خطايا القديسين – العظة العاشرة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
خطايا القديسين – العظة العاشرة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
غفران الخطايا
1ـ الطوباويون دائمًا تؤخذ عليهم أخطاء وخطايا مرؤوسيهم، وفي هذا المعنى قال الرسول: ” فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء” (رو15: 1). إذا ارتكب إسرائيلي، بمعنى علماني، خطية فلا يستطيع أن يمحوها بنفسه لكنه يبحث عن لاوى أنه يحتاج لكاهن. ماذا أقول؟ أنه يبحث عن شخص أفضل وأكثر علوًا: إنه يحتاج للكاهن الأعظم ليحصل على غفران خطاياه لكن إذا أخطأ الكاهن أو الكاهن الأعظم فهو يستطيع أن يطهر نفسه إن لم يكن قد أخطأ ضد الله.
خطايا من هذا النوع نحن لا نجد بسهولة، في نص الشريعة وسيلة لغفرانها، فقد قلنا ذلك بصدد القطعة التي سبق أن قرأت “وقال الرب لهرون أنت وبنوك وبيت أبيك معك تحملون ذنب المقدس” (عد18: 1)، نستطيع أن نشرح هذا النص هكذا: إنه يتعلق بالتقدمة المقدمة بواسطة الكاهن الأعظم لغفران الخطايا عن الجميع لتطهير الشخص الذي لأجله يقدم التقدمة، لهذا السبب قد كتب “أنت وبنوك تحملون ذنب المقدس” لكن اعتقد أنه ليس بدون قصد كتب عن ذنب المقدس.
المكرسون وخطاياهم
في كثير من نصوص الكتاب المقدس يوجد هذا التعبير. إذًا يجب أن نبحث كيف يستطيع هؤلاء أن يدعوا رجالاً مكرسين وتكون لهم خطايا. فالواقع أنه ليس صحيحًا كما يظن البعض أنه منذ أن يصبح الإنسان قديسًا لا يستطيع أبدًا أن يخطئ، وهكذا يعتبر كأنه معصوم من الخطية. فإن كان حقًا أن القديس لا يخطئ فإنه يكون قد كتب عبثًا “بأنكم يحملون ذنب المقدس”.
فلو كان القديس معصومًا من الخطية لما كان السيد الرب قد قال بفم إشعياء النبي لملائكته ” بأنهم يرسلون لمعاقبة الخطاة وأنكم ستبدأون بقديسين” (إش9: 5). إذا كان القديسون معصومين من الخطية لما كان الكتاب المقدس قد قال أبدًا ” البار يبدأ أن يتكلم باعتراف عن نفسه” (أم18: 17)، وإذا كان القديسون معصومين من الخطية لما قال بولس الرسول أبدًا ” لا تنقض لأجل الطعام عمل الله” (رو14: 20)، ولأهل رومية قد كتب في أول رسالته ” إلى جميع أحباء الله مدعوين قديسين” (رو1: 7).
الرسول نفسه في رسالته إلى أهل كورنثوس قال أيضًا ” بولس المدعو رسولاً ليسوع المسيح” (1كو1:1ـ2)، وبعد ذلك بقليل يقول ” إلى كنيسة الله التي في كورنثوس المقدسين في المسيح يسوع المدعويين قديسين” إذًا فهو يدعوهم المقدسين وقديسين لكن انظر بأية خطايا يوبخهم، أنه يقول بعد ذلك ” بما أنه يوجد بينكم حسد وخصام فأنتم بعد جسديون وتسلكون بحسب البشر” (1كو3:3)، ” وأيضًا أنكم قد استغنيتم ملكتم بدوننا وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضًا معكم” (1كو4: 8).
وأيضًا ” فأنتفخ قوم كأني لست آتيًا إليكم” (1كو4: 18)، وبعد ذلك بقليل “يسمع مطلقًا أن بينكم زنى وزنى هكذا لا يسمى بين الأمم” (1كو5: 1ـ2)، وبعد ذلك ” فأنتم منتفخون وبالحرى لم تنوحوا” أنه لم يستثن أحدًا، أنه يتهم البعض بالزنى والآخرين بالكبرياء، ثم بعد ذلك يعاتبهم بأنه عندهم محاكمات بعضكم مع بعض” (1كو 6: 7).
وهو يتهم أيضًا الذين سماهم قديسين بأنهم يأكلون لحم المذبوح للأصنام، وينطق الحكم ضدهم بهذه الطريقة: “وهكذا إذ تخطئون إلى الأخوة وتجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح”، إنه لم يتهمهم فقط بأكل لحم التقدمات بل أيضًا بأنهم يشربون من كأس الشيطان “ لا تقدرون أن تشربون كأس الرب وكأس الشياطين” (1كو10: 21)، لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة الشياطين.
إنه يقول لهم أيضًا ” لأني أولاً حين تجتمعون في الكنيسة أسمع إن بينكم انشقاقات أيضًا” (1كو11: 18)، وأيضًا ” لأن كل واحد يسبق فيأخذ عشاء نفسه في الأكل فالواحد يجوع والآخر يسكر” (1كو11: 21)، لأجل كل هذه الأخطاء يقول ” من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون.
لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا لما حكم علينا” (1كو11: 30ـ 31)، وعلاوة على ذلك، فهي لم تكن خطايا ضد العادات فقط بل خطايا ضد الإيمان أيضًا، فيقول “كيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة من الأموات” (1كو15: 12، 17)، وأيضًا ” إن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم أنتم بعد في خطاياكم“.
إنه سيطول بنا الحديث وليس هنا المقام أن نثبت جميع الشواهد أن الذين قد أعلنوا قديسين لا يجب لهذا السبب أن يعتبروا معصومين من الخطايا، هذا هو رأى القراء الغافلين والسطحيين للكتاب المقدس. إذ أنه يعلمنا أنه توجد اختلافات كثيرة بين القديسين مثلما سبق أن قلنا بأكثر إسهاب في عظات أخرى. سنقول هنا فقط ما يلزم لشرح النص. فالذين يكرسون لله يدعون قديسين وهم أيضًا خطاة، وهم الذين ابتعدوا عن الانشغالات العادية لخدمة السيد الرب.
فالإنسان يدعى قديسًا لأنه ابتعد عن كل أنشطة أخرى وكرس نفسه لخدمة السيد الرب، ولكن يمكن أن يحدث أنه وهو يخدم السيد الرب لا يسلك كما يجب ويرتكب أخطاء وخطايا. فالذي ينفصل ويبتعد عن كل أنشطة أخرى لمزاولة العلوم كالطب أو الفلسفة مثلاً لا يكون كاملاً، فهو عندما يتقدم لهذه الدراسات، يرتكب بعض الأخطاء أو بالأحرى يرتكب أخطاء كثيرة ولا يصل إلى الكمال إلا بمشقة كبيرة، مع أنه بمجرد أن يدخل في هذه المدارس سيحسب بدون شك من بين الأطباء أو الفلاسفة.
كذلك القديسون فعندما يلتزم شخص ما بدراسات القداسة يجب منحه لقب قديس، بحسب الهدف الذي يقصده، ولكن بما أنه سيرتكب أخطاء إلى أن تنزع منه عادة الخطية، لذلك يسمى أيضًا خاطئًا، وكما قلنا أيضًا، إذا لم نقدم القداسة كهدف وإذا لم نسع لدراسات القداسة فلن نعرف أن نقدم الندامة على الخطية عندما نرتكبها، ولن نعرف أن نبحث عن الدواء للخطاة الذين ليسوا قديسين ويموتون في خطاياهم. أما القديسون فيندمون على خطاياهم ويشعرون بسقطاتهم وجروحهم ويدركونها، ويذهبون للكاهن ويطلبون منه الشفاء ويطلبون أن يتطهروا من الكاهن الأعظم.
لهذا السبب تعبّر الشريعة بطريقة حكيمة ومحددة عن هذه الفكرة بأن الكاهن الأعظم، واللاويين ” لا يحملون الذنوب” (عد18: 1) لكل شخص لكن فقط ذنوب القديسين، فالقديس هو الذي قد سلّم خطيته لعناية الكاهن الأعظم.
من الذي يغفر الخطايا
2 ـ لكن لنرجع إلى حبرنا، إلى كاهننا الأعظم الذي اجتاز السموات يسوع سيدنا الرب، ونشاهد كيف حمل على ذاته مع أولاده الرسل والشهداء خطايا القديسين. وأولاً إن سيدنا يسوع المسيح قد جاء ليرفع خطية العالم وبموته غفر خطايانا. لا أحد يجهل هذا إذا كان مؤمنًا بالمسيح، لكن كيف يغفر مع أولاده الرسل والشهداء، خطايا القديسين. هذا ما سنحاول أن نثبته من الكتاب المقدس.
أنصت أولاً إلى ما أعلنه بولس ” كل سرور انفق وانفق لأجل أنفسكم” (2كو12: 15). وفي موضع آخر ” ني الآن أسكب سكيبًا ووقت انحلالي قد حضر” (2تي4: 6)، إذًا بولس الرسول يقول بأنه قد انفق وقد ضحى لأجل أنسبائه. حينما نقدم ذبيحة على نية شخص فأن هذا يكون لكي يحصل على غفران خطاياه.
وفي موضع آخر يوحنا الرسول يكتب في سفر الرؤيا بأن الشهداء الذين قتلوا من أجل سيدنا يسوع موجودون تحت المذبح. إذًا الموجود في المذبح، أخشى أنه بأعمال كهنوتية التي هي التضرع لأجل خطايا الشعب، لذا أخشى أنه منذ اختفاء الشهداء وأبطال ذبيحة القديسين المقدمة كذبيحة لأجل الخطايا، لا نحصل على غفران خطايانا، أخشى بالتالي بأن خطايانا تبقى فينا، وأن يحدث لنا نفس الذي حدث لليهود إذ ليس لديهم مذبح ولا معبد ولا رتب كهنوتية، وبالتالي لا يقدمون بعد الذبائح لخطاياهم ولذلك فخطاياهم باقية والغفران لا يأتي بعد.
ونحن أيضًا يجب أن نقول بما أن الشهداء لم يقدموا بعد كضحايا لأجلنا، فخطايانا تبقى فينا. أننا لا نستحق أن نكون مضطهدين لأجل المسيح ولا أن نموت لأجل اسم ابن الله[1]، لهذا السبب أيضًا فالشيطان الذي يعرف أن الخطايا تغفر بواسطة الشهداء، لا يريد أن يثير ضدنا الاضطهادات الوثنية الرسمية حيث إنه يعرف أننا إذا كنا نقدم أمام السلاطين والحكام لأجل اسم المسيح “للشهادة” “أمام اليهود والأمم” سنشعر بفرح وببهجة “لأن أجرنا يكون عظيمًا في السموات”.
فالعدو لا يثير الاضطهادات سواء لأنه يضمر الشر لمجدنا، أو ربما لأن الذي يرى كل شئ والذي يعرف كل شئ مقدمًا[2] يعلم أننا لم نكن جديرين بأن نتحمل الاستشهاد، ” يعلم الرب الذين هم له” (2تي2: 19). والذين ليسوا من أهله. هم كنوز عنده، حيث إن الله لا يرى بنفس طريقة الإنسان. إنه لا يوجد شك أنه يوجد في هذا الجمع من يعرفهم الله وحده.
والذين قد اصبحوا شهداء أمامه بشهادة ضميرهم وهم مستعدون إذا طلب منهم أن يسكبوا دماءهم لأجل اسم السيد الرب يسوع المسيح، لا شك أنه يوجد من قد أخذوا صليبهم وتبعوه. هذا الاستطراد يبدو أنه ضروري لكي نفهم كيف يتم بواسطة الكاهن الأعظم وأولاده غفران الخطايا.
الكهنوت
3 ـ بعد ذلك تأتي الكلمات “ أنت وبنوك تحملون ذنب كهنوتكم، وأيضًا أخوتك سبط لاوى سبط أبيك قربهم معك فيقترنوا بك ويوآزروك أنت وبنوك قدام خيمة الشهادة فيحفظون حراستك وحراسة الخيمة” (عد18: 1ـ3)، تنفيذ الوصايا بانتباه هو أمر واجب خصوصًا بالنسبة للذين لهم نعمة الكهنوت، “أي الأساقفة”، يجب عليهم أن يعلموا ما تعطيهم الشريعة الإلهية لتتميمه ” أنت وبنوك معك، قدام خيمة الشهادة، احفظ حراسة المذبح والخيمة“، إنها أوامر ملزمة وواضحة يجب أن نحفظ حراسة الخيمة والمذبح والكهنوت.
لكن من هو الذي يتمم ويقوم بخدمة واجبات الكهنوت؟ من هو الذي له رتب ومنصب الكهنوت بدون أن يتمم الأعمال ورسالة الكهنوت؟ هذا يستطيع أن يعرفه “ فاحص الكلي والقلوب” (مز 7: 10).
الواجب لا يتضمن فقط حفظ الوصايا الخارجية ” لكن تحفظون كهنوتكم مع ما للمذبح وما هو داخل الحجاب” (عد18: 7).
هذا ما نقوله إن الكهنة ينشغلون في نفس الوقت بأن يتمموا وصايا الشريعة الإلهية ونفحص انتباههم إلى أسرار الله المختبئة والمحجوبة. من جهة أخرى إذا أردنا أن نطلق على الإنسان ما قد قيل عن خيمة الاجتماع كما يعطي بولس اسم الخيمة لجسد الإنسان، عندما يقول: ” فإننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها” (2كو5: 4)، إذا طبقنا على الإنسان ما قد قيل عن الخيمة، سنقول إن الجزء المغلق بواسطة الحجاب الذي يغطي الأشياء التي لا يمكن الاقتراب منها، هذه هي أهم خواص القلب الذي وحده يستطيع أن يستقبل أسرار الحق ويحوي وحده أسرار الله.
بينما بالنسبة للهيكلين الداخلي والخارجي، فإن الهيكل هو رمز الصلاة، وهذا كما أظن هو معنى ما قاله الرسول ” أصلي بالروح كما بالذهن” (1كو4: 15)، عندما أصلي حقًا من القلب أقترب من الهيكل الداخلي. وهذا هو ما قاله أيضًا السيد الرب في الإنجيل ” أما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلي إلى أبيك الذي في الخفاء” (مت6:6)، إذًا فالذي يصلي بالطريقة التي قلتها يقترب من مذبح البخور الذي هو في الداخل.
لكن عندما يرفع صلاته نحو الله بصوت عال وبكلام واضح لكي يجذب السامعين، فهو يصلي في الهواء. وتقدم الصلاة بطريقة ما صحيحة على المذبح المقام في الخارج للمحرقة للشعب، ويجب إذًا أن تكون عناية القسوس وسهرهم متجهة بالأخص إلى ما هو مغطى بالداخل خلف الحجاب حتى لا يوجد شئ دنس أو شئ غير طاهر، بمعنى أنه يجب الاهتمام بالإنسان الداخلي وبالأجزاء المخفية بالقلب حتى تكون بدون عيوب.
أما الكاروبان والمائدة فتعني معرفة الثالوث، لأن الكاروبان تعني كثرة أي كمال المعرفة. وهل يوجد كمال المعرفة أكثر من معرفة الابن والروح القدس. فعلى القسوس إذًا السهر على حفظها بدون دنس ولا أذى من أي نوع.
التابوت الذي فيه الغذاء السماوي من المن هو كنز الكلمة الإلهية – تابوت الذهب حيث يوجد لوحا الشهادة. هما بحسب رأيي عقلنا حيث يجب أن ننقش فيه شريعة الله، هذا العقل يجب أن يكون من ذهب أي نقي وثمين. لأن شريعة الله منقوشة دائمًا عليه، وكما يقول الرسول: ” مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية” (2كو3:3).
وهذا ما يقوله بولس عن البعض ” الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم” (رو2: 15). إذًا من الذي كتب في القلوب؟ الله هو الذي كتب بأصبعه في كل الضمائر الشريعة الطبيعية التي أعطاها للجنس البشري. فيها نبدأ وبها نأخذ بذور الحق للتعمق، هذه البذور التي إن اعتنينا بزراعتها تأتي فينا بأثمار جيدة بالمسيح يسوع الذي له المجد والقوة إلى دهر الدهور آمين.
[1] أوريجينوس لا يقصد استبدال ذبيحة المسيح بموت الشهداء ولكن ظروف عصر الاستشهاد، واستشهاد والده شخصيًا جعلته يرى في موت الشهيد مساهمة في هدم قوة الشيطان (انظر تفسيره ليوحنا 6: 54)، وفي هدم قوة الشر نوع من أنواع الخلاص للناس وتحريرهم من سلطان القوى الشريرة التي تستعبدهم، وحينما تضع الكنيسة عظام الشهداء تحت المذبح فإنها تؤكد العلاقة الوطيدة بين ذبيحة المسيح وامتدادها إلى موت الشهيد.
[2] بمعنى أن المسيحي في رأينا عندما يتركه الله لعمل المجرب يعطيه السماح ليضطهدنا ونكون نحن مستعدين، لكن عندما يريد الله أن يبقى لنا الاضطهاد سنعيش في سلام غريب مع هذا العالم الذي يكرهنا ونحن سنستريح بثبات في الذي قال ثقوا أنا قد غلبت العالم والذي قد غلب العالم قبلنا. لهذا السبب العالم ليس لديه استطاعة إلا في الحدود التي يريدها الذي قد غلب العالم لأنه قد سمح الآب بأن يغلب العالم.
خطايا القديسين – العظة العاشرة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
مجامر قورح – العظة التاسعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
مجامر قورح – العظة التاسعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
مجامر قورح ـ عصيان جديد وشفاعة موسى وهارون ـ عصا هارون
المجامر: لا شئ غير نافع
ليس شئ بدون معنى أمام الله عندما يكون قد أُعطى لكي نفهمه. وما يبدو للناس مستحقًا أن يستبعد، نجده في النهاية مستحقًا أن يؤدي أعمال هامة. القراءة الحاضرة توحي إلينا بهذه الفكرة، أنها تحكي لنا حادثة مجامر قورح وعن الذين أخطأوا معه. الله يأمر بعدم طرح هذه الأشياء بل أن يعمل منها ألواح معدنية مطرقة.
وأن يحاط بها المذبح، الكتاب المقدس يضيف أنه بناء على أمر الله “ ليعازر بن هارون الكاهن قد أخذ المجامر النحاسية التي قدمها ضحايا النار، وعمل منها صفائح ووضعت على الهيكل ليتذكر بنوا إسرائيل بالا يقترب أي أجنبي من غير نسل هارون ليقدم بخورًا أمام الرب، خوفًا من أن يحدث له كما حدث لقورح وجماعته حسبما أعلن الرب على فم موسى” (عد 16: 38ـ 40).
الهراطقة: تؤخذ منهم حسناتهم
الرب يقول في بعض الأجزاء في كلمات واضحة على فم أحد الأنبياء ” أفكاري ليست أفكارهم ولا طرقكم طرقي” (إش52: 8ـ9)، فإذا كان هذا السؤال مطروحًا اليوم لحكم الإنسان، فإذا وضعنا أمام رئيس الكنيسة حالة الذين علموا تعاليم مضادة لتعاليم الكنيسة والذين وقع عليهم الانتقام الإلهي إلا يحكم بأن كل كلامهم وكل تعليمهم وأيضًا كل كتاباتهم يجب أن تباد مع رمادهم.
ولكن أحكام الله ليست كأحكامنا. تعلم كيف أن مجامر المعاندين التي وضعت ضد نبي الله يجب عملها صفائح وتوضع على المذبح. قورح يمثل الذين تمردوا ضد إيمان الكنيسة وتعليم الحق، فقد كتب عن قورح وجماعته أنهم كانوا يقدمون بخورًا في المجامر النحاسية موقدًا بنار غريبة، الله يأمر بأن تذرى وتبدد “النار الغريبة”، بعيدًا.
أما عن “المجامر” فيقول الرب ” فإنهن قد تقدسن فليعملوها صفائح مطروقة غشاء للمذبح لأنهم قدموها أمام الرب فتقدست“. هذه الصورة تبين أن هذه المجامر التي هي حسب الكتاب المقدس مصنوعة من النحاس تمثل الكتاب المقدس نفسه. الهراطقة وضعوا في المجامر نارًا غريبة. بمعنى أنهم أعطوا شرحًا وتفسيرًا غريبًا عن الله ومضادًا للحق، وقدموا كذلك لله بخورًا لا يستحسنه بل هو مرذول.
الكهنة الإسرائيليون يمثلون الكنيسة، إذا حصل عصيان وشغب من هذا النوع. فكل من يبتعد عن الحق يجب أن ينزع كلية من الكنيسة. لكن إذا وجدنا في كلام الهراطقة أفكارًا مقتبسة من الكتاب المقدس، فلا نطرحها خارجًا إنما نطرح خارجًا الأفكار المضادة للإيمان والحق. لأن الأفكار المستخرجة من الكتاب الإلهي قد تقدست وقدمت للرب.
فائدة الهرطقات للإيمان الحقيقي
لكننا نستطيع أيضًا أن نفهم بطريقة أخرى نظام خلط مجامر الخطاة وإلحاقها بالهيكل.
أولاً: كونها من النحاس لا يظهر أنه تفصيل بلا معنى، فعندما يكون الكلام عن الإيمان الحقيقي والتعليم النقي لكلام الله فالكتاب المقدس يتحدث عن أشياء من الفضة أو من الذهب. لمعان الذهب يعني نقاوة الإيمان[1] ” كلام نقي كفضة مصفاة” (مز12: 6). لكن ما هو النحاس في الكتاب المقدس. لا يعني إلا صدى الكلام وليس قوة الروح، هذا ما قاله الرسول ” كنحاس يطن أو صنجًا يرن” (1كو13: 1).
فإذا وضعنا المجامر النحاسية بمعنى كلام الهراطقة على هيكل الله حيث النار الإلهية وحيث تعطي التعاليم الحقيقية عن الله فستظهر الحقيقة أكثر وضوحًا بالمقارنة بالضلالة.
فمثلاً إذا أخذت كلام (باسيليدس Basilide أو ماركون Marcion)، أو بعض الهراطقة الآخرين وفندتها بكلام الحق وشهادات الكتاب المقدس، أي نار الهيكل الإلهي أفلا يظهر كفرهم بالمقارنة؟ فإذا كانت تعاليم الكنيسة بسيطة ولم تكن محاطة من الخارج بالبدع لما ظهر إيماننا أكثر لمعانًا وأكثر صلابة، لكن هجمات المعارضين أحاطت بتعاليم الكنيسة الجامعة، حتى لا يغفو إيماننا بل يتنقى دائمًا بالتجارب.
لهذا السبب قال الرسول: “ لأنه لابد أن يكون بينكم بدع أيضًا ليكون المزكون ظاهرين بينكم” (1كو11: 19)[2]. أي ” لابد أن يحاط المذبح” (عد11: 37)، بمجامر الهراطقة حتى يلاحظ ويميز كل العالم بوضوح بين المخلصين وغير المخلصين.
حتى إيمان الكنيسة سيكون له لمعان الذهب وستلمع تعاليمها للناظرين مثل “الفضة المصفاة بالنار” كلام الهراطقة سيظهر أكثر شناعة وأكثر خزيًا تحت دناءة ثوبهم النحاسي المطفي.
