الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الذبائح والنذور

 

تمهيد: تعليم كلمة الله

1ـ كل من يريدون تثبيت علم راقي قليلاً سوف يجدون تعليمات شاقة طالما هم يجهلون هدف وامتيازات العلم التي نلقنه لهم. لكنهم سيصلوا بالتدريج إلى هذا العلم وسوف يسّرون بتحمل المصاعب التي يواجهونها في هذا التعليم، وفي الأنباء المقدسة والإلهية التي يجب أن يمر بها هذا التعليم الذي يتجه إلى ملء السعادة. وهذا ما يعني بكلمات واضحة أن خادم الله في سفر الخروج: ” تجئ بهم وتغرسهم في جبل ميراثك المكان الذي صنعته يا رب لسكنك” (انظر خر15: 27). الرسول بولس أيضًا، كان يعرف أن هناك عناصر أولية يلزم أن يرسخها في الذهن ولا نصل إليها إلا بعد فترة، مع الزمان ومع الوصول للكمال كان يكتب للمسيحيين “ لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين بسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر، لأنه طفل. وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب 5: 12-14).

وفي مكان آخر يذكرنا بأن حروف الناموس وكل جزء من الكتاب يشكّل ” أركان العالم” (انظرغل4: 3؛ كو2: 8). إن التعاليم المعطاة للمبتدئين تظهر لنا الآن صعبة الفهم، كل مستمع يريد أن يتعلم ما يختص بالخلاص، وعندما نقرأ له نصوصًا تتصل بذبائح الكباش والماعز والثيران، يقول إن هذه القراءة لا تعطيه أية استفادة، طالما أنها تلقي على المستمعين بطريقة سلبية. لكن إذا وُجِدَ من يرفع       ” البرقع الموضوع على قراءة العهد القديم” (انظر2كو3: 14) والبحث عما هي الذبائح الحقيقية، التي تطّهر الشعب في أيام العيد، سيرى العجائب المدهشة التي تحتوي عليها النصوص، أو التي تظهر للجهلاء تافهة ومليئة بالشكوك. القديس بولس والمقتدون به يملكون هذه المعرفة أكثر وبصورة كاملة وأفضل، وقد اكتسبوها من “الحكمة” ومن “كلمة لله”، بينما نحن، بالقياس إلى ما نستطيع استخلاصه من الكلمة في النص الذي فيه الكلمة والحكمة التي تعطينا الحقيقة في شكل ظل وصورة، سوف نحاول تحليل بعض النقاط بخصوص طقوس الذبائح بهدف البناء العام.

 

الذبائح: التضحيات الكفارية

في عيد الفصح، فإن حملاً هو الذي يُقدم لأجل تطهير الشعب، وفي أعياد أخرى تكون بقرة وفي أخرى تكون ماعز، أو كبش أو عنزة أو عجل كما عرفتم من قراءة اليوم. الحمل هو إذن أحد الحيوانات التي تستعمل في تطهير الشعب. هذا الحمل، نحن نعرف أنه يشير إلى ربنا ومخلصنا شخصيًا، وهذا ما فهمه يوحنا الذي هو “أعظم الأنبياء”، وعبر عن ذلك قائلاً: “ هوذا حمل الله، الذي يرفع الخطية عن العالم” (يو1: 29). في هذه الحالة إذ كان الحمل الذي قدم للشعب من أجل التطهير يمثل شخص ربنا ومخلصنا، فإن باقي الحيوانات المعينة لنفس الغرض يجب أيضًا أن تمثل، كما يبدو، الأشخاص الذين، باستحقاق دم المسيح، يؤدوا إلى تطهير الإنسانية. إن ربنا ومخلصنا “عندما أقتيد إلى الذبح كحمل وقُدم للتضحية في المذبح قد أعطى مغفرة الخطايا للعالم أجمع، ألا يكون أيضًا بنفس الطريقة أن تُغفر الخطايا بسبب دم القديسين الآخرين، وما قد ” سفك منذ أيام هابيل حتى دم النبي زكريا الذي قتل بين المعبد والمذبح” (مت23: 35)، ألم يسفك دم أحدهم مثل العجل، ودم آخر مثل الماعز؟ باختصار كواحد من الحيوانات التي تؤدي إلى التصالح بين الشعب. هل يجب أن يطبق عليهم البر؟ أي على الأنبياء الذين ذبحوا في هذا العالم، ولمن يقول: “لأجلك نُمات اليوم كله، قد حسبنا مثل غنم للذبح”، هل أيضًا يجب تطبيقه على القوات العليا التي أخذت على عاتقها مسئولية النوع الإنساني؟ من يستطيع أن يؤكد ذلك.

لأنه ليس بالمظهر فقط، ولكن هذه الحيوانات ترمز إلى معنى آخر أو إنسان آخر. إذا كان الرب يسوع المسيح هو بنفسه يحمل اسم الحمل، فهذا ليس لأن شكله تغير، وتحول إلى خروف، ولكن لأنه أراد ذلك، في صلاحه جاء للناس بمغفرة الخطايا مع الله، وقام بدور خروف بالنسبة للنوع الإنساني، الذبيحة التي بلا عيب أو خطية، والتي بواسطته نؤمن أننا ننال الصلح مع الله.

وأيضًا ربما أن، كل ملاك، وكل قوى عليا مقدسة، وكل بر لا بل وكل نبي قديس أو قديس رسول يتشفع بإلحاح من أجل مغفرة خطايا الإنسان، يمكن اعتباره مثل النعجة أو البقرة أو العنزة المقدمة كضحية للحصول على طهارة الشعب. القديس بولس، ألا يبدو وكأنه كبش أو ماعز مقدم كضحية إلى المحرقة من أجل شعب إسرائيل، عندما قال ” كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح، من أجل أخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو9: 3). لكن نريد برهانًا أن القديس بولس يقدم مثل ضحية للذبح؟ أن نسمعه يقول في مكان آخر من الكتاب المقدس ” لأني أنا الآن أُسكب سكيبًا ووقت انحلالي قد حضر” (2تي6:4). هكذا أيضًا أحدهم قُدِمَ في عيد الباكورات، والآخر في عيد السبت، وآخر في عيد المظال على شكل كبش أو بقرة أو نعجة، من أجل مصالحة الله مع الناس. لأنه مادامت الخطايا موجودة، فإنه يجب أن نجد ذبائح للتكفير عنها. فلو لم تكن هناك خطية، لما صارت هناك أي ضرورة أن يصبح ابن الله حملاً، ولما كان هناك أي احتياج أن يصنع لنفسه جسدًا، لكي يقدمه ذبيحة.

كان سيظل كما كان ” في البدء” الله الكلمة (يو1:1)، لكن ” دخلت الخطية إلى العالم” (رو5: 12)، في هذه الحالة فإن نتائج الخطية تتطلب تكفير، والتكفير لا يكتمل سوى بذبيحة. كان إذن من الضروري انتظار ذبيحة من أجل الخطية. وأشكال الخطية مختلفة ومتنوعة، ولذلك كانت الوصية أن يُقدم أنواع كثيرة من الذبائح، بحسب أنواع الخطايا. وهكذا تارة تكون الذبيحة ثورًا، كرمز للقديسين والملائكة، أو البشر، كما قلنا، الذي في مثل هذا العيد يستخدم تقديم شفاعة عن الخطايا التي ارتكبها الشعب، تارة يكون كبش، بواسطته يتم تطهير الشعب.

إذًا لو أن الناس قد نالوا تطهيرًا من خطاياهم، ولو كانوا أكثر نقاء، لقلت الذبائح. إذًا كان في الحقيقة عدد الذبائح نسبيًا غير متكافئ مع الخطايا، وإن كثرة عدد الخطايا سوف يتبعه زيادة في عدد الذبائح، وبالعكس إذا قل عدد الخطايا. الكتاب المقدس يشير إلى هذا. وفي آخر عيد، وهو عيد المظال، كان يوصى بتقديم الذبائح خلال ثمانية أيام. اليوم الأول بسبب كثرة الخطايا، يجب أن يقدم أربعة عشر من الأبقار. في اليوم التالي فإن الخطايا تكون قد خفضت، وعدد الذبائح أيضًا، لذلك تقدم ثلاثة عشر بقرة. وثالث يوم، اثنى عشر ثورًا ثم إحدى عشر. وهكذا كما لو كانت التطهيرات تنقص يوم فيومًا عدد الخطايا، وعدد الذبائح ينقص نتيجة لذلك.

فلنفهم أن في التدبير العام في العالم فإن عملية التنقية هي بعينها. لأن الحاجة إلى التطهير لا تشعر بها فقط الكائنات التي على الأرض، ولكن أيضًا من في السماء. إن السموات أيضًا مهددة بالهلاك لأن النبي يقول: ” إن السموات سوف تبيد وكلها كثوب تبلي كرداء تغيرهن فتتغير” (مز102: 26). إذًا لنعتبر التطهير في العالم كله، أي كل الكائنات ” السماوية والأرضية والشيطانية “، لكي نرى كم من الذبائح يجب أن تكون لكل هذه الكائنات، كم من الأبقار أو الكباش أو الماعز، ولكن من كل هذه الحيوانات فإن “الحمل” هو الوحيد الذي استطاع أن ينتزع الخطية من العالم بأسره. ولهذا السبب اختفت بقية الذبائح. هذه الذبيحة وحدها تكفي لخلاص العالم بأسره. الآخرون يمحون الخطايا بتضرعاتهم، هو وحد مسحها بسلطانه هو الذي قال: ” يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2)، وهكذا فإن العالم يتعلم أولاً البحث عن مغفرة الخطايا بواسطة ذبائح مختلفة، إلى أن تأتي الذبيحة الكاملة التامة، “حمل عمره عام، صحيح” هو الذي ينزع خطية العالم، بفضل ذلك الكامل نحتفل بالأعياد الروحية لا لإشباع الجسد، ولكن لتقدم الروح ونموها، بواسطة تقديم الذبائح الروحية لأجل تطهير العقل. يجب في الحقيقة أن نقدم لله ذبيحة القلب. نقدم له ” ذبيحة روح مماتة ” ” ليس ذبيحة من لحم ودم، لأننا إن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو5: 16)، لنقم إذًا الأعياد بالروح ولنقدّم الذبائح الروحية.

لقد كرسنا هذا الشرح عن الذبائح المختلفة، على قدر طاقتنا الجسدية، لكن معنى التضحية واضح، ومحجوز له أي الله الذي كل شئ عريان ومكشوف في عيني ذلك الذي ليس شئ مخفيًا عنه     (انظر عب4: 13).

 

النذور: الإنسان ـــ إنسان

2ـ بعد ذلك تأسس ناموس النذور. موسى بدأ هذا التشريع بطريقة غريبة. ” الإنسان ـ الإنسان الذي نذر نذرًا للرب؟ ” ما هو السبب الذي جعله يكرر هذا الاسم؟ ألا يكفي أنه يقول: ” الإنسان الذي نذر نذرًا لسيده “، لماذا يقول عندئذ “الإنسان – الإنسان”، ما هو معنى هذا التكرار لهذا اللفظ ” إنسان؟ ” إنه سؤال لا يجب إهماله في نظري أن الرسول يميز بين ” الإنسان الداخلي و الإنسان الخارجي “، الأول هو الذي يتجددَّ، من يوم ليوم حسب صورة خالقه (كو3: 10)، الإنسان الثاني هو الذي يموت، عندما نصل إلى حالة التقدم في العمر ونستلم ناموس الله، والذي فيه نقدم نذورًا للمسيح – ولكننا لا نستطيع تقدمة نذور للسيد بدون أن يكون لدينا في داخلنا، شيء جوهري لنقدمه. الإنسان الخارجي غير قادر على استقبال ناموس الله، وأن يهب له فقط هبات، لأنه لا يستطيع أن يكون لديه ما هو جدير بالله. على عكس ذلك، فإن ” الإنسان الداخلي” لديه في ذاته ما يقدمه إلى الله، لأنه فيه يتماسك قرار الفضائل، تكامل العقل والعلم، وينفتح في العقل تجديد صورة الله[1]. وعندما اكتشف الإنسان الشكل الذي أعطاه له الله منذ البداية، عندما أعاد الفضائل واسترجع جماله البدائي، عندئذ استطاع أن يهب نذوره لله، عندئذ سوف نسميه بدلاً من إنسان بلا زيادة ” إنسان ـ إنسان”.

 وإذا لم يتشدد الإنسان الداخلي، إذا لم نعتن به، إذا لم نزيّنه بالفضائل، إذا لم نمده بالعادات الحسنة، إذا لم ندربه على التعاليم الإلهية، إذا لم نطبقه على العلوم المقدسة، لن نستطيع أن نُدعىَ “إنسان، إنسان”، أو “إنسان” بلا زيادة أو “إنسان نفساني”، لأن “الإنسان الداخلي” الذي بالنسبة له  لقب إنسان معناه موثوق به وأكثر نبلاً، ولكن بسبب رذائل الجسد، والمشاكل والاضطرابات التي في هذا العالم، فإنه لا يستحق أن يدعى بهذا الاسم.

لذلك يجب بذل كل مجهود، إذا رأينا “الإنسان الداخلي” الذي في داخلنا هارب تحت قذارة الخطايا ودمار الرذائل، لكي ننتشله في أسرع وقت ممكن من النجاسات، وننتزعه في أسرع وقت ممكن من دنس الجسد والدم، ونحوله. أخيرًا يجب أن يلجأ الإنسان إلى العقاب، وتذكير نفسه في داخله بذكرى الله والرجاء في الخلاص.

إنها ليست في الحقيقة أشياء طيبة التي يجب البحث عنها في جهة أخرى في الخارج “خارج الإنسان”، إنما يمكن أن يوجد الخلاص بداخلنا، كما يتضح من أقوال ربنا “ ها، ملكوت الله داخلكم”        (لو21:17)، فنحن بداخلنا إمكانية الاهتداء. عندما سوف نهتدي بواسطة الدموع، سوف نخلص عندئذ، سوف نتمكن من ” تقديم النذور إلى الرب ” ويمكن أن يسمى “إنسان، إنسان”.

 

ما هي النذور؟

لكن هناك نذر عندما نقدم لله شيئًَا من ذواتنا. إن الله يريد أولاً أن يأخذ شيئًا منا، وإذا كان يريد أن يظهر سخيًا تجاهنا، إذا كان يريد أن يوزع هباته وهداياه، فإنها لمن يستحق وليس للآخرين. ولكن ماذا يريد الله أن يتقبل منا؟ استمع لهذه الجملة من الكتاب المقدس: ” والآن إسرائيل ماذا يطلب منك سيدك إلهك، أنك تسير في كل طرقه، وأنك تحبه من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك” (تث10: 12)، هذا هو ما يطلبه منا الله. إذا لم نقدم له أولاً، لن نأخذ منه أبدًا ونقرأ في نص آخر: ” أعطِ المجد لله، وأعط العظمة لله”. إذا كنت تعطيه المجد سوف تأخذ المجد. لأن الله نفسه قال: ” أكرم الذين يكرمونني” (1صم2: 30). وأنا أقول من جانبي: إذا قدمنا له برنا سوف نستقبل منه المجد.

وإذا قدمنا له عفتنا وأقصد بذلك عفاف جسدنا سوف يقدم لنا عفة الروح كما يقول الرسول: “ نحن لنا فكر المسيح” (1كو2: 16)، فعندما نقدم إلى الله ما هو فينا، وأن يعطينا ما هو “له”، فإننا سوف نُسمى حقيقة، ليس فقط “إنسان” لكن إنسان – إنسان، لأن كل واحد من جانبي الإنسان يحصل على الكمال الذي يناسبه.

 

أمثلة من النذور

هذه هي النذور التي يجب أن يلتزم بها من يسمى “إنسان – إنسان”، أعرف أنواع كثيرة متعددة في الكتاب المقدس، وهبت حنة للرب ثمرة بطنها، وكرست صموئيل للهيكل (انظر1صم11:1،54) ووهب آخر للرب الشئ الذي سوف يظهر له عند عودته بعد الانتصار. وكانت ابنته هي التي ظهرت وأكمل هذا النذر المحزن (انظر قض31:9). آخرون يقدمون لله أبقار، كباش، منازل أو كائنات أخرى غير عاقلة.

النذير أو القديس

أما الذي نسميه النذير فقد نذر نفسه لله. هذا هو نذر النذير، وهو متفوق على الجميع. لأن من يهب أبنًا أو بنتًا أو حيوانًا أو عقارًا كل هذا خارج عنه تمامًا. ولكن أن يقدم نفسه لله ويرضيه ليس باستحقاق شخص آخر ولكن بواسطة نفسه، فإن هذا يتفوق في الوصول للكمال والسُمُوّْ عن جميع الأنواع الأخرى من النذور. من يفعل هذا هو متمثل بالمسيح. في الحقيقة إن الله هو الذي أعطى للإنسان الأرض والبحر وكل ما تحتويها، ووضع في خدمة الإنسان السماء، والشمس أيضًا، والقمر والنجوم، وأغدق على الإنسان بالأمطار والرياح وكل ما يحتويه العالم، وبعد ذلك كله أعطى نفسه له. الرب في الحقيقة أحب العالم كثيرًا حتى بذل ابنه الوحيد (يو3: 16) لأجل حياة العالم. ما هو الاستحقاق العظيم الذي يمكن أن يقدمه الإنسان للرب، الذي “بذل نفسه” أولاً له؟ إذًا إذا “ أخذت صليبك” (مت10: 38)، وإذا اتبعت المسيح، وإذا استطعت أن تقول ” أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ” (غل20:2)، وإذا كانت روحنا لديها الرغبة، والعطش للرجوع إلى المسيح تبعًا لكلمة الرسول، وإذا لم تحب أبدا انجذابات العصر الحاضر، وإذا أكملت روحيًا كل الصفات التي تختص بالنذير عندئذ فإنه هو يهب نفسه لك، وتكون أنت لله وهو لك. وأما الذي يعيش في الطهارة، فهو يهب جسده لله تبعًا للنص: ” العذراء تهتم أن تكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7). الكلمة نفسها ” مقدسة ” تؤكد ما نقوله، إننا نسمى “قديسين” مَن نَذورا أنفسهم لله. مثلاً نسمى قديس، من ينذر نفسه لله. الكبش لا يجب أن نجزه ليخدم الاستعمالات المدنسة. وأيضًا فإن البقرة التي كرست لله تسمى مقدسة، ليس من المسموح أن تربط للعمل في أعمال دنيوية. وتبعًا لهذه الأمثلة، لنعرف ماذا يرتكز عليه الفعل ” نذر نفسه”. إذا نذرت نفسك لله، يجب أن تكون كالبقرة المكرسة لله التي يجب أن لا تخدم في الأعمال الإنسانية ولا تعمل أيضًا للإنسان، هكذا أنت أيضًا فإنك لا تعيش وتعمل للحياة الحاضرة، بل لكل ما يختص بالروح وبالتأملات والعبادة الإلهية، هذا هو ما يجب أن تفعله، هذا هو ما يجب أن تفكر فيه.

 

نذورات مختلفة: درجات للكمال

ومع ذلك فإن قراءة اليوم تحتوي على بعض التميزات النوعية في مادة النذر، إذا كان الإنسان هو الذي يعمل النذر، يقال عنه إنه حر في نذوره، ولا يتبع أحدًا. “إذا كانت امرأة هي التي تقوم بالنذر” وإذا كانت في منزل والدها، فإن نذرها يتبع الأب، وإذا لم يرضَ به، فإنها غير مسئولة عن ذلك، ولكن إذا رضى به، فهو وأبنته مُلزمون بتنفيذه. وإذا حدث أن الأب لم يعلن أنه غير راضٍ عن ذلك، فإن الفتاة إذًا لم تكمل هذا النذر، فإن الخطية تبقى عليه. وهناك نظام مثله يختص بالزوج، إذا كانت سيدة قامت بالنذر وهي في بيت زوجها، فإذا تفاهم معها زوجها ولم يلغه، فإنه يكون مسئولاً عن النذر بنفس المقدار مثل زوجته، “وإذا لم يلغه” فإن الزوجة والزوج يكونان مسئولان عن ذلك. وإذا لم يتكلم الاثنان كما قلنا فإنهما مسئولان عن ذلك، هذا هو النص. ولكن إذا أردنا فلنطلب من الله فهمًا يجعلنا نستحق أن نفهم هذا النص، كما يناسب كلمات الله. نحن الذين نعيش تحت ناموس الله، والذين نكّون كنيسته، ويعيش البعض تحت سيطرة أب، والآخرون تحت سيطرة زوج، إذا كانت روحنا صغيرة وحديثة في مدرسة الله، يجب النظر إلينا كما لو كنا نعيش تحت سيطرة الأب. لكن إذا تقدمت نفسنا لدرجة أن تصبح ناضجة للزواج، لتتقبل حصاد كلمة الله وتفهم أسرار التعليم الروحاني،فهي موضوعة تحت سيطرة الزوج. وهذا ما قاله القديس بولس لأهل كورنثوس: “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو1:1ـ2). أما من هم المجموعة الأخيرة فهم الأكثر كمالاً، والأكثر سموًا ولا يقال عنهم أنهم تحت سيطرة زوج، ولكن استمع إلى ما يقوله القديس بولس وكيف يقول عن نفسه وعن أمثاله: ” إلى أن نصل إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملئ المسيح ” (أف4: 13). والنذور التي تقدمها هذه النفس التي تصل إلى الإنسان الكامل، لا أحد يستطيع أن يأمرها، فالمرأة تمتلك ثروتها وهي حرة في نذورها.

 

النفوس التي لا تمتلك نفسها

ولكن إذا كانت النفس أيضًا من الجنس الأنثوي وإذا كان زوج أو أب يستطيع التصرف في نذرها، فالخطأ لا يقع عليها، فهو يقع في بعض الأحيان على الأزواج أو على الآباء. وبالرغم من أن هذه المواد صعبة للوصول إلى الميناء، ولكننا سنقدم أفكارًا بحسب ما يعطينا الرب.

 

دور الملائكة الحراس

لقد قلنا مرارًا إن العناية والاتجاه إلى النفوس في كنيستنا الإلهية تعطي مسئوليتها للملائكة، وأشرنا إلى أنها تظهر شخصيًا عند محاكمة الإنسان حتى تنظم في المحاكمة الإلهية. إذا أخطأ الإنسان بفعل سقوطه نفسه أو بإهمال أساتذته يبدو في هذا النص أيضًا، تحت ستار الغموض. هناك معنى يبرهن على أن بعض النفوس لديها صلات مع فتيات، والبعض مع زوجات حسب نوعها الذي ذكرناه أعلاه. إذا كانت إذًا واحدة منهن تريد أن تهب نفسها أو تنذر نفسها أو شئ منها إلى الله، إذا كان نذرها غير ناضج وليس مناسبًا جدًا، فإن ذلك يرجع إليه، إلى الملاك الحارس والناصح، فعليه أن يوقف النذر، وأن يلغي جرأة صاحب النذر. لكن إذا، بعد الاستماع إليه لا يوقفه، ولا ينذره فإن هذه الروح سوف تكون مثالاً للخطأ لكن هو (أي الملاك) سوف يبقى مسئولاً عن النذر.

