عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري [1] ترجمة: آرثر دانيال

لتحميل البحث بصيغة PDF

 

الملخص: منذ أن نشر العالِم (جون ميل) نُسخته من العهد الجديد اليوناني عام ١٧٠٧، أبدى الباحثون اهتمامًا متكررًا بعدد الاختلافات النصية (variants) في الشواهد النصية المتوفرة لدينا. إلا أن التقديرات السابقة لم تُوضّح مَن الذي قدّم هذه التقديرات، أو كيف تم التوصّلُ إليها، أو حتى ما الذي تم تقديره تحديدًا. تهدف هذه الدراسة إلى معالجة هذه الإشكالات الثلاثة، وتقديم تقدير حديث يستند إلى أوسع قاعدة بيانات مقارنة نصية متاحة. وتظهر النتائج عددًا من المتغيرات أعلى من أغلب التقديرات السابقة. ومع ذلك، تُظهر المقارنة الدقيقة أن هذا العدد يعكس تكرار النسخ أكثر مما يعكس أخطاء النُسّاخ أو عدم أمانتهم.

الكلمات المفتاحية: النقد النصي، نقل نص العهد الجديد، عدد المتغيرات النصية.

Keywords: textual criticism, transmission of the New Testament, number of variants

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال
  1. مقدمة

في شهر يونيو عام ١٧٠٧، نشر (جون ميل)، زميل كلية كوين بجامعة أكسفورد، العهد الجديد اليوناني. كانت هذه النسخة ثمرة عملٍ استمر ثلاثين عامًا من حياته، وقد نُشرت قبل وفاته بأسبوعين فقط. لم تكن أهمية هذه الطبعة في نصها ذاته، إذ لم تكن سوى إعادة طباعة لنص (ستيفانوس) الصادر عام ١٥٥٠. اللافت في عمل (ميل) كان ما أرفقه تحت النص [أي الهامش]. إذ جمع، خلال عمله الطويل، ما يُقدّر بنحو ٣٠,٠٠٠ قراءة مختلفة بين المخطوطات. وكانت هذه المتغيرات النصية هي التي أثارت الجدل لاحقًا، إذ رأى بعضهم أن وجود هذا الكمّ من الاختلافات قد يُضعف ثبات النص، ومن ثم يطال سلطة العهد الجديد ذاته.[2]

لكن (ريتشارد بنتلي)، عميد كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، قدّم الرد الأكثر أهمية على هذه المخاوف في عمله ملاحظات على خطاب حديث عن حرية التفكير، الذي نُشر لأول مرة عام ١٧١٣ واستمر في ثماني طبعات. وقد أشار (بنتلي) إلى العلاقة المباشرة بين عدد المخطوطات وعدد المتغيرات النصية، موضحًا أن “كلما قارنتَ نُسخًا أكثر، ازداد عدد القراءات المختلفة”، وأنه “كلما زاد عدد النسخ التي تستعين بها، زادت المتغيرات التي تظهر لك”.[3]

بعد مرور ثلاثمئة عام على كتابة (بينتلي) لتلك الكلمات، ازداد عدد مخطوطات العهد الجديد المعروفة بشكل كبير. فبينما كانت طبعة (ميل) تعتمد على أقل من مئة مخطوطة يونانية، يقوم معهد أبحاث نص العهد الجديد (Institut für Neutestamentliche Textforschung – INTF) في مدينة مونستر بألمانيا اليوم بفهرسة أكثر من ٥٦٠٠ مخطوطة.[4] ورغم هذا الازدياد الذي يبلغ ستة وخمسين ضعفًا، فإن العدد الفعلي للاختلافات النصية التي أشار إليها بنتلي لم يرتفع بنفس النسبة، وذلك لسبب بسيط (وغالبًا ما يُنسى): “لا أحد حتى الآن تمكن من عدّها جميعًا”.[5] لكن ما ازداد بشكل مستمر منذ زمن (بنتلي) و(ميل) هو التقديرات المتعلقة بعدد الاختلافات النصية في العهد الجديد.

تنتشر هذه التقديرات في الكتب الأكاديمية، ومقدمات العهد الجديد، والكتب التفسيرية، وخصوصًا في كتب النقد النصي. وغايتها غالبًا إبراز الحاجة إلى النقد النصي.  أحيانًا يُطرح الأمر بنبرة تشاؤمية، كما يفعل غونتر تسونتس(Günther Zuntz) حين يصف العدد بأنه “كتلة لا يمكن تخيّلها أو التعامل معها”.[6] وفي حالات أخرى، تلعب هذه التقديرات الدور ذاته الذي لعبته في زمن (ميل)، إذ تُثير القلق لدى البعض وتستدعي ردًا من آخرين.[7]

وفي بعض الأحيان، تؤدي محاولات وضع هذه التقديرات في سياقها الصحيح إلى استنتاجات غير متوقعة حول نقل نص العهد الجديد، كما في حالة ستانلي بورتر(Stanley Porter) الذي يقترح أن إنتاج المخطوطات القديمة “يكاد يُضاهي أحيانًا ما نراه اليوم في الطباعة الحديثة”، أو كما يقول كريغ بلومبرغ(Craig Blomberg) إن متوسط عدد القراءات المختلفة قد لا يتجاوز ثمانية قراءات لكل مخطوطة.[8]

رغم الجاذبية المستمرة لمثل هذه التقديرات، فإن (إلدون إيب) محق في قوله: “لا يوجد حتى الآن تقدير موثوق لعدد الفروق النصية الموجودة في الشواهد المتوفرة لدينا”.[9] تهدف هذه الدراسة إلى تقديم مثل هذا التقدير، مع بعض التعليقات الموجزة حول كيفية الاستفادة منه. وقبل الانتقال إلى التقدير المقترح، سيكون من المفيد تتبُّع التقديرات السابقة بإيجاز، وبيان أوجه قصورها.

  1. التقديرات السابقة ومشكلاتها

1.2. عرض للتقديرات

تُظهر مراجعة للكتب والمقالات المنشورة خلال الـ ١٥٠ سنة الماضية مدى التكرار الذي يُستند فيه إلى هذه التقديرات (انظر المرجع 7). نقطة البداية، أو على الأقل نقطة المقارنة في العديد من هذه التقديرات، هي تقدير (جون ميل) لعدد٣٠,٠٠٠ اختلاف نصي في نسخته[10].

واحدة من أولى المحاولات لتحديث هذا الرقم ظهرت في كتاب (Plain Introduction) لـ (F. H. A. Scrivener)، الذي نُشر أول مرة عام ١٨٦١. بعد أن كرر نفس ملاحظة (بنتلي) عن أن ازدياد عدد المخطوطات يؤدي إلى ازدياد عدد المتغيرات، يقترح (سكرينر) أنه إذا كان (ميل) قد أحصى ٣٠,٠٠٠ اختلاف في زمانه، فإن العدد “لا بد أن يبلغ على الأقل أربعة أضعاف هذا الرقم” في زمنه، أي نحو ١٢٠,٠٠٠.[11]

ورغم أنه لم يقدّم أي تفسير لسبب هذه الزيادة، فقد تبنّى آخرون تقديره، بل وسرعان ما وسّعه فيليب شاف (Philip Schaff)، الذي كتب عام ١٨٨٣ أن العدد “الآن لا يمكن أن يقل عن ١٥٠,٠٠٠، إذا ما شملنا الاختلافات في ترتيب الكلمات، وطريقة التهجئة، وغيرها من الأمور الطفيفة التي تتجاهلها حتى أوسع النسخ النقدية انتشارًا”.[12] ويُبرز التحفظ الذي أضافه (شاف) على تقديره أهمية مسألة التعريفات، وهي نقطة سنعود إليها لاحقًا.

الزيادة التالية في التقديرات جاءت من (B. B. Warfield) من جامعة برينستون، حيث أضاف أكثر من ٣٠,٠٠٠ قراءة متنوّعة إضافية.[13] فبعد ست سنوات فقط من تقدير )شاف(، كتب )وارفيلد( أنَّه “وبصورة تقريبية، تم عدّ ما يقرب من ١٨٠ إلى ٢٠٠ ألف ‘قراءة متنوّعة’ في العهد الجديد، أي اختلافات فعلية في القراءة بين المخطوطات الموجودة”.[14]

ما يميّز تقدير (وارفيلد)، إلى جانب كونه أول من يدّعي تقديم “عدّ” وليس مجرد “تقدير”، هو أنه أول من شرح الطريقة التي أُجري بها هذا العد، رغم أن شرحه بدا غريبًا، فبدلًا من عدّ عدد الاختلافات الفعلية بين المخطوطات، قدّم وارفيلد عدًّا لعدد المخطوطات التي تختلف عن معيار معيّن غير مذكور. ويُوضح أن العد يتم بحيث “يتم احتساب كل موضع تظهر فيه قراءة متنوّعة بعدد مرّات تكرارها، ليس فقط حسب عدد الاختلافات المميزة فيه، بل أيضًا حسب عدد المرات التي تظهر فيها نفس القراءة المختلفة في مخطوطات مختلفة“.[15] وهذا يعني أنه إذا اتفقت ١٠٠ مخطوطة على قراءة ضد النص المعياري [الغير مذكور]، فسيُحسب ذلك على أنه ١٠٠ قراءة متنوّعة.[16]

على مدار الـ ٤٥ عامًا التالية، تراوحت التقديرات بين رقم (سكرڤنر) ورقم (وارفيلد)، مع ميل، وأضح نحو الأرقام الأعلى التي طرحها (وارفيلد) رغم طريقته الغريبة في “العدّ”. اقترح (عزرا أبوت) في عام ١٨٩١ رقم ١٥٠,٠٠٠. وأعطى (إيبرهارد نيستله) في عام ١٨٩٧ تقديراً يتراوح بين ١٢٠,٠٠٠ و١٥٠,٠٠٠. أما (مارڤن ڤنسنت) فقد قدّر العدد بين ١٥٠,٠٠٠ و٢٠٠,٠٠٠ بعد عامين فقط.[17] وحده (أدولف يوليشَر) قدّم رقماً أقل، مقترحاً إما ٣٠,٠٠٠ أو ١٠٠,٠٠٠، لكنه رأى أن هذا الاختلاف لا يغيّر لاهوتياً شيئاً لأن الكنيسة لم تمتلك يوماً نسخة خالية من الأخطاء تعتمد عليها.[18] بحلول عام ١٩١٥،  قدَّم (تشارلز سيتيرلي) التقدير الأعلى الذي طرحه (وارفيلد) أي ٢٠٠,٠٠٠، مع توضيحه أنه لا يشير إلى المخطوطات اليونانية فقط.[19]

في عام ١٩٣٤، قفز التقدير قفزته الكبيرة التالية على يد لويس بيرو (Louis  Pirot) ليون ڤاجاني (Léon Vaganay) حيث قدّرا العدد بما يصل إلى ٢٥٠,٠٠٠ متغيّر.[20] يُعتبر بيرو أول من أشار إلى أن عدد المتغيرات النصية قد يفوق عدد كلمات العهد الجديد نفسه. وبعد ١٥ سنة، أضاف Vaganay إرفين نيستله (Erwin Nestle)٥٠,٠٠٠ متغيّر إضافي، مقدّراً في عام ١٩٥١ أن عدد المتغيرات يتراوح بين ٢٥٠,٠٠٠ و٣٠٠,٠٠٠، هذا الرقم يتعلق بالمخطوطات اليونانية وحدها حسب كلامه.[21]

بعد ما يقرب من مئة عام على تقدير (سكرينفر)، نجد ثاني تقدير  —بعد تقدير فون ميستريخت (von Maestricht) القائم على عمل (ميل)— يستند إلى بيانات مُحددة. فمع عمل مشروع العهد الجديد اليوناني الدولي (International Greek New Testament Project – IGNTP) على إنجيل لوقا، كتب كينيث كلارك (Kenneth Clark) عام ١٩٦٦ أن الباحثين باتوا قادرين الآن على “تقدير مدى وطبيعة الحالة النصية للعهد الجديد اليوناني بدقة أكبر.”[22] استنادًا إلى هذه البيانات، خَلُص ميريل بارفيس (Merrill Parvis) إلى أن العدد الفعلي للمتغيرات ربما يفوق بكثير التقديرات السابقة التي تراوحت بين ١٥٠,٠٠٠ و٢٥٠,٠٠٠. وقد أوضح (كينيث كلارك) هذا الفارق الكبير حين قَدّر بنفسه العدد بـ٣٠٠,٠٠٠ متغير.[23]

بعد ذلك، استمر تكرار التقديرات الأقدم في الأدبيات، لكن تقدير (كلارك) البالغ ٣٠٠,٠٠٠ بدأ تدريجيًا في الهيمنة. استُشهد بهذا الرقم في أعمال كتبها كل من (J. K. Elliott) و (Ian Moir)و (Eldon Epp)وBart) (Ehrman و(Eckhard (Schnabel .[24] ومع ذلك، شأنه شأن جميع هذه التقديرات، لم يُكتب له الاستمرار طويلًا.

في عام ٢٠٠٧، عدّل (إلدون إب) تقديره السابق البالغ ٣٠٠,٠٠٠ اختلاف نصي إلى “ثلث مليون”. لكن (بارت إرمان) هو أول من ذكر في كتابه الأكثر مبيعًا سوء اقتباس يسوع أن “بعض العلماء” يقدّرون العدد بأنه يصل إلى ٤٠٠,٠٠٠.[25] لا شك أن شهرة الكتاب لعبت دورًا في ذلك، وبما يتماشى تمامًا مع الاتجاه التاريخي، فقد تبنّى عدد من الكتّاب الرقم الأعلى الذي عرضه (إرمان)، ومن بينهم (J. Harold Greenlee)، و(Daniel B. Wallace)، و(Lee Martin McDonald). [26]

ومع ذلك، يبدو أن هذا الرقم بات مرشحًا للتجاوز، وفقًا لما أشار إليه (إلدون إيپ) في تقديره الأخير، والذي وصفه بأنه “تخمين غير مبني على أدلة wild guess“، حيث اقترح أن عدد الفروق النصية قد يتراوح بين ٤٠٠,٠٠٠ و٧٥٠,٠٠٠ متغير. يُمثّل هذا التقدير أعلى رقم مقترح حتى الآن، كما يُعدّ أكبر قفزة عددية مفردة مقارنة بجميع التقديرات السابقة. [27]

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

2.2. المشاكل

في دليله التحليلي والنقدي لكشف الإحصاءات المشكوك فيها، يلخّص جويل بست (Joel Best) نصيحته الأساسية في الملاحظة التالية: “علينا أن نكون حذرين للغاية عندما لا نعرف من الذي قدّم الأرقام، أو لماذا قُدِّمت، أو كيف تمّ التوصل إليها، وعندما لا يمكننا التأكد من تطبيق منهجيات متّسقة في القياس عبر أزمنة وأماكن مختلفة”.[28] ولسوء الحظ، فإن جميع تقديرات عدد المتغيرات النصية في مجال نقد نص العهد الجديد التي قُدِّمت خلال المئة وخمسين عامًا الماضية تعاني من هذه العيوب المنهجية نفسها.

في المقام الأولى، غالبًا لا نعرف من الذي قدّم التقدير أصلًا. يُستخدم الأسلوب المبني للمجهول بشكل واسع في عرض هذه الأرقام. عبارات مثل: “يقول البعض…”[29] أو “يُقال إن…”[30] أو “تقدّر بعض المصادر أن…”[31] أو “تم إحصاء…”[32] مثل هذه العبارات تُمثّل سلسلة طويلة من التقديرات غير المُحققة. من خلال استخدام هذه الصيغة، يستطيع الناقلون لهذه الأرقام الاستفادة منها دون تحمّل أي مسؤولية حقيقية تجاه دقتها. تتفاقم المشكلة عندما يُعرض الرقم باعتباره “أحد أفضل التقديرات”[33] أو “تقديرًا موثوقًا” (بالألمانية [34]kundiger Schätzung) أو ما شابه. ينطبع في ذهن القارئ أن هناك جهة ما قد بذلت جهدًا حقيقيًا لصياغة منهج موثوق للتقدير، ولكن لا يظهر أي مصدر فعلي يدعم ذلك.

