك، بل إنه يجذب إليه اللصوص، أما الإحسان إلى الفقراء فيصعد إلى الله ويشهد لك أمامه، ويجعل حياتك الحاضرة سعيدة وينقذك من خطاياك، ويقدم لك المجد من قِبَل الله والكرامة من قِبَل البشر. لماذا ـ إذن ـ تحرم نفسك مثل هذه الخيرات الكثيرة جدًا؟

   فأنت في الحقيقية لا تُفيد الفقراء بل بالأكثر جدًا تفيد نفسك. لأنك سوف لا تحسن حالة الفقراء الحاضرة فقط، بل ـ بفعل الإحسان ـ تُدخر لنفسك مسبقًا المجد العتيد وتلك الدالة أمام الله التي أتمنى أن ننالها جميعًا بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة من الآن وإلى الأبد آمين.

 

عظة78 على يو4:16ـ15

 

   ” ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم. وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم” (يو4:16ـ6).

 

إستحوذ الحزن على التلاميذ:

   إن ألم الحزن المفرط هو أمر صعب للغاية ونحن نحتاج إلى شجاعة كبيرة حتى نقف أمامه ونحن متشددين. والألم له فوائد، فعندما نخطئ نحن أو الآخرين فمن الصواب أن نحزن. ولكن لا يجب علينا أن نحزن بشكل مُبالغ فيه على الظروف التي تحدث لنا كبشر لأن ذلك غير مفيد. لقد استحوذ الحزن على التلاميذ الذين لم يكونوا بعد كاملين روحيًا، ولذلك راحوا يلقون عليه أسئلة كثيرة.

   فقد قال له بطرس ” أين تذهب؟” [17]، وتوما قال له: ” يا سيد لسنا نعرف أين تذهب. فكيف نقدر أن نعرف الطريق[18]. وفيلبس أيضًا قال له: ” أرنا الآب[19]. ولكن علينا أن نلاحظ كيف إنه يقومهم بشدة فها هم يسمعون أن اليهود “سيخرجونهم من المجامع” (أنظر يو2:16)، وقول المسيح لهم ” طوباكم إذا أبغضكم الناس[20]، وكذلك: ” تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله[21]، وقد فقدوا شجاعتهم حتى أن آخرين منهم لم يستطيعوا أن يقولوا له شيئًا وظلَّوا في مكانهم.

   وكان الرب يُقدر هذا الموقف، إذ قال لهم: “ ولم أقل لكم من البداية لأني كُنت معكم. أما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم[22].

   حقًا فإن الحزن الشديد يعد أمرًا مخيفًا، إنه مُرعب وقد يؤدي أيضًا إلى الموت. لأجل هذا قال بولس: ” لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المُفرط[23]. يقول لهم: ” ولم أقل لكم من البداية “. لماذا لم يقل لهم من البداية؟ حتى لا يقول أحد إنه قال هذه الأقوال من جراء خبرته ورؤيته لأمور حدثت أمامه مرات كثيرة، أي بمثابة استنتاجات فقط. ولماذا يبدأ في قول أمر صعب جدًا؟ إنه يعرف هذه الأمور من البداية، ولكنه لم يقلها ليس لأنه لم يكن يعرفها، بل كما قال هو       ” لأني كنت معكم“. وهذا الكلام يقوله إنسانيًا، كأنه قال: لأنكم أنتم في آمان وكان في استطاعتكم أن تسألوني حين تريدون، والحرب كلها كانت تنقض علىَّ، وكان من الخطأ أن أقول لكم هذا من البداية. لكنني أتساءل: ألم يقل من قبل مثل هذه الأقوال؟ ألم يقل للتلاميذ     ” وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم. ولأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم[24]. كيف إذن يقول   ” ولم أقل لكم من البداية “. لأنه سبق وقال آنذاك يجلدونكم وتساقون أمام الرؤساء، ولكنه لم يحدثهم عن موتهم، هذا الأمر خطير جدًا حتى أن قتلهم سيعتبر بمثابة عبادة من جانب القاتلين كأنهم يقدمون خدمة إلى الله. وهذا الأمر سيُدهشهم إذا علموه من البداية: أي سوف يُحاكموا فيما بعد ككفار وأُناس متمردين. نستطيع أن نقول أن إعلانه الأول كان يختص بالآلام التي سوف يعانون منها على أيدي الأمم، أما هنا فإنه يضيف، مع التأكيد على آلامهم أيضًا بواسطة اليهود، وأخبرهم أن هذه الآلام قريبة جدًا.

   ” وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم [25].

   وكون أن السيد المسيح قد أعلمهم أنه يعرف مدى حزنهم قد منحهم تعزية ليست بقليلة، إذ أن القلق لأجل غيابه هذا وانتظار المشقات العتيدة أن تحدث (لأنهم لم يعرفوا ما إذا كانوا يستطيعون أن يتحملوا المشقات بشجاعة) جعلهم مندهشين تمامًا.

 

موقف التلاميذ من حديث المسيح:

   لماذا إذًا لم يحدثهم عن ذلك عندما أصبحوا جديرين بأن ينالوا الروح؟ لكي تعلم أنهم كانوا أُناسًا فاضلين جدًا؛ إذ وهم غير جديرين بأن يأخذوا الروح لم يتركوا السيد المسيح والحزن جاثم على قلوبهم، أدعوك أن تتأمل في ما سوف يصيرون عليه عندما ينالون النعمة، لقد تحملوا كل هذا الكلام وسمعوه، لأنه لو إذا كان قد قيل  بعد حلول الروح القدس عليهم لكان الثناء يُنسب للروح، أما الآن فموقفهم هذا يعد ثمرة تفكير ذهنهم وبرهان واضح على آلامهم من أجل المسيح.    ” لكن أقول لكم الحق[26]. هنا يعزيهم أيضًا، لأنه يقول لهم إنني لا أخبركم عن أمور مفرحة، أما إذا كان هذا الكلام صعب فإنني أرى إنكم لابد أن تسمعوه لفائدتكم، لأنكم ترغبون في أن أبقى معكم بينما الفائدة هي في أمر آخر. إن الذي يحب أصدقاءه ويعتني بهم يتصف دائمًا بعدم الخداع فهو يقول لهم ما يفيدهم حتى إذا كان كلامه هذا ضد رغبتهم، فهو بذلك لا يبعدهم عن ما يفيدهم، لذا يقول لهم المسيح. ” إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي[27].

 

 

عمل الروح القدس:

   ماذا يقول هنا أولئك الذين ليس لديهم معرفة لائقة عن الروح القدس؟

   يقولون: هل فائدتهم تكمن في أن يرحل الرب ويأتي العبد[28]؟ لكن، هل رأيت مدى عظمة وقيمة الروح؟ ” إن ذهبت أرسله إليكم[29]. وما هي الفائدة؟ ذاك سوف يبكت العالم، أي أن هؤلاء الذين يتطاولون على الرب لن يفلتوا من العقاب إذا جاء المعزي. لقد تحدث الرسل وقاموا بأعمال ـ قبل حلول الروح القدس ـ تسد أفواه المتطاولين، ولكن عندما تحدث أمور بواسطة الروح، ويقدم التلاميذ تعليمًا كاملاً بالروح ويصنعون معجزات أعظم، سوف يُدان أهل هذا العالم وهم ينظرون أمورًا كثيرة تحدث باسمه، الأمر الذي سيكون بمثابة برهان ساطع لقيامته، كأن المسيح يقول لهم: الآن يستطيعون أن يقولوا، أليس هذا ابن النجار الذي نعرف أباه وأمه. أما عندما يحل الروح المعزي عليكم فسوف يروا كيف يقضي على الموت ويهرب الشر وتُشفى الطبيعة البشرية من الشلل، و تُطرد الشياطين، وهكذا يتضح أن عطية الروح عظيمة وتفوق الوصف (انظر أع1:2ـ وما بعدها). إن كل هذا يحدث باسمي، فماذا إذن سيقولون؟ لأن الآب يشهد لي وسوف يشهد أيضًا الروح، لقد شهدَّ بكل تأكيد في البداية (متى17:3)، لكن سيشهد أيضًا والآن.

