العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو17: 1ـ3): ” وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ!. خَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحىً وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنْ يُعْثِرَ أَحَدَ هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ. اِحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ “.

ما هي العثرات التي يقول عنها المسيح إنها ستحدث بالتأكيد؟ العثرات نوعان: بعض العثرات هي ضد مجد الكائن الأعلى وتهاجم ذلك الجوهر المتعالي على الكّل، وذلك حسب غرض الذين يتسببّون فيها، بينما عثرات أخرى تحدث بين الحين والآخر ضد أنفسنا ولا تتعّدى أن تكون إيذاء لبعض الإخوة الذين هم شركاؤنا في الإيمان. لأنه أيًّا كانت الهرطقات التي اُبتدعت وكل مجادلة تقف ضد الحق، فهي في الحقيقة تقاوم مجد الألوهية الفائقة، باجتذابها أولئك الذين يسقطون فيها بعيدًا عن استقامة العقائد المقدَّسة وسلامتها. وهذه هي العثرات التي قال المخلّص نفسه عنها في موضع ما: ” الويل للعالم من العثرات، فلابد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة” (مت 7:18). فالعثرات من هذا النوع، التي يسببّها الهراطقة عديمّي التقوى ليست موجهة ضد فرد واحد، بل هي موجهة بالأكثر ضد العالم كله، أي ضد سكان الأرض كلها. وبولس المغبوط يوبّخ مخترعي مثل تلك العثرات بقوله: ” وهكذا إذ تخطئون إلى الاخوة وتجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح ” (1كو 12:8). ولكي لا تسود مثل هذه العثرات على المؤمنين، تكلّم الله في موضع ما إلى الذين هم سفراء لكلمة الحق المستقيمة، الماهرين في تعليمها قائلاً: ” اعبروا بالأبواب، هيئوا طريقًا لشعبي، أعدوا السبيل، نقوه من الحجارة ” (إش 10:62). والمخلِّص قد جعل عقوبة مُرّة على من يضعون مثل هذه المعاثر في طريق الناس.
وربما لا تكون هذه هي العثرات التي يُشار إليها هنا، بل بالحرى هي تلك العثرات التي تحدث كثيرًا بسبب الضعف البشرى بين الأصدقاء والإخوة؛ وهذا الحديث الذي يتبع هذه الملاحظات الافتتاحية مباشرة، والذي يتحدّث عن غفراننا للإخوة عندما يخطئون إلينا، يقودنا إلى تلك الفكرة بأن هذه هي العثرات المقصودة هنا. إذن فما هي هذه العثرات؟ أنا أعتقد أنها أفعال خسيسة ومزعجة، مثل نوبات غضب سواء كانت لسبب ما أم كانت بلا مبرر، إهانات، اغتيابات كثيرة، وعثرات كثيرة أخرى قريبة لهذه ومشابهة لها. والرّب يقول إن مثل هذه العثرات لابد أن تأتي، فهل تأتي إذن، لأن الله، الذي يضبط الكلّ، يُجبر الناس على ارتكاب هذه العثرات؟ حاشا لله أن يصدر منه شيء شرير، بل بالأحرى فهو ينبوع كل فضيلة، فلماذا إذن يتحتّم أن تأتي؟ واضح أنها ـ بسبب عجزنا، كما هو مكتوب: ” لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا” (يع 2:3). وبالرغم من هذا فهو يقول: ويل للإنسان الذي يضع أحجار عَثْرة في الطريق، فالرّب لا يترك عدم المبالاة في هذه الأمور بدون توبيخ، بل هو بالأحرى يكبّحه بواسطة الخوف من العقوبة، ورغم ذلك فهو يوصينا أن نحتمل الذين يسببونها، بصبر.

(لو4:17 ): ” وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلاً: أَنَا تَائِبٌ فَاغْفِرْ لَهُ “.
يقول الرّب إن كان الذي يخطئ ضدك، يتوب ويقّر بخطئه فاغفر له، وذلك ليس مرّة واحدة فقط، بل مرّات عديدة جدًّا، لأننا يجب ألاّ نُظهر أنفسنا ناقصين في المحبّة المتبادلة ونهمل الاحتمال. فكلنا ضعفاء ونخطئ مرارًا وتكرارًا، لذلك يجب بالأحرى أن نتشبّه بأولئك الذين يشتغلون بمعالجة أمراضنا الجسديّة، فهؤلاء لا يعتنون بالمريض مرّة واحدة فقط ولا مرتيّن، بل بعدد المرّات التي يمرض فيها. فلنذكر أننا نحن أيضًا عُرضّة للضعفات وأننا ننغلب من شهواتنا، وإن كان الأمر هكذا، فنحن نرجو أن أولئك الذين من واجبهم أن يوبّخونا والذين لهم السلطان أن يعاقبونا، يُظهِرون أنفسهم عطوفين علينا وغافرين لنا. لذلك فمن واجبنا ـ إذ لنا شعور عام فيما بيننا بضعفاتنا المشتركة ـ أن ” نحمل أثقال بعضنا البعض، وهكذا نتمّم ناموس المسيح” (غل 2:6). كما نلاحظ أيضًا أنه في الإنجيل بحسب متى، يسأل بطرس قائلاً: ” كم مرة يخطئ إليَّ أخي وأنا أغفر له”؟ ويخبر الرب الرسل عن هذا الأمر قائلاً: ” وإن أخطأ إليك سبع مرات في اليوم “، أي يخطئ كثيرًا، فعلى قدر ما يقّر بخطئه اغفر له (انظر مت 21:18 و22).

(لو5:17 ): ” فَقَالَ الرُّسُلُ: زِدْ إِيمَانَنَا “.
إن ما يعطي فرحًا أكيدًا لأنفس القديسين ليس هو امتلاك الخيرات الأرضيّة الزائلة، فهي قابلة للفساد وتُفقد بسهولة؛ بل إن ما يعطيهم الفرح بالحري هو تلك الخيرات التي تجعل من ينالونها موقرين ومباركين، أي هي النعم الروحية التي هي عطية الله. والشيء الذي له قيمة خاصة بين هذه النعم هو الإيمان، وأعني به أن يكون لنا ثقة بالمسيح مخلّصنا كلنا، والذي يعتبره بولس الرسول أنه أساس كل بركاتنا؛ لأنه قال: ” بدون الإيمان لا يمكن إرضاؤه” (عب 6:11)، ” لأنه في كل هذا شُهِدَ للقدماء” (عب 2:11). لذلك انظروا الرسل القديسين في اقتدائهم بسلوك قديسّي العهد القديم، فما الذي يطلبونه من المسيح؟ ” زد إيماننا” هم لم يطلبوا مجرد الإيمان، لئلا تظنوا أنهم بلا إيمان، بل بالحرى طلبوا من المسيح زيادة لإيمانهم وأن يتقووا في الإيمان، لأن الإيمان يتوَقف علينا نحن من ناحية، وعلى هبة النعمة الإلهية من ناحية أخرى، لأن بداءته تعتمد علينا، وهكذا أيضًا استمرار الثقة والإيمان في الله بكل قوتنا؛ أما الثبات والقوة اللازمة لهذا (الثبات في الإيمان) فتأتي من النعمة الإلهية. ولهذا فلكون كل الأشياء ممكنة لدى الله. يقول الرب: ” كل شيء مستطاع للمؤمن” (مر 23:9). لأن القوة التي تأتي إلينا بالإيمان هي من الله. والطوباوي بولس إذ يعرف هذا، يقول أيضًا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: ” فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح” (1كو 8:12 و9). أنتم ترون أنه قد وضع الإيمان أيضًا في قائمة النعم الروحانية، وهذا ما طلب التلاميذ أن ينالوه من المخلّص، مساهمين من جهتهم أيضًا بأن يطلبوه؛ وهو من جهته قد منحهم إياه بعد اكتمال التدبير بحلول الروح القدس عليهم. فقبل القيامة كان إيمانهم ضعيفًا جدًّا لدرجة أنهم كانوا مُعرَّضين لأن يوصفوا بقلة الإيمان.
فعلى سبيل المثال، كان مخلّص الكّل يبحر ذات مرة في بحيرة طبرية مع الرسل الأطهار، وسمح لنفسه عن قصد بأن ينام، وعندما هبت ريح شديدة وصدمت الأمواج السفينة بعنف، اضطرب التلاميذ جدًّا، حتى أنهم أيقظوا الرب من النوم قائلين:” يا معلِّم نجنا فإننا نهلك” (لو 24:8)، فقام وانتهر الأمواج وحوَّل هياج العاصفة إلى هدوء، لكنه لاَمَ الرسل الأطهار جدًّا قائلاً لهم: ” أين إيمانكم؟” لأنه ما كان ينبغي لهم أن ينزعجوا بأي شكل كان طالما أن السيد المهيمّن على الكون والذي ترتعد وتتزلزل أمامه كل خلائقه ـ كان حاضرًا معهم. وإن كان يجب علينا أن نضيف مثلاً أخرً مشابهًا، فسأذكر واحدًا وهو الآتي: فقد أمر الرب الرسل القديسين أن يصعدوا إلى السفينة ويسبقوه إلى الجانب الآخر من البحيرة، وهم بالطبع فعلوا هكذا. وحينما كانوا قد جدّفوا نحو ثلاثين غلوة نظروا يسوع ماشيًا على البحر فخافوا جدًّا وظنوا أنهم رأوا خيالاً، لكن حينما ناداهم وقال لهم: ” أنا هو لا تخافوا”، قال له بطرس: ” إن كنت أنت هو فمرني أن آتي إليك على الماء. فقال له تعال. فنزل بطرس من السفينة ومشي على الماء ليأتي إلى يسوع، ولكن لما رأى الريح شديدة خاف، وإذ ابتدأ يغرق صرخ قائلاً: ” يا رب نجني”، فأمسك به ونجاه من هذا الخطر، لكنه أيضًا وبخه قائلاً: ” يا قليل الإيمان لماذا شككت؟” (انظر مت 22:14ـ31، يو 19:6). ومن المعروف جيدًا أنه في أسبوع الآلام عندما جاء الجنود والخدام الأشرار ليقبضوا على يسوع، فإن الجميع تركوه وهربوا، وأن بطرس أيضًا أنكره لأنه ارتعد أمام جارية.
ها أنت قد رأيت التلاميذ بينما لم يكن لهم سوى قليل من الإيمان، والآن تعجَّب منهم بعدما حصلوا من المسيح مخلّصنا جميعًا على زيادة لإيمانهم: لقد أوصاهم أن ” لا يبرحوا أورشليم بل ينتظروا موعد الآب” (أع 4:1) إلى أن يلبسوا قوة من الأعالي، ولكن حينما حلَّت عليهم القوة التي من الأعالي في شكل ألسنة نارية أي النعمة التي بواسطة الروح القدس، حينئذ صار التلاميذ بالحق شجعانًا وجسورين وحارين بالروح، حتى إنهم احتقروا الموت، بل وحسبوا الأخطار التي كانت تهدّدهم من غير المؤمنين، كلا شيء، بل وأيضًا صاروا قادرين على عمل المعجزات.

العثرات والغفران للمخطئين – إنجيل لوقا 17 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الغني ولعازر – إنجيل لوقا 16 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الغني ولعازر – إنجيل لوقا 16 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الغني ولعازر – إنجيل لوقا 16 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو16: 19ـ31): ” كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ وَكَانَ يَلْبَسُ الأَُرْجُوانَ وَالْبَزَّ وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهاً. وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ. وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ بَلْ كَانَتِ الْكِلاَبُ تَأْتِي وَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ. فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ. فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ. فَنَادَى: يَا أَبِي إِبْرَاهِيمُ ارْحَمْنِي وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هَذَا اللهِيبِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي اذْكُرْ أنكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ وَكَذَلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ. وَفَوْقَ هَذَا كُلِّهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ حَتَّى أن الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ هَهُنَا إِلَيْكُمْ لاَ يَقْدِرُونَ وَلاَ الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا. فَقَالَ: أَسْأَلُكَ إِذًا يَا أَبَتِ أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى بَيْتِ أَبِي. لأن لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ لِكَيْلاَ يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هَذَا. قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ. لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ. فَقَالَ: لاَ يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ. بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ “.

