شفاء أعمى قرب أريحا – إنجيل لوقا 18 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

شفاء أعمى قرب أريحا – إنجيل لوقا 18 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

شفاء أعمى قرب أريحا – إنجيل لوقا 18 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو35:18ـ43): ” وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِسًا علَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. فَلَمَّا سَمِعَ الْجَمْعَ مُجْتَازًا سَأَلَ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا؟. فَأَخْبَرُوهُ أن يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ مُجْتَازٌ. فَصَرَخَ: يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي!. فَانْتَهَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ لِيَسْكُتَ أَمَّا هُوَ فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيراً: يَا ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي. فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَدَّمَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا اقْتَرَبَ سَأَلَهُ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدُ أَنْ أُبْصِرَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَبْصِرْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ. وَفِي الْحَالِ أَبْصَرَ وَتَبِعَهُ وَهُوَ يُمَجِّدُ اللهَ. وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ رَأَوْا سَبَّحُوا اللهَ “.

كل من ليس له فهم بعد ولم يقبل الإيمان بالمسيح، يحق أن تُقال له الكلمات التي نطق بها داود: ” هلموا وانظروا أعمال الله، الآيات التي جعلها على الأرض” (مز 8:45 س). لأنه صنع آيات ليس بحسب نمط بشري، مع أنه كان في الهيئة إنسانًا مثلنا، لكنه صنعها بالأحرى بسلطان إلهي لأنه كان إلهًا وهو في الهيئة مثلنا، إذ أنه لم يتغيّر عما كان عليه، كما يبرّهن لنا مغزى النص الذي قُرئ الآن من الإنجيل. لأنه يقول إن المخلص ” كان مجتازًا فصرخ إنسان أعمى وقال: يا ابن داود ارحمني”. فلنفحص تعبير ذلك الإنسان الذي فقد بَصَرَه، إذ هو أمر لا يمكن أن نتجاوزه دون فحص، فربما بفحص ما قيل سنحصل على شيء له منفعة عظيمة جدًّا بالنسبة لنا.
فبأي صفة يوجِّه الأعمى صلاته للمسيح؟ هل كما إلى مجرد إنسان، بحسب ثرثرة اليهود الذين رجموه بحجارة قائلين في حماقتهم: ” لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا؟” (يو 33:10). لكن ألم يكن واجبًا أن يفهم الأعمى أن استعادة البصر لا يمكن أن تتم بوسائط بشرية، بل تحتاج على العكس إلى قوة إلهية وسلطان لا يمتلكه إلاّ الله وحده؟ لأن ليس شيء مهما كان، غير ممكن لدى الله. لذلك فإنه تقدّم إليه كما إلى الله الكلّي القدرة؛ لكن كيف يدعوه ابن داود؟ وبماذا يمكننا أن نجيب على هذا؟ على ما أظن ربما يمكن أن نشرح الأمر هكذا: حيث إن الأعمى تربى في الديانة اليهودّية وكان من ذلك الجنس بالمولد، فلم تَغْب عن معرفته بالطبع النبوات الموجودة في الناموس والأنبياء القديسين بخصوص المسيح. فقد سمعهم ينشدون من كتاب المزامير تلك العبارة: ” أقسم الرب لداود حقًا ولا يخلف، لأجعلن من ثمرة بطنك على كرسيك” (مز 11:131 س)، وعرف أيضًا أن النبي الطوباوي إشعياء قال: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله” (إش 1:11)، وأيضًا: ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعون اسمه عمانوئيل” (إش 14:7). لذلك فالأعمى كإنسان آمن في الحال أن الكلمة وهو الله، هو الذي قَبِلَ بإرادته أن يُولَد بالجسد من العذراء القديسة، فاقترب منه على إنه الله وقال: ” يا ابن داود ارحمني”. لأن المسيح شهد بأن هذا هو تفكير الأعمى عندما قدّم توسله، بقوله له: ” إيمانك قد شفاك”.

إذن فليخزَ الذين يظنّون أنفسهم أنهم ليسوا عميانًا مع أنهم كما يقول الحكيم بطرس عميان وقصيرو البصر (انظر 2بط 9:1)، لأنهم يُقسِّمون الرب الواحد يسوع المسيح إلى اثنين، الذي هو نفسه كلمة الآب (لكنه هو الذي صار إنسانًا وتَجسَّد، لأنهم ينكرون أن الذي وُلد من نسل داود هو حقًا ابن الله الآب؛ لأنهم يقولون إن الولادة هي أمر يَخُص الإنسان فقط ويرّفضون في جهلهم العظيم أنه صار جسدًا)، ويحتقرون ذلك التدبير الثمين والذي لا يُنطق به والذي به تمّ فداؤنا، بل وربما يتكلّمون بحماقة ضد الابن الوحيد الجنس، لأنه أخلى ذاته ونزل إلى قامة الطبيعة البشرّية، وكان مُطيعًا للآب حتى الموت، لكي بموته بالجسد يمكنه أن يُبْطل الموت، ولكي يمحو الفساد وأن يطرح خطية العالم بعيدًا. ليت أمثال هؤلاء يقتدون بهذا الأعمى لأنه تقدّم إلى المسيح مخلّص الكّل مؤمنًا أنه الله؛ ودعاه الرب وابن الطوباوي داود، وشهد أيضًا لمجده بسؤاله إياه أن يعمل عملاً لا يستطيع أن يتمّمه إلاّ الله وحده، ويا ليتهم يعجبون أيضًا بالثبات الذي به اعترف بالمخلّص، لأن هناك بعض الذين انتهروه عندما اعترف بإيمانه، ولكنه لم يستسلم ولم يتوّقف عن صراخه بل أَبكَمَ جهل أولئك الذين كانوا ينتهرونه ليسكت. لذلك فعن صواب أكرمه المسيح، إذ دعاه وأمره أن يقترب منه. افهموا من هذا، أيها الأحباء، أن الإيمان يضعنا نحن أيضًا في حضرة المسيح، وهكذا يُدخلنا إلى الله لكي نُحسب نحن أيضًا أهلاً لكلامه، لأنه حينما اُحضر الأعمى إليه سأله قائلاً: ” ماذا تريد أن أفعل بك؟” فهل كان المخلص يجهل ماذا يريد الرجل؟ لأنه كان واضحًا أنه يطلب الخلاص من المرض الذي أصابه؟ كيف يمكن أن يكون هناك أي شك في هذا؟ لذلك فقد سأله المسيح عن قصد، لكي ما يتعلّم أولئك الذين كانوا واقفين حوله والمصاحبين له أنه لم يكن يطلب مالاً، بل بالحري لأنه يعتبره إلهًا، فإنه سأله عملاً إلهيًا، عملاً مناسبًا للطبيعة التي تفوق الكّل.
إذن، فحينما أعلن عن طبيعة طلبه بقوله: يا سيد أن أبصر، آنذاك، نعم! آنذاك، كانت الكلمات التي قالها المسيح بمثابة توبيخ لليهود لعدم إيمانهم، لأنه بسلطان فائق قال: ” أبصر “. مدهش هو هذا التعبير! وهو بالحق جدير بالله ويفوق كل حدود طبيعة البشر! أي من الأنبياء القديسين تكلّم بمثل هذا؟ أو استخدم كلمات بمثل هذا السلطان العظيم؟ إذن لاحظوا أن المسيح لم يطلب من آخر القوة على استعادة البصر لذاك الذي كان محرومًا من النظر، ولا هو أجرى المعجزة الإلهية بفعل الصلاة إلى الله، بل نسبها بالأحرى إلى قوته الذاتية، وبإرادته القادرة على كل شيء صنع ما أراده، إنه قال له: ” أبصر”، وكان الأمر بالإبصار نورًا لمن كان أعمى لأنه كان أمرًا من ذاك الذي هو النور الحقيقي.

والآن وقد تخلَّص من عماه، فهل أهمل واجب حبه للمسيح؟ بالتأكيد لا، إذ يقول (النص) إنه ” تبعه” وقدَّم له المجد اللائق بالله، لذلك فإنه تخلَّص من عَمى مزدوج، إذ أفلت ليس فقط من عَمى الجسد، بل أيضًا من عَمى الذهن والقلب، لأنه ما كان ليمجدّه كإله لو لم يكن قد اقتنى البصر الروحي. علاوة على ذلك فقد صار واسطة لأولئك الآخرين أن يعطوا للمسيح المجد أيضًا، إذ يقول (النص)، وجميع الشعب سبحوا الله. [ لذلك من الواضح من هذا عِظَم إثم الكتبة والفريسيين، لأنه انتهرهم بسبب رفضهم أن يقبلوه، رغم المعجزات التي صنعها، بينما الجموع مجَّدته كإله بسبب الأفعال التي صنعها، وهم من جانبهم (أي الفريسيون) لم يقدموا له هذا التمجيد ]، بل جعلوا المعجزة فرصة للإهانة والاتهام، لأنهم قالوا إن الرب عمل المعجزات ببعلزبول، وبتصرّفهم هكذا صاروا سبب هلاك الشعب الذي كان تحت قيادتهم، لذلك احتج الرب على خبثهم بصوت النبي القائل: ” ويل للرعاة الذين يهلكون ويبددون غنم ميراثى” (إر 1:23 س)، وأيضًا: ” لأن الرعاة صاروا أغبياء ولم يطلبوا الرب من أجل ذلك لم يفهم أحد من الرعية فتبددت” (إر 21:10 س).
وهكذا كان حالهم، أما نحن فإننا تحت قيادة رئيس رعاة الكّل، المسيح، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

شفاء أعمى قرب أريحا – إنجيل لوقا 18 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يُنبئ ثانية بموته وقيامته – إنجيل لوقا 18 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يُنبئ ثانية بموته وقيامته – إنجيل لوقا 18 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يُنبئ ثانية بموته وقيامته – إنجيل لوقا 18 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا31:18ـ34): ” وَأَخَذَ الاِثْنَى عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ. لأنهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ. وَيَجْلِدُونَهُ وَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَكَانَ هَذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ “.

تكلّم النبي الطوباوي داود عن واحدة من تلك الأمور التي لها أهمية عظمى لمنفعتنا، خصوصًا وأنها تشير إلى ما يحدث دائمًا بالنسبة لأذهان الناس فيقول: ” تهيأت ولم أنزعج ” (مز 60:118 س). لأن كل ما يحدث على غير توقع، إذا ما كان متَسّمًا بالخطورة، فإنه يُعرِّض حتى أشجع الناس للاضطراب والانزعاج، وأحيانًا يصيبهم بمخاوف لا تحتمل. أما إذا كان قد ذُكِرَ قبل حدوثه، فإن وَقْعِه يسهّل تجنبه، وهذا هو على ما أظن معنى ” تهيأت ولم أنزعج”.
لأجل هذا السبب، فإن الكتاب الموحى به من الله، يقول ـ بشكل مناسب جدًّا ـ لأولئك الذين سوف يبلغون للمجد بسلوكهم طريق القداسة هكذا: ” يا بُني إذا تقدمت لخدمة الرب أعدد نفسك للتجربة، ووجه قلبك واحتمل” (ابن سيراخ 1:2 و2). إن الكتاب يتكلّم هكذا لكي يُعلّم الناس أنهم بممارسة الصبر والاحتمال فإنهم سوف يتغلّبون على التجارب التي تقابل كل من يعيشون بالتقوى، ويبرهنوا على تساميهم على كل ما يمكن أن يزعجهم. كذلك هنا أيضًا، فإن مخلّص الكل لكي يُعد مسبقًا أذهان التلاميذ فإنه يخبرهم بأنه سوف يعاني الآلام على الصليب والموت بالجسد بمجرد صعوده إلى أورشليم. وأضاف أيضًا أنه سوف يقوم ثانية، ويمسح الألم، ويزيل خزي الآلام بعظمة المعجزة، لأنه أمر مجيد ويليق بالله أن يكون قادرًا على كسر رباطات الموت والعودة بسرعة إلى الحياة. لأن القيامة من الأموات بحسب تعبير الحكيم بولس ـ تشهد له أنه الله وابن الله (رو 4:1).

لكن يلزمنا أن نشرح ما هي المنفعة التي نالها الرسل القديسون من معرفتهم باقتراب تلك الأمور التي كانت على وشك الحدوث. إنه بهذه الوسيلة قطع مسبقًا كل الأفكار غير اللائقة وكل فرص العثرة. سوف تسألون: كيف وبأي طريقة؟ وأنا أجيب: إن التلاميذ الطوباويين تبعوا المسيح مخلّصنا كلّنا في جولاته في اليهودية ورأوا أنه لم يوجد شيء، مهما كان فائقًا على الوصف، وجديرًا بالإعجاب لم يستطع أن يعمله. إنه دعا الموتى من قبورهم بعد أن أنتنوا، وأعاد البصر للعميان، وصنع أيضًا أعمالاً أخرى لائقة بالله ومجيدة، وسمعوه يقول: ” أليس عصفوران يباعان بفلس؟ وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم” (مت 29:10). والآن فَهُم الذين قد رأوا هذه الأشياء وتشدّدوا بكلماته (التي قادتهم) إلى الشجاعة، كانوا على وشك أن ينظروه يحتّمل سخرية اليهود، ويُصلب ويُستهزئ به ويُلطم من الخدام. لذلك كان ممكنًا أن يعثروا بهذه الأمور، ويفكروا في داخل أنفسهم ويقولون: ذلك الذي هو عظيم هكذا في قوته، وله مثل هذا السلطان الإلهي، والذي يجري المعجزات بإيماءته فقط، وكلمته مقتدرة حتى إنه يقيم الموتى من قبورهم، والذي قال أيضًا إن عناية أبيه تصل حتى إلى الطيور؛ والذي هو الابن الوحيد الجنس والبكر ـ كيف أنه لم يعرف ما كان مزمعًا أن يحدث؟ هل هو أيضًا أُخذ في شباك العدو وصار فريسة لأعدائه مع أنه وَعَدَ أنه سوف يخلّصنا؟ فهل أُهمِل وأُحتقر من ذلك الآب الذي بدون مشيئته لا يمكن أن يسقط ولا حتى عصفور صغير؟ ربما قال أو فكر الرسل القديسون في هذه الأشياء فيما بينهم وماذا كانت ستصير النتيجة؟ إنهم أيضًا مثل باقي جموع اليهود كانوا سوف يصيرون غير مؤمنين وجاهلين بالحق.