   ” يُبكت العالم على خطية[30]. يعني أنه سيقضي على عنادهم وسيُظهر لهم إنهم ارتكبوا أمورًا لا تُغفر. ” وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا[31]. لقد منحنا حياة لا تُدرك بالعقل. وهذا برهان على أنه سوف ينتقل إلى أبيه، نظرًا لأنهم دائمًا كانوا يدينونه بأنه لم يأت من الله، ولذلك دعوه خاطئًا ومخالفًا، لذا يقول أنه سيدحض هذا المبرر أيضًا. انه يريد أن يقول: إنهم لم يعتبروني آتيًا من عند الله، الأمر الذي يُظهرني مخالفًا، وعندما يُبرهن الروح بأنني أنتقل إلى هناك ليس للحظة بل إنني أبقى هناك إلى الأبد (لأنه “بعد قليل لا تبصرونني”)، ما الذي سوف يقولونه أيضًا؟ انتبه حيث أنه ثبت خطأ رأيهم الشرير من خلال نقطتين: إن عمل المعجزات ليس من سمات الخاطئ (إذ إنه لا يتمكن من عمل معجزات)، كما أن القرب من الله بصفه دائمة ليس من صفاته ولذلك فإنهم لا يستطيعون إن يقولوا أن هذا خاطئ، وأنه لم يأتِ من الله.

   ” وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين[32]. يتحدث هنا أيضًا عن البر، لأنه انتصر على المقاوم لبره. وكان من المستحيل أن ينتصر عليه لو كان هو خاطئًا. ولم يتمكن أي بار من القيام بهذا العمل. ومن حيث إن رئيس هذا العالم قد دين بواسطتي، فهذا يعرفه أولئك الذين سوف يدسونه تحت أرجلهم فيما بعد. وسوف يعرفون بوضوح قيامتي، وهذا ما يميز الشخص الذي يحكم ويُدين، لأنه لم يستطع أن يتحداني. لقد قالوا عني إن بي شيطان وأنني مُضِل، ومثل هذه الاتهامات سوف تظهر أنها لا تستند على الحق، لأنني لو كنت خاطئًا لما استطعت أن أُنازله، أما الآن فقد أُدين وهُزم.

   ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن ” إذن ” خير لكم أن أنطلق “، حيث آنذاك سوف تفهمون هذه الأمور وتحتملوها عندما أنطلق. ما الذي حدث؟ هل الروح أعظم طالما إنكم لا تحتملون الآن هذه الأمور، بينما ذاك (الروح) سوف يعدِّكم لكي تفهموها؟ هل عمل الروح أعظم وأكمل؟ ليس الأمر هكذا، طالما أن المعزي سيقول أن هذا هو ما قلته لكم. لذلك يقول: ” وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي[33].

   إذًا، فلأنه قال ما يعني ” ذاك يمجدني. ويذكركم بكل شئ. ويعزيكم في حزنكم”، الأمر الذي لم يفعله هو، وكذلك حين قال: “خير لكم أن أنطلق”، وأيضًا ” لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. لكن حينذاك تستطيعون” وكذلك ” فهو يرشدكم إلى جميع الحق”، ولكي لا يعتبروا وهم يسمعون هذه الأقوال أن الروح أعظم ويقعون في كُفر رهيب، لأجل هذا يقول ” يأخذ مما لي” أي أنه سوف يقول نفس الكلام الذي قلته. وعندما يقول ” لا يتكلم من نفسه ” يقصد أنه لا يتكلم بشئ معارض، لن يقول شيئًا من عنده، بل فقط ما قلته أنا. مثلما يقول عن ذاته ” لست أتكلم به من نفسي[34]، هذا يعني، أن لا شئ من هذا الكلام الذي أقوله هو خارج عن أقوال الآب، لا شئ لديه مناقض لذاك وغريب عنه، هكذا أيضًا عندما تحدث عن الروح. “مما لي” تعني أي ما أعرفه أنا، أي من معرفتي، لأن معرفتي ومعرفة الروح واحدة. ” ويخبركم بأمور آتية ” لقد استنفر اهتمامهم لأن لا شئ يشتاق إليه الجنس البشري مثل أن يعرفوا الأمور الآتية التي سوف تحدث. لذلك كانوا يسألونه باستمرار ” أين يذهب؟”، أي مجد يكون هذا؟ (أنظر يو5:14، 36:13). إذن لقد حررَّهم من هذا الإنشغال، إذ يقول إن كل الأمور سوف يقولها لكن مسبقًا حتى تكونوا مستعدين.