ويمكن أن يُقال إن الأشياء الحسنة تظهر أحسن صفاتها بالتضاد مع السيئات فمن كان يدرك أن النور هو حسن إذا لم يختبر ظلمة الليل؟ ومن يقدر حلاوة العسل لو لم يذق أي شئ مر؟
أخيرًا فلنبد الشيطان نفسه والسلاطين المضادة التي تحاربنا وعندئذ تظهر فضائل النفس بلمعان بسبب وجود أعداء[3]. أيضًا مجد الكهنة المخلصين. لا يمكن أن يلمع إن لم يظهره عقاب وجزاء الغير مخلصين، بحسب ما قرأنا كل بار يبدو مقامه أكثر عظمة أمام الله بالمقارنة بالآخرين. إنه قد كتب أن نوح كان ” رجلاً بارًا كاملاً في أجياله” (تك6: 9). هذا يبين أنه لا يوجد إطلاقًا رجل كامل، لكنه كان رجلاً بارًا في أجياله[4].
وإذا أعلن أنه كان رجلاً بارًا فهذا بالمقارنة مع الآخرين. كذلك حسب رأيي بالنسبة للوط، كلما عظم فساد سدوم من يوم إلى يوم كان يتعظم بر لوط، في نفس الكتاب الذي في أيدينا في دعوة الجواسيس من الأرض الموعودة عندما دفع عشرة منهم نحو اليأس بكلام مرعب بينما الاثنان الآخران كالب ويشوع أعلنا أخبارًا حسنة وشجعا الشعب على الاستمرار في عزيمتهم مما جلب لهما استحقاقًا لا يفنى من قبل الرب.
هذا ليس بقدر شجاعتهما بإعلانهما الحق بل بقدر جبن زملائهما، أن قوة روحهما كانت سوف لا تلمع بهذه العظمة لو لم يظهر الجبن المخزي للعشرة الآخرين. كل هذا قد قيل بصدد مجامر المذنبين، أنها يجب أن توضع بالهيكل حتى يظهر مجد الأبرار أكثر ارتفاعًا بالمقارنة مع إسفالهم.
أنه يجب أن يكون هكذا في نفس الوقت، ليكون مثالاً للأجيال التالية حتى لا يكون لأحد كبرياء الاعتماد على الذات، حتى لا يأخذ الاستحقاق الجدي بدون أن يكون قد تسلمه من الله. وحتى ننحنى أمام الذي لم يقده الغرور البشري، ولا الموهبة الفاسدة، الذي لم يغتصب مركزه بالرشوة، والذي لم يرتفع إلا بشهادة ضميره الصالح وبإرادة الله.
العصيان
2 ـ ويكمل قائلاً ” فتذمر كل جماعة بني إسرائيل في الغد على موسى وهرون قائلين: أنتما قد قتلتما شعب الرب. ولما اجتمعت الجماعة على موسى وهرون انصرفا إلى خيمة الاجتماع وإذا هي قد غطتها السحابة وتراءى مجد الرب فجاء موسى وهرون إلى قدام خيمة الشهادة” (عد 16: 41ـ 43).
فائدة الاضطهادات
لم نقرأ في أي مكان قيل هذا أن “سحابة قد غطت الخيمة”، وأن “مجد الرب تراءى”، وجمع موسى وهرون في السحابة إلا الآن عندما ثار الشعب وأراد أن يرجمهما، فلنتعلم من هنا ما هي المنافع التي يجنيها المسيحيون من الاضطهادات: كم من البر يجلب لهم. كيف يكون الله شفيعهم وكيف يفيض الروح القدس عليهم، فنعمة الله لم تكن حاضرة بسبب انطلاق القساوة البشرية، نحن نكون في سلام مع الله عندما نقاسى من الحرب من الإنسان لأجل البر[5] “حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا” (رو5: 20).
ولما اجتمعت الجماعة على موسى وهرون انصرفا إلى خيمة الاجتماع وإذا السحابة قد غطتها وتراءى مجد الرب، مهما عظم موسى وهرون باستحقاقات حياتهما، ومهما ارتفعت فضائلهما لما كان مجد الله قد ظهر لهما، لو لم يكونا هدفا للاضطهادات وللشدائد والمخاطر حتى الموت. لا تأمل إذًا أن ترى مجد الله إذا كنت متكاسلاً ومتراخيًا. أليس في مثل هذه الصعاب قد استحق الرسول هو أيضًا أن يرى مجد الله؟
ألا تتذكر أنه قد اجتاز أكثر من كل الآخرين في الضيقات في الأتعاب، في السجون وأنه ثلاث مرات قد ضرب بالعصى وقد رجم مرة واحدة وأنه قد عاني الغرق “بأخطار في البحر“. “بأخطار في الأنهار“، ” أخطار اللصوص“، “بأخطار من أخوة كذبة“، كلما كثرت الآلام كلما جلبت مجد الله للذين احتملوها بشجاعة.
شفاعة موسى وهرون والتوبة
3 ـ ” فكلم الرب موسى قائلاً أطلعا من وسط هذه الجماعة فإني أفنيهم في لحظة فخرا على وجهيهما” (عد16: 44ـ45). في سدوم قديمًا كانوا يبحثون عن عشرة أبرار حتى يستطيعوا أن ينقذوا سكان الأرض ذات الخمس المدن التابعة لسدوم، الآن إذا وجد باريين مثل موسى وهرون يكفيان ليخلصا وينقذا كل الشعب الإسرائيلي، ماذا نجد في هذين البارين؟ وما هي الفضيلة؟ وما هو الاستحقاق الذي خلّص أكبر من ستمائة ألف رجل من الموت تحت ضربات من المخرب؟
اعتقد أن شخصًا مثل موسى يمثل الشريعة التي تعلم الإنسان المعرفة وحب الله. شخص هرون يمثل الصلاة والتضرعات الموجهه لله. فإذا حدث يومًا أن غضب الله علينا أو على كل الشعب وحتى أن صدر علينا حكم من الرب، وإذا عادت شريعة الله مرة أخرى في قلبنا، تذكرنا وتعلمنا التوبة وتكفير الخطايا، والتوسل لأجل أخطائنا ففي الحال يرجع الله عن غضبه وينتهي سخطه ويعود لطف الرب من جديد. موسى وهرون تشفعًا لأجلهم، وتوسلا من أجل الشعب بأسره.
ولكن إذا عاقبنا الغضب الإلهي بعقاب شديد من أجل خطايانا، وترفض قلوبنا المحجرة بأن “ترجع إلى الرب”، وأن “نتضع قدامه” لنسكن غضبه بواسطة تعبيرات أصواتنا المتضرعة، وإذا قلنا بعكس ذلك إن الله لا يهتم بحياة بني البشر، وأنه قد تركنا منذ زمن طويل فإذا احتفظنا بهذه الأفكار في قلوبنا وإذا أخرجنا هذه الكلمات من شفاهنا، فبكل تأكيد لا يكون لنا لا موسى ولا هرون، أي لا معرفة الشريعة ولا ثمار التوبة لنتجنب الموت المؤكد.
هذا ما حدث للشعب القديم عندما زاغوا، عندما فسدوا، كلهم معًا عندما لم يكن أحد يعمل صلاحًا ليس ولا واحد. فلو كان قد وُجِدَ هناك واحد، لما كان الله قد تركهم أبدًا. فلنخشّ نحن أيضًا لئلا تكون هذه حالتنا، وأني أخشى بالحقيقة من كلام سيدنا الرب والمخلص، الذي يعرف كل شئ مسبقًا والذي قال ” متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض؟” (لو18: 8).
الشفاعة ـ محبة موسى من روح الإنجيل:
موسى وهرون إذًا أخذا الأمر بأن “يخرجا من وسط الجماعة” لكي ” يفنيهم الله في لحظة“، لكن فلننظر ما فعلاه إنهما قديسان، إنهما كاملان، تلاميذ الإنجيل أكثر من الشريعة أنهما يحبان أعدائهما ويصليان لأجل مضطهديهما ” بينما هم أتون لقتلهما سجدا على وجهيهما” (عد16: 45).
لطف الله في العهد القديم
4 ـ ” وقال موسى لهرون خذ المجمرة واجعل فيها نارًا على المذبح وضع بخورًا واذهب بها مسرعًا إلى الجماعة وكفر عنهم لأن السخط قد خرج من قبل الرب وقد ابتدأ الوبأ” (عد16: 46). وبما أننا وصلنا إلى هذا النص أريد أن أذكر لتلاميذ المسيح لطف الله، لكي لا يتزعزع أحد بينكم بتأثير الهراطقة فهم يقولون إن رب الشريعة ليس محبًا لكنه عادل[6]، وإن شريعة موسى لا تعلم المحبة بل العدل.
فلينظروا هؤلاء المحاربون لله، والمحاربون للشريعة كيف أن موسى نفسه وهرون هذان الرجلان في العهد القديم قد خضعا مقدمًا لتعاليم الإنجيل. موسى “أحب أعداءه وصلى لأجل مضطهديه”. هذا ما علمّته بكل دقة تعاليم المسيح في الأناجيل. لنتعلم حقًا كيف سجدا ووجههما للأرض، وصليا لأجل الثائرين الذين أرادوا أن يقتلوهما. إذًا نجد قوة الإنجيل في الشريعة والأناجيل لا تفهم إلا على أساس الشريعة.
الكتاب المقدس جديد دائمًا
إني لا أدعو هذه الشريعة عهدًا قديمًا إن فهمتها بالروح. الشريعة لا تصبح عهدًا قديمًا إلا للذين يريدون أن يفهموها جسديًا. حقًا لهؤلاء قد أصبحت قديمة، وسبب قدمها أنهم لم يستطيعوا أن يحفظوا قوتها، بالعكس عندما نفهمها ونشرحها بالروح وبمفهوم الإنجيل نجدها دائمًا جديدة، العهدان يكونان لنا عهدًا جديدًا لا لسبب التاريخ الزمني لكن بسبب تجديد المعنى.
ألم يقصد يوحنا الرسول ذلك عندما قال في رسالته ” يا أولادي الصغار إني أعطيكم وصية جديدة هي أن تحبوا بعضكم بعضًا” (1يو2: 8)، أنه كان يعلم أن وصية المحبة قد سبقت أن أعطيت منذ زمن بعيد في الشريعة لأن ” المحبة لا تسقط أبدًا“، وأن وصية المحبة لا تعتق أبدًا. وصية المحبة تجدد بالروح إلى الأبد الذين يعملون بها والذين يحتفظون بها، أما للخطاة فبالعكس، ولأجل الذين لم يحافظوا على عهد المحبة فبالنسبة لهؤلاء حتى الأناجيل أيضًا تعتق، لا يمكن أن يكون هناك عهد جديد للذي ” لا يخلع الإنسان العتيق ويلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله” (أف4: 24).
طقس الشفاعة
موسى دعا إذًا الكاهن الأعظم ليقدم بخورًا في المحلة وليصلي لأجل الشعب، لأن موسى قد قال “الوباء ابتدأ”. فموسى يرى بالروح ما يحدث أنه قد رأي سلطانًا[7] خرج نحو المحلة ليضرب الخطاة ويبيدهم لهذا السبب دعا موسى الكاهن الأكبر أن يأخذ مجمرة ويضع فيها نارًا من على المذبح ويضع فيها بخورًا ويخرج ويقف بين الموتى والأحياء ليمتنع الوباء. أو بالأصح حسب تعبير الكتاب المقدس “الكسور”.
القصة
لكن قبل كل شئ إذا أردتم فلنعرض الصورة[8] المتضمنة في القصة، حتى بعد عزل ظواهر الحادث، نبحث أن كان يوجد هنا أسرار، ذلك بأن نتصور شعب إسرائيل مرتبًا في المحلة على حسب رتب العشائر والأسر. فهناك قوة مرسلة من قبل الله قد ابتدأت تقتل الشعب. أنها ليست مجرد صدفة لكن ابتداء من مكان معين، انظر إلى الوباء الذي يتقدم، ثم الكاهن الأعظم لابسًا الحلة الحبرية وحاملاً “المجمرة والنار والبخور”. ويتوجه نحو المكان الذي حدث فيه الموت الآتي من الملاك المهلك ويقف في المكان الذي فيه يحصد ضحاياه الأولين، ويقترب من الآخرين.
تأمل في الحبر واقفًا، وهو بتوسطه يفصل الموتى عن الأحياء، وشفاعته والقدرة السرية للبخور، هما اللذان يعملان على تراجع الملاك المهلك وها الموت يتوقف والحياة تأخذ مجراها مرة أخرى.
يسوع الكاهن الأعظم والشفيع
إذا فهمت نتيجة القصة إذا استطعت أن ترى بعينيك “الكاهن الأعظم واقفًا بين الأحياء والموتى”، فلنصعد الآن نحو الدروس الجليلة المتضمنة في هذا النص، لنرى كيف أن الكاهن الأعظم الحقيقي يسوع المسيح بعدما أخذ الجسد البشري كمجمرة، بعدما وضع فيها النار من على المذبح، أي نفسه الثمينة التي تجسد بها، بعدما وضع بخورًا أي الروح القدس الذي بلا دنس[9] وقف بين الأحياء والموتى وأبطل بالموت ذلك الذي قال عنه الرسول ” له سلطان الموت أي إبليس، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (عب2: 14؛ يو3: 16)، هذا هو السر الذي يرعب الملاك المهلك مقدمًا، حيث إنه قد عرف الصورة المتضمنة في المجمرة والنار والبخور.
وأنه رأى مقدمًا ما هي الذبيحة التي كان مزمعًا أن يقدمها لله بواسطة الذي يقف بين الأحياء والموتى. هؤلاء خلصوا برمز النبوة، أما نحن فقد صار لنا “الخلاص حقيقة” فليست حلة الكاهن الأعظم المنسوجة من الأرجوان ومن الصوف ومن البوص هي التي أرجعت الملاك المُهلك لكنه أدرك ما ستكون عليه زينات حلة الكاهن الحقيقي التي يجب أن تخضع لها كل الخلائق وتقهر أمامها.
في المجئ الثاني
هذه الصورة قد تحققت عند المجئ الأول لسيدنا يسوع ومخلصنا وفي رأيي أنها ستكون كذلك بدون أي شك في المجئ الثاني. حيث إن ابن الإنسان سيأتي مرة أخرى[10] وفي مجيئة سيجد بكل تأكيد موتى وأحياء. هذا ما قد نستطيع أن نفهمه لأول وهلة. فالبعض سيكونون على قيد الحياة، حيث نحن الآن وآخرون كثيرون يكونون قد سبقوهم بالموت. ويمكن أن نفهم ذلك بطريقة أخرى، فنعني بالموتى الأجساد، وبالأحياء النفوس.
والأحياء هم الذين ثبتوا في أعمال الحياة. في هذين المعنيين كاهننا الأعظم ومخلصنا سيقف في يوم المجئ الثاني بين الأحياء والأموات. لكن يجب أن نقول أيضًا بأنه سيقف بين الأحياء والأموات عندما سيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره. ثم يقول الملك للذين عن يمينه:” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم.. ثم للذين على اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته لأني لا أعرفكم” (مت 25: 33ـ41). الموتى إذًا هم الذين قد أرسلوا إلى النار الأبدية والأحياء هم الذين أدخلوا إلى الملكوت.
الكسور
6 ـ ” والوباء قد امتنع” (عد16: 5)، أو بالأحرى حسب نص آخر سبق أن ذكرناه “الكسور قد امتنعت”.
هذا يتفق أفضل مع الشرح الحقيقي. أنه يقصد بالكسور مثل تلك التي تصيب الأوعية الخزفية. الخطاة يصبحون أواني خزفية مثلما يشير إليه ارميا النبي في المراثي: “ بنو صهيون الكرماء الموزونين بالذهب النقي كيف حسبوا أباريق خزف عمل يدي فخاري؟” (مراثي إرميا4: 2)، والرسول يقول: ” في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضة فقط بل من خشب وخزف أيضًا وتلك للكرامة وهذه للهوان” (2تي2: 20)، أيضًا الأباريق أشياء للهوان ويمكن أن تنكسر وتحتقر.
أواني للكرامة وأواني للهوان
لكن لنختبر بأكثر إصغاء ما قاله الرسول بعد ذلك عن الأواني الخزفية: ” فإن طهر أحد نفسه من هذه يكون إناء للكرامة مقدسًا نافعًا لسيده مستعدًا لكل صالح” (2تي2: 21)، ومنها يستنتج بأن الإبريق الذي عمل والصانع الذي صنعه يشيران لشخص واحد، إرادة الإنسان توجد في الصانع الذي يصنع أما باقي الإنسان فهو الإبريق المصنوع أما للهوان أو للكرامة. عندما نختار ما هو حسن، بتفكيرنا ويقودنا هذا نحو حياة صالحة فهو يعمل منا إناء صالحًا لكن عندما تكون إرادتنا متراخية وتنحرف عن الخير نصير إبريقًا محتقرًا.
إذا كانت أذهاننا أرضية ولا تفكر إلا في الأرضيات وفي الأشياء الأرضية نصبح ” إناء خزفيًا عمل يدي فخاري“، فالإنسان الذي من هذا النوع الذي اعتاد أن يفكر بالتفكير المنحط الأرضي، هو الذي يلومه الرسول لتقديمه تساؤلات تفوق قامته ويقول “لماذا يلوم بعد؛ من يقاوم مشيئته” (رو9: 19ـ20). الرسول يجاوبه على ذلك باعتباره مثل إناء من الأرض، من أنت الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟ الإناء الخزفي في الكتاب المقدس هو أيضًا جسدنا وهو أيضًا حرف الشريعة[11].
في كلمة الرسول ” لنا هذا الكنز في أواني خزفية” (2كو4: 7). المعنيان مقبولان في هذا النص، فمن ناحية بينما نحن في الجسد فقد وهبنا كنز النعمة بالروح القدس، ومن ناحية أخرى كلام الشريعة رغم أنها أهينت واعتبرت رديئة، لأن كلمات الشريعة لم تكن قد نقحت حسب فن اللغويين، إلا أنه يخفي كنز الحكمة ومعرفة الله، ونستطيع بثقة أن نقول أنها تحوي “ المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو2: 3). هذا ما لدينا من قول عن الكسور التي يتحدث عنها الكتاب المقدس بأنها قد توقفت، والآن فلنقل بعض الكلمات عن باقي القصة وهي حادث العصى.
عصا هرون
7ـ ” فكلم الرب موسى قائلاً: كلم بني إسرائيل وخذ منهم عصا لكل بيت أب من جميع رؤسائهم حسب بيوت آبائهم اثنتى عشرة عصا واسم كل واحد تكتبه على عصاه واسم هرون تكتبه على عصا لاوي لأن لرأس بيت آبائهم عصا واحدة. وضعها في خيمة الاجتماع أمام الشهادة حيث اجتمع بكم فالرجل الذي اختاره تفرخ عصاه فاسكن عني تذمرات بني إسرائيل التي يتذمرونها عليكما” (عد17: 1ـ 5).
” وضعها في خيمة الاجتماع أمام الشهادة حيث اجتمع بكم فالرجل الذي اختاره تفرخ عصاه فاسكن عني تذمرت بني إسرائيل التي يتذمرونها عليكما” (عد17: 1ـ 5). كل رئيس عشيرة وكل رئيس شعب له عصا لا يستطيع أحد أن يقود الشعب إن لم يكن لديه عصا. لهذا السبب فبولس الرسول الذي كان رئيسًا لشعب يقول ” ماذا تريدون؟ أبعصا آتي إليـكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟” (1كو4: 21).
كل رئيس عشرة يجب إذًا أن يكون لديه عصاه، لكن لا يوجد إلا واحد، كما يعلمنا الكتاب المقدس، الكاهن الأعظم هرون هو الذي أفرخت عصاه وقد أوضحنا مرارًا أن المسيح هو الكاهن الأعظم الحقيقي وأنه هو الوحيد، وعصاه التي هي الصليب لم تفرخ فحسب لكن أيضًا أزهرت وأنتجت الثمار في كل الشعوب المؤمنة.
اللوز: ثلاثة صور للكتاب المقدس:
إذًا ما هي الثمار التي آتي بها؟ “لوز”. يقول الكتاب أن ثمرة قشرتها الأولى مرة ثم أنها محصنة ومصونة بالقشرة الثانية وقابلة للأكل ومغذية بعد نزع القشرة الثالثة. هذا ما يبدو في مدرسة المسيح من تعاليم الشريعة والأنبياء[12].
الوجه الأول هو الحرف وهو لحد ما مر[13]. إنه يفرض ختان الجسد وقواعد تقديم الذبائح وكل ما يعني “الحرف الذي يقتل” (2كو3: 6).
أطرح كل هذا مثل قشرة اللوز المرة، ثم بعد ذلك ستصل في المكان الثاني لحماية القشرة التي تشير إلى تعاليم الأخلاق أو فروض التطهير. هذه الأشياء ضرورية لصيانة ما في الداخل لكنها بلا شك ستختفي في يوم ما.
وكمثال للامتناع عن الأكل وإماتة الجسد، أنها ضرورية بكل تأكيد مادمنا في هذا الجسد الخاضع للفساد وللشهوات، لكن بعد أن يموت الجسد ففي القيامة، فإن القابل للفساد يصبح غير قابل للفساد والحيواني يصير روحيًا أنه سوف لا يخضع لأي فساد، ليس نتيجة مجهودات أو إماتة أو امتناعات بل لطبيعته الخاصة. لذا فطريقة الامتناع تبدو في نفس الوقت ضرورية الآن ولكنها لن تكون ضرورية فيما بعد.
ثالثًا: سنجد معنى أسرار “الحكمة والمعرفة” (كو2: 3)، مخفيًا وهو الذي يرد أرواح القديسين ويغذيها ليس فقط في الحياة الحاضرة لكن أيضًا في الحياة المستقبلة.
إنها حقًا قمة الثمار التي يشبعون بها حسب ” الوعد للجياع والعطاش إلى البر“، أيضًا كل آيات الكتاب المقدس تشير لهذا السر المثلث. والحكمة تنصحنا أيضًا بأن ننقش هذه الأشياء ثلاث مرات في قلبنا لتجيب كما يقول “جواب الحق للذين أرسلوك”.
البطريرك أسحق حفر ثلاثة آبار لكن الثالثة فقط أخذت لتجيب اسم رحوبوت، من ناحية أخرى في رأيي إن عصا اللوز تتضمن سرًا له علاقة بالكهنة. فإرميا الذي كان من الكهنة الذين في عناثوت رأي عصا من اللوز، وتنبأ عن عصا اللوز والقدر المنفوخ.
فعصا اللوز كانت ترمز للحياة، والقدر المنفوخ للموت، لأنه علينا أن نختار بين الحياة والموت. الحياة هي المسيح المخفي في سر اللوز، والموت هو الشيطان تحت صورة القدر المنفوخ، فإذا ارتكبنا الخطية نرتبط بالقدر المنفوخ وإذا مارسنا البر نسكن مع الكاهن الأعظم في محلة عصا اللوز. نشيد الأنشاد يقول أيضًا إن العروس قد نزلت إلى جنة اللوز، واكتشفت في نفس الوقت أن اللوز قد طرح ثمارًا كهنوتية كثيرة[14].
كرم الله في إنجاز وعوده
مع ذلك نحن قد قلنا في البداية إن الله قد وعد بسحب ثمرة واحدة فقط من اللوز وأنه قد أثمر فيها كثيرًا، لكن أصغِ جيدًا هل نستطيع أن نتبيّن أن كرم الله يفوق وعوده؟ ربما نستطيع أن ندرك ونكتشف أن لطف الله الفائق الوصف مختبئ دائمًا في حروف الكتاب المقدس. وسنراه بأكثر سخاء في الإنجاز عنه في الوعود.
8 ـ نص الكتاب المقدس الذي نتكلم منه يقول هذا ” فالرجل الذي اختاره تفرخ عصاه” (عد17: 5). الله لم يعد إلا بشئ واحد، عصا الرجل الذي اختاره ستفرخ، لكن عندما نصل إلى اللحظة التي فيها يتبين إنجاز وعد الله، انظر كل ما يضاف إلى إنجاز الوعد حقًا يقول الكتاب المقدس:
” وها عصا هرون لبيت لاوى قد أفرخت” (عد17: 8)، فإنه هنا ببساطة حقق وعده، لكن ليس ذلك هو كل شئ “ العصا دفعت الأوراق، أزهرت بالأزهار وأنتجت اللوز” الوعد لا يحمل إلا الأفراخ. انظر إلى كرم الله فبالإضافة إلى البراعم عمل على دفع الأوراق، وبالإضافة إلى الأوراق عمل أن تتفتح الأزهار، وبالإضافة إلى الأزهار عمل على إتيان الأثمار، فما الذي يجب أن نحفظه ونتأمل فيه من كل هذا؟
أولاً سر القيامة من الأموات، حقًا عصا جافة تفرخ، عندما يموت الجسد سيرجع للحياة، إذًا ما هي الخواص الأربع للجسد المقام من الأموات؟ “يزرع في فساد يقام في عدم فساد، يرزع في ضعف يقام في قوة، يزرع في هوان، ويقام في مجد، يزرع جسمًا حيوانيًا ويقام جسمًا روحيًا (كو15: 42ـ 44).
هذه هي الأفرخ الأربعة التي تولد على العصا الجافة لجسدنا بالقيامة. لكن سنقول ثانيًا: بما أن الله قد أعطى هنا أربعة أضعاف لوعده وقد منح أكثر بكثير عما وعد، وكذا عطايا أكثر نفعًا بكثير، هكذا أيضًا في نصوص الكتاب المقدس التي تحتوي على وعد الله، بشرط أن نستحق أن ننال منه إتمام العمل الذي يعد به. والعمل الذي يعمله سيتجاوز عدة مرات ما قد أعلنه. وبذلك سيتمم حقًا ما قاله الرسول “ ما لم تره عين ولم تسمع به إذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو 2: 9).
تعجب إذًا ما هي عظمة ونوعية حسناته، فنحن ليس فقط لا نستطيع أن نرى أو نسمع، لكن أيضًا لم تخطر على القلب، أي على فكر الإنسان. ففيما يختص بالأرض وبالسماء وبشمس هذا العالم وبهاء الضوء المرئي، العين قد رأت كل هذا والآذن قد سمعت كل هذا. أما ما سوف يكون فهو ما لم تر عين وما لم تسمع آذن ولم يخطر على بال إنسان. تجاوز كل هذا وارتفع فوق كل ما تراه وكل ما تسمعه وكل ما يخطر على بالك، واعلم أن مكافأة الذين يحبون الله هي ما لا يمكن لقلبك أن يدركه.
لذا يبدو لي أننا لا يجب أن نتخيل أي شئ جسدى في هذه الوعود. طبعًا إن المادة الجسدية لا يمكن أن تغيب كلية من إدراك الأفكار البشرية. لكن المنافع الموعود بها هي مما لا يمكن أن يخطر على بال أو قلب إنسان ولا يمكن إدراكها إلا بحكمة الله[15]. لكن كما أن الحسنات المعطاة تجاوز الوعود.
هكذا أيضًا العقوبات المعلنة للخطاة ستطبق بزيادة العذابات، كما شرحنا سابقًا عن عقوبة سنة ليوم من الخطية، إلا إذا فكرنا في حالة ثالثة، أو إذا وجدنا بعض التعزية من التهديد الموجه ضد داود بأن وباء قد أعلن لثلاثة أيام، وفي وقت العذابات قد خفض إلى ست ساعات. لكن لا نستطيع أن نعتبر هذا المثال إلا في حالة منح وقت للتوبة وإمكانية الرجوع.
مع أنه قد كتب أن الله يصب غضبه على الأشرار حتى “الجيل الثالث والرابع”، وأنه يحسن إلى الأبرار ليس فقط للجيل الثالث والرابع لكن، يقول الكتاب المقدس “إلى ألف جيل” (خر20: 5؛ تث7: 9).
درجات النمو للمؤمنين
فلنرجع إلى ما قد بدأنا قوله عن العصا، نستطيع أيضًا أن نشرح فروق الأفراخ التي نمت على العصا بالطريقة الآتية: كل إنسان يؤمن بالمسيح يموت ثم يولد مرة أخرى. العصا الجافة التي تخضر مرة أخرى تمثل المؤمن، الإفراخ الأول هو أول اعتراف للمؤمن بالمسيح ثم تظهر الأوراق عندما يولد ثانية، فهو قد نال عطية نعمة الله بفعل الروح القدس.
ثم ينتج الأزهار عندما يبدأ في النمو ويتزين بعذوبة الطبائع الحسنة، وينشر عطر الصفح واللطف، وأخيرًا ينتج أيضًا ثمار البر، التي بواسطتها ليس ينال الحياة فقط، لكنه يعطي الحياة للآخرين، وعندما يصل إلى الكمال فهو يخرج من نفسه كلام الإيمان، وكلام معرفة الله، ويعمل على استفادة الآخرين. هذا يعني أنه يحمل الثمار لكي يغذي بها الآخرين.
إذًا فكل مؤمن إنما ينمو على عصا هارون، الذي هو المسيح. هذه الدرجات الأربع المختلفة هي التي رُمز إليها في نصوص أخرى من الكتاب المقدس بالأحقاب الأربع التي ميزها يوحنا الرسول بصفة سرية في رسالته وهو يقول: ” اكتب إليكم أيها الأولاد… أكتب إليكم أيها الأحداث… أكتب إليكم أيها الشباب… أكتـب إليكم أيها الآباء” (1يو2: 12ـ14). أنه يميز بذلك ليس أحقاب الجسم لكن درجات الروح في النمو، بالطريقة ذاتها التي سبق أن شرحنا بها عصا هرون الكاهن الأعظم.
كل هذا لا يحدث على عصا هرون كما على العصا: ” يخرج من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب” (إش11: 1ـ2). وهنا أيضًا لا يظهر غير معنى العصا “تخرج” بينما الغصن “ينبت”. مع أنه حقًا يكون المسيح وأحد بالأقنوم[16] لكنه يتنوع حسب احتياجات الذي يعمل فيه. فالذي هو أكثر ضعفًا وأكثر إهمالاً يكون المسيح له عصا تأديب وتحت شكل عصا لا نقول عنه إنه ينبت بل أنه “يخرج”، فالذي هو كسلان وضعيف يجب أن يخرج من هذه الحالة التي يكون مخطئًا في التأخير فيها.
ويجب عليه العبور إلى حالة أخرى، كما بضربة بالعصا، أي بنصائح شديدة لتعاليم أكثر تدقيقًا. لكن نقول إن المسيح ينبت في الذي هو بار، حيث إن ” البار كالنخلة يزهو“، لذلك فالذي يحتاج إلى ضربات يكون له عصا “يخرج” نحوه، وللذي ينمو نحو البر فهو “يصعد” مثل الزهرة إنه “ينبت” حتى ينتج البار أثمار الروح التي هي المحبة وفرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان والفضائل الأخرى في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] الذهب يمثل القلب، الفضة تمثل الاعتراف بالكلام.
[2] يمكن أن نقارن بين هذا الموقف وموقف اكليمندس الأسكندرى من الفلاسفة الوثنيين (المتنوعات 6، 66) والذي نصح به أوريجينوس أيضًا (خروج عظة 11 – 7).
[3] يقول الرسول “إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونيًا” (2تي2: 5) كيف سيكون هناك معركة لو لم يكن هناك أعداء؟ كيف سنميز جمال ولمعان النور لو لم يحل ظلام الليل؟ هل سنمجد لأجل طهارتنا إذا لم نجبر على عدم العفة؟ بالاختصار اكتشاف الأشرار يعمل على ظهور مجد القديسين أنه من المستحيل على النفس أن تعرف بأكثر وضوحًا ما هو الحسن إلا بالمقارنة مع ضده.
[4] بمعنى من ضمن عصره وهذا لا يعني بأنني رجل كامل تمامًا لكن بالمقارنة مع الرجال في ذلك الوقت.
[5] الاضطهاد بالنسبة للمسيحيين في الأجيال الأولى كان عصر النعمة وليس عصر الغم.
[12] ينطبق هذا التقسيم على طرق فهم الكتب المقدسة يتم أولاً التعرف على الحرف ثم التعليم الأخلاقي ثم العلم وهذه المراحل الثلاثة تنطبق على أقسام الإنسان الثلاثة الجسد والنفس والروح وأيضًا ثلاث درجات الحياة الروحية الإيمان والأعمال والمعرفة كما أنها تنطبق أيضًا على ثلاثة مراحل تاريخ الخلاص وهي العهد القديم والعهد الجديد والمجد الآتي.
[13] عن هذه المرارة التي هي مرارة الحرف انظر عظة على الخروج 7، 1 وأوريجينوس يعطي مثالاً آخر وهو الختان.
[14] لماذا كهنوتية؟ ربما لأنها قد أعطيت بواسطة الكاهن الأعظم (عريس النشيد)، المسيح أو بالأحرى بدون شك لأنه يختص بالعنب ناتج الكرمة الحقيقية (يو15: 1)، المسيح الذي هو أيضًا الكاهن الأعظم الحقيقي.
[15] هذا النص الجميل هو واحد من النصوص التي تبين أن أوريجينوس كان يملك حسًا مرهفًا بأن الله لا يمكن إدراك طبيعته السرية.
[16] نحن هنا أمام تعبير اللاهوت النيقاوي. وفي الحقيقة فأن لفط Per Substantiam لروفينوس يحتمل المعنين “حسب الجوهر” و “حسب الأقنوم”، أوريجينوس لا يقوم بهذا التفريق الذي سيصير هامًا في مجمع نيقية، ولكنه يصر على وحدة شخص المسيح، واستعماله لصور متعددة للمسيح داخل النفس لا تؤثر على وحدة شخص المسيح كما حاول البعض اتهامه.
مجامر قورح – العظة التاسعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
عصيان الشعب – العظة الثامنة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
عصيان الشعب – العظة الثامنة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
القصة
1ـ إثنا عشر من أبناء إسرائيل قد أُرسلوا ليتجسسوا الأرض ” لاستطلاع أرض الموعد” ورجعوا من تجسس الأرض بعد أربعين يومًا ببيانات متناقضة. عشرة من بينهم دفعوا لشعب لليأس وكانوا يريدون سقوط موسى ليختاروا رئيسًا آخر ويرجعوا إلى مصر. الاثنان الآخران بشرا بأخبار جيدة.
وشجعا الشعب بأن يتمسك بالإيمان قائلين “إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض”. الشعب غير المؤمن سلم نفسه لليأس، وهجم ليرجم حاملي البشري السعيدة، لكن مجد الرب ظهر لكل الشعب، وقال الرب لموسى أني أضربهم بالوباء وأبيدهم وأصيّرك وبيت أبيك شعبًا أكبر وأعظم منهم (عد 12: 3، 26؛ 14: 1ـ 12).
ليس في طبيعة الله غضب:
فإذا كان الرب قد نطق بمثل هذا التهديد ليس لأن الطبيعة الإلهية خاضعة للعواطف ولرذيلة الغضب ولكن لكي تظهر محبة موسى للشعب، ولطف الله الذي لا نستطيع أن ندركه أو نفهمه نحو كل الخطاة. مكتوب أن الله يغضب ويهدد الشعب بالموت. على الإنسان أن يتعلم من ذلك أن له مكانًا عند الله وأنه يحظى باعتبار كبير لدى الله.
إذا كان الله لديه أسباب للسخط ضد الإنسان فإن هذا الغضب يهدأ بواسطة ابتهالات الإنسان وتضرعاته ويستطيع الإنسان أيضًا أن يحصل من الله على تغيير الأحكام التي سبق وأصدرها حيث إن اللطف الذي يتبع الغضب يبين مكانة موسى لدى الله ويعرفنا أن الطبيعة الإلهية لا تتفق مع رذيلة الغضب.
شعب جديد
في نفس الوقت يوجد أمر ينبغي أن يتم في المستقبل وهو مختبئ في الوعد الصادر من الله بأن يقام شعب آخر بعد أن يطرح الأول. يقول الله هنا “أني أضربهم بالوباء وأبيدهم وأصيّرك أنت وبيت أبيك شعبًا أكبر وأعظم منهم” (عد 14: 12)، وهذا التهديد ليس ناتجًا عن الغضب لكنه نبوة[1]. حيث إن أمة أخرى يجب أن تختار، وهي شعب الوثنيين لكن هذه الأمة سوف لا تختار بواسطة موسى لذا أعتذر موسى أن يصير معه هكذا[2].
فإن هذه الأمة الكبيرة الموعودة لا يجب أن تحصل على دعوة الله منه، لكن من يسوع المسيح وأن هذا الشعب لا يجب أن يحمل الاسم “موسوى” لكن يحمل الاسم “مسيحي”، لهذا السبب تضرع موسى بإلحاح لصالح الشعب. والرب يوقع العقاب مخففًا ويعلن “ الشعب الذي خرج من مصر الذين أهانوني والذين ظلوا غير مؤمنين سيطرحون في القفر” (عد 14: 23). وقال الله ” لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم” ولكن فقط أطفالهم الذين هم هنا معي والذين لا يعلمون الخير والشر” (عد 14: 23).
سر أكثر عمقًا
ربما يوجد سر أكثر عمقًا مختبئًا في كلمات الله هذه ” أطفالكم الذين هم هنا معي” هنا التي تعني المكان. كيف يكونون “معي”؟ “من له أذنان للسمع فليسمع” (مت11: 15).
قسوة الله ولطفه
مهما يكن نقول إن الشعب القديم تكّون من آبائنا. وإننا نحن أبناؤهم، هم قد طرحوا بسبب خطاياهم وقد سقطوا، لكن نحن أولادهم قد قمنا وانتصبنا في أماكنهم، نحن الذين لا نعلم الخير ولا الشر حيث إننا أولاد الأمم ونحن لا نعلم لا الخير الذي يأتي من الله ولا الشر الذي هو ناتج من الخطية، لكننا نأخذ المكان الذي طرحوا منه، خائفين من مثل هذه السقطة، وسامعين إنذار بولس ” فهوذا لطف الله وصرامته، أما الصرامة فعلى الذين سقطوا وأما اللطف فلك أن ثبت في اللطف وإلا فأنت أيضًا ستقطع وهم أن لم يثبتوا في عدم الإيمان سيُطّعمون” (رو11: 22ـ 23).
مدة العقوبات
أضاف الرب ” وبنوكم يكونون تائهين في القفر 40 سنة” (عد 14: 33، 34). ويشرح السر المتضمن في هذا العدد “كعدد الأيام التي تجسستم فيها الأرض 40 يومًا السنة تقابل يوم تحملون ذنوبكم 40 سنة فتعرفون ابتعادي.
أني أخشى أن أبحث غوامض هذا السر. أني أري أنها تتضمن بيان خطورة الخطية وعقابها. إذًا فكل خاطئ يجب أن يقاسي سنة من المشقة لكل يوم من الخطية. فإذا كان عدد السنين التي يجب أن تمر في العقاب مساويًا لعدد أيام الخطية، فنحن الخطاة الذين نخطئ كل الأيام، وربما لا يمر علينا يوم من حياتنا بدون خطية، وماذا أقول؟ أني أخشى أن دهر الدهور لا يكفي لكي ندفع ديوننا، الواقع إن الشعب القديم تألم في القفر خلال 40 سنة بسبب خطأ 40 يومًا ولم يستطع الدخول إلى الأرض المقدسة.
هذا يظهر لنا بعض التناسب مع الدينونة المستقبلة عندما يقدم حساب الخطايا. ربما الأعمال الحسنة تجلب بعض المكافأة، كذلك الأوجاع التي يختبرها الواحد منا في حياته كما علمنا إبراهيم في موضوع لعازر. لكن المعرفة الكلية لهذه الأشياء قد حفظت ” للذي قد أعطى له الآب كل الدينونة” (يو5:5). أما أن يوم الخطية يساوي سنة من العقاب فهذا لم يشرح في الكتاب بل نجد تعالم مشابهة في كتاب (الراعي) إذا أردنا أن نعتبر هذا الكتاب كالكتاب المقدس[3].
القيمة العلاجية للتأديب
ربما نعترض بأنه لا يتناسب مع لطف الله أن يفرض سنة من العقاب عن خطية يوم واحد[4]. وسوف يقال وحتى ولو كانت النسبة ليوم فسوف يظهر أن الله تنقصه الرحمة واللطف. انصت جيدًا ربما نتمكن من أن نحل الصعاب بمقارنات أكثر وضوحًا فإن كان الجسد به جروح، وإذا كان أحد العظام به كسر أو إذا كانت الأعصاب محطمة، فرغم أن جروح الجسد هذه تنتج عادة في أقل من ساعة واحدة، لكنها بعد ذلك تحتاج لكثير من الأتعاب وكثير من الوقت ليتم الشفاء.
ويحدث أن يصاب الإنسان بنفس الجروح مرة أخرى أو مرات أخرى كثيرة وأن الكسور تتجدد ويلزمها كثير من الجهد لتشفي. وكثير من الأتعاب وكثير من الوقت حتى يعود ذلك الإنسان إلى كامل صحته؟ وكما أنه من الصعب أن يشفي الإنسان دون أن تتخلف لديه عاهة أو بعض آثار الجروح المؤلمة هكذا في حالة جروح النفس. النفس تكون مجروحة في كل مرة تخطئ، لاشك أنها تكون مجروحة بالخطية، كما يجرح الجسد بالسهام وبالسيوف.
فلننصت للرسول عندما ينصحنا أن نحمل “ ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة” (أف6: 16)، هل ترى؟ الخطايا هي سهام الشرير الموجهة نحو النفس لكن أنفسنا تتعرض لمخاطر أخرى علاوة على هذه الجروح: “ وهي الشبكة المهيأة لخطواتنا” (مز57: 6)، ” ومحاولات قلقلتها” (مز37: 31)، فكم من الوقت ستحتاجه النفس لتشفي من هذا النوع من الجروح؟ آه إذا استطعنا أن نرى في كل خطية كيف يكون الإنسان الداخلي مجروحًا وكم تسبب له الكلمات الرديئة من آلام ألم تقرأ:
” إن السيوف تجرح أقل من اللسان”. النفس إذًا تكون مجروحة باللسان، وتكون مجروحة أيضًا بالأفكار الرديئة والرغبات السيئة لكنها تكون مكسورة ومحطمة بأعمال الخطية. إذا استطعنا أن نرى كل شئ، إذا استطعنا أن نشعر بآثار جروح النفس المصابة، آه سنقاوم الخطية حتى الموت ولكننا نكون كإنسان به شيطان أو كمجانين لا يشعرون أنهم مجرحون، إذ لا يستعملون الحواس الطبيعية أو هم منجذبون بشهوات العالم أو سكارى بالرذائل، لا نستطيع أن نشعر بأي ضربات نضرب بها، وبأي جروح تصيب أنفسنا بالخطية.
أن مدة التطبيق العملي للعقاب الذي هو في نفس الوقت علاج ودواء، قد تطول أو تقصر حسب خطورة كل جرح.
تظهر أيضًا عدالة الله ولطفه في العقوبات المحزنة المفروضة على النفس، وفي هذا التأني على الخاطئ حتى يتوب إلى الله ولا يخطئ أبدًا. حيث إن التحول هو في الحياة الحاضرة والتوبة تأتي بثمر يجلب العلاج السريع لهذا النوع من الجروح، لأن التوبة لا تشفي فقط الجرح السابق الإصابة به بل تمنع النفس فيما بعد أن تُجرح بالخطية.
سأضيف أيضًا هذا إذا كنتُ خاطئًا، هل أعاقب بنفس العقاب إذا كنت لم أخطئ إلا مرة واحدة وإذا أخطأت مرة أخرى ومرة ثالثة أو أكثر من ذلك أيضًا؟ لأن العقاب يجب أن يكون متناسبًا مع نوع وعدد وكبر الخطية، حيث إن الله سيعطينا خبز الدموع ويسقينا الدموع بالكيل. هذا الكيل سيكون حسب أخطاء كل واحد إذ يقول في موضع آخر: ” في يد الله كأس وخمرها مختمرة ملآنة شرابًا ممزوجًا” (مز75: 8).
إذًا الله سيجهز لكل واحد مزيجًا والحكم سيُنطق ليس فقط على حسب الشر، لكن أيضًا حسب الصالحات التي نكون قد عملناها. ورغم ذلك فإن مزيج الخير والشر يترك رواسب رديئة لن تنتهي بحسب رأيي بشكل كامل[5].
نصيحة نهائية
كل هذا كما سبق أن قلت هو في يد الله. علينا نحن أن نسرع بتطهير أنفسنا بأن نتوب إلى الله دون مكر، بأن نبكي الماضي، وأن نحترس من المستقبل، بأن نطلب العون من الله عندما ” نقترب من الله بتنهد عندئذ سنخلص حيث الذي يشفع” (إش45: 29)، من أجلك أمام الآب، الرب يسوع هو أعظم حالة من موسى الذي ” صلى لأجل الشعب” (عد21: 7)
وقد استجاب الله، وربما لأجل هذا نقل الكتاب المقدس شفاعة موسى عن خطايا الشعب القديم حتى يكون لنا أيضًا ثقة بأن شفيعنا يسوع يحصل لنا من الآب على غفران مؤكد بشرط أن نلتجئ إليه وأن لا ” يرتد قلبنا إلى الوراء” (مز44: 18)، كما نتبع كلمات يوحنا الحبيب في رسالته ” يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا” (1يو2: 1ـ 12)، الذي له المجد والسلطان إلى آبد الآبدين آمين.
[1] لأنه ليس تهديدًا باطلاً مثلما يكون التهديد ناتجًا عن غضب.
[2] موسى حقًا حسب أوريجانوس يعلم الحقيقة التي نشرت في الرموز.
[3] أوريجانوس لا يعتبر كتاب Pasteur dHermes أو الراعي لهرماس ككتاب قانوني حسب تعليم الكنيسة لكنه أعطى له قيمة كبيرة.
[4] أتباع ماركيون يوجهون هذه الاعتراضات ضد ما يسمونه إله العهد القديم.
[5] نرى من هذا إصرار أوريجينوس على حرية إرادة الإنسان حتى بعد نهاية الدهر الحاضر. وهذا قد يبدو متعارضًا مع ما يشاع عنه أنه كان يعتقد بالخلاص الشامل وخلاص الشيطان نفسه.
عصيان الشعب – العظة الثامنة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
معاقبة مريم ومجد موسى – العظة السابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
معاقبة مريم ومجد موسى – العظة السابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
معاقبة مريم ومجد موسى – الجواسيس في كنعان
حادث مريم: المعنى الحرفي:
1ـ يقول الرسول ” هذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً وكتبت لإنذارنا” (1كو10: 11)، إذًا أبحث عن الإنذار المستخرج من الدرس الذي سبق أن قُرئ “هارون ومريم احتقرا موسى” ولهذا الحادث قد عوقبا، حتى أن مريم أصيبت بالبرص وهذا العقاب له أهمية كبرى لأنه على مدى الأسبوع الذي كانت مريم فيه مصابة بالبرص كان شعب الله لا يتابع رحلته نحو أرض الموعد وخيمة الاجتماع لم تنتقل من مكانها (انظر عد 12: 10).
الدرس الروحي: ضد الإدانة:
التعليم الأول التي استخرجه منه: تعليم نافع وضروري، هو أنه لا يجب أن ” تحتقر أخاك” (مز50: 20)، أو قريبك، ولا تفتح فاك لتشتم، أني لا أقول فقط عن القديسين لكن أي من كان، عندما أرى مقدار غضب الله ومقدار الانتقام الذي وقعّه. ففي المزامير نرى أن الله يغضب بنفس الطريقة ضد هذه الخطية عندما يقول ” تجلس تتكلم على أخيك ولابن أمك تضع معثرة” (مز50: 20)، وأيضًا في مزمور أخر نتعلم أن هذا يحزن الله فوق كل شئ إذ يقول: ” الذي يغتاب صاحبه سرًا هذا أقطعه” (مز101: 5).
بمساعدة كل هذه الوصايا من الكتاب المقدس “ كمثل سيف ذو حدين” (رؤ1: 16)، اقطعوا هذه الرذيلة، نتجنب أن ندين وكل من يتكلم بالسوء على أخيه يصاب بالبرص.
المعنى السري: النمامون ضد موسى
ليس اليهود فقط هم الذين احتقروا موسى بل الهراطقة أيضًا، الذين لم يقبلوا الشريعة والأنبياء، فمن عاداتهم أن يتهموه بقولهم أن موسى كان قاتلاً لأنه قتل المصري. يطعنونه هو والأنبياء بتجاديف أخرى فاضحة بسبب هذه الانتقادات، أصيبوا بالبرص في نفوسهم، اصبحوا برصًا في الإنسان الداخلي ولهذا السبب قد “طردوا من المحلة”، من الكنيسة، إذًا الهراطقة الذين يسبّون موسى، وكذلك أعضاء الكنيسة الذين يحتقرون اخوتهم ويدينونهم، هم بدون شك يصابون بالبرص في أنفسهم.
بشفاعة هارون الكاهن الأكبر شفيت مريم في اليوم السابع، لكن نحن إذًا أصبنا بالبرص في أنفسنا بسبب الدينونة، سنظل برصاء ودنسين حتى آخر الأسبوع من هذا العالم[1]. أي ليوم القيامة إن لم نصلح أنفسنا في زمن التوبة بأن نرجع بأنفسنا إلى الرب يسوع ونتضرع له ونطهر من البرص بالتوبة.
المفسرون الجسديون
لكن في رأيي أنه ليس شعب الشريعة القديمة ولا الهراطقة فقط هم الذين يحتقرون موسى، بل أيضًا كل مفسر يفهم كتب موسى بطريقة سيئة، والذي يفهم هذه الشريعة جسدانيًا يسبّ موسى بأن يستخرج من كلام الروح تعاليم جسدية. هل سمعتم أي حكم، أي لوم يصيب الشتامين والنمامين؟ اسمع الآن ما هي الفوائد التي يحصل عليها الذين يعاب في حقهم، لم نجد الله مطلقًا يمدح موسى خادمه بمدح هذا مقداره إلا عندما أُهين موسى.
مديح خاص لموسى
2 ـ إذا فلنسمع المديح الذي منحه الروح القدس لموسى، يقول الكتاب المقدس ” نزل الرب في عامود سحاب ووقف في باب الخيمة، ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما، فقال لهما:
اسمعا كلامي إن كان منكم نبي للرب، فبالرؤيا استعلن له. في الحلم أكلمه وأما خادمي موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي فما إلى فم، وعيانًا أتكلم معه لا بألغاز. وشبه الرب يعاين فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى؟ فحمى غضب الرب عليهما ومضى. فلما ارتفعت السحابة عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج” (عد12: 5ـ10)، فلننظر أي عقاب قد جلب على النمامين وأي مديح قد استحقه ذلك الذي انتقدوه، لهما الخجل، وله الكرامة، لهما البرص وله المجد، لهما الخزي وله العظمة، هذا ما قد حصل عليه.
ألغاز وحقائق
لكن قبل أن يتزوج موسى المرأة الكوشية لم يكتب بأن الله كلم موسى ” بالحقائق وليس بالألغاز” (عد12: 8)، لكن عندما تزوجها، حينئذ قال الله “فما إلى فم وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز” حقًا أخيرًا عندما آتي موسى إلينا، واتحد بكوشية[2]، حينئذ انتهى إعلان شريعة الله لنا على شكل أمثال وصور بل في اكتمال الحقائق. فالذي كان يعلن أولاً “بالألغاز” أصبح يتم واقعيًا وحقًا.
لذلك يقول مفسر الحقائق السرية بأمثال “ نعلم أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة وجميعهم اجتازوا في البحر وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر، وجميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح” (1كو 10: 1ـ 4). إنك ترى كيف فسر بولس الرسول غوامض الشريعة وعلم الحقائق التي تضمنتها، إنه يقول إن الصخرة كانت بالرمز عندما قبل موسى أن يتحد بالمرأة الكوشية التي تمثلنا، وأن الصخرة الآن إنما هي بالحقيقة المسيح، لأن الله الآن يتكلم في الشريعة فما لفم.
قديمًا كانت المعمودية بالرمز في السحابة وفي البحر، والآن الميلاد الثاني يتم بالحقيقة بالماء والروح القدس. في القديم كان المن طعامًا بالرمز والآن جسد كلمة الله هو الطعام الحقيقي كما يثبت ذلك من كلام الله: ” جسدي مآكل حق ودمي مشرب حق” (يو6: 55). لأجل ذلك، الآن أنتقل إلينا موسى وتزوج من الكوشية فلا يكلمنا بعد بالألغاز بل بالحقيقة.
موسى رأي مجد الرب
أضاف الله أيضًا: ” أنه يعاين مجد الرب“، متى رأى موسى مجد الرب؟ أقول عندما ظهر موسى مع الرب على الجبل كان بجانب الرب مع إيليا، وكانا يتكلمان معه. لهذا السبب يمكن للرب أن يضيف بعد ذلك ” وكيف لم تخشوا أن تتكلموا على عبدي موسى؟” وذلك موجه حقًا إلى الذين يبدو عليهم أنهم قبلوا الإنجيل ولكنهم يهينون موسى، فإنهم يستحقون تمامًا هذا العتاب.
فرغم أنهم قد تعلموا بالإنجيل أن موسى قد رأى مع إيليا مجد الرب، فإنهم بجسارتهم يهينون الشريعة والأنبياء. لا نحتقر إذن موسى ولا نهين الشريعة عالمين ليس فقط أن نسمع الشريعة، لكن أيضًا أن نعمل بها، حتى نستحق أن ” نشترك في تمجيد موسى”.
يجب شرح الشريعة
لكن في رأيي يوجد أيضًا مجال لإهانة موسى، مثلاً عند قراءة سفر اللاويين أو العدد دون إيضاح كيف يجب أن نفهم بالحقيقة ما تحويه هذه الأسفار من رموز، أي عندما لا تشرح دروس الشريعة روحيًا. حيث إنه أمر خطير أن الذين يسمعون في الكنيسة قراءة طقوس التقدمات وشرائع السبت.. الخ يكونون في خطر أن يتعثروا وأن يقولوا: ما أهمية قراءة ذلك في الكنيسة؟ وماذا تفيدنا تعاليم اليهودية والمراسيم لشعب ذليل؟ أنها أعمال اليهود.
وعلى اليهود أن ينشغلوا بها. فلكي نجنب السامعين مثل هذه العثرة، يجب الاهتمام بمعرفة الشريعة، مع وضع هذه الفكرة كأساس وهي أن “الشريعة روحية” (رو7: 14)، ولكي تفهم كل الدروس ولئلا بسبب خطأ المعلمين وبتكاسلهم وبإهمالهم، يقوم الجهلاء ويهينون موسى وبالعكس ” فلنرجع إلى الرب ويرفع عنا برقع“، الحرف (2كو3: 16) حتى أن وجه موسى بدلاً من أن يظهر كريه المنظر يبدو ممجدًا وجميلاً، وبدلاً من أن نهينه نقدم له الاحترام والتمجيد لعظمة أفكاره.
سحابة الروح وبرص الخطية
” فحمى غضب الرب عليهما ومضيا، فلما ارتفعت السحابة عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج” (عد12: 9ـ10)، غضب الرب وقع على المجدفين والنمامين. لكن الكتاب المقدس يقول ” السحابة عندما، ارتفعت عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج” يجب أن ننتبه لهذه الواقعة بأن السحابة ارتفعت أولاً وبعد ذلك تسلط البرص على مريم، وهذا لكي يتضح أنه إذا كان أحد حاصلاً على الروح القدس ويحتقر ويدين فالروح يرتفع عنه بعد الإدانة. والبرص يتسلط على روحه.
لقد حصل الشعب القديم على نعمة الله لكن بعد أن جدف على موسى الحقيقي ربنا يسوع المسيح ارتفعت عنه السحابة وانتقلت إلينا، وعندما تجلى سيدنا على جبل مرتفع، وإذا ” سحابة نيرة قد ظللت تلاميذه وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت17: 1؛ مر 9: 2).
فإنه بعد ذلك أصبحت مريم برصاء، بيضاء كالثلج، فمادامت السحابة موجودة، لا تكون مريم برصاء لكن أصبحت برصاء عندما ارتفعت السحابة عنها. ولما كان الشعب في حضرة الله لم يكن أبرصًا لكن عندما ابتعد عن الله، غطى الخجل وجهه فلنخشَ إذًا لئلا تبتعد عنا السحابة بواسطة كلامنا السيئ وأعمالنا الدنسة وأفكارنا النجسة، حيث أن برص الخطية يظهر فينا عندما تتركنا نعمة الله.
السقط: الشعب اليهودي:
3ـ ” فالتفت هارون إلى مريم وإذا هي برصاء فقال هارون لموسى، أسألك يا سيدي لا تجعل علينا الخطية التي حمقنا وأخطأنا بها. فلا تكن كالميت الذي يكون عند خروجه من رحم أمه قد أكل نصف لحمه” (عد12: 1ـ12)، الكتاب المقدس يريد أن يبين أن الشعب القديم قد تكون في رحم أمه ـ أي المجمع ـ لكن لم يستطع أن تكتمل ولادته، كذلك حقًا أن السقط هو ناتج غير تام ومشوه، هكذا هذا الشعب قد مكث بعض الوقت في رحم أمه.
أي في مدرسة مجامع اليهودية، لكن بسبب خطاياه لم يستطع أن يحصل على شكله الكامل وأن يدخل في الحياة، لذلك رُفِضَ السقط غير الكامل لأن الخطية أكلت نصف لحمه، كما يقول الكتاب المقدس.
كلمة ”سقط” بالمعنى الحسي :
يحدث رغم ذلك أحيانًا أن كلمة سقط تؤخذ بمعنى طيب أنه جيد أن نقارنها مع أشياء أخرى كما يقول الجامعة “سقط خير منه”. خير من ” الذي يتقدم نحو الباطل ويسير في الظلمات” (جا6: 3؛ 9: 4). لا يقصد سفر الجامعة أن السقط يكون جيدًا بالمعنى المطلق لكنه أفضل من حياة قضيت في الباطل وفي الظلمات وفي الجهل. أنه مقارنة بين أمرين.
حياة وموت :
والواقع أن سفر الجامعة يقول أيضًا في موضع آخر أن “ الأموات أفضل من الأحياء” (جا7: 1). وإذا قارنا السقط بالأحياء سنقول بأنه أفضل منهم. فإذا فحصنا من هم الأحياء ومن هم الأموات، وإذا فهمنا أن السقط أفضل منهم على أنه لم يتذوق بداية حياة هذا العالم، سندرك الدرجات المقصودة من هذه المقارنة، لاحظ أن سفر الجامعة يدعو الأحياء أولئك الذين قيل عنهم في المزمور “ إنما نفخة كل إنسان قد جعل” (مز 39: 5)، إذًا كل إنسان أي الإنسان الذي هو نفخة عابرة فالسقط أفضل منه، حيث إن كل حياة مغموسة في الباطل.
أي أن الحياة حسب الجسد وحسب الغواية، وملذات الأموات هي حياة الباطل، فالذي مات عن هذه الحياة، هو أفضل منه، ويستطيع أن يقول “ العالم قد صلب ليَّ وأنا للعالم” (غل6: 14). لقد قيل عنه “متم مع المسيح”. هؤلاء الأموات أفضل من الأحياء لكن يوضع فوقهم السقط الذي قد جاء شبه جسد، لكنه لم يبدأ بأنه يتعلق بأباطيل هذه الحياة، مع ذلك فسفر الجامعة يتكلم أيضًا عن آخر أفضل من السقط كما يبدو من قوله: ” وخير من كليهما الذي لم يولد بعد” (جا4: 3).
بمعنى الذي لم يمر بسجن الرحم وبالميلاد الجسدي أما عن كلمة الجامعة نفسها ” غبطت أنا الأموات الذين قد ماتوا منذ زمان أكثر من الأحياء الذين هم عائشون بعد” (جا4: 2)، فيتضح أن الذين ماتوا عن العالم هم أفضل، ويعلن أن الذين يعيشون بحسب هذا العالم هم أدنى منهم.
وبالمعنى الحرفي كيف يكون الأموات مغبوطين أكثر من الأحياء؟ يغبط شخص ما عامة لحسن نيته، أما الموت بالمعنى العام، فهو لا يأتي من الإرادة ولا من الاختيار الواعي فكيف نكون مستحقين للغبطة عن أمر يأتي ضد إرادتنا؟ إذًا يجب أن يغبط فرعون ملك مصر الذي غرق في البحر أكثر من موسى الذي خرج من البحر حيًا، والمصريون أكثر من شعب الله الذي عبر وسط البحر بأرجل غير مبللة؟ لا تفهم الأمر كذلك، أعلم بأنه يجب أن تغتبط بأنك مت عندما يمكنك أن تقول:
” قد صلبت مع المسيح فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيًّ” (غل2: 9ـ20)، إذا كنت قد زهدت العالم، وطرحت الرذائل، إذًا بدلاً من أن تتجه نحو الخطية، تكون أنت قد مت عنها، وتكون أفضل من الذي يعيش للخطية وموتك يكون مستحقًا للمدح حيث لا أحد يمدح على الموت الطبيعي الذي نعانيه نتيجة القوانين الطبيعية.
عودة إلى الشعب اليهودي
هذه العودة كانت ضرورية بالنسبة للنص الذي فيه يقول كلام الله أن مريم بسبب إدانتها لموسى وبطريقة العقاب قد أصبحت “سقط”.
كان يجب أن نوضح بأنه يوجد نوع جيد ونوع ردئ من السقط، حيث يقول الرسول أن في الرتب التي سبق أن قلناها توجد رتبة للسقط مستحقة للمديح إذ قال عن نفسه “وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا” (1كو15: 8)، مريم إذن ” أصبحت مثل السقط” (عد12:12)، حقًا هذا الشعب لم يستطيع أن يصل إلى الكمال بالشريعة كما يؤكده بولس ” الناموس لم يكمل شيئًا” (عب7: 19)، وأخيرًا يقول الرسول أيضًا عن البعض “سقط” في الإيمان، وهم الذين كان يعلمهم لكي يوصلهم للولادة الكاملة “ يا أولادي الذين أتمحض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم” (فى4: 19).
شفاعة موسى :
4 ـ ” وصرخ موسى إلى الرب قائلاً: اللهم اشفها” (عد12: 12)، من هو الشخص المناسب لكي يصلي للرب لأجل شفاء هذا الشعب إلا موسى؟ موسى يصلي لأجله فإنه ربما لأجل هذا كان يتحدث مع الرب يسوع المسيح وقت التجلي، لكي يطلب من السيد الرب أنه حينما يدخل ملء الأمم حينئذ يخلص جميع إسرائيل.
عقاب مريم والشعب اليهودي
فقال الرب لموسى ” لو بصق أبوها بصقًا في وجهها أما كانت تخجل 7 أيام وتحجز 7 أيام خارج المحلة وبعد ذلك ترجع” (عد12: 14)، ماذا يعني لو بصق أبوها بصقًا في وجهها ستغطي بالخجل لمدة سبعة أيام؟
لقد أوضحنا أن مريم تمثل جماعة اليهود[3]، أبوها قد بصق في وجهها، البصق في الوجه هو علامة التخلي حيث قد كتب في الناموس بشأن إجبار الأكثر قرابة أن يتزوج أرملة قريبة فإن رفض الأكثر قربًا من الأهل الزواج يصير مخلوع النعل ويقبل “البصق في الوجه”. لدينا أيضًا معنى مخصص للبصق في نص إشعياء النبي
“ كل الأمم كنقطة من دلو تحسب مثل البصاق” (إش40: 15)، هذا يبين أن هذا الشعب قد رفض مثل الأمم الأخرى التي حسبت مثل البصاق، وبالحقيقة إذا اعتبرنا عظمة هذا الشعب السابقة عندما كانت عنده رتبة الكاهن الأعظم وعلامات الكهنوت وخدمة اللاويين وجلال الهيكل ووقار النبوة، عندما كان هذا الشعب يتمتع على الأرض بالامتيازات السماوية، أي شرف وأي مجد؟
وإذا نظرنا له الآن وهو في الرعب والذلة، محروم من الهيكل والمذبح، من الذبائح والأنبياء ومن الكهنوت، وبالتالي محروم من كل حضرة إلهية مشتتًا في كل الأرض، وعائشًا في المنفى، كيف لا نعرف أن أبوه قد بصق في وجهه وغطى وجهه بالخجل؟ مريم قد منعت من دخول المحلة خلال سبعة أيام. لقد سبق أن قلنا إن السبعة أيام هذه تمثل هذا العالم، فأنه في سبعة أيام قد ظهرت كل أجناس الخليقة المرئية وُجِدَ الذي لم يكن موجودًا، لكن في أسبوع هذا العالم يطور الله بتدبير سري ومعروف لديه وحده محتوى الخليقة الأولى.
وفي أسبوع برص مريم لن ينتقل أبناء إسرائيل من محلتهم ومكثوا محبوسين في نفس المكان ولم يحصل أي تقدم لديهم “حتى تطهرت مريم من البرص” (عد12: 15).
مرحلة اهتداء اليهود مستقبلاً
5 ـ ” بعد ذلك ارتحل الشعب من حضيروت ونزلوا في برية فاران” (عد12: 16)، حضيروت، تعني مساكن كاملة، ارتحل الشعب إذن عندما طهرت مريم من البرص ووصلوا إلى فاران التي تعني الفم المرئي.
تستطيع أن تفهم كما يبدو لي معنى هذا الفم المرئي بالقول: “ الكلمة صار جسدًا” (يو1: 14)، أي الغير مرئي أصبح مرئيًا، وهذا يعني أنه عندما تأتي نهاية كل شئ وكماله مما سيحدث لهذا الشعب أنه ينتقل ويأتي إلى الكلمة الذي صار جسدًا والذي لم يكن قد اعترف به من قبل.
قصة الجواسيس
” ثم كلم الرب موسى قائلاً أرسل رجالاً ليتجسسوا أرض كنعان التي أنا معطيها لبني إسرائيل” (عد13: 1ـ2)، وفي باقي القصة إذًا أن الجواسيس عند عودتهم من مهمتهم أبلغوا أن الأرض جيدة وعجيبة لكن الشعب الساكن في الأرض هم بني العمالقة، لكن يشوع “يسوع” لم ييأس من هذا بل شجع إيمان الشعب باتفاق مع كالب الذي هو من سبط يهوذا وقالا ” إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الارض” (عد14: 8).
معنى آخر لطرد الأبالسة من أرض الموعد
ما هو المعنى لهذه الكورة، هذه الأرض المقدسة الجيدة لكن سكانها من غير المؤمنين؟ من هم هؤلاء الأعداء الذين يسكنون كورة القديسين؟ بأي معنى يجب أن يطردوا حتى يحل محلهم القديسون؟ لنرجع للأناجيل، لنرجع إلى الرسول.
إن الأناجيل وعدت القديسين ” بملكوت السموات“(مت2)، والرسول يقول “ فإن سيرتنا نحن هي في السموات” (في13: 20)، إذًا الميراث الموعود للقديسين هو في السموات. ولماذا لم يكن بهذه الكورة التي وعدنا بها الآن، سكان يجب أن نطردهم؟ وكيف يستطيع السيد الرب أن يقول إن “من أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يغتصب والغاصبون يختطفونه” (مت11: 15)، حقًا إذا لم يوجد من نقاومه، أو من نطرده فكيف يقال أن ” ملكوت السموات يغتصب؟” وإذا لم يوجد خصوم لمقاومتهم ولقهرهم فلماذا قال الرسول:
” إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف6: 1)، كذلك يجب أن نطبق عليهم الكلام الذي قال النبي الموحي به ” لأنه قد روى في السموات سيفي” (إش34: 5). إذًا الأرواح الشريرة التي هي في رأي بولس تتجول في السماويات هم الكنعانيون الحقيقيون الذين يجب أن تقهرهم ويطردوا من السماويات حتى تسكن مكانهم.
اعلم بأنهم “عمالقة” ومعنى عمالقة في الكتاب المقدس، هم كل من يقاوم الله. إذن هم كل من يعاند الله ويخالف الحق. وذلك هو أهم نشاط للعمالقة، فهو يحمل اسم عملاق بجدارة، فأنت تدخل الملكوت بعدما تقهرهم.
ألم يكن مكتوبًا عن أحدهم “هل تسلب من الجبار غنيمة؟” (إش49: 24)، هذا أيضًا ما يشرحه كلام الرب في الإنجيل ” لا أحد يستطيع أن يدخل القوى وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً” (مت12: 29). ولو أن كبرياءه قد طرده من قبل من المسكن السماوي إلا أنه يشترط أن تقهره حتى تدخل في بيت القوي، ولا يكفي أن تقهره بل يجب أن تربطه، إن لم يربط فلن تكون رحلتنا في ملء الأمان في الوقت الحاضر.
فإذا قارنا بين الطبيعة البشرية وطبيعة الأبالسة سنجد أنفسنا جراد وهم عمالقة وبالأخص إذا كان إيماننا متذبذبًا إذا كان إيماننا الضعيف يجعلنا نرجع للخلف فسيكونون هم حقًا جبابرة ونحن جراد. لكن إذا تبعنا يسوع (يشوع) إذا آمنا بكلامه، وإذا نحن امتلأنا من إيمانه فسيصيرون كلا شئ أمامنا، اسمع كيف يقوى الله اليهود ” إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض”، لأنها جيدة جدًا وثمارها عجيبة.
لقد سبق الله وأعطى لآبائنا الرمز والشبه وأما الحقيقة فقد اكتملت لنا. لقد طردوا الأمم وأخذوا ميراثهم، إنهم قد تسلطوا على كل اليهودية وعلى مدينة أورشليم وجبل صهيون وهذا ما قد فعلوه. وأما نحن فماذا يقول لنا الكتاب المقدس ” قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة” (عب12: 22)، وفي موضع آخر يقول الرسول أيضًا “ أورشليم العليا التي أمنا جميعًا” (في4: 26).
وإذا لم نسمع بالإيمان من الرسول عندما يتكلم عن أورشليم السماوية حينئذ يمكن أن يرفض كلامنا بل يجب أن نصدق بولس الرسول، ونعتقد بوجود أورشليم سماوية، التي ترمز لها المدينة الأرضية ونحن ننسب إلى المدينة السماوية ما هو مكتوب عن أورشليم الأرضية.
إذن نحن قد اقتربنا على حسب بولس الرسول من أورشليم السماوية، وبدون أي شك أيضًا من اليهودية السماوية، لقد طرد العبرانيون الكنعانيين من المدينة الأرضية والفرزيين والحثيين والأمم الأخرى. فنحن الذين قد أتينا إلى جبل الله وإلى ملكوت السماوات يجب علينا أن نطرد القوات المضادة يجب علينا أن نطرد “ أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف6: 13).
والعبرانيون قد طردوا اليبوسيين من أورشليم والمدينة التي كانت تدعى يبوس دعيت بعد ذلك أورشليم، نحن بالمثل يجب علينا أن نطرد بأي طريقة اليبوسيين من أورشليم ونتسلط على ميراثهم، لكن العبرانيين كانوا يستخدمون أسلحة مرئية أما نحن فأسلحتنا غير مرئية هم حصلوا على النصر في معارك جسدية ونحن ننتصر في المعارك الروحية.
بولس الرسول قائد الكفاح الروحي
هل تريد أن تعلم أن بولس الرسول ليس هو فقط معلم الأمم لكن أيضًا قائد لهذه الحملة الروحية فكيف يتقدمنا في هذه المعرفة؟ اسمع ما قد كتبه عن نفسه “ إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف 6: 12).
لهذا السبب جمع المحاربين لهذا الكفاح الروحي وغير المرئي، بأسلحة روحية وسهام غير مرئية ويقول “اثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق لابسين درع البر وحاذيين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة وخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أف 6: 14ـ 17).
يسوع رئيس الكفاح الروحي
مع هذه الأسلحة ومع يسوع (يشوع) كقائد، لا تخف من الجبابرة، وسترى كيف أن الرب يسوع المسيح سيخضعهم لك، ومثلما داس آباؤنا رقاب الأمم فسندوس رقاب الشياطين.
يسوع بنفسه يقول حقًا للذين اقتربوا منه ويتبعونه بإخلاص: “ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو” (لو10: 19)، يسوع يريد في كل مرة أن يعمل معجزات أنه يريد قهر الجبابرة بواسطة الجراد وأن يظفر بواسطة سكان الأرض على ” أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف6: 12) ربما هذا ما كان يسوع يعنيه في الأناجيل عندما قال ” من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو ويعمل أعظم منها” (يو14: 12)، هذا يبدو لي شئ عظيم جدًا حقًا.
إن الإنسان سوف يقهر الجبابرة وفرق الأبالسة ورغم أن المسيح هو المنتصر فينا، إلا أنه يفضل أن ينتصر بنا وينسب النصر لنا من أن ينتصر بذاته وحده.
لنطرح عنا الشياطين
إذن لنكن دائمًا مسلحين بهذه الأسلحة ولتكن سيرتنا نحن هي دائمًا في السموات، كل مشاعرنا وكل أعمالنا وكل أفكارنا وكل كلامنا لتكن سماوية، كلما نصعد نحو السماويات بعزم كلما يهرب الأبالسة، كلما نزيد نحن ينقصون هم. إذا كانت حياتنا مقدسة وإذا كانت حسب إرادة الله فإن حياتنا هذه تجلب لهم الموت، وإذا كانت حياتنا مرتخية ومائعة فستعطيهم قدرة ضدنا وستجعلهم جبابرة. كلما نمونا في الفضائل كلما صغروا وأصبحوا ضعفاء.
والعكس إذا نحن ضعفنا وبحثنا عن الممتلكات الأرضية فهم يتقوون كلما تملكنا على الأرض كلما تركنا لهم الأماكن السماوية. فلنعمل إذن بالأحرى أن نكبر حتى يصغروا هم، أن ندخل حتى يطردوا هم. لنصعد حتى يسقطوا، كما قال الرب في الإنجيل ” رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” (لو10: 18). أننا ندوسهم حتى يدخل بنا ربنا يسوع إلى فوق ويؤهلنا للدخول إلى ملكوته في السماء له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[2] أي الأثيوبية التي تمثلنا وعند فيلون الأثيوبية تمثل الطبيعة البشرية بدون تغيير ونجد هذه الصورة الرمزية لأوريجينوس عند كيرلس الأسكندرى في شرح سفر العدد (باترولوجيا جريكا 69، عمود 596)، ويقول المرأة العبدة أي كنيسة الأمم.
موسى والسبعين شيخًا – العظة السادسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
موسى والسبعين شيخًا – العظة السادسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
موسى والسبعين شيخًا – زواج موسى والحبشية
في كثير من النصوص قرأت جملة لضيق الوقت وعظمة الأسرار لا تسمح لنا أن نتحدث عنها كلها. ولكن سنستطيع حينئذ أن نقطف بعض الأزهار في هذه السهول الواسعة، وليس كل الأزهار التي تستطيع أن تقدمها الأرض، لكن بقدر ما يكفي حتى نشتم الرائحة العطرة. كذلك عندما نذهب إلى الينابيع، فلا يجب أن نأخذ كل الماء الذي يُسال من مصدر فياض. لكن فقط ما يلزم لكي يقتل عطش حنجرة جافة، أنه لا يجب أن نشرب من الماء العذب بإفراط وإلا يكون ضارًا.
موسى والشيوخ
1ـ قال الكتاب المقدس ” خرج موسى وكلم الشعب بكلام الرب” (عد11: 24)، طالما يصغى موسى لكلام الرب ويأخذ تعاليمه منه، فهو بالداخل، أنه يمكث بالداخل ويعيش في الخلوة الأكثر سرية. لكن عندما يتكلم للجموع والشعب وعندما يمارس خدمته نحو الناس فأنه لا يستطيع أن يمكث بالداخل يقول الكتاب المقدس فليخرج للخارج، ما هي الفكرة المتضمنة في هذا الكلام؟
إذا علم معلم الكنيسة أسرارًا عميقة لحد ما، إذا ألقى بعض الخطب السرية والخفية عن حكمة الله “بين الكاملين” مادام يظل في الأفكار العميقة، يجب أن نقول بأنه بالداخل وأنه يمكث بالداخل.
لكن عندما يكلم الجموع ويعلن ما يكفي للإنسان العادي وما يمكن أن يفهمه عامة الناس نقول بأنه خرج للخارج وأنه كلم الشعب بكلام الله. بولس كما يتراءى لي عمل هذا أيضًا أنه كان بالداخل عندما قال ” نعلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر” (1كو 6: 8)، انظر بولس وهو في الداخل كيف أطلع على الأسرار الداخلية الإلهية، عندما استلم هذه التعاليم.
لكن عندما يذهب للجموع اسمع ما يعلمه “ لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم“، ” لا يسرق السارق فيما بعد“، ” لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها” هذه الكلمات وكل الكلمات الأخرى التي بنفس الطريقة هي تعاليم بولس الرسول “خارجًا للخارج” والتي يعلمها للشعب كما فعل موسى النبي.
الروح المشترك للشيوخ
2ـ لكن فلننظر إلى إصحاح آخر: أنه يحكي فيه بأن ” موسى اختار سبعين رجلاً من شيوخ الشعب وأوقفهم حول الخيمة وأخذ الله من الروح الذي على موسى وجعل على السبعين شيخًا، ولما حل عليهم الروح قال الكتاب: الكل تنبأوا“، الكتاب قال بأن الله أخذ من الروح الذي على موسى وأعطى منه للسبعين شيخًا. وليس المعنى أن الله أخذ من جوهر موسى الجسدي والمادي وجزأه على سبعين جزء وأعطى لكل شيخ قسم صغير، أنه يكون من عدم التقوى أن ندرك طبيعة الروح القدس بهذه الطريقة.
لكن فلنفهم أيضًا الرمز المكتوب في هذا النص الغامض، موسى والروح الذي عليه هما مثل مصباح ساطع جدًا وأنار الله منه السبعين الآخرين، فلمعان النور الأول قد بسط على المصابيح الأخرى بدون أن يضعف المصدر من هذه المشاركة، وبهذه الطريقة ينسب للنص معنى مقدس ” الله أخذ من الروح الذي على موسى، وأعطى منه للسبعين شيخًا” (عد11: 25).
الشروط الواجب توافرها لحلول الروح القدس في النفس
3 ـ لكن فلننظر إلى ما يلي ” روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” الروح في الكتاب المقدس لا يحل على أي إنسان، لكن فقط على القديسين والطوباويين، روح الله حل على الذين لهم قلب نقي وعلى الذين يطهرون أنفسهم من الخطية، وبالعكس أنه لا يسكن في جسد تتسلط عليه الخطية، حتى ولو سكن في هذا الجسد وقتًا معينًا.
الروح القدس لا يمكنه احتمال الشركة مع روح الشر، فإنه بكل تأكيد في لحظة الخطية نجد أن روح الشر هو الذي يكون في داخل نفس الخاطئ وهو يلعب دوره فيها وذلك عندما نترك روح الشر يدخل وعندما نستقبله فينا بواسطة أفكار دنسة ورغبات دنسة فالروح القدس حينئذ يكون مليئًا بالحزن وبالضيق أن أمكنني أن أتجرأ وأعبر بهذا التعبير.
لذلك الرسول وهو عالم بأن الأشياء تحدث أيضًا بهذا الشكل قد أعطى النصيحة “ لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف4: 30). إذًا بالخطية نجعل الروح القدس يحزن، بالعكس بحياة صالحة ومقدسة، سنمهد للروح القدس مكانًا فينا ليستريح. أيضًا مما قد قُص علينا الآن بأن الروح القدس قد حل على الشيوخ السبعين، ألم يمجد حياتهم وألم يظهر لهم عن فضائلهم، كما أن الروح القدس قد حل عليهم بسبب نقاوة قلوبهم، وصفاء نفوسهم واستعدادهم للفهم، فهو يحل فيهم حالاً، أنه لا يرضى أبدًا بالتأخير إذ يجد هناك أرضًا مستحقة لأعماله.
الكتاب المقدس يقول بالحقيقة “ روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” (عد 11: 25).
الروح القدس حل على يسوع المسيح
إذن حل الروح القدس على الذين تنبأوا، ولكنه لم يستقر كما استقر على المخلص. لذلك قد كتب عنه ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (إش11: 2ـ 3). لكن ربما تقولون إنك لم تذكر لنا من قال عن المسيح أكثر مما قيل عن الناس الآخرين، حيث إنه قد قيل عن الآخرين إن الروح قد حل عليهم، وذلك كما قيل عن المخلص ” روح الله حل عليه” لكن لاحظ جيدًا أنه غير مكتوب في أي مكان أن روح الرب قد حل على أشخاص آخرين بهذه القدرة.
هذا نلاحظه في هذه النبوة، أننا بكل تأكيد نجد أن جوهر روح الرب نفسه الذي لا يمكن أن يكتب تحت اسم موحد قد بين بكلمات عديدة، وقد حل على “الأصل” الذي من ذرية يسى. عندي أيضًا شاهد آخر يمكنني به أن أثبت وأؤكد بأن الروح قد حل على سيدي ومخلصي بطريقة خارقة وبطريقة مختلفة عن الأشخاص الآخرين، وهو يوحنا المعمدان الذي قال عنه ” الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو…” (يو1: 33).
فلو أن الله قال ” سترى الروح نازلاً” بدون أن يضيف، ومستقرًا عليه فقد يكون المسيح غير مميز عن الآخرين ولكنه أضاف، ومستقرًا عليه، حتى يكون المخلص مميزًا بهذه العلامة التي لا نستطيع أن نجدها في مكان آخر. فإنه غير مكتوب إطلاقًا عن الأشخاص الآخرين أن الروح القدس قد استقر على أحد منهم.
واستقر عليه وحده:
فلا تعتقد بأني أقلل من شأن الأنبياء، فهم أنفسهم يعلمون أني لم أصغرهم بوضع ربي يسوع المسيح فوقهم، فالكل يتذكر هذه الكلمات ولا يجد أي شخص آخر قيل عنه: “ الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط 2: 22)، فلأنه هو الوحيد الذي لم يفعل خطية استقر الروح عليه ومكث فيه.
فإنه بالحقيقة قد قيلت عنه هذه الكلمات الوحيدة والعجيبة التي ذكرت أعلاه: ” لم يفعل خطية” فمن الواضح بأن كل الأشخاص الآخرين فعلوا الخطية. وإذا كان الكل خطاة فبالضرورة يكون الأنبياء أيضًا، وكيف نستطيع أن نقول إنه في لحظة الخطية يمكث الروح القدس؟
وأنه يبدو لك بأنه غير معقول أن الأنبياء بعدما حل عليهم الروح القدس قد أخطأوا؟ فلنرجع لموسى نفسه الذي نتكلم عنه والذي يعتبر الأكبر والأعجب من بين الأنبياء.
أنه كتب عن نفسه، أنه شهد على نفسه هذه الشهادة بأنه أخطأ بقوله: “ اسمعوا أيها المردة. أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء” (عد20: 10)، بهذه الكلمات لم يقدس الرب بماء الخصام، وبمعنى آخر إنه لم يكن لديه ثقة بقوة الله، وبدلاً من أن يقول: “الله يستطيع أن يخرج ماء من هذه الصخرة، نجده أجاب بعدم يقين، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟”
حيث إن الله حسب له هذه الكلمات خطية. فبكل تأكيد أنها لم تأت من الروح القدس ولكن من روح الخطية. وإن كان الكتاب المقدس يبين أن أحد الأنبياء الكبار مثل موسى كان أحيانًا حاصلاً على الروح القدس وأحيانًا في وقت الخطية غير حاصل عليه، فبكل تأكيد يجب أن نفكر بنفس الطريقة عن الأنبياء الآخرين.
ماذا نقول عن داود؟ أنه يعتبر أن الروح القدس ممكن أن يسحب ويؤخذ منه فهو يصلي حتى لا يؤخذ منه بقوله ” لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدس لا تنزعه مني” وفي الآية التالية يطلب داود الهبة التي قد سحبت منه بسبب الخطية قائلاً: ” رد لي بهجة خلاصك وبروح مقتدرتك أعضدني“.
لماذا نتذكر سليمان؟ شخص لم يقل بأنه يرجح أحكامه أو يبني هيكل الله بدون حضور الروح القدس، وبالعكس فإنه مع وجود الروح القدس قد شيد الهياكل لأبالسة وفتح ذراعيه للنساء والأثمة.
والنبي الذي قد دون في الكتاب الثالث من كُتب الملوك قد أرسل إلى بيت إيل بأمر الله، فبواسطة روح الرب قد نطق بكلمات الله، لكن لا يجب أن نصدق أنه بواسطة روح الرب خالف أمر الرب، بأن لا يأكل خبزًا في بيت إيل وأنه بسبب الخطية قتل بواسطة أسد (1مل 13: 11)، ولكن سيطول بنا الحديث لو استعرضنا كل الأنبياء.
بدون أن نؤكد ذلك تمامًا، اعتقد بالنسبة لي أن بعض أفعال الناس العادية، توجد فيها الأشياء التي حتى ولو أنها خالية من الخطية تبدو مع ذلك غير مستحقة لوجود الروح القدس. فمثال الزواج الشرعي هو خالي من الخطية ومع ذلك في الأثناء التي تتم فيها الأعمال الزوجية لا يعطي وجود الروح القدس حتى ولو كان كما يبدو لي أن الذي يتمم أعمال التناسل هو نبي.
وهناك أعمال أخرى لا تكفي القوة البشرية لإتمامها وليس من الضروري أو ليس من المناسب أن يكون الروح القدس موجودًا فيها. إننا بنوع من الاستطراد بحثنا هذه النقطة ولكننا نريد فقط أن نبين بأنه فقط في ربي ومخلصي يسوع المسيح روح الرب يمكث دائمًا عليه “استقر عليه” أما على القديسين والشيوخ السبعين. الذين قد ذكرناهم، فلم يحل عليهم روح الله ولم يؤثر فيهم إلا لمدة محدودة والتي تتناسب مع تنفيذ عمله بواسطتهم، والتي تعتبر مفيدة للذين كان عملهم لخدمته.
المرأة الكوشية وكنيسة اليهود
الدرس الذي قرأناه يبين لنا أن موسى تزوج من حبشية كوشية. ومريم وهارون عاتبًا موسى لزواجه من هذه الحبشية بقولهما “هل كلم الرب موسى وحده ألم يكلمنا نحن أيضًا؟” ويقول الكتاب المقدس ” الرب سمع ثم أمرهم أن يخرجوا إلى خيمة الاجتماع، وجاءت عليهم دينونة، فمريم أصبحت برصاء“، وبعد ذلك دعيت للمحلة (انظر عد12: 1ـ 15). لكن نشرح ذلك باختصار نقول بأن مريم هي رمز الشعب البداني، موسى رمز لشريعة الله، وهو الذي تزوج من امرأة كوشية منبئًا باتحاد جميع الأمم بالرب.
موسى هو الذي يرمز إلى الشريعة الروحية، إذن باتخاذها زوجة له نبوة لقبول الأمم، ومريم التي هي جماعة اليهود الحاليين[1]، وسخطت هي وهارون في نفس الوقت، بمعنى آخر الكهنة والفريسيين أيضًا. إذن الشعب القديم مازال ينقصه الاحترام نحو موسى إلى الآن الذي هو رمز لمخلصنا وهو لا يعلمنا ختان الجسد وحفظ السبت والتقدمات الدموية ولكن أمرنا بختان القلب وبطلان الخطية. وأن نحتفل بالأعياد بفطير الإخلاص والحق ونقدم ذبائح الشكر وليس ذبائح من البهائم.
الرب إذًا أدانهما وأيد الزواج من الكوشية، والرب سمح لموسى أن يسكن معها وأن يستقر معها، ولكن حجز مريم خارج المحلة، وجعلها زيادة على ذلك تخرج خارج خيمة الاجتماع. وهارون قد طُرَد معها.
فضلاً عن ذلك مريم أصبحت برصاء. انظر الآن هذا الشعب انظر البرص الذي تركته له الخطية، أي ظلام قد ملأه، أي عبادة شنيعة، أي منظر مخيف هو فيه، ومع ذلك هذا البرص لن يمكث دائمًا لكن عند اقتراب الزمان من نهايته، سيدعي للمحلة حقًا، وفي نهاية العالم عندما يدخل ملء الأمم “حينئذ سيخلص جميع إسرائيل” (رو11: 25)
وفي تلك اللحظة سيترك البرص وجه مريم وستحصل على مجد الإيمان وعظمة معرفة المسيح، وسيرجع وجهها مرة أخرى إلى لمعانة عندما تتحد الرعيتان معًا حينئذ لا تكون إلا رعية واحدة وراعٍ واحد، وحينئذ يجب أن يقال حقًا ” يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه الذي أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع…” (رو11: 32، 33) في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.
[1] هرون يمثل الكهنوت اليهودي ومريم تمثل جماعة اليهود.
موسى والسبعين شيخًا – العظة السادسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع – العظة الخامسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع – العظة الخامسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع
4 ـ يقول الرب لموسى وهارون اللذين يستشيرانه ” لا تحذفا من سبط عشائر القهاتيين من وسط أبناء اللاويين، عشيرة قهات، لكن أفعلاً لهم هذا فيعيشوا ولا يموتوا عند اقترابهم من قدس الأقداس” (عد 4: 18). فلنفهم المعنى الحرفي من القصة، وبمساعدة المسيح الرب ننتقل من المعنى الحرفي إلى المعنى الروحي.
المعنى الحرفي
إذًا فلنفهم أولاً تجهيز خيمة الاجتماع، تخيل أيضًا قدس الأقداس، المنفصل عن القدس بواسطة حجاب، ولا يسمح لأي إنسان بالدخول فيه والنظر إليه إلا إذا كان كاهنًا، بعد ذلك نفهم كيف كانت الخيمة تطوى عند ارتحال المحلة.
وكيف كان الكهنة – هارون وأولاده في داخل قدس الأقداس، يغطون كل شئ بمفارشه وأغطيته، ثم يتركونها في أماكنها، وبعد ذلك يدخل أولاد قهات المخصصين لهذا الواجب ويجعلونهم يحملون على أكتافهم كل الأشياء التي قد غطتها أياديهم الكهنوتية، ولهذا السبب قد قال السيد الرب “ لا تحذفوا من سبط اللاويين عشيرة قهات” (عد4: 18)، لأنه كان يجب أن يحذفوا إذا لمسوا أشياء قدس الأقداس مكشوفة وبدون غطاء، وهو غير مسموح ليس فقط أن تلمس بل أن لا ينظر إليها أيضًا، إلا محجوبة.
السر: الأعمال والعلم
إذا فهمت القصة، اصعد الآن نحو بهجة السر، وتأمل نور الشريعة الروحية، إذا كانت عين إدراكك نقية. كل من هو ضمن كهنة الله، فهو مستحق بأن يكشف الأمور الإلهية وأن يرى الأسرار التي لا يكون غيرهم مؤهلين للتأمل فيها، وهو الذي يستطيع أن يدخل حيث لا يستطيع الآخرون الدخول.
هذا بالنسبة لنا هو هارون أو أحد أبناء هارون. بالنسبة لمثل هذا الإنسان فقط يكون تابوت العهد مكشوفًا بدون حجاب، ويرى القسط الذي فيه المن، ويتأمل ويفهم “الكفارة” أنه يتطلع على “الشاروبين الاثنين”، والمائدة المقدسة والمنارة المضيئة، ومذبح البخور، أنه يتأمل ويفهم كل هذا بالروح. إننا نعني الذي يهتم بكلام الله بأسرار الحكمة ولا ينشغل إلا بالله وبأدواته المقدسة[1].
ففي هذه الحالة ألم يحمل على الأكتاف قدس الأقداس مغطى بأحجبة[2]؟ لكي ندرك هذا بأكثر وضوح، سنقتبس أمثلة من الكتاب المقدس، فموسى بلا شك كان يعلم معنى الختان الحقيقي وكان يعلم معنى الفصح الحقيقي. وكان يعلم معاني أعياد الهلال الحقيقية والسبوت الحقيقية[3].
ومع أنه علم كل هذه الحقائق جيدًا بالروح. إلا أنه كان يحجبها تحت المظهر وظل الأشياء الجسدية، وبينما كان يعلم بأن “الفصح الحقيقي” الذي يجب أن يذبح، هو المسيح. كان يأمر بأن يذبح حمل الفصح الجسدي، وبينما كان يعلم بأن عيد الفطير يجب أن يحتفل به بفطير ” الإخلاص والحق” (1كو 5: 7، 8)، كان يأمر بعمل الفطير من الدقيق، كذلك قدس الأقداس، كان موسى يعطيه للآخرين لحمله بمعنى أنه كان يأمرهم بواجبات الأعمال ليتمموها. لكن سلمها لهم مغطاة ومحجوبة.
أما الأكتاف فقد أظهرنا مرارًا بأنها في كثير من نصوص الكتاب المقدس، رمز الأعمال أيضًا من ضمن حفظ القوانين الكنسية، ألا يجب بأن يتممها الكل بدون أن يعلموا السبب. مثلاً وضع الركوع في الصلوات[4]، والاتجاه نحو الشرق بخلاف كل اتجاه آخر[5]. اعتقد بأنه ليس سهلاً، معرفة السبب بالعقل أيضًا بالنسبة لإدراك سر الافخارستيا، أو شرح الطقوس في تأدية هذا السر، أو طقوس سر المعمودية، مع مراسيمه ورموزه، والأسئلة والأجوبة الخاصة بها.
من الذي يستطيع أن يشرح ذلك بدون صعوبة؟ لكن بينما نحن نحمل هذه الأثقال على أكتافنا مغطاة ومحجوبة، وعندما نتبع هذه الوصايا مثلما تسلمناها من الكاهن الأكبر وأولاده، إذن عندما نخضع لمثل هذه الأوامر بدون أن ندرك المعنى، فأننا نرفع على أكتافنا ونحمل السر الإلهي مغطى وملفوفًا إلا إذا وجد هارون أو أحد أبناء هارون، الذي له الحق في أن يراها عريانة ومكشوفة. وذلك غير مسموح لهم إلا بشرط أن يعرفوا واجبهم بأن يحجبوها ويغطوها، عندما يراد بأن تعطى للآخرين وتسلم لتتميم الأعمال.
أعمال الأعمال
2ـ بعد ذلك قيل للاويين بأنهم في الخدمة من بداية سن 25 سنة حتى خمسين سنة. “كل لاوى” يقول الكتاب المقدس “ الذي يتقدم لعمل الأعمال وللأعمال التي تجلب من خيمة الاجتماع والذي يعمل عمل الخدمة فيها” (عد4: 47).
تأمل هنا دقة الألفاظ في الكتاب الإلهي عندما تكون مسألة أعمال أولاد إسرائيل، أنه لا يقول عمل الأعمال، لكن الأعمال فحسب. عندما تكون خدمة اللاويين، أنه لا يقول الأعمال فقط، لكن أعمال الأعمال.
كذلك أيضًا بجانب الأشياء المقدسة، يوجد “قدس الأقداس”، وبالمثل بجانب الأعمال يوجد “عمل الأعمال”، من هنا استخلص بأن موسى كان مدركًا بأنه توجد أعمال مرئية، لكن مليئة بمعنى سرى ومخفي عبر عنها ليس فقط بكلمة أعمال لكن “عمل الأعمال”، وتلك التي أدركها موسى بأنها عامة ومحدودة في الوقت الحاضر، قد دعاها ببساطة أعمال.
إذًا يوجد “عمل الأعمال” بمعنى حسب رأيي كل التي كتبت سواء في النص الحاضر أو في سفر الخروج أو في أي كتب أخرى بموجب أسرار مختفية. والتي تتم جزئيًا في العهد الحاضر، وجزئيًا في العهد المستقبل. وفي غضون ذلك كما قلنا، عمل الأعمال ليست مخصصة لكل شخص لكن للاويين فقط.
العددان 25، 50
واللاويين أنفسهم لم يستدعوا لهذه الأعمال إلا من سن 25 سنة حتى خمسين. في العددين 25، 50 الرموز المقدسة ليست غائبة[6].
العدد 25 يعني كمال الخمس حواس بعملية ضرب 5× 5. هذا ما يثبت أن الإنسان الذي دعى لإنجاز عمل الأعمال في الأسرار هو الإنسان الكامل من كل نواحيه، بواسطة التعدد وطهارة الحواس. أما العدد 50 فإنه يتضمن رمزًا مقدسًا للعفو، والرحمة، وتوجد نصوص كثيرة عنه في الكتاب القدس أعطتنا مرارًا إثباتات عديدة عنه:
فإنه في السنة الخمسين الذي تدعى عند العبرانيين “اليوبيل”، السنة التي يتم فيها إسقاط الملكية وحق الاستخدام، والديون كذلك اليوم الخمسون بعد الفصح قد أعطى كيوم عيد في الشريعة. كذلك عندما كان المسيح الرب في الإنجيل يعلم مثل العفو والرحمة، وضع في المثل مديونين الواحد مدين بخسمين والآخر بخمسمائة دينار.
إذًا 50، 500 عددان نسبيان، حيث أن 50× 10 ـ 500 لكن هذا العدد هو مقدس لسبب آخر إذ السبع سبعات نضيف إليها كمال العدد واحد، سنحصل على خمسمائة. كذلك إذا أضفنا لسبعين سبعة كمال العدد عشرة سنحصل على خمسمائة، وإذا أردنا أيضًا أن نجمع أمثلة أكثر للسر المتضمن في العددين 50، 500 نجد في هذا الكتاب أيضًا أعدادًا بين يدينا البعض يقدم لله الـ 50 من الغنيمة، أي الذين لم يذهبوا للحرب، البعض يقدم خمس الخمسات
وليس بدون سبب هنا يوجد العددان 50، 500 وفي سفر التكوين عندما طرح الله موضوع المغفرة لسدوم، فرئيس الآباء إبراهيم، لإدراكه هذه الأسرار بدأ بعدد 50 متضرعًا لله لصالح سدوم وقال: “عسى أن يكون خمسون بارًا في المدينة ألا تصفح عن المدينة من أجل الخمسين بارًا الذين فيها؟” (تك18: 24).
الأحجبة
3ـ ولكن فلنعد لموضوعنا يجب على اللاويين أن يهتموا بالأشياء المقدسة حتى “سن الخمسين”. الذين في الدرجة الأقل يقومون بالأعمال، والأحسن يقومون “بعمل الأعمال”، بينما الذين هم أكثر سموًا فيجب عليهم أن يخدموا الأعمال الروحية، ويدخلوا “قدس الأقداس” (عد 4: 34)، هنا الأغطية التي يجب أن يغطي بها، وإعطاءه لأولاد قهات لحمله على أكتافهم وأخذه بأيديهم بينما الآخرون يرتبون كل واحد حسب رتبته.
كما شرح كل هذا من قبل عدة مرات. ولكن لكي لا يسبب هذا الحذر الزائد للأغطية والاحجبة اليأس والحزن لدى السامعين سنحاول أن نكشف بعض النقاط التي نستطيع أن نعلنها بدون خطر والتي نستطيع أن نتأمل فيها بدون تجديف، لأننا قد دعينا مثلما قلنا من قبل: “ جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1بط 2: 9).
أمتعة الخيمة:
القديسون
فلنفهم إذن أن خيمة الاجتماع هي مجموعة القديسين الذين يشملهم عهد الله. يوجد في هذه الخيمة شخصيات أكثر استحقاقًا وعلوًا في البر، بعضهم قد دعوا “منارة الضوء” هم بلا شك الرسل أنفسهم لأنهم يضيئون إلى الذين يقتربون إلى الله، ولكن آخرون أيضًا، في خيمة الله هذه يشيرون لكل الذين يدخلون نور المعرفة والحكمة، هؤلاء يحملون اسم المنارة الرمزي. وآخرون سيكونون “المائدة المقدسة” فهم كل الذين يمسكون خبز الله، الذي يجدد ويغذي النفوس “ الجائعة إلى البر” (مت 5: 6).
آخرون سيكونون “مذبح البخور” فهم كل الذين ينشغلون ليل نهار في هيكل الله في أصوام وصلوات، والذين لا يصلون لأنفسهم فقط بل أيضًا لأجل كل الشعب، الذين قد أوكل الله لهم هذه الأسرار قد سمّوا “تابوت العهد”.
والذين في ثقة قوية، بواسطة تقدمة الصلوات وفي تقريب الابتهالات والتضرعات، يصالحون الله مع الناس ويتوسلون إلى الله لأجل عصيان الشعب فهؤلاء سيدعون “مذبح الذهب”. والذين قد استحقوا فيض العلم وكثرة ثروة معرفة الله يستطيعون أن يكونوا “شاروبيم” حيث إن الشاروبيم تترجم إلى لغة آخرى: غزارة المعرفة.
المحمولون بواسطة الملائكة :
لكن كل الذين قد قدموا بالرموز المتعددة أعلاه يجب أن يحملوا، ويحملوا على الأكتاف. لذلك فالملائكة ” الذين أرسلوا للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14)، هم في رأيي الحاملون لكل الذين قد ذكرناهم.
حقًا عندما تطوي هذه الخيمة مرة أخرى، وعندما نبدأ الدخول هناك في القدس ونرحل نحو بلاد الموعد فالذين هم حقيقة قديسون يعيشون في قدس الأقداس وسيتقدمون موآزرين بواسطة الملائكة، وحتى تنصب خيمة الله مرة أخرى سيكونون محمولين على أكتاف الملائكة ومرفوعين على أيديهم.
وأمام هذه الصورة قال النبي بالروح: “ لأنه يوصى ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك” (مز91: 11ـ12).
الشيطان اعتقد بأنها يقصد بها المخلص، ولكن أعمته شراسته، فلم يفهم هذا الكلام السري لأن المخلص لم يكن في حاجة إلى الملائكة لكي لا تصدم بحجر رجله.
الشيطان يجدف على الكتاب الإلهي بتطبيق هذه الكلمات على المخلص، أنه ليس لأجله، لكن لأجل جميع القديسين، قيل إن الله قد أعطى أمرًا لملائكته إكرامًا لشعبه لكي لا تصدم بحجر رجله. كل هذا المزمور ينطبق على الأبرار أكثر من انطباقه على المخلص. فالذي يحفظه الرب من ” الهلاك ومن شيطان الظهيرة” (مز91: 6)، ليس هو المخلص، هذه الفكرة بعيدة عنا، حاشا لله لأن كل إنسان مبرر، والأبرار هم الذين في حاجة إلى عون ملائكة الله، حتى لا تسحقهم الأبالسة، وحتى لا يحرق قلبهم “ السهم الذي يطير في الظلمات“.
يؤكد بولس بنفس السر بأن البعض يجب أن يكونوا محمولين من الملائكة على السحب ” لكن نحن الأحياء، الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء” (1تس4: 16).
فالذين قد قبلوا تنقية عميقة وقد أصبحوا منخفضين من أثقال الخطية سوف يختطفوا بواسطة الملائكة، أما الذين مازالوا مثقلين ببعض بقايا النجاسة فسوف يحملون ركائز الخيمة والأروقة وكل الأشياء التي قد عددت بواسطة الكتاب المقدس فهل تحمل إذًا بواسطة اللاويين وليس بواسطة الإسرائيليين لسبب سبق أن أوضحناه بطريقة عابرة فقط، حتى نترك لأفكار السامعين الذي أوقدت فيهم الرغبة الحارة لكى يغتنوا باشتعال أنفسهم بنور العلم، وليكتشفوا الحقائق الكبيرة بنظرة خارقة.
أما نحن فنطلب من الرب أن يجعلنا محمولين أو مرفوعين بواسطة أمثال هؤلاء الحمال، وأن نكون محفوظين من السهم الذي يطير في الظلمات ومن الهلاك ومن شيطان الظهيرة، حتى لا تصدم رجلنا بحجر “حتى نصل إلى مكان الموعد بنعمة ربنا يسوع المسيح”. الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] بمعنى الذي ليس هو فقط “قديس” مكرس لله بنعمته لكن “كامل” الذي يكون منفصلاً كلية عن الروح العالمية والجسدانية، ومنشغل كلية في رؤية الله.
[2] تمييز بين العلم والأعمال، الكمال والأقل الأولون يعلمون السر، والآخرون لا يرون إلا مظهره وينفذون وصاياه بدون أن يفهموها.
[3] هذه الفكرة بأن موسى كان يعرف كل السر بالروح، هجرها علم اللاهوت المسيحي في العصور التالية. واعتبر موسى مجرد مفسر جزئي للسر بينما كشف السر بملئه للمسيحي الذي أخذ من المسيح مفتاح معرفة الأسرار.
[4] يجب ثنى الركب عندما يقر بخطاياه لله، طالبًا منه الشفاء والغفران، هذا الوضع هو رمز الإنسان الذي يخشع والذي يخضع. يجب أن نقر بأن هذه الرموز هي الأكثر بساطة في فهمها لكل مؤمن أما الوضع العادي للصلاة فكان وضع الوقوف.
[5] كذلك من الذي لا يعلم أن الشرق يعني صريحًا بأننا يجب عند الصلاة أن ننظر لهذه الناحية وهذا رمز لنفس ناظرة نحو الشرق أي نحو النور الحقيقي.
[6] يجب ربط هذه الخواطر حول الرقميين 25، 50 بتلك المتعلقة بالرقمين 5، 10 (عظة 22: 1؛ تكوين 16: 6).وعند فيلون الأسكندرى الرقم 50 هو رقم الحرية الكاملة. وهو يقول عنه “هو أقدس الأرقام” (الحياة التأملية 8: 65)، واكلميندس الأسكندرى يقدم تفسيرًا مماثلاً لتفسير أوريجينوس “العدد 50 هو رمز للرجاء والغفران في يوم الخمسين” (المتنوعات 6: 87).
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع – العظة الخامسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
إحصاء اللاويين وواجباتهم – العظة الرابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
إحصاء اللاويين وواجباتهم – العظة الرابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
المعنى اللفظي
1ـ سفر العدد الذي يقرأ لنا، يحتوى على أعداد كثيرة[1] مختلفة منسوبة إلى أبناء الإسرائيليين. بعد إحصاء أبناء الإسرائيليين، يأتي إحصاء اللاويين، وهم بدورهم قد أحصوا أيضًا. أنهم لم يحصوا مع أبناء الإسرائيليين. وعددهم لحد ما معزول، إنه عدد ممتاز، أنهم كما يقال لنا، 22 ألفًا لا أكثر ولا أقل.
بنفس الشروط التي للاويين، أي من سن شهر واحد فما فوق، ونحصل لأبكار أبناء الإسرائيليين على العدد 22272.
من هذه التفاصيل هل تعتقد بأن موسى أراد أن يعلمنا القصة فقط، وأنه لم يخبئ بحسب عادته سرًا في هذه الأعداد المختلفة؟ هل سنعتقد بأنه قال بدون أي سبب إن عدد الأبكار الإسرائيليين يعطي فائضًا بعدد 273، وأن عدد اللاويين ليس له فائض ولا نقص بالنسبة لعدد 22 ألفًا.
الأعداد
بدراسة الكتب الإلهية، سنجد فيها غالبًا العدد 22 الذي يشير لمكنون مهم. الحروف العبرانية عدد 22 حرفًا ثم نذكر 22 أبًا منذ آدم حتى يعقوب التي تشير إلى أصل الأسباط الاثنى عشر. ويقال أيضًا أن كل أنواع خليقة الله عددهم 22 وبالبحث بأكثر تدقيق، سنجد في اللاويين أي خدام الله، والأبكار أبناء الإسرائيليين الفخر بهذا العدد العجيب والمقدس. العدد 273 أضيف لأبناء إسرائيل، وهذا لا يبدو لي بدون قصد، بل لا أرى من السهل حل السؤال إذا لم يتنازل السيد الرب ويظهر لنا أسرار قلبه، وأن نرفع البرقع المطروح بواسطة موسى على ما كتب في هذا الجزء.
فالجنين في الجنس البشري، حسب العارفين يحفظ في الرحم تسعة أشهر، لكن لا يبدأ أن يظهر بالولادة قبل أن يمضي ثلاثة أيام من الشهر العاشر وبذلك يظهر أن العدد 273 هو مجموع الأيام كلها أي مجموعة التسعة أشهر مع ثلاثة أيام من الشهر العاشر وهي الأيام الممسوح بها للجنس البشري حتى يدخل في هذا العالم.
وبالتالي العدد يبين مجازيًا مجموع جميع الخليقة مجتمعة والمزيد الذي نجده للأبكار في إسرائيل يوضح سر توالد البشرية.
رتب اللاويين ووظائفهم
وبعد ذلك قسموا أبناء لاوى إلى 3 رتب وكل رتبة أحصيت تحت أسم العشيرة. هنا أيضًا يلاحظ اختلافات تخبئ أسرارًا. فرتبة أبناء قهات هي التي أحصيت أولاً، السبب هو لأنه من هنا قد خرج موسى وهارون الذي تسلم الكهنوت الأعظم. لأنه من قهات قد ولد عمرام، ومن عمرام ولد موسى وهارون.
جرشون يأتي ثانيًا مع أنه الأول بالميلاد إلا أنه وضع بالصف الثاني، وينص الكتاب المقدس فعلاً هكذا “أبناء لاوى، جرشون وقهات ومراري” أبناء قهات قسموا إلى رتبتين: أولاد هارون يتولون الكهنوت والآخرون لخدمة الكهنة. ولهذا السبب قسمت واجبات اللاويين إلى 4 أجزاء هارون وأولاده يقومون بالكهنوت. أعضاء عشيرة قهات الآخرين يحملون الأقداس على أكتافهم.
أولاد جرشون ينشغلون بما يختص بخيمة الاجتماع أو ملحقاتها، وبالجلود، البساط، وبكل ما هو أقل صلابة وأكثر خفة للحمل. أولاد مراري يحملون “أعمدة الخيمة” قاعدتها، قضبانها، التي تساعد على قفل الخيمة. لهذا السبب نبه الكتاب المقدس في تعدادهم على أن تحصى قوة مراري حيث إنه يجب توافر القوة لحمل مثل هذه الأحمال.
الأربع رتب في السماء
2ـ ولكن فلنرجع لبولس الرسول الذي إذ كان ينظر كل هذا بأعين بصيرة مستقلة من الآن فصاعدًا وغير مرتبك بأي تعصب، خالعًا ضباب العهد القديم وهو يقول إن في هذه المساكن كان شعب الله السابق لا يخدم سوى صورة وظل الحقائق السمائية. وبقوله هذا تكون الأربع رتب في المحلة ليست إلا صورة وظل للأربع رتب التي قصدها بولس في رسالته إلى العبرانيين. وتضاف إلى أربع رتب المحلة الإسرائيلية، أربع رتب اللاويين. فإنه ليس من الضروري أن نبسط وأن نوضح هذا، يكفي أننا أدركنا هدفه، مع افتراضنا بأن البعض يأتون هنا بأفكار نقية، خالية من هموم العالم.
أبناء قهات
قال الكتاب المقدس “خذ عدد بني قهات من بين بني لاوى” (عد4: 2)، إذن يأتي أبناء لاوي، برتبة من الأعداد الأخرى وهم قد أحصوا “من ابن شهر فصاعدًا“.
نحسب الآن أبناء لاوى “من سن 25 سنة” وليس كالآخرين من سنة 25 سنة فصاعدًا، ولكن حتى سن الخمسين. وهذا العدد عدد ممتاز، عدد مختار، حيث إن الكتاب المقدس يضيف “كل رجل في الجند ليعمل عملاً في خيمة الاجتماع” مثل الذين يكونون عددًا عظيمًا وممتازًا. هكذا بالنسبة لأبناء إسرائيل قد قيل ” كل خارج للحرب يحصى مع أبناء إسرائيل” وأيضًا قد قيل هنا كل واحد خارج ليخدم في أعمال خيمة الاجتماع (عد1: 45؛ 4: 3).
أعمال الخيمة
ثم توصف ما هي أعمال ” أبناء قهات من بين بني لاوي، حسب عشائرهم يعملون” في خيمة الاجتماع. ” يأتي هارون وبنوه عند ارتحال المحلة وينزلون حجاب السجف ويغطون به تابوت الشهادة” (عد4: 5)، ثم دونت سبعة من الأشياء التي يجب أن تكون مغطاة:
أولاً: الأثمن من الكل “تابوت الشهادة” سيغطي “بالحجاب” الذي سيخفي من الأمام ويجعلون عليه غطاء ” من الجلد باللون الاسمانجوني“.
ثانيًا: “المائدة” التي ستغطي.
ثالثًا: “منارة الضوء”.
رابعًا: “مذبح الذهب”.
خامسًا: جميع أمتعة الخدمة التي يخدمون بها في “القدس”.
سادسًا: “أمتعة المذبح” التي توضع مع أغطية أخرى.
سابعًا: “المناضح”. ولا يترك شئ من كل ذلك مكشوفًا وبدون حجاب.
أخيرًا: قد أضاف التعليم “لا تحذف من سبط عشيرة قهات” حتى يعلموا أنهم يجب أن يخدموا. إذًا لمسوا هذه الأشياء لنقلها إن لم تغط أولاً من الكهنة فأنهم يموتون.
تخصيص للكنيسة لحفظ الأسرار : (تطبيق على الكنيسة)
نعود الآن لهذه الخيمة التي هي “كنيسة الله الحي” وننظر كيف يجب أن نتمم كل هذه التعاليم بواسطة كهنة المسيح. إذا كان أحد منكم كاهنًا بالحقيقة التي عهدت إليه بالإناء المقدس، وهذا يعني أسرار الحكمة السرية، فليتعلم من هذا النص وليلاحظ الطريقة التي يجب أن يحفظ بها هذا الإناء المقدس تحت حجاب الضمير وأن لا يعرضها بسهولة للشعب.
فأن كان ملزمًا أن يعرضها وأن يسلمها للمرؤوسين أي للجهلاء فعليه أن لا يعرضها بدون غطاء وأن لا يظهرها كذلك بدون غطاء وأن لا يعرضها بسعة، وإلا أرتكب جريمة القتل ويحذف شعبه من الجماعة. لأنه حقًا يحذف كل إنسان يلمس الأسرار بدون أن يكون قد حمل رتبة كهنوتية باستحقاقاته وبعلمه.
حيث أنه لا يسمح بهذا إلا لأولاد هارون، هذا يعني أن الكهنة يرون علنًا وبطريقة مكشوفة تابوت الشهادة ثم المائدة ثم منارة الضوء وكل الأشياء التي قد سبق أن دونت. أما الآخرون فإنهم يرونها مغطاة أو بالأحرى يحملون هذه الأشياء “محجوبة على أكتافهم” (عد7: 9).
درجات كهنوتية
أولاد قهات رغم أنهم لم يكونوا كهنة، ولكنهم مناسبون جدًا، ويستطيعون أن يحملوا هذه الأشياء على أكتافهم، والآخرون يضعون أثقالهم وأشياء كهنتهم ليس على أكتافهم. بل على عجلات. ولكن نستطيع مطالعة هذا النص، والتكلم عما ذكر فيه عن العجلات نقول أنه قد أعطى لكل سبط عجلات، فأخذ أولاد مراري أربع عجلات وأخذ جرشون أثنين. لكن الذين هم في درجات أعلى لا يأخذون عجلات.
تأمل إذن الطريقة التي وزعت بها وظائف كهنة الله، الأشياء المقدسة لا تعطي للحيوانات ليحملوها، فإنه يجب أن الإنسان العاقل هو الذي يحمل على أكتافه الأواني التي تستخدم في قدس الأقداس. الأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة تعطي لحملها لا لكائنات عاقلة بل للحيوانات. في هذه الحالة الثانية، يوجد أيضًا تمييز يجب وضعه في الاعتبار.
فالذين في الخدمة المختصين بالأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة لديهم حيوانات أكثر عددًا. فلقد أعطيت أربع عجلات لبني مراري لكن عجلتان تكفيان لبني جرشون. الذين يشبهون بني قهات، ويتبيّن من ذلك أن الأعمال الأكثر صلابة ونوعًا ما أكثر خشونة لها عدد أكثر من الحيوانات لكن من ضمن الذين يكونون مثقفين وعالمين بهذه الأمور، عدد بسيط منهم فقط يقوم بالنشاط الخاص بالكائن الحي حيث لا يحق “للإنسان الطبيعي” (1كو2: 14)، أن يقترب من الأشياء السرية، والتي لا تكون منظورة إلا للكهنة
لكن حتى هؤلاء لا يقتربون منها كلهم، إلا الذين لهم بعض الدراية ولكن لم يصلوا بعد باستحقاقاتهم وسلوكهم إلى كمال نعمة الكهنوت. وعلاوة على ذلك فإنهم لا يرونها إلا ” فى مرآة وفي لغز“، فهم يتسلمونها مغطاة ومحجوبة وسيحملونها على أكتافهم، حتى لا يعرفوها أكثر في فعل الأعمال أكثر من اكتشافها بالعلم.
إذًا بما أن هذه هي الطريقة التي بها يوزع الله أسراره وينظم عمل كهنوته للأشياء المقدسة، يجب علينا نحن أن نكون أهلاً لرتبة الكهنوت، حتى لا يفرض علينا أثقال ثقيلة مثل الكائنات غير العاقلة بل كأناس عاقلين ومقدسين، نكلف بوظائف كهنوتية لأننا ” أمة مقدسة كهنوت ملوكي وشعب اقتناء” (1بط2: 9)، بشرط أن نتلاقى باستحقاقات حياتنا مع النعمة المعطاة لنا وأن نكون أهلاً للكهنوت المقدس، حتى نكون بعد خروجنا من هذه الحياة، مستحقين أن نؤخذ، كما قلت أعلاه من ضمن كهنة الله، وأن نكون ضمن خدمة تابوت العهد، بمعنى الأسرار الغير معلنة، ونتأمل مجد الله بوجه مكشوف وندخل في الأرض المقدسة التي سيعطينا إياها ربنا يسوع المسيح كميراث لنا والذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] هذه العظة حافلة بالخواطر العددية. وبهذا المعنى فهي تعتبر وثيقة هامة فيما يخص تاريخ التعامل مع الأعداد. نحن نعرف أن مبادئ هذه الطريقة تعود إلى فيثاغورس ولكن أفلاطون وأرسطو ساهموا فيها أيضًا ومن خلال الإنتاج المسمى (الأعداد اللاهوتية)، يلتقى الرواقيون مع الفيثاغورثيين.. يبدو أن الأعداد كانت شيئًا مشتركًا بين كل الطوائف فقد استعملها فيلون قبل أكليمندس وأوريجينوس في شرح الكتاب المقدس. والقديس أوغسطينوس نقل إلى العصور الوسطى عادة البحث عن المعنى في أعداد الكتب المقدسة ويمكن استعمال الأعداد في كل اتجاه. وهنا في هذه العظة يستخدم أوريجينوس الأعداد لكي يؤكد نظرته إلى الدرجات الروحية.
إحصاء اللاويين وواجباتهم – العظة الرابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
اللاويون – العظة الثالثة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
اللاويون – العظة الثالثة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
اللاويون
كيفية الاستفادة من كلمة الله
1ـ لقد كتب في موضوع المن في ذلك الزمن أنه إذا التقطوه حسب الشروط التي أمرهم بها الله، كان صالحًا للأكل: لكن إذا أرادوا أن يلتقطوه بطريقة مخالفة للأوامر الإلهية وبخلاف الطريقة التي عينها الله، في هذه الحالة كان لا يصلح أبدًا لحفظ الحياة وكانت تكثر فيه الديدان. إذًا نفس النوع من المن لا يعطى للبعض إلا الديدان والعفن.
بينما كان يقدم للآخرين طعامًا لحفظ الحياة. والكلمة الإلهية هي مَن بالنسبة لنا؟ والكلام الإلهي، عندما يأتي إلينا، فأنه يجلب للبعض السلام، ولكن لآخرين اللعنة، لذلك فأنه يبدو لي أن الرب والمخلص الذي هو ” كلمة الله الحي” (1بط1: 23)، كان يقول مصداقًا لذلك ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمي الذين يبصرون” (يو9: 39).
فمن الأفضل للبعض ألا يسمع أبدًا كلمة الله، بدلاً من سماعها بنية سيئة أو سماعها بنفاق، نقول كان من الأفضل من وجهة النظر الأقل سوءًا. لكن الأفضل والأصح من وجهة الصواب والكمال، هو أن المستمع لكلمة الله يسمعها بقلب نقي بسيط، يسمعها بقلب مستقيم ومتهيئ جيدًا، لكي تثمر وتنمو كما في الأرض الجيدة.
قلنا هذا بطريقة تمهيدية لبعض السامعين الذين يأتون بأذهان تفتقر للبساطة والإيمان. أريد أن أتكلم عن بعض طالبي العماد (الموعوظين) الذين يجب أن يضاف إليهم بعض المُعَّمدين ” لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون” (رو9: 6)، وكل الذين قد عمدوا في الماء لم يعمدوا في نفس الوقت بالروح القدس.
وبالعكس في عداد طالبي العماد، ليس الجميع غرباء عن الروح القدس. أجد حقًا في الكتب الإلهية أن من طالبي العماد من استحقوا الروح القدس وآخرين بعدما عمدوا كانوا غير مستحقين لعطايا الروح القدس. كرنيليوس كان من طالبي العماد، وقبل أن ينزل في الماء استحق أن يحصل على الروح القدس، وسيمون اعتمد، لكن لأنه اقترب للبر بمكر، فقد حرم من موهبة الروح القدس، فلا نشك في هذه الأمور.
يوجد الآن في الشعب طالبو عماد، مثل كرنيليوس الذين هم مستحقون أن نقول عنهم ” صلواتك وصدقاتك صعدت تذكار أمام الله” (أع10: 4)، وبالعكس يوجد ضمن شعب المؤمنين أناس مثل سيمون يجب أن يُقال عنهم بجرأة “ رجل ممتلئ كل غش وكل خبث ابن إبليس وعدو كل بر“[1] (أع13: 10)، إنني أقول هذا لإصلاح نفسي كما لإصلاح الحاضرين، حيث أني أنا أيضًا واحد من الذين يسمعون كلام الله.
النص
2ـ لكن فلنسمع الآن بماذا كلم الله موسى: “ وكلم الرب موسى قائلاً وها إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل، بدل كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل فيكون اللاويون لي لأن لي كل لي بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر قدست لي كل بكر في إسرائيل من الناس والبهائم لي يكونون أنا الرب” (عد3: 11ـ 13)، اللاويون تم اتخاذهم بدلاً من الأبكار، مع إنهم ليسوا أبكارًا قط.
لاوى كان الابن الثالث من ليئة، رأوبين كان الابن الأول، شمعون كان الثاني، لاوى كان الثالث رجال ليسوا أبكارًا بحق الولادة قد تم تبنيهم كأبكار.
من هم الأبكار
هل ينبغي أن نعتقد بأن هذه التفاصيل المذكورة في ناموس الله ليس لها فائدة؟ ألا يعلمنا هذا بأن الذين اعتبروا أبكار أمام الله ليسوا هم أبكارًا بالميلاد الجسدي، بل الذين اختارهم الله أبكارًا نظرًا لحسن استعدادهم، هذا مثلما صار يعقوب بكرًا حسب أمر الله وقد حصل على بركات البكورية بسبب عمى والده بترتيب الله حيث إنه بسبب حسن استعداد قلبه الذي رآه الله فيه
“قبل أن يولد في هذا العالم أيضًا وقبل أن يعمل أعمالاً سيئة أو حسنة يقول الرب عنه ” أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” (ملاخي1: 2، 3)، إذن فأبناء اللاويين ليسوا إذن هم الأبكار بحسب الجسد، لكنهم تم تبنيهم كأبكار، وذلك امتياز كبير أن نكون مُتبنين كأبكار دون أن نولد أبكارًا.
استقامة اللاويين
“ ها إني قد أخذت اللاويين من وسط بني إسرائيل“. نستطيع أن نقول بأكثر بساطة ” إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل” لماذا نضيف من وسط بني إسرائيل؟ من أي وسط؟ لاوى كان الثالث من أبناء إسرائيل، كما ذكرنا أعلاه. من أي وسط أخذ اللاويون؟ أريد أن أعرف. ذلك أجده في الكتابات المقدسة، أن الشونمية الطوباوية التي أطعمت ذات يوم نبيًا أجابت بيقين نبي إسرائيل، النبي أليشع الذي أراد أن يمنحها مكافأة، “ أنا ساكنة وسط شعبي“.
لكني أرى نصًا أمجد وأكثر جمالاً في إنجيل ربنا يسوع المخلص عندما قال يوحنا “ في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه” (يو1: 26)، نستطيع أن نقول عنه بأنه ” لم يمل أبدًا يمينًا ولا يسارًا، وأنه قائم في الوسط” (عد20: 17)، ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط2: 12). لهذا السبب قيل عنه بأنه قائم دائمًا، بأنه في الوسط.
لكن لم يذكر عن كل الذين يقتدون به أى عن القديسين، والمرأة الطوباوية التي ذكرناها أعلاه، بأنهم قائمون في الوسط. لأنه من المستحيل أنهم لا يميلون أحيانًا سواء يمينًا أو يسارًا. ليس أحد طاهرًا من كل النجاسة حتى ولو كانت حياته يومًا واحدًا، ولكن قيل أنها ساكنة في وسط شعبها “واللاويون إذًا قد أخذوا من وسط أبناء إسرائيل”.
حقًا اللاويون هم الذين لم يعرفوا يمينهم ولا يسارهم، لكن باتباع موسى أي ناموس الله لم يحابوا أبًا ولا أمًا. أما وأنت عندما تأتي التجربة، عندما تأتي النصرة على الخطية إذًا ” لم تمل يمينًا ولا يسارًا” (عد20: 17).
إذا لم تنحرف عن ناموس الله، إذا أقمت في الوسط راسخًا وغير متزعزع. إذا لم تحن الركب أمام الخطية، إذا لم تصبح تابعًا لرأس حاشية، صورة للغباوة[2] والحماقة ستكون ” مأخوذًا من وسط أبناء إسرائيل وستكون محسوبًا مع أعداد الأبكار هذا حسب النص “وسآخذ اللاويين من وسط أبناء الإسرائيليين” (عد3: 12).
ترتيب اللاويين في المحلة:
لكن إذا أردتم فلنرجع مرة أخرى في الشرح عن القصة المذكورة في التعداد، ولنفحص في سر الأبكار أين وكيف يجب أن نرتب أبحاثنا. فلنتذكر بأكثر تدقيق عن الطريقة التي فيها كان الاثنى عشر سبطًا موزعين ثلثة بثلاثة في أربع مجموعات واستقروا في الأربع جهات الرئيسية.
فنجد يهوذا ثبت في الشرق مع يساكر وزبولون، رأوبين في اليمين (الجنوب) مع شمعون وجاد، في الغرب أفرايم مع بنيامين ومنسى، في الشمال دان مع نفتالي وأشير، بينما كانوا متوزعين في محيط دائرة لأربع جهات، فاستقر اللاويون في وسطهم، حول خيمة الاجتماع لأنهم هم الأكثر قربًا من الله. في محلة يهوذا موسى وهارون يأخذان مكانًا.
في محلة رأوبين، جرشون في محلة بنيامين قهات، هناك حيث استقر دان، أبناء مراري أيضًا اللاويون يبدو أنهم استقروا في الدائرة من جميع نواحيها، في وسط أبناء إسرائيل، مختلطين مع الآخرين ومتداخلين معهم.
هذا ما تعرضه لنا الشريعة، حتى أننا نحصد محصول الأسرار وحتى نستخدمها كدرجات لنصعد من الأشياء السفلى إلى الأشياء العليا، ومن حقائق الأرض إلى حقائق السماء.
والآن أيها السامع، أصعد إذا استطعت، أصعد فوق الأفكار الأرضية هذا بفضل التأمل العقلي وبفضل القلب البصير إنسَ الأرض لبعض الوقت، أصعد إلى سحب السماء بمجهود ذكائك أبحث عن خيمة الله[3]، حيث يسوع قد دخل ” لكي يعد لنا الطريق” (عب6: 20)، وحيث “يظهر أمام وجه الله” ليشفع فينا.
أبحث هناك عن هذه الرايات الأربع، وعن هذه المواضع التي للمحلة. أنظر إلى الجيش الإسرائيلي والحرس المكون من القديسين، وأبحث عن أسرار الأبكار موضوع بحثنا الآن.
الرتب الأربع في السموات
لكن لا أجرؤ على الصعود فيها وحيدًا، ولا أجرؤ أن ألقي بنفسي في هاوية أسرار عميقة جدًا بدون أن أكون مسنودًا بسلطة عالم عظيم.. لا أستطيع أن أصعد إلى السماء إن لم يسبقني بولس، وإن لم يدلني بولس على الطريق لهذه الرحلة المجهولة الصعبة.
إذًا بولس هو الرسول العظيم، هو الذي يعرف بأنه يوجد على الأرض، كذلك في السموات، عدد كبير من الكنائس والتي لم يذكر منها يوحنا الرائي سوى سبعة. بولس الرسول هو الذي يشير بأنه يوجد على وجه الخصوص ” كنيسة للأبكار” (عب12: 18ـ 23)، قال في رسالته للعبرانيين “ لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار، لكن قد أتيتم إلى جبل صهيون، إلى أورشليم السمائية إلى كنيسة أبكار، إلى مدينة الله الحي، وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات“.
موسى يقسم شعب الله ويوزعه إلى أربع جهات على الأرض. والرسول يميز أربع رتب من القديسين في السموات من الواحد أو الآخر الذين يقول عنا بأننا ندنو منهم. حيث أن كل العالم لا يأتي إلى كل الرتب. الواحد يأتي إلى “جبل صهيون” والذين يكونون أفضل بعض الشئ يأتون إلى أورشليم السمائية، مدينة الله الحي والذين يكونون أكثر علوًا يدخلون إلى “ربوات هم محفل ملائكة” والذين يكونون فوق كل هذا يدخلون إلى ” كنيسة أبكار مكتوبين في السموات“.
إذن إن فهمت من هذا النص ما هي رتب الأبكار وما هو السر المختبئ في هذا العنوان. استعد واجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك في حياتك في عاداتك، في إيمانك في طريقة تصرفاتك لكي تستطيع أن تأتي إلى ” كنيسة الأبكار التي هي مكتوبة في السماوات“. إن لم تستطيع، إن كنت أقل من هذه الدرجة اقترب من ربوات الذين هم محفل ملائكة، أن لم تستطيع أن تصعد إلى هذه الدرجة، اجتهد على الأقل أن تصل إلى مدينة الله الحي أورشليم السمائية.
لكن إذا كنت أيضًا غير قادر على ذلك حاول على الأقل أن تتوجه نحو جبل صهيون (تك19: 17). لكي تخلص على الجبل يكفي أنك لا تبقي على الأرض أنك لا تسكن في الوديان، بأنك لا تبطئ في الأراضي المغمورة.
بذلك يبدو لي بأنه يجب أن نفهم الاختيار لرتبة الأبكار أبناء اللاويين، خدام الله الذين يؤدون الخدمة الهيكلية في الخيمة ويتممون الخدمة الإلهية بيقظة لا تنقطع.
فاتح الرحم :
أما من جهة ما قد قيل ” عن كل بكر الذي يفتح الرحم“، هذا لا يبدو سهلاً في فحصه وفي شرحه. حيث أن كل طفل فاتح رحم لا يجب على الفور أن يكون مستحقًا للرتبة المقدسة كرتبة البكر إذ أننا نقرأ في جزء آخر في المزامير بأنه ” زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا” (مز58: 3). ويجب أن لا ندرك هذا بالمعنى الحرفي.
كيف نستطيع فعلاً أن نضل عن طريق الله بمجرد الخروج من أحشاء الأم؟ أو كيف يستطيع أن يكذب، الطفل الذي ولد لساعته، كيف يستطيع أيضًا أن ينطق بأية كلمة؟ بما أنه من المستحيل أن يضل منذ الخروج من أحشاء الأم، أو أن يكذب، يجب إذًا أن نبحث عن أحشاء أو رحم يمكن أن ينطبق عليها هذا الكلام. زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا، هذا الرحم سيكون المفتوح بواسطة كل بكر مكرس لله.
فتح الله يومًا رحم ليئة الذي كان مغلقًا وولدت للعالم آباء، كذلك فتح رحم راحيل لكي ترزق أيضًا بأطفال، راحيل التي “كانت حسنة الصورة وحسنة المنظر” سنجد نصوص كثيرة أخرى في الكتاب المقدس عن فتح الرحم.
إذا درست هذه النصوص مع مقارنتها ببعضها ستكتشف أي معنى ينطبق على النص ” زاغ الأشرار من الرحم” بينما كان الآخرون بافتتاح الرحم، مكرسين لرتبة الأبكار.
أبكار الله وأبكار السوء
قال الكتاب المقدس ” واللاويون سيكونون للرب لأن لي كل بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر، قدست لي كل بكر“. نعلم المعنى التاريخي لهذا النص، نعرف كيف ضرب كل بكر في أرض مصر، عندما خرج الشعب الإسرائيلي من مصر، هذا هو معنى النص، أبكار إسرائيل لا يتكرسون سوى مرة واحدة عندما ضرب أبكار المصريين، سبب تقديسهم هو موت وإبادة المصريين، ونستنتج من ذلك بأنه يوجد أيضًا أبكار في مصر[4]، بمعنى عند الرياسات المضادة نوع من المختارين للخبث، أوائل من الأبالسة.
فإن لم يبددوا أبكار المصريين لكان من غير المستطاع إطلاقًا أن يتقدس أبكار الإسرائيليين، إذًا من هو الذي ضرب “ رياسة وسلاطين الأبالسة” (كو2: 15)، ألم يكن ربنا يسوع المسيح بكر كل خليقة الذي تسلط على الرياسات والسلاطين المضادين، بعدما ظفر عليهم على الصليب. لكن لكي يعطينا بركات الأبكار فقد صار أولاً بكرًا من الأموات لكي يكون الأول في كل شئ وأيضًا حتى يعتبرنا نحن الذين نؤمن بقيامته، كأبكار ويضعنا في رتبة الأبكار، إذًا يجب أن ننظر إلى البركات راسخين حتى النهاية، مؤيدين برحمة ربنا يسوع المسيح نفسه الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] أوريجينوس يميز نوعين من المعمودية، معمودية الماء ومعمودية الروح القدس. أنه يعتقد بأن الأولى غير مؤثره ولكن أوريجانوس يعتبرها كعلامة لنظام مرئي ويحمل حقيقة المعمودية بالروح. المكر يقوم أساسًا على الحصول على العلامة بدون الواقع الذي تشير إليه العلامة.
[3] خيمة الأزلية، تعني السماء بحصر المعنى والخيمة هي رمزها، أوريجينوس يدعو السامعين إلى الدخول إلى السماء التي هي جزء هام من فكره الأسخاتولوجي وهي موضوع العلم عنده.
تنظيم المحلة – العظة الثانية من عظات أوريجانوس على سفر العدد
تنظيم المحلة – العظة الثانية من عظات أوريجانوس على سفر العدد
تنظيم المحلة
1ـ تعلمنا من الدرس الأول للعدد أن جيش الله، بعد خروجه من مصر وسفره وسط الصحراء، قد فحص، بمعنى أنه أحصى وعد من قبل موسى وهارون ووزع بين الأسباط، وهذا الجيش كان مقدرًا بعدد معين، وقلنا عندما شرحنا هذا التعداد بالنسبة لمشمول الكتاب، بأنه يصف الطريقة التي بها ذهب شعب الله خارجًا من هذا العالم نحو أرض الميعاد، أي نحو أرض السلاطين.
أو نحو مجد ملكوت السموات ونحو حيازته، لقد كان منقادًا حسب بعض التصنيف وحسب درجة الاستحقاق لكل واحد ويوضح ذلك بمراسيم الشريعة وتخطيط “ظل” لمعاني ” الخيرات العتيدة” (عب10: 1).
الترتيب بموجب موسى وبولس الرسول
اليوم يعلمنا الدرس الذي قُرئ بأية طريقة قد نصب خدام الله ترتيب المحلة بواسطة الذين ” لا يختلطون بأمور العالم”. وكلم الرب موسى وهارون قائلاً بأن يجلس بنو إسرائيل في المحلة كل واحد على حسب رتبته، وبحسب رايته، وعلى حسب بيوت آبائهم، وبأن بني إسرائيل “يجلسون قبالة خيمة الاجتماع وحولها”، وبأن كل رجل يتقدم في المحلة على حسب رايته وعلى حسب بيت آبائه” (انظر عد 2: 1ـ 2).
قال بولس الرسول من ناحيته “وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب” (1كو14: 40). ألا يبدو بأنه هو نفس روح الله الذي تكلم به موسى؟ وتكلم به بولس الرسول، موسى أمر بأن يسيروا بترتيب في المحلة، وبولس يعطي التعليم لكل شئ بحسب ترتيب في الكنيسة.
موسى الذي كان يخدم الناموس يأمر بأن يحفظ الترتيب في المحلة، بولس الرسول خادم الإنجيل يريد أن يحترم المسيحي الترتيب ليس فقط في أعماله بل وأيضًا في ملابسه. قال أيضًا “ كذلك النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة” (1تي2: 9)، وأختم بأنهما لا يريدان فقط بأن يحفظ الترتيب في تتميم الواجبات وفي الملبس، بل يعنيان أنه يوجد أيضًا ترتيب للنفس، وعلى هذا الترتيب ينطبق النص، كل واحد يتقدم بحسب رتبته.
هذه الرتبة تعرف خاصة بثمارها، بالأعمال إلاَّ أننا نعرفها أيضًا بعظمة الأفكار حيث إنه كثيرًا ما يحدث بأن شخصًا ما ليس عنده إلا أفكار دنيئة ووضيعة ويتلذذ بالماديات الأرضية، ويصل بحيلة لرتب مرتفعة في الكهنوت أو في منبر المعلمين، وأن شخصًا آخر روحانيًا متحررًا من الانشغالات الأرضية ويستطيع أن يفحص كل شئ “ ولا يحكم فيه من أحد” (كو2: 15)، يشغل أقل رتبة في الكهنوت أو يكون معدودًا مع عامة الشعب، وهذا في نفس الوقت هو احتقار لتعاليم الناموس وتعاليم الإنجيل، ولا يكون هذا العمل بحسب ترتيب.
ونحن أيضًا إذا كنا منزعجين ومهتمين بالمأكل والمشرب ولا ننشغل إلا بمنافع هذا العالم، إذا كنا لا نعطي لله إلا ساعة أو ساعتين كل يوم في الذهاب إلى الكنيسة للصلاة أو لسماع كلمة من كلام الله إذن نحن نعمل على الأخص لإشباع احتياجاتنا العالمية، ولإرضاء احتياجات المعدة.
وبذلك لا نتمم التعليم الذي يقول “يسير كل واحد على حسب رتبته”، أو التعليم الذي يقول ” وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب“. فالترتيب الذي وضعه الرب المسيح هو أن ” نطلب أولاً ملكوت الله وبره” (مت6: 33)، وأن نؤمن بأن ” كل هذه سيزيدها الله لنا”، وإن كل إنسان “يسير حسب رتبته”.
أتعتقد بأن الذين لهم لقب قسوس، الذين يفتخرون بانتسابهم لرتبة الكهنوت، يسيرون على حسب رتبتهم ويعملون كل ما يصلح لرتبتهم؟ على هذا النمط أتعتقد بأن الشمامسة يسيرون على حسب رتبة الشماسية لخدمتهم؟ إذن من أين يأتي ما نسمعه أحيانًا من أناس مجدفين يقولون أنظر هذا الأسقف. هذا القسيس. هذا الشماس؟ ألا يقال كل هذا عندما نشاهد الكاهن أو خادم الله يقصر في واجبات رتبته ويخالف الرتبة الكهنوتية ورتبة اللاويين؟
ماذا سأقول عن العذارى، وعن النساك، أو عن كل الذين يقومون بخدمة دينية؟ إذا قصروا من جهة الحشمة والاحتشام، والرزانة، ألم يتهمهم موسى في الحال ويقول لهم “ بأن كل رجل يسير على حسب رايته” (عدد2:2)، إذن كل واحد يعرف رايته، بأن يفهم ما يلزم للرتبة التي يشغلها بأن يزن أعماله، وينظم أيضًا كلماته وتصرفاته وأيضًا ملابسه لكي تتفق مع مقتضيات الرتبة التي انتسب إليها، حتى لا نسمع قول الله الذي يقول ” أسمى يجدف عليه بين الأمم بسببكم” (مز36: 20ـ 23).
العلامات، درجات الاستحقاق
2 ـ انظروا من وجهة أخرى ما تعنيه “وعلى حسب رايتة” ومن رأيي أن الرايات هي العلامات التي يتميز بها كل فرد من الأفراد، مثلاً كل الرجال يتشابهون لكن توجد علامة خاصة مميزة لكل واحد، وفي تقاطيع وجهه، في القوام، في الهيئة، في الملبس، وهذه المميزات هي التي تميز بولس عن بطرس. أحيانًا أيضًا ليس من الضروري أن يظهر المرء نفسه لكي نرى العلامة المميزة له.
فمن صوته، من نبرات حنجرته، يُعرف الشخص، وكل واحد يُعرف بعلامة خاصة. خارجًا عن كل رؤية جسدية بنفس الطريقة أعتقد أنه توجد في النفوس علامات مختلفة.
إحداها: عندها حركات عذبة لذيذة جدًا، ساكنة، هادئة، متساوية. الثانية لها علامات منزعجة، فخورة، خشنة أكثر شدة، أكثر غضبًا. الواحدة يقظة، حكيمة بصيرة واعية، نشطة؛ والأخرى كسولة مسترخية، مهملة، غافلة. والبعض يكون لهم علامات أكثر والآخرون يكونون أقل. ويمكنني التأكيد أنه ربما يوجد اختلاف بين النفوس البشرية كما يوجد اختلاف بين الوجوه مثلما يبينه هذا القول، الذي خطر ببالي من سليمان الحكيم: “ كما الوجوه تختلف عن الآخر كذلك قلوب الناس تختلف” (أم27: 19س).
” كل واحد” كما يقول موسى ” يسير على حسب رايته” بمعنى أن الذي له علامات سفلية ودنيئة يسير بأكثر فجر أو أكثر غطرسة والتي لا تناسب علامات روحه. لكي نوضح أيضًا هذا الاختلاف للعلامات، سنضيف هذه المقارنة. كل الذين قد تعلموا القراءة والكتابة يعرفون جيدًا 24 حرفًا، إذًا درسوا أصول الكتابة باليونانية و23 حرفًا إذا درسوها باللاتينية.
أنهم يستخدمون في الكتابة كل ما لديهم للكتابة. ومع هذا فالألفا A في كتابة بطرس تختلف عن الألفا في كتابة بولس. وكذلك سنجد بأن كل رجل يعرف الكتابة له علامات خاصة به في الكتابة لكي ينسخ كل حرف من حروف الهجاء. أيضًا نستطيع التعرف على بعض العلامات وعلى بعض الإشارات لليد التي كتبت حرف الهجاء. فالحرف B واحد، ولكن في تشابه الحروف يسجل اختلاف العلامات.
لو ظهر لك المثال واضحًا فأنه يمر خلال تحركات العقل ونفوس الذين يكونون وسائل الأعمال، انظر ” الصك المكتوب علينا” (كو2: 14)، وانظر مثلاً كيف أن روح بولس تميل نحو الطهارة، وروح بطرس كذلك. لكن طهارة بولس لها مميزات خاصة به وطهارة بطرس لها مميزات أخرى، حتى لو ظهرت أنها نفس الطهارة وطهارة الواحد تلزم إقماع الجسد “وتستعبده” وقال أيضًا “خوفًا من”[1] فطهارة الآخر لا تخشى ما معناه “خوفًا من” (1كو9: 27).
كذلك البر له بعض من الخواص لبولس ولبطرس. كذلك الحكمة وكل الفضائل، إذن حتى عند الذين قد ذكرناهم كمثال. توجد اختلافات شخصية مع أن الفضائل هي واحدة من قبل روح الله.
فكل الرجال الآخرين لهم علامات خاصة بهم في شعورهم وفضائلهم، هذا لأن موسى كان ينظر ذلك بطريقة رمزية فكتب في الشريعة “ بأن كل واحد يسير في المحلة على حسب رايته” (عدد2:2).
لكن يمكن أن يحدث بواسطة الأعمال الحسنة والغيرة أن نعبر من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر عظمة. والواقع إذا فهمنا جيدًا إن كل محتويات الشريعة هي “ ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، أي الزمن الذي نترجي فيه حدوث القيامة، وحينئذ تكون لدينا الثقة، خاصة وإذ نحن في الحياة الحاضرة، نشتاق إلى خيرات أفضل بحسب مثال الرسول الذي قال “ ننسى ما هو وراء ونمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13).
لكي يمكننا في وقت قيامة الأموات، الذي سيكون فيه اختلاف بين استحقاقات الناس كما ” أن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (1كو15: 41)، أن ننتقل من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر مجدًا حتى نتساوى مع الكواكب الأكثر بريقًا.
فالطبيعة البشرية يمكن أن تنمو في الحياة حتى نتساوى عند القيامة من الأموات، ليس فقط بمجد النجوم، لكن أيضًا ببهاء الشمس. حيث أنه كتب “حينئذ يضئ الأبرار كالشمس في ملكوت الله” (مت 13: 43)، من هنا يأتي أيضًا الذين كانوا في درجات سفلى الذي يقول عنهم موسى “ بحسب رايته بحسب بيت آبائه” (عدد2:2).
العائلات والأبوة
أما بالنسبة للكلمة ” بحسب بيت آبائه“، نفس الكلمة قد استعملت باليونانية في النص الذي فيه قال الرسول “ بسبب هذا أحنى ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة (أو أبوة) في السموات وعلى الأرض” (أف3: 14ـ15)، الذي يسميه بولس الرسول أبوه يسميه المترجم اللاتيني عائله، لكن الكلمة هي نفسها باليونانية هذه الأبوة (العائلات) التي قد أشار إليها بولس الرسول في السموات. بينما موسى يشير إليها على الأرض.
تحت رموز الشريعة؛ أنه ينصحنا بأن نسير بحسب هذه العائلات حتى نستطيع أن نكون منضمين للأبوة السماوية. يوجد حقًا، كما أعلن بولس الرسول آنفًا، أبوة أو عائلات في السماء بينما يمكن أن نجد الأبوة في نص آخر ما يسميه بولس الرسول “ كنيسة أبكار مكتوبين في السموات” (عب12: 23)، سنكون فيها إذا سرنا بحسب الترتيب، وإذا عملنا كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب؛ إن لم يوجد فينا أي شئ مشوش، أي شئ قلق، أي شئ من العار.
إذًا ” سيضيئون كضياء السماء” ونحن سنضئ مثل النجوم ومثل الشمس أيضًا” (دا 12: 3)، في ملكوت الله بفضل المسيح ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] أقمع جسدي واستعبده خوفًا من بعد أن أكرز للآخرين أكون أنا مرفوضًا.
تنظيم المحلة – العظة الثانية من عظات أوريجانوس على سفر العدد
التعداد – العظة الأولى من عظات أوريجانوس على سفر العدد
التعداد – العظة الأولى من عظات أوريجانوس على سفر العدد
التعداد1
1 ـ ليس كل الناس يستحقون أن يحسبوا ضمن الأعداد الإلهية. لكن يوجد نظام محدد لتعيين الذين يجب أن يكونوا ضمن أعداد الله.
التعداد ـ والتاريخ
سفر العدد يقدم لنا حجة ساطعة، عن هذا النظام، وقد ورد به أنه بناءً على أمر الله، لا تحسب النساء في هذا العدد، وذلك طبعًا بسبب الضعف الأنثوي.
كذلك لا يحتسب أي عبيد بسبب دناءة حياتهم وطبائعهم حتى من المصريين، كما لم يحصَ أحد من الذين قد امتزجوا مع الشعب، لأنهم من الغرباء والبرابرة. ولم يحسب سوى الإسرائيليون وليس الكل، لكن من سن 20 سنة فما فوق، ولا يعمل اعتبار للسن فقط بل يبحث أيضًا لمعرفة ما إذا كان الرجل قويًا لخوض الحرب حيث إن ما فرضته كلمة الله “يحسب كل الذي يسير في القوة”.
إذًا لا يُطلْب من الإسرائيلي السن، بل القوة أيضًا. والطفولة لم تحتسب وهي غير معتبرة في التعداد الإلهي، إلا إذا كان الأطفال من ضمن الأبكار أو من أصل السلالة الكهنوتية من سبط لاوى (عد 3: 4)، هؤلاء فقط هم الأطفال الذين قد حسبوا في التعداد دون إدخال سيدة واحدة.
النص بالمعنى الروحي
ماذا نقول؟ لا يمكن أن يكون في هذه الفقرة سر؟ وهل سنكتفي بأن الروح القدس عندما أوحى للكاتب لم يقصد إلا تعريفنا أي جزء من الشعب قد أُحصىَ وأي جزء ظل خارج العدد؟ وما هي الفائدة التي يمكن أن يستخرجها الذين يبحثون لكي يتعلموا من الكتب المقدسة؟ وما الفائدة التي تعود علينا من تعلّمنا هذا؟ وما الفائدة للنفس[2] ولخلاصها من معرفتها بأن جزءًا من الشعب قد أحصى في الصحراء، وأن جزءًا آخر من الشعب لم يحصَ؟
الشروط اللازمة لكي نُحسب أمام الله
إذا تتبعنا مبدأ الرسول بولس نجده يقول إن “الناموس روحي” (رو7: 14). وإذا تفهمنا محتوياته روحيًا، سنستخلص من النص فوائد عظيمة للروح.
القراءة الحالية تعلمني بأنه إذا اجتزت مرحلة سذاجة الطفولة، أي أبطلت ما للطفل من أفكار الطفولة[3]، أي ” لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل” (1كو13: 11)، إذا قلت لقد صرت “حدثًا قادرًا على غلبة الشرير” (1يو2: 13)، سيكون ذلك تأهيلاً لي أن أكون من ضمن الذين ينطبق عليهم المكتوب ” كل الذين يسيرون في القوة في إسرائيل“.
وسأكون مؤهلاً للتعداد الإلهي، لكن طالما بقى لأحد من بيننا أفكار صبيانية، متأرجحة أو طالما بقى لأحد من بيننا صفات الضعف والفتور، وإذا سلكنا بطريقة مصرية بربرية[4] لا نستحق أن نكون محسوبين أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدس “لا يحصى عدد” الذين يهلكون كما قال سليمان، وبالعكس الذين خلصوا قد أحصوا جميعًا.
هل تريد الدليل بأن عدد القديسين أحصى أمام الله؟
اسمع ما يقوله داود النبي عن كواكب السماء ” فإن الله هو الذي يحصى كثرة النجوم يدعو كلها بأسماء” (مز147: 4)، ولم يكتف المخلص بتحديد عدد التلاميذ الذي اختارهم، بل قال أيضًا شعور رؤوسكم محصاة “ حيث شعور رؤوسكم جميعها محصاة” (مت10: 3)، وهو لا يريد بذلك أن يقول إن الشعور التي نقصها بالمقص والتى نلقيها في الزبالة، أو الشعور التي تسقط وتموت مع تقدم السن كانت محصاة، ولكن الذين أحصوا أمام الله هم الذين من الناصرة، حيث سكنت فيهم قوة الروح القدس التي سمحت بغلبة الفلسطينيين.
قوى النفس وكثرة الأفكار التي تنبع من ملكة الإدراك والفهم، والتي يرمز إليها برأس التلاميذ، هذا ما يسميه النص “بشعور الرأس” ولقد تكلمنا عن هذا الموضوع بطريقة عرضية فلنعد الآن إلى حديثنا.
قوة إسرائيل وقوة الأجانب
2ـ ” وكلم الرب موسى في برية سيناء” قال له ما قد سبق تلخيصه وأمره بأن يحصى من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل من يحسب للقوة في إسرائيل. كل من يحسب “للقوة”، وليست أية “قوة” ليس في قوة مصر، وليس في قوة الآشوريين (الكلدانيين)، ولا في قوة اليونان، لكن الذين هم في قوة إسرائيل سيحصون أمام الله.
توجد فعلاً قوة النفس التي يعلّمها الفلاسفة اليونانيون، ولكن ليس لها صلة مع تعداد الله. وهي ليست لله، لكن تعمل للمجد البشري[5] الباطل. أيضًا توجد قوة الآشوريين أو قوة الكلدانيين الخاصة بالدراسات الفلكية، لكن لم تكن هي القوة الإسرائيلية لذلك ليس لها صلة بالله.
توجد أيضًا قوة المصريين ويدّعون أنها أوهام حكمتهم السرية. لكن هذه الحكمة لم تحسب في حسابات الله. القوة الإسرائيلية هي الوحيدة المعتبرة أمام الله، هي القوة التي أعلنت من الله، والتي تلقن من الكتب الإلهية والمنقولة بالإيمان الإنجيلي والرسولى[6] لهذا يقول الرب لا تحصوا إلا “الذين يسيرون في القوة الإسرائيلية”.
التقدم نحو الكمال:
لكن لنفحص أيضًا هذا السؤال:
لماذا لم يحصَ الشعب منذ الخروج من مصر؟[7] وهذا لأن فرعون كان يتعقب هذا الشعب (خر14: 15)، ولم يحصَ بعد العبور عبر البحر الأحمر، عندما وصل للصحراء لأن الإسرائيليين (خر 16) لم يُجرَبوا بعد ولم يهاجمهم الأعداء بعد، لقد حاربوا مع عماليق، وحصلوا على النصر (خر17) لكن لا تكفي نصرة واحدة لشعب يصبو نحو الكمال ويحصلون على طعامهم من المن ويشربون الماء من “الصخرة التي كانت تتبعهم” (خر16: 14)، لكنهم لم يحصوا بعد لأن العناصر الحقيقية للعدد مازالت غير نامية فيهم (خر17: 6؛ 1كو 10: 1).
خيمة الاجتماع نصبت، أيضًا وقت التعداد للشعب لم يكن قد آتى بعد، لكن الشريعة قد أعطيت لموسى، وطريقة تقديم الذبائح قد رسمت، طقوس التطهير قد وضعت، والشرائع وأسرار التقديس قد وضعت، حينئذ حسب أمر الله قبل الشعب في التعداد (عد 1: 2). “انقش” أيها السامع، هذه التعاليم على قلبك (انظر أم 7: 3)، من نسختين ومن ثلاث نسخ.
تطلع إلى التجارب التي يجب أن تجتازها ومدى الآلام الواجب تحملها، وبعد كم درجة من التقدم والنمو، ومدى التجارب والمعارك الواجب تحملها والانتصار فيها، حتى يكون الإنسان معدودًا أمام الله. ولكي يعتبر جديرًا بأن يحسب مع الأسباط المقدسة. لكي يستطيع أن يكون مذكورًا في سجلات التعداد بواسطة كهنة الرب، هارون وموسى. يجب عليك أولاً أن تستلم شريعة الله، شريعة الروح القدس، تقديم الذبائح، إتمام التطهير، إتمام وصايا شريعة الروح القدس لتتمكن في النهاية من الانتماء للتعداد الإسرائيلي.
تصنيف المختارين
3 ـ أجد أيضًا موضوعًا كبيرًا للتأمل في سفر العدد هذا وهو موضوع توزيع الأسباط وتمييز الرتب، وتجمع الأسباط، وكل ترتيب المعسكر (المحلة) يشكل لي أسرارًا عظيمة بفضل الرسول بولس الذي علمنا بذور المعنى الروحي.
تصنيف القائمين أو رتب القيامة
فلنتطلع لمعنى الأسرار الموضوعة في حساب التعداد وفي الأماكن المختلفة التي أشير إليها. فنحن ننتظر بثبات قيامة الأموات، اللحظة التي فيها لا يسبق الأحياء الباقين على الأرض الراقدين (1تس4: 14)، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن نفس ساعة مجيء المسيح سيخطف الأحياء في السحب بالروح لملاقاة المسيح في الهواء، وبالتالي سنترك فساد هذا المكان الأرضي الذي هو مسكن الموتى وسنكون كلنا الأحياء والذين رقدوا “في الهواء” كما نادى بولس، والبعض سينتقل إلى الفردوس أو إلى مواضع أخرى مختارة من ضمن منازل الآب الكثيرة (يو14: 2).
ولكن هذه المواضع وهذا المجد الخاص ستعطى حسب استحقاقات وأعمال كل واحد، وكل واحد سيكون في الرتبة التي وضعته فيها استحقاقات أعماله كما يؤكد بولس الرسول قائلا عن الذين يقومون “ كل واحد في رتبته المسيح أولاً ثم الذين هم له” (1كو15: 23)، ومن ثم سيسجل كل واحد حسب المقاييس الروحية فمثلاً سيسجل واحد في سبط رأوبين RUBEN لأنه شابه رأوبين في العادات والطباع والأعمال أو الحياة.
ويسجل آخر في سبط شمعون بسبب طاعته، وآخر في سبط لاوى، لأنه أكمل وظائفه الكهنوتية حسنًا أو حصل فيها على درجة الكمال. ويسجل آخر في سبط يهوذا لأنه يملك في ذاته مشاعر ملوكية، وقد قاد الشعب قيادة حسنة بأفكار عقلانية وعواطف قلبية، وبذلك فكل واحد سيكون شريكًا ومنتسبًا للسبط الذي تميزه به أعماله وطبائعه.
سيوجد إذًا رتب عند قيامة الأموات كما نفهم من الرسول، وصورة وشكل هذه الرتب تبدو لي موضحة مسبقًا في كتاب سفر العدد هذا. وحقيقة أن المعسكر (المحلة) يوضع ويرسم بين الأسباط وبعض التجمعات هو مرتبط أيضًا بقيامة الأموات.
أما أن تكون ثلاثة أسباط قد وضعت من ناحية الشرق، وثلاثة من ناحية الجنوب، وثلاثة من ناحية البحر (الغرب)، والثلاث الأخيرة نحو الشمال التي تكون “ريح باردة”، وأما أن يكون سبط يهوذا، وهو السبط الملكي، قد أقيم في الشرق من حيث “قد أشرق ربنا”، وأن يشارك يساكر وزبولون، وأما أن يكون العدد ثلاثة منسوبًا لأربعة أقسام المحلة. ومع أن لكل سبط مميزات في وضعه الخاص، ومع ذلك فالكل يدخل تحت عدد الثالوث القدوس.
وأننا نجد دائمًا في الأربعة أجزاء هذه نفس العدد ثلاثة، لأنه قد أحصى باسم الآب والابن والروح القدس دون غيره، سكان أربعة أجزاء العالم الذين يدعون باسم الإله ” ويتكئون مع إبراهيم وأسحق ويعقوب في ملكوت السماوات” (مت8: 11). وهذه وقائع لا يمكن إهمالها. لقد أعطينا هذه البيانات المختصرة للذين يريدون أن يأخذوا لمحة سريعة عن المحتوى الرمزي لكل هذا السفر المقدس، حتى ننتهز هذه الفرصة للوصول إلى المعنى الروحي للموضوع ونتابع أبحاثًا من هذا النوع.
أو أيضًا إذا منح الله نوره بأكثر سخاء لكي نصل إلى أبحاث أعظم. أما بالنسبة لي، فإني أجد نفسي عاجزًا فعلاً عن وصف الأسرار المتضمنة في سفر العدد هذا، وليس فقط أسرار سفر العدد بل أني أشعر بنفس الشعور وأكثر حيال الأسرار الكامنة في سفر التثنية.
تقسيم الأرض
لذلك يجب علينا الإسراع لنصل إلى يسوع (يشوع[8])، وليس لابن نون ولكن يسوع المسيح. لكن أولاً يجب أن نضع أنفسنا في مدرسة موسى، فلنتخلص عنده “ من جيل الأطفال” (1كو13: 11)، ثم فلنسر نحو كمال المسيح، فموسى لم يخمد كل الحروب، ولكن يسوع (يشوع) قد أطفأ كل الحروب وقد أعطى السلام لكل الناس.
مثلما نتبينه من هذا النص ” واستراحت الأرض من الحرب“[9] (يش14: 15). أرض الميعاد، أرض الميراث ” الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً” (خر23: 3)، قد قسمت من قبل يسوع (يشوع) ” طوبى للودعاء (لأنهم بفضل يسوع) يرثون الأرض” (مت5:5).
هذا التقسيم أيضًا نجده معلنًا بواسطة صور وأمثلة فإنه يجب أن نعرف أن البعض سيحصلون بالتقسيم على الأرض الواقعة وراء نهر الأردن. والبعض الآخر على الأرض الواقعة عن جانب نهر الأردن، هذا أي أنه يوجد ورثة من الدرجة الأولى والثانية وأيضًا الثالثة.
وأنه حسب الترتيب سيصير تقسيم الأرض حيث كل واحد ” يجلس تحت تينته وتحت كرمته بدون أن يأتي أحد يعكر صفوه” (ميخا4:4). كل هذه المناظر المصورة من قبل بأسرار فائقة سيعملها الرب المسيح بنفسه في يوم مجيئه، ليس في مرآة ولغز لكن وجهًا لوجه (1كو13: 12)، حسب استحقاقات كل واحد، التي يعرفها هو الذي يفحص القلوب الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.
[1] سفر العدد يشير هنا إلى القداسة والكمال في نفس الوقت.
[2] إن كل شئ في الكتب المقدسة يحمل فائدة للنفس وهذا مبدأ عام عند أوريجينوس.
[3] تعني: إذا اجتزت الصورة الأولية للحياة الدينية أي مجرد الإيمان التي هي درجة أقل من الحياة الروحية.
[4] أي بطريقة جسدية أو شيطانية حيث أن مصر ترمز إلى الاتكال على الجسد والشياطين. وبربرية تشير هنا إلى العبيد أي المشاعر المنحطة ومن يستعبد لها.
[5] عتاب بلا انقطاع من المسيحيين للفلاسفة اليونانيين من جهة الاعتقاد بأن الفلسفة يمكن أن تستعمل في غاية الإتقان، لكن لا تؤدي للسلام.
[7] أوريجانوس يلخص هنا التقدم المبين بارتحال العبرانيين، ههنا الكيفية التي بها نستطيع أن نفهم هذه المراحل.
أولاً: خروج من مصر انشقاق مع إبليس، لكن الشيطان (فرعون) مازال متسلطًا على النفس.
ثانيًا: عبور من البحر الأحمر ليس للتجربة كما تظهر في العظة 27 لكن ربما لأجل العماد. الدخول في الصحراء، ترسم بداية النسك والتجارب.
ثالثًا: الكفاح ضد عماليق (الشيطان) وهو يعبر عن الأعمال لصالحة.
رابعًا: والصخرة، النفس متغذية من كلام الله وتشرب من الصخرة التي هي المسيح وهذا يمثل العلم.
خامسًا: نصب خيمة الاجتماع، اقتناء الفضائل.
سادسًا: الشريعة (الروحية) المعطاة بالتطهير حسب الشريعة الموسوية، ذبائحهم (صلواتهم).
أخيرًا التبرير الذي يفصل القديس من الجماعة ويعزله عن العالم.
[8] اليونانيون والعبرانيون لا يميزون اسم يسوع عن يشوع، يشوع هو يمثل تمامًا يسوع وهو هنا يرمز للمسيح قمة الكمال، الذي يجب علينا أن نصل إليه خلال أسرار الناموس.
[9] نعم أنه من المؤكد أن أرضنا لا تستطيع أن تستريح من الحرب إلا بواسطة قدرة ربنا يسوع المسيح.
التعداد – العظة الأولى من عظات أوريجانوس على سفر العدد