وهذا هو ما يحدث لمن هم أقل كمالاً، هذا هو معنى النص، ولكن بالنسبة للأكثر اكتمالاً، فإن الله نفسه يساعدهن. وكبرهان على ذلك ما كتب عن شعب إسرائيل: ” الله نفسه كان يقودهم “، ولكن بعد أن سقطوا، وأصبحوا أقل رتبة مما كانوا قبلاً، فقد عهد بهم إلى ملاك. وهذا ما جعل موسى يقول: ” إذا لم تأت بنفسك معنا، لا تجعلني أرحل من هنا ” (خر33: 15)، ويقول الله أيضًا عن البار ” أنا معه في المحنة ” (مز92: 13)، ويقول في مكان آخر ” لا تخف من النزول إلى مصر لأني سأكون معك ” (تك46: 3-4). إن الرب يحضر إذًا “بنفسه” ليساعد الأبرار والصديقين، أما الذين هم أقل من ذلك فالملائكة هم الذين يكونون معهم، وكما برهنا قبل ذلك، فهم الذين يسوسونهم، ويسهرون عليهم، تارة يأخذون نذورهم لحسابهم، وتارة أخرى يتركونها.

 

حرية النذور للكاملين

لكننا يجب أن نتجه إلى الالتقاء بالإنسان الكامل، إلى قياس قامة ملء المسيح، حتى يكون لنا حرية اختيار النذور. وهكذا نسرع إلى الاتحاد بالرب حتى نكون معه روحًا واحدًا (1كو6: 17)، بدلاً من الاتحاد مع ملاك وهكذا يظل “هو” فينا، ونحن ” فيه ” (يو4:15)، ولا يكون فينا أي شئ أنثوي أو طفولي يضطر الأب أن يتركنا لمعلمين ووكلاء. لنسرع بالعكس إلى فهم كلمة ربنا ومخلصنا والآب نفسه الذي يحبنا (يو27:16)، ” له المجد في أبد الآبدين آمين” (رو36:11)

 

[1]  “الإنسان الداخلي” هو الذات بالجمع أي الـ “نحن” عند الفلاسفة، وهو مقر العقل الذي يشترك في العقل المطلق، أي ((Λóγος اللوغوس الذي هو صورة الله، والذي خلق الإنسان على صورته، وفيه أيضًا يتجدد.

الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد، موت موسى

 

قصة بنات صلفحاد

كان هناك خمس بنات، كتبت الشريعة أسماءهم، ولدوا من الإسرائيلي صلفحاد ” الذي مات في البرية ولم يكن له بنون”    (عد27: 1-4). ووقفن بنات صلفحاد أمام موسى قائلات ” لماذا يحذف اسم أبينا من بين عشيرته، لأنه ليس له ابن” (عد27: 2،4)، فقدم موسى دعواهن أمام الرب. ولطف الله الكلي القدرة لا يحتقر ولا يزدري بطلب البنات، ولا تفضل بإعطاء إجابة فقط ولكنه وافق وجعلهن يحصلن على ميراثهن ليضع أساسًا لحقوق أبدية تسرى لكل العصور.

فكلم الرب موسى قائلاً ” بحق تكلمت بنات صلفحاد فتعطيهن ملك نصيب بين أخوة أبيهن وتنقل نصيب أبيهن إليهن” (عد27: 7)، ” وتكلم بني إسرائيل قائلاً أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته” (عد27: 8)، ” وإن لم تكن له ابنه تعطوا ملكه لأخوته، وإن لم يكن له أخوة تعطوا ملكه لأخوة أبيه ” (عد27: 9-10)، ” وإن لم يكن لأبيه أخوة تعطوا ملكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته فيرثه، فصارت لبني إسرائيل فريضة قضاء كما أمر الرب موسى” (عد 27: 11).

أهمية هذه الفقرة بديهية من الناحية التاريخية إذا فكرنا أن هذه القوانين صار لها قوة، ليس فقط عند أبناء إسرائيل ولكن عند كل الأمم المتحضرة. إقدام بنات صلفحاد لم يعطهن فقط ميراثًا ولكن أسس للعالم قانونًا مستديمًا. تُرى ما هي أهمية القصة نفسها في ناموس الله، من يستطيع إلغاء قوانين سابقة مستعملة في العالم أجمع.

 

معنى روحي

لنتقدم قليلاً، باحثين عن بنياننا الروحي. قد لا يكون عندي بنات من لحمي، ولا مجال لنقل ميراث. وفي هذه الحالة، لن يكون للناموس أى تأثير، وما قد تم تقريره بكلام الله سيبقى غير نافع؟

نبحث إذًا عن القانون الروحي، من تكون هؤلاء الخمس بنات اللواتي مات والدهن بخطيئة ما ومع هذا أصبحن وارثات بكلمة الله.

 

أبناء وبنات: معرفة وأعمال

عندما تحدثنا سابقًا عن الأبناء الروحيين وعلمنا أن فضائل النفس وأفكار العقل قد دعيت أبناء. وقد ظهر صحيحًا ومنطقيًا أن نرى البنات في الأعمال التي تنجز بواسطة الجسد. ولذا عددهم خمسة لأنه يوجد خمس حواس جسدية تتم بها كل الأعمال في الجسد. مع أنهن محرومات من الأب وباقيات يتيمات، هم تلقوا ميراث ليس مستثنى من الملكوت، هم تلقوا ميراث في وسط أبناء إسرائيل.

ولكن نرى من هو أبوهن الذي نقول أنه مات. هو يُدعى صلفحاد، يقول الكتاب: صلفحاد يُترجم “ظل في فمه” “أب الأعمال هو العقل”. هذه حالة متكررة، بعض من أخوتنا لهم عقل دون عمق، بدون اتساع، تفكيرهم ميت هو من هؤلاء الأشخاص الذي كُتب عنهم      ” فمات قلبه داخله” (1صم25: 37).

رجل كهذا لا يفهم شيئًا، هو مات بالإدراك الروحي ولكنه إذا أعطى اليوم لبناته بخدمات مردودة، بأعمال طاعة، بأعمال مطابقة لأوامر الله، سينال أرضًا بالميراث مع شعب الله. هو لا يمكن أن يعد بدون شك مع الذين “ الرب هو نصيبهم“، والذين ” الله هو ميراثهم“، لن يستطيع أن يأخذ ضمن الخدام والكهنة ولكن بمرتبته المتواضعة هو سيحصل على ميراث من أرض الموعد ” لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون” (مت22: 14).

حينئذ نفهم تبعًا لمعنى اسمه، لماذا  لم يستطيع صلفحاد أن يكون له أبناء ولكن بنات فقط، يجب أن نقول “ظل في فمه“، أنت تراه إذًا شخصًا ما لديه “ظل” الناموس في فمه وليس ” الصورة الحية للحقيقة” (انظر عب10: 2)، هذا الرجل لا يستطيع إدراك أي معنى روحي ولا أي فكرة عميقة، وليس لديه إلا “ظل” الناموس في فمه، ولا يستطيع أن يولد أفكار حية وروحية. ولكن يولد أعمال وأفعال التي هي طريقة خدمة المؤمنين البسطاء.

وهكذا تظهر رحمة الله هنا أن كل البسطاء والذين لديهم نقص في الإدراك، ولهم أعمال جيدة، لم يحرموا من ميراث القديسين، إذًا      ” بنات صلفحاد لهن حق”.

 

وبعد ذلك وضع الله قانون التتابع، الميراث يعود للأبناء ويلي ذلك للبنات، وثم للأخوة وفي رابع درجة أخوة الأب، والدرجة الخامسة لا تشير إلى أي شخص محدد ولكن تنسب للشخص الأقرب في العائلة. وهنا المعنى التاريخي مكمل ومنتهى ولا يحتاج أي إيضاح .

 

درجات في الميراث السمائي

حينئذ من هو مُلِم بالنواميس الإلهية ومستنير بالمعرفة، يستطيع أن يفهم الدرجات المختلفة لهذا التتابع. الأول هو للميراث السمائي الآتي، بعنوان المعرفة والعلم هو للابن الذكر. والثاني الخاص بالأعمال هو الابنة. الثالث هو نوع من العاطفة والتقليد ولهذا يدعى أخ. يوجد أناس لا ينتجون أي عمل عقلي من تلقاء أنفسهم ولكنهم موضوعون في وسط أخوتهم، ويبدو أنهم يقلدون نفس الأعمال التي يعملها أولئك الذين لهم حياة عقلية شخصية، هؤلاء يرثون بالدرجة الثالثة باعتبارهم أخوة.

في الدرجة الرابعة الذي هو أخ الأب نستطيع أن نرى نوعية من الرجال الذين يجتهدون أن يقوموا بالمسئوليات المأخوذة من آبائهم وأن يتبعوا التقاليد المسلمة من القدماء. هم لا يعيشون أبدًا بالعواطف الشخصية ولا يتأثرون بالتعاليم الحاضرة ولكنهم يسيرون حسب التقاليد أي نظام القدماء. وهكذا هم لا يهملون وحينئذ يعملون بعض الخير.

الدرجة الأخيرة تتعلق بعلاقة قرابة معينة مع السابقين. هذا يجعلنا نقول: بعض الخير الذي نفعله بالصدفة أو بالمعرفة الحقيقية لن يضيع علينا ربح العمل الصالح، وسننال من سخاء الله نصيبًا من الميراث. إنه من الجرأة من جانبنا أن نعالج هذه الأمور ونتكلم عنها جهارًا. ولكن نحن لن نندم إذا قارنًًا “ الروحيات بالروحيات”    (1كو2: 13) بل سنرجع منها بغيرة شديدة لمعرفة الأسرار.

 

II موت موسى

بعد ذلك تأتي قصة أخرى، وهي حكاية رائعة ومليئة بمعنى سامي. القصة تروي كيف ” قال الرب لموسى اصعدوا إلى الجبل” (عد 27: 12). حتى إنه بعدما رأي وتأمل كل أرض الموعد مات.

ولكن إذ كان أكثر انشغالاً بشعبه، أكثر من نصيبه، صلي إلى الله أن يدبر ” رجل ليقود شعبه لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لهم ” (عد27: 17).

 

تجهيز الذهن للحياة المستقبلية:

نرى في الوضع الأول كيف أن الإنسان الكامل والمغبوط لا يموت في الوادي وفي السهول ولا على التلال، بل على الجبل، وهذا يعني مكان مرتفع ومداخل صعبة. لأن إتمام وتحقيق الكمال في حياته له الأهمية العظمى. هو تلقي الأمر بأن يتأمل بعينيه كل أرض الموعد وأن ينظر إلى كل شئ بانتباه شديد جدًا.

في الحقيقة يجب على الإنسان الذي يريد أن يصل إلى كمال عظيم أن لا يبقى أي شئ مجهول بالنسبة له، وأن يعرف كل شئ يراه ويسمعه. لأنه يجب عليه أن يمر من جديد على كل الأشياء التي عرفها بمظهرها المادي أثناء وجوده في الجسد وذلك عندما يدخل في عالم الروح والقلب النقي، حتى أنه وهو يسرع في سماع دروس الحكمة وهو يبدأ في مدرسته، يستطيع أن يجد بسرعة الأساس والأسباب. أي اهتمام آخر كان لديه، ليظهره له في ليلة رحيله من هذا العالم، قبل نهاية هذه الحياة سوى الأراضي والأماكن التي لم يستطيع أن يقهر صعوباتها ولا أن ينال مزاياها؟

 

موسى مذنب

العبارة التي تأتي بعد ذلك تملأني من الرعب تجعلني أتردد أن أتكلم، عندما أرى موسى هذا ” عبد الرب وصديقه” (يش1: 3)، الذي تكلم إليه ” وجهًا لوجه “، وبواسطته أُجريت آيات ومعجزات مدهشة، ومع هذا قال له هذه الكلمات الصعبة والمخيفة. ماذا قال له الرب؟

ومتى نظرتها تضم إلى قومك أنت أيضًا كم ضُم هرون أخوك” (عد 27: 13). ولكي يشرح له سبب موته أضاف الرب ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم” (عد27: 14). إذًا فموسى أيضًا مذنب؟ هو أيضًا استوجب الاتهام بالعصيان، هو أيضًا تحت الخطيئة “. ولهذا أعتقد أن الرسول يقول بتأكيد ” لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى”. لمست (الخطيئة) موسى ولم تفارقه أبدًا، ولهذا يقول الرسول “ دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت” (رو5: 12)، وأيضًا ” لأن الله أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع ” (رو11: 32)، ولكن ” ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت… أشكر الله بيسوع المسيح ربنا” (رو7: 24،25). لأنه ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا” (رو5: 20). لأنه كيف يستطيع موسى أن ينقذ أحدًا من الخطاة وهو الذي قال له الرب: ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم (أبناء إسرائيل) ” (عد27: 14).

 

مثال موسى: ضد المحاباة

4ـ فلنتأمل إذًا عظمة موسى. في وقت تركه للعالم، قد صلى إلى الله ليعين قائد لشعبه. آه، موسى ماذا تفعل؟ ألم يكن لك أبناء، جرشوم ولعازر؟ إذًا لم يكن عندك ثقة تامة فيهم، وكذلك أخوك، الرجل العظيم. كيف لم تسأل الله أن يقيم منهم قادة للشعب؟ ورؤساء الكنيسة، بدل من أن يعينوا المرتبطين معهم بعلاقات الدم أو القرابة الجسدية، ليملكوا في الكنيسة، وبدلاً من أن يختاروا الخدام بحسب عواطفهم البشرية كان ينبغي أن يسلموا لله أمر تعيين خلفائهم!

موسى لم يقدر على اختيار قائد للشعب بتحكيم مناسب، وبقرار مستقيم وعادل، ولذلك قال له الله ” اجمع إلى سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل الذين تعلم أنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه” (عد11: 16)، والذين تختارهم فهؤلاء هم الذين ” آخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم” (عد11: 17). ومن أفضل من موسى يستطيع تعيين قائد للشعب؟ ومع ذلك فهو لم يعين أحدًا، لم يجرؤ على ذلك. لماذا لم يجرؤ؟ لكي لا يترك للأجيال القادمة مثال للشبهة اسمعه يقول: ” ليوكل إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة يخرج أمامهم، ويدخل أمامهم ويخرجهم ويدخلهم” (عد27: 16، 17).

إذًا كان رجل عظيم مثل موسى لا يقوم بتعيين قائد للشعب برأيه الخاص، ليكون خليفة له، فمن  يجرؤ، من بين هذا الشعب، وحتى لو كان من بين الكهنة أن يعطي رأيًا سواء باستخدام الصياح أو بتأثير المال، لا يستطيع أحد أن يعطي حكمًا بخصوص هذا الأمر، إلا لو كان هناك إعلان من الله بعد صلوات وتوسلات كثيرة أمام الله؛ ولهذا قال الله لموسى: ” خذ يشوع بن نون رجلاً فيه روح وضع يدك عليه، وأوقفه قدام أليعازر الكاهن وقدام كل الجماعة وأوصه أمام أعينهم، واجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل” (عد 27: 18-20).

تعرف من هذا بوضوح كيفية تنصيب قائد للشعب، فهنا لا مجال لمظاهرة شعبية أو أي اعتبار لقرابة جسدية، فالأقارب يورثّون الحقول والبيوت ولكن قيادة الشعب، تعطى للمختار من الله، أي لرجل يسكن فيه روح الله، ويضع أمامه وصايا الله (انظر مز180: 22). ويكون معروفًا من موسى والقريبين منه، بمعنى أن يكون له نور الناموس والمعرفة حتى يسمع له كل أبناء إسرائيل . ولكن كما أن كل التعاليم مملوءة بالأسرار، نحن لا نستطيع أن نسقط ما هو أعظمها قيمة، وأكثرها نفعًا وضرورة، وهي الوصايا التي أعطاها حرف الناموس.

إذا اعتبرنا موت موسى هو بالتأكيد نهاية الناموس بحسب الحرف فما هي نهايته؟ النهاية هي إلغاء الذبائح وكل الفرائض المشابهة التي يحتويها الناموس. متى نصل إلى نهايتها فإن يسوع (يشوع) يستلم الوصية، ” لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن” (رو 4:10)، وأيضًا قد قيل عن القدماء الإسرائيليين أنهم ” اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر” (1كو10: 2)، وأيضًا أنه قيل عن يسوع (يشوع) إن كل من في يسوع قد اعتمد في الروح القدس والماء (انظر يش3: 15-17). لأن يشوع (يسوع) هو الذي أجازهم في مياه الأردن، واعتمد الشعب بطريقة ما. وهو الذي وزع أرض الميراث، الأرض المقدسة على الكل، وليس فقط على الشعب القديم، ولكن على الشعب الجديد أيضًا. لأن الشعب القديم بسبب عصيانه “ طرحوا في القفر” (انظر1كو10: 5)، ولكن في وقت يسوع (يشوع) قيل “واستراحت الأرض من الحرب” (يش11: 23)، وهذا ما لم يكن ممكنًا أن يُقال في أيام موسى.

وهذا قيل عن يسوع ربي، وليس عن يشوع بن نون هل تستطيع أرضي أن تستريح من حروبها؟ ويمكن أن تفعل أرضي هذا إذا ما جاهدت بإخلاص، من أجل يسوع قائدي، فإذا أطعت ربي يسوع     ” فلن يحارب جسدي ضد روحي أبدًا ” (انظر غل5: 17). ولن تُهاجم الأمم الأعداء أرضي إطلاقًا وأقصد بالأعداء، الشهوات المتنوعة. فلنصلٍ إذًا حتى يسود يسوع علينا، حتى تستريح أرضنا من الحرب ومن هجوم الشهوات الجسدية. فإذا توقفت هذه الحروب، فإن كل واحد “سوف ينام تحت كرمته وتحت تينته، وتحت زيتونته. فتحت حماية الأب، والابن والروح القدس، تستريح النفس التي قد استعادت سلام الجسد والروح. والمجد لله الأبدي إلى دهر الدهور آمين.

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الجزء الأول: الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

تقدم الشر

إذًا فالشعب “أكل التقدمة من الذبائح التي لديهم، وعبد أصنامهم، وليس فقط كان مسرورًا بأن يأكل، لكن أيضًا عبد أصنامهم. واتجه للتقدم في الشر: 

وترك خدام الله أنفسهم أولاً فريسة للشهوة، ثم للشراهة وأخيرًا لعدم التقوى، إن التقوى هي المقابل المضاد للزنى. وإذا راجعنا قراءة النصوص التي تختص بموضوع سليمان. سوف نجد أنه كان حكيمًا ولكنه اضطجع مع كثير من النساء، عندئذ فإن شريعة الله تقول: « لا يكون له كثير من النساء لئلا يزيغ قلبه إلى الزنا بعيدًا عن إلهك » (تث17: 17 سبعينية)، بالرغم من كونه حكيمًا جدًا وكان له جدارة كبيرة أمام الله، إلا أنه بسبب كثرة النساء، وما يسمى عدد كبير من النساء معناه ، أظن أنه يعني عدد كبيرًا من العقائد والفلسفات المختلفة التي تعلمها الأمم المتعددة. وكان يريد أن يعرفها جميعًا وأن يتعمق فيها كعالم وكحكيم، ولكنه لم يستطع أن يثبت في قاعدة الناموس الإلهي. إن فلسفة الموآبيين أفسدته وجعلته يضحي لأصنامهم، وأيضًا فلسفة العمونيين وجميع الأمم التي قيل إنه أخذ منها نسوة وكرَّم أصنامها ببناء هياكل لهم وبتقديم ذبائح لهم. إن هذا في الواقع شئ سيئ جدًا. بالنسبة إلى الله لا يليق أن يتألف مع الأفكار الغريبة مثل معاشرة النساء بدون أن يحيد عن ناموس الحق، وأن يستطيع أن يقول بأمانة : « يوجد ستون ملكة وثمانون سرية وعذارى بلا عدد واحدة هي حمامتي كاملتي، الوحيدة لأمها هي الوحيدة لوالدتها، الوحيدة لمن وضعتها في العالم » (نش6: 7، 8 سبعينية).

تلقين على ارتكاب الأعمال الحقيرة: بعل فاغور

« عبدوا الأصنام وتعلقوا ببعل فاغور » (عد25: 2، 3). وبعل فاغور هو اسم صنم لدى المديانيات كان مكرمًا خصوصًا من النساء، وتلقن إسرائيل أسراره، وبدراسة المعنى بانتباه، وخاصة في كشف الأسماء العبرانية نجد فقط أنه: ” شكل أعمال حقير “.

المترجم لم يرد أن يشير إلى أية صورة كانت هذه الأعمال الحقيرة، ولا لمن كان هذا الحدث، وبفرض الأمانة أفكر، ولكي لا أجرح أذن المستمع، مهما تكن الأشكال فالأعمال الحقيرة متعددة، وواحد منها يسمى بعل فاغور.

إذًا يجب أن نعرف أن كل إنسان يرتكب فعل مهين، ويقع في أي شكل من أشكال الأعمال الحقيرة تكون بداية تلقينه لارتكاب أعمال حقيرة كثيرة، ويلقن بعقائد عبادة بعل فاغور، شيطان المديانيات أيضًا يحرضنا على كل خطيئة نرتكبها، خاصة إذا لم نكن نفاجأ بهذه الخطية، لكن ارتكبناها بحماس وسرور، هل نحن معدين لعبادة هذه الشياطين الذي لها تأثير قوي وهو إنتاج الخطية التي إرتكبناها. وربما سوف نكون متلقين لكثير من الشياطين التي تجعلنا نرتكب هذه الخطايا، وفي كل خطأ نحن نتلقى ـ بطريقة ما ـ أسرارًا لما يدعون له، أى لهذا الصنم أو ذاك. لهذا ربما كان يقول الرسول:    « لأن سر الإثم الآن يعمل فقط إلى أن يرفع من الوسط الذي يحجز الآن » (2تس2: 7).

إن الأنفس الخبيثة إذًا تحوم، باحثة كيف بجاذبيتها، يمكن أن تلقن غموض الخطية، وبدون أن ننتبه، بدون أن نفهم، تقودنا مثلاً بواسطة خطية “مثل الزنا”، إلى شيطان المديانيات، ويُلقنوا ببعل فاغور، ويُلقنوا إلى الأعمال الحقيرة. وأيضًا للخطايا الأخرى، كما نقول، الإنسان يُلقن بواسطة شياطين أخرى.

