ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو18:18ـ27): ” وَسَأَلَهُ رَئِيسٌ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ. فَقَالَ: هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: يُعْوِزُكَ أَيْضًا شَيْءٌ. بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ حَزِنَ لأنهُ كَانَ غَنِيًّا جدًّا. فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ قَدْ حَزِنَ قَالَ: مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!. لأن دُخُولَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!. فَقَالَ الَّذِينَ سَمِعُوا: فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟. فَقَالَ: غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ “.

الذين يؤمنون أن الكلمة الذي أشرق من جوهر الله الآب نفسه هو الله بالطبيعة وبالحق؛ فإنهم يقتربون إليه كما إلى إله كليّ المعرفة، وهو كما يقول المرنَّم: ” فاحص القلوب والكلى” (مز 9:7) ويرى كل ما يجري في داخلنا لأن كل شيء عريان ومكشوف أمام عينيه (عب 13:4) بحسب تعبير بولس الطوباوي. ولكننا لا نجد جموع اليهود يميّلون إلى هذا لأنهم مع رؤسائهم ومعلّميهم كانوا في ضلال، ولم يروا بعيون أذهانهم مجد المسيح بل نظروا إليه بالحري كواحد مثلنا أقصد كمجرد إنسان وليس بالحري الله الذي قد صار إنسانًا، لذلك فإنهم تقدَّموا إليه ليجرّبوه وينصبوا له فخاخ مكرهم وهذا يمكنكم أن تتعلمّوه مما قد قُرئ الآن. لأنه يقول: ” وسأله رئيس قائلاً: أيها المعلّم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله”. والآن فذلك الذي يُدعى هنا رئيس والذي تخيّل في نفسه إنه عَالِم بالناموس، والذي افترض أنه قد تعلّمه بدقة، تخيّل أنه يستطيع أن يتهّم المسيح باحتقار الوصية التي نطق بها موسى الحكيم جدًّا، وبأنه يُدخل شرائع أخرى من عنده لأن هدف اليهود كان أن يثبتوا أن المسيح عَارَضَ وقَاوَمَ الوصايا السابقة بقصد أن يؤسِّس ـ كما قلت ـ وصايا جديدة بسلطانه الخاص تتعارض مع تلك الوصايا الموجودة سابقًا، حتى يكون لمعاملتهم الشرّيرة نحوه حجة خادعة. لذلك تقدم (الرئيس) وتظاهر بالتكلّم بلطف لأنه دعاه معلّمًا ونعته بالصالح، فأفصح عن رغبته في أن يكون تلميذًا، إذ يقول: ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية “. لاحظوا كيف أنه خلط التملّق مع الغش والخداع كمن يخلط المُرّ مع العسل، لأنه ظن أنه بهذه الطريقة يمكنه أن يخدعه. وعن مثل هؤلاء الناس قال واحد من الأنبياء القديسين: ” لسانهم رمح نافذ، كلمات أفواههم غاشة، يكلِّم صاحبه بسلام، لكن توجد عداوة في نفسه” (إر 8:9 س). وعلى هذا النحو أيضًا يتكلّم عنهم المرنم الحكيم ويقول: ” فمهم مملوء لعنة ومرارة ” (مز 7:10 س)، وأيضًا: ” كلماتهم ألين من الزيت وهي سيوف مسلولة” (مز 21:55).
لذلك تملّق الرئيس يسوعَ وحاول أن يخدعه فتظاهر أنه يتخذ موقفًا متعاطفًا معه، ولكن بماذا أجاب العالِم بكل شيء وهو كما هو مكتوب: ” الآخذ الحكماء بمكرهم” (أى 13:5)، ” لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله”. ها أنت ترى كيف برهّن المسيح أن ذلك الرجل ليس حكيمًا ولا متعلّمًا رغم أنه رئيس مجمع اليهود وكأنه يقول له: ” إن كنت لا تؤمن أنني أنا الله ورداء الجسد قد جعلك تضّل، فلماذا تدعوني بأوصاف تليق فقط بالطبيعة الفائقة (الإلهية) وحدها، بينما أنت لا تزال تفترض أنني مجرد إنسان مثلك ولست فائقًا على حدود الطبيعة البشرية؟” فإن صفة الصلاح بالطبيعة توجد في الطبيعة التي تفوق الكّل، أي في الله فقط وهو (الصلاح) الذي لا يتغيّر؛ أما الملائكة ونحن الأرضيون فنكون صالحين بمشابهتنا له أو بالحري باشتراكنا فيه. فهو الكائن الذي يكون، وهذا هو اسمه (انظر خر 14:3 و15) وذكره الدائم إلى كل الدهور؛ أما نحن فإننا نوجد ونأتي إلى الوجود بأن نصير مشتركين في مَنْ هو كائن حقًا، لذلك هو صالح حقًا أو هو الصلاح المُطلق، أما الملائكة والبشر ـ كما قلت ـ هم صالحون فقط بصيرورّتهم مشتركين في الإله الصالح لذلك فلنضع الصلاح على أنه الصفة الخاصة بالله وحده الذي فوق الكّل. وهو متصل جوهريًا بطبيعته وهو صفته الخاصة. وكأنه يقول له: ” فإن كنت لا أبدو لك أنني الله حقًا، فأنت قد نسبتَ إلىَّ عن جهل وحماقة الخصائص والفضائل التي للطبيعة الإلهية، في نفس الوقت الذي تتخيّل إنني مجرّد إنسان أي من لم يلبس الصلاح أبدًا، ولا صفة الطبيعة غير المتغيّرة، بل يحصل على الصلاح فقط بموافقة الإرادة الإلهية “. إذن فهذا هو مغزى ما قاله المسيح.
لكن ربما لا يوافق على صحة هذا الشرح أولئك الذين فسدت أذهانهم بمشاركتهم لشر آريوس ، لأنهم يجعلون الابن أقل من الله الآب في السمو والمجد، أو بالأحرى هم يجادلون بأنه ليس هو الابن، لأنهم لفظوه عن أن يكون إلهًا بالحق وبالطبيعة، بل واستبعدوه عن أن يكون قد وُلد حقًا، لئلا يؤمن الناس أنه مساوي حقًا في الجوهر لمن وَلَده، لأنهم يؤكدون ـ كما لو أنهم حصلوا على مبرّر لتجدّيفهم ـ من الفقرة الموجودة أمامنا الآن فيقولون: ها هو قد أنكر بوضوح وبصريح العبارة أنه صالح، وأفرز الصلاح جانبًا على أنه خاص بالله الآب فقط، ولكن مادام (الابن) هو بالحق مساوٍ للآب في الجوهر وقد خرج منه بالطبيعة، فكيف لا يكون هو أيضًا صالحًا إذ هو الله؟ إذًا فلتكن هذه هي إجابتنا على الذين يقاوموننا، حيث إن كل تفكير صحيح ودقيق إنما يعترف أن الابن له نفس جوهر أبيه، فكيف لا يكون صالحًا وهو إله؟ إذ لا يمكن إلاّ أن يكون إلهًا مادام له نفس الجوهر مع مَنْ هو بالطبيعة الله. لأنهم بالتأكيد، مهما كانت الجسارة التي سقطوا فيها شديدة فلن يقدروا أن يثبتوا أنه من أب صالح خرج ابن غير صالح. وعندنا على هذا شهادة المخلِّص نفسه الذي قال: ” لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارًا ردية” (مت 18:7). فكيف يخرج نبت رديء من جذر صالح، أو كيف يمكن أن يتدّفق نهر مر من نبع عذب؟ هل كان هناك أبدًا وقت ما لم يكن فيه الآب موجودًا بينما نحن نعرف إنه هو الآب الأزلي؟ وهو آب لأنه قد وَلَدَ، ولهذا السبب فهو يحمل هذا الاسم (آب)، وهو لم يحمل هذا الاسم مثل من يستعير هذا اللقب بتشبهه بشخص آخر، لأن منه تسمَّى كل أبوة في السماء وعلى الأرض ‎‎(انظر أف 15:3). لذلك فنحن نخلص إلى أن ثمرة الإله الصالح هي الابن الصالح.
وبطريقة أخرى، كما يقول بولس الحكيم جدًّا: ” هو صورة الله غير المنظور” (كو 15:1)، وهو الصورة لأنه يُظهِر في طبيعته الخاصة جمال ذاك الذي ولده، فكيف يمكننا إذن أن نرى في الابن ـ إن كان غير صالح ـ الآب الذي هو صالح بالطبيعة وبالحق؟ إن الابن هو بهاء مجد الآب ومثال شخصه (انظر عب 3:1)، ولكن لو لم يكن صالحًا، كما يقول الهراطقة العديمو الفهم، بينما الآب هو صالح بالطبيعة فسيكون البهاء مختلفًا في طبيعته، ولن يملك جلال ذلك الذي جعله يضيء. كذلك الشبه أيضًا سوف يكون مزّيفًا أو بالأحرى لا يوجد شبه على الإطلاق، لأنه لن يُمثِّل مَنْ هو على شبهه ويترّتب على هذا أن ما ليس هو صالحًا يكون مضادًا لما هو صالح.
يمكنني أن أقول الكثير ضد (الهراطقة) في هذه النقطة، ولكن لكي لا يمتد حديثنا بطريقة غير معقولة، ولا يكون عبئًا على أحد، فلن نقول المزيد في الوقت الحاضر ونمسك كما بلجام حميتنا في هذا الموضوع، لكن في لقائنا القادم سوف نكمِّل شرحنا لمعنى هذه الفقرة من الإنجيل إن شاء المسيح أن يجمعنا هنا سويًا مرة أخرى، هذا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

