تحديد الأرض المقدسة – العظة الثامنة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
تحديد الأرض المقدسة – العظة الثامنة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
تحديد الأرض المقدسة
المعنى الحرفي
1ـ آخر رواية نُقلت عن سفر العدد هي تلك التي أمر فيها الرب موسى ” بأن يوصي بني إسرائيل ” (عد 2:34) حتى إذا ما دخلوا ” الأرض المقدسة ” لتملّك هذا الميراث، يعرفون حدود بلادهم التي يجب أن يلتزموا بها. وبعد هذه التعليمات يرسم لهم الرب بنفسه الحدود فقد قيل ” وهكذا يكون لكم تخم الغرب ” (عد7:34)، وهذا يعني الحدود الغربية التي يجب مراعاتها في هذا المكان، وفي مكان آخر “في الشرق” وهكذا في الأربع جهات الأصلية، الرب يعطي بنفسه الأسماء مبينًا بذلك الحدود التي يجب أن يراعيها شعب الله في أرض اليهودية.
وقد يقول بسطاء القوم من بين المستمعين أن هذه الوصايا قد تبدو ضرورية ونافعة، حتى طبقًا للمعنى الحرفي، لا ينبغي تخطي الحدود التي رسمها ناموس الرب. فلا ينبغي أن يتجرأ سبط باجتياح منطقة سبط آخر. ولكن ما العمل اليوم، فإنه في هذا البلد (فلسطين) ليس اليهود فقط هم الذين لا يستطيعون الاعتداء على أراضي بعضهم البعض، ولكنهم لا يستطيعون امتلاك أي شئ بأي صفة كانت؟ مطرودون من هذا البلد يعيشون في المنفى، ولا يمتلكون الأراضي التي منحتها لهم الشريعة الإلهية ولكن تلك التي خصصتها لهم حقوق المنتصر، وإني لأتساءل ماذا نفعل نحن أعضاء الكنيسة الذين يقرأون هذا الكلام؟ إذا فهمناه بالمعنى الذي يفهمه اليهود، فقد يبدو لنا بكل تأكيد كلامًا غير نافع وكله عبث.
ضرورة المعنى الروحي
ولكني أنا أقرأ إنه مكتوب عن الحكمة: ” اتبعها انطلق في أثرها” (ابن سيراخ14: 23)، أريد أن “اتبعها”، وبما أني لا أجدها في الأشياء الجسدية، فإني أرغب أن أسير في إثرها وأبحث عن الاتجاه الذي تأخذه وأرى الأماكن التي تجذب إليها ذهني، وبالفعل فإني اعتقد أنني إذا استطعت أن أتتبع الحكمة بكل انتباه وأن أعثر على طرقها، فسوف تعطيني في الكتاب المقدس بعض الفرص، بأن أرى كيف ينبغي تفسير هذه الفقرة إذا كنا نصدق كلام بولس الرسول عن الأسرار بأن الذين يخدمون حسب الناموس ” يخدمون شبه السماويات وظلها ” (عب8: 5)، وإذا كان طبقًا لكلام بولس الرسول أيضًا ” الناموس الذي في أيدينا جزءًا منه له ظل الخيرات العتيدة” (عب6: 1)، فالنتيجة بالضرورة أن كل الأشياء المذكورة كأنها أشياء أرضية في الناموس ليست ـ بكل وضوح ـ إلا ” ظلاً للخيرات العتيدة ” وميراث البلاد الكائنة في اليهودية المسماة ” بالأرض المقدسة ” أو ” الأرض الطيبة ” هو ” شبه السمويات ” وأن خيرات الأرض المذكورة في الكتاب المقدس تمثل ” الظل والشبه “.
الأسماء المختلفة في اليهودية والاستحقاقات في السماء
2ـ لكي أرتفع بمستوى عظتي وبمستوى أفكاركم، ولكي أدخلكم في دراسة الأشياء التي نتحدث عنها، فلنأخذ هذه المقارنة. فكل واحد منكم يعرف أنه في اليهودية، كل مكان، كل جبل، كل مدينة كل مركز يحمل اسم علم خاص. وعلى سبيل المثال الكنعانيون أعطوا أسماء في بلادهم، وبالمثل الفاريزيين في بلادهم، والأموريين والحويويين أو حتى العبرانيين عملوا بالمثل إلا أنه طبقًا لأقوال بولس الرسول فالأشياء الأرضية هي “ ظل وشبه السماويات ” (انظر عب8: 5). من الممكن أن يكون في الأماكن السماوية اختلافات كبيرة بين الأماكن، ومن الممكن أن نرى الأسماء والتسميات التي تشير إليها ربما ليس فقط الجهات الأربع بل أيضًا النجوم وكل الكواكب تحمل أسماء لأن النبي يقول: ” يحصى عدد الكواكب يدعو كلها بأسماء” (مز4:147). وعلى هذه الأسماء، الأسفار التي سميت بأسفار أخنوخ، تحتوى على كثير من التفاصيل السرية والخفية، ولكن بما أن هذه الأسفار لا يبدو لها سلطان على العبرانيين، فلنتجنب في الوقت الحالي ذكر الأسماء التي نجدها فيها كأمثال، ولنتابع أبحاثنا على ضوء الكتاب الذي بين أيدينا والذي لا يستطيع أحد أن ينكر سلطانه.
لقد وُصفت اليهودية في الناموس بكلمات الرب نفسها ونحن نعرف أنه يجب أن نرجعها إلى ” شبه السماويات “، إلا أنه يوجد في السماوات ” مدينة أورشليم “، والرسول ينادي بها بكل وضوح وبـ ” جبل صهيون ” (عب22:12)، وكما أن أورشليم الأرضية محاطة بمدن أخرى، وكفور وبلاد مختلفة، فإن أورشليم السمائية بدون شك محاطة على شبه الأرضيات بمدن أخرى وكفور وبلاد مختلفة حيث شعب الله وبني إسرائيل الحقيقيين، ينبغي أن ينصبهم يسوع الحقيقي يومًا ما والذي لم يكن يشوع بن نون إلا صورة منه. وحيث سيحصل شعب الله على ميراثه كل بنصيبه أي طبقًا لفحص استحقاقه. وبناءً عليه، إذا خصص الرب عند تقسيم الأرض، هذه الحدود لهذا السبط، وتلك الحدود لسبط آخر، ربما يكون بسبب عدم تساوي الأهلية عند الوارثين لملكوت السماوات. ربما إذا رتب الرب تحديد التخوم بكل دقة بين الأسباط، نعرف أنه سيؤخذ في الاعتبار عدم المساواة في الجدارة بين سبط وآخر.
وعلى سبيل المثال، الكسلان: ربما إيمانه يساوي أن يُعده ضمن بني إسرائيل ولكن إهماله وكسله سيجعلانه يصطف في سبط رأوبين أو جاد أو في نصف سبط منسى، وأنه سيحصل على نصيبه ليس من هذه الجهة من الأردن ولكن عبر الأردن. وعلى العكس من ذلك، شخص آخر يصبح بتقويمه لحياته وبتغيير إرادته أهلاً لأن يُعده، طبقًا لرسم يعرفه الله وحده، ضمن سبط يهوذا أو حتى سبط بنيامين حيث تنتصب أورشليم وهيكل الرب والمذبح. وهلم جرى الواحد هنا والآخر هناك، تلك هي الطريقة التي بها تمكّننا الدلالات الواردة في سفر العدد من رسم ظل التقسيم الذي سوف يحدث في السماوات على الأقل للوارثين ملكوت السماوات بيسوع المسيح ربنا ومخلصنا.
وأعتقد أنه هنا سيراعي نصيب الكهنة الذي رُسم “ظلهم” في هذا السفر، فنواحي المدن التي ضواحيها ملاصقة للحصون يجب أن يخصصها لهم بنو إسرائيل. وأعتقد أن هنا أيضًا ستكون المدن التي خُطط شكلها والتي تسمى بـ “مدن الملجأ” والتي تكون ملجأ ليس لكل القتلة، ولكن لأولئك الذين قتلوا نفسًا سهوًا. وهناك خطايا تجعلنا قتلة إذا كنا نرتكبها بتعمد وعن رضا. وتَوجد خطايا ارُتكِبْت عن جهل والتي من أجلها وبناءً على أمر من الرب خُصص وُأعد لنا مكانًا لكي نقيم فيه بعض الوقت، على ما أعتقد نحن الذين لم نرتكب إلا خطايا غير مقصودة بشرط أن نكون أطهارًا ومعصومين من الخطايا التي ارتكبت بمساعدة الإرادة. هذا هو السبب الذي من أجله نظروا إلى إقامة مدنًا للملجأ.
وعلى الرغم من ذلك يبدو للبعض أن كل نجم أو كوكب يمكن أن يدعى مدينة في السماء وأنا من جهتي لا أجرؤ أن أؤكد هذا، فإني أرى بالفعل أن “كل خليقة أخضعت على رجاء على الأقل من أجل الذي أخضعها” وبأنها تنتظر الحرية في خلاص أولاد الله” وفي شئ آخر أكثر نبلاً ورفعة أيضًا.
3ـ إذًا، إذا كان الناموس كما قلنا يتضمن ” ظل الخيرات المستقبلة ” وإذا كان خدام الناموس يخدمون ” صورة وظل الخيرات العتيدة ” (عب1:10) وإذا كان التأمل في ما نراه الآن “في مرآة ولغز” يجب أن يتفتح حينئذ “ وجهًا لوجه “(1كو12:13) واعتقد أن الأمر بالمثل بالنسبة ” لمسكننا ” الذي قيل عنه أنه منذ الآن ” في السموات ” أن نعتبره ” في مرآة وفي لغز ” حينئذ سيكون أيضًا في وجود “وجهًا لوجه “.
إن الذين يستحقونه سيكون “مسكنهم وسيرتهم في السموات”. إذا تتبعنا لهذا التفكير واثقين في الوعود ومعتقدين أنه ينبغي أن نمر من الأرض إلى السماء، أعتقد أن يسوع ربنا سيقيمنا في الأقطار السماوية ليس بدون الرجوع إلى نصيب كل فرد بمعنى معرفة مدى الاستحقاق لوضع كل فرد في هذا أو ذلك الجزء من السماء، في هذا أو ذلك المسكن. فهناك فرقًا كبيرًا هنا على الأرض بين الإقامة على سبيل المثال، في بلد مخصب، غني، يفيض بكل أنواع الخيرات، بنقيض أي شئ، لا المناخ اللطيف، ولا الأفراد المثقفين، ولا الحرية السياسية، وبين الإقامة في الأماكن المجدبة، الفقيرة فقرًا مدقعًا، في بلاد تحرقها الشمس أو يخدرها الصقيع والبرد، أو أن تكون أيضًا في بلاد موضوعة فريسة لبربرية قاسية ومتوحشة، ولحروب دائمة بدون هدنة، إلا أن الناس ليست موزعة بين هذه البلاد بدون عناية الله الخفية وبدون حكم الرب العادل. وسيكون الأمر بالمثل في العالم الآخر “وظل الأشياء السماوية” المدوّن على الأرض لن يظهر باطلاً في أي نقطة، فسيكون هناك أيضًا طبقًا لما قلناه مدينة ملجأ، وسيكون مدينة أخرى في البرية، كما كانت “باصر” في البرية في السهل من سبط رأوبين طبقًا للكتاب المقدس.
قسمة آدم الثاني
4ـ ينبغي أيضًا حفظ ما قيل فيما بعد ” حين فرق العلي بني آدم نصب تخومًا لشعوب حسب عدد ملائكة الرب ” (تث3: 8)، أو كما نقرأ في صورة مغايرة،”حسب عدد بني إسرائيل”، إذًا إذا كان في بداية العالم أبناء آدم قد وزعوا طبقًا لاستحقاقاتهم أو نظرًا لآدم نفسه، ماذا سنقول عما سيحدث لأبناء “آدم الأخير”.
” الذي صار ليس ليكون نفسًا حية بل روحًا محييًا ” (انظر1كو15: 45). حينما يبدأ الصلاح الإلهي ليس لتشتيتهم كما في بداءة العالم، بل ليُعدهم عندما تأتي نهاية العالم لا ” كأموات في آدم” ولكن ” كأحياء في المسيح” (1كو15: 22). سيكون بدون أدنى شك، هناك توزيع وتقسيم ينبغي أن يتم ليس فقط طبقًا لاستحقاقات البشر التي ترعاهم العناية الإلهية، ولكن أيضًا بحسب “آدم الأخير”، الذي فيه كما قيل “ سيُحيا الجميع” (1كو5: 22). ولكن من منا يستحق القبول في هذا التوزيع ويكون له نصيب في هذا الميراث الإلهي؟ من سيحظى بالقبول في أورشليم ويكون في المدينة الذي سيرتفع فيها هيكل الرب أو بالأحرى من سيكون هو نفسه هيكلاً للرب (1كو3: 16). من سيسعد بالاحتفال بالأعياد في المكان الذي فيه الهيكل الإلهي يتصاعد منه نيران دائمة؟ من سيحظى بوضع قربانه والبخور الحلو الرائحة على هذه النار الذي قال عنها المخلص: “ جئت لألقي نارًا على الأرض” (لو12: 49). من سيفرح بالاحتفال بالفصح في المكان ” الذي اختاره الرب إلهه ” (تث13: 5)، وبالاحتفال بيوم عيد العنصره، بعيد الكفارة، بهيبة خيمة الاجتماع، ليس بعد في شكل ظل ولكن في كمال جمالها وحقيقتها؟ من منا سيدعى مستحقًا لنصيب الفرح عندما يبدأ الرب في تقسيم أبناء آدم الأخير ليكونوا ليس من بين الذين سيقول لهم: ” سيكون لك سلطان على خمس مدن” (لو19:19)، ولا من بين الذين سيقول لهم: “ سيكون لك سلطان على عشر مدن” (لو19: 17)، ولا من بين الذين سيقول لهم: ” أدخل إلى فرح سيدك” (مت25: 27). ولكن من بين الذين سيقول لهم: ” تجلسون أنتم أيضًا معي على اثنى عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر ” (مت19: 21). والذي يقول عنهم: ” أيها الآب أريد أن هؤلاء يكونون معي حيث أكون أنا” (يو17: 24)، أريد أن يكونوا ملوكًا حتى أكون “ملك الملوك” (رؤ19: 6). أريد أن يكونوا أربابًا حتى أكون “رب الأرباب”.
طوبى لأولئك الذين سيبلغون قمة الغبطة، طوبى لأولئك الذين يستطيعون تسلق قمة الاستحقاقات، مبارك الرب إلهنا الذي أعد هذه الوعود ” للذين يحبونه” (1كو2: 9). هؤلاء هم بالحقيقة محسوبون أمام الرب في الأعداد المقدسة، أو بالحري الذين “ حتى شعور رؤوسهم جميعها محصاة ” (مت30:10). من ربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
تحديد الأرض المقدسة – العظة الثامنة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
قال الكتاب: ” إذ كان المصريون يدفنون موتاهم ” (انظر عد4:33)، “ فالموتى يدفنون موتاهم” (انظر مت8: 22)، أما ” الأحياء فيتبعون الرب إلههم “. وقال الرب بعد ذلك؟ ” وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين” (خر12: 12). فقد صنع الرب حكمًا عليهم ” لأنه وإن وجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون ” (1كو8: 5)، هكذا قال الرسول، وقال المزمور أيضًا ” كل آلهة الأمم شياطين” (مز96: 5). فليست الأوثان هي التي تسمى آلهة ولكن الشياطين الساكنة فيها تسمى آلهة. وعلى هذه الشياطين “قد صب الرب غضبه”، ولكنني أريد أن أبحث هنا كيف أن الرب صنع حكمًا على الشياطين، في حين إن يوم الانتقام والدينونة لم يأتِ بعد. ويبدو لي أن الانتقام المحكوم به ضد الشياطين هو عندما ينجذب أحد الناس الذي كان يسير وراء إغراءهم في عبادة الأوثان، ويتحول بكلمة الرب ويعود للعبادة التي كان فيها. فهذا التحول نفسه، هو انتقام ضد المُضل ” الذي هو الشيطان “. نفس الشئ إذا انجذب أحد بالشياطين في الزنى ثم رجع وتغير إلى الأخلاق الحميدة وأحب الطهارة وبكى على خطاياه، فدموع التوبة نفسها هذه تكون نارًا محرقة للشيطان نفسه وانتقامًا من الذي تسبب في هذا الضلال.
هكذا أيضًا إذا تحول إنسان من الكبرياء إلى التواضع ومن الترف إلى القناعة، فهو يضرب بذلك الشياطين التي حرضته على هذه الأخطاء بسوط حاد. فلا تتخيل أية آلام مبرحة تكون للشياطين عندما يرون أحدًا قد تبع كلمة الرب ” وباع كل ماله وأعطاه للفقراء، وحمل صليبه وتبع المسيح ” (انظر مت19: 21).
وعندما يرون أي شخص قد صار في طريق كلمة الله، فهذه تُعد آلام مبرحة بالنسبة لهم تفوق كل آلام أخرى. خاصة إذا تعمق هذا الإنسان في دراسة جادة لمعرفة الشريعة الإلهية، وأسرار الأسفار. فمثل هذا يجعل الشياطين يحترقون كما على جمر من نار. فالشياطين تظلم عقول البشر بظلمات الجهل وتنجح في جعلهم يتجاهلون الله ويتركون عبادتهم له. فأي انتقام وأي عقاب ينصب عليهم وأي نار تحرقهم عندما يرون أن هذه الظلمات تنقشع وتنفتح عقول البشر على نور الحقيقة. ويولدون من جديد من الخداع الذي للشياطين إلى المعرفة التي لشريعة الله. فلعل هؤلاء الذين يعيشون في الجهل يملكون كل ذلك وهؤلاء المستمرون في الجهل، يقدمون أنفسهم لأولئك الذين قد عرفوا الله ويحاولون العودة بهم إلى أعمال الجهل. فإذا ارتكب أحد خطية الزنى فهو مرتبط بلا شك بأحد الشياطين. أيضًا عندما يترك الإنسان نفسه يجتاحها غضب حاد أو عندما يسلب حق الآخرين ” لأنه إن لم تكونوا أمناء فيما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم ” (لو16: 12). وأيضًا: ” الذي يغتاب صاحبه سرًا فهذا أقطعه” (مز101: 5)، ” من يضع معثرة لأخيه ” فهذا كله بلا شك له علاقة بالشياطين.
وأيضًا نبذل كل جهودنا لكي لا تحيا فينا ” أبكار المصريين ” مرة أخرى وآلهتهم الذين ضربهم الرب وأهلكهم، أي لا نعطيهم الفرصة أن يعملوا فينا أعمال النجاسة أمام الله.
فإن اعتزلنا بعيدًا، فإننا يمكن أن نقول “الله صنع أحكامًا بآلهة المصريين” والشياطين، ويعاقبون بواسطة تغيير حياتنا وإصلاحها .
المرحلة الأولى:
من صخب الحياة الزائلة
لقد خرج بنو إسرائيل من مصر ورحلوا من رعمسيس ووصلوا إلى سكوت. فهذا التدرج والترتيب لهذه المراحل أمر هام جدًا كي يلاحظه الذين يتبعون الله، ويثابرون على النمو في الفضائل. وأتذكر أني درست هذا الترتيب في موضع آخر وذلك لبنيانكم بالأفكار التي تفضّل الرب ومنحني إياها واليوم نحن نعود لها اليوم بإيجاز.
المرحلة الأولى: وهي الرحيل من رعمسيس، فهي إما رحيل النفس وهي تترك هذا العالم متوجهة إلى الدهر الآتي، وإما تخلى النفس عن خطاياها في هذه الحياة وتحولها إلى طريق الفضيلةومعرفة الله، فبذلك تكون قد رحلت من رعمسيس. فرعمسيس تعني بالنسبة لها الضجة المزعجة كصخب الحشرات الهائمة. وهذا يعني أن كل ما في هذا العالم هو ضحية للصخب أو الإنزعاج وأيضًا فريسة للفساد والمرموز إليه “بالحشرات الهائمة”. فلا يصح للنفس أن تبقى فيه ولكن عليها أن ترحل منه وتأتي إلى سكوت.
المرحلة الثانية:
“سكوت” تعني الاختبارات حيث يكون أول نمو للنفس هو أن تخلع نفسها من الضجة الأرضية، وأن تعرف أن عليها أن تعيش الاختبار كالرحالة والمسافر، حتى تكون كجندي تحت السلاح والذي يجب أن يبقى في مكانه لمواجهة الذين يهجمون عليه، وأن يكون يقظًا وطليقًا.
المرحلة الثالثة:
الصراع
إذًا، عندما تشعر النفس إنها مهيأة، تترك “سكوت” وتخيم في إيثام. وإيثام تعني مضايق. الأمر يتعلق هنا بالتقدم في الفضيلة ولكن الفضيلة لا تُقتنى إلا بالتداريب والعمل. والفضيلة تزدهر أكثر في الضيقات والصعوبات أكثر من ظروف الراحة والنجاح. إذًا فالمرء يصل إلى مضيق. ففي تلك المضايق والوديان تكون المعركة بين الشيطان والقوى المضادة له. إذًا ففي المضيق، ينبغي أن يتحمل المرء الدخول في كفاح بطولي، ويقاتل بقوة. وهكذا صارع إبراهيم في وادي سيدم” ( أنظر تك8:14) ضد ملوك البرابرة وأحرز إنتصارًا. فالإنسان الروحي المسافر نزل إلى سكان الأمكنة العميقة والمنخفضة دون أن يبطيء هناك بل قد أحرز الإنتصار.
المرحلة الرابعة:
زهد مُلَطّف
” لقد رحلوا من إيثام ورجعوا على فم الحيروث ” (عدد7:33). وكلمة حيروث تعني خزي، فلم يأتوا بعد إلى المدينة. ولم يصلوا بعد إلى الكمال.
ولكن أثناء الانتظار استولوا على بلاد كثيرة، وهذا التقدم يكون في المرور من الأشياء الصغيرة إلى الكبيرة حيث نصل إلى المنفذ، أي إلى مدخل أحدى القرى التي تشير إلى حياة التعفف اللطيف. وهذا في الحقيقة يكون خطرًا في بدايات التعفف الشديد.
أوائل الطموحات
” ورجعوا على فم الحيروث التي قبالة بعل صفون ونزلوا أمام مجدل” (عد33: 7). وبعل صفون هنا تعني “صعود البرج“، فنحن نصعد من الأشياء الصغيرة إلى الكبيرة، ونحن لم نصعد بعد إلى برج المراقبة. وفي الواقع نبدأ في مراقبة ومشاهدة الرجاء الآتي ونقيس ارتفاع النمو، وننمو شيئًا فشيئًا ودائمًا نتغذى على الرجاء أكثر من تعب المجهودات.
هذه الوقفة أو هذه المرحلة هي قبالة “مجدل”. ومجدل تعني “جلال أو “بهاء“. وبالارتفاع إلى البهاء وإلى مراقبة الأشياء المستقبلية، تستعيد النفس مكانتها، وتتغذى على الآمال العالية. لأنها مازالت في التدرج والنمو ولم تصل إلى الكمال بعد.
المرحلة الخامسة:
عبور البحر الأحمر
” لقد رحلوا من الحيروث وعبروا في وسط البحر، ونزلوا في مارة” (عد8:33). فقد قلنا إن زمن التقدم هو زمن الأخطار. فكم تكون صعوبة الاختبار في عبور شواطئ البحر، في رؤية الأمواج المتراكمة، في سماع الصوت المزمجر من هياج الأمواج. ولكن إذا كنت موسى أي شريعة الله، سوف تكون المياه لك سورًا على اليمين وسورًا على الشمال. وسوف تجد طريقًا في وسط البحر. وفي رحلة النفس السمائية التي تكلمنا عنها نستطيع أن نجد مياهًا وأمواجًا؛ لأن جانبًا من هذه المياه هي تحت السماء (انظر تك1: 7). فنحن قد احتملنا الأمواج التي تحت السماء. والله ساهر كي يهدئ هذه الأمواج فلا تقدر أن تحركها أية رياح.
وبالنسبة لنا ففي لحظة عبور البحر، حتى لو كان فرعون والمصريون يطاردوننا (أنظر خر23:14)، فإننا لا ننزعج ولا نعبأ بهذا الخوف. ولنثق فقط في ” الإله الحقيقي وفي الذي أرسله الذي هو يسوع المسيح” (انظر يو17: 3). وإذا كان الشعب قد وثق في الله وفي خادمه موسى، فنحن بنفس الطريقة نثق في موسى أي فيشريعة الله، وفي الأنبياء. ولتكن واثقًا أنك سوف تجد ” المصريين يغرقون في البحر” (أنظر خر30:14). وعندما تراهم هكذا، انهض ورنم الترانيم للرب وسبّح ذاك الذي ” طرح الفرس وراكبه في البحر” (انظر خر15: 1).
المرارة
إذًا، فقد ” خيموا في منطقة مارة ” أي مياه مرة. وعند كلمة “مارة” لا تخف ولا تنزعج ” لأن كل تأديب في الحاضر لا يرى إنه للفرح بل للحزن. وأما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر للسلام” (عب11:12) هذا ما يعلمنا به الرسول. ومن جهة أخرى فإن الفطائر ينبغي أن تؤكل مع أعشاب مرة ” (أنظر خر8:12). فمن غير الممكن أن نصل إلى أرض الموعد بدون أن نعبر على المرارة. وبالمثل، فإن الأطباء يدخلون في أدويتهم عقاقير مرة من أجل صحة المريض وشفائه. وهكذا أيضًا، فإن طبيب أرواحنا أراد أن يتحمل مرارة هذه الحياة الحاضرة من خلال تجارب متنوعة، لأنه يعرف أن هذه المرارة ستعطي لأرواحنا حلاوة الخلاص. وبالعكس فإن الحلاوة والتلذذات التي تتملق الجسد ـ كما نتعلم من مثل الغني الشريرـ تنتهي بمرارة جحيم العقاب. وأنت تتبع طريق الفضيلة لا ترفض أن تخيم في المياه المرة، فسوف ترحل منها مثل بني إسرائيل.
المرحلة السادسة:
ترطيب
” ثم ارتحلوا من مارّة وأتوا إلى إيليم “(عدد33: 9). إيليم هي مكان تجد فيه إثنا عشرة عين ماء وسبعون نخلة ” انظر فبعد مرارة وصعوبة الحروب، كيف تكون التعزية التي تستقبلك. فلن تصل إلى مكان الراحة ما لم تتحمل مرارة ” التجارب المرة “. ولن تصل إلى عذوبة الينابيع إلا إذا عبرت فوق الأحزان والمصاعب. فليست هذه هي نهاية كل شئ ونهاية الرحلة. لكن الذي ينظم تدبير النفوس هو الله ويضع في عبور الرحلة تعزيات بفضلها تحيا النفس وتتعزى وتستعد لمجابهة بقية الجهادات.
رسل، تلاميذ:
إن رؤوس الكباش هي التي تقود القطيع، فما هم إذن قواد قطيع المسيح إلا الرسل الذين هم إثنا عشر ينبوع، والرب مخلصنا لم يقم بإختيار الاثنى عشر فقط بل اختار أيضًا ” إثنين وسبعين تلميذًا آخرين “، ولذلك كُتب أنه يوجد أكثر من 12 ينبوع و 72 نخلة؛ لأن هؤلاء التلاميذ قد سموا رسل أيضًا كما قال بولس في (1كو15: 7). عندما تحدث عن القيامة. وهذا يثبت أنه يوجد رسل آخرون أكثر من الاثنى عشر. هكذا سوف تجد هذه التعزيات بعد المرارة، وهذه الراحة بعد العمل، وهذه النعمة بعد التجارب.
المرحلة السابعة:
على شاطئ البحر الأحمر
البحر الممسوس من الشيطان
“ ثم ارتحلوا من إيليم ونزلوا على بحر سوف “(عد10:33).
لاحظ أنهم لم يدخلوا البحر الأحمر، فيكفي أن يدخلوه مرة فيما بعد، لكي يشاهدوه وينظروا أمواجه دون الخوف من عواصفه وهيجانه.
المرحلة الثامنة:
تجربة الرؤى
” ثم ارتحلوا من برية سين ونزلوا في دفقة “(عد 33: 12). وكلمة سين تعني “دغل” أو تجربة. فها هو رجاء الخيرات الحقيقية بدأ يجعلك تبتسم، ولكن من أين يأتي الرجاء بالخيرات الحقيقية؟ إنه في دغل (عليقة) حيث ظهر الرب وكلم موسى (خر2:3). وكان هذا أول ظهور للرب بالنسبة لبني إسرائيل، ولكن كون سيناء تعني هنا تجربة، فهذا شئ له سبب، فأحيانًا يظهر الشيطان في شبه ملاك نور (2كو11: 4). لذلك يجب أن نكون على حذر ونتصرف بحرص، لكي نميز طبيعة الرؤى بمعرفة، كما فعل يشوع ابن نون عندما رأى رؤية وعرف أنها تخفي تجربة فطلب على الفور معرفة ذلك (الرجل) ومن يكون الذي ظهر. ” وحدث لما كان يشوع عند أريحا أنه رفع عينيه ونظر وإذا برجل واقف قبالته وسيفه مسلول في يده. فسار يشوع إليه وقال له هل لنا أنت أو لأعدائنا “(يش5: 13). هكذا النفس في نموها تصل إلى تمييز الرؤى، فهي ” أي الإنسان الروحي” الذي يحكم في كل شيء (أنظر1كو2: 15). لذلك ” فتمييز الأرواح ” قد ذُكِرَ من بين المواهب الروحية، كموهبة من الروح القدس (أنظر1كو12: 10).
المرحلة التاسعة:
شفـــــــاء
” ثم ارتحلوا من آلوش ونزلوا في رفيديم” (عد 33: 14)، وكلمةرفيديم تعني صحة أو شفاء. هكذا نرى تتابع النمو، فكيف عندما تصبح النفس، روحية وعندما تنال موهبة تمييز الرؤى السماوية فهي تصل إلى الشفاء حتى أنها تستطيع أن تقول ” باركي يا نفس الرب وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس، باركي يا نفس الرب ولا تنسي كل حسناته ” (مز103: 1-3). أي رب هذا الذي يشفي كل الأمراض. والذي يعيد الحياة بعد الهلاك؟ فالنفس لها الكثير من الأمراض؛ فالبخل مرض خطير جدًا من بين هذه الأمراض. والغرور، والغضب، والمجد الباطل، والخوف وعدم الثبات وكل ما شابه ذلك هو مرض من أمراض النفس. فمتى شفاك الرب يسوع من كل هذه الأمراض؟
وماذا أستطيع أنا أيضًا أن أفعل في رفيديم؟ وما هي الصحة؟ إنه من الممل أن نذهب من مرحلة إلى أخرى دون أن نكتشف في كل مرحلة، ما توحي به دراسة هذه الأسماء. فنحن نعيد النظر فيها بطريقة موجزة، لكي نقدم لكم تفسيرًا كاملاً متى سمح لنا الوقت وسمحت لنا الفرصة بالدخول إلى المعنى.