لكن، لاحظ بعناية ما هو مكتوب، أمسك نفسك وكن حازمًا قويًا وسر في الطرق السليمة، أسأل ما هي الطرق الأبدية الخاصة بيسوع، وما هو الطريق القويم، واتبعه. لا تقترب من أبواب منازل الخبث، إذا لاحظت احدى هذه الأنفس الخبيثة، تكلم في قلبك قائلاً لنفسك أن هذه النفس الخبيثة تريد أن تقودني إلى عمل خطية، افهم جيدًا أنها تريد أن تلقنك عبادة الشيطان، تريد أن تقودك إلى تلقى أسرار الشيطان، أسرار عدم التقوى. إنه كما أعتقد كما كتب الرسول: « أنتم تعلمون أنكم كنتم أممًا منقادين إلى الأوثان البكم كما كنتم تساقون » (1كو12: 21). ممن كنتم تساقون؟ كنتم تساقون بواسطة الأرواح الشريرة الخبيثة مثل أعمال الخطية.

القسم المضاد: الملائكة الحراس

كل مستمع يقظ إلى كل هذه الكلمات سيقول بدون شك ماذا سنفعل إذًا؟ إذا كانت الأرواح الشريرة تحوم حول كل واحد منا، وتقودنا وتجذبنا ناحية الخطية، وإذا لم يكن هناك شخص آخر، ليجذبنا ناحية الحق، وليدعونا ويقودنا إلى العفة والتقوى، كيف لا يبدو أن الطريق “واسع ومفتوح” تجاه الهلاك الأبدي (انظر مت7: 13)، ولم يبق أي طريق يوصلنا إلى الخلاص. لكن أدرس بانتباه إذا استطعت معي، حتى عندما تفتح بصيرة قلبك، يمكنك أن تتأمل الأسرار الداخلية، وسوف ترى مقدار المجهودات الخفية التي تجري من أجل خلاصنا وتبعد عنا القوى التي تحاول خِداعنا. كل منا، حتى “الصغار جدًا” في كنيسة الله، له ملاك، ملاك صالح، ملاك الرب، لكي يرشده وينصحه ويحكّمه، ملاك إذا ما أصلح أعمالنا وطلب الشفقة من أجلنا، فهو يرى كل حين وجه الآب الذي في السموات (مت18: 10) كما يعرفنا الرب في الأناجيل. وتبعًا لما يقول يوحنا في سفر الرؤيا (رؤ2، 3)، يوجد أيضًا ملاك لكل كنيسة، ينال الشكر لحسن سلوك الشعب أو يُؤنّب من أجل أخطاء هذا الشعب. هنا أصبت بالدهشة أمام هذا السر الغريب. إن الله يعتني بنا كثيرًا لدرجة أنه يسمح حتى أن يلوم الملائكة من أجلنا. وهكذا عندما نسلم طفل لمربى إذا كان قد حدث أن تلقى علمًا لم يصل إلى المستوى الذي وصل إليه الأب فإن الخطأ يقع على المربي. وليس هذا خطأ الطفل مثلما هو خطأ المربي ولذلك فالمربي يتلقى تأنيب الأب، خاصة إذا لم يكن الطفل صعب القيادة، وأهمل نصائح المربي، وكان له ميول تجنح إلى الانحلال والطيش، وغفل عن كلمات المربي الناصحة والتي يجب أن تُطاع. 

ماذا يحدث لهذه النفس؟ اعرف من النبي: « فبقيت ابنة صهيون كمطلقة في كرم كخيمة في مقثأة كمدينة مُحاصرة » (إش8:1)، و في موضع آخر « أنزع سياجه فيصير للرعي اهدم جدرانه فيصير للدوس من كل العابرين » (إش5: 5 سبعينية). وأخيرًا: يفسدها الخنزير من الوعر ويرعاها وحش البرية (مز80: 13) هذا ما سوف تقاسيه إذ لم تتبع نصائح الملاك الحارس لكي يضع السلام في قلبها. لأن النفس لا تتبع سوى نفسها، ولها الحرية في أن تتجه في كل ناحية تريد أن تتجه إليها. أيضًا فإن محاكمة الله عادلة إذ تكون بحسب اتجاه النفس لما ينبع من نفسها لتطيع الجيد أو السيئ من النصائح.

تدبير الخلاص

هل تريدون أن أبرهن أكثر تبعًا للإنجيل المقدس أن الله يسهر علينا أكثر من أجل خلاص الإنسان، ألا يكفي عمل الملائكة ضد هجمات الشيطان، وضد من يجر الإنسان إلى الخطيئة؟ ها هو الابن الوحيد، ابن الله، كما أقول عنه إنه هو الذي يدافع عنا، ويحرسنا، ويجذبنا إليه. استمع له: « … وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر… » (مت20:28). لكنه لا يكفي كونه معنا، بطريقة معينة، وأحيانًا يكون عنيفًا معنا لكي يجذبنا إلى الخلاص، بل يقول في نص آخر: « وأنا إن ارتفعت عن الأرض، سوف أجذب إلىَّ الجميع » (يو12: 32). ولم يكتف بهذا فإننا نراه، يدعو أصحاب الإرادة القوية ويجذب أيضًا المترددين. هل نريد أن نعلم كيف يمارس هذا العنف؟ هو لا يسمح لمن كان يريد أن يدفن أباه، لا يترك له الفرصة بل يقول له: « دع الموتى يدفنون موتاهم واتبعني » (لو9: 60). وفي مكان آخر يقول: « ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله » (لو9: 62).

وإذا أردت أن تعرف أكثر عن هذا السر الخفي، فسأريك بواسطة الإنجيل أن يسوع، والله الآب نفسه، لا يُهمل تدبير خلاصنا، وهو يدعونا ليس فقط إلى الخلاص، بل يجذبنا إليه لأن يسوع يقول في إنجيله: « لا يأتي إلىَّ أحد إن لم يجتذبه الآب » (يو6: 44). إن رب العائلة الذي بعث بعبيده ليدعو أصدقاءه إلى عُرس ابنه قال لهم بعد أن اعتذر المدعوون الأوائل: « فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس » (مت22: 9). إذًا نحن لسنا مدعوين فقط من الله، نحن منجذبون، نحن ملزمون بأن نأتي للخلاص.

لكن الروح القدس نفسه ليس غائبًا عن هذا التدبير لأنه مكتوب:  « وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه » (أع13: 2). والروح هو الذي منع بولس من الذهاب إلى آسيا وأجبره على الذهاب إلى أورشليم، وتنبأ له بأن السلاسل والسجن تنتظره. إذا كانت « ملائكة الله تحل حول خائفيه لكي  تنجيهم » (انظر مز34: 8 سبعينية). فلو أن الله الآب والابن والروح القدس لا يسرون بتشجيع ومناداة الناس لجذبهم إلى الخلاص، فكيف يمكن أن نقول إن الجهود المبذولة من أجل خلاصنا ليست أعلى وأقوى مما يفعله العدو لأجل موتنا؟

عرض رؤساء الشعب

4ـ ويقول الكتاب « اشتعل غضب الرب ضد إسرائيل وقال الرب لموسى: خد رؤساء الشعب وأعرضهم أمام الرب تجاه الشمس فيرتد حمو غضب الرب » (عد25: 3ـ 4).

« ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس » (أع5: 29)، إن إسرائيل قد أخطأ والرب قال لموسى أن ” يأخذ جميع الرؤساء وأن يعرضهم أمامه تجاه الشمس “. إن الشعب يخطئ ” والرؤساء هم الذين يعرضون تجاه الشمس  بمعنى أنهم يدانون بواسطة النور.

مسئولية رؤساء الكنيسة

نحن نرى الحالة التي يوجد بها رؤساء الشعب. ليس فقط هم يدانون بأخطائهم الفعلية، ولكن هم مُلزمون بتقديم  حساب عن خطايا الشعب، أليسوا هم الذين أهملوا أن يعلموا، وينذروا، وأهملوا في الحكم على المحرضين على الخطية، حتى يمنعوا انتشار وامتداد الخطايا أكثر؟ إذ أن كل هذه الواجبات تقع على عائق الرؤساء والمعلمين. وإذا كان قد حدث خطأ من جهة الاهتمام الكثير بالشعب، إذ أنهم تركوه يسقط في الخطية، فإنهم يعرضون، أنهم يحضرون للمحاكمة. موسى، أي “ناموس الله”. إتهمهم بالإهمال والكسل، وأن غضب الله سوف يتجه ضدهم وسوف ينصرف عن الشعب. لو أنهم اعتبروا هذا، لما طلبوا أبدًا أن يصيروا رؤساء للشعب، ولما دبروا مؤامرات من أجل الحصول على هذا الوضع. يكفي أن أدان عن خطاياي فقط، يكفيني أن أعطي حسابًا عن نفسي وعن خطاياي. أية ضرورة أيضًا تلزمني بأن أتحمل خطايا شعبي، وأن أعرض نفسي تجاه الشمس، أمام من لا يخفي عنه شيئًا والذي يرى في الظلام؟

الملائكة في الدينونة

لكن ربما يختبئ في داخل هذا الأمر معنى غامض وسري يعطي بعض النصائح العميقة أكثر من هذا الشرح العادي البسيط. وهذا يمكن أن ينطبق حقيقة على رؤساء الشعب الذين تكلمنا عنهم منذ لحظة. لأن الملائكة كما يبدو سيظهرون معنا في الدينونة وسوف يقفون مكاننا، أمام “شمس البر” (انظر ملا4: 2) ألن يكون لديهم بعض المسئولية في إخفاقاتنا، ألم يكونوا مقصرين في عملهم، وتعبهم لأجل إبعادنا عن دنس الخطايا التي ارتكبناها؟ إذا كان حقيقة لا يوجد شئ لديهم يستحق اللوم بسببنا، لما قال الكتاب المقدس لملاك كنيسة كذا أو كذا ” بأنه متمسك بعقيدة بلعام “، وبأنه ترك “محبته الأولى” أو صبره لما وجه إليهم جميعًا التأنيبات التي ذكر قبل ذلك، والتي وجهت إلى ملائكة كل الكنائس في سفر الرؤيا.

إذا كان الملاك حقيقة مثلاً، استقبلني بتكليف من الله ومنتظر مكافأة لحسن أعماله، فإنه بالتأكيد أيضًا سوف ينتظر أن يلام من أجل الأعمال السيئة. ولهذا، فأنهم كما قيل لنا ” يعرضون تجاه الشمس “، بدون شك سيظهر عليهم إذا كان بعدم طاعتي، أو بإهمالهم لي أنني ارتكبت الخطايا التي لقنني إياها تعليم بعل فاغور أو أصنام أخرى حسب نوعية الخطية. وإذا كان رئيسي أريد أن أقول الملاك الذي عهدوا بي إليه لم يكن مخفقًا، إذا كان قد نصحني بصدق لعمل الخير، وإذا كان قد كلمني في قلبي، في هذا القلب الذي كان ضميري فيه يدعوني إلى فعل الخطية، ولكن إذا كنت أنا قد مررت بإنذاراته مرور الكرام وأهملت توبيخ الضمير، وأسرعت إلى فعل الخطية، سوف أجازي مجازاة مضاعفة، أولاً لأني احتقرت الناصح، ثم بعد ذلك أجازي لأني ارتكبت الفعل نفسه.

لا تندهش إذا قلنا لك إن الملائكة قد ذكرت في محاكمة الإنسان ومعه. وإذا كان هناك خطأ من ناحيتهم، فإن غضب الله سوف ينصرف عن الشعب. يجب أن لا نضطرب أيضًا كثيرًا جدًا على أفعالنا، عالمين أننا لن نقف بمفردنا ” أمام كرسي الدينونة التي يعقدها لنا الله ” حتى نجاوب عن أفعالنا، ولكن الملائكة سوف يجيئون معنا في المحاكمة، مثل رؤسائنا وقادتنا. لهذا فإن الكتاب المقدس يقول:   « أطيعوا مرشديكم وأخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حسابًا » (عب13: 17ـ 18).

قصة فينحاس

يحكى بعد ذلك أن فينحاس بن لعازر ابن الجد الكبير هرون الكاهن، أنه رأي إسرائيلي ذهب إلى سيدة مديانية، قام من وسط الجماعة أخذ رمحًا بيده ودخل وراء الرجل الإسرائيلي إلى القبة وطعن كليهما الرجل الإسرائيلي والمرأة في بطنها. فكلم الرب موسى قائلاً: « فينحاس بن ألعازر بن هارون الكاهن قد رد سخطي عن بني إسرائيل بكونه غار غيرتي في وسطهم حتى لم أفن بني إسرائيل بغيرتي » (عد10:25ـ11). وهذا أعطى فرصة لبناء شعب من أول علاقة له مع الرب. لكنك أنت، الذي استرجعك الله إليه بواسطة المسيح، الذي نزع من يديه السيف المادي، وصار “سيف الروح القدس، خذ هذا السيف، وإذا رأيت فكرة يهودية تنجسك مع فاسقات مديانيات، بمعنى أن تمتزج بأفكار شيطانية، لا تتردد أضرب في الحال، اقتل في الحال بأن تفتح وتطعن في أسفل البطن، بمعنى أن تنفذ في أسرار الطبيعة، أقطع منبع الخطية نفسه، حتى لا تستسلم  لها أبدًا ولا تدنس الخطايا الملعونة أنساب معسكر إسرائيل. إذا فعلت هكذا فأنت سوف تطفئ غضب ربك: أنذرت يوم محاكمتك التي تقول إنه يقال إن ” في يوم الغضب والعنف ” وبتوضيح عن سبب الخطية التي تسمى هنا أسفل البطن المديانية، سوف تأتي بكامل اطمئنانك في يوم الدينونة. لذلك لنقف ونصلي كي نجد دائمًا أنفسنا جاهزين لهذا السيف “سيف الروح”، الذي سوف يكشف بذور ووعاء الخطية، ولكي يجعل لنا الله فرصة لكي نضع في أنفسنا ” فينحاس الحقيقي “، وهو يسوع المسيح ربنا نفسه الذي له المجد والقوة إلى دهر الدهور. آمين.

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الانتصار على سيحون ”تابع”

الانتصار على باشان ـ حادثة بلعام

سيحون:

هزيمة الشيطان أمام كلمة الله

 1ـ قد سبق أن قلنا كيف إن ملك الأموريين سيحون، هذا المتكبر هذه الشجرة العقيمة، شرع في القتال ضد إسرائيل وهُزِمَ، يقول الكتاب المقدس حرفيًا بأنه ” قد ضربة للموت بالسيف” (عد21: 24)، أو بحسب صورة أخرى “بحد السيف”. إذا أردنا أن نعرف بكل دقة أي سيف ضرب هذه الشخصية العقيمة والمتكبرة “أرز لبنان”، فلنتعلم ذلك من بولس الرسول الذي يقول لنا “ كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين” (عب 4: 12)، وفي نص آخر ” سيف الروح الذي هو كلمة الله” (أف6: 17). أنه الموت الصادر من هذا السيف الذي ضرب سيحون الروحي أي الشيطان.

الفتوحات الروحية:

وأبناء إسرائيل ملكوا على كل أرضه” (عد21: 24)، كل هذه البقعة الأرضية كانت تدعي بلد سيحون لكن المسيح وكنيسته ملكًا على كل كورة سيحون “وملكوا من أرنون إلى يبوق“. أرنون ويبوق كانتا مدينتين في مملكة سيحون التي كانت تبدأ من أرنون وتنتهي في يبوق. لهذا السبب قيل إنهم ملكوا إلى يبوق. أرنون تعني لعناتهم أي أن مملكة سيحون المتكبرة والعقيمة تبدأ باللعنات.

والنهاية في يبوق التي تعني صراع. كل من يريد أن يخرج من مملكة الشيطان ويهرب منها سيجد الصراع، خدامه وأعوانه سيشعلون الحروب ضده. فإذا حارب وانتصر ستكف يبوق عن أن تكون مدينة لسيحون بل ستصبح مدينة لإسرائيل. هذا ما قرأناه عن البطريرك يعقوب ” عندما أتي إلى مكان ما كان يصارعه إنسان لم يقدر عليه، وكان متمسكًا جيدًا وكان قويًا مع الله فأخذ اسم إسرائيل” (تك32: 24ـ28).

فأخذ إسرائيل كل هذه المدن وأقام إسرائيل في جميع مدن الأموريين” (عد21: 25). إنه إسرائيل الجديد بحسب المسيح، ليس إسرائيل بحسب الجسد، ولا ” اليهودي في الظاهر” (رو2: 28)، الذي يسكن كل مدن الأموريين عندما تنتشر كنائس المسيح في المسكونة.

كل واحد منا كان أولاً أيضًا، مدينة للملك سيحون، الملك المتكبر كان يملك علينا الجنون والكبرياء والكفر وكل ما ينبع من إبليس، لكن عندما يربط القوي ويُهْزم، عندما تكون “أمتعته قد نهبت” نصبح نحن مدن إسرائيل وميراث القديسين، بشرط أن يكون السلطان الذي كان متسلطًا علينا قد هُزم تمامًا أولا،ً وقطعت هذه “الشجرة العقيمة”، هزم هذا “الملك المتكبر” وأصبحنا رعية الملك الذي يقول “ تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” (مت11: 29).

          ويعطي الكتاب المقدس بعد ذلك تفاصيل عن مدن الملك العقيم المتشامخ سيحون يقول الكتاب “وفي كل تخومها” لماذا تدعي عاصمة ملك سيحون حشبون؟ حشبون تعني الأفكار وفي هذه الأفكار يكمن الجانب الأعظم من مملكة الشيطان وأساس قدرته، وقال المسيح

“لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة، زنى، فسق، قتل، سرقة، طمع، خبث، مكر، عهارة، عين شريرة، تجديف، كبرياء، جهل، وجميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان” (مر7: 21ـ23). لذلك لابد أن يضرم النار في هذه المدينة وتحرق، بأي نار؟ بكل تأكيد النار التي يقول عنها المخلص “جئت لألقي نارًا على الأرض فماذا أريد لو اضطرمت” (لو12: 49).

نبوة على حشبون

          2 ـ ثم بعد ذلك يقال عن هذه المدينة ” لذلك يقول أصحاب الأمثال إئتوا إلى حشبون فتبني وتصلح مدينة سيحون لأن نارًا خرجت من حشبون لهيبًا من قرية سيحون أكلت عار موآب” (عد21: 27، 28). سيحون سبق أن قلنا إنه الملك الذي كان يملك على مدينة حشبون. يجب أن تفهم باقي الأفكار كالآتي، هؤلاء أصحاب الأمثال يقولون إئتوا حتى نبني ونصلح حشبون التي هي مدينة سيحون.

أصحاب الأمثال:

الشريعة والأنبياء:

          فلنبحث الآن من هم “أصحاب الأمثال” ما يدعي مثالاً هو الحديث الاستعارى. إذًا الذين يدعون أصحاب الأمثال. هم يتحدثون بالاستعارة، ولكن من الذي تحدث بالأمثال، أليس هو الناموس والأنبياء؟ اسمع إذًا كيف يعبر داود النبي “أفتح بمثل فمي أذيع ألغازًا منذ القدم” (مز78: 2).

إشعياء كاتب آخر بالألغاز يعلن هو أيضًا “وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين اقرأ هذا فيقول لا أستطيع لأنه مختوم. أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” (إش29: 11، 12). أنه مختوم لأنه مملوء بالأمثال ومغلف بالألغاز.

إعادة البناء على الخراب:

          هؤلاء أصحاب الأمثال يقولون ” ائتوا إلى حشبون فتبني” (عد21: 27). حشبون الأولى قد سقطت، ماذا أقول؟ إنها ضربت واحترقت، يجب أن تبني مرة أخرى، تبني حشبون أخرى، كيف سيكون هذا؟ فلنوضح هذا بمثال: إن رأيت وثنيًا يعيش في العار والضلال الديني فستقول عنه بدون تردد أنه مدينة حشبون في مملكة سيحون، حيث يتسلط الملك العقيم والمتكبر على أفكاره، فإن اقترب هذا الرجل من إسرائيل، بمعنى من ابن للكنيسة.

إذا ألقى مطارد كلام الله، وسحب ضده “سيف الروح” (أف 6: 16)، يخرب فيه كل المتاريس، التي هي عقائد الوثنيين ويحرق كبرياء أفكاره في نار الحق. يجب أن نقول عنه إنه مدينة الملك سيحون، حشبون التي دمرت. ولكن لا تترك صحراء مهجورة، كالإنسان الذي أقلعت عنه عقائد الوثنيين. فإنها ليست قاعدة في بني إسرائيل أن تترك المدن التي دمرت في خراب.

فعندما يسقطون ويدمرون الأفكار السيئة والمشاعر الغير صالحة في الإنسان ويبنون في قلبه الأفكار الحسنة والشعور بالتقوى ويضعون فيه مبادئ الحق ويعلمونه الطقوس الدينية، ومبادئ الحياة، ويبنون له العادات بحسب الشريعة وطرق مراعاتها، حينئذ حقًا سيقول أصحاب الأمثال الواحد للآخر ” ائتوا إلى حشبون فتبني التي هي مدينة سيحون” (عد21: 27).

أبناء الكنيسة قد دعوا هم أيضًا أصحاب الأمثال، لأنهم يفهمون بالروح رموز الشريعة والألغاز هذا ما يقصده أرميا النبي في حديث رمزي أيضًا عندما قال له السيد الرب “ها قد جعلت كلامي في فمك أنظر قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتنقض وتبني وتغرس” (إش1: 9، 10). ماذا يقلع وماذا يهدم؟ مدينة حشبون التي كان يملكها ملك سيحون. ماذا يقلع وماذا يهدم فيها؟ أفكار الكفر والنجاسة، ماذا يبني فيها مرة أخرى ويغرس؟ أفكار التقوى والعفاف. حشبون يجب أن تكف عن أن تكون مدينة الأموريين لتصبح مدينة أبناء إسرائيل.

باشان العار

          3 ـ لكن إذا أردنا أن نتعمق أكثر، فليس لدينا الوقت الكافي لشرح ما سبق أن قُرئ عن بلعام. إن صعوبة هذه النقطة تظل باقية إلى أن نتمكن من الأمر ونعرض سير القصة. فنحن نقابل صعوبة عند شرح المعاني الروحية. لأن أول وجه للحرف مغلف بصعوبة هذا مقدارها ولكن بما أن رغبتنا تدفعنا لكي نشرح النقط الأكثر ظلامًا فلا يجب أن ننسى كلية التاريخ الذي يساعدنا للوصول إلى المعنى.

