قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت
 

الفهرست

المقدمة

الفصل الأول المصادر المسيحية (هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟)

الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)

الفصل الثالث (المسيح والالهة الأخرى)

الفصل الرابع (هلاوس تلاميذ يسوع والقيامة الروحية)

 

المقدمة

لقد بنيتُ ايماني عن موضوع قيامة المسيح من خلال المادة الدفاعية التي طرحها المسيحيين المؤمنين في كتبهم ولكن طرحت على نفسي سؤالاً قلت فيه (هل انا حقاً اتبع الايمان الذي اقتنعت به ام اتبع أفكار الاخرين؟) وفي النهاية وجدت نفسي اتبع فقط ما قدمه المدافعين في كتابتهم وطريق هم من قاموا بإنشائه ولم يكن لي يد غير السير فيه فقط وبنيت في وقت من الأوقات معتقدي عليه ولكن مع الوقت وكثرة القراءات تطور عقلي وقفزت من مكان إلى اخر وقلت لنفسي ان القيامة هي الدليل النهائي على صدق كل ما قدم بخصوص العقائد المسيحية

وهي الإجابة الحقيقية على الأسئلة الوجودية عند الانسان لذلك قلت لنفسي هناك حقيقة واحدة ووحيدة يجب ان ادرسها بنفسي من خلال بحث شخصي حتى اعطي في النهاية الناتج الذي أكون راضياً عنه او على الأقل طريق به ضوء قمت بحرفه واتخذت قول بولس (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ،” (1 كو 15: 14) وجعلت من هذا القول هو القياس النهائي ان استطعت ان اثبت لنفسي انه حقا قام إذا أكون قد فتحت طريقي لينطلق ايماني ويحلق وان لم اثبت شيء في نهاية هذه البحث اكون قد أغلقت باب الايمان على الأقل حتى ثبوت الأدلة التي تكسر او تزيد من شدة القفل على الباب

 

فحين قررت البحث قلت لنفسي هي بنا نعود 2000 عام إلى الوراء لنعرف لماذا امن هؤلاء اليهود بالقيامة وما السر الذي غير مجموعة من صيادين المسك إلى مبشرين او ما السر وراء التغير في حالة شاول الطرسوسي فنعم عزيزي القارئ ان القيامة هي حجر الأساس الذي قامت عليه المسيحية وهذا ما أكده بولس كما ذكرنا مسبقاُ في الاقتباس وهذا أيضا كتب فيه أستاذ العهد الجديد Jirair Tashjian في مقاله (The Resurrection: Influence on the Church in the First Decades)[1]

 

ولهذا سوف أصب كل جهدي لمعرفة لماذا امن هؤلاء بالقيامة وسوف اعتمدت في كل فصل على مجموعة مختلفة من العلماء الذين قدموا دراسات محايدة تتعلق بعنوان الفصل

 

الفصل الأول: المصادر المسيحية: هل ما لدينا يؤكد انه حقا نقل لنا ايمان اتباع يسوع الأوائل بشكل صحيح؟

 

لسوء الحظ ليس لدينا الة زمن للرجوع إلى الماضي ولكن يستطيع الماضي ان يأتي الينا من خلال ما سجله الاقدمون فقد سجل الانسان الأول تفاصيل يومه وهذا ما تذكره لنا المؤرخة الامريكية Cynthia Stokes Brown:

 

وأكثر ما يشير إلى بزوغ ضمير إنساني أكثر تعقيداً هي الآثار التي تركوها على صورة رسوم في الكهوف وهي موجودة في كل أرجاء العالم [2]

 

ومن هنا نستطيع معرفة كيف فكر وعاش الانسان القديم ولحسن الحظ فقد سُجل ايمان اتباع يسوع الأوائل في وثائق وهذه تعتبر نقطة هامة في دراسة التاريخ

 

فيذكر لنا المؤرخ المصري حسين مؤنس:

ولكي يكون التاريخ جديرًا بهذا الاسم والوصف ينبغي أن يقوم على أصول والأصول هي الوثائق، والوثائق تشمل كل ما يمكنك أن تعتمد عليه في كتابة تاريخ أو رجل أو حادث أو أمة[3]

 

ولكن أيضا عزيزي القارئ الأمور ليست بهذه البساطة فهناك الكثير من الكتابات التي تعود لفترة حدوث الاحداث وحملت اقوال مختلفة ومتناقضة او حملت احداث لم تحدث من الأساس واستطيع ان ابرهن على صحة اقوالي هذه من خلال احداث عصرنا الحالي اذهب إلى التلفاز في منزلك وافتح قنوات الاخبار مثلا تجد الحق والباطل وتجد الخيال والواقع فمن خلال تجربة نحن بالفعل نعيشها نستطيع ان نبرهن انه ليس بالضرورة ما ينقل لنا من الماضي ان يكون صحيحاً تماماً او خطأُ تماماً أيضاً.

لذلك هناك ما يسمى بالنقد التاريخي ولكن هذا سوف نأتي له فيما بعد ولكن الان نحن لدينا مصادر قديمة نقلت لنا ايمان الكنيسة تعرف باسم كتابات العهد الجديد فهي الكتابات التي انتهت في القرن الأول الميلادي حسب شهادة الناقد بارت إيرمان:

 

لا أحد يعرف على وجه اليقين متى مات يسوع، لكن العلماء يتفقون على أنه كان في وقت ما حوالي 30 بم. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد معظم المؤرخين أن مرقس كان أول أناجيلنا التي كتبت، في وقت ما بين منتصف الستينات إلى أوائل السبعينيات. من المحتمل أن متى ولوقا كتبا بعد حوالي عشر أو خمسة عشر عامًا، ربما حوالي عام 80 أو 85. وقد كتب يوحنا ربما بعد ذلك بعشر سنوات، في عام 90 أو 95. وهذه تقديرات تقريبية بالضرورة، لكن جميع العلماء تقريبًا يتفقون عليها في غضون بضع سنوات [4]

 

ويقدم لنا ايرمان أيضا خريطة بسيطة تعطي لنا معلومات عن تاريخ تأليف تلك الكتابات [5]

 

حياة يسوع بدأت من القرن الرابع قبل الميلاد إلى سنة 30 بعد الميلاد وأول الكتابات كانت لبولس من 50 إلى 60 بعد الميلاد وثاني الكتابات كان انجيل مرقس من 65 إلى 70 وهكذا إلى ان نصل إلى انجيل يوحنا الذي كتب سنة 95 بعد الميلاد هذا ان ارادنا ان نعرف ماهي الكتابات التي نستخلص منها احداث القيامة

 

والان لنعود مرة أخرى إلى النقد التاريخي نحن الان لدينا مجموع من الوثائق المختلفة التي ركزت على القيامة تعود إلى فترات مختلفة ولكنها جميعاً ترجع إلى القرن الأول ولكن قبل الشروع في تداولها يجب علينا اولاً معرفة كيفية التعامل معها وسوف اقتبس من المؤرخ الفرنسي Charles Seignobos الاتي:

 

فإنه لأجل الاستدلال من وثيقة مكتوبة على الواقعة التي كانت سببها البعيد، أى لأجل معرفة العلاقة التي تربط بين هذه الوثيقة وتلك الواقعة، ينبغي إعادة تركيب كل سلسلة العلل الوسطى التي أنتجت الوثيقة. ولا بد من تمثل كل سلسلة الأفعال التي قام بها مؤلف الوثيقة ابتداء من الواقعة التي شاهدها، حتى المخطوط (أو المطبوع) الذى أمام أعيننا الآن. فهذه السلسلة علينا أن نستعيد تكوينها في اتجاه عكسي بأن نبدأ بفحص المخطوطة (أو المطبوعة) ابتغاء الوصول إلى الواقعة القديمة. وتلك هي غاية التحليل النقدية وكيفية سيره[6]

 

يبدا المؤرخ بدراسة المخطوطات والمصادر المتاحة له التي نقلت نسخ عن نسخ من النص الأصلي وهذا في الحقيقة ليس موضوع في الوقت الحالي ولكن موضوع الأساسي هو الوثيقة الأولى التي كتبها المؤلف بخط يده التي نسخ عنها فيما بعد ونحن لدينا كتابات كما ذكرنا مسبقاً وكما ذكرنا أيضا تواريخ هذه الكتابات ولكن يفضل دائماً ان يأخذ الكتابات الأكثر قرابة من الاحداث وهذه نقطة مهمة فحين نحدث عن انجيل يوحنا الذي كتب بعد 65 سنة من الاحداث لا نستطيع ان نقارنه مثلا مع رسائل مثل رسائل بولس او انجيل مرقس التي كتبت بعد حوالي 20 او 30 سنة من الاحداث ولها سبب بسيط وهو لعبة الهاتف يذكر لنا ايرمان:

 

 

[لم يكن] كل هؤلاء الرواة في وقت مبكر لديهم معرفة مستقلة بما حدث [ليسوع]. لا يتطلب الأمر سوى القليل من الخيال لإدراك ما حدث للقصص. ربما تكون على دراية بلعبة “الهاتف” القديمة الخاصة بحفلات أعياد الميلاد. مجموعة من الأطفال يجلسون في دائرة، الأول يروي قصة قصيرة لمن يجلس بجانبه، والذي يرويها للتالي، ثم للتالي، وهكذا حتى تعود دائرة كاملة للشخص الذي بدأها. دائمًا ما تتغير القصة كثيرًا أثناء عملية إعادة سردها، مما يجعل الجميع يضحكون كثيرًا. تخيل أن هذا النشاط نفسه يحدث، ليس في غرفة معيشة منعزلة مع عشرة أطفال بعد ظهر أحد الأيام، ولكن على مساحة الإمبراطورية الرومانية (حوالي 2500 ميل)، مع آلاف المشاركين[7]

 

وهذا امر طبيعي لان طبيعة ذاكرة الانسان ليست صور فوتوغرافية على العكس من ذلك ذاكرة الانسان يمكن التلاعب بها:

 

فقد وجد علماء النفس أن تذكرنا للأحداث اليومية قد لا يكون موثوقًا به كما نعتقد. علاوة على ذلك، حتى بعد حفظ المعلومات في الذاكرة، يمكن تغييرها. يمكن التلاعب بذكرنا للذكريات ويمكن حتى الخلط بين مجموعات كاملة من الأحداث [8]

 

ويمكن أيضا زراعة ذاكرة لم تحدث ويظن العقل انها حدثت:

 

سنة 2002 امرأة تدعى Kimberly wade حاولت ان تقوم بعملية زرعة ذاكرة ذهبت لمنزل أحد العائلات وطلبت منهم صورة للأطفال وكان الشرط ان لا يكون هؤلاء الاطفال قد ركبوا المنطاد في حياتهم ابدا وبعد ان اخدت الصورة قامت بالتعديل عليها وجعلت هؤلاء الاطفال يركبون المنطاد وبعد ان كبر هؤلاء الاطفال اخذوا الصورة ونظروا لها وتفعلوا معها بالعكس بال قاموا بتأليف احداث لم تحدث اصلا فقط بعد ان شاهدوا الصورة مع انهم لم يركبوا المنطاد في حياتهم ابدا [9]

 

إذا فإذا أردنا البحث الدقيق لا نستطيع ان نأخذ كتاباً كتب بعد 65 سنة من وقت الحدث لأنه من الطبيعي وحتى ان كان الكاتب شاهد عيان ان يسطر الحدث كما حدث فعلاً بال على العكس سيكون هناك الكثير من المدخلات غير الصحيحة في كلامه لذلك سوف نستبعد انجيل يوحنا من القائمة وهذا الشيء لا يعني بالضرورة ان الانجيل غير دقيق

 

کتب رینولد پرایس (Reynold (Price) وهو أستاذ الأدب الإنكليزي البارز في جامعة ديوك لسنوات عديدة، والروائي الشهير أيضًا – كتابًا أسماه “ثلاثة أناجيل“ (Three Gospels)، وقد فسَّرَ فيه إنجيلي مرقس ويوحنا وحللهما، ثم كتب صياغته هو لحياة يسوع. ويتحدث پرايس بوصفه خبيرا في الأدب قائلا إنَّه لم يكن إنجيل يوحنا عملًا من نتاج الخيال، ولكنه عمل مكتوب من شاهد عيان صافي الذهن وثاقب الفكر، عاين أعمال يسوع وفكره [10]

 

ولكن سوف نركز على ما دونه بولس ومرقس لأنهم الأقرب زمنياً للحدث ونعم يا عزيزي 20 سنة ليست زمناً بعيداً ان احتك هؤلاء المؤلفين مع أقرباء يسوع سيكون لدنيا وثيقة هامة نقلت الكثير من الحقائق عنه فالذين كانوا في عمر يسوع ونقول انهم من اقربائه او أصدقائه أصبح عمرهم 50 عام ولكن مازالوا يتذكرونه ويتذكرون كيف مات وأيضا لماذا مات وكيف كانت طبيعة حياته وهذه شيء طبيعي يحدث حتى في وقتنا الحاضر لان هذه الذاكرة ممزوجة بالعاطفة والذاكرة الممزوجة بالعواطف تبقى فالعواطف تؤثر على الاحتفاظ بالذاكرة او استرجاعها [11]

 

فكما يقول James Dunn:

تعتبر معمودية يسوع وصلبه من أكثر الحقائق المؤكدة تاريخياً عن يسوع [12]

 

 ويذكر لنا GRANT ALLEN:

ومهما قيل عن أصل المسيحية، فمن المتفق عليه إلى حد ما على الأقل من كلا الجانبين، سواء من قبل الأصدقاء أو الأعداء، أن هذا الدين العظيم نشأ حول شخصية معلم جليلي معين، اسمه يسوع، فيما يتعلق الذي، إذا كنا نعرف أي شيء على الإطلاق بأي قدر من اليقين، فإننا نعرف على الأقل أنه كان رجلاً من الشعب، معلقًا على الصليب في القدس تحت ولاية كايوس البطني بيلاطس. إن نواة الحقيقة تلك، الإنسان، وموته يسوع المسيح وصلبه، هي النواة التاريخية التي لا شك فيها [13]

 

وبما انه ثابت فعلاً ان يسوع قد صلب فمن الطبيعي ان تحفر هذه الذاكرة في عقول كل من يعرفه او راه معلقاً ولهذا لان طبيعة الصلب كانت تتم على القمم العالية حتى يراه الكل فيذكر لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans:

 

كان من المعتاد أن تضع السلطات الرومانية الصلبان على الطرق التي يستخدمها المسافرون كثيرًا، على قمم التلال، وعلى أبواب المدن. كان الشخص المدان يحمل خشبة صليبه patibulum (انظر: Plautus، Carbonaria 2; Miles gloriasus 2.4.6-78359-360; Plutarch، Mor. 554A-B حاملاً في بعض الأحيان لافتة titulus حول عنقه مسجل عليها اسمه وعقابه، ليتم تثبيتها لاحقا على الصليب حينما يُرفع راجع: Suetonius، Caligula 32.2 Dio 54.3.6-7 Cassius) [14]

 

إذا بعد كل هذا من الطبيعي ان يتذكر المعاصرين ليسوع هذا المشاهد الصعب وبالطبع سوف يطبع هذا المشهد وأيضا الكثير من جوانب شخصية يسوع في عقل اقربائه إلى نهاية حياتهم لذلك سوف نطرح السؤال الهام هل حقاً نقل بولس ومرقس الشهادة من عائلة يسوع او من تلاميذه وأصدقائه؟ نبدأ أولا بدراسة قدمها ‏David A. deSilva عالم في العهد الجديد واللغة اليونانية في كتابه مقدمة للعهد الجديد الجزء الثاني ولكن قبلها يجب ان نعرف كيف كانت تتم كتابة الادبيات في هذه الفترة أي الطريقة اليونانية لكتابة الادب يذكر لنا الناقد حنا عبود:

 

في العالم أسلوبان: الأسلوب اليوناني والأسلوب الروماني. الأول أسلوب هادئ رزين واقعي يبتعد عن التطرف والمغالاة، ويراعي السمو الإنساني ويسعى الى ترويض وحوش الغرائز الحيوانية في أعماق الإنسان. والثاني نقيض الأول تماماً [15]

 

ولكن هل بولس حقاً اتبع الأسلوب اليوناني الرزين في الكتابة؟ يذكر لنا DeSilva عن الحياة التي كان يعيش فيها بولس الاتي:

 

كانت التَّربِيَةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي كُلِّ هذه المجالات ستَكُونُ مُتَوَفِّرَةً لِبُولُس في أُورشليم، التي كانَت مَدينَةً عالَمِيَّةً مُرتَبِطَةً بالعالم اليوناني الرُّوماني، ولم تكُن مُنفَصِلَةً عَنْهُ إِنَّ هَلِيَئَةَ فلسطين حَقَّقَت تَقَدُّمًا هائلاً خلال الحقبتين اليونانية والهلينيَّة، وأُعطيت اهتمامًا مُتَجَدِّدًا خلالَ حَقَبَةِ السَّيطرةِ الرُّومانِيَّة في وضع مدرسة غمالائيل، المُشابِه رُبَّما لما كُنَّا سَتَجِدُهُ في مَدرَسَةِ يَشُوع بن سيراخ قبل ذَلِكَ بِقَرنَين، لا بُدَّ أَنَّ بُولُس تعلم ليس فقط عن التَّوراة وقواعد تطبيقها، بل وعن فَنَّ المُجادَلَةِ وعن تقليدِ الحِكمَةِ التي تَضَمَّنَتْ الحكمة اليونانية [16]

 

فمن دراسة البيئة المحيطة ببولس نستطيع القول انه كان اخذ تعليم يوناني وبالطبعة سوف يأخذ منه أسلوب الكتابة وهذا ما قال به أيضا Martin Hengel عن تَلَقَّي بولس لثقافَةِ يَهُودِيَّةٍ باللُّغَةِ اليُونانِيَّة، مع وُجُوبِ الأخذ بعين الاعتبار أهميَّة الوجهين، وذلِكَ فِي مُوْلَفِهِ [17]

 

ويقدم لنا بولس بنفسه اعتراف عن مصدره فيقول (“فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ،” (1 كو 15: 3) ومن تفسير كمبردج:

فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا] إن التشابه الوثيق بين هذا المقطع وقانون إيمان الرسل يُظهر أن هذا الملخص لعقائد إيماننا هو في الواقع ما يُعلن عنه، وهو ملخص قصير للتعليم الرسولي. يقدم إيريناوس، وهو كاتب من القرن الثاني، ومراقب دقيق للتقليد الرسولي، ملخصًا مشابهًا جدًا في أطروحته ضد الهرطقات، الكتاب الثالث. ج. 4.

يلفت ستانلي الانتباه إلى حقيقة أن هذا التأكيد الجريء على حقيقة القيامة، ربما هو الأقدم لدينا (انظر أعلاه الفصل 1 كو 11: 23) تمت كتابته بالكاد بعد خمسة وعشرين عامًا من الحدث الذي لم يذكره القديس بولس هنا. الذي تلقى منه عقيدته، ولكن لا بد أنه قد حصل على بعض التعليم الأولي في المبادئ الأولى للإيمان المسيحي من مخالطته مع التلاميذ (أع 9: 19) [18]

 

ويقول أيضا DeSilva: لهذا، يُظهِرُ بُولُس معرِفَةً عَميقَةً واحترامًا واستخداما لتقاليد يسوع التي كانت قد أصبَحَت معرُوفَةً في تلك الفترة عبر مَرقُس وعبر تقليد Q المادَّة المُشْتَرَكَة بينَ متَّى ولوقا)، وصار ينظُرُ إلى هذه التَّقاليد بأنَّها ذات سُلطَةٍ وتكوين لمُجتَمَعاتِ أتباع المسيح في دائِرَتِهِ [19]

 

ويذكر لنا أيضا اندرو ملر مؤرخ الكنيسة المبكرة: ولكننا نعود إلى أورشليم حيث قضى الرسول خمسة عشر يوما مع بطرس ويعقوب يباحث اليونانيين، ثم أن الأخوة انحدروا به إلى قيصرية وأرسلوه إلى طرسوس، وأما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام، وكانت تبنى وتسير في خوف الرب، وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر (اع ۹: ۳۰،۳۱) [20]

 

وهذا أيضا قال به ايرمان: من الواضح في كل من سفر الأعمال ورسائل بولس أن بولس كانت له علاقات مع أولئك الذين كانوا رسلًا قبله، وعلى رأسهم تلاميذ يسوع السابقين (بطرس، يوحنا، إلخ.) ويعقوب شقيق يسوع [21]

 

ولكن ما هو الدليل على صحة كل هذا من الممكن ان يكون كل ذلك تم اختراعه لإعطاء شرعية لبولس وما دونه؟ هذه وجهة نظر ولكن على ما اظن ليست لها فائدة لأنه بكل بساطة من يريد ان يقول ان بينه وبين هذا الشخص علاقة وثيقة ويريد من الناس ان تصدق كلامه ان يذكر خلاف دار بينهم مثلا ونعم عزيزي أعني بكلامي الخلاف الذي دار بين بولس والتلاميذ ولكن قبل الذهاب له اريد ان ابرهن على هذه الجزئية من خلال التحليل النفسي وأعني بكلامي هنا هو انكار حدوث الخلاف لتثبيت شرعية لكلامك يذكر لنا المؤلف Dave Lakhani:

 

يحدث انتقال السلطة كل يوم في عشرات المواقف؛ فأنت ترشّح حلاقك لجارك، فيبدأ هو في التعامل مع هذا الحلاق، وكذلك عندما تريد الذهاب إلى أفضل طبيب في المدينة، فيكون لديك صديق ينصحك بطبيب جيد كذلك عندما تريد الحصول على أفضل وظيفة، يكون لديك أفضل معارف يمكن الرجوع إليهم للسؤال عنك. في كلٌّ من الأمثلة السابقة حدث انتقال فعّال للسلطة، بعضها أكثر صراحةً من الآخر، لكن في كل منها ساعَدَ شخص ما غيره قائلًا بفاعلية: «أنت تستطيع الثقة في هذا الإنسان لأنني أقول لك هذا وأنت تثق بي.»[22]

 

فهذه هي الفكرة من أراد ان ينقل لنفسه شرعية من احد لا يذكر مشاكل بينهم ولكنه سوف يسترسل كثيراً جداً في مدى علاقتهم القوية التي يغلب عليها المحبة والود ولكن على العكس فقد ذكر مشكلة بولس مع التلاميذ الذي من المفترض ان يأخذ منهم الشرعية فيقول لنا الاب هنري هولستاين اليسوعي:

 

حين انفجر النزاع علانية، كانت العلاقات بين كنيسة أورشليم وبولس متوترة، وكانت على أهبة الاحتدام في أي لحظة. في الحقيقة، كان ارتياب مسيحي أورشليم حيال بولس يعود إلى زمن اهتدائه: إذ إن معرفتهم للعداوة التي كان الرابي الشاب شاول يكنها لهم كانت أكبر من أن لا يترددوا في التسليم بصدق اهتدائه [23]

 

وهذا أكبر دليل على ان بولس بالفعل ذهب إلى اتباع يسوع من تلاميذه او اقاربه واحتك به واختلف معهم وذكر الاختلاف معهم هو أكبر دليل على صدق التعامل معهم وبتالي عرف بولس معلومات عن يسوع من المقربين من يسوع شخصياً

 

نترك بولس ونذهب مباشرة إلى المرجع الثاني وهو انجيل مرقس ونطرح السؤال لماذا نثق في هذا الانجيل بعد 30 عام من يسوع قام شخص ذكرت عنه المصادر القديمة انه لم يرى يسوع أصلا ولم يعرفه [24]

 

سوف نعتمد على ما قدمه لنا الناقد الكاثوليكي ريموند بروان كبداية لهذا البحث يذكر في البداية ريموند بروان هذه الشخصية التي اسمها مرقس ويقول عنها الاتي:

 

وبغض النظر عن القيمة التاريخية لتقليد بابياس، دعونا نسأل عن مرقس الذي يتحدث عنه. لم يكن الاسم مرقس نادرًا (على سبيل المثال، مارك أنتوني)، وهذا يساعد على تعقيد إشارات العهد الجديد إلى شخص يحمل هذا الاسم. يقدم سفر الأعمال معلومات عن رجل يدعوه ثلاث مرات “يوحنا ولقبه مرقس” ولكن مرة واحدة فقط (15: 39) ببساطة “مرقس”، والذي يربطه ببطرس [25]

 

ولكن أيضا هذا لا يكفي وليس من الضرورة ان يكون هو مرقس الكاتب او ممكن ان يكون شخصية انتحلت شخصية مرقس ما الدليل على ان الكاتب هو فعلاً رفيق بطرس؟

 

يكمل ريموند بروان ويقول:

يشير بابياس إلى أن مرقس لم يكن شاهد عيان، وأنه اعتمد على الوعظ، وأنه فرض أمره الخاص على ما كتبه – كل ما يمكن أن يطابق الدليل الداخلي للإنجيل عن المبشر. ومع ذلك فإن العلاقة الوثيقة والمباشرة التي طرحها بابياس بين الإنجيلي وبطرس (شاهد عيان) هي علاقة صعبة؛ لأن بعض روايات أقوال وأفعال يسوع في مرقس تبدو ثانوية مقارنة بالروايات الواردة في Q أو الأناجيل الأخرى. مرة أخرى، إذا أراد المرء أن يمنح مصداقية محدودة على الأقل لبابياس، فيمكن للمرء أن يعتبر “بطرس” شخصية نموذجية تم تحديدها مع التقليد الرسولي في القدس ومع الوعظ الذي يجمع بين تعاليم يسوع وأفعاله وعواطفه [26]

 

ويطرح لنا جون درين هذه النقاط الاتية:

وعلى هذا دارت مجادلات، فالبعض اقترح أن المحتوى ما زال من شاهد عيان خصوصا في بعض الأجزاء مثل دعوة بطرس (١٤:١ – (۲۰) شفاء حماة بطرس (۱: ٢٩- ٣٤). بعض التلميحات للتلاميذ، وخاصة بطرس. لم تكن في صالحهم، كما أن التلاميذ يتم تصويرهم عادة في صورة عدم المعرفة وعدم القدرة على فهم ما كان يسوع يحاول أن يعلمهم لذا فليس من السهل أن يرسم مرقس صورة كهذه للتلاميذ إن لم يكن بطرس نفسه مصدر المعلومات. [27]

 

ولكن يحسم DeSilva هذه النقطة ويقول:

ينفرُ العَديدُ مِنَ الدَّارسين بشكل مُبَرَّر من تأكيد تفسير بابياس لأصل إنجيل مرقس بسُرعَةِ، وَلَكِن يَستَحيلُ القَولُ قطعًا أَنَّ عَزْوَهُ مَعْلُوط على أية حال، ما تُخبرنا بهِ الشَّهَادَةُ هُوَ أَنَّ الكنيسة الأولى منَحَت ختم مُوافَقَتِها من دون تَحَفْظِ لهذا النَّص الذي رُغمَ أنَّهُ لم يُكتب كشهادَةِ عِيان إِلَّا أَنَّهُ وفَرَ تَمثيلاً مَوثُوقًا ودقيقًا لتقليد يسوع كما تمت صياغته وتمريره إلينا عبر الوعظ الرَّسُولي. هذا التَّناغُمُ مَعَ الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّة، كما أشار Lane بحَقِّ، هو “السؤال المركزي” في النِّقَاشَاتِ الدَّائِرَة حولَ هُويَّةِ الكاتب [28]

 

ولكن ان اتبعنا منهج الشك الديكارتي فأول شيء سوف نشك به هو هذه الاقتباسات المتضاربة بمعنى هناك العدد من الآراء التي تنفي او تؤكد ان انجيل مرقس منقول عن شاهد عيان وهو بطرس ولكن هناك طريقة وحيدة تحسم حقاُ هذا الجدال الا وهي النصوص المذكورة نفسها فشاهد العيان سوف يذكر احداث ونقاط معينة يستحيل ان يعرفها احد غيره وهذا أيضا ما عول عليه جون درين لذلك علينا البحث في ثنايا نصوص الانجيل حتى نعطي بالأدلة التي كشفها الانجيل بنفسه الرد الحاسم

 

يذكر لنا D. A. Carson بعد دراسة في نص انجيل مرقس الاتي:

هل القليل الذي نعرفه عن يوحنا مرقس من العهد الجديد يمثل أي صعوبة في تحديد هويته ككاتب الإنجيل الثاني؟ يعتقد بعض العلماء ذلك، مشيرين إلى جهل مرقس المزعوم بالعادات اليهودية والأخطاء المتعلقة بالجغرافيا الفلسطينية. لكن أيًا من الصعوبتين لا تصمد أمام التدقيق؛ إن التفسير الدقيق والمتعاطف لمقاطع المشكلة المزعومة لا يكشف عن أي أخطاء في مثل هذه الأمور. في المقابل، هناك سمتان من سمات مرقس ومسيرته كما وردتا في العهد الجديد تناسبان كاتب الإنجيل الثاني. إن الأسلوب اليوناني لإنجيل مرقس بسيط ومليء بالساميات التي يتوقعها المرء من مسيحي نشأ في أورشليم. وقد تساعد علاقة مرقس ببولس في تفسير ما وجده العديد من العلماء أنه تأثير لاهوتي بولسي في الإنجيل الثاني. كلتا الميزتين عامتان جدًا بحيث لا تقدمان أي دليل إيجابي لتحديد الهوية. لكن النقطة المهمة هي أنه لا يوجد شيء في الإنجيل الثاني يقف في طريق قبول التقليد الأقدم الذي يحدد يوحنا مرقس كمؤلف له [29]

 

اذن بعد الذي قدم من خلال دراسة نص انجيل مرقس لا ينفي ان الكاتب نقل من شاهد عيان ولا ينفي ان يكون كاتب الانجيل هو مرقس كما ذكر التقليد القديم عنه

 

إذا نختم هذا الفصل بقول ايرمان عرف بولس عن يسوع خلال عام واحد فقط، أو على الأكثر من خلال عامين من وفاته. يحافظ بولس أيضًا على التقاليد التي تنبع من الفترة المبكرة من حياته المسيحية، مباشرة بعد تحوله حوالي 32-33 م. يدعي بولس أنه زار أقرب تلاميذ يسوع، بطرس، ومع أخيه يعقوب بعد ثلاث سنوات من تحوله، أي حوالي 35-36 م. ولذلك فإن الكثير مما قاله بولس عن يسوع ينبع من نفس الطبقة المبكرة من التقليد التي يمكننا تتبعها، بشكل مستقل تمامًا، في الأناجيل. [30]والاستنتاج النهائي انه بالفعل يحمل بولس ومرقس ايمان الكنيسة من المنبع نفسه من المسيحيين الأوائل أنفسهم اتباع يسوع من تلاميذه وأصدقائه واقاربه الخ..