المرحلة العاشرة:
أعمـــــــال
” ثم ارتحلوا من ألوش ونزلوا في رفيديم ” (عد33: 14) ، فكلمة ألوش تعني “أعمال”. فإذا قبلت النفس الشفاء من الله، فهي بذلك تحّمل نفسها بالأعمال بفرح وبلا أي مرارة رديئة، فقد قيل في المزمور ” لأنك تأكل تعب يديك طوباك وخيرك لك ” (مز128: 2) فلا تنذهل إذا خلفت الأعمال والأنصاب شفاء لنفسك.
المرحلة الحادية عشر:
كسب الحكم (عد 33: 14)
رفيديم تعني ” مدح الحكم “. فمن العدل أن المدح يتبع الأعمال. ولكن أي مدح؟ إنه الحكم. فالنفس تصير أهلاً للمديح، عندما تحكم جيدًا وتميز حسنًا، فهذا يعني عندما ” تحكم النفس روحيًا في كل شيء ولا يُحكَم فيها من أحد” (1كو2: 15).
المرحلة الثانية عشر:
الشـــريعة
” ثم وصلنا إلى صحراء سيناء ” فسيناء هي الجزء من الصحراء الذي سماه الكاتب سيناء العليا، ولكن هنا تعني بالحرى الجبل الذي يقع في الصحراء، فبعدما أخذت النفس شكل الحكم الحسن، وبدأت تأخذ الحكم القانوني، فهنا يعطيها الله الشريعة في اللحظة التي تكون لها القدرة على إستقبال الأسرار الإلهية والرؤى السماوية.
المرحلة الثالثة عشر:
إطفاء لهيب الشهوة
ثم نصل إلى قبور الشهوة، فما هي قبور الشهوة؟ فبلا شك أن الله يطفئ ويدفن الشهوات، حيث تنطفئ كل رغبة وحيث ” لا يشتهي الجسد ضد الروح” (أنظر غلا7:5)، ” أنتم مُتم بموت المسيح ” (أنظر رو4:7).
المرحلة الرابعة عشر:
الغبطة … الطوبى
” ونزلوا في حضروت ” (عدد27:33). ثم نصل إلى حضروت التي تعني راحة أو غبطة. فضع في اعتبارك أيها المسافر تتابع النمو!. فبعد الدفن وموت الشهوات الجسدية ستصل إلى حضروت، إلى الغبطة والتطويب. فالنفس التي لم تقهرها أي رذيلة جسدانية هي نفس سعيدة مغبوطة.
المرحلة الخامسة عشر:
رؤية كاملة
” ثم ارتحلوا من حضروت ونزلوا في رثمة ” (عد33: 18). فكلمة رثمة، تعني رؤية مُستهلكة. فلماذا لم تكبر النفس إلى الدرجة التي تصير فيها غير حساسة لأوجاع الجسد. إن لها رؤى مستهلكة وهي تفهم المعنى الكامل للأشياء وتعرف أسباب تجسد كلمة الله، والأشكال التي يتخذها تدبير هذا السر بامتلاء وعمق!
المرحلة السادسة عشر:
إمكانية التمييز بين ما هو أبدي وما هو أرضي
من هنا نصل إلى “ريمون فارص” (عدد29:33). وتعني انشقاق أو انقطاع أو المكان الذي حدث فيه انقسام، وتمييز بين الأشياء السامية السماوية، وبين الأشياء الوضيعة الأرضية، لأنه كلما أتسع إدراك النفس كلما توجت بموهبة معرفة الحقائق العالية والتمييز حتى تعرف أن تقطع الأبدي من الترابي، وتفصل بين ما هو مؤقت عن ما هو باقٍ إلى الأبد.
المرحلة السابعة عشر:
نقـــاء
ثم نصل إلى “لبنة” ثم ” نزلوا في لبنة ” (عدد20:33). ولبنة تعني بياض أو نقاء“…أني بكل ضمير صالح عشت لله إلى هذا اليوم” (أع23: 1). و” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون….” (مت23: 27). والنقاء هنا هو الذي قال عنه النبي في المزمور ” استر وجهك عن خطاياي وامح كل آثامي” (مز51: 9). ” وهلم نتحاجج يقول الرب إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض مثل الثلج“ (أش1: 18). ” ولباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي” (دا7: 9)، ويجب أن نفهم أن هذا البياض يأتي من سطوع النور الحقيقي وينحدر من ضياء الروئ السماوية.
المرحلة الثامنة عشر:
حرب منظورة أو جديرة بالمديح
بعد ذلك توقفنا في ” رسة ” “ ثم نزلوا في رسة ” (عد33: 21). وهي تعني بلغتنا حرب مرئية أو جديرة بالمديح. وماذا أيضًا؟ إن ما تحرزه النفس من بعض التقدم ليس معناه إنتهاء الحروب بالنسبة لها. وهذا يعني أن الحروب بالنسبة لهذه النفس تكون نافعة وحامية لها. فكما أن اللحم يفسد ما لم يملح بالملح، والإ فما هي صفته، بدون ذلك؟ هكذا النفس إذا لم تكن قد تملحت بالحروب والتجارب المستمرة، فهي تذوب وتتراخى. لذلك نرى جيدًا أن ” كل قربان من تقادمك بالملح تملحه ولا تخل تقدمتك من ملح عهد إلهك، على جميع قرابينك تُقرب ملحًا ” (لا2: 13).
وأيضًا كلمة بولس في (2كو12: 7) “ولئلا ارتفع من فرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا ارتفع“. هذه هي الحرب المنظورة أو الجديرة بالمديح.
المرحلة التاسعة عشر:
السيادة على النفس وعلى الطبيعة
ثم وصلنا إلى ” مقهيلوت ” (أنظر عد33: 25)، وهي تعني أساس أو قضيب. وبهذين المعنيين نجد أمامنا فكرة أن النفس قد أحرزت الكثير من التقدم في السيادة على الجسد وقد أخذت الصولجان. صولجان القوة ليس على الجسد فقط ولكن على العالم كله حيث قالت في (غل6: 14) ” أما من جهتي فحاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلب العالم لي وأنا للعالم“.
المرحلة العشرون:
إتخاذ وضع الهجوم: “وصلنا الآن إلى جبل شافر” (عد33: 23). وتعني ” دق أجراس الأبواق“، فالبوق يعطي إشارة للحرب. فعندما تشعر النفس بأنها قد تسلحت بأجمل الفضائل فهي تأخذ وضع الهجوم في الحرب ضد ” أجناد الشر الروحية…” (أف6: 12)، أو على الأقل تبوق ببوق كلمة الله مع بوق التبشير لكي تعطي ” بالبوق صوتًا واضحًا ” (أنظر1كو8:14) وتقول لمن يسمعها ” استعد للحرب “.
المرحلة الحادية والعشرون:
الأستعداد للرسالة
” ثم ارتحلوا من جبل شافر ونزلوا في حرادة ” (عد33: 24) وتعني ” له القدرة ” ولذلك قال بولس الرسول في (2كو3: 6) ” الذي جعلنا كفاة أن نكون خدام عهد جديد “.
المرحلة الثانية والعشرون:
التعلق بالمبدأ
” ثم إرتحلوا من حرادة ونزلوا في مقهيلوت” (عد 33: 25) ومقهيلوت تعني ” منذ الأصل أو المبدأ ” إن الذي يمتد في التأمل يتأمل مبادئ الأشياء أو بالحري يرجع كل الأمور إلى ” ذاك الذي كان في البدء” (يو1:1)، ومنذ هذه اللحظة لا يبعد نفسه عن هذا المبدأ أي الأصل.
المرحلة الثالثة والعشرون:
الصبـــــر
“ ثم ارتحلوا من مقهيلوت ونزلوا في تاحت” (عد 33: 26) ، تعني الثبات أو الصبر، فالذي يريد أن يكون نافعًا للآخرين عليه أن يتألم كثيرًا ويحتمل كل شئ بصبر كما قيل عن بولس في (أع9: 16) ” لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي“.
المرحلة الرابعة والعشرون:
الاختطـــاف
” ثم ارتحلوا من تاحت ونزلوا في تارح ” (عد 33: 27). وهي تعني تأمل الدهش، وهي حالة تكون عليها النفس عندما تصير في ذهول وإعجاب بشئ كبير أو شئ سامي وتُسمّى هذه الحالة الدهش وأيضًا تكون عندما يدهشن العقل بمعرفة الأشياء السامية والعالية الجديرة بالإعجاب.
المرحلة الخامسة والعشرون:
الموت مع المسيح
” ثم ارتحلوا من تارح ونزلوا في مثقة ” (عد 33: 28). وصلنا هنا إلى مثقة، وهي تعني موت جديد. فما هو هذا الموت الجديد؟ هو عندما نموت مع المسيح. ” صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه ” (2تي2: 11).
المرحلة السادسة والعشرون:
فضيلة الصبر
” ثم ارتحلوا من مثقة ونزلوا في حشمونة ” (عد 33: 29). وهنا قد وصلنا إلى حشمونة، وهي تعني العظم أو العظام. فبالتأكيد إن الفضيلة وقوة الصبر هما اللذان يدلان على ذلك.
المرحلة السابعة والعشرون:
طرد الروح الرديء (عد 33: 30)
” ثم ارتحلوا من حشمونة ونزلوا في مسيروت” (عد33: 30). وهي تعني الذي يدفع أو يطرد الروح؟ هذا يشير إلى الإيماءات الرديئة التي يضعها روح الشر في أفكار النفس. لذلك قالت حكمة الله ” إن صعدت عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك لأن الهدوء سكِّن خطايا عظيمة ” (جا10: 4). فيجب إذًا أن يحتفظ الإنسان بمكانه ويطرد العدو، لئلا يجد مكانًا في قلبنا كما أثبت الرسول ذلك بقوله “ ولا تعطوا إبليس مكانًا ” (أف4: 27).
المرحلة الثامنة والعشرون:
إلى ينابيع الكلمة
” ثم ارتحلوا من مسيروت ونزلوا في بني يعقان” (عد 33: 31)، وهي تعني ينابيع. فحين تشرب النفس من ينابيع الكلمات الإلهية فهي تقطرها وتشربها… فإننا نصفي كلمة الله ونقطّرها عندما لا نتخلى عن أي وصية أعطيت لنا.
المرحلة التاسعة والعشرون:
الحـــــــرب
” ثم ارتحلوا من بني يعقان ونزلوا في حور الجدجاد“.(عد 33: 32). لقد وصلنا إلى حور الجدجاد وهي تعني حرب أو انحصار. إنها قوة في النفس ووقاية لها. فالنفس امتزجت بالفضائل التي بدونها لا تبدو النفس جميلة وكاملة. ففي نمو النفس في الفضيلة توجد غالبًا مراحل عديدة وسط التجارب والحروب.
المرحلة الثلاثون:
الخيــــرات
” ثم ارتحلوا من حور الجدجاد ونزلوا في يُطبات“(عد 33: 33)، وكلمة يُطبات تعني ” خيرات ” فلن نصل إلى الخيرات إلا بعد اختبار الحروب.
المرحلة الحادية والثلاثون:
عبــــــور
” ثم ارتحلوا من يُطبات ونزلوا في عبرونة “(عد 33: 34) ، وهي تعني العبور. فالعبور أمر مستمر بالنسبة للنفس، فحتى لو وصلنا إلىالخيرات، يجب أن نعبر منها إلي خيرات أفضل، حتى نصل إلى الخير الذي يبقى إلى الأبد.
المرحلة الثانية والثلاثون:
النضـــــوج
” ثم ارتحلوا من عبرونة ونزلوا في عصيون جابر“(عد 33: 35)، وعصيون جابر تترجم أغراض الإنسان. إننا نصل إلى أغراض الإنسان عندما يكف الإنسان عن أن يكون طفلاً في الأفكار، كما يقول الرسول ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم” (1كو13: 11). ولكن توجد أغراض سامية جدًا وذات قيمة عالية للإنسان كما قيل في الأمثال، ” المشورة في قلب الرجل مياه عميقة وذو الفطنة يستقيها” (أم20: 5).
المرحلة الثالثة والثلاثون:
حــــروب
“…… ونزلوافي برية صين وهي قادش“(عد 33: 36). من هنا عدنا إلى سيناء وسيناء هي من جديد “الحرب”. وقد قلنا كثيرًا إنه ليس حسنًا عمل هذه الرحلة في أحوال أخرى، ونأخذ مثالاً لذلك. الصائغ الذي يريد أن يصنع قصرية من الورود، فغالبًا ما يقربها من النار. فأحيانًا يتم العمل بالمطرقة وأحيانًا بالحامض، كي يجعلها أكثر نظافة ولكي يعطيها الأشكال الجميلة التي يحلم بها الفنان.
المرحلة الرابعة والثلاثون:
(عد 33: 36) الخصوبة
وهي تعني الخصوبة المقدسة. ونحن نرى من أين أتينا وإلى أين نذهب ونرى أن الخصوبة الروحية تأتي بعد تجعدات الحروب.
المرحلة الخامسة والثلاثون:
جبــــل الله
“….. ونزلوا في جبل هور في طرف أرض أدوم” (عد33: 37). وفي النهاية أتينا إلى جبل الله حتى يصبح هو نفسه “جبل دسم” “جبل ضخم”، حيث يمكننا أن نسكن دائمًا على جبل الله.
المرحلة السادسة والثلاثون:
ظل المسيح والروح القدس (عد 33: 41)
بعد هذه المرحلة تأتي مرحلة “صلمونة ” (عدد41:33). وتفسيرها ظل الأرض. فالأمر يتعلق هنا كما أعتقد بالظل الذي قال عنه النبي: ” روحنا، مسيح الرب، …الذي قلنا عنه، سوف نعيش في ظله بين الأمم ” (أنظر مراثي 20:4س). وهذا الظل يشبه الظل الذي قيل عنه ” روح الرب يظللك” (أنظر لو35:1). فإن الذي يظللنا ويحمينا بمظلته من كل لهيب التجارب والإغراءات، هو المسيح الرب والروح القدس.
المرحلة السابعة والثلاثون:
الرصانة في كشف الأسرار
“….. ثم ارتحلوا من صلمونة ونزلوا في فونون“(عد 33: 42). وفونون تترجم باعتدال الفم. فالذي استطاع أن يتأمل سر المسيح والروح القدس والذي رأي أو سمع “…. وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم عنها” (2كو12: 4)، فلابد أن يكون له عفة الفم ويعرف متى وكيف يتكلم عن الأسرار الإلهية.
المرحلة الثامنة والثلاثون:
أوبـــوت
“….. ثم ارتحلوا من فونون ونزلوا في أوبوت“(عد 33: 43) ، رغم أن أننا لم نجد ترجمة لهذا الاسم، فلا نشك أننا نجد فيه كما في الأسماء الأخرى متابعة النمو.
المرحلة التاسعة والثلاثون:
الهـــــاوية
” ثم ارتحلوا من أوبوت ونزلوا في عييّ عباريم في تخم موآب” (عد 33: 44). وكلمة عييّ تعني الهاوية. فالنفس بتقدمها تقترب من “حضن إبراهيم”. وإبراهيم يقول للذين يتعذبون ” وفوق هذا كله بيننا وبينكم هوة عظيمة …..” (لو16: 26)، والنفس تريد أن ترتمي في حضنه كالمغبوط لعازر.
المرحلة الأربعون:
الخلية في الحروب
“…. ونزلوا في ديبون جاد“(عد 33: 45). وديبون جاد تعني خلية الحروب. كم هي مدهشة قدرة العناية الإلهية! إن المسافر ملتزم في هذه المرحلة باتجاه السماء، إنه بتتابع الفضائل يقترب من الكمال الفائق، بعيدًا عما تحدثه فيه الحروب من خسائر. إن النحلة قد ذُكرت في الأسفار كحيوان نافع. وبفضل أعمالها يجد الملوك والناس العاديين الشفاء. وبالمعنى الحقيقي إن هذا يمتد في كلمات الأنبياء والرسل وكل هؤلاء الذين كتبوا الكتب المقدسة. ما هي خلية النحل إذًا؟ هي الدورة الكاملة للأسفار اللإلهية. إنها التفسير الذي يبدو لي مناسبًا. وتوجد حرب إذًا للذين امتدوا إلى الكمال في نفس هذه الخلية أي في كلام الأنبياء والرسل.
إننا نجد الإثبات الذي يخبرنا عن حرب قوية جدًا ” ولئلا ترفع عينيك إلى السماء وتنظر الشمس والقمر والنجوم كل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء فتعثر وتسجد لها وتعبدها” (تث4: 19). أرأيت الحرب الخارجة من هذه الخلية؟ وقال أيضًا من جديد في (خر22: 28) ” لا تسب الله ولا تلعن رئيسًا في شعبك“. وأيضًا في خلية العهد الجديد (يو8: 40) “ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله“.
وقال الرب أيضًا ” من أجل هذا أكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون. فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة تسمعون سمعًا ولا تفهمون. ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم قد ثقل سماعها، وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم” (مت13: 13-15).
وتحدث الرسول بولس عن ” الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله “(2كو4:4). باختصار سوف نجد كثير من هذه الحروب في الخلية الإلهية. فيجب أن كل ما هو مقدس يأتي منها حتى نعرف بهذه الطريقة في أي درجة من الكمال والتقوى قد وصلنا في فكرتنا عن الله.
المرحلة الحادية والأربعون:
احتقار خيرات العالم
” ثم ارتحلوا من ديبون جاد ونزلوا من علمون دبلاتايم “(عد 33: 46). وعلمون دبلاتايم تترجم احتقار التين، فيجب أن نحتقر خيرات الأرض ولا نعرها أي اهتمام بالمرة، وإذا لم نحتقرها ولم نعطِ أي اهتمام لكل ما يبدو لنا مناسبًا على الأرض، فإننا لن نستطيع أن نعبر إلى الحقائق السمائية.
المرحلة الثانية والأربعون:
الغبطة بعيدًا عن العالم
” ثم ارتحلوا من علمون دبلاتايم ونزلوا في جبال عباريم أمام نبو“(عد 33: 47). وجبال عباريم تعني ” العبور” ونبو تعني “انقسام” فعندما تسافر النفس عبر كل هذه الفضائل، وتبلغ قمة الكمال فهي تمضي خارج هذا الزمان وتنفصل عنه كما نقرأ عن أخنوخ ” وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه“(تك24:5). فإنسان من هذا النوع، يبدو أنه حاضر في الزمن ويسكن في الجسد، لكننا لم نجده بعد ذلك. فأين يكون إذًا؟ ما يوجد إن في أعمال العالم هي الحقائق الجسدية، والتحفظات الباطلة، فالله أخذ هذا الإنسان بعيدًا عن كل ذلك وأجلسه في بلد الفضائل.
المرحلة الأخيرة:
” ثم ارتحلوا من عياريم ونزلوا في عربات موآب على أردن أريحا” (عدد 33: 48). فكل هذه المسيرة هدفها الوصول إلى شاطئ الله، وإقترابنا من مجاري الحكمة، حتى نسبح في العلم الإلهي، ونتنقى من كل شئ ونستحق الدخول في أرض الموعد “أي الاتحاد بالله”.
شرح نهائي
إنني أترك هنا بقية التعليم لحكمة وتأمل الحكماء. لإجل ” إعطاء الفرصة للفهماء” (أم9:9). ” لأنه ليس حسنًا أن تظل أفكار القراء جامدة وخاملة، ” فالله لا يعطي الروح بكيل” (يو3: 43)، ونأمل أن ينفح الروح فيكم أنتم أيضًا لتستطيعوا اكتشاف أفضل الأفكار وأعلاها عن كلام الرب، فضلاً عن أنكم تسافرون عبر هذه البلدان التي وصفناها بطريقتنا الضعيفة، ونحن نستطيع أن نتقدم معكم في هذا الطريق السامي وتحت قيادة ربنا يسوع المسيح الذي هو ” الطريق والحق والحياة” (يو6:14)، حتى نصل إلى الآب. ” وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب، متى أبطل كل رياسة، وكل سلطان وكل قوة ” (1كو15: 24)، الذي له المجد والكرامة من الآن وإلى الأبد آمين.
مقارنة مع المتقدمين في الدراسات
13 ـ خوفًا من أن هذا الشرح الذي ينطوي على معنى الكلام العبري يبدو غامضًا للذين يجهلون هذه اللغة، ولكن بلغتنا سوف يعطوننا مقارنة تضئ لنا معنى هذه الرواية. وفي الحروف عندما يتعلم الأطفال القراءة يسمون ذلك التهجي الذي يتقدم فيه الطفل تدريب. نفس الشئ في الدراسات الكريمة والسخية حسب ما سمعنا سواء خطبة قلناها أو مديح أو أي اختبار آخر، فهذا يأخذ جزءً من دائرة الدراسات. ونحن نفهم أي تقدم يحرزه الشاب في بيان وحيد من الموضوع، ولماذا إذًا نرفض الاعتقاد أن هذه الأسماء للأمكنة التي هي بمثابة مواضيع اختبار تستطيع أن توضح تقدم الدراسات في العالم الإلهي؟ والدراسون يتوقفون فيها في كل موضوع للاختبار ويعملون منها نوعيات مختلفة للمراحل يمرون من واحدة للأخرى.
مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2
عندما خلق الله العالم، نوَّع الأغذية وكيفها لتلاءم ميول الناس المختلفة وأيضًا الحيوانات بأنواعها. ولما رأي الإنسان طعام الحيوانات فهم جيدًا أن هذا الطعام قد خُصّص من أجل الحيوانات وليس من أجل الإنسان. وحتى الحيوانات نفسها قد عرفت ما يلائمها من الأطعمة. فالأسد والبقرة والعصافير والأيائل، كل نوع من هذه قد عرف الطعام الذي يناسبه.
والناس أيضًا يختلفون في إختيار الأطعمة. فالذي يتمتع بصحة جيدة يطلب طعامًا قويًا ويثق في أنه يستطيع ” أن يأكل كل شيء” (أنظر رو14: 2) كالرياضيين الأقوياء. والذي يشعر أن صحته معتلة وضعيفة يفضِّل تناول الخضراوات مثلاً ولا يتحمل الطعام القوي.
وماذا عن الطفل الصغير؟ فهذا لا يستطيع أن يتناول سوى اللبن. فضلاً عن أنه لا يستطيع أن يعّبر عن ذلك بالكلام. هكذا كل إنسان يطلب الغذاء المناسب له حسب سنه وصحته وقوته[1].
فالطبيعة الناطقة كلها محتاجة للأطعمة التي تناسب حالتها. فهل نستطيع أن نترك الحقائق الجسدية الآن ونفكر في الروحيات؟ إن الغذاء الحقيقي للطبيعة العاقلة هو كلمة الله. وكما أننا قد سلمنا بأنه يوجد كثير من الاختلافات بين أطعمة الجسد المختلفة، هكذا أيضًا الطبائع العقلية التي تتغذى على كلمة الله. وكما شبهنا إمداد الجسد بالأطعمة المختلفة، هكذا كلمة الله تحمل نظامًا لبنيًا في معرفة وتمييز التعاليم الغريبة وتستعيض عنها بما هو روحي. فعندما نقرأ فصلاً من الكتب المقدسة للمبتدئين، يقبلونه بفرح لأنه ليس فيه أي شئ غامض، كسفر أستير وطوبيا أو مبادئ سفر الحكمة. ولكن عندما نقرأ سفر اللاويين للمبتدئ يخفق قلبه على الفور ويتحول عنه كإنسان يتحول عن طعام ليس هو من ضمن نظامه الغذائي. فقد جاء لكي يسمع عن أحكام الله وعن عدله ورحمته وها هو لا يسمع سوى الأمور المتعلقة بالذبائح وعن نظام التضحيات. فكيف يتحول اهتمامه فجأة، ألا يرفض هذا الغذاء وهو لا يناسبه في نفس الوقت؟
من جهة أخرى، في قراءة الأناجيل والرسائل والمزامير، فهذه يقبلها بفرح وبكل إرادته يتمسك بها ويجهد نفسه في استخلاص ما بها من دواء لأسقامه. ولكن إذا قرأنا له من سفر العدد كما هو واضح في الفصول التي بين أيدينا فسوف يحكم عليها بعدم النفع والفائدة. كما لو لم يوجد بها أي علاج لأسقامه ولا لخلاص نفسه. فسوف يتركها على الفور كالطعام الثقيل العسر الهضم الذي لا يناسب نفس مريضة وعاجزة.
ولنعد ثانية إلى مثال الأشياء الجسدية. فالأسد مثلاً إذا أعطيناه العقل فرضًا فلن يشتكي من كثرة العشب في الكون، بحجة أنه يتغذى على اللحم الطازج، ولن يقول إن هذا العشب لا فائدة له وأن الخالق قد أوجده بلا نفع. هكذا الإنسان فبحجة أنه يستخدم الخبز والمأكولات المناسبة له، لا يجب أن يشتكي ويقول لماذا خلق الله الثعابين وهو لا يعرف أنها تُستخدم كغذاء للأيائل. هكذا الدابة والبقرة لا يجب أن تشتكي من الذي يُعطي للحيوانات الأخرى من أكل اللحم، بحجة أن العشب يكفي فقط لغذاء الدابة والبقرة.
هكذا الحال بالنسبة للأغذية الروحية أو العقلية. وأعني هنا نصوص الكتب المقدسة. فلا يجب أن نُلقي عنا نصوص الكتب المقدسة التي تبدو أكثر غموضًًا وأكثر صعوبة في الفهم ولا نتهمها بالصعوبة والغموض. ونحتفظ فقط بالنصوص التي تناسب المبتدئ المريض الأكثر ضعفًا الذي لا يستطيع فهم هذه النصوص فهو كالطفل الصغير. ولا تستطيع الأسفار بالنسبة لهؤلاء أن تساهم في تكوينهم وليست لها فائدة ولا تساعد على خلاص أنفسهم. ولكن علينا أن نضع في الاعتبار ما يلي: أن الثعبان والشاه والإنسان، كل هذه هي مخلوقات الله. وأن هذا التنوع في الكائنات الحية يقود لتمجيد وشكر الخالق. وأن الغذاء بكل أشكاله قد أُعدَّ لكي يتناول منه كل كائن حي حسبما يناسبه في طبيعته وصحته وقوته. هكذا كل واحد حسب صحته وقوته يستخدم نصوص الكتاب التي هي كلام الله حيث يكون التنوع الذي فيها طعامًا مناسبًا وموافقًا لكل ميول النفوس المختلفة. وهنا تعالوا لننظر هذه الأمور عن قرب:
فمثلاً عند قراءة الإنجيل أو تعاليم الرسول بولس يبدو عليك الإعجاب بها وتعتقد أنك قد وجدت الطعام الأفضل موافقة والأكثر مناسبة لك. ولكنك لم تعرف بعد الأسرار التي ينبغي أن تعرفها إذا درست وتعمقت في أحكام الله! أما إذا تجنبت ما يبدو لك مبهمًا وغامضًا وهربت منه، فحتى الأسفار السهلة بالنسبة لك والتي توحي لك بثقة في فهمها، سوف تجد فيها صعوبة أكثر وغموضًا أكثر. فالكتاب يحتوي على الكثير من الكلمات الواضحة والبسيطة القادرة على بناء السامع حتى الأقل ذكاءً.
إننا بهذه المقدمة قد بدأنا بإيقاظ قلوبكم لأن الدرس الذي بين أيدينا هو من هذه الدروس التي تبدو أكثر صعوبة في الفهم، وتبدو أيضًا أنها بلا فائدة. ولكننا لا نقدر أن نقول إنه يوجد في كتابات الروح القدس شئ غير نافع حتى لو بدا الغموض في بعض نصوصه. وعلينا بالحري أن نحّول عيون قلوبنا نحو الذي أمر بهذه الكتابة ونطلب منه فهم المعنى. فإذا وجد في أنفسنا ضعفًا فهو قادر أن يشفينا من هذا الضعف، وهو ” الذي يشفي كل الأمراض “، ” الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك” (مز103: 3).
هل نحن مازلنا في مرحلة الطفولة العقلية؟ إن الرب وهو حارس الأطفال، هو الذي يرافقنا ويطعمنا ويقودنا إلى قياس قامة ملء المسيح حسب المكتوب، “ إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف4: 13). فباستطاعتنا إذًا العبور من المرض، وأن نعبر منه إلى الصحة، وأن نعبر أيضًا من الطفولة إلى الرجولة. وفي استطاعتنا أيضًا أن نطلب ذلك من الله لأن الله يحب أن يعطي الذين يطلبون وأن يفتح للذين يقرعون.. ولنكتفِ بهذه المقدمة.
هناك فائدة نستخلصها منه:
هيا بنا الآن لنبدأ درس اليوم! وبمعونة الرب نستطيع أن نشرح وأن نقطف منه ما هو مهم حسب ما يوضح لنا المعنى. وقال النص هنا “ هذه رحلات بني إسرائيل الذين خرجوا من أرض مصر بجنودهم على يد موسى وهرون. وكتب موسى مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب، وهذه رحلاتهم بمخارجهم ” (عد33: 1-2).
هل سمعتم؟ ” وكتب موسى ذلك حسب قول الرب”. ولماذا أراد الله أن يُكتب ذلك؟ فكتابة رحلات بني إسرائيل لابد إذًا أن تعيننا على أي حال! أليس كذلك، ومن يجرؤ ويقول إن الوثائق المكتوبة بيد الله هي بلا فائدة ولا تساعد على خلاص النفس؟ وما الذي يعود علينا من مجرد سرد الحديث؟ إن هذا الرأي خاطئ وضد الإيمان المستقيم. ولنترك هذا للذين يدّعون ويقولون إن إله الناموس ليس هو إله الأناجيل. بل هو “الله أبا ربنا يسوع المسيح” الذي نمجده بنفس واحدة وبفم واحد” (انظر رو15: 6). إذًا فبالإيمان نستطيع أن نستخلص أفكارًا واضحة وجلية من هذه الرحلات. وسنحاول توضيح المعنى الرئيسي بإيجاز بقدر الإمكان وبقدر الوقت.
الخروج من مصر له مفهومان
لقد أتحنا الفرصة في العظة السابقة للكلام عن خروج بني إسرائيل من أرض مصر. وقلنا إنه في المعنى الروحي نستطيع الخروج من مصر بطريقتين: إما ترك الحياة الوثنية للوصول إلى معرفة الناموس الإلهي. أو عندما تترك النفس مسكنها في هذا الجسد. هذان هما المفهومان اللذان يناسبان الآن المراحل التي سردها موسى “حسب قول الرب”.