لذلك فإنه أخبرهم مقدمًا عما كان سوف يحدث، حتى يكونوا على دراية بأنه قد عرف بآلامه قبل أن تحدث، ومع أنه كان في استطاعته أن يهرب منها بسهولة، إلاّ أنه مع هذا تقدَّم لملاقاتها بإرادته. فبقوله: ” هانحن صاعدون إلى أورشليم”، فهو ـ إن جاز القول ـ شهد بقوة، وأمرهم أن يتذكّروا ما سبق أن أخبرهم به وأضاف أن كل هذه الأمور قد سبق أن تنبأ عنها الأنبياء القدّيسون. لأن إشعياء يتكلّم كما بلسان المسيح: ” بَذلَتُ ظهري للسياط وخدي للطم، وجهي لم أستر عن خزي البصاق” (إش 6:50 س). وأيضًا يقول عنه في موضعٍ آخر: ” مثل خروف يُساق إلى الذبح وهو صامت، وكنعجة أمام الذي يجزها” (إش 7:53 س). وأيضًا: ” كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه والرب سلَّمه بسبب خطايانا” (إش 6:53 س). وكذلك يرسم لنا داود الطوباوي في المزمور الواحد والعشرون ـ كما لو كان صورة مسبقة للآلام على الصليب، ويضع يسوع أمامنا متكلّمًا كإنسان معلق على الخشبة (فيقول): ” أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومحتقر الشعب، كل الذين يرونني يستهزئون بي، يتكلمون بشفاههم ويهزون رؤوسهم قائلين اتكل على الرب فليخلصه” (مز 6:21ـ8 س). لأن بعضًا من اليهود كانوا يهزون رؤوسهم الأثيمة ويستهزئون به قائلين: ” إن كنت ابن الله انزل من على الصليب ونحن نؤمن بك” (مت 40:27 و43)، وأيضًا قال (داود): ” اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لُباسي ألقوا قرعة” (مز 18:21)، كما يقول في موضعٍ آخر عن أولئك الذين صلبوه: ” ويجعلون في طعامي علقمًا وفي عطشي يسقونني خلاً” (مز 21:68 س).

لذلك، فمِنْ كل ما كان مزمعًا أن يصيبه، لم يوجد شيء لم يسبق الإخبار به قبل حدوثه، والله بعنايته رتّب هذا لمنفعتنا حتى عندما يحين الوقت لحدوثه، لا يعثر أحد، لأنه كان في استطاعة من عَرِفَ مسبّقًا ما كان مزمعًا أن يحدث له، أن يرفض التألم كليّةً. إذن، لم يجبره أحد على ذلك بالقوة، ولا أيضًا كانت جموع اليهود أقوى من قدرته، لكنه خضع للتأّلم لأنه عرف أن آلامه سوف تكون لأجل خلاص العالم كله. إنه احتمل في الواقع موت الجسد، لكنه قام ثانية إذ داس على الفساد، وبقيامته من الأموات غَرَسَ في أجساد البشر الحياة النابعة منه، لأنه فيه تّم إعادة كل طبيعة البشر إلى عدم الفساد. وعن هذا شَهِدَ الحكيم بولس وقال: ” فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو 21:15). وأيضًا: ” لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع” (1كو 22:15). لذلك فلا يحق لمن صلبوه أن يتمادوا في الكبرياء إذ أنه لم يبق بين الأموات، إذ نرى أنه كإله له قوة لا تُقاوم، بل بالأحرى عليهم أن يبكوا على أنفسهم بسبب كونهم مذنبين بجريمة قتل الرب، وهذا هو ما وجدنا المخلص يقوله للنسوة اللواتي كُنَّ يبكينَ لأجله: ” يا بنات أورشليم لا تبكينَ علىَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن” (لو 28:23)، لأنه لم يكن من الصواب أن يَنُحنَ على من كان مزمعًا أن يقوم من بين الأموات محطمًا بذلك الفساد ومزعزعًا سلطان الموت، بل العكس كان يليق بالأكثر أن يَنُحنَ على مصائبهن.
سبق مخلّص الكل وأعلن هذه الأشياء للرسل الأطهار، لكن الكتاب يقول: ” أما هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا، وكان هذا الأمر مُخفَى عنهم”، لأنهم لم يعرفوا بعد بالتدقيق ما سبق أن أعلن عنه الأنبياء القدّيسون، لأنه حتى الذي كان هو الأول بين الرسل لمّا سمع المخلِّص يقول مرّة إنه سيُصلب ويموت ويقوم، ولأنه لم يكن قد فهم بعد عمق السر، فإنه قاوم (الرب) قائلاً ” حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا ” (مت 22:16)، لكن الرب انتهره لأنه يتكلّم هكذا، لأنه لم يكن يعرف بعد معنى الكتاب الموحي به من الله فيما يختص به. لكن عندما قام المسيح من بين الأموات، فإنه فتح أعينهم كما كتب أحد الإنجيليين القديسين، لأنهم استناروا واغتنوا بالشركة الفيّاضة مع الروح، لأن الذين لم يفهموا قبلاً كلمات الأنبياء، حثوا فيما بعد الذين آمنوا بالمسيح أن يدرسوا كلام الأنبياء قائلين: ” وعندنا الكلمة النبوّية وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضعٍ مظلم، إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم” (2بط 19:1). وهذا أيضًا بلغ كماله، لأننا إنما قد استنرنا في المسيح الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

يسوع يُنبئ ثانية بموته وقيامته – إنجيل لوقا 18 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تركنا كل شيء وتبعناك – إنجيل لوقا 18 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تركنا كل شيء وتبعناك – إنجيل لوقا 18 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تركنا كل شيء وتبعناك – إنجيل لوقا 18 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو28:18ـ30):” فَقَالَ بُطْرُسُ: هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَقَالَ لَهُمُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ وَالِدَيْنِ أَوْ إِخْوَةً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا مِنْ أَجْلِ مَلَكُوتِ اللهِ. إِلاَّ وَيَأْخُذُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ “.

ذلك الذي هو ينبوع التعاليم المقدَّسة يجعل هنا أيضًا نهرًا صحيًا يتدّفق لنا، كما يبدو أن المناسبة نفسها تدعونا أن نقول لمن يفحصون الكلمات الإلهية: ” أيها العطاش هلموا إلى المياه” (إش 1:55)، فقد وُضع أمامكم أن تشتركوا في نهر البهجة الذي هو المسيح، لأن داود النبي ذَكَرَهُ بهذا الاسم فقال لله الآب الذي في السماء: ” فبنو البشر في ظل جناحيك يحتمون يُروون من دسم بيتك ومن نهر بهجتك تسقيهم” (مز 8:35 س).

أما ما هو هذا النهر الذي يتدّفق إلينا منه، فهذا هو ما تعلِّمه لنا بوضوح الدروس الإنجيلية الموضوعة أمامنا الآن: (إذ يقول الإنجيل) ” فقال بطرس ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك”؛ ويضيف متى الإنجيلي: ” فماذا يكون لنا؟” (مت 27:11). لكن قبل أن ننتقل إلى أي من النقاط الأخرى، لنسأل أولاً عن المناسبة التي أوصلت إلى هذا الموضوع الحالي. لذلك، حينما قال المسيح مخلّصنا كلنا لأحد رؤساء مجامع اليهود: ” اذهب بع كل ما لك ووزع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني”، سأله التلاميذ: ماذا سينالون من الله (أولئك) الذين حفظوا هذه الوصية، ولأجل منفعة الآخرين فلقد وضع التلاميذ على أنفسهم توضيح حدود هذا الأمر. لكن ـ بحسب ما أتخيّل ـ ربما يجيب البعض عن هذا: ما هو الذي تخلّى عنه التلاميذ عمومًا لأنهم كانوا أشخاصًا يكسبون ضروريات الحياة بعرقهم وكدهم، ولأن صناعتهم كانت صيد السمك، فهم يمتلكون على الأكثر قاربًا وشباكًا. ولم يكن لهم بيوت جميلة أو أي مقتنيات أخرى، لذلك فما الذي تركوه أو عوضًا عن أي شيء يسألون من المسيح مكافأة؟ بماذا نجيب عن هذا؟ لأجل هذا السبب بالذات يسألون هذا السؤال الضروري جدًّا، لأنه بقدر ما كانوا لا يمتلكون شيئًا سوى ما هو زهيد وتافه القيمة، فإنهم سوف يعرفون الطريقة التي بها يجازي الله ويبهج بعطاياه أولئك الذين لم يتركوا سوى القليل لأجل ملكوت الله راغبين أن يُحسبوا جديرين بملكوت السموات لأجل محبّتهم له. فالرجل الغني لكونه قد تخلّى عن الكثير فإنه يتوقع مكافأة عن ثقة، لكن الذي لا يملك سوى القليل وقد تخلّى عنه، هل كان يحق له أن يسأل أيَّة آمال سيمنِّي نفسه بها؟ لأجل هذا السبب فالتلاميذ كممثلين لمن هم في حالة شبيهة بهم، من جهة أنهم لم يتركوا سوى القليل قالوا: ” هانحن قد تركنا كل شيء وتبعناك”.
كما يلزم أن نلاحظ هذا أيضًا أنه لدى التأمل بطريقة صحيحة، فإننا نجد أن ألم التخلِّي هو نفسه سواء أكان التخلّي هو عن كثير أو عن قليل. هلّموا كي نرى المغزى الحقيقي للأمر بمثال بسيط. لنفترض أنه كان على رجلين أن يقفا عريانين، وفي فعلهما هذا نزع الواحد منهما عن نفسه ثيابه الغالية الثمن، بينما الآخر خَلَعَ فقط ما كان رخيصًا وسهل الاقتناء، ألاّ يكون ألم التعّري واحدًا في الحالتين؟ هل يمكن أن يكون هناك شك حول هذه النقطة؟ لذلك بقدر ما أن الأمر إنما يتعلّق بالطاعة والنيّة الحسنة، يلزم أن يوضع هؤلاء الفقراء على قِدَم المساواة مع الأغنياء، الذين رغم أن ظروفهم تختلف، لكن كان لهم استعداد متساوي وقبلوا برضا بيع كل ما لهم. كذلك أيضًا الحكيم جدًّا بولس الرسول تبنَّى قضيتهم عندما كتب هكذا: ” لأنه إن كان النشاط موجودًا فهو مقبول على حسب ما للإنسان لا على حسب ما ليس له” (2كو 12:8).

لذلك فإن تساؤل الرُسل الأطهار لم يكن غير معقول. إذن ماذا قال لهم المسيح الذي لا يأخذ بالوجوه؟ ” الحق أقول لكم إن ليس أحد ترك بيوتًا أو إخوة أو أولادًا أو والدين من أجل ملكوت الله إلاّ ويأخذ في هذا الزمان أضعافًا كثيرة وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية”. هذا إعلان يليق بالله، وقرار مقدَّس يستحق الإعجاب، بل لاحظوا كيف أنه رفع كل السامعين إلى رجاء أكيد، واعدًا ليس فقط بملء العطيّة السخيّة التي تُغدَق على القدِّيسين، بل أيضًا مثبتًا وعده بقَسِمَ، إذ بدأ إعلانه باستعمال كلمة ” الحق”، والتي، إن جاز القول، تؤدي دور القسم. وهو لم يكتفِ بأن ينال وعوده أولئك الذين احتقروا المال، بل أيضًا أولئك الذين تركوا أبًا أو أمًا أو زوجة أو إخوة لأجل ملكوت الله، وقال إنهم سوف يأخذون أضعافًا كثيرة في هذا الدهر، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية. أما كون أن أولئك الذين يعيشون حياة فاضلة ينالون بالضرورة الحياة الأبدية، فهذا أمر ليس فيه أي شك على الإطلاق. لكن يوجد أولاً سؤال ضروري بخصوص مَنْ هم الذين تركوا أبًا وأمًا وزوجة وإخوة وبيوتًا. وثانيًا أيضًا يجب أن نفحص فحصًا دقيقًا ما هي الطريقة التي سوف ينال بها من يفعلون هذا، أضعافًا كثيرة في هذا العالم.
يترك بعض الناس الأب والأم والزوجة والإخوة وكثيرًا ما يَعَتبَرون العاطفة الطبيّعية التي توجبها روابط القرابة كلا شيء لأجل محبة المسيح، والمسيح يعلّمنا بأية طريقة يفعلون هذا بقوله مرة: “من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنه أكثر مني فلا يستحقني” (مت37:10)، كما قال في مرة أخرى: ” لا تظنوا إني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنه ضد حماتها” (مت 34:10 و35).

أن رسالة الإنجيل الإلهية عندما تصطاد العالم كله كأنه في شبكة؛ إلى الإيمان به وترفعه إلى نور معرفة الله، فيوجد هناك من يدخلون بسرعة، ولكن البعض يُقاسون من خزي مهين إذ يكونون خائفين سواء من آبائهم أو من أمهاتهم، ويعطون اعتبارًا عظيمًا لغضبهم أو حزنهم، لأنه إن كان هؤلاء الوالدون غير مؤمنين، فلن يوافقوا على أن أولادهم أو بناتهم يسلّمون ذواتهم لخدمة المسيح، ويتخلّون عن الضلال الذي تربوا عليه والذي صار أمرًا اعتياديًا بالنسبة لهم (أي عبادة الأوثان). وأحيانًا عندما يكون الأبناء غير مؤمنين ويتخذون موقفًا عدائيًا (من المسيح) فإنه لا يكون لآبائهم الشجاعة لأن يغيظوهم بأن يسرعوا إلى الإيمان، ويمسكوا بالخلاص الذي بالمسيح. ويمكن أيضًا أن يُعطي نفس التفسير من جهة الإخوة مع الإخوة والكنه مع حماتها والحماة مع كنتها. أما الأقوياء في الذهن الذين لا يفضلون شيئًا على محبة المسيح فإنهم يمسكون بالإيمان بغيرة ويحاولون باجتهاد أن يدخلوا إلى بيت الله من خلال العلاقة الروحية، ولا يعيرون انتباهًا للحروب أو بالأحرى الانقسامات التي سوف تترتب على إيمانهم، مع أقربائهم حسب الجسد، وبهذه الطريقة يترك بعض الناس البيت والأقرباء لأجل المسيح لكي يربحوا اسمه (انظر مت 29:19) ويُدعوا مسيحيين، أو بالأحرى لأجل مجده، لأن اسمه كثيرًا ما يعني مجده.