   ” ذاك يمجدني” كيف؟ عندما يطلب الرسل اسمى سوف يحقق الروح أعمالاً عظيمة. فسوف يعملون معجزات عظيمة عندما يأتي الروح، لأجل هذا، يقول مشيرًا إلى المساواة: “ذاك يمجدني”. ماذا يقصد بقوله ” جميع الحق” هذا يعني أن الحق يُشهد له بواسطة المعزي، فالمعزي سوف “يرشدنا إلى كل الحق” أي إلى الرب نفسه لأنه أخذ جسدًا بشريًا ولم يحدثهم حديثًا كاملاً عن ذاته، ولم يعرفوا معرفة كاملة عن القيامة إذ كانوا غير كاملين روحيًا.

   وبالنسبة لليهود لم يقل لهم شيئًا روحيًا ساميًا حتى لا يعاقبونه مُعتبرينه مخالفًا لتعاليمهم، وذلك من جراء عدم فهمهم، وعندما أخذ التلاميذ وفصلهم عن قطيعهم ـ إذ كانوا سابقًا خارج كرم يسوع ـ آمن كثيرون وغُفرت لهم الخطايا، وآخرون تحدثوا معه بحسب المنطق الطبيعي، لذا لم يقل لهم الكثير عن ذاته. هكذا فكأنه يقول: إنني لم أقل ما ينبغي أن أقوله، وهذا لا يرجع إلى جهلي بل بسبب الضعف الروحي للسامعين. وحيث إنه قال ” فهو يرشدكم إلى كل الحق” وأضاف ” لا يتكلم من نفسه“، الروح لا يحتاج إلى تعليم، إسمع بولس الرسول حين يقول: ” أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله [35]. إذن فكما أن روح الإنسان هو الذي يعرف الإنسان دون أن يتعلم من آخر، هكذا الروح القدس ” يأخذ مما لي ويخبركم” أي سوف يتكلم بما يتفق مع أقوالي. ” كل ما للآب هو لي“. إذن الباراكليت سوف يثبت أقوالي الخاصة، وهذه الأقوال هي للآب، إذن فهو يخبر بكلام الآب الذي هو كلامي.

   لماذا لم يأتِ الروح قبل رحيل المسيح من العالم؟ لأن اللعنة لم تكن قد بَطُلت بعد، والخطية لم تكن قد هُزمت، وكان الجميع لا يزالون تحت القصاص، لذا لم يكن ممكنًا أن يأتي. وكان لابد للعداوة أن تنتهي وأن تتصالحوا مع الله وبعد ذلك تقبلون تلك العطية. لكن لماذا يقول “سأرسله[36]. أي سوف أعَّدكم لكي تقبلوه، لأنه كيف يُرسل ذاك الذي هو حاضر دائمًا؟ أراد إذن أن يُظهِر لهم تمايز الأقانيم. هناك سببان وراء ما قاله: أولاً: كان هؤلاء مرتبطين به بشدة، فلابد أن يقنعهم بأن يقبلوا إلى الروح ويطيعوه، لأجل هذا أيضًا جعل الروح يصنع عجائب لكي يدركوا قدرته ومكانته. وكما أن الآب يستطيع أن يُحضر الكائنات إلى الوجود إلا إنه جعل الابن يفعل ذلك، هكذا أيضًا فقد جعل الروح يفعل كل هذه الأمور لكي يدركوا قوته. لأجل هذا أيضًا تجسد الابن ولكنه جعل الروح هو الذي يتمم كل ما فعل. لقد وجد البعض في محبة الابن غير الموصوفة دافعًا للكفر؛ إذ اعتبروا الابن المتجسد أقل من الآب. ونحن نقول لهم: ما الذي سوف تقولونه عن الروح؟ لأنه لم يأخذ جسدًا. إنكم لن تقولوا بالطبع لأنه، لهذا السبب، أعظم من الابن، ولا الابن أقل منه. إننا ننال عمل الثالوث في المعمودية، حيث إن الآب يمكن أن يفعل كل شيء وكذلك الابن والروح القدس. الثالوث حاضر في الحياة السرائرية حتى لا يتشكك أحد في الابن والروح القدس، فنحن نتعلم شركة الأقانيم أثناء شركة عطية تلك الخيرات السرائرية.