ليس من الغريب أن تكون المشكلة الثانية هي أن من يورد هذه الإحصاءات لا يشرح أبدًا كيف توصل إلى تقديره، رغم تكرار هذه الأرقام مرارًا في المراجع. وإذا حكمنا على هذه التقديرات وفقًا لدليل جامعة شيكاغو لكتابة الأرقام (The Chicago Guide to Writing about Numbers)، والذي يؤكد أن “جزءًا أساسيًا من كتابة الأرقام هو وصف البيانات والأساليب المستخدمة في إنتاجها”،[35] فإن جميع التقديرات السابقة تعتبر غير كافية.

معظم التقديرات لا تُقدَّم معها أي مبررات على الإطلاق. وحتى القليل الذي يتضمن شرحًا ما يظل إشكاليًا. بعض التقديرات تُبنى ببساطة على مضاعفات رقم (ميل) البالغ ٣٠٠,٠٠٠ اختلاف نصي، لكن دون مبرر لمعدل هذه المضاعفة. والأسوأ من ذلك أن تلك التقديرات تتجاهل أن الرقم الأصلي نفسه (٣٠٠,٠٠٠) هو مجرد تقدير. وحده (وورفيلد) قدّم شرحًا لكيفية “عدّه” لهذه الأرقام، لكن توجد أسباب كثيرة تدعو إلى رفض طريقته في العد.

أما أكثر التقديرات الواعدة فهي تلك التي قدمها (بارفيس) و(كلارك)، إذ استندت إلى مراجعات حديثة لعدد كبير من مخطوطات إنجيل لوقا. ومع ذلك، يتضح أن أيًا من هذين التقديرين لم يُبن على عدّ فعلي للاختلافات النصية، بل على تقدير لها، وهنا يظهر التباين بينهما. فـ(بارفيس) يقترح وجود ٣٠٠,٠٠٠ اختلاف في ١٥٠ مخطوطة من أصل ٣٠٠ تمت مراجعتها، بينما يقدّر (كلارك) وجود ٢٥٠,٠٠٠ اختلاف في جميع المخطوطات الـ٣٠٠ مخطوطة.[36] واللافت أن (كلارك) استخرج عددًا أقل من الاختلافات رغم استخدامه لعدد أكبر من المخطوطات، ما يشير إلى وجود خلل. وهذه المسألة تعكس المشكلة الأوسع المتمثلة في بناء تقدير على تقدير آخر.

المشكلة الثالثة هي أن ما يتم تقديره ليس واضحًا دائمًا. هل المقصود بعض الفروقات بين بعض الشواهد؟ أم بعض الفروقات بين جميع الشواهد؟ أم جميع الفروقات بين جميع شواهد العهد الجديد؟ على سبيل المثال، ميّز (إلدون إِب) بدقة في مواضع أخرى بين “القراءات النصية” و”الاختلافات النصية”، حيث تستبعد الأخيرة [أي الاختلافات النصية] كل “القراءات غير المعقولة”، و”أخطاء النسّاخ الواضحة”، و”الاختلافات الإملائية”، و”القراءات الشاذة”.[37] لكن عندما قدّم تقديره التقريبي بـ ٤٠٠,٠٠٠ إلى ٧٥٠,٠٠٠ اختلاف، ما الذي كان يقصده تحديدًا؟ كما هو الحال مع العديد من التقديرات السابقة، لا نجد إجابة واضحة.

  1. اقتراح تقدير جديد

1.3. منهج ونطاق البحث

مثل كثير من الدراسات التي تستعرض إحصائيات غير دقيقة، قد تعطي هذه الدراسة انطباعًا سلبيًا بأن الأرقام كلها غير موثوقة، لكن هذا ليس صحيحًا. الواقع أن أهم ميزة في الإحصاءات الجيدة بسيطة جدًا: أن تكون معلنة وواضحة، أي أن نعرف من أين جاءت هذه الأرقام، وكيف تم الوصول إليها. وأن تكون طريقة الحساب قابلة للنقاش، بحيث يستطيع باحثون آخرون تقديم ملاحظات تساعد في تحسين التعريفات وطريقة القياس،[38] وهذا بالضبط ما نحاول تقديمه في التقدير الجديد الذي سنعرضه لاحقًا.

1.1.3. من الذي قام بالتقدير؟

إذا أردنا لأي تقدير أن يكون ذا فائدة حقيقية، فلا بد أن يُوَضِح بشكل دقيق ثلاث نقاط أساسية تميز أي إحصاء جيد: “من” الذي قام بالتقدير، و”ما” الذي يتم تقديره، و”كيف” تم التوصل إلى الرقم. النقطة الأولى هي الأسهل. التقدير المعروض أدناه هو من عملي الشخصي، وبالتالي فإن الفضل أو الخطأ في دقته يقع على عاتقي وحدي.

2,1,3. ما الذي يتم تقديره؟

فيما يخص النقطة الثانية، أقتصر في تقديري على عدد الاختلافات النصية (variants) الموجودة في المخطوطات اليونانية فقط، أي البرديات، ومخطوطات الأحرف الكبيرة (majuscules)، ومخطوطات الأحرف الصغيرة (minuscules)، وكتب القراءات .(lectionaries) لا يعني هذا التقليل من أهمية الشواهد الأخرى مثل الترجمات القديمة، والاقتباسات الآبائية، والنقوش، وغيرها، بل يعود السبب ببساطة إلى صعوبة تقنيات الترجمة، وتعقيد أساليب الاقتباس، وفي كثير من الأحيان، إلى ندرة البيانات الدقيقة والموثوقة.

السؤال المتعلّق بما نقوم بعدّه هو في آنٍ واحدٍ مسألة معقّدة وبسيطة. هي معقّدة لأنّ كل قرار يتعلّق بتحديد ما يُعدّ فرقًا بين نَصَّين يستلزم حكمًا بشريًّا فيه قدر من الذاتيّة. وهي بسيطة في هذا السياق تحديدًا، لأنّي سأعتمد اعتمادًا كاملًا على جداول نصية (collations) أعدّها باحثون آخرون. ولأجل اختيار جداول موثوقة أُقيم عليها الدراسة، اخترت تلك التي تتضمّن أكبر كمّ من البيانات، من أكبر عدد من الشواهد النصية، وبطريقة أسهل منالًا للاطّلاع والاستخدام.[39]

المصادر الثلاثة الأساسية التي اعتمدتُ عليها في هذا التقدير هي: أطروحة (Bruce Morrill) حول يوحنا 18، وأطروحةMatthew)   (Solomonحول رسالة فيليمون، وعمل (Tommy Wasserman) حول رسالة يهوذا.[40] كل واحد من هذه الأعمال يوفّر أكثر بيانات التقابل (collation data) شمولًا المتوفرة حاليًا للنص اليوناني للعهد الجديد. أما المصدر الرابع الذي تم أخذه بعين الاعتبار فهو سلسلة Text und Textwert، التي نُشرت في الفترة بين 1987 و2005 على يد (كورت ألاند) وزملائه في معهد أبحاث نص العهد الجديد لاحقًا. Institut für neutestamentliche Textforschung)).[41] ومع ذلك، ونظرًا لأن مجلدات Text und Textwert) ) تقدّم بيانات التقابل في مقاطع محددة فقط (تُعرف بـ Teststellen)، فيجب استخدامها بحذر، كما سيتم توضيحه للمقارنة، تم عرض الخصائص المشتركة لكل واحد من هذه المصادر الأربعة في الجدول رقم 1أدناه.[42]

مصدر مقارنة النصوص المخطوطات المشمولة الاختلافات المشمولة النص مدى التغطية
بروس موريل جميع مخطوطات النص المستمر[43] جميع الاختلافات ما عدا أكثر الاختلافات الإملائية شيوعًا يوحنا 18 اصحاح كامل
ماثيو سولومون جميع مخطوطات النص المستمر جميع الاختلافات فيليمون سفر كامل
تومي واسرمان جميع مخطوطات النص المستمر + نصف كتب القراءات جميع الاختلافات ما عدا أكثر الاختلافات الإملائية شيوعًا يهوذا سفر كامل
Text und Textwert جميع مخطوطات النص المستمر جميع الاختلافات ما عدا القراءات الغير منطقية والاختلافات الإملائية العهد الجديد كامل باستثناء الرؤيا أجزاء مختارة فقط (مثلاً 11 جزء في يهوذا)

جدول 1. مقارنة شاملة لكل مجموعة

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

أهم جانب في تقديرنا هو بالطبع تعريف مصطلح «المتغير النصي». حتى الآن، استخدمنا مصطلحات «متغير»، «قراءة»، و«اختلاف» بشكل متبادل وبصورة غير دقيقة إلى حد ما. ولكن لكي يكون تقديرنا ذا فائدة، يجب أن نكون واضحين تماماً بشأن ما نقوم بتقديره. في مجال النقد النصي للعهد الجديد، جرت عدة محاولات للتمييز بين مصطلحي «متغير» و«قراءة»، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح بعد.[44] لهذا الغرض، سأقتصر على استخدام مصطلح «المتغير النصي» والذي أعرفه بأنه: “كلمة أو مجموعة كلمات في أي مخطوطة تختلف عن أي مخطوطة أخرى ضمن مقطع نصي مماثل، مع استثناء ما يلي فقط: فروق التهجئة والطرق المختلفة لاختصار الأسماء المقدسة(nomina sacra) “.[45]

قبل المتابعة، يجب التوقف عند ملاحظتين مهمتين بخصوص هذا التعريف. أولًا، هذا التعريف قائم على المقارنة بين المخطوطات نفسها، وليس على  أي نص نقدي معياري.[46] هذا يعني أن أي موضع في النص يحتوي على قراءتين على الأقل، تُعَدّ كل واحدة منهما «اختلافًا نصيًا«، بما في ذلك تلك القراءة التي يعتقد الجامع أو المحرر أنها الأصل الذي انحدرت منه القراءات الأخرى. في هذا السياق، لا يُعتبَر مصطلح «أصلي» و«اختلاف» وصفين متعارضين، بل يمكن أن يُطلَق كلاهما على نفس القراءة. التباين

ثانيًا، يجب الانتباه إلى القيد المهم في تعريفنا، وهو عبارة “مقطع نصي قابل للمقارنة” (comparable segment of text). هذه العبارة تشير ببساطة إلى ما يُعرف في النقد النصي بوحدة الاختلاف/ (variant unit) .[47] تحديد الموضع الدقيق لحدود هذه المقاطع يخضع لتقدير بشري، وهو أمر قد يؤثر بشكل ملحوظ، في سياق دراستنا، على عدد المتغيرات الناتجة.[48] مدى تأثير هذا العامل على النتائج الكلية يصعب تحديده بدقة، لكن من خلال عملي في مجموعات بيانات متعددة، ألاحظ أن كلما كانت عملية التجميع النصي أكثر شمولًا، قلّ تأثير هذه القرارات على العدد الإجمالي للمتغيرات. على أي حال، يجب التنويه إلى أن التقدير المقدم في هذه الدراسة يعتمد بالكامل على تقديرات باحثين آخرين في تحديد حدود تلك المقاطع النصية.

3.1.3. كيف وصلنا إلى هذا التقدير؟

بناءً على مصادر التجميع النصي (collation) التي أشرنا إليها، وتعريفنا لما يجب عَدُّه ضمن المتغيرات النصية، يبقى أن نوضّح كيف سنصل إلى تقديرنا العام لعدد المتغيرات في العهد الجديد كاملًا. أول ما يجب ملاحظته هو أن تقديرنا لا يعتمد على تقدير سابق، بل على عَدٍّ فعليّ للمتغيرات النصية. وهذا يميز هذا التقدير عن كل التقديرات السابقة. ومع ذلك، يبقى مجرد تقدير، وجوهر كل تقدير هو عملية استقراء (extrapolation) من مجموعة بيانات إلى أخرى.

أبسط نقطة يمكن الانطلاق منها في هذه الاستقراء هي عدد الكلمات في كل سفر من أسفار العهد الجديد. من الواضح أن هذا العدد يتوقف على الطبعة المستخدمة، ولكن ما دام نفس الإصدار يُستخدم في طرفَي المعادلة، فإن النتائج ستكون متسقة. ونظرًا للعلاقة الوثيقة بين هذه الطبعة وسلسلة(Text und Textwert) ، فقد اخترت الإصدار السابع والعشرين من (Nestle-Åland Novum Testamentum Graece)، والذي يحتوي على 138,020 كلمة، بما في ذلك الكلمات الموضوعة بين أقواس مزدوجة ومفردة.[49]

إذا كنا نعرف عدد المتغيرات النصية لكل كلمة في جزء معيّن من النص، أو ما يمكن أن نطلق عليه “معدل الاختلاف “(rate of variation)، يمكننا الاستقراء بناءً عليه لتقدير عدد المتغيرات في كامل العهد الجديد. الصيغة الحسابية كالتالي:[50]

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري ترجمة: آرثر دانيال

بما أننا مهتمون بعدد المتغيرات في العهد الجديد (س)، يمكننا ترتيب المعادلة على الشكل التالي:

 

 

2.3. البيانات المستخدمة في التقدير

للوصول إلى معدل الاختلاف في كل مجموعة نصية (corpus)، قمت بفحص دقيق للمواضع التي تم جمع قراءاتها في المصادر المُختارة، وعددتُ المتغيرات النصية في كلٍ منها، مع تسجيل القراءات التي بلا معني (nonsense) أو القراءات الشاذة (singular) حيثما أمكن. في بعض الحالات، استخدمت قواعد بيانات إلكترونية ساعدت في العد، وفي حالات أخرى أجريت العد يدويًا. تُعرض

السفر/الاصحاح عدد المخطوطات التي أُجريَت عليها المقارنة النصية وحدة الاختلاف

 

 

المُتَغَيِّرات القراءات التي لا معني لها/غير مفهومة القراءات الشاذة
يوحنا 18 (م) 1659 524 3,058 1360 1768
فليمون (س) 572 293 1,185 218 409
يهوذا (و) 560 324 1,694 502 859

البيانات الأولية من المصادر الثلاثة الأساسية في الجدول 2.

جدول 2. البيانات المستخرجة من المقارنات النصية التي أجراها موريل (و)، وسولومون (س)، وواسّرمان (و).

يمكننا أن نضيف إلى هذه البيانات عددًا من نقاط المقارنة المفيدة، مثل عدد الكلمات وعدد وحدات الاختلاف.  كما يمكننا عرض النسبة المئوية للقراءات الغير مفهومة والقراءات الشاذة من إجمالي القراءات. تُعرض هذه المقارنات في الجدول 3 (وقد تم تقريب المعدلات لأقرب جزء من المئة، والنسب المئوية لأقرب جزء من العشرة).

السفر/الاصحاح عدد الكلمات (NA27) متوسط المتغيرات لكل وحدة اختلاف متوسط المتغيرات لكل كلمة النسبة المئوية للقراءات الغير مفهومة النسبة المئوية للقراءات الشاذة
يوحنا 18 (م) 791 5.84 3.87 44,5% 57.8%
فليمون (س) 335 4.04 3.54 18.4% 42.3%
يهوذا (و) 461 5.23 3.67 29.6% 50.7%
المتوسط 5.04 3.69 30.8% 50.3%

جدول 3. مقارنة بين عدد المتغيرات وعدد وحدات الاختلاف وعدد الكلمات. العمود الأخير يوضّح النسبة المئوية للمتغيرات التي تُعدّ بلا معنى أو التي تظهر في مخطوطة واحدة فقط من بين المخطوطات التي تم تجميعها.

