موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

 

العظة السادسة

موسى والسبعين شيخًا – زواج موسى والحبشية

         في كثير من النصوص قرأت جملة لضيق الوقت وعظمة الأسرار لا تسمح لنا أن نتحدث عنها كلها. ولكن سنستطيع حينئذ أن نقطف بعض الأزهار في هذه السهول الواسعة، وليس كل الأزهار التي تستطيع أن تقدمها الأرض، لكن بقدر ما يكفي حتى نشتم الرائحة العطرة. كذلك عندما نذهب إلى الينابيع، فلا يجب أن نأخذ كل الماء الذي يُسال من مصدر فياض. لكن فقط ما يلزم لكي يقتل عطش حنجرة جافة، أنه لا يجب أن نشرب من الماء العذب بإفراط وإلا يكون ضارًا.

 

موسى والشيوخ

         1ـ قال الكتاب المقدس ” خرج موسى وكلم الشعب بكلام الرب” (عد11: 24)، طالما يصغى موسى لكلام الرب ويأخذ تعاليمه منه، فهو بالداخل، أنه يمكث بالداخل ويعيش في الخلوة الأكثر سرية. لكن عندما يتكلم للجموع والشعب وعندما يمارس خدمته نحو الناس فأنه لا يستطيع أن يمكث بالداخل يقول الكتاب المقدس فليخرج للخارج، ما هي الفكرة المتضمنة في هذا الكلام؟ إذا علم معلم الكنيسة أسرارًا عميقة لحد ما، إذا ألقى بعض الخطب السرية والخفية عن حكمة الله “بين الكاملين” مادام يظل في الأفكار العميقة، يجب أن نقول بأنه بالداخل وأنه يمكث بالداخل.

         لكن عندما يكلم الجموع ويعلن ما يكفي للإنسان العادي وما يمكن أن يفهمه عامة الناس نقول بأنه خرج للخارج وأنه كلم الشعب بكلام الله. بولس كما يتراءى لي عمل هذا أيضًا أنه كان بالداخل عندما قال ” نعلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر” (1كو 6: 8)، انظر بولس وهو في الداخل كيف أطلع على الأسرار الداخلية الإلهية، عندما استلم هذه التعاليم. لكن عندما يذهب للجموع اسمع ما يعلمه “ لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم“، ” لا يسرق السارق فيما بعد“، ” لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها” هذه الكلمات وكل الكلمات الأخرى التي بنفس الطريقة هي تعاليم بولس الرسول “خارجًا للخارج” والتي يعلمها للشعب كما فعل موسى النبي.

 

الروح المشترك للشيوخ

         2ـ لكن فلننظر إلى إصحاح آخر: أنه يحكي فيه بأن ” موسى اختار سبعين رجلاً من شيوخ الشعب وأوقفهم حول الخيمة وأخذ الله من الروح الذي على موسى وجعل على السبعين شيخًا، ولما حل عليهم الروح قال الكتاب: الكل تنبأوا“، الكتاب قال بأن الله أخذ من الروح الذي على موسى وأعطى منه للسبعين شيخًا. وليس المعنى أن الله أخذ من جوهر موسى الجسدي والمادي وجزأه على سبعين جزء وأعطى لكل شيخ قسم صغير، أنه يكون من عدم التقوى أن ندرك طبيعة الروح القدس بهذه الطريقة.

         لكن فلنفهم أيضًا الرمز المكتوب في هذا النص الغامض، موسى والروح الذي عليه هما مثل مصباح ساطع جدًا وأنار الله منه السبعين الآخرين، فلمعان النور الأول قد بسط على المصابيح الأخرى بدون أن يضعف المصدر من هذه المشاركة، وبهذه الطريقة ينسب للنص معنى مقدس ” الله أخذ من الروح الذي على موسى، وأعطى منه للسبعين شيخًا” (عد11: 25).

 

الشروط الواجب توافرها لحلول الروح القدس في النفس

         3 ـ لكن فلننظر إلى ما يلي ” روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” الروح في الكتاب المقدس لا يحل على أي إنسان، لكن فقط على القديسين والطوباويين، روح الله حل على الذين لهم قلب نقي وعلى الذين يطهرون أنفسهم من الخطية، وبالعكس أنه لا يسكن في جسد تتسلط عليه الخطية، حتى ولو سكن في هذا الجسد وقتًا معينًا. الروح القدس لا يمكنه احتمال الشركة مع روح الشر، فإنه بكل تأكيد في لحظة الخطية نجد أن روح الشر هو الذي يكون في داخل نفس الخاطئ وهو يلعب دوره فيها وذلك عندما نترك روح الشر يدخل وعندما نستقبله فينا بواسطة أفكار دنسة ورغبات دنسة فالروح القدس حينئذ يكون مليئًا بالحزن وبالضيق أن أمكنني أن أتجرأ وأعبر بهذا التعبير. لذلك الرسول وهو عالم بأن الأشياء تحدث أيضًا بهذا الشكل قد أعطى النصيحة “ لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف4: 30). إذًا بالخطية نجعل الروح القدس يحزن، بالعكس بحياة صالحة ومقدسة، سنمهد للروح القدس مكانًا فينا ليستريح. أيضًا مما قد قُص علينا الآن بأن الروح القدس قد حل على الشيوخ السبعين، ألم يمجد حياتهم وألم يظهر لهم عن فضائلهم، كما أن الروح القدس قد حل عليهم بسبب نقاوة قلوبهم، وصفاء نفوسهم واستعدادهم للفهم، فهو يحل فيهم حالاً، أنه لا يرضى أبدًا بالتأخير إذ يجد هناك أرضًا مستحقة لأعماله. الكتاب المقدس يقول بالحقيقة “ روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” (عد 11: 25).

 

الروح القدس حل على يسوع المسيح

         إذن حل الروح القدس على الذين تنبأوا، ولكنه لم يستقر كما استقر على المخلص. لذلك قد كتب عنه ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (إش11: 2ـ 3). لكن ربما تقولون إنك لم تذكر لنا من قال عن المسيح أكثر مما قيل عن الناس الآخرين، حيث إنه قد قيل عن الآخرين إن الروح قد حل عليهم، وذلك كما قيل عن المخلص ” روح الله حل عليه” لكن لاحظ جيدًا أنه غير مكتوب في أي مكان أن روح الرب قد حل على أشخاص آخرين بهذه القدرة. هذا نلاحظه في هذه النبوة، أننا بكل تأكيد نجد أن جوهر روح الرب نفسه الذي لا يمكن أن يكتب تحت اسم موحد قد بين بكلمات عديدة، وقد حل على “الأصل” الذي من ذرية يسى. عندي أيضًا شاهد آخر يمكنني به أن أثبت وأؤكد بأن الروح قد حل على سيدي ومخلصي بطريقة خارقة وبطريقة مختلفة عن الأشخاص الآخرين، وهو يوحنا المعمدان الذي قال عنه ” الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو…” (يو1: 33).

         فلو أن الله قال ” سترى الروح نازلاً” بدون أن يضيف، ومستقرًا عليه فقد يكون المسيح غير مميز عن الآخرين ولكنه أضاف، ومستقرًا عليه، حتى يكون المخلص مميزًا بهذه العلامة التي لا نستطيع أن نجدها في مكان آخر. فإنه غير مكتوب إطلاقًا عن الأشخاص الآخرين أن الروح القدس قد استقر على أحد منهم.

 

واستقر عليه وحده:

         فلا تعتقد بأني أقلل من شأن الأنبياء، فهم أنفسهم يعلمون أني لم أصغرهم بوضع ربي يسوع المسيح فوقهم، فالكل يتذكر هذه الكلمات ولا يجد أي شخص آخر قيل عنه: “ الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط 2: 22)، فلأنه هو الوحيد الذي لم يفعل خطية استقر الروح عليه ومكث فيه. فإنه بالحقيقة قد قيلت عنه هذه الكلمات الوحيدة والعجيبة التي ذكرت أعلاه: ” لم يفعل خطية” فمن الواضح بأن كل الأشخاص الآخرين فعلوا الخطية. وإذا كان الكل خطاة فبالضرورة يكون الأنبياء أيضًا، وكيف نستطيع أن نقول إنه في لحظة الخطية يمكث الروح القدس؟

         وأنه يبدو لك بأنه غير معقول أن الأنبياء بعدما حل عليهم الروح القدس قد أخطأوا؟ فلنرجع لموسى نفسه الذي نتكلم عنه والذي يعتبر الأكبر والأعجب من بين الأنبياء. أنه كتب عن نفسه، أنه شهد على نفسه هذه الشهادة بأنه أخطأ بقوله: “ اسمعوا أيها المردة. أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء” (عد20: 10)، بهذه الكلمات لم يقدس الرب بماء الخصام، وبمعنى آخر إنه لم يكن لديه ثقة بقوة الله، وبدلاً من أن يقول: “الله يستطيع أن يخرج ماء من هذه الصخرة، نجده أجاب بعدم يقين، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟”

         حيث إن الله حسب له هذه الكلمات خطية. فبكل تأكيد أنها لم تأت من الروح القدس ولكن من روح الخطية. وإن كان الكتاب المقدس يبين أن أحد الأنبياء الكبار مثل موسى كان أحيانًا حاصلاً على الروح القدس وأحيانًا في وقت الخطية غير حاصل عليه، فبكل تأكيد يجب أن نفكر بنفس الطريقة عن الأنبياء الآخرين. ماذا نقول عن داود؟ أنه يعتبر أن الروح القدس ممكن أن يسحب ويؤخذ منه فهو يصلي حتى لا يؤخذ منه بقوله ” لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدس لا تنزعه مني” وفي الآية التالية يطلب داود الهبة التي قد سحبت منه بسبب الخطية قائلاً: ” رد لي بهجة خلاصك وبروح مقتدرتك أعضدني“.

         لماذا نتذكر سليمان؟ شخص لم يقل بأنه يرجح أحكامه أو يبني هيكل الله بدون حضور الروح القدس، وبالعكس فإنه مع وجود الروح القدس قد شيد الهياكل لأبالسة وفتح ذراعيه للنساء والأثمة.

         والنبي الذي قد دون في الكتاب الثالث من كُتب الملوك قد أرسل إلى بيت إيل بأمر الله، فبواسطة روح الرب قد نطق بكلمات الله، لكن لا يجب أن نصدق أنه بواسطة روح الرب خالف أمر الرب، بأن لا يأكل خبزًا في بيت إيل وأنه بسبب الخطية قتل بواسطة أسد (1مل 13: 11)، ولكن سيطول بنا الحديث لو استعرضنا كل الأنبياء.

         بدون أن نؤكد ذلك تمامًا، اعتقد بالنسبة لي أن بعض أفعال الناس العادية، توجد فيها الأشياء التي حتى ولو أنها خالية من الخطية تبدو مع ذلك غير مستحقة لوجود الروح القدس. فمثال الزواج الشرعي هو خالي من الخطية ومع ذلك في الأثناء التي تتم فيها الأعمال الزوجية لا يعطي وجود الروح القدس حتى ولو كان كما يبدو لي أن الذي يتمم أعمال التناسل هو نبي. وهناك أعمال أخرى لا تكفي القوة البشرية لإتمامها وليس من الضروري أو ليس من المناسب أن يكون الروح القدس موجودًا فيها. إننا بنوع من الاستطراد بحثنا هذه النقطة ولكننا نريد فقط أن نبين بأنه فقط في ربي ومخلصي يسوع المسيح روح الرب يمكث دائمًا عليه “استقر عليه” أما على القديسين والشيوخ السبعين. الذين قد ذكرناهم، فلم يحل عليهم روح الله ولم يؤثر فيهم إلا لمدة محدودة والتي تتناسب مع تنفيذ عمله بواسطتهم، والتي تعتبر مفيدة للذين كان عملهم لخدمته.

 

المرأة الكوشية وكنيسة اليهود

         الدرس الذي قرأناه يبين لنا أن موسى تزوج من حبشية كوشية. ومريم وهارون عاتبًا موسى لزواجه من هذه الحبشية بقولهما “هل كلم الرب موسى وحده ألم يكلمنا نحن أيضًا؟” ويقول الكتاب المقدس   ” الرب سمع ثم أمرهم أن يخرجوا إلى خيمة الاجتماع، وجاءت عليهم دينونة، فمريم أصبحت برصاء“، وبعد ذلك دعيت للمحلة (انظر عد12: 1ـ 15). لكن نشرح ذلك باختصار نقول بأن مريم هي رمز الشعب البداني، موسى رمز لشريعة الله، وهو الذي تزوج من امرأة كوشية منبئًا باتحاد جميع الأمم بالرب.

         موسى هو الذي يرمز إلى الشريعة الروحية، إذن باتخاذها زوجة له نبوة لقبول الأمم، ومريم التي هي جماعة اليهود الحاليين[1]، وسخطت هي وهارون في نفس الوقت، بمعنى آخر الكهنة والفريسيين أيضًا. إذن الشعب القديم مازال ينقصه الاحترام نحو موسى إلى الآن الذي هو رمز لمخلصنا وهو لا يعلمنا ختان الجسد وحفظ السبت والتقدمات الدموية ولكن أمرنا بختان القلب وبطلان الخطية. وأن نحتفل بالأعياد بفطير الإخلاص والحق ونقدم ذبائح الشكر وليس ذبائح من البهائم.

         الرب إذًا أدانهما وأيد الزواج من الكوشية، والرب سمح لموسى أن يسكن معها وأن يستقر معها، ولكن حجز مريم خارج المحلة، وجعلها زيادة على ذلك تخرج خارج خيمة الاجتماع. وهارون قد طُرَد معها. فضلاً عن ذلك مريم أصبحت برصاء. انظر الآن هذا الشعب انظر البرص الذي تركته له الخطية، أي ظلام قد ملأه، أي عبادة شنيعة، أي منظر مخيف هو فيه، ومع ذلك هذا البرص لن يمكث دائمًا لكن عند اقتراب الزمان من نهايته، سيدعي للمحلة حقًا، وفي نهاية العالم عندما يدخل ملء الأمم “حينئذ سيخلص جميع إسرائيل” (رو11: 25)، وفي تلك اللحظة سيترك البرص وجه مريم وستحصل على مجد الإيمان وعظمة معرفة المسيح، وسيرجع وجهها مرة أخرى إلى لمعانة عندما تتحد الرعيتان معًا حينئذ لا تكون إلا رعية واحدة وراعٍ واحد، وحينئذ يجب أن يقال حقًا ” يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه الذي أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع…” (رو11: 32، 33) في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] هرون يمثل الكهنوت اليهودي ومريم تمثل جماعة اليهود.

موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الخامسة

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع

 

         4 ـ يقول الرب لموسى وهارون اللذين يستشيرانه ” لا تحذفا من سبط عشائر القهاتيين من وسط أبناء اللاويين، عشيرة قهات، لكن أفعلاً لهم هذا فيعيشوا ولا يموتوا عند اقترابهم من قدس الأقداس” (عد 4: 18). فلنفهم المعنى الحرفي من القصة، وبمساعدة المسيح الرب ننتقل من المعنى الحرفي إلى المعنى الروحي.

 

المعنى الحرفي

إذًا فلنفهم أولاً تجهيز خيمة الاجتماع، تخيل أيضًا قدس الأقداس، المنفصل عن القدس بواسطة حجاب، ولا يسمح لأي إنسان بالدخول فيه و النظر إليه إلا إذا كان كاهنًا، بعد ذلك نفهم كيف كانت الخيمة تطوى عند ارتحال المحلة. وكيف كان الكهنة – هارون وأولاده في داخل قدس الأقداس، يغطون كل شئ بمفارشه وأغطيته، ثم يتركونها في أماكنها، وبعد ذلك يدخل أولاد قهات المخصصين لهذا الواجب ويجعلونهم يحملون على أكتافهم كل الأشياء التي قد غطتها أياديهم الكهنوتية، ولهذا السبب قد قال السيد الرب “ لا تحذفوا من سبط اللاويين عشيرة قهات” (عد4: 18)، لأنه كان يجب أن يحذفوا إذا لمسوا أشياء قدس الأقداس مكشوفة وبدون غطاء، وهو غير مسموح ليس فقط أن تلمس بل أن لا ينظر إليها أيضًا، إلا محجوبة.

السر: الأعمال والعلم

         إذا فهمت القصة، اصعد الآن نحو بهجة السر، وتأمل نور الشريعة الروحية، إذا كانت عين إدراكك نقية. كل من هو ضمن كهنة الله، فهو مستحق بأن يكشف الأمور الإلهية وأن يرى الأسرار التي لا يكون غيرهم مؤهلين للتأمل فيها، وهو الذي يستطيع أن يدخل حيث لا يستطيع الآخرون الدخول. هذا بالنسبة لنا هو هارون أو أحد أبناء هارون. بالنسبة لمثل هذا الإنسان فقط يكون تابوت العهد مكشوفًا بدون حجاب، ويرى القسط الذي فيه المن، ويتأمل ويفهم “الكفارة” أنه يتطلع على “الشاروبين الاثنين”، والمائدة المقدسة والمنارة المضيئة، ومذبح البخور، أنه يتأمل ويفهم كل هذا بالروح. إننا نعني الذي يهتم بكلام الله بأسرار الحكمة ولا ينشغل إلا بالله وبأدواته المقدسة[1].

         ففي هذه الحالة ألم يحمل على الأكتاف قدس الأقداس مغطى بأحجبة[2]؟ لكي ندرك هذا بأكثر وضوح، سنقتبس أمثلة من الكتاب المقدس، فموسى بلا شك كان يعلم معنى الختان الحقيقي وكان يعلم معنى الفصح الحقيقي. وكان يعلم معاني أعياد الهلال الحقيقية والسبوت الحقيقية[3]. ومع أنه علم كل هذه الحقائق جيدًا بالروح. إلا أنه كان يحجبها تحت المظهر وظل الأشياء الجسدية، وبينما كان يعلم بأن “الفصح الحقيقي” الذي يجب أن يذبح، هو المسيح. كان يأمر بأن يذبح حمل الفصح الجسدي، وبينما كان يعلم بأن عيد الفطير يجب أن يحتفل به بفطير ” الإخلاص والحق” (1كو 5: 7، 8)، كان يأمر بعمل الفطير من الدقيق، كذلك قدس الأقداس، كان موسى يعطيه للآخرين لحمله بمعنى أنه كان يأمرهم بواجبات الأعمال ليتمموها. لكن سلمها لهم مغطاة ومحجوبة. أما الأكتاف فقد أظهرنا مرارًا بأنها في كثير من نصوص الكتاب المقدس، رمز الأعمال أيضًا من ضمن حفظ القوانين الكنسية، ألا يجب بأن يتممها الكل بدون أن يعلموا السبب. مثلاً وضع الركوع في الصلوات[4]، والاتجاه نحو الشرق بخلاف كل اتجاه آخر[5]. اعتقد بأنه ليس سهلاً، معرفة السبب بالعقل أيضًا بالنسبة لإدراك سر الافخارستيا، أو شرح الطقوس في تأدية هذا السر، أو طقوس سر المعمودية، مع مراسيمه ورموزه، والأسئلة والأجوبة الخاصة بها. من الذي يستطيع أن يشرح ذلك بدون صعوبة؟ لكن بينما نحن نحمل هذه الأثقال على أكتافنا مغطاة ومحجوبة، وعندما نتبع هذه الوصايا مثلما تسلمناها من الكاهن الأكبر وأولاده، إذن عندما نخضع لمثل هذه الأوامر بدون أن ندرك المعنى، فأننا نرفع على أكتافنا ونحمل السر الإلهي مغطى وملفوفًا إلا إذا وجد هارون أو أحد أبناء هارون، الذي له الحق في أن يراها عريانة ومكشوفة. وذلك غير مسموح لهم إلا بشرط أن يعرفوا واجبهم بأن يحجبوها ويغطوها، عندما يراد بأن تعطى للآخرين وتسلم لتتميم الأعمال.

 

أعمال الأعمال

         2ـ بعد ذلك قيل للاويين بأنهم في الخدمة من بداية سن 25 سنة حتى خمسين سنة. “كل لاوى” يقول الكتاب المقدس “ الذي يتقدم لعمل الأعمال وللأعمال التي تجلب من خيمة الاجتماع والذي يعمل عمل الخدمة فيها” (عد4: 47).

         تأمل هنا دقة الألفاظ في الكتاب الإلهي عندما تكون مسألة أعمال أولاد إسرائيل، أنه لا يقول عمل الأعمال، لكن الأعمال فحسب. عندما تكون خدمة اللاويين، أنه لا يقول الأعمال فقط، لكن أعمال الأعمال. كذلك أيضًا بجانب الأشياء المقدسة، يوجد “قدس الأقداس”، وبالمثل بجانب الأعمال يوجد “عمل الأعمال”، من هنا استخلص بأن موسى كان مدركًا بأنه توجد أعمال مرئية، لكن مليئة بمعنى سرى ومخفي عبر عنها ليس فقط بكلمة أعمال لكن “عمل الأعمال”، وتلك التي أدركها موسى بأنها عامة ومحدودة في الوقت الحاضر، قد دعاها ببساطة أعمال. إذًا يوجد “عمل الأعمال” بمعنى حسب رأيي كل التي كتبت سواء في النص الحاضر أو في سفر الخروج أو في أي كتب أخرى بموجب أسرار مختفية. والتي تتم جزئيًا في العهد الحاضر، وجزئيًا في العهد المستقبل. وفي غضون ذلك كما قلنا، عمل الأعمال ليست مخصصة لكل شخص لكن للاويين فقط.

 

العددان 25، 50

         واللاويين أنفسهم لم يستدعوا لهذه الأعمال إلا من سن 25 سنة حتى خمسين. في العددين 25، 50 الرموز المقدسة ليست غائبة[6]

         العدد 25 يعني كمال الخمس حواس بعملية ضرب 5× 5. هذا ما يثبت أن الإنسان الذي دعى لإنجاز عمل الأعمال في الأسرار هو الإنسان الكامل من كل نواحيه، بواسطة التعدد وطهارة الحواس. أما العدد 50 فإنه يتضمن رمزًا مقدسًا للعفو، والرحمة، وتوجد نصوص كثيرة عنه في الكتاب القدس أعطتنا مرارًا إثباتات عديدة عنه: فإنه في السنة الخمسين الذي تدعى عند العبرانيين “اليوبيل”، السنة التي يتم فيها إسقاط الملكية وحق الاستخدام، والديون كذلك اليوم الخمسون بعد الفصح قد أعطى كيوم عيد في الشريعة. كذلك عندما كان المسيح الرب في الإنجيل يعلم مثل العفو والرحمة، وضع في المثل مديونين الواحد مدين بخسمين والآخر بخمسمائة دينار. إذًا 50، 500 عددان نسبيان، حيث أن 50× 10 ـ 500 لكن هذا العدد هو مقدس لسبب آخر إذ  السبع سبعات نضيف إليها كمال العدد واحد، سنحصل على خمسمائة. كذلك إذا أضفنا لسبعين سبعة كمال العدد عشرة سنحصل على خمسمائة، وإذا أردنا أيضًا أن نجمع أمثلة أكثر للسر المتضمن في العددين 50، 500 نجد في هذا الكتاب أيضًا أعدادًا بين يدينا البعض يقدم لله الـ 50 من الغنيمة، أي الذين لم يذهبوا للحرب، البعض يقدم خمس الخمسات، وليس بدون سبب هنا يوجد العددان 50، 500 وفي سفر التكوين عندما طرح الله موضوع المغفرة لسدوم، فرئيس الآباء إبراهيم، لإدراكه هذه الأسرار بدأ بعدد 50 متضرعًا لله لصالح سدوم وقال: “عسى أن يكون خمسون بارًا في المدينة ألا تصفح عن المدينة من أجل الخمسين بارًا الذين فيها؟” (تك18: 24).