 

كيف يخلص الغني

أراكم وقد اجتمعتم هنا باجتهاد وغيّرة عظيميّن، وكما أظن فإنكم قد جئتم لتطلبوا لكي تأخذوا ما هو لكم. وأنا من جهتي أعترف أنني وعَدْتُ في اجتماعنا الأخير أن أستكمل ما كان ناقصًا في حديثي؛ وأنا قد أتيت لأوفي ما عليَّ كما لأولادي، متوّسلاً إلى المسيح مخلّصنا جميعًا أن يمنح نوره الإلهي لذهني ويعطي نطقًا للساني لكي ما انتفع أنا وأنتم معًا. لأن بولس كتب يقول: ” يجب أن الحراث الذي يتعب يأكل هو أولاً من الأثمار” (2تي 6:2).
لذلك دعوني أولاً أن أذكِّركم بكل ما سبق أن تأملنا فيه، وبعد ذلك نتقدَّم لنكمِّل ما تبقى.
فقد قال الإنجيلي الطوباوي: ” وسأله رئيس قائلاً أيها المعلّم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له لماذا تدعوني صالحًا ليس أحد صالحًا إلاّ واحد هو الله “، وهكذا إلى ما تبقى من الدرس. لقد سبق لنا أن شرحنا معنى هذه الفقرة في الإنجيل، وقيل لكم ما فيه الكفاية حول تلك النقطة، لأننا أوضحنا أن الابن صالح بالطبيعة وبالحق مثل ذاك الذي وَلَده؛ وأن الجواب: ” لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلاّ واحد هو الله “، قيل بشكل نسبّي للسائل. لذلك هيّا بنا لنفحص الآيات التي تلي ذلك من الإنجيل.

إذن، ماذا يقول رئيس مجمع اليهود؟ ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” إنه لا يسأل بقصد أن يتعلَّم، وإلاّ لكان سؤاله جديرًا بكل ثناء، ولكن قصده هو أن يبرهن أن المسيح لم يسمح لهم أن يحتفظوا بوصايا موسى، بل بالأحرى قاد تلاميذه وأتباعه إلى قوانين جديدة اشترعها من نفسه، لأن رؤساء اليهود بهذا الإدعاء علَّموا الشعب الذي تحت سلطانهم قائلين عن المسيح مخلّصنا كلنا: ” به شيطان وهو يهذي، لماذا تستمعون له؟” (يو 20:10)، لأنهم قالوا إن به شيطان وهو يهذي، بافتراض أنه أقام شرائعه الخاصة ضد تلك التي أُعطيت لهم من فوق من الله (بواسطة موسى). وبالحري ينبغي أن نؤكد أنهم هم الذين كان بهم شيطان وكانوا يهذون بشدة، لأنهم يقاومون رب الناموس، الذي جاء لا لكي ينقّض الوصّية التي أعطيت في القديم، بواسطة خدمة موسى، بل لكي يتمّمها، بحسب كلماته هو نفسه (مت 37:5)، لأنه حوَّل الظل إلى حقيقة.