بعد أن تسلط بنو إسرائيل على مدن الأموريين ” تحولوا أو صعدوا في طريق باشان” (عد21: 33ـ 35)، لكن لم يتنازلوا أو لم يرسلوا له سفراء ولم يطلبوا منه المرور في أرضه، لقد شرعوا في الحال في المعركة معه وهزموه هو وبنيه إذًا فلنر ما هي باشان. باشان تعني العار، أنهم إذًا لم يرسلوا سفراء لهؤلاء القوم ولم يطلب المرور في أرضه.

حيث لا يجب أن يكون لنا أي ممر أو أي طريق يوصلنا إلى العار، يجب من الآن أن نهاجمها ونحترس منها في كل الحالات. من ناحية أخرى عوج الذي هو اسم ملك باشان، يعني مانع وهو يمكن أن يمثل الخليقة الجسدانية والمادية التي أحبها والرغبة فيما يمنع النفس كعائق ويبعدها عن الله. الحرب ضد عوج يجب أن تشهر بطريقة لم يسبق لها مثيل. يقول الكتاب المقدس “أي كائن حي” (عد21: 35)، بما في ذلك أي من أبناء إسرائيل لا يجب أن يترك لكي يعيش في مملكة العار والخزي لكن يجب أن تقطع قوة إسرائيل ويلغي العار وتبني في النفس مرة أخرى كل صور التقوى، فيزرع فيها جذور الأمانة والدين.

في مملكة حشبون لم يكتب بأن أي كائن حي لا يجب أن يعيش. وكذلك في مملكة موآب ربما يكون لنا الحاجة إلى البعض من سكانها. ربما يكون البعض لازمًا لكفافنا ولتدريبنا في هذه الحياة ” وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم” (1كو5: 10). لكن من باشان بمعنى من العار، ليس لدينا أي حاجة إليها، لا نترك أي شئ ليعيش يجب إزالة كل شئ، إزالة كل أعمال العار، لأنه لا يمكن أن يكون العار صالحًا عند أي شخص.

بلعام

          4 ـ “وارتحل بنو إسرائيل ونزلوا في عربات موآب من عبر أردن أريحا، ولما رأي بالاق بن صفور…. الخ” (عد22: 1، 2). كل ما يتعلق ببلعام وأتانه هي قصة مليئة بالصعاب. لكن المعنى الداخلي به صعوبة أكثر وأني لا أدري إن كان من السهل شرح المعنى التاريخي كذلك، وبفضل الله سنلخص التفسيرات التي نستطيع أن نعطيها.

غرابة القصة

          الحرب تهدد ملك بالاق بن صفور من بني إسرائيل الذي كان عددهم حوالي “ستة مئة ألف رجل” (عد26: 51)، مسلحين سوف يتسلطون على أرضه. فيجب عليه أن يجهز سلاحه، ويجمع جيشه وأن يفكر في محاربتهم حتى يستطيع أن يتقدم إلى الأمام بقوة متماسكة ضد عدو مازال بعيدًا ” فأرسل رسلاً إلى بلعام بن بعور” (عد22: 5، 6)، وقال له سوف يكرمه إكرامًا عظيمًا ووعده بهدايا كثيرة.

ووضع كل أمله في مجئ بلعام وفي الكلمات التي سينطقها وفي اللعنات التي سيرسلها كالسهام. أنه يحاول أن ينتصر بكلام بلعام على الشعب الذي لم يتمكن الجيش الملوكي بأن يكون له الغلبة عليه.

ما الذي تقدمه هذه القصة؟ أنه لسلوك غريب؟ أين ومتى شوهد هذا؟ من هو الملك الذي أمام معركة أكيدة، ينسى الحرب ويتجاهل جيشه لكي يلجأ إلى خدمات عراف أو ساحر. لذلك يجب علينا أن نطلب من الله النعمة لكي لا نتبع أبدًا هنا خرافات يهودية، وأن نشرح هذا بمعنى موافق للعقل ولائق بالشريعة الإلهية.

قدرة الصيغ السحرية

          أولاً يجب أن نقر أنه في بعض الحالات تكون الصيغ أكثر فاعلية وقدرة من المادة، فما لا يستطيع أن يعمله جيش لأمم كثيرة جدًا، ما لا يستطيع أن يحصل عليه الجيش بالحديد وبالسلاح، يصل إليه بالصيغ، لا أقول بالصيغ المقدسة أو بكلام الله لكن ببعض مراسيم محفوظة عند الإنسان. لا أعرف كيف تدعى وهي مرتبة بحسب فن باطل.

سِمّها كما تريد. الواقع يوجد كما قلت نتائج يستطيع الإنسان أن يحصل عليها بالصيغ، هذه النتائج يستحيل على الإنسان أن يحصل عليها بالطبيعة بمجهودات جسدية مهما كانت كبيرة. فلنأخذ مثلاً. كان في مصر رقاة وسحرة، من هو الإنسان الذي يمكنه بواسطة القوة الجسدية وحدها أن يغير العصا إلى ثعبان؟ لكن الرقاة والسحرة المصريين غيروها. موسى غيرها أولاً لكن ملك مصر كان يعلم بأن هذا ممكن حدوثه بواسطة فن كلمة بشرية يستخدم الصيغ.

وقد اعتقد أن موسى هو أيضًا قد عمل هذه المعجزات بواسطة عملية سحرية وليس بواسطة القدرة الإلهية، واعتقد بأنه يتظاهر بأن ينسب للقدرة الإلهية عملاً كله بشري. فقد جمع حالاً رقاه وسحرة مصر. لقد حدثت مباراة بين الذي يعمل المعجزات بقدرة الله والذين يستعينون بالشياطين. القدرة المضادة تحول العصا إلى ثعبان مثلما فعلت قدرة الله.

لكن الثعابين التي عملت بقدرة الله ابتلعت وافترست كل الثعابين الخارجة من العصا بتحويل السحر. قدرة الشيطان لم تتمكن من إعادة الكائن الحسن الذي سبق أن حولته إلى كائن ردئ. أنها استطاعت أن تحول عصا إلى ثعبان. ولكن لم تستطع إعادة الثعبان إلى عصا. لهذا السبب فقد هلكت كلها بالعصا المحولة إلى ثعبان بقدرة الله. بعد ذلك أعيدت بقدرة الله إلى أصلها معترفة برب الكون.

الرقاة المصريون توصلوا أيضًا إلى تغيير الماء إلى دم. لكنهم لم يستطيعوا مرة أخرى أن يحولوا الدم إلى ماء. وبالعكس فإن قدرة الله غيرت إلى دم ليس الماء فحسب، لكن النهر كله، وبصلوات موسى أعادت المياه إلى حالتها الصافية الطبيعية. السحرة المصريون اخرجوا أيضًا البعوض. لكنهم لم يتمكنوا من طرده. موسى أخرج بعوضًا وأعاده إلى أصله لأن إلهنا يؤلّم ويجدد.

القدرة المضادة تستطيع أن تعمل الشر لكنها لا تستطيع أن تعيد الأشياء لحالتها الأولى. لقد بدأنا بعرض هذه المبادئ لكي نفهم أعمال بلعام أي كلماته. يوجد فعلاً أنواع مختلفة من السحرة تتفاوت قدرتهم. بلعام هذا كان مشهورًا في فنه السحري، وليس له مثال في سحره المؤذي ليس في فنه صيغ البركة بل صيغ اللعنة، حيث يدعو الشياطين ليلعن وليس ليبارك. لهذا السبب كان يعتبر عند كل أصحاب الشريعة ساحرًا قديرًا.

 فلو أن الملك لم يلاحظ فعلاً قبل ذلك بأن كثيرًا من الجيوش هُزمت بواسطة لعناته، لما كان يأمل بأن يصل باللعنات إلى نتيجة كان سيصل إليها بصعوبة بالحديد والسلاح. إنه على هذا اليقين وهذه الخبرة المتكررة كثيرًا، ترك بالاق كل الوسائل وطرق الحرب لكي يرسل رسلاً ليقول له “هوذا الشعب قد خرج من مصر هوذا قد غشى وجه الأرض وهو مقيم مقابلي” (عد 22: 5).

بالاق يريد أن يهزم إسرائيل بأسلحة روحية

لكن الملك كان في رأيي مندفعًا بسبب أكثر وجاهة وأنه قد عرف كما يبدو لي أن أبناء إسرائيل يحصلون عمومًا على النصر على أعدائهم بواسطة الصلاة وليس بواسطة الأسلحة، وبواسطة التضرعات أكثر من الحديد. إسرائيل لم يأخذ أبدًا أسلحة ضد فرعون لكن قيل له      “ الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون” (خر14:14).

في المعركة ضد العمالقة لم تكن أيضًا قوة الأسلحة فعالة مثلما كانت صلوات موسى “وكان إذا رفع موسى يده” (خر17: 11)، نحو الله كان عماليق ينهزم، لكن عندما كان يرخي يديه كانت الهزيمة تأتي لإسرائيل. بالاق ملك موآب قد سبق، بكل تأكيد أن سمع عن ذلك حيث إنه كُتِبَ “يسمع الشعوب فيرتعدون تأخذ الرعدة سكان فلسطين حينئذ يندهش أمراء أدوم، أقوياء موآب تأخذهم الرجفة يذوب جميع سكان كنعان” (خر 15: 14، 15). نرى إذًا أن الصوت قد وصل إليهم، كما تنبأ موسى من قبل في نشيده عند عبور البحر الأحمر.

ملك موآب إذًا قد تعلم أن الشعب ينتصر بالصلوات ويحارب خصومه بالفم، وليس بالسيف. إنه فكر في ذلك وقال في نفسه بما أن الأسلحة لا تستطيع أن تقاوم صلوات وتضرعات هذا الشعب، على أن أجد تضرعات وأسلحة شفاهية وصلوات يمكنها أن تتغلب عليهم. هذه كانت تأملات الملك، وسنبين بالبرهان من كلمات الكتاب المقدس التي شرحها لي معلم من أصل عبراني[1]، حصل على الإيمان، أنه مكتوب ” فقال موآب لشيوخ مديان: الآن يلحس الجمهور كل ما حولنا كما يلمس الثور خضرة الحقل” (عد22: 4).

وهذا المعلم من أصل عبراني، وكان يقول: لماذا هذه المقارنة لثور يلحس خضرة الحقل؟ بدون أي شك لأن الثور ينزع خضرة الحقل ويستخدم لسانه مثل منجل لكي يقطع كل ما يجده، كذلك الشعب مثل الثور يحارب بالفم وبالشفاه، أسلحته هي كلماته وصلواته. ولما علم الملك بذلك أرسل رسلاً إلى بلعام لكي يواجه الكلمات بكلمات والصلوات بصلوات.

السحر

          فلا نندهش إذا كان السحر يقدم حيلاً من هذا النوع، فوجوده ثابت في الكتاب المقدس ولو أن ممارسته كانت ممنوعة. الشياطين أيضًا موجودة لكن الكتاب المقدس يمنع أن نكرمهم وأن نلجأ إليهم. أنه يمنع أن نمارس السحر لأن عملاء السحرة هم الملائكة المعاندين، الأرواح الماكرة والشياطين النجسة. إن الأرواح المقدسة لا تطيع السحرة.

الساحر لا يستطيع أن يستعين بميخائيل وروفائيل، وجبرائيل، ولسبب أكثر قوة لا يستطيع أن يستعين بالله القدير، ولا بابنه ربنا يسوع المسيح، ولا بروحه القدوس. نحن فقط حصلنا على قدرة الاستعانة بالله الآب. نحن فقط حصلنا على قدرة الاستعانة بابنه الوحيد يسوع المسيح. لكن أقول أيضًا الذي حصل على قدرة الاستعانة بالمسيح لا يستطيع أن يعود مرة أخرى إلى الاستعانة بالشياطين، والذي له نصيب في الروح القدس لا يجب أبدًا أن يستدعي الأرواح النجسة. إذا قصد الأرواح النجسة فإن الروح القدس يهرب منه.

إن السحرة هم الذين يستعينون ببعلزبول. الشعب اليهودي كان يعلم هذا ولهذا السبب، وجه هذه النميمة، وهذا الكذب ضد سيدي يسوع: “ أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين” (لو11: 15؛ مر12: 24). المخلص يعلم أن بعلزبول هو حقًا رئيس الشياطين، أنه لم يتهمهم بالكذب على هذه النقطة، لكن أجابهم: “ فإن كنت أنا ببعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون؟” (لو11: 19؛ مر12: 27).

إذًا توجد شياطين شريرة والسحرة يستعينون بهم وهي تساعدهم على الشر وليس على الخير. إنهم مستعدون للضرر ولا يعرفون أن يعملوا الخير. إن هؤلاء الشياطين هم الذين بواسطة فن معين وبعض الصيغ دخلوا في نوع من العهد مع بلعام، وعلى هذا الأساس كان يبدو عظيمًا في أعين الآخرين.

          لهذا السبب أرسل الملك مسرعًا رسلاً نحوه وقال له ” فالآن تعال وألعن لي هذا الشعب لأنه أعظم مني لعله يمكننا أن نكسره فاطرده من الأرض؟” (عد22: 6). هذا الملك لا يبدو لي أنه كان له ثقة كاملة في قدرة بلعام، أنه كما اعتقد كان مرتعدًا من شهرة المعجزات التي حدثت لصالح شعب الله. لهذا السبب قال إن لعنات بلعام ربما تضرب البعض منهم، وتهزم الآخرين وتطردهم من أرضه.

السحر لا يقدر أن يعطي البركة

          إنه يضيف بعد ذلك: ” لأني عرفت أن الذي تباركه مبارك والذي تلعنه ملعون” (عد22: 6)، اعتقد أن الملك لا يعرف، أن كان كل الذين قد باركهم بلعام صاروا مباركين. يبدو لي أنه يقول هذا لكي يجامله ولكي يلاطفه أكثر لصالح مقاصده بتفخيم وتعظيم فنه. السحر لا يعرف أن يبارك لأن الشياطين لا تعرف أن تفعل الخير. إسحق ويعقوب يعرفان أن يباركا، وكل القديسين كذلك أما كل غير تقي فلا يعرف أن يبارك.

حلوان العرافة

          الرسل وصلوا أخيرًا عند بلعام: ” فانطلق شيوخ موآب وشيوخ مديان وحلوان العرافة في أيديهم” (عد22: 7). فن العرافة هذا ناشئ من براعة الإنسان، توجد أشياء يلقبها الكتاب المقدس بحلوان العرافة وتقاليد الوثنيين تدعوها مشاجب، مراحل أو يعطوها أسماء أخرى مشابهة: إنها كمكرسة لهذه الخدمة، يستعملها الوثنيون في العرافة.

الكتاب المقدس يذكر أن للأنبياء أداة تسمى “أفود” في اللغة الأصلية: أنه ملبس للذي يتنبأون لكن في الكتب الإلهية النبوة شئ، والعرافة شئ آخر. الكتاب المقدس يقول حقًا “ إنه ليس عيافة على يعقوب ولا عرافة على إسرائيل في الوقت يقال عن يعقوب وعن إسرائيل ما فعل الله” (عد23: 23). العرافة إذًا مرفوضة تمامًا، إنها تمارس كما قلنا بعمل ووساطة الشياطين.

حضور الله

          إذًا بلعام يأخذ حلوان العرافة، فمن العادة أن الشياطين تأتي إليه لكن بالعكس يرى أن الشياطين تهرب منه والله يحضر، لهذا السبب يقول إنه يسِأل الله حيث إنه لم يعد يرى بالمرة تلك الشياطين التي كانت عادة تطيعه. الله إذًا أتى بنفسه ليتقابل مع بلعام، ليس لأنه كان مستحقًا لزيارته، لكن لكي تهرب الأرواح التي كانت من عادتها أنت تحضر لكي تجلب اللعنة وأذى السحر.

الله فعلاً كان ساهرًا على شعبه منذ هذه اللحظة، فأتى الله إذًا قائلاً: ” من هم هؤلاء الرجال الذين عندك. فقال بلعام لله: بالاق بن صفور ملك موآب قد أرسل إلىَّ يقول هوذا الشعب الخارج من مصر قد غشى وجه الأرض تعال الآن ألعن لي إياه لعلي أقدر أن أحاربه وأطرده، فقال الله لبلعام لا تذهب معهم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك” (عد 22: 9ـ 12).

اعتراض

          7 ـ هنا يعرض سؤال من رتبة أعلى ولا أعرف إذا كان من الملائم أن نكشف عن غرض سر عميق هكذا، وأن نقدم لأناس لا يأتون لسماع كلمة الله إلا نادرًا، ويذهبون بعد ذلك بدون أن يعطوا أنفسهم فرصة أكبر للتأمل.

ولكن سنقول بعض الكلمات للذين يهتمون بذلك ولهم عطش للتعليم، الذين يستطيعون إدراك المعنى الروحي، يمكن عمل اعتراض مثل هذا: يستعين بلعام بالشياطين، إنه يلعن الشعب، أن تهلك الشياطين وتفسد بحسب قدرتها فليكن لكن هل الله لا يستطيع أن يحفظ الشعب من الشياطين ويبطل قوتهم الشريرة؟

          هل كان من الضروري إن يأتي هو بنفسه ويقابل بلعام ويمنع الشياطين التي اعتادت أن تقترب لكي تجرب شعبه وتسعى لكي تؤذيه؟

الحرية المتروكة من الله للشياطين، تعمل الخير

سنقدم هذا الجواب الجزئي على هذا الاعتراض ومع أنه لا يجب علينا أن نقول كل ما يتعلق به: الله لا يريد أن يقضى على جنس الشياطين قبل الوقت. الشياطين أنفسهم يعلمون بأن وقتهم محدود في هذا الدهر لهذا السبب كانوا يطلبون من السيد الرب “ أن لا يعذبهم قبل الوقت” (مت8: 29)، ” وبأن لا يرسلهم إلى الهاوية” (لو8: 31).

إنه لم يسحب من الشيطان لقبه أي رئيس هذا العالم. لأن عمله مازال ضروريًا لإصلاح الذين يجب أن يكللوا، لأنه مازال لازمًا للصراع الذي يعانيه الطوباويون وللنصرة التي يفوزون بها. أيضًا بالنسبة للشياطين الآخرين فهو لا يريد أن ينزع منهم دورهم في الخطة التي وضعها قبل مجئ الوقت، لذلك منذ البداية لم يسمح أن يستعين بلعام بهم، خوفًا من أنه بعد أن يستعين بهم يهلكون قبل الوقت ويبادون في المعركة التي سيقوم بها الله لصالح شعبه.

على أنه يمكن أن يحصل الشيطان من الله على إنسان ليجربه مثل أيوب ويكون له القدرة عليه إلى حد ما، أن يقول الله له مثلاً: ” هوذا كل ماله في يديك وإنما إليه لا تمد يدك” (أيوب2: 6). هذا شئ، ولكنه شئ آخر مختلف كل الاختلاف أن تكون نتيجة فعل أحد السحرة أن ينزع منهم بالتضرعات أعمالهم الشريرة بدون أي قيد.

          وفي هذه الحالة الأخيرة لو كانت الحرية متروكة لهم لكانوا أبادوا شعب الله. وبالعكس لو رفعت منهم حرية التصرف لكان هذا قضاء على خليقة عاقلة، وتقديم وقت الدينونة، ويكون هناك إضرار بالذين كان في استطاعتهم أن يحصلوا على الإكليل بصراعهم ضدهم. فلو كان الشياطين محرومين من حرية التصرف، لما كان هناك أعداء لإبطال المسيح، وبدون أعداء لا تكون هناك أية معركة، وبدون معركة لا تكون هناك أية مكافئة، ولا نصرة.

الله يعمل إذًا بطريقة خاصة حتى أن الشعب الذي مازال عديم الخبرة[2] والذي خرج لتوه من عبادة الشياطين، لا يقع في حبائلهم. الله يسمح أن تحصل تضرعات الساحر على جواب وأن لا يحرم جنس الشياطين من حرية الإرادة. لهذا السبب الله يتقدم أولاً ويمنع بلعام من أن يذهب إلى الموضع ومن أن يستدعي الشياطين للنطق بلعناته، لو أنه كان قد ترك لرغبته.

ولكن بما أنه أصر على حبه للمال، فإن الله يحترم حريته ويرجع عن قراره ويتركه يذهب. ولكنه يضع كلامه في فم الساحر، ويمنع أن تلفظ لعنات الشياطين، لتحل محلها البركات ويعمل أن يلفظ بلعام، بدلاً من اللعنات، بركات ونبوات تستطيع أن تبني روحيًا، ليس فقط إسرائيل، بل أيضًا كل الأمم.

بلعام سلف للمجوس

          فالواقع إذا أدخلت نبوات بلعام بواسطة موسى في الكتب المقدسة ولسبب أكثر قوة جمعها سكان Mesopotamie (بلاد ما بين النهرين)، حيث كان لبلعام شهرة كبيرة وكانوا معروفين كتلاميذه في السحر.

          وإليه ترجع التقاليد في بلاد الشرق أصل المجوس الذين كانت عندهم نص جميع نبوات بلعام ومن ضمنها “ يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل” (عد 24: 17). كان لدي المجوس هذا النص، لذلك عندما ولد يسوع، عرفوا النجم وفهموا بأن النبوة قد تحققت، فهم أفضل من الشعب الإسرائيلي الذي أهمل الاستماع إلى كلمات الأنبياء والقديسين[3].

وهم أدركوا بحسب المخطوطات الوحيدة التي تركها بلعام أن الوقت قد أتى، فأسرعوا يبحثون عنه ليسجدوا له ويظهروا عظم إيمانهم بإكرامهم الطفل الصغير كملك.

بقية القصة

لكن لنرجع إلى موضوعنا بلعام يزعج الله وينتزع منه تصريحًا بأن يذهب ليلعن أبناء إسرائيل وبأن يستعين بالشياطين، وهو الذي سبق أن جاء إليه الله، وهو راكب على أتانه، وأمامه يحضر الملاك الحارس لإسرائيل الذي قال عنه السيد الرب لموسى “هوذا ملاكي يسير أمامك” (خر32: 34)، أنه يطلب أن يمر فيسمح له. وتسئ أتانه معاملته في الطريق لكن الساحر يرى الشياطين ولا يرى الملاك:     “ فأبصرت الأتان ملاك الرب” (عد 22: 23).

          هي لم تكن مستحقة أن تراه ولم تكن مستحقة أن تتكلم لكن كان يجب أن يخذل بلعام، مثلما قيل في بعض أجزاء الكتاب المقدس أن “حمار أعجم، ناطقًا بصوت إنسان، مشتكيًا من حماقة النبي” (2بط 2: 16).