   حقًا إن الابن يستطيع أن يفعل كل هذه الأمور بمفرده حيث انه يشترك مع الآب والروح القدس أيضًا أثناء المعمودية. أرجو أن تسمع هذه الأقوال بوضوح إذ يقول لليهود: ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا[37]، وأيضًا        ” لتصيروا أبناء النور[38]، و ” أنا أعطيها حياة أبدية[39]. وبعد ذلك يقول: ” أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل[40]. دعونا نرى أيضًا الروح الذي يصنع هذا بعينه. أين نراه يفعل ذلك؟ نرى هذا في الشواهد الكتابية الآتية: “ ولكل واحد يُعطى إظهار الروح للمنفعة[41]. ] ذاك الذي يمنح هذه يستطيع بالأكثر جدًا أن يغفر الخطايا[، وأيضًا ” الروح هو الذي يُحيي[42]. و”سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم[43].” و ” أما الروح فحياة بسبب البر[44]. وأيضًا ” إذا أنقدتم بالروح فلستم تحت الناموس[45]، ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا آبا الآب[46]، أليس ما فعله (الآب) فعله (بواسطة) الروح، ولذا بولس كتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: ” ولكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا[47].

   إذًا فلأنهم سمعوا كثيرًا عن الآب ورأوا الابن يتمم أعمالاً كثيرة، بينما لم يكونوا يعرفون شيئًا بعد بوضوح عن الروح، جاء دور الروح القدس ليصنع معجزات ويمنح المعرفة التامة. لكن لئلا يعتبر البعض إنه بسبب هذا الدور الذي سوف يقوم به فهو يعتبر أعظم من الابن (كما قُلت سابقًا)، قال لتلاميذه ” كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية“.

   هل الروح سيسمع كلام الآب ثم ينقله للتلاميذ؟ يقول البعض إن لديه معرفة كاملة فقط لأجل أولئك الذين سيسمعون. وأنا أقول لهم: أي مخالفة أكثر من تلك المخالفة التي تراها في هذه الأقوال التي يتقولون بها عن الروح؟. على الجانب الآخر ما الذي سوف يسمعه؟ أليس كل هذا الكلام قيل بواسطة الأنبياء؟ سوف يتحدث عن إبطال الناموس، ونحن نقول: قد قيلت هذه الأقوال، وإنه سيتحدث عن المسيح، وإلوهيته وتدبيره، نقول: لقد قيل كل ذلك. فما هو الأهم الذي سوف يقوله بعد كل ذلك؟ ” يخبركم بأمور آتية” هنا يبرهن ـ قبل أي شيء ـ على رتبته ومكانته في الثالوث كأحد الأقانيم الثلاثة، فإنه من صفات الله أن يعرف ما سيحدث في المستقبل. هنا يُعلن أن لديه المعرفة الكاملة والدقيقة عن الله وليس مثل الأنبياء الذين تنبأوا عن بعض الأمور. لذا يستحيل على الروح أن يقول شيئًا مختلفًا عما لدى الآب والابن.

   ” يأخذ مما لي ” أي ستكون له نفس المعرفة التي لي وهو مثلي ليس في احتياج أن يتعلمها من آخر، فالمعرفة واحدة بالنسبة لي وله. إنه يحدثهم هنا بهذه الطريقة حتى يتعرفوا على الروح ويصدقوه وحتى لا يعثروا، إذ سبق وقال لهم ” معلمكم واحد المسيح[48]، حتى لا يظنوا أن سماعهم للروح فيه معصية. فالتعليم هو واحد، تعليمي وتعليم الروح. كأنه يقول لهم: لا تظنوا أن تعليم الروح مختلف، طالما أن تلك التعاليم هي من تعاليمي وتكوَّن مجدي الخاص، لأنها بمشيئة الآب والابن والروح القدس. هكذا يريد أن نكون نحن هكذا، لذا قال: ” ليكونوا واحدًا كما نحن[49].