قبل الانتقال إلى التقدير، هناك بعض الملاحظات الهامة: أولًا، نسبة المتغيرات الشاذة مرتفعة بشكل كبير، إذ تُشكّل في المتوسط أكثر من نصف المتغيرات في الجداول الثلاثة، وتقترب من60٪ في يوحنا 18. أما المتغيرات التي لا معني لها أقل، لكنها لا تزال ملحوظة، إذ تتجاوز في المتوسط 30٪، وتصل إلى حوالي 45٪ في يوحنا 18. ومن غير المفاجئ أن هاتين الفئتين تتقاطعان بدرجة كبيرة؛ فـ 86.3٪ من المتغيرات الغير مفهومة في يوحنا 18 هي متغيرات شاذة، بينما تصل هذه النسبة إلى 64.2٪ في فيلمون، و84.7٪ في يهوذا. تؤكد هذه المعطيات أن الأخطاء الواضحة كانت النوع الأسهل الذي تمكن النساخ من ملاحظته وتصحيحه.

ثانيًا، يجب أن ننظر في العلاقة بين عدد المتغيرات وعدد المخطوطات. من الصحيح، كما أدرك (بنتلي)، أن زيادة عدد المخطوطات المُقارنة يؤدي إلى زيادة عدد المتغيرات. لكن يمكننا أيضًا القول إن هذه الزيادة ليست خطية (linear) ولا أُسّية (exponential)، بل لوغاريتمية (logarithmic). والسبب في ذلك أن الغالبية العظمى من المخطوطات بيزنطية، لأنها متشابهة إلى حد كبير، وبالتالي، كلما زاد عدد المخطوطات البيزنطية المُقارنة، قلّ عدد المتغيرات التي تضيفها كل مخطوطة تتضاف للمقارنة.

يتضح هذا أولًا إذا لاحظنا أن معدل الاختلاف (أو نسبة الكلمات إلى المتغيرات) متقارب جدًا بين المُقارنات الثلاث، رغم أن يوحنا 18 يضم تقريبًا ثلاثة أضعاف عدد المخطوطات. السبب في ذلك هو أن الكثير من هذه المخطوطات الإضافية هي بيزنطية. يمكن ملاحظة التأثير نفسه عند مقارنة تجميع (واسرمان) لرسالة يهوذا مع تجميع [51] .Editio Critica Maior (ECM) فعلى الرغم من أن (واسرمان) قارن أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الشواهد، إلا أن النتيجة كانت أقل من ضعف عدد المتغيرات.[52] والسبب واحد: عند التعامل مع المخطوطات البيزنطية وعدد المتغيرات النصية، يبدأ قانون تناقص العائد بالظهور.[53]

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

3.3. التقدير المُقترح

استنادًا إلى هذه الأرقام، أصبح بإمكاننا الآن تقدير العدد الكلّي للاختلافات النصية في العهد الجديد اليوناني. وصيغة الحساب التي نعتمدها هي: “(عدد المتغيرات في العيّنة ÷ عدد الكلمات في العيّنة) × عدد كلمات نص العهد الجديد (NA27) = العدد التقديري للاختلافات في العهد الجديد بأكمله.”

موريل (791 ÷ 3058) × 138.020 = 533,584
سولومون (335 ÷ 1185) × 138.020 = 488,220
واسرمان (461 ÷ 1694) × 138.020= 507,171

نظرًا لأن هذه التقديرات تستند إلى بيانات من مجموعة متنوعة من أسفار العهد الجديد (الأناجيل، رسائل بولس، والرسائل الجامعة)، فإنها متقاربة بشكل ملحوظ. ومع ذلك، فإن ما يمكن اعتباره قصورًا فيها هو افتراضها لثبات معدل الاختلاف النصي عبر كامل العهد الجديد. ولكي نمنح خصوصية تداول كل سفر حقها، يمكننا استخدام البيانات المتوفرة في سلسلةText und Textwert ، مع العلم بأنها تغطي فقط 920 مقطعًا اختبريًا(Teststellen) ، ولا تشمل أي قراءات غير منطقية.[54] تُعرض هذه البيانات في الجدولين 4 و5.

السفر المخطوطات

المُجمعة

مقاطع الاختبار المتغيرات المتغيرات الشاذة
متى 1657 64 720 346
مرقس 1660 196 2431 1144
لوقا 1672 54 862 413
يوحنا 1-10 1683 153 1306 439
أعمال 486 104 1260 616
رومية 601 47 475 223
1 كورنثوس 605 59 660 260
2 كورنثوس 612 26 392 201
غلاطية 609 17 235 99
أفسس 607 18 181 80
فيلبي 609 11 146 71
كولوسي 612 10 127 59
1 تسالونيكي 598 5 53 26
2 تسالونيكي 598 4 58 24
1 تيموثاوس 597 9 90 40
2 تيموثاوس 586 5 43 19
تيطس 574 3 67 35
فليمون 563 4 65 35
العبرانيين 595 33 307 127
يعقوب 517 25 174 60
1 بطرس 519 13 121 46
2 بطرس 511 14 141 55
1 يوحنا 504 23 205 84
2 يوحنا 490 8 52 24
3 يوحنا 500 4 22 8
يهوذا 499 11 170 84
الرؤيا

جدول 4. يُؤخذ عدد المخطوطات من مقطع الاختبار في كل سفر، وهو المقطع الذي يحتوي على أكبر عدد من الشواهد المخطوطية المُدرجة. تُحتسب الحذوفات الناتجة عن التماثل في نهايات الأسطر (homoeoteleuton) أو بداياتها (homoeoarchton)، والتي يُشار إليها بالحرفين “U” أو “V” في الجهاز النقدي، فقط إذا نتج عنها قراءة مميزة داخل وحدة الاختلاف. وعندما تحدث حذوفات متعددة من هذا النوع ضمن وحدة التغاير نفسها، لا تُعد قراءات شاذة.  أما المخطوطات التي تُسقط بالكامل مرقس 16: 9–20 أو يوحنا 7: 53–8: 11، فلا يُعاد احتسابها في وحدات التغاير اللاحقة داخل هذه المقاطع. يُستخدم الخط (-) للدلالة على البيانات غير المتوفرة.

عدد كلمات العهد الجديد  في مقاطع الاختبار متوسط المتغيرات لكل مقطع اختبار متوسط المتغيرات لكل كلمة النسبة المئوية للقراءات الشاذة السفر
156 11.25 4.62 48.1% متى
506 12.40 4.80 47.1% مرقس
167 15.96 5.16 47.9% لوقا
377 8.54 3.46 33.6% يوحنا 1–10
310 12.12 4.06 48.9% أعمال الرسل
126 10.11 3.77 46.9% رومية
201 11.19 3.28 39.4% 1 كورنثوس
108 15.08 3.63 51.3% 2 كورنثوس
48 13.82 4.90 42.1% غلاطية
46 10.06 3.93 44.2% أفسس
40 13.27 3.65 48.6% فيلبي
24 12.70 5.29 46.5% كولوسي
10 10.60 5.30 49.1% 1 تسالونيكي
15 14.50 3.87 41.4% 2 تسالونيكي
17 10.00 5.29 44.4% 1 تيموثاوس
9 8.60 4.78 44.2% 2 تيموثاوس
9 22.33 7.44 52.2% تيطس
14 16.25 4.64 53.8% فليمون
74 9.30 4.15 41.4% العبرانيين
61 6.96 2.85 34.5% يعقوب
21 9.31 5.76 38.0% 1 بطرس
44 10.07 3.20 39.0% 2 بطرس
81 8.91 2.53 41.0% 1 يوحنا
9 6.50 5.78 46.2% 2 يوحنا
7 5.50 3.14 36.4% 3 يوحنا
51 15.45 3.33 49.4% يهوذا
رؤيا يوحنا
11.57 4.33 44.4% المتوسط

جدول 5. مقارنة بين عدد المتغيرات وعدد الكلمات ووحدات الاختلاف (variation units) في سلسلة Text und Textwert. تم أخذ عدد الكلمات من النص الأساسي في كل مقطع اختبار، وهو ما يتم تمييزه بخط سفلي في سلسلة TuT.

لضمان التعامل مع عملية نقل كل سفر من أسفار العهد الجديد بشكل مستقل، قمنا بتطبيق المعادلة الحسابية على كل سفر على حدة، ثم جمعنا الناتج النهائي،[55] وكانت النتيجة أعلى تقدير حتى الآن: 591,044 قراءة مختلفة في كامل العهد الجديد. وعند مقارنة هذا الرقم مع التقديرات الثلاثة الأخرى، يبرز بوضوح أن التجميعات النصية الأوسع نطاقًا تؤدي إلى تقديرات أقل.

 كيف يمكن تفسير ذلك؟ أحد الاحتمالات هو أن يوحنا 18، وفليمون، ويهوذا قد تم نسخها بدقة أكبر من غيرها من أسفار العهد الجديد، ولذلك تظهر معدلات أقل من التغيير النصي مقارنة ببقية العهد الجديد. إلا أن التفسير الأرجح يكمن في الطبيعة الانتقائية لمقاطع الاختبار (Teststellen) المستخدمة في سلسلة Text und Textwert، والتي قد لا تمثل حجم التغيّرات النصية تمثيلًا دقيقًا كما كنا نأمل. فهذه المقاطع لم تُختَر عشوائيًا، بل تم “اختيارها بعناية” لغرض محدد، وهو تقييم القيمة النصية للمخطوطات [56].(Textwert) وفي الواقع، لسنا بحاجة إلى افتراض هذا التفسير، بل يمكننا إثباته من خلال مقارنة البيانات المتداخلة المعروضة في الجدول 6.

التجمعية المخطوطات عدد كلمات NA 27 وحدات الاختلاف المتغيرات متوسط المتغيرات للوحدة متوسط الاختلافات للكلمة
يوحنا 1-10 (TuT) 1683 377 153 1570 10.26 4.16
يوحنا 18 (م) 1659 791 524 3058 5.84 3.87
فليمون (TuT) 563 14 4 65 16.25 4.64
فليمون (س) 572 335 293 967 3,30 2.89
يهوذا (TuT) 499 51 11 170 15,45 3.33
يهوذا (و) 560 461 324 1192 3.68 2,59

جدول 6. مقارنة بين بيانات “Text und Textwert” (TuT) وبيانات موريل(م)، وسولومون (س)، وواسرمان (و) تستثني هذه المقارنة القراءات التي لا معنى لها  (nonsense readings) من بيانات سولومون وواسرمان، بينما تشمل هذه القراءات ضمن بيانات TuT الخاصة بيوحنا 1–10 فقط.

في جميع الحالات الثلاث، تُظهر مقاطع الاختبار في سلسلة Text und Textwert معدلات اختلاف أعلى من المتوسط. في حالة إنجيل يوحنا، يوجد 0.29 متغيرًا أكثر لكل كلمة في مقاطع يوحنا 1–10 مقارنةً بتجميع موريل ليوحنا 18. في رسالة يهوذا، المعدل يزيد بمقدار 0.74 متغيرًا لكل كلمة. أما في فليمون، فالمعدل يزيد بشكل لافت بمقدار 1.75 متغيرًا لكل كلمة.

هذا يعني أنه إذا استخدمنا مقاطع Text und Textwert لتقدير عدد المتغيرات في فليمون ويهوذا بالكامل، فسوف نبالغ في التقدير بأكثر من 580 متغيرًا في فليمون و350 متغيرًا في يهوذا. قد يبدو هذا الفارق بسيطًا، لكن إذا تكرر نفس هذا المعدل على مستوى العهد الجديد كله، فسنحصل على تقدير زائد بمقدار يتراوح بين 100,000 و240,000 متغير. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، لن يكون تقديرنا بعيدًا تمامًا عن الواقع. وفائدة توفر بيانات من كل سفر على حدة تجعلنا لا نرفض تقدير Text und Textwert كليًا.

نقترح أن يكون التقدير المعقول لعدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني — باستثناء اختلافات الإملاء — حوالي نصف مليون متغير. هذا الرقم — ونؤكّد مجددًا أنه مجرد تقدير — يستند إلى عيّنة تمثّل تقريبًا 3% من كامل نص العهد الجديد اليوناني، وتشمل مخطوطات الأحرف الكبيرة، ومخطوطات الأحرف الصغيرة، وبعض كتب القراءات الكنسية. باستثناء سفر الرؤيا، يعتمد هذا التقدير على بيانات مأخوذة من أجزاء من كل سفر في العهد الجديد، وبالتالي لا يفترض أن جميع الأسفار نُسخت بنفس التكرار أو بنفس الدقة. كما لا يشمل التقدير المتغيرات المأخوذة من اقتباسات الآباء، الترجمات القديمة، التعاويذ، أو النقوش.

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال
  1. قيمة هذا التقدير

إذا كان التقدير السابق معقولًا، فما قيمته؟ قد يرى البعض أنه لا فائدة منه على الإطلاق، على سبيل المثال، كان (كينيث كلارك) مقتنعًا بأن “عدّ الكلمات مقياس لا معنى له للتنوع النصي، وأن جميع هذه التقديرات تفشل في نقل الأهمية اللاهوتية للاختلافات النصية”.[57] يمكننا أن نتفق مع الادعاء الثاني دون أن نتفق مع الأول، لأنه لا يوجد سبب للتشاؤم لدرجة الاعتقاد بأن العدّ والتقدير لا يمكن أن يقدّما شيئًا عن انتقال نص العهد الجديد؛ علينا فقط أن نكون دقيقين في كيفية استخدامنا للبيانات.

على ذكر الأمثلة السلبية، قد نميل إلى مقارنة تقديرنا بعدد المخطوطات اليونانية الموجودة، كما فعل (كريغ بلومبرغ) و(ستانلي بورتر).[58] في هذه الحالة، قد نستنتج أن كل واحدة من المخطوطات البالغ عددها 5,600 تُنتج في المتوسط 90 متغيرًا فقط. لكن قليلًا من التفكير يُظهر أن هذا الاستنتاج لا معنى له، لأن المخطوطات اليونانية تختلف اختلافًا كبيرًا في الطول؛ إذ لا يمكن مقارنة 90 متغيرًا في المخطوطة السينائية الضخمة بنفس العدد في قصاصة P52 الصغيرة.

فماذا لو استخدمنا عدد الصفحات بدلًا من عدد المخطوطات كوحدة مقارنة؟ تُشير الصفحة الرئيسية لموقع غرفة المخطوطات الافتراضية للعهد الجديد (NTVMR) إلى أن عدد الصفحات المفهرسة لمخطوطات العهد الجديد اليونانية يبلغ حاليًا 2,111,770 صفحة.[59] وهذا يعني، في المتوسط، متغيرًا واحدًا لكل أربع صفحات، أو 0.25 متغيرًا لكل صفحة. لا تزال لدينا مشكلة أن “الصفحة” ليست وحدة مقارنة ثابتة، لأن الصفحات تختلف في الحجم وفي كمية النص التي تحتويها، من دون وجود علاقة ضرورية بين العاملين. فالاختلافات النصية لا تنشأ أثناء تقطيع الصفحات أو تجليدها، بل تنشأ أثناء عملية نسخ الكلمات نفسها.

كمثال إضافي، كثيرًا ما يُقارن عدد الاختلافات النصية بعدد كلمات العهد الجديد (في إصدار معيّن على الأرجح).[60] وهذه المقارنة تؤدي إلى نتيجة تفيد بأن عدد الاختلافات يفوق عدد الكلمات، وهي نتيجة يراها بعضهم جذّابة لما تحمله من “أثر صادم”. لكن رغم شيوع هذه المقارنة، فإنها قد تكون الأكثر إثارة للشك، على الأقل إذا كان المقصود منها إخبارنا بشيء ذي معنى عن نقل نص العهد الجديد.

السبب هو أنها تتجاهل تمامًا أن العملية التي تُدخل الاختلافات إلى التقليد النصي (أي النسخ) تزيد أيضًا من إجمالي عدد الكلمات التي تشهد على نفس التقليد النصي. وكما هو الحال مع المقارنات الأخرى التي تمت دراستها، تفشل هذه المقارنة في إدراك أن النساخ يُدخلون اختلافات فقط أثناء عملية الكتابة. وكما في السابق، النتيجة هي مقارنة خاطئة.[61]

هل يمكننا إذًا أن نقول شيئًا ذا معنى بشأن نقل نص العهد الجديد بناءً على عدد المتغيرات المقدَّرة؟ نعم، إذا قارنا عدد المتغيرات الموجودة في مخطوطاتنا، لا بعدد المخطوطات، أو الصفحات، أو كلمات العهد الجديد، بل بعدد الكلمات الموجودة في المخطوطات التي أُخذت منها تلك المتغيرات. المشكلة أن لا أحد يعرف عدد الكلمات الموجودة في مخطوطاتنا الباقية، ويبدو أن لا أحد سيعرف لفترة.