الأتان رمز الكنيسة

          بعد أن تكلمنا كثيرًا في القصة ننتهي ببعض الاختصارات من التعليم على المعنى الرمزي. إذا رأينا أن قدرة العدو هي التي تحارب شعب الله، نفهم من هو الجالس على الأتان. إذا اعتبرنا كيف أن الإنسان يجتذب بواسطة الشياطين، نفهم من هو الأتان. ونفهم كذلك من الإنجيل أن المسيح أرسل تلميذيه قائلاً “تجدان أتانًا مربوطًا وجحشًا معها فحلاهما وإتياني بهما حتى أركب على ظهره” (مت21: 2؛ مز11: 2).

هذه الأتان بمعنى الكنيسة، كانت حاملة أولاً بلعام والآن تحمل المسيح وأنها حُلتّ بواسطة التلاميذ وحررت من الرباطات التي كانت مربوطة بها لأجل ابن الله الذي صعد عليها، والذي دخل معها في ” المدينة المقدسة أورشليم السماوية” (عد12: 22)، وأنه قد تمم ما هو مكتوب في الكتاب المقدس الذي يقول:

ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل منصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان” (زكريا9: 9)، الدابة تعني أتان. هي ترمز بدون أي شك إلى المؤمنين آنذاك أي اليهود، والأتان الجديد هم الذين ” آمنوا من الأمم ويعترفون بالمسيح” (أع21: 25)، يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

[1] يشير أوريجينوس كثيرًا إلى هذا المعلم العبراني ورغم أننا لا نعرف كثيرًا عن هذا المعلم إلا أننا نستفيد أن معلمي الكنيسة كانوا بدورهم يسعون وراء المعرفة ويحصلون عليها من المتخصصين فيها.

[2] نجد هنا نقطة هامة أسسها إيرينيوس وأستعملها دائمًا آباء الإسكندرية وهي أن الله يتبع طريقة تربوية تدريجية في تعليم الشعب.

[3] نلاحظ أن أوريجينوس لا يتردد عند اللزوم في مدح الوثنيين لكونهم أدركوا أمرًا إليهًا ولو جزئيًا. وهذه خاصية من خصائص لاهوت الآباء.

الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الجزء الأول: البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

أربع مراحل من بدء البئر:

المرحلة الأولى العطايا

3 ـ بعد ذلك يقول الكتاب المقدس “من البئر إلى متانة، ومن متانة إلى نحليئيل ومن نحليئيل إلى باموت، ومن باموت إلى الجواء التي في صحراء موآب عند رأس الفسجة التي تشرف على وجه البرية” (عد 21: 18ـ 20). هذه الأسماء تبدو أسماء أماكن، لكن إذا اعتبرنا المعنى الذي تقدمه في اللغة الأصلية، نجد أنها مجموعة من الحقائق السرية أكثر من كونها أسماء أماكن[1].

“رحلوا من البئر ووصلوا حتى متانة” (متانة تعنى عطاياهم) بمعنى إذا شرب أحد من البئر “المحفور من الملوك والرؤساء” فهو يكسب من ذلك امتلاك عطايا يمكن أن يقدمها لله؟ أما ما يمكن للإنسان أن يقدمه لله فهو كما كتب في الشريعة “عطايا وتقدمات”.

إنه إذًا من الحسنات المعطاة من الله أن يقدم الإنسان قرابيننا لله. وما هي العطية التي أعطاها الله للإنسان؟ هي معرفة نفسه. وما هي التقدمة التي يقدمها الإنسان لله؟ هي إيمانه وحبه. هذا ما يطلبه الله من الإنسان، لأنه مكتوب ” فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتقي الرب إلهك. لتسلك في كل طرقه، وتحبه، وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك” (تث10: 12). هذه هي التقدمات، هذه هي العطايا التي يجب أن نقدمها للسيد الرب. أي نحن نقدم له هذه العطايا من قلوبنا بعد أن نكون قد عرفناه، وبعد أن نكون قد شربنا معرفة صلاحه من أعماق بئره.

حرية البشر وبر الله

          لاحظ إذًا كيف يقول موسى النبي ” فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك؟” (تث10: 12). فليخجل من هذا الكلام، الذين يدّعون أن خلاص الإنسان لا يتعلق به. كيف يمكن لله أن يطلب من الإنسان إن لم يكن في مقدرة الإنسان أن يعطي ما يطلبه الله منه، والذي عليه أن يقدمه له؟ يوجد إذًا نصيب الله ونصيب الإنسان. فمثلاً كان في مقدرة الإنسان أن يربح عشر وزنات أو خمس وزنات من وزنة واحدة. لكن الله وحده يمكن أن يعطيه وزنة واحدة وفي استطاعة الإنسان أن يرد له عشرة وزنات. 

          ولكن مرة أخرى عندما قدم العشر وزنات أخذ من الله ليس المال ولكن القدرة والملك (السلطان)، على عشر مدن. طلب الله من إبراهيم أن يقدم له أبنه أسحق ” على الجبل الذي يختاره الله له” (عب 11: 17)، فقدم إبراهيم ابنه الوحيد بدون تردد، ووضعه على المذبح وأخذ السكين ليذبح أبنه ولكنه أوقفه في الحال وًاعطِىَ كبشًا من الرب لكي يقدمه كضحية بدلاً من ابنه. أنت ترى إذًا ما نقدمه لله يبقى لنا، لكن ما يطلب منا هو لكي يختبر حبنا نحو الله وإيماننا به وفيما يخص أبناء إسرائيل سبق أن قلنا ” رحلوا من البئر ووصلوا إلى متان” (عد21: 19)، التي تعني عطاياهم.

المرحلة الثانية: عطايا الروح القدس

من متان نصل إلى “نحليئيل” التي تعني “من الله”. ما هو الذي من الله؟ بعد أن نقدم له إيماننا وحبنا فهو يعطينا مختلف عطايا الروح القدس كما يقول الرسول ” الذي منه جميع الأشياء” (1كو8: 6).

المرحلة الثالثة: موت عن العالم

          من نحليئيل نصل إلى “باموت” التي تعني مجئ الموت أي موت، أن لم يكن من النوع الذي به “نموت مع المسيح” لكي “نحيا معه” وبواسطته. يجب علينا أن ” نميت أعضائنا التي على الأرض” (كو3: 5)، وقد قيل أيضًا “ لقد دفنا معه بالمعمودية للموت” (رو6: 4). فإذًا دعنا نتابع المراحل لهذه الرحلة نحو الخلاص، فيجب أن نمر بكل هذه المحطات التي ذكرناها، ونصل بعد كثير من الجهد لهذا المكان الذي يعني “مجئ الموت”.

وحسب تعليم الكتب المقدسة يوجد بالفعل موت عدو وموت صديق، لنرى ما هو من المسيح. هنا إذًا ليس مسألة موت العدو، لكن الموت الذي قيل: ” آخر عدو يبطل هو الموت“، بمعنى الشيطان. ولكن ما هو هذا الموت الذي بواسطته نموت معه، لكي نحيا أيضًا معه، ما هو هذا الموت الذي يقول عنه الله ” أنا أميت وأحيي” (تث32: 39). أنه يميت حقًا لكي “نحيا مع المسيح”. ويحيي لكي “نحيا معه”. إذًا يجب علينا أن نشتهي أن نصل إلى الموت، وأن نشتهي بأقصى سرعة حلول هذا الموت السعيد حتى نستحق أن نحيا مع المسيح.

المرحلة الرابعة: فردوس وكمال

          ومن “باموت” يقول الكتاب المقدس ” إلى الجواء التي في صحراء موآب عند رأس الفسجة التي تشرف على وجه البرية“. بذلك نكون قد أكملنا هذه المرحلة، التي بحسب شرحنا تصف تقدم النفس أكثر من وصفها أسماء أماكن. بعد كل هذه المراحل نصل إلى الغابة، أو بتعبير آخر إلى جواء التي تعني مطلع أو قمة الجبل. وبمرورنا بهذه المراحل نصل إذًا إلى الغابات الشاسعة الإلهية:

الجنة، وإلى الإقامة الأولى الجميلة، أو على الأقل إلى قمة الكمال، وإلى فيض البهجة، بحيث يستطيع المؤمن أن يقول ” وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع” (أف2: 6). أرأيت أين نصل اعتبارًا من بدء البئر؟ أرأيت ما هي المراحل أو بالأحرى ما هو تقدم النفس ورحلتها نحو السماء التي قد أُعدْت من قبل إذًا تستطيع بفحص نفسك وتقدمك اليومي أن تعرف أين أنت، وقربك من ملكوت السموات، كما قال السيد المسيح “ لست بعيدًا عن ملكوت الله” (مر12: 34).

سيحون

          4 ـ قصة أخرى تلي القصة السابقة. وأرسل موسى أو بالأحرى “أرسل إسرائيل رسلاً إلى سيحون ملك الأموريين قائلاً دعني أمر في أرضك لا نميل إلى حقل ولا إلى كرم ولا نشرب ماء بئر. في طريق الملك نمشي حتى نتجاوز تخومك فلم يسمح سيحون لإسرائيل بالمرور في تخومه بل جمع سيحون جميع قومه وخرج للقاء إسرائيل إلى البرية فأتي إلى هايص وحارب إسرائيل فضربه إسرائيل بحد السيف وملك أرضه” (عد 21: 21ـ 24).

سيحون هو الشيطان

          القصة واضحة، لكن فلنصل للرب حتى يرينا بعض الأشياء التي تكون مناسبة لمعاني داخلية. سيحون له معنيان: شجرة عقيمة أو متكبرة. أرسل إسرائيل إذًا رسلاً إلى سيحون، إلى هذه الشجرة العقيمة، هذه الشجرة المتشامخة والمتكبرة. أما سيحون هذا فهو ملك الأموريين بمعنى مرشدًا إلى المرارة، أو متحدثًا.

موسى أرسل رسلاً إلى سيحون قائلاً دعني أمر في أرضك“، نحن قلنا حسب التفسير الروحي أن الملك سيحون يمثل الشيطان لأنه متكبر وعقيم. اعتقد أننا لا يجب أن نندهش إذا دعوته ملك حيث إن سيدنا ومخلصنا قال عنه في الإنجيل “ رئيس هذا العالم يأتي وليست له في شئ” (يو14: 30)، وأيضًا ” الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا” (يو12: 31). إذا كان قد دعي رئيسًا لهذا العالم كله في الأناجيل فهل من غير المناسب أن نقارنه بسيحون ملك الأموريين أو بأي ملك من الأمم الأخرى.

هو قد دعى رئيسًا لهذا العالم ليس لأنه قد خلق العالم، بل لأن الخطاة كثيرون في العالم. وبما أنه رئيس الخطاة فقد دعى رئيس العالم أي رئيس الذين لم يتركوا بعد العالم لكي يتجهوا إلى الآب. بنفس المعنى قد قيل إن “ العالم كله قد وضع في الشرير” (1يو5: 19).

ماذا يفيدنا أن نقول إن المسيح هو رئيسنا إذا كنا مقتنعين بأفعالنا وأعمالنا ونحن تحت سلطة الشيطان؟ هل لا نعرف بوضوح إلى أي رئيس ينتمي الفاجر، الفاسق، الظالم؟ رجل من هذا النوع هل يستطيع أن يقول أنه وُضِعَ تحت سلطان المسيح، ولو كان في الظاهر قد أحصى تحت اسم المسيح؟ حيث إن المسيح رئيسنا، لا يرتكب أبدًا لا النجاسة ولا البغى، ولا يوجد فيه مكان أبدًا لشهوة الظلم. وفي هذا المعنى. أنه يجدر بنا أن نقول إن المسيح هو رئيس الفضائل، والشيطان رئيس الشر وكل ظلم.

كبرياء الشيطان

          إذًا ” أرسل إسرائيل رسلاً إلى ملك الأموريين، ملك من الذين يقودون إلى المرارة. ملك عقيم، ملك متكبر. كيف نعرف الكبرياء، كبرياء الشيطان؟ أنه هو الذي قال “بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائرهم وحطمت الملوك كبطل فأصابت يدي ثروة الشعوب كعش” (إش10: 13، 14).

أنه يقول أيضًا هذا الروح المتكبر والمتشامخ “ اصعد إلى السموات أرفع كرسي فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال أصعد فوق مرتفعات السحاب أصير مثل العلي” (إش14: 13، 14)، هل مازلت تسأل هل هو متشامخ ومتكبر؟ نعم هو متشامخ ومتكبر.

          إنه كذلك والذي كتب عنه ” لا يخدعنكم أحد على طريقة ما لأنه لا يأتي إن لم يأت الارتداء أولاً ويستعلن إنسان الخطية ابن الهلاك المقاوم والمرتفع على كل ما يدعي إلهًا أو معبودًا حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه أنه إله” (2تس2: 3، 4). إذًا كل كائن متكبر متشامخ هو ابن لهذا الروح المتكبر، أو تلميذه ومقتدي به، لهذا السبب قال الرسول عن بعض الناس “ لئلا يتكبر فيسقط في دينونة إبليس” (تي3: 6)، مبينًا من هنا أن كل كبرياء ستحاكم بدينونة مماثلة للدينونة التي سيحاكم بها إبليس.

جحد الشيطان

          إذًا نحن الذين نريد أن نمر خلال هذا العالم لنصل إلى الأرض المقدسة إلى الأرض الموعود بها للقديسين، ونحن ” أرسلنا بكلمات سلام لسيحون” مع وعد بأننا ” لا نمكث في أرضك وبأننا لا نتأخر معه” (عد21: 21)، بأننا في طريق الملك نمشي حتى نتجاوز تخومك بدون أن نميل إلى حقل، ولا إلى كرم ولا نشرب ماء بئر. فلنتأمل متى أعطينا هذه الوعود، هذا العهد للشيطان؟ على كل مؤمن أن يتذكر عندما تقدم لمياه المعمودية[2]، عندما أخذ أول ختم الإيمان وجاء إلى مصدر الخلاص فليتذكر الكلمات التي نطق بها حينئذ، يتذكر جحد الشيطان إنه وعد ألا يستعمل فخاخه، ولا أعماله، ولا يخضع أبدًا لعبوديته ولا لإغراءاته.

وهذا ما يقدمه لنا “ظل” كلمات الشريعة، “ إسـرائيل لا يميل إلى أي حقل ولا إلى كرم” (عد21: 22). إنه وعد أيضًا بأنه لن يشرب من ماء أي بئر، المؤمن لا يأخذ أي نقطة من علم الشيطان، من علم الفلك من السحر، من أي معلومات مضادة للتقوى نحو الله، لأنه له ينابيعه الخاصة، أنه يشرب من ينابيع إسرائيل، أنه يشرب من ينابيع الخلاص، أنه لا يشرب من بئر سيحون “ ولا يترك ينبوع الحياة” (إر2: 13)، لينقر في الآبار المشققة، لكنه يعلن أنه يتبع طريق الملك.

ما هو طريق الملك؟ بكل تأكيد طريق الذي قال ” أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو14: 6). أنه طريق ملوكي حيث قال النبي عنه “ اللهم أعط أحكامك للملك” (مز 72: 1). يجب إذًا أن نتبع طريق الملك بدون أن نميل إلى أي جانب ولا إلى أي حقل ولا إلى كرم، بمعنى أن إدراك المؤمنين لا يجب أن يميل نحو الأعمال أو نحو الأفكار الشيطانية.

عبور العالم في سلام:

          كيف إذًا نريد أن نعبر أرض مملكة الأموريين بسلام؟ نستطيع أن نقبل سلام الأموريين غير المؤمنين الذين في العالم. لكن اسمهم يعني كما سبق أن قلنا، مرشدًا إلى المرارة أو متحدثين يقودون الكفار وغير المؤمنين إلى المرارة؟ ليس من الصعوبة شرح ذلك. بالنسبة للذين يتحدثون نستطيع أن نفهمه كما يلي:

إن كل الكفار والذين هم تحت سلطان إبليس لا يعرفون إلا أن يتحدثوا، لكنهم يتحدثون بلا شئ ويشهد عليهم كتابهم، وهم المنجمون وبعض الفلاسفة أيضًا الذين لا ينطقون إلا بكلمات باطلة وفارغة. على العكس ذلك ” ملكوت المؤمنين الذي من الله ليس بكلام بل بقوة” (انظر 1كو 4: 20).

الاضطهاد:

          نحن نريد أن نعبر العالم في سلام، لكن هذا يغضب رئيس هذا العالم، فهو عندما يسمعنا نعلن أننا لا نريد أن نمكث معه، وعندما يعرف أننا لا نريد أن نتأخر ولا أن نلمس أي شئ من الأشياء التي يملكها، كل هذا يزيد كراهيته وكبرياؤه، وغضبه فيسلط علينا الاضطهادات ويضاعف من الأخطار ويكثر من الآلام.

لهذا السبب قال الكتاب المقدس ” جمع سيحون جميع قومه وخرج للقاء إسرائيل” (عد21: 23). ها هم كل هؤلاء القوم الذين مع سيحون، يجتمعون ضد إسرائيل؟ إنهم رؤساء وحكام هذا العالم، كل عبيد الشر الذين يهاجمون بلا انقطاع شعب الله ويضطهدونه[3].

إتمام الوصايا:

          ماذا يفعل إسرائيل؟ “إنه يأتي” يقول الكتاب المقدس إلى “ياهص”، وياهص تعني “إتمام الوصايا”، فإذًا نحن نأتي أيضًا إلى هذا المكان، بمعنى إلى إتمام الوصايا، متى تقدم ضدنا الشيطان المتكبر والمتشامخ مع جميع جيش سيحون، ومهما شرع في القتال ضدنا وحرض ضدنا كل أبالسته، سيكون لنا النصرة عليه، إن أتممنا وصايا الله، حيث إن إتمام الوصايا يعني أن يكون لنا النصرة على إبليس وكل جنوده وحينئذ يتم لأجلنا الكلام الذي قاله الرسول “وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا” (رو16: 20)، وكلام السيد الرب “ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ” (لو10: 19).

كل ذلك لا يمكنه فعلاً أن يؤذينا “إذا أتينا إلى ياهص” (1بط 4: 11)، بمعنى إذا حفظنا وصايا وتعاليم سيدنا يسوع المسيح الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

[1] هكذا نستطيع أن نلخصها: (أ) البئر: معرفة المسيح والكتاب المقدس، أول سكب من الروح القدس. (ب) متانة: هو الإنسان الذي يقدم إيمانه لله. (ج) نحلئيل: الله يعطي للإنسان عطايا الروح القدس. (د) باموت: موت العالم.

[2] الجحد العلني للشيطان ولكل أعماله قبل المعمودية يعتبر من الطقوس القديمة في الكنيسة  ولا يزال يمارس حتى اليوم في المعمودية.

[3] عبيد الشر هم القضاة والبوليس الإمبراطوري الذين يخدمون آلهة مزيفة ويضطهدون المؤمنين بدون أي سند قانوني وكذلك الشياطين الموجودون في الأوثان وعبادتها.

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني: البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

البئر ـ سيحون

البئر ـ افتقار الحرف

          قد قرئ على مسامعنا في سفر العدد دروس البئر والنشيد الذي رنمه إسرائيل حول البئر. وكالعادة نرى فيها أسرارًا. فإنه يفيض أكثر من ذي قبل “ومن هناك إلى بئر وهي البئر حيث قال الرب لموسى اجمع الشعب فأعطهم ماء” (عد21: 16)، في هذا النص القصة بالمعنى الحرفي لا تبدو أنها تقدم قيمة كبيرة.

ما هذا؟ السيد الرب يصّر بأن موسى يجمع الشعب ويعطيه ليشرب من ماء البئر، هل الشعب لم يكن ليأتي من نفسه للبئر لكي يشرب منه؟ لماذا إذًا الإصرار على النبي حتى بواسطة غيرته وبواسطة جهده الشخصي يجمع الشعب ويجعله يشرب من البئر؟

الآبار في الكتاب المقدس
الكلمة الإلهية ـ المعنى الروحي

          فقر المعنى الحرفي يدعونا أن نبحث في اتساع المعنى الروحي. وأن نلتقط ما جاء في أجزاء من الكتاب المقدس عن أسرار الآبار، حتى ينكشف بالمقارنات العديدة معنى النص الحاضر. يقول روح الله بصوت سليمان في سفر الأمثال ” أشرب مياهًا أوانيك ومياها جارية من بئرك، لا تفض ينابيعك إلى الخارج سواقي مياه في الشوارع” (أم 5: 15، 16)، بمعنى أن مياهك لك وحدك وأن لا أحد آخر له نصيب فيها.

          كل واحد منا، بحسب الرمز، له في نفسه بئر، بل يقول إن كل واحد منا له في داخله ليس بئر واحد بل أكثر من بئر، ليس إناء ماء واحد، لكن أواني كثيرة، لأن الكتاب المقدس لم يقل اشرب مياهًا من إنائك لكن “من أوانيك”. لم يقل من مصدر بئرك لكن قال “من مصدر أبارك” أيضًا لقد سبق أن قرأنا إن الآباء كان لهم آبار، إبراهيم كان له آبار. أسحق أيضًا ويعقوب كان لديهم آبار.

ارحل من هذه الآبار تصفح كل الكتاب المقدس في البحث عن الآبار وتوصل إلى الأناجيل، ستجد أن البئر الذي استراح مخلصنا عن نهايته عندما تنتهي الرحلة، وترى المرأة السامرية التي أرادت أن تملأ الدلو من هذا البئر، وكيف يشرح عن فضائل البئر أو الآبار ويعمل مقارنة بين مختلف المياه، ويظهر لها أسرار السر الإلهي عندما قال لها “ إذا شرب أحد من المياه المعطاة من الآبار الأرضية سيعطش أيضًا أما الذي يشرب من الماء الذي يعطيه يسوع يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (انظر يو4: 6).

          لماذا إذًا في نص آخر من الإنجيل، لا يتعلق بالينابيع ولا بالآبار لكن ببعض الأشياء الأكبر أهمية كما جاء في الكتاب “مَنْ آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي” (يو7: 38)؟ ترى إذًا أن من آمن به يملك لنفسه أكثر من بئر، آبارًا وأكثر من ينبوع، أنهار، ينابيع وأنهار لا تفيد هذه الحياة البائدة، لكن تظل للأبدية. مما سبق ومما جاء عن موضوع الآبار والينابيع، يجب أن نفهم أنها تتعلق بكلمة الله، آبار حيث تخفي أسرار عميقة، ينابيع: وهي التي تفيض على الشعوب وترويهم.

آبار وينبوع:

الثالوث والوحدة

          لكن يجب أن نبحث باهتمام كيف نستطيع أن نشرح أن الآبار مكتوبة بصيغة الجمع، والينبوع بصيغة المفرد، حيث الحكمة تقول في سفر الأمثال “أشرب مياهًا جارية من آبارك” من أي بئر؟ يقول لنا أنه ليس لديه إلا ينبوع واحد.

في رأيي أن معرفة الآب غير المولود يمكن أن تكون مثل البئر ـ ومعرفة ابنه الوحيد يجب أن تكون بئرًا آخر، حيث إن الآب هو مميز عن الابن، والابن ليس هو الآب كما يقول في الأناجيل ” الذي يشهد لي هو آخر” (يو8: 18)، أي الآب فإنه يبدو لي أننا نستطيع أن نرى أيضًا بئرًا آخر في معرفة الروح القدس، حيث إنه مميز عن الآب والابن كما يؤكد الإنجيل الآب سيرسل لكم معزيًا آخر… روح الحق” (يو14: 16ـ17).

إنه إذًا التمييز لثلاثة الأقانيم في الآب والابن والروح القدس هو الذي يشرح صيغة الجمع في الآبار. لكن من هذه الآبار يوجد ينبوع واحد، حيث الوحدانية هي الجوهر، وطبيعة الثالوث. وأيضًا هل لا نجد التمييز الموضح في الكتاب المقدس ” من ينبوع آبائك” (أم5: 15)، أنه قد استعمل بكل دقة الاصطلاحات الرمزية وتكلم بالجمع عن الأشخاص، وبالتالي يتناسب المفرد مع الجوهر.

الآبار والمعرفة

          نستطيع أيضًا أن نرى الآبار في الأشياء كما في الحديث عن المعرفة التي بها يمتلئ الإنسان من حكمة الله، قائلاً: “ إنه هو الذي أعطاني المعرفة الحقيقية للكائنات التي عرفتني يقينًا تكوين العالم، وقوات العناصر، بداية ونهاية ووسط العصور، تغير الأزمنة وتحولها، دورات السنين وأوضاع الكواكب، وطبائع الحيوان، وغرائز الوحوش وقوة الأرواح وأفكار الناس وأنواع النبات، وقوة الجذور” (حكمة سليمان 7: 17ـ20).

هل ترى كيف تنفتح الآبار في معرفة الطبيعة؟ إن علم النباتات مثلاً هو بئر وربما تكون لطبيعة كل نبات بئر خاص بها. ويوجد بئر آخر وهو علم الحيوانات، وربما لكل نوع منها بئر خاص. كما أن نظام الأزمان وثوراته وتغيراته بئر آخر. إن العلم في كل هذه الأشياء عميق، لهذا السبب يمكن أن يسمى بئرًا بالمعنى المجازي “مادام سر المسيح ظل مكتومًا منذ الدهور ومنذ الأجيال” (كو1: 26).

المعرفة بهذه الأشياء يمكن أن تحمل اسم الآبار، لكن عندما نقرأ كلمة القديس بولس ” الله قد أعلنه للمؤمنين بروحه” (1كو2: 10)، فكل هذا يصبح ينابيع وأنهار: العلم لم يحتفظ بسريته لكن قدم للجموع على أنه يروي المؤمنين ويشبع ظمأهم.

هذا هو السبب في كلام المخلص لتلاميذه “من يؤمن بى”  ويشرب من ماء تعليمه فإنه سوف لا يكون له بئر وينبوع فقط، بل ستكون     ” أنهار ماء حي” (يو7: 38)، التي “تولد فيه” أيضًا من البئر الوحيد الذي هو كلام الله، تولد آبار وينابيع وأنهار لا تحصى. كذلك نفس الإنسان التي خلقت على صورة الله تستطيع أن يكون لها داخلها آبارًا وينابيع بل وتنتجها أيضًا.

حافرو الآبار

في الحقيقة تحتاج آبار نفوسنا إلى بيار لحفرها ينظفها وينزع منها كل ما هو أرضي، حتى تعطي الأفكار الحكيمة التي خبأها الله لكي تعطي شبكات من الماء النقي الخالص. ومادامت الأرض تغطي الماء وتخفي المجرى الخفي، فالماء النقي لا يمكن أن يجري. لهذا السبب قد كتب “وجميع الآبار التي حفرها عبيد أبيه في أيام إبراهيم أبيه، ردمها الفلسطينيون وملئوها ترابًا” (تك26: 15)، لكن إسحق الذي أخذ البركة من أبيه “حفر الآبار مرة أخرى ونبش آبار الماء” التي طمها الفلسطينيون في كراهيتهم وكانوا يلقون التراب فوق الماء.

ولقد لاحظنا أيضًا في سفر التكوين حيث يوجد هذا النص الذي قد استخرج منه، أنه في أثناء حياة إبراهيم لم يجرؤ الفلسطينيون أن يردموا الآبار ولا أن يرموا فيها التراب، وبعد موته رفعوا رؤوسهم وتعدوا على آباره. ولكن إسحق بعد ذلك أصلحها وعادت إلى طبيعتها.

الزوجات حول الآبار: الفضائل

          من جهة أخرى في أثناء رحلة إسحق لكي يتزوج فقد وجد خادم إبراهيم رفقة التي أسمها يعني “الصبر” عند البئر، وأنه ليس في جهة أخرى بل عند البئر وجدت امرأة أسحق. وعندما جاء يعقوب إلى بلاد ما بين النهرين (بني المشرق) لكي يطيع الأمر الأبوي بأن لا يأخذ امرأة من خارج شعبه أو من خارج دمه فعند الآبار أيضًا وجد راحيل.

وكذلك موسى وجد صفورة. إذًا عند الآبار قد فهمت ما هي الزيجات المقدسة. إذا كنت أنت أيضًا تريد أن تتزوج الصبر والحكمة والفضائل الأخرى التي تمثلها، وتقول ما قالته الحكمة “لقد بحثت عنه جيدًا لكي أتزوجه” حاصر هذه الآبار بلا انقطاع وستجد هناك زوجة مثلها، حيث إنه بجانب المياه الحية أي بجانب مجاري الكلام الحي، هناك تسكن كل الفضائل بكل تأكيد.

يسوع المسيح البئر الأوحد

إذًا يوجد كثير من هذه الآبار التي سبق أن قلنا عنها في داخل النفس. سنكتشف أيضًا كثيرًا من الآبار الأخرى في كل خطوة نخطوها في قراءة أو في تفسير الكتاب المقدس. لكن هناك بئر يفوق كل الآبار الأخرى، بئر عجيب، البئر الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس في هذا النص: والحفارون الذين حفروه لم يكونوا رجالاً عاديين لكن “رؤساء” وأيضًا شرفاء الشعب الذين يدعون “ملوك”. لهذا السبب “غنى نشيدًا لله” عند هذا البئر.

ولهذا السبب قد كتب “ ومن هناك إلى هذا البئر وهي البئر التي قال الرب لموسى اجمع الشعب فأعطيهم ماء” (عد21: 16)، موسى أمر بأن يجمع الشعب حتى يجتمعوا حول البئر ويشربوا الماء. في موسى يجب أن نرى الشريعة وقد سبق أن أوضحناها في كثير من المرات. إنها إذًا شريعة الله التي تدعوك لتأتي إلى البئر. إلى أي بئر؟ أن لم يكن إلى ذلك الذي سبق أن قلنا عنه أي يسوع المسيح ابن الله القائم في جوهره الذاتي، والذي هو مع الآب في اللاهوت الواحد. والشريعة تدعونا إذًا لهذا البئر أي للإيمان بالمسيح.

لقد قال هو نفسه “موسى كتب عني” لأي هدف يجمعنا؟ لكي نشرب الماء ولكي نرنم له نشيدًا بمعنى أن القلب يؤمن به للبر وفمنا يعترف به للخلاص (رو10:10).

البئر والبكر

 2 ـ ” يقول الكتاب المقدس ترنم له نشيد البئر” هذا هو المعنى. ضع البئر في بداية كل شئ، حيث يقول الرسول ” إنه الأصل وهو بكر كل الخليقة” (كو1: 15، 16). نستطيع أيضًا أن نفهم هذا بمعنى آخر فمن المفروض أن هذه الكلمات موجهة من موسى للشعب فهو يشجع الشعب ويقول له أعط البداية لقلبك أي بأن تبدأ في فهم ما هو هذا البئر حيث يجب أن نغترف الماء الروحي، وحيث يجب أن يصلح الشعب المؤمن. “رنم إذًا له” بمعنى أن لإسرائيل “نشيد البئر” حتى أن كل إنسان يرى الله في قلبه يستطيع أن يغترف المعنى الرمزي “السري”.

يجب أن نمر بواسطة موسى

فإذا دعا موسى بمعنى أن الشريعة تدعو، لتجمعنا لهذا البئر، أنه ليس كلامًا باطلاً فأنه يستطيع أي منا أن يدعو للمجئ لهذا البئر، لكن إن لم يكن قد استدعي لهذا البئر بواسطة موسى فسوف لا يكون مقبولاً من الله. ماركيون يعتقد أنه قد جاء لهذا البئر، وباسيليدس وفالنتيوس، لكن لأنهم لم يحصلوا على الشريعة والأنبياء فإنهم لا يستطيعون أن يمدحوا السيد الرب لأجل ينابيع إسرائيل. مثل هؤلاء الأشخاص لا يأتون للبئر التي “قد حفرها رؤساء وحفرها شرفاء”.

آبار الهراطقة

          هل تريدون أن تروا من الكتاب المقدس إلى أي بئر يأتون؟ أنه “وادي من الملح”، حيث تبدأ ” آبار حمر كثيرة” (تك14: 10). كل هرطقة وكل خطية، تكون في وادي من الملح. الخطية والآثم لا تعلو نحو العلو، لكنها تنزل دائمًا نحو الأماكن المنخفضة السفلى. كل فكر هرطوقي، وكل فعل، وكل فعل الخطية هي موجودة في وادي، أنه مالح ومر. أية عذوبة، وأية حلاوة تستطيع أن تقدمها الخطية؟ لكن يوجد ما هو أسوأ إذا سقط إنسان في آراء الهراطقة، إذا سقط في مرارة الخطية فهو قد سقط في “آبار حمر كثيرة”، الحمر هو غذاء، هو طعام النار.

فإذا تذوقنا ماءًا من هذه الآبار، إذا قبلنا آراء الهراطقة إذا قبلنا مرارة الخطية، فإننا نهيئ في أنفسنا مادة للنار وحطبًا لجهنم. لهذا السبب فإن الذين لا يريدون الشرب من ماء البئر المحفور بواسطة الرؤساء والملوك فأنهم يشربون من البئر الموجود في وادي الخطية، التي تغذي النار، فإنه يقال ” اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي قد أوقدتموه” (إش50: 11).

رؤساء وملوك:

درجات العمق في معرفة الكتب المقدسة

ما هو إذًا النشيد المرنم حول البئر؟ فلنبدأ بلحن “نشيد” البئر “بئر حفرها رؤساء، حفرها شرفاء الشعب”، نستطيع أن نرى نفس الشخصيات في الرؤساء والملوك؛ لكن إن كان يجب أن نميزهم، فالرؤساء تعني الأنبياء. أنهم خبأوا المسيح وغطوا عليه بنبواتهم في أعماق الحرف، ولهذا السبب قال واحد من الأنبياء ” إن لم تسمعوا ذلك فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة” (إر13: 17).

          وقال نبي آخر للسيد الرب “ تسترهم بستر وجهك من مكايد الناس. تخفيهم في مظلة من مخاصمة الألسن” (مز31: 20). إذًا الرؤساء هم الذين حفروا هذا البئر، الملوك هم الذين نقبوه. ينقب بمعنى يقطع أو يهذب الحجر، الشرفاء وهم أقل من الملوك، يحفرون الآبار، بمعنى يعمقون في الأرض، يحفرون إلى عمق معين.

لكن الذين دعوا ملوكًا هم أكثر قوة وأكثر علوًا لا ينقبون فقط سمك الأرض، ولكن ينقبون أيضًا صلابة الصخر، لكي يصلوا إلى الماء الأكثر عمقًا. والأكثر فحصًا إذًا نستطيع أن نقول أيضًا إلى أغطية الهاوية، عالمين برحمة الله “ ما أكرم رحمتك يا الله” (مز 36: 7).

          إذًا نستطيع أن نقول إن هؤلاء الملوك الذين لهم المقدرة أن يصلوا إلى مثل هذه الأعماق، وإلى مثل هذا الفحص من البئر، هم الرسل. وكان أحدهم يقول “ فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله” (كو2: 10). وبما أنهم يستطيعون بفضل الروح القدس فحص أعماق الله بأنفسهم واختراق أعماق أسرار البئر، فهم في هذا النص، الملوك الذين نقبوا هذا البئر في الصخر، ليصلوا إلى أسرار المعرفة الصلبة والصعبة.

وأما بالنسبة للرسل أيضًا فيمكن أن يدعوا ملوكًا، إذ يمكن استنتاج ذلك بسهولة مما قيل عن كل المؤمنين: ” أنتم جنس مختار وكهنوت ملوكي أمه مقدسة” (1بط 2: 9)، فإذًا هم دعوا ملوكًا أولئك للذين آمنوا بواسطة كلمتهم. نستطيع بسهولة استنتاج ذلك من هذا: إذا كان الملوك هم الذين يحكمون، فكل الذين يديرون كنائس الله يستحقون أن يدعوا ملوكًا، لكن بأكثر استحقاق يدعون ملوكًا أولئك الذين يوجهون بواسطة كلامهم وكتاباتهم الذين يديرون الحكام.

          لهذا السبب دعى حقًا السيد الـرب “ملك الملوك” (رؤ19: 16). وإن كان الرسل وتلاميذهم ليسوا ملوكًا، لما ظهر أن الله ملك الملوك. بولس الرسول نفسه يقول لأهل كورنثوس لتبكيتهم بطريقة توبيخية “ أنكم ملكتم بدوننا وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضًا معكم” (1كو4: 8). أنه يؤكد بأن أهل كورنثوس يجب أن يدعوا ملوكًا وأنه يريد أن يملك معهم، ولكنه يظهر أن عندهم كبرياء لا يتناسب مع الشرف الذي يطلبونه.

ها هم الملوك الذين يحفرون البئر “وحفرها رؤساء” (عد21: 18)، الرسل حقًا هم بكل فخر ملوك الأمم بالتمام، لقد جمعوهم في طاعة الإيمان وفتحوا لكل العالم معرفة المسيح ” المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو2: 3)، وذلك بذهابهم إلى العالم أجمع حسب وصية السيد الرب، وبتنفيذهم الأمر الذي أعطاهم إياه “ تلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28: 19ـ20). بهذا قد حفروا البئر، بمعنى أنهم أعلنوا العلم وأعطوا المعرفة لكل الأمم.

          هذا الكتاب الذي بين أيدينا، هذا الدرس الذي قُرئ علينا، هما بئر. وفي نفس الوقت كل الكتاب المقدس والشريعة والأنبياء، والكتابات الإنجيلية والرسولية يكونون مجموعة “بئر” واحد، ولا يمكن أن يحفر ولا أن يفحص إلا إذا وُجِدَ ملوك ورؤساء حيث إنه يجب أن ينظر إليهم كملوك حقيقيين ورؤساء حقيقيين، أولئك الذين يمكنهم أن ينظفوا أرض البئر، أي رفع سطحية الحرف، وسطحية “الصخرة” الداخلية حيث يوجد “المسيح” ويعملون على تدفق المعنى الروحي. إذًا فالملوك أو الرؤساء هم الذين يستطيعون أن يعملوا على تدفق المياه، ولقد دعوا ملوكًا لأنهم عزلوا الخطية من تملكها على الجسد، وشيدوا في أعضائهم ما هو للبر.

          فلكي نعلم الآخرين يجب علينا أن نمارس أولاً ما نعلّمه، كما يؤكد الكتاب ” من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات” (مت 5: 19). والذي هو عظيم في مملكته فهو ملك. إن “ملوك الأمم” يقول الكتاب ” قد حفروها في مملكتهم، وقد ملكوا عليها” (عد21: 18). في الحقيقة هم لا يستطيعون أن يحفروا هذا البئر ولا أن يكشفوا الأغطية المختبئة في الماء الحي، إن لم يتأسسوا بواسطة سيادتهم على الأمم البربرية. لأنهم إن قهروا واخضعوا لسلطة النفس المملوكة، إن سادوا على كل ما هو فيهم من وحشية في أفعالهم، وما هو بربري في عاداتهم، لكي يسلكوا فيما بعد بحسب الشريعة وليس كالوثنيين، فهؤلاء يكونون حقًا ملوكًا يفحصون أعماق البئر وأعماق أسرار كلمة الله.

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني: الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الباكورة

1 ـ تأمر الشريعة بأن يقدم للكهنة باكورة كل الثمار وكل الحيوانات: كل من يملك حقلاً أو كرمًا أو بستان زيتون، أو حديقة وكل من يشتغل في الأرض، كل من يربي أي ماشية، يقدم لله كل الإنتاج الأول (الباكورة) بأكمله إلى الكهنة.

حيث يقول الكتاب المقدس إن ما قد أعطى للكهنة قد قدم لله. وبذلك نتعلم من الشريعة أنه لا يكون هناك انتفاع شرعي من ثمار الأرض، أو “من الحيوانات” الأليفة الصغيرة إن لم تقدم باكورة الكل لله أي للكهنة، وفي رأيي يجب أن نتمم هذا الناموس مثل كثير من النواميس الأخرى حتى بالمعنى الحرفي[1].

 

التفاسير الثلاثة للكتاب المقدس

 يوجد حقًا وصايا من الناموس تلزم تلاميذ العهد الجديد أيضًا بإتمامها. وإذا أردتم فلنتكلم أولاً عن وصايا الناموس التي ألزمتنا بها الأناجيل، وبعد توضيح هذه النقطة نبحث عن ما هي المعاني الروحية التي يجب أن نراها فيها. البعض يقول: إذا وجد أي شئ لإتمامه حسب الحرف فلماذا لا نحفظ الكل؟ وبالعكس فالبعض الآخر يقول يجب أن نُخْضِع محتوى الناموس للمعنى الروحي، وأنه لا يجب أن نفسر شيئًا حسب الحرف لكن الكل حسب الروح.

لكن نحن بعد تخفيف المبالغة لهذين الوضعين المتباعدين سنحاول أن نعرف بعض القواعد التي يجب أن نتبعها بالنسبة لنصوص الشريعة هذه معتمدين على نصوص الكتاب المقدس في المزمور 19، قد كتب:

وناموس الرب  بلا عيب يرد النفوس، شهادة أمينة تعطي الحكمة للصغار، “وصايا الرب مستقيمة تفرح القلب، أمر الرب طاهر ينير العينيين، خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد، أحكام الرب حق عادلة كلها فيما بينها أشهى من الذهب والإبريز الكثير وأحلى من العسل وقطر الشهادة” (مز19: 8ـ 10)

فلو لم تكن هذه الأشياء متمايزة لما أعطى الكتاب المقدس لكل واحدة فضائل خاصة، ولا نسب خصائص مختلفة لناموس الرب، لتعاليمه، لعدله لأحكامه، إنها إذًا أشياء مختلفة مثلما أظهرناها وهي الشريعة، التعاليم، الشهادة، البر والدينونة، يظهر الفرق بين التعبيرات كما نرى بدقة في النص الآتي “الشهادات، الفرائض والأحكام”

(تث4: 44، 45) التي كلم بها الرب موسى. والناموس نفسه أعطى الحكم للشريعة نفسها أنها هكذا تكون، أن تميز بذلك الواحدة عن الأخرى. نحن يجب أن نعطي انتباهًا أكثر لقراءات الشريعة، لأنه حيث يقرأ مثلاً “هذه هي الوصايا”.

كلمة “الوصية” لا يجب أن تفهم بمعنى كلمة “الشريعة”. عندما نقرأ “هذه الشهادات” فلا يجب أن نعتبر الشهادات مثل “الشريعة”، أو “الوصية”، كذلك عندما نقرأ “الشهادة” أو “الحكم” لا يجب أن نخلط هذه العبارة مع الأخرى لكن يجب أن نميز كل واحدة منها.

 

الناموس ظل الخيرات العتيدة

فإذا قرأنا أن ” الناموس إذ له الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، فلا يجب أن نعتقد بذلك أن “الوصية” أو “الشهادات” تكون ظل الخيرات العتيدة، أخيرًا لكي نأخذ مثالاً من ضمن أمثلة كثيرة فإنه لم يكتب “هذه هي وصية الفصح”. ولكن “هذا ناموس الفصح”. وكما أن الناموس هو ظل الخيرات العتيدة، أي أن ناموس الفصح له أيضًا هذا الظل بدون أي شك. عندما أصل للنص الذي يتناول موضوع الفصح يجب عليَّ إذًا أن انظر في الحمل الجسدي، ظل الخيرات الآتية وأفهم بأن “ فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا” (1كو5: 7).

ستجد نفس التعبير في الفطير وحفظ القوانين الأخرى لأيام العيد، بما أن كل هذه قد رتبت تحت عنوان “الناموس” في فروض “الناموس” وبما أن الناموس يشير إلى الخيرات الآتية خلال ظل الحاضر، يجب أن أبحث عن ما هو فطير الخيرات الآتية. وأجد أن الرسول يقول لنا ” إن نعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق” (1كو5: 8).

وعن الختان أيضًا يقول “هو ناموس الختان” حيث إن الختان قد رتب تحت طقس الناموس، وإن “الناموس هو ظل”، أبحث إذًا أي ظل للخيرات الآتية يستطيع أن يحتويه الختان حتى أن بولس الرسول يقول لنا إننا إذا مكثنا في ظل الختان:

إنه إن أختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئًا” (غل5: 2)، وأيضًا ” الختان الذي في الظاهر في اللحم لا يعتبر ختانًا” (رو2: 28ـ 29)، اليهودي ليس الذي ختانه في الظاهر في اللحم لكن ” اليهودي هو الذي في الخفاء“، الختان هو ختان القلب حسب الروح وليس بحسب الحرف، “ومدحه لا يأتي من الإنسان لكن من الله“. تقريبًا كل ما أعلنه الرسول لا يصلح أن تتممه بحسب الحرف ولكن سنجده قد رتب عند موسى تحت عنوان “الناموس”.

 

وصايا تفهم حرفيًا

لكن عندما يقول موسى ” لا تقتل، لا تزن، لا تسرق… الخ” سنجد بأنه لم يعطها عنوان “الناموس”. لكن بالأحرى “الوصايا”. إذًا هذا الجزء من الكتاب المقدس لم “ينقض” لكن بالأحرى قد تمم بواسطة تلاميذ الإنجيل، ولأني قلت أنه ليس “الوصية” لكن “الناموس” هو الذي ليس إلا “ظل الخيرات الآتية”، بالتالي يجب علينا أن نتمم هذه التعاليم حسب الحرف، وفي موضع آخر يقول: ” لأن هذا صالح ومقبول أمام الله” (1تي5: 4) أي يوجد احتياج هنا أن أبحث عن رمز في الرسالة التي هي مجرد قدوة.

إذًا نحن قد بينا أنه توجد تعاليم للناموس لا يجب أن تتمم بحسب الحرف، كما أن الرمز لا يجب أن يحول كلية، لكن يجب أن يتمم مثلما كتب في الكتب المقدسة. أبحث الآن هل يوجد شخص يستطيع أن يتمم الناموس بالمعنى الحرفي وفي نفس الوقت يجب أن نبحث فيه عن الرمز، فلننظر إذًا إن كنا نستطيع أن ندعم أقوالنا بكتابات الرسول أو الإنجيل.

 

وصايا تفهم حرفيًا ورمزيًا

كتب في الشريعة ” لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا” (تك2: 24)، توجد هنا أسرار رمزية. بولس الرسول يعلنها عندما يقول في رسالته بعدما ذكر هذا النص ” هذا السر عظيم ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة” (1تي5: 32).

يجب أن يتمم هذا التعليم أيضًا بالمعنى الحرفي. فالسيد الرب والمخلص علمه بنفسه ” وقال كتب من أجل هذا أن يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان الاثنان جسدًا واحدًا إذًا ليس بعد اثنين بل جسد واحد فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان” (مت19: 5ـ 6). هذا يبين جيدًا أنه تعليم يجب أن يتمم بالمعنى الحرفي. لذلك يضيف ” ما جمعه الله لا يفرقه إنسان“، لكن في نص آخر عندما يقول الرسول    

كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة” (غل4: 22)، من يجعلنا نشك أن ذلك يجب أن يفهم حرفيًا، فبكل تأكيد إبراهيم كان له أسحق من سارة وإسماعيل من هاجر، ولكن الرسول يضيف “وكل ذلك رمز” وأنه يربطهما بالعهدين داعيًا نسل سارة الزوجة التي وضعت لأجل الحرية، أولاد العهد الجديد، ونسل هاجر الجارية التي وضعت لأجل العبودية أولاد أورشليم الأرضية.

اعتقد أننا بينا بواسطة الكتاب المقدس أن من ضمن تعاليم الشريعة ما لا يجب على تلاميذ الإنجيل أن يعملوها حسب الحرف، وأن يستبعدوها وألا يهتموا بذلك بالمرة، وتعاليم أخرى يجب أن تنفذ بتدقيق كما كتبت. وأخرى لها حقائق بحسب الحرف لكن من المفيد والضروري بأن ينسب لها أيضًا المعنى الرمزي.

سيكون إذًا كاتب متعلم في ملكوت السموات ذلك الذي يخرج من كنزه جددًا وعتقاء، إذا عرف في نص الكتاب المقدس، كيف تارة يطرح كلية “الحرف الذي يقتل” باحثًا في كل الكتاب عن “الروح الذي يحيي”، وتارة بتأييد معرفة الحرف وتأكيد معناها النافع والإجباري، وتارة بالاحتفاظ بالمعنى التاريخي وإضافة المعنى السري إليه في حينه.

 

الباكورة يجب أن يقدمها المسيحيون لكهنتهم

          هذا ما يجب أن يعمل يبدو لي في النص الذي بين أيدينا أنه عادل ونافع أن تقدم الباكورة لكهنة الإنجيل حيث إن الرب أمر ” أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون، والذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح” (1كو9: 13ـ 14) بقدر ما يكون هذا مستحقًا ومناسبًا. وبالعكس فإني أحكم أنه مخالف وغير مستحق وخاطئ ذلك الرجل الذي يعبد الله وينضم إلى الكنيسة والذي يعلم أن الكهنة والشمامسة يقفون في الهيكل ويكملون واجباتهم في خدمة كلام الله وفي خدمة الكنيسة، ولا يقدم للكهنة باكورة ثمار الأرض الذي أعطاه إياها الله “فإنه يشرق شمسه ويمطر أمطاره” (مت5: 45).

إنه يبدو لي بأن روح هذا الرجل في نسيان لله، وهو لا يفكر ولا يعتقد أن الله هو الذي أعطاه الثمار التي حصدها وأنه يعمل كما لو أن الله ليس له شئ في هذا المحصول، فلو كان يعتقد أن الله هو الذي أعطاه هذا المحصول لعلم إنه عندما يقدم للكهنة أنه يكرم الله من عطاياه وتقدماته.

          ولكي نتبين أيضًا جيدًا من كلام الله أنه يجب أن نتمم تعاليمه بحسب الحرف أيضًا، سنعطي لذلك أدلة أخرى فيقول السيد الرب في الأناجيل ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع (بمعنى الذي يعطي عشور النعناع)، والشبت والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان. يا مراؤون كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك” (مت23:23). تأمل جيدًا كلام الرب الذي يريد بأن نكمل النقط الأكثر أهمية في الناموس بدون أن نترك ما أوصى به بالحرف.

          لعلك تقول أن هذا موجه للفريسيين وليس للتلاميذ؟ أنصت له وهو يخاطب تلاميذه ” إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات” (مت5: 2). فإنه يريد أن ما يعمله الفريسيون يتممه التلاميذ أيضًا وبأكثر سعة، فما لا يريد لتلاميذه أن يعملوه لا يفرضه أيضًا على الفريسيين. لكن كيف يريد أن تلاميذه يعملون أكثر من عمل الفريسيين؟ أنه يبين ذلك عندما يقول “ قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل” (مت5: 21)، والفريسيون يتممون هذا التعليم لكنه يقول للتلاميذ

وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (مت5: 22)، أيضًا قد سمعتم إنه قيل لا تزن ولكنه يريد أن بر تلاميذه يتعدى بر الفريسيين لدرجة ” أنهم لا ينظرون إلى امرأة ليشتهوها” (مت5: 28). من هذه الأفكار التي سبق أن ذكرناها نجد الأشخاص ذوو الغيرة في دراسة الكتاب المقدس يستطيعون بسهولة أن يجدوا أمثلة أخرى لهذه الميزات، حيث يسمعها الحكيم فيزداد علمًا غير مكتف بأن يمجدها.

ماذا سيزداد؟ إنه سيميز في كل إصحاح من الناموس متى يجب أن يبتعد عن الحرف ومتى يجب أن يتعلق به ومتى سيكون النص القصصي مطابقًا للشرح السري حيث   “ المسيح افتدانا من لعنة الناموس” (غل3: 13)، أنه لم يفتدينا من لعنة الوصية ولا من لعنة الشهادة ولا من لعنة الأحكام لكن فقط من لعنة الناموس. نحن لم نخضع للختان الذي في اللحم وحفظ السبت ولا للفروض الأخرى من هذا النوع حيث يجب أن نقول أنها تتعلق بالناموس وليس بالوصايا.

إذًا كيف يزيد برنا على  الكتبة والفريسيين. فبينما هم لا يجرؤون أن يذوقوا ثمار أرضهم قبل أن يقدموا البكور للكهنة ويعطوا ما يخص العشور للاويين، أما بدون أن أعمل ذلك فإني أتمتع بثمار الأرض بينما الكاهن لا يراها ويجهلها اللاوى، ومذبح الله لا علم له بها!

 

معنيان لكلمة ”الناموس”:

          مع أنه يجب أن نحدد أن كلمة الناموس قابلة لمعنى مزدوج. فما يدعي “الناموس” هو كل هذه “التعاليم” كل هذه “الوصايا” “أفعال البر” “الشهادات” “الأحكام”. لكن يوجد جزء من تعاليم “الناموس” التي تدعى بالأخص “النواميس” وهي التي سبق أن درسناها أما الناموس بوجه عام فهو ما قال عنه المخلص “ أنه لم يأتي لينقض الناموس بل ليكمله” (مت5: 17)، وأيضًا في موضع آخر “فالمحبة هي تكميل الناموس” (رو13: 10). الكاتب يسمى الناموس مجموعة الكتابات المكتوبة في الناموس، قد قلنا ذلك لنشرح أن الوصية بتقديم الباكورة من المحاصيل ومن القطيع يجب أن تطبق أيضًا بحسب الحرف.

 

المعنى الرمزي ماذا تبين البكورية

          3 ـ فلننظر الآن كيف يحمل أيضًا معنى رمزي بمعنى آخر روحي. فلنبحث إذًا النصوص من الكتاب المقدس بخلاف ما سبق أن تحدثنا عنه حيث نتحدث عن الباكورة “ كل دسم الزيت وكل دسم المسطار والحنطة أبكارهن التي يعطونها للرب لك أعطيتها” (عد18: 12). أتبحث الآن أين تتحدث النصوص عن الأبكار خارج هذا النص لأنه إذا كانت الأبكار تخص الكاهن الأعظم فيجب علينا أن نبحث عن كاهن أعظم تخصه الأبكار الواردة في النصوص الأخرى من الكتاب المقدس.

 

يسوع وشخصيات أخرى

          قبل كل شئ نقرأ عن الرب يسوع المسيح نفسه الذي هو بكر من الأموات. إذًا هو بكر من نوع معين، نجد أيضًا أن الرسول عند ذكره بعض الأشخاص يسميهم “باكورة آسيا” وآخرين “أبكار أخائية” حيث يظهر أن في كل كنيسة يوجد بعض المؤمنين الذي اختبرتهم روح الرسول، يدعون أبكارًا.

أضع بينهم كرنيليوس الذي نستطيع أن نسميه بكر كنيسة قيصرية مع الذين استحقوا معه نوال الروح القدس، ولا يجب أن ندعو كرنيليوس بكر لهذه الكنيسة فقط، بل أيضًا لكل الأمم، لأنه هو الأول الذي آمن من الأمم والأول الذي امتلأ من الروح القدس من الأمم إذًا نستطيع أن نسميه بكر الأمم.

 

من الذي يقدم الأبكار

أ ـ الملائكة

          ربما نتساءل من الذي يقدم هذه الأبكار لله؟ ومن هو الكاهن الأعظم الذي نعود إليه. على حسب كلام الرب يبدو أن هذا العالم هو “حقل”. هذا الحقل لا يحوي الأرض فقط، لكن أيضًا قلب كل إنسان يزرعه ملائكة الله. إنهم يحفظون ثمار عملهم بمعنى الذين يخضعون “لأوصياء ووكلاء”

ولم يصلوا بعد إلى الكمال لكن كل الذين كانت قلوبهم موضع عنايتهم الحريصة، واقتادوهم إلى الكمال، هذه النخبة وهذا الاختيار من ضمن الآخرين هم الأبكار الذين يقدمون للكاهن الأعظم حيث نقرأ بأن كرنيليوس قبل أن يأخذ من بطرس تعاليم كلام الله ونعمة المعمودية، علم من ملاك أن “صلواته وصدقاته صعدت تذكارًا أمام الله” (أع10: 4)، إذًا الملاك قد قدم كرنيليوس لله كبكر. 

 

ب ـ الرسل

          نستطيع أن نقول أيضًا إن بطرس وبولس والرسل الآخرين يقدمون الأبكار من بين الذين يقبلون الإيمان بواسطتهم مثلما يوضحه الرسول عندما يقول “من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح ولكن كنت محترصًا أن أبشر هكذا، ليس حيث سمى المسيح لئلا أبني على أساس لآخر” (رو15: 19ـ20).

لاحظ إذًا أن بولس يقدم ثمارًا من كل الذين تعلموا منه، الذين بشرهم، الذين بدأوا معه في النمو في الإيمان، وكان يبحث كل الأيام عن حقول جديدة ليحرثها، أرض بور جديدة ليزرعها. ولهذا السبب قال للبعض ” قصدت أن آتي إليكم ليكون لي ثمر فيكم أيضًا كما في سائر الأمم” (رو1: 13)، أقول ملاحظًا ومميزًا نخبة من ضمن هذه الثمار ومعلنًا كما قلت إن البعض “هم باكورة آسيا” وآخرين “هم باكورة أخائية” (رو16: 5)، ملاحظًا وهو يختار أبكارًا لكل كنيسة ويقدم لله هذه الباكورة.

وله ربما أيضًا باكورات، لكن اعتقد أيضًا أنه يوجد معهم من هم أقل منهم الذين لا يستطيع أن يقدمهم كأبكار ولا كباكورة لكن كعشور فقط.

 

ج ـ كل حكيم

          أقول أيضًا بأن كل حكيم عند تعليمه، عند تبشيره سامعيه، يشبه حارثًا في الكنيسة التي يعلم فيها بمعنى حارث قلوب المؤمنين، وهذا أيضًا له ثماره، وفي مجموع ثماره يجد بكل تأكيد رجلاً مختارًا ليقدمه كبكر.

يوجد إذًا منهم من يقدم كباكورات وآخرون كالعشور، وإن لم يكن من التهور التقدم في مثل هذا الموضوع، لكننا نستطيع بلا شك أن ندعو الباكورات أنهم الذين كتب عنهم “ الذين لم يتنجسوا مع النساء لأنهم أبكار وظلوا بتولين” (رؤ14: 4). ونستطيع أيضًا أن ندعو كذلك الشهداء أبكارًا. وتحت اسم الباكورة أيضًا نستطيع أن ندخل عذارى الكنيسة. أما بالنسبة للعشور فهم الذين بعد الزواج عاشوا في الزهد والطهارة.

 

عودة للملائكة: دينونة الملائكة

          لقد سبق أن بدأنا بالتحدث عن الباكورة التي قدمت بواسطة الملائكة خدام الجنس البشري، ثم تحولنا للتلاميذ وللحكماء عمومًا، فلنرجع لنقطة البداية.

كل ملاك عند نهاية الأزمنة سيقدم للدينونة آخذًا معه الذين قد وجههم وساعدهم وعلمهم بسبب أنهم “ كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السموات” (مت18: 10). هنا أظن أنه سيطالب عما إذا كان الملاك اهتم بتعليم الإنسان أو إذا كان الكسل البشري لم يستجب لعمل الملاك، كما أنه سوف توجد أيضًا دينونة لأرواح ” الذين قد أرسلوا للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب 1: 14).

          وإذا كان بسبب جبن في حياتهم تحصل سقطات عديدة في الحياة البشرية. إذا كان الأمر كذلك فأنه سوف توجد أيضًا دينونة من الله بين الملائكة والإنسان. ربما بعض الملائكة سيدانون مع حراثهم. بولس يقارن حراثهم مع حراثه، ويقارن حصادهم مع حصاده الذي حصده من جماعة المؤمنين، لهذا سمح له أن يقول “ ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة” (1كو6: 3).

ليس بولس نفسه هو الذي يدين الملائكة، لكن الأعمال التي تممها بولس في البشارة بالإنجيل، وبخصوص نفوس المؤمنين. هنا سيدين الملائكة ليس كلهم لكن البعض منهم. وربما أيضًا لأجل ذلك قال بطرس “ التي تشتهي الملائكة أن تطلع عليها” (1بط1: 12). ولكن الرسل أيضًا يأخذون المساعدة من الملائكة لأداء رسالتهم في التبشير والقيام بأعمال الإنجيل بنجاح.

بهذا المعنى قيل في أعمال الرسل إنه “كان ملاك بطرس يقرع على الباب”. بنفس الطريقة فبما أنه يوجد ملاك لبطرس، فيلزم أن يكون ملاك لبولس أيضًا، وللآخرين بقدر عدد الرسل، وهكذا كل واحد على حسب رتبته أو بحسب استحقاقاته.

هؤلاء الملائكة عليهم أن يلعبوا دورًا في أعمال الرسل وتعليمهم أو تعاليم الحكماء الآخرين الذين يأتون بعدهم مع معاونيهم الذين يحضرون أمام الرب حصاد النفوس التي عمل هؤلاء الآخرين على نموها، عندما يجمع الحصاد، أي عندما يتم الاختيار بين المؤمنين المؤمن الأفضل من أي كنيسة سيقدم بواسطة الملاك كعشور والذي يكون أفضل منه سيقدم كبكر.

 

ملائكة الأمم

أيضًا كل ما قد رسم في الناموس كظل، مادام ” الناموس له ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، يتمم بطريقة ما في حقيقة ” الخيرات العتيدة” بواسطة خدمة الملائكة. هذا ما قد كان من قبل في إسرائيل. المدعو إسرائيلي بحسب الجسد، سيتمم بالنسبة للإسرائيليين الحقيقيين السماويين حيث إن اسم إسرائيل قد رفع إلى رتبة الملائكة، أو بالأحرى إنهم هم الذين لهم أكثر صفة لحمل اسم إسرائيل لأنهم حقيقة أكثر أرواح تعاين الله. هذه هي ترجمة لكلمة إسرائيل.

أيضًا في رأيي بعض أسماء الشعوب أو الملوك التي نقرأها في الكتب المقدسة تنتمي بدون أي شك لملائكة أشرار أو للسلاطين المضادة مثل فرعون ملك مصر ونبوخذنصر ملك بابل وآشور. كذلك يجب أن ننسب للملائكة القديسين وللسلاطين الصالحين ما كتب عن القديسين وعن الشعب المقدس. ولكي أقنعك بأن الكتاب المقدس يجعل علاقة بين ملك لآمة منافقة وبين سلطان شرير.

اسمع ما يقوله إشعياء عن نبوخذنصر ” إني أعاقب ثمر عظمة قلب ملك أشور وفخر رفعة عينيه لأنه قال بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم ونقلت تخوم شعب ونهبت ذخائرهم وحطمت الملوك كبطل” (إش10: 12ـ13). أيضًا في موضع آخر بخصوص ملك لأمة ما قال إشعياء النبي ” كيف سقطت من السماء يا زهرة الصبح كيف قطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم” (إش14: 12).

فإذا كانت الحقيقة تلزم بأن ينسب كل هذا للملائكة ذوي السلطان الماكر، أفلا يجب لنفس السبب أن ننسب للملائكة وللخدام المزينين بسلطة حسنة كما قلت ما كتب عن الملوك أو الشعوب المناضلة؟ وأظن أن سفر التكوين يتحدث عن الملائكة عندما يقول “هلم ننزل ونبلبل ألسنتهم” (تك11: 7).

ألاَّ يجب أن نفكر بأنهم ملائكة مختلفون هم الذين أنشأوا عند الناس ألسنة ولهجات مختلفة؟ فمثلاً إن ملاكًا هو الذي علم الإنسان اللغة البابلية، وملاكًا آخر هو الذي علم اللغة المصرية، وملاكًا آخر هو الذي علم الإنسان اللغة اليونانية (بلا شك أن كاشفي اللغات واللهجات اصبحوا ملوكًا لشعوب مختلفة). أما اللغة التي أعطيت في الأصل بواسطة آدم وهي العبرية حسب ما نعرف، قد ظلت في هذا الجزء من البشرية ولم تكن نصيبًا لأي ملاك ولا لأي ملك ولكن ظلت “نصيب الله”.

 

 

[1] يبدأ هنا أوريجينوس في عرض منهجه التفسيري ونلاحظ أن التفسيرين الرمزي والتاريخي أي الحرفي يتداخلان ويتكاملان.

 

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

عصيان الشعب – العظة الثامنة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

عصيان الشعب – العظة الثامنة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

عصيان الشعب – العظة الثامنة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

القصة

          1ـ إثنا عشر من أبناء إسرائيل قد أُرسلوا ليتجسسوا الأرض     ” لاستطلاع أرض الموعد” ورجعوا من تجسس الأرض بعد أربعين يومًا ببيانات متناقضة. عشرة من بينهم دفعوا لشعب لليأس وكانوا يريدون سقوط موسى ليختاروا رئيسًا آخر ويرجعوا إلى مصر. الاثنان الآخران بشرا بأخبار جيدة.

وشجعا الشعب بأن يتمسك بالإيمان قائلين “إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض”. الشعب غير المؤمن سلم نفسه لليأس، وهجم ليرجم حاملي البشري السعيدة، لكن مجد الرب ظهر لكل الشعب، وقال الرب لموسى أني أضربهم بالوباء وأبيدهم وأصيّرك وبيت أبيك شعبًا أكبر وأعظم منهم (عد 12: 3،  26؛ 14:  1ـ 12).

 

ليس في طبيعة الله غضب:

          فإذا كان الرب قد نطق بمثل هذا التهديد ليس لأن الطبيعة الإلهية خاضعة للعواطف ولرذيلة الغضب ولكن لكي تظهر محبة موسى للشعب، ولطف الله الذي لا نستطيع أن ندركه أو نفهمه نحو كل الخطاة. مكتوب أن الله يغضب ويهدد الشعب بالموت. على الإنسان أن يتعلم من ذلك أن له مكانًا عند الله وأنه يحظى باعتبار كبير لدى الله.

إذا كان الله لديه أسباب للسخط ضد الإنسان فإن هذا الغضب يهدأ بواسطة ابتهالات الإنسان وتضرعاته ويستطيع الإنسان أيضًا أن يحصل من الله على تغيير الأحكام التي سبق وأصدرها حيث إن اللطف الذي يتبع الغضب يبين مكانة موسى لدى الله ويعرفنا أن الطبيعة الإلهية لا تتفق مع رذيلة الغضب.

 

شعب جديد

في نفس الوقت يوجد أمر ينبغي أن يتم في المستقبل وهو مختبئ في الوعد الصادر من الله بأن يقام شعب آخر بعد أن يطرح الأول. يقول الله هنا “أني أضربهم بالوباء وأبيدهم وأصيّرك أنت وبيت أبيك شعبًا أكبر وأعظم منهم” (عد 14: 12)، وهذا التهديد ليس ناتجًا عن الغضب لكنه نبوة[1]. حيث إن أمة أخرى يجب أن تختار، وهي شعب الوثنيين لكن هذه الأمة سوف لا تختار بواسطة موسى لذا أعتذر موسى أن يصير معه هكذا[2].

فإن هذه الأمة الكبيرة الموعودة لا يجب أن تحصل على دعوة الله منه، لكن من يسوع المسيح وأن هذا الشعب لا يجب أن يحمل الاسم “موسوى” لكن يحمل الاسم “مسيحي”، لهذا السبب تضرع موسى بإلحاح لصالح الشعب. والرب يوقع العقاب مخففًا ويعلن “ الشعب الذي خرج من مصر الذين أهانوني والذين ظلوا غير مؤمنين سيطرحون في القفر” (عد 14: 23). وقال الله ” لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم” ولكن فقط أطفالهم الذين هم هنا معي والذين لا يعلمون الخير والشر” (عد 14: 23).