توقع رئيس المجمع أن يسمع المسيح كأنه يقول: ” كُف، أيها الإنسان عن كتابات موسى، تخلّى عن الظّل، إنها كانت مجرد مثالات وليس أكثر، اقترب بالأحرى من وصاياي التي في الإنجيل”. لكنه لم يجبه هكذا، لأنه ميَّز بمعرفته الإلهية هدف ذلك الذي يجرّبه، ولكن لأنه ليس عنده وصايا أخرى سوى التي أُعطيت بواسطة موسى، فإنه وجَّه الرجل إليها قائلاً له: ” أنت تعرف الوصايا”. ولئلا يقول الرئيس إن المسيح حوّله إلى وصاياه الخاصة، عدَّد له تلك الوصايا التي في الناموس وقال له: لا تقتل، لا تزن، لا تشهد بالزور. وما هو الجواب الذي أجاب به هذا المخادع الماكر ومدبِّر المكائد، أو بالأحرى هذا الشخص الجاهل جدًّا والأحمق؟ لأنه ظن أنه حتى ولو كان الذي يسأله هو الله، فإنه يمكنه مع ذلك أن يتملّقه بسهولة ليجيّب بحسب رغبته، لكن كما يقول الكتاب المقدس: ” الإنسان المخادع لا يربح ” (انظر أم 27:12 س).
ورغم أنه صوَّب سهمه بعيدًا عن هدفه وفقد فريسته، لكنه تجاسر على أن ينصب له فخًا آخر، لأنه قال: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي. لذلك فهو يستحق أن يسمع منا هذا الجواب: أيها الفريسي الأحمق: ” أنت تشهد لنفسك. شهادتك ليست حقًّا” (يو 13:8)، ولكن لنترك الآن هذا الجدل، ولنرَ بأيّة طريقة صدَّ المسيح عدوه اللدود والخبيث. فبينما كان يمكنه أن يقول: ” طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات، طوبى للودعاء، طوبى لأنقياء القلب” (مت 3:5ـ8) فإنه لم يقل له شيئًا من هذا القبيل، لكن لأن الفريسي كان محبًا للمال وكان غنيًا جدًّا، فقد انتقل المسيح في الحال لِما سوف يحزنه وقال له: ” بع كل ما لك ووزّع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني”. كان هذا (الكلام) مصدر عذاب وألم لقلب ذلك الإنسان الجشع الذي كان يتباهى بنفسه بسبب حفظه للناموس، وهذا برهّن على أنه هشّ وضعيف أيضًا وهو عمومًا غير مستّعد لتقبّل رسالة الإنجيل الجديدة. ونحن أيضًا نتعلّم كم هو حق ما قاله المسيح: ” لا يجعلون خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تنشق الزقاق فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة” (مت 17:9)، لأن رئيس المجمع برهن أنه ليس سوى زّق عتيق لا يمكنه أن يحفظ الخمر الجديد، بل ينشق ويصير عديم الفائدة، ذلك لأنه حزن مع أنه نال درسًا كان يمكن أن يجعله يربح الحياة الأبدية.
أما أولئك الذين قبلوا في داخلهم، بالإيمان، ذلك الذي يجعل كل الأشياء جديدة، أي المسيح، فإنهم لا ينشقون إلى نصفين بنوالهم الخمر الجديدة منه. لأنهم حينما اقتبلوا منه رسالة الإنجيل التي تبهج قلب الإنسان، ارتفعوا فوق الغنى ومحبة المال، وتّوطد ذهنهم في الشجاعة، ولم يقيموا وزنًا للأشياء الوقتيّة بل بالأحرى عطشوا إلى الأمور الأبدية، وأكرموا الفقر الاختياري، وكانوا مجتهدين في محبتهم للإخوة. لأنه كما هو مكتوب في أعمال الرسل القديسين: ” لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات ويضعونها عند أرجل الرسل، فكان يوزَّع على كل أحد كما يكون له احتياج” (أع 34:4 و35).

أما رئيس المجمع فلأنه كان ضعيفًا جدًّا في عزمه، ولم يستطع أن يذعن لسماع نصيحة بيع مقتنياته، رغم أنها كانت ستكون لخيره ولها مكافئة جزيلة، فإن ربنا كشف المرض الذي كان يربض داخل قلب الرجل الغنى وقال: ” ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله، لأن دخول جمل من ثقب أبره أيسر من دخول غني إلى ملكوت الله”. ولا يقصد المسيح بالجمل هنا ذلك الحيوان، إنما ذلك الحبل الغليظ، لأنها كانت عادة أولئك المتمرّسون أن يسّموا الحبل الغليظ جملاً.
لكن لاحظوا أنه لم يقطع تمامًا رجاء الأغنياء بل حفظ لهم موضعًا وطريقًا للخلاص، لأنه لم يقل إنه يستحيل على الغني أن يدخل بل قال إنه يمكنه إنما بصعوبة.
عندما سمع التلاميذ الطوباويون هذه الكلمات اعترضوا قائلين: فَمَنْ يستطيع أن يَخْلُص؟ وكان احتجاجهم لصالح أولئك الذين لهم أموال ومقتنيات، لأنهم (التلاميذ) كانوا يقولون: إننا نعرف أن لا أحد سيقتنع بأن يتخلّى عن ثروته وغناه، فمن يستطيع أن يَخْلُص؟ لكن بماذا أجاب الرّب؟ ” غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله”. لذلك فقد احتفظ لأولئك الذين يقتنون ثروات، بالإمكانية أن يُحسبوا مستحقين لملكوت الله لو أرادوا، لأنه حتى ولو كانوا يرفضون كلية التخلّي عما هو لهم، لكن يمكنهم أن يبلغوا تلك الكرامة بطريقة أخرى. والمخلّص نفسه أظهر لنا كيف وبأي طريقة يمكن أن يحدث هذا إذ قال: ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية” (لو 9:16). لأنه لا يوجد شيء يمنع الأغنياء لو أرادوا أن يجعلوا الفقراء شركاء ومقاسمين لهم في الغنى الوافر الذي يمتلكوه. ما الذي يعيق من له مقتنيات وافرة من أن يكون لطيف المعشر ومستعد أن يوزّع على الآخرين مسرعًا إلى العطاء، وأن يكون رؤوفًا وممتلئًا بتلك الشفقة الكريمة التي ترضي الله. إننا سوف نجد أن الحرص على تتمّيم هذا العمل ليس هو بلا مكافأة ولا عديم النفع، لأنه مكتوب: ” الرحمة تفتخر على الحكم” (يع 13:2).
لذلك فإن مخلّصنا وربنا كلنا، يهبنا ما يفيدنا بكل حجة وبكل طريقة، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية – إنجيل لوقا 18 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كتاب الفرصة الذهبية للأفراد 3 (الثقة في الحياة الأبدية) PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

كتاب الفرصة الذهبية للأفراد 3 (الثقة في الحياة الأبدية) PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

كتاب الفرصة الذهبية للأفراد 3 (الثقة في الحياة الأبدية) PDF

كتاب الفرصة الذهبية للأفراد 3 (الثقة في الحياة الأبدية) PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

تحميل الكتاب PDF

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

خلال ما قرأناه سابقًا، نلاحظ كيف أنهم يعتبرون الإنسان بناءً على حَثٍّ معًّين كما فعل الواعظ، يصبح لديه شيء داخلي يجعله يشعر أنه قد تجدد، وعندما يقف الواعظ والقسيس ويطلب من يسوع أن يغفر له ويجدد حياته، حينها يحصل على التجديد والتبرير والخلاص، برأيهم هذه هي الولادة الجديدة.  لا أبالغ بهذا القول، أن كل الفئات من المتجددين تجمع على هذه الفكرة من أمثلتهم على ذلك، بولس الرسول حين رأى النور على طريق دمشق.

أوغسطين المغبوط الذي كان يحيى حياة غير مُنضبِطة وبعدها سمع صوتاً في حديقة حين كان يقرأ الكتاب المقدس وهو في ألمٍ، حينها عَزَمَ على تجديد حياته.  وسلي الميتودي الذي ذكرناه سابقاً . . .  الخ.  بالإجمال يعتقدون أنه في وقت مُعّين يتمّ التجديد للإنسان، لدرجة أن المتِجدّد عادةً يقول إنه حَصَلَ على التجدد والولادة الجديدة في اليوم المعين في الساعة المعينة، أي أنه يحدد الوقت الذي خَلُصَ فيه، لأن هذا الخلاص تم فقط بالإيمان بيسوع المسيح وهذا وحده كافٍ.

فالمسيح كما يقولون، دفع عنّا بالصليب ثمن خطايانا بدمه، لذا نحن لسنا محتاجين بعد ذلك لا للأعمال الصالحة ولا للأسرار ولا للكنيسة ولا لأي شي آخر، فقط أنت بالإيمان تَخلُص، مستندين بصورة خاصة على آية بولس الرسول: “بالنعمة أنتم مخلصون” (أفسس 2: 8) و” وذلك بالإيمان ليس منكم ” بدون أن يقرأوا تكملتها.

هناك أمثلة كثيرة من الكتاب المقدس عن أهمية الإيمان بيسوع المسيح بالذات، لأنه المدخل الوحيد للخلاص الفعلي لكن إن كان الإيمان هو المدخل للخلاص، أي إذا آمنا بيسوع المسيح، حينها تبدأ مسيرة خلاصنا، فهذا لا يعني أبداً أننا لسنا بحاجة من جهتنا أن نثبت في المسيح ونجاهد في كنيسته وأن نتقوى وننموا بالأسرار التي من خلالها تُعطى النعم الإلهية المقدسة والمؤلهة.

لأن التجديد والخلاص والتغيير بالحياة والتبرير والتقديس لا يمكن أن تصير دفعة واحدة ولمجرد شعور حصل لمرة واحدة وبمعزل عن كيسة المسيح التي أسسها هو نفسه وعن الأسرار التي أعطاها بدمه الكريم وبكل تأكيد فليس هذه القضية فقط ضلالهم الوحيد، بل هناك ضلالات كثيرة أخرى، لكننا سوف نكتفي في هذا الكتيب بمناقشة فهم هذه الجماعة لموضوع التجدد، لندرك كم هو مغلوط وخَطِرٌ على حياتنا المسيحية وعلى خلاصنا.

 

 

  1. ضرورة المعمودية للولادة الجديدة والخلاص: 

إنهم يعتمدون، في موضوع الولادة الجديدة، على كلمة للرب يسوع من خلال حديثه مع نيقوديموس: ” أجاب يسوع وقال له الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر ان يرى ملكوت الله “(يوحنا 3: 3). إذاً هناك ولادة من فوق، ويتساءلون كيف تتم هذه الولادة الجديدة؟ والجواب عندهم هو حين يكشف الإنسان في لحظة معينة يسوع المسيح ويعرفه ويؤمن به

 في الإصحاح نفسه من إنجيل يوحنا يكمل الرب يسوع حديثه عن الولادة الجديدة فيقول “أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله ” (يوحنا 3: 5). يتجنب المتجددون عادةً قراءة هذه العبارة، وإذا ذكَّرهم بها أحد فإنهم يغيرون معناها الواضح فيقولون إن الولادة التي تحدث لا علاقة لها بالمعمودية.

وإذا تمت المعمودية لاحقاً فما هي إلا مجرد رمز وفريضة يقوم بها الإنسان ليس أكثر، كتعبير عن طاعته للرب يسوع الذي أوصى به، وكإعلان عن تجدُّده.  فإذا سألهم سائل لماذا لا تقرأون عبارة “من لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماوات ” كما هي؟ يأتون بآية من مكان آخر بأننا ” مولودون بالكلمة الإلهية ” ليضعوا مكان الماء والروح الكلمة الإلهية. هكذا يجتزئون الآيات من هن وهناك ليحوروا المعنى بحسب ما يناسبهم، وليس بحسب إعلان الرب الواضح والجازم.

غريب أمر هؤلاء الناس الذين يدعون أنهم إنجيلين ومتجددون، وهم يريدون أن يجددوا الناس بحسب أفكارهم وتخيلاتهم وليس بحسب الإنجيل. فلنسمع المزيد من كلمات الإنجيل عن المعمودية بالماء والروح وعن ضرورتها التي لا غنى عنها للتجديد والخلاص:

     أ.  يقول بولس الرسول في (أفسس 5: 25 – 27) “كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها. لكي يقدسها مطهرا إياها بغسل الماء بالكلمة…..

” هنا عبارتا “بغسل الماء بالكلمة” متجاورتان فلا نستطيع الاستغناء عن أي منهما لأن كلتيهما ضروريتان للخلاص كما نرى بوضوح في (1 كورنثوس 6: 11) “لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا”

     ب. أيضا في (غلاطية 3: 26) “لأنكم جميعا ابناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع.  لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح “

     ج. كذلك في (تيطس 3: 5 – 7) “بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. الذي أفاضه علينا بكثرة بيسوع المسيح مخلصنا. لكي نبرر بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية  “

 

ولنسأل كيف قدس المسيح كنيسته وطهّرها؟ أليس بغسل

الماء بالكلمة، أي بكليهما معاً؟ وكيف تَقَدّس وتبَرّرَ أهل كورنثوس أليس لأنهم اغتسلوا باسم الرب يسوع وبروح إلهنا؟ وكيف لبسوا المسيح، أليس لأنه اعتمدوا؟ وكيف خلصنا الله برحمته، لكي نُبَرَّر بنعمته فنصير ورثة على رجاء الحياة الأبدية أليس بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس؟

أما بخصوص زمان الولادة الجديدة، فيمكن القول إن هناك ظرفاً معيناً في زمن معين يمكن أن يحصل لبعض الأشخاص يدفعهم باتجاه الولادة الجديدة، ولكن الولادة الروحية ذاتها لا يمكن أن تحدث إلا بالماء والروح أي المعمودية، تماماً كما حصل لبولس الذي بعد أن رأى نور الرب على طريق دمشق وسمع كلامه آمن واعتمد على يد حنانيا (أعمال 9: 18).

وكذلك في أعمال الرسل بالنسبة للجموع الذين نُخِسُت قلوبهم بعد سماعهم لأول مرة عظة بطرس الرسول عن صلب المسيح وقيامته وبأنه هو المُخلِّص فقالوا: ” ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة؟  فقال لهم بطرس توبو وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس” (أعمال 2: 37 – 38).

إذاً هناك أولاً توبة، فمعمودية أي الولادة الجديدة، وبعدها ينالون عطية الروح القدس.  وهذا طبيعي جداً وواضح من معنى كلمة الولادة ذاته فالإنسان يولد ويتبع ولادته نُموٌّ، والنمو يتبعه رجولة وكمال.  بينما يفترض المتجددون أن الولادة التي تحصل في زمن معين تحوي في ذاتها كل شيء.

ليس هذا فقط ولكن، كما قرأتُ في كتبهم، هم لا يقبلون أن هناك نعمة يمكن أن تحل على المعمودية، النعمة بالنسبة لهم فقط تم عبر علاقة شخصية بين الإنسان والله والرب يسوع.  نحن نسأل: الذي يقدر أن يعطي نعمة عبر العلاقة الشخصية مع الإنسان، ألا يستطيع أن يعطي نعمة عبر ماء المعمودية وغيره؟ . . .   لماذا نُحِدُّ الله ونجعل عمله ضمن أُطر معينة؟

هل نحن أوجدنا المعمودية؟  أَم أن الرب يسوع نفسه قال: ” فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس ” (متى 28: 19)، ” من آمن واعتمد يخلص ” (مرقس 16: 16).  كيف يمكننا أن ننكر أن هناك الإيمان والمعمودية مع، وكلاهما ضروريان للخلاص والولادة الجديدة؟ 

 

 2 ضرورة مسحة الروح القدس والمناولة للنمو والثبات في المسيح والاتحاد معه:

في عبارة الرسول بطرس المذكورة أعلاه (أعمال 2: 37-38)، يأتي قبول أعمال الروح القدس مباشرةً بعد المعمودية، بمثابة الهدف من الإيمان والتوبة والمعمودية وغفران الخطايا.  لكن هذه العطية والموهبة هي التي تساعد أيضاً في الثبات والنمو في المسيح بعد الولادة الجديدة، وهي بالذات الموهبة التي أخذها الرسل بالعنصرة صارت تعطى للمؤمنين بعد المعمودية مباشرةً.

مثلاً فيليبس أحد الشمامسة السبعة، عندما ذهب إلى السامرة وعمد أهله، حلَّ الروح القدس عليهم مباشرةً بعد وضع أيادي الرسولين الذين أرسلهما الرسل الذين في أورشليم(1).  كرنيليوس قائد المئة الكثيرون كانوا عنده حلَّ عليهم الروح استثنائيا قبل المعمودية من أجل إزالة ريبة بطرس والذين معه من أهل الختان الذين لم يكونوا يتصورون أن وثنياً يمكن أن يحل الروح القدس عليه ويقبل المعمودية والخلاص.  عدا ذلك ففي الإنجيل يحل الروح القدس بعد المعمودية.

والغاية كما ذكرنا أعلاه من هذه الموهبة التي تسمى مسحة وميرون (2)، هي تنوير المؤمن المولود جديد ومساعدته على الثبات والنمو في المسيح: (1يوحنا2: 20و27) ” وأما أنتم فإن لكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء”، “و الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد  مسحنا هو الله الذي ختمنا أيض وجعل عربون روحه في قلوبنا” (2كورنثوس1: 21)، “بعد أن آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ” (افسس1: 13-14).

إذاً هناك آيات عديدة تؤكد على موضوع المسحة التي تتم كما تتممها كنيستنا بناءً على تسليم الرسل، إذ لم يكن من الممكن أن يذهب الرسول والأسقف إلى كل معمد ليعطيه المسحة، لهذا أصبحت تتم عبر الميرون الذي يقيمه الأساقفة بصلوات معينة.  نلاحظ أن هناك في الكنيسة ثلاث أسرار ومواهب كانت ولا تزال تعطى للمُعمَّد: المعمودية والميرون والمناولة، تماماً كما كانت تصنع الكنيسة الأولى فيعطى عبرها من الله إمكانية الولادة والنمو والثبات في المسيح والاتحاد معه.

فالمناولة هي التي تعطينا بالإضافة إلى الثبات في المسيح (1) والحياة الأبدية (2)، الوحدة الحقيقية فيما بين المؤمنين وبينهم وبين المسيح.  فعبر المناولة خاصة تصبح الكنيسة كنيسة.  يسأل الرسول بولس في (كو الاولى 10: 15 – 17) ” كأس البركة التي نباركها أليست شركة دم المسيح.  الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح.

فأننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعا نشترك في الخبز الواحد”. ما يصنع الكنيسة إذاً هو المعمودية والميرون والمناولة، والكنيسة كلها تنمو معاً باتجاه الحياة والكمال في المسيح والوحدة معه. لا ينمو أحد بمفرده، أي كل واحد بعلاقة شخصية منعزلة مع الرب، بل في الكنيسة نفسها ككل.

أعطيكم مثلاً واحداً علماً أنه هناك الكثير من الأمثلة لتأكيد هذا الموضوع: “جسد واحد وروح واحد، كما دعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد، رب واحد، إيمان واحد معمودية واحدة . . ..  ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح وهو أعطى البعض أن يكونوا رسل والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح إلى ان ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قامة ملء المسيح . . .  بل صادقين في المحبة ننمو في كل شيء الى ذاك الذي هو الرأس المسيح، الذي منه كل الجسد مركبا مع ومقترنا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة (افسس 4: 4-16).

لاحظوا اننا جميعنا ننمو مع، في الكنيسة التي أسسها الرب يسوع كجسد واحد، بروح الله الموجود في الكنيسة بالمعمودية وأيضا بهذه الأسرار المكملة لها التي أعطانا أيها الرب يسوع التي لا يمكن أن نخلص ونثبت بدونها.

 

 

  1. ضرورة الأعمال والجهاد الروحي للحصول على الخلاص والحياة الأبدية:

يرفض المتجددون أيضاً الأعمال وأهميته، إذ بنظرهم، طالما هناك إيمان فليس هناك حاجة بعد إلى أعمال لنيل الخلاص ويتابعون بزعمهم أنه إذا قام الإنسان بأعمال (أي أعمال حسنة)، فهي تأتي بشكل تلقائي نتيجة للإيمان ولكن لا يد له في الموضوع.

وكأن الله جعل الإنسان صفراً على اليسار وليس له اي دور في عملية خلاصه. فلنسأل الكتاب المقدس والذي هو مرجعهم الوحيد، هل صحيح أنه ممكن للإنسان أن يخلص ويحصل على الحياة الأبدية دون أن يقوم بالأعمال الصالحة؟ سوف أكتفي بأمثلة قليلة:

@ عندما سأل الشاب الغني الرب يسوع: ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ “، أجابه يسوع: “أنت تعرف الوصايا….  فقال هذه حفظتها منذ حداثتي، ماذا يعوزني بعد؟ “، قال له يسوع: ” اتبعني ….  ” (متى 19: 16 – 22).