 

 

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

 

الفصل الثاني حقيقة ايمان اتباع يسوع بالقيامة (دراسة للخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل)

 

بعد ان وصلنا انه نقل لنا ايمان اتباع يسوع هل نستطيع ان نثق في هذا الايمان اصلاً؟ بمعنى ما المانع انه يكون هذا الحدث مختلق؟ شيء تم اختراعه من اتباع يسوع لهدف ما مثلاً؟ لماذا يجب علينا مباشرة ان نفترض انها القيامة؟ وهذه الأسئلة يجب ان تسأل قبل الشروع في البحث عن حقيقة ايمان تلاميذ بالقيامة فنحن لا نعيش معهم الان ولكن نستطيع ان نفهم تفكريهم من خلال دراسة ثقافتهم والبيئة المحيطة بهم فيذكر لنا الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:

 

إذا كان من الصحيح أن سجية النفس وأهواء القلب تختلفان إلى الغاية في مختلف الأقاليم؛ فإن على القوانين أن تكون تابعة لاختلاف هذه الأهواء واختلاف هذه السجايا [31]

 

ويذكر لنا الفيلسوف الألماني فيورباخ:

الشعور بالتبعية عند الإنسان هو مصدر الدين ولكن موضوع هذه التبعية، أي التي يكون ويشعر الإنسان بتبعيته لها هي في الأصل ليست إلا الطبيعة، فالطبيعة هي الموضوع الأصلي الأول للدين، كما يبرهن على ذلك تاريخ كل الديانات والامم بدرجة كافية [32]

 

إذا فتلعب الطبيعة والبيئة المحيطة بالإنسان دور هام في تكوين معتقداته الأخلاقية والدينية ويمكننا نطبق هذا الامر على اتباع يسوع الأوائل ولكن السؤال الهام هنا هل حقاً علم اتباع يسوع بما يسمى القيامة بشكل عام أي هل هناك في عقيدتهم او بيئتهم الذين ولدوا فيها وتأثروا بها هذه الفكرة القيامة والخلود والحياة الأخرى؟

 

ننظر أولا إلى البيئة اليهودية التي كان يعيشها بها هؤلاء البشر ونسأل هل كان هناك اعتقاد أصلا ظهر مع هذا المعتقد يقول بالقيامة والحياة الأخرى؟

 

يذكر لنا الفيلسوف الفرنسي فولتير: فموسى يكرر لمرات عدة:

إن الرب يعاقب الآباء في أبنائهم إلى رابع الله عن أجيالهم». وقد كان هذا التهديد ضرورياً بالنسبة إلى شعب لم يكشف له خلود النفس، ولا عن العذابات والمكافآت في الآخرة. فهذه الحقائق لم يأت لها ذكر في «الوصايا العشر»، ولا في شرائع «سفر اللاويين» أو «سفر التثنية». فتلك عقائد كانت سائدة عند الفرس والبابليين، والمصريين والإغريق، وأهل جزيرة كريت، ولكنها لم تكن تؤلف البتة جزءاً من عقائد الدين اليهودي فموسى لا يقول: «أكرم أباك وأمك، إن أردت أن تصعد إلى السماء»، وإنما «أكرم أباك وأمك كي تعيش طويلاً على الأرض». وهو لا يهدد اليهود إلا بالآلام الجسدية [33]

 

إذا لم يكن في اصل الدين اليهودي نفسه أي شيء له علاقة بالحياة الأخرى او الخلود ولكن على العكس كان الموضوع ارضي فقط بمعنى الثواب والعقاب في الأرض وليس في حياة أخرى او عالم اخر ولذلك نجد ان اليهود كان عندهم خلاف في حقيقة هل هناك حياة أخرى ام لا

 

يذكر لنا دكتور الفلسفة وحاخام كنيس برمنجهام أ. كوهن:

لقد كانت القيامة واحدةً من المواضيع الهامة للخلاف بين الفريسيين والصدوقيين. يقول الصدوقيون إن الروح تنطفئ أثناء موت الجسد، وهذا الموت يعتبرونه نهاية الكائن البشري، فهم لا يعترفون بالعالم الآخر، ويرفضون عقيدة الثواب والجزاء والقصاص التي يمنحها الفريسيون أهمية عالية جداً، يدافعون عنها بحماسة شديدة فقد جعلوا منها موضوع الصلاة الثامنة عشرة التي تُردد كل يوم [34]

 

ويذكر أيضا:

يبدو أن هناك سبباً من أجله كان الصدقيون يرفضون هذه العقيدة، يأتي من أنه وبحسبهم لم يذكر في الكتب الخمسة التي تشكل جزءاً من التورا الشفهية التي كانوا لا يقبلون إلا بسلطتها [35]

 

وحتى ان نظرنا للردود الحاخامية المدافعة عن وجود عقيدة القيامة في التوراة لوجدناه عبارة عن مغالطات ليس أكثر فمثلاً يذكر لنا الكاتب في نفس الكتاب:

باسم الحاخام شمعون بن حزقيال: عندما يتعلق القرار الشرعي العائد لسلطة دينية متوفاة فهو يذكر في هذا العالم شفاه أولئك النائمين أخيراً يذكر لهم هذا النص: ولكي تطول أيامكم على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرضاً تدر لبناً وعسلا تثنية الاشتراع (11،9) ولم يقل «يعطيها لكم» بل «لهم» إذن العقيدة المتعلقة بالقيامة يمكن استنتاجها من التورا يؤكد آخرون أنه يمكن استنتاجها من هذا النص أيضاً [وأما انتم المستعصمين بالرب إلهكم فكلكم أحياء اليوم (تثنية الإشتراع (4،4) وبصريح العبارة: انتم جميعاً أحياء في هذا اليوم، إذن حتى اليوم حيث الشعوب ميتة، ستعيشون، وبما أنكم كلكم أحياء في ذلك اليوم، فإنكم ستعيشون في العالم الآتي. مكتوب [انظروا الآن. إنني أنا هو ولا إله معي أميت وأحيي وأجرح وأشفي وليس من يُنقذ من يدي] (تثنية الاشتراع 32، 39) [36]

 

وحين نحلل هذا الرد لا يعطينا بالضرورة أي تأكيد على ثبوت عقيدة القيامة في التوراة على العكس من ذلك نجد ان الرد هو مغالطة قياس باطل بمعنى هو هنا اتى بنصوص لا تتحدث عن القيامة بشكل واضح وصريخ ويمكن تفسيرها بصور أخرى ولكن قاسها على القيامة واستنتج في النهاية انها تتحدث عن القيامة والان لننظر إلى النصوص ونرى هل هي فعلاً لها علاقة بالقيامة ام لا ولكن في البداية قبل التفسير يجب علينا معرفة كيف نفسر النصوص الكتابية

 

يذكر لنا W. Randolph Tate :

وحتى إذا كان الله هو مؤلف القصص والشعر المقدس، لكنه استخدم الشطر والنثر الخاصين بالثقافتين العبرية والهلنستية. لذلك، حتى إذا كان الكتاب المقدس جزء من الإعلان الإلهي والانكشاف الذاتي له للبشرية، لكنه إعلان معبّر عنه بلغة بشرية. من ناحية وظف كتاب النصوص الكتابية محدودية الحديث المكتوب ليقولوا شيئًا عن الله غير المحدود [37]

 

إذا يجب علينا ان نعود لنفس الثقافة التي كان يكتب فيها الكاتب حتى نعلم ماذا يريد ان يقول لنا لنرجع لسياق النص ونفهم الحدث كاملاً

 

فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِكَيْ تَتَشَدَّدُوا وَتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا،” (تث 11: 8) “وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا.” (تث 11: 9). “لأَنَّ الأَرْضَ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا لَيْسَتْ مِثْلَ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا، حَيْثُ كُنْتَ تَزْرَعُ زَرْعَكَ وَتَسْقِيهِ بِرِجْلِكَ كَبُسْتَانِ بُقُول.” (تث 11: 10) “بَلْ الأَرْضُ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكُوهَا، هِيَ أَرْضُ جِبَال وَبِقَاعٍ. مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ تَشْرَبُ مَاءً.” (تث 11: 11)

 

فمن خلال قرأه السياق نجده لا يتحدث عن عالم اخر ولكنه يتحدث عن مكان هنا على الأرض فيقول في البداية يجيب ان تحفظ الوصايا (فَاحْفَظُوا كُلَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا) حتى يعيشوا مدة أطول على الأرض التي سوف يأخذنها هنا على هذا الكوكب وليس في عالم اخر (وَلِكَيْ تُطِيلُوا الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ، أَرْضٌ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا) وهم بالفعل كانوا على وشك الدخول لها (أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا) فمن خلال دراسة سياق النص نجده لا يتحدث ابداً عن ارض خارج هذا العالم على العكس هي ارض هم بالفعل ذاهبون لها وسوف يدخلونها

 

يذكر جون جيل اقتباساً من ترجوم يوناثان:

ولكي تطيلوا الأيام في الأرض…. لا تدخلوها وتمتلكوها فقط، بل أطيلوا فيها، وذلك حسب طاعتهم لشرائع الله التي أقسم الرب لآبائكم. ليعطيهم ونسلهم. لقد وعدوا بقسم، ليتأكدوا من التمتع بها، مع أنهم لا يستطيعون الاستمرار فيها ما لم يطيعوا الأوامر الإلهية: أرض تفيض لبنا وعسلا؛ تزخر بكل الخيرات، وثمرها سمينة كاللبن وحلوة كالعسل [38]

 

وحين نكمل في باقي الاصحاح ناجد انه بالفعل لا يتحدث عن عالم اخر ولكن عن هذه الأرض فيقول الكاتب:

 

“أَرْضٌ يَعْتَنِي بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ. عَيْنَا الرَّبِّ إِلهِكَ عَلَيْهَا دَائِمًا مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ إِلَى آخِرِهَا.” (تث 11: 12). “«فَإذا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَايَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَتَعْبُدُوهُ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ،” (تث 11: 13) أُعْطِي مَطَرَ أَرْضِكُمْ فِي حِينِهِ: الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ. فَتَجْمَعُ حِنْطَتَكَ وَخَمْرَكَ وَزَيْتَكَ.” (تث 11: 14) “وَأُعْطِي لِبَهَائِمِكَ عُشْبًا فِي حَقْلِكَ فَتَأْكُلُ أَنْتَ وَتَشْبَعُ.” (تث 11: 15)

 

فمن الواضح جداً ان النص يتحدث رضا الاله لكي يعيطهم امطار وخير وغيرها من الأمور في الأرض التي هنا على الكوكب وليس له أي علاقة بأي ارض في عالم اخر وهذا ما نجده حتى في الحضارات القديمة

 

تحتاج الآلهة في الفكر السومري إلى جميع ما یحتاج إليه البشر من طعام وشراب؛ فنرى الإنسان یُقدِّم لها القرابين المختلفة من أغنامٍ وأبقارٍ لكسب الرضا، من هنا نجد العلاقة الوثيقة بین الإنسان والآلهة والتي تجسَّدَت بشكلٍ واضح من خلال الميثولوجيا السومرية والأكدیة والمخلفات الفنية عن طريق الخصائص المماثلة للإنسان [39]

 

فطبيعة الالهة في الشرق القديم كنت قد تكلمت فيها مسبقاً في بحث (ملخص عن طبيعة الله في الشرق الأدنى القديم) فنجد ان يهوه هنا مثله مثل أي اله اخر في الشرق القديم في وصفه وطبيعته وحتى الأرض نفسها هي ارض على هذا الكوكب وليست ارض في عالم اخر ونستطيع اتباع هذا المنوال لنقد استدلال الحاخام بالتوراة لأثبات انه بها أي تلميح لوجود حياة أخرى

 

ويذكر لنا أيضا أ. كوهن:

إلى جانب الصدوقيين هناك مذهب السامريين الذي يرفض نفس العقيدة. هؤلاء يحاربهم النص التالي: كان الحاخام أليعازر بن جوزي يقول: هي ذي الكيفية التي أثبت بها بطلان كتاب السامريين. التي تؤكد أن التورا تتكلم عن القيامة. كنت أقول لهم: لقد زوّرتم تصحيحكم للتورا، غير أن هذا لم يسد إليكم أي خدمة تدعم نفيكم للقول على أنها غير موجودة في التورا [40]

 

فبين كل هذه الخلافات التي كانت بين الصدوقيين والفرسيين والسامريين حول وجود هذه العقيدة في التوراة بين الجانب الرافض لوجودها مثل الصدوقيين والسامريين او القائلين بها من الفريسيين ولكن ما مدى تأثير هذا على المجتمع اليهودي الأول

 

وحتى كان مفهوم الدينونة الأخيرة حسب ما ورد في مكتبة قمران ليس دينونة نهاية العالم ولكن دينونة تطهير العالم من الشر فيذكر لنا هارتموت شتيغيمان:

بعد ذلك، وفق الأسانيون بين العدد ۳۹۰ في حزقيال ٤ ٥، والأسابيع السنوية السبعين، أي ٤٩٠ سنة، في دانيال ٩، وحدّدوا الموعد النهائي للدينونة الأخيرة المستقبلية في السنة ۷۰ ق.م. بفضل الأنبياء عرفوا أخيرا، لماذا لم يبدأ الله الدينونة الأخيرة العام ۱۷۰ ق.م. ولم يمح كل ما هو شرير من هذا العالم [41]

 

بجانب الثقافة اليهودية كانت هناك الثقافات الأخرى المحيطة باليهود منها الثقافة الهلنستية التي سيطرة على هذه المنقطة وعلى تفكير هذا الشعب الذي ولد بها فيذكر لنا مايكل باركر:

وبعد أن اجتاح الإسكندر الأكبر العالم القديم، أصبحت إسرائيل تحت حكم المحتلين اليونانيين في مصر. (البطالمة). ثم أصبحت تحت حكم المحتلين اليونانيين في سوريا (السلوقيين). وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير (١٦٨-١٤٢ ق. م). وقد استولوا على أورشليم وطهروا الهيكل في عام ١٦٤ ق.م، ويحيي اليهود ذكرى هذا اليوم في العيد المقدس المعروف باسم الحانوكا (عيد التجديد) [42]

 

وهنا نقف قليلاً عند هذه الجزئية (وعندما حاول السوريون فرض الأفكار الدينية الوثنية على إسرائيل، رَدَّ الشعب بعصيان المكابيين الشهير) يذكر لنا فراس السواح الاتي:

 

كان التيار الإصلاحي بقيادة النخبة المتعلمة في أورشليم، راغباً في تحويل النظام السياسي الديني المتخلف إلى نظام حديث يتفق وروح العصر. ورغم أن الدوافع وراء هذا التوجه كانت اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى، إلا أن بعض الإصلاحيين كان يتوق إلى أبعد من ذلك، وكانت النوايا تتجه إلى إصلاح الدين اليهودي والمزاوجة بين اليهودية واليهلينية فلقد رأوا أن التوحيد اليهودي ينطوي على أفكار شمولية عالمية، ولكن التفسير الحرفي الأصولي قد كبتها من خلال فهمه الضيق لفكرة الإله الواحد الذي يختص بشعب واحد من دون بقية الشعوب. كما رأوا أن هذه الأفكار الشمولية المكبوتة تتفق مع فكرة الثقافة العالمية الواحدة التي آمن بها الاسكندر وعمل على تطبيقها. [43]

 

ويذكر أيضا: لم تصلنا أفكار هؤلاء الإصلاحيين عبر نصوص مباشرة بل عبر كتابات نقادهم اللاحقين الذين اتهموهم بالهرطقة ومحاولة تقويض أصول الدين [44]

 

ويقول أيضا بخصوص عصيان المكابيين:

بعد عامين من حرب العصابات ضد السلوقيين ومناصريهم في الداخل، استطاع الأخوة الخمسة بقيادة يهوذا الملقب بالمكابي طرد الحامية السلوقية خارج منطقة أورشليم عام ١٦٤ ق.م، وطهروا المعبد من كل رموز الإصلاح الديني [45]

 

إذا فنستطيع ان نلقي نظرة ان التأثر بالثقافة الهيلينية لم يكن بين عامة ً الشعب ولكن كان بين الفئة المثقفة فقط وحتى هذه الفئة تمت محاربتها وتطهيرها وتطهير الإصلاح الدين الذي اعتمد على الثقافة الهيلينية ورجع الحاخامات يعلمون بما توارثه مسبقاً ونجد C. D. ELLEDGE بروفسور الدين يقول:

 

أولئك الذين أنكروا الحياة الآخرة كان لديهم تركيبتهم الهائلة من التقاليد السابقة، والتي ظلت حية إلى حد كبير في العصور الهلنستية الرومانية [46]

 

لذلك لا يمكنا القول بالتأكيد ان الشعب اليهود قد كان متأثراً بالقيامة او الحياة الأخرى لأنه مثل أي شعب متدين يتبع الكهنة ورجال الدين التي كانت عندهم تقاليدهم التي تنفي وجود حياة وتحارب التأثير اليوناني عليهم ولكن كان لدى هذا الشعب امل واحد مهم هو المسيا المنتظر وهذا الامل كان يسيطر عليهم بكل ما تعنيه الكلمة لذلك يجب ان نعود 2000 سنة إلى الخلف لنعرف كيف فكر هؤلاء الناس في طبيعة المسيا وهل المسيا في مفهومهم قائم من الأموات ام لا

 

يذكر لنا Trevan G. Hatch هو متخصص في الأنثروبولوجيا والكتاب المقدس والشرق الأدنى القديم والشرق الأوسط والدراسات الدينية: وفي القرن الثاني قبل الميلاد، بدأت التوقعات بشأن الملك المنقذ تتوسع. وتشمل الأسباب الرئيسية ما يلي. أولاً، اشتد القمع من جانب السادة اليونانيين، وبلغ ذروته بتدنيس المعبد (164 قبل الميلاد).

ثانيًا، عندما انتزع مقاتلو حرب العصابات اليهود يهودا والهيكل بعيدًا عن اليونانيين، سيطرت الأسرة الحشمونائية اليهودية (142-63 قبل الميلاد) على العرش؛ لكن المشكلة بالنسبة للعديد من اليهود هي أن الحشمونيين لم يكونوا من نسل داود. وبالتالي، فإن الملك الداودي المنتظر لن يأتي من سلالة الحشمونائيم. ثالثًا، تم اغتصاب الكهنوت الأعظم وإفساده من قبل الأرستقراطيين الأثرياء من غير آرون (أي أولئك الذين لم ينحدروا من هارون). شهد الشعب اليهودي هجمات على دينهم وعبادة معبدهم من جميع الجهات، بما في ذلك من الغرب [47]

 

ويذكر أيضا:

تدهورت معنويات الأمة اليهودية الشابة المستقلة، وازدادت التوقعات المسيانية عندما اجتاح الرومان، بمساعدة بعض اليهود، وأطاحوا بسلالة الحشمونائيم في عام 63 قبل الميلاد. قامت روما في نهاية المطاف بتعيين حاكم غير شرعي (أي نصف يهودي) في المنطقة. هيرودس، بموافقة روما، حكم بقبضة من حديد. وفقًا ليوسيفوس، أعدم هيرودس العديد من الأشخاص الذين اشتبه في معارضتهم له. وكان من بينهم صهره (رئيس الكهنة)، وحماته، وزوجته الثانية، وثلاثة من أبنائه، وثلاثمائة من القادة العسكريين. ولم يهرب الفساد والعنف من الشعب، حتى بعد هيرودس. مات. وفي مناسبات عديدة، احتجت الحشود على الظلم الذي تعرضت له.

جلب بيلاطس البطني، الحاكم الروماني للمنطقة (حوالي 26-36 م)، إلى القدس (وربما إلى مجمع المعبد) “تماثيل قيصر” بموافقة الطبقة الكهنوتية. وعندما اكتشفت الجماهير التماثيل النصفية، طالب “جموع” بيلاطس بإزالتها. وفي مناسبة أخرى، سمح الكهنة لبيلاطس باستخدام الأموال من خزانة الهيكل لدفع ثمن قناة مائية إلى أورشليم. وعندما اندلعت الاحتجاجات، أرسل بيلاطس جنودًا لتفريق الحشود بالتهديد بقتلهم. وفي مواجهة هذا القمع والفساد، انتشرت حماسة مسيانية أكثر حدة. في هذين القرنين قبل خدمة يسوع، اختبر اليهود توقعًا واسع النطاق لظهور المسيح، الذي سيكون ملكًا من نسل داود ليحرر إسرائيل من خلال التخلص من نير العبودية الإمبراطورية. بحلول الوقت الذي بدأ فيه يسوع خدمته، وفي العقود التي تلت انتهاء خدمته، كانت التوقعات المسيحانية عالية [48]

 

إذا فالمسيا لم يكن سوى ملك محارب في هذه الفترة بمعنى ان الشعب اليهودي كان ينظر إلى المسيا في هذه الفترة إلى انه ملك محارب فموضوع قيامة المسيا من الأموات او انه سوف يموت لم يسيطر على عقول الشعب اليهودي لذلك يظهر لنا الانجيل ان التلاميذ لم يكونوا يفهموا اقوال يسوع بخصوص موته وقيامته لان هذا الشئ كان بعيد عن تفكيرهم في المسيا المنتظر لذلك لا يمكننا القول باختراع اتباع يسوع الأوائل قصة القيامة

 

 

 

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

 

 

الفصل الثالث: المسيح والالهة الأخرى

 

كما وضحنا في الفصل السابق انه من غير الممكن اختلاق قصة القيامة لأنها كانت بعيدة كل البعد عن الخلفية التاريخية للمسيحيين الأوائل ولكن ما المانع من سرقتها من الأديان الأخرى مثلا؟ بمعنى انظر معي لهذا القول من الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز:

 

فبما أن كل الأديان القائمة مؤسسة أوّلاً على إيمان مجموعة بشخص واحد لا يعتقدون أنه إنسان حكيم فحسب، وأنه يعمل لتأمين سعادتهم، بل كذلك أنه إنسان مقدّس عهد الله إليه إعلان مشيئته بصورة فائقة للطبيعة [49]

 

وبالنظرة إلى حياة يسوع التاريخي الذي كان يشفق على الفقراء ويريد تحرير اليهود من خطاياهم حتى لا تأتيهم الدينونة كما ذكر الاب البرت نولان الدومينيكاني:

 

ربّما يسوع قد بدأ بالسير على نهج يوحنا المعمدان بتعميد الشعب في نهر الأردن (يو: ٢٢ – ٢٦. إذا كان الأمر كذلك، فإنّه سرعان ما تخلّى عن تلك الممارسة (يو ١:٤ – فلا دليل أيا كان يشير إلى أنه بعد أن غادر الأردن والبرية، قام بتعميد أي شخص، أو أرسل أي شخص لكي يعمده يوحنّا، أو أي أحد آخر. نظر إليه كثيرون اعتباره خليفة يوحنا المعمدان، ولكن سواء أكان خليفته أم لم يكن، فإنّ يسوع لم يعمد حدا. فعوضا عن ذلك خرج ليطلب، ويساعد ويخدم خراف إسرائيل الضالة.

هنا نحن أمام قرار ثانٍ وإشارة ثانية لا يمكن الجدال بشأنها تشير إلى فكر يسوع نواياه. فهو لم يشعر أنه دعي الخلاص إسرائيل بأن يأتي بكل واحد منهم إلى معمودية لتوبة في نهر الأردن بل رأى أنّ هناك شيئًا آخر لا بد منه، شيئًا له علاقة بالفقراء، الخطأة والمرضى؛ خراف بيت إسرائيل الضالة. إن الشعب الذي أولاه يسوع اهتمامه أشير إليه في الأناجيل بتعبيرات متنوعة: لفقراء، العمي، العرج، البرّص الجوعى، البؤساء، الخطأة، الزناة، العشارين، والذين بهم مس شيطاني، المضطهدين المظلومين، المسبيين، ثقيلي الأحمال، الغوغاء الذين لا يعرفون شيئًا عن القانون، الصغار، خراف بيت إسرائيل الضالة [50]

 

فلا مانع بعد ذلك ان تلاميذه أرادوا ان يكملوا مسيرته فاخترعوا قصة القيامة هذه وكان معهم بولس الذي في الأصل كان فريسي (أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ (سفر أعمال الرسل 23: 6) وذكرنا مسبقاً ان الفريسيين كانوا يؤمنون بقيامة الأموات وموضوع قيامة المسيح كان قد ساعد بولس في نشر تعاليمه عن قيامة الأموات (لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ ٱلرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ ٱللهُ أَيْضًا مَعَهُ (تَسَالُونِيكِي ٱلأُولَى ٤:‏١٤) فأخذوا قصة قيامة الاله يسوع من الأديان الأخرى وهذا تفسير واضح وعقلي عن الحدث

 

ولكن عزيزي هذه الفكرة بعيدة كل البعد لأنه اولاً ليس لدينا دليل على صحتها بل هي تفسير فقط للحدث وهناك على الجانب الاخر دليل ضدها وهي الحالة النفسية لاتباع يسوع الأوائل وهو الخوف من مواجهة نفس مصير يسوع فلا يمكن لهم ان يخترعونها من الأساس بمعنى لم يكن تلاميذ يسوع فعلاً قادرين على اختراع هكذا قصة خوفاً من الموت وكذلك بولس لم يكن ليدمج هذا بذاك لأنه في الأصل كان مضطهد لاتباع يسوع من البداية (“وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ.” (أع 7: 58). “فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي».” (أع 7: 59).

“وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ (أع 8: 1) فإذا أراد بولس ان يخترع هذه القصة لكان معهم منذ البداية ولم يكن بحاجة للهجوم عليهم بل كان منذ ان قالوا بالقيامة لكان ذهب معهم فيعترف بولس بنفسه انه كان يضطهد الكنيسة (“فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلًا فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا.” (غل 1: 13) ومن ثم تحول إلى شخص اخر مباشرة بالإيمان ومؤمن بالقيامة ولم يكن بولس بحاجة لشخص مصلوب مثل يسوع حتى يقوم بتأكيد تعاليمه ويذكر إيرمان الاتي:

 

إنها حقيقة تاريخية أن بعض أتباع يسوع اعتقدوا أنه قام من بين الأموات بعد وقت قصير من إعدامه. نحن نعرف بعض هؤلاء المؤمنين بالاسم؛ أحدهم، الرسول بولس، يدعي بوضوح تام أنه رأى يسوع حياً بعد موته [51] فهذا إذا دليل على ان بولس لم يلفق شيء

 

والنقطة الأهم في كل هذا عزيزي القارئ هو انه لا يوجد شيء اسمه الهة قائمة من الأموات وهذا هو موضوع البحث في هذا الفصل هل حقاً هناك ما يسمى الهة قائمة من الأموات؟

 

في الحقيقة يا عزيزي القارئ لا يمكن لتلاميذ يسوع ان يسرقوا هذه الفكرة من الحضارات الاخرى لانها لم تكن موجودة أصلا لان الله في الحضارات القديمة لم تكن تموت فيذكر لنا جاك شورون:

 

هوميروس يجعل ظل أخيل يعبر عن وجهة النظر السائدة: «أناشدك، يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت، فلن تعيش على الأرض عبدا لأخر… خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية» أن الموت هو الشر الأعظم، تقول سافو.. sapho: « أن الآلهة تعده كذلك وإلا لكانت قد ماتت» [52]

 

فالإنسان خلق الله على صورة الانسان ومثاله بمعنى ان الانسان اعطى لله صفات الكمال التي كانت يريدها وهناك نقطة هامة يذكرها فيورباخ:

 

في كتب زندافستا يعبر عن الشمس والقمر بوضوح على أنهما خالدين بسبب استمرارهم وقال Inca البيروني [من بيرو] الى راهب من الدومنيكان: «إنك تعبد الها مات على الصليب ولكني أعبد الشمس التي أبداً لا تموت» [53]

 

وهنا يجب ان نتوقف لنتسأل إذا كان موت الاله شيء طبيعي في الوثنية لما كان حدث هذا النقد على إله المسيحية بمعنى ان كنت انا أؤمن بشيء واعرف شخصاً يوم بنفس الشيء فكيف اذهب له وأقول هذا وهذاك ولكن على العكس هنا هو يقول له انظر انت تعبد كذا الذي مات وانا اعبد كذا الذي هو لا يموت وهذه نقطة هامة لا يجب ان تمر هكذا مرور الكرام! واحد اهم الاكتشافات الاثرية التي تؤكد حقيقة حدوث السخرية هو نقش Alexamenos graffito

عادةً ما يُنظر إلى النقش على أنه تصوير ساخر للمسيحي أثناء العبادة. في ذلك الوقت، كان الوثنيون يسخرون من المسيحيين لأنهم يعبدون رجلاً مصلوباً [54]

 

ولكن أيضا يا عزيزي نجد ان يوستينوس المدافع المسيحي من القرن الثاني يعترف بالأمر ويقول:

 

وعندما نقول إن المسيح شفى العرج والمشلولين والعميان منذ ولادتهم وأقام الموتى، ألا تنسبون مثل هذه الأعمال إلى أسكلبيوس؟ [55]

 

ومن هنا نستطيع ان نقول ان القصة انتهت بالفعل اعتراف واضح من احد مدافعين الكنيسة في القرن الثاني قال بوضوح هناك تشابه بين يسوع واله الطب عند اليونانيين أسقليبيوس إذا نحن قفلنا هذا الملف بهذا الاعتراف الصريح، ولكن عزيزي هذه سطحية ليس اكثر فمن الحضارات القديمة وفي العهد القديم نجد ان الاله تقوم بالمعجزات هذه ليس المشكلة هنا ولكن النقطة الأهم هي إقامة الموتى فالحقيقة يقول يوستينوس في الاقتباس (وأقام الموتى) هذه الجملة لا يمكن الاخذ بها قبل القول المسيحي بالقيامة لأنه بكل بساطة في الفلسفة او الميثولوجيا اليونانية ليس هناك ما يسمى بقيامة الأموات مرة أخرى وهذا نجده في الالياذة [56] الكتاب المقدس عند اليونانيين

 

ان هذه التحفة هي جنازة باتروكلوس من القرن الرابع قبل الميلاد وتذكر الالياذة الاتي:

ادفِنِّي بأسرعِ ما يمكن حتى يَتسنَّى لي عبور بوابات هاديس؛ فالأرواح psychai، أشباح الرجال الموتى الذين عبَروا، تدفعني وتُبقيني بعيدًا ولن تسمح لي بأن أنضم إليها فيما وراء النهر، ولكني أَهِيم بلا هدفٍ عبْر بيت هاديس ذي البوابات الهائلة [57]

 

ويذكر لنا واحد من اعظم العلماء الكلاسيكيين Erwin. Rohde:

إن طبيعة هذا الثنائي الغامض للبشرية، التي تنفصل عن الإنسان عند الموت وترحل بعد ذلك، يمكن أن تتحقق على أفضل وجه إذا أوضحنا لأنفسنا أولاً ما هي الصفات التي لا تمتلكها. إن نفسية المعتقد الهوميري، كما كان من المفترض، لا تمثل ما اعتدنا أن نطلق عليه «الروح» في مقابل «الجسد». إن كل قوى “الروح” الإنسانية بالمعنى الأوسع – والتي يمتلك الشاعر مفردات كبيرة ومتنوعة بشأنها – هي في الواقع نشطة وممكنة فقط طالما أن الإنسان لا يزال على قيد الحياة: عندما يأتي الموت، لا تعود الشخصية الكاملة مكتملة. في وجود. الجسد، أي الجثة، يصبح الآن مجرد “أرض لا معنى لها” ويتساقط إلى أشلاء، بينما تبقى النفس دون أن تمس [58]

 

ويذكر ايضاً جاك شورون:

ينظر إلى النفس على أنها ذات أصل سماوي وأنها تقطن الجسم كما لو كانت سجينة، وبوسعها الهرب عند الموت واستعادة ألوهيتها. وكما يشير کورنفورد، فليس ثمة هوة هنا بين الإلهي والإنساني على نحو ما نجد في اللاهوت الهومري والخلود بهذا المعنى يتميز على نحـو حـاد عـن الدوام المحض» [59]

 

وعن الجانب الفلسفي كانت الفلسفة الرواقية هي المنتشرة في هذه الفترة حتى ان بولس كما هو مشهور عنه تعلم منهم الفلسفة فتبالي يجب ان ينظر إلى الفلسفة الرواقية كيف كانت ترى قيامة الموتى او الخلود في عالم اخر وكان من الفلاسفة المشهورين في هذا العصر واعني بكلامي عصر التلاميذ هو الفيلسوف الرواقي سينيكا فيقول عنه الفيلسوف المصري عثمان امين:

 

فلسنا ندرى مثلا إذا كان سنكا يرى أن الله شخص مستقل عن الكون – كما هو الحال عند أرسطو – أم أن الله والكون أمر واحد، كما رأى أهل الرواق الأولون. ولسنا نعرف على التحقيق إذا كان العالم عنده يحكمه «القدَر» المحتوم أو تسهر عليه عناية مديرة، ولا إذا كانت الروح – كما يرى أفلاطون – من فيض الله وإلى الله تعود، أم هي كما يقول الرواقيون تفنى بفناء الجسد والحقيقة أن سنكا لا يرى لهذه الأمور أهمية عظيمة. ذلك أنه كغيره من فلاسفة الرواق فى رومه لا يتمثل العلم الحقيقي إلا ما كان متجها إلى الأخلاق من أجل هذا نراه يعد الميتافيزيقا منفصلة عن الأخلاق جدلا باطلا، ومضيعة للعمر فيما لا يستحق أن يلتفت إليه [60]

إذا لا يمكننا القول انه قبل انتشار المسيحية وانتشار معها قيامة المسيح ان هناك مفهوم عن القيامة الجسدية كما هو موضح في ترنيمة فيلبي [61] كان هناك نفس المفهوم في الثقافات القديمة بخصوص موضوع الالهة التي كانت تموت وتقوم في الاساطير القديمة

 

فيقول عالم الاشوريات Gerfrid G. W. Müller: أن العصور القديمة غير المسيحية لم تعرف أبدًا شيئًا مشابهًا للفصح المسيحي [62]

 

ومن هنا نأتي لدراسة قدمها المؤرخ السويدي Tryggve N.D. Mettinger في كتابه لغز القيامة “الآلهة المحتضرة والقائمه” في الشرق الأدنى القديم فيقول:

 

كبار العلماء في مجالات مقارنة الأديان والكتاب المقدس يجدون أن فكرة موت الآلهة وقيامتها مشبوهة أو لا يمكن الدفاع عنها [63]

 

ولكنه يقول أيضا بخصوص موت أدونيس:

يبدو من الصعب القول بأن موضوع موت أدونيس وقيامته كان نتيجة لمصادرة فكرة مسيحية. فقط إذا كان التاريخ ما قبل المسيحي لفكرة قيامة أدونيس غير محتمل بشكل مباشر، سيكون من الممكن الجدال لصالح مثل هذا التفسير. لكن هذا ليس هو الحال بالتأكيد [64]

 

حسناً إذا؟ ما الصواب هنا فهناك تناقضات في هذه القصص التي لها علاقة بموت الالهة وقيامتها في الحضارات القديمة فمن يقول انه لم يحدث ذلك ومن يقول انها حدثت نحن نريد دليل قاطع على هذا الفعل حتى ننهي هذه القصة، يقدم المؤرخ نفس التساؤل ويقول:

 

والسؤال المطروح أمامنا، حول ما إذا كان هناك في الشرق الأدنى القديم فكرة ثابتة عن الثلاثية، يجب أن يكون في النهاية ومن الحكمة أن نعترف باحتمالية حدوث ذلك، ولكن هذا لا يزال بعيدًا عن كونه حقيقة [65]

 

يقصد هنا بالثلاثية هو الموت والقيامة بعد ثلاث أيام كما في قصة المسيح ولكنه يقول ان هذا الموضوع لا يزال بعيداً عن كونه حقيقة بل هو احتمالية أي ليس الموضوع مؤكد وهذا بالطبع نتج عن دراسة للمصادر المتضاربة في القصص واختلاف الاقوال فنحن اذن لا يمكننا القول بصريح العبارة على تأكيد موت وقيامة الالهة في الحضارات القديمة وهذا الشيء قدم فيه المؤرخ وعالم العهد الجديد N. T. Wright دراسة في كتابه (قيامة ابن الله)

 

فيقول:

كان الطريق إلى العالم السفلي يسير في اتجاه واحد فقط. في جميع أنحاء العالم القديم، بدءًا من “الكتاب المقدس” لهوميروس وأفلاطون [66]

 

ويقول أيضا:

كان الشعور بالموت بمثابة خسارة فادحة لكل من المحتضر والثكلى، وكان من النادر حقًا أن يتغلب هؤلاء (سقراط، وربما سينيكا) على مثل هذه المشاعر. ما هو الحل؟ إذا تم النظر إلى التجسيد أو إعادة التجسيد على أنه مشكلة، فإن الحل النهائي سيكون الهروب منها تمامًا. ولكن إذا كان الموت، أي انفصال الروح عن الجسد، هو المشكلة – كما كان الحال من قبل الغالبية العظمى من الناس، كما تشهد بذلك نقوش المقابر والطقوس الجنائزية في جميع أنحاء العالم القديم – فلا يوجد حل.

كان الموت قويا. لا يمكن للمرء الهروب منه في المقام الأول ولا كسر قوته بمجرد مجيئه. وهكذا انقسم العالم القديم إلى أولئك الذين قالوا إن القيامة لا يمكن أن تحدث، على الرغم من أنهم ربما أرادوا ذلك، وأولئك الذين قالوا إنهم لا يريدون أن يحدث ذلك، مع العلم أنه لا يمكن أن يحدث على أي حال [67]

 

ولكن نحن لدينا أقدم شهادة بعيداً عن كل هذه التناقضات في قصص موت الالهة وهي قصة ايزيس واوزوريس هي قصة قبل المسيحية بقرون عديدة وهي مذكورة في نصوص الأهرام هذه النقوش القديمة وثقت الحدث فلا داعي إذا للخلاف والجدال بشأن القصة يبدوا ان المسيحيين اقتبسوا قيامة المسيح منها! ولكن يا عزيزي القصة لا تتحدث ابدا عن اله مات وقام وهذا ما تذكره لنا الموسوعة البريطانية

 

منذ حوالي عام 2000 قبل الميلاد فصاعدًا، كان يُعتقد أن كل رجل، وليس فقط الملوك المتوفين، أصبح مرتبطًا بأوزوريس عند وفاته. ومع ذلك، فإن هذا التماهي مع أوزوريس لا يعني القيامة، فحتى أوزوريس لم يقم من بين الأموات [68]

 

على العموم نحن ليس لدينا دليل قاطع يؤكد حقيقة قيامة الالهة من الموت كما حدث في قصة يسوع حتى لو كان هناك قيل هنا وهناك فهذا ليس دليلاً قاطعاً على العكس من ذلك نجد ان الموت كان شراً والالهة لا تموت وحتى الحياة الأخرى كانت ليست حياة جسدية بل روحية لان المادة كانت تعد شراً وحتى ان قلنا بوجود هذه الأفكار هذا لا يعني بالضرورة انها سرقت لتوضع على يسوع فكما قلنا في الفصل السابق عن طبيعة الحياة الثقافة والاجتماعية التي عاش فيها تلاميذ يسوع هي بعيدة كل البعد عن اختلاق قصة موت وقيامة المسيا المنتظر وفي النهاية اريد ان اختم هذا الفصل بقول الفيلسوف الألماني فيورباخ:

 

وهكذا فقد أزالت المسيحية «الروحانية» الصبغة الروحية عما كان روحانياً بالنسبة للمسيحيين فإن خلود العقل، النفس، كان تجريدياً وسلبياً إلى درجة كبيرة؛ فلم يكن لهم في قلوبهم غير الخلود الشخصي، وهو بحد ذاته كان سيرضي مشاعرهم، وضمان هذا يكمن في قيامة جسدية فحسب. قيامة الجسد هي أكبر انتصار للمسيحية على روحانية وموضوعية القدامى الساميتين، لكنهما حتماً تجريديتان. لهذا السبب لم يكن ممكناً قط استيعاب فكرة القيامة من قبل العقل الوثني [69]

 

 

الفصل الرابع: هلاوس تلاميذ يسوع والقيامة الروحية

 

حسناً لم يخترع تلاميذ يسوع قيامته ولكنهم قالوا بشيء هم رأه بأنفسهم وهو يسوع نفسه فقول بولس (“وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.” (1 كو 15: 5). “وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.” (1 كو 15: 6).