مع ذلك، يمكننا إجراء هذه المقارنة على نطاق صغير باستخدام بياناتنا المستخرجة من المصادر الثلاثة الرئيسة. فمثلًا، إذا افترضنا أن المخطوطات الـ 1659 التي جُمِّعَت في يوحنا 18 تحتوي كل منها على عدد كلمات يتراوح بين 791 كلمة كما في نسخة NA27 و801 كلمة كما في نص روبنسون-پيربونت، فإن هذا يعني أن الكتبة أضافوا، في المتوسط، متغيرًا جديدًا واحدًا كل 430 كلمة منسوخة.

هذا المعدل قريب من الذي حسبه ديفيد باركر لعضوين متقاربين من العائلة 1 (Family 1) في متى، وهو متغير واحد كل 550 كلمة.[62] أما في رسالتي فليمون ويهوذا، فينخفض المعدل بشكل ملحوظ ليصل إلى متغير واحد كل 150 كلمة منسوخة. ومثلما لاحظنا سابقًا، فإن السبب يعود على الأرجح إلى قلة عدد المخطوطات البيزنطية [المستخدمة] لهاتين الرسالتين. في جميع الحالات الثلاث، تؤكد البيانات أن العدد الكبير من المتغيرات يعكس تكرار النسخ من قبل الكتبة أكثر مما يعكس عدم أمانتهم في النسخ.[63]

هناك فائدة إضافية لتقديرنا المقترح، وهي أنه يستند إلى بيانات نوعية، وليس كمية فقط .فيمكننا القول إن نحو 50٪ من المتغيرات التي قدّرناها هي من النوع الذي يعتبره كثير من نُقّاد النصوص الأقل احتمالًا لأن يكون أصليًا، أي “القراءات الشاذة”(singular readings) . يمكننا أيضًا أن نلاحظ أن في يوحنا 18، حوالي 44٪ من جميع المتغيرات هي من النوع الذي لم يتمكن المحرر من فهمه منطقيًا أو نحويًا، أي ما يُعرف بالقراءات “غير المفهومة”(nonsense variants). 
أما في رسالتي فليمون ويهوذا، فالنسب أقل لكنها لا تزال تصل إلى 18٪ و29٪ على التوالي. هذا يثبت ببساطة ما كان نُقّاد النصوص المتمرّسون يعرفونه دائمًا، وهو أن نسبة كبيرة من المتغيرات الموجودة في مخطوطاتنا لا تملك، أو تملك احتمالية قليلة، لأن تكون أصلية.

  1. الخاتمة

بعد نحو 150 عامًا من إصدار(ميل) نسخته التي قدّر فيها عدد المتغيرات النصية بنحو 30,000، اقترح (سكريفنر) أن يُضرب هذا الرقم في أربعة. واليوم، بعد أكثر من 150 عامًا من (سكريفنر)، يمكننا أيضًا أن نضاعف تقديره أربع مرات على الأقل، مع الإشارة إلى أن هذا التقدير يقتصر على المخطوطات اليونانية وحدها. ويمكن القول أيضًا إن جميع التقديرات السابقة كانت أقل من الواقع، ولا سيما تلك التي زعمت أنها تشمل قراءات نُقلت عن الترجمات القديمة أو عن آباء الكنيسة. الاستثناء الوحيد هو “التخمين الجريء” لـ (إلدون إيب) الذي يصل إلى 750,000 متغير، وهو على الأرجح مبالغ فيه، حتى مع احتساب الأدلة الأبائية والترجمية.

الأهم من ذلك، أن هذا التقدير يتيح للباحثين عدم إلقاء مسؤولية تقديراتهم على مصادر غير مذكورة أو غير مرئية. فالتقدير الحالي يستند إلى بيانات واضحة ومنهجية محددة، وكلاهما متاح للفحص العلني. ويُؤمَل أن تكون هاتان الميزتان كافيتين لردعنا جميعًا عن إعادة تكرار معلومات غير موثقة أو لا يمكن التحقق منها بشأن انتقال نص العهد الجديد اليوناني.[64]

  1. الملحق: مسح للتقديرات السابقة

تتضمن القائمة التالية مسحًا للتقديرات الواردة في كتب مقدمات العهد الجديد، ومقالات، والقواميس، والموسوعات، والدلائل التفسيرية، وكتب نقد نص العهد الجديد، وكتب تتناول أصل وتكوين الكتاب المقدس خلال الـ150 سنة الماضية. وعندما يكون المؤلف قد تم الاستشهاد به في هذه المقالة، يُكتفى هنا بذكر بيانات ببليوغرافية جزئية فقط.

المصدر التاريخ التقدير العالم

Plain Introduction, 3

1861 على الأقل 120,000

Scrivener, F. H. A.

Companion, 176

1883

150,000

Schaff, Philip

New Testament,’ The Imperial Bible-Dictionary: Historical  Biographical, Geographical, and Doctrinal (ed. Patrick Fairbairn; London: Blackie & Son) 370

1886

120,000

Dickson, William P.

Introduction, 13

1889

180,000 – 200,000

Warfeild, B. B.

‘Bible Text—New Testament,’ I.278

1891

150,000

Abbot, Ezra, C. von Tischendorf, and O. von Gebhardt

Einführung, 14

1897

120,000 – 150,000

Nestle, Eberhard

History of the Textual Criticism, 6

1899

150,000-200,000

Vincent, Marvin

Introduction to the New Testament, 589

1904 30,000 أو 100,000

Jülicher, Adolf

The Ancestry of Our English Bibles: An Account of Manuscripts, Texts, and Versions of the Bible (New York: Harper & Brothers) 201

1907

150,000

Price, Ira Maurice

‘Text and MSS (NT),’ V.2955

1915

200,000

Sitterly, Charles

Critique textuelle,’ II.262

1934 ‘حوالي 250,000’

Pirot, Louis and H. J. Vogels

Initiation, 9

1934

150,000-250,000

Vaganay, Léon

Text of the Epistles, 58

[1946]

1953

“كتلة لا يمكن تصورها ولا يمكن التحكم بها”

Zuntz, Günther

‘How to Use a Greek New Testament,’ 54

1951

250,000-300,000

Nestle, Erwin

‘Text, NT,’ 595

1962 أكثر بكثير من 150,000-250,000

Parvis, Merrill M.

‘The Textual Criticism of the New Testament,’ Peake’s Commentary on the Bible (ed. Matthew Black and H. H. Rowley; London: Thomas Nelson) 669

1962

300,000

Clark, Kenneth W.

‘Theological Relevance,’ 3, 12

1966

300,000

Clark, Kenneth W.

Introduction to the New Testament (New York: Doubleday) 77

1983

200,000

Collins, Raymond F.

Introduction to New Testament Exegesis (Grand Rapids: Eerdmans) 13–14

1993

[1987]

250,000

Stenger, Werner

‘Textual Criticism,’ New Testament Criticism and Interpretation (ed. David Alan Black and David S. Dockery; Grand Rapids: Zondervan) 128 n. 21

1991 عشرات أو حتى مئات الآلاف

Holmes, Michael W.

Introduction, 2

1991

150,000-250,000

Vaganay, Léon and C.-B. Amphoux

Manuscripts and the Text, 21

1995

300,000

Elliott, Keith and Ian Moir

‘Textual Criticism in the Exegesis of the New Testament, with an Excursus on Canon,’ A Handbook to the Exegesis of the New Testament (ed. Stanley E. Porter; Leiden: Brill) 52–53

1997

300,000

Epp, Eldon J.

Kenneth W. Clark Lectures, ‘Lecture One,’ §8

1997

300,000

Ehrman, Bart D.

‘Multivalence,’ 277

1999

300,000

Epp, Eldon J.

The Study of the New Testament: A Comprehensive Introduction (Leiden: Deo, 20033) 84

2003

250,000

Piñero, Antonio and Jesús Sáenz

‘Textual Criticism,’ 59

2004

300,000

Schnabel, Eckhard J.

‘All About Variants,’ 275, 291

2007 ثُلثُ مليونٍ

Epp, Eldon J.

Misquoting Jesus, 89

2005

200,000-400,000

Ehrman, Bart D.

‘Laying a Foundation: New Testament Textual Criticism,’ Interpreting the New Testament Text: Introduction to the Art and Science of Exegesis (ed. Darrell L. Bock and Buist M. Fanning; Wheaton: Crossway) 34

2006

300,000-400,000

Wallace, Daniel B.

Text of the New Testament, 38

2008

400,000

Greenlee, J. Harold

‘Factor Analysis,’ 29

2010

300,000

Baldwin, Clinton

‘Textual Criticism and New Testament Interpretation,’ 87

2011

400,000-750,000

Epp, Eldon J.

‘Textual Criticism of the New Testament,’ np

2012

400,000

Wallace, Daniel B.

Formation of the Bible, 129, 144

2012

200,000-400,000

McDonald, Lee Martin

How We Got the New Testament, 23, 65

2013 أكثر من 100,000

وقد تصل إلى 400,000

Porter, Stanley E.

Can We Still Believe the Bible?, 16–17, 27

2014

200,000-400,000

Blomberg, Craig L.

‘Why Does New Testament Textual Criticism Matter?,’ 419

2014

400,000-750,000

Epp, Eldon J.

[1] Peter J. Gurry, “The Number of Variants in the Greek New Testament: A Proposed Estimate,” New Testament Studies 62, no. 1 (2016): 97–121.

شكر خاص للأستاذ جرجس مخلص حنا على المراجعة اللغوية.

[2] رُوِيَت هذه القصة في:

 Adam Fox, John Mill and Richard Bentley: A Study of the Textual Criticism of the New Testament 1675 1729 (Oxford: Basil Blackwell, 1954) 105–15.

[3] Adam Fox, John Mill and Richard Bentley: A Study of the Textual Criticism of the New Testament 1675 1729 (Oxford: Basil Blackwell, 1954) 105–15.

[4] للاطلاع على قائمة المخطوطات التي كانت متاحة لـ (ميل)، انظر: Fox, Mill and Bentley، الصفحات 143–146. أما القائمة التي يحتفظ بها معهد أبحاث نص العهد الجديد (INTF) فهي متوفرة على الرابط: http://ntvmr.uni-muenster.de/liste. وفي وقت كتابة هذا البحث، كانت الأعداد كالتالي: 127 بردية(papyri) ، و286 مخطوطة بحروف كبيرة(majuscules) ، و2841 مخطوطة صغيرة(minuscules) ، و2384 مخطوطة قراءات كنسية .(lectionaries)

[5] Bart D. Ehrman, ‘Text and Interpretation: The Exegetical Significance of the “Original” Text,’ Studies in the Textual Criticism of the New Testament (NTTS 33; Leiden: Brill, 2006) 309; originally published as Bart D. Ehrman, ‘Text and Interpretation: The Exegetical Significance of the “Original” Text,’ TC: A Journal of Biblical Textual Criticism (2000), available athttp://rosetta.reltech.org/TC/v05/Ehrman2000a.html (accessed September 22, 2014). No estimate today ‘represents the sum total of all analyzed manuscripts’ as claimed by K. Martin Heide in ‘Assessing the Stability of the Transmitted Texts of the New Testament and the Shepherd of Hermas,’ The Reliability of the New Testament: Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace in Dialogue (ed. Robert B. Stewart; Minneapolis: Fortress, 2011) 157.

[6] Günther Zuntz, The Text of the Epistles: A Disquisition upon the Corpus Paulinum (Schweich Lectures 1946; London: Oxford University Press, 1953) 58.

[7] See especially Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace, ‘The Textual Reliability of the New Testament: A Dialogue,’ The Reliability of the New Testament: Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace in Dialogue (ed. Robert B. Stewart; Minneapolis: Fortress, 2011) 13–60, esp. 21–2, 32–4; Daniel B. Wallace, ‘Lost in Transmission: How Badly Did the Scribes Corrupt the New Testament Text?,’ Revisiting the Corruption of the New Testament: Manuscript, Patristic, and Apocryphal Evidence (Grand Rapids: Kregel, 2011) 26–40.

[8] Stanley E. Porter, How We Got the New Testament: Text, Transmission, Translation (Grand Rapids: Baker Academic, 2013) 66; Craig L. Blomberg, Can We Still Believe the Bible? An Evangelical Engagement with Contemporary Questions (Grand Rapids: Brazos, 2014) 17.

[9] Eldon Jay Epp, “Why Does New Testament Textual Criticism Matter? Refined Definitions and Fresh Directions,” ExpT 125, no. 9 (2014): 419.

[10] غالبًا ما لا يُدرك أن هذا الرقم (30,000 اختلاف) لم يصدر عن جون ميل نفسه، بل هو تقدير قدمه (Gerard von Maestricht) في المقدمة التمهيدية لإصداره للعهد الجديد اليوناني عام 1711 (انظر Fox, Mill and Bentley, صـ 105).

[11] F. H. A. Scrivener, A Plain Introduction to the Criticism of the New Testament for the Use of Biblical Students (Cambridge: Deighton, 1861) 3.

[12] Philip Scha8f, A Companion to the Greek Testament and the English Version (New York: Harper & Brothers, 1883) 176.

[13]كتب إلدون إيپ مؤخرًا أن “هورت (Hort) في عام 1882 تكلّم عن وجود 300,000 قراءة متنوّعة في الشواهد المعروفة”، لكن لم أجد أي دليل يدعم هذا الادعاء. انظر:  

Eldon Jay Epp, “Textual Criticism and New Testament Interpretation,” in Method and Meaning: Essays on New Testament Interpretation in Honor of Harold W. Attridge (ed. Andrew B. McGowan and Kent H. Richards; Resources for Biblical Study 67; Atlanta: SBL, 2011), 87; cf. Epp, “Why Does New Testament Textual Criticism Matter?”, 419.

[14] B. B. Warfield, An Introduction to the Textual Criticism of the New Testament (London: Hodder & Stoughton, 1889) 13.

[15] وارفيلد، Introduction، صـ 13 (التأكيد مني). لا تزال نفس طريقة العد مستخدمة، على سبيل المثال، في: نيل آر. لايتفوت، How We Got the Bible (غراند رابيدز: إيردمانز، 2003³)، صـ 96: “إذا وُجد اختلاف بسيط واحد في 4000 مخطوطة مختلفة، فسيُعد ذلك 4000 ‘خطأ”.

[16] طريقة العدّ هذه غير مستخدمة في الدراسات الحديثة، ولا يُعتدّ بها في الأوساط الأكاديمية، وليس من الأمانة استخدامها في الأعمال الدفاعية عربيةً كانت أو اجنبيةً، وقد نبّه الكاتب إلى ذلك بوضوح في مواضع أخرى من أعماله—المترجم.

[17] Ezra Abbot, C. von Tischendorf, and O. von Gebhardt, ‘Bible Text—New Testament,’ A Religious Encyclopedia or Dictionary of Biblical, Historical, Doctrinal, and Practical Theology (ed. Philip Scha8f; 4 vols.; New York: Funk & Wagnalls, 1891) I.278; Eberhard ٥, Einführung in das Griechische Neue Testament (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 18971) 14; Marvin R. Vincent, A History of the Textual Criticism of the New Testament (London: Macmillan, 1899) 6.

[18] Adolf Jülicher, An Introduction to the New Testament (London: Smith, Elder & Co., 1904) 589–90.

[19] Charles F. Sitterly, ‘Text and MSS (NT),’ The International Standard Bible Encyclopedia (ed. James Orr; 5 vols.; Chicago: Howard-Severance, 1915) V.2,955.

[20] H. J. Vogels and L. Pirot, ‘Critique textuelle du Nouveau Testament,’ Dictionnaire de la Bible: Supplément (ed. Louis Pirot; 13 vols.; Paris: Librairie Letouzey, 1934) II.226; Léon Vaganay, Initiation à la critique textuelle néotestamentaire (BCSR 60 ; Paris: Bloud et Gay, 1934) 9.

[21] Erwin Nestle, ‘How to Use a Greek New Testament,’ The Bible Translator 2, no. 2 (1951) 54.

[22] Kenneth W. Clark, ‘The Theological Relevance of Textual Variation in Current Criticism of the Greek New Testament,’ JBL 85, no. 1 (1966) 12.

[23] Merrill M. Parvis, ‘Text, NT,’ The Interpreter’s Dictionary of the Bible: An Illustrated Encyclopedia (ed. George Arthur Buttrick; 5 vols.; New York: Abingdon, 1962) IV.595; Clark, ‘Theological Relevance,’ 3.

[24] J. K. Elliott and Ian Moir, Manuscripts and the Text of the New Testament: An Introduction for English Readers (Edinburgh: T&T Clark, 1995) 21; Eldon Jay Epp, ‘The Multivalence of the Term “Original Text” in New Testament Textual Criticism,’ HTR (1999) 52; Ehrman, ‘Text and Interpretation,’ §8; Eckhard Schnabel, ‘Textual Criticism: Recent Developments,’ The Face of New Testament Studies: A Survey of Recent Research (ed. Scot McKnight and Grant R. Osborne; Grand Rapids: Baker Academic, 2004) 59.

[25] Eldon Jay Epp, ‘It’s All about Variants: A Variant-Conscious Approach to New Testament Textual Criticism,’ HTR 100, no. 3

[26] 4 J. Harold Greenlee, The Text of the New Testament: From Manuscript to Modern Edition (Grand Rapids: Baker, 2008) 38; Daniel B. Wallace, ‘Textual Criticism of the New Testament,’ Lexham Bible Dictionary (ed. John D. Barry and Lazarus Wentz; Bellingham, WA: Lexham, 2012); Lee Martin McDonald, Formation of the Bible: The Story of the Church’s Canon (Peabody, MA: Hendrickson, 2012) 144.

[27] Epp, ‘Textual Criticism and New Testament Interpretation,’ 87; Epp, ‘Why Does New Testament Textual Criticism Matter?,’ 419.

[28] Joel Best, Stat-Spotting: A Field Guide to Identifying Dubious Data (Berkeley: University of California Press, 2013) 124.

[29] Léon Vaganay and Christian-Bernard Amphoux, An Introduction to New Testament Textual Criticism (Cambridge: Cambridge University Press, 19912) 2; Ehrman, Misquoting Jesus, 89.

[30] 28 Heide, ‘Assessing,’ 157.

[31] Elliott and Moir, Manuscripts, 21.

[32] Warfield, Introduction, 13.

[33] Ehrman, ‘Text and Interpretation,’ §8; Wallace, ‘Lost in Transmission,’ 20.

[34] Eberhard Nestle, Einführung in das Griechische Neue Testament (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 1897) 14.

[35] Jane E. Miller, The Chicago Guide to Writing about Numbers (Chicago: University of Chicago Press, 20041) 200.

[36] Parvis, ‘Text,’ 595; Clark, ‘Theological Relevance,’ 3, 12. For comparison, David Parker estimates 11,000 variants in the nearly 2,000 Greek manuscripts of the Gospel of John. See David C. Parker, Textual Scholarship and the Making of the New Testament: The Lyell Lectures (Oxford: Oxford University Press, 2012) 84.

[37] Eldon Jay Epp, ‘Textual Criticism (NT),’ The Anchor Bible Dictionary (ed. David Noel Freedman; 6 vols.; New York: Doubleday, 1992) IV.413–14. For an extended discussion, see Eldon Jay Epp, ‘Toward the Clarification of the Term “Textual Variant,”’ in Studies in the Theory and Method of New Testament Textual Criticism (Studies and Documents 45; Grand Rapids: Eerdmans, 1993)

[38] Best, Stat-Spotting, 124.

[39] وقد أدّى هذا المعيار الأخير، للأسف، إلى استبعاد عمل H. C. Hoskier المهم بعنوان:

Concerning the Text of the Apocalypse: Collations of All Existing Available Greek Documents with the Standard Text of Stephen’s Third Edition, Together with the Testimony of Versions, Commentaries and Fathers. A Complete Conspectus of All Authorities, (2 vols.; London: Bernard Quaritch, 1929).

[40] M. Bruce Morrill, ‘A Complete Collation and Analysis of All Greek Manuscripts of John 18’ (PhD diss.; University of Birmingham, 2012); S. Matthew Solomon, ‘The Textual History of Philemon’ (PhD diss.; New Orleans Baptist Theological Seminary, 2014); Tommy Wasserman, The Epistle of Jude: Its Text and Transmission (Coniectanea Biblica New Testament Series 43; Stockholm: Almqvist & Wiksell, 2006).

[41] Kurt Aland et al., eds., Text und Textwert der griechischen Handscriften des Neuen Testaments (16 vols.; ANTF; Berlin: Walter de Gruyter, 1987–2005).

[42] For details, see Morrill, ‘Complete Collation,’ 63; Solomon, ‘Textual History,’ 29–37; Wasserman, Jude, 129–130; Kurt Aland, Barbara Aland, and Klaus Wachtel, eds., Text und Textwert der griechischen Handschriften des Neuen Testaments: V. Das Johannesevangelium: 1. Teststellenkollation der Kaptiel 1–10: Band 1,1: Handschriftenliste und vergleichende Beschreibung (ANTF 35; Berlin: Walter de Gruyter, 2005) 7*–8*.

[43] مخطوطات النص المستر هي: البرديات، ومخطوطات الأحرف الكبير، ومخطوطات الأحرف الصغير دون كتب القراءات (lectionaries) — المترجم.

[44] For representative discussions, see E. C. Colwell and Ernest W. Tune, ‘Method in Classifying and Evaluating Variant Readings,’ Studies in Methodology in Textual Criticism of the New Testament (NTTS 9; Leiden: Brill, 1969) 96–105; Epp, ‘Clarification’; Gordon D. Fee, ‘On the Types, Classification, and Presentation of Textual Variation,’ Studies in the Methodology in Textual Criticism of the New Testament (Studies and Documents 45; Grand Rapids: Eerdmans, 1993) 62–79; David C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008) 4–5; Barbara Aland et al., eds., Novum Testamentum Graecum: Editio Critica Maior IV: Catholic Letters (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 20132) 26*–7*.

[45] يجدر التنويه هنا إلى أن سولومون، على عكس موريل وواسرمان، يصنف الاختلافات بين الضمائر مثل ὑµῶν/ἡµῶν و αὐτοῦ/ἑαυτοῦ  ضمن فئة “فروق التهجئة” (Solomon, ‘Textual  History,’ (33 لقد قمتُ بحساب 18 حالة من هذه الاختلافات وأدرجتها فيما يلي، لأنني أرى أنه لا ينبغي تصنيفها كفروق تهجئة.

[46] For this distinction, see especially, Epp, ‘Clarification,’ 50. Precisely because this definition is oriented to manuscripts rather than reconstructed texts, it avoids completely the debates about the identification of the ‘original’ text, on which see Michael W. Holmes, ‘From ‘Original Text’ to ‘Initial Text’: The Traditional Goal of New Testament Textual Criticism in Contemporary Discussion,’ The Text of the New Testament in Contemporary Research: Essays on the Status Quaestionis (ed. Bart D. Ehrman and Michael W. Holmes; NTTSD 42; Leiden: Brill, 20132) 637–88.

[47] حول أهمية التمييز بين “variant” (الاختلاف النصي) و”variant unit” (وحدة الاختلاف)، انظر:

Colwell and Tune, ‘Method in Classifying,’ 99 100; Epp, ‘Clarifucation,’ 49–50, 60–1.

[48]  An excellent discussion of the problem is given in Morrill, ‘Complete Collation,’ 55–65. For a good illustration, see Parker, Introduction, 4–5. For an explanation of how software can segment texts in the process of collation, see Peter Robinson, ‘Rationale and Implementation of the Collation System Used on This CD-ROM,’ The Miller’s Tale on CD-ROM (Leicester: Scholarly Digital Editions, 2004), now available at http://www.sd-editions.com/AnaServer/?millerEx+3344574+text.anv (accessed October 2, 2014).

[49] تم إجراء هذا الإحصاء إلكترونيًا باستخدام برنامج Logos Bible Software. وللمقارنة، يحتوي النص الإلكتروني لإصدار Westcott and Hort على 137,655 كلمة، بينما يحتوي نصRobinson-Pierpont البيزنطي على 140,155 كلمة. استخدام الإصدار الأحدث Nestle-Aland 28 لن يُحدث فرقًا كبيرًا، لأنه أقصر من إصدار NA27 بـ سبع كلمات فقط. أنظر:

Barbara Aland et al., eds., Novum Testamentum Graece (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 2012) 50*–1*).

[50] عدد كلمات العَـيِّـنَـة وعدد كلمات العهد الجدي هي وفقًا لنص نستله ألاند الطبعة السابعة والعشرين — المترجم.

[51] أشكر كلاوس فاختل (Klaus Wachtel) على تزويدي بالملفات الرقمية التي تقف خلف الإصدار الثاني من ((ECM2.

[52] واسيرمان: 560 مخطوطة و1,694 متغير؛ :ECM2 156 مخطوطة و798 متغير.

[53] كما يلاحظ الباحث المتخصص في دراسات العصور والوسطى باولو تروفاتو: “يبدو أن عدد المتغيرات يتناسب طرديًا مع عدد الشواهد الباقية، لكن هذا الازدياد يميل إلى الاستقرار، متبعًا منحنى تشبّع(saturation curve) ، بمجرد أن تكون غالبية الشواهد قد جُمعت.

Everything You Always Wanted to Know about Lachmann’s Method: A Non-Standard Handbook of Genealogical Textual Criticism in the Age of Post-Structuralism, Cladistics, and Copy-Text (Storie e linguaggi; Padova: Libreriauniversitaria.it, 2014) 62.

[54] الاستثناء الوحيد هو المجلد الأخير المتعلق بإنجيل يوحنا 1–10، إذ يسجّل كلًّا من القراءات غير المنطقية (nonsense variants) والقراءات الإملائية .(orthographic variants) باستثناء الجدول 6، سنستبعد هذه القراءات حفاظًا على التناسق في البيانات.

[55] تقديرات عدد القراءات المختلفة  في كل سفر هي كما يلي: متى: 84,759، مرقس: 54,259، لوقا: 100,527، يوحنا:  54,097، أعمال الرسل: 74,907 رومية: 26,808 كورنثوس الأولى: 22,402 كورنثوس الثانية: 16,252 غلاطية: 10,927 أفسس: 9,518 فيلبي: 5,946 كولوسي: 8,369 تسالونيكي الأولى: 7,849 تسالونيكي الثانية: 3,185 تيموثاوس الأولى: 8,416 تيموثاوس الثانية: 5,918 تيطس: 4,903 فليمون: 1,554 عبرانيين: 20,555 يعقوب: 4,965 بطرس الأولى: 9,700 بطرس الثانية: 3,517 يوحنا الأولى: 5,417 يوحنا الثانية: 1,416 يوحنا الثالثة: 688 يهوذا: 1,535 الرؤيا: 42,655.  وبسبب عدم توفّر بيانات لسفر الرؤيا في سلسلة Text und Textwert، قمنا باحتساب المتوسط العام لمعدل التغيّر في الأسفار الستة والعشرين الأخرى، والذي بلغ 4.33.

[56] Kurt Aland and Barbara Aland, The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Editions and to the Theory and Practice of Modern Textual Criticism (Grand Rapids: Eerdmans, 19892) 318. This would also explain the much higher rate of variants per variation unit.

[57] Clark, ‘Theological Relevance,’ 5. In a similar vein, Bart Ehrman says of his ‘Orthodox corruptions’ that ‘it is pointless … to calculate the numbers of words of the New Testament a8fected by such variations’ (Bart D. Ehrman, The Orthodox Corruption of Scripture: The E9fect of Early Christological Controversies on the Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 2003) 276). For a response, see Heide, ‘Assessing,’ 125–59, esp. 155.

[58] Porter, How We Got the New Testament, 66; Blomberg, Can We Still Believe?, 17.

[59] See http://ntvmr.uni-muenster.de (accessed 5 February, 2015).

[60] Examples are found in Eberhard Nestle, Einführung, 14; Vogels and Pirot, ‘Critique textuelle,’ II.262; Erwin Nestle, ‘How to Use,’ 54; Otto Stegmüller, ‘Überlieferungsgeschichte der Bibel,’ Die Textüberlieferung der antiken Literatur und der Bibel (München: Deutscher Taschenbuch, 19751) 195; Ehrman and Wallace, ‘Textual Reliability,’ 21, 32–3; Clinton S. Baldwin, ‘Factor Analysis: A New Method for Classifying New Testament Greek Manuscripts,’ Andrews University Seminary Studies 48, no. 1 (2010) 29.

[61] المقصود هنا أنه عدد الاختلافات بين كامل مخطوطات العهد الجديد يجب أن يُقارن بإجمالي عدد الكمات في تلك المخطوطات، وليس بعدد كلمات العهد الجديد نفسه البالغة حوالي 138020 كلمة، قارن هذا مع اعمال أخرى للكاتب عبر فيها عن هذا بتفصيل:

Peter J. Gurry, “Myths About Variants: Why Most Variants Are Insignificant and Why Some Can’t Be Ignored,” in Myths and Mistakes in New Testament Textual Criticism, ed. Peter J. Gurry and Elijah Hixson (Downers Grove, IL: IVP Academic, 2019), 191-210.

[62] مخطوطتي الأحرف الصغير 1 و1582. أنظر Parker, Introduction, 137 .

[63] كما يوضح )ديفيد باركر(: “إن مدى الاختلاف مرتبط بتكرار النسخ، بحيث يمكن أن تؤدي تغييرات نادرة نسبيًا، عبر عدد كبير من المخطوطات، إلى حجم الاختلاف الموجود”.

Variants and Variance,’ Texts and Traditions: Essays in Honour of J. Keith Elliott (ed. Peter Doble and Je8fery Kloha; NTTSD 47; Leiden: Brill, 2014) 34.

وقد أوضح )صموئيل تريجيليس( السبب ذاته، حيث فسر العدد الكبير من المتغيرات بأنه يعود “جزئيًا إلى تكرار نسخ العهد الجديد، وجزئيًا إلى العدد الكبير من النسخ التي وصلت إلينا”.

Thomas H. Horne, John Ayre, and Samuel P. Tregelles, An Introduction to the Critical Study and Knowledge of the Holy Scriptures (4 vols.; London: Longmans, Green, & Co., 1869) IV.48)

[64] من بين الذين قرأوا مسودات هذا البحث، يستحق كل من بيتر إم. هيد (Peter M. Head)، ديرك يونغكيند (Dirk Jongkind)، بيتر دي. مايرز (Peter D. Myers)، ودانيال ب. والاس (Daniel B. Wallace) تنويهاً خاصاً على ملاحظاتهم وتعليقاتهم.

 

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري [1] ترجمة: آرثر دانيال

تاريخ التخمينات الحدسيّة في إصدارات نسخة نسله-ألاند – ردًا على ادِّعاء سامي عامري

تاريخ التخمينات الحدسيّة في إصدارات نسخة نسله-ألاند – ردًا على ادِّعاء سامي عامري

تاريخ التخمينات الحدسيّة في إصدارات نسخة نسله-ألاند – ردًا على ادِّعاء سامي عامري

تاريخ التخمينات الحدسيّة في إصدارات نسخة نسله-ألاند – ردًا على ادِّعاء سامي عامري

 

لطالما إعتقد علماء النقد النصي أن العدد الهائل للشواهد النصية المتاحة للعهد الجديد (أكثر من خمسة آلاف مخطوطة يونانية، بالإضافة إلى آلاف الترجمات القديمة، وأيضًا اقتباسات الآباء) تُمكِّننا من الجزم بالاحتفاظ بالنص الأصلي في كل حالة في مكانٍ ما في هذه الشواهد.