 

الأحجبة

         3ـ ولكن فلنعد لموضوعنا يجب على اللاويين أن يهتموا بالأشياء المقدسة حتى “سن الخمسين”. الذين في الدرجة الأقل يقومون بالأعمال، والأحسن يقومون “بعمل الأعمال”، بينما الذين هم أكثر سموًا فيجب عليهم أن يخدموا الأعمال الروحية، ويدخلوا “قدس الأقداس” (عد 4: 34)، هنا الأغطية التي يجب أن يغطي بها، وإعطاءه لأولاد قهات لحمله على أكتافهم وأخذه بأيديهم بينما الآخرون يرتبون كل واحد حسب رتبته. كما شرح كل هذا من قبل عدة مرات. ولكن لكي لا يسبب هذا الحذر الزائد للأغطية والاحجبة اليأس والحزن لدى السامعين سنحاول أن نكشف بعض النقاط التي نستطيع أن نعلنها بدون خطر والتي نستطيع أن نتأمل فيها بدون تجديف، لأننا قد دعينا مثلما قلنا من قبل: “ جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1بط 2: 9).

 

أمتعة الخيمة:

القديسون

         فلنفهم إذن أن خيمة الاجتماع هي مجموعة القديسين الذين يشملهم عهد الله. يوجد في هذه الخيمة شخصيات أكثر استحقاقًا وعلوًا في البر، بعضهم قد دعوا “منارة الضوء” هم بلا شك الرسل أنفسهم لأنهم يضيئون إلى الذين يقتربون إلى الله، ولكن آخرون أيضًا، في خيمة الله هذه يشيرون لكل الذين يدخلون نور المعرفة والحكمة، هؤلاء يحملون اسم المنارة الرمزي. وآخرون سيكونون “المائدة المقدسة” فهم كل الذين يمسكون خبز الله، الذي يجدد ويغذي النفوس “ الجائعة إلى البر” (مت 5: 6).

         آخرون سيكونون “مذبح البخور” فهم كل الذين ينشغلون ليل نهار في هيكل الله في أصوام وصلوات، والذين لا يصلون لأنفسهم فقط بل أيضًا لأجل كل الشعب، الذين قد أوكل الله لهم هذه الأسرار قد سمّوا “تابوت العهد”. والذين في ثقة قوية، بواسطة تقدمة الصلوات وفي تقريب الابتهالات والتضرعات، يصالحون الله مع الناس ويتوسلون إلى الله لأجل عصيان الشعب فهؤلاء سيدعون “مذبح الذهب”. والذين قد استحقوا فيض العلم وكثرة ثروة معرفة الله يستطيعون أن يكونوا “شاروبيم” حيث إن الشاروبيم تترجم إلى لغة آخرى: غزارة المعرفة.

 

المحمولون بواسطة الملائكة :

         لكن كل الذين قد قدموا بالرموز المتعددة أعلاه يجب أن يحملوا، ويحملوا على الأكتاف. لذلك فالملائكة ” الذين أرسلوا للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14)، هم في رأيي الحاملون لكل الذين قد ذكرناهم. حقًا عندما تطوي هذه الخيمة مرة أخرى، وعندما نبدأ الدخول هناك في القدس ونرحل نحو بلاد الموعد فالذين هم حقيقة قديسون يعيشون في قدس الأقداس وسيتقدمون موآزرين بواسطة الملائكة، وحتى تنصب خيمة الله مرة أخرى سيكونون محمولين على أكتاف الملائكة ومرفوعين على أيديهم.

         وأمام هذه الصورة قال النبي بالروح: “ لأنه يوصى ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك” (مز91: 11ـ12).

         الشيطان اعتقد بأنها يقصد بها المخلص، ولكن أعمته شراسته، فلم يفهم هذا الكلام السري لأن المخلص لم يكن في حاجة إلى الملائكة لكي لا تصدم بحجر رجله. الشيطان يجدف على الكتاب الإلهي بتطبيق هذه الكلمات على المخلص، أنه ليس لأجله، لكن لأجل جميع القديسين، قيل إن الله قد أعطى أمرًا لملائكته إكرامًا لشعبه لكي لا تصدم بحجر رجله. كل هذا المزمور ينطبق على الأبرار أكثر من انطباقه على المخلص. فالذي يحفظه الرب من ” الهلاك ومن شيطان الظهيرة” (مز91: 6)، ليس هو المخلص، هذه الفكرة بعيدة عنا، حاشا لله لأن كل إنسان مبرر، والأبرار هم الذين في حاجة إلى عون ملائكة الله، حتى لا تسحقهم الأبالسة، وحتى لا يحرق قلبهم “ السهم الذي يطير في الظلمات“.

         يؤكد بولس بنفس السر بأن البعض يجب أن يكونوا محمولين من الملائكة على السحب ” لكن نحن الأحياء، الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء” (1تس4: 16). فالذين قد قبلوا تنقية عميقة وقد أصبحوا منخفضين من أثقال الخطية سوف يختطفوا بواسطة الملائكة، أما الذين مازالوا مثقلين ببعض بقايا النجاسة فسوف يحملون ركائز الخيمة والأروقة وكل الأشياء التي قد عددت بواسطة الكتاب المقدس فهل تحمل إذًا بواسطة اللاويين وليس بواسطة الإسرائيليين لسبب سبق أن أوضحناه بطريقة عابرة فقط، حتى نترك لأفكار السامعين الذي أوقدت فيهم الرغبة الحارة لكى يغتنوا باشتعال أنفسهم بنور العلم، وليكتشفوا الحقائق الكبيرة بنظرة خارقة. أما نحن فنطلب من الرب أن يجعلنا محمولين أو مرفوعين بواسطة أمثال هؤلاء الحمال، وأن نكون محفوظين من السهم الذي يطير في الظلمات ومن الهلاك ومن شيطان الظهيرة، حتى لا تصدم رجلنا بحجر “حتى نصل إلى مكان الموعد بنعمة ربنا يسوع المسيح”. الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

[1] بمعنى الذي ليس هو فقط “قديس” مكرس لله بنعمته لكن “كامل” الذي يكون منفصلاً كلية عن الروح العالمية والجسدانية، ومنشغل كلية في رؤية الله.

[2] تمييز بين العلم والأعمال، الكمال والأقل الأولون يعلمون السر، والآخرون لا يرون إلا مظهره وينفذون وصاياه بدون أن يفهموها.

[3] هذه الفكرة بأن موسى كان يعرف كل السر بالروح، هجرها علم اللاهوت المسيحي في العصور التالية. واعتبر موسى مجرد مفسر جزئي للسر بينما كشف السر بملئه للمسيحي الذي أخذ من المسيح مفتاح معرفة الأسرار.

[4] يجب ثنى الركب عندما يقر بخطاياه لله، طالبًا منه الشفاء والغفران، هذا الوضع هو رمز الإنسان الذي يخشع والذي يخضع. يجب أن نقر بأن هذه الرموز هي الأكثر بساطة في فهمها لكل مؤمن أما الوضع العادي للصلاة فكان وضع الوقوف.

[5] كذلك من الذي لا يعلم أن الشرق يعني صريحًا بأننا يجب عند الصلاة أن ننظر لهذه الناحية وهذا رمز لنفس ناظرة نحو الشرق أي نحو النور الحقيقي.

[6] يجب ربط هذه الخواطر حول الرقميين 25، 50 بتلك المتعلقة بالرقمين 5، 10 (عظة 22: 1؛ تكوين 16: 6).وعند فيلون الأسكندرى الرقم 50 هو رقم الحرية الكاملة. وهو يقول عنه “هو أقدس الأرقام” (الحياة التأملية 8: 65)، واكلميندس الأسكندرى يقدم تفسيرًا مماثلاً لتفسير أوريجينوس “العدد 50 هو رمز للرجاء والغفران في يوم الخمسين” (المتنوعات 6: 87).

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الرابعة

إحصاء اللاويين وواجباتهم

المعنى اللفظي

         1ـ سفر العدد الذي يقرأ لنا، يحتوى على أعداد كثيرة[1] مختلفة منسوبة إلى أبناء الإسرائيليين. بعد إحصاء أبناء الإسرائيليين، يأتي إحصاء اللاويين، وهم بدورهم قد أحصوا أيضًا. أنهم لم يحصوا مع أبناء الإسرائيليين. وعددهم لحد ما معزول، إنه عدد ممتاز، أنهم كما يقال لنا، 22 ألفًا لا أكثر ولا أقل.

         بنفس الشروط التي للاويين، أي من سن شهر واحد فما فوق، ونحصل لأبكار أبناء الإسرائيليين على العدد 22272.

         من هذه التفاصيل هل تعتقد بأن موسى أراد أن يعلمنا القصة فقط، وأنه لم يخبئ بحسب عادته سرًا في هذه الأعداد المختلفة؟ هل سنعتقد بأنه قال بدون أي سبب إن عدد الأبكار الإسرائيليين يعطي فائضًا بعدد 273، وأن عدد اللاويين ليس له فائض ولا نقص بالنسبة لعدد 22 ألفًا.

 

الأعداد

         بدراسة الكتب الإلهية، سنجد فيها غالبًا العدد 22 الذي يشير لمكنون مهم. الحروف العبرانية عدد 22 حرفًا ثم نذكر 22 أبًا منذ آدم حتى يعقوب التي تشير إلى أصل الأسباط الاثنى عشر. ويقال أيضًا أن كل أنواع خليقة الله عددهم 22 وبالبحث بأكثر تدقيق، سنجد في اللاويين أي خدام الله، والأبكار أبناء الإسرائيليين الفخر بهذا العدد العجيب والمقدس. العدد 273 أضيف لأبناء إسرائيل، وهذا لا يبدو لي بدون قصد، بل لا أرى من السهل حل السؤال إذا لم يتنازل السيد الرب ويظهر لنا أسرار قلبه، وأن نرفع البرقع المطروح بواسطة موسى على ما كتب في هذا الجزء. فالجنين في الجنس البشري، حسب العارفين يحفظ في الرحم تسعة أشهر، لكن لا يبدأ أن يظهر بالولادة قبل أن يمضي ثلاثة أيام من الشهر العاشر وبذلك يظهر أن العدد 273 هو مجموع الأيام كلها أي مجموعة التسعة أشهر مع ثلاثة أيام من الشهر العاشر وهي الأيام الممسوح بها للجنس البشري حتى يدخل في هذا العالم.

         وبالتالي العدد يبين مجازيًا مجموع جميع الخليقة مجتمعة والمزيد الذي نجده للأبكار في إسرائيل يوضح سر توالد البشرية.

 

رتب اللاويين ووظائفهم

وبعد ذلك قسموا أبناء لاوى إلى 3 رتب وكل رتبة أحصيت تحت أسم العشيرة. هنا أيضًا يلاحظ اختلافات تخبئ أسرارًا. فرتبة أبناء قهات هي التي أحصيت أولاً، السبب هو لأنه من هنا قد خرج موسى وهارون الذي تسلم الكهنوت الأعظم. لأنه من قهات قد ولد عمرام، ومن عمرام ولد موسى وهارون. جرشون يأتي ثانيًا مع أنه الأول بالميلاد إلا أنه وضع بالصف الثاني، وينص الكتاب المقدس فعلاً هكذا “أبناء لاوى، جرشون وقهات ومراري” أبناء قهات قسموا إلى رتبتين: أولاد هارون يتولون الكهنوت والآخرون لخدمة الكهنة. ولهذا السبب قسمت واجبات اللاويين إلى 4 أجزاء هارون وأولاده يقومون بالكهنوت. أعضاء عشيرة قهات الآخرين يحملون الأقداس على أكتافهم. أولاد جرشون ينشغلون بما يختص بخيمة الاجتماع أو ملحقاتها، وبالجلود، البساط، وبكل ما هو أقل صلابة وأكثر خفة للحمل. أولاد مراري يحملون “أعمدة الخيمة” قاعدتها، قضبانها، التي تساعد على قفل الخيمة. لهذا السبب نبه الكتاب المقدس في تعدادهم على أن تحصى قوة مراري حيث إنه يجب توافر القوة لحمل مثل هذه الأحمال.

 

الأربع رتب في السماء

2ـ ولكن فلنرجع لبولس الرسول الذي إذ كان ينظر كل هذا بأعين بصيرة مستقلة من الآن فصاعدًا وغير مرتبك بأي تعصب، خالعًا ضباب العهد القديم وهو يقول إن في هذه المساكن كان شعب الله السابق لا يخدم سوى صورة وظل الحقائق السمائية. وبقوله هذا تكون الأربع رتب في المحلة ليست إلا صورة وظل للأربع رتب التي قصدها بولس في رسالته إلى العبرانيين. وتضاف إلى أربع رتب المحلة الإسرائيلية، أربع رتب اللاويين. فإنه ليس من الضروري أن نبسط وأن نوضح هذا، يكفي أننا أدركنا هدفه، مع افتراضنا بأن البعض يأتون هنا بأفكار نقية، خالية من هموم العالم.

 

أبناء قهات

قال الكتاب المقدس “خذ عدد بني قهات من بين بني لاوى” (عد4: 2)، إذن يأتي أبناء لاوي، برتبة من الأعداد الأخرى وهم قد أحصوا “من ابن شهر فصاعدًا“. نحسب الآن أبناء لاوى “من سن 25 سنة” وليس كالآخرين من سنة 25 سنة فصاعدًا، ولكن حتى سن الخمسين. وهذا العدد عدد ممتاز، عدد مختار، حيث إن الكتاب المقدس يضيف “كل رجل في الجند ليعمل عملاً في خيمة الاجتماع” مثل الذين يكونون عددًا عظيمًا وممتازًا. هكذا بالنسبة لأبناء إسرائيل قد قيل ” كل خارج للحرب يحصى مع أبناء إسرائيل” وأيضًا قد قيل هنا كل واحد خارج ليخدم في أعمال خيمة الاجتماع (عد1: 45؛ 4: 3).

 

أعمال الخيمة

         ثم توصف ما هي أعمال ” أبناء قهات من بين بني لاوي، حسب عشائرهم يعملون” في خيمة الاجتماع. ” يأتي هارون وبنوه عند ارتحال المحلة وينزلون حجاب السجف ويغطون به تابوت الشهادة” (عد4: 5)، ثم دونت سبعة من الأشياء التي يجب أن تكون مغطاة:

أولاً: الأثمن من الكل “تابوت الشهادة” سيغطي “بالحجاب” الذي سيخفي من الأمام ويجعلون عليه غطاء ” من الجلد باللون الاسمانجوني“.

ثانيًا: “المائدة” التي ستغطي.

ثالثًا: “منارة الضوء”.

رابعًا: “مذبح الذهب”.

خامسًا: جميع أمتعة الخدمة التي يخدمون بها في “القدس”.

سادسًا: “أمتعة المذبح” التي توضع مع أغطية أخرى.

سابعًا: “المناضح”. ولا يترك شئ من كل ذلك مكشوفًا وبدون حجاب.

أخيرًا: قد أضاف التعليم “لا تحذف من سبط عشيرة قهات” حتى يعلموا أنهم يجب أن يخدموا. إذًا لمسوا هذه الأشياء لنقلها إن لم تغط أولاً من الكهنة فأنهم يموتون.

 

تخصيص للكنيسة لحفظ الأسرار : (تطبيق على الكنيسة)

         نعود الآن لهذه الخيمة التي هي “كنيسة الله الحي” وننظر كيف يجب أن نتمم كل هذه التعاليم بواسطة كهنة المسيح. إذا كان أحد منكم كاهنًا بالحقيقة التي عهدت إليه بالإناء المقدس، وهذا يعني أسرار الحكمة السرية، فليتعلم من هذا النص وليلاحظ الطريقة التي يجب أن يحفظ بها هذا الإناء المقدس تحت حجاب الضمير وأن لا يعرضها بسهولة للشعب. فأن كان ملزمًا أن يعرضها وأن يسلمها للمرؤوسين أي للجهلاء فعليه أن لا يعرضها بدون غطاء وأن لا يظهرها كذلك بدون غطاء وأن لا يعرضها بسعة، وإلا أرتكب جريمة القتل ويحذف شعبه من الجماعة. لأنه حقًا يحذف كل إنسان يلمس الأسرار بدون أن يكون قد حمل رتبة كهنوتية باستحقاقاته وبعلمه. حيث أنه لا يسمح بهذا إلا لأولاد هارون، هذا يعني أن الكهنة يرون علنًا وبطريقة مكشوفة تابوت الشهادة ثم المائدة ثم منارة الضوء وكل الأشياء التي قد سبق أن دونت. أما الآخرون فإنهم يرونها مغطاة أو بالأحرى يحملون هذه الأشياء “محجوبة على أكتافهم” (عد7: 9).

 

درجات كهنوتية

         أولاد قهات رغم أنهم لم يكونوا كهنة، ولكنهم مناسبون جدًا، ويستطيعون أن يحملوا هذه الأشياء على أكتافهم، والآخرون يضعون أثقالهم وأشياء كهنتهم ليس على أكتافهم. بل على عجلات. ولكن نستطيع مطالعة هذا النص، والتكلم عما ذكر فيه عن العجلات نقول أنه قد أعطى لكل سبط عجلات، فأخذ أولاد مراري أربع عجلات وأخذ جرشون أثنين. لكن الذين هم في درجات أعلى لا يأخذون عجلات.

         تأمل إذن الطريقة التي وزعت بها وظائف كهنة الله، الأشياء المقدسة لا تعطي للحيوانات ليحملوها، فإنه يجب أن الإنسان العاقل هو الذي يحمل على أكتافه الأواني التي تستخدم في قدس الأقداس. الأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة تعطي لحملها لا لكائنات عاقلة بل للحيوانات. في هذه الحالة الثانية، يوجد أيضًا تمييز يجب وضعه في الاعتبار. فالذين في الخدمة المختصين بالأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة لديهم حيوانات أكثر عددًا. فلقد أعطيت أربع عجلات لبني مراري لكن عجلتان تكفيان لبني جرشون. الذين يشبهون بني قهات، ويتبيّن من ذلك أن الأعمال الأكثر صلابة ونوعًا ما أكثر خشونة لها عدد أكثر من الحيوانات لكن من ضمن الذين يكونون مثقفين وعالمين بهذه الأمور، عدد بسيط منهم فقط يقوم بالنشاط  الخاص بالكائن الحي حيث لا يحق “للإنسان الطبيعي” (1كو2: 14)، أن يقترب من الأشياء السرية، والتي لا تكون منظورة إلا للكهنة، لكن حتى هؤلاء لا يقتربون منها كلهم، إلا الذين لهم بعض الدراية ولكن لم يصلوا بعد باستحقاقاتهم وسلوكهم إلى كمال نعمة الكهنوت. وعلاوة على ذلك فإنهم لا يرونها إلا ” فى مرآة وفي لغز“، فهم يتسلمونها مغطاة ومحجوبة وسيحملونها على أكتافهم، حتى لا يعرفوها أكثر في فعل الأعمال أكثر من اكتشافها بالعلم.

         إذًا بما أن هذه هي الطريقة التي بها يوزع الله أسراره وينظم عمل كهنوته للأشياء المقدسة، يجب علينا نحن أن نكون أهلاً لرتبة الكهنوت، حتى لا يفرض علينا أثقال ثقيلة مثل الكائنات غير العاقلة بل كأناس عاقلين ومقدسين، نكلف بوظائف كهنوتية لأننا ” أمة مقدسة كهنوت ملوكي وشعب اقتناء” (1بط2: 9)، بشرط أن نتلاقى باستحقاقات حياتنا مع النعمة المعطاة لنا وأن نكون أهلاً للكهنوت المقدس، حتى نكون بعد خروجنا من هذه الحياة، مستحقين أن نؤخذ، كما قلت أعلاه من ضمن كهنة الله، وأن نكون ضمن خدمة تابوت العهد، بمعنى الأسرار الغير معلنة، ونتأمل مجد الله بوجه مكشوف وندخل في الأرض المقدسة التي سيعطينا إياها ربنا يسوع المسيح كميراث لنا والذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] هذه العظة حافلة بالخواطر العددية. وبهذا المعنى فهي تعتبر وثيقة هامة فيما يخص تاريخ التعامل مع الأعداد. نحن نعرف أن مبادئ هذه الطريقة تعود إلى فيثاغورس ولكن أفلاطون وأرسطو ساهموا فيها أيضًا ومن خلال الإنتاج المسمى (الأعداد اللاهوتية)، يلتقى الرواقيون مع الفيثاغورثيين.. يبدو أن الأعداد كانت شيئًا مشتركًا بين كل الطوائف فقد استعملها فيلون قبل أكليمندس وأوريجينوس في شرح الكتاب المقدس. والقديس أوغسطينوس نقل إلى العصور الوسطى عادة البحث عن المعنى في أعداد الكتب المقدسة ويمكن استعمال الأعداد في كل اتجاه. وهنا في هذه العظة يستخدم أوريجينوس الأعداد لكي يؤكد نظرته إلى الدرجات الروحية.

 

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الثالثة

اللاويون

كيفية الاستفادة من كلمة الله

         1ـ لقد كتب في موضوع المن في ذلك الزمن أنه إذا التقطوه حسب الشروط التي أمرهم بها الله، كان صالحًا للأكل: لكن إذا أرادوا أن يلتقطوه بطريقة مخالفة للأوامر الإلهية وبخلاف الطريقة التي عينها الله، في هذه الحالة كان لا يصلح أبدًا لحفظ الحياة وكانت تكثر فيه الديدان. إذًا نفس النوع من المن لا يعطى للبعض إلا الديدان والعفن. بينما كان يقدم للآخرين طعامًا لحفظ الحياة. والكلمة الإلهية هي مَن بالنسبة لنا؟ والكلام الإلهي، عندما يأتي إلينا، فأنه يجلب للبعض السلام، ولكن لآخرين اللعنة، لذلك فأنه يبدو لي أن الرب والمخلص الذي هو ” كلمة الله الحي” (1بط1: 23)، كان يقول مصداقًا لذلك ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمي الذين يبصرون” (يو9: 39). فمن الأفضل للبعض أن لا يسمع أبدًا كلمة الله، بدلاً من سماعها بنية سيئة أو سماعها بنفاق، نقول كان من الأفضل من وجهة النظر الأقل سوءًا. لكن الأفضل والأصح من وجهة الصواب والكمال، هو أن المستمع لكلمة الله يسمعها بقلب نقي بسيط، يسمعها بقلب مستقيم ومتهيئ جيدًا، لكي تثمر وتنمو كما في الأرض الجيدة.