حقاً قد راه ولكنها كانت مجرد هلاوس وهذا له تفسير علمي وهي Grief hallucinations او هلاوس الحزن ويظن المصاب بها انه يرى الميت كانه مازال معه [70] فهي حدثت لاتباع يسوع وظنوا انه قام ولكن القيامة هنا ليست جسدية بل روحية لانهم تأثروا بمفهوم القيامة الروحية التي كانت عند الفريسيين والحضارات الأخرى وظنوا انه تمجد كاله في السماء (“لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ” (في 2: 9) وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ: أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ” (عب 8: 1) وبهذا لم يكذب تلاميذه ولم يختلقوا شيء بل ما حدث ان القصة تطورت فيما بعد كما حدث مع غيرها من القصص في العالم القديم بمعنى

 

يسوع صلب مات شاهد تلاميذه مجموعة من الهلاوس ظنوا انه قام بمفهوم القيامة الروحية بشروا به تطورت الفكرة إلى ان وصلت للقيامة الجسدية

 

وهكذا أصبح لدينا تفسير عقلاني عن الحدث وقريب من ثقافة التلاميذ ونستطيع ان نستدل عليه علمياُ ويفسر سبب ايمان التلاميذ الشديد والتضحية بأنفسهم من اجل يسوع ومن هنا نستطيع القول انتهت القصة، ولكن لا لم نقل انتهت القصة لأننا كما ذكرنا في الفصل الأول ان بولس ومرقس نقلوا ايمان التلاميذ وعائلته مباشرة منهم وفي هذه الكتابات لم تكن قيامة المسيح روحية ابدا

 

وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ.” (مر 16: 1)”وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.” (مر 16: 2) وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: «مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟»” (مر 16: 3)”فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا.” (مر 16: 4)”وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ.” (مر 16: 5) فَقَالَ لَهُنَّ: «لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ.” (مر 16: 6) لكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ: إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ».” (مر 16: 7)

 

وهذه نقطة تاريخية وهي نقطة قبر المسيح الفارغ هل كان فعلاً قبر المسيح فارغاُ كما ذكر في انجيل مرقس ام لا؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا ان نطرح سؤال اخر وهو هل دفن المسيح أصلا؟

 

في البداية حسب نصوص الكتاب المقدس اليهودي (العهد القديم) انه يجب ان يتم دفن المتوفي

(تث 21: 23 23) فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا. “وَكَانَتْ حَيَاةُ سَارَةَ مِئَةً وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِنِي حَيَاةِ سَارَةَ. وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا. وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلًا: «أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي».” (تك 23: 1-4)

 

والنقطة الثانية يذكرها لنا عالم الكتاب المقدس Craig A. Evans الا وهي الدليل الاثري الذي يؤكد دفن المصلوب، فيقول:

 

يقدم الاكتشاف المهم في عام ١٩٦٨م لمعظمة (مَعظَمة رقم ٤ في مقبرة، Givat ha-Mivtar خاصة برجل يهودي يسمى ياهوحنان Yehohanan، والذي قد صُلب على الأغلب، دليلاً أثريا ورؤية للكيفية التي قد تم بها صلب يسوع. ترجع المعظمة ومحتوياتها إلى أواخر العشرينيات بعد الميلاد – أي خلال فترة حكم بيلاطس ذات الحاكم الروماني الذي حكم على يسوع بالموت صلبًا [71]

 

ان هذه القطعة هي جزء من جسد هذا الرجل الميت

ويذكر أيضا Craig A. Evans:

يمكن رؤية بقايا المسمار الحديد (طوله ١١،٥ سم) مغروسة في عظم الكعب الأيمن. يبدو أنَّ أولئك الذين أنزلوا ياهوحنان لم يقدروا على إزالة المسمار، مما أدى إلى أنَّ قطعة من الخشب (من شجرة زيتون) ظلت متصلة بالمسمار[72]

 

ويذكر أيضا الناقد ريموند بروان: من الممكن أن تكون بعض العوامل التاريخية قد أثرت على ذكرى المكان. أحد أقرباء يسوع، يعقوب “أخ الرب”. كان شخصية رئيسية في المجتمع المسيحي في القدس (غل 2: 9) بعد قيامة يسوع مباشرة (1 كور 15: 7: “ظهر ليعقوب”) حتى عام 62 م عندما تم إعدامه على يد رئيس الكهنة حنانوس الثاني. (Josephus، Ant. 20.9.1; 200) في تلك الفترة ربما كان لديه اهتمام عائلي بالقبر، وهو اهتمام يمكن أن يكون تقليدًا حيًا بين أقارب يسوع الذين من المفترض أنهم كانوا بارزين في فلسطين. المسيحية حتى القرن الثاني (Eusebius، EH 3.19-20) [73]

 

اذن نحن لدينا هنا ثلاث نقاط هامة (الدفن هو فرض على اليهودي، الاكتشافات الاثرية تؤيد حقيقة دفن المصلوبين وخاصة اليهود منهم، حقيقة اهتمام عائلة يسوع بقبره وكان تقليداً ليعقوب حتى سنة 62 م) فنستطيع ان نقول نعم يسوع دفن فلا يوجد دليل ينفي انه لم يدفن ولكن على العكس الأدلة تقف في صف الدفن اذن فلا يمكننا رفض عدم دفن يسوع ولكن نستطيع القول بحقيقة دفنه

 

والنقطة الثانية هي القول بحقيقة ان قبره كان فارغاً كما ذكر في (مر 16: 6) ماذا لدينا من معطيات نستطيع دراستها؟ يقدم لنا متى هذه المعطيات (فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً” (مت 28: 12) قَائِلِينَ: «قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلًا وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ.” (مت 28: 13) فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.” (مت 28: 15)

 

إذا كان هناك ادعاء واضح وصريح ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع ولكن أيضا الا يبدوا هذا الادعاء ينفي حقيقة قيامة المسيح من الأساس اعني لماذا لا نأخذ ادعاء اليهود على محمل الجد ونقول فعلاً ان تلاميذه سرقوا جسده؟

بكل بساطة يا عزيزي هذا الادعاء لا يصح بسبب عقوبة مذكورة في نقش الناصرة فيذكر لنا Joseph M. Holden وNorman Geisler: تم اكتشاف نقش في الناصرة عام 1878 يحظر سرقة المقابر، يعود تاريخه إلى زمن أغسطس قيصر وكلوديوس قيصر. وبما أن الناصرة كانت قرية صغيرة، فقد توقع العلماء أن المرسوم ربما صدر رداً على الشائعات التي نقلتها السلطات في إسرائيل بشأن سرقة قبر يسوع، ولكن ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح [74]

 

وماذا بعد؟ المرجع نفسه يقول (ليس هناك يقين من أن النقش مرفق على الناصرة. قيامة يسوع المسيح) فلا يمكننا الاستدلال عليه أصلا من اجل اثبات حقيقة القيامة فيصبح النقش بلا فائدة والاستدلال به مجرد استخفاف بالعقول!!

 

ولكن من قال ان الاستشهاد بالنقش الهدف منه هو اثبات حقيقة القيامة؟ بالطبع من يستخدمه لأثبات حقيقة القيامة هو الذي يجعل مشاعره تقوده ولكن ليس الهدف منه هو التأكيد على القيامة ولكن التأكيد على الحكم المترتب على سرقة القبور وهذا أيضا ما وضحه الناقد ريموند بروان من فائدة هذا النقش فيقول:

 

لا يوجد دليل جدي على أن بيلاطس قدم أي تقرير من هذا القبيل، أو أن روما كانت مهتمة بالمشكلة، أو أن مثل هذا النقاش حدث مباشرة بعد قيامة يسوع. ومع ذلك، فإن النقش يملأ خلفية قصة حارس القبر. فمن ناحية، يُظهر أن انتهاك القبر كان خطيرًا للغاية وربما ارتكاب الجنود الرومانيين للانتهاكات عندما كان هناك سبب لتوقع سرقة جثة شخص كانت وفاته ذات سمعة سيئة. ومن ناحية أخرى، فإن المعرفة العامة بأن أولئك الذين يسرقون جسداً سوف يعاقبون بشدة من قبل الرومان قد تجعل القراء يدركون سخافة الادعاء اليهودي بأن التلاميذ الذين فروا عندما تم القبض على يسوع قد اكتسبوا الآن الشجاعة لسرقة جسد يسوع [75]

 

فإذا هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد وهذا يدل على ان قبر يسوع كان فارغاً وهناك على الجانب الاخر تأكيد على انه من المستحيل ان يسرق تلاميذ يسوع جسده خوفاً من الموت ولكن هل حقاً كان هناك ادعاء يهودي بسرقة الجسد؟ أي ما الدليل على ان موضوع القبر الفارغ كان مشهوراً في اليهودية بعد موت يسوع او على الأقل قبل كتابة متى لأنجليه؟

 

في مناظرة وليم لين كريج وعالم العهد الجديد الملحد ليدمان قام كريج بوضع سؤال واضح وهو لماذا لم يكشف اليهود لاتباع يسوع جسد يسوع؟

 

فيقول اللاهوتي Paul Copan واستاذ الفلسفة Ronald K.Tacelli الذين قاموا على جمع هذه المناظرة في كتاب:

هنا يبدو أن ليدمان قد ترك جناحه مكشوفًا عن غير قصد؛ لأنه إذا كان أعداء يسوع قد دفنوه فلا بد أنهم عرفوا مكان قبره. فقط لو كان تلاميذه قد دفنوه وأبقوا الموقع سرا عن أعدائه، لكان من الممكن أن لا يتمكن الأخير من الإشارة إلى قبر يحتوي على جثة يسوع. حسنا، ليس تماما “فقط”. مثل أعداء يسوع، يمكن لليندمان أن يقترح السرقة من قبل تلاميذ يسوع. ما يفعله ليندمان بدلاً من ذلك هو الإشارة إلى أن التلاميذ لم يبدأوا بالتبشير بقيامة يسوع إلا بعد وقت طويل من موته (بعد خمسين يومًا وفقًا لأعمال الرسل 1: 3 مع 2: 1، 24-28) بحيث “لن ترى” بقي الكثير [من الجسم).” لكنك سترى شيئًا ما، على الأقل الهيكل العظمي؛ وسترون أن القبر كان مشغولا، وليس فارغا. لذا فإن سؤال كريج يحتفظ بقوته: لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟ [76]

 

ولكن هذا الاقتباس الاعزال لا يثبت قول اليهود بسرقة الجسد بأي شكل من الاشكال فهو اقتباس تم القول به على اثبات انه بالفعل اليهود قالوا ان التلاميذ سرقوا جسد يسوع فبدون التأكيد على هذا الحدث يصبح هذا الاقتباس بلا فائدة

 

ولكن الدليل واضح امامنا هو ما قدمه الانجيل نفسه فيذكر عالم اللاهوت الأمريكي Hagner، D. A:

 

كتب الإنجيلي (μέχρι τῆς σήμερον [ἡμέρας]، “إلى الحاضر [اليوم]”)، قصة أن تلاميذ يسوع سرقوا الجسد استمرت في انتشار على نطاق واسع بين الشعب اليهودي (بعد عدة عقود انعكس هذا في حوار يوستينوس (، Dial. 108.2). لا تشير هذه العبارة إلى تاريخ الإنجيل ولكنها متوافقة تمامًا مع تاريخ ما قبل سنة سبعين [77]

 

إذا كانت هذه القصة منشرة قبل سنة 70 ميلادياً وقد اثرت هذه القصة في اليهود حتى بعدها بقرن وقال بها أيضا تريفون في حواره مع يوستينوس في القرن الثاني:

 

وبالرغم من أن السيد المسيح أعلن لكم أنه سيعطيكم آية يونان طالبًا منكم أن تتوبوا عن خطاياكم على الأقل بعد قيامته من الأموات وأن تنوحوا أمام الله كما فعل أهل نينوى حتى لا تهلك أُمتكم ومدينتكم كما حدث ولكنكم لم ترفضوا التوبة بعد علمكم بقيامته من الأموات فحسب، بل أيضًا. كما قلتُ من قبل. اخترتم بعض الرجال وكلفتموهم ليطوفوا المسكونة جمعاء ويقولوا: “إن هرطقة كافرة ومخالفة للناموس أسسها رجل جليلي مُضِل يُدعى. يسوع وقد صلبناه ولكن سرق تلاميذه الجسد من القبر ليلا [78]

 

ونطرح أيضا السؤال الاتي ما الذي يجعل الإنجيلي يخترع هذه القصة أصلا؟ فموضوع اختراع هذه القصة ليس له أي أهمية بالعكس كان يستطيع ان يخترع شيء اخر أكثر اقناعاً بحقيقة القيامة كمثال ان رئيس الكهنة رأى القيامة وقتله او مثلا ان أحد مجمع السنهدرين رأى القيامة هناك الكثير من القصص التي نستطيع ان نضعها في هذا المكان لذلك نجد عالم العهد الجديد Robert Stein يقول:

 

“[حتى] لو أنها نشأت في وقت متأخر، لما كانت هناك حاجة لخلق مثل هذا الجدل. في مثل هذا التاريخ كان من الممكن أن يثير المرء أسئلة مثل “أي قبر فارغ؟ ومن أين يأتي هذا الادعاء الجديد بأن القبر الفارغ كان خاليا؟ لم نسمع قط أي شيء عن قبر فارغ». إن حقيقة أن الجدل اليهودي لم يعترض أبدًا على وجود القبر الفارغ يشير إلى أن هذا التقليد قديم جدًا. يفترض مثل هذا التنازل أن المسيحيين منذ البداية أعلنوا أن قبر يسوع كان فارغاً. وربما يشير أيضًا إلى أن زعماء اليهود وجدوه فارغًا [79]

ويضع ريموند براون هذه الجزئية الخطيرة فيقول لقد دفن يسوع في مكان معين. ولو كان هذا المكان معروفا، لكان من الممكن زيارته في وقت معين. إذا تمت زيارة القبر وكان يحتوي على جثة أو هيكل عظمي ليسوع، فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نفهم كيف كان يمكن للتلاميذ أن يكرزوا بأن الله أقام يسوع من بين الأموات، لأنه سيكون هناك دليل دامغ على أنه لم يقم. ومن المؤكد بشكل معقول أن القبر لم يكن معروفًا، أو أنه كان فارغًا إذا كان معروفًا [80]

إذا اما قبر يسوع لم يكن معروفاً او كان معروفاً وفارغاً ولكن ما الاصح بينهم؟

 

يكمل بروان ويقول:

إن التقليد القائل بأن القبر كان معروفًا وكان فارغًا هو أقدم بكثير من روايات الإنجيل التي تم بناؤها حول اكتشاف القبر الفارغ. وهي تستحق الأفضلية على الفرضية غير المدعومة بشكل جيد بأن مكان دفن يسوع كان غير معروف [81]

 

وكما قلنا مسبقاً ان قبر يسوع كان معروفاً لدى اتباعه اقتباس عن ريموند بروان وبتالي سيكون معروفاً أيضا لأعداءه وهنا تظهر حجة وليم لين كريج مجدداً (لماذا لم يتمكن أعداء يسوع من إخماد رسالة القيامة من خلال الكشف عن رفاته؟) وموضوع سرقة جسد يسوع ليس له فائدة كما واضحنا مسبقاً ويقدم أيضا كريج شيء مهم في كلامه وهو الاجماع العلمي فيقول:

وجد غاري ها بيرماس (Gar Habermas) في، مسح لأكثر من ۲۲۰۰ منشورًا عن القيامة بالإنكليزية والفرنسية والألمانية منذ ١٩٧٥ أنَّ ٧٥٪ من العلماء يقبلون تاريخية اكتشاف قبر يسوع الفارغ. ” ويُعد الدليل قاطعًا حتى إن عددًا من العلماء اليهود، مثل فينحاس لا پيد وجيزا فيرمس (Geza Vermes)، صرَّحوا أنهم مقتنعون على أساس البرهان أن قبر يسوع وجد فارغا [82]

 

إذا يمكننا إعادة رسم المخطط على النحو التالي:

مات يسوع – دفن يسوع – قبره كان فارغاً – ظهر لتلاميذه – بشر تلاميذه بقيامته

 

 

 

[1] The Resurrection: Influence on the Church in the First Decades (crivoice.org)

[2] تاريخ الاحداث الكبرى – ص 106

[3] كتاب التاريخ والمؤرخون – حسين مؤنس – ص 51

[4] The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings by Bart D. Ehrman، P. 40

[5] Ibid، P. 41

[6] النقد التاريخي لـ أنجلو اوسينوبوس وبول ماس وامانويل كنت، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص 45

[7] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings، 5th ed. (New York: Oxford University Press، 2012)، 72–74

[8] Coan، J.A. (1997). Lost in a Shopping Mall: An Experience with Controversial Research. Ethics & Behavior

[9] https://www.eurekalert.org/pub_releases/2016-12/uow-hop120716.php

[10] لقاءات شخصية مع يسوع – تيموثي كلر – ص 82

[11] The Influences of Emotion on Learning and Memory – PMC (nih.gov)

[12] Dunn، James D. G. (2003). Jesus Remembered، p. 339

[13] THE EVOLUTION OF THE IDEA OF GOD: AN INQUIRY INTO THE ORIGINS OF RELIGION BY GRANT ALLEN)، P. 3

[14] موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الايام الاخيرة ليسوع؟ ص 56

[15] مكتبة عين الجامعة» اللغة العربية» الأسلوب الروماني في الأدب والفن والحياة – أديث هاملتون – ترجمة حنا عبود – ص 5

[16] مقدمة للعهد الجديد ج2 – القرائن المنهجيات وتكوين الخدمة – ديفيد أ ده سيلفا – ترجمة بيار فرنسيس – ص 17

[17] The Pre-Christian Paul [London: SCM Press، 1991]، p. 38

[18] Cambridge Bible commentary، 1 CO 15: 3

[19] [19] مقدمة للعهد الجديد ج2 – القرائن المنهجيات وتكوين الخدمة – ديفيد أ ده سيلفا – ترجمة بيار فرنسيس – ص 27

[20] مختصر تاريخ الكنيسة – ص 58

[21] Did Paul Get Along with the Other Apostles? – The Bart Ehrman Blog

[22] الاقناع – ديف لاكاني – ترجمة زينب عاطف – ص 52

[23] تاريخ الكنيسة المفصل – المجلد الأول – ترجمة صبحي حموي اليسوعي – ص 34

[24] كان مرقس ترجمان بطرس فكتب بدقة، لا بترتيب، كل ما تذكّره من أقوال الرب وأعماله. فهو لم يسمع الرب ولم يتبعه، بل كما قلت، تبع بطرس فيما بعد. قدَّم بطرس تعليماً حسب الحاجة ولم يؤلف أقوال الرب تأليفاً مرتباً. وهكذا لم يخطئ مرقس حين دوّن بعض هذا التعليم كما تذكَّره. لم يكن لديه إلا هَمّ واحد؛ أن لا يهمل شيئاً مما سمعه، أن لا يقول شيئاً كاذباً (بولس الفغالي – الأناجيل الإزائية، متى – مرقس – لوقا (1994) الفصل العاشر: مدخل إلى إنجيل مرقس)

[25] An Introduction to the New Testament: The Abridged Edition by Raymond E. Brown، P. 158

[26] Ibid، P. 160

[27] مدخل إلى العهد الجديد – ص 187، 188

[28] مقدمة للعهد الجديد ج1 – – ديفيد أ ده سيلفا – ص 265

[29] An Introduction to the New Testament by D. A. Carson and Douglas J. Moo) P، 175

[30] Bart D. Ehrman، Did Jesus Exist?: The Historical Argument for Jesus of Nazareth، (New York: HarperOne، 2012) 172، Kindle edition، ch. 4–5، “Evidence for Jesus Outside the Gospels” and “Two Key Data for the Historicity of Jesus

[31] روح الشرائع – الباب الرابع عشر – الفصل الأول

[32] اصل الدين – فيورباخ – ترجمة احمد عبد الحليم عطية – ص 41

[33] رسالة في التسامح – فولتير – الفصل الثالث عشر

[34] التلمود عرض شامل – أ. كوهن – ص 443

[35] المرجع السابق – ص 444

[36] المرجع السابق – ص 445

[37] التفسير الكتابي اتباع نهج تكاملي – دبليو راندولف تاتي – ترجمة د عادل زكري – ص 113

[38] John Gill’s Exposition of the Bible، Deuteronomy 11:9

[39] جاسم حسین یوسف، العلاقة بين البشر والآلهة في بلاد الرافدَيْن في ضوء النصوص المسمارية، مجلة مركز دراسات الكوفة، العدد ٤٩، ٢٠١٨، ص١٤٧

[40] التلمود عرض شامل – أ. كوهن – ص 446

[41] الاسانيون وقمران ويوحنا المعمدان ويسوع – هارتموت شتيغيمان – تعريب الاب خليل شحادة – ص 198

[42] نظرة عامة على تاريخ المسيحية – مايكل باركر – ص 29

[43] تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود – فراس السواح – ص 253

[44] الصفحة السابقة

[45] المرجع السابق – ص 256

[46] Resurrection of the Dead in Early Judaism 200 bce–ce 200 by C. D. ELLEDGE. P 106

[47] New Testament History، Culture، and Society A Background to the Texts of the New Testament Lincoln H. Blumell، P. 74

[48] Ibid

[49] اللفياثان – توماس هوبز – ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب – ص 127

[50] يسوع قبل المسيحية – البرت نولان الدومينيكاني – ص 47، 48

[51] Bart Ehrman، The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings. Third Edition (New York، Oxford: Oxford University Press، 2004)، 276

[52] الموت في الفكر الغربي – جاك شورون – ص 34

[53] أصل الدين – فيورباخ – ترجمة احمد عبد الحليم – ص 50

[54] The Incarnation In Herbermann، Charles Catholic Encyclopedia. Vol. 7

[55] الدفاع الأول – الفصل الثاني والعشرون

[56] يذكر لنا سليمان البستاني مترجم الالياذة عن الزمن الذي عاش فيه مؤلفها فيقول: أن مؤرخي الرومان مجمعون على أن هوميروس نبغ قبل بناء رومية بقرن ونصف، فإذا أضفنا ذلك إلى ٧٥٣ وهي السنة التي بنيت فيها رومية كان نبوغ هوميروس نحو سنة 903ق.م (الالياذة – سليمان البستاني – ص 20) وهذا يدل على ان عمر تأليف هذه الملحمة كانت قبل المسيح ب 9 قرون تقريباً

[57] الإلياذة، ٢٣، ٧١–٧٤

[58] Psyche: the cult of souls and belief in immortality among Greeks. by Erwin. Rohde، P.5

[59] الموت في الفكر الغربي – جاك شورون – ص 53، 54

[60] الفلسلة الرواقية – عثمان امين – ص 194

[61] الاصحاح الثاني من الرسالة إلى فيلبي وبالتحديد هذا المقطع: +[2:6 الذي اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله 2:7 لكنه اخلى نفسه اخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس 2:8 واذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب 2:9 لذلك رفعه الله ايضا واعطاه اسما فوق كل اسم 2:10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض 2:11 ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب]

[62] Müller، G.G.W. 1994. “Akkadische Unterweltsmythen.” TVAT 3: fascicle 4 ([S]o etwas wie ein Osterfest hat die ausserchristliche Antike offenbar nicht gekannt)

[63] The Riddle of Resurrection “Dying and Rising Gods” in the Ancient Near East by Tryggve N.D. Mettinger، P. 17

[64] Ibid، P. 153، 154

[65] Ibid، P. 215

[66] THE RESURRECTION OF THE SON OF GOD by N. T. Wright، P. 82

[67] Ibid

[68] Osiris | Description، Myth، Symbols، & Facts | Britannica

[69] جوهر المسيحية – فيورباخ – ص 217

[70] Baethge، Chr.2002). Grief hallucinations: True or pseudo? Serious or not? An inquiry into psychopathological and clinical features of a common phenomenon. Psychopathology، 35، 296-302.

[71] موت يسوع ودفنه وقيامته – ماذا حدث في الايام الاخيرة ليسوع؟ – ص 87، 88

[72] المرجع السابق – ص 88

[73] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1281

[74] The Popular Handbook of Archaeology and the Bible: Discoveries That Confirm the Reliability of Scripture by Joseph M. Holden and Norman Geisler، P. 363

[75] THE DEATH OF THE MESSIAH Volume 2 by RAYMOND E. BROWN، P. 1294

[76] Jesus’ Resurrection: Fact or Figment?: A Debate Between William Lane Craig Gerd Ludemann by Paul Copan (Editor)، Ronald K. Tacelli، P. 88

[77] Hagner، D. A. (2002). Vol. 33B: Word Biblical Commentary: Matthew 14-28. Word Biblical Commentary (877). Dallas: Word، Incorporated.

[78] الحوار – الفصل 108

[79] Jesus the Messiah: A Survey of the Life of Christ by Robert H. Stein، P. 265

[80] The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus by Raymond E. Brown، P. 126

[81] Ibid

[82] مستعدون للمجاوبة – ص 266

قيامة المسيح – بحث تاريخي في ايمان المسيحيين الأوائل – بيشوي طلعت

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

بالحقيقة قام

(عظة 85 على يو1:20ـ 9)

   ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باقٍ فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر ” (يو1:20).

 

إنفتح القبر بعد القيامة*:

   قام المسيح، والقبر مغلق بالحجر والأختام عليه، ولكي يعرف الآخرون بقيامته، انفتح القبر بعد القيامة، وهكذا تأكد الحدث. لقد تأثرت مريم مثلها مثل الآخرين بموت المسيح، لأنها كانت تحب المعلم حبًا شديدًا وانقضى السبت ولم تستطع أن تهدأ فأتت إلى القبر باكرًا لعلها تجد أي عزاء من وجودها في المكان الذي دُفِن فيه المسيح. وعندما رأت مكان القبر والحجر مرفوعًا، لم تدخل ولا مالت لتنظر، لكن أسرعت إلى التلاميذ مدفوعة بمحبتها الكبيرة للرب، لأن ما كان يشغلها هو أن تعلم ما الذي صار للجسد حيث هذا ما كانت تهدف إليه فأسرعت إلى تلاميذه قائلة ” أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه” هل رأيت كيف أنها ما زالت ليس لديها معرفة واضحة عن قيامته، لكنها ظنت أن جسده نُقِلَ ووُضِع في مكان آخر. ويوحنا الإنجيلي ذكر هذه الواقعة لكي لا يحرم المرأة من أن يُثني عليها من كل قارئ للإنجيل، لذا لم يعتبر أنه من العار أن يعلم التلاميذ عن قيامة الرب، منها. إذ كانت مستيقظة ورأت الأحداث قبلهم، إن محبة يوحنا للحقيقة تسطع دائمًا.

 

“الأكفان موضوعة”:

   أتت مريم وقالت هذه الأمور للتلاميذ وبمجرد أن سمعوا هذه الأخبار، ذهبوا بسرعة شديدة إلى القبر ورأوا: “الأكفان موضوعة”، الأمر الذي كان دليلاً على قيامته، لأنه لم يكن في استطاعة أي أشخاص أن يفعلوا هذا الأمر ثم يأخذوا الجسد، أي أن يجردوا الجسد من الأكفان. ولا يمكن للسارقين أن ينزعوا منديل الرأس ويفكوا الأكفان ويأخذوا الجسد ويخفونه في “مكان ما”، لكن ما الذي كان ممكنًا أن يفعلوه؟ كانوا سيأخذون الجسد كما هو بالأكفان. قد سبق يوحنا وقال أنه كُفن بسكب كثير من المُر والذي يُلصِق ـ ليس أقل من الرصاص ـ الأكفان مع الجسد، لذا عندما تسمع أن المنديل الذي كان حول الرأس كان موجودًا هناك بعيدًا عن الجسد، فإنك لا تطيق الكلام الذي يقول إنه سُرق، لأن ذلك السارق يكون في غاية الغباء لدرجة أنه يهتم اهتمامًا شديدًا بشيء نافل جدًا. لأنه لماذا يترك المنديل الذي كان حول الرأس؟ كيف لا ينتبه الحُراس لهذا العمل؟ فك الأكفان عن الجسد يحتاج إلى وقت طويل، ويكون السارق معرضًا لخطر ضبطه وهو يسرق، فالتأخير ليس في صالح السارق.

 

   ولماذا وُجدت الأكفان بمفردها “والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده“؟ لكي تعلم أن هذا العمل ليس من فعل أُناس في حالة استعجال، ويستولي عليهم الإضطراب ويضعون منديل الرأس منفصلاً (بمفرده) والأكفان بمفردها. وبسبب هذا الأمر آمن التلاميذ بالقيامة. لذلك بعد أن حدثت هذه الأمور ظهر لهم المسيح، عندئذ تأكدوا بأعينهم أنه قام.

 

بطرس ويوحنا يتحققان من قيامة الرب:

   لاحظ هنا وداعة الإنجيلي، كيف ينسب إلى بطرس دقة البحث. لأنه بالرغم من أنه وصل قبل بطرس ورأى الأكفان موضوعة هناك، لم يشغل نفسه أكثر من هذا لكن توقف هناك، أما ذاك المشتعل حماسًا دائمًا، بطرس فدخل إلى داخل القبر وفحص الكل بالتفصيل ورأى أمورًا أكثر، وبعد ذلك دخل يوحنا وتعزى بتلك الأمور التي رآها، عاد ورأى الأكفان موضوعة ومنفصلة عن منديل الرأس. أما أن يفصلهما أحد ويضعهما هكذا الواحد بعيدًا عن الآخر، فهذا يحتاج إلى تأني شديد وعناية فائقة ولا يتم بطريقة عشوائية وباضطراب واستعجال.

 

لتكن تصرفاتنا عاقلة بشأن الجنازات:

   لكن، عندما تسمعون أن الرب قام عاريًا فلتوقفوا الهوس الذي يحدث أثناء الجنازات. لأنه ما الفائدة من النفقة الباهظة وغير المفيدة التي تُسبَّب ضررًا شديدًا لأولئك الذين ينفقون أموالاً طائلة للتكفين، حيث إنها لا تفيد المنتقل بأي شيء بل بالحري أقول إنها تسبب ضررًا؟ لأن فخامة القبر تكون في مرات كثيرة دافعًا لنقب القبور وسرقتها، وبالتالي هذه الفخامة قد تكون سببًا في أن يُلقى عاريًا ذاك الذي يُدفن بتكلفة كبيرة. أيضًا كم هو عبث كبير هذا الأمر. كم يظهر مدى التصرف الأحمق في وقت الحزن وكم هو غباء! وكثيرون ـ حتى لا تحدث السرقة ـ يشقون الأكفان إلى شرائط ويملئونها بأطياب كثيرة ويلفونها حتى تصير بلا فائدة لسارقي القبور، وهكذا يتم دفن الميت بهذه الطريقة في باطن الأرض. أليست هذه الأمور هي من ملامح المهووسين؟ هل هذه الأمور هي قدوة للبشر الذين يعملون ويحتاطون من السرقة؟ بأن يُظهروا حُبهم واحترامهم أثناء التكفين وأيضًا هم أنفسهم بتصرفاتهم يلاشون هذا الاحترام، هم يتعللون بأن كل هذه الترتيبات هي من أجل أن يظل كل ما دُفِن في أمان. ماذا إذًا؟ إن لم يأخذ سارقوا القبور هذه الأشياء ألا يأكلها الدود! وإن كان الدود يأكلها، ألا يتلفها الزمن والعفن؟ وإذا إفترضتا أن الأشياء الموضوعة مع الأجساد الميتة سوف لا تختفي بواسطة سارقوا القبور ولا من الدود ولا من الزمن ولا من أي شيء على الإطلاق، والجسد أيضًا سوف يظَّل بدون أن يُمس حتى يوم القيامة، وهذه الأشياء سوف تُحفظ كأنها جديدة، ما الذي سوف يربحه الراحلون من هذه الحياة عندما تُقام أجسادهم عارية. أقول نحن مسئولون عن هذه التصرفات غير المفيدة ومطالبون بأن نعطي جوابًا عنها.

 

   قد تتساءل لماذا سُكبت الأطياب أثناء تكفين المسيح؟ أولاً هذه الأشياء التي تمت مع المسيح لا تقارن بالأمور البشرية (لأن الزانية سكبت الطيب على قدميه المقدستين)، فإن كان ينبغي أن نتحدث عن هذه الأمور، فأول كل شيء هو أن هذه الأمور صارت هكذا لأن أولئك الذين تمموها لم يعرفوا الحديث عن القيامة لذلك يقول الإنجيلي “كما لليهود عادة أن يكفنوا”، لأن أولئك الذين كرمَّوا المسيح هكذا لم يكونوا من ضمن تلاميذه الإثنى عشر، وإكرامهم له لم يكن كثيرًا جدًا، بالطبع الإثنى عشر لم يكرموه بهذه الوسيلة بل كرمّوه بالموت والذبح والتعرض للأخطار من أجله. إذًا ما فعله (الأولون) كان تكريمًا لكن أدنى من الذي أشرت إليه). على الجانب الآخر، نحن الآن نتحدث عن البشر، بينما هذه الأشياء تمت ـ وقتذاك ـ لأجل الرب.

 

ملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية:

   ولكي تعلم أن المسيح لم يتحدث عن هذه الأمور، قال ” لأني جُعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عُريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليَّ” (مت36:25). ولم يقل إطلاقًا كنت ميتًا فدفنتموني. وهذه الأقوال أقولها ليس لكي ألغي الدفن بل لكي أوقِف الضلال ومحبة المجد الباطل. فقد يُقال إن هذه الأشياء تستثير الحزن والغم والشوق نحو الميت. لا، بل أن هذه الأشياء لا تعبر عن مدى محبتنا للميت، بل حبنا للمجد الباطل، لأنك إذا أردت أن تُظِهر مشاركتك في الأحزان لأجل الميت، فسوف أظهر لك طريق آخر للجنازة، وأنصحك بأن تلبس ملابس القائمين معه التي تجعله جالسًا في بهاء، لأن هذه الملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية ولا سارقو القبور يستطيعون سرقتها.

 

   ما هي ـ إذًا ـ هذه الملابس؟

   لُباس الإحسان، لأن هذا اللُباس يقوم معه طالما أن ختم الإحسان هو معه. أولئك يكونون في بهاء بواسطة هذه الملابس ويسمعون القول “لأني جُعت فأطعمتموني”. هذه الملابس تجعلهم في مكانة عظيمة وفخورين وآمنين، بينما كل ما صار الآن فليس شيئًا آخرًا سوى أشياء تتلف بواسطة العثة والسوس. وهذا أقوله ليس لكي أعيقكم عن تجنيز الأموات بل لكي تتصرفوا باعتدال. هكذا تغطون الجسد ولا تُسلموه للأرض عاريًا، لأنه أعُلِن لنا نحن الأحياء إننا سوف لا نأخذ معنا أي شيء من هذه الأشياء التي في العالم إلا غطاءً واحدًا، لأننا حين نموت، فإن الجسد ليس في احتياج للملابس، مثلما كان في احتياج إليها عندما كان يحيا ويتنفس. لأننا ونحن أحياء نحتاج للملابس بسبب البرودة (أي الملابس تقينا من البرد)، وبسبب اللياقة، لكن عندما نموت، لا نحتاج إلى أي شيء من هذه، بل حتى لا يظل الجسد عاريًا نحتاج إلى الدفن، وبدل التكفين فإن الأرض هي غطاء جيد يتناسب مع طبيعة أجسادنا[1]. فإن كنا ـ ونحن ـ هنا الآن حيث نحتاج أشياء كثيرة، لا ينبغي أن نطلب شيئًا زائدًا عن الحاجة، فبالأكثر جدًا هناك، حيث لا يكون لدينا احتياج لمثل هذه الأشياء، يكون محبة المجد الباطل أمرًا غير لائق بالمرة.