 

سر أكثر عمقًا

          ربما يوجد سر أكثر عمقًا مختبئًا في كلمات الله هذه ” أطفالكم الذين هم هنا معي” هنا التي تعني المكان. كيف يكونون “معي”؟ “من له أذنان للسمع فليسمع” (مت11: 15).

 

قسوة الله ولطفه

          مهما يكن نقول إن الشعب القديم تكّون من آبائنا. وإننا نحن أبناؤهم، هم قد طرحوا بسبب خطاياهم وقد سقطوا، لكن نحن أولادهم قد قمنا وانتصبنا في أماكنهم، نحن الذين لا نعلم الخير ولا الشر حيث إننا أولاد الأمم ونحن لا نعلم لا الخير الذي يأتي من الله ولا الشر الذي هو ناتج من الخطية، لكننا نأخذ المكان الذي طرحوا منه، خائفين من مثل هذه السقطة، وسامعين إنذار بولس ” فهوذا لطف الله وصرامته، أما الصرامة فعلى الذين سقطوا وأما اللطف فلك أن ثبت في اللطف وإلا فأنت أيضًا ستقطع وهم أن لم يثبتوا في عدم الإيمان سيُطّعمون” (رو11: 22ـ 23).

 

مدة العقوبات

أضاف الرب ” وبنوكم يكونون تائهين في القفر 40 سنة” (عد 14: 33، 34). ويشرح السر المتضمن في هذا العدد “كعدد الأيام التي تجسستم فيها الأرض 40 يومًا السنة تقابل يوم تحملون ذنوبكم 40 سنة فتعرفون ابتعادي.

أني أخشى أن أبحث غوامض هذا السر. أني أري أنها تتضمن بيان خطورة الخطية وعقابها. إذًا فكل خاطئ يجب أن يقاسي سنة من المشقة لكل يوم من الخطية. فإذا كان عدد السنين التي يجب أن تمر في العقاب مساويًا لعدد أيام الخطية، فنحن الخطاة الذين نخطئ كل الأيام، وربما لا يمر علينا يوم من حياتنا بدون خطية، وماذا أقول؟ أني أخشى أن دهر الدهور لا يكفي لكي ندفع ديوننا، الواقع إن الشعب القديم تألم في القفر خلال 40 سنة بسبب خطأ 40 يومًا ولم يستطع الدخول إلى الأرض المقدسة.

هذا يظهر لنا بعض التناسب مع الدينونة المستقبلة عندما يقدم حساب الخطايا. ربما الأعمال الحسنة تجلب بعض المكافأة، كذلك الأوجاع التي يختبرها الواحد منا في حياته كما علمنا إبراهيم في موضوع لعازر. لكن المعرفة الكلية لهذه الأشياء قد حفظت ” للذي قد أعطى له الآب كل الدينونة” (يو5:5). أما أن يوم الخطية يساوي سنة من العقاب فهذا لم يشرح في الكتاب بل نجد تعالم مشابهة في كتاب (الراعي) إذا أردنا أن نعتبر هذا الكتاب كالكتاب المقدس[3].

 

القيمة العلاجية للتأديب

          ربما نعترض بأنه لا يتناسب مع لطف الله أن يفرض سنة من العقاب عن خطية يوم واحد[4]. وسوف يقال وحتى ولو كانت النسبة ليوم فسوف يظهر أن الله تنقصه الرحمة واللطف. انصت جيدًا ربما نتمكن من أن نحل الصعاب بمقارنات أكثر وضوحًا فإن كان الجسد به جروح، وإذا كان أحد العظام به كسر أو إذا كانت الأعصاب محطمة، فرغم أن جروح الجسد هذه تنتج عادة في أقل من ساعة واحدة، لكنها بعد ذلك تحتاج لكثير من الأتعاب وكثير من الوقت ليتم الشفاء.

ويحدث أن يصاب الإنسان بنفس الجروح مرة أخرى أو مرات أخرى كثيرة وأن الكسور تتجدد ويلزمها كثير من الجهد لتشفي. وكثير من الأتعاب وكثير من الوقت حتى يعود ذلك الإنسان إلى كامل صحته؟ وكما أنه من الصعب أن يشفي الإنسان دون أن تتخلف لديه عاهة أو بعض آثار الجروح المؤلمة هكذا في حالة جروح النفس. النفس تكون مجروحة في كل مرة تخطئ، لاشك أنها تكون مجروحة بالخطية، كما يجرح الجسد بالسهام وبالسيوف.

          فلننصت للرسول عندما ينصحنا أن نحمل “ ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة” (أف6: 16)، هل ترى؟ الخطايا هي سهام الشرير الموجهة نحو النفس لكن أنفسنا تتعرض لمخاطر أخرى علاوة على هذه الجروح: “ وهي الشبكة المهيأة لخطواتنا” (مز57: 6)، ” ومحاولات قلقلتها” (مز37: 31)، فكم من الوقت ستحتاجه النفس لتشفي من هذا النوع من الجروح؟ آه إذا استطعنا أن نرى في كل خطية كيف يكون الإنسان الداخلي مجروحًا وكم تسبب له الكلمات الرديئة من آلام ألم تقرأ:

” إن السيوف تجرح أقل من اللسان”. النفس إذًا تكون مجروحة باللسان، وتكون مجروحة أيضًا بالأفكار الرديئة والرغبات السيئة لكنها تكون مكسورة ومحطمة بأعمال الخطية. إذا استطعنا أن نرى كل شئ، إذا استطعنا أن نشعر بآثار جروح النفس المصابة، آه سنقاوم الخطية حتى الموت ولكننا نكون كإنسان به شيطان أو كمجانين لا يشعرون أنهم مجرحون، إذ لا يستعملون الحواس الطبيعية أو هم منجذبون بشهوات العالم أو سكارى بالرذائل، لا نستطيع أن نشعر بأي ضربات نضرب بها، وبأي جروح تصيب أنفسنا بالخطية.

أن مدة التطبيق العملي للعقاب الذي هو في نفس الوقت علاج ودواء، قد تطول أو تقصر حسب خطورة كل جرح.

          تظهر أيضًا عدالة الله ولطفه في العقوبات المحزنة المفروضة على النفس، وفي هذا التأني على الخاطئ حتى يتوب إلى الله ولا يخطئ أبدًا. حيث إن التحول هو في الحياة الحاضرة والتوبة تأتي بثمر يجلب العلاج السريع لهذا النوع من الجروح، لأن التوبة لا تشفي فقط الجرح السابق الإصابة به بل تمنع النفس فيما بعد أن تُجرح بالخطية.

سأضيف أيضًا هذا إذا كنتُ خاطئًا، هل أعاقب بنفس العقاب إذا كنت لم أخطئ إلا مرة واحدة وإذا أخطأت مرة أخرى ومرة ثالثة أو أكثر من ذلك أيضًا؟ لأن العقاب يجب أن يكون متناسبًا مع نوع وعدد وكبر الخطية، حيث إن الله سيعطينا خبز الدموع ويسقينا الدموع بالكيل. هذا الكيل سيكون حسب أخطاء كل واحد إذ يقول في موضع آخر: ” في يد الله كأس وخمرها مختمرة ملآنة شرابًا ممزوجًا” (مز75: 8).

          إذًا الله سيجهز لكل واحد مزيجًا والحكم سيُنطق ليس فقط على حسب الشر، لكن أيضًا حسب الصالحات التي نكون قد عملناها. ورغم ذلك فإن مزيج الخير والشر يترك رواسب رديئة لن تنتهي بحسب رأيي بشكل كامل[5].

 

نصيحة نهائية

          كل هذا كما سبق أن قلت هو في يد الله. علينا نحن أن نسرع بتطهير أنفسنا بأن نتوب إلى الله دون مكر، بأن نبكي الماضي، وأن نحترس من المستقبل، بأن نطلب العون من الله عندما ” نقترب من الله بتنهد عندئذ سنخلص حيث الذي يشفع” (إش45: 29)، من أجلك أمام الآب، الرب يسوع هو أعظم حالة من موسى الذي ” صلى لأجل الشعب” (عد21: 7)

وقد استجاب الله، وربما لأجل هذا نقل الكتاب المقدس شفاعة موسى عن خطايا الشعب القديم حتى يكون لنا أيضًا ثقة بأن شفيعنا يسوع يحصل لنا من الآب على غفران مؤكد بشرط أن نلتجئ إليه وأن لا ” يرتد قلبنا إلى الوراء” (مز44: 18)، كما نتبع كلمات يوحنا الحبيب في رسالته ” يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا” (1يو2: 1ـ 12)، الذي له المجد والسلطان إلى آبد الآبدين آمين.

 

[1] لأنه ليس تهديدًا باطلاً مثلما يكون التهديد ناتجًا عن غضب.

[2] موسى حقًا حسب أوريجانوس يعلم الحقيقة التي نشرت في الرموز.

[3] أوريجانوس لا يعتبر كتاب Pasteur dHermes أو الراعي لهرماس ككتاب قانوني حسب تعليم الكنيسة لكنه أعطى له قيمة كبيرة.

[4] أتباع ماركيون يوجهون هذه الاعتراضات ضد ما يسمونه إله العهد القديم.

[5] نرى من هذا إصرار أوريجينوس على حرية إرادة الإنسان حتى بعد نهاية الدهر الحاضر. وهذا قد يبدو متعارضًا مع ما يشاع عنه أنه كان يعتقد بالخلاص الشامل وخلاص الشيطان نفسه.

عصيان الشعب – العظة الثامنة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

إحصاء اللاويين وواجباتهم – العظة الرابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

إحصاء اللاويين وواجباتهم – العظة الرابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

إحصاء اللاويين وواجباتهم – العظة الرابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

المعنى اللفظي

          1ـ سفر العدد الذي يقرأ لنا، يحتوى على أعداد كثيرة[1] مختلفة منسوبة إلى أبناء الإسرائيليين. بعد إحصاء أبناء الإسرائيليين، يأتي إحصاء اللاويين، وهم بدورهم قد أحصوا أيضًا. أنهم لم يحصوا مع أبناء الإسرائيليين. وعددهم لحد ما معزول، إنه عدد ممتاز، أنهم كما يقال لنا، 22 ألفًا لا أكثر ولا أقل.

          بنفس الشروط التي للاويين، أي من سن شهر واحد فما فوق، ونحصل لأبكار أبناء الإسرائيليين على العدد 22272.

          من هذه التفاصيل هل تعتقد بأن موسى أراد أن يعلمنا القصة فقط، وأنه لم يخبئ بحسب عادته سرًا في هذه الأعداد المختلفة؟ هل سنعتقد بأنه قال بدون أي سبب إن عدد الأبكار الإسرائيليين يعطي فائضًا بعدد 273، وأن عدد اللاويين ليس له فائض ولا نقص بالنسبة لعدد 22 ألفًا.

 

الأعداد

          بدراسة الكتب الإلهية، سنجد فيها غالبًا العدد 22 الذي يشير لمكنون مهم. الحروف العبرانية عدد 22 حرفًا ثم نذكر 22 أبًا منذ آدم حتى يعقوب التي تشير إلى أصل الأسباط الاثنى عشر. ويقال أيضًا أن كل أنواع خليقة الله عددهم 22 وبالبحث بأكثر تدقيق، سنجد في اللاويين أي خدام الله، والأبكار أبناء الإسرائيليين الفخر بهذا العدد العجيب والمقدس. العدد 273 أضيف لأبناء إسرائيل، وهذا لا يبدو لي بدون قصد، بل لا أرى من السهل حل السؤال إذا لم يتنازل السيد الرب ويظهر لنا أسرار قلبه، وأن نرفع البرقع المطروح بواسطة موسى على ما كتب في هذا الجزء.

فالجنين في الجنس البشري، حسب العارفين يحفظ في الرحم تسعة أشهر، لكن لا يبدأ أن يظهر بالولادة قبل أن يمضي ثلاثة أيام من الشهر العاشر وبذلك يظهر أن العدد 273 هو مجموع الأيام كلها أي مجموعة التسعة أشهر مع ثلاثة أيام من الشهر العاشر وهي الأيام الممسوح بها للجنس البشري حتى يدخل في هذا العالم.

          وبالتالي العدد يبين مجازيًا مجموع جميع الخليقة مجتمعة والمزيد الذي نجده للأبكار في إسرائيل يوضح سر توالد البشرية.

 

رتب اللاويين ووظائفهم

وبعد ذلك قسموا أبناء لاوى إلى 3 رتب وكل رتبة أحصيت تحت أسم العشيرة. هنا أيضًا يلاحظ اختلافات تخبئ أسرارًا. فرتبة أبناء قهات هي التي أحصيت أولاً، السبب هو لأنه من هنا قد خرج موسى وهارون الذي تسلم الكهنوت الأعظم. لأنه من قهات قد ولد عمرام، ومن عمرام ولد موسى وهارون.

جرشون يأتي ثانيًا مع أنه الأول بالميلاد إلا أنه وضع بالصف الثاني، وينص الكتاب المقدس فعلاً هكذا “أبناء لاوى، جرشون وقهات ومراري” أبناء قهات قسموا إلى رتبتين: أولاد هارون يتولون الكهنوت والآخرون لخدمة الكهنة. ولهذا السبب قسمت واجبات اللاويين إلى 4 أجزاء هارون وأولاده يقومون بالكهنوت. أعضاء عشيرة قهات الآخرين يحملون الأقداس على أكتافهم.

أولاد جرشون ينشغلون بما يختص بخيمة الاجتماع أو ملحقاتها، وبالجلود، البساط، وبكل ما هو أقل صلابة وأكثر خفة للحمل. أولاد مراري يحملون “أعمدة الخيمة” قاعدتها، قضبانها، التي تساعد على قفل الخيمة. لهذا السبب نبه الكتاب المقدس في تعدادهم على أن تحصى قوة مراري حيث إنه يجب توافر القوة لحمل مثل هذه الأحمال.

 

الأربع رتب في السماء

2ـ ولكن فلنرجع لبولس الرسول الذي إذ كان ينظر كل هذا بأعين بصيرة مستقلة من الآن فصاعدًا وغير مرتبك بأي تعصب، خالعًا ضباب العهد القديم وهو يقول إن في هذه المساكن كان شعب الله السابق لا يخدم سوى صورة وظل الحقائق السمائية. وبقوله هذا تكون الأربع رتب في المحلة ليست إلا صورة وظل للأربع رتب التي قصدها بولس في رسالته إلى العبرانيين. وتضاف إلى أربع رتب المحلة الإسرائيلية، أربع رتب اللاويين. فإنه ليس من الضروري أن نبسط وأن نوضح هذا، يكفي أننا أدركنا هدفه، مع افتراضنا بأن البعض يأتون هنا بأفكار نقية، خالية من هموم العالم.

 

أبناء قهات

قال الكتاب المقدس “خذ عدد بني قهات من بين بني لاوى” (عد4: 2)، إذن يأتي أبناء لاوي، برتبة من الأعداد الأخرى وهم قد أحصوا “من ابن شهر فصاعدًا“.

نحسب الآن أبناء لاوى “من سن 25 سنة” وليس كالآخرين من سنة 25 سنة فصاعدًا، ولكن حتى سن الخمسين. وهذا العدد عدد ممتاز، عدد مختار، حيث إن الكتاب المقدس يضيف “كل رجل في الجند ليعمل عملاً في خيمة الاجتماع” مثل الذين يكونون عددًا عظيمًا وممتازًا. هكذا بالنسبة لأبناء إسرائيل قد قيل ” كل خارج للحرب يحصى مع أبناء إسرائيل” وأيضًا قد قيل هنا كل واحد خارج ليخدم في أعمال خيمة الاجتماع (عد1: 45؛ 4: 3).

 

أعمال الخيمة

          ثم توصف ما هي أعمال ” أبناء قهات من بين بني لاوي، حسب عشائرهم يعملون” في خيمة الاجتماع. ” يأتي هارون وبنوه عند ارتحال المحلة وينزلون حجاب السجف ويغطون به تابوت الشهادة” (عد4: 5)، ثم دونت سبعة من الأشياء التي يجب أن تكون مغطاة:

أولاً: الأثمن من الكل “تابوت الشهادة” سيغطي “بالحجاب” الذي سيخفي من الأمام ويجعلون عليه غطاء ” من الجلد باللون الاسمانجوني“.

ثانيًا: “المائدة” التي ستغطي.

ثالثًا: “منارة الضوء”.

رابعًا: “مذبح الذهب”.

خامسًا: جميع أمتعة الخدمة التي يخدمون بها في “القدس”.

سادسًا: “أمتعة المذبح” التي توضع مع أغطية أخرى.

سابعًا: “المناضح”. ولا يترك شئ من كل ذلك مكشوفًا وبدون حجاب.

أخيرًا: قد أضاف التعليم “لا تحذف من سبط عشيرة قهات” حتى يعلموا أنهم يجب أن يخدموا. إذًا لمسوا هذه الأشياء لنقلها إن لم تغط أولاً من الكهنة فأنهم يموتون.

 

تخصيص للكنيسة لحفظ الأسرار : (تطبيق على الكنيسة)

          نعود الآن لهذه الخيمة التي هي “كنيسة الله الحي” وننظر كيف يجب أن نتمم كل هذه التعاليم بواسطة كهنة المسيح. إذا كان أحد منكم كاهنًا بالحقيقة التي عهدت إليه بالإناء المقدس، وهذا يعني أسرار الحكمة السرية، فليتعلم من هذا النص وليلاحظ الطريقة التي يجب أن يحفظ بها هذا الإناء المقدس تحت حجاب الضمير وأن لا يعرضها بسهولة للشعب.

فأن كان ملزمًا أن يعرضها وأن يسلمها للمرؤوسين أي للجهلاء فعليه أن لا يعرضها بدون غطاء وأن لا يظهرها كذلك بدون غطاء وأن لا يعرضها بسعة، وإلا أرتكب جريمة القتل ويحذف شعبه من الجماعة. لأنه حقًا يحذف كل إنسان يلمس الأسرار بدون أن يكون قد حمل رتبة كهنوتية باستحقاقاته وبعلمه.

حيث أنه لا يسمح بهذا إلا لأولاد هارون، هذا يعني أن الكهنة يرون علنًا وبطريقة مكشوفة تابوت الشهادة ثم المائدة ثم منارة الضوء وكل الأشياء التي قد سبق أن دونت. أما الآخرون فإنهم يرونها مغطاة أو بالأحرى يحملون هذه الأشياء “محجوبة على أكتافهم” (عد7: 9).

 

درجات كهنوتية

          أولاد قهات رغم أنهم لم يكونوا كهنة، ولكنهم مناسبون جدًا، ويستطيعون أن يحملوا هذه الأشياء على أكتافهم، والآخرون يضعون أثقالهم وأشياء كهنتهم ليس على أكتافهم. بل على عجلات. ولكن نستطيع مطالعة هذا النص، والتكلم عما ذكر فيه عن العجلات نقول أنه قد أعطى لكل سبط عجلات، فأخذ أولاد مراري أربع عجلات وأخذ جرشون أثنين. لكن الذين هم في درجات أعلى لا يأخذون عجلات.

          تأمل إذن الطريقة التي وزعت بها وظائف كهنة الله، الأشياء المقدسة لا تعطي للحيوانات ليحملوها، فإنه يجب أن الإنسان العاقل هو الذي يحمل على أكتافه الأواني التي تستخدم في قدس الأقداس. الأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة تعطي لحملها لا لكائنات عاقلة بل للحيوانات. في هذه الحالة الثانية، يوجد أيضًا تمييز يجب وضعه في الاعتبار.

فالذين في الخدمة المختصين بالأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة لديهم حيوانات أكثر عددًا. فلقد أعطيت أربع عجلات لبني مراري لكن عجلتان تكفيان لبني جرشون. الذين يشبهون بني قهات، ويتبيّن من ذلك أن الأعمال الأكثر صلابة ونوعًا ما أكثر خشونة لها عدد أكثر من الحيوانات لكن من ضمن الذين يكونون مثقفين وعالمين بهذه الأمور، عدد بسيط منهم فقط يقوم بالنشاط  الخاص بالكائن الحي حيث لا يحق “للإنسان الطبيعي” (1كو2: 14)، أن يقترب من الأشياء السرية، والتي لا تكون منظورة إلا للكهنة

لكن حتى هؤلاء لا يقتربون منها كلهم، إلا الذين لهم بعض الدراية ولكن لم يصلوا بعد باستحقاقاتهم وسلوكهم إلى كمال نعمة الكهنوت. وعلاوة على ذلك فإنهم لا يرونها إلا ” فى مرآة وفي لغز“، فهم يتسلمونها مغطاة ومحجوبة وسيحملونها على أكتافهم، حتى لا يعرفوها أكثر في فعل الأعمال أكثر من اكتشافها بالعلم.

          إذًا بما أن هذه هي الطريقة التي بها يوزع الله أسراره وينظم عمل كهنوته للأشياء المقدسة، يجب علينا نحن أن نكون أهلاً لرتبة الكهنوت، حتى لا يفرض علينا أثقال ثقيلة مثل الكائنات غير العاقلة بل كأناس عاقلين ومقدسين، نكلف بوظائف كهنوتية لأننا ” أمة مقدسة كهنوت ملوكي وشعب اقتناء” (1بط2: 9)، بشرط أن نتلاقى باستحقاقات حياتنا مع النعمة المعطاة لنا وأن نكون أهلاً للكهنوت المقدس، حتى نكون بعد خروجنا من هذه الحياة، مستحقين أن نؤخذ، كما قلت أعلاه من ضمن كهنة الله، وأن نكون ضمن خدمة تابوت العهد، بمعنى الأسرار الغير معلنة، ونتأمل مجد الله بوجه مكشوف وندخل في الأرض المقدسة التي سيعطينا إياها ربنا يسوع المسيح كميراث لنا والذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] هذه العظة حافلة بالخواطر العددية. وبهذا المعنى فهي تعتبر وثيقة هامة فيما يخص تاريخ التعامل مع الأعداد. نحن نعرف أن مبادئ هذه الطريقة تعود إلى فيثاغورس ولكن أفلاطون وأرسطو ساهموا فيها أيضًا ومن خلال الإنتاج المسمى (الأعداد اللاهوتية)، يلتقى الرواقيون مع الفيثاغورثيين.. يبدو أن الأعداد كانت شيئًا مشتركًا بين كل الطوائف فقد استعملها فيلون قبل أكليمندس وأوريجينوس في شرح الكتاب المقدس. والقديس أوغسطينوس نقل إلى العصور الوسطى عادة البحث عن المعنى في أعداد الكتب المقدسة ويمكن استعمال الأعداد في كل اتجاه. وهنا في هذه العظة يستخدم أوريجينوس الأعداد لكي يؤكد نظرته إلى الدرجات الروحية.

إحصاء اللاويين وواجباتهم – العظة الرابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

Exit mobile version