المنازل بعد الحكم
لقد قال الرب في الإنجيل: “ في بيت أبي منازل كثيرة وإلا فإني كنت قد قلت لكم. أنا أمضى لأعد لكم مكانًا ” (يو14: 2). فهذه المنازل سوف تشغلها النفوس التي تحررت من الجسد أو بالحرى التي لبست جسدًا ممجدًا. إذن هناك طرق كثيرة تقود إلى الآب. فلماذا قررت النفس ذلك وما هي الفائدة؟ وماذا وجدت من ضوء في هذه الأمور؟ إن الوحيد الذي يعرف ذلك هو ” رب الدهر الآتي “. الذي قال عن نفسه ” أنا هو الباب” (يو14: 6). ” لا أحد يأتي إلى الآب إلا بي “، إذًا فكل طريق من هذه الطرق يبدو لكل نفس بابًا، فسوف ندخل به وسنخرج ونجد مرعى، ومن هنا سندخل في طريق آخر ثم في منزل آخر أيضًا حتى نصل إلى الآب نفسه.
وهنا سوف ننسى هذه المقدمة قليلاً ونهيئ عقولكم مقدمين لها أفكارًا عالية وسامية. ولنعد إلى ما حدث بيننا وفينا.
المنازل في الحياة الحاضرة
عندما كان بنو إسرائيل في خدمة فرعون في مصر، كانوا فريسة ” للطين واللبن….” حتى اللحظة التي صرخوا فيها بأنين إلى الرب، فاستجاب لشكواهم، وأرسل لهم كلمته عن طريق موسى وأخرجهم من مصر. ونحن أيضًا عندما نكون في مصر أقصد في خطايا هذا العالم وظلمة الجهل وعندما نعمل لحساب الشيطان متمرغين في شهوات الجسد، فإن الرب يشفق على ضعفنا وهو الذي أرسل لنا الكلمة، ابنه الوحيد لكي يخرجنا من الجهل والخطية ويقودنا إلى نور تعاليمه الإلهية.
موازاة بين تجسد المسيح وتقديس البشر:
لنتأمل عن قرب الترتيب الحسابي لهذا السر
إننا سوف نجد 42 موقف لخروج بني إسرائيل خارج مصر إذا دققنا في ذلك. وبالتالي إن مجئ إلهنا ومخلصنا لهذا العالم قد تم في 42 جيل. ولقد أعلن متى الإنجيلي ذلك في (مت1: 17)، هذه الاثنان والأربعون جيلاً هي الوقفات التي اجتازها المسيح لينزل إلى مصر هذا العالم. ولقد أعلن موسى ذلك بالضبط حين قال عن خروج بني إسرائيل من أرض مصر: “ هذه رحلات بني إسرائيل الذين خرجوا من أرض مصر بجنودهم عن يد موسى وهرون ” (عد33: 1).
ما هي قوتهم سوى المسيح الذي هو ” قوة الله ” (2كو1: 24)، هذا ” الذي صعد هو الذي نزل إلينا ” وهو إتجه للصعود من حيث نزل. فقد نزل إلى العالم لا عن اضطرار بل عن عطف لكي يحقق ما قيل. ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل” (انظر أف4: 10)، هكذا بنو إسرائيل قد اجتازوا اثنين وأربعون رحلة حيث بدأوا في امتلاك ميراثهم. فمن خلال 42 جيل قد نزل إلينا المسيح حسب الجسد. وهذا هو نفس عدد رحلات بني إسرائيل حتى وصلوا إلى مكان الميراث المسموح لهم.
فإذا كنت قد أدركت أي سر ينطوي عليه هذا العدد للصعود والنزول، تعال الآن لنبدأ في الصعود عن طريق مراحل نزول المسيح إلينا. فأول وقفة لنا هي ميلاده من بطن العذراء. ونحن أول وقفة لنا هي أن نترك عبادة الأوثان وعبادة الشياطين التي ليست آلهة إذا أردنا الخروج من مصر. ونؤمن بميلاد المسيح من العذراء والروح القدس وأن ” الكلمة صار جسدًا وحل بيننا ” (يو1 : 14). ثم نحاول أن نصعد درجات الإيمان درجة، درجة. وهكذا درجات الفضائل فإذا واظبنا على ذلك فترة طويلة جدًا كي نصل إلى الكمال نستطيع أن نقول إننا في كل درجة كانت لنا رحلة نتهذب فيها ونتقدم إلى أن ننال أرض الموعد.
طريق العالم الآخر
4ـ إن النفس عندما تترك مصر هذه الحياة لتصل إلى أرض الموعد عليها أن تتبع عدة طرق. واعتقد أن النبي قد أشار إلى ذلك حين قال: ” لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيَّ. ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه ” (مز42: 5).
” هذه هي الطرق، هذه هي ديار الرب، قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي ” (مز 84: 1ـ2)، ” العصفور أيضًا وجد بيتًا والسنونة عشًا لنفسها حيث تضع أفراخها. مذابحك يارب الجنود ملكي وإلهي”. ونفس هذا النبي قال أيضًا: “ طال على نفسي سكنها” (مز120: 6)، فإذا أردت أن تفهم هنا هذه الأمور، فهذه هي رحلات النفس واغترابها… الأنين… الاشتياق… الدموع. أي أن ترى النفس نفسها قد ارتبطت بهذه الأمور زمانًا طويلاً. ولكن التفكير في رحلات هذه الغربة يُظلِم ويضعف النفس كثيرًا. ولكنها ستفهم وترى الحق أفضل عندما تتحول إلى راحتها أي إلى وطنها الذي هو الفردوس. وقد تأمّل النبي في هذه الحقيقة بطريقة سرية عندما قال: ” ارجعي يا نفسي إلى موضع راحتك لآن الرب قد أحسن إليك ” (مز116: 7). فالنفس تتغرب وتسافر وتتمم رحلاتها بلا أدنى شك لأن التدبير الإلهي يجهز لها فائدة عظيمة كما قال النص “…. لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا ” (تث8: 2-3). هذه هي الرحلات التي عن طريقها نعبر من الأرض إلى السماء. فمن ذا الذي سيحوز على كثير من التقدم ويلم بكثير من الأسرار الإلهية لكي يحصى مراحل هذه الرحلة وهذا الصعود للنفس، ولكي يصف المشقات والراحة التي وجدها في كل مرحلة؟
وكيف نشرح إذًا أنه بعد أول وثاني رحلة أكمل فرعون والمصريين المطاردة، وأن المصريين وإن لم يستولوا على الهاربين، إلا أنهم مع ذلك استمروا في مطاردتهم، ولكنهم (أي المصريين) قد اُبتلعوا في البحر. كيف نفهم إذًا كيف أن شعب أُنقذ فجأة من مطاردة فرعون بعد الرحلات الأولى وأنشدوا هذا النشيد: ” أرنم للرب فإنه قد تعظم. الفرس وراكبه طرحهما في البحر” (خر15: 1). ولكنني قلت قبل ذلك أن الذي تجاسر على موقف تلو الآخر يكتشف أسرارًا وبدراسة أسماءهم يستخرج معانيها الخاصة! إنني لا أعلم كيف أن عقل الواعظ لا يعجز أمام كثافة هذه الأسرار. وكيف استطاع عقل السامعين قبولها! كيف نشرح الحروب المتنوعة وكيف نتكلم عن الذين سقطوا في القفر وكثرتهم. فما حدث ليس هو لبني إسرائيل بل لأبناء بني إسرائيل الذين وصلوا إلى الأرض المقدسة. ففي الواقع إن كل الشعب الذي عاش وسكن مع المصريين قد سقط، وأن الوحيدين الذين بلغوا المملكة الجديدة، هم الذين تجاهلوا المصريين، عدا الكهنة واللاويين! فإذا استطعنا أن نأخذ مكانًا بين الكهنة واللاويين وألا نمتلك أي مكان على الأرض، وإذا كان الرب وحده معنا، فإننا لن نسقط في القفر بل سنبلغ الأرض الموعود بها.
إذن إذا أردت بلوغ الأرض الموعود بها لآبائك وأن لا تسقط في القفر، فلا يكن لك نصيب على الأرض، ولا شركة مع الأرض، وليكن الرب هو نصيبك فلن تسقط أبدًا. وبالصعود من مصر إلى أرض الميعاد قد تعلمنا ـ بشكل رمزي ـ صعود النفس إلى السماء وسر قيامة الأموات.
5ـ لقد انطوت هذه الرحلات على مسميات. وليس من المناسب أن يكون لكل مكان تحت السماء اسم أو شهرة، في الجبل أو السهل مثلاً. ورحلات صعود النفس نحو ملكوت الله ليس لها “أسماء”، بل تتكون هذه الرحلات من كلمات سرية، ومرشد هذا السمو للنفس ليس هو موسى ” لأن موسى لم يكن يعلم إلى أين يذهب ” (انظر عب11: 8)، ولكن المرشد هنا هو “عمود سحاب” و “عمود النار” (انظر خر13: 21). أي أن ابن الله والروح القدس هما المرشد لهذه النفس كما قال المزمور “وهداهم بالسحاب نهارًا والليل كله بنور نار” (مز 78: 14). فهذا هو صعود النفس المغبوطة حينما تبتعد عن المصريين وعن الأوثان وعن كل الذين يعوقونها. وهي تعبر الطرق طريقًا تلو الآخر. وهذه الطرق هي من عند الآب. فسيأتي وقت تضئ فيه هذه النفس شيئًا فشيئًا. وفي اجتيازها من طريق إلى آخر، سوف تبحث دائمًا عن الأكثر إنارة وسوف تكون هي أيضًا نورًا، حتى تعتاد من تلقاء نفسها أن تستند على النور الحقيقي الذي يضئ لكل إنسان…” (انظر يو1: 9)، وأن تستمر وتتشجع بنور جلاله الحقيقي.
قدم النفس في هذه الحياة
لنعد الآن إلى تفسيرنا الثاني الذي أشرنا إليه ولنرَ فيه منهجًا لتقدم النفس في هذه الحياة متخلية ومتحوله عن المعيشة في الوثنية ” وهي تتبع الكاهن الأبدي الأعظم “( أنظر عب6: 20)، وليس موسى وهرون حتى تصل إلى حد الكمال … وكي تختبر النفس ذاتها في وصايا الله وتختبر إيمانها في شتى الحروب، فهي تظل في قفر هذا العالم. فهل هزمت النفس في إحدى هذه الحروب؟ هل اختبرت إيمانها؟ هل سقطت في حرب أخرى ثم اجتازت منها لحرب أخرى ولرحلة أخرى؟ هل نجحت فيما قابلته من صعوبات؟ هل احتملت التجربة بأمانة؟ لو كان الأمر هكذا فسوف تحلق النفس في التجربة التي تليها. وبهذه الحروب المتوالية في الحياة، وبمراحل تقدم النفس هذه نستطيع أن نقول إنها اجتازت رحلات، وفي كل مرة اكتسبت فضيلة جديدة. وحققت ما قاله الكتاب: ” يذهبون من قوة إلى قوة يُرون قدام الله….” (مز84: 7). وأخيرًا سوف تصل إلى أعلى درجة في الفضيلة وستعبر نهر الله وتأخذ الميراث الأبدي.
6ـ فحسب هذا التفسير المزدوج، علينا أن نعتبر كل هذه القائمة للرحلات طريقًا تكتسب النفس منه فائدة مزدوجة لتتعلم كيف تعيش حسب ناموس الله. ففيما نجد النفس ترفض الخطية فهي بذلك تتبع ناموس الله. فكم من المواعيد ومن الرجاء تنتظر هذه النفس بعد القيامة. وحسب رأيي نستطيع أن نجد في هذه النصوص تعاليمًا جديدة تليق بوصايا لروح القدس.
وفيما نحن نعرف كيف يُسمىَ نصيب العالم حيث سكن فيه بنو إسرائيل في ذلك الوقت، فيجب أن نعرف كم من الفوائد يؤول ذلك لتقديسنا. كم من ربح يناله الذين “ يلهجون في ناموس الرب نهارًا وليلاً ” (مز1: 2).
والآن نرى مقدار الأهمية التي أعطاها الرب لهذه الرحلات وبإظهارها لنا، فهذا هو الإحصاء الثاني الذي قدمه لنا الناموس الإلهي. فقد أشير إلى هذه الأسماء قبل ذلك ولكن مع بعض التنويع، حينما رأينا بني إسرائيل يتركون هذا المكان ويسكنون في ذاك. ولكننا نرى موسى يأخذ الآن أمرًا بالإحصاء من جديد ” حسب كلام الله “. وكون هذا الإحصاء قد تم مرتين فهذا يتطابق مع السر المحتوى، فيما قدمناه من الشرح السابق. وكون هذه الأسماء قد أعيد إحصاءها مرتين، فهذا إشارة إلى أن النفس لها رحلتان تكملهما أثناء أقامتها في هذا الجسد. وحينما تقتني النفس الفضائل وتصعد على سلم الفضيلة وهي تتبع ناموس الله، فهي بذلك تتمم رحلات لتقدمها الروحي في هذه الحياة. وسوف تكمل ذلك بعد القيامة كي تصل إلى السموات… إذًا فتقدم النفس يأخذ درجات هنا ويمتد في الحياة الأخرى… وفي كل مرة ستكون النفس متألقة، ومنيرة. وفي كل مرة سيغمرها نور الحكمة حتى تصل أخيرًا إلى “أب الأنوار” نفسه.
الخروج من مصر يقضي على الرذائل
” لقد خرج بنو إسرائيل بجنودهم” (انظر عد33: 1)، فمصدر هذه القوة التي كانت معهم هو الذي قال: ” سأنزل معك إلى مصر” (تك 4:46)، ولأن هذه القوة كانت معهم فقد قال النبي في المزمور: ” فأخرجهم بفضة وذهب ولم يكن في أسباطهم عاثر” (مز105: 37). لقد خرجوا ممسكين بيد موسى وهرون. فلكي يتم الخروج من مصر، لا تكفي يد موسى وحدها بل يد هرون أيضًا. فموسى يمثل علم الشريعة وهرون يمثل فن العمل في الذبائح والتقدمات. ونحن أيضًا في الخروج من مصر نحتاج إضافة إلى الشريعة والإيمان، ثمر الأعمال التي ترضى الله. وإذا كان من الضروري هنا يد موسى وهرون، فهذا للتعبير عن الأعمال بقوة الكلمة. فنتائج الخروج من مصر، إذا التجأتُ إلى الله هي: التخلي عن الكبرياء بتقديم ذبيحة ثور قوي لله بيد هرون. وإذا تركتُ عدم النظام وحِدّة الهجوم أعتبر أنني ذبحت تيسًا للرب بيد هرون، وإذا انتصرتُ على الشهوة الجسدية أقدم ثورًا ذبيحة… وإذا تركت الحماقة أقدم خروفًا.
فعندما تتنقي النفس من خطاياها فهنا نجد “يد هرون” أي الذي يعمل فينا. أما يد موسى فهي معنا عندما نفهم هذه الأمور، فنحن بذلك نستنير بنور الشريعة. إذن هذه القوة المزدوجة هامة جدًا لمن يخرجون من مصر حتى نجد فيهم الإيمان والعلم قد تجاوزا حد كمال الأعمـال.
أما يد موسى ويد هرون فهما ليسا يدان، بل يدٌ واحدة. فالرب هو الذي جذبهم من مصر. إذًا هي يد الرب وليست يدا موسى وهرون. لأن هذه اليد المزدوجة لها عمل واحد وهدف وحيد نحو الكمال.
السفر الروحي
” وكتب موسى مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب ” (عدد33: 2). لقد كُتِبْت هذه الأمور ” حسب كلام الله “. غير أننا رأينا في قراءتها كم من المراحل تنتظرنا في السفر إلى الملكوت. فكم ينبغي أن نستعد لهذا الطريق الذي علينا أن نقطعه ولا نترك أنفسنا للتكاسل والجمود في مدة حياتنا. ولا يجب أن تعيقنا أباطيل العالم. لذلك فلا نقبل أن نتلذذ بكل ملذاته سواء بالسمع أو بالشم أو بالتذوق حتى لا تهرب منا الأيام. وحتى لا يمر الوقت دون أن نُسرع في اكتشاف مسافة هذه الرحلة ونضعها في الحسبان. وحتى لا نعجز في الطريق ولا نعاني نفس مصير أولئك الذين لم يستطيعوا الوصول إلى المرفأ. إذ قد ” سقطت جثثهم في القفر” (عب3: 17). فرحلة حياتنا في هذا العالم هي لكي نسعى ” من فضيلة إلى فضيلة ” (أنظر مز84: 7)، وليس وجودنا على هذه الأرض هو لكي نرتبط بالأشياء الأرضية، كما قيل في الإنجيل عن ذلك الرجل: ” وقال اعمل هذا، اهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي وأقول لنفسي، يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي. فقال له الله، يا غبي في هذه الليلة تؤخذ نفسك منك فهذه التي أعددتها لمن تكون” (لو12: 18-20). فالذي حدث لهذا الرجل حدث للمصريين في نصف الليل: ” فحدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الأسير الذي في السجن وكل بكر بهيمة” (خر12: 29).
فهذا الرجل أحب العالم وأضاع الحياة عند: “ ولاة عالم الظلمة ” (أنظر أف6: 14). ولقد سُمى هذا العالم بالظلمة والليل بسبب الذين يعيشون فيه بالجهل ولم يأخذوا نور الحقيقة. فهؤلاء هنا لم يخرجوا من رعمسيس ولم يذهبوا إلى سكوت.
عيد الانطلاق
لنرَ متى رحل بنو إسرائيل من ” رعمسيس. في أول الشهر في اليوم الخامس عشر من الشهر ” (عد33: 3). ويكون ” اليوم الرابع عشر من الشهر” حسب كلام الرب(أنظر خر12: 3)، حين احتفل بنو إسرائيل بالفصح في مصر، وذبحوا الحمل في عشية “الرحيل” وبدأوا الاحتفال بالعيد احتفالاً أكيدًا قبل أن يتركوا مصر. وفي اليوم التالي الذي هو أول ” الفطير” ” اليوم الخامس عشر من الشهر” رحلوا من رعمسيس ووصلوا إلى ” سكوت ” كي يحتفلوا بالعيد ” الذي هو عيد الفطير”، ” إننا نعرف بعض المعرفة ونتنبأ بعض التنبؤ ” (1كو13: 9)، ” فلا يحكم أحد علينا في عيد أو هلال أو سبت ” (انظر كو2: 16)، لأن كل عيد يحتفل به الناس على الأرض لا يكون الاحتفال به كاملاً بل احتفالاً جزئيًا، ولا يحمل معنى كمال العيد: ” إذًا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخمير الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق” (1كو5: 8). إذًا سوف تحتفل بعيد حلول الروح القدس في “القفر”، فحينئذ ستبدأ في تناول الغذاء السماوي من المن. وتحتفل أيضًا بكل الأعياد التي تحدثنا عنها على قدر استطاعتنا. ولنعرف أنه بعد الاحتفال بعيد الفصح هذا في مصر، سوف نجد أن عيد الفصح يُحتفل به مرة أخرى في الصحراء حيث أعطيت الشريعة. ومرة أخرى أيضًا بعد أن ارتفعنا وزدنا في العدد. ولن يُحتفل بعد ذلك به في أي مكان آخر إلا في أرض الموعد.
” إذن اليوم الخامس عشر من الشهر الأول ” هو اليوم الذي يلي الفصح. والذي هو أول يوم العيد الفطير. في هذا اليوم رحل بنو إسرائيل من رعمسيس كما قال الكتاب انظر (خر33: 3)، ” وتحت أعين كل المصريين “. فما هي هذه اليد الرفيعة؟ فعندما يتم عمل إلهي لا عن طريق بشر ولا بطريقة أرضية، فهذا يعني أن هذا العمل قد تم “بيد رفيعة”، فقد رحل بنو إسرائيل بيد رفيعة أمام أعين كل المصريين.
[1] إن جسدنا لا يبدأ بتناول الأطعمة. ففي سن التكوين لا يأخذ سوى اللبن هكذا الحال بالنسبة للنفس. فالدراسات العميقة التي أعدت لتناسب الناضجين الذين يسلكون نحو الفضائل ويسعون إليها، هذه لا تناسب الأطفال الصغار.
مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1
الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
الذبائح والنذور
تمهيد: تعليم كلمة الله
1ـ كل من يريدون تثبيت علم راقي قليلاً سوف يجدون تعليمات شاقة طالما هم يجهلون هدف وامتيازات العلم التي نلقنه لهم. لكنهم سيصلوا بالتدريج إلى هذا العلم وسوف يسّرون بتحمل المصاعب التي يواجهونها في هذا التعليم، وفي الأنباء المقدسة والإلهية التي يجب أن يمر بها هذا التعليم الذي يتجه إلى ملء السعادة. وهذا ما يعني بكلمات واضحة أن خادم الله في سفر الخروج: ” تجئ بهم وتغرسهم في جبل ميراثك المكان الذي صنعته يا رب لسكنك” (انظر خر15: 27). الرسول بولس أيضًا، كان يعرف أن هناك عناصر أولية يلزم أن يرسخها في الذهن ولا نصل إليها إلا بعد فترة، مع الزمان ومع الوصول للكمال كان يكتب للمسيحيين “ لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين بسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر، لأنه طفل. وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب 5: 12-14).
وفي مكان آخر يذكرنا بأن حروف الناموس وكل جزء من الكتاب يشكّل ” أركان العالم” (انظرغل4: 3؛ كو2: 8). إن التعاليم المعطاة للمبتدئين تظهر لنا الآن صعبة الفهم، كل مستمع يريد أن يتعلم ما يختص بالخلاص، وعندما نقرأ له نصوصًا تتصل بذبائح الكباش والماعز والثيران، يقول إن هذه القراءة لا تعطيه أية استفادة، طالما أنها تلقي على المستمعين بطريقة سلبية. لكن إذا وُجِدَ من يرفع ” البرقع الموضوع على قراءة العهد القديم” (انظر2كو3: 14) والبحث عما هي الذبائح الحقيقية، التي تطّهر الشعب في أيام العيد، سيرى العجائب المدهشة التي تحتوي عليها النصوص، أو التي تظهر للجهلاء تافهة ومليئة بالشكوك. القديس بولس والمقتدون به يملكون هذه المعرفة أكثر وبصورة كاملة وأفضل، وقد اكتسبوها من “الحكمة” ومن “كلمة لله”، بينما نحن، بالقياس إلى ما نستطيع استخلاصه من الكلمة في النص الذي فيه الكلمة والحكمة التي تعطينا الحقيقة في شكل ظل وصورة، سوف نحاول تحليل بعض النقاط بخصوص طقوس الذبائح بهدف البناء العام.
الذبائح: التضحيات الكفارية
في عيد الفصح، فإن حملاً هو الذي يُقدم لأجل تطهير الشعب، وفي أعياد أخرى تكون بقرة وفي أخرى تكون ماعز، أو كبش أو عنزة أو عجل كما عرفتم من قراءة اليوم. الحمل هو إذن أحد الحيوانات التي تستعمل في تطهير الشعب. هذا الحمل، نحن نعرف أنه يشير إلى ربنا ومخلصنا شخصيًا، وهذا ما فهمه يوحنا الذي هو “أعظم الأنبياء”، وعبر عن ذلك قائلاً: “ هوذا حمل الله، الذي يرفع الخطية عن العالم” (يو1: 29). في هذه الحالة إذ كان الحمل الذي قدم للشعب من أجل التطهير يمثل شخص ربنا ومخلصنا، فإن باقي الحيوانات المعينة لنفس الغرض يجب أيضًا أن تمثل، كما يبدو، الأشخاص الذين، باستحقاق دم المسيح، يؤدوا إلى تطهير الإنسانية. إن ربنا ومخلصنا “عندما أقتيد إلى الذبح كحمل وقُدم للتضحية في المذبح قد أعطى مغفرة الخطايا للعالم أجمع، ألا يكون أيضًا بنفس الطريقة أن تُغفر الخطايا بسبب دم القديسين الآخرين، وما قد ” سفك منذ أيام هابيل حتى دم النبي زكريا الذي قتل بين المعبد والمذبح” (مت23: 35)، ألم يسفك دم أحدهم مثل العجل، ودم آخر مثل الماعز؟ باختصار كواحد من الحيوانات التي تؤدي إلى التصالح بين الشعب. هل يجب أن يطبق عليهم البر؟ أي على الأنبياء الذين ذبحوا في هذا العالم، ولمن يقول: “لأجلك نُمات اليوم كله، قد حسبنا مثل غنم للذبح”، هل أيضًا يجب تطبيقه على القوات العليا التي أخذت على عاتقها مسئولية النوع الإنساني؟ من يستطيع أن يؤكد ذلك.
لأنه ليس بالمظهر فقط، ولكن هذه الحيوانات ترمز إلى معنى آخر أو إنسان آخر. إذا كان الرب يسوع المسيح هو بنفسه يحمل اسم الحمل، فهذا ليس لأن شكله تغير، وتحول إلى خروف، ولكن لأنه أراد ذلك، في صلاحه جاء للناس بمغفرة الخطايا مع الله، وقام بدور خروف بالنسبة للنوع الإنساني، الذبيحة التي بلا عيب أو خطية، والتي بواسطته نؤمن أننا ننال الصلح مع الله.
وأيضًا ربما أن، كل ملاك، وكل قوى عليا مقدسة، وكل بر لا بل وكل نبي قديس أو قديس رسول يتشفع بإلحاح من أجل مغفرة خطايا الإنسان، يمكن اعتباره مثل النعجة أو البقرة أو العنزة المقدمة كضحية للحصول على طهارة الشعب. القديس بولس، ألا يبدو وكأنه كبش أو ماعز مقدم كضحية إلى المحرقة من أجل شعب إسرائيل، عندما قال ” كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح، من أجل أخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو9: 3). لكن نريد برهانًا أن القديس بولس يقدم مثل ضحية للذبح؟ أن نسمعه يقول في مكان آخر من الكتاب المقدس ” لأني أنا الآن أُسكب سكيبًا ووقت انحلالي قد حضر” (2تي6:4). هكذا أيضًا أحدهم قُدِمَ في عيد الباكورات، والآخر في عيد السبت، وآخر في عيد المظال على شكل كبش أو بقرة أو نعجة، من أجل مصالحة الله مع الناس. لأنه مادامت الخطايا موجودة، فإنه يجب أن نجد ذبائح للتكفير عنها. فلو لم تكن هناك خطية، لما صارت هناك أي ضرورة أن يصبح ابن الله حملاً، ولما كان هناك أي احتياج أن يصنع لنفسه جسدًا، لكي يقدمه ذبيحة.
كان سيظل كما كان ” في البدء” الله الكلمة (يو1:1)، لكن ” دخلت الخطية إلى العالم” (رو5: 12)، في هذه الحالة فإن نتائج الخطية تتطلب تكفير، والتكفير لا يكتمل سوى بذبيحة. كان إذن من الضروري انتظار ذبيحة من أجل الخطية. وأشكال الخطية مختلفة ومتنوعة، ولذلك كانت الوصية أن يُقدم أنواع كثيرة من الذبائح، بحسب أنواع الخطايا. وهكذا تارة تكون الذبيحة ثورًا، كرمز للقديسين والملائكة، أو البشر، كما قلنا، الذي في مثل هذا العيد يستخدم تقديم شفاعة عن الخطايا التي ارتكبها الشعب، تارة يكون كبش، بواسطته يتم تطهير الشعب.
إذًا لو أن الناس قد نالوا تطهيرًا من خطاياهم، ولو كانوا أكثر نقاء، لقلت الذبائح. إذًا كان في الحقيقة عدد الذبائح نسبيًا غير متكافئ مع الخطايا، وإن كثرة عدد الخطايا سوف يتبعه زيادة في عدد الذبائح، وبالعكس إذا قل عدد الخطايا. الكتاب المقدس يشير إلى هذا. وفي آخر عيد، وهو عيد المظال، كان يوصى بتقديم الذبائح خلال ثمانية أيام. اليوم الأول بسبب كثرة الخطايا، يجب أن يقدم أربعة عشر من الأبقار. في اليوم التالي فإن الخطايا تكون قد خفضت، وعدد الذبائح أيضًا، لذلك تقدم ثلاثة عشر بقرة. وثالث يوم، اثنى عشر ثورًا ثم إحدى عشر. وهكذا كما لو كانت التطهيرات تنقص يوم فيومًا عدد الخطايا، وعدد الذبائح ينقص نتيجة لذلك.
فلنفهم أن في التدبير العام في العالم فإن عملية التنقية هي بعينها. لأن الحاجة إلى التطهير لا تشعر بها فقط الكائنات التي على الأرض، ولكن أيضًا من في السماء. إن السموات أيضًا مهددة بالهلاك لأن النبي يقول: ” إن السموات سوف تبيد وكلها كثوب تبلي كرداء تغيرهن فتتغير” (مز102: 26). إذًا لنعتبر التطهير في العالم كله، أي كل الكائنات ” السماوية والأرضية والشيطانية “، لكي نرى كم من الذبائح يجب أن تكون لكل هذه الكائنات، كم من الأبقار أو الكباش أو الماعز، ولكن من كل هذه الحيوانات فإن “الحمل” هو الوحيد الذي استطاع أن ينتزع الخطية من العالم بأسره. ولهذا السبب اختفت بقية الذبائح. هذه الذبيحة وحدها تكفي لخلاص العالم بأسره. الآخرون يمحون الخطايا بتضرعاتهم، هو وحد مسحها بسلطانه هو الذي قال: ” يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2)، وهكذا فإن العالم يتعلم أولاً البحث عن مغفرة الخطايا بواسطة ذبائح مختلفة، إلى أن تأتي الذبيحة الكاملة التامة، “حمل عمره عام، صحيح” هو الذي ينزع خطية العالم، بفضل ذلك الكامل نحتفل بالأعياد الروحية لا لإشباع الجسد، ولكن لتقدم الروح ونموها، بواسطة تقديم الذبائح الروحية لأجل تطهير العقل. يجب في الحقيقة أن نقدم لله ذبيحة القلب. نقدم له ” ذبيحة روح مماتة ” ” ليس ذبيحة من لحم ودم، لأننا إن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو5: 16)، لنقم إذًا الأعياد بالروح ولنقدّم الذبائح الروحية.
لقد كرسنا هذا الشرح عن الذبائح المختلفة، على قدر طاقتنا الجسدية، لكن معنى التضحية واضح، ومحجوز له أي الله الذي كل شئ عريان ومكشوف في عيني ذلك الذي ليس شئ مخفيًا عنه (انظر عب4: 13).