قلنا هذا بطريقة تمهيدية لبعض السامعين الذين يأتون بأذهان تفتقر للبساطة والإيمان. أريد أن أتكلم عن بعض طالبي العماد (الموعوظين) الذين يجب أن يضاف إليهم بعض المُعَّمدين ” لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون” (رو9: 6)، وكل الذين قد عمدوا في الماء لم يعمدوا في نفس الوقت بالروح القدس. وبالعكس في عداد طالبي العماد، ليس الجميع غرباء عن الروح القدس. أجد حقًا في الكتب الإلهية أن من طالبي العماد من استحقوا الروح القدس وآخرين بعدما عمدوا كانوا غير مستحقين لعطايا الروح القدس. كرنيليوس كان من طالبي العماد، وقبل أن ينزل في الماء استحق أن يحصل على الروح القدس، وسيمون اعتمد، لكن لأنه اقترب للبر بمكر، فقد حرم من موهبة الروح القدس، فلا نشك في هذه الأمور. يوجد الآن في الشعب طالبو عماد، مثل كرنيليوس الذين هم مستحقون أن نقول عنهم ” صلواتك وصدقاتك صعدت تذكار أمام الله” (أع10: 4)، وبالعكس يوجد ضمن شعب المؤمنين أناس مثل سيمون يجب أن يُقال عنهم بجرأة “ رجل ممتلئ كل غش وكل خبث ابن إبليس وعدو كل بر[1] (أع13: 10)، إنني أقول هذا لإصلاح نفسي كما لإصلاح الحاضرين، حيث أني أنا أيضًا واحد من الذين يسمعون كلام الله.

 

النص

         2ـ لكن فلنسمع الآن بماذا كلم الله موسى: “ وكلم الرب موسى قائلاً وها إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل، بدل كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل فيكون اللاويون لي لأن لي كل لي بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر قدست لي كل بكر في إسرائيل من الناس والبهائم لي يكونون أنا الرب” (عد3: 11ـ 13)، اللاويون تم اتخاذهم بدلاً من الأبكار، مع إنهم ليسوا أبكارًا قط. لاوى كان الابن الثالث من ليئة، رأوبين كان الابن الأول، شمعون كان الثاني، لاوى كان الثالث رجال ليسوا أبكارًا بحق الولادة قد تم تبنيهم كأبكار.

 

من هم الأبكار

         هل ينبغي أن نعتقد بأن هذه التفاصيل المذكورة في ناموس الله ليس لها فائدة؟ ألا يعلمنا هذا بأن الذين اعتبروا أبكار أمام الله ليسوا هم أبكارًا بالميلاد الجسدي، بل الذين اختارهم الله أبكارًا نظرًا لحسن استعدادهم، هذا مثلما صار يعقوب بكرًا حسب أمر الله وقد حصل على بركات البكورية بسبب عمى والده بترتيب الله حيث إنه بسبب حسن استعداد قلبه الذي رآه الله فيه “قبل أن يولد في هذا العالم أيضًا وقبل أن يعمل أعمالاً سيئة أو حسنة يقول الرب عنه ” أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” (ملاخي1: 2، 3)، إذن فأبناء اللاويين ليسوا إذن هم الأبكار بحسب الجسد، لكنهم تم تبنيهم كأبكار، وذلك امتياز كبير أن نكون مُتبنين كأبكار دون أن نولد أبكارًا.

 

استقامة اللاويين

         “ ها إني قد أخذت اللاويين من وسط بني إسرائيل“. نستطيع أن نقول بأكثر بساطة ” إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل” لماذا نضيف من وسط بني إسرائيل؟ من أي وسط؟ لاوى كان الثالث من أبناء إسرائيل، كما ذكرنا أعلاه. من أي وسط أخذ اللاويون؟ أريد أن أعرف. ذلك أجده في الكتابات المقدسة، أن الشونمية الطوباوية التي أطعمت ذات يوم نبيًا أجابت بيقين نبي إسرائيل، النبي أليشع الذي أراد أن يمنحها مكافأة، “ أنا ساكنة وسط شعبي“. لكني أرى نصًا أمجد وأكثر جمالاً في إنجيل ربنا يسوع المخلص عندما قال يوحنا “ في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه” (يو1: 26)، نستطيع أن نقول عنه بأنه ” لم يمل أبدًا يمينًا ولا يسارًا، وأنه قائم في الوسط” (عد20: 17)، ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط2: 12). لهذا السبب قيل عنه بأنه قائم دائمًا، بأنه في الوسط. لكن لم يذكر عن كل الذين يقتدون به أى عن القديسين، والمرأة الطوباوية التي ذكرناها أعلاه، بأنهم قائمون في الوسط. لأنه من المستحيل أنهم لا يميلون أحيانًا سواء يمينًا أو يسارًا. ليس أحد طاهرًا من كل النجاسة حتى ولو كانت حياته يومًا واحدًا، ولكن قيل أنها ساكنة في وسط شعبها “واللاويون إذًا قد أخذوا من وسط أبناء إسرائيل”.

         حقًا اللاويون هم الذين لم يعرفوا يمينهم ولا يسارهم، لكن باتباع موسى أي ناموس الله لم يحابوا أبًا ولا أمًا. أما وأنت عندما تأتي التجربة، عندما تأتي النصرة على الخطية إذًا ” لم تمل يمينًا ولا يسارًا” (عد20: 17).

         إذا لم تنحرف عن ناموس الله، إذا أقمت في الوسط راسخًا وغير متزعزع. إذا لم تحن الركب أمام الخطية، إذا لم تصبح تابعًا لرأس حاشية، صورة للغباوة[2] والحماقة ستكون ” مأخوذًا من وسط أبناء إسرائيل وستكون محسوبًا مع أعداد الأبكار هذا حسب النص “وسآخذ اللاويين من وسط أبناء الإسرائيليين” (عد3: 12).

 

ترتيب اللاويين في المحلة:

         لكن إذا أردتم فلنرجع مرة أخرى في الشرح عن القصة المذكورة في التعداد، ولنفحص في سر الأبكار أين وكيف يجب أن نرتب أبحاثنا. فلنتذكر بأكثر تدقيق عن الطريقة التي فيها كان الاثنى عشر سبطًا موزعين ثلثة بثلاثة في أربع مجموعات واستقروا في الأربع جهات الرئيسية. فنجد يهوذا ثبت في الشرق مع يساكر وزبولون، رأوبين في اليمين (الجنوب) مع شمعون وجاد، في الغرب أفرايم مع بنيامين ومنسى، في الشمال دان مع نفتالي وأشير، بينما كانوا متوزعين في محيط دائرة لأربع جهات، فاستقر اللاويون في وسطهم، حول خيمة الاجتماع لأنهم هم الأكثر قربًا من الله. في محلة يهوذا موسى وهارون يأخذان مكانًا. في محلة رأوبين، جرشون في محلة بنيامين قهات، هناك حيث استقر دان، أبناء مراري أيضًا اللاويون يبدو أنهم استقروا في الدائرة من جميع نواحيها، في وسط أبناء إسرائيل، مختلطين مع الآخرين ومتداخلين معهم.

         هذا ما تعرضه لنا الشريعة، حتى أننا نحصد محصول الأسرار وحتى نستخدمها كدرجات لنصعد من الأشياء السفلى إلى الأشياء العليا، ومن حقائق الأرض إلى حقائق السماء. والآن أيها السامع، أصعد إذا استطعت، أصعد فوق الأفكار الأرضية هذا بفضل التأمل العقلي وبفضل القلب البصير إنسَ الأرض لبعض الوقت، أصعد إلى سحب السماء بمجهود ذكائك أبحث عن خيمة الله[3]، حيث يسوع قد دخل ” لكي يعد لنا الطريق” (عب6: 20)، وحيث “يظهر أمام وجه الله” ليشفع فينا. أبحث هناك عن هذه الرايات الأربع، وعن هذه المواضع التي للمحلة. أنظر إلى الجيش الإسرائيلي والحرس المكون من القديسين، وأبحث عن أسرار الأبكار موضوع بحثنا الآن.

 

الرتب الأربع في السموات

         لكن لا أجرؤ على الصعود فيها وحيدًا، ولا أجرؤ أن ألقي بنفسي في هاوية أسرار عميقة جدًا بدون أن أكون مسنودًا بسلطة عالم عظيم.. لا أستطيع أن أصعد إلى السماء إن لم يسبقني بولس، وإن لم يدلني بولس على الطريق لهذه الرحلة المجهولة الصعبة.

         إذًا بولس هو الرسول العظيم، هو الذي يعرف بأنه يوجد على الأرض، كذلك في السموات، عدد كبير من الكنائس والتي لم يذكر منها يوحنا الرائي سوى سبعة. بولس الرسول هو الذي يشير بأنه يوجد على وجه الخصوص ” كنيسة للأبكار” (عب12: 18ـ 23)، قال في رسالته للعبرانيين “ لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار، لكن قد أتيتم إلى جبل صهيون، إلى أورشليم السمائية إلى كنيسة أبكار، إلى مدينة الله الحي، وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات“. موسى يقسم شعب الله ويوزعه إلى أربع جهات على الأرض. والرسول يميز أربع رتب من القديسين في السموات من الواحد أو الآخر الذين يقول عنا بأننا ندنو منهم. حيث أن كل العالم لا يأتي إلى كل الرتب. الواحد يأتي إلى “جبل صهيون” والذين يكونون أفضل بعض الشئ يأتون إلى أورشليم السمائية، مدينة الله الحي والذين يكونون أكثر علوًا يدخلون إلى “ربوات هم محفل ملائكة” والذين يكونون فوق كل هذا يدخلون إلى ” كنيسة أبكار مكتوبين في السموات“. إذن إن فهمت من هذا النص ما هي رتب الأبكار وما هو السر المختبئ في هذا العنوان. استعد واجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك في حياتك في عاداتك، في إيمانك في طريقة تصرفاتك لكي تستطيع أن تأتي إلى ” كنيسة الأبكار التي هي مكتوبة في السماوات“. إن لم تستطيع، إن كنت أقل من هذه الدرجة اقترب من ربوات الذين هم محفل ملائكة، أن لم تستطيع أن تصعد إلى هذه الدرجة، اجتهد على الأقل أن تصل إلى مدينة الله الحي أورشليم السمائية. لكن إذا كنت أيضًا غير قادر على ذلك حاول على الأقل أن تتوجه نحو جبل صهيون (تك19: 17). لكي تخلص على الجبل يكفي أنك لا تبقي على الأرض أنك لا تسكن في الوديان، بأنك لا تبطئ في الأراضي المغمورة.

بذلك يبدو لي بأنه يجب أن نفهم الاختيار لرتبة الأبكار أبناء اللاويين، خدام الله الذين يؤدون الخدمة الهيكلية في الخيمة ويتممون الخدمة الإلهية بيقظة لا تنقطع.

 

فاتح الرحم :

أما من جهة ما قد قيل ” عن كل بكر الذي يفتح الرحم“، هذا لا يبدو سهلاً في فحصه وفي شرحه. حيث أن كل طفل فاتح رحم لا يجب على الفور أن يكون مستحقًا للرتبة المقدسة كرتبة البكر إذ أننا نقرأ في جزء آخر في المزامير بأنه ” زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا” (مز58: 3). ويجب أن لا ندرك هذا بالمعنى الحرفي.كيف نستطيع فعلاً أن نضل عن طريق الله بمجرد الخروج من أحشاء الأم؟ أو كيف يستطيع أن يكذب، الطفل الذي ولد لساعته، كيف يستطيع أيضًا أن ينطق بأية كلمة؟ بما أنه من المستحيل أن يضل منذ الخروج من أحشاء الأم، أو أن يكذب، يجب إذًا أن نبحث عن أحشاء أو رحم يمكن أن ينطبق عليها هذا الكلام. زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا، هذا الرحم سيكون المفتوح بواسطة كل بكر مكرس لله. فتح الله يومًا رحم ليئة الذي كان مغلقًا وولدت للعالم آباء، كذلك فتح رحم راحيل لكي ترزق أيضًا بأطفال، راحيل التي “كانت حسنة الصورة وحسنة المنظر” سنجد نصوص كثيرة أخرى في الكتاب المقدس عن فتح الرحم.

         إذا درست هذه النصوص مع مقارنتها ببعضها ستكتشف أي معنى ينطبق على النص ” زاغ الأشرار من الرحم” بينما كان الآخرون بافتتاح الرحم، مكرسين لرتبة الأبكار.

 

أبكار الله وأبكار السوء

         قال الكتاب المقدس ” واللاويون سيكونون للرب لأن لي كل بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر، قدست لي كل بكر“. نعلم المعنى التاريخي لهذا النص، نعرف كيف ضرب كل بكر في أرض مصر، عندما خرج الشعب الإسرائيلي من مصر، هذا هو معنى النص، أبكار إسرائيل لا يتكرسون سوى مرة واحدة عندما ضرب أبكار المصريين، سبب تقديسهم هو موت وإبادة المصريين، ونستنتج من ذلك بأنه يوجد أيضًا أبكار في مصر[4]، بمعنى عند الرياسات المضادة نوع من المختارين للخبث، أوائل من الأبالسة. فإن لم يبددوا أبكار المصريين لكان من غير المستطاع إطلاقًا أن يتقدس أبكار الإسرائيليين، إذًا من هو الذي ضرب “ رياسة وسلاطين الأبالسة” (كو2: 15)، ألم يكن ربنا يسوع المسيح بكر كل خليقة الذي تسلط على الرياسات والسلاطين المضادين، بعدما ظفر عليهم على الصليب. لكن لكي يعطينا بركات الأبكار فقد صار أولاً بكرًا من الأموات لكي يكون الأول في كل شئ وأيضًا حتى يعتبرنا نحن الذين نؤمن بقيامته، كأبكار ويضعنا في رتبة الأبكار، إذًا يجب أن ننظر إلى البركات راسخين حتى النهاية، مؤيدين برحمة ربنا يسوع المسيح نفسه الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] أوريجينوس يميز نوعين من المعمودية، معمودية الماء ومعمودية الروح القدس. أنه يعتقد بأن الأولى غير مؤثره ولكن أوريجانوس يعتبرها كعلامة لنظام مرئي ويحمل حقيقة المعمودية بالروح. المكر يقوم أساسًا على الحصول على العلامة بدون الواقع الذي تشير إليه العلامة.

[2] التلميح هنا إلى العجل الذهبي.

[3] خيمة الأزلية، تعني السماء بحصر المعنى والخيمة هي رمزها، أوريجينوس يدعو السامعين إلى الدخول إلى السماء التي هي جزء هام من فكره الأسخاتولوجي وهي موضوع العلم عنده.

[4] مصر عند أوريجانوس هي بلاد الأبالسة.

 

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

 

العظة الثانية

تنظيم المحلة

 

         1ـ تعلمنا من الدرس الأول للعدد أن جيش الله، بعد خروجه من مصر وسفره وسط الصحراء، قد فحص، بمعنى أنه أحصى وعد من قبل موسى وهارون ووزع بين الأسباط، وهذا الجيش كان مقدرًا بعدد معين، وقلنا عندما شرحنا هذا التعداد بالنسبة لمشمول الكتاب، بأنه يصف الطريقة التي بها ذهب شعب الله خارجًا من هذا العالم نحو أرض الميعاد، أي نحو أرض السلاطين. أو نحو مجد ملكوت السموات ونحو حيازته، لقد كان منقادًا حسب بعض التصنيف وحسب درجة الاستحقاق لكل واحد ويوضح ذلك بمراسيم الشريعة وتخطيط “ظل” لمعاني ” الخيرات العتيدة” (عب10: 1).

 

الترتيب بموجب موسى وبولس الرسول

         اليوم يعلمنا الدرس الذي قُرئ بأية طريقة قد نصب خدام الله ترتيب المحلة بواسطة الذين ” لا يختلطون بأمور العالم”. وكلم الرب موسى وهارون قائلاً بأن يجلس بنو إسرائيل في المحلة كل واحد على حسب رتبته، وبحسب رايته، وعلى حسب بيوت آبائهم، وبأن بني إسرائيل “يجلسون قبالة خيمة الاجتماع وحولها”، وبأن كل رجل يتقدم في المحلة على حسب رايته وعلى حسب بيت آبائه” (انظر عد 2: 1ـ 2).

         قال بولس الرسول من ناحيته “وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب” (1كو14: 40). ألا يبدو بأنه هو نفس روح الله الذي تكلم به موسى؟ وتكلم به بولس الرسول، موسى أمر بأن يسيروا بترتيب في المحلة، وبولس يعطي التعليم لكل شئ بحسب ترتيب في الكنيسة. موسى الذي كان يخدم الناموس يأمر بأن يحفظ الترتيب في المحلة، بولس الرسول خادم الإنجيل يريد أن يحترم المسيحي الترتيب ليس فقط في أعماله بل وأيضًا في ملابسه. قال أيضًا “ كذلك النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة” (1تي2: 9)، وأختم بأنهما لا يريدان فقط بأن يحفظ الترتيب في تتميم الواجبات وفي الملبس، بل يعنيان أنه يوجد أيضًا ترتيب للنفس، وعلى هذا الترتيب ينطبق النص، كل واحد يتقدم بحسب رتبته.

         هذه الرتبة تعرف خاصة بثمارها، بالأعمال إلاَّ أننا نعرفها أيضًا بعظمة الأفكار حيث إنه كثيرًا ما يحدث بأن شخصًا ما ليس عنده إلا أفكار دنيئة ووضيعة ويتلذذ بالماديات الأرضية، ويصل بحيلة لرتب مرتفعة في الكهنوت أو في منبر المعلمين، وأن شخصًا آخر روحانيًا متحررًا من الانشغالات الأرضية ويستطيع أن يفحص كل شئ “ ولا يحكم فيه من أحد” (كو2: 15)، يشغل أقل رتبة في الكهنوت أو يكون معدودًا مع عامة الشعب، وهذا في نفس الوقت هو احتقار لتعاليم الناموس وتعاليم الإنجيل، ولا يكون هذا العمل بحسب ترتيب.

         ونحن أيضًا إذا كنا منزعجين ومهتمين بالمأكل والمشرب ولا ننشغل إلا بمنافع هذا العالم، إذا كنا لا نعطي لله إلا ساعة أو ساعتين كل يوم في الذهاب إلى الكنيسة للصلاة أو لسماع كلمة من كلام الله إذن نحن نعمل على الأخص لإشباع احتياجاتنا العالمية، ولإرضاء احتياجات المعدة. وبذلك لا نتمم التعليم الذي يقول “يسير كل واحد على حسب رتبته”، أو التعليم الذي يقول ” وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب“. فالترتيب الذي وضعه الرب المسيح هو أن ” نطلب أولاً ملكوت الله وبره” (مت6: 33)، وأن نؤمن بأن ” كل هذه سيزيدها الله لنا”، وإن كل إنسان “يسير حسب رتبته”.

         أتعتقد بأن الذين لهم لقب قسوس، الذين يفتخرون بانتسابهم لرتبة الكهنوت، يسيرون على حسب رتبتهم ويعملون كل ما يصلح لرتبتهم؟ على هذا النمط أتعتقد بأن الشمامسة يسيرون على حسب رتبة الشماسية لخدمتهم؟ إذن من أين يأتي ما نسمعه أحيانًا من أناس مجدفين يقولون أنظر هذا الأسقف. هذا القسيس. هذا الشماس؟ ألا يقال كل هذا عندما نشاهد الكاهن أو خادم الله يقصر في واجبات رتبته ويخالف الرتبة الكهنوتية ورتبة اللاويين؟

         ماذا سأقول عن العذارى، وعن النساك، أو عن كل الذين يقومون بخدمة دينية؟ إذا قصروا من جهة الحشمة والاحتشام، والرزانة، ألم يتهمهم موسى في الحال ويقول لهم “ بأن كل رجل يسير على حسب رايته” (عدد2:2)، إذن كل واحد يعرف رايته، بأن يفهم ما يلزم للرتبة التي يشغلها بأن يزن أعماله، وينظم أيضًا كلماته وتصرفاته وأيضًا ملابسه لكي تتفق مع مقتضيات الرتبة التي انتسب إليها، حتى لا نسمع قول الله الذي يقول ” أسمى يجدف عليه بين الأمم بسببكم” (مز36: 20ـ 23).

 

العلامات، درجات الاستحقاق

         2 ـ انظروا من وجهة أخرى ما تعنيه “وعلى حسب رايتة” ومن رأيي أن الرايات هي العلامات التي يتميز بها كل فرد من الأفراد، مثلاً كل الرجال يتشابهون لكن توجد علامة خاصة مميزة لكل واحد، وفي تقاطيع وجهه، في القوام، في الهيئة، في الملبس، وهذه المميزات هي التي تميز بولس عن بطرس. أحيانًا أيضًا ليس من الضروري أن يظهر المرء نفسه لكي نرى العلامة المميزة له. فمن صوته، من نبرات حنجرته، يُعرف الشخص، وكل واحد يُعرف بعلامة خاصة. خارجًا عن كل رؤية جسدية بنفس الطريقة أعتقد أنه توجد في النفوس علامات مختلفة.

         إحداها: عندها حركات عذبة لذيذة جدًا، ساكنة، هادئة، متساوية. الثانية لها علامات منزعجة، فخورة، خشنة أكثر شدة، أكثر غضبًا. الواحدة يقظة، حكيمة بصيرة واعية، نشطة؛ والأخرى كسولة مسترخية، مهملة، غافلة. والبعض يكون لهم علامات أكثر والآخرون يكونون أقل. ويمكنني التأكيد أنه ربما يوجد اختلاف بين النفوس البشرية كما يوجد اختلاف بين الوجوه مثلما يبينه هذا القول، الذي خطر ببالي من سليمان الحكيم: “ كما الوجوه تختلف عن الآخر كذلك قلوب الناس تختلف” (أم27: 19س).

         ” كل واحد” كما يقول موسى ” يسير على حسب رايته” بمعنى أن الذي له علامات سفلية ودنيئة يسير بأكثر فجر أو أكثر غطرسة والتي لا تناسب علامات روحه. لكي نوضح أيضًا هذا الاختلاف للعلامات، سنضيف هذه المقارنة. كل الذين قد تعلموا القراءة والكتابة يعرفون جيدًا 24 حرفًا، إذًا درسوا أصول الكتابة باليونانية و 23 حرفًا إذا درسوها باللاتينية. أنهم يستخدمون في الكتابة كل ما لديهم للكتابة. ومع هذا فالألفا A في كتابة بطرس تختلف عن الألفا في كتابة بولس. وكذلك سنجد بأن كل رجل يعرف الكتابة له علامات خاصة به في الكتابة لكي ينسخ كل حرف من حروف الهجاء. أيضًا نستطيع التعرف على بعض العلامات وعلى بعض الإشارات لليد التي كتبت حرف الهجاء. فالحرف B واحد، ولكن في تشابه الحروف يسجل اختلاف العلامات.