 

اشتهرت هذه المنهجية بقول كورت وباربرا ألاند (Kurt & Barbara Aland) الواضح، ”هذا يؤكد الاستنتاج القائل بأن أي قراءة وُجِدَت في التقليد النصيّ، من القراءة الأصلية فصاعدًا، تم الاحتفاظ بها في التقليد وتحتاج فقط إلى تحديدها.“ [1]

 

هذه الرؤية للتقليد النصي استمرت قائمة حتى الآن بين كثير من العلماء. الأمر الذي جعلهم يتخلَّون عن فكرة ”التخمين الحدسيّ“، والذي يعتمد على احتمالية ضياع القراءة الأصلية من كل الشواهد المتاحة. ومن هذا المُنطلق يُستلزَم تفعيل الحِدس لتصحيح أو استرجاع النص.

 

هذه المنهجية المُتّبَعة يَصفْها لنا إلدون إيب (Eldon Epp) (بغض النظر عن موقفه الشخصي منها):

النقطة هي أننا لدينا الكثير من المخطوطات للعهد الجديد وأن هذه المخطوطات تحوي العديد من القراءات المختلفة بحيث يكون من المؤكد أن القراءة الأصلية في كل حالة موجودة في مكان ما في مستودعنا الهائل للمادة. من الناحية النظرية، من المفترض أن ذلك يجعل مهمة استعادة النص الأصلي بسيطة نسبيًا. بالمناسبة، هذا العدد الهائل من المخطوطات هو السبب في أن التخمينات–التي تلعب دورًا كبيرًا جدًا في النقد النصي للأدب الكلاسيكي، وكذلك العهد القديم–نادرة وغير موجودة تقريبًا في الدراسات النصيّة للعهد الجديد. [2]

 

يمكن أن نرى آثارًا لهذه المنهجية في كثير من نُسَخ العهد الجديد، أهمها إصدارات نسله-ألاند والتي سجَّلت انخفاضًا في استخدام التخمين الحدسي بمرور الوقت.

في الإصدار الثالث عشر (N13)، والذي نُشر عام ١٩٢٧م، سجَّل إروين نسله (Erwin Nestle) مُحرِّر النسخة، ثمانية عشر تخمينًا في الأداة النصيّة (apparatus)،  [3] وميَّزها بشكل مُعيَّني (♦) للدلالة على أنه ”يجب اعتبارها أصلية.“ [4]

على النقيض، نجد أن مُحرِّري الإصدار الثامن والعشرين (NA28) في عام ٢٠١٢م، تَبنّوا تخمينين فقط في نصِّهم المنشور، في هذين الموضعين (أع ١٢:١٦، ٢بط ١٠:٣)، يعتقد المُحرّرون أن القراءة الأصلية ضاعت وبالتالي يستلزم إعمال التخمين الحدسي لاستعادة القراءة الصحيحة.

 

بالتأكيد هذه النُدرة في تبنّي التخمينات في إصدارات نسله-ألاند لا تعني أن محرريها ضد فكرة التخمينات الحدسية في حد ذاتها (هذا واضح من قبولهم لها في مواضع محدودة)، فمن الممكن أن تكون القراءة الأصلية لم تَنجُ في أيٍ من المخطوطات حتى في ظل العدد الهائل الشواهد المتاحة. لكن هذا الانخفاض في عدد مرات استخدام التخمين بين الإصدارين ليس بلا سبب! ففي حين أن العدد في الإصدار الثالث عشر كافي لإثبات موثوقية النص (١٨ موضع فقط!)، الأمر تغير مع اكتشاف شواهد نصية جديدة، مما أدى إلى ازدياد هذه الموثوقية، ليَقِل العدد إلى موضعين فقط.

 

في الواقع هذا ما جادل به دانيال والاس (Daniel B. WALLACE)، بأن في موضع واحد فقط في الإصدار السابع والعشرين (NA27) إحتاج مُحررو نسخة نسله-ألاند تخمين القراءة الأصلية. وحتى في هذا الموضع الواحد لم تتفق اللجنة بأكملها على قبول التخمين بل تمسك البعض بقراءة أخرى موجودة في إحدى المخطوطات، وكان الفارق بين القراءتين حرف واحد فقط، الأمر الذي يُثبِت عدم الحاجة للتخمين الحدسي في نص العهد الجديد. [5]

 

هذه الموثوقية البيّنة في نص العهد الجديد لم تُعْجِب البعض فحاولوا قلب الصورة تمامًا. سامي عامري، على سبيل المثال، كتَب في محاولة منه للرد على أدلّة دانيال والاس:

تجاهلت المراجعة ٢٨ لنصّ (نستل – ألاند) هي أيضًا – كما المراجعة ٢٧ – التخمين الحدسيّ، ومع ذلك فقد أقرّ مُعِدُّوها أنهم قد بنوا رأيهم على ترك التخمين الحدسيّ لا على الثقة في احتفاظ مخطوطاتنا بالنص الأصلي، وإنما على أساس أن هذه النسخة لم تَسْعَ أصلًا إلى الوصول إلى النصّ الأصليّ، وإنما الوصول إلى النص القديم الممكن من خلال الأدلّة المادية المتاحة، وهو ما ينفي عن أصحاب هذه النسخة النقدية الثقة المزعومة في الشواهد المتاحة لإقامة النص الأصليّ. [6]

 

كان هذا ادِّعاء عامري فيما يتعلق بالتخمينات الحدسية.

 

بدايةً، يدَّعي عامري أن الإصدار ٢٧ لنسله-ألاند (الذي اعتمد التخمين في موضع واحد فقط) تجاهل هو أيضًا–كما الإصدار ٢٨ (الذي اعتمد التخمين في موضعين)– الاعتماد على الحِدس لمجرد الرغبة في تركه ليس أكثر. (لا أعرف أين هو ترك التخمين، في حين أن عامري يعلم جيدًا حُجة والاس بوجود موضعًا للتخمين في الإصدار ٢٧!)

 

في كل كلامه، لم يعتمد عامري سوى على مرجع واحد يسجله لنا، وهو دليل المُستخْدِم لإصدار نسله -آلاند الثامن والعشرين من تأليف ديفيد تروبِش (David Trobisch).

 

لنقرأ إذن ما يقوله تروبش:

قرر مُحررو نسله-ألاند ٢٨ الامتناع عن تدوين التخمينات في الهامش (الأداة النصيّة – apparatus). الإشارات [إلي التخمينات] في الإصدارات السابقة كانت مُعضلة لأنها كانت في كثير من الأحيان مختصرة للغاية بحيث كان من الصعب تحديد المصدر. كان يُعتبَر هذا غير مُرضٍ، خاصًة لأن الاختيار بدا بالكاد تمثيليًا [للموقف] وعَكَسَ فقط الأدب القديم. بدلًا من ذلك، تم حذْف تدوين التخمينات تمامًا، وتم تسليم مهمة تجميع سجلّ جديد الآن إلى مجموعة من الباحثين في جامعة أمستردام. [7]

 

المشكلة في ادّعاء عامري تكمن هنا في عدم إنتباهه جيدًا لما قاله تروبش، بالإضافة إلى جهله بآليات تدوين التخمينات الحدسية في الإصدارات النقدية المختلفة.

 

ففيما يتعلق بإصدارات نسله-ألاند ٢٧ و٢٨، هناك فرْق واضح بين تدوين التخمينات في الأداة النصيّة وبين تَبنّي هذا التخمينات في مَتْن النص نفسه. هذه الحقيقة تُعتبر بمثابة السطر الأول في دراسة التخمينات الحدسية. في الواقع، هذا ما افتتح چان كرانز (Jan Krans) مقالته الهامة عن تاريخ التخمينات بترسيخه في بداية الأمر وقبل حتى الشروع في سَرْد تاريخه:

يلعب التخمين الحدسي دورًا مهمًا في تاريخ النقد النصي للعهد الجديد، كيفما كان طفيفًا أو مُتنازَعًا عليه. يسرد الإصدار النقدي الأكثر استخدامًا، نسله-ألاند ٢٧، العديد من التخمينات في أداته النصية (apparatus)، في حين أن نصه (text) يعتمد بوضوح على التخمين في موضع واحد، أع ١٢:١٦. نسخة  ECM2[للرسائل الكاثوليكية]، بالرغم أنها امتنعت عن تدوين التخمينات في أداتها النصية، إلا إنها تعتمد [في نصها] بشكل مثير للجدل على تخمين حدسي في ٢بط ١٠:٣. [8]

 

هنا يوضح كرانز الفارق بين التخمينات في الهامش والنص نفسه. ففي حين أن الإصدار ١٣ سجَّل ٢٠٠ تخمينًا في الأداة النصيّة من قِبَل ٩٠ عالِمًا، يعتمد نصه فقط على ١٨ تخمينًا. وفي الوقت الذي يسرد فيه الإصدار السابع والعشرين ١٢٩ تخمينًا (على الأكثر) في أداته النصيّة، تَبنّى مُحرّريه التخمين في موضع واحد فقط. [9]

أما في الإصدار ٢٨، الأمر كان مختلفًا. فبخلاف الإصدارات السابقة، امتنع المُحرّرون عن تدوين التخمينات في الأداة النصيّة (وليس في النص)، والذي يعتمد نصه على التخمين في موضعين فقط (أكثر من الإصدار ٢٧ بموضع، ولكنه يظل أقل بشكل ملحوظ من الإصدار ١٣).

 

هذا الفارق الهام يوضحه لنا أكثر بروس ميتزجر (Bruce M. Metzger) وبارت إيرمان (Bart D. Ehrman) في كتابهما الشهير:

في الواقع، من بين جميع التخمينات المنسوبة إلى العديد من العلماء المُتضمَنَة في الأداة النصيّة (apparatus) لإصدار العهد الجديد اليوناني لنسله-ألاند، تنعكس حِفْنَةٌ قليلة فقط في النص (text) أو في قراءة هامشية لمجموعة واسعة من الترجمات والمراجعات الإنجليزية، الفرنسية، والألمانية للعهد الجديد. [10]

 

هذا الفارق الكبير لا يُمكن تجاهله بهذه السذاجة.

فكيف إذن يدَّعي عامري أن محرري كلتا النسختين (نسله-ألاند ٢٧ و٢٨) تجاهلوا التخمينات الحدسية، في حين أن الإصدار ٢٨ كان استثناًء كما رأينا؟! وعلى أي أساس يدّعي أنهم تركوا التخمين لمجرد رغبتهم في تركه، لا على أساس ثقتهم في الشواهد المتاحة، في حين أنهم امتنعوا عن تدوين التخمينات في الأداة النصيّة فقط، وحجة والاس تعتمد على التخمينات في النص نفسه؟!

هذا خَلْط غير مُبرّر من سامي عامري (مثله كمثل مَن يخلط بين القراءات المدوَّنة في الأداة النصيّة والقراءات المُتبناه كأصلية في النص نفسه). فهو يحاول الرد على علماء النقد النصي المتخصّصين في مسألة، هو في الواقع يجهل السطر الأول فيها، وهي تاريخ التخمينات الحدسيّة في الإصدارات النقدية.

 

أيضًا لا نجد في كلام تروبش السبب الذي ادّعاه عامري في محاولة تبريره لغياب التخمينات الحدسيّة. ففي الواقع، السبب لم يكن لأن ”هذه النسخة لم تَسْعَ أصلًا إلى الوصول إلى النصّ الأصليّ، وإنما الوصول إلى النص القديم الممكن من خلال الأدلّة المادية المتاحة“، بل، كما ذكَر تروبِش، لسببين: الأول، لأن الإشارات إلى التخمينات في الأداة النصيّة كانت مُختصَرَة للغاية بسبب محدودية المساحة، وبالتالي تخلق نوعًا من الصعوبة في تحديد مصدرها. الثاني، لأنه أصبح هناك قاعدة بيانات كاملة خاصة بكل التخمينات الحدسيّة التي اقترحها العلماء، وهي قاعدة “أمستردام للتخمين الحدسي للعهد الجديد” (Amsterdam Database of Conjectural Emendation)، وهي متاحة على موقعها على شبكة الإنترنت، فلم تَعُد هناك حاجة لوضع هذه المعلومات في الأداة النصيّة. السبب الثاني يمكن قراءته بوضوح أكثر في مقدمة الإصدار الثامن والعشرين نفسه. [11]

 

فأين إذن السبب الذي ألَّفَه عامري ليوهم قُراءه بعكس الحقيقة؟!

ببساطة، لا وجود له. لأن حتى هذا السبب ”الوهمي،“ بالرغم من فساد منشأه، لا تكاد تخلو كل كلمة فيه من مشاكل جسيمة. فقوْل عامري، ”ومع ذلك فقد أقرّ مُعِدُّوها أنهم قد بنوا رأيهم على ترك التخمين الحدسيّ لا على الثقة في احتفاظ مخطوطاتنا بالنص الأصلي، وإنما على أساس أن هذه النسخة لم تَسْعَ أصلًا إلى الوصول إلى النصّ الأصليّ، وإنما الوصول إلى النص القديم الممكن من خلال الأدلّة المادية المتاحة، وهو ما ينفي عن أصحاب هذه النسخة النقدية الثقة المزعومة في الشواهد المتاحة لإقامة النص الأصليّ“، يَفترض أن غياب غاية الوصول إلى النص ’الأصلي‘ واستبدالها بالوصول إلى النص ’الأوَّلي‘ تتطلّب الاستغناء عن التخمين الحدسي، بل وتتطلب فقْد الثقة في ”الشواهد المتاحة لإقامة النص الأصلي.“

وهذا غير صحيح على الإطلاق. فالنص ’الأوّلي‘ نفسه يمكن أن يكون نتاج التخمين الحدسي في بعض المواضع. (على سبيل المثال، أع ١٢:١٦ و ٢بط ١٠:٣، كما هو في النص الأولي للإصدار نسله-ألاند ٢٨.)

 

وهنا، في حالة التخمينات، يُحذر بيتر جوري (Peter J. Gurry) من سذاجة محاولة التفريق بين النص ’الأولى‘ والنص ’الأصلي‘ :

في الحالات التي يكون فيها النص الأوَّلي في حد ذاته تخمينًا، فإن التمييز بين النص الأوَّلي ونص المؤلف يكون بلا معنى. …من الصعب تَخيُّل كيف يمكن للمرء أن يجادل بشكل مُقْنِع بأن النص الأوّلي المُستَنِد على التخمين ليس هو نص المؤلف. [12]

هذه الرؤية تعتمد، في المقام الأول، على العلاقة بين النص الأصلي والنص الأوّلي، والتي هي غير واضحة بما يكفي في نسخة نسله-ألاند ٢٨، ولكن نجد لها إجابة واضحة وصريحة في الإصدار الثاني لنسخة ECM للرسائل الكاثوليكية. تكمن أهمية ما تبناه فريق عمل هذه النسخة، كما يُصرِّح سامي عامري، في أن ”عملهم هو الذي تبنته نسخة (NA28)، في تنقيحها للنسخة السابقة، وأنهم بذلك يُعبِّرون عن موقف أهم مؤسّسة علميَّة عالميًا اليوم، أي (INTF) المشرفة على المراجعة الثامنة والعشرين.“ [13]

بمعنى، نص الإصدار الثاني لنسخة ECM للرسائل الكاثوليكية متطابق مع النص الموازي في نسخة نسله-ألاند ٢٨.

 

مصطلح ”النص الأوَّلي“ (Ausgangstext)، الذي يُقصَد به ”النص الذي يقف عند بداية الشواهد المتاحة، والذي ينحدر منه التقليد النصي بأكمله،“ تم استخدامه في سياق النقد النصي للعهد الجديد لأول مرة من قِبَل جِرد مِنك (Gerd Mink) مُخترع نظام الترابط النَسَبي بين الشواهد النصيّة (Coherence-Based Geneological Method)، في محاضرة له عام ١٩٩١م، والتي كانت أساس ظهور المصطلح لأول مرة في مقالة له عام ١٩٩٣م. [14]

 

سامي عامري يدَّعي أن نسخة نسله-ألاند ٢٨ ”لم تَسْعَ أصلًا إلى الوصول إلى النصّ الأصليّ، وإنما الوصول إلى النص القديم الممكن من خلال الأدلّة المادية المتاحة“، الأمر الذي ”ينفي عن أصحاب هذه النسخة النقدية الثقة المزعومة في الشواهد المتاحة لإقامة النص الأصليّ.“ وهو أيضًا ادّعاء غير صحيح ومفهوم قاصر لمصطلح ”النص الأوّلي.“

 

جِرد مِنك، وهو أحد مُحرّري نسخة  ، ECM يُقدِّم تعريفه الكامل الصحيح للنص الأوّلي كالأتي:

النص الأوّلي ليس مجرد تركيب (Reconstruction) على أساس الأشكال المختلفة المتاحة (the surviving variants)، والذي يُفسِّر بشكل أفضل ظهور الاختلافات وبالتالي يُمثِّل النموذج الأصلي (archetype) للتقليد. لكن بدلًا من ذلك، هناك العديد من الفرضيات الممكنة حول بدايات التقليد. فرضية العمل الأبسط يجب أن تكون هي [افتراض] عدم وجود تغييرات بين النص الأصلي والنص الأوّلي (باستثناء انزلاقات النَسْخ الحتمية). في هذه الحالة، لا يتم تحديد تركيب النص الأوَّلي فقط من خلال التقاليد اللاحقة (أيُ شكْل نصيّ يمكن أن يكون مُستمَدًا منه؟)، ولكن أيضًا من خلال نوايا المؤلف (author’s intentions) عندما تَظهَر في مُجْمَل ما نعرفه عنه (هل من المُرجَّح أن يَصدُر اختلاف ما من قلم المؤلف أم من الناسخ)… [15]

 

بمعنى أبسط، مِنك هنا ينفي ما يقوله عامري بخصوص قصور النص الأوَّلي على ”الأدلة المادية المتاحة“، والذي سيجعله، في هذه الحالة، مساوي للنموذج (archetype) لكن جرد منك يوضح بأن هناك فرضيات عديدة مختلفة حول ماهية النص الأوّلي. أبسط هذه الفرضيات، تكمن في عدم وجود تغييرات مُعتبرة بين النص الأوَّلي والنص الأصلي. من هذا المُنطلق (منطلق تساوي النص الأوَّلي بالنص الأصلي) يُمكن تفعيل الاحتمالات الجوهرية (intrinsic probabilities) التي تعتمد على دراسة أسلوب الكاتب كمعيار هام يتم على أساسه تحديد أصالة القراءات النصيّة. ومن هذا المُنطلَق يمكن أيضًا تفعيل التخمين الحدسي.

 

نفس هذا التعريف والفرضيات ذُكِرَت من قِبَل المُحرّرين في مُقدمة الإصدار الثاني لنسخة ECM للرسائل الكاثوليكية ، مُضيفين لها أن ”الهدف من تركيبنا [أي النص الأوّلي لنسختهم] هو فرضية حول نصوص المؤلفين.“ [16]

 

فبالرغم من سَعْيهم للوصول إلى النص ’الأوّلي‘ وليس النص ’الأصلي‘، لا يُفرِّق مُحرّريها بين النصّين، بل يَعتبرون الهدف الأول مساوي للثاني.

 

فأين إذن ما ادَّعاه عامري بنفي المُحرّرون للثقة في استعادة النص الأصلي لمجرد تغيير الهدف إلى النص الأولي؟

 

فبحسب جرد منك ومُحرري نسخة ECM2، لا يوجد فارق مُعتبر بين النص الأصلي والنص الأوّلي في ظِل عدم وجود أدلة على ”تغييرات هامة“ وقعت بين نص المؤلف ونموذج التقليد (archetype).

 

أما بخصوص التخمين الحدسي، فيُصرِّح مُحررو نسخة ECM2 إنه يُسْمَح بالتخمين، عندما يُفترَض أن النص الأوَّلي هو نص المؤلف.[17]

 

 أصبح واضحًا الآن خطأ ادعاء سامي عامري، الذي وهو يمثل بضعة أسطر فقط، يحوي مشاكل وأخطاء كثيرة، تتخطى حتى حجمه، وهو أمر لا يختلف كثيرًا عن باقي محاولاته البائسة للرد على الدارسين المتخصصين. لم يَمس رد عامري أي طَرَفٍ من حُجْة والاس. ويَظل الدليلُ قائمًا.

«إِلَى هُنَا أَعَانَنَا الرَّبُّ»

 

 

[1] Kurt Aland and Barbara Aland, The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Editions and to the Theory and Practice of Modern Textual Criticism, trans. Erroll F. Rhodes, 2nd ed. (Grand Rapids: Eerdmans, 1989), 296.

[2] Eldon Epp, “Decision Points in New Testament Textual Criticism,” in Studies in the Theory and Method of New Testament Textual Criticism, ed. Eldon Jay Epp and Gordon D. Fee (Grand Rapids: Eerdmans, 1993), 31.

[3] Peter Gurry, “List of Conjectures Accepted in Nestle Editions,” Evangelical Textual Criticism, (blog), January 29, 2018, http://evangelicaltextualcriticism.blogspot.com/2018/01/list-of-conjectures-accepted-in-nestle.html?m=1

[4] Eberhard Nestle and Erwin Nestle, eds., Novum Testamentum Graece cum apparatu critico, 13th ed. (Württemberg: Württembergische Biblenstalt, 1927), 12*.

[5] Daniel B. Wallace, “Is What We Have Now What They Wrote Then?,” in Reinventing Jesus: What The DaVinci Code and Other Novel Speculations Don’t Tell You, ed. J. Ed Komoszewski, M. James Sawyer and Daniel B. Wallace (Grand Rapids: Kregel, 2006), 285 n.5.

[6]  سامي عامري، استعادة النص الأصلي للإنجيل: في ضوء قواعد النقد الأدنى: إشكاليات التاريخ والمنهج، الطبعة الأولى (مركز الفكر الغربي: الرياض، ٢٠١٧)، ٢٣٩.

[7] David Trobisch, A User’s Guide to the Nestle-Aland 28 Greek New Testament, Text-Critical Studies 9 (Atlanta: SBL, 2013), 43.

[8] Jan Krans, “Conjectural Emendation and the Text of the New Testament,” in The Text of the New Testament in Contemporary Research: Essays on the Status Quaestionis, ed. Bart D. Ehrman and Michael W. Holmes, NTTSD 42 (Leiden: Brill, 2013), 613.

[9] Krans, “Conjectural Emendation,” 620, 613 n.1.

[10] Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration, 4th ed. (New York: Oxford University Press, 2005), 230.

[11] Barbara Aland et al., eds., Novum Testamentum Graece, 28th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 2012), 49*.

[12] Peter J. Gurry, A Critical Examination of the Coherence-Based Genealogical Method in the New Testament Textual Criticism, NTTSD 55 (Leiden: Brill, 2017), 98.

[13]  عامري، استعادة النص الأصلي للإنجيل، ٣١٢.

[14] Gerd Mink, “Eine umfassende Genealogie der neutestamentlichen Überlieferung,” NTS 39, no. 4 (1993): 481–499.

[15] Gerd Mink, “Problems of a Highly Contaminated Tradition: The New Testament: Stemmata of Variants as a Source of a Genealogy for Witnesses,” in Studies in Stemmatology II, ed. Pieter van Reenen, August den Hollander, and Margot van Mulken (Philadelphia: John Benjamins, 2004), 25–26.

[16] Barbara Aland et al., eds., Novumm Testamentum Graecum: Editio Critica Maior IV: Catholic Letters: Part 1: Text, 2nd ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 2013), 30*.

[17] Ibid.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.

والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.

إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.

ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.

أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.

ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]

فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.

فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.

فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.

وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.

وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.

ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]

لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.

وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.

ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.

فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.

وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.

وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.

وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.

بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.

لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.

والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.

فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.

وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.

إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.

ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.

والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.

والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.

والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.

ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.

وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.

ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.

فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.

والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.

وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.

وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.

فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.

ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.

وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.

فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.

فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]

فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.

فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.

  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الرد على بارت إيرمان في ادعاء “جهل التلاميذ”

الرد على بارت ايرمان في ادعاء “جهل التلاميذ”

الرد على بارت إيرمان

الاعتراض المتداول من قبل بعض المشككين امثال بارت ايرمان وغيره ان التابعين ليسوع هم مجرد مجموعة من اقل الدرجات الاجتماعية الجهلة فبطرس ويوحنا عاميان[1]. لكن هل هذه هي الحقيقة؟

يذكر لنا الباحث في العهد الجديد Timothy Paul Jones ان ايرمان يعطينا كالمعتاد جزء من الصورة:

الصعوبة الاولي التي تواجه ايرمان هي ان كلمة ἀγράμματος agrammatos عديمي العلم لا تعني بالضرورة ان بطرس ويوحنا اميين. لكن في السياق الداخلي يتضح المعني انهم لم يتعلموا في مدارس الربيين الشريعة اليهودية. وفي هذه الحالة يشير اعضاء المجلس انهم على الرغم من الجرأة التي يتحدثون بها في تفسير الاسفار المقدسة العبرية لكن بطرس ويوحنا لم يدرسوا كالرابيين”[2]

ثم يتناول Jones ما تعمد بارت ايرمان عن اغفاله كالمعتاد بتقديم صوره ناقصة للناحية الدراسية ويجيب على الموضوع بنوع من التفصيل: –

متي جابي الضرائب

في انجيل متي نجد ان متي هو عشار او جابي ضرائب. ومن الصعب ان أحد المسيحين الاوائل ينسب لنفسه هذه المهنة المحتقرة. وايضاً كون يسوع ان يطلب أحد جامعي الضرائب ان يسير على خطاه هو امر محرج بعض الشيء. فعندما كُتب الانجيل كانت السلطات الرومانية تجمع الضرائب وكانوا جامعي الضرائب يقتنون الاموال لخاصتهم عن طريق غش الناس. فليس من المدهش ان جباه الضرائب نادراً ما يكونوا محبوبين من المواطنين.

في خطاب روماني اشار الي ان شخصاً ما يعمل كجابي ضرائب فسيكون شرفة موضع تساءل للكل .وايضاً في كتابات يوسيفوس المؤرخ اليهودي قال عن كيفية جمع  Florus القائد الروماني المرتشي الفاسد الضرائب .وسرعان ما ادي الامر الي ثوره .ووفقاً للأناجيل كان هناك قوماً في يهوذا والجليل يجمعون الضرائب ونجد الوصف من قبل الاشخاص ان جامعي الضرائب مثل الظالمين الزناة الشاربين الخمر والوثنين وهذا ما نستشفه من هذه النصوص ” متي 11 : 19 , متي 18 : 17 , لوقا 18 : 11 ” ففي النهاية لم يكن جامعي الضرائب محبوبين ولهم قاعده جماهيرية في العالم القديم.

ولكن كان لديهم مهاره واحده تميزهم وهي مهاره القراءة والكتابة.

فكان جابي الضرائب يحمل جداول pinakes على الواح خشبية مكسوة بالشمع. ويستخدم اقلام من المعدن او العظم لحفر على هذه الالواح الضرائب. وتم تغير هذا الامر بالتتابع في مصر وأصبح التدوين علي ورق البردي حيث يمكن ايضا كتابة ايصالات للمواطنين.

وعلى الرغم من وصف ايرمان بازدراء للتلاميذ انهم غير متعلمين وجهله. ها هو العشار متي لا يمكن ان ينطبق عليه هذا الوصف. فمهام جابي الضرائب تتطلب من متي النسخ وتسجيل المعلومات وايضاً لغات متعددة[3].

لوقا الطبيب

يستكمل Jones رده بوصف المهارة الطبية في العالم القديم التي على الارجح يمتلكها لوقا قائلاً: –

“ان الطبيب يجب ان يكون لديه علي اقل تقدير القدرة علي قراءة الخلاصات التي تختص بالمعرفة الطبية التي ازدهرت في القرن الاول وما هو اكثر من هذا. وورق البردي في مصر اثبت ان الاطباء القدماء كتبوا عن امراض وعن اصابات واسباب محتمله للوفاة. ونجد في الواقع ان ما جاء في رسالة كلوسي ووصف لوقا بالطبيب الحبيب يقترح على القارئ انه من غير المفترض ان يكون امي او غير متعلم. وخصوصاً تأكيد لوقا في بداية انجيله عن تتبع شهادات شهود العيان وجمع الأدلة كتقرير متكامل فمقدمة لوقا تكفي[4].

يوحنا ومرقس

في القرن الاول كان هناك كتبة متمرسين يكتبون الرسائل ويترجموها ايضاً وكانوا يكتبون العقود القانونية. ويكتبون رسائل الافراد وايضا الايصالات التجارية فوظيفتهم اشبه بالسكرتارية. وكان هؤلاء الكتبة منتشرين في مناطق في أفسس وروما وايضاً في الجليل ويهوذا. وايضا الاشخاص الذين من طبقات اجتماعية صغيره توظف الكتبة. ونجد انه على الرغم من ان بولس كان قادراً تماماً على الكتابة باللغة اليونانية مثل ما جاء في رسالة غلاطية 6: 11، فليمون 1: 19 – 21. ومع ذلك كان يدع كتبة يكتبون له مثل ما جاء في رسالة ” رومية 16: 22. وهذا الاسلوب ايضاً مستخدم في رسالة بطرس الاولي 5: 12

فبفرض ان يوحنا ومرقس كانوا اميين فقد كان هناك الكتبة وهي مهنة معروفة يكتبون لهم ما يقولونه عن طريق فهمهم الطاهر عن حياة يسوع. فلا يوجد اشكال حتى لو لم يكن هم من كتبوا بأنفسهم. على الرغم ان هذا ليس مذكور ولا يوكد تأكيد عليه.[5]

في النهاية نكتشف عدم امانة ما قاله ايرمان فهو دائما ينقل الصورة منقوصة مستخدماً عباره اخطر الكذب ما به صدقاً او اسقاط الحقائق لأجل غرض معين 

مدونة ميمرا يهوه

[1] As quoted by Timothy Luke Jones in Misquoting Truth, p. 113.

[2] Timothy Luke Jones, Misquoting Truth, 113-114.

[3] Ibid., p. 115.

[4] Ibid., p. 117.

[5] Ibid., p. 117-118.

A Response To Bart D. Ehrman’s Misquoting Jesus I Antidocetic Changes Lk. 22:17–20.

A Response To Bart D. Ehrman’s
Misquoting Jesus

Thomas A. Howe, Ph.D.

A Response To Bart D. Ehrman’s Misquoting Jesus I Antidocetic Changes Lk. 22:17–20.

 

Lk. 22:17–20

Interestingly, in attempting to demonstrate the existence of antidocetic changes, Ehrman again appeals to D, Codex Bezae, as “one of our oldest Greek manuscripts.”43 He is very cunning in the way he presents the problem. After quoting the section following the D manuscript, he asserts, “In most of our manuscripts, however, there is an addition to the text, an addition that will sound familiar to many readers of the English Bible, since it has made its way into most modern translations.”44 He is referring to the fact that some manuscripts omit some or all of the material from verse 17 to verse 20. Metzger points out that there is an “overwhelming preponderance of external evidence supporting the longer form… .”45 (see Figure 2 below, also see the Appendix, for information on the witnesses for each reading and the dates associated with these witnesses). In the way Ehrman states the case he prejudices the reader to think of the material in question as an “addition” to the original text that has “made its way,” somehow, into our English translations. But, if this material is original, it is not an “addition,” and the reason it is in our English translations is because it is original, not because it “made its way into most modern translations.” Ehrman attempts to poison the well with his wording.