النذور: الإنسان ـــ إنسان
2ـ بعد ذلك تأسس ناموس النذور. موسى بدأ هذا التشريع بطريقة غريبة. ” الإنسان ـ الإنسان الذي نذر نذرًا للرب؟ ” ما هو السبب الذي جعله يكرر هذا الاسم؟ ألا يكفي أنه يقول: ” الإنسان الذي نذر نذرًا لسيده “، لماذا يقول عندئذ “الإنسان – الإنسان”، ما هو معنى هذا التكرار لهذا اللفظ ” إنسان؟ ” إنه سؤال لا يجب إهماله في نظري أن الرسول يميز بين ” الإنسان الداخلي و الإنسان الخارجي “، الأول هو الذي يتجددَّ، من يوم ليوم حسب صورة خالقه (كو3: 10)، الإنسان الثاني هو الذي يموت، عندما نصل إلى حالة التقدم في العمر ونستلم ناموس الله، والذي فيه نقدم نذورًا للمسيح – ولكننا لا نستطيع تقدمة نذور للسيد بدون أن يكون لدينا في داخلنا، شيء جوهري لنقدمه. الإنسان الخارجي غير قادر على استقبال ناموس الله، وأن يهب له فقط هبات، لأنه لا يستطيع أن يكون لديه ما هو جدير بالله. على عكس ذلك، فإن ” الإنسان الداخلي” لديه في ذاته ما يقدمه إلى الله، لأنه فيه يتماسك قرار الفضائل، تكامل العقل والعلم، وينفتح في العقل تجديد صورة الله[1]. وعندما اكتشف الإنسان الشكل الذي أعطاه له الله منذ البداية، عندما أعاد الفضائل واسترجع جماله البدائي، عندئذ استطاع أن يهب نذوره لله، عندئذ سوف نسميه بدلاً من إنسان بلا زيادة ” إنسان ـ إنسان”.
وإذا لم يتشدد الإنسان الداخلي، إذا لم نعتن به، إذا لم نزيّنه بالفضائل، إذا لم نمده بالعادات الحسنة، إذا لم ندربه على التعاليم الإلهية، إذا لم نطبقه على العلوم المقدسة، لن نستطيع أن نُدعىَ “إنسان، إنسان”، أو “إنسان” بلا زيادة أو “إنسان نفساني”، لأن “الإنسان الداخلي” الذي بالنسبة له لقب إنسان معناه موثوق به وأكثر نبلاً، ولكن بسبب رذائل الجسد، والمشاكل والاضطرابات التي في هذا العالم، فإنه لا يستحق أن يدعى بهذا الاسم.
لذلك يجب بذل كل مجهود، إذا رأينا “الإنسان الداخلي” الذي في داخلنا هارب تحت قذارة الخطايا ودمار الرذائل، لكي ننتشله في أسرع وقت ممكن من النجاسات، وننتزعه في أسرع وقت ممكن من دنس الجسد والدم، ونحوله. أخيرًا يجب أن يلجأ الإنسان إلى العقاب، وتذكير نفسه في داخله بذكرى الله والرجاء في الخلاص.
إنها ليست في الحقيقة أشياء طيبة التي يجب البحث عنها في جهة أخرى في الخارج “خارج الإنسان”، إنما يمكن أن يوجد الخلاص بداخلنا، كما يتضح من أقوال ربنا “ ها، ملكوت الله داخلكم” (لو21:17)، فنحن بداخلنا إمكانية الاهتداء. عندما سوف نهتدي بواسطة الدموع، سوف نخلص عندئذ، سوف نتمكن من ” تقديم النذور إلى الرب ” ويمكن أن يسمى “إنسان، إنسان”.
ما هي النذور؟
لكن هناك نذر عندما نقدم لله شيئًَا من ذواتنا. إن الله يريد أولاً أن يأخذ شيئًا منا، وإذا كان يريد أن يظهر سخيًا تجاهنا، إذا كان يريد أن يوزع هباته وهداياه، فإنها لمن يستحق وليس للآخرين. ولكن ماذا يريد الله أن يتقبل منا؟ استمع لهذه الجملة من الكتاب المقدس: ” والآن إسرائيل ماذا يطلب منك سيدك إلهك، أنك تسير في كل طرقه، وأنك تحبه من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك” (تث10: 12)، هذا هو ما يطلبه منا الله. إذا لم نقدم له أولاً، لن نأخذ منه أبدًا ونقرأ في نص آخر: ” أعطِ المجد لله، وأعط العظمة لله”. إذا كنت تعطيه المجد سوف تأخذ المجد. لأن الله نفسه قال: ” أكرم الذين يكرمونني” (1صم2: 30). وأنا أقول من جانبي: إذا قدمنا له برنا سوف نستقبل منه المجد.
وإذا قدمنا له عفتنا وأقصد بذلك عفاف جسدنا سوف يقدم لنا عفة الروح كما يقول الرسول: “ نحن لنا فكر المسيح” (1كو2: 16)، فعندما نقدم إلى الله ما هو فينا، وأن يعطينا ما هو “له”، فإننا سوف نُسمى حقيقة، ليس فقط “إنسان” لكن إنسان – إنسان، لأن كل واحد من جانبي الإنسان يحصل على الكمال الذي يناسبه.
أمثلة من النذور
هذه هي النذور التي يجب أن يلتزم بها من يسمى “إنسان – إنسان”، أعرف أنواع كثيرة متعددة في الكتاب المقدس، وهبت حنة للرب ثمرة بطنها، وكرست صموئيل للهيكل (انظر1صم11:1،54) ووهب آخر للرب الشئ الذي سوف يظهر له عند عودته بعد الانتصار. وكانت ابنته هي التي ظهرت وأكمل هذا النذر المحزن (انظر قض31:9). آخرون يقدمون لله أبقار، كباش، منازل أو كائنات أخرى غير عاقلة.
النذير أو القديس
أما الذي نسميه النذير فقد نذر نفسه لله. هذا هو نذر النذير، وهو متفوق على الجميع. لأن من يهب أبنًا أو بنتًا أو حيوانًا أو عقارًا كل هذا خارج عنه تمامًا. ولكن أن يقدم نفسه لله ويرضيه ليس باستحقاق شخص آخر ولكن بواسطة نفسه، فإن هذا يتفوق في الوصول للكمال والسُمُوّْ عن جميع الأنواع الأخرى من النذور. من يفعل هذا هو متمثل بالمسيح. في الحقيقة إن الله هو الذي أعطى للإنسان الأرض والبحر وكل ما تحتويها، ووضع في خدمة الإنسان السماء، والشمس أيضًا، والقمر والنجوم، وأغدق على الإنسان بالأمطار والرياح وكل ما يحتويه العالم، وبعد ذلك كله أعطى نفسه له. الرب في الحقيقة أحب العالم كثيرًا حتى بذل ابنه الوحيد (يو3: 16) لأجل حياة العالم. ما هو الاستحقاق العظيم الذي يمكن أن يقدمه الإنسان للرب، الذي “بذل نفسه” أولاً له؟ إذًا إذا “ أخذت صليبك” (مت10: 38)، وإذا اتبعت المسيح، وإذا استطعت أن تقول ” أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ” (غل20:2)، وإذا كانت روحنا لديها الرغبة، والعطش للرجوع إلى المسيح تبعًا لكلمة الرسول، وإذا لم تحب أبدا انجذابات العصر الحاضر، وإذا أكملت روحيًا كل الصفات التي تختص بالنذير عندئذ فإنه هو يهب نفسه لك، وتكون أنت لله وهو لك. وأما الذي يعيش في الطهارة، فهو يهب جسده لله تبعًا للنص: ” العذراء تهتم أن تكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7). الكلمة نفسها ” مقدسة ” تؤكد ما نقوله، إننا نسمى “قديسين” مَن نَذورا أنفسهم لله. مثلاً نسمى قديس، من ينذر نفسه لله. الكبش لا يجب أن نجزه ليخدم الاستعمالات المدنسة. وأيضًا فإن البقرة التي كرست لله تسمى مقدسة، ليس من المسموح أن تربط للعمل في أعمال دنيوية. وتبعًا لهذه الأمثلة، لنعرف ماذا يرتكز عليه الفعل ” نذر نفسه”. إذا نذرت نفسك لله، يجب أن تكون كالبقرة المكرسة لله التي يجب أن لا تخدم في الأعمال الإنسانية ولا تعمل أيضًا للإنسان، هكذا أنت أيضًا فإنك لا تعيش وتعمل للحياة الحاضرة، بل لكل ما يختص بالروح وبالتأملات والعبادة الإلهية، هذا هو ما يجب أن تفعله، هذا هو ما يجب أن تفكر فيه.
نذورات مختلفة: درجات للكمال
ومع ذلك فإن قراءة اليوم تحتوي على بعض التميزات النوعية في مادة النذر، إذا كان الإنسان هو الذي يعمل النذر، يقال عنه إنه حر في نذوره، ولا يتبع أحدًا. “إذا كانت امرأة هي التي تقوم بالنذر” وإذا كانت في منزل والدها، فإن نذرها يتبع الأب، وإذا لم يرضَ به، فإنها غير مسئولة عن ذلك، ولكن إذا رضى به، فهو وأبنته مُلزمون بتنفيذه. وإذا حدث أن الأب لم يعلن أنه غير راضٍ عن ذلك، فإن الفتاة إذًا لم تكمل هذا النذر، فإن الخطية تبقى عليه. وهناك نظام مثله يختص بالزوج، إذا كانت سيدة قامت بالنذر وهي في بيت زوجها، فإذا تفاهم معها زوجها ولم يلغه، فإنه يكون مسئولاً عن النذر بنفس المقدار مثل زوجته، “وإذا لم يلغه” فإن الزوجة والزوج يكونان مسئولان عن ذلك. وإذا لم يتكلم الاثنان كما قلنا فإنهما مسئولان عن ذلك، هذا هو النص. ولكن إذا أردنا فلنطلب من الله فهمًا يجعلنا نستحق أن نفهم هذا النص، كما يناسب كلمات الله. نحن الذين نعيش تحت ناموس الله، والذين نكّون كنيسته، ويعيش البعض تحت سيطرة أب، والآخرون تحت سيطرة زوج، إذا كانت روحنا صغيرة وحديثة في مدرسة الله، يجب النظر إلينا كما لو كنا نعيش تحت سيطرة الأب. لكن إذا تقدمت نفسنا لدرجة أن تصبح ناضجة للزواج، لتتقبل حصاد كلمة الله وتفهم أسرار التعليم الروحاني،فهي موضوعة تحت سيطرة الزوج. وهذا ما قاله القديس بولس لأهل كورنثوس: “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو1:1ـ2). أما من هم المجموعة الأخيرة فهم الأكثر كمالاً، والأكثر سموًا ولا يقال عنهم أنهم تحت سيطرة زوج، ولكن استمع إلى ما يقوله القديس بولس وكيف يقول عن نفسه وعن أمثاله: ” إلى أن نصل إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملئ المسيح ” (أف4: 13). والنذور التي تقدمها هذه النفس التي تصل إلى الإنسان الكامل، لا أحد يستطيع أن يأمرها، فالمرأة تمتلك ثروتها وهي حرة في نذورها.
النفوس التي لا تمتلك نفسها
ولكن إذا كانت النفس أيضًا من الجنس الأنثوي وإذا كان زوج أو أب يستطيع التصرف في نذرها، فالخطأ لا يقع عليها، فهو يقع في بعض الأحيان على الأزواج أو على الآباء. وبالرغم من أن هذه المواد صعبة للوصول إلى الميناء، ولكننا سنقدم أفكارًا بحسب ما يعطينا الرب.
دور الملائكة الحراس
لقد قلنا مرارًا إن العناية والاتجاه إلى النفوس في كنيستنا الإلهية تعطي مسئوليتها للملائكة، وأشرنا إلى أنها تظهر شخصيًا عند محاكمة الإنسان حتى تنظم في المحاكمة الإلهية. إذا أخطأ الإنسان بفعل سقوطه نفسه أو بإهمال أساتذته يبدو في هذا النص أيضًا، تحت ستار الغموض. هناك معنى يبرهن على أن بعض النفوس لديها صلات مع فتيات، والبعض مع زوجات حسب نوعها الذي ذكرناه أعلاه. إذا كانت إذًا واحدة منهن تريد أن تهب نفسها أو تنذر نفسها أو شئ منها إلى الله، إذا كان نذرها غير ناضج وليس مناسبًا جدًا، فإن ذلك يرجع إليه، إلى الملاك الحارس والناصح، فعليه أن يوقف النذر، وأن يلغي جرأة صاحب النذر. لكن إذا، بعد الاستماع إليه لا يوقفه، ولا ينذره فإن هذه الروح سوف تكون مثالاً للخطأ لكن هو (أي الملاك) سوف يبقى مسئولاً عن النذر.
وهذا هو ما يحدث لمن هم أقل كمالاً، هذا هو معنى النص، ولكن بالنسبة للأكثر اكتمالاً، فإن الله نفسه يساعدهن. وكبرهان على ذلك ما كتب عن شعب إسرائيل: ” الله نفسه كان يقودهم “، ولكن بعد أن سقطوا، وأصبحوا أقل رتبة مما كانوا قبلاً، فقد عهد بهم إلى ملاك. وهذا ما جعل موسى يقول: ” إذا لم تأت بنفسك معنا، لا تجعلني أرحل من هنا ” (خر33: 15)، ويقول الله أيضًا عن البار ” أنا معه في المحنة ” (مز92: 13)، ويقول في مكان آخر ” لا تخف من النزول إلى مصر لأني سأكون معك ” (تك46: 3-4). إن الرب يحضر إذًا “بنفسه” ليساعد الأبرار والصديقين، أما الذين هم أقل من ذلك فالملائكة هم الذين يكونون معهم، وكما برهنا قبل ذلك، فهم الذين يسوسونهم، ويسهرون عليهم، تارة يأخذون نذورهم لحسابهم، وتارة أخرى يتركونها.
حرية النذور للكاملين
لكننا يجب أن نتجه إلى الالتقاء بالإنسان الكامل، إلى قياس قامة ملء المسيح، حتى يكون لنا حرية اختيار النذور. وهكذا نسرع إلى الاتحاد بالرب حتى نكون معه روحًا واحدًا (1كو6: 17)، بدلاً من الاتحاد مع ملاك وهكذا يظل “هو” فينا، ونحن ” فيه ” (يو4:15)، ولا يكون فينا أي شئ أنثوي أو طفولي يضطر الأب أن يتركنا لمعلمين ووكلاء. لنسرع بالعكس إلى فهم كلمة ربنا ومخلصنا والآب نفسه الذي يحبنا (يو27:16)، ” له المجد في أبد الآبدين آمين” (رو36:11)
[1] “الإنسان الداخلي” هو الذات بالجمع أي الـ “نحن” عند الفلاسفة، وهو مقر العقل الذي يشترك في العقل المطلق، أي ((Λóγος اللوغوس الذي هو صورة الله، والذي خلق الإنسان على صورته، وفيه أيضًا يتجدد.
الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
العطايا للرب – العظة الثالثة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
العطايا للرب – العظة الثالثة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
العطايا للرب وأعياد الرب
الديباجة:
أفضال الله التي تخلصنا من المظاهر
1ـ الفضل للرب الذي خلصنا من المظاهر، لو كانت قد استمرت قاعدة (التقيد بـ) تقديم الذبائح والأنظمة الشرعية التي كانت معطاة للشعب الإسرائيلي حتى الآن، لكانت بالتأكيد قد عاقت الإيمان بالإنجيل الذي عن طريقه يهتدي غير المؤمنين إلى الله منذ مجئ ربنا يسوع المسيح.
في الواقع كانت توجد في هذه القاعدة (ضمن هذه القيود)، ديانة مليئة بالرفعة والمهابة التي كانت تذهل الحاضرين.
مَنْ إذًا عند رؤيته المعبد، متأملاً المذبح ليرى أين يمكث الكهنة الذين يقدمون الذبائح وتتبرر بهذه الخدمات كل جماعة الشعب، لا يفكر أن هذا هو الشكل المثالي للعبادة الذي يجب على الجنس البشري تقديمه لخالق كل شئ؟
ولكن نُرجع الفضل إلى مجئ المسيح الرب الذي اقتلع نفوسنا من هذا المنظر وقادها لتفُهم الموضوعات السماوية، وتأمل الحقائق الروحية لإبطال ما كان قد بدا عظيمًا على الأرض، والعبور بعبادة الرب من المرئي إلى غير المرئي، ومن الدنيوي إلى الأبدي.
ولكن في الحقيقة، إن الرب يسوع المسيح يريد أذانًا قادرة على السمع وأعين قادرة على رؤية الحقائق غير المنظورة والأبدية. نحن أيضًا الذين لدينا ناموس موسى ونريد أن نثبت أن “ الناموس روحي” (رو7: 14)، نطلب منكم أعينًا وأذانًا لا تنظر إلى الأمور القديمة الزائلة، ولكن تصبح قادرة على “بحث” الموضوعات الروحانية “حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض” (كو3: 1-2). ليكن هذا المدخل كافٍ بالنسبة لنا.
تقدماتنا للرب تأتي من الرب
2ـ لنأتِ الآن إلى النص ” وكلم الرب موسى قائلاً أوصى بني إسرائيل وقل لهم قرباني طعامي مع وقائدي رائحة سروري تحرصون أن تقربوه لي في وقته. وقل لهم هذا هو الوقود الذي تقربون للرب ” (عد28: 1-3).
لا أحد يعطي من ملكه إلى الرب. الشئ المقدم ينتمي إلى الرب والذي نقدمه له هو على الأقل منفعة خاصة أكثر منها منفعة نردها للرب. وأيضًا أراد الرب أن يعلن شرائع عن الذبائح والتقدمات التي يجب على الناس تقديمها. لقد بدأ بإخبارهم بطبيعة هذه الذبائح “قرباني طعامي مع وقائدي رائحة سروري تحرصون أن تقربوه لي في وقته”. العطايا التي آمركم بتقديمها عند أعيادي هي “عطاياي”، إنه أنا الذي أعطيتكم إياها. كل ما يملكه الناس قد أخذوه مني. لا يجب أن نتخيل أنه عند تقديمنا للتقدمات نزود الله بفائدة أيًا كانت. ويجب أيضًا أن لا نقترف هذا الشر في العمل نفسه الذي به نعتقد إننا نعبد الله. يا له فعلاً من تجديف!
الإنسان يعتقد أن الرب يحتاج إلى ما يقدمه! الرب قال لنا: أعلم الإنسان إنه كل ما يقدمه له فهو يرده له أكثر بكثير مما يقدمه. ولكن لنرَ معني هذه الكلمات “تحرصون أن تقربوه لي في وقته”.
أعياد الرب:
هل يوجد أعياد للرب؟ نعم. لا يوجد عيد أعظم من خلاص الجنس البشري. ففي رأيي، بكل أمانة، أن كل إنسان يهتدي إلى الرب أو يتقدم (ينمو) في الإيمان يتيح الفرصة لوجود عيد للرب. يالها من سعادة عظيمة، قل لي متى يصبح الفاسق طاهرًا، متى يحترم الظالم العدل، متى يصبح المُلحد تقيًا. كل هذه الإهتداءات الشخصية تتيح الفرصة لأعياد الرب.
بدون شك إن ربنا يسوع المسيح الذي سكب دمه من أجل خلاصنا، يحتفل بأعظم الأعياد عند رؤيته إنه ليس عبثًا قد ” أخلى نفسه أخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت. موت الصليب” (في2: 7- 8). أيضًا الروح القدس يحتفل بالأعياد عند رؤيته مع المؤمنين زيادة المعابد المعدة لهم.
والملائكة… ماذا يقال عن الملائكة الذي يتجدد عيدهم المفرح عند كل توبة؟ أليس كذلك بالنسبة لهم عيد كبير عندما يفرحون: “هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى التوبة ” (لو15: 7). إذًا فالملائكة تحتفل بالعيد عندما يفرحون بالذين افلتوا من مشاركة الشياطين،وبممارسة الفضائل أسرعوا بالدخول في مشاركة الملائكة.
فرح وحزن في السماء
قد يكون ما أورده متناقضًا بعض الشئ. مما يبدو أننا نعطي للرب والملائكة أسباب للأعياد والفرح ونحن الذين على الأرض، نعطي سببًا للفرح والإستبشار للذين في السماء ” فإن سيرتنا نحن هي في السموات ” (في 3: 20)، وهذه هي فعلاً الطريقة التي نعطي بها فرصة لأعياد الملائكة. ولكن إذا أعطت تصرفاتنا الجيدة وتقدمنا في الفضائل فرصة لأعياد الرب والملائكة، فإن سلوكنا السيئ، يعطي مجالاً للأنين والحزن، ليس فقط على الأرض ولكن أيضًا في السماء. من الممكن أيضًا أن تؤلم خطايا الناس الرب نفسه.
أليس مكتوبًا ” فحزن الرب إنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه” (تك6:6). ونرى ذلك الحزن عند ربنا يسوع المسيح المخلص في الإنجيل قائلاً: ” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ” (مت23: 37).
ولا نتخيل إنه لا يعني هنا إلا القدماء وهم “ها أنا أرسل لكم أنبياء وحكماء وكتبه فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون”. إذا حدث اليوم أني استهنتُ بإنذارات نبي من أنبياء المسيح بدلاً من سماعه، أنا أيضًا “أصلبه” بدلاً من أن يكون فيَّ، في رفضي للكلام كأنه قد مات عند علمه بهذا الكلام.
الرب تألم من الجنس البشري عندما جعل النبي يقول ” ويل لي لأني صرت كجني الصيف كخصاصة القطاف لا عنقود للأكل ولا باكورة تينه اشتهتها نفسي، قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس جميعهم يكمنون للدماء، يصطادون بعضهم بعضًا بشبكه” (مي7: 2).
هذا هو أنين المسيح الذي يبكي على الجنس البشري، لقد أتي هو ذاته لكي يلتقط الحصاد ولم يجد غير القش بدلاً من الحصاد، ولقد أتي ليقطف العنب ولم يجد لكل جني إلا بعض العنب الذين هم الرسل، ” الحق الحق أقول لكم أن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها ولكن أن ماتت تأتي بثمر كثير” (يو12: 24)، ” لولا أن رب الجنود أبقى لنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة ” (أش1: 9).
لقد قلنا إن عند ملائكة الرب أيضًا ” يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب “، أي عندما يسّرون بسعادتنا ولكننا نُحزن من يحبوننا، إذًا هم يبتهجون بالتوبة ويبكون الخطايا المقترفة. إذًا ” أخطأت أورشليم خطيئة ” (مز11: 8)، مثل ما هو مكتوب في المراثي “لقد تزعزعت” وكل أعيادها واحتفالاتها اختفت بسبب أن سكانها قتلوا سيدي يسوع المسيح. لهذا يقول لهم الرب ” رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي ” (أش1: 14). وبينما عند اجتيازنا للنظام الخاص بالتقدمات في الوقت الذي لم يكن فيه خطية بعد، الرب قال: ” أعيادي” وبعد الخطية لم يعد يقول أعيادي بل أعيادكم ولكن كل هذه الكلمات: الرب يبكي، أو يفرح، يكره أو يحب. يجب أن نأخذ هذه كتعبيرات مجازية حسب عادات اللغة الإنسانية، لأن الطبيعة الإلهية لا تعرف أي انفعال وتغير، أنها تظل دائمًا ثابتة وراسخة على قمة سعادتها.
3ـ بما أننا لدينا بين أيدينا حق تشريع الأعياد وبما أنه من هنا إنطلقنا، لنبحث بانتباه لإيجاد ترتيب الأعياد من أجل تصنيفها وإيضاح أنواع التضحيات. هذه هي الطريقة التي نستطيع بها من خلال سلوكنا وتصرفاتنا أن نقدم أعيادًا للرب.
الأعياد المختلفة: العيد الأبدي
العيد الأول للرب هو العيد “الأبدي”. في الواقع إن الرب أمر بتقديم ذبائح صباحًا ومساءً دائمًا وبلا انقطاع. وكذلك في مجموعة شرائع الأعياد، لم يبدأ الله بعيد الفصح ولا بعيد المظال ولا بأي عيد من الأعياد، ولكنه أسس عيد الذبيحة الأبدية. وذلك لأنه يريد تعليم الإنسان الذي يميل إلى القداسة والطهارة أنه لا توجد أيام أعياد وأيام بدون أعياد مقدسة للرب ولكن الإنسان البار الصالح يجب عليه الاحتفال بعيد أبدي.
لأن الذبيحة التي يجب أن تكون مقدمة صباحًا ومساءً دائمًا تعني أنه يجب تثبيت الانتباه بلا انقطاع على الشريعة والأنبياء الذين يشيرون إلى الصباح ويبشرون بتعليم الإنجيل مساءً أي مجئ المخلص في ظلام (ليل) العالم. هذه هي الاحتفالات الذي يقول عنها الرب “لتهتموا (لتلاحظوا) بأعيادي” إذًا هناك عيد للرب، نوقد دائمًا الذبيحة فيه، لو إننا ” صلينا بلا انقطاع ” (1تس5: 17)، لو أن صلاتنا إستقامت ” كالبخور قدامك، ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية” (مز141: 2). إذًا، أول احتفال هو “الذبيحة الدائمة” التي يجب على تابعي الإنجيل تأديتها بالطريقة التي فسرناها.
ولكن حسب قول النبي فإن “أعياد” الخاطئين تتحول: ” وأحول أعيادكم نوحًا وجميع أغانيكم مراثي، هكذا يقول الرب ” (عا 8: 10). ومما لا شك فيه أن الخاطئ الذي يحتفل بيوم الإثم لا يقدر أن يحتفل بيوم العيد. في الأيام التي يخطئ فيها، لا يقدر أن يقدم إلى الرب الذبيحة الأبدية، أما الذي يقدر أن يقدمها دائمًا فهو فقط الإنسان الذي يلازم البر ويتجنب الخطيئة. واليوم الذي فيه يتوقف عن البر ويرتكب الخطيئة، فهو لا يقدم للرب الذبيحة الأبدية.
أعبّر عن ما يوضح أقوال الرسول ولكني أخشى أن أحزن البعضْ. الصلاة المقبولة (الصحيحة) هي ” التي تستقيم كالبخور قدامك”و” ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية ” (مز141: 2). ومن جهة أخرى يقول الرسول للمتزوجين “لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين لكي تتفرغوا للصوم والصلاة ثم تجتمعوا أيضًا معًا ” (1كو 5:7). إذًا فهو يرى أن تقديم الذبيحة الأبدية يحتاج إلى فترات من التعفف الزوجي لبعض الوقت للتفرع للصوم والصلاة . ولكن توجد أعياد أخرى للذين لا يقدرون على تقديم الذبيحة الأبدية للعفاف.
عيد السبت
4ـ ثاني احتفال يُقام بعد احتفال الذبيحة الأبدية هو ذبيحة السبت، كل القديسين والأطهار يجب أن يحتفلوا بالعيد.
ما هو احتفال السبت، الذي يقول عنه الرسول “ إذًا بقيت راحة لشعب الله ” (عب4: 9). هذا يعني مراعاة السبت “لشعب الله”. لنترك إذًا الأشكال اليهودية للسبت، ولنرَ ماذا تعني بالنسبة للمسيحي قاعدة السبت. في يوم السبت يجب عدم الإنشغال بأي نشاط من نشاطات العالم، الامتناع عن كل أعمال هذا الدهر، عدم فعل أي شئ خاطئ، التفرغ للممارسات الروحية، المجئ إلى الكنيسة، الانتباه لسماع القراءات السماوية والعظات والتفكير مليًا فيما يخص السماء والاستعداد للمستقبل، والمثول أمام الديان الآتي، وإعطاء الاهتمام لا للموضوعات أو الأشياء الكائنة والمرئية بل إلى الحقائق المستقبلية والغير مرئية، وفي هذا تكمن قاعدة السبت للمسيحي. ولكن يجب على اليهود أيضًا تأمله بهذا المعنى.
أيضًا لديهم كل حداد، كل بناء، كل عامل يدوي يُعطل في يوم السبت ولكن قارئ الناموس الإلهي والطبيب يستمرون في أعمالهم بدون تدنيس السبت، السيد الرب يقول: ” أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء ” (مت12: 5). ومن هو إذًا من امتنع عن أعمال هذا الدهر وينشغل بالنشاطات الروحانية، ويقدم ذبيحة السبت ويحتفل بعيد السبت ” وأوقف البوابين على أبواب بيت الرب ” ( أنظر2أي2 : 4) لئلا يدخل نجس في أمر ما. الثقل هو كل خطيئة، من وجهة نظر النبي ” لأن آثامي قد طمت فوق رأسي. كحمل ثقيل أثقل مما احتمل ” (مز38: 4)، ” لا تشعلوا نارًا” (حز35: 3)، لتسمعوا النار التي قال عنها ” اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي أوقدتموه ” (أش50: 11).
في السبت، كلُ يظل مكانه ولا يخرج. ما هو إذًا مكان النفس الروحانية؟ هذا هو البر، الحكمة، التقديس وكل خواص جوهر المسيح الذين هم مكان الروح. لا يجب أن تخرج حتى تحفظ السبت الحقيقي، وتوفي ما عليها من ذبائح السبت مثل ما يتوافق مع قول الرب ” اثبتوا فيَّ وأنا فيكم ” (يو15: 5).
سبت العالم الثاني: راحة الرب
بما إننا قد تحدثنا عن السبت الحقيقي فلنتعمق في البحث عن السبت الحقيقي، فسندركه في العالم الثاني. لأننا لا نرى إلا أقوال سفر التكوين ” فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمله، ” إذ تحقق ذلك في اليوم السابع أو يتحقق اليوم. إننا نرى الرب دائمًا يعمل، لا يوجد سبت يكف فيه عن العمل، منذ ذلك اليوم الذي فيه ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين ” (مز147: 8)، أو ” الكاسي السموات سحابًا المهئ للأرض مطرًا المنبت الجبال عشبًا” ، “هو يجرح ويعصب (يسحق ويداه تشفيان”، ” أنا أميت وأحيي” (أي5: 18)، وأيضًا المسيح الرب في الأناجيل يجيب على اليهود الذين يتهمونه بالعمل والشفاء يوم السبت ” فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل ” (يوحنا5: 17)، مشيرًا بهذا أنه لا يوجد أي وقت يستريح فيه الرب من السهر على أحوال العالم ومصائر الجنس البشري. لأنه منذ البداية، قد خلق المخلوقات وخلق مواد عديدة من حكمته كخالق وعلم أنها تكفي حتى نهاية العالم، بل يقول: ” ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت28: 20)، فالرب لا يكف عن عنايته الإلهية وتوفيره لها. السبت الحقيقي هو الذي فيه “يستريح الرب من جميع أعماله”، سيصبح العهد الآتي متى ” هرب الحزن والتنهد ” (أش35: 10)، وسيصبح الرب ” الكل وفي الكل ” (كو3: 11).
هذا السبت، سيعطينا الرب أن نعيد به ومعه ونحتفل به مع الملائكة القديسين بعمل الآتي ” اذبح لله حمدًا وأوف العلي نذورك” وأيضًا ” أدخل إلى بيتك بمحرقات أوفيك نذوري التي نطقت بها شفتاي وتكلم بها فمي في ضيقي” (مز50: 14؛ مز 66: 13-14). بذلك تكون الذبيحة الأبدية التي تكلمنا عنها مقدمة بصورة أفضل. إذًا تقدر الروح أن تقف بدون انقطاع أمام الرب وتقدم “الذبيحة حمدًا”، بأيدي الكاهن الأعظم ” الذي صار على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد ” ( عب6 :2) .