 

المحبة والوفاق:

   لا شيء أفضل من الإتحاد والإتفاق، فيهما يصير الواحد واحدًا في كثيرين، فإن كان يوجد اثنان أو عشرة لهم نفس الرأي والوحدة، فلن يصبح الواحد من العشرة هو واحد بعد، بل كل واحد من هؤلاء يصير عشرة أضعاف، وسوف تجد في العشرة واحد وفي الواحد عشرة. والعدو لا يقدر عليهم لأنه بينما يقاتل واحدًا منهم يجد نفسه يقاتل عشرة. هل يفتقر الواحد لأي شيء؟ لا، ليس هو في إحتياج بل له ما يكفيه من حيث القسم الأعظم (التسعة)، والجزء الصغير (الواحد) يغتني بالتسعة (الجزء الأكبر). كل واحد من العشرة له عشرون يد وعشرون عين وأرجلاً وإمكانيات أخرى كثيرة.

   إذن لن يرى بعينيه فقط بل بأعين الآخرين، لا يستند فقط على أرجله بل على أرجل الآخرين، لا يعمل فقط بيديه بل بأيدي الآخرين. لديه عشرة نفوس. وبذلك لن يكون وحيدًا بمفرده في إعتنائه بنفسه بل إن الآخرين يعتنون به. ولو كانت العشرة مائة فسيحدث نفس الأمر وسوف تتسع قوتهم.

   هل رأيت كيف أن المحبة القوية تجعل الواحد لا يُهزم بل تتضاعف قوته؟ كيف يُوجد الواحد في كل مكان أيضًا؟ بمعنى يُوجد في بلاد فارس وفي نفس الوقت في روما؟ فما لم تنجح فيه الطبيعة البشرية، تحققه المحبة؟ بالمحبة يُوجد هنا وهناك. فإن كان لديه ألف صديق أو ألفان، تأمل عندئذٍ في مدى قوته المتزايدة. هل رأيت مدى تزايد المحبة؟ فالمحبة تجعل الواحد يصير ألوفًا. لماذا إذن لا نحصل على هذه القوة ونؤَّمِن ذواتنا؟ هذا هو أعظم من كل سلطان وغِنى. فالمحبة أكثر أهمية من الزعامة ومن النور نفسه، لأنها سبب الفرح. حتى متى نحصر محبتنا في واحد أو اثنين؟

   اعرف الأمر من نقيضه. فإن كان المرء ليس له صديق، الأمر الذي يعتبر مثالاً للحماقة (لأن الجاهل يقول ليس لي صديق)، فأي حياة يعيشها؟ حتى لو كان ما زال لديه ثراء ويحيا في رغد العيش، أو يكسب خيرات لا حصر لها، إلا إنه سينتهي إلى مصير يكون فيه مجردًا وعاريًا من كل شيء. أما بالنسبة للإنسان الذي له كثير من الأصدقاء والأحباب والمحبين، فحتى أن كانوا فقراء، يصيرون أغنياء ومن الأغنياء، والعمل الذي لا يستطيع أن يقوم به هذا الإنسان بنفسه يقوم به الصديق الآخر، وكل ما لا يستطيع أن يمنحه لنفسه يمكن أن يتم من صديق آخر، وسيصبح الأصدقاء سبب فرح لنا وآمان. فإن مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يعاني من أي شر في اللحظة التي يكون فيها مُحاطًا بالأصدقاء ويتمتع بحمايتهم.

   وإن كان حُراس الملك يجتهدون وينشغلون بحراسة الملك، إلا إنهم يتممون هذه الأعمال عن خوف واحتياج، بينما هؤلاء الأصدقاء بدافع المحبة يعتنون بصديقهم ويحرسونه ليس عن خوف. لذا لا يخاف هذا الإنسان من مؤامرات قد تُحاك ضده من الأصدقاء مثل شعور الملك تجاه حُراسه.