 

إياك وشدة الحزن والبكاء بمرارة أثناء الجنازة:

   قد يُقال، إن أولئك الذين يشاهدون هذه البساطة في التكفين سوف يسخرون. أولاً، حتى لو وُجد شخص واحد يسخر، فلا يجب أن تحسب له حسابًا إذ إنه يظهر غباءً شديدً بموقفه هذا، بينما في الحقيقة فإن كثيرين يعجبون بطريقتنا الحكيمة في مواجهة هذا الأمر (طريقة الدفن)، لأن ما يستحق السخرية ليس هذه الأمور التي قلتها لكن تلك التي نفعلها الآن عندما نحزن وندفن ذواتنا مع الأموات (من شدة الحزن والبكاء أثناء تشييع الجنازة). فتلك الأمور جديرة بالضحك وبالعقاب، بينما عندما نُظهِر مثل هذه الطريقة الحكيمة التي ذكرتها من جهة أمور التكفين والملبس اللائق، فإنها سوف تمنحنا أكاليل ومدحًا في يوم القيامة. والجميع سوف يصفقون لنا ويعجبون بقوة المسيح ويقولون عجبًا عجبًا لقوة المصلوب التي أقنعت الذين كانوا سائرين في طريق الهلاك والفساد  بأن الموت ليس موتًا لأنهم لا يفعلون الأمور التي تصير لأولئك السائرين نحو الهلاك، بل يفعلون الأمور التي تليق بأولئك الذاهبين إلى مكان أسمى. قوة المصلوب أقنعت هؤلاء بأن الجسد، هذا الجسد الفاسد والأرضي، سوف يلبس لُباسًا بهيًا جدًا لُباسًا ذهبيًا، وغير فاسد. لذلك لا يظهرون عناية كبيرة بالدفن، لكن يعتبرون التكفين العظيم العجيب هو الحياة الفاضلة. هذه الأقوال سوف يقولونها عندما يروننا نتصرف بهذه الطريقة الحكيمة، أما إذا شاهدونا ننحني من الحزن، ونركع في شكل دائرة حول الميت سوف يضحكون ويسخرون مِنا ويتهموننا بإتهامات لا حصر لها بتورطنا بأمور لا هدف وآلام باطلة عبثية، و نسمع هذه الإتهامات من الجميع. وهم على صواب، فأي مبرر سوف نقوله، عندما يضمحل الجسد من الفساد والسوس فهل نُزينَّه ـ بهذه الطريقة ـ ونهين المسيح، بينما هو عطشان ويتجول هنا وهناك عاريًا وغريبًا؟ أنظر قوله “كنت جوعانًا، مريضًا، غريبًا”.

 

الإحسان يُقيم الموتى:

   إذًا دعونا نكف عن هذا الاهتمام الزائد، ليتنا نقوم بدفن أمواتنا بطريقة لائقة تكون لمنفعتنا ولمنفعة أولئك الأموات لأجل مجد الله. ليتنا نُحسِن كثيرًا من أجل هؤلاء، ليتنا نُرسل معهم مؤن أفضل، لأنه إن كانت ذكرى الرجال العِظام الذين ماتوا تصير سببًا لفائدة الأحياء، لأنه يقول “ وأحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل داود عبدي” (2ملوك34:19)، بالأكثر سينفع الإحسان في هذا الأمر. لأن الإحسان يُقيِم الموتى عندما ” تقف الأرامل ويعرضن ما كانت تفعله طابيثا عندما كانت معهم ” (أع36:9). إذًا عندما يقترب أحد من الموت علينا أولاً أن نقنعه أن يترك شيئًا لهؤلاء المحتاجين. ليتنا نُشيعه بملابس الإحسان ونقنعه بأن يترك للمسيح إرثًا، لأنه، لو أن الملوك حددَّوا إرث لكانوا قد خلّفوا. أمانًا كبيرًا لأهلهم، فالذي يترك للمسيح إرثًا مع أولاده، سينال قبولاً عظيمًا سوف يربحه لذاته ولأولاده. هذه هي طريقة التكفين التي تنفع أولئك الذين يبقون على قيد الحياة، وكذلك أولئك الذين يرحلون عن هذه الحياة. لو كنا نكفن الأموات هكذا سنكون أكثر بهاءً في القيامة، أما إذا أظهرنا إهتمامًا زائدًا بالجسد (عن طريق تكفينه تكفينًا مكلفًا “غاليًا”)، وأهملنا النفس الغالية سنعاني من شرور كثيرة هناك، وسوف نكون مثارًا للضحك، لأنه لا الفقر يصير سببًا أن يرحل أحد عاريًا من الفضيلة، ولا الجسد الملقى بلا دفن يشعر بالعار بقدر ما تشعر النفس ـ وقتذاك ـ وهي عارية من الفضيلة. علينا إذًا أن نلبس الفضيلة ونحرص على أن نتزين بها، وهذا بالطبع يجب أن يصير كل الوقت، لكن إذ أظهرنا لا مبالاة فعلى الأقل ليتنا نُظِهر التعقل والحكمة، ونحن مشرفون على الموت، ودعونا نترك وصية لخاصتنا بأن يساعدوننا عندما نرحل من هذه الحياة، بالإحسان. هكذا فليساعد الواحد منا الآخر وسوف نربح دالة كبيرة، بنعمة ربنا يسوع المسيح مُحب البشر مع الآب والروح القدس وإلى الأبد آمين.

 

 

 

 

(عظة 86 على يو10:20ـ23)

 

   ” فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي “

 

مريم ترثيه باكية:

   الجنس الأنثوي يتميز برقة مشاعره وله ميل كبير إلى الشفقة. هذا أقوله، حتى لا تفكر وتقول، لماذا مريم تبكي بحزنٍ، بينما بطرس لم ينتابه مثل هذا الأمر، لأنه يقول “فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”، طالما أن طبيعتها ضعيفة ولم تعرف بوضوح حديثه عن القيامة، مثل أولئك أيضًا، الذين رأوا الأكفان وآمنوا، ورجعوا وهم مندهشين. ولأي سبب لم يأتوا مباشرةً إلى الجليل، كما أوصى الرب قبل آلامه؟ ربما انتظروا الباقين. هؤلاء ـ إذًا ـ رجعوا، بينما هي وقفت عند القبر، كما قلت، كان منظر القبر عزاءً كبيرًا.

 

ملاكان جالسين فوق القبر:

   هل رأيت ـ إذًا ـ هذه التي انحنت لكي ترى المكان الموضوع فيه الجسد لكي تتعزى؟ لذلك ـ إذًا، نالت أجرًا كبيرًا لإهتمامها الكبير، لأن ذاك الذي لم يره التلاميذ، رأته المرأة أولاً، رأت الملاكين جالسين الواحد عند قدميه والآخر عند الرأس بثياب بيضاء، ووجهيهما مملوئين بالبهجة وبالفرح. ولأن إدراك هذه المرأة لم يكن عاليًا، حتى تستنتج قيامته من الأكفان ـ احتاجت شيئًا أكثر وضوحًا، أي شاهدت ملاكين جالسين فوق القبر بوجوه فرحة حتى تُسكَِّن حزنها بهذا المنظر وتتعزى، لكن الملاكين لم يقولا لها شيئًا عن القيامة، لكنها إنقادت تدريجيًا إلى هذا التفكير.

 

“يا امرأة لماذا تبكين”:

   رأت وجهين بشوشين أكثر جدًا من المعتاد، رأت شكلاً بهيًا، سمعت صوتًا عطوفًا. يقول ” يا امرأة لماذا تبكين“. هكذا بسبب هذه الأمور ـ كأنه من باب مفتوح ـ إنقادت إلى الحديث عن القيامة. والطريقة التي كانا جالسين بها، قادتها إلى أن تسألهما إذا بدا عليهما أنهما يعرفان ما حدث. لذلك لم يجلسا معًا، لكن الواحد بعيدًا عن الآخر.

 

   وبسبب أنه كان طبيعيًا أن لا تتجرأ وتسألهما، لذلك بسؤالهما لها وبالطريقة التي جلسا بهما إنقادت إلى سؤالهما. ماذا قالت إذًا؟ لقد تحدثت معهما بحرارة وفي نفس الوقت بحنان ” أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه” ما هذا القول يا امرأة؟ ألم تعرفي شيئًا عن القيامة، إلى الآن تفكرين في تغيير مكانه؟ هل رأيت كيف أنها ما زالت لم تدرك الخبر السامي؟ “ ولما قالت هذا إلتفتت إلى الوراء” كيف حدث هذا، بينما هي تتحدث مع الملاكين ولم تسمع بعد أي شيء ألتفتت بنظرها إلى الوراء؟ أنا أعتقد، أنها مجرد أن قالت هذا الكلام، فجأة ظهر المسيح خلفها، وفاجأ الملاكين، وهذان ـ عندما نظرا الرب أثر ذلك في شكلهما ونظرتهما وحركتهما، ولاحظت المرأة الدهشة المرسومة على الملاكين مما جعلها تلتفت بنظرها إلى الخلف. إذًا هكذا ظهر لهذين الملاكين، أما للمرأة فليس هكذا، حتى لا يفاجئها بظهوره الأول، لكن ظهر لها بمظهر متواضع وعادي، وصار ظاهرًا لها كأنه هو البُستاني. لقد كان فكرها متواضعًا لذا لم يقدها مباشرةً إلى الأفكار السامية بل تدرج معها في الكلام.

 

   لقد سألها ” يا امرأة لماذا تبكين. مَنْ تطلبين” هذا يُظهر أنه بسؤاله يعرف ما يريد وهكذا قادها إلى الإجابة. إذًا هذا ما أدركته المرأة، لكن لم تنطق بعد أسم يسوع، إذا شعرت أن هذا الذي يسأل يعرف ما هو الذي يسأل عنه، قالت ” يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقُل لي أين وضعته وأنا آخذه“. تتحدث هنا كأنها تتحدث عن ميت، وعن تغيير موضع الجسد، وعن أخذه ونقله إلى مكان آخر. لقد أرادت أن تقول له: إن كُنت قد أخذته من هنا بسبب الخوف من اليهود أرجوك أخبرني أين وضعته. يا له من عطف وحنان كبير عند هذه المرأة، لكن لا يوجد عندها أي فكر عالي. لذلك يُظهر لها ليس بوجهه بل بواسطة صوته [2]، لأنه كما يظهر لليهود أحيانًا كشخص معروف وأحيانًا لا يبدو لهم أنه كان حاضرًا بينهم، هكذا عندما كان يتحدث، وعندما يريد، يجعل نفسه، معروفًا، حين قال لليهود “ من تطلبون” يو4:18. لأنهم لم يعرفوا لا شكله ولا صوته، وهذا هو ما يحدث هنا. وذكرَّ فقط اسمها ليؤنبها وينبهها بأنها تفكر فيه هكذا بأنه ميت وهو الحيٌّ.

 

مريم تتعرف على المسيح من صوته:

   لكن كيف يقول الإنجيلي إنها ” ألتفتت تلك” وهو يتحدث إليها؟ أنا أعتقد بأنها حين قالت هذا الكلام: ” أين وضعته” والتفتت ناحية الملاكين لكي تسألهما لماذا هما مندهشين، دعاها المسيح في الحال أن تلتفت إليه إذ أظهر ذاته بصوته، لأنه عندما دعاها “مريم”، عندئذٍ عَّرفته. هكذا التعرف عليه لم يأتِ من منظره لكن مِن صوته. أيضًا إن قيل من أين يبدو أنها أمسكته ووقعت أمامه؟ هذا يبدو من كلامه: ” لا تلمسيني“، وهذا ما يبدو من القول أنها ” ألتفتت تلك“. لماذا قال  “لا تلمسيني؟” البعض يقول إنها تطلب نعمة روحية، لأنها سمعته مع تلاميذه يقول: “وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلىَّ، وأنا أطلب من الآب. فيعطيكم مُعزيًا آخر“. (يو3:14، 16). وأنا أسأل كيف سمعت هذه الأقوال، وهي لم تكن موجودة هناك مع التلاميذ؟ أنا أعتقد أن هذا الرأي ليس له أي علاقة بما فعلته. كيف تطلب نعمة في هذه اللحظة بينما الرب لم يذهب بعد إلى الآب؟ ما الذي حدث إذًا؟ أعتقد إنها أرادت ـ من فرط فرحتها ـ أن تتصرف معه ـ بلا تحفظ ـ وكأنه هو عينه كما كان من قبل صلبه، ولم تفكر ـ حين كان أمامها ـ في أي شيء سامي وروحي، بالرغم من أن الرب صار من جهة الجسد ساميًا جدًا. إذًا أبعد عنها هذا الفكر ولكي تتحدث معه بمخافة شديدة (لأنه لا يبدو أنه تعامل مع التلاميذ بمثل هذه الطريقة غير المتحفظة) ورفع فكرها عاليًا، حتى تنتبه إليه بأكثر وقارٍ. وكونه قال لها لا تقتربي مني، مثلما كان يحدث مسبقًا بالضبط حين كان يمكث معهم، لأن الأمور لم تعد مثل الأول، ولا يمكن أن أمكث معكم بعد بطريقة مشابهه: هذا الأمر سوف ينشئ حزنًا ما ويتضمن تعقيدًا، بينما كونه يقول “ لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، بالرغم أنه لم يكن أمرًا محزنًا، لكن أعلن نفس الأمر، لأنه بقوله ” لم أصعد بعد” يبين أنه يتجه إلى هناك يسير ويتعجل الوصول، إذ عليه أن يصعد هناك، ولا يخالط البشر، ولا يجب أن يروه بنفس التصور الذي رأوه أولاً، وهذا ما قصده وأظهره بقوله: ” أذهبي إلى إخوتي وقُولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” وبالطبع لم يكن عليه أن يفعل ذلك مباشرةً، لكن بعد أربعين يومًا، إذًا كيف ـ يقول هذا؟ لأنه أراد أن يرفعها روحيًا ويقنعها بإنتقاله إلى السموات. أما   ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ” فهذه أقوال قيلت بحسب التدبير، بينما كلمة “أصعد” قيلت عن الجسد، لأن هذه الأقوال يقولها لتلك المرأة التي لم تفكر في شيء أسمى روحيًا.

 

 

“أبي وأبيكم”:

   هل نفهم أن أبوة يسوع تختلف عن أبوتنا؟ بالتأكيد، لأنه، إن كان إله الأبرار يختلف عن إله الآخرين فبالأكثر هذا يحدث بين الابن وبيننا. لأنه قال ” اذهبي إلى أخوتي وقولي” حتى لا يفكروا من هذا أنه توجد مساواة بينه وبينهم، لكن هناك اختلاف، لأنه سوف يجلس على عرش الآب، بينما هؤلاء سوف يقفون بجواره، بالرغم من أنه بحسب الجسد صار أخ لنا، لكن من جهة الكرامة يختلف كثيرًا ولا يمكن أن نحدد مقدار الاختلاف. ذهبت المرأة إذًا لكي تخبر التلاميذ بكل هذا، بينما أولئك لم يحزنوا بسبب إنه سيصعد، ولا قالوا تلك الأقوال التي قالوها سابقًا؟ أخبرتهم بكل هذا وقالت لهم ما قاله، الأمر الذي كان يمكن أن يعزيهم. لأنه كان من الطبيعي أن التلاميذ بعد أن سمعوا كل هذا، أن لا يصدقوا المرأة أو إذا صدقوا فيحزنوا أنهم لم يكونوا مستحقين ظهوره، بالرغم من وعده بأنه سوف يظهر لهم في الجليل، وحتى لا يحزنوا بالتفكير في كل هذا، فهو لم يتركهم يومًا واحدًا لكن وضع فيهم الاشتياق، حين عرفوا بأنه قام وبسماعهم ما قالته المرأة، أرادوا أن يروه، وبسبب أن الخوف كان مستوليًا عليهم (الأمر الذي جعل شوقهم شديدًا جدًا)، حينذاك، ظهر لهم بطريقة عجيبة جدًا في المساء.

 

 

المسيح يظهر لهم في المساء:

   ولماذا ظهر لهم في المساء؟ لأنه كان من الطبيعي أن يكونوا مملوئين من الخوف. لكن الجدير بالإعجاب هو، كيف أنهم لم يظنوه خيالاً؟ حيث دخل بينما كانت الأبواب مغلقة والتلاميذ كانوا مجتمعين هناك. وطبعًا المرأة جعلت إيمانهم كبيرًا، لذا جعل ظهوره بطريقة عجيبة وبلا ضوضاء.

 

   لم يظهر المسيح للتلاميذ أثناء النهار، بل ظهر لهم مساءً حيث كانوا مجتمعين معًا، وكانت المفاجأة عظيمة إذ إنه لم يطرق على الباب بل وقف في الوسط بلا ضوضاء بالمرّة، وأظهر جنبه ويديه. وفي نفس الوقت هدأ فكرهم المضطرب بصوته قائلاً: “سلام لكم” أي “لا تقلقوا”، وذكرهَّم بما قاله لهم قبل صلبه “ سلامًا اترك لكم” (يو27:14)، وأيضًا “ قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام” (يو33:16).    “ ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب“. أرأيت كيف أن الأقوال صارت أعمالاً؟ لأنه قال قبل صلبه “ سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22:16). الآن يتحقق كل هذا، الأمر الذي قاد التلاميذ إلى الإيمان التام. وبسبب أنهم كانوا في عداوة شديدة مع اليهود لذلك هو يكرّر لهم قوله “سلام لكم” معطيًا لهم عزاءً في مواجهة هذا الموقف.

 

 

“سلام لكم”:

   أولاً هذا الكلام قاله بعد القيامة، سبق أن وقد بشر النساء بالنعمة لأن المشاعر الحزينة توجد بداخل هذا الجنس البشري، والمرأة هي التي قبلت الفرح أولاً. فكان من المناسب للرجال الذين هم في حرب مع اليهود أن يبشرهم بالـ “سلام” أما النساء فيبشرهم بالفرح بسبب الحزن. وحيث إنه أبطل الأحزان وأتم بركات الصليب، التي هي السلام والصلح. وإذ أزال كل المعوقات وجعل نصرته ممجده، وكل الأمور تحققت، قال ” كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” لن يكون لديكم أي صعوبة وبسبب كل ما حدث وبسبب استحقاقي الخاص أرسلكم. هنا يرفع تدبيرهم ويظهر جدارة إيمانهم العظيم حيث إنهم سوف يأخذون على عاتقهم القيام بعمله. ولا ينادي الآب بل يعطي لهم القوة إذ يقول: ” نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكت“. فهو مثل ملك يرسل قواده، ويعطي لهم سلطان ليقودوا بعض الناس إلى السجن أو يفكوهم، هكذا يرسلهم ويمنح لهم هذه القوة.

 

“خير لكم أن أنطلق”:

   إذًا كيف يقول: ” خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزي ” (يو7:16). والآن يقول: ” اقبلوا الروح “. البعض يقول إنه لم يعطهم الروح بل جعلهم بواسطة النفخ مهيئين لقبوله. لأنه، إن كان دانيال خاف عندما رأى الملاك (دا17:8)، ألم يكن من الممكن أن يحدث نفس الأمر لأولئك الذين قبلوا تلك النعمة التي لا توصف لو لم يجعلهم تلاميذه مسبقًا؟ لذلك لم يقل ” أخذتم الروح القدس” بل “خذوا الروح القدس”. ولن يخطئ أحد إذا قال إن ما أخذه التلاميذ سلطة ونعمة روحية معينة، لكنها ليست مثل القوة التي يقيمون بها الموتى ويصنعون المعجزات بل فقط ليغفروا الخطايا، لأن مواهب الروح متنوعة ومختلفة. لذلك أضاف ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” الأمر الذي يظهر نوع العطية التي يمنحها لهم. هناك بعد أكثر من أربعين يومًا أخذوا قوة لكي يصنعوا معجزات لذلك يقول “ ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض” (أع8:1). صاروا شهودًا بالمعجزات حيث إن نعمة الروح كانت لا توصف وعطيته متعددة في فعلها.

 

واحدة هي عطية وسلطان الآب والابن والروح القدس:

   لقد صار هذا لكي تتعلم أن عطية وسلطان الآب، والابن والروح القدس هي واحدة. لأن الأمور الخاصة بالآب، هي للابن وللروح القدس. إذًا يقول إن لا أحد يأتي إلى الابن ” إن لم يجتذبه الآب” (يو44:6). وهذا يبدو إنه خاصية الابن لأنه يقول ” أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14)، لاحظ كذلك أن هذا هو عمل الروح، “ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). وأيضًا نرى الُرسل يدعون الناس إلى الكنيسة مرة بواسطة الآب ومرة أخرى بواسطة الابن وكذلك مرة بواسطة الروح القدس، وتوزيع المواهب نراها بواسطة الآب والابن والروح القدس.

 

عظيمة هي مكانة الكهنة:

   إذًا ليتنا نفعل كل شيء حتى نستطيع أن نتمتع بمعية الروح القدس، ونكرم أولئك الذين عُينوا لمنحنا فعله، لأن مكانة الكهنة هي مكانة عظيمة ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” لذلك يقول ق. بولس      ” أطيعوا مرشديكم” (عب17:13)، وتكرموهم كثيرًا جدًا. لأنك أنت تهتم بما هو خاص بك، وإذا نظمت أمورك فهذا جيد، وأنت غير مسئول عن الآخرين، لكن الكاهن بالإضافة إلى تنظيم أموره جيدًا، إن لم يعتنِ بك وبكل أعضاء رعيته سوف يذهب مع الأشرار إلى جهنم، ومرات كثيرة بدون أن يُغدر به بواسطة خاصته، يُقاد للهلاك بسببكم إن لم ينظم كل تلك الأمور المتعلقة به جيدًا. لذا وهم عارفون مدى الخطورة يكون لهم عطف وحنو كبير، الأمر الذي يقوله ق.بولس      “ لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عب17:13). وليس فقط مجرد سهر، لكن “كأنهم سوف يعطون حسابًا لكي يفعلوا ذلك بفرح” (عب17:13). لأجل ذلك يجب أن ينالوا كرامة كبيرة.

 

   لكن إن إتفقتم مع آخرين ضدهم، عندئذٍ لن تكونوا في حالة جيدة،لأنه كلما كان القائد في حالة انشراح وبهجة سيكون الرُكَاب في أمان، لكن إن كان الركاب يحتقرونه (القائد) ولهم موقف عداوة ضده فهم يُعذبونه، عندئذٍ لا يمكن أن يسهر لراحتكم، وكذلك لا يمارس عمله بطريقة جيدة ـ وبدون أن يقصد ـ يضعكم في مصائب لا حصر لها. هكذا الكاهن، إذا نال كرامة من جانبكم سوف يمكن أن ينظم أموركم جيدًا، لكن إن كنتم تضايقون الكهنة وتسلبون قوتهم، سوف تجعلونهم معرضين معكم وبسهولة لضرب الأمواج حتى لو كانوا بعد شديدي البأس. تأمل ماذا يقول المسيح عن اليهود “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون” (مت2:23ـ3).

 

   لكن الآن لا نستطيع أن نقول: على كرسي موسى جلس الكهنة؟ لكن على كرسي المسيح، لأنهم أخذوا استمرارية تعليم المسيح. لذلك يقول ق.بولس ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو2:5).

 

   ألستم ترون أن الجميع يخضعون للرؤساء العالميين، وفي مرات كثيرة يكون هؤلاء أعظم من أولئك الذين يحكمون عليهم من جهة الأصل ومن جهة المعيشة ومن جهة الفهم؟ لكن بسبب ذاك الذي منحهم السلطان فهم لا يفكرون في شيء من هذه الأشياء، بل عليهم أن يحترموا قرار الملك أيًا كان ذاك الذي نال السلطان من الملك.

 

   إذا قلَّد إنسان أحد وأعطاه وظيفة فإن هذا يجعل عندكم خوف شديد واحترام له، لكن في اللحظة التي فيها يقيم الله شخصًا ونحتقر هذا الشخص الذي رُسم ونشتمه ونلوثه بشرور لا حصر لها، ونُسلط لساننا ضد الكهنة، بينما أخذنا وصيته بأن لا ندين إخوتنا، كيف إذًا يمكن أن ندافع عندما لا ننظر الخشبة التي في عيوننا، بينما قذى الآخر نفحصه بدقة بكل شرنا (انظر متى3:7، لو41:6). ألا تعرف إنك تجعل المحكمة أكثر قسوة ضدك وهي تحاكمك بهذه الطريقة؟ وهذه الأقوال لا أقولها لأمدح أولئك الذين يمارسون الكهنوت بغير استحقاق، بل إني أتراءف على هؤلاء كثيرًا جدًا وابكي بالدموع لأجلهم، لكن لا أقول إنه يحق أن يُدانوا من قبِل المبتدئين والسُذج، لأنه إن كانت حياتهم فاسدة جدًا، وإن كنت تلاحظ نفسك وتحترس فإنك سوف لا تُصاب بأي ضرر من جهة تلك (التعاليم) التي سُلمت إليهم بواسطة الله، لأنه إن كان الله قد جعل الحمار يتكلم[3] ومنح بواسطة العرافين بركات روحية، وحقق النعمة لليهود التي تفوه بها الفم الغبي واللسان الدنس لبلعام، بالأكثر جدًا لكم أنتم المعترفون بالجميل تجاهه، حتى لو كان الكهنة في وضع أدنى، سوف يفعل الله كل الأمور التي يريدها وسوف يرسل الروح القدس، لأن نقاوتهم لا تجذب الروح، بل بالحري النعمة هي تلك التي تتمم كل شيء، لأنه يقول “ فإن كل شيء لكم. أبولس أم أبلوس أم صفا” (1كو21:3، 22)؛ لأن العطية التي أخذها الكاهن لا تُمنح إلاّ من الله، ومهما وصلت الفلسفة البشرية سوف تبدو أدنى من تلك النعمة.

 

   أقول كل هذا ليس لكي نقضي حياتنا في خمول لكن لكي لا تختزنوا شرورًا كثيرة ضد ذواتكم أنتم المبتدئين، وذلك عندما يُظهر البعض من رؤسائكم خمولاً. ولماذا أقول هذا عن الكهنة؟ لا ملاك ولا رئيس ملائكة يمكن أن يفعل شيئًا فيما يتعلق بتلك النعمة التي تُعطى بواسطة الله، لكن الكل يصير من الآب والابن والروح القدس. الكاهن أثناء ممارسة العبادة يعطي لسانه ويديه لله لكي يستخدمهما، لذا لن يُضَّر أولئك الذين يأتون بإيمان إلى طريق خلاصنا بسبب شر إنسان. وإذ نحن نعرف كل هذا، فإننا نخاف الله ونحترم كهنته معطين لهم الكرامة، لكي ننال مكافأة عظيمة من الله بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح مُحِب البشر الذي مع الآب والروح القدس له المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

* العناوين من وضع المُترجم.

1 التي هي من تراب وإلى تراب تعود.

2 لأنه ظهر خلفها وليس أمامها.

3 يتكلم هنا عن “حمار بلعام” انظر سفر العدد7:22.

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          إن الفقراء الذين يحرصون على حضور الاحتفالات، يكرّمون هذه المناسبات بنفس مستعدة وباعتزاز كبير، حتى ولو لم يكن لديهم الإمكانيات لهذا الاحتفال المنشود، فإنهم يطلبون أفضل ما عند الأقارب والمعارف من أشياء تجعلهم يظهرون بأفضل صورة وأبهى منظر، من أجل المشاركة في مثل هذه المناسبات[1]. وكما أعتقد فإن هذا يحدث لى اليوم، فليس لدىّ أى شئ ثمين يمكن تقديمه في أمجاد هذا اليوم، لكنى سألجأ إلى نص التسبيح المقدس، الذي رتلناه منذ قليل.

من هناك سآخذ الدافع وسأسدد دينى من خلال هذا الترابط الذي يجمع بين كلماتى والكلمات الكتابية، على الرغم من أن العبد الفقير كان قد رتب بعض الأوقات، لكى يقدم كلمات الإمتنان والشكر للرب. هكذا قال داود وقلنا نحن معه ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب[2]. فهو يدعو للتسبيح كل أحفاد آدم ، وهو لا يترك أحد خارج هذه الدعوة، سواء في الغرب أو في الشرق، من هذا المكان أو من ذاك، في الشمال أو الجنوب، فهو يُنهض الجميع معًا للتسبيح.

وفي مواضع أخرى يتوجه لمجموعات من البشر، داعيًا إياهم أبرارًا، حاثًا الأطفال على التسبيح[3]. لكن الآن هو يجمع كل الأمم والشعوب من خلال هذا المزمور ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب “. أى عندما ” تزول هيئة هذا العالم[4] كما يقول الرسول بولس.

ويظهر المسيح كملك وإله، مسكتًا أيضًا كل فم، وواضعًا لجامًا على كل كلمة مجدفة، وعندما يتوقف عبث اليونانيين وخداع اليهود، وهذيان الهراطقة المنفلت، حينئذٍ فإن كل الأمم وكل الشعوب في كل العصور سيقدمون طوعًا، سجودًا بلا اضطرار، وسيمجد الأبرار والجاحدون اسم الله القدوس بحرارة. حينئذٍ سيُرتل الجميع تسبحة النصرة، المنهزمون والمنتصرون. حينئذٍ سيرى الجميع المسئول عن القلاقل (أى الشيطان) الذي حلم بعرش الرب، والملائكة تجره للعقاب المحتوم، هو وأعوانه وخدامه الأشرار، وسيُقَدمونهم للدينونة العادلة.

وسيُستعلن الملك والديان الواحد، الرب الذي يعترف له الجميع، وسيسود العالم الهدوء، عندما يجلس الديان على عرشه، والمبشر يلتزم الصمت، والشعوب بأعين وآذان مفتوحة تنتظر سماع صوت الخليقة.

ولهذا نقول مع المرنم ” سبحوا الرب يا كل الأمم، مجدوه يا كل الشعوب ” سبحوه كقادر، مجدوه كمحب البشر، لأنه حينما سقطنا ومتنا، أعطانا حياة وجعل إناءنا الضعيف جديدًا وشابًا، وغيّر الرفات الكريهة داخل القبر إلى حياة خالدة بسبب محبته غير المحدودة للبشر، والنفس التي تركت الجسد منذ آلاف السنين، كما لو كانت في رحلة بعيدة، أعادها إلى بيتها، دون أن يجد أى صعوبة في ذلك، على الرغم من عنصر الزمن وانفصال النفس عن الجسد منذ وقت بعيد، لكنه يصنع هذا، بطريقة أكثر سهولة من طيران طائر نحو عشه.

          لنتحدث إذن عن الأمور الخاصة بهذا الإحتفال (القيامة)، لكى نحتفل بما يتناسب مع طبيعة هذا الإحتفال. لأن كل ما هو غير لائق وبلا هدف، هو بلا نظام كما أنه يتسم بالغرابة، بجانب أنه لا ينفع في شئ،  ليس فقط من جهة العقيدة والإيمان، ولكن أيضًا فيما يختص بالأمور المتعلقة بالحكمة الخارجية العالمية.

لأنه أين هو الخطيب، الذي يحمل هذا القدر من الحماقة والمثير للهزل، الذي عندما يدعونه في احتفال زواج، يترك الحديث المناسب واللائق الملىء بفرح الاحتفال، ويبدأ في الرثاء بأغنيات حزينة وينوح داخل قاعة الفرح لأجل مصائب هذه الكارثة، أو العكس عندما يُعهد إليه أن يرثى إنسان توفى، فينسى الأسى ويبدو عليه الفرح وسط أناس مملوئين بالحزن؟ فإن كان النظام والمعرفة في الأمور العالمية هو أمر حسن، فبالطبع يكون الأمر أكثر ملاءمة في الأمور الأعظم والأسمى.

          إذن فقد قام المسيح اليوم، وهو الحى إلى الأبد، هذا الذي لم يُجبر على الآلام، ولم يلزمه أحد أن ينزل عن سمائه، ولم تكن قيامته بمثابة إحسان عليه من آخر أو كأمر غير متوقع وغير مأمول، لكنه كان يعرف سير الأحداث كلها حتى النهاية. فهو بعينه الإلهية لديه المعرفة بكل الأمور التي ستحدث، فقد رأى قبل أن ينزل من السموات، اضطرابات الأمم، وقساوة إسرائيل، وبيلاطس وهو يجلس على عرشه، وقيافا وهو يمزق ثيابه، رأى الشعب وهو يثور بحدة، ويهوذا يخون، وبطرس يدافع عنه، ورأى إستعلان قيامته المجيدة قبل أن تحدث.

فقد كان يعرف مسبقًا كل المستقبل، ولم يؤجل إحساناته للإنسان، ولم يجعل التدبير بعيدًا، لكن مثلما يصنع أولئك الذين ينظرون شخصًا ضعيفًا تسحبه المياه المتدفقة إلى الأخوار أو الوديان الضيقة، فعلى الرغم من معرفتهم أنهم قد ينزلقون في الوحل الكثيف ويتعرضون للإصطدام بالحجارة التي تحركها المياه المندفعة، لكنهم لا يترددون عن الدخول في هذه الوديان الضيقة، لأجل محبتهم لذاك الذي تهدده الأخطار، هكذا مخلّصنا محب البشر لقد قَبِل السباب والشتائم، من أجل محبته لذاك الذي خُدع، وسار نحو الضياع.

أتى إلى العالم، لأنه تنبأ بصعوده الممجد قبل أن يموت كإنسان، وعرف مسبقًا بقيامته. لم يخاطر مثل إنسان عادى لا يُدرك ما يحمله له المستقبل من عواقب، لأنه يعرف كل التفاصيل الخفية لهذا المستقبل، ولهذا فقد دبر خطته بطريقة حاسمة ومعروفة.

هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه[5] لا بسكر وضحكات، لا برقص ومشروبات، لكن ” نبتهج ونفرح ” بأفكار إلهية. اليوم نستطيع أن نرى كل المسكونة كعائلة واحدة، تجمعت من أجل هدف واحد. فقد تجمعت تحت شعار واحد، وهو الرغبة في التسبيح والصلاة.

ولهذا فإن الطرق الكبيرة قد خلت من مسافريها، والبحر اليوم يفتقد المراكب والبحارة، الفلاح ترك الفأس والمحراث وتزين بملابسه الإحتفالية، البيع والتجارة توقفا، الأحزان تراجعت، مثلما يتراجع الشتاء عندما يظهر الربيع، الضوضاء والاضطرابات ومتاعب الحياة تراجعت أيضًا أمام سلام الاحتفال.

الفقير تزّين مثل الغنى، والغنى يظهر أكثر إشراقًا مما إعتاد عليه، الشيخ يركض كشاب، لكى يأخذ نصيبه من الفرح، المريض يتجاوز مرضه، الطفل يبدل ملابسه ويحتفل بأحاسيسه لأنه لا يستطيع بعد أن يحتفل ذهنيًا. ونفس العذراء تستضئ، لأنها ترى أن رجاءها المنتظر يشرق لقبول مثل هذه الكرامة.

المتزوجة تحتفل وتفرح مع كل ملء بيتها. لأن الجميع يفرحون اليوم، الزوج والأولاد والخدم وكل أهل البيت. ومثلما يحدث مع مجموعات النحل المولودة حديثًا والتي تطير لأول مرة خارجة من الخلية ومن ثقوبها نحو الهواء والنور، متحدين جميعًا الواحدة مع الأخرى مجتمعين بفروع الأشجار، هكذا نرى في هذا الاحتفال أن كل العائلات تجتمع معًا في المدينة الأم.

وبالصواب يُقال إن هذا اليوم هو حقًا انعكاس لليوم المنتظر. لأن في الحالتين يجتمع الناس، في اليوم المنتظر، الجميع بشكل عام يجتمعون، وفي هذا اليوم تجتمع مجموعات مختلفة. ولكى نقول الحقيقة الأكثر وضوحًا، من جهة التساؤل عن أيهما يثير بهجة وفرح أكثر، فإن هذا اليوم (المحتفل به) هو أكثر فرحًا من اليوم المنتظر. لأن في اليوم المنتظر بالضرورة سنشاهد أولئك الذين ينوحون، وأولئك الذين تُستعلن خطاياهم، بينما سعادة اليوم لا يعتريها أى كآبة.

البار يبتهج، والذي لا  يحمل ضمير نقى، ينتظر تقويمه بالتوبة، ويختفى كل أسى في هذا اليوم، ولا أحد ينتابه أى حزن، بل يشعر بالراحة بسبب عظمة هذا الاحتفال. اليوم يُفك المربوط من قيوده، والمدين يُسدد عنه دينه، والعبد يُحرر بدعوة الصلاح ومحبة البشر التي للكنيسة، لا يُهان بصفعات على وجهه ولا بضربات، ويُسامح لأجل ضربات أعطاها، ولا يصنع استعراضًا أمام الشعب من فوق منصة عالية كبداية لتحرره، وهو مُهان ويشعر بالخجل، لكن كما هو معروف يُسامح بكرامة كبيرة، وذاك الذي مازال بعد في العبودية يُنعم عليه بالحرية. لأنه وإن كانت الخطايا كثيرة وثقيلة، تلك التي تتجاوز حدود الصفح والغفران، فإن السيد (الذي يملك العبد) يقدس قيم السلام ومحبة البشر التي يحملها هذا الاحتفال، ويعفو عن المنحرف والآثم، كما عفى فرعون عن رئيس السقاة، ورده إلى سقيه[6]. ولأننا نحتفل اليوم بالقيامة، والتي هى عربون قيامتنا العتيدة، فهو يدرك (أى السيد) أنه هو أيضًا في ذلك اليوم في احتياج لغفران وصلاح الرب. لذلك فإنه يُظهر هنا أحشاء رأفة، ويترجى المجازاة في يوم القيامة العتيدة. اسمعوا هذا أيها السادة، احفظوا إرشادى كأمر نافع، لا تتهموننى باطلاً من أجل دفاعى عن العبيد، كأننى أمتدح كذبًا هذا اليوم (أى يوم الاحتفال بعيد القيامة) اطردوا حزن النفوس المغتمة، كما محاه الرب من النفوس، غيروهم من أناس بلا كرامة، واجعلوهم مكرمين، ادخلوا الفرح لقلوب الحزانى وشجعوا الضعفاء ليصيروا أقوياء، وأخرجوهم من عزلتهم، كما يخرج الأموات من القبر، وليشرق بهاء هذا الاحتفال في الجميع، كما لو كان زهرة يانعة. فإن كانت السجون تُُفتح في احتفالات عيد ميلاد الملك أو الإحتفال بانتصار ما، ألا يُخلّص المسيح القائم، أولئك الحزانى؟ أيها الفقراء، احتضنوا مرضعتكم، وكل مَن يحمل جسد ضعيف ومهان، فإن هذه (الكنيسة) هى التي تشفى أوجاعكم. لأن رجاء القيامة يخلق فينا، شهوة الفضيلة وبغضة الخطية، لكن عندما تُنكر القيامة، سيكون هناك شئ واحد لدى الجميع ” فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت[7].

          في هذا اليوم، نجد الرسول بولس يستهين بهذه الحياة الحاضرة، ويترجى حياة الدهر الآتى. مُقللاً من شأن الأمور الظاهرة قائلاً ” إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس[8]. وبسبب هذا اليوم، فإن الناس، هم ورثة الله وورثة مع المسيح. في هذا اليوم، الأجزاء الجسدية التي التهمتها الطيور الجارحة منذ آلاف السنين ستكتمل، وأيضًا التي التهمتها الحيتان وكلاب البحر والحيوانات البحرية عندما يقوم الإنسان، ستقوم معه أيضًا هذه الأجزاء. الأجساد التي أحرقتها النيران والتي أكلتها الحشرات داخل القبور، وبشكل عام كل الأجساد التي أبادها الفساد، ستقوم بلا فساد، وكما يُعلّم القديس بولس، فإن القيامة ستحدث في طرفة عين[9]. لكن أنت تفكر كإنسان، وبحسب قدرتك، تحسب كم يحتاج الأمر من السنين لكى يتحقق هذا؟ أولاً: لكى يمكن أن تتجمع العظام التي فسدت، لكى تتحد مرة أخرى، في صلة طبيعية وترابط منسجم بعد أن كانت متفرقة. ثانيًا: تفكر في تغطية العظام بالأجساد، والتشابكات المعقدة للأعصاب، والأوعية الدموية الدقيقة والشرايين الممتدة تحت الجلد، بعددها الذي لا يحصى والذي ينتشر في الخلايا الدفينة، ومن أين تعرف كل واحدة مكانها المحدد، كزى خاص بها، وتتحد مباشرةً مرة أخرى بهذا الجسد وتختاره بدون خطأ، وسط هذا العدد الضخم من الأجساد المتشابهة. تأّمل النفوس والأجساد منذ آدم، أعداد غير متناهية من الأجساد تحللت، ثم عودة أصحابها بعد أحقاب زمنية طويلة، كل هذا يتم بأسلوب عجيب. فلا هذا الجسد يتأخر عن أن يُسكن، ولا ساكنه يضل عنه، ويسهر على الباب طالبًا سكنه الخاص به. لكنها تتقدم نحوه مباشرةً، كما تتجه الحمامة إلى عشها، حتى ولو كان هناك أبراج كثيرة ومتتابعة في نفس المكان، ولها تصميم واحد. كيف تتشكل الذاكرة والتفكير التي للحياة السابقة وبهذا القدر من السرعة، بينما الجسد الحى قد تحلل منذ قرون طويلة، على الرغم من أنه عندما يستيقظ الإنسان من نوم ثقيل، ينسى للحظة مَن هو وأين يوجد، وينسى أموره المعتاد عليها، إلى أن يفيق من غفلته، وتنشط الذاكرة مرة أخرى وتصير أكثر حيوية. هذه الأمور، وأخرى مماثلة، تمر في أفكار الكثيرين، وتملأ الذهن بأشياء مثيرة، ومع ذلك لا يؤمنون بالمعجزة. لأن الذهن لا يجد حلاً لكل ما يحيّره، ولا يستطيع أن يُشبع فضوله من جهة الاكتشاف والفهم، فيُقاد إلى عدم الإيمان، ومخالفة الحقيقة بسبب ضعف أو مرض في طريقة التفكير ذاتها. ولأن موضوع الاحتفال محبب لدينا، فلنحاول قليلاً، طالما أتينا بموضوعنا إلى البداية المناسبة، أن نُعلّم هؤلاء الذين يرتابون بلا مبرر في أمورًا واضحة.

عندما أراد الله أن يخلق الإنسان، أوجده لا ككائن بلا قيمة، لكن ككائن مكرم أكثر من أى خليقة أخرى، وأعطاه سلطان على كل الخليقة التي تحت السماء. هذه هى إرادته، فقد خلقه حكيمًا، وشبيهًا بالله، وزينه بنعمة غنية. فهل يا ترى قد أحضره إلى الحياة، بهذا القصد، أى أن يولد، ويفسد ويختفى كليةً؟ هذا القصد لا وجود له، فإنه أمر شائن جدًا، أن ننسب هذا القصد لله. لأن الله بهذه الصورة، يعكس صورة أطفال يصنعون بيوتًا صغيرة بحماس كبير، وبسرعة يهدمون ما يصنعوه، دون أن ينتهى تفكيرهم إلى أية نتيجة مفيدة. لكن نحن قد تعلمنا العكس تمامًا، إن الله خلق الإنسان الأول (آدم) خالدًا، وعندما خالف وصيته، وعوقب بسبب خطيته، حُرِم من الخلود[10]. بعد ذلك فإن الله منبع كل صلاح ـ من فيض محبته للبشر ـ قد رفع الدين عن أولئك الذين أراد لهم التجديد حتى لا يسيروا نحو الفناء، وأعادهم إلى حالتهم الأولى. هذه الأمور كلها جديرة أن تُنسب بالحقيقة إلى الله. لأنه بجانب أنها تُظهر صلاحه فهى أيضًا تؤكد قدرته. فإن كان من غير المقبول أن يتعامل المرء بقسوة وبلا رحمة مع تلاميذه ومع مَن يرعاهم، ويوصف هذا السلوك بأنه سلوك غير سوى، فبالأولى كثيرًا جدًا لا يمكننا أن ننسب هذا السلوك لله الذي هو منبع المحبة والرحمة والرأفة وكل صلاح. فالراعى على سبيل المثال يريد قطيعه صحيحًا معافًا تدب فيه الحياة، ويطمح في زيادة أبقاره وأغنامه برعايتها بطرق متنوعة، وبشكل عام فإن كل مَن يرعى قطعان يتمنى أن تُحفظ سالمة وأن تتزايد وهو يرمى بلا شك إلى هدف نافع ومفيد. فإن كانت هذه الرؤية هى رؤية صحيحة، وأن ما قلناه منذ قليل، يؤكد على مشيئة الله، خالق جنسنا البشرى، بأن يعيد خليقته التي فسدت للحياة، فإنه من الواضح أن أولئك الذين لا يقتنعون بما سبق وقلناه، يستمدون في آرائهم المعارضة هذه من فكرة استحالة أن الله يُقيم الذي مات وتحلل. غير أن كل مَن ينسب الضعف والحيرة إلى الله هو بالحقيقة من الأموات وبلا احساس، إذ ينسب ضعفه الشخصى إلى الله كلّى القدرة والقوة.

          ولكى نُوبّخ حماقتهم بكلمات دقيقة، يجب أن نؤكد على هذا الذي سيحدث ونسأل، كيف يمكن أن لا نؤمن بالقيامة؟ لقد سمعت أن الطينة صُنعت وصارت إنسانًا. أخبرنى إذن من فضلك أنت يا من تظن أن لديك حكمة تشمل كل شئ، كيف جُمع هذا التراب الدقيق المتفرق، وكيف صار أجسادًا، ومن نفس المادة صُنعت العظام والجلد والدهن والشعر؟ وكيف تكون هناك أعضاء متميزة عن بعضها مع انها تكوّن جسدًا واحدًا؟ كيف أتت حواء من عضو صغير من جنب آدم وصارت كيانًا كاملاً مثل آدم الذي خُلق من التراب. بمعنى أن الضلع الذي أُخذ من الجنب صار رأسًا، ويدين ورجلين. انظر إلى شكل الأمعاء بالتوائاتها المتشابكة، الجسد والشعر، العين والأنف والفم، وكل شئ بشكل عام، ولكى لا أسترسل في الكلام، فإن كل شئ فينا نحن الصغار هو عجيب ومدهش.

إن الكلام عن الخلق، هو أمر يمكن فهمه وقبوله بسهولة. إذن أولئك الذين يقبلون أن من الجنب صار إنسان، بينما لا يؤمنون بإعادة خلق الإنسان مرة أخرى كيف يدّعون بأنهم مفكرين؟ بالتأكيد ليس من السهل إدراك القدرات الإلهية من خلال التصورات الإنسانية. فإن كنا ندرك كل شئ فلن يكون هناك فارق بين الخالق والمخلوق. ولماذا أتكلم عن المقارنة بيننا وبين الله؟ لأنه في بعض الخواص لا يمكننا أن نقارن أنفسنا ولا حتى مع الحيوانات الغير العاقلة، لكننا (في بعض الأمور) نحن أقل منها. على سبيل المثال في الجرى، فإن الخيول وأيضًا الكلاب، وحيوانات أخرى تفوقنا في ذلك. أما في القوة، فإن الجِمال والبغال تتفوق علينا، وفي البصر الحاد، التيس أشد بصرًا. ولهذا فإن مَن لديه عقل عليه أن يؤمن بكلام الله، ولا يطلب معرفة الطرق والأسباب المختصة بالقدرات الإلهية، لأن هذه القدرات، تتجاوز إمكانياتهم الذهنية. اشرح لى كيف أخذ هذا العالم المرئى كيانًا ووجودًا؟ أخبرنى عن الفن الذي به تحقق هذا العمل متعدد الأشكال. ومع أنك تعرف أن هذه الأمور هى فوق قدرتك، إلاّ أنك تُظهر حيرة وغضب، لأنك تجهل موضوع إعادة تجديد الإنسان بحسب الميلاد الجديد، أنت يا مَن تجيد الكلام عن الميلاد. وإن كانت هذه الأمور، بالنسبة لك هى حلم، وخيال، وإدراكها من كل النواحى أمر مستحيل، فلا تغضب، إن كنت تجهل موضوع إعادة  الخلق، أو أنك لا تستطيع أن تفهم اصلاح ذاك الذي فسد، فالفنان الذي أوجد الخليقة الأولى، هو نفسه الذي يُعيد الخلق مرة أخرى[11]. فهو يعرف كيف يُعيد مرة أخرى عمله الذي أصابه فساد. هل  يحتاج إلى حكمة؟ هو نفسه مصدر كل حكمة وكل قدرة وليس في احتياج لمساعد أو معين. هذا هو الذي بحسب كلمات النبى الحكيم ” من كال بكفه المياه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكيل تراب الأرض[12]. انتبه إلى الصور، التي تعطى معانى واضحة للقدرة التي لا يُعبر عنها، والتي تجعل الحيرة تتملك على أفكارنا، باعتبار أننا لا نستطيع أن نتخيل شيئًا مساويًا في القيمة لطبيعة الله. فهو ضابط الكل، ولا يوجد شئ مستحيل وغير ممكن تحقيقه لدى الله لأنه يستطيع كل شئ.

إذًا فأمامك أمور كثيرة تقود إلى الإيمان وتفرض عليك أن تقبل الأمور التي تكلمت عنها. أولاً وقبل كل شئ، إن هذا الكون كثير التنوع والتراكيب، يُعلن بجلاء وأكثر من أى عظة، أن ذاك الذي أبدع كل ما تراه[13] هو إله عظيم، وخالق حكيم. لقد تعهد الله الخليقة بالرعاية، واهتم بنفوس غير المؤمنين الضعيفة، وأكد قيامة الأموات عمليًا، بأن أعطى حياة لكثير من الأجساد التي ماتت. ولهذا فإن لعازر قام بعد أربعة أيام من بقائه في قبره[14]. والابن الوحيد للأرملة، أُقيم من موته وسُلم لأمه، وبعد أن كانوا يحملونه ليُدفن، عاد حيًا[15]. وآلاف آخرين من الصعب أن أحصيهم الآن. لكن لماذا أتطرق بحديثى عن الله، وعن المخلّص عند الحديث عن القيامة؟ لكى يخجل بالأحرى كل مَن يشك، وأقول ألم  يُعطِ لعبيده الرسل، القدرة أن يقيموا أمواتًا؟ إذن فالدليل واضح على قدرته الإلهية، ولماذا أيها المتشاحنون، تُثيرون هذه الموضوعات، وهل نحن نتكلم بكلام غير مفهوم؟ فكما قام شخص من بين الأموات ، هكذا سيقوم عشرة أشخاص، ومثلما قام عشرة، هكذا سيقوم ثلاثمائة، وكما قام ثلاثمائة، هكذا سيقوم الكثيرون. النحات الذى ينحت تمثالاً ما على سبيل المثال، يستطيع بسهولة أن ينحت عددًا كبيرًا من التماثيل. ألم تروا كيف يُشكل الصناع بقليل من الشمع، الأشكال والنماذج للمبانى الكبيرة والرائعة؟

انظر إذًا إلى السماء التي لا نهاية لها، هى إبداع عمل الله، وقد خلق الله الإنسان، كائنًا عاقلاً، لكى يدرك الإبداعات الإلهية ويمجد الخالق الحكيم والمبدع، وها أنت ترى دائرة عالم الفلك، التي هى صغيرة، لكنها تتحرك بيد عَالِم الفلك، هكذا تتحرك السماء بيد الله. هكذا فإن الأعمال الفنية الصغيرة، تصير صورة للإبداعات الكبيرة، والكلمات القليلة، تُفسر الأعمال الضخمة. لماذا أذكر هذه الأمور؟ لكى تعرف، إذا ما سألتنى كيف ستحدث قيامة الأجساد التي رقدت منذ بداية الخليقة؟ سأُجيب متساءلاً، كيف قام لعازر بعد أربع أيام في القبر؟ فعندما تؤمن أن ذاك الذي يعمل، هو الله، فلن تقول إنه يوجد شئ مستحيل أمامه، ولا تعتقد أن ذهنك يستطيع أن يستوعب حكمة ذلك الذي هو غير مُدرك. لأنه لا يوجد شئ غير محدود أمام الله،  أما بالنسبة لك، فغير المحدود هو أمر لا ينبغى الفحص فيه. غير أننا يُمكننا أن نفهم هذا بطريقة أفضل لو أننا أضفنا إلى ما قلناه، الطريقة التي خُلقنا بها. لا أتكلم عن بداية جبلتنا الأولى من الله، لأنها غير مدركة ولا يمكن للذهن الإنسانى أن يصل إليها، لكنى أتكلم عن الخلق الذي يظهر من خلال الطبيعة ومن خلال الإنسان. كيف أن البويضة المخصبة والتي هى مادة سائلة، وبلا شكل، تصير جامدة، ثم تصبح رأسًا، وعضلات ساق، وتصير أضلاعًا متينة، كما أن المخ وهو لين وخفيف، تصير الجمجمة التي تحتويه، جامدة جدًا وخشنة، بالإضافة إلى الأعضاء الأخرى متعددة الأشكال؟ وهذا أقوله باختصار ولا أسترسل شارحًا تفاصيل الأمور الجانبية. إذن فكما أن البويضة المخصبة في البداية، تكون بلا شكل، ثم بعد ذلك تأخذ شكلاً، وحجمًا، كما يُبدعها العمل الإلهى بشكل معجزى، هكذا يكون مقبولاً أكثر، أن الرفات التي توجد داخل القبور، والتي كان لها في وقت ما شكل محدد، تتجدد مرة أخرى. والتراب يصير مرة أخرى إنسانًا، مثلما حدث بالضبط في بداية الخلق، حيث خُلق الإنسان من تراب الأرض.

لنتقدم في الكلام عن الله، ولنفكر فيما لصانع الخزف من إمكانيات، ماذا يعمل الخزّاف؟ يأخذ قطعة من الطين، ويُعطيها شكل إناء معين، ويُعرّضه للشمس، لكى يُجففه ويجعله متينًا، ليصبح فيما بعد جرة، أو بلاطة أو إناء تخزين. لكن أحيانًا يدخل إلى داخل معمله إنسان آخر، بشكل مندفع وبلا نظام يقلب كل شئ، فيُلقى الإناء إلى أسفل، ويسحقه فيصير ترابًا لا شكل له. لكن إذا رغب الخزاف في إصلاح ما حدث على الفور، فإنه يُشكل الخزف من جديد، ويصنع بفنه إناء ليس بأقل جودة أبدًا من الإناء القديم. مع أن الخزاف هو بالتأكيد مخلوق صغير، إذا ما قورن بالقدرة الإلهية، فإننا لا نصدق الله عندما يَعد أن يُجدد ويحيي ما تلاشى. وهذا بالتأكيد هو فكر أحمق. ومن ناحية أخرى، لنر ماذا يقول لنا بولس الرسول باستخدامه مثال القمح، والذي يُعلّم به هؤلاء الأغبياء قائلاً: ” يا غبى الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذي تزرع لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقى. ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد[16]. فلنفحص بعناية، كيف يصير نبات القمح، وستفهمون كلامى. فبذور القمح يلقونها في الأرض، وبعدما تتعفن بالرطوبة، بعد موتها، تنتهى إلى حالة معينة، مثلما يحدث في اللبن، الذي إذا تخمر، صار مثل مادة بيضاء، لها مذاق حامضى. وعندما تنمو البذور وتمتد في الأرض، تتحول شيئًا فشيئًا من اللون الأبيض إلى اللون الأخضر. ثم بعد ذلك تصير خضراء وتتشعب في الكتل الطينية، وعندما تكبر إلى فوق، وتتغَذى هذه الأعواد الكثيرة من أسفل، من مكان معين من الجذر، فإن الجذر يُعَد بهذا لحمل الثقل الذي سيصير في المستقبل. وكما يُضبط سارى المركب من كل اتجاه، بحبال كثيرة، لكى يبقى ثابتًا وفي حالة توازن، من خلال الجذب المناوئ للحبال، هكذا نتوءات الجذر، مثل الحبال، تصير دُعامات وحماية للساق الحامل للسنابل. وعندما يصير القمح أعوادًا وينمو مرتفعًا إلى أعلى، فإن الله يسنده ويشدّده ويقوى ساقه، ليؤّمنه، من أجل ثقل السنبلة عند نضجها، فيكون مثل بيت مبنى بحجارة مترابطة. فهكذا عندما تصل قوة الساق إلى أقصى مداها، نجد أن البراعم تتشقق وتخرج السنابل. وهذه (السنابل) نجد فيها أيضًا عجائب أخرى عظيمة. إذ نجد الحبوب الصغيرة في صفوف مرتبة متراصة بجانب بعضها وكل حبة منها لها غلاف خاص، وفي النهاية تخرج هذه السنبلة أشواك دقيقة وحادة، أتصورها كأسلحة ضد الطيور التي تريد أن تلتقط هذه الحبوب، فتمنعها من الاقتراب والتقاط حبات القمح. أرأيت كم معجزة، تخفيها بذرة متعفنة، بينما هى حبة واحدة تسقط في الأرض، عندما تنمو وتثمر، تصير حبات كثيرة؟ أما من جهة الإنسان، فإنه لا يأخذ شيئًا أكثر مما له، لكنه يأخذ ما يخصه فقط، فالإنسان الواحد الذي يموت، هو نفسه الواحد الذي يقوم. ولهذا فإن تجديدنا، يظهر أنه أسهل من زراعة القمح. من هنا اتجه إلى ما يحدث للأشجار، كيف أنها تفتقر إلى الحياة في فصل الشتاء من كل عام، أى تموت الثمار، وتسقط الأوراق، وتبقى الأخشاب جافة خالية من كل جمال. لكن عندما يأتى فصل الربيع، تزدان بالزهور اليانعة ثم تكسوها الأوراق الخضراء لتصبح في أبهى منظر يخلب الأنظار وتصبح مأوىً للطيور المغردة التي تعلوا فوق الأغصان، ويُستعلن هناك جمال رائع، حتى أن كثيرين من الناس هجروا بيوتًا مُزينة بالذهب والمرمر، واعتبروا أن بقائهم تحت الأشجار الوارفة هو أمر أكثر سعادة (من البقاء في البيوت). لهذا فإن إبراهيم أقام خيمته تحت أشجار البلوط[17]. وهذا بالطبع، لا لأنه لا يملك بيتًا بل لأنه يشعر بالارتياح والبهجة تحت ظلال الأشجار. وحياة الزواحف تقودنى لقبول هذا الكلام. لأن قدرة هذه الزواحف على الحياة تتوقف في فترة الشتاء، وخلال فترة ستة أشهر، تكون في بياتها الشتوى، وتبقى في مخابئها بلا حركة. لكن عندما يأتى الزمن المحدد ويدوى الرعد في الأفق، ويُسمع الرعد كعلامة حياة، على الفور تنطلق كما لو لم يكن قد مر كل هذا الوقت، وتبدأ في تأدية أعمالها المعتادة.

          ماذا يعنى هذا الكلام؟ ليقل لي الفاحص والعارف بأعمال الله وليخبرنى، كيف يقبل أن تقوم الثعابين من مخابئها بصوت الرعد، بينما هى في حالة موت، لكنه لا يؤمن بعودة الحياة للأموات، عندما يُدوى صوت البوق الإلهى من السماء، كما تقول الكلمة الإلهية ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات[18]. وفي موضع آخر، يقول أيضًا بكل وضوح ” فيُرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه[19]. إذن يجب أن نكون مؤمنين بالتجديد. لأن حياة النباتات والحيوانات على اختلاف أنواعها، وحياة البشر أنفسهم، تُعلّمنا أنه لا يوجد شئ من المخلوقات يستطيع أن يحتفظ بكيانه، لكنه يتبدل ويتحول.

          ولو أردنا التأكد من ذلك، علينا أن ننظر إلى التغيير الذي يطرأ علينا في مراحل أعمارنا المختلفة. إننا نعرف كيف يكون الطفل الرضيع. فبعد مرور وقت قليل، يبدأ في اكتساب قوة لكى يحبو، وهو في هذا لا يختلف في شئ عن الكلاب الصغيرة، يسير بالأربعة (أيدى وأرجل). في العام الثالث يقف منتصب ويتمتم ببعض العبارات غير الواضحة. بعد ذلك يبدأ في تصحيح كلامه، ويصير طفلاً لطيفًا. من هذا السن يتقدم نحو المراهقة، ثم نحو سن الشباب. ونلاحظ أن بعض الشعيرات البسيطة تغطى وجهه في البداية، وبعد وقت قليل تظهر له ذقن كثيفة ويصير شخصًا آخر تمامًا. ثم بعد ذلك يصير رجلاً قويًا، صلبًا يتحمل الأتعاب. وبمرور أربعين عامًا، تبدأ مسيرة عكسية. يبيّض فيها الشعر تدريجيًا في الرأس، وتبدأ القوة تخور، وفي النهاية يصل إلى مرحلة الشيخوخة، وإنهاك القوة تمامًا، وينحنى الجسد نحو الأرض، كما يمتلئ الوجه الناعم بالتجاعيد، ويصبح الشاب الذي كان قبلاً متميزًا، مرة أخرى كالطفل المتلعثم الغير مدرك، ثم يسير بالأرجل والأيدى كما كان يفعل سابقًا. وأسألك كيف تبدو لك كل هذه الأمور؟ أليست هى تغييرات، أليست هى تحولات تليها تحولات؟ أليست هذه تجديدات مختلفة هى التي تغير هذا الوجود الفانى، فيما قبل الموت؟ كيف لا يصير نومنا واستيقاظنا درسًا للحكيم، ومدخلاً لفهم حقيقة القيامة؟ لأن النوم هو صورة للموت، بينما الاستيقاظ شبيه بالقيامة. ولهذا فإن بعض حكماء العالم، يدعون النوم توأم الموت، لأجل التشابه الذي يحدث في كلتا الحالتين (أى النوم والموت). لأنه في الحالتين يسود نسيان للأمور الماضية، وفقدان القدرة على إدراك الأمور الآتية. هكذا نجد أن الجسد في حالة النوم يرقد بلا أحاسيس، دون أن يُميَّز بين الصديق والعدو، يبدو شبيهًا بالموتى في القبور. الآن لو أن هذا الكائن الحىّ مازال يعيش، وتعبر بحياته أيام وليالى، وأمور تُثير الدهشة، تغيرات وتحولات، نسيان وتذكر، فإنه يُعد حماقة شديدة، ألاّ نؤمن بالله الذي وعد بالتجديد في الدهر الآتى، لأنه هو الذي خلق جبلتنا الأولى.

          فإن كان هو أمر في غاية السهولة بالنسبة الله، أن يخلق من العدم (لأنه هكذا قد خُلقت كل الأشياء في البداية). فبكل تأكيد هو أمر أكثر سهولة أن يُعيد الخلق من العناصر الموجودة.

إذن فلا ينبغى أن نُجرد الناس من رجائهم المبارك، وأن نتجاوز ضعفاتنا، وأن نتحرر من كل الأفكار الغريبة. ودعونا ألا نتجاهل الوعد الإلهى من جهة محبة الله للبشر، لأن إنغماسنا في الشهوات الجسدية الجارفة، يجعلنا نتجاهل هذه الوعود الإلهية. إننى أرى أن المعارضين لهذا الموضوع (قيامة الأجساد) هم رفقاء للشر، وأعداء للفضيلة، يتصفون بالشراهة، لا يضبطون عيونهم وأسماعهم، ولا أنوفهم، ويستمتعون بالشهوة التي تأتى إليهم عن طريق كل الحواس. ولأن الكلام عن القيامة مرتبط بالدينونة، وهم يسمعون الكتب المقدسة التي تعلن بشكل قاطع، بأننا سنُحاسب عن أعمالنا (فعندما نتجدد فى القيامة، سنقف جميعًا أمام منبر المسيح، وسننال المجازاة التي نستحقها عن أعمالنا)، ولأنهم يدركون أنهم سلكوا سلوكًا شائنًا ويستحق لعقوبات كثيرة. وبسبب كرههم للدينونة، ينكرون القيامة، مثل العبيد المخادعين أو الغشاشين، الذين يبددون ثروة سيدهم، ويخططون لموته، متفكرين في خيالات فاسدة تتفق ورغباتهم. لكن لا يوجد إنسان عاقل، يُفكر بمثل هذه الطريقة.

فما هو النفع من البر والحق والصلاح، ومن كل شئ حسن، ولأى سبب يتعب الناس ويحيون حياة الفضيلة ويقمعون شهوة الأكل، ويمارسون ضبط النفس، ويأخذون قسطًا يسيرًا من النوم، مقاومين البرد والحر، إن لم توجد قيامة؟ هذا ما يشير إليه الرسول بولس قائلاً:         فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نمـوت[20]. فإن لم توجد قيامة، فنهاية حياتنا هى الموت، إذن فلتُمحَ الإدانات والنقائص، ولتُطلق يد القاتل في إرتكاب الجرائم، وليُترك الزانى غارقًا في ممارسة آثامه، وليلهو الجَشِعْ في جشعه، ولا ينتهر أحد الشتّام ومَن تعود على نقض القسم، ليستمر في نقض قسمة مع أن المؤمن بقسمه ينتظره موت. والآخر فليقل ما يريد من الكذب، لأنه لا يوجد أى ربح من وراء الحقيقة، وإذن فلا يرحم أحد الفقير، لأن أحشاء الرأفة ليس لها مكافأة! إن هذه الأفكار الغريبة تختلط وتتداخل بصورة أصعب من الطوفان الذي يأخذ أمامه كل شئ، وتطرد كل كلمة مُهذبة، وتدعم كل فكر مهووس ومرذول.

لو لم تكن هناك قيامة، فلن تكون هناك دينونة، ستضيع مخافة الله. وحيث لا يوجد تهذيب بالترهيب، فهناك يرقص الشيطان فرحًا بالخطية. ويناسب هؤلاء ما كتبه داود في المزمور القائل ” قال الجاهل في قلبه ليس إله فسدوا ورجسوا بأفعالهم[21]. إن لم توجد قيامة، فإن قصة لعازر والغنى والهوة العظيمة، والنار التي لا تُطفأ، واللسان المشقق، والعطش الشديد لنقطة الماء واصبع الفقير المبلل بالماء، ستكون أسطورة[22]. من الواضح، أن كل هذا يعطى صورة للقيامة العتيدة. بالتأكيد اللسان والاصبع، لا تُعتبر أعضاء النفس غير المتجسدة، بل أعضاء الجسد. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن هذا قد حدث، لكن كل هذا يُشكل صوتًا صارخًا يلفت الإنتباه لما سيحدث في المستقبل. وعند قيامتنا من الموت، سيُقدِم كل أحد حسابًا عن أعماله التي عملها في هذه الحياة، وسيكون مكونًا من جسد ونفس كما كان أولاً. وأيضًا حزقيال النبى، الأعظم بين الرائين، ما الذى فكر فيه عندما رأى البقعة العظيمة المملوءة بالعظام الإنسانية، التي أخذ أمرًا إلهيًا ليتنبأ من نحوها؟ إذ أن هذه العظام قد لبست أجسادًا على الفور، وبينما كانت متفرقة ومطروحة بلا نظام، بدأت تنضم بعضها لبعض بنظام وتوافق. أليس واضحًا، بهذه الكلمات، أنه يبرز الدليل الجاد لإعادة إحياء الجسد؟ وأنا أعتقد أن كل من يتشكك في هذا الكلام الخاص بالقيامة، هو ليس فقط من الجاحدين، ولكنه بلا منطق أو عقل. لأن القيامة، والتجديد، والتجلى وكل الأسماء المشابهة تُذّكر المستمعين بالجسد الذي يخضع للفناء. لأن النفس عندما تُفحص في حد ذاتها، فهى لا تتحلل كما يتحلل الجسد ولا تتعرض للفناء، فهى غير قابلة للموت بسبب قوة الحياة التي أخذتها من المسيح. بينما نجد أن الجسد الذي يحملها يفنى، ويتوقف إتصاله بالأشياء المحيطة. إن النفس ستسكن مرة أخرى في جسدها لتقدم حسابًا أمام الديان العادل. أو من الأفضل، لكى يصير حديثنا مُتسمًا بالدقة ومنطقيًا، لنفحص الأمر كالآتى. ماذا تقول، مَن هو الإنسان؟ هل هو مكون من النفس والجسد معًا أم أنه واحد من هذين الاثنين؟ من الواضح أن الكائن الحىّ، يتكون من الاثنين معًا. لا ينبغى أن نُطيل الحديث في أمور معروفة ولا تقبل الشك. فلو إن الأمر هكذا، فلنُفكر أى من الاثنين (الجسد أم النفس)، عندما يرتكب الناس على سبيل المثال زنا، قتل، سرقة، أو أى شئ له علاقة بهذه الأمور، أو العكس أيضًا عندما يُمارس العفة، ضبط النفس، وكل عمل حسن، هل نقول إن هذه الأمور هى نتائج لعمل الاثنين (النفس والجسد)، أم تنحصر في أعمال النفس؟

          وهنا تتضح الحقيقة، فمن المحال أن تشرع النفس وهى منفصلة عن الجسد في السرقة، أو في تدنيس المقدسات، ولا أيضًا تقدم وحدها خبزًا للجائع ولا تعطى ماءً للعطشان، ولا تداوم على زيارة المسجونين، بلا كلل، لكى ترعى البائسين، لكن في كل الأمور، يعملان معًا بلا انفصال، الواحد مع الآخر يشاركان في الأفعال والأعمال.

          بما أن الأمر هكذا، ولأنك مقتنع بالدينونة عن الأعمال التي عملناها في هذه الحياة، فكيف إذن تفصل النفس عن الجسد وتُقصر الدينونة على النفس فقط، بينما كل ماحدث قد تم بإشتراكهما معًا في كل فعل؟ لكن إذا صار شخصًا ما قاضيًا عادلاً من جهة خطايا البشر، وفحص بعناية، من أين تنبت الأسباب الأولى للخطية، ربما يكتشف أن أول مَن يعبث ويصنع مخالفة هو الجسد. لأنه يحدث مرارًا، بينما النفس هادئة وغير مضطربة وفي سكون، تلقى العين نظرة اشتهاء إلى أمور كان من الأفضل ألا تنظر إليها، وتنقل المرض إلى النفس، فتتبدل حالة الهدوء إلى رعود وأنواء، وأيضًا الآذان عندما تسمع بعض الكلمات النابية والمنفّرة، فإنها تصب في الأفكار أمورًا تُثير الإضطراب والبلبلة. وفي بعض الأحيان تجلب الأنف على صاحبها شرورًا كبيرة لا شفاء منها عن طريق حاسة الشم، فتثير إنساننا الداخلى. وتستطيع الأيدى عن طريق اللمس، أن تُزعزع صلابة النفس. هكذا نتقدم قليلاً قليلاً ونفحص الأمر، سنجد أن الجسد مسئول عن كثير من الخطايا. لكنه أيضًا يعانى المشاق من أجل الفضيلة، ويتعب في جهاده من أجل الصلاح، وذلك عندما يُقطع بالسيف، ويحرق بالنار، ويُمزّق بالسياط، ويُثقل بأحمال ثقيلة، ويصبر على كل تعذيب، لكى لا يخون الوصية الإلهية. إذن لو أن الجسد يُشارك في أفعال النفس ولا ينبذ الآثام، فمن أين تأخذ الدافع، وتقول أن النفس غير المتجسدة وحدها هى التي تُقاد إلى الدينونة؟ بالتأكيد هذا الحديث لا يتعلق لا بأبرار ولا بعاقلين. لو أخطأت النفس وحدها وهى عارية (أى من لباس الجسد)، فلنعاقبها وحدها، لكن لو كان لديها شريك واضح، فلن يتركه الديان العادل وأنا أعرف أن هذا الأمر يقوله الكتاب، أن المذنبين سيخضعون لعقوبات عادلة[23]، نار، ظلمة، دود لا يموت. كل هذه هى عقوبات الأجساد المادية، لأن النفس وحدها لن تمسّها النار أبدًا، ولا الظلام سيُثير لديها حزن، طالما ليس لديها أعين جسدية. وماذا يستطيع أن يفعل الدود الذي يأكل الجسد وليس النفس؟ إذًا فالنفس لن تُدان وحدها بمعزل عن الجسد، لكن الإنسان كله (نفسًا وجسدًا) سيخضع للدينونة.

إن الأفكار العاقلة والرؤى المستنيرة هى التي تقود لقبول قيامة الأموات، والتي ستتحقق في أزمنة محددة، لأن الله حقق وعوده بالأعمال. إذن فلنؤمن بهذا: ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير[24]. وأيضًا ” لا تتعجبوا من هذا. فإنه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة[25]. لأنه لا يقدم وعوده بالكلام فقط، لكن بالأعمال التي يحققها كل يوم، يُعلم ويُظهر بوضوح أنه كلّى القدرة. فعندما خلقنا في البداية لم يتعب، ولا عندما يُغيّرنا ستغيب عنه الحكمة. فلننظر إلى الأمور الحالية، حينئذٍ سوف لا نتشكك في الأمور المستقبلية. لأن كل عمل لله يُثير لدينا الآن أحاسيس مُفرحة وإعجاب لا يُعبر عنه، عندما نتأكد أن ملامح الآباء والأجداد تورث بالتمام في ملامح الأحفاد، والأولاد يصيرون انعكاسًا للأجداد. وعندما تُخلق التشابهات التي تعكس النماذج الأصلية، التي لم يعد لها وجود، وقتها تصل المفاجأة من نحو عمل الحكمة الفائقة لله مخلّصنا، الفنان الأعظم، إلى قمتها، وكل هذا يحدث بطريقة سرية لا يستطيع أحد إدراكها، فيُقيم الأموات، من خلال إعادة خلقه للملامح الخاصة بالنماذج الأصلية، والتي تظهر في الأبناء والأحفاد. وفي كثير من الأحيان، تظهر في جسد ما الملامح التي تحمل نفس الصورة، الخاصة بأنف الأب، وعيون الجد، وخطوة العم، وطريقة كلام الأم، وإنسان واحد يُعتبر مثل نبات تأثر من أشجار كثيرة تُثمر ثمارًا كثيرة لكل مَن يُحبها. كل هذا يستحق الاعجاب، ومع أننا نجهل كيفية حدوثها، إلاّ أننا نعرف قدرة الخالق على إبداعها. إنه لأمر غريب ويكشف عن جهل كبير، من جهة كل ما يظهر في الأجساد التي تولد كل يوم، تلك الملامح الخاصة بالأجساد التي تعفنت وفسدت، وأن صفاتًا غير مألوفة تنتقل إلى أجساد أخرى، لكنهم لا يقبلون أن كل ما لهم من صفات أو ملامح خاصة مميزة، تتجدد وتحيا مرة أخرى. تمامًا كما كانت في أولئك الذين كانوا يحملون هذه الملامح في زمن ما. بل أننا نرفض كل هذا ونتشاجر ونتصور أن الوعد الإلهى خرافة، في حين أن الله هو ذاك الذي أعطى وجودًا لهذا العالم وزيّنه كما أراد. أما من جهتنا نحن فقد آمنا بالقيامة ونعطى المجد للآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] حيث كان المناخ الإجتماعى في تلك الفترة يسمح، بل ويُشجع على تغطية إحتياجات مَن هم في حاجة إلى عون وعضد. هذا ما يؤكده القديس يوحنا ذهبى الفم في عظة له عن “المعمدين الجدد” قائلاً: ” إن المدعوين لأفراح عالمية، حتى ولو كانوا هم أكثر فقرًا من الجميع، فإنه في مرات كثيرة يستعيرون من الآخرين أفضل الملابس للظهور بالشكل اللائق. وأنت يا مَن دُعيت للفرح الروحى والعشاء الملوكى فكر في أى نوع من الملابس ينبغى أن ترتدى “. مجموعة آباء الكنيسة اليونانيين (EPE)  89، جزء30، ص555.

[2]  مز1:117.

[3] مز1:149ـ2.

[4] 1كو31:7.

[5] مز24:118.

[6]  تك20:40ـ21.

[7]  1كو32:15.

[8] 1كو19:15.

[9]  انظر1كو52:15.

[10] يظهر هذا في صلاة الصلح، عندما يصلى الأب الكاهن قائلاىً: ” يا الله العظيم الأبدى الذي جبل الإنسان على غير فساد … وعندما خالفنا وصيتك بغواية الحية سقطنا من الحياة الأبدية ونفينا من فردوس النعيم “.

[11] يورد القديس أثناسيوس هذا التشبيه في مجال حديثه عن تجسد الكلمة، انظر كتاب “تجسد الكلمة” فصل1، فقرة 4. ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار مركز دراسات الآباء، سنة 2003.

[12] إش12:40.

[13] حكمة سليمان1:13.

[14]  يو44:11.

[15]  لو11:7ـ15.

[16]  1كو36:15ـ37.

[17]  تك18:13.

[18]  1كو51:15.

[19]  مت31:24.

[20] 1كو32:15.

[21] مز1:14.

[22] لو19:16ـ31.

[23]  مر48:9، مت12:8، حكمة يشوع بن سيراخ 17:7.

[24]  1كو52:15.

[25]  يو28:5ـ29

 

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

كتاب أقوال الآباء في قيامة الرب – القس ابراهيم عبده

كتاب أقوال الآباء في قيامة الرب – القس ابراهيم عبده

كتاب أقوال الآباء في قيامة الرب – القس ابراهيم عبده

كتاب أقوال الآباء في قيامة الرب – القس ابراهيم عبده

تحميل الكتاب PDF

كتاب يسوع المُقام ورجاء المستقبل جاري هابرماس – ترجمة مينا مكرم

كتاب يسوع المُقام ورجاء المستقبل جاري هابرماس – ترجمة مينا مكرم

كتاب يسوع المُقام ورجاء المستقبل جاري هابرماس – ترجمة مينا مكرم

كتاب يسوع المُقام ورجاء المستقبل جاري هابرماس _ ترجمة مينا مكرم

تحميل الكتاب PDF

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

 

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

كتاب دافع عن إيمانك – سلسلة مكونة من اثنتي عشرة درسا في الدفاعيات PDF

 

محتويات الكتاب:

مقدمة في علم الدفاعيات 

اعتقادات خاطئة و شائعة 

هل يوجد اله ؟

دفاعيات عن عقيدة الخلق 

دفاعيات اكثر عن عقيدة الخلق 

الجدال العام عن المسيحية 

اثبات صحة العهد الجديد باستخدام الاختبار البيليوغرافي 

اثبات صحة العهد الجديد باستخدام الاختبارت الداخلية و الخارجية 

قيامة يسوع المسيح 

النبوات المتممة 

إلوهية المسيح 

حسم الجدال 

تحميل الكتاب PDF

نظرية الهلوسة – هل تصلح للرد على قيامة يسوع المسيح؟ – مينا مكرم

نظرية الهلوسة – هل تصلح للرد على قيامة يسوع المسيح؟ – مينا مكرم

نظرية الهلوسة – هل تصلح للرد على قيامة يسوع المسيح؟ – مينا مكرم

نظرية الهلوسة – هل تصلح للرد على قيامة يسوع المسيح؟ – مينا مكرم

كانت نظرية الهلوسة شائعة بشكل رئيسي في القرن التاسع عشر. شهدت إصدارات مختلفة من النظرية انتعاشًا طفيفًا في آخر خمسة وعشرين عامًا من القرن العشرين.[36] تتفق هذه المحاولات في الإيحاء بأن التجارب الذاتية للمؤمنين الأوائل تفسر إيمانهم بأن يسوع قد قام. أدى ظهور علم النفس والطب النفسي في القرن العشرين، بالإضافة إلى مجموعة مشتركة من الحقائق التاريخية، مثل تلك التي تم الاستشهاد بها بالفعل، إلى ظهور العديد من الانتقادات الجوهرية لهذه النظريات. نتيجة لذلك، اتبع عدد قليل من العلماء الجدد هذه السبل.

قد يتم ذكر بعض مشاكل نظرية الهلوسة بإيجاز شديد:

(1) الهلوسة هي تجارب ذاتية تنبع من عقول الأفراد. ونتيجة لطبيعتها الخاصة، فإن هذه الأحداث ليست جماعية أو معدية. نظرًا لأنه لا يمكن مشاركة هذه الأحداث الخاصة، فإن نفس الهلوسة لن يمر بها أكثر من تلميذ واحد في نفس الوقت. يلخص عالم النفس الإكلينيكي والمؤلف غاري كولينز هذه المشكلة الأولى: “الهلوسة أحداث فردية. بحكم طبيعتها، يمكن لشخص واحد فقط أن يرى هلوسة معينة في كل مرة. إنها بالتأكيد ليست شيئًا يمكن أن يراه مجموعة من الناس … بما أن الهلوسة موجودة فقط في هذا المعنى الذاتي والشخصي، فمن الواضح أن الآخرين لا يمكنهم مشاهدتها “.[37]

(2) الحالة النفسية التي تنتج عادة الهلوسة، تتميز بالاعتقاد والتوقع وحتى الإثارة،[38] كانت تجارب التلاميذ تفتقر لهذا بالتأكيد. إن توجيه الاتهام إلى التلاميذ بتوقع قيامة يسوع هو التغاضي عن الظروف التي مروا بها للتو: الموت الأخير وغير المتوقع لصديقهم المفضل، الذي وضعوا فيه رجائهم. تم التخلي عنهم، جنبًا إلى جنب مع اعتقال يسوع، ومحاكمته، وضربه، وصلبه، ودفنه كلها كانت بمثابة طلقات سريعة متتالية. من الناحية النفسية، ستكون الحالة الذهنية المتوقعة هي حالة الصدمة وعدم الإيمان واليأس. تؤكد الواقعية الصارخة للجنازات على هذا الاستنتاج.

(3) ربما تكون أكبر عقبة أمام أطروحات الهلوسة هي تنوع الأوقات والأماكن والشخصيات المشاركة في هذه التجارب. إن التنوع العاطفي للرجال والنساء المعنيين، إلى جانب كل الأوقات والأماكن المختلفة، تفرض متطلبات كبيرة على هذه الفرضية. إن اشتراط أن يكون كل فرد في الحالة الذهنية الصحيحة تحديدًا من أجل تجربة الهلوسة يزيد من الاحتمالات بشكل كبير ضد مثل هذه التفسيرات، بحيث تكون قريبة من السذاجة.

(4) إذا كان أتباع يسوع مهلوسين، فإن جسده لا يزال موجودًا حيث دُفن. لكن القبر الفارغ هو جزء مزعج من البيانات لجميع الأطروحات الذاتية. لو احتل أي جسد ذلك القبر، لكان المسيحيون الأوائل قد واجهوا مشكلة خطيرة، لأنهم بشروا بقبر فارغ. هناك حاجة إلى نظرية بديلة أخرى لتفسير ذلك.

(5) بشكل عام، الهلوسة لا تغير الحياة. عند مواجهة بيانات معاكسة، مثل وجود آخرين لا “يرون” نفس الشيء، فإن أولئك الذين يعانون من الهلوسة عادة ما يتخلون عن أطروحتهم. إن كون التلاميذ على استعداد للموت من أجل إيمانهم بالقيامة دون التراجع هو مؤشر قوي ضد هذا الافتراض.

(6) لا توجد معطيات تشير إلى أن الرسول بولس كان في حالة ذهنية تفضي إلى تجربة الهلوسة. في الواقع، إن إخلاصه الديني وحماسته، وتربيته المثالية، واختياره كأفضل مرشح لقيادة الاضطهاد ضد المسيحيين، كلها تعمل ضد كونه مرشحًا لإنتاج صور ذاتية ليسوع القائم من بين الأموات.

(7) على الرغم من اختلاف الظروف تمامًا، إلا أن مشكلة مماثلة موجودة ليعقوب، شقيق يسوع. عدم إيمانه قبل قيامة يسوع هو أساس ضعيف يمكن من خلاله افتراض الهلوسة.

(8) لا تزال هناك قضايا أخرى تتعلق بفرضية الهلوسة. (عادة ما تنتج الهلوسة عن مرض عقلي أو لأسباب فسيولوجية مثل حرمان الجسد. لكننا لا ندرك أن مثل هذه الظروف تنطبق على أي من التلاميذ.

(9) علاوة على ذلك، يفرق العهد الجديد بوضوح بين ظهورات قيامة المسيح والرؤى الدينية، مما يعني وجود اختلاف في الجودة.

(10) ولماذا توقفت الظهورات بدلا من الزيادة كما كانت حتى تلك اللحظة؟

(11) علم اللاهوت اليهودي قيامة جماعية في نهاية الزمان. ما الذي يفسر الادعاءات المختلفة للغاية المتعلقة بحالة يسوع؟[39]

لا عجب أن فرضيات الهلوسة والأطروحات الذاتية المماثلة تم رفضها بشكل عام من قبل العلماء الناقدين. من نواحٍ عديدة، فشلت هذه الاستراتيجيات في شرح البيانات المعروفة. في الواقع، المشاكل ثقيلة للغاية لدرجة أن القلة التي تفضل هذه الخيارات النظرية “يجب أن تتعارض مع الكثير من البيانات النفسية والفسيولوجية الحالية حول طبيعة الهلوسة”.[40] من المثير للاهتمام أن مناهج الهلوسة للقيامة تبدو متعارضة مع المعرفة الطبية والنفسية والتاريخية الحالية حول الهلوسة.

يقدم هذا مثالاً على مصير النظريات البديلة.[41] كما أشرت، فإن أطروحات الهلوسة ليست سيناريوهات “رجل القش”، لكنها ربما كانت أكثر المواقف البديلة شيوعًا على مدار المائة عام الماضية. ومع ذلك، فقد انحرفوا في محاولتهم شرح الحقائق المعروفة. يتفق العلماء الناقدون عمومًا على أن هذه الفرضيات الذاتية وغيرها تدحضها البيانات المتاحة.[42] كما يؤكد ولفارت بانينبيرج، فيما يتعلق بهذه الأطروحات النفسية، “لقد فشلت هذه التفسيرات، حتى الآن”.[43]

تواجه الخيارات الأخرى بالمثل العديد من الاعتراضات. على الرغم من أننا لا نستطيع تقديم التفاصيل هنا، إلا أن أياً من النظريات الطبيعية المقترحة لا تشرح بشكل كافٍ جميع الحقائق التاريخية المعروفة.

36.انظر:

Gary R. Habermas, “The Late Twentieth-Century Resurgence of Naturalistic Responses to Jesus’ Resurrection,” Trinity Journal, n.s., 22 (2001): 179-96.

37. Gary Collins, letter to the author, 21 February 1977.

38. على سبيل المقال راجع:

Leonard Zusne and Warren Jones, Anomalistic Psychology: A Study of Extraordinary Phenomena of Behavior and Experience (Hillsdale, N.J.: Lawrence Erlbaum, 1982), 135.

39. بالنسبة للمصادر العلمية الحديثة، وتأكيد هذه الانتقادات، وبعض التقلبات الجديدة في النظرية خلال العقود القليلة الماضية، وكذلك المزيد من مجالات المشاكل، انظر:

Gary R. Habermas, “Explaining Away Jesus Resurrection: The Recent Revival of Hallucination Theories,” Christian Research Journal 23 (2001): 26-31, 47-49.

للحصول على تفنيد أكثر تفصيلاً لنظرية الهلوسة، انظر:

Habermas, Resurrection of Jesus: A Rational Inquiry, 127-45.

40. Collins, letter to author.

  • 41. سنتناول بإيجاز كلاً من نظريات الإغماء والأسطورة أدناه. منذ القرن التاسع عشر، كانت هذه النظريات والهلوسة أكثر الأساليب الطبيعية شيوعًا.

    42. للاطلاع على بعض الأمثلة للعلماء الذين ينتقدون أطروحات الهلوسة، انظر:

    Hans Grass, Ostergeschehen und Osterberichte, 2nd ed. (Gottingen, Germany: Vandenhoeck and Rupert, 1962), 96;

  • Paul Tillich, Systematic Theology (Chicago: University of Chicago Press, 1957), vol. 2, esp. 156;
  • Gunther Bomkamm, Jesus of Nazareth, trans. Irene and Fraser McLuskey with James M. Robinson (New York: Harper and Row, 1960), 185;
  • Joachim Jeremias, “Easter: The Earliest Tradition and the Earliest Interpretation,” New Testament Theology: The Proclamation of Jesus, trans. John Bowden (New York: Charles Scribner’s Sons, 1971), 302;
  • Pannenberg, Jesus: God and Man, 95-97;
  • Jurgen Moltmann, Theology of Hope: On the Ground and the Implications of a Christian Eschatology, trans. lames W. Leitch (New York: Harper and Row, 1967), 172, 186, 198;
  • John A. T. Robinson, Can We Trust the New Testament? (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1977), 123-25;
  • Grant, Jesus, 93; J. K. Elliott, “The First Easter,” History Today 29 (1979): 219;
  • Raymond E. Brown, The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist Press, 1973), 90-92;
  • Reginald H. Fuller, The Formation of the Resurrection Narratives, rev. ed. (Philadelphia: Fortress Press, 1980), 46-49, 94-96;
  • Pinchas Lapide, The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective (Minneapolis: Augsburg, 1983), 125-26;
  • A. M. Ramsey, The Resurrection of Christ (London: Collins, 1961), 41, 49-50;
  • Helmut Thielicke, “The Resurrection Kerygma,” in The Easter Message Today, trans. Salvator Attanasio and Darrell Likens Guder (London: Thomas Nelson, 1964), 84-91;
  • Neville Clark, lnterpreting the Resurrection (Philadelphia: Westminster Press, 1967), 100-101;
  • George Eldon Ladd, I Believe in the Resurrection of Jesus (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1975), 136-38.

للحصول على عدد قليل فقط من التعليقات الأكثر أهمية، البعض من العلماء الذين يشككون تماما، انظر

  • Ingo Broer, “‘Seid stets bereit, jedem Rede und Antwort zu stehen, der nach der Hohung fragt, die euch erfullt’ (1 Petr 3,15): Das leere Grab und die Erscheinungen Jesu im Licte der historichen Kritik,” in Broer and J. Werbick, eds., “Der Herr ist wahrhaft auferstanden” (Lk 24,34): Biblische und systematische Beitriige gur Entstehung des Osterglaubens, Stuttgarter Bibel-Studien 134 (Stuttgart, Germany: Katholisches Bibelwerk, 1988), cf. esp. 55-56;
  • John Dominic Crossan, “Dialogue,” in Will the Real Jesus Please Stand Up? A Debate between William Lane Craig and John Dominic Crossan, ed. Paul Copan (Grand Rapids, Mich.: Baker Books, 1998), 63;
  • Marcus Borg, “The Truth of Easter,” in The Meaning ofJesus: Two Visions, by Borg and N. T. Wright (San Francisco: Harper Collins, 1999), 132-33;
  • Wedderbum, Beyond Resurrection, 96, cf. 116;
  • John Drane, Introducing the New Testament (San Francisco: Harper and Row, 1986), 105;
  • William Lane Craig, Assessing the New Testament Evidence for the Historicity of the Resurrection of Jesus (Lewiston, N.Y.: Edwin Mellen Press, 1989), 392-400;
  • John Shelby Spong, The Easter Moment (San Francisco: Harper and Row, 1987), 96;
  • N. T. Wright, “Christian Origins and the Resurrection of Jesus: The Resurrection of Jesus as a Historical Problem,” Sewanee Theological Review 41 (1998): 115-16, 120-21;
  • Gerald O’Collins, Jesus Risen: An Historical, Fundamental and Systematic Examination of Christ’s Resurrection (New York: Paulist Press, 1987), 107-9;
  • Stephen T. Davis, Risen Indeed (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1993), 179, 183-84;
  • James D. G. Dunn, The Euidxncefor Jesus (Louisville, Ky.: Westminster Press, 1985), 71-76;
  • Barnett, Jesus and the Logic of History, 130-31;
  • LorenZen, Resurrection and Discipleship, 61, 124;
  • Phillip H. Wiebe, Visions of Jesus: Direct Encounters from the New Testament to Today (New York: Oxford University Press, 1997), 210;
  • Samuel Vollenweider, “Ostern-der denkwurdige Ausgang einer Krisenerfahrung,” Theobgische Zeitschrift 49 (1993): 41-43.

يمكن إضافة العديد من العلماء الآخرين إلى هذه القائمة.

43. Pannenberg, Jesus: God and Man, 96.

نظرية الهلوسة – هل تصلح للرد على قيامة يسوع المسيح؟ – مينا مكرم

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

بعد أن أقدمت على تسويغ الإيمان المسيحي على صعيدي كل من اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية فكرية، والكتاب المقدس بصفته كلمة الله، سأدافع الآن، كما كنت قد صرحت في الفصل الأول عن اضطراري للقيام بذلك، عن بعض الظواهر التاريخية للإيمان المسيحي، بحيث تُبرهن كل واحدة منها أن يسوع كان ولا يزال المسيح الخارق للطبيعة. في هذا الفصل، سأدافع عن الحدث التاريخي المركزي في المسيحية، ألا هو تاريخية قيامة المسيح في الجسد من بين الأموات، والنتيجة التابعة لها، أي صعوده إلى السماء في الجسد. أما في الفصول الثلاثة التالية، فسأدافع عن حبله العذراوي في رحم العذراء مريم، وعن عجائبه المقتدرة، وعن حادثة اهتداء بولس على طريق دمشق بالطريقة التي ذكرها لوقا في سفر الأعمال. وقد يسأل القارئ، لماذا هذه العقائد؟ حسناً، لنعد رجوعاً إلى تاريخ الكنيسة المشيخية قبل أقل بقليل من قرن من اليوم لنرى الأسباب.

في العام 1924، تبنت الجمعية العمومية للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأميركية PCUSA “التوكيد أوبرن” The Auburn Affirmation والتي حظيت بتوقيع 1274 خادماً مرسوماً. تناولت هذه الوثيقة القرارات من خمس نقاط المختصة بالعقيدة، والتي كانت قد أقرتها الجمعيات العمومية للأعوام 1910، 1916، 1923، والتي كانت قد أكدت أن عصمة الكتاب المقدس، وولادة المسيح العذراوية، وفداءه البديلي، وقيامته في الجسد من بين الأموات، وعجائبه المقتدرة “تعد كل واحدة منها عقيدة أساسية من كلمة الله”. هذه القرارات الثلاثة من خمس نقاط، شكلت المجهود المحافظ ضمن PCUSA، على الأقل، على بعض الشبه بالإيمان الحق في كنيسة كانت تبتعد رويداً رويداً، لكن بخطى ثابتة، عما يعرف باسم “أركان الأيمان”. لكن، وفيما أعلن الموقعون على توكيد 1924 تمسكهم “بكل جدية بهذه الحقائق وبالعقائد العظمى”، عادوا ليعلنوا أيضاً:

ينظر بعضنا إلى النظريات المحددة المتضمنة في إقرار الجمعية العمومية للعام 1923 كتفاسير لهذه الحقائق والعقائد. لكننا مجمعون على الاعتقاد أن ليست هذه النظريات الوحيدة التي تسمح بها الأسفار المقدسة، كما أن معاييرنا لا تصلح وحدها كشروحات لهذه الحقائق والعقائد في ديانتنا. إلى ذلك، جميع المتمسكين بهذه العقائد، مهما كانت النظريات التي قد يعتمدونها لتفسيرها، هو أهل لكي نوليهم كل الثقة وتكوين شركة معهم (الخط المائل لأجل التركيز).

بالطبع، ما أقدم أحدهم على عرض “نظريات” تفسيرية بديلة لهذه العقائد كما كان قد جرى شرحها تقليدياً وتاريخياً، إلا وأنكرها بالتمام أو بلاها بآلاف الأوصاف والنعوت. مثلاً، ما من نظرية تفسير أخرى لقيامة يسوع في الجسد من الأموات، إلا وتنكرت لها؟ برأي، كان ينبغي حصول تقص رئيس للقضية، إن لم نقل محاكمة جماعة على ارتكاب هرطقة، تطال الموقعين مع العديد من مؤيديهم من فريق الوسطيين في الجمعية.

كل ذلك لأن المحافظين في الكنيسة كان عددهم قليلاً، كما أن روح المسالمة السائدة خلال مرحلة ما بعد الحرب، كان منتشراً على نطاق واسع في البلاد وفي الكنيسة. كل هذا جعل PCUSA ببساطة أضعف من خوض “حرب” داخل الكنيسة. لذا، فإن المحافظين الذين كانوا قد تبنوا هذه “الأركان الخمسة للإيمان”، أخفقوا في معرض ما بذلوه من جهد جريء لرد PCUSA عن منحدر عدم الإيمان الذي كانت قد انحدرت إليه على مدى سنين طوال. لذا، أقدم بعضهم في نهاية المطاف على الشهادة ضد ارتداد[1] PCUSA من خلال خروجهم من تلك الكنيسة، كما في اعتقادهم تعلمهم 2كورنثوس 6: 14-18 أن يفعلوا، لكي ينشئوا الكنيسة الأرثوذكسية المشيخية. أقدموا على ذلك لأنهم آمنوا أن هذه العقائد، كما كانت الكنيسة قد فهمتها تقليدياً وتاريخياً، هي أساسية، ليس لخير الكنيسة وحسب، بل أيضاً حتى لوجودها.

سبق لنا أن تناولنا عقيدة عصمة الكتاب المقدس، هذه العقيدة التي بالمناسبة، أعلن عنها توكيد أوبرن:

  • † أولاً، أن الكتاب المقدس لا يؤكد في أي مكان على صفحاته كون كُتابه جرى صونهم “من الخطأ”.
  • † ثانياً، أن اعتراف الإيمان وستنستر لا يلحظ هذا التوكيد[2].
  • † ثالثاً، أن عقيدة العصمة “تنتقص في الواقع من سلطة [الكتاب المقدس] العليا للإيمان والحياة، كما أنها تضعف شهادة الكنيسة عن قوة الله للخلاص من خلال يسوع المسيح”[3]. هذا التصريح لو صح، يعني أن عقيدة العصمة الكتابية هي شر إيجابي!

يا لها من تصريحات مدهشة للغاية! يكفيني القول إن السبب الرئيس وراء قبول عصمة الكتاب المقدس هو الولاء البسيط ليسوع. من أجل هذا، سأتناول العقائد المتبقية على التوالي، للدفاع عنها ولإظهار كيف أن كل واحدة منها تشكل جانباً من السيني كوانن (“الذي من دونه لا يبقى أي شيء”) للمسيحية.

قيامة يسوع المسيح في الجسد

نبدأ من عقيدة قيامة يسوع في الجسد من الأموات، هذا الحدث الرئيس من جملة أحداث عديدة تفرزه وتميزه عن كل شخصية دينية أخرى من الماضي. هناك قاسم مشترك يجمع بين سائر القادة الدينين من الماضي، وهو أنهم ماتوا جميعهم واستمروا أمواتاً. أما يسوع المسيح فهو الذي قام وحده من بين الأموات. بالطبع، يجب أن يعنى هذا شيئاً في نظر العالم! كما أن بولس، في معرض تناوله قيامة المسيح في 1كورنثوس 15، يستنتج في الأعداد 14-19 سبعة انعكاسات على الكنيسة لو أن الله لم يقم المسيح في الجسد من الأموات:

وإن لم يكن المسيح قد قام، [1] فباطلة كرازتنا و[2] باطل [أي وهمي وخادع، كيني] أيضاً إيمانكم، [3] ونوجد نحن [الرسل] أيضاً شهود زور لله، لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح… وإن لم يكن المسيح قد قام، [4] فباطل إيمانكم [أي غير فعال: ماتايا]. و[لاحظوا جيداً: لم يقل “وبالتالي، لا وجود لله، لذا لا داعي للقلق عندما تموتون”؛ لكنه يقول بالحري] [5] أنتم بعد في خطاياكم! إذاً [6] الذين رقدوا في المسيح أيضاً هلكوا! [7] إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس.

يُظهر هذا النص وحده مدى أهمية الإيمان المسيحي بقيامة المسيح في الجسد من الموت. من هنا أهمية إيلائنا الدفاع عنها مكانة مركزية. سأبدأ ببعض الحقائق الكتابية الأساسية.

صلبت السلطات الرومانية يسوع كصانع شغب بإيعاز من قادة اليهود الدينين. [قليلون، حتى إن وجدوا، هم الذين ينكرون هذا اليوم. كما أن هنا يكمن السبب وراء سخط العالم اليهودي على فلم “مل غبسن” Passion of The Christ (“آلام المسيح”) بحيث اعتبروا أنه “مناهض للسامية[4].] لكن، وبكلمات بولس، “قام في اليوم الثالث حسب الكتب” (1كورنثوس 15: 4)[5]. يسلط هذا الاقتباس الضوء على التعليم الرئيس في كل من العهد الجديد وفي كرازة الكنيسة.

على المسيحيين التسليم بأنه في ضوء الجو اليهودي السائد لدى حصول قيامة المسيح، لم يكن ذلك على الإطلاق ما كانت تتوقعه أمة إسرائيل. أنا لا أقصد من وراء هذا التعليق، الإيحاء بخلو العهد القديم من عقيدة القيامة بما أنها حضارة فيه حقاً (راجع إشعياء 26: 19؛ دانيال 12: 2)، أو كون اليهود في القرن الأول ما كانوا ليؤمنوا بقيامة الأموات، لأنها لحقيقة معروفة جداً أن العديد من اليهود كانوا حقاً يؤمنون بالقيامة (راجع أعمال 23: 6-8). إنما كانوا يؤمنون بأن القيامة من الأموات سوف تحدث في المستقبل في نهاية الزمن (راجع يوحنا 11: 24). لكن قامت شلة صغيرة من الرجال لتعلن، ليس في مكان قصي مثل “أزوتس”، بل في أورشليم نفسها – المركز السياسي والديني للأمة – أن الله أقام يسوع من الأموات. لم يكن وقع هذا التعليم غريباً جداً على الأذن اليهودية وحسب، لكنه كان أيضاً تعليماً مهيناً جداً للقيادة الدينية اليهودية، بمن فيهم شاول الطرسوسي، ذلك لأن يسوع كان قد أعدم كمجدف على صليب روماني، ما يعني أنه مات تحت لعنة الله (تثنية 21: 23)، وبموافقة السهندريم الذي يعد أعلى وأرفع محكمة في الأمة.

غير أن تلاميذ يسوع آمنوا بوجود أسباب موجبة لهكذا كرازة، ذلك لأنهم في وجه التهديدات، والاضطهاد الجسدي، والاستشهاد، ظلوا ينادون بأنه قام في الجسد من بين الأموات. ما هي هذه الأسباب؟ أنا أقر بوجود مجموعتين متشابكتين من الدلائل عملت على أقناعهم فوق كل الشكوك المنطقية بأن يسوع قام من الأموات تماماً كما كان قد أعلن، وذلك في جسد حقيقي له خصائصه الروحية الجديدة التي تمكنه من اختراق الأبواب الموصدة. هاتان المجموعتان هما القبر الفارغ وحقيقة ظهوراته العديدة في الجسد بعد صلبه وطبيعتها. كل واحدة منهما تدفعنا إلى التعليق عليها بعض الشيء.

أول مجموعة عظمى من الدلائل: القبر الفارغ

تذكر الأناجيل الأربعة جميعها كيف أنه في اليوم الثالث بعد صلب يسوع ودفنه، اكتشف تلاميذه أن جسده اختفى من القبر حيث كان قد وضع وأن القبر فارغ (متى 28: 6؛ مرقص 16: 5، 6؛ لوقا 24: 3، 6، 22-24؛ يوحنا 20: 5-8). مباشرة بعد هذا تقريباً، كما لاحظنا قبلاً، شرع التلاميذ في إعلان اقتناعهم بأن يسوع قام من بين الأموات. الآن لو كان القبر في الواقع، لا يزال يحتوي جسده – بحيث تكون النساء ولاحقاً بطرس ويوحنا جميعهم قد قصدوا القبر المغلوط (الأمر الذي حدوثه غير محتمل جداً في ضوء متى 27: 61؛ مرقص 15: 47؛ لوقا 23: 55) – لكان من المؤكد أن تلجأ السلطات، اليهودية والرومانية، إلى تصويب خطأ التلاميذ من خلال توجيههم إلى القبر الصحيح وإلى حقيقة كون القبر لا يزال يحتوي على بقايا جسد يسوع.

العديد من الدارسين النقاد عبر السنين، الذي لم يسلموا بتاريخية قيامة يسوع في الجسد، شعروا بضرورة قبول أن القبر كان، بلا شك، فارغاً، لكن إذعانهم هذا للواقع، عادوا وأفسدوه بتقديمهم نظريات من صنف نظرية الجسد المسروق ونظرية الإغماء لتفسير لماذا كان فارغاً.

 

 

نظرية الجسد المسروق

فيما يخص هذه النظرية، بوسعنا استنتاج بكل ثقة أنه لو كانت بعض الأيدي البشرية هي التي أخرجت يسوع من القبر، فهذه الأيدي يجب أن تكون لتلاميذه، أو لأعدائه، أو لشلة من سالبي القبور المحترفين. الآن، إن كان تلاميذه هم الذي سرقوا جسده، وهو الاحتمال الأول المعروض لتفسير ظاهرة اختفاء الجسد (متى 28: 12-15)، على أحدنا مواجهة مسألة كيف كان بإمكان تلاميذه تخطي صفوف الحراس الرومان (والذين بحسب متى 27: 62-66 كانوا قد جعلوا هناك لهذا القصد المحدد بالذات، أي منع تلاميذه من سرقة جسده). ثم كيف كان بوسعهم دحرجة الحجر من دون أن يكتشف أحد أمرهم. ويبقى التفسير المحتمل الأوحد هو أن كتيبة الحراس بأكملها كانت قد غطت في نوم عميق، الأمر الذي يشكل من جديد أول تفسير معروض.

لكن من غير المحتمل أبداً أن يجرؤ التلاميذ غير المنظمين والخائفين حتى على محاولة خوض هكذا مغامرة. كما أنه من غير المحتمل أكثر بعد، أن يخلد الحراس الرومان جميعهم إلى النوم معاً، وذلك خلال تأديتهم للواجب، بما أنه سيترتب عليهم من جراء ذلك عقاب محتم وصارم. إلى ذلك، كان على هذين الأمرين غير المحتملين أن يحصلا معاً لكي يحظى هذا التفسير للقبر الفارغ بالدعم اللازم. وبالنسبة إلى هذا التفسير الأول المعروض، من الواضح أن أي سامع عنيد وصلب العود سوف يرفض فوراً التفسير الخاص بالحراس فيما يتعلق بجسد يسوع، لأنهم لو ناموا فعلاً لما تسنى لهم معرف هوية سارقي الجسد (راجع متى 28: 13).

ثم هناك مشكلة أخرى يترتب على هذا الحل مواجهتها: لو كان تلاميذ يسوع هم المسؤولون عن اختفاء جسده – هذا الأمر غير المحتمل جداً في ضوء ردة فعلهم على كل ما كان قد حل لتوه بيسوع (راجع يوحنا 20: 19)، علينا تصديق أنهم خرجوا بعد ذلك وأذعنوا كحقيقة تاريخية مجرد وهم كانوا قد استنبطوه هم. كما أنهم أمام الاضطهاد والتهديدات بالقتل، جميعهم وليس مجرد واحد منهم، وحتى لدى مواجهتهم الاستشهاد، لم يتراجعوا عن إعلانهم هذا، مبينين أن الأمر كان ينطوي على خدعة. أنا أقر بأن هكذا سيناريو، ليس غير محتمل وحسب، بل حتى قل غير محتمل بدرجة عالية؛ ذلك لأن الكذبة والمرائين ليسوا من الطينة الصانعة للشهداء!

ثم، إن كان أعداء يسوع (القيادة الدينية اليهودية) هم الذين دبروا عملية رفع الجسد، يترتب على أحدنا التساؤل عن السبب وراء إقدامهم على هذا الفعل الذي ساهم في دعم الفكرة نفسها التي كانوا حريصين أشد الحرص على منع حصولها (راجع متى 27: 62-66). ولو كانوا في الواقع، حازوا على جسده أو عرفوا مكان تواجده، يتساءل أحدنا لماذا لم يحضروا الجسد أو شهوداً جديرين بالثقة بوسعهم تفسير ظاهرة اختفاء الجسد، وبرهان أن التلاميذ كانوا على خطأ لدى شروعهم في إعلان أن يسوع كان قد قام من الموت.

أخيراً، نسب حقيقة القبر الفارغ إلى سالبي القبور، أمر حصوله يحظى بأقل نسبة ممكنة من الاحتمال. فهذا بمثابة إقحام في واقع الحدث تفسير لا يقف وراءه ولا حتى ذرة واحدة من الدلائل. إلى ذلك، لم يكن الحراس الرومان ليحولوا دون حصول ذلك وحسب، لكن ولو افترضنا أنه كان بإمكانهم، بشكل أو بآخر، من تجنب اكتشاف أمرهم وأمعنوا في نهب القبر، كان بإمكانهم بالجهد بعد فتحه، أن يأخذوا جسد يسوع العاري معهم، مخلفين وراءهم الأكفان مرتبة في مكانها وكأن أحد ما لم يمسها (يوحنا 20: 6، 7).

نظرية الإغماء

أما فيما يتعلق بنظرية الإغماء، إن كنا نسلم بحكم “ألبرت شوايتزر” (راجع إصداره فوم رايمارس زو وريدي [1906]، تحت عنوان بحسب الترجمة الإنجليزية The Quest of the Historical Jesus)، كان “دايفد شتوارس” قد صوب على هذه النظرة “الضربة القاضية” قبل أكثر من مئة وخمسين سنة، مع أن أحدنا قد لا يزال يسمع اليوم، من حين إلى آخر، عن عرضها كاحتمال ضمن الأوساط الشعبية. هذه النظرية التي يرفض أحد تصديقها، تعتبر أن يسوع لم يمت فعلياً على الصليب، إنما أصيب بحالة أشبه بالإغماء. لكنه عاد وانتعش خلال مكوثه في القبر، وفي اليوم الأول من الأسبوع استطاع بطريقة ما من شق طريقه عبر الحراس للانضمام إلى تلاميذه في العلية، الذين استخلصوا من ذلك أنه قام من الموت. ثم ما لبث أن مات بعد هذا بوقت قليل.

لكن تصديق هذا، يدفع بدرجات التصديق إلى ما بعد جميع الحدود المشروعة. إنه يستلزم أن يصدق أحدنا أن المسؤولين عن قتله على الصليب (ناهيك أيضاً بأصدقائه الذين أعدوا فيما بعد جسده للدفن) ظهروا بشكل يرثى له ويدعو إلى الشفقة، إنهم غير أكفاء كمنفذين لحكم الإعدام وكحكام على حالة ضحاياهم المصلوبين لدى تنفيذهم فيهم الكروريفراجيوم (كسر السيقان) (راجع يوحنا 19: 31-33). كما أنه يفترض من أحدنا تصديق أن يسوع – بالرغم من مكابدته الآلام المبرحة الناجمة عن الجراح الثخينة في كل من اليدين والقدمين، ناهيك أيضاً بخسارة الدم. وما كان يعانيه من ألم جسدي مع الاختلال الذي من الطبيعي أن يصيب كامل جهازه على أثر الصلب الرهيب نفسه وفي غياب أية عناية بشرية أو تغذية جسدية – تمكن بطريقة ما من البقاء على قيد الحياة بالرغم من الجرح في جنبه والجو البارد داخل القبر.

ثم، ومن دون أية مساعدة بشرية، تمكن من إزاحة الحجر الهائل عن مدخل القبر بواسطة يديه الجريحتين لكي يجتاز عبر جمهور الحراس على قدمين جريحتين إلى داخل المدينة حيث كان تلاميذه مختبئين. وهناك، أقنع أتباعه بأنه – بجسمه المنهك والمرهق – هو رب الحياة! هذا السيناريو يبقى حصوله فوق كل احتمال ولا يستحق أن يوافق عليه أي شخص يفكر. إن كتباً من صنف The Passover Plot (“مؤامرة الفصح”) للكاتب “هاغ سكونفيلد”، وThe Jesus Scroll (“بيان يسوع”) للكاتب “دونوفان جويس”، يعدان صيغتين مختلفتين بعض الشيء عن هذا الموضوع، ولا يأخذ معشر الباحثين هذا الصنف من الكتب على محمل الجد.

لكن، إن كان بعض الدارسين النقاد قد أقروا بحقيقة القبر الفارغ وحاولوا (عبثاً) تقديم تفسيرات له، اكتفى آخرون بإعلان أن القبر الفارغ لم يكن جزءًا أساسياً من رواية القيامة في الأصل، لكن الكنيسة لاحقاً فقط ابتكرت “الحقيقة” لتعزيز رواياتها عن ظهورات القيامة. هذا غير صحيح. ذلك لأن القبر الفارغ شكل جزءًا من مناداة الكنيسة منذ البدء (راجع أعمال 2: 31؛ 1كورنثوس 15: 4). كما أنه لتعليم مغلوط ببساطة، التأكيد بأن التلاميذ الأوائل آمنوا بإمكانية حصول قيامة فعلية من دون القبر الفارغ. قال “ج. س. بركوفر” الصواب عندما لحظ ما يلي:

لم يكن القبر الفارغ بل قيامة المسيح هي التي شكلت الحقيقة الخلاصية العظمى. لكن القيامة بحد ذاتها ترتبط بشكل لا ينفصل عن القبر الفارغ، لأنه من غير الممكن التفكير فيها بمعزل عنه. إنه لأمر مناف في المطلق للأسفار المقدسة الإقدام على حذف رسالة القبر الفارغ والاستمرار في الكلام عن الرب الحي. فالأناجيل تصور القيامة بالارتباط بمعلومات، ولحظات، وأماكن تاريخية تخص ظهوراته. كما أن الأسفار المقدسة لا تدعم في أي مكان منها كونه حياً. بمعزل عن قيامته في الجسد والقبر الفارغ[6].

الخلاصة بديهية: اللاهوتي الذي يصرف النظر عن القبر الفارغ كأمر عرضي لا صلة له بالرسالة المسيحية، ومع هذا يبقى يتحدث عن “قيامة يسوع”، فهذا الشخص لا يقصد “بقيامته” هذه ما يقصده العهد الجديد أو ما قصدته الكنيسة تقليدياً بذلك. لقد أمسى الأمر “فكرة” خلاصية أكثر منه حدثاً خلاصياً. لكن هذه النظرة إلى قيامة يسوع كانت الكنيسة الأولى لترفضها فوراً على اعتبار أنها ليست قيامة على الإطلاق (راجع 2تيموثاوس 2: 17، 18: “هيمينايس وفيليتس، اللذان زاغا عن الحق قائلين: إن القيامة قد صارت”).

نحن دافعنا عند هذا الحد عن حقيقة القبر الفارغ. لكن علينا الآن الإشارة إلى كون هكذا وصف غير دقيق بالتمام. ذلك لأن القبر لم يكن فارغاً بالكلية. فلم يظهر ملائكة فقط للنساء في القبر معلنين لهن أن يسوع قد قام (مرقص 16: 5-7؛ لوقا 24: 3-7)، بل يتحدث أيضاً كل من لوقا (24: 12) ويوحنا (20: 5-7) عن وجود داخل القبر أكفان يسوع الفارغة. فقطع الكتان التي كان جسد يسوع ملفوفاً بها، لا تزال هناك، مع المنديل الذي كان يلف رأسه موضوعاً على حدة، وبشكل منفصل عن الأكفان. توحي هذه الأكفان داخل القبر الفارغ بأن الجسد لم يكن لتمسه أية أياد بشرية وحسب، (لأنه من غير المحتمل جداً أن يقدم الأصدقاء أو الأعداء على السواء على نزع الأكفان أولاً قبل أخذ الجسد)، بل كونه أيضاً بعد أن كان ملفوفاً بالأكفان قد اختفى ببساطة. تاركاً الأكفان وراءه أشبه بغلاف اليرقانة الفارغ. هذا الأمر هو من الأهمية بمكان، لأن بحسب شهادة يوحنا نفسه (يوحنا 20: 3-9)، لم يدرك هو نفسه أن يسوع قد قام من الأموات إلا بعد معاينته الأكفان داخل القبر.

ثاني مجموعة عظمى من الدلائل: ظهورات يسوع العديدة بعد صلبه

ثاني مجموعة عظمى من الدلائل، بعد حقيقة قبر يسوع الفارغ، هي الظهورات العديدة التي قام بها ربنا لتلاميذه في ظروف متنوعة وأماكن مختلفة. يدون العهد الجديد أحد عشر ظهوراً على الأقل، خمسة منها حصلت في ذلك “الفصح” الأول، والخمسة الباقية خلال فترة الأربعين يوماً التالية وحتى يوم صعوده، بما فيها هذا اليوم، إلى جانب ظهروه لشاول (أعمال 9: 1-5).

ظهر أولاً للنساء اللواتي كن قد تركن القبر (متى 28: 8-10)[7]، ومن ثم لمريم المجدلية التي كانت قد رجعت إلى القبر بعد إعلامها بطرس ويوحنا ما رأته مع النساء الأخريات (يوحنا 20: 10-18). بعد هذا ظهر لكلوباس وللتلميذ الآخر الذي لا ذكر لاسمه، وذلك على طريق عمواس (لوقا 24: 13-35)، ومن ثم لبطرس، بلا شك، في وقت ما من بعد ظهر ذلك اليوم عينه (لوقا 24: 34؛ 1كورنثوس 15: 5). إن ما يكتسب أهمية بالغة في تلك المناسبة الأخيرة، هو دعوة يسوع التلاميذ إلى لمسه للتأكد من كونه هو الذي في وسطهم. كما أنه أكل أمامهم قطعة من السمك المشوي كبرهان على الطابع المادي الحقيقي لجسده، وأنه لم يكن مجرد خيال أو شبح.

بعد أسبوع من هذا، عاد ليظهر مجدداً لتلاميذه، مع توما هذه المرة الحاضر مع التلاميذ العشرة الآخرين (يوحنا 20: 26-29). في سياق الكلام الموجز المتعلق بتوما في الإنجيل الرابع (11: 16؛ 14: 5؛ 20: 24)، يصوره يوحنا على أنه شخص بعض الشيء متشائم. وبليد روحياً، ومشكك خال من العاطفة، والمستمد لمواجهة بشكل مباشر المغزى من كون يسوع قد صلب وهو مطروح في هذه اللحظة، بحسب اعتقاده، في قبر يوسف. لم يكن بالتأكيد ذلك الشخص الساذج الذي يصدق كل شيء، أو بالإمكان إقناعه بتصديق أي شيء تقريباً. كان توما في ذلك الحين المشكك المقتنع بأن اللعبة قد وصلت إلى نهايتها، وأن “الرحلة كانت جميلة” طوال الفترة التي استغرقتها.

من هنا يتحتم عليهم الانتقال إلى شيء مفشل أقل ويعد بتحقيق نجاح أوفر! لا بد أنه سأل نفسه أكثر من مرة: “لماذا لا يرى الآخرون بوضوح ما أراه أنا؟” من هنا الصفة التي لصقت به “توما المشكك” بحسب التقليد المسيحي. هو يستحق ذلك فعلاً، لكنه في الواقع لم يكن يختلف كثيراً عن سائر التلاميذ، هؤلاء الرجال الطبيعيين، والعقلانيين، والأصحاء عقلياً، وعما كانوا عليه قبل أيام قليلة فقط! ومن جديد، شجع يسوع على الثقة بحقيقة قيامته وبواقعها من خلال دعوته توما إلى فعل بالتحديد ما كان قد اعتبر قبلاً التلميذ المشكك أنه ضروري لكي يؤمن بأن يسوع قد قام في الجسد من الأموات، أي بوضع إصبعه في جراحات يدي يسوع وجنبه: “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً” (يوحنا 20: 27). لا يخبرنا يوحنا إن كان توما فعل هذا أم لا.

أنا أميل إلى الاعتقاد أنه لم يقدم على ذلك، بما أن امتحاناً كهذا، كان حقاً غير ضروري. ألم يشر المسيح المقام من خلال كلماته بالذات، إلى الامتحانات التي طالب بها توما، وذلك قبل أن يسأل هذا أي شيء؟ وبذلك، يكون يسوع قد برهن على طريقته هو، لا على طريقة توما، أنه كان هو فعلاً. توما، بلا شك، ضُرب بشيء آخر في تلك اللحظة: فجراح مسيح الجلجثة المقام (يوحنا 20-29) كلمته بقوة، حتى زالت كل شكوكه. من ثم، تلفظ توما فوراً بأحد أعظم الإعلانات في الكتاب المقدس، وبكل تأكيد الإعلان الأعظم في أي من الأناجيل: [أنت] ربي وإلهي!” لنلاحظ كلمات توما بالتحديد ليس مجرد “[أنت] رب والله” بل [أنت] ربي أنا وإلهي أنا.

لم يكن كافياً في نظر توما معرفة أن يسوع كان سيداً وإلهاً. لقد بات الآن يسوع هذين الأمرين بالنسبة إلى توما هو شخصياً! ثم ظهر يسوع لسبعة تلاميذ (توما من جملتهم) عند بحر الجليل. إنها المرة الثالثة التي فيها يظهر لتلاميذه. كما أنه أعد طعام الفطور وأكل معهم (يوحنا 21: 1-22). ثم ظهر للأحد عشر على جبل من الجليل (متى 28: 16-20). ولعل هذه المناسبة هي نفسها عندما ظهر لأكثر من خمسمئة تلميذ دفعة واحدة، كان العديد منهم لا يزالون على قيد الحياة عندما كتب بولس 1كورنثوس (1كورنثوس 15: 6). ثم ظهر ليعقوب غير المؤمن (يوحنا 7: 5)، هادياً إياه بذلك إلى الإيمان (1كورنثوس 15: 7)، وأخيراً للأحد عشر من جديد بمناسبة صعوده إلى السماء (لوقا 24: 44-52؛ أعمال 1: 4-9؛ 1كورنثوس 15: 7). وبعد هذا بسنوات، ظهر لعدو الكنيسة اللدود شاول الطرسوسي، هادياً إياه إلى الإيمان (أعمال 9: 1-5)، وربما لحنانيا أيضاً (أعمال 9: 10).

صحيح أن حقيقة القبر الفارغ، إذا نظرنا إليها من زاوية “الدليل”، لا تبرهن وحدها أن يسوع قام من الموت، لكنها تشير حقاً إلى حدوث شيء ما لجسد يسوع بعد دفنه. ثم تأتي ظهورات يسوع العديدة بعد موته لتفسر على أفضل حال ما كان قد حل بجسده: لقد قام في الجسد من بين الأموات. لأنه متى وُجد لاحقاً قبر رجل ميت فارغاً، وهو يظهر في كل مكان لأناس مختلفين، يبقى التفسير الأفضل لهذه الظاهرة أن هذا الرجل حصل على قيامة في الجسد! كما أن حقيقة كون هذه الظهورات حصلت (1) لأفراد (مريم، بطرس، يعقوب)، ولتلميذين، ولمجموعات صغيرة، ولجماعات كبيرة، (2) ولرجال ونساء على السواء، (3) في العلن وعلى صعيد شخصي، (4) وفي كل ساعات اليوم – في الصباح، خلال النهار، وفي الليل، و(5) وفي كل من أورشليم والجليل. كل هذا يزيل أي احتمال أن تكون هذه الظهورات مجرد ضروب من الهلوسة. فالإنسان الفرد قد يشعر بالهلوسة، لكن من غير المحتمل جداً، بل إنه لضرب من المستحيل أن تصاب مجموعات بأكملها بل حشود كبيرة من الناس بالهلوسة عينها في الوقت عينه!

من الضروري ملاحظة جانب آخر في غاية الأهمية من روايات الإنجيل لظهورات يسوع: إنها تفتقر إلى التصنع السلس الذي يحصل دائماً لدى تآمر بعض الرجال المخادعين لجعل رواية مركبة تبدو منطقية. فالواحد منا يواجه على الفور صعوبة في إيجاد توافق وتطابق بين الروايات الأربع لظهورات يسوع المتعددة بعد صلبه. إلى ذلك، وبحسب التدوين داخل الأناجيل، النساء هن اللواتي أول من اكتشفن القبر الفارغ، كما أن يسوع ظهر أولاً لنساء بعد قيامته. وحيث إن شهادة النساء لم تكن تكتسب مبدئياً أية قيمة في المحاكم في ذلك الزمان، من غير المحتمل جداً لو أن التلاميذ كانوا قد تآمروا معاً لتلفيق الروايات المتعلقة بالقبر الفارغ وبظهورات يسوع العديدة بعد صلبه، أن يبدؤوا سردهم بتفصيل هام كان من شأنه إضعاف الثقة به منذ البداية.

لذا، كان من المرغوب فيه أكثر من وجهة نظر التلاميذ – لجعل مناداتهم منطقية أكثر – أن يكون بإمكانهم التصريح بأن رجالاً هم الذين أول من اكتشفوا القبر الفارغ، وأن رجالاً هم الذين أول من ظهر يسوع لهم، فهذا العامل كما يظهر في روايات الأناجيل، يفرض علينا استخلاص أن الأمور ببساطة لم تجر على هذا النحو. بل كان جل اهتمامهم تدوين ما حصل فعلاً لأنهم كانوا رجالاً مخلصين. وهكذا اكتفى التلاميذ بنقل الأحداث كما هي، رافضين تجميلها أو التغيير فيها كما كان سيفعل الكُتاب الكلاسيكيون. هذه الظاهرة في السرد الموجود في الإنجيل، تضفي على التدوين طابع الحق.

هاتان المجموعتان العظيمتان من المعلومات في العهد الجديد – القبر الفارغ وظهورات يسوع المتعددة بعد صلبة – أوكد أنهما تدعمان فوق كل شك شرعي، حقيقة قيامة يسوع في الجسد من الموت وتاريخها.

إلى جانب هذه الخطين من الحجج مع ما يحملانه من قيمة لدعم تاريخية قيامة يسوع في الجسد من الموت، بوسع أحدنا أن يذكر ثالثاً، التغيير الجذري الذي طرأ على التلاميذ من خلال تحولهم من الفشل الذي يشل بعد موت الرب مباشرة إلى الإيمان واليقين بعد هذا بثلاثة أيام. رابعاً، عندنا اهتداء كل من يعقوب وشاول الطرسوسي الذي حصل لاحقاً، وخامساً هناك المؤسسة المنظورة في هذا العالم، أقصد بها كنيسة يسوع المسيح، من كان أعضاؤها قد دأبوا منذ البداية على عبادة يسوع المسيح بصفته الله، في اليوم الأول من الأسبوع بدل اليوم السابع[8]. كل واحدة من هذه الحقائق تستلزم لتفسيرها حدثاً وراءه، كحدث قيامة المسيح في الجسد.

قد يقر أحدهم بأن كل ما قيل حتى الآن من المسلم به أنه يدعم بقوة قضية قيامة المسيح في الجسد بالنسبة إلى المؤمنين بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، بما أن البحث بجملته تمركز واستمد جوهره من تعليم الكتاب المقدس حول هذا الحدث. لكن قد يزعم أحدهم أن الحجة لا تعني شيئاً في نظر الذين لا يؤمنون بشهادة الكتاب المقدس. كيف أرد على هذا؟ حسناً، ألحظ أن الذين لا يتأثرون بهذه الحجة، ثمة كيان، غير الكتاب المقدس، عليه تفسيره. وهذا يتمثل بوجود الكيان المنظور من خارج الكتاب المقدس والمعروف بكنيسة يسوع المسيح التي دأبت منذ البداية على عبادة المسيح بصفته الله. والأكثر من هذا، أقدمت الكنيسة من قبيل مجرد الصدفة على عبادة المسيح بهذا الشكل جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع.

كيف عسانا تفسير هذه الحقائق؟ كيف ولماذا ظهرت كنيسة يسوع المسيح في العالم؟ وأية قوة تقف وراء نشوئها في الأصل؟ ولماذا تعبد المسيح، ولماذا تعبده جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع؟ لا يمكن لغير المؤمن، بل يجب ألا يتجاهل هذه الأسئلة؛ بل يترتب عليه مواجهتها مباشرة لعرض تفسير لا يقل منطقياً عن الذي يعرضه الكتاب المقدس. لكن، هذا ما يعجز عنه. وكل محاولة من الزاوية الطبيعية لنشوء الكنيسة في العالم، بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، تفتقر إلى المعقولية، وقد وجدت ناقصة. وكما يصرح “ن. ت. رايت”: “كل التفسيرات البديلة [للقبر الفارغ و”للقاءات مع يسوع”] تخفق، الأمر المتوقع لها”.[9] باختصار، يعرض الحدث التاريخي لقيامة يسوع المسيح في الجسد في اليوم الأول من الأسبوع، السبب ليس فقط وراء إقدام الكنيسة على عبادة المسيح بصفته الله وحسب، بل لعبادته أيضاً في اليوم الأول من الأسبوع.

يظهر كل هذا التجديف الفارغ من أي معنى للمخرج “سمشا جاكوبوفيتشي” من خلال إنتاجه في العام 2007 الفيلم المسمى “وثائقي” تحت العنوان The Last Tomb of Jesus (“القبر الفارغ ليسوع”)، والذي فيه يحاول زعم أن عشرة صناديق صغيرة لحفظ عظام الموت، كان قد تم اكتشافها في ضواحي أورشليم عام 1980، من شأنها أن تكون قد احتوت عظام يسوع وعائلته. بمعزل عن كون الأسفار المقدسة الموحى بها تشهد لما هو نقيض هذا، احتمال أن تكون صناديق العظام هذه تحوي عظام يسوع، هي ضئيلة إلى أقصى الحدود، بل قل لا وجود لها. إنه لأمر محزن حقاً رؤية على أية حدود من الجهل والغباء قد يبلغ بعض القوم، لسلب البشرية وحرمانها من رجائها الأوحد، لأنه بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، لا يكون للبشرية أي رجاء بالفداء، حتى إنهم لا يزالون في خطاياهم.

أكرر أن التلاميذ كانوا مقتنعين في المطلق. من كون يسوع المسيح قام في الجسد من الموت في اليوم الثالث، وذلك في ضوء حقيقة قبر يسوع الفارغ والعديد من ظهوراته بعد صلبه. وعلى هذا الأساس كانوا على استعداد لمكايدة الاضطهاد، وحتى الموت من أجل اقتناعهم هذا. لو كانت شهادتهم مجرد ضرب من ضروب الخيال، يكون من الصعب تفسير لماذا لم يقدم ولا حتى واحد منهم، لدى مواجهتهم الاستشهاد، على إعلان أن روايتهم كانت مجرد حيلة مصنعة ليس إلا.

الرد على آراء النقاد

إن روايات ظهورات المسيح المدونة في الأناجيل، هي أساطير في نظر العديد من النقاد. لكن المحير في الأمر هو أن هؤلاء الدارسين أنفسهم غير المستعدين للتسليم بقيامة يسوع في الجسد من الموت، هم في معظمهم، إن لم نقل جميعهم، يقرون بتاريخية موت المسيح صلباً على عهد بيلاطس البنطي، وبحالة اليأس التي أصابت التلاميذ، وباختبارات “الفصح” التي اعتبروها بمثابة ظهورات المسيح المقام لهم، وما ينتج من ذلك من تغيير فيهم، وصولاً إلى اهتداء شاول الذي تلا ذلك. باختصار، بالنسبة إلى العديد من الباحثين اليوم، بينما لا يجب اعتبار قيامة يسوع بمثابة حدث تاريخي، يقرون بأن التلاميذ حصلوا على بعض الاختبارات الشخصية والوهمية، والتي راحوا على أساسها ينادون بأن يسوع قام من الأموات وقد ظهر لهم. كيف علينا الرد على هؤلاء؟

بالنسبة إلى الزعم بأن روايات الظهورات كانت مجرد أساطير لاحقة ابتدعتها الكنيسة الأولى، من الأهمية بمكان ملاحظة كيف أن دارسي العهد الجديد يؤيدون بأعداد متزايدة كون تصريحات بولس في 1كورنثوس 15: 3-5 (أول رواية مكتوبة لظهورات القيامة، بما أن كتابة 1كورنثوس حصلت قبل الأناجيل القانونية) إنما تعكس مضمون معتقد مسيحي قديم شبه رسمي، وهو أقدم من 1كورنثوس نفسها (هذه الرسالة التي كانت قد كتبت على الأرجح في ربيع عام 56م. من أفسس) والتي كانت قد انتشرت ضمن جماعة المؤمنين المحلية[10].

يبنى هذا التوكيد على (1) إشارات بولس إلى “تسليمه” الكورنثيين ما كان قد “تسلمه” هو، الأمر الذي يوحي بأننا هنا أمام قطعة من “التقليد”، (2) التطابق في الأسلوب للمواد نفسها التي جرى “تسليمها” (راجع الجمل الأربع هوتي، مع تكرار العبارة كاتا تاس غرافس في الأولى والثالثة بينها)، (3) اللفظة الأرامية “صفا” بالإشارة إلى بطرس، والتي توحي ببيئة محلية أبكر، وليس ببيئة يونانية – رومانية لاحقة لهذا التقليد، (4) الوصف التقليدي لمعشر التلاميذ “كالاثني عشر”، و(5) حذف من القائمة الظهورات للنساء. إن كان بولس، في الواقع، قد “تسلم” بعضاً من هذا “التقليد” مثلاُ، ما يتعلق بظهورات يسوع لبطرس ويعقوب (المشار إليها في 15: 5، 7: راجع أيضاً أعمال 13: 30، 31) مباشرة من بطرس ويعقوب نفسيهما خلال زيارته الأولى إلى أورشليم بعد ثلاث سنوات على هدايته (راجع أعمال 9: 26-28؛ غلاطية 1: 18، 19)، الأمر الذي من المحتمل جداً أن يكون قد حصل، فهذا النص يعكس ما كان يعلمه على التراب المحلي أوائل شهود العيان للأحداث الحاصلة في أورشليم، وذلك في غضون أيام بعد الصلب.

الإشارة الضمنية الواضحة هنا هي إلى كون المادة في 1كورنثوس 15: 3ب-5 هي مبينة على شهادة فلسطينية باكرة لشهود عيان، وتعد بالجهد انعكاساً لتقارير اسطورية كانت قد نشأت بعد وقت طويل ضمن ما يعرف بجماعات الإيمان اليهودية – الهلينية أو الأممية الهلينية. لم يكن هناك ببساطة الوقت الكافي، مع أخذ بعين الاعتبار التلاميذ الأولين الذين كانوا لا يزالون متواجدين في أورشليم لتصحيح روايات مغلوطة قد تكون قد نشأت عن يسوع، حتى تكون إضافات اسطورية من هذا الصنف قد نشأت وباتت بمثابة ظاهرة مقبولة ضمن “التقليد”. يثير وجود هذا “الاعتراف الباكر” بدوره اعترافات جدية حول ما إذا كانت روايات الظهور ضمن الأناجيل القانونية هي قصص اسطورية مبنية على مصادر غير محلية، كما أصر على ذلك العديد من الدارسين “البلتمانيين”. تأتي الحقائق لتوحي بقوة بما هو عكس ذلك. أي أن رايات الظهورات في الأناجيل ليس من قبيل القصص الأسطورية، كما يزعم هؤلاء الدارسون “البلتمانيون”.

الآن، من الأهمية بمكان أن كل النقاد مبدئياً اليوم، كما لاحظنا قبلاً، هم على استعداد للتسليم بأن التلاميذ بعد وقت قصير على موت يسوع – لسبب أو لآخر – قد جرى لهم تغيير عاطفي ملحوظ ورائع بحيث حل عندهم اليقين والثقة فجأة مكان الفشل واليأس اللذين كانا يمتلكانهم. وحتى “بلتمان” نفسه يقر بتاريخية اختبارهم “الفصح”[11] ويسلم بأن هذه الثقة الحديثة العهد هي التي أنشأت الكنيسة كحركة إرسالية. ما الذي أحدث هذا التغيير؟ إن كان أحدنا يجيب، على نسق بعض الدارسين، بأن اعتقادهم أنهم رأوا يسوع حياً، هو السبب الذي أجرى هذا التغيير فيهم من الخوف إلى الثقة، فعليّ الإشارة إلى أن في هذا تكراراً للمعنى ذاته: هنا يزعم أحدنا في نهاية المطاف أن اعتقادهم بأنهم قد رأوا يسوع الحي، هو الذي أنشأ فيهم إيمانهم بقيامة يسوع. نحن لا نزال أمام السؤال عينه: ما الذي أنشأ فيهم اعتقادهم أنهم رأوا يسوع الحي وعلى صعيد شخصي؟ لعل حدثاً سابقاً هو الذي أثر في اعتقادهم أنهم رأوا الرب المقام.

ترى، ما كان ذلك الحدث؟ إن كان أحدنا يجيب بالقول إن الأمر كان ينطوي على اختبار رؤيوي، أي على هلوسة، كان الحدث الذي أسفر عنه إيمانهم الفصحي، علينا أن نسأل عما تسبب بهذا الاختبار الرؤيوي. هنا، تختلف الآراء بالطبع. بعض الدارسين (“لامب”، “شوايتزر”، و”بورنكم” مثلاً) رأوا أن ظهورات القيامة كانت بمثابة صور ذهنية للذات الروحية ليسوع من دون جسده، والتي قد تواصل من خلالها مع تلاميذه من السماء. بكلام آخر، كانت ظهورات القيامة أنشطة فعلية من قبل يسوع “المروحن” والتي من خلالها دخل في علاقة حقيقية فعلية مع تلاميذه. اعتبر آخرون أن اختبار رؤية يسوع بعد صلبه، كانت ظاهرة طبيعية بحتة، جاءت ببساطة نتيجة عمل الإيحاء الذاتي.

يوحي “بلتمان”، مثلاً، بأن علاقة يسوع “الحميمة والشخصية” بهم إبان أيام خدمته بينهم، هي التي كانت قد شرعت في تغذية هكذا ذكريات طيبة فيهم حتى بدؤوا باختبار “رؤى شخصية وغير موضوعية” له، مع تخيلهم كونهم قد رأوه حياً من جديد[12]. “مايكل غولدر” في الأولى من مساهمتية في كتاب The Myth of God Incarnate (“أسطورة الله المتجسد”)، يعيد الإيمان بقيامة يسوع إلى بطرس الذي نعته نفسياً بأنه “mumpsimus” (مامبسيمس) أي من كانت معتقداته تقوى بدل أن تضعف، على قدر ما تتعرض أكثر فأكثر للدحض[13]. فبطرس هذا حصل على “اهتداء اختبره تحت شكل رؤيا” وتخيل أنه رأى يسوع في صبيحة أول يوم فصح ذاك. وفي تلك الليلة نقل اختباره إلى التلاميذ الآخرين، وهكذا.

…. سرت قوة الهستيريا بشكل عظيم داخل جماعة صغيرة حتى أنه في المساء، وتحت تأثير [السحر المنوم (؟)] لنور الشمعة مع [حالة التوتر العاطفي الشديد السائدة] من جراء خشيتهم من احتمال إلقاء القبض عليهم، وقد بدأت تنمو فيهم براعم الأمل بالعزم والإقدام أيضاً [لكن، على أي أساس؟]، بدأ لهم كأن الرب أتاهم عبر الباب الموصد، قبل أن غادرهم. [والآن، لنلاحظ كيف انتقل “غولدر” إلى خلاصته من دون بذل أي جهد]… أضرم اختبار الفصح إيماناً رفع يسوع إلى مصاف الألوهية، وحمل تعاليمه إلى كل زوايا المعمورة[14].

ينظر “غرد لودمن” إلى قصة القيامة كضرب من التخيل الوهمي الناتج من حزن الرسل وشعورهم بالذنب[15]. لكن فعلياً الآن، هل هذه تفسيرات منطقية تقف وراء وجود الكنيسة وإيمانها؟ بالجهد كذلك. أضف إلى ذلك حقيقة كون كل هذه الآراء (1) تترك حقيقة القبر الفارغ من دون تفسير (ولسنا نبالغ إن قلنا إنها تتحطم على “صخرة” القبر الفارغ، و(2) يفوتها تقبل التنوع في التفاصيل المجردة للروايات المتعددة للظهورات نفسها. أصاب جداً “جورج أ. لاد” من خلال إشارته إلى كون:

…. الرؤى لا تحصل بشكل عشوائي. فاختبارها يستلزم بعض الشروط المسبقة عند الأشخاص المعنيين، هذه الشروط المسبقة الغائبة بالتمام عن تلاميذ يسوع. أن نتصور التلاميذ وهم يراعون ويغذون ذكريات حميمة عن يسوع بعد موته، ويشتاقون إلى رؤيته مجدداً، ولا يتوقعون له أن يموت فعلاً. كل هذا هو نقيض الدلائل التي في حوزتنا. كما أن تصوير التلاميذ على أنهم مشبعون بهذا المقدار من الرجاء من جراء ما خلفه يسوع فيهم من تأثير، ما مكن إيمانهم من التغلب بسهولة على حاجز الموت لكي ينصبوا يسوع كربهم الحي والمقام. كل هذا يفترض إعادة صياغة جذرية للتقليد الإنجيلي. وبينما قد لا يكون من المطري للتلاميذ، التصريح بأن إيمانهم كان بإمكانه فقط أن ينتج من اختبار حقيقي بتجرد، هذا ما تدونه الأناجيل فعلاً[16].

عدد من تلامذة “بلتمان” بمن فيهم “غيرهارد إيبلينغ” و”إرنست كازمان” و”غنثر بورنكام” و”إرنست فاكس” رفضوا عملية تذويب معلمهم للروابط التي تجمع بين الإيمان والتاريخ العلمي، وذلك على أساس أنها تجعل من غير الممكن التمييز بين الإيمان المسيحي والتزام رب أسطوري. يسلم “بورنكام” أحد تلامذة “بلتمان” الأكثر نفوذاً، “بعدم وجود تفسير مرض لمعجزة القيامة في طبيعة التلاميذ الداخلية”:

الرجال والنساء الذين يقابلون المسيح المقام [في الأناجيل] وصلوا إلى نهاية حكمتهم. كانوا في حالة اضطراب وانزعاج من جراء موته. راحوا يسيرون كمفجوعين على غير هدى حول قبر سيدهم في محبتهم العاجزة عن فعل أي شيء، محاولين بوسائل تدعو إلى الشفقة – على غرار النساء عند القبر – أن يوقفوا العملية وانبعاث رائحة النتانة. كان هؤلاء التلاميذ متجمهرين معاً على نسق الحيوانات في العاصفة (يوحنا 20: 19 والأعداد التالية). هكذا كانت أيضاً حال التلميذين على طريق عمواس عشية يوم الفصح، بعد أن كانت قد تحطمت آخر آمالهم. يحتاج أحدنا إلى قلب جميع روايات الفصح هذه رأساً على عقب في حال أراد إظهار هؤلاء القوم بكلمات “فاوست”: “إنهم يحتفلون بقيامة الرب من الأموات، لأنهم هم قاموا من الأموات”. كلا، هم لم يقوموا من الأموات. فما يختبرونه هو الخوف والشك، كما أن الشيء الوحيد الذي يوقظ الفرح والسرور في قلوبهم هو مجرد هذا: التلاميذ في يوم الفصح هم الذين يتميزون بالموت، فيما المصلوب والمدفون هو الحي[17].

يواصل “بورنكام” كلامه بالقول إن “رسالة قيامة يسوع، لم تكن بأي شكل من الأشكال، من نتاج الجماعة المؤمنة وحدها”. ثم يستخلص أنه “لمن المؤكد أن ظهورات المسيح المقام مع كلمة شهوده، هي التي أنشأت هذا الإيمان في المرتبة الأولى”[18]. أنا أوافق، بل أصر على أن “الاختبار الحقيقي بتجرد” الذي كان قد حصل عليه التلاميذ، والذي كان “لاد” قد تحدث عنه قبلاً، جاءهم نتيجة “البراهين المقنعة الكثيرة” (أعمال 1: 3) على قيامته في الجسد من خلال ظهوراته العديدة لهم بعد صلبه. إذ لا شيء أقل من القيامة الفعلية في الجسد من الموت، باستطاعتها تفسير ظاهرتي كل من القبر الفارغ والتحول الجذري الذي حصل للتلاميذ والذي نقلهم من حالة الشك والغم إلى الإيمان وفرح الشهيد. لذا، لا داعي للبحث عن تفسير آخر يصلح كأساس لإيمانهم الفصحي.

مكانة قيامة يسوع في الجسد على صعيد المناداة المسيحية في الكنيسة الأولى

اعتمدت الكنيسة الأولى حق قيامة يسوع في الجسد من الأموات “كالمدخل” لإعلان بشارة الإنجيل. يوضح المسح الشامل السريع للعظات المدونة في أعمال 2: 14-39؛ 3: 13-26؛ 4: 10-12؛ 5: 30-32؛ 10: 36-43؛ 13: 17-41؛ 17: 22-31 إلى جانب تعاليم رسائل العهد الجديد (رومية 1: 2-4؛ 2: 16؛ 8: 34؛ 9: 5؛ 10: 8، 9؛ 1كورنثوس 15: 3، 4) كيف أن اعتماد الرسل قيامة يسوع في الجسد من الأموات، لم يكن بالأمر الشاذ على الإطلاق. استخدموه بسبب ما يحدثه من صدمة، وهنا تكمن قيمته.

حقاً، كان التركيز في “الكريغما” (المناداة) البدائية دائماً على قيامة المسيح في الجسد من الأموات. لا يلحظ أي من هذه العظات المدونة إقدام الواعظ على التوقف أمام الحاضرين للتركيز على ما ينطوي عليه موت المسيح من أهمية خلاصية. لكنهم يشددون جميعهم على أن الله كان قد قلب رأساً على عقب حكم الناس من خلال إقامته من الأموات رجلاً – يسوع المسيح – والذي كانت السلطات الرومانية قد صلبته كمجرم، وذلك بإيعاز من السنهدرين اليهودي. وفي هذا السياق، يؤكد “ولبر م. سميث” ما يلي: “يشهد سفر الأعمال لحقيقة أنه من خلال الكرازة بقيامة المسيح [وليس الصليب] قد جرى قلب العالم رأساً على عقب”[19]. وبأكثر دقة، فإن الانعكاسات التي كان الرسل قد استنتجوها من هذا الحدث الجلل، هي التي هزت العالم الروماني من القرن الأول حتى جذوره. والمقصود بذلك كون:

  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت هويته الإلهية (رومية 1: 3، 4)[20].
  • † قيامة المسيح في الجسد، السبيل لجلوسه على العرش في السماء رباً على بني البشر (أعمال 2: 36؛ 10: 42؛ رومية 14: 9).
  • † المسيح بفضل قيامته في الجسد تبرهن أنه مخلص الناس الأوحد (أعمال 4: 12). وبالتالي أبرزت جميع ديانات العالم الأخرى على أنها على خطأ وغير أهل لكي يعطيها الناس ولاءهم.
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت كيف أن الله جعل ختم رضاه على عمل المسيح الفدائي (رومية 4: 25؛ عبرانيين 9: 24، 25؛ 13: 20).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، جعلت منه “موقع الهيكل” الحقيقي حيث بإمكان الناس العثور على الله وعبادته (يوحنا 2: 19، 21؛ مرقص 14: 58).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تشكل جانباً أساسياً من الإيمان الذي يخلص الخطاة (رومية 10: 9).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تؤكد للمسيحيين مدى مصداقية تعليمه (متى 16: 21) وتحثهم على البقاء أمناء له لدى تعرضهم للاضطهاد من أجل إيمانهم (2تيموثاوس 2: 8).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، بصفته “باكورة الراقدين”، تؤكد للمسيحيين، وضمناً لجميع الشعوب الأخرى، أن قيامة الأموات في نهاية الأيام قد بدأت، وأنهم بالتالي سيقامون في الجسد ذات يوم إما لسرورهم، وإما لويلهم (يوحنا 5: 28، 29؛ أعمال 24: 15؛ رومية 8: 19 والأعداد التالية؛ 1كورنثوس 15: 20 والأعداد التالية؛ 1تسالونيكي 4: 14؛ 1بطرس 1: 3، 4).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، وما تلى ذلك من صعود وارتقائه إلى الربوبية، قد ثبتاه دياناً لكل الناس (أعمال 17: 31).
  • † كان على الكنيسة الاحتفال بحقيقة قيامة المسيح في الجسد من الأموات، من خلال اجتماعها معاً في كل أول يوم من الأسبوع، على مدار السنة، وحتى نهاية العالم! على الكنيسة ألا تدع البشرية تنسى السبب وراء انتقال السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول.

بينما يبقى أحدنا غير متأثر بالإعلان عن أحد الأشخاص الذي يدعي بأنه مسيا اليهود، كون صلب على صليب روماني، بما أن آلافاً من الناس لقوا هذا المصير نفسه، لا يمكن لأحدنا البقاء محايداً حيال الإعلان بأن الله قد أقام يسوع هذا في الجسد من الأموات. لا يستطيع أحدنا أن يقول متثائباً: “ما أروع هذا”، قبل أن يهز رأسه ويمضي في طريقه بلا مبالاة! لكن قيامة يسوع كانت ولا تزال معجزة! فإما أن تكون قد حصلت، وإما ألا تكون قد حصلت! فلا مكان للحياد هنا! هذا الجانب من المناداة في بدايتها، استحوذ على اهتمام السامع، واستلزم منه قراراً فكرياً. وفي حال رفضها، عرض بذلك نفسه للخطر من خلال تنكره للرب المرفع والمزمع ذات يوم أن يدينه. وإن قبلها، فإنه يكون بذلك قد تحول إلى مخلص البشرية الأوحد الذي مات من أجل خطاياه. وعندما شرح له بولس تلك “الأخبار السارة”، شرحها، رجاء ملاحظة هذا جيداً، من زاوية التبرير بالإيمان وحده!

هذا “المدخل” على طريقة مناداة الكنيسة الأولى بالإنجيل، كنت قد أشرت إليها في محاضراتي على مر السنين. ولئن تأثر تلامذتي في حينه دائماً بهذه الحقيقة. لا أحد منهم، كما أعلم، خرج لتطبيق أسلوب الكنيسة الأولى هذا في التبشير على الذين لا يعرفون الكتاب المقدس. صلاتي أن يقدم على ذلك أحدهم في يوم من الأيام. ومن يعلم؟ فهذا الشخص قد يفتن المسكونة من جديد، كما حصل مع الكنيسة الأولى!

 

 

[1] أحد المؤشرات على استمرار في PCUSA هو ما حصل خلال الجمعية العمومية في دورتها التي تحمل الرقم 217، والملتئمة في “برمنغهام”، “ألاباما”، خلال صيف 2006. فلقد “قيلت” بناء على اقتراع 282-212 وثيقة بحث تلحظ أن المعروف بلغة الكنيسة التقليدية بشأن الثالوث (والذي يصدف أنه لغة الكتاب المقدس) تصور الله على أنه ذكر، الأمر الذي يشير ضمناً إلى تسامي الرجال على النساء (“ونحن نندم على هذا التشويه”، كما صرح التقرير). هذا يسمح لكل كنيسة بمفردها بتقرير لنفسها إن كانت تفضل التحدث عن “التجسيدات الثلاثة” لله تحت شكل “الأم الحنونة”، و”الطفل المحبوب”، و”الرحم الواهب الحياة”، أو “المحب”، و”المحبوب”، و”المحبة” التي تربط المحب بالمحبوب، أو “قوس قزح الوعد”، و”تابوت الخلاص”، و”حمامة السلام” أو “الصخرة”، و”حجر الزاوية”، و”الهيكل”، أو “الشمس”، و”النور”، و”الشعاع المحرق”، أو “المتكلم”، و”الكلمة”، و”النفس”.

[2] إلا أنه يتحدث عن “الحق المنزه عن الخطأ” للأسفار المقدسة في 1,5، كما يعلن أن “القانون المنزه عن الخطأ لتفسير الأسفار المقدسة، هي الأسفار المقدسة نفسها” في 1,9. هذا مع العلم أن “القانون” يفترض عدم وجود أخطاء فيه.

[3] لا يعرض التوكيد أي تفسير منطقي لماذا عقيدة العصمة تنتقص من سلطة الكتاب المقدس أو تضعف شهادة الكنيسة للإنجيل. أنا أفترض أن التوكيد يقصد بذلك القول إن عقيدة عصمة الكتاب المقدس تحول الاهتمام بعيداً عن “الكلمة الحي” (المسيح) إلى “الكلمة المكتوبة” (الكتاب المقدس). في الواقع، نقيض ذلك هو الصحيح: لأننا في حال راعينا نظرة أدنى إلى الكتاب المقدس، لا نضفي بذلك أهمية أكبر على المسيح؛ بل بالحري ننتقص من شهادته. إلى ذلك، فالكتاب المقدس الذي هو عرضة للخطأ وغير معصوم، من شأنه الانتقاص من سلطة هذا الكتاب وإضعاف شهادته للمسيح الكلمة الحي. بوسعي فقط استخلاص أن الذهن الليبيرالي هو ذهن مشوس.

[4] غالباً ما يجري التأكيد بشكل مغلوط على أن السلطات الرومانية، أي بيلاطس وهيرودوس، هما المسؤولان عن صلب يسوع المسيح، مع النظر إلى القيادة الدينية اليهودية، على الغالب، كمجرد ممثلين متواطئين في هذا الحدث. لكن واقع الأمر يظهر عكس ذلك تماماً؛ لم يكن للسلطات الرومانية أي اهتمام بسوع قبل إقدام القيادة الدينية اليهودية على إرغامهم على النظر في قضيته. وحتى بعد ذلك، وجد القائدان الرومانيان يسوع بريئاً من التهم التي وجهها إليه اليهود. لكن القيادة الدنية اليهودية ظلت متصلبة في رفضها قرار الرومان القاضي بإطلاقه، وطالبت بصلبه. حقاً، أمن الرومان “السكين” في صلب يسوع، أي أسلوب القتل، في حين ظهرت القيادة الدينية اليهودية بمثابة “اليد التي دفعت السكين”. إذاً، القيادة الدينية اليهودية هي التي حرضت على صلب المسيح فيما قامت روما بدور الممثل المتواطئ.

[5] تستلزم العبارة “في اليوم الثالث”. بعض التعليق. أين يعلم العهد القديم أن يسوع سيقوم من الأموات في اليوم الثالث بعد موته؟ يحاجج “أندرو ثيسلتن” في تفسيره

(NIGTC; Grand Rapids: Eerdmans, 2000), 1196-97) The First Epistle to the Corinthians

في كون العبارة “بحسب الكتب” لا تتعلق “باليوم الثالث” بل فقط بالعبارة “قام”. لكن يسوع نفسه أعلن في لوقا 24: 44-46 أن العهد القديم شهد لكون المسيا سوف يموت ويقوم في اليوم الثالث. تأمل الباحثون لوقت طويل في هذه المسألة وذلك في غياب العديد من نصوص العهد القديم من أجل الاختيار منها. في معظم الأحيان، يتم اختيار هوشع 6: 2 وأحياناً يجري عرض يونان 1: 17 و2ملوك 20: 5. لكن المشكلة مع هوشع 6: 2 هي أنه يتحدث عن قيامتنا نحن، لا عن قيامة المسيا. كما أن المشكلة مع يونان 1: 17 هي أنه يستلزم متى 12: 40 كرابط أما المشكلة مع 2ملوك 20: 5 فهي أنه لا يتحدث قط عن القيامة.

أنا أقترح أن حادثة المريا في تكوين 22، والتي قليلاً ما تؤخذ بعين الاعتبار، تبقى على الأرجح الخيار الأفضل بعد التفكير بكل شيء آخر. فتصريح إبراهيم في تكوين 22: 5 يشير ضمناً بوضوح إلى أن إبراهيم آمن بأن اسحق سوف يقام من الأموات في اليوم الثالث بعد أن كان الله قد أمره بتقريبه. في ذلك الوقت، كان إبراهيم يعتبر اسحق كأنه ميت، كما صرح كاتب العبرانيين بوضوح أن إبراهيم “من الزاوية الرمزية” استرجع اسحق من الموت في ذلك الوقت. يحتاج أحدنا فقط أن يفهم رمزية “موت وقيامة” اسحق، وينظر إليها كرمز لموت المسيح وقيامته الفعليين من أجل استيعاب ما كتبه بولس عن المسيح الذي “قام في اليوم الثالث حسب الكتب”.

[6] G. C. Berkouwer, The Work of Christ, translated by Cornelius lambregste (Grand Rapids: Eerdmans, 1965), 184.

[7] بحسب مرقص 16: 9، يسوع “ظهر أولاً لمريم المجدلية” وقد يكون هذا ما حصل فعلاً. لكن هذا التصريح من خلال وروده ضمن الخاتمة الطويلة لمرقص 16، تثار بعض التساؤلات حول مدى مصداقيته وصحته. برأي، روايات الظهور هذه يكون من الأسهل تنظيمها. إن كان يعتبر أحدنا أن يسوع ظهر أولاً للنساء اللواتي خرجن بسرعة من القبر (متى 28: 8, 9)، ومن ثم لمريم التي تبعت بطرس ويوحنا رجوعاً إلى القبر بعد اخبارهما أن القبر فارغ (راجع يوحنا 20: 1-18). لكن هذا التنظيم يبقى ممكناً حتى ولو ظهر يسوع لمريم أولاً.

[8] فيما يتعلق بتحول الكنيسة لجهة حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع، أؤكد وجود عنصرين أساسيين في الترتيب المتعلق بيوم السبت في العهد القديم: أولاً، كونه يجب أن يكون يوماً يستريح فيه المرء من أعماله، وثانياً، ضرورة تخصيصه لعبادة الله وفي خدمة الدين. وكل شيء آخر كان ظرفياً وقابلاً للتغيير. وحتى اليوم المحدد من الأسبوع كان قابلاً للتغيير (1) لسبب وجيه، و(2) من قبل سلطة أهل لذلك. حقاً، مع توافر هذه العنصرين، كان التغيير إجبارياً. هل حضر هذان العنصران في القرن الأول، ما يضفي شرعية على تبديل حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع؟ كانا حاضرين حقاً! فإن سبباً وجيهاً توافر بوضوح: الحدث الجليل المتمثل بقيامة يسوع من الموت في اليوم الأول من الأسبوعّ! كما أن السلطة الجديرة حضرت أيضاً بوضوح: مثال المسيح نفسه وكلماته، رب السبت، ورسله (يوحنا 20: 1، 19، 26؛ أعمال 20: 7؛ 1كورنثوس 16: 2؛ عبرانيين 10: 25؛ رؤيا 1: 10).

كانت الخلاصة الحتمية التي توصلت إليها الكنيسة المسيحية، أن التبديل في الأيام لم يكن ملائماً وحسب، بل حظي أيضاً بالموافقة الصريحة من قبل المسيح ورسله. فلو كانت الكنيسة لتواصل حفظها السبت في اليوم السابع، لكان في هذا التأكيد ضمناً أن حدث الفداء الرمزي في سفر الخروج مع الوصية المتعلقة باليوم السابع مقابل عمل المسيح الفدائي المرموز إليه، شكل الحدث الفدائي الأهم بينما لم يكن حدث الخروج سوى ظل لعمل المسيح الفدائي. أو تكون الكنيسة بذلك قد أنكرت حدث القيامة بجملته. ثانياً، إن حفظاً كهذا كان سيعني رفض سلطة المسيح ورسله (ناهيك أيضاً بأسفار العهد القديم النبوية أيضاً) على الكنيسة. بكلام آخر، مواصلة الكنيسة حفظها السبت في اليوم السابع، كان سيعني تجاهل طبيعة الإعلان التدريجي الذي كان هنا سيد الموقف. يشرح “غيرهاردس فوس” نقطتي هذه في كتابته Biblical Theology (Grand Rapids: Eerdmans, 1954, 158).

على قدر ما كان العهد القديم لا يزال ينظر قدماً إلى أداء العمل المسياني، من الطبيعي أن تأتي أولاً أيام العمل التي تصب في هذا الاتجاه، وفي هذه الحال، يقع يوم الراحة في نهاية الأسبوع. أما نحن تحت العهد الجديد، فننظر رجوعاً إلى العمل الذي كان قد أكمله المسيح. لذا، نحتفل أولاً بالراحة التي كان المسيح مبدئياً قد أمنها لنا، هذا مع كون السبت لا يزال علامة تنظر قدماً على الراحة النهائية في آخر الأيام. كان على شعب الله في العهد القديم أن يرمزوا من خلال حياتهم إلى التطور العتيد للفداء. من هنا، كان على أسبقية العمل ونتيجته الراحة أن يجد تعبيراً له ضمن روزنامتهم. أما كنيسة العهد الجديد فليس عليها تتميم هكذا عمل رمزي، ذلك لأن الرموز قد تمت.

لكن عندها حدث تاريخي عظيم عليها تذكره، إنجاز العمل بواسطة المسيح، ودخوله هو وشعبه من خلاله، حالة الراحة التي لا نهاية لها. نحن يفوتنا إدراك بما فيه الكفاية، الأبعاد العميقة التي كانت لدى الكنيسة الأولى بشأن الأهمية العظمى لظهور المسيا، ولا سيما لقيامته. لم يكن هذا الحدث الأخير في نظرهم أقل من إحضار خليقة جديدة، الخليقة الثانية، فشعروا بضرورة التعبير عن ذلك من خلال جعلهم السبت مقابل أيام الأسبوع الأخرى. عرف المؤمنون أنفسهم أنهم، إلى حد ما، شركاء في تتميم السبت. إن كان أحد أعمال الخلق يستلزم تسلسلاً معيناً، فعمل الخلق الآخر في هذه الحال يستلزم تسلسلاً آخر.

[9] Nicholas T. Wright, The Resurrection of the Son of God (Minneapolis, 2003), 717.

[10] يشير “غنثر بوونكام”، مثلاً، على تعداد بولس لظهورات المسيح المقام في 1كورنثوس 15: 3-7 على أنها “النص الفصحي الأقدم والأكثر موثوقية… والذي كانت قد جرت صياغته قبل بولس بوقت طويل”. يصرح بشأن هذه “الصيغة القديمة” أنها تبدو أشبه “بسجل رسمي”.

(Jesus of Nazareth [New York: Harper and Brothers, 1960], 182)

 راجع أيضاً” ولفهارت بانتبرغ”.

Jesus – God and Man (Philadephia: Westminster, 1968), 90, 91.

هذه النظرة المقبولة على وجه العموم، جرى تناولها بشكل مميز في الكتب التالية:

George E. Ladd, “Revelation and Tradition in Paul,” in Apostolic History and the Gospel, eds, W. Ward Gasque asn Ralph P. Martin (Exeter: Paternoster, 1970), 233, 30, particularly 244, 25; Grant R. Osborne, The Resurrection Narratives: A Redactional Study (Grand Rapids: Baker, 1984), 221 -25; and Gary R. Habermas, Ancient Evidence for The Life of Jesus (Nashville: Thomas Nelson, 1984), 124-27.

 

[11] يكتب “رودلف بلتمان” ما يلي: “ليست القيامة بحد ذاتها حدثاً من التاريخ الماضي. كل ما بإمكان النقد التاريخي إقراره هو حقيقة كون التلاميذ الأوائل آمنوا بالقيامة”

“New Testament and Mythology” in Kerygma and Myth, ed. Hans-Werner Bartsch [London: Spck, 1972], I, 42].

بالمقابل، “دونالد غثري” هو على حق بالكامل في إصراره عند هذا الحد على تفسير “إيمانهم الفصحي” هذا: “تنشأ فوراً الحاجة الملحة لتفسير “حدث نشوء الإيمان الفصحي”. إن واقع تشكيك “بلتمان” بأهمية البحث التاريخي في الأساس وراء الإيمان المسيحي، ينفي إمكانية عرض تفسير مرض لأي حدث، سواء أكان القيامة بحد ذاتها، أو نشوء إيمان الفصح. فالواحد بينهما لا يختلف في موقعه عن الآخر. إن نشوء الإيمان يستلزم نشاطاً خارقاً وفوق الطبيعية بالمقدار عينه للقيامة نفسها، وبالأخص بما أنها نشأت في أصعب الظروف”.

(New Testament Theology [Leicester: Inter-Varsity, 1981], 183).

[12] الكلمات الفعلية التي اعتمدها “بلتمان” في هذا السياق هي التالية: “لعل باستطاعة المؤرخ، إلى حد ما، تفسير ذلك الإيمان في ضوء تلك العلاقة الشخصية الحميمة بيسوع، التي كان التلاميذ يستمتعون بها إبان حياته الأرضية، وبذلك نحصر ظهورات القيامة بسلسلة من الظهورات الشخصية وغير الموضوعية” (Kerygma and Myth, 42).

[13] “المامبسيمس” هو الشخص الذي يتمسك برأيه بعناد، بالرغم من أوضح الدلائل على كونه على خطأ هذه اللفظة بالإنجليزية أول ما وردت عام 1530 في كتاب “وليام تندايل” The Practice of Prelates (“ممارسة الأساقفة”). يبدو أن راهباً إنجليزياً من القرون الوسطى، كان قد أصر على استخدام جملة من الافخارسيتا اللاتينية بطريقة مغلوطة إما لأنه كان أمياً وإما لكون نسخته من الطقس كانت قد نقلت مشوبة بالأخطاء. فعوضاً عن كود، إن أور سامبسيمس، بمعنى “ما تناولناه داخل الفم” كان يقول كود إن أور مامبسيمس، هذه العبارة الخالية من أي معنى. ما يجعل خطأه محفوراً في الذاكرة، هو ما قاله لدى تصحيح لغته اللاتينية. فحسب “ريتشارد بايس” عام 1517. والذي أصبح فيما بعد عميد كاتدرائية مار بولس في لندن، صرح الراهب بالقول: “تلوت الإفخارستيا بهذه الطريقة على مدى أربعين سنة. لن أبدل مامبسيمس القديمة عندي بـ سامبسيمس الحديثة التي عندكم”.

[14] Michael Goulder, “Jesus, The Man of Universal Destiny” in The Myth of God Incarnate, edited by John Hick14 (Philadelphia: Westminster, 1977), 59.

[15] Gerd Ludemann, The Resurrection of Jesus: History, Ecperience, Teheology, translated by John Bowden (Minneaplis, 1994).

[16] George E. Ladd, “The Resurrection of Jesus Christ” in Christian Faith and Modern Theology, edited by Carl F. H. Henry (Grand Rapids: Baker, 1964), 270-71.

[17] Bornkamm, Jesus of Nazareth, 184-85.

[18] Bornkamm, Jesus of  Nazareth, 183.

لكن على القارئ تذكر أن “بورنكام” يتبنى فكرة أن ظهورات يسوع بعد القيامة، كانت بمثابة رؤى مرسلة من السماء، وليست بطبيعتها مادية.

[19] Wilbur M. Smith, “Resurrection” in Baker’s Dictionary of Theology (Grand Rapids: Baker, 1960), 453.

في سفر الأعمال الذي كتبه لوقا، “دم” المسيح مذكور مرة واحدة، وذلك في سياق كلام بولس إلى شيوخ أفسس (20: 28)، كما أن حقيقة “مقتل” يسوع مذكورة مرة واحدة (3: 15)، وحقيقة “صلبه” مرتين (2: 5؛ 4: 10). أما الخشبة التي مات عليه فمذكورة ثلاث مرات (5: 30؛ 10: 39؛ 13: 29) فيما لا ذكر على الإطلاق “للصليب”؛ بالمقابل، قيامته مذكروة 10 مرات. وحقيقة كونه “أقيم” في الجسد من الأموات، مذكروة 14 مرة. كما أن الشهادة الرسولية لحقيقة قيامته في الجسد من الأموات وانعكاساتها.

[20] راجع تفسيري لهذا النص في كتابي

Jesus, Divine Messiah: The New and Old Testament Witness (Ross – shire, Scotland: Mentor, 2003), 372-84.

نبوات قيامة المسيح – نبوات ورموز العهد القديم عن قيامة المسيح

نبوات قيامة المسيح – نبوات ورموز العهد القديم عن قيامة المسيح

نبوات قيامة المسيح – نبوات ورموز العهد القديم عن قيامة المسيح

نبوات ورموز العهد القديم عن قيامة المسيح

صفحة: المسيح في التراث اليهودي

 

1- استقرار الفلك على جبال أراراط في اليوم 17/ 7 (شهر أبيب):

ولأن خروف الفصح ذبح في يوم 14 من هذا الشهر الذي أصبح أول شهر في السنة بعد هذا (خروج 1:12،2) أي أن الفلك استقر بعد ذبح الفصح بـثلاثة أيام بالنسبة للشهر ولأن المسيح صُلب في هذا اليوم 14 من أبيب (يوحنا 28:18) يكون اليوم الذي قام فيه هو نفسه يوم استقرار الفلك 17 أبيب.

 

ما أعجب كلمة الله “.. فكرز للأرواح التي في السجن. إذ عصت قديما حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح إذ كان الفلك يبنى الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء. الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح” (1بطرس3 :19 -22).

 

2- الكبش الذي قُدم بدل اسحق:

(تكوين 22) ونرى في اسحق وجهان للصليب والقيامة. الكبش صورة للمسيح في موته واسحق صورة له في قيامته “بالإيمان قدم إبراهيم إسحق… إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات أيضاً الذين منهم أخذه أيضاً في مثالٍ” (عبرانيين17:11-19)

 

3- عصفورا التطهير:

(لاويين 14 :1-8) العصفور الذي يذبح صورة للمسيح في موته والذي يطلق ويطير صورة له في قيامته.

 

4- ترديد حزمة الباكورة:

(لاويين11:23) في غد السبت بعد الفصح أي يوم الأحد نفس اليوم الذي قام فيه المسيح حرفياً والمسيح مات كحبة الحنطة ” الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير” (يوحنا 12 :24) وفى قيامته هو باكورة للراقدين (1كورنثوس15 :20).

 

5- عصا هرون التي أفرخت:

لما حدث نزاع بين بني إسرائيل من جهة الشخص الذي يكون له حق القيام بالخدمة الكهنوتية أمام اللّه، أمر اللّه موسى أن يأخذ من كل سبط عصا، ويكتب عليها إسم السبط الذي أخذها منه. ثم يضع العصي جميعاً في خيمة الاجتماع. وأعلن تعالى له أن الرجل الذي يختاره تعالى للكهنوت، هو الذي تفرخ عصاه (عدد 17: 10-11). وفي الغد، إذا بعصا هرون قد أفرخت فروخاً وأزهرت زهراً وأنضجت لوزاً، للدلالة على أنه هو الشخص الذي اختاره اللّه وقتئذ لهذه الخدمة.

 

ومن ثم فإن هذه العصا التي دبت فيها الحياة بعد جفافها أو بالحري بعد موتها، كانت رمزاً إلى أن المسيح لم يكن ليبقى في القبر ميتاً بل أن يحيا ويقوم من الأموات ودليل أيضاً على أنه هو الشخص الذي اختاره اللّه للكهنوت الحقيقي (أو بالحري للوساطة بينه وبين كل الناس في كل العصور) لأن كهنوت هرون كان مجرد كهنوت رمزي وقتي لليهود فحسب، ومن ثم لم يستمر طويلاً. وقد أشار الوحي إلى هذه الحقيقة فقال للمؤمنين عن المسيح إنه قام بقوة حياة لا تزول صائراً رئيس كهنة (عبرانيين 7: 16).

 

6- خروج يونان من جوف الحوت:

لما قال الكتبة والفريسيون للمسيح نريد أن نرى منك آية، أجابهم قائلاً: جيل شرير يطلب آية ولا تعطى له آية، إلا آية يونان النبي لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاثة ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال (متى 12: 38-40)، مشيراً بذلك إلى أنه له المجد سوف لا يظل في القبر بعد موته، بل سيقوم منه حياً.

 

شهادة نبوات العهد القديم

1 – قال داود النبي عن لسان المسيح قبل مجيئه إلى الأرض بمدة 1000 سنة لا تطبق الهاوية (أو بالحري المكان الذي تنطلق إليه الأرواح بعد مغادرتها لأجسادها) عليّ فاها (مزمور 69: 15). كما قال عن لسانه للّه لن تترك نفسي في الهاوية (حتى يوم القيامة مثل الناس الذين يموتون)، لن تدع (جسد) تقيك يرى فساداً في القبر مثلهم (مزمور 16: 10) – الأمر الذي يدل على أن روح المسيح الإنسانية التي أسلمها على الصليب، كان لا بد أن تعود من الهاوية إلى جسده الذي كان مدفوناً في القبر، لكي يحيا ويقوم منه.

 

2 – وقال داود النبي أيضاً بعد أن تنبأ عن صلب المسيح، إنه سيخبر أخوته باسم اللّه (مزمور 22: 1-25) – وقيام المسيح بهذا العمل بعد صلبه، دليل على أنه لا يبقى في القبر بل يقوم منه.

 

3 – وقال أشعياء النبي عن المسيح قبل مجيئه إلى الأرض بمدة 700 سنة، إنه أب أبدي (إشعياء 9: 6) – والأب الأبدي أو (أبو الأبدية) لا يمكن أن يسود عليه الموت كما يسود على الناس، بل أنه إذا مات كفارة عنهم، يموت بإرادته ومن ثم يقوم بعد ذلك بإرادته أيضاً.

 

4 – وبعدما تنبأ إشعياء عن موت المسيح قال عنه يرى نسلاً وتطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع (إشعياء 53: 10 و11) – وإطالة أيامه، ونجاح خدمته التي سر اللّه بها، ثم شبعه هو بنتائج الخدمة المذكورة – كل هذه تدل بوضوح على وجوب قيامته من الأموات لتثبيت إيمان تابعيه.

 

5 – وقال الملاك جبرائيل لدانيال النبي قبل مجيء المسيح إلى الأرض بمدة 550 سنة سَبْعُونَ أُسْبُوعاً (من السنين) قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ المُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ المَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، (بواسطة المسيح) وَلِيُؤْتَى (على يده بعد موته) بالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُّوَةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ القُدُّوسِينَ (دانيال 9: 24) – ونظراً لأن هذه الأعمال (كما يعلن الوحي) سيقوم بها المسيح بعد موته الكفاري، لذلك لم يكن من الممكن أن يبقى ميتاً، بل كان لا بد أن يقوم من الأموات ظافراً منتصراً.

 

6 – وقال هوشع النبي حوالي سنة 500 ق.م. بلسان المسيح والمؤمنين الحقيقيين، حال كونهم متحدين بشخصه، عن اللّه: إنه يُحْيِينَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ. فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يُقِيمُنَا فَنَحْيَا أَمَامَهُ (هوشع 6: 2) – فهذه الآية تدل بوضوح على قيامة المسيح من الأموات في اليوم الثالث، وقيامتنا شرعاً أيضاً معه. لأن حياتنا نحن المؤمنين مرتبطة بحياته كل الإرتباط. إذ لو ظل ميتاً لما كانت لنا حياة أبدية على الإطلاق.

ولذلك قال الرسول اَللّه الذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الكَثِيرَةِ التِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بالخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ المَسِيحِ – بالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ – وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ (أفسس 2: 4-6).

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

نبوات قيامة المسيح – نبوات ورموز العهد القديم عن قيامة المسيح

Exit mobile version