لم يذكر يسوع هنا الإيمان بل فقط حفظ الوصايا والجهاد من أجل الكمال.  لماذا؟ لأن الإيمان بالمسيح متضمن بديهياً في حفظ وصاياه واتباعه، ولأنه يريد أن يشدد على دور الأعمال الحاسم في عملية الخلاص، لأن ” ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات” (متى 7: 21)

وكذلك ” أما الذي عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات ” (متى 5: 19) دينونتنا نحن بناءً على ماذا ستكون؟، لنسمع ما يقوله الرب يسوع: “تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم، لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني.  كنت غريباً فآويتموني. . ..  الخ ” (متى 25: 34 – 36).

وكذلك: ” اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته، لأني جعت فلم تطعموني.  عطشت فلم تسقوني.  كنت غريباً فلم تأووني . . .  الخ ” (متى 25: 41- 42) هنا المسيح سيدين بحسب ماذا؟ . . .  بحسب الإيمان أم بحسب الأعمال؟ . . .  الدينونة طبعاً بناءً على الأعمال(3) وبالتالي فلا خلاص دون أعمال.

 

@ يعقوب الرسول في رسالته وخاصة في الإصحاح الثاني يتكلم بتشديد على دور الأعمال وأهميتها ضرورتها للخلاص

فيقول في (يعقوب 2: 14)” ما المنفعة يا أخوتي إن قال أحد أن له إيمان ولكن ليس له أعمال.  هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ “، وفي النهاية يقول: ” الإيمان بدون أعمال ميت ” (يعقوب 2: 20)

 

@ إنجيل يوحنا مليء بالآيات التي تتحدث عن ضرورة حفظ الوصايا والثبات في يسوع وفي محبته: ” إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي “(يوحنا 24، 23، 14: 21)، (يوحنا 15: 4-17) . . .  الخ

وبالإجمال ففي كل صفحة من الكتاب المقدس تحريض على عمل مشيئة الله ووصاياه وإتمام الفضائل، وعن ارتباط لا يتجزّأ للإيمان والأعمال والمحبة، وكما يعِّبر بولس الرسول:” الإيمان العامل بمحبة “(غلاطية 5: 6).  أما عند المتجددين فخلاص الإنسان يتم بطريقة سطحية خفيفة، مجرد مشاعر وتخيلات لتجدد يظن أنه حصل في لحظات، ثم يستمر هكذا تلقائي، إذ لا توجد بعد حاجة لأية أعمال وأي دور للإنسان من أي نوعٍ كان.

لا بل هم يرفضون علناً الجهاد الروحي تحت شعار أن الإنسان يخلص بالإيمان وحده فلماذا يحتاج بعدُ إلى شيء آخر؟  وأكثر من ذلك هم يؤكدون بوصفهم متجددين أنهم يعرفون بوصفهم متجددين أنهم يعرفون منذ الآن أنهم مخلصون ولا يمكن لأي وضع كان أن يؤثر على هذا الواقع.

 

ولكن السؤال المهم: هل يتفق كلام الكتاب المقدس مع هذا الادعاء؟  سوفا أُعطي بعض الأمثلة لأؤكد أن الإنسان بحسب الإنجيل، مدعو قبل كل شيء إلى أن يجاهد جهاداً مُراً ليَخلُص.  لنأخذ بعين الاعتبار أولاً كلمة المسيح المصلوب المحورية: ” من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه كل يوم ويتبعني، لأن من ينكر ذاته يخلصه ومن يهلك ذاته من أجلي يجدها “(متى16: 24-25).

أليست هذه دعوة لجهاد شاقٍّ ضد الأنانية والخطيئة يطال كل الحياة؟ المعمودية ذاتها بوصفها بداية الحياة الجديدة أليست هي دعوة كذلك لصلب ودفن الإنسان العتيق لكي يُبطل جسم الخطيئة -بحسب بولس الرسول- لأنه ” إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته “(رومية6: 3-14).

دعوة المسيح المحورية لحمل الصليب وراءه وإنكار الذات، يشدد عليها في كل الأناجيل (متى10: 38-39)، (مرقس8: 34-35)، (لوقا9: 23-24 و14: 27)، (يوحنا12: 25-26) . . .، ولكن المتجددين لا يذكرونها قط في كتبهم وأحاديثهم.  لماذا؟ أليس لأنها تدحضها جذرياً ادعاءاتهم؟ . . .  بولس نفسه كيف عاش؟، يقول في رسالته إلى أهل (غلاطية 2: 20): ” مع المسيح صُلبت لكي أحي، لا أن، بل المسيح يحيا في”.

لماذا لبولس الحياة في المسيح؟ ألانه آمن فقط أم لأنه مع المسيح صُلب!؟، ويتابع في رسالته نفسها (5: 25):” ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضاً بحسب الروح ” وبماذا أوصى؟: ” لم تقاوموا بعد حتى الموت مجاهدين ضد الخطيئة “(عبرانيين12: 4)، ” البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكائد إبليس “(أفسس6: 11)،” فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح . . .  وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً” (2تيموثاوس2: 5) . . ..  الخ

 

أما بخصوص معرفة الإنسان أنه مخلص والتي يدعيها المتجددون فماذا يقول بولس الرسول بشأنها؟:

@ ” أيها الإخوة ان صدف إنسان فاخذ في زلة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظرا الى نفسك لئلا تجرب أنت أيضا”(غلا\ية6: 1) إذاً هناك خوف من أن يسقط المؤمن

@ ” من يظن انه قائم فلينظر ان لا يسقط ” (1كورنثوس 10: 12)

@ من أجمل وأعظم الآيات في هذا الشأن ما يقوله القديس بولس:” ألستم تعلمون ان الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحدا يأخذ الجعالة هكذا اركضوا لكي تنالوا وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء أما اولئك فلكي يأخذوا اكليلا يفنى واما نحن فإكليلا لا يفنى  اذا انا اركض هكذا كانه ليس عن غير يقين هكذا اضارب كأني لا أضرب الهواء  بل اقمع جسدي واستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا اصير أنا نفسي مرفوضا  ” (1كورنثوس 9:24-27 ) (4)

تصوروا أن القديس بولس نفسه رغم كل أيمانه وجهاده كان دائماً في حالة ضبط وجهاد لدرجة أنه بعد أن كرز للآخرين كان يخاف أن يصير هو نفسه مرفوضاً.  كيف يتفق هذا مع ادعاء المتجدد بأنه هو مخلص سلفاً؟، ولكن متى عرف بولس نفسه أنه مخلص أليس في آخر لحظة من حياته بعد أن أعلمه الرب بذلك وبعد أن أكمل السعي؟: “قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه الله في ذلك اليوم “(2تيموثاوس4: 7-8).  إذاً أُعطي إكليل البر لبولس بناءً على جهاده الحقيقي طوال عمره.

للأسف أعود وأقول إن كل هذا مرفوض من قبل هؤلاء المتجددين المتطفلين على حياة الخلاص الحقيقية، وكأن الطريق الصعبة التي أشار إليها المسيح حتى يشفي طبيعتان ويجددنا حق ويعطينا نعمة الروح الحقيقية، يضعها المتجددون جانب ويتكلون على شعور نفسي يتحرك لديهم بطريقة ما وينتهي الموضوع عند هذا الحد.  بينما الرب يسوع يقول بكل وضوح:” ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه.

ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه ” (متى7: 13-14) أما عن الغلبة النهائية فكيف يمكن أن تتحقق بدون صبر وثبات حتى المنتهى؟:

@” ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى24:13)

@ “وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت ” رؤية 12: 11

@ ” تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك ” رؤية 3: 11

@ “من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيض وجلست مع أبي في عرشه ” رؤية 3: 21

هنا لابد من أن أقول لكل المسيحيين أن فكرة الولادة الجديدة والتجدد والتبرير والتقديس هي واقع حقيقي في الكتاب المقدس، يمكن أن يحياه فعلاً أي مسيحي، إنما في كنيسة المسيح وبحسب وصايا الرب، وليس بحسب أوهام المتجددين.  وقد عاشه القديسون ويعيشونه عيشاً حقيقي، وحصلوا ويحصلون على ثمار الروح من خلال نعمة الله وإيمانهم وجهادهم.

لكن عندما يأتينا أُناس مثل المتجددين ومن يحذى حذوهم، ويتجرؤون الدخول ويصطادون من أبنائنا تحت شعارات براقة، فهذا علامة بأنه، وإن يكن التعليم الحقيقي وطريق الحياة الحقيقية في تسليم كنيستين وحياته، إلا أنه، وللأسف، قسم ٌكبير منا لا يحيا إيمانه، أي أن البعض منا مسيحيون بالاسم بدون إيمان حقيقي وجهاد.  لهذا ينطبق عليهم ما جاء في (رومية2: 24):” يجدفون على اسم الله بسببكم”، أي بسببنا نحن المنتمين إلى الكنيسة الحقيقية، ولكننا لسنا أعضاء فعليين فيه، وليس لدينا ثمار.

فلو كان عندنا ثمار الروح في حياتنا لما أقدم أُناس من مثل هذه الفئات التي ذكرناه والتي تستحق الشفقة، وتحتاج هي إلى التبشير، على تبشير خراف المسيح دعوة الله هي أولاً إلى أبناء الكنيسة الحقيقية بأن يتوبوا فعل ويحيوا بإيمانهم ويحملوا صليبهم ويتبعوا المسيح. حينها “لا يمكن أن تخفى مدينة واقعة على جبل ولا أن يوضع سراج تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت “(متى5: 14).

الرب يسوع ينتظر منّ، نحن الأرثوذكسيين، ليس فقط أن ننجح بحماية أولادنا من الانحراف وراء البدع، بل أن نصبح جميعاً من المؤمنين المجاهدين الحاصلين على الحياة، فيضيء نورنا هكذا قدام الناس كي يروا أعمالنا الحسنة فيمجدوا أبانا الذي في السماوات (5).

وفي الواقع فالبشارة الأعظم ستحصل إذا كان إيماننا يُعرف من خلال أعمالنا ومحبتنا وتعاليمنا، وعندها لابد أن يسأل الآخرون عن سبب الحياة والرجاء الذين عندنا أخيراً أختم بوصية الرسول بولس لنا جميعاً ” واطلب إليكم أيها الأخوة أن تلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافا للتعليم الذي تعلمتموه واعرضوا عنهم لان مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم وبالكلام الطيب والاقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء. . ..  نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم أمين ” (رومية16: 17-24).

 

(1) (أنظر أعمال 14، 8: 12-17)

(2) سميت هذه الموهبة وهذا السر مسحة وميرون (طيب)، لأنه عندما ازداد عدد المؤمنين وأصبح متعذراً على الرسل وخلفائهم أن يطوفوا في كل مكان لكي يضعوا أيديهم على المتعمدين، رأى الرسل تحت إرشاد الروح القدس أن يستبدلوا وضع الأيدي بالمسيح بالميرون الذي تقدس بصلاتهم، كما كان يسمح الملوك والأنبياء في العهد القديم بمزيج من الطيوب وزيت الزيتون (خروج 30: 12- 33)

(3)  للتأكد أنظر مثلاً (رومية 2: 6): “الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله”. و(رؤية 20: 12-13): “ويدين الأموات. . ..  بحسب أعمالهم”.  و: (متى 16: 27)، (كورنثوس الثانية 5: 20) . . . . . .  الخ

(4)  انظر أيضاً (تيموثاوس الثانية 2: 11-12) وغيرها كثير . . …

(5)  انظر (متى 5: 16)

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

مؤشرات المسيحي الحقيقي 2 الحياة الأبدية PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

مؤشرات المسيحي الحقيقي 2 الحياة الأبدية PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

مؤشرات المسيحي الحقيقي 2 الحياة الأبدية PDF

مؤشرات المسيحي الحقيقي 2 الحياة الأبدية PDF – مبادئ الحياة الروحية – بيت محبة الله الزيتون

تحميل الكتاب PDF

الشك ف الكمين – هل حقا توجد حياة بعد الموت؟ هل حقا توجد سماء وحياة أبدية؟

الشك ف الكمين – هل حقا توجد حياة بعد الموت؟ هل حقا توجد سماء وحياة أبدية؟

الشك ف الكمين – هل حقا توجد حياة بعد الموت؟ هل حقا توجد سماء وحياة أبدية؟

خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الثاني – أيمن فايق 

  خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الثاني 

لقراءة > الجزء الأول 

ثالثاً – الخطوة الثالثة (فلاحـــــة النعمــــــــــة)

+ حينما نأتي إلى الرب المسيح البار بالتوبة والإيمان الشخصي (كما رأينا سابقاً) وندخل فيه كطريق الحياة الجديدة [ أنا هو الطريق والحق والحياة ]، نرعى فيه ونأخذ منه قوة الحياة الجديدة لنتجدد كل يوم حسب صورته هو [ أنا هو الباب إن دخل بي أحد فيخلص، ويدخل ويخرج ويجد مرعى (يوحنا 10: 9) ]، تبدأ تنمو فينا بذرة الحياة الأبدية التي ذرعها فينا بالمعمودية لننمو في النعمة والقامة كل يوم ونتعمق في معرفته ونتأصل في حياة القداسة والبرّ فيه.

ولكن بالرغم من أن نعمة الله المجانية والتي لا تُعطى لنا بسبب برنا الشخصي أو لأن فينا ما هو صالح، لأن كما رأينا سابقاً أن كل أعمالنا مستحيل أن تُرضي الله، لأن أصبح طبيعياً – بسبب السقوط وشدة الفساد – لا نقدر أن نصل لله أو نعمل أعمال برّ ولا قداسة، أما في المسيح يسوع، وحسب الإنسان الجديد الذي نلناه بمعموديتنا، تُصبح أعمالنا كلها معمولة بالله، لأننا طُعمنا في الكرمة الحقيقية بسبب التجسد [ أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً (يوحنا 15: 5) ]
فنحن في المسيح يسوع ربنا فقط نقدر أن نعمل أعمال الله بقوة الله، أي بعمل الروح القدس في داخلنا، ولكن علينا أن نثبت في الكرمة ونُثمر لله…

أي أنه بالرغم من وجود النعمة فينا وعمل فاعليتها، فواجب علينا الآن أن نُفلح حياتنا بفلاحة النعمة، وفلاحة النعمة تبدأ بوعينا التام أنه ينبغي في كل حين نجدد العهد مع الله بالتوبة الدائمة المستمرة والثبات في الإيمان الحي، ومفهوم التوبة الصحيح هو لبس الرب يسوع وعدم صُنع تدبير أو تخطيط للجسد لأجل الشهوات، أي أن نلبس قداسة المسيح الرب وبره وطهارته كل يوم، وهذا هو عمل الله الإيجابي فينا بالروح القدس الذي يأخذ من المسيح الرب ويُعطينا، ويتم ذلك – عملياً – باستمرار الاعتذار عن أقل هفوة في حياتنا معترفين أمامه بخطايانا ولا نعود إليها مرة أخرى، بل نتمسك بالرب يسوع طالبين أن يلبسنا ذاته لنتوشح به كرداء برّ خاص لنا من الله، ويسكن فينا بقوته لتنحل كل رباطات الخطية وتهرب الظلمة الداخلية أمام نوره المُشرق فينا:
+ والنور يُضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه (يوحنا 1: 5)
+ ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً: أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة (يوحنا 8: 12)
+ أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة (يوحنا 12: 46)

فالمسيح الرب يُشرق في داخل النفس كنور مبدداً ظُلمتها ويزيل (مع الأيام) خبرتها في الشرّ ويمحوها ليُعيدها لبساطتها الأولى التي شوهتها الخطية وظلمة الفساد التي تسلطت عليها؛ وعلى الإنسان أن يحفظ نور الله في داخله باستمرار ومواظبة قراءة كلمة الله بوعي وتركيز، مع الحفاظ على صلاته بقلب محترف للتوبة الصادقة محباً لله الذي فداه وأعطاه حياه باسمه، مستمراً في شركة الكنيسة متناولاً ترياق الخلود (الإفخارستيا) حسب عطية الله، وهذه تُسمى فلاحة النعمة…

فيا إخوتي لا تظنوا أن الدينونة مجرد حساب على ما نقترفه من أعمال لا تليق، لأن وأن كان كُتِبَ أنه يُجازي كل واحد حسب أعماله، ذلك لا من أجل الأعمال ذاتها، بل من أجل أنها تُظهر نوع الزرع، لأن من ثمار الأشجار ونتاجها يتحدد نوعها وطبيعة نموها السليم، أي أن الأعمال الظاهرة توضح ما في داخل النفس من بذار زُرِعت فيها، لأن كل ثمرة تُعبِّر عن نوع الشجرة، لأن كل عمل هو ناتج من الداخل، فالعمل الخارجي يدل على البذرة الحقيقية المزروعة في باطن الإنسان، فأن كانت بذرة الحياة، ستُثمر – طبيعياً – ما يتفق مع الحياة التي فينا، أي تظهر حياة الله فينا، أما أن كانت البذرة غير صالحة فستخرج أعمال الموت، وأنا هنا لا أتكلم عن حالة ضعف عابرة لأن من منا لا يضعف، إنما اتكلم عن حالة دائمة مستمرة لا تتوقف يتبعها الكآبة والفشل والإحساس بالدينونة وحزن الموت المصحوب باليأس وصغر النفس، وعموماً الرب كشف لنا سرّ الدينونة الحقيقية إذ قال بفمه الطاهر:
+ وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة (يوحنا 3: 19)

يا إخوتي لنا أن نحذر جداً من أن نحب الظلمة أكثر من النور، ونُهمل حياتنا الداخلية ولا نُفَلَّح القلب فلاحة النعمة، ليُزال كل ما في تربة القلب من شوائب تعوق بذرة الحياة أن تنمو فينا، لأن الشوك والحسك يخنق الزرع الجيد، ويتحول في النهاية لموت داخلي لا تسعفه حياة !!!

وأيضاً فلنحذر جداً في يوم من الأيام أن نعتقد أننا وصلنا للكمال لئلا نتوقف عن السعي وننتفخ ونتكبر فنخسر النعمة وعمل الله في داخلنا، لأن كما قلنا أن كل واحد يستوعب غنى وأسرار النعمة حسب قامته ونموه في الروح، لأن الزرع الجيد يأتي بثمر بعد أن يصل للوقت المعين الذي فيه تظهر الثمار، لأن لا يزرع الزارع الأرض ثم بعد قليل يجدها أثمرت، بل يستمر يرعاها يوماً بعد يوم وبلا توقف إلى أن يأتي وقت الإثمار، ونحن مهما ما وصلنا في معرفة الله وخبرات روحية عظيمة فأنه من المستحيل أن ندرك أعماق الله بكل اتساعها، لأن كل ما ندركه هو القليل جداً لأن الله مُطلق في اتساعه، مستحيل يدركه إنساناً مهما ما بلغ من قامة، والكنيسة كلها كأعضاء معاً تُدرك الله لأنه حي فيها وتنبض بحياته، فالكنيسة كلها معاً بأنبياء وأتقياء العهد القديم والرسل وكل القديسين في العهد الجديد بل وإلى آخر إنسان يأتي قبل مجيء الرب، هما معاً سيدركون عظمة بهاء مجد الله في ملكوته الآتي معاً لتصل الكنيسة ككل إلى ملء قامة المسيح [وليس كل فرد وحده (منفصل بذاته) يصل للملء] كما هو مكتوب:
+ إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح (أفسس 4: 13)

_______وسوف نتكلم في الجزء الثالث عن الخطوة الرابعة_______

الجزء الثالث 

Exit mobile version