 

Figure 2: Apparatus for Lk. 22:17–20

 

The material in question primarily concerns the latter part of verse 19 and verse 20: τοῦτό ἐστιν τὸ σῶμά μου τὸ ὑπὲρ ὑμῶν διδόμενον· τοῦτο ποιεῖτε εἰς τὴν ἐμὴν ἀνάμνησιν. καὶ τὸ ποτήριον ὡσαύτως μετὰ τὸ δειπνῆσαι, λέγων· τοῦτο τὸ ποτήριον ἡ καινὴ διαθήκη ἐν τῷ αἵματί μου τὸ ὑπὲρ ὑμῶν ἐκχυννόμενον.46 In support of his claim that these verses are not part of the original text of Luke, Ehrman says, “For one thing, it is hard to explain why a scribe would have omitted the verses if they were original to Luke (there is no homoeoteleuton, for example, that would explain an omission), especially since they make such clear and smooth sense when they are added.”47

What is “difficult” for Ehrman is apparently not difficult for other textual critics who have at least equal competency in the field. Metzger asserts, “The rise of the shorter version can be accounted for in terms of the theory of disciplina arcana, i.e., in order to protect the Eucharist from profanation, one or more copies of the Gospel according to Luke, prepared for circulation among non-Christian readers, omitted the sacramental formula after the beginning words.”48 In other words, this was not an antidocetic alteration, but an adaptation for public use. It is very unlikely that Ehrman is unfamiliar with either of these explanations, but he does not bother to provide this information to his reader, implying that there is no reasonable explanation for the rise of the shorter version. Ehrman argues that the material was added, “to stress Jesus’s (sic) real body and flesh, which he really sacrificed for the sake of others.”49 Citing an apologetic argument from Tertullian, Ehrman seems to argue that just because the passage was used against Marcion, this is sufficient to prove that it was added, whereas, it is much more likely that Tertullian referred to this material because it was authentic.

[1]

 

 

43 Ibid., 165.

44 Ibid., 166.

45 Metzger, Textual Commentary, 150.

46 “‘This is My body which is given for you; do this in remembrance of Me.’ And in the same way He took the cup after they had eaten, saying, ‘This cup which is poured out for you is the new covenant in My blood’” (Lk. 22:19b–20a).

47 Ehrman, 166. Homoioteleuton means, “same ending.” It occurs when two words, phrases, or lines end with the same sequence of letters. The scribe, having finished copying the first, skips to the second, omitting all intervening words.

48 Metzger, Textual Commentary, 149–50. Metzger also quotes G. Kenyon and S. C. E. Legg’s explanation of the rise of the shorter version (see Appendix 1, page 31).

49 Ehrman, 167.

[1]Christian Apologetics Journal Volume 5. 2006 (vnp.5.2.13). Matthews, NC: Southern Evangelical Seminary.

217-20 {B}verses 17, 18, 19, 20P75אABCLTvidWΔΘΨƒ1ƒ13157180205565579597700892100610101071124112431292134214241505Byz[EGHN]Lectitaur, c, f, q, r1vgsyrh, pal copsa, boarmethgeoslavEusebian Canons(Basil); Augustine // verses 17, 18, 19a(omitting 19b, 20: τὸ ὑπὲρ ὑμῶν … ἐκχυννόμενον)Dita, d, ff2, i, l // verses 19, 17, 18(itb, eonly 19a καὶ λαβὼν … σῶμά μου)syrc // verses 19, add μετὰ τὸ δειπνῆσαι(20a), 17, add τοῦτό μου τὸ αἷμα ἡ καινὴ διαθήκη(20b), 18 (see Mt 26.26-29; Mk 14.22-25; 1 Cor 11.23-26)syrs // verses 19, 20 onlysyrp copboms

{ enclose a letter A, B, C, D which indicates the relative degree of certainty for the reading adopted in the text.
B The letter B indicates that the text is almost certain.
א Uncial Manuscript: א 01
Contents: eacpr
Location: London: Sinaiticus
Date: IV
A Uncial Manuscript: A 02
Contents: eacpr
Location: London: Alexandrinus
Date: V
B Uncial Manuscript: B 03
Contents: eacp
Location: Città del Vaticano: Vaticanus
Date: IV
C Uncial Manuscript: C 04
Contents: eacpr
Location: Paris: Ephraemi Rescriptus
Date: V
L Uncial Manuscript: L 019
Contents: e
Location: Paris
Date: VIII
T Uncial Manuscript: T 029
Contents: e
Location: Città del Vaticano; New York
Date: V

Related fragments
Uncial Manuscript: +0113
Location: Paris
Uncial Manuscript: 0125
Location: Paris
Uncial Manuscript: 0139
Location: Paris

vid The most probable reading of a manuscript where the state of its preservation makes complete verification impossible.
W Uncial Manuscript: W 032
Contents: e
Location: Washington, D.C.
Date: IV/V
Δ Uncial Manuscript: Δ 037
Contents: e
Location: St. Gall
Date: IX
Θ Uncial Manuscript: Θ 038
Contents: e
Location: Tbilisi
Date: IX
Ψ Uncial Manuscript: Ψ 044
Contents: eacp
Location: Athos
Date: IX/X
157 Minuscules Manuscript: 157
Contents: e
Date: about 1122
180 Minuscules Manuscript: 180
Contents: e
Date: XII
205 Minuscules Manuscript: 205
Contents: er
Date: XV
565 Minuscules Manuscript: 565
Contents: e
Date: IX
579 Minuscules Manuscript: 579
Contents: e
Date: XIII
597 Minuscules Manuscript: 597
Contents: e
Date: XIII
700 Minuscules Manuscript: 700
Contents: e
Date: XI
892 Minuscules Manuscript: 892
Contents: e
Date: IX
1006 Minuscules Manuscript: 1006
Contents: er
Date: XI
1010 Minuscules Manuscript: 1010
Contents: e
Date: XII
1071 Minuscules Manuscript: 1071
Contents: e
Date: XII
1241 Minuscules Manuscript: 1241
Contents: ecp
Date: XII
1243 Minuscules Manuscript: 1243
Contents: ec
Date: XI
1292 Minuscules Manuscript: 1292
Contents: ec
Date: XIII
1342 Minuscules Manuscript: 1342
Contents: e
Date: XIII/XIV
1424 Minuscules Manuscript: 1424
Contents: e
Date: IX/X
1505 Minuscules Manuscript: 1505
Contents: ec
Date: XII
Byz The reading of the Byzantine witnesses, i.e., the text of the great majority of all Greek manuscripts, especially of the second millennium.
[ in the text enclose words whose presence or position in the text is regarded as disputed; in the critical apparatus, immediately following the symbol Byz, enclose the symbols for certain Byzantine witnesses (cf. p. 4*).
E Uncial Manuscript: E 08
Contents: a
Location: Oxford
Date: VI
G Uncial Manuscript: G 012
Contents: p
Location: Dresden
Date: IX
H Uncial Manuscript: H 015
Contents: p
Location: Athos; Kiev; Moscow; Paris; St. Petersburg; Torino
Date: VI
N Uncial Manuscript: [N 022]
Contents: e
Location: Athens; Lerma; London; New York; Patmos; Città del Vaticano; St. Petersburg; Thessalonica; Vienna
Date: VI
Lect The majority of the selected lectionaries together with the lectionary text of the Greek Church (i.e., the text of the edition published by Apostoliki Diakonia, Athens).
it Old Latin (Itala) version. Superscript letters identify individual manuscripts.; see p. 23*ff.
aur Latin Manuscript: aur 15
Contents: e
Location: Stockholm
Date: VII
Edition: Jülicher/Aland
c Latin Manuscript: c 6
Contents: ea
Location: Paris
Date: XII/XIII
Edition: Jülicher/Aland; Wordsworth/White
Latin Manuscript: f 10
Contents: e
Location: Brescia
Date: VI
Edition: Jülicher/Aland
Latin Manuscript: f 78
Contents: p
Location: Cambridge
Date: IX
Edition: Scrivener
Latin Manuscript: q 13
Contents: e
Location: Munich
Date: VI/VII
Edition: Jülicher/Aland
Latin Manuscript: q 64
Contents: c
Location: Munich
Date: VII
Edition: Thiele
vg Vulgate version.
syr Syriac versions, or a Syriac translation of the text of a Greek Church Father.
h Harclean Syriac version.
pal Palestinian Syriac version.
sa Sahidic (Hintze/Schenke; Horner; Kasser; Quecke; Schüssler; Thompson)
bo Bohairic (Horner)
arm Armenian version, or an Armenian translation of a Greek Church Father.
eth Ethiopic version.
geo Georgian version. (Blake [Mt]; Blake [Mk]; Brière [Lk]; Blake/Brière [Jn]; Garitte [Ac]; Dzocenidze/K. Daniela [Paul]; K’. Lort’k’anidze [Cath], here as a rule only the earliest revision A1 of both Sinaitic manuscripts from A.D. 974 and 977 were used). Georgian Rev was not available.
slav Slavonic version, or a Slavonic translation of a work by a Greek Church Father.
Eusebian Canons Greek Church Father: Eusebian Canons
Date: IV
( in the critical apparatus, indicate that a witness supports the reading for which it is cited, but with minor differences; in the discourse segmentation apparatus, indicate minor differences of detail in segmentation, while the authority supports in general the segmentation for which it is cited.
Basil Greek Church Father: Basil, the Great
Date: 379
Augustine Latin Church Father: Augustine
Date: 430
D Uncial Manuscript: D 05
Contents: ea
Location: Cambridge: Bezae Cantabrigiensis
Date: V
a Latin Manuscript: a 3
Contents: e
Location: Vercelli
Date: IV
Edition: Jülicher/Aland
d
Latin Manuscript: d 5
Contents: ea
Location: Cambridge
Date: V
Edition: Scrivener; Jülicher/Aland
Latin Manuscript: d 75
Contents: p
Location: Paris
Date: V/VI
Edition: Tischendorf
i Latin Manuscript: i 17
Contents: e
Location: Naples
Date: V
Edition: Jülicher/Aland
l
Latin Manuscript: l 11
Contents: e
Location: Berlin
Date: VIII
Edition: Jülicher/Aland
Latin Manuscript: l 67
Contents: ac
Location: León
Date: VII
Edition: Fischer; Thiele
b
Latin Manuscript: b 4
Contents: e
Location: Verona
Date: V
Edition: Jülicher/Aland
Latin Manuscript: b 89
Contents: p
Location: Budapest
Date: VIII/IX
Edition: Frede
e
Latin Manuscript: e 2
Contents: e
Location: Trent; Dublin; Rome; London
Date: V
Edition: Jülicher/Aland
Latin Manuscript: e 50
Contents: a
Location: Oxford
Date: VI
Edition: Tischendorf
c Curetonian Syriac version.
s Sinaitic Syriac version.
p Peshitta Syriac version.
ms indicates that individual manuscripts differ from others or from the text of the standard edition of the version. This symbol is used only rarely with the earlier, less reliable editions.
Aland, K., Black, M., Martini, C. M., Metzger, B. M., Wikgren, A., Aland, B., & Karavidopoulos, J. (2000; 2009). The Greek New Testament, Fourth Revised Edition (with apparatus); The Greek New Testament, 4th Revised Edition (with apparatus). Deutsche Bibelgesellschaft; Stuttgart.

A Response To Bart D. Ehrman’s Misquoting Jesus I Anti-adoptionist Changes Jn. 1:18.

A Response To Bart D. Ehrman’s
Misquoting Jesus

Thomas A. Howe, Ph.D.

Jn. 1:18

A Response To Bart D. Ehrman’s Misquoting Jesus I Anti-adoptionist Changes Jn. 1:18.

Jn. 1:18

Concluding his section on the anti-adoptionistic alterations of the text, Ehrman deals with the statement in Jn. 1:18 that, in the critical text, reads, “Θεὸν οὐδεὶς ἑώρακεν πώποτε· μονογενὴς θεὸς ὁ ὢν εἰς τὸν κόλπον τοῦ πατρὸς ἐκεῖνος ἐξηγήσατο.”33 The alternate reading to which Ehrman refers is, “the only begotten Son [ὁ μονογενὴς υἱός] who is in the bosom of the Father… .”34 The difference here is between the use of the word θεὸς and υἱός. Ehrman asserts, “Could it be a textual variant created by a scribe in Alexandria and popularized there? If so, that would explain why the vast majority of manuscripts from everywhere else have the other reading, in which Jesus is not called the unique God, but the unique Son.”35 There is a bit of irony and humor in this assertion. Basically, what Ehrman is saying is that the earliest reading is more likely to be found in the great majority of mss. An Alexandrian scribe supposedly changed υἱός to θεὸς at some early stage, and that is why υἱός appears, as Ehrman phrases, in “the vast majority of manuscripts from everywhere else… .” In other words, because υἱός is early, it appears in the vast majority of mss. But this is the very kind of argument that is one of the primary principles behind the Byzantine-Majority text, a text that Ehrman consistently rejects as having any significance.

In his effort to defend his position, Ehrman demonstrates a complete lack of understanding of the Trinity, or else he is presenting his argument in hopes that those who do not understand the Trinity might be persuaded to accept his view. He says, “The term unique in Greek means ‘one of a kind.’ There can be only one who is one of a kind. The term unique God must refer to God the Father himself —otherwise he is not unique. But if the term refers to the Father, how can it be used of the Son?”36 Of course the Father, the Son, and the Holy Spirit are the unique, one-of-a-kind God. The Father is God, the Son is God, and the Holy Spirit is God—three Persons, one unique God.

Notice that Ehrman gives no consideration to the notion of an argument based on the evidence. Ehrman asserts, “It is far more likely that the oldest form of the text will be found in the oldest surviving manuscripts—on the premise that the text gets changed more frequently with the passing of time.”37 What about the predominating principle in the previous section in which Ehrman dealt with Lk. 3:22: “As we have seen, scribes typically try to harmonize texts rather than take them out of harmony; it is therefore the form of the text that differs from Mark that is more likely to be original in Luke,”38 or the internal evidence that “the ‘more difficult’ reading is more likely to be original.”39 Ehrman offers no reasoning why these canons of textual criticism are not persuasive in his argument. He merely floats the extremely speculative assertion, “Could it be a textual variant created by a scribe in Alexandria and popularized there?”40

Apparently Ehrman recognized that an early anti-adoptionist theological alteration of the text has adverse implications for his thesis that orthodoxy is merely the result of the fact that Christianity, as we now have it, won the socio-political struggle. To have such an orthodox alteration before there was “orthodoxy”—that is, before Christianity won the socio-political struggle and became “the orthodoxy”— presents a counter-example to his thesis. So it became necessary for him to mediate the impact to his own argument by referring to this as “an anti-adoptionistic change of the text made by proto-orthodox scribes of the second century.”41 But, if this is some kind of proto-orthodoxy, how then does one explain its popularity? Its popularity would be predicated on the fact that many people had an understanding of what was and was not orthodox. Additionally, Ehrman does not even make the case concerning how this variant could be anti-adoptionistically motivated. If “orthodoxy” had not won the struggle yet, why would there be any need for anti-adoptionistic alterations this early? In fact, in the literature, the Jn. 1:18 passage does not seem to have played much of a part, if any, in the Adoptionistic-Monarchian controversy.42  [1]

 

 

33 “No one has seen God at any time; the only begotten God who is in the bosom of the Father, He has explained Him.”

34 ὁ μονογενὴς υἱός‚ ὁ ὢν εἰς τὸν κόλπον τοῦ πατρὸς ἐκεῖνος ἐξηγήσατο.”

35 Ehrman, 162.

36 Ibid., 164.

37 Ibid., 129.

38 Ibid., 159.

39 Ibid., 131.

40 Ibid., 162.

41 Ibid.

42 See for example, Jaraslov Pelikan, The Emergence of the Catholic Tradition (100–600), vol. 1, The Christian Tradition: A History of the Development of Doctrine (Chicago: The University of Chicago Press, 1971).

[1]Christian Apologetics Journal Volume 5. 2006 (vnp.5.2.12). Matthews, NC: Southern Evangelical Seminary.

Exit mobile version