         لو ظهر لك المثال واضحًا فأنه يمر خلال تحركات العقل ونفوس الذين يكونون وسائل الأعمال، انظر ” الصك المكتوب علينا” (كو2: 14)، وانظر مثلاً كيف أن روح بولس تميل نحو الطهارة، وروح بطرس كذلك. لكن طهارة بولس لها مميزات خاصة به وطهارة بطرس لها مميزات أخرى، حتى لو ظهرت أنها نفس الطهارة وطهارة الواحد تلزم إقماع الجسد “وتستعبده” وقال أيضًا “خوفًا من”[1] فطهارة الآخر لا تخشى ما معناه “خوفًا من” (1كو9: 27).

         كذلك البر له بعض من الخواص لبولس ولبطرس. كذلك الحكمة وكل الفضائل، إذن حتى عند الذين قد ذكرناهم كمثال. توجد اختلافات شخصية مع أن الفضائل هي واحدة من قبل روح الله. فكل الرجال الآخرين لهم علامات خاصة بهم في شعورهم وفضائلهم، هذا لأن موسى كان ينظر ذلك بطريقة رمزية فكتب في الشريعة “ بأن كل واحد يسير في المحلة على حسب رايته” (عدد2:2).

         لكن يمكن أن يحدث بواسطة الأعمال الحسنة والغيرة أن نعبر من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر عظمة. والواقع إذا فهمنا جيدًا إن كل محتويات الشريعة هي “ ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، أي الزمن الذي نترجي فيه حدوث القيامة، وحينئذ تكون لدينا الثقة، خاصة وإذ نحن في الحياة الحاضرة، نشتاق إلى خيرات أفضل بحسب مثال الرسول الذي قال “ ننسى ما هو وراء ونمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13). لكي يمكننا في وقت قيامة الأموات، الذي سيكون فيه اختلاف بين استحقاقات الناس كما ” أن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (1كو15: 41)، أن ننتقل من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر مجدًا حتى نتساوى مع الكواكب الأكثر بريقًا. فالطبيعة البشرية يمكن أن تنمو في الحياة حتى نتساوى عند القيامة من الأموات، ليس فقط بمجد النجوم، لكن أيضًا ببهاء الشمس. حيث أنه كتب “حينئذ يضئ الأبرار كالشمس في ملكوت الله” (مت 13: 43)، من هنا يأتي أيضًا الذين كانوا في درجات سفلى الذي يقول عنهم موسى “ بحسب رايته بحسب بيت آبائه” (عدد2:2).

 

العائلات والأبوة

         أما بالنسبة للكلمة ” بحسب بيت آبائه“، نفس الكلمة قد استعملت باليونانية في النص الذي فيه قال الرسول “ بسبب هذا أحنى ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة (أو أبوة) في السموات وعلى الأرض” (أف3: 14ـ15)، الذي يسميه بولس الرسول أبوه يسميه المترجم اللاتيني عائله، لكن الكلمة هي نفسها باليونانية هذه الأبوة (العائلات) التي قد أشار إليها بولس الرسول في السموات. بينما موسى يشير إليها على الأرض. تحت رموز الشريعة؛ أنه ينصحنا بأن نسير بحسب هذه العائلات حتى نستطيع أن نكون منضمين للأبوة السماوية. يوجد حقًا، كما أعلن بولس الرسول آنفًا، أبوة أو عائلات في السماء بينما يمكن أن نجد الأبوة في نص آخر ما يسميه بولس الرسول “ كنيسة أبكار مكتوبين في السموات” (عب12: 23)، سنكون فيها إذا سرنا بحسب الترتيب، وإذا عملنا كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب؛ إن لم يوجد فينا أي شئ مشوش، أي شئ قلق، أي شئ من العار. إذًا ” سيضيئون كضياء السماء” ونحن سنضئ مثل النجوم ومثل الشمس أيضًا” (دا 12: 3)، في ملكوت الله بفضل المسيح ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

 

[1] أقمع جسدي واستعبده خوفًا من بعد أن أكرز للآخرين أكون أنا مرفوضًا.

 

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الأولى

التعداد1

         1 ـ ليس كل الناس يستحقون أن يحسبوا ضمن الأعداد الإلهية. لكن يوجد نظام محدد لتعيين الذين يجب أن يكونوا ضمن أعداد الله.

 

التعداد ـ والتاريخ

         سفر العدد يقدم لنا حجة ساطعة، عن هذا النظام، وقد ورد به أنه بناءً على أمر الله، لا تحسب النساء في هذا العدد، وذلك طبعًا بسبب الضعف الأنثوي.

         كذلك لا يحتسب أي عبيد بسبب دناءة حياتهم وطبائعهم حتى من المصريين، كما لم يحصَ أحد من الذين قد امتزجوا مع الشعب، لأنهم من الغرباء والبرابرة. ولم يحسب سوى الإسرائيليون وليس الكل، لكن من سن 20 سنة فما فوق، ولا يعمل اعتبار للسن فقط بل يبحث أيضًا لمعرفة ما إذا كان الرجل قويًا لخوض الحرب حيث إن ما فرضته كلمة الله “يحسب كل الذي يسير في القوة”. إذًا لا يُطلْب من الإسرائيلي السن، بل القوة أيضًا. والطفولة لم تحتسب وهي غير معتبرة في التعداد الإلهي، إلا إذا كان الأطفال من ضمن الأبكار أو من أصل السلالة الكهنوتية من سبط لاوى (عد 3: 4)، هؤلاء فقط هم الأطفال الذين قد حسبوا في التعداد دون إدخال سيدة واحدة.

النص بالمعنى الروحي

         ماذا نقول؟ لا يمكن أن يكون في هذه الفقرة سر؟ وهل سنكتفي بأن الروح القدس عندما أوحى للكاتب لم يقصد إلا تعريفنا أي جزء من الشعب قد أُحصىَ وأي جزء ظل خارج العدد؟ وما هي الفائدة التي يمكن أن يستخرجها الذين يبحثون لكي يتعلموا من الكتب المقدسة؟ وما الفائدة التي تعود علينا من تعلّمنا هذا؟ وما الفائدة للنفس[2] ولخلاصها من معرفتها بأن جزءًا من الشعب قد أحصى في الصحراء، وأن جزءًا آخر من الشعب لم يحصَ؟

 

الشروط اللازمة لكي نُحسب أمام الله

         إذا تتبعنا مبدأ الرسول بولس نجده يقول إن “الناموس روحي” (رو7: 14). وإذا تفهمنا محتوياته روحيًا، سنستخلص من النص فوائد عظيمة للروح.

         القراءة الحالية تعلمني بأنه إذا اجتزت مرحلة سذاجة الطفولة، أي أبطلت ما للطفل من أفكار الطفولة[3]، أي ” لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل” (1كو13: 11)، إذا قلت لقد صرت “حدثًا قادرًا على غلبة الشرير” (1يو2: 13)، سيكون ذلك تأهيلاً لي أن أكون من ضمن الذين ينطبق عليهم المكتوب ” كل الذين يسيرون في القوة في إسرائيل“. وسأكون مؤهلاً للتعداد الإلهي، لكن طالما بقى لأحد من بيننا أفكار صبيانية، متأرجحة أو طالما بقى لأحد من بيننا صفات الضعف والفتور، وإذا سلكنا بطريقة مصرية بربرية[4] لا نستحق أن نكون محسوبين أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدس “لا يحصى عدد” الذين يهلكون كما قال سليمان، وبالعكس الذين خلصوا قد أحصوا جميعًا.

 

هل تريد الدليل بأن عدد القديسين أحصى أمام الله؟

         اسمع ما يقوله داود النبي عن كواكب السماء ” فإن الله هو الذي يحصى كثرة النجوم يدعو كلها بأسماء” (مز147: 4)، ولم يكتف المخلص بتحديد عدد التلاميذ الذي اختارهم، بل قال أيضًا شعور رؤوسكم محصاة “ حيث شعور رؤوسكم جميعها محصاة” (مت10: 3)، وهو لا يريد بذلك أن يقول إن الشعور التي نقصها بالمقص والتى نلقيها في الزبالة، أو الشعور التي تسقط وتموت مع تقدم السن كانت محصاة، ولكن الذين أحصوا أمام الله هم الذين من الناصرة، حيث سكنت فيهم قوة الروح القدس التي سمحت بغلبة الفلسطينيين. قوى النفس وكثرة الأفكار التي تنبع من ملكة الإدراك والفهم، والتي يرمز إليها برأس التلاميذ، هذا ما يسميه النص “بشعور الرأس” ولقد تكلمنا عن هذا الموضوع بطريقة عرضية فلنعد الآن إلى حديثنا.

 

قوة إسرائيل وقوة الأجانب

2ـ ” وكلم الرب موسى في برية سيناء” قال له ما قد سبق تلخيصه وأمره بأن يحصى من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل من يحسب للقوة في إسرائيل. كل من يحسب “للقوة”، وليست أية “قوة” ليس في قوة مصر، وليس في قوة الآشوريين (الكلدانيين)، ولا في قوة اليونان، لكن الذين هم في قوة إسرائيل سيحصون أمام الله.

         توجد فعلاً قوة النفس التي يعلّمها الفلاسفة اليونانيون، ولكن ليس لها صلة مع تعداد الله. وهي ليست لله، لكن تعمل للمجد البشري[5] الباطل. أيضًا توجد قوة الآشوريين أو قوة الكلدانيين الخاصة بالدراسات الفلكية، لكن لم تكن هي القوة الإسرائيلية لذلك ليس لها صلة بالله. توجد أيضًا قوة المصريين ويدّعون أنها أوهام حكمتهم السرية. لكن هذه الحكمة لم تحسب في حسابات الله. القوة الإسرائيلية هي الوحيدة المعتبرة أمام الله، هي القوة التي أعلنت من الله، والتي تلقن من الكتب الإلهية والمنقولة بالإيمان الإنجيلي والرسولى[6] لهذا يقول الرب لا تحصوا إلا “الذين يسيرون في القوة الإسرائيلية”.

 

التقدم نحو الكمال:

لكن لنفحص أيضًا هذا السؤال:

         لماذا لم يحصَ الشعب منذ الخروج من مصر؟[7] وهذا لأن فرعون كان يتعقب هذا الشعب (خر14: 15)، ولم يحصَ بعد العبور عبر البحر الأحمر، عندما وصل للصحراء لأن الإسرائيليين (خر 16) لم يُجرَبوا بعد ولم يهاجمهم الأعداء بعد، لقد حاربوا مع عماليق، وحصلوا على النصر (خر17) لكن لا تكفي نصرة واحدة لشعب يصبو نحو الكمال ويحصلون على طعامهم من المن ويشربون الماء من “الصخرة التي كانت تتبعهم” (خر16: 14)، لكنهم لم يحصوا بعد لأن العناصر الحقيقية للعدد مازالت غير نامية فيهم (خر17: 6؛ 1كو 10: 1). خيمة الاجتماع نصبت، أيضًا وقت التعداد للشعب لم يكن قد آتى بعد، لكن الشريعة قد أعطيت لموسى، وطريقة تقديم الذبائح قد رسمت، طقوس التطهير قد وضعت، والشرائع وأسرار التقديس قد وضعت، حينئذ حسب أمر الله قبل الشعب في التعداد (عد 1: 2). “انقش” أيها السامع، هذه التعاليم على قلبك (انظر أم 7: 3)، من نسختين ومن ثلاث نسخ.

         تطلع إلى التجارب التي يجب أن تجتازها ومدى الآلام الواجب تحملها، وبعد كم درجة من التقدم والنمو، ومدى التجارب والمعارك الواجب تحملها والانتصار فيها، حتى يكون الإنسان معدودًا أمام الله. ولكي يعتبر جديرًا بأن يحسب مع الأسباط المقدسة. لكي يستطيع أن يكون مذكورًا في سجلات التعداد بواسطة كهنة الرب، هارون وموسى. يجب عليك أولاً أن تستلم شريعة الله، شريعة الروح القدس، تقديم الذبائح، إتمام التطهير، إتمام وصايا شريعة الروح القدس لتتمكن في النهاية من الانتماء للتعداد الإسرائيلي.

 

تصنيف المختارين

         3 ـ أجد أيضًا موضوعًا كبيرًا للتأمل في سفر العدد هذا وهو موضوع توزيع الأسباط وتمييز الرتب، وتجمع الأسباط، وكل ترتيب المعسكر (المحلة) يشكل لي أسرارًا عظيمة بفضل الرسول بولس الذي علمنا بذور المعنى الروحي. 

 

تصنيف القائمين أو رتب القيامة

         فلنتطلع لمعنى الأسرار الموضوعة في حساب التعداد وفي الأماكن المختلفة التي أشير إليها. فنحن ننتظر بثبات قيامة الأموات، اللحظة التي فيها لا يسبق الأحياء الباقين على الأرض الراقدين (1تس4: 14)، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن نفس ساعة مجيء المسيح سيخطف الأحياء في السحب بالروح لملاقاة المسيح في الهواء، وبالتالي سنترك فساد هذا المكان الأرضي الذي هو مسكن الموتى وسنكون كلنا الأحياء والذين رقدوا “في الهواء” كما نادى بولس، والبعض سينتقل إلى الفردوس أو إلى مواضع أخرى مختارة من ضمن منازل الآب الكثيرة (يو14: 2).

         ولكن هذه المواضع وهذا المجد الخاص ستعطى حسب استحقاقات وأعمال كل واحد، وكل واحد سيكون في الرتبة التي وضعته فيها استحقاقات أعماله كما يؤكد بولس الرسول قائلا عن الذين يقومون    “ كل واحد في رتبته المسيح أولاً ثم الذين هم له” (1كو15: 23)، ومن ثم سيسجل كل واحد حسب المقاييس الروحية فمثلاً سيسجل واحد في سبط رأوبين RUBEN لأنه شابه رأوبين في العادات والطباع والأعمال أو الحياة.

         ويسجل آخر في سبط شمعون بسبب طاعته، وآخر في سبط لاوى، لأنه أكمل وظائفه الكهنوتية حسنًا أو حصل فيها على درجة الكمال. ويسجل آخر في سبط يهوذا لأنه يملك في ذاته مشاعر ملوكية، وقد قاد الشعب قيادة حسنة بأفكار عقلانية وعواطف قلبية، وبذلك فكل واحد سيكون شريكًا ومنتسبًا للسبط الذي تميزه به أعماله وطبائعه. سيوجد إذًا رتب عند قيامة الأموات كما نفهم من الرسول، وصورة وشكل هذه الرتب تبدو لي موضحة مسبقًا في كتاب سفر العدد هذا. وحقيقة أن المعسكر (المحلة) يوضع ويرسم بين الأسباط وبعض التجمعات هو مرتبط أيضًا بقيامة الأموات. أما أن تكون ثلاثة أسباط قد وضعت من ناحية الشرق، وثلاثة من ناحية الجنوب، وثلاثة من ناحية البحر (الغرب)، والثلاث الأخيرة نحو الشمال التي تكون “ريح باردة”، وأما أن يكون سبط يهوذا، وهو السبط الملكي، قد أقيم في الشرق من حيث “قد أشرق ربنا”، وأن يشارك يساكر وزبولون، وأما أن يكون العدد ثلاثة منسوبًا لأربعة أقسام المحلة. ومع أن لكل سبط مميزات في وضعه الخاص، ومع ذلك فالكل يدخل تحت عدد الثالوث القدوس.

         وأننا نجد دائمًا في الأربعة أجزاء هذه نفس العدد ثلاثة، لأنه قد أحصى باسم الآب والابن والروح القدس دون غيره، سكان أربعة أجزاء العالم الذين يدعون باسم الإله ” ويتكئون مع إبراهيم وأسحق ويعقوب في ملكوت السماوات” (مت8: 11). وهذه وقائع لا يمكن إهمالها. لقد أعطينا هذه البيانات المختصرة للذين يريدون أن يأخذوا لمحة سريعة عن المحتوى الرمزي لكل هذا السفر المقدس، حتى ننتهز هذه الفرصة للوصول إلى المعنى الروحي للموضوع ونتابع أبحاثًا من هذا النوع. أو أيضًا إذا منح الله نوره بأكثر سخاء لكي نصل إلى أبحاث أعظم. أما بالنسبة لي، فإني أجد نفسي عاجزًا فعلاً عن وصف الأسرار المتضمنة في سفر العدد هذا، وليس فقط أسرار سفر العدد بل أني أشعر بنفس الشعور وأكثر حيال الأسرار الكامنة في سفر التثنية.

 

تقسيم الأرض

         لذلك يجب علينا الإسراع لنصل إلى يسوع (يشوع[8])، وليس لابن نون ولكن يسوع المسيح. لكن أولاً يجب أن نضع أنفسنا في مدرسة موسى، فلنتخلص عنده “ من جيل الأطفال” (1كو13: 11)، ثم فلنسر نحو كمال المسيح، فموسى لم يخمد كل الحروب، ولكن يسوع (يشوع) قد أطفأ كل الحروب وقد أعطى السلام لكل الناس. مثلما نتبينه من هذا النص ” واستراحت الأرض من الحرب[9] (يش14: 15). أرض الميعاد، أرض الميراث ” الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً” (خر23: 3)، قد قسمت من قبل يسوع (يشوع) ” طوبى للودعاء (لأنهم بفضل يسوع) يرثون الأرض” (مت5:5).

هذا التقسيم أيضًا نجده معلنًا بواسطة صور وأمثلة فإنه يجب أن نعرف أن البعض سيحصلون بالتقسيم على الأرض الواقعة وراء نهر الأردن. والبعض الآخر على الأرض الواقعة عن جانب نهر الأردن، هذا أي أنه يوجد ورثة من الدرجة الأولى والثانية وأيضًا الثالثة. وأنه حسب الترتيب سيصير تقسيم الأرض حيث كل واحد ” يجلس تحت تينته وتحت كرمته بدون أن يأتي أحد يعكر صفوه” (ميخا4:4). كل هذه المناظر المصورة من قبل بأسرار فائقة سيعملها الرب المسيح بنفسه في يوم مجيئه، ليس في مرآة ولغز لكن وجهًا لوجه (1كو13: 12)، حسب استحقاقات كل واحد، التي يعرفها هو الذي يفحص القلوب الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.

 

[1] سفر العدد يشير هنا إلى القداسة والكمال في نفس الوقت.

[2] إن كل شئ في الكتب المقدسة يحمل فائدة للنفس وهذا مبدأ عام عند أوريجينوس.

[3] تعني: إذا اجتزت الصورة الأولية للحياة الدينية أي مجرد الإيمان التي هي درجة أقل من الحياة الروحية.

[4] أي بطريقة جسدية أو شيطانية حيث أن مصر ترمز إلى الاتكال على الجسد والشياطين. وبربرية تشير هنا إلى العبيد أي المشاعر المنحطة ومن يستعبد لها.

[5] عتاب بلا انقطاع من المسيحيين للفلاسفة اليونانيين من جهة الاعتقاد بأن الفلسفة يمكن أن تستعمل في غاية الإتقان، لكن لا تؤدي للسلام.

[6] حيث إن الكنيسة هي إسرائيل بالحقيقة.

[7] أوريجانوس يلخص هنا التقدم المبين بارتحال العبرانيين، ههنا الكيفية التي بها نستطيع أن نفهم هذه المراحل.

أولاً: خروج من مصر انشقاق مع إبليس، لكن الشيطان (فرعون) مازال متسلطًا على النفس. =

=ثانيًا: عبور من البحر الأحمر ليس للتجربة كما تظهر في العظة 27 لكن ربما لأجل العماد. الدخول في الصحراء، ترسم بداية النسك والتجارب.

ثالثًا: الكفاح ضد عماليق (الشيطان) وهو يعبر عن الأعمال لصالحة.

رابعًا: والصخرة، النفس متغذية من كلام الله وتشرب من الصخرة التي هي المسيح وهذا يمثل العلم.

خامسًا: نصب خيمة الاجتماع، اقتناء الفضائل.

سادسًا: الشريعة (الروحية) المعطاة بالتطهير حسب الشريعة الموسوية، ذبائحهم (صلواتهم).

أخيرًا التبرير الذي يفصل القديس من الجماعة ويعزله عن العالم.

[8] اليونانيون والعبرانيون لا يميزون اسم يسوع عن يشوع، يشوع هو يمثل تمامًا يسوع وهو هنا يرمز للمسيح قمة الكمال، الذي يجب علينا أن نصل إليه خلال أسرار الناموس.

[9] نعم أنه من المؤكد أن أرضنا لا تستطيع أن تستريح من الحرب إلا بواسطة قدرة ربنا يسوع المسيح.

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

تحديد الأرض المقدسة – العظة الثامنة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

تحديد الأرض المقدسة – العظة الثامنة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

تحديد الأرض المقدسة – العظة الثامنة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

تحديد الأرض المقدسة

المعنى الحرفي

1ـ آخر رواية نُقلت عن سفر العدد هي تلك التي أمر فيها الرب موسى ” بأن يوصي بني إسرائيل ” (عد 2:34) حتى إذا ما دخلوا       ” الأرض المقدسة ” لتملّك هذا الميراث، يعرفون حدود بلادهم التي يجب أن يلتزموا بها. وبعد هذه التعليمات يرسم لهم الرب بنفسه الحدود فقد قيل ” وهكذا يكون لكم تخم الغرب ” (عد7:34)، وهذا يعني الحدود الغربية التي يجب مراعاتها في هذا المكان، وفي مكان آخر “في الشرق” وهكذا في الأربع جهات الأصلية، الرب يعطي بنفسه الأسماء مبينًا بذلك الحدود التي يجب أن يراعيها شعب الله في أرض اليهودية.

وقد يقول بسطاء القوم من بين المستمعين أن هذه الوصايا قد تبدو ضرورية ونافعة، حتى طبقًا للمعنى الحرفي، لا ينبغي تخطي الحدود التي رسمها ناموس الرب. فلا ينبغي أن يتجرأ سبط باجتياح منطقة سبط آخر. ولكن ما العمل اليوم، فإنه في هذا البلد (فلسطين) ليس اليهود فقط هم الذين لا يستطيعون الاعتداء على أراضي بعضهم البعض، ولكنهم لا يستطيعون امتلاك أي شئ بأي صفة كانت؟ مطرودون من هذا البلد يعيشون في المنفى، ولا يمتلكون الأراضي التي منحتها لهم الشريعة الإلهية ولكن تلك التي خصصتها لهم حقوق المنتصر، وإني لأتساءل ماذا نفعل نحن أعضاء الكنيسة الذين يقرأون هذا الكلام؟ إذا فهمناه بالمعنى الذي يفهمه اليهود، فقد يبدو لنا بكل تأكيد كلامًا غير نافع وكله عبث.