   ليتنا نستفيد إذًا من هذا الصلاح. فليشعر الفقير بالعزاء في فقره، والغني فليكن عنده أمان في غِناه، والرئيس فليمارس سلطته بآمان، والمرؤوس ينال القبول من رؤسائه. إذًا فالمحبة والوفاق يجلبان الهدوء والسكينة، هنا نبع الوداعة. فالوحوش لا تحيا في شكل قطيع بل تحيا في رُعب وخوف. لأجل هذا نحن نسكن المدن ولدينا أسواق لكي يتآلف الواحد مع الآخر. لقد أعطى بولس الرسول هذه الوصية، قائلاً: ” غير تاركين إجتماعنا[50]، لأن لا شيء يكون أكثر شرًا من الإنعزال، والإنسحاب وتجنب العلاقات بين البشر بعضهم مع بعض. فماذا ـ إذًا ـ بالنسبة للرهبان الذين احتلوا قمم الجبال؟.

   أقول لكم: ولا حتى أولئك هم بدون أصدقاء، ولكنهم تجنبوا ضوضاء السوق، وأصدقاءهم كثيرون من الذين لهم نفس توجهاتهم ومرتبطين بشدة فيما بينهم، ولكي يصلوا إلى ذلك إرتحلوا إلى الجبال. فإن العِراك من أجل الأشياء العالمية يخلق نزاعات كثيرة، لأجل هذا، تركوا العالم ومارسوا المحبة باهتمام كبير.

   ماذا إذن، إن كان شخص، يقول إنه وحيد بينما الآخر له أصدقاء لا حصر لهم؟ إنني أريد بكل تأكيد، أن يتآلف الواحد مع الآخر، وأهم شيء هو أن الصداقة ثابتة. والمكان لا يصنع الأصدقاء، فالمحبة بين الأصدقاء هي الأهم. وهؤلاء أيضًا يُصلَّون لأجل كل المسكونة، الأمر الذي يبرهن على الصداقة الكاملة. ولذلك فالواحد يقبل الآخر أثناء تتميم الأسرار، لكي يصير الكثيرون واحدًا، وجميع الداخلين للإيمان يصلون صلاة واحدة، ونطلب جميعًا من أجل المرضى، وثمار المسكونة ومن أجل الأرض والبحر. هل رأيت قوة المحبة في الصلوات، وفي الأسرار، وفي النصائح والإرشاد؟ أنها السبب وراء جميع كل الصالحات. دعونا نمارس المحبة بطريقة تليق وننظم حياتنا الحاضرة جيدًا وسوف ننال الملكوت السمائي الذي ننتمي إليه جميعًا. ليتنا نناله بنعمة مُحب البشر ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

[2] يو26:15ـ27.

[3] يو14:8.

[4] أع41:10.

[5] يو1:16.

[6] يو2:16.

[7] يو2:16.

[8] يو3:16.

[9] مت11:5ـ12.

[10] يو4:16.

[11] يو3:16.

[12] يو21:15.

[13] يو20:15.

[14] مت2:7.

[15] مت45:25.

[16] لو25:16.

[17] يو36:13

[18] يو5:14.

[19] يو8:14.

[20] لو22:6.

[21] يو2:16.

[22] يو4:6ـ6.

[23] 2كو7:2.

[24] مت17،10ـ 18.

[25] يو5:16ـ6.

[26] يو7:16.

[27] يو7:16.

[28] هنا يقصد الرأي الهرطوقي بأن الروح القدس هو مجرد عبد مخلوق.

[29] يو7:16.

[30] يو8:16.

[31] يو10:16.

[32] يو11:16.

[33] يو13:16ـ15.

[34] يو10:14.

[35] 1كو11:2.

[36] يو26:15.

[37] يو10:2.

[38] يو36:2.

[39] يو28:10.

[40] يو10:10.

[41] 1كو7:12.

[42] يو63:6.

[43] رو11:8.

[44] رو10:8.

[45] غلا18:5.

[46] رو15:18.

[47] 1كو11:6.

[48] مت8:23.

[49] يو11:17.

[50] عب25:1.

 

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version