عيد الهلال: التجديد
5ـ ثالث الاحتفالات المقامة هو عيد الهلال الذي نقدم فيه تقدمة [الهلال تعني قمر جديد]، هذا الاحتفال يكون في وقت تغير القمر. إذًا نقول إن القمر جديد حين يقترب جدًا من الشمس ويكون في التقاء ضيق بها فيختفي في إشراقها.
ولكن هذه الوصية من الناموس السماوي التي تظهر فجأة، إنها تُرى كظاهرة غير ضرورية. يا تُرى لماذا يهتم الدين بالاحتفال بعيد هذا القمر الجديد أي اجتماع القمر مع الشمس واختفائه بإشراقها. إذا اعتبرنا هذا النظام حرفيًا، فيبدو لنا أنه مأخوذ من الخرافات بدلاً من الدين.
ولكن الرسول بولس كان يعرف أن الناموس لا يتعامل مع هذه المواد، والروح القدس لم يكن يريد أن نخضع للنظام الطقسي المحفوظ عند اليهود، لهذا فهو يقول للذين اقتنوا الإيمان بالرب يسوع المسيح ” فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت التي هي ظل الأمور العتيدة وأما الجسد فللمسيح ” (كو2: 16-17). إذًا السبت، الذي ندركه بالنسبة إلى إيماننا هو ” ظل الأمور العتيدة “. لو كان الهلال هو ” ظل الأمور العتيدة ” فبالتأكيد الاحتفالات الأخرى هي ” ظل الأمور العتيدة “. لنر الآن الهلال.
لقد قلنا إن العيد المُحتفل به عند تغير القمر، عند تقربه بأكبر قدر ممكن من الشمس والتقائه المحدود بها، هو عيد الهلال. “شمس البر” (ملا2:4)، هو المسيح. إذًا القمر ـ وهنا يعني كنيسته إذا كانت مليئة بالنورـ سيكون متصلاً ومتحدًا بها تمامًا، كما يقول الرسول ” وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ” (1كو6: 17). فهذه الروح تعيّد عيد الهلال، لأنها تصبح جديدة عندما ” تلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق” (أف4: 24). وبهذا فإنها تستحق أن تحتفل بالتجديد والإصلاح أي عيد الهلال. وهذا إذًا من جهة أخرى، هو الذي لا نقدر أن نراه أو نفهمه بنظرات إنسانية.
هذه ” الروح ” هي التي تتحد بالرب، التي تكون قد تعمقت في بهاء نوره، التي لا يكون لها أي تفكير أرضي بعد، ولا أي انشغال عالمي، ولا أي رغبة في إرضاء البشر وتهاجر إلى نور الحكمة، إلى حرارة الروح القدس بتحولها إلى التجرد والروحانية.
وكيف تكون قد ُنظِرتْ من الناس وفُهِمْت من النظرات الإنسانية؟ لأن ” الإنسان الطبيعي” لا يقدر أن يفهم ولا أن يُدرك “الإنسان الروحاني” ولهذا تحتفل الروح باستحقاق بهذا العيد وتقدم تقدمة الهلال للرب الذي جددها.
عيد الفصح: تناول كلمة الله
6ـ إن الاحتفال بعيد الفصح مع ذبح الحمل يوضع في المرتبة الرابعة من أعياد الرب. بالنسبة لك أنظر الحمل الحقيقي “حمل الله” “الحمل الذي حمل خطية العالم” وقل إن المسيح هو فصحنا. إن اليهود وفقًا لتفكيرهم الجسداني يأكلون لحم الحمل ونحن نأكل لحم كلمة الله لأنه قال: ” الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم ” (يو6 : 53). هذه الأقوال التي ننطق بها في هذه اللحظة هي لحم كلمة الله. بقدر ما نعطي من غذاء ليس “خضراوات” من أجل “المعدة الضعيفة” ولبن من أجل الأطفال الصغار، إذا كانت أقوالنا كاملة قوية وجريئة بذلك نعطيكم لتأكلوا لحم كلمة الله حتى ننطق بأقوال تقية، عقائدية مليئة بالإيمان الثالوثي، أقوال جوهرية؛ متى “نرفع البرقع” لكي نفتش عن أسرار الدهر الآتي المقتصرة في الناموس الروحي، متى تقتلع أمال النفس بعيدًا عن الأرض، لكي نقصد بها السماوات ونضعها في الفضائل ” بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان” (1كو2: 9).
لنشارك في لحم كلمة الرب، فمن يقدر أن يقتات بذكاء بالغ وقلب طاهر هو الذي يقدم حقًا ذبيحة الفصح ويحتفل بالعيد مع الرب وملائكته.
عيد الفطير: الطهارة ـــ النقاء
7ـ بعد ذلك أو بالأصح تبعًا لهذا العيد يأتي عيد الفطير، ستستحق أن تحتفل به إذا حفظت روحك من كل “خميرة خبث وشر” وتحتفظ ” بفطير الإخلاص والحق ” (1كو5: 8)، لأنه لا يجب أن نتخيل أن الرب العلي القدير كتب إلى الإنسان قوانين عن الخميرة وأنه “يقطع تلك النفس من شعبها لأنها لم تقرب قربان الرب في وقته” إذا حدث مصادفة أن نسيت أن تنظف ما لديها ولو من جزء صغير من هذه الخميرة التي هي أساس العجين.
هذه الفكرة تبدو لي غير جديرة بالقوانين الإلهية ولكن ما يحزن الرب بالمعنى الصحيح هو التخمر الناتج عن روح خبث وغضب وظلم، روح تنشئ خميرة الكراهية، هذا هو ما لا يريده الرب في الروح وإذا لم نستبعد هذه الخميرة من طبيعة أرواحنا، سنصبح مستبعدين وسوف نستحق ذلك.
نقطة إهمال! وحتى إذا كنت لا ترى إلا جزءً صغيرًا من الخبث والكراهية الذي يتخمر بداخلك، تذكر أن ” خميرة صغيرة تخمر العجين كله ” (غل5: 9)، لا تستهن بالخطية الصغيرة لأن الخطايا تولد خطايا أخرى، من البر يُولدَ البر، من طهارة النفس تُولدَ طهارة النفس. إنسان بدأ بطهارة نفس ضعيفة وأصبح بعد ذلك أكثر طهارة، كل يوم بعد تلقيه خميرة الطهارة، هو عكس إنسان وضع في نفسه أقل بذرة للخبث، فيسيطر عليه ذلك الخبث كل يوم ويصبح أكثر شرًا. وأنت أيضًا إذا كنت تريد أن تحتفل بالفطير مع الرب، لا تترك بداخلك ولو أقل خميرة من الخبث أو الشر.
عيد الباكورات :
8ـ بعد ذلك يأتي سادس عيد، المسمى بعيد الباكورات [تقدم فيه باكورات الحصاد الجديد]، عندما يُحصد الحقل المزروع جيدًا ويكون الحصاد ناضجًا في كمال ثمار هذه الأرض نحتفل بعيد للرب.
إذًا أردت أنت أيضًا الاحتفال مع الرب بعيد الباكورات، انتبه إلى الطريقة التي تزرع بها والمكان الذي تزرع فيه حتى تقدر أن تحصد ثمارًا تحوز على رضاء الرب وتفرحه وتجعله يحتفل بعيد. وفي هذه الحالة لا تقدر أن تحقق ذلك إلا بسماع قول الرسول ” ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية ” (غل6: 8). إذا زرعت بهذه الطريقة، وإذا حصدت بهذه الطريقة، ستحتفل حقًا بعيد الباكورات. لهذا يعطي النبي هذه النصيحة ” احرثوا لأنفسكم حرثًا ولا تزرعوا في الأشواك ” (إر4: 3). الذي يجدد ” قلبه ” والإنسان الداخلي من يوم إلى يوم، ” احرثوا إذن الأرض الجديدة ولا تزرعوا في الأشواك ” ولكن على الأرض الجيدة فيعطي ثمرًا، بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين. “ أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان ” (غلا5 :22) إذًا بين ” ثمار الروح “، الأولى هي ” الفرح “، ومن الطبيعي أن نحتفل بعيد الباكورات عندما نحصد “الفرح”، خاصة إذا حصدنا في نفس الوقت ” السلام – الصبر – الصلاح – اللطف “، وإذا جنينا الثمار الأخرى للروح،سنحتفل باستحقاق بعيد الباكورات للرب.
عيد الأسابيع
9ـ بعد ذلك يأتي عيد الأسابيع، كل سبعة أيام نحفظ السبت، ونحتفل بالعيد، وأيضًا كل سبعة أشهر نعمل سبت الأشهر ونحتفل بعيد يسمى ” سبت السبوت “. وفي اليوم الأول نقيم “تذكر الأبواق” ولكن الذي يقدر أن يحتفل بتذكر الأبواق هو الذي يقدر أن يعهد إلى ذاكرته كتابات الرسل، والإنجيليين التي تدوي مثل صوت البوق السماوي ويحفظها في ” كنز قلبه الصالح؟ “
الذي يفعل ذلك و ” في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلاً ” (مز2:1)، فهو يحتفل بتذكر الأبواق وهو الذي باستحقاقه يقدر أن يقتني من الروح القدس فضل الإرشاد الرسولي، والذي يقدر أن يبدأ إنشاد المزمور، ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا “، الذي يعرف أن “ غنوا له رنموا له انشدوا بكل عجائبه” (مز105: 2)، فهذا يحتفل باستحقاق باحتفال الأبواق.
عيد التكفير
10ـ ويوجد أيضًا عيد آخر يقتصر على من “يحزن روحه” ويتضع أمام الرب. عيد عجيب ونسميه عيد يحزن الروح! هو يوم التكفير ” في اليوم العاشر من الشهر السابع “. ليكن إذًا لديك اهتمام، إذا كنت تريد أن يفرح الرب بك فلتحزن روحك وتجعلها متواضعة ولا تسمح لها بتحقيق رغباتها ولا تتركها تنطلق في أشياء رديئة. “أحزنها وأوضعها، وكذلك عيد الفصح وعير الفطير يستوجبان” “الفطير خبز المشقة”. ولا أحد يقدر أن يحتفل بعيد بدون أن يأكل “فطير خبز المشقة” وبدون تناول الفصح “بمرارة” أو “على أعشاب مرة”. ونرى إذًا ما هي أعياد الرب: فهي لا تتوافق مع لذة الجسد، ولا تقبل أي توان، أي تلذذ، أي شهوة حسية، فهي توجب حزن الروح، المرارة والتواضع، لأن “من يضع نفسه يرتفع” أمام الرب. وهذا أيضًا ما يُطلب يوم التكفير. عندما تكون “النفس محزونة” ومنسحقة “أمام الرب” (أنظر يع4: 10)، فإن والرب يعيدها مرضية ومقبولة ويقدمها إلى من عينه الرب ليكون ” كفارة بالإيمان”، “…..يتم الصلح بدمه” أي المسيح يسوع ربه وفاديه.
عيد المظال
11ـ لنرَ ما هو آخر عيد يعطيه الرب فرصة للإنسان: هو عيد المظال. الرب يعطي عيدًا عندما يراك اخترت مسكن في هذا العالم تحت خيمة، عندما يراك بدلاً من أن تحتفظ بروحك مرتبطة وثابتة على الأرض، بدلاً من تمني خيرات الأرض، واعتبار هذه الحياة التي ليست إلا ظل، إعتبارها إقتناءًا دائمًا. أقول عندما يراك، مثلاً في مكان للمرور، يقربك من فردوس النعيم، الوطن الحقيقي الذي منه خرجت وتقول ” أنا غريب عندك، نزيل مثل جميع آبائي” (مز39: 13). لأنه تحت الخيمة يمكث الآباء: ” إبراهيم ساكنًا في خيام مع أسحق ويعقوب“، ” الوراثين معه لهذا الموعد عينه ” (عب 11: 9).
هل أنت “غريب ونزيل” على الأرض، هل تتجنب بذهنك التمسك والتأصل في شهوة الأشياء الأرضية، هل أنت مستعد أن تهاجر سريعًا، هل أنت مستعد أن “ تمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13)، حتى تصل إلى ” الأرض التي تفيض اللبن والعسل” وتلقى ميراث الخيرات الآتية؟ إذًا رآك الرب في هذه الحالة سوف يفرح بك، ويحتفل بعيد إكرامًا لك.
الأعياد في الحياة المستقبلة
كل هذا يقتصر على الوقت الحاضر. إذا أردت أن تعرف كيف يُحتفل بالأعياد في المستقبل فلترتفع إذا استطعت بأفكارك شيئًا فشيئًا عن الأرض وأنسَ لبعض الوقت ما هو أمامنا. وتصور كيف أن ” السماء والأرض تزولان ” وكيف أن ” العالم يمضي وشهوته”، تصور تأسيس الجديد: “ وننتظر سموات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البر” (2بط 3: 13)، أبعد عن نظرك ضوء الشمس المرئي وأنظر إلى العالم الذي يأتي بنور سبع مرات أكثر إضاءة (انظر أش 35: 26)، أو بالأصح، على سلطان الكتاب، الذي أعطاه الرب نفسه مثل “نور” ينتظم حوله ملائكة المجد؛ “الفضائل، القدرات، العروش، السيادة” وكل “أسم” للقدرات المجيدة السمائية التي ستُعرف ليس فقط في الدهر الحالي وإنما في الدهر الآتي أيضًا.
في وسط هذه يجب أن نفكر ونتخيل كيف نقدر أن نحتفل بأعياد الرب، وماذا يمكن أن يكون التهليل، الفرح، الاستبشار. لأن الأعياد الروحية التي تكلمنا عنها، عظيمة وأصيلة، خاصة عندما نحتفل بها روحيًا في النفس، وإن كان ذلك جزئيًا وليس كليًا مثل ما تثبته كلمة الرسول ” لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ” (1كو13: 9)، إذًا، نحن لا نعيد بهذه الاحتفالات إلا جزئيًا.
لنرجع إلى أقوال بولس الرسول على أيام العيد وعيد القمر الجديد ونرى دقته في قوله ” فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت” (كو2: 16). لنلاحظ جيدًا إنه لم يقل: على عيد ولكن من جهة عيد، ففي هذا العالم نحن نحتفل بالأعياد جزئيًا وليس بصفة كلية. فنحن طوعًا أو كرهًا تعوقنا بلادة الجسد الذي تحركه شهواته وتضنيه المشاغل والهموم.
يقول الحكيم “ الجسد الفاسد يثقل النفس ويعيق الروح بهموم كثيرة” (الحكمة9: 15س). إنه جزئيًا يحتفل الأبرار في هذا العالم بالعيد، “لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ”. ولكن عندما تأتي الحقائق الكاملة فسوف تبطل الحقائق الجزئية والعلم الجزئي ويحل العلم الكامل والحقائق الرسولية الكاملة محل العلم الجزئي والحقائق الجزئية، إذًا العيد الكامل يحل محل العيد الجزئي. هذا العالم لا يقدر أن ينال أي شئ من الكمال. إذ تفرض حاجات الجسد الشراب تارة، النوم تارة، وأيضًا هموم كثيرة أخرى ضرورية لهذه الحياة الحالية، بالتأكيد كل شئ يعطل دوام العيد الإلهي.
ولكن متى أتت اللحظة المتنبأ بها من أجل الذين يقيمون في قدس الأقداس، وعلى أي حال إذ كنا نستحق أن نكون من بين هؤلاء الذين ” لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد” (رؤ7: 16)، لا ينامون “لا يعملون” ولكنهم متيقظون دائمًا، مثل الملائكة الذين يُقال عنهم إنهم متيقظون دائمًا، “ عندما أقول إننا إن كنا نستحق أن نوضع في هذا المكان إذ هو الذي يليق به العيد الذي لا يفني، الذي ملكه وعريسه وسيده هو الرب يسوع المسيح نفسه مخلصنا، الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين ” (1بط4: 11).
العطايا للرب – العظة الثالثة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
بنات صلفحاد، موت موسى
قصة بنات صلفحاد
كان هناك خمس بنات، كتبت الشريعة أسماءهم، ولدوا من الإسرائيلي صلفحاد ” الذي مات في البرية ولم يكن له بنون” (عد27: 1-4). ووقفن بنات صلفحاد أمام موسى قائلات ” لماذا يحذف اسم أبينا من بين عشيرته، لأنه ليس له ابن” (عد27: 2،4)، فقدم موسى دعواهن أمام الرب. ولطف الله الكلي القدرة لا يحتقر ولا يزدري بطلب البنات، ولا تفضل بإعطاء إجابة فقط ولكنه وافق وجعلهن يحصلن على ميراثهن ليضع أساسًا لحقوق أبدية تسرى لكل العصور.
فكلم الرب موسى قائلاً ” بحق تكلمت بنات صلفحاد فتعطيهن ملك نصيب بين أخوة أبيهن وتنقل نصيب أبيهن إليهن” (عد27: 7)، ” وتكلم بني إسرائيل قائلاً أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته” (عد27: 8)، ” وإن لم تكن له ابنه تعطوا ملكه لأخوته، وإن لم يكن له أخوة تعطوا ملكه لأخوة أبيه ” (عد27: 9-10)، ” وإن لم يكن لأبيه أخوة تعطوا ملكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته فيرثه، فصارت لبني إسرائيل فريضة قضاء كما أمر الرب موسى” (عد 27: 11).
أهمية هذه الفقرة بديهية من الناحية التاريخية إذا فكرنا أن هذه القوانين صار لها قوة، ليس فقط عند أبناء إسرائيل ولكن عند كل الأمم المتحضرة. إقدام بنات صلفحاد لم يعطهن فقط ميراثًا ولكن أسس للعالم قانونًا مستديمًا. تُرى ما هي أهمية القصة نفسها في ناموس الله، من يستطيع إلغاء قوانين سابقة مستعملة في العالم أجمع.
معنى روحي
لنتقدم قليلاً، باحثين عن بنياننا الروحي. قد لا يكون عندي بنات من لحمي، ولا مجال لنقل ميراث. وفي هذه الحالة، لن يكون للناموس أى تأثير، وما قد تم تقريره بكلام الله سيبقى غير نافع؟
نبحث إذًا عن القانون الروحي، من تكون هؤلاء الخمس بنات اللواتي مات والدهن بخطيئة ما ومع هذا أصبحن وارثات بكلمة الله.
أبناء وبنات: معرفة وأعمال
عندما تحدثنا سابقًا عن الأبناء الروحيين وعلمنا أن فضائل النفس وأفكار العقل قد دعيت أبناء. وقد ظهر صحيحًا ومنطقيًا أن نرى البنات في الأعمال التي تنجز بواسطة الجسد. ولذا عددهم خمسة لأنه يوجد خمس حواس جسدية تتم بها كل الأعمال في الجسد. مع أنهن محرومات من الأب وباقيات يتيمات، هم تلقوا ميراث ليس مستثنى من الملكوت، هم تلقوا ميراث في وسط أبناء إسرائيل.
ولكن نرى من هو أبوهن الذي نقول أنه مات. هو يُدعى صلفحاد، يقول الكتاب: صلفحاد يُترجم “ظل في فمه” “أب الأعمال هو العقل”. هذه حالة متكررة، بعض من أخوتنا لهم عقل دون عمق، بدون اتساع، تفكيرهم ميت هو من هؤلاء الأشخاص الذي كُتب عنهم ” فمات قلبه داخله” (1صم25: 37).
رجل كهذا لا يفهم شيئًا، هو مات بالإدراك الروحي ولكنه إذا أعطى اليوم لبناته بخدمات مردودة، بأعمال طاعة، بأعمال مطابقة لأوامر الله، سينال أرضًا بالميراث مع شعب الله. هو لا يمكن أن يعد بدون شك مع الذين “ الرب هو نصيبهم“، والذين ” الله هو ميراثهم“، لن يستطيع أن يأخذ ضمن الخدام والكهنة ولكن بمرتبته المتواضعة هو سيحصل على ميراث من أرض الموعد ” لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون” (مت22: 14).
حينئذ نفهم تبعًا لمعنى اسمه، لماذا لم يستطيع صلفحاد أن يكون له أبناء ولكن بنات فقط، يجب أن نقول “ظل في فمه“، أنت تراه إذًا شخصًا ما لديه “ظل” الناموس في فمه وليس ” الصورة الحية للحقيقة” (انظر عب10: 2)، هذا الرجل لا يستطيع إدراك أي معنى روحي ولا أي فكرة عميقة، وليس لديه إلا “ظل” الناموس في فمه، ولا يستطيع أن يولد أفكار حية وروحية. ولكن يولد أعمال وأفعال التي هي طريقة خدمة المؤمنين البسطاء.
وهكذا تظهر رحمة الله هنا أن كل البسطاء والذين لديهم نقص في الإدراك، ولهم أعمال جيدة، لم يحرموا من ميراث القديسين، إذًا ” بنات صلفحاد لهن حق”.
وبعد ذلك وضع الله قانون التتابع، الميراث يعود للأبناء ويلي ذلك للبنات، وثم للأخوة وفي رابع درجة أخوة الأب، والدرجة الخامسة لا تشير إلى أي شخص محدد ولكن تنسب للشخص الأقرب في العائلة. وهنا المعنى التاريخي مكمل ومنتهى ولا يحتاج أي إيضاح .
درجات في الميراث السمائي
حينئذ من هو مُلِم بالنواميس الإلهية ومستنير بالمعرفة، يستطيع أن يفهم الدرجات المختلفة لهذا التتابع. الأول هو للميراث السمائي الآتي، بعنوان المعرفة والعلم هو للابن الذكر. والثاني الخاص بالأعمال هو الابنة. الثالث هو نوع من العاطفة والتقليد ولهذا يدعى أخ. يوجد أناس لا ينتجون أي عمل عقلي من تلقاء أنفسهم ولكنهم موضوعون في وسط أخوتهم، ويبدو أنهم يقلدون نفس الأعمال التي يعملها أولئك الذين لهم حياة عقلية شخصية، هؤلاء يرثون بالدرجة الثالثة باعتبارهم أخوة.
في الدرجة الرابعة الذي هو أخ الأب نستطيع أن نرى نوعية من الرجال الذين يجتهدون أن يقوموا بالمسئوليات المأخوذة من آبائهم وأن يتبعوا التقاليد المسلمة من القدماء. هم لا يعيشون أبدًا بالعواطف الشخصية ولا يتأثرون بالتعاليم الحاضرة ولكنهم يسيرون حسب التقاليد أي نظام القدماء. وهكذا هم لا يهملون وحينئذ يعملون بعض الخير.
الدرجة الأخيرة تتعلق بعلاقة قرابة معينة مع السابقين. هذا يجعلنا نقول: بعض الخير الذي نفعله بالصدفة أو بالمعرفة الحقيقية لن يضيع علينا ربح العمل الصالح، وسننال من سخاء الله نصيبًا من الميراث. إنه من الجرأة من جانبنا أن نعالج هذه الأمور ونتكلم عنها جهارًا. ولكن نحن لن نندم إذا قارنًًا “ الروحيات بالروحيات” (1كو2: 13) بل سنرجع منها بغيرة شديدة لمعرفة الأسرار.
II موت موسى
بعد ذلك تأتي قصة أخرى، وهي حكاية رائعة ومليئة بمعنى سامي. القصة تروي كيف ” قال الرب لموسى اصعدوا إلى الجبل” (عد 27: 12). حتى إنه بعدما رأي وتأمل كل أرض الموعد مات.
ولكن إذ كان أكثر انشغالاً بشعبه، أكثر من نصيبه، صلي إلى الله أن يدبر ” رجل ليقود شعبه لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لهم ” (عد27: 17).
تجهيز الذهن للحياة المستقبلية:
نرى في الوضع الأول كيف أن الإنسان الكامل والمغبوط لا يموت في الوادي وفي السهول ولا على التلال، بل على الجبل، وهذا يعني مكان مرتفع ومداخل صعبة. لأن إتمام وتحقيق الكمال في حياته له الأهمية العظمى. هو تلقي الأمر بأن يتأمل بعينيه كل أرض الموعد وأن ينظر إلى كل شئ بانتباه شديد جدًا.
في الحقيقة يجب على الإنسان الذي يريد أن يصل إلى كمال عظيم أن لا يبقى أي شئ مجهول بالنسبة له، وأن يعرف كل شئ يراه ويسمعه. لأنه يجب عليه أن يمر من جديد على كل الأشياء التي عرفها بمظهرها المادي أثناء وجوده في الجسد وذلك عندما يدخل في عالم الروح والقلب النقي، حتى أنه وهو يسرع في سماع دروس الحكمة وهو يبدأ في مدرسته، يستطيع أن يجد بسرعة الأساس والأسباب. أي اهتمام آخر كان لديه، ليظهره له في ليلة رحيله من هذا العالم، قبل نهاية هذه الحياة سوى الأراضي والأماكن التي لم يستطيع أن يقهر صعوباتها ولا أن ينال مزاياها؟
موسى مذنب
العبارة التي تأتي بعد ذلك تملأني من الرعب تجعلني أتردد أن أتكلم، عندما أرى موسى هذا ” عبد الرب وصديقه” (يش1: 3)، الذي تكلم إليه ” وجهًا لوجه “، وبواسطته أُجريت آيات ومعجزات مدهشة، ومع هذا قال له هذه الكلمات الصعبة والمخيفة. ماذا قال له الرب؟
” ومتى نظرتها تضم إلى قومك أنت أيضًا كم ضُم هرون أخوك” (عد 27: 13). ولكي يشرح له سبب موته أضاف الرب ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم” (عد27: 14). إذًا فموسى أيضًا مذنب؟ هو أيضًا استوجب الاتهام بالعصيان، هو أيضًا تحت الخطيئة “. ولهذا أعتقد أن الرسول يقول بتأكيد ” لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى”. لمست (الخطيئة) موسى ولم تفارقه أبدًا، ولهذا يقول الرسول “ دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت” (رو5: 12)، وأيضًا ” لأن الله أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع ” (رو11: 32)، ولكن ” ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت… أشكر الله بيسوع المسيح ربنا” (رو7: 24،25). لأنه ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا” (رو5: 20). لأنه كيف يستطيع موسى أن ينقذ أحدًا من الخطاة وهو الذي قال له الرب: ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم (أبناء إسرائيل) ” (عد27: 14).
مثال موسى: ضد المحاباة
4ـ فلنتأمل إذًا عظمة موسى. في وقت تركه للعالم، قد صلى إلى الله ليعين قائد لشعبه. آه، موسى ماذا تفعل؟ ألم يكن لك أبناء، جرشوم ولعازر؟ إذًا لم يكن عندك ثقة تامة فيهم، وكذلك أخوك، الرجل العظيم. كيف لم تسأل الله أن يقيم منهم قادة للشعب؟ ورؤساء الكنيسة، بدل من أن يعينوا المرتبطين معهم بعلاقات الدم أو القرابة الجسدية، ليملكوا في الكنيسة، وبدلاً من أن يختاروا الخدام بحسب عواطفهم البشرية كان ينبغي أن يسلموا لله أمر تعيين خلفائهم!
موسى لم يقدر على اختيار قائد للشعب بتحكيم مناسب، وبقرار مستقيم وعادل، ولذلك قال له الله ” اجمع إلى سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل الذين تعلم أنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه” (عد11: 16)، والذين تختارهم فهؤلاء هم الذين ” آخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم” (عد11: 17). ومن أفضل من موسى يستطيع تعيين قائد للشعب؟ ومع ذلك فهو لم يعين أحدًا، لم يجرؤ على ذلك. لماذا لم يجرؤ؟ لكي لا يترك للأجيال القادمة مثال للشبهة اسمعه يقول: ” ليوكل إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة يخرج أمامهم، ويدخل أمامهم ويخرجهم ويدخلهم” (عد27: 16، 17).
إذًا كان رجل عظيم مثل موسى لا يقوم بتعيين قائد للشعب برأيه الخاص، ليكون خليفة له، فمن يجرؤ، من بين هذا الشعب، وحتى لو كان من بين الكهنة أن يعطي رأيًا سواء باستخدام الصياح أو بتأثير المال، لا يستطيع أحد أن يعطي حكمًا بخصوص هذا الأمر، إلا لو كان هناك إعلان من الله بعد صلوات وتوسلات كثيرة أمام الله؛ ولهذا قال الله لموسى: ” خذ يشوع بن نون رجلاً فيه روح وضع يدك عليه، وأوقفه قدام أليعازر الكاهن وقدام كل الجماعة وأوصه أمام أعينهم، واجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل” (عد 27: 18-20).
تعرف من هذا بوضوح كيفية تنصيب قائد للشعب، فهنا لا مجال لمظاهرة شعبية أو أي اعتبار لقرابة جسدية، فالأقارب يورثّون الحقول والبيوت ولكن قيادة الشعب، تعطى للمختار من الله، أي لرجل يسكن فيه روح الله، ويضع أمامه وصايا الله (انظر مز180: 22). ويكون معروفًا من موسى والقريبين منه، بمعنى أن يكون له نور الناموس والمعرفة حتى يسمع له كل أبناء إسرائيل . ولكن كما أن كل التعاليم مملوءة بالأسرار، نحن لا نستطيع أن نسقط ما هو أعظمها قيمة، وأكثرها نفعًا وضرورة، وهي الوصايا التي أعطاها حرف الناموس.
إذا اعتبرنا موت موسى هو بالتأكيد نهاية الناموس بحسب الحرف فما هي نهايته؟ النهاية هي إلغاء الذبائح وكل الفرائض المشابهة التي يحتويها الناموس. متى نصل إلى نهايتها فإن يسوع (يشوع) يستلم الوصية، ” لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن” (رو 4:10)، وأيضًا قد قيل عن القدماء الإسرائيليين أنهم ” اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر” (1كو10: 2)، وأيضًا أنه قيل عن يسوع (يشوع) إن كل من في يسوع قد اعتمد في الروح القدس والماء (انظر يش3: 15-17). لأن يشوع (يسوع) هو الذي أجازهم في مياه الأردن، واعتمد الشعب بطريقة ما. وهو الذي وزع أرض الميراث، الأرض المقدسة على الكل، وليس فقط على الشعب القديم، ولكن على الشعب الجديد أيضًا. لأن الشعب القديم بسبب عصيانه “ طرحوا في القفر” (انظر1كو10: 5)، ولكن في وقت يسوع (يشوع) قيل “واستراحت الأرض من الحرب” (يش11: 23)، وهذا ما لم يكن ممكنًا أن يُقال في أيام موسى.
وهذا قيل عن يسوع ربي، وليس عن يشوع بن نون هل تستطيع أرضي أن تستريح من حروبها؟ ويمكن أن تفعل أرضي هذا إذا ما جاهدت بإخلاص، من أجل يسوع قائدي، فإذا أطعت ربي يسوع ” فلن يحارب جسدي ضد روحي أبدًا ” (انظر غل5: 17). ولن تُهاجم الأمم الأعداء أرضي إطلاقًا وأقصد بالأعداء، الشهوات المتنوعة. فلنصلٍ إذًا حتى يسود يسوع علينا، حتى تستريح أرضنا من الحرب ومن هجوم الشهوات الجسدية. فإذا توقفت هذه الحروب، فإن كل واحد “سوف ينام تحت كرمته وتحت تينته، وتحت زيتونته. فتحت حماية الأب، والابن والروح القدس، تستريح النفس التي قد استعادت سلام الجسد والروح. والمجد لله الأبدي إلى دهر الدهور آمين.
بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد
إذًا فالشعب “أكل التقدمة من الذبائح التي لديهم، وعبد أصنامهم، وليس فقط كان مسرورًا بأن يأكل، لكن أيضًا عبد أصنامهم. واتجه للتقدم في الشر:
وترك خدام الله أنفسهم أولاً فريسة للشهوة، ثم للشراهة وأخيرًا لعدم التقوى، إن التقوى هي المقابل المضاد للزنى. وإذا راجعنا قراءة النصوص التي تختص بموضوع سليمان. سوف نجد أنه كان حكيمًا ولكنه اضطجع مع كثير من النساء، عندئذ فإن شريعة الله تقول: « لا يكون له كثير من النساء لئلا يزيغ قلبه إلى الزنا بعيدًا عن إلهك » (تث17: 17 سبعينية)، بالرغم من كونه حكيمًا جدًا وكان له جدارة كبيرة أمام الله، إلا أنه بسبب كثرة النساء، وما يسمى عدد كبير من النساء معناه ، أظن أنه يعني عدد كبيرًا من العقائد والفلسفات المختلفة التي تعلمها الأمم المتعددة. وكان يريد أن يعرفها جميعًا وأن يتعمق فيها كعالم وكحكيم، ولكنه لم يستطع أن يثبت في قاعدة الناموس الإلهي. إن فلسفة الموآبيين أفسدته وجعلته يضحي لأصنامهم، وأيضًا فلسفة العمونيين وجميع الأمم التي قيل إنه أخذ منها نسوة وكرَّم أصنامها ببناء هياكل لهم وبتقديم ذبائح لهم. إن هذا في الواقع شئ سيئ جدًا. بالنسبة إلى الله لا يليق أن يتألف مع الأفكار الغريبة مثل معاشرة النساء بدون أن يحيد عن ناموس الحق، وأن يستطيع أن يقول بأمانة : « يوجد ستون ملكة وثمانون سرية وعذارى بلا عدد واحدة هي حمامتي كاملتي، الوحيدة لأمها هي الوحيدة لوالدتها، الوحيدة لمن وضعتها في العالم » (نش6: 7، 8 سبعينية).
تلقين على ارتكاب الأعمال الحقيرة: بعل فاغور
« عبدوا الأصنام وتعلقوا ببعل فاغور » (عد25: 2، 3). وبعل فاغور هو اسم صنم لدى المديانيات كان مكرمًا خصوصًا من النساء، وتلقن إسرائيل أسراره، وبدراسة المعنى بانتباه، وخاصة في كشف الأسماء العبرانية نجد فقط أنه: ” شكل أعمال حقير “.
المترجم لم يرد أن يشير إلى أية صورة كانت هذه الأعمال الحقيرة، ولا لمن كان هذا الحدث، وبفرض الأمانة أفكر، ولكي لا أجرح أذن المستمع، مهما تكن الأشكال فالأعمال الحقيرة متعددة، وواحد منها يسمى بعل فاغور.
إذًا يجب أن نعرف أن كل إنسان يرتكب فعل مهين، ويقع في أي شكل من أشكال الأعمال الحقيرة تكون بداية تلقينه لارتكاب أعمال حقيرة كثيرة، ويلقن بعقائد عبادة بعل فاغور، شيطان المديانيات أيضًا يحرضنا على كل خطيئة نرتكبها، خاصة إذا لم نكن نفاجأ بهذه الخطية، لكن ارتكبناها بحماس وسرور، هل نحن معدين لعبادة هذه الشياطين الذي لها تأثير قوي وهو إنتاج الخطية التي إرتكبناها. وربما سوف نكون متلقين لكثير من الشياطين التي تجعلنا نرتكب هذه الخطايا، وفي كل خطأ نحن نتلقى ـ بطريقة ما ـ أسرارًا لما يدعون له، أى لهذا الصنم أو ذاك. لهذا ربما كان يقول الرسول: « لأن سر الإثم الآن يعمل فقط إلى أن يرفع من الوسط الذي يحجز الآن » (2تس2: 7).
إن الأنفس الخبيثة إذًا تحوم، باحثة كيف بجاذبيتها، يمكن أن تلقن غموض الخطية، وبدون أن ننتبه، بدون أن نفهم، تقودنا مثلاً بواسطة خطية “مثل الزنا”، إلى شيطان المديانيات، ويُلقنوا ببعل فاغور، ويُلقنوا إلى الأعمال الحقيرة. وأيضًا للخطايا الأخرى، كما نقول، الإنسان يُلقن بواسطة شياطين أخرى.
لكن، لاحظ بعناية ما هو مكتوب، أمسك نفسك وكن حازمًا قويًا وسر في الطرق السليمة، أسأل ما هي الطرق الأبدية الخاصة بيسوع، وما هو الطريق القويم، واتبعه. لا تقترب من أبواب منازل الخبث، إذا لاحظت احدى هذه الأنفس الخبيثة، تكلم في قلبك قائلاً لنفسك أن هذه النفس الخبيثة تريد أن تقودني إلى عمل خطية، افهم جيدًا أنها تريد أن تلقنك عبادة الشيطان، تريد أن تقودك إلى تلقى أسرار الشيطان، أسرار عدم التقوى. إنه كما أعتقد كما كتب الرسول: « أنتم تعلمون أنكم كنتم أممًا منقادين إلى الأوثان البكم كما كنتم تساقون » (1كو12: 21). ممن كنتم تساقون؟ كنتم تساقون بواسطة الأرواح الشريرة الخبيثة مثل أعمال الخطية.
القسم المضاد: الملائكة الحراس
كل مستمع يقظ إلى كل هذه الكلمات سيقول بدون شك ماذا سنفعل إذًا؟ إذا كانت الأرواح الشريرة تحوم حول كل واحد منا، وتقودنا وتجذبنا ناحية الخطية، وإذا لم يكن هناك شخص آخر، ليجذبنا ناحية الحق، وليدعونا ويقودنا إلى العفة والتقوى، كيف لا يبدو أن الطريق “واسع ومفتوح” تجاه الهلاك الأبدي (انظر مت7: 13)، ولم يبق أي طريق يوصلنا إلى الخلاص. لكن أدرس بانتباه إذا استطعت معي، حتى عندما تفتح بصيرة قلبك، يمكنك أن تتأمل الأسرار الداخلية، وسوف ترى مقدار المجهودات الخفية التي تجري من أجل خلاصنا وتبعد عنا القوى التي تحاول خِداعنا. كل منا، حتى “الصغار جدًا” في كنيسة الله، له ملاك، ملاك صالح، ملاك الرب، لكي يرشده وينصحه ويحكّمه، ملاك إذا ما أصلح أعمالنا وطلب الشفقة من أجلنا، فهو يرى كل حين وجه الآب الذي في السموات (مت18: 10) كما يعرفنا الرب في الأناجيل. وتبعًا لما يقول يوحنا في سفر الرؤيا (رؤ2، 3)، يوجد أيضًا ملاك لكل كنيسة، ينال الشكر لحسن سلوك الشعب أو يُؤنّب من أجل أخطاء هذا الشعب. هنا أصبت بالدهشة أمام هذا السر الغريب. إن الله يعتني بنا كثيرًا لدرجة أنه يسمح حتى أن يلوم الملائكة من أجلنا. وهكذا عندما نسلم طفل لمربى إذا كان قد حدث أن تلقى علمًا لم يصل إلى المستوى الذي وصل إليه الأب فإن الخطأ يقع على المربي. وليس هذا خطأ الطفل مثلما هو خطأ المربي ولذلك فالمربي يتلقى تأنيب الأب، خاصة إذا لم يكن الطفل صعب القيادة، وأهمل نصائح المربي، وكان له ميول تجنح إلى الانحلال والطيش، وغفل عن كلمات المربي الناصحة والتي يجب أن تُطاع.
ماذا يحدث لهذه النفس؟ اعرف من النبي: « فبقيت ابنة صهيون كمطلقة في كرم كخيمة في مقثأة كمدينة مُحاصرة » (إش8:1)، و في موضع آخر « أنزع سياجه فيصير للرعي اهدم جدرانه فيصير للدوس من كل العابرين » (إش5: 5 سبعينية). وأخيرًا: يفسدها الخنزير من الوعر ويرعاها وحش البرية (مز80: 13) هذا ما سوف تقاسيه إذ لم تتبع نصائح الملاك الحارس لكي يضع السلام في قلبها. لأن النفس لا تتبع سوى نفسها، ولها الحرية في أن تتجه في كل ناحية تريد أن تتجه إليها. أيضًا فإن محاكمة الله عادلة إذ تكون بحسب اتجاه النفس لما ينبع من نفسها لتطيع الجيد أو السيئ من النصائح.
تدبير الخلاص
هل تريدون أن أبرهن أكثر تبعًا للإنجيل المقدس أن الله يسهر علينا أكثر من أجل خلاص الإنسان، ألا يكفي عمل الملائكة ضد هجمات الشيطان، وضد من يجر الإنسان إلى الخطيئة؟ ها هو الابن الوحيد، ابن الله، كما أقول عنه إنه هو الذي يدافع عنا، ويحرسنا، ويجذبنا إليه. استمع له: « … وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر… » (مت20:28). لكنه لا يكفي كونه معنا، بطريقة معينة، وأحيانًا يكون عنيفًا معنا لكي يجذبنا إلى الخلاص، بل يقول في نص آخر: « وأنا إن ارتفعت عن الأرض، سوف أجذب إلىَّ الجميع » (يو12: 32). ولم يكتف بهذا فإننا نراه، يدعو أصحاب الإرادة القوية ويجذب أيضًا المترددين. هل نريد أن نعلم كيف يمارس هذا العنف؟ هو لا يسمح لمن كان يريد أن يدفن أباه، لا يترك له الفرصة بل يقول له: « دع الموتى يدفنون موتاهم واتبعني » (لو9: 60). وفي مكان آخر يقول: « ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله » (لو9: 62).
وإذا أردت أن تعرف أكثر عن هذا السر الخفي، فسأريك بواسطة الإنجيل أن يسوع، والله الآب نفسه، لا يُهمل تدبير خلاصنا، وهو يدعونا ليس فقط إلى الخلاص، بل يجذبنا إليه لأن يسوع يقول في إنجيله: « لا يأتي إلىَّ أحد إن لم يجتذبه الآب » (يو6: 44). إن رب العائلة الذي بعث بعبيده ليدعو أصدقاءه إلى عُرس ابنه قال لهم بعد أن اعتذر المدعوون الأوائل: « فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس » (مت22: 9). إذًا نحن لسنا مدعوين فقط من الله، نحن منجذبون، نحن ملزمون بأن نأتي للخلاص.
لكن الروح القدس نفسه ليس غائبًا عن هذا التدبير لأنه مكتوب: « وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه » (أع13: 2). والروح هو الذي منع بولس من الذهاب إلى آسيا وأجبره على الذهاب إلى أورشليم، وتنبأ له بأن السلاسل والسجن تنتظره. إذا كانت « ملائكة الله تحل حول خائفيه لكي تنجيهم » (انظر مز34: 8 سبعينية). فلو أن الله الآب والابن والروح القدس لا يسرون بتشجيع ومناداة الناس لجذبهم إلى الخلاص، فكيف يمكن أن نقول إن الجهود المبذولة من أجل خلاصنا ليست أعلى وأقوى مما يفعله العدو لأجل موتنا؟
عرض رؤساء الشعب
4ـ ويقول الكتاب « اشتعل غضب الرب ضد إسرائيل وقال الرب لموسى: خد رؤساء الشعب وأعرضهم أمام الرب تجاه الشمس فيرتد حمو غضب الرب » (عد25: 3ـ 4).
« ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس » (أع5: 29)، إن إسرائيل قد أخطأ والرب قال لموسى أن ” يأخذ جميع الرؤساء وأن يعرضهم أمامه تجاه الشمس “. إن الشعب يخطئ ” والرؤساء هم الذين يعرضون تجاه الشمس بمعنى أنهم يدانون بواسطة النور.
مسئولية رؤساء الكنيسة
نحن نرى الحالة التي يوجد بها رؤساء الشعب. ليس فقط هم يدانون بأخطائهم الفعلية، ولكن هم مُلزمون بتقديم حساب عن خطايا الشعب، أليسوا هم الذين أهملوا أن يعلموا، وينذروا، وأهملوا في الحكم على المحرضين على الخطية، حتى يمنعوا انتشار وامتداد الخطايا أكثر؟ إذ أن كل هذه الواجبات تقع على عائق الرؤساء والمعلمين. وإذا كان قد حدث خطأ من جهة الاهتمام الكثير بالشعب، إذ أنهم تركوه يسقط في الخطية، فإنهم يعرضون، أنهم يحضرون للمحاكمة. موسى، أي “ناموس الله”. إتهمهم بالإهمال والكسل، وأن غضب الله سوف يتجه ضدهم وسوف ينصرف عن الشعب. لو أنهم اعتبروا هذا، لما طلبوا أبدًا أن يصيروا رؤساء للشعب، ولما دبروا مؤامرات من أجل الحصول على هذا الوضع. يكفي أن أدان عن خطاياي فقط، يكفيني أن أعطي حسابًا عن نفسي وعن خطاياي. أية ضرورة أيضًا تلزمني بأن أتحمل خطايا شعبي، وأن أعرض نفسي تجاه الشمس، أمام من لا يخفي عنه شيئًا والذي يرى في الظلام؟
الملائكة في الدينونة
لكن ربما يختبئ في داخل هذا الأمر معنى غامض وسري يعطي بعض النصائح العميقة أكثر من هذا الشرح العادي البسيط. وهذا يمكن أن ينطبق حقيقة على رؤساء الشعب الذين تكلمنا عنهم منذ لحظة. لأن الملائكة كما يبدو سيظهرون معنا في الدينونة وسوف يقفون مكاننا، أمام “شمس البر” (انظر ملا4: 2) ألن يكون لديهم بعض المسئولية في إخفاقاتنا، ألم يكونوا مقصرين في عملهم، وتعبهم لأجل إبعادنا عن دنس الخطايا التي ارتكبناها؟ إذا كان حقيقة لا يوجد شئ لديهم يستحق اللوم بسببنا، لما قال الكتاب المقدس لملاك كنيسة كذا أو كذا ” بأنه متمسك بعقيدة بلعام “، وبأنه ترك “محبته الأولى” أو صبره لما وجه إليهم جميعًا التأنيبات التي ذكر قبل ذلك، والتي وجهت إلى ملائكة كل الكنائس في سفر الرؤيا.
إذا كان الملاك حقيقة مثلاً، استقبلني بتكليف من الله ومنتظر مكافأة لحسن أعماله، فإنه بالتأكيد أيضًا سوف ينتظر أن يلام من أجل الأعمال السيئة. ولهذا، فأنهم كما قيل لنا ” يعرضون تجاه الشمس “، بدون شك سيظهر عليهم إذا كان بعدم طاعتي، أو بإهمالهم لي أنني ارتكبت الخطايا التي لقنني إياها تعليم بعل فاغور أو أصنام أخرى حسب نوعية الخطية. وإذا كان رئيسي أريد أن أقول الملاك الذي عهدوا بي إليه لم يكن مخفقًا، إذا كان قد نصحني بصدق لعمل الخير، وإذا كان قد كلمني في قلبي، في هذا القلب الذي كان ضميري فيه يدعوني إلى فعل الخطية، ولكن إذا كنت أنا قد مررت بإنذاراته مرور الكرام وأهملت توبيخ الضمير، وأسرعت إلى فعل الخطية، سوف أجازي مجازاة مضاعفة، أولاً لأني احتقرت الناصح، ثم بعد ذلك أجازي لأني ارتكبت الفعل نفسه.
لا تندهش إذا قلنا لك إن الملائكة قد ذكرت في محاكمة الإنسان ومعه. وإذا كان هناك خطأ من ناحيتهم، فإن غضب الله سوف ينصرف عن الشعب. يجب أن لا نضطرب أيضًا كثيرًا جدًا على أفعالنا، عالمين أننا لن نقف بمفردنا ” أمام كرسي الدينونة التي يعقدها لنا الله ” حتى نجاوب عن أفعالنا، ولكن الملائكة سوف يجيئون معنا في المحاكمة، مثل رؤسائنا وقادتنا. لهذا فإن الكتاب المقدس يقول: « أطيعوا مرشديكم وأخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حسابًا » (عب13: 17ـ 18).
قصة فينحاس
يحكى بعد ذلك أن فينحاس بن لعازر ابن الجد الكبير هرون الكاهن، أنه رأي إسرائيلي ذهب إلى سيدة مديانية، قام من وسط الجماعة أخذ رمحًا بيده ودخل وراء الرجل الإسرائيلي إلى القبة وطعن كليهما الرجل الإسرائيلي والمرأة في بطنها. فكلم الرب موسى قائلاً: « فينحاس بن ألعازر بن هارون الكاهن قد رد سخطي عن بني إسرائيل بكونه غار غيرتي في وسطهم حتى لم أفن بني إسرائيل بغيرتي » (عد10:25ـ11). وهذا أعطى فرصة لبناء شعب من أول علاقة له مع الرب. لكنك أنت، الذي استرجعك الله إليه بواسطة المسيح، الذي نزع من يديه السيف المادي، وصار “سيف الروح القدس، خذ هذا السيف، وإذا رأيت فكرة يهودية تنجسك مع فاسقات مديانيات، بمعنى أن تمتزج بأفكار شيطانية، لا تتردد أضرب في الحال، اقتل في الحال بأن تفتح وتطعن في أسفل البطن، بمعنى أن تنفذ في أسرار الطبيعة، أقطع منبع الخطية نفسه، حتى لا تستسلم لها أبدًا ولا تدنس الخطايا الملعونة أنساب معسكر إسرائيل. إذا فعلت هكذا فأنت سوف تطفئ غضب ربك: أنذرت يوم محاكمتك التي تقول إنه يقال إن ” في يوم الغضب والعنف ” وبتوضيح عن سبب الخطية التي تسمى هنا أسفل البطن المديانية، سوف تأتي بكامل اطمئنانك في يوم الدينونة. لذلك لنقف ونصلي كي نجد دائمًا أنفسنا جاهزين لهذا السيف “سيف الروح”، الذي سوف يكشف بذور ووعاء الخطية، ولكي يجعل لنا الله فرصة لكي نضع في أنفسنا ” فينحاس الحقيقي “، وهو يسوع المسيح ربنا نفسه الذي له المجد والقوة إلى دهر الدهور. آمين.
الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2
إن الدرس الذي قُرئ علينا اليوم يحتوى على قصة أولى، وهي قصة زنى بين رجل من إسرائيل وأمرأة مديانية، وقصة ثانية هي قصة تعداد الشعب: على حسب أمر الرب، فإن الشعب يجب أن يُحصى من جديد، لأن التعداد الأول كان ـ بدون شك ـ قد أُلغى بسبب الخطايا التي ترتكب عن معرفة. والتعداد المكتوب في الكتاب المقدس قد أُبطل وأُلغى بسبب هذه الخطايا، إن الأخطاء أشياء سيئة جدًا ولا تنفع في شيء عند دخولها في التعداد أمام الله، بسبب ابتعادهم عن الطريق القويم. إن الكتاب المقدس يعلمنا أن نفس “الأعضاء” الذين ابتعدوا عن الله “سقطوا في الصحراء”. ومن القصتين اللتين قرئتا علينا، سوف نتكلم عن الأولى، التي تحكي قصة زنى الشعب، إذا كانت صلواتكم التي تقدمونها إلى الرب تعطي لنا فرصة لتناول هذه القصة. وإذا أردتم أكثر، سوف نقترب من القصة الثانية.
القصة
« وأقام إسرائيل في شطيم، وابتدأ الشعب يزنون مع بنات موآب، ودعون الشعب ذبائح إلى آلهتهن، فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهم وتعلق إسرائيل ببعل فَغُور. فحمى غضب الرب على بني إسرائيل » (عد25: 1ـ 3).
مشورات بلعام
وهذا هو البرهان على ما قلناه مرارًا. كان بلعام يُمنع بالقدرة الإلهية من لعن إسرائيل، وكان بلعام بالرغم من ذلك يريد أن يعجب الملك بالاق وقال له: كما هو مكتوب: « تعال لكي أنبئك (أو أنصحك) » (عد24: 14). أية نصيحة أعطاها له؟ نحن لا نرى هذه النصيحة الآن، ولكن سفر العدد يرويها لنا فيما بعد. ولكن يرويها لنا بتفصيل أقل عن ما ورد في سفر رؤيا يوحنا، الذي يوجد فيه هذا القَوّْل « عندك هنا قومًا متمسكين بتعليم بلعام، الذي كان يعلّم الملك بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل، أن يأكلوا ما ذُبح للأوثان ويزنوا » (رؤ2: 14). وينتج عن هذا أن بلعام استسلم للخبث ونصح الملك تقريبًا بهذه الأقوال: هذا الشعب لا ينتصر بقوته، بل بعبادة الله، وبالمحافظة على الطهارة. إذا أردت أن تهزمه أو تنتصر عليه، فابدأ بتدمير طهارة هذا الشعب وسوف ينهزم من نفسه. وضد أسلحته فهو لا يهزم فقط بالقوة العسكرية، لكن بالجمال الأنثوي.
هذا الجمال لا يغلب بصلابة رجال الحرب، ولا بأذرع المحاربين، فاجمع نخبة الجميلات، وليسرن على نغمة راقصة وهم يخبطن أيديهن. فإن الجمال ينزع السلاح من المحاربين، ويجعل السيف ينهزم أمامهن. ولكن عندما لاحظت النساء الموآبيات أنهم تركوا أنفسهم للهوى، وأحنوا رقابهم تحت نير الخطية، اجتذبوهم لأكل ذبائح الأوثان، ودخلوا في معرفة الأسرار الخفية لبعل فغور الذي هو صنم ارتكاب الأعمال الدنيئة.
الإغــــواء
كانت هذه هي نصائح بلعام، وعلى هذا فإن الملك بالاق نظم في الحال قوات ليست مزودة بقوة الرجال، ولكن بغواية النساء، ومسلحة ليس بالقوة الحربية، ولكن بلهيب الشهوات. ليس هناك خجل أبدًا، والخجل لا يوقفهم. إن حب الوطن ورذيلة هذه الأمة (المديانيين) تضرم النار أيضًا بواسطة الفسق. وابتدأت الرذيلة في مد فخاخها. يا للكارثة! فإن الملذات بالكاد تُوقف بواسطة العقوبات القانونية، وبالكاد تمنع خوفًا من العقاب بالسيف. أية جريمة عندئذ لا ترتكبها امرأة متأكدة من إعجاب الملك بها وتتجاوز حدودها لكي تصل إلى سلام وطنها؟ إن الإسرائيليين كانوا إذًا مستعبدين ليس بواسطة السيف، ولكن بواسطة الفسق؛ ليس بواسطة القوة، ولكن بواسطة الشهوة واستسلموا للإفراط في الفسق مع النساء المديانيات، وغضب الله أنصب عليهم.
المعنى الأخلاقي: الهروب من الفسق
بالتأكيد، فإن ذلك يخفي غموضًا وأسرارًا للمعنى الداخلي، ولكن تتابع القصة نفسه يعلمنا أن الفسق يتسبب في الحروب، وأننا نتعرض لميول الفسق. ولكن هذه الميول لن تستطيع أن تخترقنا إذا تسلحنا بالأسلحة التي دعانا إليها الرسول لكي نتزوَّد بها:
« إذا كان لدينا درع البر، وخوذة السلام، وسيف الروح، وفوق كل هذا درع الإيمان وإذا كنا حاذين أقدامنا باستعداد إنجيل السلام » (انظر أف6: 14ـ 17). هذه هي الأسلحة التي يجب أن نتسلح بها في هذه الحرب. ولكن إذا أهملناها، فإننا نعرّض أنفسنا لضربات إبليس، وكل عمق الشياطين « ونسقط في الأسر » (انظر أف4: 8)، ويرتفع غضب الله علينا، وسوف نعاقب « في الدهر الحالي، والدهر الآتي » (انظر مت12: 32). إن العفة والبر والشجاعة والتقوى والفضائل الأخرى تعطينا إذًا الغلبة في كفاحنا ضد ضربات الشيطان الذي يوجهها ضدنا. على العكس من ذلك، الفسق والملذات وعدم التقوى وجميع الرذائل تقودنا إلى الهزيمة. هذه هي التعليمات التي تعطيها لنا القصة.
لكن، بما أن يوحنا في سفر الرؤيا يعطينا الأسرار الإلهية التاريخية التي تحتويها الرموز المقدسة، يجب كما يبدو لنا، أن نصبح متفقين مع فكره، ونتبع تعليمات الشرح التي يعطيها لنا، أولاً أن نذكركم بما كتبه للملاك في إحدى الكنائس: « ولكن عندي عليك قليل، أن عندك هناك قوماُ متمسكين بتعليم بلعام، الذي كان يعلم بالاق، أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا » (رؤ2: 14). إذًا في عهد الرسول يوحنا، كان في الكنيسة التي كان يكتب عنها، بعض المنحازين لتعاليم بلعام. هل نعتقد أن أناسًا ادَّعوا التعاليم نفسها التي لبلعام، والتي يحذرنا منها الرسول بقوله: ” كما خدعت الحية حواء بمكرها « هكذا أيضًا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح يسوع » (2كو3:11).
إذًا طالما أن النفس متحدة مع الزوج، وتستمع إلى كلمته ومتعلقة به، فإنها تأخذ منه ثمرة الكلمة، وأيضًا فإن النبي قال: « من خوفك، يا رب، حملنا في أحشائنا » (إش26: 18 سبعينية)، وتقول: “أعمال كلمتك خبأتها في صدري، وولدتها”، أنتجت روح الخلاص الذي أحضرته على الأرض. إذا كانت إذًا النفس تحمل هكذا أعمال المسيح فأنها تلد أبناء، الذين بواسطتهم يقال إنها وإنهم مطالبون بإتباع عقائده وتقليده.
وهناك موضوع في نفس سفر الرؤيا عن تعليم إيزابل، وهذا لا يعني أننا نعلم تعليم يُتخذ من إيزابيل، ولكن كل مُضطهد للأنبياء القديسين مثلاً، كما حدث منها، وكل مخطئ يعبد الأوثان، كل قاتل يقتل أبرياء تحت ادعاءات كاذبة، هو من أتباع إيزابيل. إذًا إذا كان أحدهم وبنصائح شريرة كان سببًا في معثرة شعب الله، إذا كان يجذب غضب الله وعدم رضاه عنه، سواء بكونه شريكًا في الذبائح التي تقدم للأوثان، أو بالموافقة على الفسق والملذات، يجب أن يوضع في مصاف أتباع مذهب بلعام. إن الفسق الجسدي، غير مرغوب فيه. إن النفس ستُنقذ بفضل ميلاد أطفالها، تثبت في الإيمان، والمحبة والقداسة مع التعقل (1تي2: 15) حتى إن كانت مثل “حواء” قد أُغويت أولاً. إن هذه الخصوبة حقًا مغبوطة، “خصوبة النفس” التي شاركت في فراش كلمة الله واستجابت لأحضانه. من هنا سيولد نسل نبيل، من هنا ستخرج العفة والبر والصبر واللطف والمحبة وكل السلالة المقدسة.
الخيانة الروحية: أطفال الخطيئة وأطفال الخلاص
ولكن إذا كانت النفس غير السعيدة تركت الفراش المقدس للكلمة الإلهية وسلمت نفسها لأحضان الخيانة، وانتهكت بواسطة خداعات إبليس وشياطينه، فأنها ستلد بالتأكيد، ولكنها سوف تلد أطفال يكتب عنهم « لكن أطفال الزنا لن يكتملوا والسلالة الخارجة من فراش منحرف سوف تستعبد » (انظر حكمة سليمان 16:3سبعينية) إذًا من الخطية يكون أطفال الخيانة وأبناء الزنا.
وهكذا ففي كل ما نفعله، فإن أنفسنا تلد وتضع في العالم أبناء: على أن نعرف أن كل الأفكار والأعمال التي تنتجها أنفسنا، إذا كانت تنتجها موافقة للناموس ولكلمة الله، فإنها تلد ” روح الخلاص “، وأيضًا ” سوف تخلص بولادة الأولاد “. وسوف يكونوا هم أطفال الذين يقول عنهم النبي: « بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك » (مز128: 3). ولكن إذا كانت أعمالهم ضد الناموس وإذا كانت هذه هي خطاياهم، بدون أي شك ستلد نسلاً خبيثًا من أعمال الخطية من الروح المعادي لأنه نسل أبناء الخطية. وعندما نفكر في هذه الولادات الملعونة نجد أن بعض القديسين وصلوا حتى إلى « لعن اليوم الذي ولدوا فيه » (أي3: 1؛ إر20: 14).
إذًا لا توجد لحظات لا تقوم فيها النفس بالولادة، فالنفس تلد دائمًا، دائمًا تضع أبناء في العالم. فلنبارك الميلاد الذي ينتج من أعمال كلمة الله. مثل هذا الميلاد هو الذي سوف يكون له الفضل في أن النفس سوف تخلص، لكن إذا حبلت، كما قلنا، من روح الأعداء سوف تلد بكل تأكيد “أبناء الغضب”، “المهيئين للموت” (انظر رو 9: 22). وهاتان الولادتان هما اللتان أشار إليهما النص: « وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو قيل لها إن الكبير يستعبد للصغير كما هو مكتوب: أحببت يعقوب وأبغضت عيسو » (رو9: 11ـ 13). إن أبناء النفس قبل أن تصنع أقل شئ صالح، يكونون محبوبين، على شرط أن يكون هؤلاء الأبناء هم ثمار الروح. ولكن لو أنها أنتجت بواسطة روح الشر، أولاد الشر، قبل أن يكتمل بالفعل عمل أقل شئ شرير، فإن النفس التي تثمر من هذه الإرادة الشريرة، تكون ثمرتها الرديئة مكروهة.
لهذا ربما بمقتضى نفس الفكرة، فإن الطفل الكنعاني قد لُعِن قبل ولادته. لأن أباه حام كان قد أخطأ. ونوح بعد أن وعد بالخيرات الوفيرة لكل واحد من أبنائه، تنبأ عندما وصل إلى حام قال « ملعون كنعان » (تك25:9). إن حام هو الذي أخطأ، وابنه كنعان هو الذي لعن وظل ملعونًا. لهذا يجب أن نكافح بجد ونسهر حتى تظل أنفسنا لا تنتج شيئًا يستحق اللعنة. فإن النفس قبل أن تصل إلى فعل الخطيئة، يكون عندها في إرادتها وفي نيتها هذا الشر اللعين.