 

ضرورة المعنى الروحي

ولكني أنا أقرأ إنه مكتوب عن الحكمة: ” اتبعها انطلق في أثرها” (ابن سيراخ14: 23)، أريد أن “اتبعها”، وبما أني لا أجدها في الأشياء الجسدية، فإني أرغب أن أسير في إثرها وأبحث عن الاتجاه الذي تأخذه وأرى الأماكن التي تجذب إليها ذهني، وبالفعل فإني اعتقد أنني إذا استطعت أن أتتبع الحكمة بكل انتباه وأن أعثر على طرقها، فسوف تعطيني في الكتاب المقدس بعض الفرص، بأن أرى كيف ينبغي تفسير هذه الفقرة إذا كنا نصدق كلام بولس الرسول عن الأسرار بأن الذين يخدمون حسب الناموس ” يخدمون شبه السماويات وظلها ” (عب8: 5)، وإذا كان طبقًا لكلام بولس الرسول أيضًا         ” الناموس الذي في أيدينا جزءًا منه له ظل الخيرات العتيدة”     (عب6: 1)، فالنتيجة بالضرورة أن كل الأشياء المذكورة كأنها أشياء أرضية في الناموس ليست ـ بكل وضوح ـ إلا ” ظلاً للخيرات العتيدة ” وميراث البلاد الكائنة في اليهودية المسماة ” بالأرض المقدسة ” أو ” الأرض الطيبة ” هو ” شبه السمويات ” وأن خيرات الأرض المذكورة في الكتاب المقدس تمثل ” الظل والشبه “.

الأسماء المختلفة في اليهودية والاستحقاقات في السماء

2ـ لكي أرتفع بمستوى عظتي وبمستوى أفكاركم، ولكي أدخلكم في دراسة الأشياء التي نتحدث عنها، فلنأخذ هذه المقارنة. فكل واحد منكم يعرف أنه في اليهودية، كل مكان، كل جبل، كل مدينة كل مركز يحمل اسم علم خاص. وعلى سبيل المثال الكنعانيون أعطوا أسماء في بلادهم، وبالمثل الفاريزيين في بلادهم، والأموريين والحويويين أو حتى العبرانيين عملوا بالمثل إلا أنه طبقًا لأقوال بولس الرسول فالأشياء الأرضية هي “ ظل وشبه السماويات ” (انظر عب8: 5). من الممكن أن يكون في الأماكن السماوية اختلافات كبيرة بين الأماكن، ومن الممكن أن نرى الأسماء والتسميات التي تشير إليها ربما ليس فقط الجهات الأربع بل أيضًا النجوم وكل الكواكب تحمل أسماء لأن النبي يقول: ” يحصى عدد الكواكب يدعو كلها بأسماء” (مز4:147). وعلى هذه الأسماء، الأسفار التي سميت بأسفار أخنوخ، تحتوى على كثير من التفاصيل السرية والخفية، ولكن بما أن هذه الأسفار لا يبدو لها سلطان على العبرانيين، فلنتجنب في الوقت الحالي ذكر الأسماء التي نجدها فيها كأمثال، ولنتابع أبحاثنا على ضوء الكتاب الذي بين أيدينا والذي لا يستطيع أحد أن ينكر سلطانه.

لقد وُصفت اليهودية في الناموس بكلمات الرب نفسها ونحن نعرف أنه يجب أن نرجعها إلى ” شبه السماويات “، إلا أنه يوجد في السماوات ” مدينة أورشليم “، والرسول ينادي بها بكل وضوح وبـ  ” جبل صهيون ” (عب22:12)، وكما أن أورشليم الأرضية محاطة بمدن أخرى، وكفور وبلاد مختلفة، فإن أورشليم السمائية بدون شك محاطة على شبه الأرضيات بمدن أخرى وكفور وبلاد مختلفة حيث شعب الله وبني إسرائيل الحقيقيين، ينبغي أن ينصبهم يسوع الحقيقي يومًا ما والذي لم يكن يشوع بن نون إلا صورة منه. وحيث سيحصل شعب الله على ميراثه كل بنصيبه أي طبقًا لفحص استحقاقه. وبناءً عليه، إذا خصص الرب عند تقسيم الأرض، هذه الحدود لهذا السبط، وتلك الحدود لسبط آخر، ربما يكون بسبب عدم تساوي الأهلية عند الوارثين لملكوت السماوات. ربما إذا رتب الرب تحديد التخوم بكل دقة بين الأسباط، نعرف أنه سيؤخذ في الاعتبار عدم المساواة في الجدارة بين سبط وآخر.

وعلى سبيل المثال، الكسلان: ربما إيمانه يساوي أن يُعده ضمن بني إسرائيل ولكن إهماله وكسله سيجعلانه يصطف في سبط رأوبين أو جاد أو في نصف سبط منسى، وأنه سيحصل على نصيبه ليس من هذه الجهة من الأردن ولكن عبر الأردن. وعلى العكس من ذلك، شخص آخر يصبح بتقويمه لحياته وبتغيير إرادته أهلاً لأن يُعده، طبقًا لرسم يعرفه الله وحده، ضمن سبط يهوذا أو حتى سبط بنيامين حيث تنتصب أورشليم وهيكل الرب والمذبح. وهلم جرى الواحد هنا والآخر هناك، تلك هي الطريقة التي بها تمكّننا الدلالات الواردة في سفر العدد من رسم ظل التقسيم الذي سوف يحدث في السماوات على الأقل للوارثين ملكوت السماوات بيسوع المسيح ربنا ومخلصنا.

وأعتقد أنه هنا سيراعي نصيب الكهنة الذي رُسم “ظلهم” في هذا السفر، فنواحي المدن التي ضواحيها ملاصقة للحصون يجب أن يخصصها لهم بنو إسرائيل. وأعتقد أن هنا أيضًا ستكون المدن التي خُطط شكلها والتي تسمى بـ “مدن الملجأ” والتي تكون ملجأ ليس لكل القتلة، ولكن لأولئك الذين قتلوا نفسًا سهوًا. وهناك خطايا تجعلنا قتلة إذا كنا نرتكبها بتعمد وعن رضا. وتَوجد خطايا ارُتكِبْت عن جهل والتي من أجلها وبناءً على أمر من الرب خُصص وُأعد لنا مكانًا لكي نقيم فيه بعض الوقت، على ما أعتقد نحن الذين لم نرتكب إلا خطايا غير مقصودة بشرط أن نكون أطهارًا ومعصومين من الخطايا التي ارتكبت بمساعدة الإرادة. هذا هو السبب الذي من أجله نظروا إلى إقامة مدنًا للملجأ.

وعلى الرغم من ذلك يبدو للبعض أن كل نجم أو كوكب يمكن أن يدعى مدينة في السماء وأنا من جهتي لا أجرؤ أن أؤكد هذا، فإني أرى بالفعل أن “كل خليقة أخضعت على رجاء على الأقل من أجل الذي أخضعها” وبأنها تنتظر الحرية في خلاص أولاد الله” وفي شئ آخر أكثر نبلاً ورفعة أيضًا.

3ـ إذًا، إذا كان الناموس كما قلنا يتضمن ” ظل الخيرات المستقبلة ” وإذا كان خدام الناموس يخدمون ” صورة وظل الخيرات العتيدة ” (عب1:10) وإذا كان التأمل في ما نراه الآن “في مرآة ولغز” يجب أن يتفتح حينئذ “ وجهًا لوجه “(1كو12:13) واعتقد أن الأمر بالمثل بالنسبة ” لمسكننا ” الذي قيل عنه أنه منذ الآن ” في السموات ” أن نعتبره ” في مرآة وفي لغز ” حينئذ سيكون أيضًا في وجود “وجهًا لوجه “.

إن الذين يستحقونه سيكون “مسكنهم وسيرتهم في السموات”. إذا تتبعنا لهذا التفكير واثقين في الوعود ومعتقدين أنه ينبغي أن نمر من الأرض إلى السماء، أعتقد أن يسوع ربنا سيقيمنا في الأقطار السماوية ليس بدون الرجوع إلى نصيب كل فرد بمعنى معرفة مدى الاستحقاق لوضع كل فرد في هذا أو ذلك الجزء من السماء، في هذا أو ذلك المسكن. فهناك فرقًا كبيرًا هنا على الأرض بين الإقامة على سبيل المثال، في بلد مخصب، غني، يفيض بكل أنواع الخيرات، بنقيض أي شئ، لا المناخ اللطيف، ولا الأفراد المثقفين، ولا الحرية السياسية، وبين الإقامة في الأماكن المجدبة، الفقيرة فقرًا مدقعًا، في بلاد تحرقها الشمس أو يخدرها الصقيع والبرد، أو أن تكون أيضًا في بلاد موضوعة فريسة لبربرية قاسية ومتوحشة، ولحروب دائمة بدون هدنة، إلا أن الناس ليست موزعة بين هذه البلاد بدون عناية الله الخفية وبدون حكم الرب العادل. وسيكون الأمر بالمثل في العالم الآخر “وظل الأشياء السماوية” المدوّن على الأرض لن يظهر باطلاً في أي نقطة، فسيكون هناك أيضًا طبقًا لما قلناه مدينة ملجأ، وسيكون مدينة أخرى في البرية، كما كانت “باصر” في البرية في السهل من سبط رأوبين طبقًا للكتاب المقدس.

قسمة آدم الثاني

4ـ ينبغي أيضًا حفظ ما قيل فيما بعد ” حين فرق العلي بني آدم نصب تخومًا لشعوب حسب عدد ملائكة الرب ” (تث3: 8)، أو كما نقرأ  في صورة مغايرة،”حسب عدد بني إسرائيل”، إذًا إذا كان في بداية العالم أبناء آدم قد وزعوا طبقًا لاستحقاقاتهم أو نظرًا لآدم نفسه، ماذا سنقول عما سيحدث لأبناء “آدم الأخير”.

الذي صار ليس ليكون نفسًا حية بل روحًا محييًا ” (انظر1كو15: 45). حينما يبدأ الصلاح الإلهي ليس لتشتيتهم كما في بداءة العالم، بل ليُعدهم عندما تأتي نهاية العالم لا ” كأموات في آدم” ولكن ”  كأحياء في المسيح” (1كو15: 22). سيكون بدون أدنى شك، هناك توزيع وتقسيم ينبغي أن يتم ليس فقط طبقًا لاستحقاقات البشر التي ترعاهم العناية الإلهية، ولكن أيضًا بحسب “آدم الأخير”، الذي فيه كما قيل      “ سيُحيا الجميع” (1كو5: 22). ولكن من منا يستحق القبول في هذا التوزيع ويكون له نصيب في هذا الميراث الإلهي؟ من سيحظى بالقبول في أورشليم ويكون في المدينة الذي سيرتفع فيها هيكل الرب أو بالأحرى من سيكون هو نفسه هيكلاً للرب (1كو3: 16). من سيسعد بالاحتفال بالأعياد في المكان الذي فيه الهيكل الإلهي يتصاعد منه نيران دائمة؟ من سيحظى بوضع قربانه والبخور الحلو الرائحة على هذه النار الذي قال عنها المخلص: “ جئت لألقي نارًا على الأرض” (لو12: 49). من سيفرح بالاحتفال بالفصح في المكان ” الذي اختاره الرب إلهه ” (تث13: 5)، وبالاحتفال بيوم عيد العنصره، بعيد الكفارة، بهيبة خيمة الاجتماع، ليس بعد في شكل ظل ولكن في كمال جمالها وحقيقتها؟ من منا سيدعى مستحقًا لنصيب الفرح عندما يبدأ الرب في تقسيم أبناء آدم الأخير ليكونوا ليس من بين الذين سيقول لهم: ” سيكون لك سلطان على خمس مدن” (لو19:19)، ولا من بين الذين سيقول لهم: “ سيكون لك سلطان على عشر مدن” (لو19: 17)، ولا من بين الذين سيقول لهم: ” أدخل إلى فرح سيدك” (مت25: 27). ولكن من بين الذين سيقول لهم: ” تجلسون أنتم أيضًا معي على اثنى عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر ” (مت19: 21). والذي يقول عنهم: ” أيها الآب أريد أن هؤلاء يكونون معي حيث أكون أنا” (يو17: 24)، أريد أن يكونوا ملوكًا حتى أكون “ملك الملوك” (رؤ19: 6). أريد أن يكونوا أربابًا حتى أكون “رب الأرباب”.       

طوبى لأولئك الذين سيبلغون قمة الغبطة، طوبى لأولئك الذين يستطيعون تسلق قمة الاستحقاقات، مبارك الرب إلهنا الذي أعد هذه الوعود ” للذين يحبونه” (1كو2: 9). هؤلاء هم بالحقيقة محسوبون أمام الرب في الأعداد المقدسة، أو بالحري الذين “ حتى شعور رؤوسهم جميعها محصاة ” (مت30:10). من ربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

تحديد الأرض المقدسة – العظة الثامنة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الانتقام من المديانيين – العظة الخامسة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الانتقام من المديانيين – العظة الخامسة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الانتقام من المديانيين – العظة الخامسة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الانتقام من المديانيين

معنى لفظي

1ـ في مقطع سابق رأينا بني إسرائيل يمارسون الفسق مع النساء المديانيات، وأصبحوا ضحايا لعثرة جعلتهم يهينون الرب ويثيرون غضب إله إسرائيل. والآن بعدما عانت إسرائيل عقابها قد كتب ” وكلم الرب موسى قائلاً انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين ثم آخر الأمر تُضم إلى قومك ” (عد31: 1-2س).

 

معنى أخلاقي: العثرة

العثرات التي وقع فيها بنو إسرائيل كانت قد حدثت بخداع المديانيين الذين رشوا النساء لكي يغروهم ويجعلوهم يخطئون أمام الرب. لقد نالوا لأجل خطيتهم عقابًا في الحقيقة غير مفرط ومحدود. ولكن المديانيين الذين كانوا سببًا في خطيتهم نالوا عقابًا أكثر شدة.

ومن هنا نتعلم أنه أكثر خطورة أن نكون سبب خطيئة للآخرين من أن نفعلها نحن أنفسنا. هذا ما يعلمنا إياه الرب عندما قال ” خير له لو طوق عنقه بحجر رحى وطرح في البحر من أن يعثر أحد هؤلاء الصغار” (لو17: 2). أحيانًا نستخدم كلمة عثرة بطريقة غير مناسبة. لابد أن نفهمها جيدًا: نقول إن هناك فضيحة عندما يسير إنسان سيرًا مستقيمًا وبالخداع نقوده إلى الخطيئة، عندما نقدم له فرصة للخطيئة.

وهكذا بينما كان الإسرائيليون ” سالكين في شريعة الرب” (مز1:19)، مصدر العفة، حرك المديانيون نساءهم لكي يغروهم بالخطية. إذًا كلمة عثرة تعني تقديم الفرصة للخطيئة. بقى الذين يعثرون الآخرين الذين يقدمون الفرصة للخطيئة، هؤلاء ينالون عقوبة أشد من عقوبة الخطاة أنفسهم.

 

كان لموسى الرجاء بالقيامة

تأمل في نفس الوقت ما يُتلى على الفور بعد ذلك: “وفي آخر الأمر تُضم إلى قومك” (عد2:31س). إذا ما تكلمنا أمام السامريين الذين ينكرون قيامة الأموات ولا يؤمنون بالدهر الآتي سنلاحقهم بأقوال الرب لموسى “أنه سيُضم إلى قومه”. وفي الحقيقة نحن لا نضم بجانب أشخاص لا يوجدون. ومن هنا يتضح أنه يوجد شعب لابد أن ينضم إليه موسى بعد موته. كما أن السامريين لا يؤمنون بالأنبياء الذين من خلالهم نستطيع أن نستخلص كثير من البراهين لصالح الإيمان بقيامة الأموات.

لابد أن نستخلص ما يلزم لأقناعهم وشفائهم من كتب موسى التي استلموها والتي منها يعرفون الحقيقة. ومع ذلك ” داوينا بابل فلم تشفَ ” (أر51: 9). هذا المشهد هو في الذين يثبتون قيامة الأموات بطريقة بديهية لأنه يثبت أن هناك شعب لابد أن يضم إليه موسى بعد موته. ولابد أن يدخل إليه بحسب استحقاقه.

 

قوة التقوى

2ـ بعد ذلك ” وكلم موسى الشعب قائلاً: جردوا منكم رجالاً للحرب فيكونوا على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان ألفًا واحدًا من كل سبط وجميع أسباط إسرائيل ترسلون للحرب” (عد1:31-4). استمعوا جيدًا هذه القراءة ليست فقط الكلمات التي يجب أن نسمعها، المعنى هو الذي يجب أن نطبقه.

تذكّر الماضي، انتبه للحاضر ولاحظ الذي سيأتي وقُرب الأحداث هكذا وتأمل القوات السمائية. من زمن قريب تقدم بنو إسرائيل بعدد 600 ألف رجل محارب ضد المديانيين ولأن الخطيئة كانت بداخلهم فإن المديانيين المنتصرين الذين حاربوا 600 ألف رجل هُزموا من 12 ألف، لكي نعلم أنه ليس بالكثرة ولا بأعداد الجنود، ينال إسرائيل النصر، ولكن برحمة الرب ينال الظفر، لذلك قيل عن النعمة المسكوبة على الإسرائيليين إنهم لو لاحظوا شريعة الله، واحدًا فإن منهم فقط بتسعة آلاف واثنان يضيفان ألفان في الحرب.

 

عبور إلى المعنى الروحي

هكذا ترى أن صلاة قديس واحد أقوى من جيش لا يحصى من الخطاة ” صلاة البار تنفذ إلى السماء” (سيراخ31:32)، فكيف لا تنتصر على الأرض؟ لذلك يجب أن نبحث أولاً بكل قوتنا لكي نحافظ على ” بر الله ” (مت33:6).

فلو وجدناه وحافظنا عليه لأخضع كل الأعداد بشرط أن نكون كما يقول الرسول ” فاثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق ولابسين درع البر وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة ” (أف6: 14-17). وبهذا السلاح سيهزم كل معسكر الشيطان وكل أسلحته وسنرتل بثقة ” إن نزل عليَّ جيش لا يخاف قلبي وأن قامت علىَّ حرب ففي بذلك أنا مطمئن” (مر27: 3).

 

موت بلعام

هكذا تجمع 12 ألف ضد المديانيين ” فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم وبلعام بن بعور قتلوه بالسيف ” (عد31: 7- 8).

بحثنا سابقًا في الكتاب المقدس بخصوص الدليل على أن النساء المديانيات قد أخذن رشوة لقيادة بني إسرائيل للزنا فذلك كان بمشورة بلعام. وها هو قد قتل بالسيف كما أوضح الكتاب المقدس في هذا المشهد، مثل محرض على العثرات التي حدثت لبني إسرائيل. ولكن الباقي سيظهر أكثر وضوحًا: ” وقال لهم موسى هل أبقيتم كل أنثى حية؟ أن هؤلاء كن لبني إسرائيل حسب كلام بلعام بسبب خيانة للرب في أمر فغور فكان الوباء في جماعة الرب ” (عد31: 15-16).

 

فاعلية التوبة

كذلك قتل ملوك مديان: الذين انهزموا أولاً من النساء، الآن بعد أن قدموا التوبة انتصروا على الملوك. فلندرك إذًا كل قوة التحول إلى الله وكل ما نكتسبه من تطهير لخطايانا، كل ذكور وملوك مديان انهزموا وقتلوا من الإسرائيليين الذين أدبهم الرب وأصلحهم بالتوبة. هكذا إذًا هزم خمس ملوك مديانيين أمام الجنود الإسرائيليين بحسب الكتاب المقدس والذي حرص على ذكر أسمائهم ” أوي وراقم وصور وحور ورابع ” (عد31: 8).

 

أوي أو الوحشية

تترجم إلى حيواني، وحشي “ كيف تستطيع أن ترضى من جندك؟” (2تي4:2)، إن لم تنزع منك ولم تقتل العادات الوحشية والحيوانية؟ كيف تستطيع الوصول إلى سعادة الودعاء إذا لم تقتل في البداية أوي، (الوحشية) ولم تقتل الغضب الوحشي حتى الموت؟ وفي رأيي لم يذكر الكتاب المقدس هذه الأشياء لكي يروي حكاية ولكن ينسبها إلى الأشياء الحقيقية.

هل تعتقد حقًا أنه يوجد شخص غبي لكي يعطي لابنه اسم الوحش، لكن أعتقد جيدًا أن النص الإلهي يقصد تعليم النفس ويريد أن يظهر أنه يجب علينا أن نحارب ضد هذه النوعية من الرذائل ونخرجها من المسكن الذي نصبته في لحمنا ونصطاد هؤلاء الملوك من مملكة جسدنا، هذا ما أوضحه مبدأ الرسول حينما قال: “ إذا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت” (رو6: 12).

 

الأسماء لها معنى

هل نريد الدليل على أن الأسماء تدل على أشياء حقيقية، ليس فقط عند القديسين، ولكن عند الوثنيين والبرابرة؟ نبدأ بالقديسين: نعلم جيدًا لماذا سمى أبرام إبراهيم ، وساراي سارة، ويعقوب إسرائيل، ولكننا نعلم أن هذه العادة تستخدم أيضًا عند البربر. واحد من أبناء إسرائيل ألم يدعوه والداه يوسف إلا أن عندما ذهب إلى مصر وحضر أمام فرعون غير هذا اسمه، وبدلاً من يوسف دعاه صفنات فعنيح، بما يعني في لغته أنه يحمل الأسرار والأحلام.

ولكن ليس يوسف الوحيد الذي سُمى باسم يدل على شئ. دانيال سُمى في بابل بلطشاصر، وحننيا وميشائيل وعزرا سُموا شدرخ وميشخ وعبدنغو. نرى إذًا أن أسماء الإسرائيليين والبربر لم تُعطَ بالصدفة ولكنها تفسر شيئًا معينًا. وهكذا أيضًا سمى موسى المديانيين بالاسم الذي حكم بأنه يناسبهم، وبحسبه أن ما يسود عند المديانيين هو الوحشية الحيوانية.

 

راقم أو الفراغ

ليس هذا فقط، بل كان لديهم ملك يدعى راقم وفي لغتنا تعني الفراغ. إذا كان الفراغ يسود عند المديانيين وفي الحقيقة يوجد في هذا العالم غرور وفراغ يجب على جنود الرب أن يتجاوزوه ويهزموه وذلك الذي يفوز على الفراغ هو الذي لا يفعل باطلاً ولا شيئًا زائدًا، ولا شئ غير ضروري.

ولنتذكر قول الرب ” إن كل كلمة باطلة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابًا يوم الدين” (مت12: 36). وتقريبًا إن كل ما يقول ويفعله الناس في هذه الحياة هو باطل ولا شئ ويسمى “لا شئ” كل فعل وكل قول لا يوجد فيه شئ للرب ولا لشريعة الرب.

 

حور أو الإثارة

يوجد أيضًا ملك أخر لمديان، وهو حور الذي يترجم إثارة، نرى من هم ملوك مديان، الأعداء الذي يجب أن نحاربهم أو بالأولى فإن الباحثين عن الله يجب عليهم هدم وقتل هؤلاء الأعداء لأن أسماء الملوك الذين تحملهم الشريعة أقل من أسماء الرذائل التي تسود على البشر، ووصف الحروب ضد الأمم أقل من شهوات الجسد التي تتمرد على النفس.

 

الرذائل تأتي من خمس حواس: المعنى الروحي

موجز ما يقال عن الرذائل في الكتاب المقدس هو “خمس ملوك”، لكي نتعلم جيدًا أن كل الرذائل التي تسود على الجسد تعتمد على واحدة من الحواس الخمس. لابد إذًا من قتل الحواس الخمس من مملكة المديانيين لكي يسود البر مكان الرذائل، ونحصل على البر بدلاً من العثرات. لأن عند المديانيين كانت هذه الحواس تسود لكي تعثر وتغري، ولذلك أمر الرب ” فإن كانت عينك اليُمنى تعثرك فأقلعها ” (مت29:5)، ” وأن أعثرتك يدك فأقطعها ” (مر43:9).

ونرى أنه أيضًا يأمر بقطع وقتل الملوك المحرضين على العثرات ” لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم” (مت29:5). وهو هنا لا يأمرنا بأن نقلع عين في جسدنا ولا بأن نقطع اليد أو الرجل لكنه يشير إلى إعثار الشهوات الجسدانية، لكي “ترى أعيننا الأشياء الجيدة، وتسمعها أذاننا، لكي يتلذذ مذاقنا بكلام الله ولكي تجس أيدينا وتلمس كلمة الله”.

وهكذا بعد موت الملوك المديانيين وبتر الشهوات المعثرة يسود البر في شخص إلهنا يسوع ” ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبر وقداسة وفداء ” (1كو1: 3).

 

تقسيم الغنيمة: المعنى اللفظي

هكذا أيضًا بأمر الرب أقام بنو إسرائيل الحرب ضد المديانيين وجلبوا غنيمة هامة. وزن ضخم من الذهب والفضة، وأشياء أخرى وعدد كبير من البهائم والأسرى.

ولكن بما أن كل ذلك كان غير نقي عند الإسرائيليين وطُبق على كل نوع من الأشياء تطهير مناسب: كل ما هو نجس طُهِر بالنار،( والسريع الانصهار الذي لا يتحمل النار كان يجب أن يطهر بالماء) وجعلوا من كل الغنيمة قسمين متساويين. واحد للذين ذهبوا للحرب والآخر للذين بقوا في المعسكر. وأيضًا أعطى أمرًا باستخراج القرابين للرب: للذين ذهبوا للحرب رأس غنم على خمسمائة، والذين جلسوا في المعسكر واحد على خمسين، هذا هو مضمون القصة.

 

المعنى الروحي: جنود الرب والحرب الروحية

ولكن لنرَ مضمون المعنى الروحي كما قال الرسول، يوجد في شعب الله أشخاص هم جنود الرب (انظر1تي2: 3-4)، الذين لا يرتبكون بأمور الحياة. هؤلاء هم الذين يمشون في الحرب ويقاومون الأمم المعادية والأرواح الشريرة لباقي الشعب وكذلك العاجزين الذين يمنعهم السن أو الجنس أو الضعف.

هم يدافعون بالصلاة والصوم والبر والرحمة واللطف والعفة. كل فضائل التعفف أفادتهم كأسلحة للحرب. ولما رجعوا منتصرين في المعسكر افادوا بأعمالهم حتى غير المحاربين وغير المدعوين للحرب أو الذين لا يستطيعون أن يحاربوا.

ولكن لابد أن نعرف أن كل الغنائم التي أُخذِت من هذه الأمم، غير طاهرة. كذلك كل ما نقبله من العالم أو الذي نحصل عليه فهو غير طاهر. ويلزمه تطهير، وبعض الأشياء بتمريرها بالنار وبعضا في تطهيرها بالمياه. ونأخذ أيضًا للحرب أشخاصًا وبهائمًا عندما ” نستأثر كل فكر إلى طاعة المسيح” (2كو1: 5)، لأن كل ما أخذناه نقدمه قرابين للرب. وفي الحقيقة لابد أن نحارب مع كلمة الرب لكي نستطيع أن نستأثر فكر الذين تبعدهم آرائهم عن المسيح ونقودهم ” لطاعة المسيح “.

ولكن قليلون جدًا الذين يستطيعون أن يحاربوا ويقودون جيدًا في كل هذه المعارك. 600 ألف وأكثر محاربون للرب اختير منهم 12 ألف فقط والآخرون تُركِوا في المعسكر.

والآن نتأمل شعب الله بداخل الكنيسة كم فيهم يستطيعون الدفاع عن الحق، والذين يستطيعون الثبات أمام المناقضين الذين يعرفون أن يحاربوا بالكلام؛ سعداء هم الذين يستطيعون أن يحاربوا عن كل الشعب ويدافعوا عن أسرة الرب، ويجلبوا غنيمة وافرة من الأعداء.

أما بالنسبة للآخرين غير المحاربين، فإذا جلسوا هادئين في المعسكر وحافظوا على الهدوء والصمت ولم يبعدوا عن موسى ولكن بقوا ثابتين في شريعة الله، سينالون هم أيضًا جزاءً من الغنيمة، لأن التقسيم سيكون بالعدل وليس بالعدد. والمتبقي من الشعب نعطيه للـ 12 ألف الذين سمح انتصارهم بأخذ الغنائم.

من إذًا عندما يسمع ذلك، لا يشعر أنه دُعى في جيش الله، ومن لا يشعر أنه مليئ بالحماس للدفاع عن الكنيسة ولمقاومة أعداء الحق والذين يهاجمون عقائد الكنيسة أو الذين يقدمون للناس نصائح للهوى وللشهوة؟ أن من يزيحهم من أماكنهم ويقتل الرذائل في داخله، سيحصل على قدر كبير من الغنيمة: خمسون مرة أكثر من الآخرين. في الحقيقة 12ألف ×50 مرة = 600 ألف.

 

التقدمات للرب: عدد مقدس

في كل الأحوال لابد أن يُعطىَ قسمًا للشعب تقدمات للرب ” الذين ربحوا خمسمائة والذين بقوا بمنازلهم خمسون” (عد28:31). خمسمائة وخمسون هي أعداد مقدسة بشهادة الكتاب المقدس. فمثلاً قال المخلص في الإنجيل ” كان لمداين مديونان على الواحد خمسمائة وعلى الآخر خمسون وإذا لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعًا ” (لو7: 41-42)، 7 أسابيع + 1 = [يوم الخمسين الذي هو عيد] العنصرة [حلول الروح القدس]، سبعين × 7 يكملن بعشرة يعطوا الرقم 500 ولكن بقدر ما يتعدى الـ 70 الـ 7 في القدر بقدر ما يتعدى 500 في القدر والبر العدد 50.

 

رجال الفضيلة

في الدرس السابق لم يتكلم الكاهن العازار لكل الشعب ولكن للذين رجعوا من الحرب فقط ونقرأ هكذا ” قال العازار لرجال الجند الذين ذهبوا للحرب” (عد21:31)، تراه إذًا يتوجه “لرجال الفضيلة” بكلمة الرب، لأن رجال الفضيلة هم الذين يذهبون للحرب الذين إذًا لا يريدون الدفاع ولا أقامة الحرب، لو لم نرد الدفاع عن الدروس الإلهية وضبط النفس.

نرفض تكملة قاعدة الرسول ” كل من يجاهد يضبط نفسه في كل شئ ” (1كو25:9)، الذي لا يحارب ولا يضبط نفسه في كل شئ لا يريد أن يتدرب على قول الرب ” وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلاً ” (مز2:1) هذا يسمى إنسانًا، وليس “إنسان الفضيلة”.

وفي الحقيقة هذه العلاقة الجليلة للتميز التي أمر بها الكتاب المقدس عندما قال “ذهب الكاهن العازار لرجال الحرب العائدين من القتال”، من منا على استعداد للذهاب للحرب والدفاع ضد الأعداء لكي يدعى رجل الجند، ولأن الحياة القاسية في أعمال ضبط النفس في القتال البدني تمنح الحق في لقب رجل الجند.

وعلى عكس فإن الحياة الكسولة المهملة والمتراخية تستحق تسمية رجل الرخاوة. وإذا أردت حقًا أن تدعى رجل الحرب ” ألبسوا الرب يسوع ” (رو13: 14)، الذي هو ” قوة الله وحكمة الله ” (1كو1: 24)، وفي كل شئ اتحد بالرب حتى يُقال: “ روح واحد معه ” (أف4:4)، إذن ستصبح ” رجل الجند “، أي رجل الفضيلة.

 

الملائكة تراعي استحقاقنا

الوقت الذي نمضيه في هذا العالم هو وقت حرب وصراع ضد المديانيين. أي ضد رذائل جسدنا، أي ضد القوات المعادية. إن خوارس الملائكة ينظرون إلينا، القوات السمائية ينظرون إلينا متوقعين منا التقوى. هم يراقبون عودة النزاع. يلاحظون كيف نعود، وما هي كمية الغنيمة التي يجلبها كل شخص، وينظرون باهتمام وبغاية الدقة يختبرون من منا يجلب الذهب أو الفضة أو الأحجار الكريمة. ويبحثون أيضًا إذا لم يكن أحد قد جلب البرونز والحديد أو الرصاص.

وينظرون آنية من الخشب أو التراب أو الطين أو أي شئ آخر لازم لتدبير بيت كبير ” لأن في بيت كبير ليس آنية من ذهب أو فضة فقط بل من خشب وخزف أيضًا ” (2تي20:2). عندما نذهب هناك سيوجد تحقيق شديد على ما يجلبه كل واحد وبحسب ما يجلبه وبحسب المجهود الذي يتضح من الغنائم التي يظهرها. وفي ذلك الحين، فإن ما يثبت أمام النار يُمتحن بالنار، ويتطهر بالماء الذي يذهب للماء ” لأنه بنار يستعلن وتمتحن النار عمل كل واحد ما هو” (1كو3: 13).

 

(تطهير) تنقية الغنيمة

لذلك قيل ” هذه فريضة الشريعة التي أمر بها الرب موسى الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والرصاص كل ما يدخل النار فتجيزونه في النار فيكون طاهرًا غير أنه يتطهر بماء النجاسة، وأما كل ما لا يدخل النار فتجيزونه في الماء وتغسلون ثيابكم في اليوم السابع فتكونون طاهرين وبعد ذلك تدخلون المحلة ” (عد31: 21- 24).

ونرى أن كل ما يخرج من صراع هذه الحياة يلزمه تطهير. لو كان الأمر هكذا واتجرأ واستند على سلطة الكتاب المقدس، عند الخروج من هذه الحياة لا أحد يستطيع أن يكون نقيًا تماما. حقًا نراعي باهتمام الذي تعنيه هذه القصة. لقد خرجوا يدافعون عن بني إسرائيل وقتلوا المديانيين وإذا بلغنا بقية القصة، عندما فعلوا ذلك كانوا قد أرضوا الرب، لأنهم عملوا إرادته.

ولكن الفعل نفسه الذي فيه قتلوا الأعداء كانوا غير أنقياء وبسبب ذلك قيل لهم “تغسلون ثيابكم في اليوم السابع فتكونون طاهرين وبعد ذلك تدخلون المحلة” هكذا تنجس المحاربون بهذا الذي لمسوه من الأعداء الغير طاهرين الذين قابلوهم وحاربوهم.

 

المعنى الروحي: التطهير بعد الانتصار على إبليس

أنا أيضًا حتى لو استطعت أن أغلب الشيطان وأصّد الأفكار غير الطاهرة والسيئة التي يلقيها في ذهني، أو إذا توغلت بداخلي أقتلها لكي أتحاشى الضرر، حتى لو استطعت أن أدوس الحيات في ذلك الحين فأنا حتمًا أتنجس، لأني اتصلت بالدنس وما هو غير طاهر، وسأكون سعيدًا لأنني استطعت غلبته، وأن أكون غير طاهر ونجس بملامسة الكائن غير الطاهر، لذلك يلزمني تطهير.

لذلك قال الكتاب المقدس ” من يخرج الطاهر من النجس. لا أحد ” (أي14:4)، يلزمنا جميعًا تطهير. ماذا أقول؟ عدة تطهيرات لأنه ينتظرنا تطهير مختلف الأنواع ولكن توجد هنا أشياء خفية لا توصف.

في الحقيقة من يستطيع أن يذكر التطهيرات التي تنتظر بطرس وبولس والمتمثلين بهما، هؤلاء حاربوا كثيرًا والذين هزموا كثيرًا من أمم البرابرة. وصارعوا أعداء كثيرين وأخذوا غنائم كثيرة وجلبوا انتصارات كثيرة. وهم الذين رجعوا وأيديهم محمرة من مذبحة الأعداء الذين صبغت أرجلهم بالدم ويداهم غسِلتْ بدماء الخطاة، لأنهم “باكرًا أبادوا جميع أشرار الأرض” (انظر مز101: 8).

وقطعوا كل فاعلي الإثم من مدينة الرب” (مز72: 2س). لقد انتصروا واستأصلوا كل أجناس الشرير. فلو لم يكونوا قد غلبوهم لما كانوا قد استطاعوا أن يأسروا كل هذا الجمهور الكبير من المؤمنين “ ويستأثروهم إلى طاعة المسيح” (2كو10: 5) ويضعوا عليهم ” حمله الخفيف ” (مت11: 30).

فمن هو السعيد ليتتبعهم في جهادهم، ويقتل المديانيين ويتبرر بدمهم؟ لأننا نقول إنهم يسيلون دم الشرير (الشيطان) هذا الذي يزعج أسراهم. فهذا يغتسل بذلك الدم ويتطهر في ملكوت الله. فعندما يكون طاهرًا ونقيًا من الدنس، يستطيع أن يدخل في مدينة القديسين التي فيها يفتح لنا يسوع المسيح ربنا، الباب. ماذا أقول؟ أنه هو نفسه ” باب مدينة الله، وله المجد إلى دهر الدهور آمين” (رو1: 26).

 

الانتقام من المديانيين – العظة الخامسة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني: مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

مواقف في الصحراء

مقدمة:

أنواع متعددة من الغذاء في الكتاب المقدس

عندما خلق الله العالم، نوَّع الأغذية وكيفها لتلاءم ميول الناس المختلفة وأيضًا الحيوانات بأنواعها. ولما رأي الإنسان طعام الحيوانات فهم جيدًا أن هذا الطعام قد خُصّص من أجل الحيوانات وليس من أجل الإنسان. وحتى الحيوانات نفسها قد عرفت ما يلائمها من الأطعمة. فالأسد والبقرة والعصافير والأيائل، كل نوع من هذه قد عرف الطعام الذي يناسبه.

والناس أيضًا يختلفون في إختيار الأطعمة. فالذي يتمتع بصحة جيدة يطلب طعامًا قويًا ويثق في أنه يستطيع ” أن يأكل كل شيء” (أنظر رو14: 2) كالرياضيين الأقوياء. والذي يشعر أن صحته معتلة وضعيفة يفضِّل تناول الخضراوات مثلاً ولا يتحمل الطعام القوي.

وماذا عن الطفل الصغير؟ فهذا لا يستطيع أن يتناول سوى اللبن. فضلاً عن أنه لا يستطيع أن يعّبر عن ذلك بالكلام. هكذا كل إنسان يطلب الغذاء المناسب له حسب سنه وصحته وقوته[1].

فالطبيعة الناطقة كلها محتاجة للأطعمة التي تناسب حالتها. فهل نستطيع أن نترك الحقائق الجسدية الآن ونفكر في الروحيات؟ إن الغذاء الحقيقي للطبيعة العاقلة هو كلمة الله. وكما أننا قد سلمنا بأنه يوجد كثير من الاختلافات بين أطعمة الجسد المختلفة، هكذا أيضًا الطبائع العقلية التي تتغذى على كلمة الله. وكما شبهنا إمداد الجسد بالأطعمة المختلفة، هكذا كلمة الله تحمل نظامًا لبنيًا في معرفة وتمييز التعاليم الغريبة وتستعيض عنها بما هو روحي. فعندما نقرأ فصلاً من الكتب المقدسة للمبتدئين، يقبلونه بفرح لأنه ليس فيه أي شئ غامض، كسفر أستير وطوبيا أو مبادئ سفر الحكمة. ولكن عندما نقرأ سفر اللاويين للمبتدئ يخفق قلبه على الفور ويتحول عنه كإنسان يتحول عن طعام ليس هو من ضمن نظامه الغذائي. فقد جاء لكي يسمع عن أحكام الله وعن عدله ورحمته وها هو لا يسمع سوى الأمور المتعلقة بالذبائح وعن نظام التضحيات. فكيف يتحول اهتمامه فجأة، ألا يرفض هذا الغذاء وهو لا يناسبه في نفس الوقت؟

من جهة أخرى، في قراءة الأناجيل والرسائل والمزامير، فهذه يقبلها بفرح وبكل إرادته يتمسك بها ويجهد نفسه في استخلاص ما بها من دواء لأسقامه. ولكن إذا قرأنا له من سفر العدد كما هو واضح في الفصول التي بين أيدينا فسوف يحكم عليها بعدم النفع والفائدة. كما لو لم يوجد بها أي علاج لأسقامه ولا لخلاص نفسه. فسوف يتركها على الفور كالطعام الثقيل العسر الهضم الذي لا يناسب نفس مريضة وعاجزة.

ولنعد ثانية إلى مثال الأشياء الجسدية. فالأسد مثلاً إذا أعطيناه العقل فرضًا فلن يشتكي من كثرة العشب في الكون، بحجة أنه يتغذى على اللحم الطازج، ولن يقول إن هذا العشب لا فائدة له وأن الخالق قد أوجده بلا نفع. هكذا الإنسان فبحجة أنه يستخدم الخبز والمأكولات المناسبة له، لا يجب أن يشتكي ويقول لماذا خلق الله الثعابين وهو لا يعرف أنها تُستخدم كغذاء للأيائل. هكذا الدابة والبقرة لا يجب أن تشتكي من الذي يُعطي للحيوانات الأخرى من أكل اللحم، بحجة أن العشب يكفي فقط لغذاء الدابة والبقرة.

هكذا الحال بالنسبة للأغذية الروحية أو العقلية. وأعني هنا نصوص الكتب المقدسة. فلا يجب أن نُلقي عنا نصوص الكتب المقدسة التي تبدو أكثر غموضًًا وأكثر صعوبة في الفهم ولا نتهمها بالصعوبة والغموض. ونحتفظ فقط بالنصوص التي تناسب المبتدئ المريض الأكثر ضعفًا الذي لا يستطيع فهم هذه النصوص فهو كالطفل الصغير. ولا تستطيع الأسفار بالنسبة لهؤلاء أن تساهم في تكوينهم وليست لها فائدة ولا تساعد على خلاص أنفسهم. ولكن علينا أن نضع في الاعتبار ما يلي: أن الثعبان والشاه والإنسان، كل هذه هي مخلوقات الله. وأن هذا التنوع في الكائنات الحية يقود لتمجيد وشكر الخالق. وأن الغذاء بكل أشكاله قد أُعدَّ لكي يتناول منه كل كائن حي حسبما يناسبه في طبيعته وصحته وقوته. هكذا كل واحد حسب صحته وقوته يستخدم نصوص الكتاب التي هي كلام الله حيث يكون التنوع الذي فيها طعامًا مناسبًا وموافقًا لكل ميول النفوس المختلفة. وهنا تعالوا لننظر هذه الأمور عن قرب:

فمثلاً عند قراءة الإنجيل أو تعاليم الرسول بولس يبدو عليك الإعجاب بها وتعتقد أنك قد وجدت الطعام الأفضل موافقة والأكثر مناسبة لك. ولكنك لم تعرف بعد الأسرار التي ينبغي أن تعرفها إذا درست وتعمقت في أحكام الله! أما إذا تجنبت ما يبدو لك مبهمًا وغامضًا وهربت منه، فحتى الأسفار السهلة بالنسبة لك والتي توحي لك بثقة في فهمها، سوف تجد فيها صعوبة أكثر وغموضًا أكثر. فالكتاب يحتوي على الكثير من الكلمات الواضحة والبسيطة القادرة على بناء السامع حتى الأقل ذكاءً.

إننا بهذه المقدمة قد بدأنا بإيقاظ قلوبكم لأن الدرس الذي بين أيدينا هو من هذه الدروس التي تبدو أكثر صعوبة في الفهم، وتبدو أيضًا أنها بلا فائدة. ولكننا لا نقدر أن نقول إنه يوجد في كتابات الروح القدس شئ غير نافع حتى لو بدا الغموض في بعض نصوصه. وعلينا بالحري أن نحّول عيون قلوبنا نحو الذي أمر بهذه الكتابة ونطلب منه فهم المعنى. فإذا وجد في أنفسنا ضعفًا فهو قادر أن يشفينا من هذا الضعف، وهو ” الذي يشفي كل الأمراض “، ” الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك” (مز103: 3).

هل نحن مازلنا في مرحلة الطفولة العقلية؟ إن الرب وهو حارس الأطفال، هو الذي يرافقنا ويطعمنا ويقودنا إلى قياس قامة ملء المسيح حسب المكتوب، “ إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف4: 13). فباستطاعتنا إذًا العبور من المرض، وأن نعبر منه إلى الصحة، وأن نعبر أيضًا من الطفولة إلى الرجولة. وفي استطاعتنا أيضًا أن نطلب ذلك من الله لأن الله يحب أن يعطي الذين يطلبون وأن يفتح للذين يقرعون.. ولنكتفِ بهذه المقدمة.

 

هناك فائدة نستخلصها منه:

هيا بنا الآن لنبدأ درس اليوم! وبمعونة الرب نستطيع أن نشرح وأن نقطف منه ما هو مهم حسب ما يوضح لنا المعنى. وقال النص هنا “ هذه رحلات بني إسرائيل الذين خرجوا من أرض مصر بجنودهم على يد موسى وهرون. وكتب موسى مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب، وهذه رحلاتهم بمخارجهم ” (عد33: 1-2).

هل سمعتم؟ ” وكتب موسى ذلك حسب قول الرب”. ولماذا أراد الله أن يُكتب ذلك؟ فكتابة رحلات بني إسرائيل لابد إذًا أن تعيننا على أي حال! أليس كذلك، ومن يجرؤ ويقول إن الوثائق المكتوبة بيد الله هي بلا فائدة ولا تساعد على خلاص النفس؟ وما الذي يعود علينا من مجرد سرد الحديث؟ إن هذا الرأي خاطئ وضد الإيمان المستقيم. ولنترك هذا للذين يدّعون ويقولون إن إله الناموس ليس هو إله الأناجيل. بل هو “الله أبا ربنا يسوع المسيح” الذي نمجده بنفس واحدة وبفم واحد” (انظر رو15: 6). إذًا فبالإيمان نستطيع أن نستخلص أفكارًا واضحة وجلية من هذه الرحلات. وسنحاول توضيح المعنى الرئيسي بإيجاز بقدر الإمكان وبقدر الوقت.  

الخروج من مصر له مفهومان

لقد أتحنا الفرصة في العظة السابقة للكلام عن خروج بني إسرائيل من أرض مصر. وقلنا إنه في المعنى الروحي نستطيع الخروج من مصر بطريقتين: إما ترك الحياة الوثنية للوصول إلى معرفة الناموس الإلهي. أو عندما تترك النفس مسكنها في هذا الجسد. هذان هما المفهومان اللذان يناسبان الآن المراحل التي سردها موسى “حسب قول الرب”.

 

المنازل بعد الحكم

لقد قال الرب في الإنجيل: “ في بيت أبي منازل كثيرة وإلا فإني كنت قد قلت لكم. أنا أمضى لأعد لكم مكانًا ” (يو14: 2). فهذه المنازل سوف تشغلها النفوس التي تحررت من الجسد أو بالحرى التي لبست جسدًا ممجدًا. إذن هناك طرق كثيرة تقود إلى الآب. فلماذا قررت النفس ذلك وما هي الفائدة؟ وماذا وجدت من ضوء في هذه الأمور؟ إن الوحيد الذي يعرف ذلك هو ” رب الدهر الآتي “. الذي قال عن نفسه ” أنا هو الباب” (يو14: 6). ” لا أحد يأتي إلى الآب إلا بي “، إذًا فكل طريق من هذه الطرق يبدو لكل نفس بابًا، فسوف ندخل به وسنخرج ونجد مرعى، ومن هنا سندخل في طريق آخر ثم في منزل آخر أيضًا حتى نصل إلى الآب نفسه.

وهنا سوف ننسى هذه المقدمة قليلاً ونهيئ عقولكم مقدمين لها أفكارًا عالية وسامية. ولنعد إلى ما حدث بيننا وفينا.

المنازل في الحياة الحاضرة

عندما كان بنو إسرائيل في خدمة فرعون في مصر، كانوا فريسة ” للطين واللبن….” حتى اللحظة التي صرخوا فيها بأنين إلى الرب، فاستجاب لشكواهم، وأرسل لهم كلمته عن طريق موسى وأخرجهم من مصر. ونحن أيضًا عندما نكون في مصر أقصد في خطايا هذا العالم وظلمة الجهل وعندما نعمل لحساب الشيطان متمرغين في شهوات الجسد، فإن الرب يشفق على ضعفنا وهو الذي أرسل لنا الكلمة، ابنه الوحيد لكي يخرجنا من الجهل والخطية ويقودنا إلى نور تعاليمه الإلهية.

 

موازاة بين تجسد المسيح وتقديس البشر:

لنتأمل عن قرب الترتيب الحسابي لهذا السر

إننا سوف نجد 42 موقف لخروج بني إسرائيل خارج مصر إذا دققنا في ذلك. وبالتالي إن مجئ إلهنا ومخلصنا لهذا العالم قد تم في 42 جيل.  ولقد أعلن متى الإنجيلي ذلك في (مت1: 17)، هذه الاثنان والأربعون جيلاً هي الوقفات التي اجتازها المسيح لينزل إلى مصر هذا العالم. ولقد أعلن موسى ذلك بالضبط حين قال عن خروج بني إسرائيل من أرض مصر: “ هذه رحلات بني إسرائيل الذين خرجوا من أرض مصر بجنودهم عن يد موسى وهرون ”             (عد33: 1).

ما هي قوتهم سوى المسيح الذي هو ” قوة الله ” (2كو1: 24)، هذا  ” الذي صعد هو الذي نزل إلينا ” وهو إتجه للصعود من حيث نزل. فقد نزل إلى العالم لا عن اضطرار بل عن عطف لكي يحقق ما قيل. ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل” (انظر أف4: 10)، هكذا بنو إسرائيل قد اجتازوا اثنين وأربعون رحلة حيث بدأوا في امتلاك ميراثهم. فمن خلال 42 جيل قد نزل إلينا المسيح حسب الجسد. وهذا هو نفس عدد رحلات بني إسرائيل حتى وصلوا إلى مكان الميراث المسموح لهم.

فإذا كنت قد أدركت أي سر ينطوي عليه هذا العدد للصعود والنزول، تعال الآن لنبدأ في الصعود عن طريق مراحل نزول المسيح إلينا. فأول وقفة لنا هي ميلاده من بطن العذراء. ونحن أول وقفة لنا هي أن نترك عبادة الأوثان وعبادة الشياطين التي ليست آلهة إذا أردنا الخروج من مصر. ونؤمن بميلاد المسيح من العذراء والروح القدس وأن ” الكلمة صار جسدًا وحل بيننا ” (يو1 : 14). ثم نحاول أن نصعد درجات الإيمان درجة، درجة. وهكذا درجات الفضائل فإذا واظبنا على ذلك فترة طويلة جدًا كي نصل إلى الكمال نستطيع أن نقول إننا في كل درجة كانت لنا رحلة نتهذب فيها ونتقدم إلى أن ننال أرض الموعد.

 

طريق العالم الآخر

4ـ إن النفس عندما تترك مصر هذه الحياة لتصل إلى أرض الموعد عليها أن تتبع عدة طرق. واعتقد أن النبي قد أشار إلى ذلك حين قال: ” لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيَّ. ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه ” (مز42: 5).

هذه هي الطرق، هذه هي ديار الرب، قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي ” (مز 84: 1ـ2)، ” العصفور أيضًا وجد بيتًا والسنونة عشًا لنفسها حيث تضع أفراخها. مذابحك يارب الجنود ملكي وإلهي”. ونفس هذا النبي قال أيضًا: “ طال على نفسي سكنها” (مز120: 6)، فإذا أردت أن تفهم هنا هذه الأمور، فهذه هي رحلات النفس واغترابها… الأنين… الاشتياق… الدموع. أي أن ترى النفس نفسها قد ارتبطت بهذه الأمور زمانًا طويلاً. ولكن التفكير في رحلات هذه الغربة يُظلِم ويضعف النفس كثيرًا. ولكنها ستفهم وترى الحق أفضل عندما تتحول إلى راحتها أي إلى وطنها الذي هو الفردوس. وقد تأمّل النبي في هذه الحقيقة بطريقة سرية عندما قال: ” ارجعي يا نفسي إلى موضع راحتك لآن الرب قد أحسن إليك ” (مز116: 7). فالنفس تتغرب وتسافر وتتمم رحلاتها بلا أدنى شك لأن التدبير الإلهي يجهز لها فائدة عظيمة كما قال النص “…. لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا ” (تث8: 2-3). هذه هي الرحلات التي عن طريقها نعبر من الأرض إلى السماء. فمن ذا الذي سيحوز على كثير من التقدم ويلم بكثير من الأسرار الإلهية لكي يحصى مراحل هذه الرحلة وهذا الصعود للنفس، ولكي يصف المشقات والراحة التي وجدها في كل مرحلة؟

وكيف نشرح إذًا أنه بعد أول وثاني رحلة أكمل فرعون والمصريين المطاردة، وأن المصريين وإن لم يستولوا على الهاربين، إلا أنهم مع ذلك استمروا في مطاردتهم، ولكنهم (أي المصريين) قد اُبتلعوا في البحر. كيف نفهم إذًا كيف أن شعب أُنقذ فجأة من مطاردة فرعون بعد الرحلات الأولى وأنشدوا هذا النشيد: ” أرنم للرب فإنه قد تعظم. الفرس وراكبه طرحهما في البحر” (خر15: 1). ولكنني قلت قبل ذلك أن الذي تجاسر على موقف تلو الآخر يكتشف أسرارًا وبدراسة أسماءهم يستخرج معانيها الخاصة! إنني لا أعلم كيف أن عقل الواعظ لا يعجز أمام كثافة هذه الأسرار. وكيف استطاع عقل السامعين قبولها! كيف نشرح الحروب المتنوعة وكيف نتكلم عن الذين سقطوا في القفر وكثرتهم. فما حدث ليس هو لبني إسرائيل بل لأبناء بني إسرائيل الذين وصلوا إلى الأرض المقدسة. ففي الواقع إن كل الشعب الذي عاش وسكن مع المصريين قد سقط، وأن الوحيدين الذين بلغوا المملكة الجديدة، هم الذين تجاهلوا المصريين، عدا الكهنة واللاويين! فإذا استطعنا أن نأخذ مكانًا بين الكهنة واللاويين وألا نمتلك أي مكان على الأرض، وإذا كان الرب وحده معنا، فإننا لن نسقط في القفر بل سنبلغ الأرض الموعود بها.

إذن إذا أردت بلوغ الأرض الموعود بها لآبائك وأن لا تسقط في القفر، فلا يكن لك نصيب على الأرض، ولا شركة مع الأرض، وليكن الرب هو نصيبك فلن تسقط أبدًا. وبالصعود من مصر إلى أرض الميعاد قد تعلمنا ـ بشكل رمزي ـ صعود النفس إلى السماء وسر قيامة الأموات.

5ـ لقد انطوت هذه الرحلات على مسميات. وليس من المناسب أن يكون لكل مكان تحت السماء اسم أو شهرة، في الجبل أو السهل مثلاً. ورحلات صعود النفس نحو ملكوت الله ليس لها “أسماء”، بل تتكون هذه الرحلات من كلمات سرية، ومرشد هذا السمو للنفس ليس هو موسى ” لأن موسى لم يكن يعلم إلى أين يذهب ” (انظر عب11: 8)، ولكن المرشد هنا هو “عمود سحاب” و “عمود النار” (انظر خر13: 21). أي أن ابن الله والروح القدس هما المرشد لهذه النفس كما قال المزمور “وهداهم بالسحاب نهارًا والليل كله بنور نار” (مز 78: 14). فهذا هو صعود النفس المغبوطة حينما تبتعد عن المصريين وعن الأوثان وعن كل الذين يعوقونها. وهي تعبر الطرق طريقًا تلو الآخر. وهذه الطرق هي من عند الآب. فسيأتي وقت تضئ فيه هذه النفس شيئًا فشيئًا. وفي اجتيازها من طريق إلى آخر، سوف تبحث دائمًا عن الأكثر إنارة وسوف تكون هي أيضًا نورًا، حتى تعتاد من  تلقاء نفسها أن تستند على النور الحقيقي الذي يضئ لكل إنسان…” (انظر يو1: 9)، وأن تستمر وتتشجع بنور جلاله الحقيقي.

 

قدم النفس في هذه الحياة

لنعد الآن إلى تفسيرنا الثاني الذي أشرنا إليه ولنرَ فيه منهجًا لتقدم النفس في هذه الحياة متخلية ومتحوله عن المعيشة في الوثنية ” وهي تتبع الكاهن الأبدي الأعظم “( أنظر عب6: 20)، وليس موسى وهرون حتى تصل إلى حد الكمال … وكي تختبر النفس ذاتها في وصايا الله وتختبر إيمانها في شتى الحروب، فهي تظل في قفر هذا العالم. فهل هزمت النفس في إحدى هذه الحروب؟ هل اختبرت إيمانها؟ هل سقطت في حرب أخرى ثم اجتازت منها لحرب أخرى ولرحلة أخرى؟ هل نجحت فيما قابلته من صعوبات؟ هل احتملت التجربة بأمانة؟ لو كان الأمر هكذا فسوف تحلق النفس في التجربة التي تليها. وبهذه الحروب المتوالية في الحياة، وبمراحل تقدم النفس هذه نستطيع أن نقول إنها اجتازت رحلات، وفي كل مرة اكتسبت فضيلة جديدة. وحققت ما قاله الكتاب: ” يذهبون من قوة إلى قوة يُرون قدام الله….” (مز84: 7). وأخيرًا سوف تصل إلى أعلى درجة في الفضيلة وستعبر نهر الله وتأخذ الميراث الأبدي.

6ـ فحسب هذا التفسير المزدوج، علينا أن نعتبر كل هذه القائمة للرحلات طريقًا تكتسب النفس منه فائدة مزدوجة لتتعلم كيف تعيش حسب ناموس الله. ففيما نجد النفس ترفض الخطية فهي بذلك تتبع ناموس الله. فكم من المواعيد ومن الرجاء تنتظر هذه النفس بعد القيامة. وحسب رأيي نستطيع أن نجد في هذه النصوص تعاليمًا جديدة تليق بوصايا لروح القدس.

وفيما نحن نعرف كيف يُسمىَ نصيب العالم حيث سكن فيه بنو إسرائيل في ذلك الوقت، فيجب أن نعرف كم من الفوائد يؤول ذلك لتقديسنا. كم من ربح يناله الذين “ يلهجون في ناموس الرب نهارًا وليلاً ” (مز1: 2).

والآن نرى مقدار الأهمية التي أعطاها الرب لهذه الرحلات وبإظهارها لنا، فهذا هو الإحصاء الثاني الذي قدمه لنا الناموس الإلهي. فقد أشير إلى هذه الأسماء قبل ذلك ولكن مع بعض التنويع، حينما رأينا بني إسرائيل يتركون هذا المكان ويسكنون في ذاك. ولكننا نرى موسى يأخذ الآن أمرًا بالإحصاء من جديد ” حسب كلام الله “. وكون هذا الإحصاء قد تم مرتين فهذا يتطابق مع السر المحتوى، فيما قدمناه من الشرح السابق. وكون هذه الأسماء قد أعيد إحصاءها مرتين، فهذا إشارة إلى أن النفس لها رحلتان تكملهما أثناء أقامتها في هذا الجسد. وحينما تقتني النفس الفضائل وتصعد على سلم الفضيلة وهي تتبع ناموس الله، فهي بذلك تتمم رحلات لتقدمها الروحي في هذه الحياة. وسوف تكمل ذلك بعد القيامة كي تصل إلى السموات… إذًا فتقدم النفس يأخذ درجات هنا ويمتد في الحياة الأخرى… وفي كل مرة ستكون النفس متألقة، ومنيرة. وفي كل مرة سيغمرها نور الحكمة حتى تصل أخيرًا إلى “أب الأنوار” نفسه.

 

الخروج من مصر يقضي على الرذائل

لقد خرج بنو إسرائيل بجنودهم” (انظر عد33: 1)، فمصدر هذه القوة التي كانت معهم هو الذي قال: ” سأنزل معك إلى مصر” (تك 4:46)، ولأن هذه القوة كانت معهم فقد قال النبي في المزمور:       ” فأخرجهم بفضة وذهب ولم يكن في أسباطهم عاثر” (مز105: 37). لقد خرجوا ممسكين بيد موسى وهرون. فلكي يتم الخروج من مصر، لا تكفي يد موسى وحدها بل يد هرون أيضًا. فموسى يمثل علم الشريعة وهرون يمثل فن العمل في الذبائح والتقدمات. ونحن أيضًا في الخروج من مصر نحتاج إضافة إلى الشريعة والإيمان، ثمر الأعمال التي ترضى الله. وإذا كان من الضروري هنا يد موسى وهرون، فهذا للتعبير عن الأعمال بقوة الكلمة. فنتائج الخروج من مصر، إذا التجأتُ إلى الله هي: التخلي عن الكبرياء بتقديم ذبيحة ثور قوي لله بيد هرون. وإذا تركتُ عدم النظام وحِدّة الهجوم أعتبر أنني ذبحت تيسًا للرب بيد هرون، وإذا انتصرتُ على الشهوة الجسدية أقدم ثورًا ذبيحة… وإذا تركت الحماقة أقدم خروفًا.

فعندما تتنقي النفس من خطاياها فهنا نجد “يد هرون” أي الذي يعمل فينا. أما يد موسى فهي معنا عندما نفهم هذه الأمور، فنحن بذلك نستنير بنور الشريعة. إذن هذه القوة المزدوجة هامة جدًا لمن يخرجون من مصر حتى نجد فيهم الإيمان والعلم قد تجاوزا حد كمال الأعمـال.

أما يد موسى ويد هرون فهما ليسا يدان، بل يدٌ واحدة. فالرب هو الذي جذبهم من مصر. إذًا هي يد الرب وليست يدا موسى وهرون. لأن هذه اليد المزدوجة لها عمل واحد وهدف وحيد نحو الكمال.

 

السفر الروحي

وكتب موسى مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب ”            (عدد33: 2). لقد كُتِبْت هذه الأمور ” حسب كلام الله “. غير أننا رأينا في قراءتها كم من المراحل تنتظرنا في السفر إلى الملكوت. فكم ينبغي أن نستعد لهذا الطريق الذي علينا أن نقطعه ولا نترك أنفسنا للتكاسل والجمود في مدة حياتنا. ولا يجب أن تعيقنا أباطيل العالم.  لذلك فلا نقبل أن نتلذذ بكل ملذاته سواء بالسمع أو بالشم أو بالتذوق حتى لا تهرب منا الأيام. وحتى لا يمر الوقت دون أن نُسرع في اكتشاف مسافة هذه الرحلة ونضعها في الحسبان. وحتى لا نعجز في الطريق ولا نعاني نفس مصير أولئك الذين لم يستطيعوا الوصول إلى المرفأ. إذ قد ” سقطت جثثهم في القفر” (عب3: 17). فرحلة حياتنا في هذا العالم هي لكي نسعى ” من فضيلة إلى فضيلة ” (أنظر مز84: 7)، وليس وجودنا على هذه الأرض هو لكي نرتبط بالأشياء الأرضية، كما قيل في الإنجيل عن ذلك الرجل: ” وقال اعمل هذا، اهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي وأقول لنفسي، يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي. فقال له الله، يا غبي في هذه الليلة تؤخذ نفسك منك فهذه التي أعددتها لمن تكون” (لو12: 18-20). فالذي حدث لهذا الرجل حدث للمصريين في نصف الليل: ” فحدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الأسير الذي في السجن وكل بكر بهيمة” (خر12: 29).

فهذا الرجل أحب العالم وأضاع الحياة عند: “ ولاة عالم الظلمة ” (أنظر أف6: 14). ولقد سُمى هذا العالم بالظلمة والليل بسبب الذين يعيشون فيه بالجهل ولم يأخذوا نور الحقيقة. فهؤلاء هنا لم يخرجوا من رعمسيس ولم يذهبوا إلى سكوت.

عيد الانطلاق

لنرَ متى رحل بنو إسرائيل من ” رعمسيس. في أول الشهر في اليوم الخامس عشر من الشهر ” (عد33: 3). ويكون ” اليوم الرابع عشر من الشهر” حسب كلام الرب(أنظر خر12: 3)، حين احتفل بنو إسرائيل بالفصح في مصر، وذبحوا الحمل في عشية “الرحيل” وبدأوا الاحتفال بالعيد احتفالاً أكيدًا قبل أن يتركوا مصر. وفي اليوم التالي الذي هو أول ” الفطير” ” اليوم الخامس عشر من الشهر” رحلوا من رعمسيس ووصلوا إلى ” سكوت ” كي يحتفلوا بالعيد ” الذي هو عيد الفطير”، ” إننا نعرف بعض المعرفة ونتنبأ بعض التنبؤ ” (1كو13: 9)، ” فلا يحكم أحد علينا في عيد أو هلال أو سبت ” (انظر كو2: 16)، لأن كل عيد يحتفل به الناس على الأرض لا يكون الاحتفال به كاملاً بل احتفالاً جزئيًا، ولا يحمل معنى كمال العيد: ” إذًا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخمير الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق”         (1كو5: 8). إذًا سوف تحتفل بعيد حلول الروح القدس في “القفر”، فحينئذ ستبدأ في تناول الغذاء السماوي من المن. وتحتفل أيضًا بكل الأعياد التي تحدثنا عنها على قدر استطاعتنا. ولنعرف أنه بعد الاحتفال بعيد الفصح هذا في مصر، سوف نجد أن عيد الفصح يُحتفل به مرة أخرى في الصحراء حيث أعطيت الشريعة. ومرة أخرى أيضًا بعد أن ارتفعنا وزدنا في العدد. ولن يُحتفل بعد ذلك به في أي مكان آخر إلا في أرض الموعد.

” إذن اليوم الخامس عشر من الشهر الأول ” هو اليوم الذي يلي الفصح. والذي هو أول يوم العيد الفطير. في هذا اليوم رحل بنو إسرائيل من رعمسيس كما قال الكتاب انظر (خر33: 3)، ” وتحت أعين كل المصريين “. فما هي هذه اليد الرفيعة؟ فعندما يتم عمل إلهي لا عن طريق بشر ولا بطريقة أرضية، فهذا يعني أن هذا العمل قد تم “بيد رفيعة”، فقد رحل بنو إسرائيل بيد رفيعة أمام أعين كل المصريين.

[1] إن جسدنا لا يبدأ بتناول الأطعمة. ففي سن التكوين لا يأخذ سوى اللبن هكذا الحال بالنسبة للنفس. فالدراسات العميقة التي أعدت لتناسب الناضجين الذين يسلكون نحو الفضائل ويسعون إليها، هذه لا تناسب الأطفال الصغار.

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الذبائح والنذور

 

تمهيد: تعليم كلمة الله

1ـ كل من يريدون تثبيت علم راقي قليلاً سوف يجدون تعليمات شاقة طالما هم يجهلون هدف وامتيازات العلم التي نلقنه لهم. لكنهم سيصلوا بالتدريج إلى هذا العلم وسوف يسّرون بتحمل المصاعب التي يواجهونها في هذا التعليم، وفي الأنباء المقدسة والإلهية التي يجب أن يمر بها هذا التعليم الذي يتجه إلى ملء السعادة. وهذا ما يعني بكلمات واضحة أن خادم الله في سفر الخروج: ” تجئ بهم وتغرسهم في جبل ميراثك المكان الذي صنعته يا رب لسكنك” (انظر خر15: 27). الرسول بولس أيضًا، كان يعرف أن هناك عناصر أولية يلزم أن يرسخها في الذهن ولا نصل إليها إلا بعد فترة، مع الزمان ومع الوصول للكمال كان يكتب للمسيحيين “ لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين بسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر، لأنه طفل. وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب 5: 12-14).

وفي مكان آخر يذكرنا بأن حروف الناموس وكل جزء من الكتاب يشكّل ” أركان العالم” (انظرغل4: 3؛ كو2: 8). إن التعاليم المعطاة للمبتدئين تظهر لنا الآن صعبة الفهم، كل مستمع يريد أن يتعلم ما يختص بالخلاص، وعندما نقرأ له نصوصًا تتصل بذبائح الكباش والماعز والثيران، يقول إن هذه القراءة لا تعطيه أية استفادة، طالما أنها تلقي على المستمعين بطريقة سلبية. لكن إذا وُجِدَ من يرفع       ” البرقع الموضوع على قراءة العهد القديم” (انظر2كو3: 14) والبحث عما هي الذبائح الحقيقية، التي تطّهر الشعب في أيام العيد، سيرى العجائب المدهشة التي تحتوي عليها النصوص، أو التي تظهر للجهلاء تافهة ومليئة بالشكوك. القديس بولس والمقتدون به يملكون هذه المعرفة أكثر وبصورة كاملة وأفضل، وقد اكتسبوها من “الحكمة” ومن “كلمة لله”، بينما نحن، بالقياس إلى ما نستطيع استخلاصه من الكلمة في النص الذي فيه الكلمة والحكمة التي تعطينا الحقيقة في شكل ظل وصورة، سوف نحاول تحليل بعض النقاط بخصوص طقوس الذبائح بهدف البناء العام.

 

الذبائح: التضحيات الكفارية

في عيد الفصح، فإن حملاً هو الذي يُقدم لأجل تطهير الشعب، وفي أعياد أخرى تكون بقرة وفي أخرى تكون ماعز، أو كبش أو عنزة أو عجل كما عرفتم من قراءة اليوم. الحمل هو إذن أحد الحيوانات التي تستعمل في تطهير الشعب. هذا الحمل، نحن نعرف أنه يشير إلى ربنا ومخلصنا شخصيًا، وهذا ما فهمه يوحنا الذي هو “أعظم الأنبياء”، وعبر عن ذلك قائلاً: “ هوذا حمل الله، الذي يرفع الخطية عن العالم” (يو1: 29). في هذه الحالة إذ كان الحمل الذي قدم للشعب من أجل التطهير يمثل شخص ربنا ومخلصنا، فإن باقي الحيوانات المعينة لنفس الغرض يجب أيضًا أن تمثل، كما يبدو، الأشخاص الذين، باستحقاق دم المسيح، يؤدوا إلى تطهير الإنسانية. إن ربنا ومخلصنا “عندما أقتيد إلى الذبح كحمل وقُدم للتضحية في المذبح قد أعطى مغفرة الخطايا للعالم أجمع، ألا يكون أيضًا بنفس الطريقة أن تُغفر الخطايا بسبب دم القديسين الآخرين، وما قد ” سفك منذ أيام هابيل حتى دم النبي زكريا الذي قتل بين المعبد والمذبح” (مت23: 35)، ألم يسفك دم أحدهم مثل العجل، ودم آخر مثل الماعز؟ باختصار كواحد من الحيوانات التي تؤدي إلى التصالح بين الشعب. هل يجب أن يطبق عليهم البر؟ أي على الأنبياء الذين ذبحوا في هذا العالم، ولمن يقول: “لأجلك نُمات اليوم كله، قد حسبنا مثل غنم للذبح”، هل أيضًا يجب تطبيقه على القوات العليا التي أخذت على عاتقها مسئولية النوع الإنساني؟ من يستطيع أن يؤكد ذلك.

لأنه ليس بالمظهر فقط، ولكن هذه الحيوانات ترمز إلى معنى آخر أو إنسان آخر. إذا كان الرب يسوع المسيح هو بنفسه يحمل اسم الحمل، فهذا ليس لأن شكله تغير، وتحول إلى خروف، ولكن لأنه أراد ذلك، في صلاحه جاء للناس بمغفرة الخطايا مع الله، وقام بدور خروف بالنسبة للنوع الإنساني، الذبيحة التي بلا عيب أو خطية، والتي بواسطته نؤمن أننا ننال الصلح مع الله.

وأيضًا ربما أن، كل ملاك، وكل قوى عليا مقدسة، وكل بر لا بل وكل نبي قديس أو قديس رسول يتشفع بإلحاح من أجل مغفرة خطايا الإنسان، يمكن اعتباره مثل النعجة أو البقرة أو العنزة المقدمة كضحية للحصول على طهارة الشعب. القديس بولس، ألا يبدو وكأنه كبش أو ماعز مقدم كضحية إلى المحرقة من أجل شعب إسرائيل، عندما قال ” كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح، من أجل أخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو9: 3). لكن نريد برهانًا أن القديس بولس يقدم مثل ضحية للذبح؟ أن نسمعه يقول في مكان آخر من الكتاب المقدس ” لأني أنا الآن أُسكب سكيبًا ووقت انحلالي قد حضر” (2تي6:4). هكذا أيضًا أحدهم قُدِمَ في عيد الباكورات، والآخر في عيد السبت، وآخر في عيد المظال على شكل كبش أو بقرة أو نعجة، من أجل مصالحة الله مع الناس. لأنه مادامت الخطايا موجودة، فإنه يجب أن نجد ذبائح للتكفير عنها. فلو لم تكن هناك خطية، لما صارت هناك أي ضرورة أن يصبح ابن الله حملاً، ولما كان هناك أي احتياج أن يصنع لنفسه جسدًا، لكي يقدمه ذبيحة.

كان سيظل كما كان ” في البدء” الله الكلمة (يو1:1)، لكن ” دخلت الخطية إلى العالم” (رو5: 12)، في هذه الحالة فإن نتائج الخطية تتطلب تكفير، والتكفير لا يكتمل سوى بذبيحة. كان إذن من الضروري انتظار ذبيحة من أجل الخطية. وأشكال الخطية مختلفة ومتنوعة، ولذلك كانت الوصية أن يُقدم أنواع كثيرة من الذبائح، بحسب أنواع الخطايا. وهكذا تارة تكون الذبيحة ثورًا، كرمز للقديسين والملائكة، أو البشر، كما قلنا، الذي في مثل هذا العيد يستخدم تقديم شفاعة عن الخطايا التي ارتكبها الشعب، تارة يكون كبش، بواسطته يتم تطهير الشعب.

إذًا لو أن الناس قد نالوا تطهيرًا من خطاياهم، ولو كانوا أكثر نقاء، لقلت الذبائح. إذًا كان في الحقيقة عدد الذبائح نسبيًا غير متكافئ مع الخطايا، وإن كثرة عدد الخطايا سوف يتبعه زيادة في عدد الذبائح، وبالعكس إذا قل عدد الخطايا. الكتاب المقدس يشير إلى هذا. وفي آخر عيد، وهو عيد المظال، كان يوصى بتقديم الذبائح خلال ثمانية أيام. اليوم الأول بسبب كثرة الخطايا، يجب أن يقدم أربعة عشر من الأبقار. في اليوم التالي فإن الخطايا تكون قد خفضت، وعدد الذبائح أيضًا، لذلك تقدم ثلاثة عشر بقرة. وثالث يوم، اثنى عشر ثورًا ثم إحدى عشر. وهكذا كما لو كانت التطهيرات تنقص يوم فيومًا عدد الخطايا، وعدد الذبائح ينقص نتيجة لذلك.

فلنفهم أن في التدبير العام في العالم فإن عملية التنقية هي بعينها. لأن الحاجة إلى التطهير لا تشعر بها فقط الكائنات التي على الأرض، ولكن أيضًا من في السماء. إن السموات أيضًا مهددة بالهلاك لأن النبي يقول: ” إن السموات سوف تبيد وكلها كثوب تبلي كرداء تغيرهن فتتغير” (مز102: 26). إذًا لنعتبر التطهير في العالم كله، أي كل الكائنات ” السماوية والأرضية والشيطانية “، لكي نرى كم من الذبائح يجب أن تكون لكل هذه الكائنات، كم من الأبقار أو الكباش أو الماعز، ولكن من كل هذه الحيوانات فإن “الحمل” هو الوحيد الذي استطاع أن ينتزع الخطية من العالم بأسره. ولهذا السبب اختفت بقية الذبائح. هذه الذبيحة وحدها تكفي لخلاص العالم بأسره. الآخرون يمحون الخطايا بتضرعاتهم، هو وحد مسحها بسلطانه هو الذي قال: ” يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2)، وهكذا فإن العالم يتعلم أولاً البحث عن مغفرة الخطايا بواسطة ذبائح مختلفة، إلى أن تأتي الذبيحة الكاملة التامة، “حمل عمره عام، صحيح” هو الذي ينزع خطية العالم، بفضل ذلك الكامل نحتفل بالأعياد الروحية لا لإشباع الجسد، ولكن لتقدم الروح ونموها، بواسطة تقديم الذبائح الروحية لأجل تطهير العقل. يجب في الحقيقة أن نقدم لله ذبيحة القلب. نقدم له ” ذبيحة روح مماتة ” ” ليس ذبيحة من لحم ودم، لأننا إن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو5: 16)، لنقم إذًا الأعياد بالروح ولنقدّم الذبائح الروحية.

لقد كرسنا هذا الشرح عن الذبائح المختلفة، على قدر طاقتنا الجسدية، لكن معنى التضحية واضح، ومحجوز له أي الله الذي كل شئ عريان ومكشوف في عيني ذلك الذي ليس شئ مخفيًا عنه     (انظر عب4: 13).

 

النذور: الإنسان ـــ إنسان

2ـ بعد ذلك تأسس ناموس النذور. موسى بدأ هذا التشريع بطريقة غريبة. ” الإنسان ـ الإنسان الذي نذر نذرًا للرب؟ ” ما هو السبب الذي جعله يكرر هذا الاسم؟ ألا يكفي أنه يقول: ” الإنسان الذي نذر نذرًا لسيده “، لماذا يقول عندئذ “الإنسان – الإنسان”، ما هو معنى هذا التكرار لهذا اللفظ ” إنسان؟ ” إنه سؤال لا يجب إهماله في نظري أن الرسول يميز بين ” الإنسان الداخلي و الإنسان الخارجي “، الأول هو الذي يتجددَّ، من يوم ليوم حسب صورة خالقه (كو3: 10)، الإنسان الثاني هو الذي يموت، عندما نصل إلى حالة التقدم في العمر ونستلم ناموس الله، والذي فيه نقدم نذورًا للمسيح – ولكننا لا نستطيع تقدمة نذور للسيد بدون أن يكون لدينا في داخلنا، شيء جوهري لنقدمه. الإنسان الخارجي غير قادر على استقبال ناموس الله، وأن يهب له فقط هبات، لأنه لا يستطيع أن يكون لديه ما هو جدير بالله. على عكس ذلك، فإن ” الإنسان الداخلي” لديه في ذاته ما يقدمه إلى الله، لأنه فيه يتماسك قرار الفضائل، تكامل العقل والعلم، وينفتح في العقل تجديد صورة الله[1]. وعندما اكتشف الإنسان الشكل الذي أعطاه له الله منذ البداية، عندما أعاد الفضائل واسترجع جماله البدائي، عندئذ استطاع أن يهب نذوره لله، عندئذ سوف نسميه بدلاً من إنسان بلا زيادة ” إنسان ـ إنسان”.

 وإذا لم يتشدد الإنسان الداخلي، إذا لم نعتن به، إذا لم نزيّنه بالفضائل، إذا لم نمده بالعادات الحسنة، إذا لم ندربه على التعاليم الإلهية، إذا لم نطبقه على العلوم المقدسة، لن نستطيع أن نُدعىَ “إنسان، إنسان”، أو “إنسان” بلا زيادة أو “إنسان نفساني”، لأن “الإنسان الداخلي” الذي بالنسبة له  لقب إنسان معناه موثوق به وأكثر نبلاً، ولكن بسبب رذائل الجسد، والمشاكل والاضطرابات التي في هذا العالم، فإنه لا يستحق أن يدعى بهذا الاسم.

لذلك يجب بذل كل مجهود، إذا رأينا “الإنسان الداخلي” الذي في داخلنا هارب تحت قذارة الخطايا ودمار الرذائل، لكي ننتشله في أسرع وقت ممكن من النجاسات، وننتزعه في أسرع وقت ممكن من دنس الجسد والدم، ونحوله. أخيرًا يجب أن يلجأ الإنسان إلى العقاب، وتذكير نفسه في داخله بذكرى الله والرجاء في الخلاص.

إنها ليست في الحقيقة أشياء طيبة التي يجب البحث عنها في جهة أخرى في الخارج “خارج الإنسان”، إنما يمكن أن يوجد الخلاص بداخلنا، كما يتضح من أقوال ربنا “ ها، ملكوت الله داخلكم”        (لو21:17)، فنحن بداخلنا إمكانية الاهتداء. عندما سوف نهتدي بواسطة الدموع، سوف نخلص عندئذ، سوف نتمكن من ” تقديم النذور إلى الرب ” ويمكن أن يسمى “إنسان، إنسان”.

 

ما هي النذور؟

لكن هناك نذر عندما نقدم لله شيئًَا من ذواتنا. إن الله يريد أولاً أن يأخذ شيئًا منا، وإذا كان يريد أن يظهر سخيًا تجاهنا، إذا كان يريد أن يوزع هباته وهداياه، فإنها لمن يستحق وليس للآخرين. ولكن ماذا يريد الله أن يتقبل منا؟ استمع لهذه الجملة من الكتاب المقدس: ” والآن إسرائيل ماذا يطلب منك سيدك إلهك، أنك تسير في كل طرقه، وأنك تحبه من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك” (تث10: 12)، هذا هو ما يطلبه منا الله. إذا لم نقدم له أولاً، لن نأخذ منه أبدًا ونقرأ في نص آخر: ” أعطِ المجد لله، وأعط العظمة لله”. إذا كنت تعطيه المجد سوف تأخذ المجد. لأن الله نفسه قال: ” أكرم الذين يكرمونني” (1صم2: 30). وأنا أقول من جانبي: إذا قدمنا له برنا سوف نستقبل منه المجد.

وإذا قدمنا له عفتنا وأقصد بذلك عفاف جسدنا سوف يقدم لنا عفة الروح كما يقول الرسول: “ نحن لنا فكر المسيح” (1كو2: 16)، فعندما نقدم إلى الله ما هو فينا، وأن يعطينا ما هو “له”، فإننا سوف نُسمى حقيقة، ليس فقط “إنسان” لكن إنسان – إنسان، لأن كل واحد من جانبي الإنسان يحصل على الكمال الذي يناسبه.

 

أمثلة من النذور

هذه هي النذور التي يجب أن يلتزم بها من يسمى “إنسان – إنسان”، أعرف أنواع كثيرة متعددة في الكتاب المقدس، وهبت حنة للرب ثمرة بطنها، وكرست صموئيل للهيكل (انظر1صم11:1،54) ووهب آخر للرب الشئ الذي سوف يظهر له عند عودته بعد الانتصار. وكانت ابنته هي التي ظهرت وأكمل هذا النذر المحزن (انظر قض31:9). آخرون يقدمون لله أبقار، كباش، منازل أو كائنات أخرى غير عاقلة.

النذير أو القديس

أما الذي نسميه النذير فقد نذر نفسه لله. هذا هو نذر النذير، وهو متفوق على الجميع. لأن من يهب أبنًا أو بنتًا أو حيوانًا أو عقارًا كل هذا خارج عنه تمامًا. ولكن أن يقدم نفسه لله ويرضيه ليس باستحقاق شخص آخر ولكن بواسطة نفسه، فإن هذا يتفوق في الوصول للكمال والسُمُوّْ عن جميع الأنواع الأخرى من النذور. من يفعل هذا هو متمثل بالمسيح. في الحقيقة إن الله هو الذي أعطى للإنسان الأرض والبحر وكل ما تحتويها، ووضع في خدمة الإنسان السماء، والشمس أيضًا، والقمر والنجوم، وأغدق على الإنسان بالأمطار والرياح وكل ما يحتويه العالم، وبعد ذلك كله أعطى نفسه له. الرب في الحقيقة أحب العالم كثيرًا حتى بذل ابنه الوحيد (يو3: 16) لأجل حياة العالم. ما هو الاستحقاق العظيم الذي يمكن أن يقدمه الإنسان للرب، الذي “بذل نفسه” أولاً له؟ إذًا إذا “ أخذت صليبك” (مت10: 38)، وإذا اتبعت المسيح، وإذا استطعت أن تقول ” أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ” (غل20:2)، وإذا كانت روحنا لديها الرغبة، والعطش للرجوع إلى المسيح تبعًا لكلمة الرسول، وإذا لم تحب أبدا انجذابات العصر الحاضر، وإذا أكملت روحيًا كل الصفات التي تختص بالنذير عندئذ فإنه هو يهب نفسه لك، وتكون أنت لله وهو لك. وأما الذي يعيش في الطهارة، فهو يهب جسده لله تبعًا للنص: ” العذراء تهتم أن تكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7). الكلمة نفسها ” مقدسة ” تؤكد ما نقوله، إننا نسمى “قديسين” مَن نَذورا أنفسهم لله. مثلاً نسمى قديس، من ينذر نفسه لله. الكبش لا يجب أن نجزه ليخدم الاستعمالات المدنسة. وأيضًا فإن البقرة التي كرست لله تسمى مقدسة، ليس من المسموح أن تربط للعمل في أعمال دنيوية. وتبعًا لهذه الأمثلة، لنعرف ماذا يرتكز عليه الفعل ” نذر نفسه”. إذا نذرت نفسك لله، يجب أن تكون كالبقرة المكرسة لله التي يجب أن لا تخدم في الأعمال الإنسانية ولا تعمل أيضًا للإنسان، هكذا أنت أيضًا فإنك لا تعيش وتعمل للحياة الحاضرة، بل لكل ما يختص بالروح وبالتأملات والعبادة الإلهية، هذا هو ما يجب أن تفعله، هذا هو ما يجب أن تفكر فيه.

 

نذورات مختلفة: درجات للكمال

ومع ذلك فإن قراءة اليوم تحتوي على بعض التميزات النوعية في مادة النذر، إذا كان الإنسان هو الذي يعمل النذر، يقال عنه إنه حر في نذوره، ولا يتبع أحدًا. “إذا كانت امرأة هي التي تقوم بالنذر” وإذا كانت في منزل والدها، فإن نذرها يتبع الأب، وإذا لم يرضَ به، فإنها غير مسئولة عن ذلك، ولكن إذا رضى به، فهو وأبنته مُلزمون بتنفيذه. وإذا حدث أن الأب لم يعلن أنه غير راضٍ عن ذلك، فإن الفتاة إذًا لم تكمل هذا النذر، فإن الخطية تبقى عليه. وهناك نظام مثله يختص بالزوج، إذا كانت سيدة قامت بالنذر وهي في بيت زوجها، فإذا تفاهم معها زوجها ولم يلغه، فإنه يكون مسئولاً عن النذر بنفس المقدار مثل زوجته، “وإذا لم يلغه” فإن الزوجة والزوج يكونان مسئولان عن ذلك. وإذا لم يتكلم الاثنان كما قلنا فإنهما مسئولان عن ذلك، هذا هو النص. ولكن إذا أردنا فلنطلب من الله فهمًا يجعلنا نستحق أن نفهم هذا النص، كما يناسب كلمات الله. نحن الذين نعيش تحت ناموس الله، والذين نكّون كنيسته، ويعيش البعض تحت سيطرة أب، والآخرون تحت سيطرة زوج، إذا كانت روحنا صغيرة وحديثة في مدرسة الله، يجب النظر إلينا كما لو كنا نعيش تحت سيطرة الأب. لكن إذا تقدمت نفسنا لدرجة أن تصبح ناضجة للزواج، لتتقبل حصاد كلمة الله وتفهم أسرار التعليم الروحاني،فهي موضوعة تحت سيطرة الزوج. وهذا ما قاله القديس بولس لأهل كورنثوس: “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو1:1ـ2). أما من هم المجموعة الأخيرة فهم الأكثر كمالاً، والأكثر سموًا ولا يقال عنهم أنهم تحت سيطرة زوج، ولكن استمع إلى ما يقوله القديس بولس وكيف يقول عن نفسه وعن أمثاله: ” إلى أن نصل إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملئ المسيح ” (أف4: 13). والنذور التي تقدمها هذه النفس التي تصل إلى الإنسان الكامل، لا أحد يستطيع أن يأمرها، فالمرأة تمتلك ثروتها وهي حرة في نذورها.

 

النفوس التي لا تمتلك نفسها

ولكن إذا كانت النفس أيضًا من الجنس الأنثوي وإذا كان زوج أو أب يستطيع التصرف في نذرها، فالخطأ لا يقع عليها، فهو يقع في بعض الأحيان على الأزواج أو على الآباء. وبالرغم من أن هذه المواد صعبة للوصول إلى الميناء، ولكننا سنقدم أفكارًا بحسب ما يعطينا الرب.

 

دور الملائكة الحراس

لقد قلنا مرارًا إن العناية والاتجاه إلى النفوس في كنيستنا الإلهية تعطي مسئوليتها للملائكة، وأشرنا إلى أنها تظهر شخصيًا عند محاكمة الإنسان حتى تنظم في المحاكمة الإلهية. إذا أخطأ الإنسان بفعل سقوطه نفسه أو بإهمال أساتذته يبدو في هذا النص أيضًا، تحت ستار الغموض. هناك معنى يبرهن على أن بعض النفوس لديها صلات مع فتيات، والبعض مع زوجات حسب نوعها الذي ذكرناه أعلاه. إذا كانت إذًا واحدة منهن تريد أن تهب نفسها أو تنذر نفسها أو شئ منها إلى الله، إذا كان نذرها غير ناضج وليس مناسبًا جدًا، فإن ذلك يرجع إليه، إلى الملاك الحارس والناصح، فعليه أن يوقف النذر، وأن يلغي جرأة صاحب النذر. لكن إذا، بعد الاستماع إليه لا يوقفه، ولا ينذره فإن هذه الروح سوف تكون مثالاً للخطأ لكن هو (أي الملاك) سوف يبقى مسئولاً عن النذر.

وهذا هو ما يحدث لمن هم أقل كمالاً، هذا هو معنى النص، ولكن بالنسبة للأكثر اكتمالاً، فإن الله نفسه يساعدهن. وكبرهان على ذلك ما كتب عن شعب إسرائيل: ” الله نفسه كان يقودهم “، ولكن بعد أن سقطوا، وأصبحوا أقل رتبة مما كانوا قبلاً، فقد عهد بهم إلى ملاك. وهذا ما جعل موسى يقول: ” إذا لم تأت بنفسك معنا، لا تجعلني أرحل من هنا ” (خر33: 15)، ويقول الله أيضًا عن البار ” أنا معه في المحنة ” (مز92: 13)، ويقول في مكان آخر ” لا تخف من النزول إلى مصر لأني سأكون معك ” (تك46: 3-4). إن الرب يحضر إذًا “بنفسه” ليساعد الأبرار والصديقين، أما الذين هم أقل من ذلك فالملائكة هم الذين يكونون معهم، وكما برهنا قبل ذلك، فهم الذين يسوسونهم، ويسهرون عليهم، تارة يأخذون نذورهم لحسابهم، وتارة أخرى يتركونها.

 

حرية النذور للكاملين

لكننا يجب أن نتجه إلى الالتقاء بالإنسان الكامل، إلى قياس قامة ملء المسيح، حتى يكون لنا حرية اختيار النذور. وهكذا نسرع إلى الاتحاد بالرب حتى نكون معه روحًا واحدًا (1كو6: 17)، بدلاً من الاتحاد مع ملاك وهكذا يظل “هو” فينا، ونحن ” فيه ” (يو4:15)، ولا يكون فينا أي شئ أنثوي أو طفولي يضطر الأب أن يتركنا لمعلمين ووكلاء. لنسرع بالعكس إلى فهم كلمة ربنا ومخلصنا والآب نفسه الذي يحبنا (يو27:16)، ” له المجد في أبد الآبدين آمين” (رو36:11)

 

[1]  “الإنسان الداخلي” هو الذات بالجمع أي الـ “نحن” عند الفلاسفة، وهو مقر العقل الذي يشترك في العقل المطلق، أي ((Λóγος اللوغوس الذي هو صورة الله، والذي خلق الإنسان على صورته، وفيه أيضًا يتجدد.

الذبائح والنذور – العظة الرابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

Exit mobile version