عندما كان سليمان يقدّم صلواتٍ عن مملكته، فإنه قال لله في موضع ما: ” أعطني الآن حكمة، تلك الحكمة التي تسكن في عرشك” (انظر 2أي10:1). فمدحه بسبب رغبته الجادة في مثل هذه البركات، لأنه لا يوجد شيء أنفع للناس أكثر من العطايا المقدَّسة، وإحدى هذه البركات التي تستحق أن نقبلها ـ والتي تجعل أولئك الذين قد حُسبوا أهلاً لها كاملين في الغبطة؛ هي الحكمة التي يعطيها الله. لأن الحكمة هي بصيرة الذهن والقلب، ومعرفة كل ما هو صالح ونافع.
وإنه من واجبنا أيضًا أن نُفْـتَن بعطايا مثل هذه، حتى عندما نُحسب مستحقين لها فإنه يمكّننا أن نفهم كلمات المخلّص باستقامة وبدون خطأ لأن هذا نافع لنا لأجل تقدّمنا الروحي، ويقودنا إلى حياة بلا لوم وتستحق المديح. لذلك فإذ قد صرنا شركاء في الحكمة التي من فوق، هيّا بنا لنفحص معنى المَثَل الموضوع أمامنا الآن.
ومع ذلك، أظنه من الضروري أن نذكر أولاً ماذا كانت المناسبة التي قادته (المسيح) للكلام عن هذه الأمور، أو ماذا قصد أن يوضِّح وهو يصوِّر ويصف بطريقة رائعة المَثَل الموضوع أمامنا. لذلك فالمخلِّص كان يكمِّلنا في فن فعل الصلاح ويوصّينا أن نسلك باستقامة في كل عمل حسن، وأن نكون جادين في تزيين أنفسنا بالأمجاد التي تأتى من السلوك في الفضيلة. لأنه يريدنا أن نكون محبين ومستعدين للاتصال بعضنا مع بعض، مسرعين في العطاء، ورحومين، ومعتنين بعمل المحبة للفقراء. ومثابرين بشجاعة في تأدية هذا الواجب باجتهاد. وهو ينصح أغنياء العالم خاصة أن يكونوا حريصين على فعل هذا. ولكي يرشدهم إلى الطريق الذي يليق تمامًا بالقديسين، فإنه يقول: ” بيعوا أمتعتكم وأعطوا صدقة، اصنعوا لأنفسكم أكياسًا لا تبلى وكنزًا في السموات لا يفنى ” (لو 33:12). فالوصّية بالحقيقة صالحة وحسنة ومخلِّصة ومفيدة، ولكن لم يغب عن علمه أنه من المستحيل للغالبية أن يمارسوها. لأن ذهن الإنسان قد صار منذ القديم عاجزًا عن تأدية تلك الواجبات الثقيلة والصعبة، وأن التخلّي عن الثروة والممتلكات والمتع التي تعطيها، ليس أمرًا مقبولاً تمامًا لأي واحد يكون مغلفًا ومقيدًا كما بحبالٍ لا تنحل، تلك التي تربط الذهن بشهوة اللّذة.
ولأنه صالح ومحب للبشر، لذلك فإنه أمدّهم بمعونة خاصة لئلا يأتي بعد الثروة هنا، فقر أبدى لا نهاية له، ولئلا بعد ملذات الزمان الحاضر يأتيهم العذاب الأبدي. لذلك يقول لهم: ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية” (لو 9:16).
هذه إذًا هي نصيحة ذلك الذي يرشدهم إلى ما يمكنهم أن يعملوه لأنه يقول، إن كنتم لا تقتنعون بالتخلي عن الغنى الميّال للذة وتقتنعوا ببيع مالكم، وتقتنعوا بالتوزيع لمن هم في احتياج، فعلى الأقل اجتهدوا في ممارسة الفضائل الصغرى. ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم “، أي لا تعتبروا ثرواتكم هي ملك لكم وحدكم، بل ابسطوا أيديكم لأولئك المحتاجين وساعدوا الفقراء والمتألمين، عزوا أولئك الذين قد سقطوا في ضيق شديد، عزوا الحزانى، والمضغوطين بأمراض جسدية والمحتاجين للضروريات، وعزوا أيضًا القدِّيسين الذين يعتنقون الفقر الاختياري حتى يمكنهم أن يخدموا الله بدون ارتباك. إن فعلكم هذا لن يكون بغير مكافأة لأنه عندما تفارقكم الثروة الأرضية ببلوغكم إلى نهاية حياتكم، عندئذ فإن هؤلاء سيجعلونكم شركاء في رجائهم، وشركاء في العزاء المُعطى لهم من الله. ولأنه صالح ومتعّطف على البشر فإنه بمحبة وسخاء سوف يسكب فرحه على أولئك الذين تعبوا في هذا العالم، وخصوصًا أولئك الذين بحكمة واتضاع وهدوء، حملوا حمل الفقر الثقيل. ويقدّم بولس الحكيم نصيحة مماثلة لأولئك الذين يحيون في غنى ووفرة، من جهة أولئك الذين يعيشون في بؤس: ” لكي تكون فضالتكم لإعوازهم. كي تصير فضالتهم لإعوازكم” (2كو 14:8). ولكن هذه إنما هي نصيحة مَنْ يأمر ببساطة بما نطق به المسيح: ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم”، لكي بذلك تكون الوصية مستحقة جدًّا لإعجابنا.
ولكي يوضِّح أننا إن رفضنا أن نتصّرف هكذا فهذا سيؤدي إلى دمارنا، وسيهبط بنا إلى النار التي لا تُطفأ وإلى حسرة لا تنفع، فإنه يرسم لنا المَثَل الحاضر. لأنه يقول: ” كان إنسان غنى يلبس الأرجوان والبز وهو يتنعم كل يوم مترفهًا. وكان مسكين اسمه لعازر الذي طُرح عند بابه مضروبًا بالقروح”.
أرجوكم أن تلاحظوا هنا وأن تنتبهوا بدقة إلى كلمات المخلِّص، لأنه بينما كان سهلاً عليه أن يقول: ” كان هناك إنسان غنى اسمه كذا كذا، أي مَنْ كان، إلاّ أنه لا يقول هذا، بل يدعوه فقط ” إنسان غني”، بينما يذكر الإنسان المسكين بالاسم. ماذا نستنتج من هذا؟ إن هذا الإنسان الغني بسبب كونه غير رحوم، لم يكن له اسم في حضرة الله، لأنه قد قال في موضع ما بصوت المرتّل بخصوص أولئك الذين لا يخافونه: ” لا أذكر أسماءهم بشفتي” (مز 4:15 س)، بينما المسكين ـ كما قلت ـ يُذكر بالاسم بلسان الله. ولكن فلننظر إلى كبرياء الغني المنتفخ بأمور ليست لها أهمية حقيقية، إذ يقول إنه كان يلبس الأرجوان والبز، أي أن اهتمامه كان أن يتأنّق بملابس جميلة، وهكذا فإن ثيابه كانت ذات ثمنٍ غالٍ، وكان يعيش في ولائم مستمرة لأن هذا هو معنى ” يتنّعم كل يوم “، وبجانب هذا يضيف أنه كان ” يتنّعم مترفهًا” أي بإسراف. لذلك، فكل أبهة ذلك الإنسان الغنى كانت من أشياء من هذا القبيل كارتداء ملابس نظيفة ورقيقة، ومطرّزة بالبز، ومصبوغة بالأرجوان، لكي يلذِّذ عيون الناظرين، وماذا كانت النتيجة إنه لا يختلف إلاّ قليلاً عن الأشكال التي في التماثيل المنحوتة، والصور الزيتّية. فالذين يُعجبون بالرجل الغني هم عديمو الحس الخالون من المشاعر، وأما قلب الغني فمملوء بالكبرياء والعجرفة، ويفكر أفكارًا عالية ومنتفخة عن نفسه، ورغم أنه لا يملك في ذهنه أي امتياز، فإنه يجعل من الألوان المتدرّجة والمتنوّعة سببًا لكبريائه الفارغ. ولذته هي في الولائم الغالية، وفى الموسيقى والعربدة، وَلَديه عديد من الطهاة، الذين يجتهدون في إثارة النهم بالأطعمة المجهَّزة باهتمام كبير. والسقاة متزينّون بملابس مزخرفة، وعنده مغنون ومغنيّات وأصوات المتملقين. هذه هي الأشياء التي كان يعيش فيها الغني. إذ أن تلميذ المسيح يشهد لنا بهذا قائلاً: ” كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة” (1يو 16:2).
ويقول إنه في أثناء ذلك كان لعازر المضروب بالمرض والفقر، مطروحًا عند باب الغني، وكان الغني يسكن في قاعات عالية ومساكن واسعة فخمة البنيان، بينما كان المسكين مطروحًا، ملقىً هناك ومُهملاً ولا يُعطَى له أي اعتبار. وإذ كان محرومًا من أي شفقة أو عناية، كان يشتهي أن يجمع الفتات الساقط من مائدة الغني ليُشبِع جوعه .
كان المسكين علاوة على ذلك يتعذَّب من مرض خطير وعديم الشفاء، ويقول إن ” الكلاب تأتى وتلحس قروحه”، وإنها، كما يبدو، لم تأتِ لتؤذيه بل بالحري كأنها تتعاطف معه، وتعتني به، لأنها كانت تسَكِّن الآلام بألسنتها، وتزيل المعاناة المصاحبة لها، وتهدئ القروح وتلطّفها.
أما الغني فكان أكثر قسوة من الوحوش، لأنه لم يشعر بأي تعاطف مع المسكين أو أية شفقة عليه، بل كان مملوءًا من عدم الرحمة، وماذا كانت النتيجة؟ إن موجز المَثَل يعلّمنا الآتي، ولكنه أطول من أن أتحدّث عنه الآن. ولئلا يكون حديثي أكثر مما يلزم لمستمعيَّ، ومرهقًا فوق الطاقة لمَنْ يتحدَّث فإني أتوقف الآن لخيري وخيركم على أن أحّدثكم مرة أخرى عن هذه الأمور في اجتماعنا القادم إن منحني المسيح مخلِّصنا جميعًا المقدرة على فعل هذا، وهو الذي به ومعه لله الآب يحق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين .

 

(لو16: 19ـ 31)
يقدِّم إشعياء النبي المبارك في موضع ما، أولئك الذين بواسطة الإيمان بالمسيح تّم ربحهم للحياة، على أنهم يدعون ـ إن جاز التعبير ـ بعضهم بعضًا ويقولون: ” هلم نصعد إلى جبل الرب وإلى بيت إله يعقوب، فيعلِّمنا طريقه ونحن سنسلك فيها” (انظر إش 3:2). ونحن نؤكد أن الجبل المقصود هنا ليس هو أي جبل أرضّي، لأنه من الحماقة أن نتخيّل هذا، بل المقصود بالأحرى هو الكنيسة التي خلَّصها لنفسه. لأنها عالية وواضحة جدًّا للناس في كل موضع، وهى مُمجَّدة، لأنه لا يوجد فيها شيء يهبط بالناس إلى الأرض. لأن الذين يسكنون فيها لا يهتمون أبدًا بأي شيء من الأرضيات، بل بالأحرى يشتهون تلك الأشياء التي فوق، وكما يقول المرنِّم: ” لأنهم قد ارتفعوا جدًّا فوق الأرض” (مز 9:46 س)، بسبب شجاعتهم الكاملة وبسالتهم، ويسعون بلا توقف وراء كل ما يرضي الله.
ونحن نعتقد أنكم مثل هؤلاء، وأن رغبتكم الجادة في التعلُّم هي برهان واضح على هذا، لأنكم قد أتيتم طبعًا تطلبون تحقيق الوعد الذي أُعطي لكم؛ لكننا لم ننس ما وعدناكم به، ولكننا نوفي ديننا بأن نُضيف ما لا يزال ناقصًا من كلام إلى ما سبق أن قيل عن مثل لعازر والغني.
فالرب يقول: ” مات لعازر وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم ومات الغني أيضًا ودُفِنَ”. لاحظوا كلمات المخلِّص بعناية كبيرة، لأنه يقول عن المسكين إن الملائكة حملّته إلى حضن إبراهيم، ولكنه لم يقل شيئًا من هذا القبيل عن الغنّي، بل قال فقط إنه مات ودُفن. فإن أولئك الذين لهم رجاء في الله، يجدّون في رحيلهم من العالم خلاصًا من الكرب والألم. ويعلِّمنا سليمان أيضًا شيئًا مثل هذا بقوله: ” وفى ظن الناس يبدون أنهم (أي الأتقياء) يموتون، وأن خروجهم يُعتبر شقاء ورحيلّهم عنا ضياعًا، بينما هم في سلام، والرجاء في الخلود يملأهم” (حكمة 2:3ـ4).
إذ يُعطى لهم هناك قدر من العزاء يتناسب مع أعمالهم، أو ربما يفوق أتعابهم ويزيد عليها، لأن المسيح قال في موضع ما: ” كيلاً جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا سيعطون في أحضانكم” (لو 36:6). لأنه كما أن السفن التي تمخر في البحر تصمد أمام الأمواج العاتية وتقاوم عنف الرياح الشديدة، وفيما بعد عندما تصل إلى موانئ هادئة تصلح لراحتها، تكف هناك عن الاهتزاز. كذلك بنفس الطريقة أظن أن نفوس البشر، حينما تخرج من دوامة الأرضيات، فإنها تدخل في المنازل التي فوق، كما في ميناء خلاص.
وهو يقول إن لعازر حملته الملائكة القديسون إلى حضن إبراهيم. أما عن الغنّي فيقول إنه مات ودُفن، لأنه بالنسبة لذلك الغنّي الذي أظهر نفسه قاسيًا وعدّيم الرحمة، فإن الانفصال عن الجسد هو موت. فقد خرج من التنّعم إلى العذاب، ومن المجد إلى الخزي، ومن النور إلى الظلمة. هذه هي الأشياء التي كان على الغني أن يعانيها، وهو الذي كان شهوانيًا وبخيلاً وغير ميَّال للرحمة. وما كان يعذبه أكثر وهو في الجحيم أنه رأى لعازر في حضن إبراهيم؛ وتوسَّل إليه لكي يرسل نقطة ماء على لسانه لأنه كان معذّبًا كما في لهيب مستعر. فبماذا أجابه رئيس الآباء إبراهيم؟: ” يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا”. وكأنه يقول له: إنك كنت شغوفًا بهذه الأمور الزمنية، وكنت متسربلاً بالبز والأرجوان، وكنت متفاخرًا ومتكّبرًا، وكنت تصرف كل وقتك في ترف، وخصَّصت ثروتك لملذاتك وللمتملقين لك، ولم تتذّكر مرة واحدة المرضى والحزانى، ولم تشفق على لعازر عندما رأيته مطروحًا عند أبوابك. لقد كنت تراه يعاني من بؤس شديد، وكان فريسة لبلايا لا تُحتمل، لأنه كان مصابًا ببليتّين بآنٍ واحد، وكل واحدة أسوأ من الأخرى وهما: ألم قروحه الشديد، وعوزه إلى ضروريات الحياة. بل إن الحيوانات أراحت لعازر لأنه كان في ألم، وكانت الكلاب تلحس قروحه. ولكنك كنت قاسي القلب أكثر من الحيوانات. لذلك فأنت استوفيّت خيراتك في حياتك، ولعازر استوفى بلاياه، والآن هو يتعزّى وأنت تتعذّب، وكما يقول الكتاب المقدّس: ” الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة” (يع 13:2). فلو كنت قد قَبِلتَ لعازر ليكون شريكك في ثروتك لكنت الآن شريكًا له، ولكان قد أعطاك الله نصيبًا من عزاء لعازر، ولكنك لم تفعل هذا ولذلك أنت وحدك تتعذّب، لأن هذا هو العقاب المناسب لعديمي الرحمة، ولمن لا يشعرون بأي تعاطف مع المرضى. لذلك فلنصنع لأنفسنا أصدقاء بمال الظلم، ولننصت إلى موسى والأنبياء وهم يدعوننا إلى المحبة المتبادلة والموّدة الأخويّة، ليتنا لا ننتظر أن يعود أحد ممّن هم في الهاوية ليخبرنا بالعذابات التي هناك، إذ أن الكتاب المقدَّس صادق بالتأكيد، ونحن قد سمعنا أن المسيح سوف يجلس على كرسي مجده ليدين المسكونة بالعدل وأنه سوف يقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره، وسوف يقول لِمْن هم عن يمينه: ” تعالوا يا مباركي أبى، رثوا الملك المُعد لكم قبل تأسيس العالم، لأني كنت جوعانًا فأطعمتموني، وكنت عطشانًا أيضًا فسقيتموني، وكنت عريانًا فكسوتموني، مسجونًا فأتيتم إلىَّ”. لكن لمن هم عن يساره سوف يقضي بدينونة ثقيلة قائلاً: ” اذهبوا إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته”، والتهمة الموجهة لهم هو أنهم فعلوا عكس ما قد امتدح القديسون من أجله تمامًا، ” لأني جعت فلم تطعموني، عطشت فلم تسقوني.. وبما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا” (انظر مت 31:25ـ45).
وربما يعترض البعض على هذا، ويقولون إنه توجد طرق كثيرة للحياة الحسنة، لأن الفضيلة متنوعة ومتعّددة، فلماذا حذف تلك الأنواع الأخرى، ويذكر فقط محبة الفقراء؟ نُجيب بأن هذا العمل هو أفضل من أي نوع آخر من أعمال الخير، لأنه يجعل في نفوسنا مماثلة لله وهذه المماثلة هي التي تُشكّلنا وتصوغنا حسب صورة الله، لأن المسيح أيضًا قال: ” كونوا رحماء كما أن أباكم الذي في السموات أيضًا رحيم” (لو 36:6). لأن من يسارع إلى إظهار الرحمة، وهو شفوق وعطوف، فهو يُحسب مع الساجدين الحقيقيين، لأنه مكتوب أن ” الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه، افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم” (يع 27:1). والحكيم بولس كتب أيضًا في موضع ما: ” ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لأنه بذبائح مثل هذه يُسرّ الله ” (عب 16:13)، فهو لا يحب بخور العبادة الناموسية بل يطلب بالأحرى عذوبة الرائحة الروحية الحلوة. ولكن الرائحة الروحية الحلوة لدى الله هي أن نُظهر شفقة تجاه الناس وأن نحتفظ لهم بالمحبة، وهذا أيضًا ما ينصحنا به بولس بقوله: ” لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلاّ بأن يحب بعضكم بعضًا” (رو 8:13)، فإن الشفقة على الفقراء هي وليدة المحبة.
لذلك هلّموا أيها الأغنياء كفوا عن اللّذة المؤقتة وجدّوا نحو الرجاء الموضوع أمامكم، اكتسوا بالرحمة والعطف، ابسطوا أيديكم لمن هم في احتياج، وأريحوا أولئك الذين هم في عوز، واعتبروا أحزان من هم في ضيق شديد هي أحزانكم ….

 

الغني ولعازر – إنجيل لوقا 16 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

محبة المال – إنجيل لوقا 16 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

محبة المال – إنجيل لوقا 16 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

محبة المال – إنجيل لوقا 16 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو16: 14ـ 17): ” وَكَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضًا يَسْمَعُونَ هَذَا كُلَّهُ وَهُمْ مُحِبُّونَ لِلْمَالِ فَاسْتَهْزَأُوا بِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ! وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ. أن الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ. كَانَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ إِلَى يُوحَنَّا. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ. وَلَكِنَّ زَوَالَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ..”.

يا إخوتي إن محبة المال هي داء شرير جدًّا وليس من السهل التحرُّر منه، لأنه بعد أن يزرع الشيطان هذا المرض في نفس الإنسان فإنه يبدأ أن يعميه ولا يسمح له أن ينصت إلى كلمات الوعظ لكي لا نجد لأنفسنا سبيلاً للشفاء يستطيع أن يخلِّص من البؤس أولئك الذين وقعوا في شراكه. وأرجوكم أيضًا أن تلاحظوا مدى صدق كلامي في هذا الموضوع من مثال الفريسيين، لأنهم كانوا محبين للمال ومغرمين بالربح وينظرون باحتقار إلى مجرد الاكتفاء، لأنه يمكن للمرء أن يري أنهم ملومون لهذا السبب نفسه عندما يرجع إلى الكتب الإلهية الموحَى بها. إذ قيل بصوت إشعياء لأورشليم أُم اليهود: ” رؤساؤك متمردون وشركاء اللصوص، كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا، لا يقضون لليتيم ولا يلتفتون إلى دعوى الأرملة” (إش 23:1 س). وأيضًا قال حبقوق النبي: ” حتى متى يا رب أدعو وأنت لا تسمع، أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلِّص؟ القضاء أمامي والقاضي أخذ رشوة ولذلك فالشريعة لا تنفع ولا يصل الحكم إلى الاكتمال، لأن الشرير ينتصر على الصديق، لذلك يخرج الحكم معوجًا” (حب 2:1ـ4 س). لأنه كما قلت بسبب كونهم محبيّن للربح، فإنهم يحكمون باستمرار في الأمور التي أمامهم ليس حسب ما يوافق شرائع الله، بل على العكس يقضّون بالظلم وبما يتناقض مع مشيئة الله.
ثم إن المخلّص نفسه وبخّهم هكذا قائلاً: ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون، لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم أثقل ما في الناموس، الحق والرحمة والإيمان” (مت 23:23). لأنه إذ قد أعطاهم الناموس حق قبول العشور، فإنه امتدوا ببحثهم وراء العشور بتدقيق حتى وصلوا لأتفه النباتات وأقلها أهمية، بينما لن يعطوا سوى اعتبار قليل لأمور الشريعة الأثقل، أي لتلك الوصايا التي كانت واجبة وضرورية وكانت لخير الناس.
لذلك يقول الإنجيل: ” لأن الفريسيين كانوا محبين للمال”، فإنهم استهزأوا بيسوع لأنه كان يوجهّهم بتعاليمه الخلاصية إلى طريقة سلوك جديرة بالمدح، وجعلهم راغبين في أمجاد القديسين. وهو يخبرهم بأنه كان يجب عليهم أن يبيعوا ممتلكاتهم ويوزعوا على الفقراء. لأنهم بهذا يقتنون لهم كنزًا في السماء لا يمكن أن يُسرق، وأكياس لا تبلى، وغنى لا يضيع ولا يفنى، إذن فلماذا سَخرَ منه الفريسيون؟ لأن التعليم كان خلاصيًا بالتأكيد وطريقًا للرجاء في الأمور الآتية وباباً يؤدي إلى الحياة غير الفانية. لأنهم كانوا يتعلّمون منه أساليب النجاح الحقيقي، ويتعلّمون كيف ينبغي أن يمسكوا بإكليل الدعوة السماوية، وأيضًا كيف يصيرون شركاء مع القديسين، وأبناء المدينة التي فوق، أي أورشليم التي في السماء والتي هي حُرَّة حقًا وأم الأحرار. ولأنه هكذا يكتب بولس المبارك: ” وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعًا فهي حرة” (غل 26:4). فلماذا استهزأوا به إذن؟
لننظر إلى سبب شرهم. لقد تملّك داء الطمع على قلبهم، وإذ صار ذهنهم مستعبدًا للطمع فإنه أصبح خاضعًا له حتى ضد إرادته، ومذلولاً تحت قوة الشر، ومقيدًا بقيود لا فكاك منها.
يقول كاتب سفر الأمثال إن: ” كل إنسان مُقيَّد بحبال خطاياه” (أم 22:5 س). فكما أن أكثر أمراض الجسد خبثًا لا تقبل علاجات الطب، وكأنها تهرب من الشفاء وحتى إن استخدم أحدهم ذلك العلاج الذي يؤدي إلى الشفاء بطبيعته، فإنها تتهيج أكثر وتثور مهما كان اللطف الذي يعاملها به فن الطب، هكذا أيضًا تلك الشهوات التي تتعرض لها نفوس الناس، فإنهم يكونون أحيانًا معاندين ويرفضون الإنصات للنصح، ولا يسمعون كلمة واحدة تدعوهم لترك الشر وتوجهّهم إلى طريق أفضل. وكما أن الخيول الجامحة والمشاكسة والزائدة النشاط لن تطيع اللُجم، كذلك أيضًا ذهن الإنسان عندما يكون تحت تأثير الشهوة، وميالاً تمامًا للانقلاب إلى الشر، فإنه يكون عاصيًا وعنيدًا ويرفض الشفاء بكراهية شديدة.
لذلك بعد أن كلّمهم مخلّص الجميع بكلمات كثيرة، ورأى أنهم لم يتغيروا عن شهواتهم ومقاصدهم الماكرة، بل فضّلوا بالأحرى أن يظلّوا في حماقتهم الغريزية، فإنه لجأ أخيرًا إلى توبيخات أشد. لذلك ففي هذه المناسبة يُظهِر أنهم مراءون وكذَّابون يستغلون المذبح طلبًا للمديح ويتلهّفون على الكرامة التي يستحقها الأبرار والصالحون دون أن يكونوا كذلك فعلاً وهم غير جادين في طلب رضا الله، بل على العكس يفتّشون بحماس عن المجد الذي من الناس. لذلك، يقول: ” أنتم الذين تبررون أنفسكم قدام الناس. ولكن الله يعرف قلوبكم، إن المستعلي عند الناس هو رجس قدام الله” (لو 15:16)، وهذا ما يقوله لهم أيضًا في موضع آخر: ” كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًّا بعضكم من بعض والمجد الذي من الله الواحد لستم تطلبونه” (يو 44:5)، لأن إله الكل يُكّلل بالمديح للبر، الذين هم صالحون حقيقة؛ أما أولئك الذين لا يحبون الفضيلة، بل هم مراءون، فإنهم يختلسون بأنفسهم وحدهم شهرة الكرامة. وربما يقول البعض، ولكن أيها السادة المحترمون، ليس أحد يُكلِّل نفسه، لأن الإنسان الذي يصطنع المديح لنفسه يُستهزئ به بعدل، لأنه مكتوب: ” ليمدحك القريب لا فمك أنت، الأجنبي لا شفتاك أنت” (أم 2:27 س). لكن رغم أن المرائين يمكن أن يظلوا دون اكتشاف، ويأخذوا الكرامات التي من الناس، إلاّ أنه يقول هنا: ” لكن الله يعرف قلوبكم”. فالديان لا يمكن أن يُخدع؛ فهو يري أعماق ذهننا؛ ويعرف مَنْ هو المجاهد الحقيقي، ومَنْ الذي يسرق بالاحتيال، الكرامة التي يستحقها غيره بحق، وبينما هو يُكرِم مَنْ هو بار حقًا فهو ” يبدد عظام الذين يسعون لإرضاء الناس” بحسب تعبير المرنم (مز 5:52 س)، لأن شهوة إرضاء الناس هي دائمًا أم الكبرياء الملعونة ورأسها وجذرها، وهي التي يبغضها الله والناس على السواء. لأن مَنْ يقع ضحية لهذا الداء فإنه يشتهي الكرامة والمديح؛ وهذا الأمر كريه لدى الله؛ لأنه يبغض المتكبر، لكنه يقبل ويرحم ذاك الذي لا يحب المجد (لنفسه) والذي هو متواضع القلب.
وعندما سحقهم المسيح بهذه التوبيخات، أضاف أيضًا شيئًا أكثر، وأعني به، ما كانوا مزمعين أن يعانوه بسبب عصيانهم وشرهم إذ يقول: ” كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، ومن ذلك الوقت يُبشَّر بملكوت الله وكل واحد يغتصِب نفسه إليه، ولكن زوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس”. فهو يخفي أيضًا وفي غموض ما سوف يسبب لهم ألمًا ويحجب تنبؤه بخصوص تلك الأشياء التي كانت عتيدة أن تحدث لكل الذين لن يطيعوه، وهو يقول: إن موسى ومعه جماعة الأنبياء القديسين أعلنوا من قبل مضمون السر الخاص بسكان الأرض. فالناموس يُعلِن بالظلال والمثالات أنه من أجل خلاص العالم ينبغي أن احتمل موت الجسد، وأبيد الفساد بالقيامة من الأموات، كذلك أيضًا تكلّم الأنبياء بنفس المعنى من كتابات موسى، لذلك يقول: إنه ليس غريبًا أو ليس غير معروف من قبل أنكم تزدرون بكلامي وتحتقرون كل ما هو نافع لخيركم، لأن كلمة النبوة عني وعنكم تمتد إلى القديس يوحنا المعمدان، ولكن ” من أيام يوحنا يُكرز بملكوت السموات، كل واحد يغتصِب نفسه إليه”. ويقصد هنا بملكوت السموات: التبرير بالإيمان، وغسل الخطية بالمعمودية المقدَّسة، التقديس بالروح، العبادة بالروح، الخدمة التي هي أعلى من خدمة الظلال والرموز، كرامة تبني البنين، ورجاء المجد العتيد أن يُعطَى للقديسين.
لذلك يقول: ملكوت السموات يُكرز به، لأن يوحنا المعمدان وقف في وسطهم وقال: ” أعدوا طريق الرب” (لو 4:3)؛ وقد أظهر قائلاً: ها هو قد اقترب، وكأنه داخل الأبواب وهو الحَمَل الحقيقي لله، الذي يحمل خطية العالم، لذلك فكل مَنْ يسمع ويحب الرسالة المقدَّسة فإنه يغتصبها، وهو ما يُقصد به: أنه يستخدم كل اجتهاده وكل قوته في رغبته للدخول داخل نطاق الرجاء. لأنه ـ كما قال في موضع آخر ـ ” ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه” (مت12:11).
وهو يقول: إن ” زوال السماء والأرض قبل اليوم الذي يأمر به الله فيه بهذا، أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس”، ويشير أحيانًا بكلمة الناموس إلى الكتب الإلهية الموحى بها معًا، أي كتابات موسى والأنبياء. فما الذي أنبأت به الكتب والذي يجب بالضرورة أيضًا أن يكتمل؟ إنها تنبأت أنه بسبب كفر إسرائيل الشديد وفجوره المفرط سيسقط من كونه من عائلة الله، رغم أنه الابن الأكبر، وأن أورشليم ستُطرح بعيدًا عن إمهال الله ومحبته، لأنه هكذا تكلّم عنها بصوت إرميا : ” هاأنذا سأسيج طريقها بالشوك وأسد طرقها وهي لن تجد مسلكها” (هو6:2س). لأن من يخشون الله فطريقهم مستقيمة ولا يوجد فيها أي موضع شديد الانحدار، بل كلها مستوّية وممهّدة جيدًا. ولكن طريق أم اليهود، مُسيّج بالشوك لأن طريق التقوى قد صار متعذرًا السير فيه بالنسبة لهم.
وكونهم مظلّمي الذهن ولا يقبلون نور مجد المسيح ـ لأنهم لم يعرفوه ـ فهذا ما سبق أن أعلنه بقوله لجموع اليهود: ” أنا شبهت أمك بالليل، هلك شعبي من عدم المعرفة لأنك رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تكهن لي، ولأنك نسيت شريعة إلهك أنا أيضًا بنيك” (هو5:4و6).
أنت تسمع أن جموع العصاة يُشبهون عن حق بالظلمة والليل. لأن كوكب الصبح العقلي، وشمس البر، يشرق ويضيء في ذهن وقلب من يؤمنون، أما ذهن أولئك الذين يزدرون بالنعمة العظيمة والتي تستحق أن نقتنيها، فقد اسودَّ في الظلمة، والعتمة العقلية، فكثير إذن مما يختص بتلك الأشياء، سبق أن أعلنه جماعة الأنبياء القديسين من جهة إسرائيل.
ولكن الذين يعترفون باستعلان مجد المسيح مخلّص الجميع، فإن الله الآب وعد بواسطة أحد الأنبياء القديسين هكذا قائلاً: ” وسأقويهم في الرب إلههم، وباسم إلههم يثبتون” (زك12:10س). ويقول المرنم مخاطبًا ربنا يسوع المسيح بالروح: ” يا رب بنور وجهك يسلكون، باسمك يبتهجون اليوم كله، لأنك أنت فخر قوتهم، وببرك يرتفع قرننا” (مز15:88 ـ17س). لأننا نفتخر في المسيح، لأننا تبرّرنا بواسطته فإننا قد ارتفعنا، وإذ طرحنا عنا ذُل الخطية، ونحن نحيا في امتياز كل الفضائل فقد اغتنينا أيضًا بالمعرفة الصحيحة والنقّية لتعاليم الحق. لأن هذا ما وعدنا الله به حيث يقول بصوت إشعياء: “وسأقود العمى في طريق لا يعرفونها. وسأجعلهم يمشون في مسالك لم يعرفوها. أجعل ظلمتهم نورًا، وكل مواضعهم المنحدرة أجعلها ممهدة” (إش16:44س). لأننا نحن الذين كنا مّرة عميانًا قد استنرنا ونحن نسير في مسلك جديد من البّر؛ بينما الذين افتخروا بالناموس كمعلّم لهم، قد اظلموا كما قال المسيح نفسه: ” قد أعمت الظلمة عيونهم” (انظر يو4:12) والعمى قد حصل جزئيًا لإسرائيل (رو5:11) لأنهم مبصرين ولا يبصرون، وسامعين لا يسمعون (مت13:13). لأنهم أخطأوا ضد الأنبياء القديسين بل وتجاسروا أن يرفعوا أياديهم ضد الذي كان يدعوهم إلى الخلاص والحياة. لذلك يقول، ولو أنكم عصاة، ورغم أنكم بحماقة تزدرون بكلماتي التي ستقودكم إلى بلوغ ما هو نافع ولائق، إلاّ أن المسيح سبق فأعلن بواسطة الناموس والأنبياء أمرًا يستحيل أن لا تكتمل فيه كلمات الله، لأنه أعلن ما علم أنه ينبغي حتمًا وبالضرورة أن يحدث.
لذلك، فعدم الإيمان يجلب الهلاك على البشر، مثلما يفعل أيضًا عنق الذهن المتعالي في تصلبه بسبب الكبرياء الزائد ضد المسيح مخلّصنا جميعًا الذي به ومعه لله الآب يحق التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى أبد الآبدين. آمين.

 

محبة المال – إنجيل لوقا 16 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو16: 10 ـ 13): ” اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟. وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟. لاَ يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ لأنهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ “.

المعلِّمون الأكثر خبرة وامتيازًا عندما يرغبون في تثبيت أي تعليم هام في عمق أذهان تلاميذهم، فإنهم لا يغفلون أي نوع من التفكير يستطيع أن يلقي ضوءًا على الغرض الرئيسي لأفكارهم. فمرّة ينسجون الحجج معًا، ومرة أخرى يستخدمون أمثلة مناسبة، وهكذا يجمعون من كل حدب وصوب أي شيء يخدم غرضهم. وهذا ما نجد أن المسيح أيضًا يفعله في أماكن كثيرة، وهو الذي يعطينا كل حكمة. لأنه كثيرًا ما يكرّر نفس الحجج بعينها حول الموضوع أيًا كان لكي ما يُرشد ذهن سامعيه إلى الفهم لكلماته بدقة. لذا أتوسَّل إليكم أن تنظروا ثانية إلى مغزى الدروس الموضوعة أمامنا. لأنه هكذا ستجدون أن كلماتنا صحيحة، وهو يقول: ” الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير”.
لكن قبل أن أسترسل، أعتقد أنه من المفيد أن نتأمل في ما هي مناسبة مِثَْل هذا الحديث، ومن أي أصل نشأ، لأن بهذا سيصير معنى الكلام واضحًا جدًّا. كان المسيح آنذاك يُعلِّم الأغنياء أن يشعروا ببهجة خاصة في إظهار الشفقة والعطف نحو الفقراء، وفى مد يدّ العون لكل من هم في احتياج، وهكذا يكنزون لهم كنوزًا في السماء، ويتفكرون مقدمًا في الغنى المُذخر لهم، لأنه قال: ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية” (لو 9:16). لكن إذ هو إله بالطبيعة، فهو يعرف جيدًا كسل الذهن البشرّى من جهة كل عمل جاد وصالح. ولم يغب عن معرفته، أن البشر في طمعهم في المال والثروة يسلِّمون ذهنهم لحب الربح، وإذ تتسلّط عليهم هذه الشهوة، فإنهم يصيرون قساة القلوب ولا يبدون مشاركة وجدانية في الألم، ولا يظهرون أي شفقة أيًّا كانت للفقراء رغم أنهم قد كدّسوا ثروات كثيرة في خزائنهم. لذلك فأولئك الذين يتفكرون هكذا ليس لهم نصيب في هبات الله الروحية، وهذا ما يظهره (الرب) بأمثلة واضحة جدًّا إذ يقول: ” الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير “.

يا رب اشرح لنا المعنى، وافتح عين قلبنا. لذلك أنصتوا إليه بينما هو يشرح بوضوح ودقة ما قاله. ” إن لم تكونوا أمناء في مال الظلم، فمن يأتمنكم على الحق؟” (لو 11:16)، فالقليل إذن هو مال الظلم، أي الثروة الدنيوية التي جُمعت في الغالب بالابتزاز والطمع. أما مَنْ يعرفون كيف يعيشون بالتقوى، ويعطشون إلى الرجاء المكنوز لهم، ويسحبون ذهنهم من الأرضيات، ويفكّرون بالأحرى في الأمور التي فوق، فإنهم يزدرون تمامًا بالغنى الأرضي، لأنه لا يمنح شيئًا سوى الملذات والفجور والشهوات الجسدانية الوضيعة، والأبهة التي لا تنفع، بل هي أبهة مؤقتة وباطلة وهكذا يعلّمنا أحد الرسل الأطهار قائلاً: ” لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة” (1يو 16:2).
لكن مثل هذه الأشياء هي لا شيء بالمّرة لمن يحيون حياة رزينة وتقيّة، لأنها أشياء تافهة، ومؤقتة، ومملوءة بالنجاسة وتؤدى إلى النار والدينونة، ونادرًا ما تستمر إلى نهاية حياة الجسد، وحتى إن استمرت، فإنها تزول على غير توقع عندما يحّل أي خطر بأولئك الذين يمتلكونها. لذلك يوبخ تلميذ المسيح الأغنياء بقوله: ” هلّم الآن أيها الأغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة، غناكم قد تهرأ وثيابكم قد أكلها العث ذهبكم وفضتكم قد صدئا، وصدأهما يكون شهادة عليكم” (يع 1:5ـ3). فكيف صدأ الذهب والفضة؟ بكونهما مخزونين بكميات هائلة، وهذا بعينه هو شهادة ضدهم أمام منبر الدينونة الإلهي، لكونهم غير رحومين، لأنهم جمعوا في كنوزهم كميات كبيرة لا يحتاجون إليها، ولم يعملوا أي اعتبار لمن كانوا في احتياج، مع أنه كان في استطاعتهم ـ لو هم رغبوا ـ أن يصنعوا خيرًا بسهولة لكثيرين، ولكنهم لم يكونوا أمناء في القليل.

لكن بأي طريقة يمكن للناس أن يصيروا أمناء؟ هذا ما علَّمنا إياه المخلِّص نفسه بعد ذلك، وأنا سأشرح كيف …
طلب أحد الفريسيين منه أن يأكل خبزًا عنده في يوم السبت، وقَبِلَ المسيح دعوته، ولما مضى إلى هناك جلس ليأكل، وكان كثيرون آخرون أيضًا مدعوين معه، ولم يكن أحد منهم تظهر عليه سمات الفقر، بل على العكس كانوا كلهم من الوجهاء وعلية القوم ومحبّين للمجالس الأولى ومتعطشين للمجد الباطل كما لو كانوا متسربلين بكبرياء الغنى. فماذا قال المسيح لمن دعاه: ” إذا صنعت غذاء أو عشاء فلا تدعُ أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء لئلا يدعوك هم أيضًا فتكون لك مكافأة، بل إذا صنعت ضيافة فادعُ المساكين الجدع والعرج والعمي، فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافئوك، لأنك تُكافئ في قيامة الأبرار” (لو 12:14ـ14). هذا هو إذن ما اعتقد أنه معنى أن يكون الإنسان أمينًا في القليل، أي أن تكون له شفقة على مَنْ هم في احتياج، ويوزِّع مساعدة ممّا لديّه لمن هم في ضيق شديد. لكن نحن بازدرائنا بالطريق المجيد والذي له مجازاة أكيدة، فإننا نختار طريقًا معيبًا وبلا مكافأة، وذلك بأن نعامل باحتقار مَنْ هم في فقر مدقع، بل ونرفض أحيانًا أن نسمح لكلماتهم أن تدخل آذاننا، بينما نحن من ناحية أخرى نُقيم وليمة مكلّفة وببذخ شديد إما لأصدقاء يعيشون في رغد، أو لمن اعتادوا أن يمدحوا أو يداهنوا جاعلين كرمنا فرصة لإشباع حبنا للمديح.

لكن هذا لم يكن هو قصد الله من سَمَاحِه لنا أن نمتلك ثروة، لذلك فإن كنا غير أمناء في القليل بعدم تكييف أنفسنا وفقًا لمشيئة الله، وبإعطاء أفضل قِسْم من أنفسنا لملذاتنا وافتخاراتنا، فكيف يمكننا أن ننال منه ما هو حق؟ (أو ما هو حقيقي). وماذا يكون هذا الحق؟ هو الإنعام الفائض لتلك العطايا الإلهية التي تزيّن نفس الإنسان، وتجعل فيها جمالاً شبيهًا بالجمال الإلهي. هذا هو الغنى الروحي، وليس الغنى الذي يسمِّن الجسد المُمسك بالموت، بل هو بالأحرى ذلك الغنى الذي يُخلِّص النفس ويجعلها جديرة بأن يُقتدى بها، ومكرَّمة أمام الله، والذي يكسبها مدحًا وأمجادًا حقيقية.
لذلك فمن واجبنا أن نكون أمناء لله، أنقياء القلب، رحومين وشفوقين، أبرارًا وقديسين، لأن هذه الأمور تطبع فينا ملامح صورة الله، وتكمِّلنا كورثة للحياة الأبدية، وهذا إذن هو ” الحق “.

وكون أن هذا هو مغزى ومقصد كلمات المخلِّص، فهذا هو ما يمكن لأي شخص أن يعرفه بسهولة مما يلي، لأنه يقول: ” إن لم تكونوا أمناء فيما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم؟”. وأيضًا نحن نقول إن ” ما هو للغير” هو الغنى الذي نمتلكه، لأننا لم نولد أغنياء بل على العكس، فقد وُلِدنَا عُراة، ويمكننا أن نؤكد هذا عن حق بكلمات الكتاب: ” لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء” (1تي 7:6)، لأن أيوب الصبور قد قال أيضًا شيئًا من هذا القبيل: ” عريانًا خرجت من بطن أمي وعريانًا أعود إلى هناك” (أي 21:1). لذلك، فلا يملك أى إنسان بمقتضى الطبيعة أن يكون غنيًا، وأن يحيا في غنى وفير، بل إن الغنى هو شيء مُضاف عليه من خارجه، فهو مجرد إمكانية (أى يمكن أن يوجد أو لا يوجد)، فلو باد الغنى وضاع فهذا أمر لا يخلّ بأي حال بخصائص الطبيعة البشريّة، فإنه ليس بسبب الغنى نكون كائنات عاقلة وماهرين في كل عمل صالح، بل إن هذه هي خاصية للطبيعة البشرية أن نتمكّن من عمل هذه الأشياء. لذلك كما قلت فإن ” ما هو للغير ” لا يدخل ضمن خصائص طبيعتنا، بل على العكس فمن الواضح أن الغنى إنما هو مُضاف إلينا من الخارج. ولكن ما هو لنا، وخاص بالطبيعة البشريّة هو أن نكون مؤهَّلين لكل عمل صالح، كما يكتب الطوباوي بولس: ” قد خُلقنا لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها” (أف 10:2).
لذلك فعندما يكون البعض غير أمناء ” فيما هو للغير”، أي في تلك الأشياء التي هي مضافة إليهم من الخارج، فكيف سينالون ما هو لهم؟ كيف سيصيرون شركاء الخيرات التي يعطيها الله والتي تزيِّن نفس الإنسان وتطبع فيها جمالاً إلهيًا، يتشكّل فيها روحيًا بواسطة البّر والقداسة، وبتلك الأعمال المستقيمة التي تُعمل في مخافة الله.
لذلك ليت مَنْ يمتلكون منا ثروة أرضية، يفتحون قلوبهم لأولئك الذين هم في احتياج وعوز، ولنظهر أنفسنا أمناء ومُطيعين لوصية الله، وتابعين لمشيئة ربنا في تلك الأشياء التي هي من خارج وليست هي لنا لكي ما ننال ما هو لنا، الذي هو ذلك الجمال المقدس والعجيب، الذي يُشكلِّه الله في نفوس الناس إذ يصوغهم على مثاله، بحسب ما كنا عليه في الأصل.

أما أنه شيء مستحيل لشخص واحد بعينه أن يقسّم ذاته بين متناقضات ويمكنه مع ذلك أن يحيا حياة بلا لوم، فالرب يوضح هذا بقوله: ” لا يقدر خادم أن يخدم سيدين لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يكرم الواحد ويحتقر الآخر” (لو 13:16). وهذا في الواقع مثال واضح وصريح ومناسب جدًّا لشرح الموضوع الذي أمامنا، لأن الذي يترتب على هذا هو خُلاصة المناقشة كلها: ” لأنكم لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”، وهو يقول: لأنه لو كان لإنسان أن يكون خادمًا لسيدّين لهما مشيئتان مختلفتان ومتضادتان، وفكر كل واحد منهما غير قابل للتصالح مع الآخر، فكيف يمكنه أن يرضيّهما كليهما؟ لأنه بسبب كونه منقسمًا في سعيه أن يعمل ما يوافق عليه كل منهما، يكون هو نفسه في تعارض مع مشيئتيهما معًا، وهكذا فإن نفس الشخص يلزمه حتمًا أن يُظهر أنه شرير وصالح، لذلك يقول (الرب)، إنه لو قرَّر أن يكون أمينًا للواحد فإنه سيبغض الآخر، وهكذا سيعتبره طبعًا كلا شيء، لذلك يستحيل أن نخدم الله والمال. فمال الظلم، الذي يُقصَد به الغنى، هو شيء يُسلِّم للشهوانية، وهو معرَّض لكل لوم، ويولِّد الافتخار ومحبة اللّذة، ويجعل الناس غلاظ الرقبة وأصدقاء للأشرار ومتكبِّرين، نعم، أية رذيلة دنيئة لا يسببها في أولئك الذين يمتلكونه؟!
لكن مسرّة الله الصالحة تجعل الناس لطفاء هادئين متواضعين في أفكارهم، طويلي الأناة، رحومين، ولهم صبر نموذجي، غير محبين للربح، غير راغبين في الغنى وقانعين بالقوت والكسوة فقط، ويهربون على الأخص من محبة المال الذي هو أصل لكل الشرور (1تي 10:6)، ويباشرون بفرح الأتعاب لأجل التقوى، ويهربون من محبة اللّذة، ويتحاشون باجتهاد كل شعور بالتعب والكلل في الأعمال الصالحة، ودائمًا يُقدِّرون السعي إلى الحياة باستقامة وممارسة كل اعتدال باعتبار أن هذه الأشياء هي التي تربح لهم المكافأة. هذا هو “ما هو لنا” وما “هو الحق “، هذا هو ما سيسبغه الله على مَنْ يحبون الفقر، ويعرفون كيف يوزعون ـ على من هم في احتياج ـ ” ما هو للغير” ويأتي من الخارج، أي غناهم الذي يُعرَف أيضًا باسم المال. فليتّه يكون بعيًدا عن ذهن كل واحد منا أن نكون عبيدًا له (المال)، لكي بهذا يمكننا بحريّة وبدون عائق أن نحني عنق ذهننا للمسيح مخلّصنا كلنا، الذي به ومعه لله الآب يحق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين أمين.

الأمين في القليل – إنجيل لوقا 16 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

وكيل الظلم – إنجيل لوقا 16 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

وكيل الظلم – إنجيل لوقا 16 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

وكيل الظلم – إنجيل لوقا 16 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو16: 1ـ 9) ” وَقَالَ أَيْضًا لِتَلاَمِيذِهِ: كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ لَهُ وَكِيلٌ فَوُشِيَ بِهِ إِلَيْهِ بِأنهُ يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ. فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عَنْكَ؟ أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ لأنكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ وَكِيلاً بَعْدُ. فَقَالَ الْوَكِيلُ فِي نَفْسِهِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟ لأن سَيِّدِي يَأْخُذُ مِنِّي الْوَكَالَةَ. لَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُبَ وَأَسْتَحِي أَنْ أَسْتَعْطِيَ. قَدْ عَلِمْتُ مَاذَا أَفْعَلُ حَتَّى إِذَا عُزِلْتُ عَنِ الْوَكَالَةِ يَقْبَلُونِي فِي بُيُوتِهِمْ. فَدَعَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْيُونِى سَيِّدِهِ وَقَالَ لِلأَوَّلِ: كَمْ عَلَيْكَ لِسَيِّدِي؟. فَقَالَ: مِئَةُ بَثِّ زَيْتٍ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ وَاجْلِسْ عَاجِلاً وَاكْتُبْ خَمْسِينَ. ثُمَّ قَالَ لآخَرَ: وَأَنْتَ كَمْ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: مِئَةُ كُرِّ قَمْحٍ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ وَاكْتُبْ ثَمَانِينَ. فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ لأن أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ. وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّةِ “.

إن
ربنا يسوع المسيح إذ يُظهِر مجده لجموع اليهود أو بالأحرى لكل من آمنوا به، يقول: ” أنا هو نور العالم” (يو 12:8) وأيضًا: ” أنا قد جئت نورًا إلى العالم” (يو 46:12)، لأنه هو يملأ ذهن من يخافونه بنور إلهي وعقلي لكي لا يضلّوا عن الطريق الصحيح بالسير في الظلمة والكآبة، بل لكي بالأحرى يعرفون كيف يتقدَّمون باستقامة في كل عمل صالح، وفى كل ما من شأنه أن يُعين الإنسان ليحيا حياة القداسة. لذلك هو يريدنا أن نكون صالحين ومستعدين أن نتصل ببعضنا وأن نحب بعضنا البعض، وأن نكون رحومين ومتزيّنين بمكارم الإحسان.
لذلك فإنه أعدَّ لنا بمنتهى الحكمة المَثَل الحاضر، ولأننا مشتاقون أن نشرحه بأقصى ما عندنا من قُدرة، لذلك فنحن بالضرورة نتكلَّم كما يلي لأولئك الذين يحبون التعلّم.

وهكذا فإن الأمثال تشرح لنا بطريقة غير مباشرة ومجازية الكثير مما هو لبنائنا، على شرط أن نتأمل معناها بطريقة مختصرة وملخَّصة، لأنه ليس لنا أن نفحص كل عناصر المَثَل بتدقيق وتطفُّل، لئلا تتسبب المجادلة الطويلة جدًّا بإفراطها الزائد، في تعب حتى أولئك المغرَمين بالاستماع وتنهك الناس بازدحام الكلمات. لأنه لو أن واحدًا مثلاً يأخذ على عاتقه أن يشرح، مَنْ الذي يجب أن نعتبره الإنسان الذي كان له وكيل، وهو الذي وُشي به إليه، أو مَنْ هو الذي يمكن أن يكون قد وُشي به ، وأيضًا مَنْ هم المدينون له ثم خَصَمَ جزءً من ديونهم، ولأي سبب قيل إن واحدًا مَدِين بالزيت والآخر بالقمح، فإنه سيجعل حديثه غامضًا وفى نفس الوقت مطولاً بغير داعٍ وأيضًا يجعله غامضًا بآنٍ واحد. لذلك فليست كل أجزاء المَثَل هي بالضرورة ومن كل جهة نافعة لشرح ما تشير إليه الأشياء، بل هي قد أُخذت لتكون صورة لأمر هام معيَّن وهو يقدِّم درسًا لأجل منفعة السامعين.
لذلك فإن مغزى المَثَل الحالي هو شيء مثلما يأتي:
” الله يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون” (1تي 4:2)، فمن أجل هذا السبب هو أعطى ” الناموس عونًا” بحسب تعبير النبي (إش 20:8) والناموس في مِثل هذه المقاطع التي نقولها لا يعني بالطبع ما جاء بواسطة موسى فقط، بل بالحري كل الكتاب الموحى به الذي بواسطته نتعلَّم الطريق الذي يؤدي باستقامة إلى كل شيء صالح وخلاصي. لذلك فإن رب الكّل يريدنا أن نكون راسخين تمامًا في سعينا نحو الفضيلة، وأن نُثبِّت رغباتنا نحو الحياة المقدَّسة الأفضل وأن نحرِّر أنفسنا من ارتباكات العالم ومن كل محبة للغنى ومن اللّذة التي تجلبها الثروة، لكي ما نخدم الله باستمرار، وبعواطف غير منقسمة، لأنه يقول أيضًا بقيثارة المرنم: ” ثابروا واعلموا أني أنا هو الله” (مز 10:46) وأيضًا فإن مخلِّص الكّل يقول بفمه لكل مَنْ يقتنون ثروات دنيوّية: ” بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة، اعملوا لكم أكياسًا لا تفنى وكنزًا لا ينفد في السموات” (لو 33:12). إن هذه الوصية هي في الواقع لأجل خلاصنا، لكن ذهن الإنسان ضعيف جدًّا أو مثبَّت باستمرار على أمور أرضيّة وهو غير راغب في الابتعاد بنفسه عن لذَّة الغنى. إنه ذهن يحب المجد الباطل ويرتضي جدًّا بمديح المنافقين، ويتوق إلى التجهيزات الجذابة، ولا يحب شيئًا أفضل من الكرامة المؤقتة. والمخلِّص نفسه لأنه يعرف هذا، فقد قال عنه في موضع ما: ” ما أعسر دخول ذوى الأموال إلى ملكوت الله” (لو 24:18)، وأيضًا: ” لأن دخول جمل من ثقب أبره أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله” (لو 25:18). لأنه طالما أن الإنسان يعيش في غنى ولذّة فإنه يهمل التقوى من نحو الله، لأن الثروة تجعل الناس متكبّرين وتزرع في أذهان مَنْ يمتلكونها بذار كل شهوانية.

إذن
أليس هناك طريق لخلاص الأغنياء؟ وألا توجد وسيلة لجعلهم شركاء في رجاء القديسين؟ هل هم قد سقطوا تمامًا من نعمة الله؟ هل جهنم والنار مُعدة لهم بالضرورة مثلما هي نصيب إبليس وملائكته؟
لا، ليس الأمر هكذا، انظر فهوذا المخلِّص قد أظهَرَ لهم وسيلة للخلاص في المَثَل الحاضر فقد جعلهم الله موكَّلين على ثروة عالمية بسماح ورحمة من الله القدير، لكن بحسب قصده فقد جُعلوا وكلاء لأجل الفقراء، لكنهم لم يقوموا بوكالتهم بطريقة صائبة فهم يبعثرون ما قد أُعطي لهم من الرب، لأنهم يبدِّدونه على ملذاتهم فقط، واشتروا به كرامات مؤقتة غير متذكرين الله الذي يقول: ” ابسط مراحمك لأخيك، ذلك الذي يحتاج إليك” (تث 8:15 س)، ولا متذكرين أيضًا المسيح نفسه مخلِّصنا جميعًا والذي يقول: ” كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم” (لو 36:6). لكنهم كما قلت لا يعملون أي اعتبار لإظهار الرحمة لإخوتهم، بل يغذّون فقط كبرياءهم. هذه هي التهمة التي توجَّه إليهم أمام رب الكّل. ومن الطبيعي أنهم عند اقتراب الموت يلزمهم أن يتوقفوا عن وكالتهم، بإنتهاء الأعمال البشرّية، لأنه لا يمكن لأحد أن يفلت من شبكة الموت. فماذا يريدهم المسيح أن يفعلوا إذن؟ إنهم بينما هم لا يزالون في هذا العالم، حتى ولو كانوا غير راغبين في إعطاء كل ثروتهم للفقراء، فعلى الأقل عليهم أن يقتنوا لهم أصدقاء بجزء منها، وأن يقتنوا لهم شهودًا كثيرين لإحسانهم أي أولئك الذين نالوا خيرًا على أيديهم، حتى إذا انقطعت عنهم ثروتهم الأرضيّة، يمكنهم أن يقتنوا لهم موضعًا في مظالهم، لأنه من المستحيل أن تكون محبة الفقراء بلا مكافأة. لذلك سواء أعطى الإنسان كل ثروته أو أعطى جزءً منها، فإنه بالتأكيد سوف ينفع روحه.
لذلك فهو عمل يليق بالقديسين وجدير بالمديح الكامل والذي يؤدي إلى ربح الأكاليل التي فوق، أن لا يكنز الإنسان ثروة أرضيّة، بل أن يوزّعها على من هم في احتياج لكي يكنز بالأحرى ما هو في السموات، ويحصل على أكياس لا تفنى (انظر لو32:12)، ويقتنى كنزًا لا يفنى، ويلي ذلك أن يستخدموا نوعًا من التحايل ليكسبوا القريبين من الله كأصدقاء لهم، بأن يعطوهم جزءً من ثروتهم، ويريحوا كثيرين من الفقراء، لكي بهذا يمكنهم أن يشاركوهم فيما هو لهم. وينصح الحكيم جدًّا بولس الرسول بشيء من هذا النوع قائلاً للذين يحبون الثروة: ” لكي تكون فضالتكم لأعوازهم، كي تصير فضالتهم لأعوازكم” (2كو 14:8).

لذلك فمن الواجب علينا، إن كان لنا قلب مستقيم، وإذا ثبَّتنا عين الذهن على ما سوف يكون فيما بعد، وإذا تذكّرنا الكتاب المقدس الذي يقول بوضوح: إننا جميعًا سنظهَر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا (2كو 10:5)، إن كنا نخاف اللهيب الشديد الذي لا يخمد، أن نتذكّر الله الذي يريدنا أن نُظهِر رحمة نحو إخوتنا، وأن نتألم مع المرضى، وأن نبسط أيدينا لمن هم في احتياج، وأن نكّرم القديسين الذين يقول المسيح عنهم: ” من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني” (مت 40:10) ولأن الرحمة للإخوة إنما هي ليست بدون فائدة أو نفع، لذلك يعلِّمنا المخلّص نفسه ويقول: ” مَنْ يُعطي كأس ماء بارد باسم تلميذ لن يضيع أجره” (مت 42:10). لأن مخلِّص الجميع هو سخي في العطاء: الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين.

وكيل الظلم – إنجيل لوقا 16 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الابن الضال – إنجيل لوقا 15 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الابن الضال – إنجيل لوقا 15 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مثل الابن الضال – إنجيل لوقا 15 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا15: 11ـ 32) ” وَقَالَ: إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ. فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الاِبْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ. فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ. فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً!. أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ. وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ. فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ. فَقَالَ لَهُ الاِبْنُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ. وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ. لأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ. وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ سَمِعَ صَوْتَ آلاَتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا. فَدَعَا وَاحِدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا؟. فَقَالَ لَهُ: أَخُوكَ جَاءَ فَذَبَحَ أَبُوكَ له الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ لأَنَّهُ قَبِلَهُ سَالِمًا. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ. فَقَالَ لأَبِيهِ: هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هَذَا عَدَدُهَا وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هَذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِى ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ. فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ. وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ “.

إني أسمع أحد الأنبياء القديسين وهو يحاول أن يربح البعيّدين عن الله إلى التوبة. فيقول: ” ارجع يا إسرائيل إلى الرب إلهك لأنك قد تعثرت بإثمك خذوا معكم كلامًا وأرجعوا إلى الرب” (هو 1:14 و2). لذلك فأي نوع من الكلام يأمرهم بإرشاد الروح، أن يأخذوه معهم؟ ألا يكون لائقًا بالذين يرغبون أن يتوبوا، أن يرضوا الله، الذي هو شفوق ويحب الرحمة؟ لأنه قد قال بواسطة أحد الأنبياء القديسين: ” ارجعوا أيها البنون العصاة لأشفى عصيانكم” (إر 22:3). وأيضًا يقول بصوت حزقيال: ” ارجعوا، توبوا وارجعوا عن كل معاصيكم يا بيت إسرائيل، اطرحوا عنكم كل معاصيكم التي عصيتم بها، لكي لا تصير لكم مهلكة .. لأني لا أُسر بموت الخاطئ. بل أن يرجع ويحيا” (حز 30:18 و31). ونفس هذا الحق يعلِّمه لنا المسيح هنا في هذا المَثَل الجميل، الذي سأحاول أن أبحثه بأقصى طاقة ممكنة عندي، وسأجمع نقاطه الهامة باختصار وسأشرح وأدافع عن الأفكار التي يحويها.
يرى البعض أن الابنين في المَثَل يشيران إلى الملائكة القديسين، من ناحية وإلينا نحن سكان الأرض من الناحية الأخرى. وأن الابن الأكبر، الذي عاش بتعقّل، يمثل مجموع الملائكة القديسين، بينما الابن الأصغر المنحرف يمثل الجنس البشرى. وهناك آخرون بينّنا يعطون المَثَل تفسيرًا مختلفًا، قائلين: إن الابن الأكبر السالك حسنًا يشير إلى إسرائيل حسب الجسد، بينما الابن الأصغر الذي اختار أن يعيش في الشهوات والملذات والذي ابتعد بعيدًا عن أبيه، إنما يشير إلى جمهور الأُمم الوثنيين. هذه الشروحات أنا لا أوافق عليها وأرجو ممن يحب التعلّم، أن يبحث ما هو حقيقي وما ليس عليه اعتراضات.
لأن ما أقوله هو كما يأتي ” أعط فرصًا للحكيم، وقدم معرفة للأبرار” (أم 9:9)، كما يوصي الكتاب، لأنهم من الشروحات التي تُعطى لهم سوف يفحصون عن المعنى المناسب، فإن كنا، نشير بالابن المستقيم إلى الملائكة، فإننا لا نجده يتكلّم الكلمات التي تليق بالملائكة، ولا نجده يشارك الملائكة فرحهم بالخطاة التائبين الذين يرجعون من حياة دنسة إلى حياة وإلى سلوك جدير بالإعجاب. لأن مخلّص الجميع يقول: ” إنه يكون فرح في السماء قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب ” (لو 7:15)، بينما الابن الموصوف لنا في هذا المثل، باعتباره مقبولاً من أبيه، ويسلك حياة بلا لوم، يَظهَر أنه غاضب، بل ويصل في مشاعره غير الحبيّة إلى درجة أنه ينسب اللوم إلى أبيه بسبب محبته الطبيعية لابنه الذي خَلُص. فالمَثَل يقول: ” إنه لم يرد أن يدخل البيت”. لأنه اغتاظ بسبب قبول الابن التائب ومن ذبح العجل المسمَّن ولأن أباه صنع له وليمة. ولكن هذا كما قلت، يختلف عن مشاعر الملائكة القديسين. لأنهم يفرحون ويسبِّحون الله حينما يرون سكان الأرض يَخلُصُون. لأنه حينما أخضع الابن نفسه ليولد بالجسد من امرأة في بيت لحم، حمَّل الملائكة عندئذ الأخبار السارة إلى الرعاة قائلين: ” لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، لأنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” ويتوجون الذي ولد بالتمجيد والتسابيح قائلين: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفى الناس المسرة“ (لو 10:2 و11 و14).
ولكن إن كان أي أحد يقول: إن إسرائيل حسب الجسد هو المقصود بالابن الأكبر في المثل الذي كان متمسكًا بوصية أبيه فإننا أيضًا لا نستطيع أن نوافق على هذا الرأي، ذلك لأنه من غير المناسب على الإطلاق أن نقول عن إسرائيل إنه عاش حياة بلا لوم. ففي كل الأسفار الموحَى بها نجد شعب إسرائيل متَّهمين بأنهم متمرِّدون وعصاة؛ لأنهم قد أُخبروا بصوت إرميا: ” ماذا وَجَدَ فيَّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا وساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً؟” (إر 5:2). وتكلّم الله أيضًا بعبارات مشابهة بصوت إشعياء: ” هذا الشعب قد اقترب بفمه، وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عني، وهم يعلِّمون تعاليم هي وصايا الناس” (إش 13:29). فكيف يستطيع أحد أن يطبِّق على أولئك الذين يُوجِّه إليهم اللوم هذه الكلمات المستعملة في المثل عن الابن الأكبر المتمسِّك بوصية أبيه؟ لأنه قال: ” ها أنا أخدُمك سنين هذا عددها، وقط لم أتجاوز وصيتك”، لأنهم لم يكونوا ليُلاموا على طريقة حياتهم لو لم يتعدوا الوصايا الإلهية، وبذلك أدوا بأنفسهم إلى حياة مستهترة مدنَّسة.
وأيضًا يقول البعض إن العجل المسمَّن الذي ذبحه الأب حينما رجع ابنه إنما يشير إلى مخلِّصنا. ولكن كيف يمكن للابن الأكبر الذي يوصَف أنه حكيم وفطين ومتمسِّك بواجبه والذي يُشير به البعض إلى الملائكة القديسين ـ كيف يمكن لذلك الابن أن يعتبر ذبح العجل سببًا للغضب والغيظ؟ كما أننا لا نستطيع أن نجد برهانًا على أن القوات السماوية قد حزنت حينما احتمل المسيح الموت بالجسد أي حينما ذُبح المسيح لأجلنا. إنهم بالحرى فرحوا، كما قلت عندما رأوا العالم يَخلُص بدمه المقدَّس، وأيضًا ما هو السبب الذي جعل الابن الأكبر يقول: ” جديًا لم تعطني قط”. فأي بركة كانت تنقص الملائكة القديسين، إذ أن رب الكّل قد أنعم عليهم ـ بيد سخيّة بفيض من المواهب الروحية؟ وهل كانوا يحتاجون إلى أية ذبيحة فيما يخص حالتهم؟ لأنه لم يكن هناك احتياج أن يتألم عمانوئيل أيضًا نيابة عنهم. ولكن إن تخيّل أحد كما سبق أن قلت، إن المقصود بالابن الأكبر هو إسرائيل حسب الجسد، فكيف يستطيع أن يقول بالحق: ” جديًا لم تعطني قط؟”، لأنه، سواء دعوناه عجلاً أم جديًا فالمسيح هو الذي يجب أن يُفهم أنه هو الذبيحة المقدَّمة لأجل الخطية. ولكنه قُدِّمَ ذبيحة ليس لأجل الأمم فقط، بل أيضًا لكي يفدي إسرائيل، الذي بسبب تعدياته الكثيرة للناموس، قد جلب على نفسه لومًا عظيمًا، وبولس الحكيم يشهد لهذا الأمر قائلاً: ” لذلك يسوع أيضًا لكي يقدِّس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب ” (عب 12:13).
فما هو موضوع المَثَل إذن؟ دعونا نفحص المناسبة التي قادت إليه، فإننا بذلك سنتعلَّم الحقيقة. لذلك فإن لوقا المبارك نفسه قد تكلَّم قليلاً عن المسيح مخلِّصنا قبل هذا المَثَل فقال: ” وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه. فتذمَّر الفريسيون والكتبة قائلين: هذا الإنسان يقبل الخطاة ويأكل معهم” (لو 1:15و2). لذلك، فلأن الفريسيين والكتبة اعترضوا على رحمته ومحبته للإنسان، وبِشَرٍ وبعدم تقوى لاموه على قبول وتعليم الناس الذين كانت حياتهم مدنَّسة، فكان من الضروري أن يضع المسيح أمامهم هذا المَثَل، ليريّهم هذا الأمر ذاته بوضوح: إن إله الكّل يريد من الإنسان الثابت والراسخ، والذي يعرف أن يعيش حياة مقدَّسة وقد وصل إلى ما يستحق أعلى مديح لأجل تعقّله في السلوك، يريد من هذا الإنسان أن يكون مُخْلِصًا في إتباع مشيئته، لكن حينما يُدعَى أي واحد إلى التوبة حتى إن كان من الذين يعيشون حياة ملومة جدًّا، فإنه ينبغي بالحري أن يفرح ولا يكون عنده غيظ مضاد للمحبة من جهة التائبين.
لأننا نحن أحيانًا نختبر شيئًا من هذا النوع لأنه يوجد البعض الذين يعيشون حياة كاملة مكرّمة ثابتة، ويمارسون كل نوع من أعمال الفضيلة، ويمتنعون عن كل شيء مخالف لشريعة الله، ويتوّجون بمديح كامل في نظر الله والناس. بينما البعض الآخر ربما يكونون ضعفاء عاثرين، ومنحطين إلى كل نوع من الشر ومذنبين بأفعال رديئة، محبين للدنس والطمع وملوثين بكل إثم. ومع ذلك يحدث كثيرًا أن يرجع أحد هؤلاء إلى الله في سن متقدّم ويطلب غفران خطاياه السابقة: إنه يصلي طالبًا الرحمة، وإذ يترك عنه إستعداده للسقوط في الخطية، وتشتعل فيه الرغبة للحياة الفاضلة، أو ربما حينما يوشك على الاقتراب من نهاية حياته، فإنه يطلب المعمودية الإلهية ويغتسل من خطاياه تاركًا شروره، فإن الله يكون رحيمًا به. وقد يحدث أحيانًا أن يتذمر بعض الأشخاص من هذا، بل ويقولون: ” هذا الإنسان الذي كان مذنبًا بكذا وكذا من الأعمال الشريرة، وقد تكلّم بكذا وكذا من الكلمات، هذا الإنسان لم يفِ دين سلوكه الرديء أمام قاضي العدل، بل إنه حُسب أهلاً لنعمة سامية وعجيبة وقد حُسب بين أبناء الله، وكُرِّم بمجد القديسين”. مثل هذه الشكوى ينطق بها الناس أحيانًا نتيجة ضيق العقل الفارغ. وشكواهم لا تتفق مع غرض أب الجميع. لأن الآب يفرح فرحًا عظيمًا حينما يرى الذين كانوا ضالين يحصلون على الخلاص، وهو يرفعهم ثانية إلى ما كانوا عليه في البداية، معطيًا لهم ثياب الحرية مزينًا إياهم بالحُلة الأولى، ويضع خاتمًا في يدهم، أي السلوك باستقامة، الذي يرضي الله ويليق بالأحرار.
لذلك فإن واجبنا أن نُخضِع أنفسنا لما يريده الله، لأنه يشفي الذين هم مرضى، وهو يرفع الساقطين، ويمد يده بالمعونة للذين يعثرون، ويرد إليه الذين ابتعدوا عنه، وهو يُشكِّل من جديد في شكل حياة ممدوحة وبلا لوم أولئك الذين كانوا يتمرَّغون في وحل الخطية، إنه يفتش عن أولئك الذين ضلوا، وهو يقيم من الموت الذين كانوا يعانون من الموت الروحي.
دعونا نفرح أيضًا، هيا نفرح، مع الملائكة القديسين ونسبِّح الله لأنه صالح ومحب للبشر، ولأنه رحيم ولا يذكر الشر، لأنه إن كنا نفكر هكذا فالمسيح سوف يقبلنا، الذي به ومعه لله الآب كل تسبيح وسيادة مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

مثل الابن الضال – إنجيل لوقا 15 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الخروف الضال والدرهم المفقود – إنجيل لوقا 15 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الخروف الضال والدرهم المفقود – إنجيل لوقا 15 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الخروف الضال والدرهم المفقود – إنجيل لوقا 15 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا 15: 1ـ 10) ” وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ. فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ. فَكَلَّمَهُمْ بِهَذَا الْمَثَلِ قائلاً: أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ وَأَضَاعَ وَاحِدًا مِنْهَا أَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟. وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحاً. وَيَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو الأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ قَائِلاً لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ. أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ. أَوْ أَيَّةُ امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ إِنْ أَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا أَلاَ تُوقِدُ سِرَاجًا وَتَكْنِسُ الْبَيْتَ وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟. وَإِذَا وَجَدَتْهُ تَدْعُو الصَّدِيقَاتِ وَالْجَارَاتِ قَائِلَةً: افْرَحْنَ مَعِي لأَنِّي وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ. هَكَذَا أَقُولُ لَكُمْ يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ “.

لاشك أنكم انتبهتم هنا أيضا إلى ما قُرأ. وقد تعجبتّم معي من كلمات المخلّص، فهل فهمتموها بطريقة شاملة وروحية، وهل ثبتّم عين العقل الفاحصة على تفسيرها العميق؟ وهل التقطتم معنى ما قيل؟ أم أنَّ الكلمة بعدما رنّت في أسماعكم جرت سريعًا، ولم يستقر منها شيء هناك ليكون لفائدتكم. ولكنني أتخيّل أنه بما أنكم مؤمنون وتحبون التعلّم، فإن المخلّص ينير أفهامكم، لأنه هو الذي يكشف خفايا الظلام، ويضع نور الفهم في قلوب أولئك الذين يحبونه.
إن هذين المِثَلَين اللذين ذُكِرا مرتبطين معًا يوضحان لنا صورة عن الحنان الإلهي ولهما معنى متشابه. وهما متفقان معًا. ولكن اليهود عديّمي الحس يوبخونه علانية لرفضهم أن يفهموا سر التجسد العظيم والعميق. فإنه كان مخفيًا تماما بالنسبة لهم أن الله الآب أرسل ابنه من السماء لا ليدّين العالم كما يقول هو نفسه، بل ليخلِّص به العالم (انظر يو 17:3). فبأي طريقة إذن كان مناسبا للعالم أن يَخلُص، ذلك العالم الذي أُمسك في شِبَاك الخطية، وصار مذنبا بتهمة الشر، وصار خاضعًا لسيد قاسٍ أي الشيطان؟ هل كانت الطريقة المناسبة هي أن يُعاقَب لسقوطه في التعدّي والخطية؟ ألا يكون بالأحرى بمساعدته، إذ أن الله طويل الأناة ومستعد أن يغطّي بالنسيان على تلك الأشياء التي تعدّى فيها الإنسان، وأن يجدِّد إلى قداسة الحياة أولئك الذين لم يعرفوا كيف يعيشون باستقامة؟
أخبرني إذن أيها الفريسي لماذا تتذّمر لأن المسيح لم يستنكف أن يأكل مع العشارين والخطاة، بل هيأ لهم عن قصد هذه الوسيلة للخلاص؟ فلكي يخلِّص الناس فقد أخلى نفسه وصار مثلنا في الشكل وارتدى لباس فقرنا البشرّي. وهل تلوم إذن تدبير الابن الوحيد في الجسد؟ وهل تجد خطأ في إنزال نفسه من السماء وهو الذي يفوق الكّل؟ إنك لا تدع التجسُّد نفسه بدون انتقاد. ومع ذلك فان الأنبياء القدِّيسين يتعجّبون من جمال التدبير المُحكَم الذي في هذا السر. فداود النبي يعلن في المزامير: ” رنموا بفهم، لأن الله قد أقام ملكًا على كل الأمم” (مز 7:46 س) . وحبقوق النبي يقول: ” يا رب قد سمعت خبرك فجزعت ونظرت إلى أعمالك فاندهشت” (حب 2:3 س) فكيف إذن لا تخجل من توجيه اللوم إلى تلك الأشياء التي كان ينبغي أن تُعجب بها. هل تريد أن يكون رب الكّل صارمًا عنيدًا أم بالأحرى يكون صالحًا وشفوقًا بالبشر؟ فالأسرة البشرّية قد ضلّت طريقها، وقد ابتعدت عن يد رئيس الرعاة، لذلك فإن الذي يُطْعِم القطعان السماوية، صار مثلنا لكي يجعلنا نحن أيضًا نسكن في مساكنه، لكي يوحِّدنا مع أولئك الذين لم يضلوا أبدا ويطرد منا الوحش المفترس، ويدفع عنا أذى الشياطين النجسين الذين هم كعصابة لصوص شريرة قد أضلوا كل الذين تحت السماء.
لذلك، فقد فتّش عن الضال، ولكي يبيّن أن تصيّد الأخطاء من اليهود بخصوص هذا الأمر باطل، قال لهم: ” أي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحدا منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال حتى يجده، وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحا”. ويقول إنه يفرح به أكثر من الذين لم يضّلوا. افهموا من هذا ـ يا أحبائي ـ الحدود المتسعة لمملكة المخلِّص، وجموع رعاياه الغفيرة التي تفوق الحصر، وخطة تدبيره الحكيمة من نحونا. فإنه يقول إن عدد الخراف مائة، وبذلك يجعل عدد رعاياه يصل إلى عدد كامل ومتكامل معا. فان العدد مئة هو عدد كامل ويتكّون من عشرة عشرات. وقد تعلّمنا أيضا من الأسفار الإلهية الموحى بها أن ألوف ألوف يخدمون أمام الله، وربوات وربوات وقوف حول عرشه السامي. لذلك، فالخراف هي مائة، وقد ضلّ واحد منها، وأعني به العائلة البشريّة التي على الأرض، والتي جاء رئيس رعاة الجميع يبحث عنها، تاركاً التسعة والتسعين في البرية، فهل لأنه ليس عنده اهتمام بالكثيرين قد أظهر الرحمة للواحد فقط؟ كلا، فان ذلك ليس لعدم اهتمامه بالكثيرين، فان هذا مستحيل، ولكن بسبب أنهم في أمان وهم محروسون بيده المقتدرة؛ لذلك من الصواب أن تظهر الرحمة من نحو ذلك الذي ضلَّ لكي لا ينقص شيء من العدد الغفير الكامل، بل إذ يردّ الذي ضلَّ فإن المئة تسترد جمالها.
لذلك، فالبحث عن الذي ضل ليس احتقارًا لأولئك الذين لم يضلوا، بل هو فعل نعمة ورحمة وحب للجنس البشرّى، وهو عمل لائق بالطبيعة العالية الفائقة لكي تمنحه لخلائقها الساقطة.
بل هيّا بنا لنفحص الأمر بمساعدة مَثَل آخر أيضا، لكي ما نُظهِر في كل الأوقات شفقة المسيح مخلّصنا جميعا، تلك الشفقة التي لا تُجارى. فلنفترض أنه في بيت واحد يوجد أكثر من ساكن، ويحدث أن أحدهم يسقط مريضًا. فلمن يُستدعى الأطباء المعالجون؟ أليس لذلك الذي سقط مريضا؟ ولكن استدعاء الأطباء للمريض لا يعتبر إهمالاً لبقية سكان البيت، والأطباء يفيدون المريض ـ بمهارتهم بحسب ما يحتاجه من وقت وعناية. ولذلك فبنفس الطريقة كان جديرًا بالله، بل وجديرًا جدًا، الذي يضبط الكّل أن يمد يده المخلِّصة لذلك الذي ضلَّ بعيدًا. وقد اقتنص الوحش المفترس الفرصة، وقاد العائلة البشرّية على الأرض إلى الضلال بعيدًا عن الراعي، وأسرع بها إلى كل أنواع البؤس. أما رئيس الرعاة فقد خلَّص العائلة البشرّية، لأنه بحث عن ذلك الذي ضلَّ الطريق، وأسّس لنا حظيرة حصينة لا تُهاجَم من الوحوش المفترسة واللصوص، وأعني بها الكنيسة، التي يمكن أن نقول في وصفها بكلمات النبي: ” انظروا فإن لنا مدينة قوية وحصينة، ويجعل لنا الخلاص أسوارًا ومترسة” (إش 1:26 س).
أما معنى المَثَل الآخر التالي فهو مشابه للأول تماماً، والذي فيه يقول إنَّ ” امرأة كان لها عشرة دراهم أضاعت درهمًا واحدًا، وأنها أوقدت سراجًا ووجدته، وأنها فرحت به كثيرًا، وجعلته سببًا لفرح خاص”. كذلك فمن المَثَل الأول الذي فيه يشير الخروف الضَّال إلى العائلة البشرّية، نتعلَّم، أننا نحن خاصة الله فوق الكّل، فانه هو الذي أوجد الأشياء غير الموجودة. لأنه ” هو صنعنا، وليس نحن ” كما هو مكتوب “وهو إلهنا، ونحن شعب مرعاه وغنم يده” (مز 3:100). وفى المَثَل الثاني الذي فيه يُشار إلى المفقود بدرهم، وأيضا هذا المفقود هو واحد من عشرة، أي من عدد كامل، ومن جملة مبلغ كامل في الحساب ـ لأن الرقم عشرة هو عدد كامل أيضا، وهو نهاية مجموعة الأعداد من واحد إلى عشرة ـ فهذا يوضِّح، أننا على صورة الله ومثاله، أي من الله الذي هو فوق الكّل. لأن الدرهم، كما أفترض هي العملة المختوم عليها الصورة الملكّية فمن يستطيع أن يشك، أننا نحن الذين سقطنا، وفُقدنا، قد وَجَدنا المسيح، وقد تغيّرنا بالقداسة والبّر إلى صورته، بعد أن كتب الرسول بولس هكذا: “ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” (2كو 18:3). وهو يرسل إلى الغلاطيين أيضا قائلا لهم: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم” (غل 9:4).
إذن فقد حدث البحث والتفتيش عن ذلك الذي فُقد، ومن أجل ذلك أوقَدَت المرأة سراجًا، وكما قلت إننا قد وُجدنا من الضلال بواسطة حكمة الله الآب، التي هي الابن، وذلك حينما أشرق علينا النور الإلهي والعقلي، وأشرقت الشمس، ” وطلع كوكب الصبح وانفجر النهار” حسب الكتب (2بط 19:1) فإن الله قد قال أيضا بواسطة أحد الأنبياء الذين تنبأوا عن المسيح: ” برى يقترب سريعًا، وتظهر رحمتي، ويتقّد خلاصي كمصباح” (إش 1:62 س). وهو يقول عن نفسه مرّة: ” أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشى في الظلمة، بل يكون له نور الحياة” (يو 46:12). إذن فإن الذي فُقد قد خَلُص بواسطة النور، وكان هناك فرح بين القوات العلّوية. لأنهم يفرحون بخاطئ يتوب، كما علّمنا الذي يعرف جميع الأشياء. لذلك فإن كانوا يفرحون معا ـ متناغمين مع القصد الإلهي ـ بواحد فقط قد خَلُص، ويمجِّدون رحمة المخلص بتسابيح لا تنقطع، فبأي فرح عظيم يمتلئون حينما يَخلُص جميع الذين تحت السماء، ويُدعون للإيمان بالمسيح ويعترفون بالحق، ويخلعون أدناس الخطية، وتتحرّر رقابهم من رباطات الموت، ويُحرَّرون من اللوم أعني لوم الضلال والسقوط! فإننا نحصل على جميع هذه الأشياء في المسيح الذي به وله من الله أبيه التسبيح والسيادة مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

الخروف الضال والدرهم المفقود – إنجيل لوقا 15 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التلمذة للمسيح – إنجيل لوقا 14 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التلمذة للمسيح – إنجيل لوقا 14 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

التلمذة للمسيح – إنجيل لوقا 14 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو25:14ـ35) ” وَكَانَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ سَائِرِينَ مَعَهُ فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً. وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟. لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ. قَائِلِينَ: هَذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ. وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفاً؟. وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذَلِكَ بَعِيدًا يُرْسِلُ سَفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ. فَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. اَلْمِلْحُ جَيِّدٌ. وَلَكِنْ إِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُصْلَحُ؟. لاَ يَصْلُحُ لأَرْضٍ وَلاَ لِمَزْبَلَةٍ فَيَطْرَحُونَهُ خَارِجاً. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ!”.
الذين يقودون جيوشًا استعدادًا للحرب وقد اكتسبوا لأنفسهم مجدًّا عسكريًا، عندما يكون وقت المعركة قد حان، يُعلِّمون الكتائب التي تحت قيادتهم كيف يربحون انتصارًا باهرًا إذ يصطفون هم أنفسهم بشجاعة في مواجهة فيالق العدو؛ ومخلِّص الكل إذ يتمثَّل بمهارة أولئك المذكورين هنا، يبيِّن بكل وضوح لكل مَنْ يتبعونه طريق الشجاعة الروحية: إنه بالتقدُّم بقوة لا يحدها عائق إلى كل ما فيه نصرة التقوى وبواسطة اجتهاد شديد لا يُقاوم، يمكنهم بعدل أن يحصلوا على الحق في أن يكونوا معه وأن يتبعوه.

إذن
فهذا الدرس يعلِّمنا بوضوح أي نوع من الأشخاص يريدنا أن نكون فهو يقول: ” إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو 26:14).
ربما يقول أحد: فماذا يا رب، هل أنت تحتقر العاطفة الطبيعية؟ هل تأمرنا أن نبغض بعضنا بعضًا وأن نتجاهل الحب الذي يحق للآباء من أبنائهم، وللزوجات من أزواجهن وللإخوة من إخوتهم؟ هل سنجعل مَنْ هم أعضاء في نفس العائلة أعداء لنا، وللذين من واجبنا بالأولى أن نحبهم يلزمنا أن نعتبرهم كأعداء وذلك لكي نكون معك ولكي ما يمكننا أن نتبعك؟
ليس هذا هو ما يقصده المخلّص، حاشا أن يكون له مثل هذا الفكر الباطل، فإن الذي يأمر بأن نحب حتى الأعداء وبأن نغفر لكل من يسيء إلينا إذ يقول:” أحبوا أعداءكم… وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم” (مت 44:5)، كيف يمكن أن يريدنا أن نبغض مَنْ هم مولودون من نفس الأسرة، وأن نغفل الإكرام الواجب بالوالدين، وأن نزدري بإخوتنا، بل نبغض أولادنا أيضًا وكذلك أنفسنا؟ لأن الذي قد نطق بالدينونة حتى على أولئك الذين يهملون قانون المحبة المتبادلة، لا يمكن أن يريد أن يكون لأحبائه ذهن متوحش أو فكر مقهور، لكن ما يريد أن يعلِّمه بهذه الوصايا هو واضح لأولئك الذين يمكنهم أن يفهموا ما قيل في موضع آخر عن نفس الموضوع: ” من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنةً أكثر مني فلا يستحقني” (مت 37:10). إذًا بإضافة عبارة ” أكثر مني ” يتضّح أنه يسمح لنا أن نحب لكن ألاّ نحبهم أكثر منه، لأنه يطلب لنفسه عاطفتنا الرئيسية. وذلك عادل جدًّا، لأن محبة الله فيمن هم كاملون في الذهن، فيها شيء ما أعلى وأسمى من الإكرام الواجب للوالدين وأسمى من العاطفة الطبيعية التي نشعر بها تجاه الأولاد.
لكن يلزمنا أن نوضّح ما هي المناسبة التي جعلت الرب يوجه كلماته نحو هذا الموضوع. إن النص الذي قرأناه من الإنجيل في اجتماعنا السابق كان عن وصف عشاء عظيم، دُعي إليه كثيرون من قِبل مَنْ صنع الوليمة، ولكن كان المدعوون غير مبالين بالدعوة، إذ ابتدأ الجميع برأي واحد يستعفون. قال له واحد إنه اشترى حقلاً وإنه مضطر أن يخرج وينظره، وقال آخر إنه اشترى خمسة أزواج بقر، وقال ثالث إنه تزوج بامرأة، وبواسطة هذه الأعذار الواهية أغاظوا من دعاهم. لذلك فقد أُعطي لنا أن نفهم بمنتهى الوضوح أنه عندما يدعونا الله إليه ليجعلنا شركاء في جوده وإحسانه، فإنه يلزمنا أن نزدري بشهوات الجسد التي تخدم الجسد. وأن لا نعطي أي اعتبار لأمور هذا العالم بل يتحتّم أن نبذل قصارى جهدنا للتقدّم نحو تلك الأشياء التي لن نتخلَ عنها أبدًا والتي تملأنا بكل غبطة، إذ أن الله يمنحنا عطاياه بيد سخيّة مثل مَنْ يرحب بنا في وليمة ثمينة ويعطينا الحق أن نبتهج مع باقي القديسين برجاء البركات الآتية. لأن الأرضيات ليس لها سوى قيمة قليلة ولا تدوم إلا لبرهة قصيرة وهي تختص بالجسد وحده، الذي هو فريسة للفساد، ولكن الأمور الإلهية والروحية هي دائمًا وباستمرار تصاحب أولئك الذين حُسبوا أهلاً لنوالها وتصل إلى دهور لا نهاية لها. لذلك فأي قيمة يعلقها العاقلون على المزارع الأرضية أو على حب اللذة الجسدية، أو على الاحترام الواجب للأقرباء بالجسد، إن كان ينبغي أن تترك لأجل محبة المسيح، مزدرين بكل هذه الأشياء التي ذُكرت؟ لأن هناك أمثلة كثيرة كانت لأناس راغبين في حياة بلا لوم، الذين حتى بعد أن لمسوا ـ إن جاز القول ـ تراب حَلَبَة المصارعة، واختبروا المصارعة فيها، وكادوا أن يصلوا إلى حق نوال إكليل الدعوة السماوية، نجدهم قد ارتدوا إلى الخلف إما لارتباطهم بالأقرباء أو بسبب كونهم أضعف من أن يحتملوا معركة المثابرة، أو لكونهم تعرقلوا في فخاخ الشهوانية، وفضَّلوا بحماقة اللذة الحاضرة على البركات الموضوعة أمامهم بالرجاء. وأيضًا فإن خوف الموت قد أرعب كثيرين، وحينما جاء وقت الاضطهادات ـ حتى بواسطة الامتحان ينالون إكليل عدم الفساد ـ نجدهم وقد أنكروا الإيمان وتحاشوا واجب التألم بصبر، وأظهروا أنفسهم ضعفاء وجبناء، فسقطوا من ثباتهم، لذلك فلكي يخلق الرب فينا ذهنًا لا يتزعزع، ويجعلنا غير مكترثين بكل الأمور العالمية، لأجل محبتنا له، فإنه يأمرنا أن نبغض حتى أقرباءنا حسب الجسد، بل ونبغض أنفسنا حين يدعونا الوقت لهذا كما سبق أن قلت حالاً.
ثم يورد الرب بعد ذلك مثالين، ليشجع أحباءه ليبلغوا إلى ثبات لا يُقهر، وليؤسس أولئك الذين يريدون أن يصلوا إلى الكرامات بالصبر والاحتمال، ويجعل فيهم غيرة لا تتزعزع، لأنه يقول: ” ومَنْ منكم وهو يريد: أن يبني برجًا، لا يجلس أولاً ويحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله، لئلا يضع الأساس ولا يقدر أن يكمل فيبتدئ جميع الناظرين يهزأون به ” (لو 28:14 و29). لأن الذين اختاروا أن يحيوا حياة مجيدة وبلا لوم يجب أن يختزنوا مقدمًا في ذهنهم غيرة كافية لتحقيق ذلك، وأن يتذكروا الذي يقول: ” يا ابني، إذا تقدمت لخدمة الرب أعدد نفسك للتجربة واجعل قلبك مستقيمًا واحتمل” (يشوع بن سيراخ 1:2 و2). أما أولئك الذين ليست لهم مثل هذه الغيرة فكيف يمكنهم أن يصلوا إلى الهدف الموضوع أمامهم؟
يقول الرب: ” وأي ملك إذا ذهب إلى مقاتلة ملك آخر في حرب، لا يجلس أولاً ويتشاور مع نفسه هل يستطيع بالعشرة آلاف التي له أنَ يتغلب على من هو أقوى منه؟”. ماذا يعني هذا الكلام؟ ” إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السموات” (أف 12:6). ونحن أيضًا لنا أعداء كثيرون: الذهن الجسداني، الناموس الذي يحارب في أعضائنا، الأهواء متعددة الأنواع: شهوة اللذة، شهوة الجسد، شهوة الغِنَى، وغيرها من الشهوات، وينبغي أن نصارع مع هذه الشهوات، فهذه هي كتيبة أعدائنا المتوحشين. كيف إذن سننتصر؟ بإيماننا كما يقول الكتاب: إننا ” بالله سوف نصنع ببأس وهو سيبيد أعداءنا” (مز 12:59 س)، وبهذه الثقة يقول واحد من الأنبياء القديسين: ” هوذا السيد الرب يعينني، فمن هو الذي يجعلني أخزى” (إش 9:50 س). وداود الإلهي يرنم أيضًا قائلاً: ” الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب عاضد حياتي ممن أرتعب” (مز 8:26 س). لأنه هو قوتنا وبه سوف ننال النصرة، لأنه قد أعطانا أن ندوس على الحيّات والعقارب وعلى كل قوة العدو. ولذلك يقول: ” الملح جيد ولكن إذا فسد الملح فبماذا يصلح؟ ” ثم يقول ” إنه يُطرح خارجًا” وقال أيضًا: ” ليكن لكم في أنفسكم ملح” (مر 50:9). أي أن يكون لكم الكلام الإلهي الذي يجلب الخلاص، لكن لو ازدرينا بالكلام الإلهي فإننا سوف نصير بلا طعم وأغبياء وعديمي الفائدة تمامًا. ومثل هذه الأشياء ينبغي لجماعة القديسين أن يطرحوها خارجًا، بعطية الرحمة والمحبة التي لهم من المسيح مخلّصنا كلنا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

التلمذة للمسيح – إنجيل لوقا 14 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الدعوة إلى العشاء العظيم – إنجيل لوقا 14 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الدعوة إلى العشاء العظيم – إنجيل لوقا 14 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الدعوة إلى العشاء العظيم – إنجيل لوقا 14 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو15:14ـ24) ” فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ قَالَ لَهُ: طُوبَى لِمَنْ يَأْكُلُ خُبْزاً فِي مَلَكُوتِ اللهِ. فَقَالَ لَهُ: إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيمًا وَدَعَا كَثِيرِينَ. وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ الْعَشَاءِ لِيَقُولَ لِلْمَدْعُوِّينَ: تَعَالَوْا لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ. فَابْتَدَأَ الْجَمِيعُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَسْتَعْفُونَ. قَالَ لَهُ الأَوَّلُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ حَقْلاً وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ فَلِذَلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ.فَأَتَى ذَلِكَ الْعَبْدُ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ بِذَلِكَ. حِينَئِذٍ غَضِبَ رَبُّ الْبَيْتِ وَقَالَ لِعَبْدِهِ: اخْرُجْ عَاجِلاً إِلَى شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا وَأَدْخِلْ إِلَى هُنَا الْمَسَاكِينَ وَالْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْى. فَقَالَ الْعَبْدُ: يَا سَيِّدُ قَدْ صَارَ كَمَا أَمَرْتَ وَيُوجَدُ أَيْضًا مَكَانٌ. فَقَالَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ: اخْرُجْ إِلَى الطُّرُقِ وَالسِّيَاجَاتِ وَأَلْزِمْهُمْ بِالدُّخُولِ حَتَّى يَمْتَلِئَ بَيْتِي. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الْمَدْعُوِّينَ يَذُوقُ عَشَائِي “.

ومرة أخرى، إن معنى الدروس المطروحة أمامنا يضطرني أن أقول إن ثمار الأعمال الصالحة إنما هي جديرة بالثناء، لأن تعب القديسين ليس بلا مكافأة، لأنهم يتعبون بمشقة لكي يحيوا تلك الحياة التي هي حقًا جديرة بالإعجاب عند الله والناس. فبولس الحكيم يكتب: ” الله ليس بظالم حتى ينسى تعبكم ومحبتكم التي أظهرتموها نحو اسمه” (عب 10:6)، وأيضًا يستخدم كلمات مُشابهة في موضع آخر: ” لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا، ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى بل إلى التي لا تُرى، لأن الأشياء التي تُرى وقتية أما التي لا تُري فأبدية ” (2كو 17:4). لأن الأشياء الوقتية هي الأرضية، وهي التي نقول عنها إنها تُدعى الأشياء التي تُرى. أما تلك الأشياء الآتية والتي لا تُرى في الوقت الحاضر، بل هي الأمور المرجوة عند الله فهي مخزونة لنا في منازل لا يمكن أن تتزعزع.
أما لِمَنْ أُعدت هذه الأشياء، ولِمَنْ سوف تُعطى، فهذا شرحه لنا المخلّص هنا، موضحًا كما في صورة بالمثل الموضوع أمامنا، طبيعة وفاعلية التدبير، ولكن من الضروري على كل حال أن أذكر أولاً المناسبة التي أدت إلى هذا الحديث.

كان الرب يأكل في وليمة عند أحد الفريسيين بصحبة آخرين كثيرين مجتمعين من أصدقاء دعاهم إلى الوليمة، وهكذا فإن مخلّص الجميع لكي يفيد أولئك المجتمعين هناك ـ إذ أنه يحب الرحمة بالحري وليس الكرامة والعظمة ـ فإنه يقود هذا الذي دعاه إلى الكمال، بألاّ يسمح له بأن يصرف بإسراف أو يهدف إلى أن يظهر بأكثر مما تسمح له موارده المالية لكي يحصل على مديح الناس، لأنه قال: ” إذا صنعت غذاءً أو عشاءً فلا تدعُ أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الأغنياء ولا جيرانك. بل المساكين، الجدع والعمي”، لأنه يقول: ” إن هؤلاء الذين يفعلون هكذا يكافأون في قيامة الأبرار”. وهكذا فإن واحد من أولئك المتكئين معهم على المائدة، عندما سمع مثل هذه الكلمات الباهرة قال: ” طوبى لمن يأكل خبزًا في ملكوت الله”. ربما هذا الرجل لم يكن روحانيًا ولكنه كان لا يزال نفسانيًا وغير مؤهَّل أن يفهم ما قاله المسيح فهمًا سليمًا. لأنه لم يكن بعد واحدًا من الذين آمنوا ولا كان قد اعتمد بعد، لأنه افترض أن مجازاة القديسين بسبب أعمال محبتهم المتبادلة سوف تكون بأشياء مختصة بالجسد وبسبب أنهم كانوا حتى هذا الوقت إلى هذه الدرجة من غباوة القلب حتى يفهموا فكرة دقيقة، فإن المسيح صاغ لهم مثلاً يوضح بما يحويه من صور ملائمة، طبيعة التدبير المزمع أن يؤسِّسه لأجلهم، ويقول: ” إنسان صنع عشاءً عظيمًا ودعا كثيرين، وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين تعالوا لأن كل شيء قد أُعد”.

دعونا أولاً أن نتساءل هنا، ما السبب في أن المدعوين قد دُعوا إلى عشاء وليس إلى غذاء؟ بل بالحرى وقبل هذا أيضًا، مَنْ هو الإنسان الذي قيل عنه في المثل إنه أرسل عبده ليدعو إلى العشاء، وأيضًا مَنْ هو الداعي، ومن هم الذين دُعُوا ولكنهم احتقروا الدعوة.
لذلك فينبغي أن نفهم أن المقصود بالإنسان هنا هو الله الآب. إن التشبيهات قد صيغت لتمثل الحقيقة، ولكنها ليست الحقيقة نفسها، لذلك فخالق الكون وأبو المجد صنع عشاءً عظيمًا، أي عيدًا لكل العالم تكريمًا للمسيح. إذن ففي أزمنة هذا العالم الأخيرة ظهر الابن لأجلنا. وفى ذلك الوقت أيضًا عانى الموت لأجلنا، وأعطانا جسده لنأكل، لأنه هو الخبز الذي من السماء الواهب حياة للعالم ونحو المساء أيضًا وعلى ضوء السرج كان يُذبح الخروف بحسب ناموس موسى. لذلك ولسبب معقول نقول إن الدعوة التي بواسطة المسيح تُدعى عشاءً.

وبعد ذلك، من هو الذي أُرسل، والذي يُقال عنه إنه عبد؟ ربما يكون المقصود هو المسيح نفسه. لأنه مع أن الله الكلمة هو بطبيعته إله، والابن الحقيقي لله الآب، الذي ظهر منه، إلاّ أنه أخلى ذاته ليأخذ شكل العبد. ولأنه أيضًا إله من إله فهو رب الكل، ولكن يمكن استخدام لقب عبد بصواب عنه من جهة بشريته. ومع أنه ـ كما قلت ـ قد أخذ شكل عبد إلاّ أنه رب بسبب كونه إلهًا.

ومتى أرسل؟ يقول: ” وقت العشاء” لأن الكلمة الابن الوحيد لم ينزل من السماء في بداية هذا العالم ليصير في الهيئة مثلنا، بل بالحرى نزل عندما أراد الكلي القدرة نفسه ذلك، أي في هذه الأزمنة الأخيرة كما سبق أن قلنا أيضًا منذ قليل.
وما هي طبيعة الدعوة؟ ” تعالوا! لأن كل شيء قد أُعد”. لأن الله الآب قد أعد في المسيح لسكان الأرض تلك العطايا التي مُنِحَت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة الروح القدس، والتبّني المجيد له، وملكوت السموات. وإلى هذه البركات دعا المسيح إسرائيل بواسطة وصايا الإنجيل قبل أن يدعو كل الآخرين، لأنه يقول في موضع ما بصوت المرنم: ” أنا أقمت منه ملكًا ـ أي بواسطة الله الآب ـ على صهيون جبل قدسه، لأكرز بأمر الرب” (مز 6:2) وأيضًا: ” أنا لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت 24:15).

فهل كان تصميمهم إذن لصالحهم؟ هل نظروا بإعجاب إلى لطف ذلك الذي دعاهم، وإلى وظيفة هذا الذي حمل الدعوة؟ ليس هكذا، لأنه يقول: ” فابتدأ الجميع للتو برأي واحد يستعفون ـ كما لو كان بغرض واحد، وبلا إبطاء يعتذرون. قال الأول: إني اشتريت حقلاً وأنا مضطر أن أخرج وأنظره. أرجوك أن تعفيني، وقال آخر: ” إني اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماضٍ لأمتحنها، أرجوك أن تعفيني، وقال آخر: إني تزوجت بامرأة فلذلك لا أقدر أن أجيء”. إنك تلاحظ أنهم إذ استسلموا تمامًا وبحماقة لهذه الأمور الأرضية، فإنهم لم يتمكنوا أن يروا الأمور الروحية، لأنهم إذ قد انغلبوا من محبة الجسد فقد صاروا بعيدين عن القداسة وأصبحوا شهوانيين وجشعين للثروة. إنهم يطلبون تلك الأمور السفلى ولا يعتبرون بالمرة ذلك الرجاء والمواعيد المذخرة عند الله. كان الأفضل جدًّا أن يربحوا أفراح الفردوس بدلاً من الحقول الأرضية وبدلاً من الفرحة المؤقتة ـ وهذا هو المقصود بأزواج البقر ـ أن يجمعوا أثمار البر، لأنه مكتوب: ” ازرعوا لأنفسكم بالبر، واحصدوا كغلة الكرم ثمر الحياة” (هو 12:10 س). أمَا كان يجب عليهم ـ بدلاً من الإنسال الجسدي للأطفال ـ أن يختاروا بالأحرى الإثمار الروحاني؟ لأن الأول مُعرَّض للموت والفساد أما الآخر فهو أبدي وذا غِنى دائم للقديسين.

ويقول المثل إن رب البيت لما سمع رَفْضَهُم، فإنه غضب وأمر أن يجمعوا من الشوارع والأزقة، المساكين والجدع والعمي والعرج. فمَنْ هم الذين يمكن أن نفهم عنهم ـ كما قلت لكم ـ أنه من أجل الأراضي والفلاحة والإنجاب الجسدي للأولاد ـ رفضوا أن يأتوا؟ إنهم بالضرورة هم هؤلاء الذين وقفوا في صدارة المجمع اليهودي، الذين هم ذوو ثروات طائلة، عبيد الشهوات، الذين عقولهم منصبَّة على الربح، الذي يركزون عليه كل اجتهادهم. لأنه في كل الكتاب الموحى به نراهم مستوجبين اللوم بسبب هذا الأمر نفسه.

فأولئك إذًا الذين هم أعلى مقامًا من جماعة الشعب العام لم يُخضعوا أنفسهم للمسيح عندما قال لهم: ” احملوا نيري عليكم” (مت 29:11). بل رفضوا الدعوة ولم يقبلوا الإيمان وظلوا بعيدًا عن الوليمة، وازدروا بالعشاء العظيم بسبب عصيانهم المتقسِّي. أما عن كون الكتبة والفريسيين لم يؤمنوا بالمسيح، فهذا ظاهر بما يقوله لهم: ” أخذتم مفتاح المعرفة، فلم تدخلوا والداخلون منعتموهم” (لو 52:11). لذلك فبدلاً منهم دعا الذين كانوا في الشوارع والأزقة الذين ينتسبون إلى عامة الشعب اليهودي الذين كان عقلهم مريضًا غير ثابت، مُظلمًا ومتوقفًا لأن مثل هؤلاء يمكن أن نعتبرهم عميان وعرج ولكنهم صاروا أقوياء وأصحاء في المسيح وتعلَّموا أن يمشوا باستقامة وقبلوا النور الإلهي في عقولهم. أمَّا عن أن جمعًا كبيرًا من اليهود لا يمكن إحصاءه بسهولة قد آمن، فهذا يمكن أن نعرفه من سفر أعمال الرسل.

والمَثَل يقول إنه بعد أن دعا هؤلاء الذين في الشوارع، فإن الذي كانت وظيفته أن يدعو إلى العشاء قال لصاحب البيت: ” يُوجد أيضًا مكان”. فقال السيد لخادمه: ” اخرج إلى الطرق والسياجات وألزمهم بالدخول حتى يمتلئ بيتي لأني أقول لكم إنه ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين يذوق عشائي”.

أرجوكم أن تلاحظوا هنا دعوة الأمم بالإيمان بعد أن دخل الإسرائيليون. كان الأمم في الزمان القديم لهم ذهن غير مثقف، وسذجًا في الفهم، أي أنهم كانوا خارج المدينة، كما لو كانوا يعيشون في إباحية، ويشابهون البهائم أكثر من البشر، ويستخدمون العقل قليلاً، وبسبب هذا الاعتبار فإن الداعي إلى العشاء أرسل إلى الطرق خارج المدينة وإلى السياجات في الحقول. بل والأكثر من هذا، فإنه أُمِرَ مِنْ هذا الذي أرسله، لا أن يدعوهم ويحضهم فقط بل وأيضًا يُلزمهم. إن الإيمان بالنسبة لجميع الناس هو فعل إرادي، وببلوغ البشر بحريتهم الخاصة إليه يكونون مقبولين لدى الله وينالون عطاياه بوفرة. ولكن كيف (في هذا المثل) أن الناس يُلزَمون بالدخول. هذا ذُكر هنا أيضًا عن قصد، وكان هذا ضروريًا بل وضروريًا على نحو جازم بالنسبة للأمم الذين كانوا مُقيَّدين بطغيان لا يُحتمل، والذين كانوا واقعين تحت نير الشيطان، والذين كانوا ممسوكين بشباك خطاياهم التي لا تنحل، والذين كانوا جاهلين تمامًا بهذا الذي هو بالطبيعة والحق، الله، فكان يَلزَم أن تكون دعوتهم بإلحاح كما لو كانت باستخدام القوة، حتى يكونوا قادرين أن يتطلّعوا نحو الله، ويتذوّقوا التعاليم المقدَّسة، وأن يتركوا ضلالهم السابق، وأن يخرجوا من يد الشيطان. لأن المسيح قال أيضًا: ” لا يقدر أحد أن يُقبل إلىّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني” (يو44:6). إن الجذب هنا يعنى ضمنًا أن الدعوة هي فعل بالقوة، وهذا لا يصنعه إلاّ الله. ونجد أيضًا المغبوط داود يخاطب الله بعبارات مشابهة بخصوصهم (الأمم): ” بلجام وزمام تكبح (تقيِّد) فك هؤلاء الذين لا يقتربون إليك” (مز 9:31 س). ها أنت ترى كيف أن رب الكل بلجام يُحوّل إلى نفسه هؤلاء الذين انحرفوا عنه، لأنه صالح ومحب لجنس البشر ويريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون.

لذلك فقد ظل رؤساء الشعب الإسرائيلي بعيدين عن العشاء لأنهم كانوا عنيدين ومتكبرين وعصاة ومحتقرين للدعوة الفائقة جدًّا، لأنهم انحرفوا نحو الأشياء الأرضية، وثبَّتوا عقولهم نحو انشغالات هذا العالم الباطلة. أما عامة الجمع فقد دُعوا (إلى الوليمة) وبعدهم مباشرة وبدون إبطاء الوثنيون. لأن ربنا يسوع المسيح بعد أن قام من الأموات صرخ نحو رسله القديسين قائلاً: ” دُفع إلىّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض، اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم إنَّ يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت 18:28، 19).

الدعوة إلى العشاء العظيم – إنجيل لوقا 14 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

محبة الفقراء – إنجيل لوقا 14 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

محبة الفقراء – إنجيل لوقا 14 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

محبة الفقراء – إنجيل لوقا 14 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو12:14ـ14) ” وَقَالَ أَيْضًا لِلَّذِي دَعَاهُ: إِذَا صَنَعْتَ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَلاَ تَدْعُ أَصْدِقَاءَكَ وَلاَ إِخْوَتَكَ وَلاَ أَقْرِبَاءَكَ وَلاَ الْجِيرَانَ الأَغْنِيَاءَ لِئَلاَّ يَدْعُوكَ هُمْ أَيْضًا فَتَكُونَ لَكَ مُكَافَأةٌ. بَلْ إِذَا صَنَعْتَ ضِيَافَةً فَادْعُ الْمَسَاكِينَ الْجُدْعَ الْعُرْجَ الْعُمْيَ. فَيَكُونَ لَكَ الطُّوبَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ حَتَّى يُكَافُئوكَ لأَنَّكَ تُكَافَئ فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ “.

إن
جمال عقل الإنسان هو رائع حقًا، وهو يظهر ذاته بطرق متعدّدة، يتضّح في أنماط متنوعة. وكما أنَّ أولئك المهرة في رسم الأشكال في الصور لا يمكنهم بواسطة لون واحد أن يبلغوا إلى الجمال الكامل في رسمهم، بل بالأولى يستخدمون أنواعًا مختلفة ومتعدّدة من تدرج الألوان، هكذا أيضًا إله الكل الذي هو مُعطي ومُعلم الجمال الروحاني، يزيّن نفوسنا بتلك الفضائل المتنوعة التي تكون في سمو حياة القداسة، لكي يكمل فينا شبهه، لأن أفضل وأعظم جمال في خلائقه العقلية هو على شبه الله، والذي يتحقق فينا برؤية الله الصحيحة وبالفضيلة التي تَكمُل بالجُهد النشط. لذلك لاحظوا كيف أن سيدنا يسوع المسيح يجعل نفوسنا جميلة بواسطة كل زينة روحية، فهو هنا قد أمر الفريسيين والناموسيين أو بالحري الكتبة أن يفكروا باتضاع في أنفسهم وأن يقتنوا ذهنًا خاليًا من محبة المجد الباطل داعيًا إياهم ألا يختاروا المتكآت الأولى. فهو كان يأكل معهم لكي في مصاحبته لهم يمكنه أن يفيدهم حتى ولو ضد رغبتهم، ثم بعد ذلك يحدِّث الذي دعاهم وجمعهم للوليمة قائلاً: ” إذا صنعت غذاءً أو عشاءً فلا تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء، بل بالأحرى العرج والعمي والجدع”.

هل هو بهذا يجعلنا في حالة فكر مكتئب؟ أو هل إرادته أن نكون غير اجتماعيين ولا نصادق أحدًا، حتى إننا لا نحسب أصدقاءنا، وأقرباءنا مستحقين لتلك المشاعر التي تناسبهم بنوعٍ خاص وهي واجبة لهم؟ وهل لا نعطي أي اعتبار لأولئك القريبين منا بالعاطفة والحب؟ وهل هو يمنع واجبات حُسن الضيافة؟ بل كيف لا يكون من السخف والجهل أن نتخيّل أنه يناقض وصاياه الخاصة؟ ماذا إذًا يريد الرب أن يعلّمنا؟ ربما يكون شيئًا ما كما يأتي: هؤلاء الذين يمتلكون ثروة كبيرة يعطون اهتمامًا كثيرًا لإظهار غناهم والتفاخر أمام الناس، لأنهم كثيرًا ما يَدعون أشخاصًا للغذاء معهم، ويعدون موائد ذات تكاليف باهظة، (مهيأة) بأطعمة مجهزة بطريقة تثير الفضول، وهكذا لابد أن يوجه إليهم اللوم بالتبذير. وهذا دأبهم أن يعملوها (الموائد) ليربحوا مديح وإطراء ضيوفهم، وبحصولهم على مديح الذين يتملقونهم كمقابل لإسرافهم (في إعداد الموائد)، فإنهم يبتهجون كثيرًا كما لو كانوا قد حصلوا على شيء ذي قيمة، لأنه من عادة المتملقين أن يمدحوا حتى لو كانت الأمور التي يمدحونها تستحق اللوم.

لأنه أي نفع يوجد في مثل هذا التبذير الكثير، أكثر مما تستلزمه الضرورة؟ وكما قال المسيح نفسه في موضع ما: ” الحاجة إلى أشياء قليلة، أو إلى واحد فقط” (انظر لو 42:10)، أي لما هو ضروري لسد احتياجات الجسد. لذلك فلكي نهرب من خطورة فقدان المكافأة عن الأموال التي ننفقها، فينبغي أن ننفق ثروتنا في الأمور التي سوف تحمل ثمارًا طيبة، لذلك فهو يأمرنا أن ندعو المساكين والجدع والعمي، وأولئك الذين يعانون من أمراض جسدية أخرى وبسخائنا في تتميم هذا، فإننا نبلغ إلى الرجاء الآتي من فوق، من الله، لذلك فإن الدرس الذي يعلّمنا إياه هو محبة الفقراء، الأمر الذي هو ثمين في نظر الله. هل تشعر باللذة عندما تُمدح حينما يكون لديك أصدقاء أو أقارب يشاركونك الوليمة؟ إنني سأخبرك عن شيء أفضل جدًّا حيث بواسطته، فإن الملائكة والقوات العقلية من فوق، وكذلك القديسين أيضًا، سوف يثنون على سخائك. بل إن الله الذي يفوق الكل، والذي يحب الرحمة والشفقة هو أيضًا سوف يقبل سخاءك. أقرضه دون أن تخاف شيئًا، وأي شيء أعطيته ستأخذه مع أرباحه، لأنه يقول: ” مَنْ يتعطَّف على المسكين يُقرض الرب” (أم 17:19). إنه يقدِّر ما تقرضه ويعد بالوفاء، لأنه يقول: “متى جاء ابن الإنسان في مجد أبيه مع الملائكة القديسين، فإنه يجلس على كرسي مجده ثم يقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره، ويقول للذين عن يمينه: ” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم، لأني كنت جوعانًا فأطعمتموني، كنت عطشانًا فسقيتموني، كنت عريانًا فكسوتموني، كنت مريضًا فزرتموني، محبوسًا فأتيتم إلىَّ”، وأضاف إلى هذا، ” الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم ” (مت 31:25ـ40). فالإنفاق إذن لم يكن هنا بلا ثمر، ولكن العطف على الفقراء سيجعل ثروتك ذات رائحة حلوة. اشترِ النعمة التي تأتي من الله، وأقتنِ رب السماء والأرض صديقًا لك، فإننا بالحقيقة كثيرًا ما نشتري لأنفسنا صداقة الناس بمبالغ باهظة من الذهب، أما إن كان من يصطلحون معنا هم من مراتب عالية، فإننا نشعر بسرور عظيم عندما نقدِّم لهم هدايا حتى لو كانت فوق مقدرتنا بسبب الكرامة التي تنشأ لنا منهم، رغم أن هذه الأشياء إنما هي عابرة وسريعًا ما تخبو، وهي أضغاث أحلام.

ولكن أن نصير أعضاء في بيت الله، ألا يجب أن نحسب ذلك شيئًا يستحق أن نربحه، ونحسب ذلك كما لو كان ذا أهمية قصوى؟ فنحن بالتأكيد بعد القيامة من الأموات سوف نقف في حضرة المسيح وسوف توجد بالضرورة مكافأة للرحومين والشفوقين، ولكن دينونة مساوية لأعمال أولئك الذين كانوا قساة وليس لهم محبة متبادلة، لأنه مكتوب: ” الحكم بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة” (يع 13:2)، وإن كان الأمر هكذا، فكيف لا يكون هذا برهانًا وكمالاً للعقل الفطن، بأنه يجب قبل أن نهبط إلى هوة العذاب أن نتفكر مسبقًا لحياتنا؟ تعال ودعنا نناقش هذا الأمر فيما بيننا، افترض أنه لسبب أو لآخر من الأمور التي يدينها الناموس قد ساقونا أمام القضاة، ثم بعد الإدانة وُضع علينا حكم مناسب لِما تستحقه تعدياتنا، أما كنا، وبكل سرور نضحي بثروتنا لننجو من كل عذاب وعقوبة؟ أيمكن أن يُوجد أي شك في هذا؟ لأن النفس أفضل من الممتلكات، والحياة أفضل من الثروة. نحن الآن مدانون في خطايا كثيرة، ويلزم أن نقدِّم حسابًا للديان عن كل ما فعلناه، فلماذا لا نخلِّص أنفسنا إذن من الدينونة والنار الأبدية مادام الوقت يسمح لنا؟ والطريقة التي بها ننقذ أنفسنا هي أن نحيا في قداسة، ونعزي الأخوة الحزانى بسبب فقرهم، وأن نبسط أيدينا بسعة لجميع من هم في احتياج، وأن نتعاطف مع المرضى.
أخبرني ماذا يوجد أصعب من الفقر، هذا الوحش الذي يفترس بلا هدوء، هذا السم الذي ليس لنصيحة أن تُشفى منه، الذي هو أردأ الأمراض، بل بالحري هو أكثر قسوة من أي مرض؟ لذلك يجب علينا أن نمد يد المعونة لأولئك الذين يعانون منه، ويلزم أن نفتح قلوبنا لهم بسعة، ولا نعبر بدون مبالاة على عويلهم. افترض أن وحشًا فظًا وثب على عابر سبيل، أما كان يجب على أي مَنْ يَشهد الواقعة أن يمسك بأي شيء يكون في متناول يده، مثل حجر أو عصا، ثم يطرد الوحش الذي يمزّق ويقطع الرجل الواقع تحت ضرباته بدون رحمة؟ من ذا القاسي القلب والمملوء بالبغضة للجنس البشرى الذي يعبر (بدون اكتراث) على شخص مثل هذا يتحطّم في بؤس عظيم؟ ألا ينبغي أن تعرف أنت أن الفقر ـ كما قلت ـ هو أكثر قسوة من أي وحش مفترس؟ ساعد إذن أولئك الذين يسقطون تحت سطوته، أمل أذنيك إلى الفقير واستمع له كما هو مكتوب: ” مَنْ يسد أذنيه عن صراخ المسكين فهو أيضًا يصرخ ولا يستجيب إليه أحد” (أم 13:21). أعط لكي تأخذ، استمع لكي يُسمع لك، أبذر القليل الذي لك حتى تحصد كثيرًا، وبالإضافة إلى ذلك، فإن لذة الجسد هي قصيرة ووقتية وتنتهي بالتعفن، لكن العطاء والمحبة للفقير يتوجان أولئك الذين يمارسونهما، بالمجد من الله، ويقودانهم إلى تلك السعادة التي لا تضمحل، التي يهبها المسيح لأولئك الذين يحبونه، هذا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

محبة الفقراء – إنجيل لوقا 14 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version