العقـاب
ولكن إذا كان هذا قد حدث فيكف يمكن أن نجد نفسًا غير معرضة لولادة مثل هذا النوع، ومجردة من كل إرادة للخطيئة؟ إذًا إذا حدث شئ من هذا النوع، فلنبحث في الكتب الإلهية عن الدواء الذي نستعمله. سنجد في المزامير ما يلي: « يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا. طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة »! (مز137: 8ـ 9). بالرغم من أن هذا البابلي الذي نحمله مازال موجودًا فينا، ينتهز كل ما هو صغير، لذلك أخنقه في الحال بدون رحمة، دون مراعاة. إنه مكروه، اقتله بأن تحطمه على الصخرة. فإن « الصخرة هي المسيح » (1كو10: 4)، الذي هو قادر، وبدون أن ينتظر حتى يكبر هذا الوغد البابلي، وبدون أن يترك الفوضى تنمو. فكل الرغبات الشريرة، يحركها الروح الخبيث وتبدأ في النمو وتتقوى بواسطة حركات الإرادة. وإذا استطعت أن أقول عندما تبدأ في التقدم برأسها خارج النفس الأم، فإن الأم تستطيع أن تكسرها على الصخرة وتمنعها من الخطية بمعنى أن تقودها إلى المسيح، حتى إذا وضعت النفس في مواجهة، دينونتها الرهيبة فإنهم يذبلون ويموتون؟
الإتحاد بالمسيح أم الإتحاد بزانية
هذا ما لدينا أن نقوله بالمعنى الواسع عن أشكال الزنا المتعددة، وشكل واحد منه فقط هو الذي يدعى بالفسق بسبب الدنس الجسدي. بينما أنا، عندما وصلت إلى قراءة رسالة الرسول في النص الذي يقول « من التصق بالرب فهو روح واحد معه » « ومن التصق بزانية يكون جسدًا واحدًا معها » (1كو6: 17)، كنت أتساءل هل يوجد حالة وسط بين الاتحاد مع المسيح والاتحاد بالزانية، وكنت أتساءل وأدرسها في حدود قواي. كنت أتأمل فكرة عميقة ومخبأة في كلمات الرسول. بالنسبة له فإن كل نفس تكون متحدة أما مع المسيح أو مع الزانية. وفهمت أن الزانية هنا بالمعنى الرمزي، ليست سوى الشيطان.
والرسول يقصد بالمسيح، خصائصه التي هي من جوهر المسيح، بمعنى صفات: “الكلمة” “الحكمة”، “الحق”، “البر” … الخ.
وبالعكس بالاتحاد مع الزانية تنتج كل أشكال الشر. فهمت أيضًا ما قاله سليمان عندما وصف الزانية « هي تنظر من كوة بيتها من وراء شباكها تتطلع وإذا لاحظت بين البنين غلامًا عديم الفهم، عابرًا في الشارع عند زاويتها، ويتحدث في الليل والظلام، عندما يسدل السكون الليلي ستاره » (أم7: 6ـ 10).
أو ظلام الليل، حيث كانت المرأة تجرى أمامه، لها مظهر الغانية التي تجعل الشباب يحلمون، التي تسمى الغانية هي الشر نفسه، ومن يتحد بها يكونون جسدًا واحدًا للشر، أما من يتحد مع الله فهو يتحد بالحكمة، بالبر، بالقداسة، بالحق، ” ويكون روحًا واحدًا ” مع كل هذه الصفات. وبالرغم من ذلك من يتحد بهذه الغانية يتحد بالفجور، والكفر، والظلم، وفي نفس الوقت بكل أوجاع الخطيئة، والتي يكون معها جسدًا واحدًا.
الرفض من الله
« ثم وصل إسرائيل إلى شطيم » (عد25: 1). في قاموس الأسماء العبرية نجد أن شطيم في لغتنا معناه “الإجابة، أو الرد” وصل إذًا إسرائيل إلى الإجابة أو “الرد”. وهذا ليس نجاحًا. انظر ماذا حدث لإسرائيل في هذه المرحلة أنه سلّم ذاته إلى الزنا مع المديانيات ورفضه الله، ولم يكن راضيًا باستسلامه للزنا، واستسلم لأصنام الأمم وأكل اللحوم المذبوحة للأوثان وكل هذه الأشياء المكروهة أمام الله. « فأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان » (2كو6: 16).
سؤال الوثنيين
في الحقيقة، كنت دائمًا أندهش جدًا مما يكتبه القديس بولس لأهل كورنثوس « لأنه إن رآك أحد يا من له علم متكئًا في هيكل وثن أفلا يتقوى ضميره إذ هو ضعيف حتى يأكل ما ذُبح للأوثان » (1كو10:8).
يبدو في الحقيقة أن الحدث المعلن نفسه ليس سيئًا بدرجة كبيرة، مثلما يسبب الشر لمن يرى هذا المنظر ويقلده، ومن له علم وليس مثل الذي يفعل هذا الشر، حتى أنه بالنسبة له، فإن من له علم ويجلس على مائدة وثنية ليس مخطئًا جدًا لنفسه مثلما يخطئ بالنسبة لغيره.
اللحوم العقلية
لكن عند أهل كورنثوس، أليس هذا حقيقيًا؟ ما كان يحدث، كان هذا ليس فقط أننا جلسنا على موائد وثنية، وأكلنا لحوم مخصصة للذبائح، ولكننا كنا أيضًا محبين للأدب اليوناني والفلسفة، كنا أيضًا متمسكين بحب الدراسات القديمة، ومثلما كنا نأكل اللحوم المقدمة للذبائح، كنا نتغذى بالعقائد الفلسفية. كان هذا لا يضايق الذين تلقوا علم الحقيقة بأكمله فهم يفهمون ولكن من كانوا أقل تقدمًا في دراسة معرفة المسيح، عندما يقلدون من كانوا يقرأون هذه الكتب، ويتفانون في إعطاء أنفسهم أيضًا لهذه الدراسات، كانوا يصابون بجروح، ويتركون أنفسهم للأخطاء كلها ولمختلف البدع. وهكذا كان يصاب آخر بضربات لا تحدث لمن يملك معرفة الحقيقة كاملة. لكن الإحسان لا يبحث عما هو مفيد، إنما يبحث عمن يكونوا كعدد كبير، إذًا يجب أن نعتني بأن نأخذ غذاءً ثقافيًا لا يأتي فقط بالتثقيف والسرور، ولكن أيضًا لا يضر أبدًا، أو يحدث ضررًا لمن يرانا. إنها ليست فقط لحوم مخصصة للأصنام، ولكنها أيضًا كلمات. وأيضًا أعتقد أن كل كلمة تعلم التقوى، والبر والحقيقة تكون مكرسة ومقدمة قربانًا لله، وأيضًا بنفس الطريقة فإن كل كلمة تؤدي إلى عدم التقوى، والظلم والفسق تكون مقدمة كذبيحة إلى الأصنام ومن يتقبلها يأكل بطريقة معينة لحومًا مقدمة إلى الأصنام.
الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1
بلعام – العظة الرابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
بلعام – العظة الرابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
بلعام (تابع)
يوجد كثير من النقاط التي تركناها جانبًا في شرحنا درس بلعام وأتانه… ونظرًا لأن العظة وضعت لفائدة المؤمنين في الكنيسة محدودة بوقت[1]، لذلك لم نستطع أن نفسر بالتفصيل كلمات الكتاب المقدس وشرح كل شئ بدون أن نهمل شئ. هذه الطريقة الأخيرة مخصصة بالحرى للدراسة والتعليق. لهذا السبب نعود إلى النقط التي تبدو أنها تستحق أن نتعمق فيها، فلنجتهد أن نوضحها بدراسة منتبهة ونعلن نتائج بحوثنا.
صعوبات الجانب التاريخي من النص
1 ـ مازالت تبقى صعاب القصة نفسها “الله” يقول الكتاب المقدس، “آتى” مرة أولى “إلى بلعام” (عد22: 9ـ12)، في الليل وسأله من هم الرجال الذين أتوا ليبحثوا عن بلعام، فأجاب بلعام بأنهم أرسلوا عن طريق بالاق، بن صفور، ليقولوا له: ” تعال العن لي هذا الشعب” فقال الله ” لا تذهب معهم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك“. مرة ثانية “ الله آتي إلى بلعام ليلاً وقال له قم اذهب معهم، لكن بشرط أن لا تقول إلا الكلام الذي أكلمك به فقط“.
مرة ثالثة في الطريق، قطع ملاك الله الطريق عليه، وكانت الرحلة تبدو للملاك بأنها محمودة بقدر بسيط ومناسب حتى كان يريد أن يقتل النبي لولا الآتان: “الذي كان يرى الملاك”، مع أن بلعام لم يستطع أن يراه، ولم “تبتعد” ولكن بعد أن نبهه الملاك لأنه أراد تكملة الرحلة، أخذ بلعام مرة أخرى السماح بأن يكمل الرحلة على أنه يحترم كلام الله الذي كلمه به، وأن لا يلفظ إلا به وليس بأي شئ آخر. كل هذا يصعب شرحه، ومع ذلك كما قلت سأعطيكم باختصار الفرصة للفهم لكي أبرر لكم الكلام: ” سمعها الحكيم فيزداد علمًا” (أم1: 5)، ” وأعط حكيمًا فيكون أوفر حكمة” (أم9: 9).
تمييز أسماء الله:
لكن قبل أن نقدم الموضوع سوف لا نمر بدون أن نتكلم عن ملحوظة تبيّنت لنا عند دراسة القصة عن كثب. فقد كتب اسم الله بالحروف العبرية، اسم الله أو الرب، مكتوب بطرق كثيرة، أحيانًا هو الله، اسم عادي لكل الآلهة، أحيانًا اسم الله نفسه اسم الذي كتب عنه “ اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد” “هذا الاسم لإله إسرائيل، إله واحد خالق كل الأشياء” (تث6: 4)، كتب بعلامة مكونة من الحروف الأربعة[2] (التي تسمى عندهم Tetragrammes)، إذا كان اسم الله قد كتب بهذه الطريقة في الكتاب المقدس، فلا يوجد أي شك أنه يخص الإله الحقيقي وخالق العالم.
إذا كان قد كتب بحروف أخرى، بحروف عادية، أننا لا نعرف إذا كانت تختص بالإله الحقيقي أو عن الذي يقول عنه الرسول لأنه وإن وجد ما يسمى إلهه سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون، ولكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو 8: 5، 6). إذًا الذين يقرأون العبرية يقولون في هذا النص أنهم يجدون أن كلمة “الله” لم تكن في صورة الـ Tetragrammes، ومن يستطيع أن يدرس هذه المسألة فليدرسها.
سؤال صعب يتعلق بتدابير الله أمام الشر
وضع هذا السؤال بشأن كلمات الله لبلعام، عندما يسأله “من هم هؤلاء الرجال؟” (عد22: 9)، لماذا يبدو أنه يتجاهل ذلك؟ وعن الكلام “ لا تلعن الشعب لأنه مبارك” (عد22: 12)، هل هذا يعني لا تلعن شعبي؟
2 ـ نحن نقول بأنه بحسب حكمة الله، كل شئ مرتب في العالم بحيث لا يكون شئ غير معروف أمام الله، شرًا كان أم خيرًا. لكن فلنشرح بأكثر وضوح. الله لم يخلق الخبث، الآخرون هم الذين قد أنشأوه؛ إنه يستطيع أن يمنعه، ولم يفعل ذلك مع هؤلاء الأشرار، فالله يستخدم الخبث لأجل أغراض ضرورية. فهو بأفعالهم يمجد ويشجع الذين يبتغون مجد الفضائل. فعند محو الخبث سوف لا تقابل الفضائل أبدًا خصمًا، وبدون خصم سوف لا تلمع الفضيلة، سينقصها المجد والتجربة. فأية فضيلة لا تقاوم ولا تجرب لا تكون بعد فضيلة.
لكن كل هذا، مقدم بدون شواهد من الكلام الإلهي ويبدو فيه بالأحرى مبالغة وبدع بشرية بدلاً من أن تكون حقائق لا ريب فيها. فلنبحث إذًا إن كانت الكتب الإلهية تحوي بعض أفكار متشابهة. فنأخذ يوسف الصديق مثالاً فإذا كنا نستبعد خبث أخوته وحسدهم، وكل تدابيرهم القاتلة لوالديه التي وضعوها ضد أخيهم حتى باعوه أخيرًا، ليحذف هذا، ولنر ما يسقط من تدابير الله. إننا سنحذف في نفس الوقت كل الأعمال التي تممها يوسف الصديق في مصر لأجل خلاص الشعب.
حلم فرعون لم يكن ليفسر، فلو لم يكن بسبب حسد أخوته لما بيع يوسف الصديق ولما آتي إلى مصر ولما أدرك أحد ما أعلنه الله، ولما خزّن القمح في مصر؟ ولما عولجت المجاعة بحكمة بصيرة ولكانت مصر قد ماتت من الجوع، وكذلك البلاد المجاورة لها، ومعها إسرائيل. وكذلك ذرية إسرائيل لما دخلت في مصر للبحث عن الخبز، ولما كان أبناء إسرائيل قد خرجوا من مصر وسط معجزات الرب ولما كانت ضربات في مصر، ولا معجزات من الله تمت بواسطة موسى وهارون ولما عبروا البحر الأحمر بدون أن تبتل أرجلهم ولما عرفت الحياة الفانية طعام المن، ولما نبعت من الصخر سيول الماء التي كانت تتبع الشعب.
ولما أعطيت الشريعة من الله للناس. ولما عرف الإنسان كل محتويات أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية. ولما دخل أحد في الميراث الأبوي في أرض الموعد. فنأخذ هذا النص الذي هو بين أيدينا، ونحذف منه خبث بالاق الملك الشرير، ورغبته في أن يلعن إسرائيل، ونحذف منه الحيلة التي كان يريد بلعام بها إبادة الشعب، وبذلك نحذف في نفس الوقت تدابير الله لصالح إسرائيل ونعم حكمته الإلهية، ولما وجدنا النبوات التي خرجت من فم بلعام ووجهت في نفس الوقت لأبناء إسرائيل والأمم. وتأييدًا لهذا نجد أيضًا من العهد الجديد إذا حذفنا خبث يهوذا.
وإذا نزعنا خيانته سنحذف في نفس الوقت صليب المسيح وآلامه، وإذا لم يوجد صليب “ فالرياسات والسلاطين لم تكن أبدًا قد تجردت وانهزمت بخشبة الصليب” (كو2: 15). فلو كان موت المسيح لم يحدث، فقيامته بالتالي لم تكن تحدث أيضًا، ولا يكون بذلك “ بكرًا من الأموات” (كو1: 18)، وبدون هذا البكر من الأموات سوف لا يكون لدينا أي أمل في القيامة من الأموات.
بنفس الطريقة نفرض أن الشيطان نفسه حرم من إمكانية عمل الخطية، أو نزعت عنه إرادة الشر بعد الخطية، وبهذا السبب نفقد فرصة الكفاح ضد هذه الهجمات ولما وجد انتظار ” إكليل النصر للذي قد جاهد قانونيًا” (2تي2: 5)، وأيضًا ” إن كان أحد يجاهد لا يكلل، إن لم يجاهد قانونيًا” فلو لم يكن لنا خصوم لما كانت هناك معركة ولا مكافئة مخصصة للمنتصرين، ولما قدم لهم ملكوت السموات، “خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا” (2كو4: 17). ولما كان لأحد منا أمل في المجد العظيم في الحياة الآتية نتيجة الصبر في الضيقات المحتملة.
إناء للكرامة وإناء للهوان
نتيجة لذلك لا يستخدم الله فقط الخير لعمل فعل صالح لكن أيضًا يستخدم الشر. إنه شئ عجيب الله يستخدم الشر لعمل عمل صالح، ” في بيت كبير لا توجد آنية من ذهب وفضة فحسب بل توجد أيضًا آنية من خشب وخزف وتلك للكرامة وهذه للهوان” (2تي2: 20)، لكن الكل ضروري في الحقيقة. وبما أن الآنية التي نتحدث عنها هي آنية عاقلة ولها حرية الإرادة، إنه ليس بحادث أو بالصدفة بأن نصبح إناء للكرامة وإناء للهوان.
فالذي أظهر استحقاقًا للكرامة يصبح ” إناء للكرامة” (أع9: 15)، وبالعكس الذي يعيش بأفكار غير لائقة وشريرة، يأخذ صورة إناء الاحتقار نتيجة أسباب لم تأت من خالقه، لكن من نفسه. ليس الخالق هو الذي عمل من هؤلاء الناس ما أصبحوا عليه، لكنه يعطيهم بحسب اختيار إرادتهم بشريعة عادلة وفائقة الوصف من حكمته الإلهية.
فنأخذ مقارنة في المدن الكبري الناس، غير المستحقين، الذين يعيشون حياة مظلمة وشريرة قد حكموا على أنفسهم بالأعمال الأكثر دناءة والأكثر مشقة، إلا أن هذه الأعمال ضرورية للمدينة. فمثلاً يعملون كخدام للحمامات العامة لكي يمكنك أن تتمتع بفوائد أو مزايا هذه الأبنية، أو الذين ينظفون البالوعات، إنهم يقدمون أعمال أخرى من نفس النوع لكي تحيا في هذه المدينة حياة مستحبة.
فإذا عملوا باختيارهم أو قاسوا جزاء ما يستحقونه فإن عملهم يستفيد منه الذين قدموا أعمال حسنة نافعة. وهذا ينطبق على موضوع حديثنا، الله لم يخلق الشر، لكن عندما نتج اختياريًا من الذين انحرفوا عن الطريق المستقيم، لم يرد أن يمحيه حيث إنه كان يري مقدمًا بأن هذا الشر الغير نافع للأشرار سينتج منه فائدة لصالح ضحاياهم لذلك يجب علينا أن نتجنب بكل الطرق أن يوجد فينا الشر، يجب علينا أن نعمل على هزيمته عند الآخرين، وليس حذفه لأن الأشرار يقدمون مساعدة ضرورية للعالم أجمع.
لا شئ محتقر، لا شئ غير نافع أمام الله، إنه يستخدم للخير عزيمة الإنسان الحسنة ويستخدم أيضًا العزيمة السيئة لأغراض ضرورية، لكن ستكون مطوبًا إذا وجدت أنه بفضل فضائلك بالأحرى في الخير أن العالم أجمع مدين لك ببعض الشئ كالذين يقول عنهم الرسول “ لكي تكونوا كأنوار في العالم متمسكين بكلمة الحياة” (في2: 15، 16). الأنوار ضرورية لمجد هذا العالم. وهل يوجد شئ أشهى وأعظم من فعل الشمس أو القمر اللذين ينيران العالم، ومع ذلك فالعالم محتاج أيضًا لملائكة تتولى أمور الحيوانات والانشغالات الأرضية.
أنه محتاج لملائكة لأجل ولادة الحيوانات، والأغصان والنبات وناتجات الحقل الأخرى. وكذلك يلزم أن يكون هناك ملائكة لترأس الأعمال المقدسة، وتعلم إدراك النور الأبدي، ومعرفة أسرار الله والعلم الإلهي.اسهر إذًا لكي لا تكون من نصيب الملائكة المخصصة للحيوانات، إذا حدث وعشت كحيوان أو من الذين يرأسون الأعمال الأرضية إذا أحببت الأشياء الجسدية والأرضية.
اعمل بالأحرى لتكون مقبولاً في صحبة الملاك ميخائيل الذي يقدم لله صلوات القديسين بدون توقف، إذًا ستكون مقبولاً في عداد هؤلاء المختارين، ستكون مقبولاً في هذه الرتبة، إذا مارست الصلاة بدون توقف، وتقضي فيها سهراتك وتحقق بذلك طلبة الرسول “صلوا بلا انقطاع” (1تس 5: 17)، أو على الأقل أعمل للدخول في صحبة وخدمة روفائيل بأن تتعاون معه في واجبه، فهو الذي قد؟ أوكل إليه الطب. فعندما ترى رجلاً مجروحًا بالخطية ومثقلاً بأسهم الشيطان فإنك ستقدم له الكلمات الشافية، ستقدم له الدواء من كلام الله، حتى تشفى بواسطة التوبة جروحات الخطية وتظهر دواء الاعتراف.
وكل من يتصرف هكذا في هذا العالم، فهو يعطي نفسه للخالق ليشكله، ليأخذ في الجيل القادم صورة “إناء مختار مستعد لأي عمل صالح” (أع 9: 15). إذا عمل العكس فإنه سيصير أمام التدبيرات الإلهية “إناء الهوان” (2تي 2: 21). وهذا هو السبب في رأيي الذي لأجله قد ذكرت أعمال الأشرار مثل أعمال الصالحين في الكتب الإلهية. والكتب الإلهية مكونة من قصص الصالحين وأعمال الأشرار لكي ندرك أن أمام الله ليس شئ غير نافع، أعمال الأشرار مثل أعمال الصالحين، والآن بعد هذا الاستطراد الطويل ولكنه ضروري فلنرجع للموضوع.
تكملة القصة:
الله يستخدم بلعام
3 ـ كان بلعام كما قلنا ساحرًا بمعنى أنه كان يستفيد من مساعدة الشياطين، وبسحره كان أحيانًا يبصر المستقبل. بالاق الملك يطلب منه أن يلعن شعب إسرائيل، وصل الرسل وأحضروا معهم حلوان العرافة في أياديهم، والأمم ينتظرون في حيرة وفي ضيق ما سيجيب به بلعام، متأكدين بأنه مستحق للمحادثة الإلهية. انظر الآن كيف أن حكمة الله تستخدم هذا الإناء المخصص للهوان ليس فقط لفائدة أمة واحدة، لكن للعالم كله. أنه لأمر مألوف للشياطين أن الله يظهر له لكي يمنعه عن طريق الشر، بلعام ضرب بالخوف ودهش من سلطة الذي يمنع لأن الشر عمومًا يحلو للشياطين.
فبلعام يطلب عودة الرسل مرة أخرى قائلاً أنه لا يستطيع عمل أي شئ، إلا أن ينطق بالكلمات التي يضعها الله في فمه. الرسل رجعوا وهو يطلب من جديد ويريد أن يسمع. فالإنسان الجشع لا يرفض أبدًا الربح من ذاته، فماذا يسمع من الله مرة أخرى “ أن آتي الرجال ليدعوك فقم اذهب معهم” (عد22: 20). الله تركه لرغبته في الربح وهكذا يتحقق ما كتبه الرب في المزمور ” سلمتهم إلى قساوة قلوبهم ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم” (مز80: 12). وهكذا اكتملت خطة الإرادة الإلهية حيث إنه قال ” إنما تعمل الأمر الذي أكلمك به فقط” (عد22: 20)، فلو كان بلعام مستحقًا لكان الله قد وضع كلمته في قلبه وليس في فمه.
لكن بما أنه كانت تسود في قلبه رغبة المنفعة وشهوة المادة. لذلك لم توضع كلمة الله في قلبه لكن في فمه، حكمة إلهية عجيبة وعظيمة تظهر هنا. بما أن النبؤات المحتواة في إطار إسرائيل يمكن أن تصل إلى الأمم، لذلك يستخدم الله بلعام الذي كان يتمتع بثقة كل الأمم، لكي يعرف الأمم أيضًا بأسرار المسيح المخبأة ويأتي لهم بكنز ثمين ليس فقط بواسطة القلب والروح بل الأكثر بواسطة الفم والكلام
لكن لا داعي لأن نتوه في التفاصيل، فليس هنا هو المقام لأن نتعمق في كل شئ، كان بلعام راكبًا على أتانه، بلعام كان يسير فسد عليه الملاك الطريق بدون أي شك، الملاك الذي كان يسهر على بني إسرائيل “ ففتح الرب فم الأتان” (عد22: 28)، حتى يكون بلعام متهمًا من الأتان وبواسطة صوت الحيوان الأخرس يخزي الذي كان يحسب إلهًا حكيمًا.
بلعام رمز لليهود:
بعد هذا يحسن أن نقدم بعض صور الرموز:
بلعام: واسمه يعني شعب باطل يبدو لي أنه يمثل “الكتبة والفريسيين” (مر7: 8)، عند شعب اليهود.
بالاق: واسمه يعني تحريم أو أتلاف يمثل هو أيضًا إحدى أرواح السيادة المعادية التي تتسلط على هذا العالم، روح تبحث لكي تحرم ولكي تبتلع إسرائيل، ليس إسرائيل حسب الجسد، لكن إسرائيل بحسب الروح، هذه القوة الرديئة تريد أن تخرب وتخنق تمامًا إسرائيل الروحي فهي لا تأخذ وكلاء لها سوى الكهنة والكتبة والفريسيين إنها تدعوهم وتعدهم بأجر وثواب.
هم مثل بلعام يتظاهرون بأن ينسبوا كل شئ لله وأن يتصرفوا بغيرة الله ولكنهم يقولون ” فتش الكتب وانظر أنه لم يقم نبي من الجليل” (يو7: 52)، وأيضًا ” لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله” (يو9: 7)، في كل هذه الحالات الكتبة والفريسيون يبدون أنهم يندفعون بغيرة الله ولكنهم يتظاهرون فقط.
الأتان: المؤمنون البسطاء
أما بالنسبة للأتان التي صعد عليها بلعام، فالكتاب المقدس يقول “الناس والبهائم تخلص يارب؟” (مز36: 6). نستطيع هنا أن نرى جزءًا عن المؤمنين الذين سواء بسبب ضعفهم الروحي، أو بسبب براءتهم قد قورنوا بالحيوانات والرسول يقول أيضًا “ فانظروا دعوتكم أيها الأخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء، بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء” (1كو 1: 26، 27).
هؤلاء الرجال بحسب الكلمات الإنجيلية الذين هم رموز في عملهم، كانوا ممسوكين بنوع من العبودية والأسر بواسطة معلمين سيئين، أي الكتبة والفريسيون وقد خلصوا بواسطة السيد الرب.
ويمكننا القول إنه لم يفعل بشخصه لكن بواسطة تلاميذه، وهو يقول لهم ” اذهبوا إلى القرية التي أمامكم فللوقت تجدان أتانًا مربوطًا وجحشًا معها فحلاها وأتياني بهما” (مت21: 2). ففي الإنجيل ليس السيد الرب هو الذي حل الأتان والجحش بنفسه بل التلميذان، وكذلك هنا فليس الله هو الذي فتح فم الأتان، بل ملاك. في الأناجيل الذين لا يبصرون يعيرون الذين يبصرون، وهنا الكائنات الخرساء تعير الذين يتكلمون.
هذا ما قاله السيد الرب: ” أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال” (مت11: 25). الكتبة والفريسيون هم الذين كانوا يركبون على الآتان ويمسكون بها مربوطة، الملاك يغضب عليهم، وإن لم تظهر له بعض احتمالات بعيدة، وإلا كان قد أباد الكتبة والفريسيين وخلص الأتان، التي رأت وخشيت من الذي “ قد آتي إلى الكـرم” (نش7: 13)، وجلس في “وسط الكروم” (نش1: 14)، حينئذ ” ضغط الأتان رجل بلعام” (إش1: 14)، سيدها بالحائط ولهذا السبب لم يستطيع بلعام أن يمشي ولا أن يأتي للذي قال ” تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال“.
حينئذ أتت الأتان، مقادة من التلاميذ، ودابة بلعام الجشع أصبحت دابة يسوع. فلا تندهش إذا كان إنسان سبق أن تكلمنا عنه وهو يمثل الكتبة والفريسيين يتنبأ عن المسيح. هذا ما نجده حينما نقرأ عما فعله قيافا، عندما قال “أنه إذًا خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب” (يو 11: 49: 51). حينئذ يقول الإنجيل “لم يقل هذا من نفسه بل إذا كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة” إذًا بلعام يتنبأ عن المسيح لكي لا يفتخر أي شخص، إذا كان يتنبأ، إذا نال معرفة المستقبل، بل فليرجع لكلام الرسول الذي قال في هذا الصدد “النبوات فستبطل الألسنة فستنتهي العلم فسيبطل” (1كو13: 8).
“ماذا يبقي إذًا؟ الإيمان، الرجاء، والمحبة؟ لكن أعظمهم المحبة” (1كو 13: 4، 5). والمحبة هي الوحيدة التي لا تسقط أبدًا لذلك فإن هذه المحبة أعظم من موهبة النبوءة، أعظم من العلم، أعظم من الإيمان، أعظم من الاستشهاد، أيضًا كما يعلمنا بولس الرسول فيجب ان نقدر المحبة ونمارسها لأن “الله محبة” (1يو4: 16)، والمسيح هو أيضًا محبة وهو الذي تنازل وأعطانا كمال المحبة له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] هذه النقطة توضح أن أوريجينوس كان يلقي عظاته في أثناء القداس ولهذا يقول إن الوقت محدد للعظة وفي موضع آخر أن الأناغنوسطس هو الذي قرأ الكتاب.
[2] مجموعة لأربع حروف، ييه، هيه، واو، هيه التي تكون اسم يهوه.
بلعام – العظة الرابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
الانتصار على سيحون ”تابع”
الانتصار على باشان ـ حادثة بلعام
سيحون:
هزيمة الشيطان أمام كلمة الله
1ـ قد سبق أن قلنا كيف إن ملك الأموريين سيحون، هذا المتكبر هذه الشجرة العقيمة، شرع في القتال ضد إسرائيل وهُزِمَ، يقول الكتاب المقدس حرفيًا بأنه ” قد ضربة للموت بالسيف” (عد21: 24)، أو بحسب صورة أخرى “بحد السيف”. إذا أردنا أن نعرف بكل دقة أي سيف ضرب هذه الشخصية العقيمة والمتكبرة “أرز لبنان”، فلنتعلم ذلك من بولس الرسول الذي يقول لنا “ كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين” (عب 4: 12)، وفي نص آخر ” سيف الروح الذي هو كلمة الله” (أف6: 17). أنه الموت الصادر من هذا السيف الذي ضرب سيحون الروحي أي الشيطان.
الفتوحات الروحية:
” وأبناء إسرائيل ملكوا على كل أرضه” (عد21: 24)، كل هذه البقعة الأرضية كانت تدعي بلد سيحون لكن المسيح وكنيسته ملكًا على كل كورة سيحون “وملكوا من أرنون إلى يبوق“. أرنون ويبوق كانتا مدينتين في مملكة سيحون التي كانت تبدأ من أرنون وتنتهي في يبوق. لهذا السبب قيل إنهم ملكوا إلى يبوق. أرنون تعني لعناتهم أي أن مملكة سيحون المتكبرة والعقيمة تبدأ باللعنات.
والنهاية في يبوق التي تعني صراع. كل من يريد أن يخرج من مملكة الشيطان ويهرب منها سيجد الصراع، خدامه وأعوانه سيشعلون الحروب ضده. فإذا حارب وانتصر ستكف يبوق عن أن تكون مدينة لسيحون بل ستصبح مدينة لإسرائيل. هذا ما قرأناه عن البطريرك يعقوب ” عندما أتي إلى مكان ما كان يصارعه إنسان لم يقدر عليه، وكان متمسكًا جيدًا وكان قويًا مع الله فأخذ اسم إسرائيل” (تك32: 24ـ28).