وبعد ذلك دعونا نرى بأية طريقة ينال الذي يترك بيتًا أو أبًا أو أمًا أو إخوة بل وربما زوجته، أضعافًا كثيرة في هذا الزمان الحاضر. هل هو سوف يصير زوجًا لزوجات كثيرات أم سوف يجد على الأرض آباء كثيرين بدلاً من أب واحد وهكذا يتضاعف عدد أقربائه الأرضيين؟ ليس هذا هو ما يقوله، بل بالأحرى هو أنه بالتخلّي عن هذه الأشياء الزمنيّة والجسديّة فإنه سوف ينال ما هو أعظم جدًّا في قيمته، أي سوف ينال أضعاف المرّات ما صُرف النظر عنه. ولنأخذ من فضلكم الرسل الأطهار كأمثلة لنا، فنقول عنهم إنهم كانوا أشخاصًا غير متميّزين بحسب المركز الدنيّوي، ولم تكن لهم مهارة في الفصاحة وفي الإلقاء، وليس لهم لسان بليغ ولا كلمات فخمة بل بالعكس كانوا غير مدرّبين على الكلام وبحسب المهنة كانوا صياّدي سمك، وكانوا يقتاتون من تعبهم. لكن كل ما كان لهم قد تركوه كي يكونوا ملازمين للمسيح دائمًا وخدامًا له ولم يستطع أي عائق أن يعيقهم أو يجتذبهم بعيدًا في انشغالات أخرى أو مطالب دنيّوية. وإن كانوا قد تركوا كل شيء، فما الذي ربحوه؟ نعم لقد امتلئوا من الروح القدس، ونالوا سلطانًا على الأرواح النجسة ليخرجوها وصنعوا معجزات، حتى إن ظِلْ بطرس كان يشفي المرضى، وصاروا بارزين بين الناس في كل مكان، متقدّمين في المجد، وجديرين بالاقتداء (بهم)، وصاروا مشهورين وهم أحياء، وكذلك فيما بعد (انتقالهم)، لأنه مَنْ هو الذي لا يعرف أولئك الذين علَّموا العالم سّر المسيح؟ من لا يعجب من إكليل المجد الذي وُهِبَ لهم؟
لكن ربما تقول: ” هل يلزم أن نصير كلنا مثلهم؟ على هذا السؤال نجيب أن كل واحد منّا أيضًا نحن الذين آمنا بالمسيح وأحببنا اسمه، إن كنا قد تركنا بيتًا ننال المنازل التي فوق وإن كنا قد تركنا أبًا فسوف نربح ذلك الآب الذي في السموات. وإن كان أحد قد تُرك من إخوته فسوف يقبله المسيح أخًا له، وإن ترك زوجة فستكون الحكمة التي تنزل من فوق من عند الله هي رفيقته في البيت. لأنه مكتوب: ” قل للحكمة أنتِ أختي وأجعل الفهم صديقك” (أم 4:7 س)، وبواسطتها سوف تثمر ثمارًا روحيّة جميلة، وبواسطتها سوف تصير شريكًا في رجاء القديسين وتنضم إلى رفقة الملائكة. ومع أنك تركت أمك، فسوف تجد أمًا أخرى أروع بما لا يُقاس، أي أورشليم العليا التي هي حرّة وهي أمنا جميعًا (غل 26:4).

فكيف لا تكون هذه الأشياء مضاعفة جدًّا أكثر من تلك التي تُركْت، لأن تلك التي تُرِكَتْ هي مؤقتة وسريعة الزوال وتتلف بسهولة! لأنها كالندى وكالحلم هكذا تزول. أما الذي يُحسب أهلاً لهذه الأمور الأبدية فهو يصير لامعًا حتى في هذا العالم بل ويغارون منه بسبب أنه يكون مزينًا بالمجد أمام الله والناس.
لذلك فإن هذه الأشياء هي مضاعفة جدًّا عن كل ما هو أرضَيّ وجسدّي. والذي يعطيها لنا هو ربنا ومخلّصنا جميعًا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

تركنا كل شيء وتبعناك – إنجيل لوقا 18 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو18:18ـ27): ” وَسَأَلَهُ رَئِيسٌ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ. فَقَالَ: هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: يُعْوِزُكَ أَيْضًا شَيْءٌ. بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ حَزِنَ لأنهُ كَانَ غَنِيًّا جدًّا. فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ قَدْ حَزِنَ قَالَ: مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!. لأن دُخُولَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!. فَقَالَ الَّذِينَ سَمِعُوا: فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟. فَقَالَ: غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ “.

الذين يؤمنون أن الكلمة الذي أشرق من جوهر الله الآب نفسه هو الله بالطبيعة وبالحق؛ فإنهم يقتربون إليه كما إلى إله كليّ المعرفة، وهو كما يقول المرنَّم: ” فاحص القلوب والكلى” (مز 9:7) ويرى كل ما يجري في داخلنا لأن كل شيء عريان ومكشوف أمام عينيه (عب 13:4) بحسب تعبير بولس الطوباوي. ولكننا لا نجد جموع اليهود يميّلون إلى هذا لأنهم مع رؤسائهم ومعلّميهم كانوا في ضلال، ولم يروا بعيون أذهانهم مجد المسيح بل نظروا إليه بالحري كواحد مثلنا أقصد كمجرد إنسان وليس بالحري الله الذي قد صار إنسانًا، لذلك فإنهم تقدَّموا إليه ليجرّبوه وينصبوا له فخاخ مكرهم وهذا يمكنكم أن تتعلمّوه مما قد قُرئ الآن. لأنه يقول: ” وسأله رئيس قائلاً: أيها المعلّم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله”. والآن فذلك الذي يُدعى هنا رئيس والذي تخيّل في نفسه إنه عَالِم بالناموس، والذي افترض أنه قد تعلّمه بدقة، تخيّل أنه يستطيع أن يتهّم المسيح باحتقار الوصية التي نطق بها موسى الحكيم جدًّا، وبأنه يُدخل شرائع أخرى من عنده لأن هدف اليهود كان أن يثبتوا أن المسيح عَارَضَ وقَاوَمَ الوصايا السابقة بقصد أن يؤسِّس ـ كما قلت ـ وصايا جديدة بسلطانه الخاص تتعارض مع تلك الوصايا الموجودة سابقًا، حتى يكون لمعاملتهم الشرّيرة نحوه حجة خادعة. لذلك تقدم (الرئيس) وتظاهر بالتكلّم بلطف لأنه دعاه معلّمًا ونعته بالصالح، فأفصح عن رغبته في أن يكون تلميذًا، إذ يقول: ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية “. لاحظوا كيف أنه خلط التملّق مع الغش والخداع كمن يخلط المُرّ مع العسل، لأنه ظن أنه بهذه الطريقة يمكنه أن يخدعه. وعن مثل هؤلاء الناس قال واحد من الأنبياء القديسين: ” لسانهم رمح نافذ، كلمات أفواههم غاشة، يكلِّم صاحبه بسلام، لكن توجد عداوة في نفسه” (إر 8:9 س). وعلى هذا النحو أيضًا يتكلّم عنهم المرنم الحكيم ويقول: ” فمهم مملوء لعنة ومرارة ” (مز 7:10 س)، وأيضًا: ” كلماتهم ألين من الزيت وهي سيوف مسلولة” (مز 21:55).
لذلك تملّق الرئيس يسوعَ وحاول أن يخدعه فتظاهر أنه يتخذ موقفًا متعاطفًا معه، ولكن بماذا أجاب العالِم بكل شيء وهو كما هو مكتوب: ” الآخذ الحكماء بمكرهم” (أى 13:5)، ” لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله”. ها أنت ترى كيف برهّن المسيح أن ذلك الرجل ليس حكيمًا ولا متعلّمًا رغم أنه رئيس مجمع اليهود وكأنه يقول له: ” إن كنت لا تؤمن أنني أنا الله ورداء الجسد قد جعلك تضّل، فلماذا تدعوني بأوصاف تليق فقط بالطبيعة الفائقة (الإلهية) وحدها، بينما أنت لا تزال تفترض أنني مجرد إنسان مثلك ولست فائقًا على حدود الطبيعة البشرية؟” فإن صفة الصلاح بالطبيعة توجد في الطبيعة التي تفوق الكّل، أي في الله فقط وهو (الصلاح) الذي لا يتغيّر؛ أما الملائكة ونحن الأرضيون فنكون صالحين بمشابهتنا له أو بالحري باشتراكنا فيه. فهو الكائن الذي يكون، وهذا هو اسمه (انظر خر 14:3 و15) وذكره الدائم إلى كل الدهور؛ أما نحن فإننا نوجد ونأتي إلى الوجود بأن نصير مشتركين في مَنْ هو كائن حقًا، لذلك هو صالح حقًا أو هو الصلاح المُطلق، أما الملائكة والبشر ـ كما قلت ـ هم صالحون فقط بصيرورّتهم مشتركين في الإله الصالح لذلك فلنضع الصلاح على أنه الصفة الخاصة بالله وحده الذي فوق الكّل. وهو متصل جوهريًا بطبيعته وهو صفته الخاصة. وكأنه يقول له: ” فإن كنت لا أبدو لك أنني الله حقًا، فأنت قد نسبتَ إلىَّ عن جهل وحماقة الخصائص والفضائل التي للطبيعة الإلهية، في نفس الوقت الذي تتخيّل إنني مجرّد إنسان أي من لم يلبس الصلاح أبدًا، ولا صفة الطبيعة غير المتغيّرة، بل يحصل على الصلاح فقط بموافقة الإرادة الإلهية “. إذن فهذا هو مغزى ما قاله المسيح.
لكن ربما لا يوافق على صحة هذا الشرح أولئك الذين فسدت أذهانهم بمشاركتهم لشر آريوس ، لأنهم يجعلون الابن أقل من الله الآب في السمو والمجد، أو بالأحرى هم يجادلون بأنه ليس هو الابن، لأنهم لفظوه عن أن يكون إلهًا بالحق وبالطبيعة، بل واستبعدوه عن أن يكون قد وُلد حقًا، لئلا يؤمن الناس أنه مساوي حقًا في الجوهر لمن وَلَده، لأنهم يؤكدون ـ كما لو أنهم حصلوا على مبرّر لتجدّيفهم ـ من الفقرة الموجودة أمامنا الآن فيقولون: ها هو قد أنكر بوضوح وبصريح العبارة أنه صالح، وأفرز الصلاح جانبًا على أنه خاص بالله الآب فقط، ولكن مادام (الابن) هو بالحق مساوٍ للآب في الجوهر وقد خرج منه بالطبيعة، فكيف لا يكون هو أيضًا صالحًا إذ هو الله؟ إذًا فلتكن هذه هي إجابتنا على الذين يقاوموننا، حيث إن كل تفكير صحيح ودقيق إنما يعترف أن الابن له نفس جوهر أبيه، فكيف لا يكون صالحًا وهو إله؟ إذ لا يمكن إلاّ أن يكون إلهًا مادام له نفس الجوهر مع مَنْ هو بالطبيعة الله. لأنهم بالتأكيد، مهما كانت الجسارة التي سقطوا فيها شديدة فلن يقدروا أن يثبتوا أنه من أب صالح خرج ابن غير صالح. وعندنا على هذا شهادة المخلِّص نفسه الذي قال: ” لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارًا ردية” (مت 18:7). فكيف يخرج نبت رديء من جذر صالح، أو كيف يمكن أن يتدّفق نهر مر من نبع عذب؟ هل كان هناك أبدًا وقت ما لم يكن فيه الآب موجودًا بينما نحن نعرف إنه هو الآب الأزلي؟ وهو آب لأنه قد وَلَدَ، ولهذا السبب فهو يحمل هذا الاسم (آب)، وهو لم يحمل هذا الاسم مثل من يستعير هذا اللقب بتشبهه بشخص آخر، لأن منه تسمَّى كل أبوة في السماء وعلى الأرض ‎‎(انظر أف 15:3). لذلك فنحن نخلص إلى أن ثمرة الإله الصالح هي الابن الصالح.
وبطريقة أخرى، كما يقول بولس الحكيم جدًّا: ” هو صورة الله غير المنظور” (كو 15:1)، وهو الصورة لأنه يُظهِر في طبيعته الخاصة جمال ذاك الذي ولده، فكيف يمكننا إذن أن نرى في الابن ـ إن كان غير صالح ـ الآب الذي هو صالح بالطبيعة وبالحق؟ إن الابن هو بهاء مجد الآب ومثال شخصه (انظر عب 3:1)، ولكن لو لم يكن صالحًا، كما يقول الهراطقة العديمو الفهم، بينما الآب هو صالح بالطبيعة فسيكون البهاء مختلفًا في طبيعته، ولن يملك جلال ذلك الذي جعله يضيء. كذلك الشبه أيضًا سوف يكون مزّيفًا أو بالأحرى لا يوجد شبه على الإطلاق، لأنه لن يُمثِّل مَنْ هو على شبهه ويترّتب على هذا أن ما ليس هو صالحًا يكون مضادًا لما هو صالح.
يمكنني أن أقول الكثير ضد (الهراطقة) في هذه النقطة، ولكن لكي لا يمتد حديثنا بطريقة غير معقولة، ولا يكون عبئًا على أحد، فلن نقول المزيد في الوقت الحاضر ونمسك كما بلجام حميتنا في هذا الموضوع، لكن في لقائنا القادم سوف نكمِّل شرحنا لمعنى هذه الفقرة من الإنجيل إن شاء المسيح أن يجمعنا هنا سويًا مرة أخرى، هذا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

 

كيف يخلص الغني

أراكم وقد اجتمعتم هنا باجتهاد وغيّرة عظيميّن، وكما أظن فإنكم قد جئتم لتطلبوا لكي تأخذوا ما هو لكم. وأنا من جهتي أعترف أنني وعَدْتُ في اجتماعنا الأخير أن أستكمل ما كان ناقصًا في حديثي؛ وأنا قد أتيت لأوفي ما عليَّ كما لأولادي، متوّسلاً إلى المسيح مخلّصنا جميعًا أن يمنح نوره الإلهي لذهني ويعطي نطقًا للساني لكي ما انتفع أنا وأنتم معًا. لأن بولس كتب يقول: ” يجب أن الحراث الذي يتعب يأكل هو أولاً من الأثمار” (2تي 6:2).
لذلك دعوني أولاً أن أذكِّركم بكل ما سبق أن تأملنا فيه، وبعد ذلك نتقدَّم لنكمِّل ما تبقى.
فقد قال الإنجيلي الطوباوي: ” وسأله رئيس قائلاً أيها المعلّم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له لماذا تدعوني صالحًا ليس أحد صالحًا إلاّ واحد هو الله “، وهكذا إلى ما تبقى من الدرس. لقد سبق لنا أن شرحنا معنى هذه الفقرة في الإنجيل، وقيل لكم ما فيه الكفاية حول تلك النقطة، لأننا أوضحنا أن الابن صالح بالطبيعة وبالحق مثل ذاك الذي وَلَده؛ وأن الجواب: ” لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلاّ واحد هو الله “، قيل بشكل نسبّي للسائل. لذلك هيّا بنا لنفحص الآيات التي تلي ذلك من الإنجيل.

إذن، ماذا يقول رئيس مجمع اليهود؟ ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” إنه لا يسأل بقصد أن يتعلَّم، وإلاّ لكان سؤاله جديرًا بكل ثناء، ولكن قصده هو أن يبرهن أن المسيح لم يسمح لهم أن يحتفظوا بوصايا موسى، بل بالأحرى قاد تلاميذه وأتباعه إلى قوانين جديدة اشترعها من نفسه، لأن رؤساء اليهود بهذا الإدعاء علَّموا الشعب الذي تحت سلطانهم قائلين عن المسيح مخلّصنا كلنا: ” به شيطان وهو يهذي، لماذا تستمعون له؟” (يو 20:10)، لأنهم قالوا إن به شيطان وهو يهذي، بافتراض أنه أقام شرائعه الخاصة ضد تلك التي أُعطيت لهم من فوق من الله (بواسطة موسى). وبالحري ينبغي أن نؤكد أنهم هم الذين كان بهم شيطان وكانوا يهذون بشدة، لأنهم يقاومون رب الناموس، الذي جاء لا لكي ينقّض الوصّية التي أعطيت في القديم، بواسطة خدمة موسى، بل لكي يتمّمها، بحسب كلماته هو نفسه (مت 37:5)، لأنه حوَّل الظل إلى حقيقة.

توقع رئيس المجمع أن يسمع المسيح كأنه يقول: ” كُف، أيها الإنسان عن كتابات موسى، تخلّى عن الظّل، إنها كانت مجرد مثالات وليس أكثر، اقترب بالأحرى من وصاياي التي في الإنجيل”. لكنه لم يجبه هكذا، لأنه ميَّز بمعرفته الإلهية هدف ذلك الذي يجرّبه، ولكن لأنه ليس عنده وصايا أخرى سوى التي أُعطيت بواسطة موسى، فإنه وجَّه الرجل إليها قائلاً له: ” أنت تعرف الوصايا”. ولئلا يقول الرئيس إن المسيح حوّله إلى وصاياه الخاصة، عدَّد له تلك الوصايا التي في الناموس وقال له: لا تقتل، لا تزن، لا تشهد بالزور. وما هو الجواب الذي أجاب به هذا المخادع الماكر ومدبِّر المكائد، أو بالأحرى هذا الشخص الجاهل جدًّا والأحمق؟ لأنه ظن أنه حتى ولو كان الذي يسأله هو الله، فإنه يمكنه مع ذلك أن يتملّقه بسهولة ليجيّب بحسب رغبته، لكن كما يقول الكتاب المقدس: ” الإنسان المخادع لا يربح ” (انظر أم 27:12 س).
ورغم أنه صوَّب سهمه بعيدًا عن هدفه وفقد فريسته، لكنه تجاسر على أن ينصب له فخًا آخر، لأنه قال: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي. لذلك فهو يستحق أن يسمع منا هذا الجواب: أيها الفريسي الأحمق: ” أنت تشهد لنفسك. شهادتك ليست حقًّا” (يو 13:8)، ولكن لنترك الآن هذا الجدل، ولنرَ بأيّة طريقة صدَّ المسيح عدوه اللدود والخبيث. فبينما كان يمكنه أن يقول: ” طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات، طوبى للودعاء، طوبى لأنقياء القلب” (مت 3:5ـ8) فإنه لم يقل له شيئًا من هذا القبيل، لكن لأن الفريسي كان محبًا للمال وكان غنيًا جدًّا، فقد انتقل المسيح في الحال لِما سوف يحزنه وقال له: ” بع كل ما لك ووزّع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني”. كان هذا (الكلام) مصدر عذاب وألم لقلب ذلك الإنسان الجشع الذي كان يتباهى بنفسه بسبب حفظه للناموس، وهذا برهّن على أنه هشّ وضعيف أيضًا وهو عمومًا غير مستّعد لتقبّل رسالة الإنجيل الجديدة. ونحن أيضًا نتعلّم كم هو حق ما قاله المسيح: ” لا يجعلون خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تنشق الزقاق فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة” (مت 17:9)، لأن رئيس المجمع برهن أنه ليس سوى زّق عتيق لا يمكنه أن يحفظ الخمر الجديد، بل ينشق ويصير عديم الفائدة، ذلك لأنه حزن مع أنه نال درسًا كان يمكن أن يجعله يربح الحياة الأبدية.
أما أولئك الذين قبلوا في داخلهم، بالإيمان، ذلك الذي يجعل كل الأشياء جديدة، أي المسيح، فإنهم لا ينشقون إلى نصفين بنوالهم الخمر الجديدة منه. لأنهم حينما اقتبلوا منه رسالة الإنجيل التي تبهج قلب الإنسان، ارتفعوا فوق الغنى ومحبة المال، وتّوطد ذهنهم في الشجاعة، ولم يقيموا وزنًا للأشياء الوقتيّة بل بالأحرى عطشوا إلى الأمور الأبدية، وأكرموا الفقر الاختياري، وكانوا مجتهدين في محبتهم للإخوة. لأنه كما هو مكتوب في أعمال الرسل القديسين: ” لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات ويضعونها عند أرجل الرسل، فكان يوزَّع على كل أحد كما يكون له احتياج” (أع 34:4 و35).

أما رئيس المجمع فلأنه كان ضعيفًا جدًّا في عزمه، ولم يستطع أن يذعن لسماع نصيحة بيع مقتنياته، رغم أنها كانت ستكون لخيره ولها مكافئة جزيلة، فإن ربنا كشف المرض الذي كان يربض داخل قلب الرجل الغنى وقال: ” ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله، لأن دخول جمل من ثقب أبره أيسر من دخول غني إلى ملكوت الله”. ولا يقصد المسيح بالجمل هنا ذلك الحيوان، إنما ذلك الحبل الغليظ، لأنها كانت عادة أولئك المتمرّسون أن يسّموا الحبل الغليظ جملاً.
لكن لاحظوا أنه لم يقطع تمامًا رجاء الأغنياء بل حفظ لهم موضعًا وطريقًا للخلاص، لأنه لم يقل إنه يستحيل على الغني أن يدخل بل قال إنه يمكنه إنما بصعوبة.
عندما سمع التلاميذ الطوباويون هذه الكلمات اعترضوا قائلين: فَمَنْ يستطيع أن يَخْلُص؟ وكان احتجاجهم لصالح أولئك الذين لهم أموال ومقتنيات، لأنهم (التلاميذ) كانوا يقولون: إننا نعرف أن لا أحد سيقتنع بأن يتخلّى عن ثروته وغناه، فمن يستطيع أن يَخْلُص؟ لكن بماذا أجاب الرّب؟ ” غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله”. لذلك فقد احتفظ لأولئك الذين يقتنون ثروات، بالإمكانية أن يُحسبوا مستحقين لملكوت الله لو أرادوا، لأنه حتى ولو كانوا يرفضون كلية التخلّي عما هو لهم، لكن يمكنهم أن يبلغوا تلك الكرامة بطريقة أخرى. والمخلّص نفسه أظهر لنا كيف وبأي طريقة يمكن أن يحدث هذا إذ قال: ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية” (لو 9:16). لأنه لا يوجد شيء يمنع الأغنياء لو أرادوا أن يجعلوا الفقراء شركاء ومقاسمين لهم في الغنى الوافر الذي يمتلكوه. ما الذي يعيق من له مقتنيات وافرة من أن يكون لطيف المعشر ومستعد أن يوزّع على الآخرين مسرعًا إلى العطاء، وأن يكون رؤوفًا وممتلئًا بتلك الشفقة الكريمة التي ترضي الله. إننا سوف نجد أن الحرص على تتمّيم هذا العمل ليس هو بلا مكافأة ولا عديم النفع، لأنه مكتوب: ” الرحمة تفتخر على الحكم” (يع 13:2).
لذلك فإن مخلّصنا وربنا كلنا، يهبنا ما يفيدنا بكل حجة وبكل طريقة، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الرب يسوع يبارك الأطفال – إنجيل لوقا 18 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الرب يسوع يبارك الأطفال – إنجيل لوقا 18 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الرب يسوع يبارك الأطفال – إنجيل لوقا 18 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا15:18ـ17): ” فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ الأَطْفَالَ أَيْضاً لِيَلْمِسَهُمْ فَلَمَّا رَآهُمُ التَّلاَمِيذُ انْتَهَرُوهُمْ. أَمَّا يَسُوعُ فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأن لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ “.

يدّبر لنا المسيح كل أساليب النفع، ويفتح لنا طرق الخلاص على مصاريعها، لأن هدفه هو أن يُخلِّص سكان الأرض ويولِّد فيهم معرفة مساعي التقوى، ويجعلهم ماهرين في كل فضيلة، لكي بامتلائهم بكل ثمر الروح يكونون مقبولين. لذلك فلنرَ أية منفعة يولِّدها فينا بما قُرئ علينا للتو، لأنكم قد سمعتم الإنجيلي المقدَّس يقول إنهم قدَّموا إليه أطفالاً ليلمسهم، وعندما منعهم التلاميذ، أخذهم وقال: دعوهم يأتون إلىّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله.

إن أمهاتهم هُنَّ اللاتي قدَّمن الأطفال طالبين بركة ملتمسين لمسة يده المقدَّسة لأطفالهن. أما التلاميذ المباركين فقد انتهروهن على فعلتّهن هذه، ليس لأنهم غاروا من الأولاد بل بالأحرى فعلوا هذا على سبيل الاحترام الواجب لمعلّمهم، وإن جاز القول، لكي يجنّبوه أتعابًا غير ضرورية، معطين للنظام اهتمامًا كبيرًا .

والأطفال إلى الآن يُقرَّبون ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرّسة، ونموذج هذا الفعل لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، وقد انحدر إلينا من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة. ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقة غير لائقة أو مشوشة بل بترتيب ووقار ومخافة .
وبما أن المسيح قال: ” دعوا الأولاد يأتون إلىّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله”، فتعالوا، نعم تعالوا لنفحص بعناية أي نوع من الأشخاص يلزم أن يكون أولئك الذين يريدون الحياة الأبدية والذين هم مغرمون بملكوت السموات، لأنه يوجد بكل تأكيد من يقول: أي شيء يوجد في الأطفال مما هو جدير بالإقتداء؟ هل هو عجزهم عن الحزم والذكاء؟ كيف يكون أمرًا مصدّقًا أن نؤكد أو نتخيّل شيئًا من هذا القبيل؟ ومع ذلك فالمسيح لا يريدنا أن نكون بلا فهم بل يريدنا أن نعرف بصورة كاملة كل شيء نافع وضروري لخلاصنا. لأن الحكمة أيضًا تَعِد أنها سوف تُعطي البسطاء ذكاء وللشبان بدء المعرفة والفهم (أم 4:1 س). ونحن نجدها أيضًا في سفر الأمثال كمن ترفع صوتها عاليًا وتقول: ” لكم أيها الناس أنادي، وأنطق بصوتي لبني البشر، أيها الحمقى تعلموا ذكاءً، ويا جُهال ضعوا قلبًا في داخلكم” (أم 4:8 و5 س). إذن يترتب على ذلك أن الجاهل ليس له قلب، كما ينقصه الذكاء، وذلك ليس في الأشياء التي تستوجب اللوم بل في الأمور التي تستحق المديح. لكن المخلِّص يشرح لنا في موضع آخر كيف يمكن للإنسان أن يكون بسيطًا وذكيًا بآنٍ واحد. وذلك بقوله: ” كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام” (مت 16:10)، ويكتب أيضًا بالمثل بولس المبارك: ” أيها الإخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم بل كونوا أولادًا في الشر وأما في الأذهان فكونوا كاملين” (1كو 20:14).
ولكن من الضروري أن نفحص ما معنى أن نكون أطفالاً في الشّر، وكيف يصير الإنسان هكذا، أما في ذهنه فيكون كاملاً. فالطفل بسبب أنه يعرف القليل جدًّا أو لا يعرف أي شيء مطلقًا، يُعفى بعدلٍ من تهمة الانحراف والشّر. هكذا أيضًا من واجبنا أن نسعى للتمثل بهم بنفس الطريقة، بأن نطرح عنا تمامًا عادات الشّر، لكي نُعتبر كأناس لا يعرفون حتى الطريق المؤدي للخداع، بل كمن لا يعرفون الخبث والاحتيال، وهكذا يعيشون بأسلوبٍ بسيطٍ وبريء، ويمارسون اللطف والاتضاع الفائق الثمن، كما يمتنعون بسهولة عن الغضب والحقد. ونحن نؤكد أن هذه الصفات هي التي تُوجد في أولئك الذين لا يزالون أطفالاً.
لأنه بينما تكون صفاتنا هكذا في البساطة والبراءة، فإنه ينبغي أن نكون كاملين في الذهن، فيكون لنا ذهن مؤسَّس بثبات في المعرفة الواضحة للذي هو بالطبيعة وبالحق خالق الكون وهو الإله والرب، ولا نعترف بأي إله آخر معه أيًّا كان جديدًا أو ما يسمى هكذا كذبًا، ونتحاشى ما يجلب علينا الهلاك بانخداعنا بالابتعاد عنه، بتبنينا لعادات الوثنيين، لذلك يلزم أن يكون ذهننا ثابتًا بقوة وواثقًا وغير متزعزع في تمسّكه بالإله الحيّ الحقيقي، ويلزمنا أيضًا أن نهرب من الشراك الأخرى و نبتعد عن أحجار العثّرة التي يضعها إبليس، وأعني بها أولئك الناس الذين يفسدون التعليم المستقيم عن الله ويزّيفون الحق ويرفعون قرنهم عاليًا ويتكلَّمون بالشر ضد الله. إنهم يتقيأون أفكارًا من داخل قلوبهم، ويضلّون نفوس البسطاء، ويحاربون ضد مجد ابن الله الوحيد، ويقولون إنه ينبغي أن يُحصَى ضمن المخلوقات، بينما هم جميعًا قد جاءوا إلى الوجود بواسطته. هؤلاء يجلبون على رؤوسهم دينونة صارمة وحتميّة، ولا يخشون أن يقولوا نفس هذه الأشياء أيضًا ضد الروح القدس، لذلك فأيما شخص يقول عنهم إنهم أبواب جهنم لا يجانبه الصواب. والحكيم بولس يؤكد لنا أيضًا أننا ينبغي أن نعرض عن مثل هؤلاء الناس بعيدًا قائلاً: ” إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما” (غل 9:1).
لذلك فالكمال الرئيسي للذهن هو أن يترسّخ في الإيمان، وأن يكون فهمنا غير فاسد، والكمال الثاني الذي يجاور هذا الكمال الرئيسي ومماثل له بل ورفيقه الدائم هو المعرفة الواضحة لطريق السلوك الذي يرضي الله والذي نتعّلمه من الإنجيل، والذي هو كامل وبلا لوم، فأولئك الذين يسيرون في هذا الطريق يعيشون حياة البساطة والبراءة كما أنهم يعرفون أية آراء ينبغي أن يتمسّكوا بها، وأية أفعال صائبة ينبغي عليهم أن يفعلوها هؤلاء يدخلون من الباب الضيق، ولا يرفضون تلك الأتعاب التي تتطلّبها التقوى نحو الله، ولا تلك الأتعاب الضرورية لأن يحيوا حياة مجيدة. وهكذا فإنهم يتقدَّمون كما يجب إلى اتساع الفيض الذي هو نحو الله ويبتهجون بعطاياه، ويربحون لأنفسهم ملكوت السموات؛ بالمسيح الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

الرب يسوع يبارك الأطفال – إنجيل لوقا 18 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الفريسي والعشار – إنجيل لوقا 18 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الفريسي والعشار – إنجيل لوقا 18 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الفريسي والعشار – إنجيل لوقا 18 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9:18ـ14):” وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أنهُمْ أَبْرَارٌ وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هَذَا الْمَثَلَ: إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ أن هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ لأن كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ”.

يا مَنْ تحبون التعليم وتتوقون إلى الإصغاء، اقبلوا مرّة ثانية الكلمات المقدَّسة، وأبهجوا أنفسكم بعسل الحكمة، لأنه هكذا هو مكتوب: ” الكلمات الحسنة شهد عسل، وحلاوتها شفاء للنفس” (أم 24:16 س). لأن عسل النحل حلو جدًّا وينفع نفس الإنسان بطرقٍ كثيرة أما العسل الإلهي الخلاصي فيجعل أولئك الذين يستقر فيهم ماهرين في كل عملٍ صالح ويعلّمهم طرق التقدُّم الروحي، لذلك هلّموا كما قلت نقبل ثانية في الذهن والقلب كلمات المخلّص لأنه يعلّمنا بأي طريقة ينبغي أن نقدِّم طلباتنا إليه حتى لا يكون فعل الصلاة بلا مكافأة لمن يمارسونه ولكي لا يثير أحد غضب الله المانح العطايا من الأعالي بطلبه الأشياء التي يتخيّل أنه سوف ينال منها بعض المنفعة، لأنه مكتوب: ” قد يكون بارٌ يهلك في بره” (جا 15:7).
أتوسَّل إليكم أن تنظروا شاهدًا على هذا مُصوَّرًا بوضوح في المَثَل الموضوع أمامنا. إنسان صلَّى وأُدين لأنه لم يقدِّم صلاته بحكمة، لأنه يقول: ” إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصليا واحد فريسي والآخر عشار”. وهذا يلزمنا أن نعجب بالترتيب الحكيم للمسيح مخلّصنا كلنا في كل ما يفعله ويقوله. لأنه بالمَثَل الذي سبقت قراءته علينا فإنه يدعونا إلى الاجتهاد إلى واجب تقديم الصلاة بلا انقطاع لأن الإنجيلي قال: ” وقال لهم أيضًا مَثَلاً في أنه ينبغي أن يُصلي كل حين ولا يُمل” (لو 1:18). لذلك ألحَّ عليهم أن يجتهدوا في الصلاة كل حين، ولكن كما قلت، لئلا بصلاتنا بمثابرة ولكن بدون تمييّز نُغضب من نتضّرع إليه، فإنه يعرض لنا بطريقة ممتازة بأية طريقة ينبغي لنا أن نكون مجتهدين في الصلاة، هو يقول:
” إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصليا”. أتوسل إليكم أن تلاحظوا هنا عدم المحاباة والنزاهة التامة التي للطبيعة التي لا تخطئ، لأنه يُسمي مَنْ كانا يصليان: ” إنسانان”، فهو لا ينظر إلى الغني أو القوة بل ينظر إلى التساوي الطبيعي بينهما ويعتبر كل الذين يسكنون على الأرض بشرًا، كما لا يختلفون في شيء بعضهم عن بعض، وماذا كانت إذن طريقة صلاتهما؟ يقول (النص): ” أما الفريسي فوقف يصلي في نفسه هكذا: اللهّم أنا أشكرك إني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار”. واضحة تمامًا أخطاء الفريسي الكثيرة، أول كل شيء هو منتفخ وعديم الفهم لأنه امتدّح نفسه، مع أن الكتاب المقدس يصيح عاليًا: ” ليمدحك الآخر لا فمك، الأجنبي لا شفتاك” (أم 2:27 س). لكن يمكن للمرء أن يقول له عن حق: أيها السيّد الشريف لاحظ أن أولئك الذين يعيشون في ممارسة الأفعال الصالحة والمقدَّسة ـ كما يمكن للمرء أن يرى ـ هم غير مستعدين بالمرة أن ينصتوا لكلمات المداهنين، بل حتى وإن امتدحهم الناس، ففي الغالب يغطيّهم الخجل، كما يخفضون أبصارهم إلى الأرض ويلتمسون الصمت من أولئك الذين يمتدحونهم. أما هذا الفريسي الذي لا يستحي فإنه يمتدح نفسه ويمجدّها على أنه أفضل من الخاطفين والظالمين والزناة. ولكن كيف فات عليك أن كون الإنسان أفضل ممن هم أردياء لا يثبت بالضرورة وكأمر بديهي أنه يكون جديرًا بالإعجاب، بل حري بك أن تنافس أولئك الذين يفضلّونك، فإن هذا هو الأمر النبيل والمكرَّم والذي يُدخل الإنسان في مصاف الذين يُمدحون عن استحقاق.

لذلك يلزم ألاّ تتلّوث فضيلتنا بالخطأ، بل ينبغي أن تكون مخلصة وبلا عيب وخالية من كل ما يمكن أن يجلب لومًا. لأنه ما المنفعة في أن تصوم مرتين في الأسبوع إن كنت تفعل هذا (الصوم) فقط كمبّرر لجهلك وغرورك وتصير متكّبرًا وأنانيًا ومتشامخًا؟ أنت تعطي عُشر ممتلكاتك وتتباهى بهذا، لكنك من ناحية أخرى تثير غضب الله بإدانتك للناس عمومًا واتهامك للآخرين وأنت نفسك منتفخ رغم أنك لم تُكلّل بالشهادة الإلهية للبّر، بل على العكس تكدّس المديح لنفسك، إذ يقول النص: ” لأني لست مثل باقي الناس ” . أيها الفريسي هدئ نفسك ” وضع بابًا ومزلاجًا للسانك” (انظر مز 3:140 س). فأنت تكلِّم الله الذي يعرف كل الأشياء. انتظر حكم الديّان. ليس أحد من أولئك الماهرين في الكفاح يتوِّج نفسه، ولا ينال أحد الإكليل من ذاته بل ينتظر استدعاء الحَكَمْ. خفِّض من غلوائك لأن العجّرفة ملعونة ومكروهة من الله. لذلك فلأنك تصوم بذهن منتفخ، فبفعلك هذا لن تنتفع شيئًا وتعبك سيكون بلا مكافأة إذ خلطت الروث مع الطيب. بل حتى حسب ناموس موسى فالذبيحة التي بها عيب لا تصلح للتقديم لله. لأنه قيل له عن الغنم والبقر التي تُقدَّم ذبيحة ينبغي ألاّ يكون فيها عيب (انظر لا 21:22)، لذلك فحيث إن صومك مصحوبٌ بالكبرياء فيجب أن تتوقَّع أن تسمع الله يقول: ” ليس هذا صوم اختاره يقول الرب” (إش 5:58). أنت تقِّدم العشور لكنك بطريقة أخرى تُسيء لمن تكرّمه، بكونك تدين البشر عمومًا. هذا تصرف غريب عن الذهن الذي يخاف الله، لأن المسيح نفسه قال: ” لا تدينوا لكي لا تُدانوا، لا تقضوا على أحد فلا يُقضى عليكم” (لو 37:6). ويقول أيضًا واحد من تلاميذه: ” واحد هو واضع الناموس والديان، فلماذا تدين غيرك”؟ (انظر يع 12:4). لأن الإنسان ذا الصحة الجيّدة لا ينبغي أن يسخر من إنسان مريض بسبب أنه مُلقى وطريح الفراش، بل بالحري يخاف لئلا يصير هو نفسه ضحيّة لآلام مشابهة. ينبغي لمَنْ هو في معركة، ألا يمتّدح نفسه بسبب أنه أفلت من البليّة وغَيره سقط فيها، لأن ضعف الآخرين ليس موضوعًا مناسبًا لمدح أولئك الذين هُم في صحة جيدة، بل حتى وإن كان الإنسان في صحة قوّية أكثر من المعتاد فلا ينبغي أن ينال مجدًّا بسبب هذا. هذه هي إذا كانت حالة الفريسي المحّب لنفسه.

لكن ماذا عن العَشَّار؟ يقول الرَّب إنه وقف من بعيد بدون حتى أن يجرؤ أن يرفع عينيه إلى فوق. ها أنت تراه يمتنع عن كل جسارة في الكلام كَمَن ليس له حق في ذلك وهو مضروب بتأديبات الضمير، لأنه كان يخشى أن يراه حتى الله، بسبب إنه كان مُهمِلاً في نواميسه ويسلك حياة الخلاعة والفجور. ها أنت ترى أيضًا أنه يدين شقاء نفسه بواسطة تصرّفه الخارجي، لأنه بينما وقف الفريسي الأحمق متجاسرًا ومنتفخًا ورافعًا عينّيه بلا تردد وهو يشهد لنفسه ويتباهى، أما الآخر فكان يشعر بالخزي بسبب سلوكه، ويخاف من ديَّانه ويقرع صدره ويعترف بخطاياه، وكأنه يُظهر مرضه للطبيب ويتوسل طالبًا الرحمة، ماذا كانت النتيجة؟ لنسمع ما يقوله الديان: ” هذا نزل إلى بيته مبررًا دون ذاك”.

لذلك فلنصلِ بلا انقطاع بحسب تعبير بولس الطوباوي (1تس 17:5)، ولكن لنحرص على أن نعمل ذلك بطريقة صحيحة. إن محبة الذات لا ترضي الله، وهو يرفض الكبرياء الفارغة والنظرة المتشامخة والانتفاخ، بسب الأمور التي لا قيمة لها، بل حتى ولو كان الإنسان صالحًا ومتزنًا فلا ينبغي أن يسقط في كبرياء مخجلة، بل بالأحرى فليتذّكر المسيح الذي يقول لرسله القديسين: ” متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا” (لو 10:17). لأننا مديونون لله فوق الكّل بالضرورة أن نخدمه كعبيد وبطاعة مستعدة في كل الأمور. ورغم أنك تعيش حياة فائقة وممتازة فلا يجب أن تسأل من الرّب أجرة بل بالحري أن تطلب منه عطية، وهو لكونه صالحًا سوف يعطيك، وكأب محب سوف يساعدك، لذلك لا تمتنع عن أن تقول: اللهم ارحمني أنا الخاطئ، وتذكر من يقول على فم إشعياء: ” أظهر خطاياك أولاً لكي تتبرّر” (إش 26:43 س)، وتذكّر أيضًا إنه ينتهر من لا يفعلون هكذا، ويقول: “هاأنذا أحاكمك لأنك قلت لم أخطئ ” (إر 35:2)، افحص كلمات القديسين، لأن أحدهم يقول: ” البار يلوم نفسه في بداية كلامه” (أم 17:18 س)، وآخر يقول: ” قلت اعترف للرب بإثمي وأنت غفرت لي إثم قلبي ” (مز 5:31 س).
فبماذا سوف يجيب عن هذا أولئك الذين يتبنّون آراء نوفاتوس الجديدة ويقولون عن أنفسهم إنهم أنقياء؟ أية صلاة يمتدحون؟ هل صلاة الفريسي الذي برَّأ نفسه أم صلاة العشار الذي أدان نفسه؟ فإن قالوا إنها صلاة الفريسي، فإنهم يقاومون الحكم الإلهي لأن (الفريسي) قد أُدين كمتكّبر. ولكن إن قالوا إنها صلاة العشار، فلماذا يرفضون الاعتراف بعدم نقاوتهم؟ إن الله يبّرر بالتأكيد من يعرفون تعدياتهم جيدًا وهم مستعدون للاعتراف بها، أما أولئك الناس (النوفاتيون) فسيكون لهم نصيب الفريسي.

لذلك نقول: ” إننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا” (يع 2:3) ولا يوجد أحد خالٍ من دنس حتى ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. إذن لنسأل الرحمة من الله، فإن فعلنا ذلك فإن المسيح سوف يبرّرنا، هذا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

مثل الفريسي والعشار – إنجيل لوقا 18 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة كل حين بدون ملل – إنجيل لوقا 18 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

 

الصلاة كل حين بدون ملل – إنجيل لوقا 18 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة كل حين بدون ملل – إنجيل لوقا 18 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(مثل المرأة وَقاضِي الظُّلْمِ)

(لوقا1:18ـ8):” وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلاً فِي أنهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ: كَانَ فِي مَدِينَةٍ قَاضٍ لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَهَابُ إِنْسَانًا. وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَرْمَلَةٌ. وَكَانَتْ تَأْتِي إِلَيْهِ قَائِلَةً: اَنْصِفْنِي مِنْ خَصْمِي. وَكَانَ لاَ يَشَاءُ إِلَى زَمَانٍ. وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَخَافُ اللهَ وَلاَ أَهَابُ إِنْسَانًا. فَإِنِّي لأَجْلِ أن هَذِهِ الأَرْمَلَةَ تُزْعِجُنِي أُنْصِفُهَا لِئَلاَّ تَأْتِيَ دَائِمًا فَتَقْمَعَنِي. وَقَالَ الرَّبُّ: اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْمِ. أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟. أَقُولُ لَكُمْ أنهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعاً! وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟”.

المسيح هو ينبوع كل بركة ” الذي صار لنا حكمة من الله” (1كو 30:1) لأننا فيه صرنا حكماء وممتلئين بعطايا روحية، والآن فكل مَنْ هو مستقيم الرأي سيؤكد أن معرفة تلك الأشياء التي بواسطتها يمكننا أن نفلح في كل طريقة تختص بحياة القداسة السامية، والتقدّم في الفضيلة، هي هبة من الله، وهي تستحق تمامًا أن نربحها لأنفسنا. ونجد أحدهم يطلبها من الله قائلاً: ” أظهر لي يا رب طرقك وعلمني سبلك” (مز 4:24 س).

فالسبل التي تقود أولئك إلى حياة غير فاسدة، والذين يتقدَّمون فيها بحماس، هي سبل عديدة. ولكن هناك سبيل واحد يفيد أولئك الذين يمارسونه بنوع خاص ألا وهو الصلاة؛ والمخلِّص نفسه حرص على أن يعلّمنا بواسطة المَثَل الموضوع أمامنا الآن؛ أننا يجب أن نستخدمه باجتهاد. فهو يقول ” وقال لهم أيضًا مثلاً في أنه ينبغي أن يُصلى كل حين ولا يُملّ”.

وأنا أؤكد أن واجب الذين أوقفوا حياتهم لخدمته ألاّ يكونوا متكاسلين في صلواتهم، وأيضًا لا يعتبرونها واجبًا شاقًا ومُتعبًا، بل بالأحرى أن يفرحوا، بسبب حرية الاقتراب التي منحها الله لهم، لأنه يريدنا أن نتحدّث معه كأبناء مع أبيهم. أفليس هذا إذًا امتيازًا جديرًا جدًّا بتقديرنا؟ فإذا افترضنا أننا نستطيع أن نقترب بسهولة من أحد الذين لهم سلطان أرضّي عظيم وكان متاحًا لنا أن نتحدَّث معه بمنتهى الحريّة، أما كنا نعتبر هذا سببًا لفرحٍ غير عادي؟

أي شك يمكن أن يكون في هذا؟ لذلك حينما يسمح الله لكّل منّا أن يقدِّم طلباته لأجل كل ما نريد وقد وضع أمام الذين يخافونه كرامة حقيقية عظيمة جدًّا وجديرة بأن نربحها، فليتوقف كل تكاسل يؤدي بالناس إلى صمت مؤذٍ، ولنقترب بالأحرى بتسابيح ونبتهج لكوننا قد أُمرنا أن نتحدَّث مع رب وإله الكل، والمسيح وسيط لنا، والذي يمنحنا مع الله الآب تحقيقًا لكل توسلاتنا، لأن الطوباوي بولس المبارك يكتب في موضع ما: ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا ومن ربنا يسوع المسيح ” (2كو 2:1).

والمسيح نفسه قال في موضع ما لرسله القديسين: ” إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي، اطلبوا تأخذوا” (يو 24:16). لأنه هو وسيطنا وكفارتنا ومعزّينا، والواهب لكل ما نطلب. لذلك فمن واجبنا أن نصلي بلا انقطاع (1تس 17:5)، وبحسب كلمات المبارك بولس، عالمين تمامًا ومتيقنّين أن مَنْ نتوسل إليه هو قادر أن يتمّم كل شيء. والكتاب يقول: ” ولكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه، فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب” (يع 6:1و7). لأن المرتاب يرتكب فعلاً خطية الاستهزاء لأنك إن لم تؤمن أنه سيميل إليك ويفرّحك ويتمّم طلبك فلا تقترب منه على الإطلاق، لئلا توجد ملومًا من القدير في أنك ترتاب بحماقة. لذلك يجب أن نتحاشى هذا المرض الوضيع.

والمَثَل الحاضر يؤكد لنا أن الله سيُميل سمعه لمن يقدّمون صلواتهم بلا تكاسل ولا إهمال بل باجتهاد ومثابرة. لأنه إن كان المجيء المستمر للأرملة المظلومة قد تغلَّب على القاضي الظالم الذي لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا، حتى إنه رغمًا عن إرادته أنصفها، فكيف مَنْ يحب الرحمة ويبغض الإثم، ومن يقدِّم دائمًا يد المعونة لمَنْ يحبونه، فكيف لا يقبل أولئك المتقدِّمين إليه نهارًا وليلاً ولا ينصفهم إذ هم مختاروه؟

بل تعالوا الآن ولنفحص مَنْ هو هذا الذي يسيء إليهم، إن فحص هذا السؤال سوف يتولَّد عنه الكثير من النفع لكل مَنْ هم متعلِّمون جيدًا. إن الذين يسيئون إلى القديسين عددهم عظيم جدًّا، كما أنهم من أنواع مختلفة. إن الخدّام والمعلّمين الأطهار الذين يفَصِلّون كلمة الحق باستقامة يهاجمهم أعداء الحق بعنف، هؤلاء الذين يجهلون التعاليم المقدَّسة، وهم بعيدون عن كل استقامة، ويسيرون في طرق معوّجة بعيدة عن الطريق المستقيم والملوكي، إن مثل هؤلاء هم عصابات الهراطقة الدنسين والنجسين، الذين يستحقون أن يدعوا أبواب الهلاك. هؤلاء يضطهدون ويضايقون كل مَنْ يسير باستقامة في الإيمان. وكرجال سكارى بالخمر لا يستطيعون الوقوف فيمسكون بمَنْ هم قريبّين منهم حتى لا يسقطوا على الأرض بمفردهم.

كذلك أيضًا هؤلاء الذين بسبب أنهم مُقعَدُون وعُرج يجلبون الدمار لغير الثابتين. ينبغي لكل مَنْ هم معروفون لدى الله أن يُقدِّموا توسلات من جهة هؤلاء الناس، مقتدين في هذا بالرسل القديسين الذين صاحوا ضد شر اليهود وقالوا: ” والآن يا رب انظر إلى تهديداتهم وامنح عبيدك أن يتكلَّموا بكلامك بكل مجاهرة” (أع 29:4).

لكن ربما يقول قائل، قال المسيح في موضع ما للرسل القديسين: ” أحبوا أعداءكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم” (لو 27:6 و28)، فكيف يمكننا أن نصرخ ضدهم بدون أن نكون بذلك قد احتقرنا وصية إلهية!

على هذا نجيب قائلين: هل إذن نصلِّي أن يعطيهم الله القوة والجسارة حتى يهاجموا بشدة أكثر أولئك الذين يمدحون أعماله ولا يسمحون لهم بالتعليم هؤلاء الذين يقاومون مجد مَنْ نوجِّه له توسلاتنا؟ كيف لا يكون هذا منتهى الحماقة؟ لذلك عندما تكون الإساءات المرتكبة في حقنا شخصية، نعتبره مجدًا لنا أن نغفر لهم، ونكون مملوءين بالمحبة المتبادلة ونقتدي بالآباء القديسين حتى لو ضربونا واحتقرونا، حتى لو أصابونا بكل أنواع العنف فلا نوجّه لهم أي لوم ونتسامى على الغضب والغيظ. إن مثل هذا المجد يليق بالقديسين كما أنه يُسرُّ الله.

لكن عندما تُوجَّه أي خطية ضد مجد الله، وعندما تتكدَّس الحروب والمضايقات ضد الذين هم خدام للرسالة الإلهية، عندئذ نتقدَّم في الحال إلى الله طالبين معونته صارخين ضد مَنْ يقاومون مجده، مثلما فعل أيضًا موسى العظيم، لأنه قال: ” قم يا رب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضو اسمك من أمامك” (عدد 35:10 س)، كما تبيّن أيضًا الصلاة التي نطق بها الرسل القديسون أنه ليس أمرًا عديم المنفعة لأجل نجاح الرسالة الإلهية وإضعاف يد المضطهدين. ويقول الرسل: ” انظر يا رب إلى تهديداتهم”، أي أجعل مقاومتهم لنا باطلة، “وامنح عبيدك أن يتكلَّموا بكلامك بكل مجاهرة” (أع 29:4).

لكن أن يوجد أناس يتاجرون بكلمة الحق ويؤثِّرون على كثيرين ليتخلّوا عن الإيمان الصحيح ويورِّطونهم في اختراعات الضلال الشيطاني ويدفعون بهم ـ كما يقول الكتاب ـ ليتكلّموا بأمور تخرج من قلوبهم “وليس من فم الرب” (إر 16:23 س)، فهذا ما قاله الرب: ” متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض؟”.

إنه لا يغيب عن معرفته، وكيف يمكن أن يكون هذا وهو الإله الذي يعرف كل الأشياء؟ فهو يخبرنا إذًا بحسب كلماته هو نفسه أن ” محبة الكثيرين تبرد” (مت 12:24)، ” وأنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان الصحيح غير الملوم تابعين أرواحًا مضلة وتعاليم شياطين في رياء أقوال كاذبة لأناس موسومة ضمائرهم” (1تي 1:4 و2). ونحن كخداّم أمناء نتقدَّم إلى الله ضد هؤلاء متوسِّلين إليه أن يلاشي ويبطّل شرّهم ومحاولاتهم ضد مجده.

ويوجد آخرون أيضًا ممن يسيئون إلى خدّام الله. ينبغي أن نقاومهم بالصلاة. ومَنْ هم هؤلاء؟ هم القوّات الشريرة المضّادة، والشيطان عدونا جميعًا، الذي يقاوم بشراسة أولئك الذين يعيشون حسنًا، والذي يوقع في مصائد الشر كل من ينام، والذي يزرع فينا بذار كل خطية، لأنه مع أتباعه يحارب ضدنا بشراسة.

لأجل هذا يصرخ المرنِّم ضدهم قائلاً: ” إلى متى تميلون على الإنسان، ستقتلون جميعًا كجدار مائل وسياج منحنٍ” (مز 3:61 س) لأنه مثل حائط مائل على جانب واحد، ومثل سياج ينحني كأنه تفكّك ويسقط حالاً حينما يدفعه أي واحد عليهم، كذلك أيضًا ذهن الإنسان بسبب ميله الخاص الكبير إلى محبة اللذّات العالمية، فإنه يسقط فيها حالاً بمجرد أن يجتذبه أحد إليها ويغريه بها. ولكن هذا هو عمل الشيطان، ولذلك نقول في صلواتنا لمن هو قادر أن يخلّص وقادر أن يدفع بعيدًا عنا ذلك الكائن الشرير: ” انصفني من خصمي”. وهذا ما قد فعله كلمة الله الوحيد الجنس بصيرورته إنسانًا، لأنه طرح رئيس هذا العالم من طغيانه علينا، وخلّصنا ونجانا ووضعنا تحت نير ملكوته.

لذلك فما أروع أن نطلب بصلاة دائمة، لأن المسيح سيقبل توسلاتنا، ويتمّم طلباتنا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

الصلاة كل حين بدون ملل – إنجيل لوقا 18 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو31:17ـ37): ” فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ وَأَمْتِعَتُهُ فِي الْبَيْتِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَهَا وَالَّذِي في الْحَقْلِ كَذَلِكَ لاَ يَرْجِعْ إِلَى الْوَرَاءِ. اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ!. مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا. أَقُولُ لَكُمْ: أنهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ اثْنــَانِ عَلَـى فِرَاشٍ وَاحِدٍ فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. تَكُونُ اثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ مَعًا فَتُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى. يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. فَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ يَا رَبُّ؟ فَقَالَ لَهُمْ: حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ “.

يقول الكتاب المقدس في موضع ما: ” هيئ أعمالك لأجل رحيلك، واجعل نفسك مستعدة للحقل” (أم 27:24 س). وأنا أعتقد أن المقصود برحيلنا هو خروجنا من هذا العالم وانتقالنا من هنا. وبالطبع لابد أن تلحق هذه الساعة كل إنسان، لأنه كما يقول المرنّم: ” أي إنسان يحيا ولا يرى الموت، ومن يستطيع أن ينجي نفسه من يد الهاوية؟” (مز 48:88 س). لأن طبيعة الإنسان قد أُدينت في آدم وسقطت في الانحلال، لأنه تعدَّى الوصية التي أعطيت له. أما أولئك المهملون والمزدرون فإنهم يعيشون حياة مخزّية ومحِبة للذة، وهم لا يعطون ذهنهم فرصة للتفكير في العالم الآتي ولا في الرجاء المعّد للقديسين، كما أنهم لا يشعرون بأي انزعاج من العذاب المعد لمن يحبون الشر. أما الذين يعيشون حياة فاضلة فإنهم يفرحون بالأتعاب لأجل الاستقامة، كما لو كانوا يتركون شهوة السعي وراء الأرضيات، ولا يعطون سوى انتباهًا قليلاً للضجيج الباطل الذي لهذا العالم.
يدعونا المخلّص أن نتمسك بشدة بهذا الهدف الممتاز، وبالاجتهاد المناسب له فيقول: ” في ذلك اليوم من كان على السطح وأمتعته في البيت فلا ينزل ليأخذها، والذي في الحقل كذلك لا يرجع إلى الوراء”. كان المسيح يتكلّم عن اليوم الأخير، أي عن نهاية هذا العالم ويقول: لأنه كما كان في أيام نوح ولوط، كانوا يأكلون ويشربون ويزوّجون ويتزوّجون إلى أن جاء الطوفان، ونزلت نار على سدوم وأهلكت الجميع، هكذا يكون اليوم الذي فيه يظهر ابن الإنسان. لذلك فهو يقويّهم ليتذكروا اليوم الأخير ونهاية الزمان، فيوصيهم ألاّ يكترثوا بكل الأمور الأرضيّة والوقتيّة، وأن يتطلّعوا فقط إلى غاية واحدة، التي هي اهتمام كل واحد بخلاص نفسه. لذلك يقول: مَنْ كان على السطح وأمتعته في البيت فلا ينزل ليأخذها. ومن الواضح أنه بهذه الكلمات يقصد الإنسان الذي يعيش رغد وسعة ومجد دنيوي، لأن أولئك الذين يقفون على السطوح يكونون دائمًا ظاهرين أمام أعين أولئك المحيطين بالمنزل. وهو يقول: فإن كان هناك أحد فدعه في ذلك الوقت لا يحسب حسابًا لأمتعته المخزونة في بيته، لأن مثل هذه الأشياء تكون حينئذ بلا قيمة ولا نفع منها لحياته، كما هو مكتوب: ” الكنوز لا تنفع الشرير، أما البر فينجي من الموت” (أم 2:10 س).

ويقول: وإن كان أحد في الحقل، دعه كذلك لا يرجع إلى الوراء. أي إن وُجد أحد منشغلاً تمامًا في فلاحته ومستغرقًا في الأشغال، وهو يرغب في الثمر الروحي وأن يجني عاقبة تعب الفضيلة، فليتمسك بثبات بهذا الاجتهاد، ودعه لا يرجع إلى الوراء، لأنه كما قال المسيح نفسه أيضًا في موضع ما: ” ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله” (لو 62:9)، لأنه من واجبنا أن نحافظ على جهاداتنا الروحّية بلا تذبذب، وأن نثابر فيها بإرادة لا تكل، لئلا نقاسي نفس المصير الذي حلّ بالمرأة في سدوم، وإذ يضرب بها المثل فهو يقول: ” اذكروا امرأة لوط” لأنها بعد أن أُنقذت من سدوم ولكنها لأنها رجعت بقلبها بعد ذلك، فإنها صارت عمود ملح، أي صارت حمقاء ومثل حجر.

لذلك يقول: في ذلك اليوم وتلك الساعة، كل من هم معتادون على العيش في بذخ، يلزمهم أن يمتنعوا تمامًا عن مثل هذه الكبرياء وأن يجتهدوا بكل استعداد لكي يخلّصوا أنفسهم، وبالمثل على من هم كادحون ويقدّرون الجهاد النافع، يلزمهم أن يتمسّكوا بشجاعة بالهدف الموضوع أمامهم، لأن “من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحفظها حيّة”.

أما عن الطريقة التي يهلك بها الإنسان نفسه لكي ما يخلّصها، وكيف أن مَنْ يتصّور أنه يخلِّصها يهلكها، فهذا يبينّه بولس بوضوح عندما يقول عن القديسين: ” الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات” (غل 24:5). لأن الذين قد صاروا تابعين حقيقيين للمسيح مخلّصنا جميعًا، يصلبون جسدهم ويميتونه وذلك بانشغالهم دائمًا في أتعاب وجهادات لأجل التقوى، وبإماتتهم شهوة الجسد الطبيعية لأنه مكتوب: ” أميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع” (كو 5:3). أما الذين يحبون سلوك الحياة الشهواني، ربما يتخيَّلون أنهم يربحون نفوسهم بالعيش في اللذة والتخنث، بينما هم يخسرونها بالتأكيد، لأنه يقول: ” لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادًا” (غل 8:6). لكن كل مَنْ يخسر حياته فهو بالتأكيد سيخلِّصها، وهذا ما فعله الشهداء إذ احتملوا الصراعات حتى الدم وبذل الحياة، ووضعوا فوق رؤوسهم، محبتّهم الحقيقية للمسيح إكليلاً لهم. أما أولئك الذين أنكروا الإيمان بسبب ضعف العزيمة وضعف القلب، وهربوا من موت الجسد في الحاضر، فقد صاروا قتلة لأنفسهم لأنهم سيهبطون إلى الجحيم كي يكابدوا عقوبات جبنهم الشرير. لأن الديّان سينزل من السماء، وهؤلاء الذين أحبوه بكل قلوبهم ومارسوا باجتهاد حياة تقوى خالصة سوف يدعوهم قائلاً: ” تعالوا يا مباركي أبى رثوا المُلك المُعد لكم منذ تأسيس العالم” (مت 34:25). وأما الذين سلكوا حياة إهمال وانحلال، أو مَنْ لم يحافظوا على مجد الإيمان به، فسوف يحكم عليهم بعقوبة صارمة وشديدة جدًّا ويقول لهم: ” اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية” (مت 41:25).

وهذا ما يعلّمنا إياه بقوله: ” في تلك الليلة يكون اثنان على فراش واحد فيُؤخذ الواحد ويُترك الآخر، تكون اثنتان تطحنان معًا فتُؤخذ الواحدة وتُترك الأخرى”. وعن الاثنين اللذين على فراش واحد، يبدو أنه يلمِّح إلى أولئك الذين يعيشون في راحة ويسر وهم مساوون لبعضهم البعض من جهة امتلاكهم للغنى الدنيوي، لأن الفراش يرمز إلى الراحة. ولكنه يقول واحد يُؤخذ ويُترك الآخر. كيف أو بأي طريقة؟ ذلك أنه ليس كل من يمتلكون ثروة ويحيون في راحة في هذا العالم، هم أشرار وقساة القلب. فلو أن إنسانًا كان غنيًا لكنه رحوم ولطيف وليس خاليًا من الشفقة الممدوحة على الفقراء؛ وإن كان مستعدًا أن يُشرك الآخرين في ثروته، وهو لطيف المعشر، وسخي ورزين العقل، ومستقيم الإيمان، وله غِيَرة حارة للتقوى، وإن كان أيضًا ـ بحسب تعبير المخلّص ـ يعمل أصدقاء لنفسه باستخدام مال الظلم، فمثل هذا الإنسان يُؤخذ، بينما يُترك الآخر، الذي لم يكن اهتمامه هكذا.
ويقول:” تكون اثنتان تطحنان معًا، فتُؤخذ الواحدة وتُترك الأخرى”. ويبدو أنه يقصد أيضًا بهاتين المرأتين، من يعيشون في فقر وعناء. ويقول حتى في حالة هؤلاء يوجد اختلاف شاسع لأن البعض احتملوا عبء الفقر بشجاعة وهم يسلكون سيرة حياة رزينة وفاضلة، بينما آخرون لهم سمات مختلفة، إذ يحتالون لممارسة كل عمل شرير ويخترعون كل ما هو وضيع. لذلك ففي حالتهم هذه، سيكون هناك فحص دقيق لأخلاقهم، ومن هو صالح، سيؤخذ، ومن هو ليس كذلك، سيُترك.

ولكن عندما استخدم المسيح مخلّصنا جميعًا تعبير “سيُؤخذ”، سأله التلاميذ بطريقة مفيدة وضرورية: أين يا رب؟ فقال لهم: حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور(ع 37). وماذا يعنى هذا؟ فإنه باستخدامه لحقيقة عامة وواضحة جدًّا يشير إلى سرّ عظيم وعميق. وما هو هذا؟ إنه سوف ينزل من السماء ليدين العالم بالعدل (أع 31:17). لكن كما يقول هو نفسه: ” يرسل ملائكته فيجمعون الأبرار والقديسين من بين الأشرار ويقربونهم إليه” (انظر مت 31:24) أما أولئك الآخرون فسيتركونهم كمستحقين للعذاب ومحكوم عليهم بالعقوبة التي بالنار.

وهذا يصرح به أيضًا بولس الحكيم جدًّا حيث يكتب: ” فإننا نقول لكم إننا نحن الأحياء الباقين لا نسبق الراقدين…” (1تس 15:4)، ” في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير، فإنه سيبوق والأموات في المسيح سيقومون عديمي فساد، ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء، وهكذا نكون كل حين مع الرب” (1كو 52:15، 1تس 4: 16 و17).
لذلك يقول إنه عندما تنكشف جثة مائتة فإن الطيور الجارحة تجتمع حولها، كذلك عندما يظهر ابن الإنسان. فبالتأكيد فإن النسور حتى تلك التي تطير في علو شاهق وترتفع أعلى من الأشياء الأرضيّة والدنيوّية، تسارع إليه.

وهو يدعو الدينونة ” ليل”، بسبب أن مجيئه الثاني غير معروف وقته وغير متوقع. لأننا نتذكر أيضًا واحدًا من الأنبياء القديسين يصرخ إلى من يحبون الخطية ويقول: ” ويل للذين يشتهون يوم الرب! لماذا لكم يوم الرب؟ هو ظلام لا نور وظلمة كثيفة لا نور فيها” (عا 18:5 س).

وأيضًا المسيح نفسه قال في موضع ما لتلاميذه الأطهار: ” ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل” (يو 4:9). وأيضًا كتب واحد من الرسل القديسين يقول: ” يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء” (1تس 2:5) أي، دون أن يكون معروفًا مقدمًا. لذلك، لكي ما يأخذنا المسيح، لنتخلَّ عن كل هموم أرضية ونكرِّس أنفسنا لكل أنواع العمل الصالح. لأنه سوف يقبلنا ويجعلنا خاصته، ويكللّنا بكرامات من الأعالي؛ الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

كيفية خلاص النفس؟ – إنجيل لوقا 17 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو20:17ـ30): ” وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟ أَجَابَهُمْ: لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ. وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ. وَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ: سَتَأْتِي أَيَّامٌ فِيهَا تَشْتَهُونَ أَنْ تَرَوْا يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ وَلاَ تَرَوْنَ. وَيَقُولُونَ لَكُمْ:هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ. لاَ تَذْهَبُوا وَلاَ تَتْبَعُوا. لأنهُ كَمَا أن الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ مِنْ نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ يُضِيءُ إِلَى نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا ابْنُ الإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَوَّلاً أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْفَضَ مِنْ هَذَا الْجِيلِ. وَكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا فِي أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ. كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيُزوِّجُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ نُوحٌ الْفُلْكَ وَجَاءَ الطُّوفَانُ وَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. كَذَلِكَ أَيْضًا كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ لُوطٍ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ وَيَغْرِسُونَ وَيَبْنُونَ. وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجَ لُوطٌ مِنْ سَدُومَ أَمْطَرَ نَارًا وَكِبْرِيتًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. هَكَذَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَانِ “.

مّرة ثانية يقاوم الفريسي الله، وهو لا يشعر أنه يرفس المناخس، لأنه بينما هو يتخّذ مظهر مَنْ هو شغوف بالتعلّم، فإنه يسخر من الأسرار الإلهيّة المقدَّسة جدًّا، تلك التي ” تشتهي الملائكة أن تطّلع عليها” حسب كلام الطوباوي بطرس (1بط 12:1). لهذا السبب فإن العمى (القساوة) حَدَثَ جزئيًا لإسرائيل والظلمة أعمّت عيونهم (رو 25:11). أما عن كونهم مظلمين وعمياناً، لدرجة أنهم كثيرًا ما جعلوا سر المسيح مناسبة للسخرية، فهذا ما يمكن لأي واحد أن يعرفه مما قد قُرئ علينا الآن. فقد اقتربوا منه وسألوه قائلين: ” متى يأتي ملكوت الله؟” أيها الفريسي الأحمق خفِّف من كبريائك، وتنحَّ عن السخرية التي تُعرِّضك لذنب ثقيل لا خلاص منه. فالكتاب يقول: ” والذي لا يؤمن بابن الله قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد” (يو 18:3). لأن موسى الإلهي سبق فأظهر بالمثال والظل أن الكلمة هو طريق العالم وباب الخلاص، ومع أنه هو الله، فقد ظهر في هيئة بشرّية واحتمل موت الجسد لأجل الأرض كلها. وتتفق أقوال الأنبياء القديسين أيضًا مع ما قاله موسى، لأنهم سبقوا فأنبأوا إنه سيأتي في الوقت المعيَّن في صورة مماثلة لنا. وهذا أيضًا قد حدث؛ لأنه أُظهِرَ للذين على الأرض، متخذًا هيئة عبد؛ ولكنه رغم هذا احتفظ بربوبيته الطبيعية وسلطانه، ومجده الإلهي، كما تبرّهن بروعة الأعمال التي أجراها.

لكن أنت أيها الفريسي لم تؤمن به ولم تقبل التبرير بواسطته لأنك معاند ومتكّبر، وبعد هذا أنت تسأل متى يأتي ملكوت الله؟

لذلك، فكما قلت، (فالفريسي) يسخر من سرّ هكذا مقدَّس حقًا وجدير بالإعجاب. ولأن مخلِّص الجميع كان يتكلّم في أحاديثه العلنيّة من حين لآخر عن ملكوت الله، لذلك فهؤلاء البؤساء، يزدرون به ـ أو ربما حتى قد وضعوا في ذهنهم أن يصطادوه بخبثهم، فإن عليه أن يحتمل الموت على الصليب ـ لذلك فهم يسألون في سخرية، متى يأتي ملكوت الله؟ وكأنهم يقولون إنه قبل أن يأتي هذا الملكوت الذي تتحّدث عنه، فإن الصليب والموت سوف يمسكان بك. لذلك، بماذا أجاب المسيح؟
مرّة أخرى يُظهر طول أناته وحبه الذي لا يبارى للإنسان، لأنه ” إذ شُتم لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يُهدِّد” (1بط 23:2). لذلك فلم يُوبخهم بشدة، ولكن بسبب خبثهم لم يتلّطف لكي يجيب على سؤالهم، بل يقول إن ما ينفع كل الناس، هو أن لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، لأن ها ملكوت الله داخلكم (لو 20:17 و21). ويقول لا تسألوا عن الأزمنة التي سيظهر فيها أيضًا ملكوت السموات ويأتي، بل بالحري اجتهدوا لكي تُحسَبوا أهلاً له، لأنه موجود داخلكم، أي أنه يعتمد على مشيئاتكم الخاصة، وهو في متناول أيدّيكم سواء قبلتموه أو رفضتموه. لأن كل إنسان قد حصل على التبرير بواسطة الإيمان بالمسيح، وهو متزّين بكل فضيلة، فإنه يُحسب أهلاً لملكوت السموات.
لذلك فبعد أن أوضح هذا الأمر للجميع، فإنه الآن يوجه كلامه إلى تلاميذه القديسين، لمن هم رفقاؤه القديسون ويقول: ستأتي أيام تشتهون فيها أن تروا يومًا واحدًا من أيام ابن الإنسان ولا ترون. هل الرب بحديثه هكذا يغرس الجبن في تلاميذه؟ هل هو يضعفهم مقدمًا ويوهن عزيمتهم حتى لا يستطيعوا أن يحتملوا تلك الاضطهادات والتجارب التي يجب عليهم أن يحتملوها؟ ليس هذا هو قصده بل بالأحرى العكس؛ لأنه يريدهم أن يكونوا مستعدين لكل ما يمكن أن يحزن الناس ويتهيئوا لاحتماله بصبر، وهكذا إذ ينالون استحسانه يمكنهم أن يدخلوا ملكوت الله. لذلك فهو ينذرهم مسبقًا بأنه قبل مجيئه من السماء عند انقضاء العالم، فسوف تسبقه تجارب واضطهادات، حتى إنهم يشتهون أن يروا يومًا من أيام ابن الإنسان؛ أي يومًا مثل تلك الأيام التي كانوا فيها لا يزالون يتجوّلون مع المسيح ويتحادثون معه. ومع هذا فإن اليهود كانوا حتى في ذلك الحين يخطئون ضده بعنف غير قليل، فقد رجموه بالحجارة واضطهدوه، ليس فقط مرة واحدة بل مرّات كثيرة؛ واقتادوه إلى حافة الجبل، لكي يطرحوه على الجرف؛ وأغاظوه بالتعييرات والافتراءات، وكل صور الخبث مارسها اليهود ضده. فكيف قال إذًا إن التلاميذ سوف يشتهون أن يروا يومًا من أيامه؟ قال هذا بسبب أن الشرور الأقل تُشتَهى عند مقارنتها بالشرور الأعظم.

أما عن نزوله من السماء في أزمنة العالم الأخيرة، ليس في الخفاء ولا في السّر، بل بمجد إلهي، وساكنًا في نور لا يدنى منه (1تي 16:6)، فهذا أعلنه بقوله إن مجيئه سيكون كالبرق. قد وُلد حقيقة بالجسد من امرأة لكي يتّمم التدبير لأجلنا، ولهذا السبب أخلى نفسه (في 7:2)، وافتقر، ولم يُظهر ذاته في مجد الألوهية؛ لأن الوقت نفسه، وضرورة التدبير، قاده إلى هذا الاتضاع. أما بعد قيامته من بين الأموات ـ وبعد أن صعد إلى السماء وجلس مع الله الآب ـ فسوف ينزل ثانية، بدون إخفاء لمجده، وليس في وضاعة الطبيعة البشرّية، بل في عظمة الآب ومجده، وبرفقة الملائكة المحيطين والواقفين أمامه، كإله ورب الكّل، لذلك فسوف يأتي، كالبرق، وليس في السّر.

وأيضًا لا يجب أن نصدق أي إنسان يقول: ” هوذا المسيح هنا أو هوذا هناك”. بل كما قال الرب فإنه ” ينبغي أولاً أن يتألم كثيرًا ويرفض من هذا الجيل” (لو 25:17)، والمسيح بقوله هذا، فإنه يقطع من قلب التلاميذ توقعًا آخر لأنهم افترضوا أنه بعد أن كان قد تجوّل في اليهودية وبعد ذلك في أورشليم، فإنه في الحال سوف يظهر ملكوت الله. فتقدّموا إليه وقالوا: يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ (أع 6:1). وأُم ابني زبدي أيضًا كانت تتوقّع أن هذا سوف يحدث، ولذلك تقدَّمت إليه وقالت: ” قل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك” (مت 21:20)، فلكي يعرفوا، أنه كان مزمعًا أولاً أن يجوز آلامه الخلاصية، وأن يبطل الموت بموت جسده، ويطرح خطية العالم خارجًا ويقضي على رئيس هذا العالم، وأن يصعد إلى الآب، وفى الوقت المعيّن يظهر ” ليدين المسكونة بالعدل” (مز 13:95 س)؛ لذلك يقول، إنه ” ينبغي أولاً أن يتألم كثيرًا”.

ولكي يوضّح أنه سوف يظهر على غير توقّع، وبدون أن يعرف أحد متى يكون هذا ومتى تكون نهاية العالم، فإنه يقول إن النهاية ستكون كما كان في أيام نوح ولوط. لأنه يقول إنهم كانوا يأكلون ويشربون ويزوجّون ويتزوّجون، ويشترون ويبيعون، ويبنون؛ لكن مجيء الطوفان قتل الأولين ، بينما كان الآخرون فريسة وطعامًا “للكبريت والنار” إذًا، فما معنى هذا؟ هو يطلب منّا أن نكون دائمًا ساهرين ومستعدين لأن نعطي جوابًا أمام منبر الله كما يقول بولس: ” لأنه لابد أننا جميعًا نُظهَر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كلن أم شرًا” (2كو10:5).

” فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار ويقول للخراف تعالوا يا مباركي أبى رثوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم”، لكنه سينطق حكمًا مرعبًا على الجداء لأنه سيرسلهم ” إلى النار التي لا تُطفأ” (انظر مت 33:25ـ41).

لذلك، أيها الفريسي، إن أردت أن تُحسب مستحقًا لملكوت الله، فصرّ واحدًا من الخراف، قدِّم للمسيح ثمرة إيمانك به، وامدح السلوك المقدّس، الذي بحسب الإنجيل، أما إن ظللّت جديًا، أي غير مثمر، وخالٍ من الإيمان والأعمال الصالحة معًا، فلماذا تسأل متى يأتي ملكوت الله؟ لأنه لا يهمك، بل بالأحرى خَفْ من العذاب المقرّر لغير المؤمنين، ومن النار التي لا تُطفأ المعدّة لأولئك الذين يخطئون ضد المسيح؛ الذي به ومعه لله الآب يحق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

متى يأتي ملكوت الله – إنجيل لوقا 17 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أما الثبات في الإيمان فهو نعمة عظيمة ومتميزة وهذا ما يظهره الرب بقوله:
(لو6:17): ” لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذِهِ الْجُمَّيْزَةِ انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ “.

لأن الذي يثق في المسيح، لا يتكّل على قوته الذاتية، بل بالأحرى يؤمن أن المسيح يعمل كل الأشياء بقوته. إذ نحن نعترف أن إتمام كل الأشياء الحسنة في نفوس البشر يأتي منه، ومع ذلك ينبغي على النفوس أن تُعد ذواتها لنوال هذه النعمة العظيمة. لأنه إن كانت قوة الإيمان تنتزع ما هو ثابت ومتأصل في الأرض، فيمكن للمرء أن يقول بطريقة مطلقة إنه لا يوجد شيء مهما كان راسخًا لا يستطيع الإيمان أن يزعزعه لو كان اقتلاعه مطلوبًا. ولذلك فإن الأرض تزلزلت عندما كان الرسل يصلون، كما يخبرنا سفر أعمال الرسل (أع 31:4). وكذلك، فمن ناحية أخرى، فإن الإيمان يوقف الأشياء المتحركة مثل النهر المتدفق بسرعة (يش 16:3) ويوقف الأنوار التي تتحرك بلا توقف في السماء (يش 10:13)، ومع ذلك يجب علينا أن نلاحظ بعناية، أن الله لا يثير إعجابًا فارغًا أو دهشة باطلة. لأن مثل هذه الأمور هي أبعد ما تكون عن الجوهر الإلهي الذي هو حُرّ تمامًا من الكبرياء والافتخار، وهو حق كله، وهو يعمل كل هذه الأعمال فقط لأجل خير البشر وسلامتهم، وهذا أقوله لكي لا ينتظر أحد من الإيمان المقدس والقوة الإلهية تغيّرات غير نافعة للعناصر مثلاً، أو ينتظر إزالة الجبال والأشجار، فلو أن هذه التغيّرات لم تحدث، لا يكون ذلك بسبب أن الكلمة غير صادقة بل بسبب أن الرّب لا يريد أن يفسح مجالاً لعدم التقوى. وأيضًا لا يُحسب الإيمان ضعيفًا لو أنه لم يستطع أن يتمّم مثل هذه الأعمال. فليكن للشيء بعض الفائدة الحقيقية وعندئذ فلن يُحرَم من القوة اللازمة لإتمامه.

(لو7:17ـ10 ): ” وَمَنْ مِنْكُمْ لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى يَقُولُ لَهُ إِذَا دَخَلَ مِنَ الْحَقْلِ: تَقَدَّمْ سَرِيعًا وَاتَّكِئْ. بَلْ أَلاَ يَقُولُ لَهُ: أَعْدِدْ مَا أَتَعَشَّى بِهِ وَتَمَنْطَقْ وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ وَأَشْرَبَ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ. فَهَلْ لِذَلِكَ الْعَبْدِ فَضْلٌ لأنهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟ لاَ أَظُنُّ. كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: أننَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لأننَا أنمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا”.

وجَّه الرب لنا في هذه الأعداد حديثًا طويلاً وهامًا لكي يرينا الطرق التي تؤدي إلى المجد والكرامة، وليظهر أمجاد الحياة التي بلا لوم، لكي بتقدّمنا فيها وبسيرنا قدمًا وبحماس إلى كل ما هو مثير للإعجاب، فإننا ندرك جعالة دعوتنا العليا (في 14:3). ولكن حيث إن طبيعة ذهن الإنسان تتجّه دائمًا إلى المجد الباطل وتصاب بسهولة بالميل نحو ذلك الافتخار الباطل، وحيث إن المتميزين أمام الله يقدّمون دائمًا بعض الفضائل النبيلة جدًّا كحجة لهذه الخطية، وحيث إنها خطية خطيرة جدًّا وكريهة أمام الله، فالحّية مصدر كل شر تقود الناس أحيانًا إلى هذه الحالة الذهنية حتى أنهم ربما يتخيّلون أن الله يكون مدينًا لهم بأعلى الكرامات، عندما تكون حياتهم مجيدة وممتازة. فلكي يجتّذبنا الرب بعيدًا عن هذه الأفكار، فإنه يضع أمامنا مغزى الدروس التي قُرئت علينا حالاً ويعلّمنا بواسطتها بمثال، أن قوة سلطان الملك تتطلّب في كل مكان من عبيدها الخضوع، كدين عليهم. ويقول الرب إن السيد لا يعترف بأي فضل للعبد حتى لو فعل كل ما يجب عليه أن يفعل بحسب ما هو لائق بوضع العبد.
أتوسّل إليكم، لاحظوا هنا أن الرب يشجّع التلاميذ بل وكل الخاضعين لقضيب ملك المسيح مخلّصنا جميعًا، على الاجتهاد، ولكن ليس كأنهم يقدّمون خدمتهم له على أنها فضل منهم، بل كمن يدفعون دين الطاعة الواجب على العبيد، وبهذا يبطل داء المجد الباطل، الملعون. لأنك إن فعلت ما يجب عليك، فلماذا تتكبّر في نفسك ألست ترى أنك ستكون في خطر إن لم تسدّد دينك، وأنك حتى لو أوفيته فلا يحق لك الشكر؟ تلك الحقيقة قد تَعلَّمَها وفهِمَها جيدًا ذلك الخادم العجيب بولس الرسول الذي يقول: ” لأنه إن كنت أُبشِّر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة عليَّ فويل لي إن كنت لا أُبشِّر” (1كو 16:9)، وأيضًا يقول: ” إني مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء ” (رو14:1). لذلك فإن كنت قد فعلت حسنًا وقد حَفظْتَ الوصايا الإلهية، وقد أطعّت ربك، فلا تطلب كرامة من الله كأنها حق لك، بل بالحرى اقِترب منه واطلب الهبات من سخائه بتوسل. تذكّر أنه فيما بيننا أيضًا، فإن السادة لا يقرون بأي شكر عندما يؤدي أي واحد من عبيدهم الخدمة المعينّة لهم، رغم أنهم بجودهم يكسبون ارتياح عبيدهم الأمناء، وهكذا يُولِّدون فيهم نشاطًا أكثر بفرح. وبالمثل يطلب الله منا خدمة العبيد، مستخدمًا حق سلطانه الملوكي، ولكن لكونه صالحًا وجوَّادًا، فإنه يَعِد أيضًا بالمكافآت لأولئك الذين يتعّبون. وعظمة إحسانه تفوق أتعاب عبيده جدًّا كما يؤكد لكم بولس الرسول إذ يكتب قائلاً: ” إن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا” (رو 18:8). نعم فرغم أننا عبيد فالرب يدعونا أبناء ويكللّنا بالمجد اللائق بالبنين. ولاحظوا أيضًا أن كل واحد إذ قد أعتنى أولاً بجسده، هكذا ينبغي عليه أن يهتم بعد ذلك بخير الآخرين، ” لأنه إن كان أحد لا يعرف أن يدبِّر بيته حسنًا فكيف يعتني بكنيسة الله” (1تي 5:3).

(لو12:17و13): ” وَفِيمَا هُوَ دَاخِلٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْتَقْبَلَهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ بُرْصٍ فَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ. وَصَرَخُوا: يَا يَسُوعُ يَا مُعَلِّمُ ارْحَمْنَا “.

يُظهِر لنا المخلّص مرة ثانية مجده بعمله معجزات إلهية لكي يربح إلى الإيمان، إسرائيل الأحمق، رغم عناده وعدم إيمانه. أيَّة حجة سوف يعتذرون بها في يوم الدينونة لرفضهم قبول الخلاص بالمسيح، لا سيما إذا كانوا هم أنفسهم قد سمعوا كلامه وكانوا معاينّين لعجائبه التي لا ينطق بها؟ ولهذا السبب قال هو نفسه عنهم: ” لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية”، وأيضًا لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبى (يو 22:15 و24). وكما قلت لكم سابقًا، فإن تطهير الرجال البرص كان برهانًا واضحًا على قوته العجائبية، فبمقتضى ناموس موسى كان البُرص يُطرَدون خارج المدن والقرى لكونهم نجسين.
أظن أن هذا يكفي كملاحظات تمهيدية. لذلك فما أن قابل البُرص المخلِّص حتى طلبوا منه باجتهاد أن يحرّرهم من بؤسهم داعين إياه سيدًا أي معلّمًا.
لم يشفق أحد عليهم عندما كانوا يعانون من هذا المرض، سوى هذا الذي ظَهَرَ على الأرض خصيصًا لأجل هذا السبب بعينه، وقد صار إنسانًا لكي ما يُظهِر شفقته على الكّل، فتحرَّك بالشفقة عليهم ورحمهم.

(لو14:17) ” وَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْكَهَنَةِ. وَفِيمَا هُمْ مُنْطَلِقُونَ طَهَرُوا”

ولماذا لم يقل بالحري أريد فاطهروا كما فعل في حالة أبرص آخر (لو 13:5)، بل أمرهم أن يمضوا ليروا أنفسهم للكهنة؟ كان هذا لأن الناموس أعطى توجيهات بهذا الخصوص لأولئك الذين قد تطهَّروا من البَرَص، إذ أمرهم أن يروا أنفسهم للكهنة وأن يقدِّموا ذبيحة لأجل تطهيرهم (لاويين 2:14). لذلك هو أمرهم بالذهاب لأنهم شُفوا فعلاً ولكي يمكنهم أن يقدّموا شهادة للكهنة (قادة اليهود) الذين هم دائمًا حاسدون لمجده، إنه بطريقة عجيبة تفوق توقعهم قد تخلَّصوا من بليّتهم بمشيئة المسيح الذي أعطاهم الشفاء. وهو لم يشفهم أولاً، بل أرسلهم للكهنة، لأنهم (الكهنة) كانوا يعرفون علامات البَرَص وعلامات شفائه. هو أرسلهم إلى الكهنة وأرسل معهم الشفاء أيضًا. لكن ماذا كانت شريعة البَرَص، وما هي أحكام تطهيره، وما هو معنى كل أوامر الناموس بخصوصه؟ كل هذا قد استوفيناه تمامًا في بداءة معجزات مخلِّصنا بحسب ما كتبه لوقا (انظر لو 12:5)، وكل من هو متعطّش للتعلّم فليرجع إلى ما سبق أن قلناه، أما الآن فلننتقل إلى ما يلي ذلك: إن تسعة منهم إذ كانوا يهودًا سقطوا في نسيان جاحد، ولم يرجعوا ليعطوا المجد لله، وبهذا الأمر يُظهر الرب أن إسرائيل كان قاسي القلب وعديم الشكر تمامًا، أما العاشر الغريب ـ فلأنه سامري فقد كان من جنس أجنبي إذ قد جاء من أشور؛ (لأن عبارة في وسط السامرة والجليل) ليست بلا معنى ـ هذا الغريب رجع ليمجِّد الله بصوت عال، لذلك يظهر من النص أن السامريين كانوا شاكرين، أما اليهود فكانوا غير شاكرين رغم انتفاعهم منه.

 

الثبات في الإيمان – إنجيل لوقا 17 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version