” فأخذ إسرائيل كل هذه المدن وأقام إسرائيل في جميع مدن الأموريين” (عد21: 25). إنه إسرائيل الجديد بحسب المسيح، ليس إسرائيل بحسب الجسد، ولا ” اليهودي في الظاهر” (رو2: 28)، الذي يسكن كل مدن الأموريين عندما تنتشر كنائس المسيح في المسكونة.
كل واحد منا كان أولاً أيضًا، مدينة للملك سيحون، الملك المتكبر كان يملك علينا الجنون والكبرياء والكفر وكل ما ينبع من إبليس، لكن عندما يربط القوي ويُهْزم، عندما تكون “أمتعته قد نهبت” نصبح نحن مدن إسرائيل وميراث القديسين، بشرط أن يكون السلطان الذي كان متسلطًا علينا قد هُزم تمامًا أولا،ً وقطعت هذه “الشجرة العقيمة”، هزم هذا “الملك المتكبر” وأصبحنا رعية الملك الذي يقول “ تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” (مت11: 29).
ويعطي الكتاب المقدس بعد ذلك تفاصيل عن مدن الملك العقيم المتشامخ سيحون يقول الكتاب “وفي كل تخومها” لماذا تدعي عاصمة ملك سيحون حشبون؟ حشبون تعني الأفكار وفي هذه الأفكار يكمن الجانب الأعظم من مملكة الشيطان وأساس قدرته، وقال المسيح
“لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة، زنى، فسق، قتل، سرقة، طمع، خبث، مكر، عهارة، عين شريرة، تجديف، كبرياء، جهل، وجميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان” (مر7: 21ـ23). لذلك لابد أن يضرم النار في هذه المدينة وتحرق، بأي نار؟ بكل تأكيد النار التي يقول عنها المخلص “جئت لألقي نارًا على الأرض فماذا أريد لو اضطرمت” (لو12: 49).
نبوة على حشبون
2 ـ ثم بعد ذلك يقال عن هذه المدينة ” لذلك يقول أصحاب الأمثال إئتوا إلى حشبون فتبني وتصلح مدينة سيحون لأن نارًا خرجت من حشبون لهيبًا من قرية سيحون أكلت عار موآب” (عد21: 27، 28). سيحون سبق أن قلنا إنه الملك الذي كان يملك على مدينة حشبون. يجب أن تفهم باقي الأفكار كالآتي، هؤلاء أصحاب الأمثال يقولون إئتوا حتى نبني ونصلح حشبون التي هي مدينة سيحون.
أصحاب الأمثال:
الشريعة والأنبياء:
فلنبحث الآن من هم “أصحاب الأمثال” ما يدعي مثالاً هو الحديث الاستعارى. إذًا الذين يدعون أصحاب الأمثال. هم يتحدثون بالاستعارة، ولكن من الذي تحدث بالأمثال، أليس هو الناموس والأنبياء؟ اسمع إذًا كيف يعبر داود النبي “أفتح بمثل فمي أذيع ألغازًا منذ القدم” (مز78: 2).
إشعياء كاتب آخر بالألغاز يعلن هو أيضًا “وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين اقرأ هذا فيقول لا أستطيع لأنه مختوم. أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” (إش29: 11، 12). أنه مختوم لأنه مملوء بالأمثال ومغلف بالألغاز.
إعادة البناء على الخراب:
هؤلاء أصحاب الأمثال يقولون ” ائتوا إلى حشبون فتبني” (عد21: 27). حشبون الأولى قد سقطت، ماذا أقول؟ إنها ضربت واحترقت، يجب أن تبني مرة أخرى، تبني حشبون أخرى، كيف سيكون هذا؟ فلنوضح هذا بمثال: إن رأيت وثنيًا يعيش في العار والضلال الديني فستقول عنه بدون تردد أنه مدينة حشبون في مملكة سيحون، حيث يتسلط الملك العقيم والمتكبر على أفكاره، فإن اقترب هذا الرجل من إسرائيل، بمعنى من ابن للكنيسة.
إذا ألقى مطارد كلام الله، وسحب ضده “سيف الروح” (أف 6: 16)، يخرب فيه كل المتاريس، التي هي عقائد الوثنيين ويحرق كبرياء أفكاره في نار الحق. يجب أن نقول عنه إنه مدينة الملك سيحون، حشبون التي دمرت. ولكن لا تترك صحراء مهجورة، كالإنسان الذي أقلعت عنه عقائد الوثنيين. فإنها ليست قاعدة في بني إسرائيل أن تترك المدن التي دمرت في خراب.
فعندما يسقطون ويدمرون الأفكار السيئة والمشاعر الغير صالحة في الإنسان ويبنون في قلبه الأفكار الحسنة والشعور بالتقوى ويضعون فيه مبادئ الحق ويعلمونه الطقوس الدينية، ومبادئ الحياة، ويبنون له العادات بحسب الشريعة وطرق مراعاتها، حينئذ حقًا سيقول أصحاب الأمثال الواحد للآخر ” ائتوا إلى حشبون فتبني التي هي مدينة سيحون” (عد21: 27).
أبناء الكنيسة قد دعوا هم أيضًا أصحاب الأمثال، لأنهم يفهمون بالروح رموز الشريعة والألغاز هذا ما يقصده أرميا النبي في حديث رمزي أيضًا عندما قال له السيد الرب “ها قد جعلت كلامي في فمك أنظر قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتنقض وتبني وتغرس” (إش1: 9، 10). ماذا يقلع وماذا يهدم؟ مدينة حشبون التي كان يملكها ملك سيحون. ماذا يقلع وماذا يهدم فيها؟ أفكار الكفر والنجاسة، ماذا يبني فيها مرة أخرى ويغرس؟ أفكار التقوى والعفاف. حشبون يجب أن تكف عن أن تكون مدينة الأموريين لتصبح مدينة أبناء إسرائيل.
باشان العار
3 ـ لكن إذا أردنا أن نتعمق أكثر، فليس لدينا الوقت الكافي لشرح ما سبق أن قُرئ عن بلعام. إن صعوبة هذه النقطة تظل باقية إلى أن نتمكن من الأمر ونعرض سير القصة. فنحن نقابل صعوبة عند شرح المعاني الروحية. لأن أول وجه للحرف مغلف بصعوبة هذا مقدارها ولكن بما أن رغبتنا تدفعنا لكي نشرح النقط الأكثر ظلامًا فلا يجب أن ننسى كلية التاريخ الذي يساعدنا للوصول إلى المعنى.
بعد أن تسلط بنو إسرائيل على مدن الأموريين ” تحولوا أو صعدوا في طريق باشان” (عد21: 33ـ 35)، لكن لم يتنازلوا أو لم يرسلوا له سفراء ولم يطلبوا منه المرور في أرضه، لقد شرعوا في الحال في المعركة معه وهزموه هو وبنيه إذًا فلنر ما هي باشان. باشان تعني العار، أنهم إذًا لم يرسلوا سفراء لهؤلاء القوم ولم يطلب المرور في أرضه.
حيث لا يجب أن يكون لنا أي ممر أو أي طريق يوصلنا إلى العار، يجب من الآن أن نهاجمها ونحترس منها في كل الحالات. من ناحية أخرى عوج الذي هو اسم ملك باشان، يعني مانع وهو يمكن أن يمثل الخليقة الجسدانية والمادية التي أحبها والرغبة فيما يمنع النفس كعائق ويبعدها عن الله. الحرب ضد عوج يجب أن تشهر بطريقة لم يسبق لها مثيل. يقول الكتاب المقدس “أي كائن حي” (عد21: 35)، بما في ذلك أي من أبناء إسرائيل لا يجب أن يترك لكي يعيش في مملكة العار والخزي لكن يجب أن تقطع قوة إسرائيل ويلغي العار وتبني في النفس مرة أخرى كل صور التقوى، فيزرع فيها جذور الأمانة والدين.
في مملكة حشبون لم يكتب بأن أي كائن حي لا يجب أن يعيش. وكذلك في مملكة موآب ربما يكون لنا الحاجة إلى البعض من سكانها. ربما يكون البعض لازمًا لكفافنا ولتدريبنا في هذه الحياة ” وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم” (1كو5: 10). لكن من باشان بمعنى من العار، ليس لدينا أي حاجة إليها، لا نترك أي شئ ليعيش يجب إزالة كل شئ، إزالة كل أعمال العار، لأنه لا يمكن أن يكون العار صالحًا عند أي شخص.
بلعام
4 ـ “وارتحل بنو إسرائيل ونزلوا في عربات موآب من عبر أردن أريحا، ولما رأي بالاق بن صفور…. الخ” (عد22: 1، 2). كل ما يتعلق ببلعام وأتانه هي قصة مليئة بالصعاب. لكن المعنى الداخلي به صعوبة أكثر وأني لا أدري إن كان من السهل شرح المعنى التاريخي كذلك، وبفضل الله سنلخص التفسيرات التي نستطيع أن نعطيها.
غرابة القصة
الحرب تهدد ملك بالاق بن صفور من بني إسرائيل الذي كان عددهم حوالي “ستة مئة ألف رجل” (عد26: 51)، مسلحين سوف يتسلطون على أرضه. فيجب عليه أن يجهز سلاحه، ويجمع جيشه وأن يفكر في محاربتهم حتى يستطيع أن يتقدم إلى الأمام بقوة متماسكة ضد عدو مازال بعيدًا ” فأرسل رسلاً إلى بلعام بن بعور” (عد22: 5، 6)، وقال له سوف يكرمه إكرامًا عظيمًا ووعده بهدايا كثيرة.
ووضع كل أمله في مجئ بلعام وفي الكلمات التي سينطقها وفي اللعنات التي سيرسلها كالسهام. أنه يحاول أن ينتصر بكلام بلعام على الشعب الذي لم يتمكن الجيش الملوكي بأن يكون له الغلبة عليه.
ما الذي تقدمه هذه القصة؟ أنه لسلوك غريب؟ أين ومتى شوهد هذا؟ من هو الملك الذي أمام معركة أكيدة، ينسى الحرب ويتجاهل جيشه لكي يلجأ إلى خدمات عراف أو ساحر. لذلك يجب علينا أن نطلب من الله النعمة لكي لا نتبع أبدًا هنا خرافات يهودية، وأن نشرح هذا بمعنى موافق للعقل ولائق بالشريعة الإلهية.
قدرة الصيغ السحرية
أولاً يجب أن نقر أنه في بعض الحالات تكون الصيغ أكثر فاعلية وقدرة من المادة، فما لا يستطيع أن يعمله جيش لأمم كثيرة جدًا، ما لا يستطيع أن يحصل عليه الجيش بالحديد وبالسلاح، يصل إليه بالصيغ، لا أقول بالصيغ المقدسة أو بكلام الله لكن ببعض مراسيم محفوظة عند الإنسان. لا أعرف كيف تدعى وهي مرتبة بحسب فن باطل.
سِمّها كما تريد. الواقع يوجد كما قلت نتائج يستطيع الإنسان أن يحصل عليها بالصيغ، هذه النتائج يستحيل على الإنسان أن يحصل عليها بالطبيعة بمجهودات جسدية مهما كانت كبيرة. فلنأخذ مثلاً. كان في مصر رقاة وسحرة، من هو الإنسان الذي يمكنه بواسطة القوة الجسدية وحدها أن يغير العصا إلى ثعبان؟ لكن الرقاة والسحرة المصريين غيروها. موسى غيرها أولاً لكن ملك مصر كان يعلم بأن هذا ممكن حدوثه بواسطة فن كلمة بشرية يستخدم الصيغ.
وقد اعتقد أن موسى هو أيضًا قد عمل هذه المعجزات بواسطة عملية سحرية وليس بواسطة القدرة الإلهية، واعتقد بأنه يتظاهر بأن ينسب للقدرة الإلهية عملاً كله بشري. فقد جمع حالاً رقاه وسحرة مصر. لقد حدثت مباراة بين الذي يعمل المعجزات بقدرة الله والذين يستعينون بالشياطين. القدرة المضادة تحول العصا إلى ثعبان مثلما فعلت قدرة الله.
لكن الثعابين التي عملت بقدرة الله ابتلعت وافترست كل الثعابين الخارجة من العصا بتحويل السحر. قدرة الشيطان لم تتمكن من إعادة الكائن الحسن الذي سبق أن حولته إلى كائن ردئ. أنها استطاعت أن تحول عصا إلى ثعبان. ولكن لم تستطع إعادة الثعبان إلى عصا. لهذا السبب فقد هلكت كلها بالعصا المحولة إلى ثعبان بقدرة الله. بعد ذلك أعيدت بقدرة الله إلى أصلها معترفة برب الكون.
الرقاة المصريون توصلوا أيضًا إلى تغيير الماء إلى دم. لكنهم لم يستطيعوا مرة أخرى أن يحولوا الدم إلى ماء. وبالعكس فإن قدرة الله غيرت إلى دم ليس الماء فحسب، لكن النهر كله، وبصلوات موسى أعادت المياه إلى حالتها الصافية الطبيعية. السحرة المصريون اخرجوا أيضًا البعوض. لكنهم لم يتمكنوا من طرده. موسى أخرج بعوضًا وأعاده إلى أصله لأن إلهنا يؤلّم ويجدد.
القدرة المضادة تستطيع أن تعمل الشر لكنها لا تستطيع أن تعيد الأشياء لحالتها الأولى. لقد بدأنا بعرض هذه المبادئ لكي نفهم أعمال بلعام أي كلماته. يوجد فعلاً أنواع مختلفة من السحرة تتفاوت قدرتهم. بلعام هذا كان مشهورًا في فنه السحري، وليس له مثال في سحره المؤذي ليس في فنه صيغ البركة بل صيغ اللعنة، حيث يدعو الشياطين ليلعن وليس ليبارك. لهذا السبب كان يعتبر عند كل أصحاب الشريعة ساحرًا قديرًا.
فلو أن الملك لم يلاحظ فعلاً قبل ذلك بأن كثيرًا من الجيوش هُزمت بواسطة لعناته، لما كان يأمل بأن يصل باللعنات إلى نتيجة كان سيصل إليها بصعوبة بالحديد والسلاح. إنه على هذا اليقين وهذه الخبرة المتكررة كثيرًا، ترك بالاق كل الوسائل وطرق الحرب لكي يرسل رسلاً ليقول له “هوذا الشعب قد خرج من مصر هوذا قد غشى وجه الأرض وهو مقيم مقابلي” (عد 22: 5).
بالاق يريد أن يهزم إسرائيل بأسلحة روحية
لكن الملك كان في رأيي مندفعًا بسبب أكثر وجاهة وأنه قد عرف كما يبدو لي أن أبناء إسرائيل يحصلون عمومًا على النصر على أعدائهم بواسطة الصلاة وليس بواسطة الأسلحة، وبواسطة التضرعات أكثر من الحديد. إسرائيل لم يأخذ أبدًا أسلحة ضد فرعون لكن قيل له “ الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون” (خر14:14).
في المعركة ضد العمالقة لم تكن أيضًا قوة الأسلحة فعالة مثلما كانت صلوات موسى “وكان إذا رفع موسى يده” (خر17: 11)، نحو الله كان عماليق ينهزم، لكن عندما كان يرخي يديه كانت الهزيمة تأتي لإسرائيل. بالاق ملك موآب قد سبق، بكل تأكيد أن سمع عن ذلك حيث إنه كُتِبَ “يسمع الشعوب فيرتعدون تأخذ الرعدة سكان فلسطين حينئذ يندهش أمراء أدوم، أقوياء موآب تأخذهم الرجفة يذوب جميع سكان كنعان” (خر 15: 14، 15). نرى إذًا أن الصوت قد وصل إليهم، كما تنبأ موسى من قبل في نشيده عند عبور البحر الأحمر.
ملك موآب إذًا قد تعلم أن الشعب ينتصر بالصلوات ويحارب خصومه بالفم، وليس بالسيف. إنه فكر في ذلك وقال في نفسه بما أن الأسلحة لا تستطيع أن تقاوم صلوات وتضرعات هذا الشعب، على أن أجد تضرعات وأسلحة شفاهية وصلوات يمكنها أن تتغلب عليهم. هذه كانت تأملات الملك، وسنبين بالبرهان من كلمات الكتاب المقدس التي شرحها لي معلم من أصل عبراني[1]، حصل على الإيمان، أنه مكتوب ” فقال موآب لشيوخ مديان: الآن يلحس الجمهور كل ما حولنا كما يلمس الثور خضرة الحقل” (عد22: 4).
وهذا المعلم من أصل عبراني، وكان يقول: لماذا هذه المقارنة لثور يلحس خضرة الحقل؟ بدون أي شك لأن الثور ينزع خضرة الحقل ويستخدم لسانه مثل منجل لكي يقطع كل ما يجده، كذلك الشعب مثل الثور يحارب بالفم وبالشفاه، أسلحته هي كلماته وصلواته. ولما علم الملك بذلك أرسل رسلاً إلى بلعام لكي يواجه الكلمات بكلمات والصلوات بصلوات.
السحر
فلا نندهش إذا كان السحر يقدم حيلاً من هذا النوع، فوجوده ثابت في الكتاب المقدس ولو أن ممارسته كانت ممنوعة. الشياطين أيضًا موجودة لكن الكتاب المقدس يمنع أن نكرمهم وأن نلجأ إليهم. أنه يمنع أن نمارس السحر لأن عملاء السحرة هم الملائكة المعاندين، الأرواح الماكرة والشياطين النجسة. إن الأرواح المقدسة لا تطيع السحرة.
الساحر لا يستطيع أن يستعين بميخائيل وروفائيل، وجبرائيل، ولسبب أكثر قوة لا يستطيع أن يستعين بالله القدير، ولا بابنه ربنا يسوع المسيح، ولا بروحه القدوس. نحن فقط حصلنا على قدرة الاستعانة بالله الآب. نحن فقط حصلنا على قدرة الاستعانة بابنه الوحيد يسوع المسيح. لكن أقول أيضًا الذي حصل على قدرة الاستعانة بالمسيح لا يستطيع أن يعود مرة أخرى إلى الاستعانة بالشياطين، والذي له نصيب في الروح القدس لا يجب أبدًا أن يستدعي الأرواح النجسة. إذا قصد الأرواح النجسة فإن الروح القدس يهرب منه.
إن السحرة هم الذين يستعينون ببعلزبول. الشعب اليهودي كان يعلم هذا ولهذا السبب، وجه هذه النميمة، وهذا الكذب ضد سيدي يسوع: “ أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين” (لو11: 15؛ مر12: 24). المخلص يعلم أن بعلزبول هو حقًا رئيس الشياطين، أنه لم يتهمهم بالكذب على هذه النقطة، لكن أجابهم: “ فإن كنت أنا ببعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون؟” (لو11: 19؛ مر12: 27).
إذًا توجد شياطين شريرة والسحرة يستعينون بهم وهي تساعدهم على الشر وليس على الخير. إنهم مستعدون للضرر ولا يعرفون أن يعملوا الخير. إن هؤلاء الشياطين هم الذين بواسطة فن معين وبعض الصيغ دخلوا في نوع من العهد مع بلعام، وعلى هذا الأساس كان يبدو عظيمًا في أعين الآخرين.
لهذا السبب أرسل الملك مسرعًا رسلاً نحوه وقال له ” فالآن تعال وألعن لي هذا الشعب لأنه أعظم مني لعله يمكننا أن نكسره فاطرده من الأرض؟” (عد22: 6). هذا الملك لا يبدو لي أنه كان له ثقة كاملة في قدرة بلعام، أنه كما اعتقد كان مرتعدًا من شهرة المعجزات التي حدثت لصالح شعب الله. لهذا السبب قال إن لعنات بلعام ربما تضرب البعض منهم، وتهزم الآخرين وتطردهم من أرضه.
السحر لا يقدر أن يعطي البركة
إنه يضيف بعد ذلك: ” لأني عرفت أن الذي تباركه مبارك والذي تلعنه ملعون” (عد22: 6)، اعتقد أن الملك لا يعرف، أن كان كل الذين قد باركهم بلعام صاروا مباركين. يبدو لي أنه يقول هذا لكي يجامله ولكي يلاطفه أكثر لصالح مقاصده بتفخيم وتعظيم فنه. السحر لا يعرف أن يبارك لأن الشياطين لا تعرف أن تفعل الخير. إسحق ويعقوب يعرفان أن يباركا، وكل القديسين كذلك أما كل غير تقي فلا يعرف أن يبارك.
حلوان العرافة
الرسل وصلوا أخيرًا عند بلعام: ” فانطلق شيوخ موآب وشيوخ مديان وحلوان العرافة في أيديهم” (عد22: 7). فن العرافة هذا ناشئ من براعة الإنسان، توجد أشياء يلقبها الكتاب المقدس بحلوان العرافة وتقاليد الوثنيين تدعوها مشاجب، مراحل أو يعطوها أسماء أخرى مشابهة: إنها كمكرسة لهذه الخدمة، يستعملها الوثنيون في العرافة.
الكتاب المقدس يذكر أن للأنبياء أداة تسمى “أفود” في اللغة الأصلية: أنه ملبس للذي يتنبأون لكن في الكتب الإلهية النبوة شئ، والعرافة شئ آخر. الكتاب المقدس يقول حقًا “ إنه ليس عيافة على يعقوب ولا عرافة على إسرائيل في الوقت يقال عن يعقوب وعن إسرائيل ما فعل الله” (عد23: 23). العرافة إذًا مرفوضة تمامًا، إنها تمارس كما قلنا بعمل ووساطة الشياطين.
حضور الله
إذًا بلعام يأخذ حلوان العرافة، فمن العادة أن الشياطين تأتي إليه لكن بالعكس يرى أن الشياطين تهرب منه والله يحضر، لهذا السبب يقول إنه يسِأل الله حيث إنه لم يعد يرى بالمرة تلك الشياطين التي كانت عادة تطيعه. الله إذًا أتى بنفسه ليتقابل مع بلعام، ليس لأنه كان مستحقًا لزيارته، لكن لكي تهرب الأرواح التي كانت من عادتها أنت تحضر لكي تجلب اللعنة وأذى السحر.
الله فعلاً كان ساهرًا على شعبه منذ هذه اللحظة، فأتى الله إذًا قائلاً: ” من هم هؤلاء الرجال الذين عندك. فقال بلعام لله: بالاق بن صفور ملك موآب قد أرسل إلىَّ يقول هوذا الشعب الخارج من مصر قد غشى وجه الأرض تعال الآن ألعن لي إياه لعلي أقدر أن أحاربه وأطرده، فقال الله لبلعام لا تذهب معهم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك” (عد 22: 9ـ 12).
اعتراض
7 ـ هنا يعرض سؤال من رتبة أعلى ولا أعرف إذا كان من الملائم أن نكشف عن غرض سر عميق هكذا، وأن نقدم لأناس لا يأتون لسماع كلمة الله إلا نادرًا، ويذهبون بعد ذلك بدون أن يعطوا أنفسهم فرصة أكبر للتأمل.
ولكن سنقول بعض الكلمات للذين يهتمون بذلك ولهم عطش للتعليم، الذين يستطيعون إدراك المعنى الروحي، يمكن عمل اعتراض مثل هذا: يستعين بلعام بالشياطين، إنه يلعن الشعب، أن تهلك الشياطين وتفسد بحسب قدرتها فليكن لكن هل الله لا يستطيع أن يحفظ الشعب من الشياطين ويبطل قوتهم الشريرة؟
هل كان من الضروري إن يأتي هو بنفسه ويقابل بلعام ويمنع الشياطين التي اعتادت أن تقترب لكي تجرب شعبه وتسعى لكي تؤذيه؟
الحرية المتروكة من الله للشياطين، تعمل الخير
سنقدم هذا الجواب الجزئي على هذا الاعتراض ومع أنه لا يجب علينا أن نقول كل ما يتعلق به: الله لا يريد أن يقضى على جنس الشياطين قبل الوقت. الشياطين أنفسهم يعلمون بأن وقتهم محدود في هذا الدهر لهذا السبب كانوا يطلبون من السيد الرب “ أن لا يعذبهم قبل الوقت” (مت8: 29)، ” وبأن لا يرسلهم إلى الهاوية” (لو8: 31).
إنه لم يسحب من الشيطان لقبه أي رئيس هذا العالم. لأن عمله مازال ضروريًا لإصلاح الذين يجب أن يكللوا، لأنه مازال لازمًا للصراع الذي يعانيه الطوباويون وللنصرة التي يفوزون بها. أيضًا بالنسبة للشياطين الآخرين فهو لا يريد أن ينزع منهم دورهم في الخطة التي وضعها قبل مجئ الوقت، لذلك منذ البداية لم يسمح أن يستعين بلعام بهم، خوفًا من أنه بعد أن يستعين بهم يهلكون قبل الوقت ويبادون في المعركة التي سيقوم بها الله لصالح شعبه.
على أنه يمكن أن يحصل الشيطان من الله على إنسان ليجربه مثل أيوب ويكون له القدرة عليه إلى حد ما، أن يقول الله له مثلاً: ” هوذا كل ماله في يديك وإنما إليه لا تمد يدك” (أيوب2: 6). هذا شئ، ولكنه شئ آخر مختلف كل الاختلاف أن تكون نتيجة فعل أحد السحرة أن ينزع منهم بالتضرعات أعمالهم الشريرة بدون أي قيد.
وفي هذه الحالة الأخيرة لو كانت الحرية متروكة لهم لكانوا أبادوا شعب الله. وبالعكس لو رفعت منهم حرية التصرف لكان هذا قضاء على خليقة عاقلة، وتقديم وقت الدينونة، ويكون هناك إضرار بالذين كان في استطاعتهم أن يحصلوا على الإكليل بصراعهم ضدهم. فلو كان الشياطين محرومين من حرية التصرف، لما كان هناك أعداء لإبطال المسيح، وبدون أعداء لا تكون هناك أية معركة، وبدون معركة لا تكون هناك أية مكافئة، ولا نصرة.
الله يعمل إذًا بطريقة خاصة حتى أن الشعب الذي مازال عديم الخبرة[2] والذي خرج لتوه من عبادة الشياطين، لا يقع في حبائلهم. الله يسمح أن تحصل تضرعات الساحر على جواب وأن لا يحرم جنس الشياطين من حرية الإرادة. لهذا السبب الله يتقدم أولاً ويمنع بلعام من أن يذهب إلى الموضع ومن أن يستدعي الشياطين للنطق بلعناته، لو أنه كان قد ترك لرغبته.
ولكن بما أنه أصر على حبه للمال، فإن الله يحترم حريته ويرجع عن قراره ويتركه يذهب. ولكنه يضع كلامه في فم الساحر، ويمنع أن تلفظ لعنات الشياطين، لتحل محلها البركات ويعمل أن يلفظ بلعام، بدلاً من اللعنات، بركات ونبوات تستطيع أن تبني روحيًا، ليس فقط إسرائيل، بل أيضًا كل الأمم.
بلعام سلف للمجوس
فالواقع إذا أدخلت نبوات بلعام بواسطة موسى في الكتب المقدسة ولسبب أكثر قوة جمعها سكان Mesopotamie (بلاد ما بين النهرين)، حيث كان لبلعام شهرة كبيرة وكانوا معروفين كتلاميذه في السحر.
وإليه ترجع التقاليد في بلاد الشرق أصل المجوس الذين كانت عندهم نص جميع نبوات بلعام ومن ضمنها “ يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل” (عد 24: 17). كان لدي المجوس هذا النص، لذلك عندما ولد يسوع، عرفوا النجم وفهموا بأن النبوة قد تحققت، فهم أفضل من الشعب الإسرائيلي الذي أهمل الاستماع إلى كلمات الأنبياء والقديسين[3].
وهم أدركوا بحسب المخطوطات الوحيدة التي تركها بلعام أن الوقت قد أتى، فأسرعوا يبحثون عنه ليسجدوا له ويظهروا عظم إيمانهم بإكرامهم الطفل الصغير كملك.
بقية القصة
لكن لنرجع إلى موضوعنا بلعام يزعج الله وينتزع منه تصريحًا بأن يذهب ليلعن أبناء إسرائيل وبأن يستعين بالشياطين، وهو الذي سبق أن جاء إليه الله، وهو راكب على أتانه، وأمامه يحضر الملاك الحارس لإسرائيل الذي قال عنه السيد الرب لموسى “هوذا ملاكي يسير أمامك” (خر32: 34)، أنه يطلب أن يمر فيسمح له. وتسئ أتانه معاملته في الطريق لكن الساحر يرى الشياطين ولا يرى الملاك: “ فأبصرت الأتان ملاك الرب” (عد 22: 23).
هي لم تكن مستحقة أن تراه ولم تكن مستحقة أن تتكلم لكن كان يجب أن يخذل بلعام، مثلما قيل في بعض أجزاء الكتاب المقدس أن “حمار أعجم، ناطقًا بصوت إنسان، مشتكيًا من حماقة النبي” (2بط 2: 16).
الأتان رمز الكنيسة
بعد أن تكلمنا كثيرًا في القصة ننتهي ببعض الاختصارات من التعليم على المعنى الرمزي. إذا رأينا أن قدرة العدو هي التي تحارب شعب الله، نفهم من هو الجالس على الأتان. إذا اعتبرنا كيف أن الإنسان يجتذب بواسطة الشياطين، نفهم من هو الأتان. ونفهم كذلك من الإنجيل أن المسيح أرسل تلميذيه قائلاً “تجدان أتانًا مربوطًا وجحشًا معها فحلاهما وإتياني بهما حتى أركب على ظهره” (مت21: 2؛ مز11: 2).
هذه الأتان بمعنى الكنيسة، كانت حاملة أولاً بلعام والآن تحمل المسيح وأنها حُلتّ بواسطة التلاميذ وحررت من الرباطات التي كانت مربوطة بها لأجل ابن الله الذي صعد عليها، والذي دخل معها في ” المدينة المقدسة أورشليم السماوية” (عد12: 22)، وأنه قد تمم ما هو مكتوب في الكتاب المقدس الذي يقول:
” ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل منصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان” (زكريا9: 9)، الدابة تعني أتان. هي ترمز بدون أي شك إلى المؤمنين آنذاك أي اليهود، والأتان الجديد هم الذين ” آمنوا من الأمم ويعترفون بالمسيح” (أع21: 25)، يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] يشير أوريجينوس كثيرًا إلى هذا المعلم العبراني ورغم أننا لا نعرف كثيرًا عن هذا المعلم إلا أننا نستفيد أن معلمي الكنيسة كانوا بدورهم يسعون وراء المعرفة ويحصلون عليها من المتخصصين فيها.
[2] نجد هنا نقطة هامة أسسها إيرينيوس وأستعملها دائمًا آباء الإسكندرية وهي أن الله يتبع طريقة تربوية تدريجية في تعليم الشعب.
[3] نلاحظ أن أوريجينوس لا يتردد عند اللزوم في مدح الوثنيين لكونهم أدركوا أمرًا إليهًا ولو جزئيًا. وهذه خاصية من خصائص لاهوت الآباء.
الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد