موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

 

العظة السادسة

موسى والسبعين شيخًا – زواج موسى والحبشية

         في كثير من النصوص قرأت جملة لضيق الوقت وعظمة الأسرار لا تسمح لنا أن نتحدث عنها كلها. ولكن سنستطيع حينئذ أن نقطف بعض الأزهار في هذه السهول الواسعة، وليس كل الأزهار التي تستطيع أن تقدمها الأرض، لكن بقدر ما يكفي حتى نشتم الرائحة العطرة. كذلك عندما نذهب إلى الينابيع، فلا يجب أن نأخذ كل الماء الذي يُسال من مصدر فياض. لكن فقط ما يلزم لكي يقتل عطش حنجرة جافة، أنه لا يجب أن نشرب من الماء العذب بإفراط وإلا يكون ضارًا.

 

موسى والشيوخ

         1ـ قال الكتاب المقدس ” خرج موسى وكلم الشعب بكلام الرب” (عد11: 24)، طالما يصغى موسى لكلام الرب ويأخذ تعاليمه منه، فهو بالداخل، أنه يمكث بالداخل ويعيش في الخلوة الأكثر سرية. لكن عندما يتكلم للجموع والشعب وعندما يمارس خدمته نحو الناس فأنه لا يستطيع أن يمكث بالداخل يقول الكتاب المقدس فليخرج للخارج، ما هي الفكرة المتضمنة في هذا الكلام؟ إذا علم معلم الكنيسة أسرارًا عميقة لحد ما، إذا ألقى بعض الخطب السرية والخفية عن حكمة الله “بين الكاملين” مادام يظل في الأفكار العميقة، يجب أن نقول بأنه بالداخل وأنه يمكث بالداخل.

         لكن عندما يكلم الجموع ويعلن ما يكفي للإنسان العادي وما يمكن أن يفهمه عامة الناس نقول بأنه خرج للخارج وأنه كلم الشعب بكلام الله. بولس كما يتراءى لي عمل هذا أيضًا أنه كان بالداخل عندما قال ” نعلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر” (1كو 6: 8)، انظر بولس وهو في الداخل كيف أطلع على الأسرار الداخلية الإلهية، عندما استلم هذه التعاليم. لكن عندما يذهب للجموع اسمع ما يعلمه “ لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم“، ” لا يسرق السارق فيما بعد“، ” لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها” هذه الكلمات وكل الكلمات الأخرى التي بنفس الطريقة هي تعاليم بولس الرسول “خارجًا للخارج” والتي يعلمها للشعب كما فعل موسى النبي.

 

الروح المشترك للشيوخ

         2ـ لكن فلننظر إلى إصحاح آخر: أنه يحكي فيه بأن ” موسى اختار سبعين رجلاً من شيوخ الشعب وأوقفهم حول الخيمة وأخذ الله من الروح الذي على موسى وجعل على السبعين شيخًا، ولما حل عليهم الروح قال الكتاب: الكل تنبأوا“، الكتاب قال بأن الله أخذ من الروح الذي على موسى وأعطى منه للسبعين شيخًا. وليس المعنى أن الله أخذ من جوهر موسى الجسدي والمادي وجزأه على سبعين جزء وأعطى لكل شيخ قسم صغير، أنه يكون من عدم التقوى أن ندرك طبيعة الروح القدس بهذه الطريقة.

         لكن فلنفهم أيضًا الرمز المكتوب في هذا النص الغامض، موسى والروح الذي عليه هما مثل مصباح ساطع جدًا وأنار الله منه السبعين الآخرين، فلمعان النور الأول قد بسط على المصابيح الأخرى بدون أن يضعف المصدر من هذه المشاركة، وبهذه الطريقة ينسب للنص معنى مقدس ” الله أخذ من الروح الذي على موسى، وأعطى منه للسبعين شيخًا” (عد11: 25).

 

الشروط الواجب توافرها لحلول الروح القدس في النفس

         3 ـ لكن فلننظر إلى ما يلي ” روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” الروح في الكتاب المقدس لا يحل على أي إنسان، لكن فقط على القديسين والطوباويين، روح الله حل على الذين لهم قلب نقي وعلى الذين يطهرون أنفسهم من الخطية، وبالعكس أنه لا يسكن في جسد تتسلط عليه الخطية، حتى ولو سكن في هذا الجسد وقتًا معينًا. الروح القدس لا يمكنه احتمال الشركة مع روح الشر، فإنه بكل تأكيد في لحظة الخطية نجد أن روح الشر هو الذي يكون في داخل نفس الخاطئ وهو يلعب دوره فيها وذلك عندما نترك روح الشر يدخل وعندما نستقبله فينا بواسطة أفكار دنسة ورغبات دنسة فالروح القدس حينئذ يكون مليئًا بالحزن وبالضيق أن أمكنني أن أتجرأ وأعبر بهذا التعبير. لذلك الرسول وهو عالم بأن الأشياء تحدث أيضًا بهذا الشكل قد أعطى النصيحة “ لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف4: 30). إذًا بالخطية نجعل الروح القدس يحزن، بالعكس بحياة صالحة ومقدسة، سنمهد للروح القدس مكانًا فينا ليستريح. أيضًا مما قد قُص علينا الآن بأن الروح القدس قد حل على الشيوخ السبعين، ألم يمجد حياتهم وألم يظهر لهم عن فضائلهم، كما أن الروح القدس قد حل عليهم بسبب نقاوة قلوبهم، وصفاء نفوسهم واستعدادهم للفهم، فهو يحل فيهم حالاً، أنه لا يرضى أبدًا بالتأخير إذ يجد هناك أرضًا مستحقة لأعماله. الكتاب المقدس يقول بالحقيقة “ روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” (عد 11: 25).

 

الروح القدس حل على يسوع المسيح

         إذن حل الروح القدس على الذين تنبأوا، ولكنه لم يستقر كما استقر على المخلص. لذلك قد كتب عنه ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (إش11: 2ـ 3). لكن ربما تقولون إنك لم تذكر لنا من قال عن المسيح أكثر مما قيل عن الناس الآخرين، حيث إنه قد قيل عن الآخرين إن الروح قد حل عليهم، وذلك كما قيل عن المخلص ” روح الله حل عليه” لكن لاحظ جيدًا أنه غير مكتوب في أي مكان أن روح الرب قد حل على أشخاص آخرين بهذه القدرة. هذا نلاحظه في هذه النبوة، أننا بكل تأكيد نجد أن جوهر روح الرب نفسه الذي لا يمكن أن يكتب تحت اسم موحد قد بين بكلمات عديدة، وقد حل على “الأصل” الذي من ذرية يسى. عندي أيضًا شاهد آخر يمكنني به أن أثبت وأؤكد بأن الروح قد حل على سيدي ومخلصي بطريقة خارقة وبطريقة مختلفة عن الأشخاص الآخرين، وهو يوحنا المعمدان الذي قال عنه ” الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو…” (يو1: 33).

         فلو أن الله قال ” سترى الروح نازلاً” بدون أن يضيف، ومستقرًا عليه فقد يكون المسيح غير مميز عن الآخرين ولكنه أضاف، ومستقرًا عليه، حتى يكون المخلص مميزًا بهذه العلامة التي لا نستطيع أن نجدها في مكان آخر. فإنه غير مكتوب إطلاقًا عن الأشخاص الآخرين أن الروح القدس قد استقر على أحد منهم.

 

واستقر عليه وحده:

         فلا تعتقد بأني أقلل من شأن الأنبياء، فهم أنفسهم يعلمون أني لم أصغرهم بوضع ربي يسوع المسيح فوقهم، فالكل يتذكر هذه الكلمات ولا يجد أي شخص آخر قيل عنه: “ الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط 2: 22)، فلأنه هو الوحيد الذي لم يفعل خطية استقر الروح عليه ومكث فيه. فإنه بالحقيقة قد قيلت عنه هذه الكلمات الوحيدة والعجيبة التي ذكرت أعلاه: ” لم يفعل خطية” فمن الواضح بأن كل الأشخاص الآخرين فعلوا الخطية. وإذا كان الكل خطاة فبالضرورة يكون الأنبياء أيضًا، وكيف نستطيع أن نقول إنه في لحظة الخطية يمكث الروح القدس؟

         وأنه يبدو لك بأنه غير معقول أن الأنبياء بعدما حل عليهم الروح القدس قد أخطأوا؟ فلنرجع لموسى نفسه الذي نتكلم عنه والذي يعتبر الأكبر والأعجب من بين الأنبياء. أنه كتب عن نفسه، أنه شهد على نفسه هذه الشهادة بأنه أخطأ بقوله: “ اسمعوا أيها المردة. أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء” (عد20: 10)، بهذه الكلمات لم يقدس الرب بماء الخصام، وبمعنى آخر إنه لم يكن لديه ثقة بقوة الله، وبدلاً من أن يقول: “الله يستطيع أن يخرج ماء من هذه الصخرة، نجده أجاب بعدم يقين، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟”

         حيث إن الله حسب له هذه الكلمات خطية. فبكل تأكيد أنها لم تأت من الروح القدس ولكن من روح الخطية. وإن كان الكتاب المقدس يبين أن أحد الأنبياء الكبار مثل موسى كان أحيانًا حاصلاً على الروح القدس وأحيانًا في وقت الخطية غير حاصل عليه، فبكل تأكيد يجب أن نفكر بنفس الطريقة عن الأنبياء الآخرين. ماذا نقول عن داود؟ أنه يعتبر أن الروح القدس ممكن أن يسحب ويؤخذ منه فهو يصلي حتى لا يؤخذ منه بقوله ” لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدس لا تنزعه مني” وفي الآية التالية يطلب داود الهبة التي قد سحبت منه بسبب الخطية قائلاً: ” رد لي بهجة خلاصك وبروح مقتدرتك أعضدني“.

         لماذا نتذكر سليمان؟ شخص لم يقل بأنه يرجح أحكامه أو يبني هيكل الله بدون حضور الروح القدس، وبالعكس فإنه مع وجود الروح القدس قد شيد الهياكل لأبالسة وفتح ذراعيه للنساء والأثمة.

         والنبي الذي قد دون في الكتاب الثالث من كُتب الملوك قد أرسل إلى بيت إيل بأمر الله، فبواسطة روح الرب قد نطق بكلمات الله، لكن لا يجب أن نصدق أنه بواسطة روح الرب خالف أمر الرب، بأن لا يأكل خبزًا في بيت إيل وأنه بسبب الخطية قتل بواسطة أسد (1مل 13: 11)، ولكن سيطول بنا الحديث لو استعرضنا كل الأنبياء.

         بدون أن نؤكد ذلك تمامًا، اعتقد بالنسبة لي أن بعض أفعال الناس العادية، توجد فيها الأشياء التي حتى ولو أنها خالية من الخطية تبدو مع ذلك غير مستحقة لوجود الروح القدس. فمثال الزواج الشرعي هو خالي من الخطية ومع ذلك في الأثناء التي تتم فيها الأعمال الزوجية لا يعطي وجود الروح القدس حتى ولو كان كما يبدو لي أن الذي يتمم أعمال التناسل هو نبي. وهناك أعمال أخرى لا تكفي القوة البشرية لإتمامها وليس من الضروري أو ليس من المناسب أن يكون الروح القدس موجودًا فيها. إننا بنوع من الاستطراد بحثنا هذه النقطة ولكننا نريد فقط أن نبين بأنه فقط في ربي ومخلصي يسوع المسيح روح الرب يمكث دائمًا عليه “استقر عليه” أما على القديسين والشيوخ السبعين. الذين قد ذكرناهم، فلم يحل عليهم روح الله ولم يؤثر فيهم إلا لمدة محدودة والتي تتناسب مع تنفيذ عمله بواسطتهم، والتي تعتبر مفيدة للذين كان عملهم لخدمته.

 

المرأة الكوشية وكنيسة اليهود

         الدرس الذي قرأناه يبين لنا أن موسى تزوج من حبشية كوشية. ومريم وهارون عاتبًا موسى لزواجه من هذه الحبشية بقولهما “هل كلم الرب موسى وحده ألم يكلمنا نحن أيضًا؟” ويقول الكتاب المقدس   ” الرب سمع ثم أمرهم أن يخرجوا إلى خيمة الاجتماع، وجاءت عليهم دينونة، فمريم أصبحت برصاء“، وبعد ذلك دعيت للمحلة (انظر عد12: 1ـ 15). لكن نشرح ذلك باختصار نقول بأن مريم هي رمز الشعب البداني، موسى رمز لشريعة الله، وهو الذي تزوج من امرأة كوشية منبئًا باتحاد جميع الأمم بالرب.

         موسى هو الذي يرمز إلى الشريعة الروحية، إذن باتخاذها زوجة له نبوة لقبول الأمم، ومريم التي هي جماعة اليهود الحاليين[1]، وسخطت هي وهارون في نفس الوقت، بمعنى آخر الكهنة والفريسيين أيضًا. إذن الشعب القديم مازال ينقصه الاحترام نحو موسى إلى الآن الذي هو رمز لمخلصنا وهو لا يعلمنا ختان الجسد وحفظ السبت والتقدمات الدموية ولكن أمرنا بختان القلب وبطلان الخطية. وأن نحتفل بالأعياد بفطير الإخلاص والحق ونقدم ذبائح الشكر وليس ذبائح من البهائم.

         الرب إذًا أدانهما وأيد الزواج من الكوشية، والرب سمح لموسى أن يسكن معها وأن يستقر معها، ولكن حجز مريم خارج المحلة، وجعلها زيادة على ذلك تخرج خارج خيمة الاجتماع. وهارون قد طُرَد معها. فضلاً عن ذلك مريم أصبحت برصاء. انظر الآن هذا الشعب انظر البرص الذي تركته له الخطية، أي ظلام قد ملأه، أي عبادة شنيعة، أي منظر مخيف هو فيه، ومع ذلك هذا البرص لن يمكث دائمًا لكن عند اقتراب الزمان من نهايته، سيدعي للمحلة حقًا، وفي نهاية العالم عندما يدخل ملء الأمم “حينئذ سيخلص جميع إسرائيل” (رو11: 25)، وفي تلك اللحظة سيترك البرص وجه مريم وستحصل على مجد الإيمان وعظمة معرفة المسيح، وسيرجع وجهها مرة أخرى إلى لمعانة عندما تتحد الرعيتان معًا حينئذ لا تكون إلا رعية واحدة وراعٍ واحد، وحينئذ يجب أن يقال حقًا ” يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه الذي أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع…” (رو11: 32، 33) في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] هرون يمثل الكهنوت اليهودي ومريم تمثل جماعة اليهود.

موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الخامسة

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع

 

         4 ـ يقول الرب لموسى وهارون اللذين يستشيرانه ” لا تحذفا من سبط عشائر القهاتيين من وسط أبناء اللاويين، عشيرة قهات، لكن أفعلاً لهم هذا فيعيشوا ولا يموتوا عند اقترابهم من قدس الأقداس” (عد 4: 18). فلنفهم المعنى الحرفي من القصة، وبمساعدة المسيح الرب ننتقل من المعنى الحرفي إلى المعنى الروحي.

 

المعنى الحرفي

إذًا فلنفهم أولاً تجهيز خيمة الاجتماع، تخيل أيضًا قدس الأقداس، المنفصل عن القدس بواسطة حجاب، ولا يسمح لأي إنسان بالدخول فيه و النظر إليه إلا إذا كان كاهنًا، بعد ذلك نفهم كيف كانت الخيمة تطوى عند ارتحال المحلة. وكيف كان الكهنة – هارون وأولاده في داخل قدس الأقداس، يغطون كل شئ بمفارشه وأغطيته، ثم يتركونها في أماكنها، وبعد ذلك يدخل أولاد قهات المخصصين لهذا الواجب ويجعلونهم يحملون على أكتافهم كل الأشياء التي قد غطتها أياديهم الكهنوتية، ولهذا السبب قد قال السيد الرب “ لا تحذفوا من سبط اللاويين عشيرة قهات” (عد4: 18)، لأنه كان يجب أن يحذفوا إذا لمسوا أشياء قدس الأقداس مكشوفة وبدون غطاء، وهو غير مسموح ليس فقط أن تلمس بل أن لا ينظر إليها أيضًا، إلا محجوبة.

السر: الأعمال والعلم

         إذا فهمت القصة، اصعد الآن نحو بهجة السر، وتأمل نور الشريعة الروحية، إذا كانت عين إدراكك نقية. كل من هو ضمن كهنة الله، فهو مستحق بأن يكشف الأمور الإلهية وأن يرى الأسرار التي لا يكون غيرهم مؤهلين للتأمل فيها، وهو الذي يستطيع أن يدخل حيث لا يستطيع الآخرون الدخول. هذا بالنسبة لنا هو هارون أو أحد أبناء هارون. بالنسبة لمثل هذا الإنسان فقط يكون تابوت العهد مكشوفًا بدون حجاب، ويرى القسط الذي فيه المن، ويتأمل ويفهم “الكفارة” أنه يتطلع على “الشاروبين الاثنين”، والمائدة المقدسة والمنارة المضيئة، ومذبح البخور، أنه يتأمل ويفهم كل هذا بالروح. إننا نعني الذي يهتم بكلام الله بأسرار الحكمة ولا ينشغل إلا بالله وبأدواته المقدسة[1].

         ففي هذه الحالة ألم يحمل على الأكتاف قدس الأقداس مغطى بأحجبة[2]؟ لكي ندرك هذا بأكثر وضوح، سنقتبس أمثلة من الكتاب المقدس، فموسى بلا شك كان يعلم معنى الختان الحقيقي وكان يعلم معنى الفصح الحقيقي. وكان يعلم معاني أعياد الهلال الحقيقية والسبوت الحقيقية[3]. ومع أنه علم كل هذه الحقائق جيدًا بالروح. إلا أنه كان يحجبها تحت المظهر وظل الأشياء الجسدية، وبينما كان يعلم بأن “الفصح الحقيقي” الذي يجب أن يذبح، هو المسيح. كان يأمر بأن يذبح حمل الفصح الجسدي، وبينما كان يعلم بأن عيد الفطير يجب أن يحتفل به بفطير ” الإخلاص والحق” (1كو 5: 7، 8)، كان يأمر بعمل الفطير من الدقيق، كذلك قدس الأقداس، كان موسى يعطيه للآخرين لحمله بمعنى أنه كان يأمرهم بواجبات الأعمال ليتمموها. لكن سلمها لهم مغطاة ومحجوبة. أما الأكتاف فقد أظهرنا مرارًا بأنها في كثير من نصوص الكتاب المقدس، رمز الأعمال أيضًا من ضمن حفظ القوانين الكنسية، ألا يجب بأن يتممها الكل بدون أن يعلموا السبب. مثلاً وضع الركوع في الصلوات[4]، والاتجاه نحو الشرق بخلاف كل اتجاه آخر[5]. اعتقد بأنه ليس سهلاً، معرفة السبب بالعقل أيضًا بالنسبة لإدراك سر الافخارستيا، أو شرح الطقوس في تأدية هذا السر، أو طقوس سر المعمودية، مع مراسيمه ورموزه، والأسئلة والأجوبة الخاصة بها. من الذي يستطيع أن يشرح ذلك بدون صعوبة؟ لكن بينما نحن نحمل هذه الأثقال على أكتافنا مغطاة ومحجوبة، وعندما نتبع هذه الوصايا مثلما تسلمناها من الكاهن الأكبر وأولاده، إذن عندما نخضع لمثل هذه الأوامر بدون أن ندرك المعنى، فأننا نرفع على أكتافنا ونحمل السر الإلهي مغطى وملفوفًا إلا إذا وجد هارون أو أحد أبناء هارون، الذي له الحق في أن يراها عريانة ومكشوفة. وذلك غير مسموح لهم إلا بشرط أن يعرفوا واجبهم بأن يحجبوها ويغطوها، عندما يراد بأن تعطى للآخرين وتسلم لتتميم الأعمال.

 

أعمال الأعمال

         2ـ بعد ذلك قيل للاويين بأنهم في الخدمة من بداية سن 25 سنة حتى خمسين سنة. “كل لاوى” يقول الكتاب المقدس “ الذي يتقدم لعمل الأعمال وللأعمال التي تجلب من خيمة الاجتماع والذي يعمل عمل الخدمة فيها” (عد4: 47).

         تأمل هنا دقة الألفاظ في الكتاب الإلهي عندما تكون مسألة أعمال أولاد إسرائيل، أنه لا يقول عمل الأعمال، لكن الأعمال فحسب. عندما تكون خدمة اللاويين، أنه لا يقول الأعمال فقط، لكن أعمال الأعمال. كذلك أيضًا بجانب الأشياء المقدسة، يوجد “قدس الأقداس”، وبالمثل بجانب الأعمال يوجد “عمل الأعمال”، من هنا استخلص بأن موسى كان مدركًا بأنه توجد أعمال مرئية، لكن مليئة بمعنى سرى ومخفي عبر عنها ليس فقط بكلمة أعمال لكن “عمل الأعمال”، وتلك التي أدركها موسى بأنها عامة ومحدودة في الوقت الحاضر، قد دعاها ببساطة أعمال. إذًا يوجد “عمل الأعمال” بمعنى حسب رأيي كل التي كتبت سواء في النص الحاضر أو في سفر الخروج أو في أي كتب أخرى بموجب أسرار مختفية. والتي تتم جزئيًا في العهد الحاضر، وجزئيًا في العهد المستقبل. وفي غضون ذلك كما قلنا، عمل الأعمال ليست مخصصة لكل شخص لكن للاويين فقط.

 

العددان 25، 50

         واللاويين أنفسهم لم يستدعوا لهذه الأعمال إلا من سن 25 سنة حتى خمسين. في العددين 25، 50 الرموز المقدسة ليست غائبة[6]

         العدد 25 يعني كمال الخمس حواس بعملية ضرب 5× 5. هذا ما يثبت أن الإنسان الذي دعى لإنجاز عمل الأعمال في الأسرار هو الإنسان الكامل من كل نواحيه، بواسطة التعدد وطهارة الحواس. أما العدد 50 فإنه يتضمن رمزًا مقدسًا للعفو، والرحمة، وتوجد نصوص كثيرة عنه في الكتاب القدس أعطتنا مرارًا إثباتات عديدة عنه: فإنه في السنة الخمسين الذي تدعى عند العبرانيين “اليوبيل”، السنة التي يتم فيها إسقاط الملكية وحق الاستخدام، والديون كذلك اليوم الخمسون بعد الفصح قد أعطى كيوم عيد في الشريعة. كذلك عندما كان المسيح الرب في الإنجيل يعلم مثل العفو والرحمة، وضع في المثل مديونين الواحد مدين بخسمين والآخر بخمسمائة دينار. إذًا 50، 500 عددان نسبيان، حيث أن 50× 10 ـ 500 لكن هذا العدد هو مقدس لسبب آخر إذ  السبع سبعات نضيف إليها كمال العدد واحد، سنحصل على خمسمائة. كذلك إذا أضفنا لسبعين سبعة كمال العدد عشرة سنحصل على خمسمائة، وإذا أردنا أيضًا أن نجمع أمثلة أكثر للسر المتضمن في العددين 50، 500 نجد في هذا الكتاب أيضًا أعدادًا بين يدينا البعض يقدم لله الـ 50 من الغنيمة، أي الذين لم يذهبوا للحرب، البعض يقدم خمس الخمسات، وليس بدون سبب هنا يوجد العددان 50، 500 وفي سفر التكوين عندما طرح الله موضوع المغفرة لسدوم، فرئيس الآباء إبراهيم، لإدراكه هذه الأسرار بدأ بعدد 50 متضرعًا لله لصالح سدوم وقال: “عسى أن يكون خمسون بارًا في المدينة ألا تصفح عن المدينة من أجل الخمسين بارًا الذين فيها؟” (تك18: 24).

 

الأحجبة

         3ـ ولكن فلنعد لموضوعنا يجب على اللاويين أن يهتموا بالأشياء المقدسة حتى “سن الخمسين”. الذين في الدرجة الأقل يقومون بالأعمال، والأحسن يقومون “بعمل الأعمال”، بينما الذين هم أكثر سموًا فيجب عليهم أن يخدموا الأعمال الروحية، ويدخلوا “قدس الأقداس” (عد 4: 34)، هنا الأغطية التي يجب أن يغطي بها، وإعطاءه لأولاد قهات لحمله على أكتافهم وأخذه بأيديهم بينما الآخرون يرتبون كل واحد حسب رتبته. كما شرح كل هذا من قبل عدة مرات. ولكن لكي لا يسبب هذا الحذر الزائد للأغطية والاحجبة اليأس والحزن لدى السامعين سنحاول أن نكشف بعض النقاط التي نستطيع أن نعلنها بدون خطر والتي نستطيع أن نتأمل فيها بدون تجديف، لأننا قد دعينا مثلما قلنا من قبل: “ جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1بط 2: 9).

 

أمتعة الخيمة:

القديسون

         فلنفهم إذن أن خيمة الاجتماع هي مجموعة القديسين الذين يشملهم عهد الله. يوجد في هذه الخيمة شخصيات أكثر استحقاقًا وعلوًا في البر، بعضهم قد دعوا “منارة الضوء” هم بلا شك الرسل أنفسهم لأنهم يضيئون إلى الذين يقتربون إلى الله، ولكن آخرون أيضًا، في خيمة الله هذه يشيرون لكل الذين يدخلون نور المعرفة والحكمة، هؤلاء يحملون اسم المنارة الرمزي. وآخرون سيكونون “المائدة المقدسة” فهم كل الذين يمسكون خبز الله، الذي يجدد ويغذي النفوس “ الجائعة إلى البر” (مت 5: 6).

         آخرون سيكونون “مذبح البخور” فهم كل الذين ينشغلون ليل نهار في هيكل الله في أصوام وصلوات، والذين لا يصلون لأنفسهم فقط بل أيضًا لأجل كل الشعب، الذين قد أوكل الله لهم هذه الأسرار قد سمّوا “تابوت العهد”. والذين في ثقة قوية، بواسطة تقدمة الصلوات وفي تقريب الابتهالات والتضرعات، يصالحون الله مع الناس ويتوسلون إلى الله لأجل عصيان الشعب فهؤلاء سيدعون “مذبح الذهب”. والذين قد استحقوا فيض العلم وكثرة ثروة معرفة الله يستطيعون أن يكونوا “شاروبيم” حيث إن الشاروبيم تترجم إلى لغة آخرى: غزارة المعرفة.

 

المحمولون بواسطة الملائكة :

         لكن كل الذين قد قدموا بالرموز المتعددة أعلاه يجب أن يحملوا، ويحملوا على الأكتاف. لذلك فالملائكة ” الذين أرسلوا للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14)، هم في رأيي الحاملون لكل الذين قد ذكرناهم. حقًا عندما تطوي هذه الخيمة مرة أخرى، وعندما نبدأ الدخول هناك في القدس ونرحل نحو بلاد الموعد فالذين هم حقيقة قديسون يعيشون في قدس الأقداس وسيتقدمون موآزرين بواسطة الملائكة، وحتى تنصب خيمة الله مرة أخرى سيكونون محمولين على أكتاف الملائكة ومرفوعين على أيديهم.

         وأمام هذه الصورة قال النبي بالروح: “ لأنه يوصى ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك” (مز91: 11ـ12).

         الشيطان اعتقد بأنها يقصد بها المخلص، ولكن أعمته شراسته، فلم يفهم هذا الكلام السري لأن المخلص لم يكن في حاجة إلى الملائكة لكي لا تصدم بحجر رجله. الشيطان يجدف على الكتاب الإلهي بتطبيق هذه الكلمات على المخلص، أنه ليس لأجله، لكن لأجل جميع القديسين، قيل إن الله قد أعطى أمرًا لملائكته إكرامًا لشعبه لكي لا تصدم بحجر رجله. كل هذا المزمور ينطبق على الأبرار أكثر من انطباقه على المخلص. فالذي يحفظه الرب من ” الهلاك ومن شيطان الظهيرة” (مز91: 6)، ليس هو المخلص، هذه الفكرة بعيدة عنا، حاشا لله لأن كل إنسان مبرر، والأبرار هم الذين في حاجة إلى عون ملائكة الله، حتى لا تسحقهم الأبالسة، وحتى لا يحرق قلبهم “ السهم الذي يطير في الظلمات“.

         يؤكد بولس بنفس السر بأن البعض يجب أن يكونوا محمولين من الملائكة على السحب ” لكن نحن الأحياء، الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء” (1تس4: 16). فالذين قد قبلوا تنقية عميقة وقد أصبحوا منخفضين من أثقال الخطية سوف يختطفوا بواسطة الملائكة، أما الذين مازالوا مثقلين ببعض بقايا النجاسة فسوف يحملون ركائز الخيمة والأروقة وكل الأشياء التي قد عددت بواسطة الكتاب المقدس فهل تحمل إذًا بواسطة اللاويين وليس بواسطة الإسرائيليين لسبب سبق أن أوضحناه بطريقة عابرة فقط، حتى نترك لأفكار السامعين الذي أوقدت فيهم الرغبة الحارة لكى يغتنوا باشتعال أنفسهم بنور العلم، وليكتشفوا الحقائق الكبيرة بنظرة خارقة. أما نحن فنطلب من الرب أن يجعلنا محمولين أو مرفوعين بواسطة أمثال هؤلاء الحمال، وأن نكون محفوظين من السهم الذي يطير في الظلمات ومن الهلاك ومن شيطان الظهيرة، حتى لا تصدم رجلنا بحجر “حتى نصل إلى مكان الموعد بنعمة ربنا يسوع المسيح”. الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

[1] بمعنى الذي ليس هو فقط “قديس” مكرس لله بنعمته لكن “كامل” الذي يكون منفصلاً كلية عن الروح العالمية والجسدانية، ومنشغل كلية في رؤية الله.

[2] تمييز بين العلم والأعمال، الكمال والأقل الأولون يعلمون السر، والآخرون لا يرون إلا مظهره وينفذون وصاياه بدون أن يفهموها.

[3] هذه الفكرة بأن موسى كان يعرف كل السر بالروح، هجرها علم اللاهوت المسيحي في العصور التالية. واعتبر موسى مجرد مفسر جزئي للسر بينما كشف السر بملئه للمسيحي الذي أخذ من المسيح مفتاح معرفة الأسرار.

[4] يجب ثنى الركب عندما يقر بخطاياه لله، طالبًا منه الشفاء والغفران، هذا الوضع هو رمز الإنسان الذي يخشع والذي يخضع. يجب أن نقر بأن هذه الرموز هي الأكثر بساطة في فهمها لكل مؤمن أما الوضع العادي للصلاة فكان وضع الوقوف.

[5] كذلك من الذي لا يعلم أن الشرق يعني صريحًا بأننا يجب عند الصلاة أن ننظر لهذه الناحية وهذا رمز لنفس ناظرة نحو الشرق أي نحو النور الحقيقي.

[6] يجب ربط هذه الخواطر حول الرقميين 25، 50 بتلك المتعلقة بالرقمين 5، 10 (عظة 22: 1؛ تكوين 16: 6).وعند فيلون الأسكندرى الرقم 50 هو رقم الحرية الكاملة. وهو يقول عنه “هو أقدس الأرقام” (الحياة التأملية 8: 65)، واكلميندس الأسكندرى يقدم تفسيرًا مماثلاً لتفسير أوريجينوس “العدد 50 هو رمز للرجاء والغفران في يوم الخمسين” (المتنوعات 6: 87).

وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الرابعة

إحصاء اللاويين وواجباتهم

المعنى اللفظي

         1ـ سفر العدد الذي يقرأ لنا، يحتوى على أعداد كثيرة[1] مختلفة منسوبة إلى أبناء الإسرائيليين. بعد إحصاء أبناء الإسرائيليين، يأتي إحصاء اللاويين، وهم بدورهم قد أحصوا أيضًا. أنهم لم يحصوا مع أبناء الإسرائيليين. وعددهم لحد ما معزول، إنه عدد ممتاز، أنهم كما يقال لنا، 22 ألفًا لا أكثر ولا أقل.

         بنفس الشروط التي للاويين، أي من سن شهر واحد فما فوق، ونحصل لأبكار أبناء الإسرائيليين على العدد 22272.

         من هذه التفاصيل هل تعتقد بأن موسى أراد أن يعلمنا القصة فقط، وأنه لم يخبئ بحسب عادته سرًا في هذه الأعداد المختلفة؟ هل سنعتقد بأنه قال بدون أي سبب إن عدد الأبكار الإسرائيليين يعطي فائضًا بعدد 273، وأن عدد اللاويين ليس له فائض ولا نقص بالنسبة لعدد 22 ألفًا.

 

الأعداد

         بدراسة الكتب الإلهية، سنجد فيها غالبًا العدد 22 الذي يشير لمكنون مهم. الحروف العبرانية عدد 22 حرفًا ثم نذكر 22 أبًا منذ آدم حتى يعقوب التي تشير إلى أصل الأسباط الاثنى عشر. ويقال أيضًا أن كل أنواع خليقة الله عددهم 22 وبالبحث بأكثر تدقيق، سنجد في اللاويين أي خدام الله، والأبكار أبناء الإسرائيليين الفخر بهذا العدد العجيب والمقدس. العدد 273 أضيف لأبناء إسرائيل، وهذا لا يبدو لي بدون قصد، بل لا أرى من السهل حل السؤال إذا لم يتنازل السيد الرب ويظهر لنا أسرار قلبه، وأن نرفع البرقع المطروح بواسطة موسى على ما كتب في هذا الجزء. فالجنين في الجنس البشري، حسب العارفين يحفظ في الرحم تسعة أشهر، لكن لا يبدأ أن يظهر بالولادة قبل أن يمضي ثلاثة أيام من الشهر العاشر وبذلك يظهر أن العدد 273 هو مجموع الأيام كلها أي مجموعة التسعة أشهر مع ثلاثة أيام من الشهر العاشر وهي الأيام الممسوح بها للجنس البشري حتى يدخل في هذا العالم.

         وبالتالي العدد يبين مجازيًا مجموع جميع الخليقة مجتمعة والمزيد الذي نجده للأبكار في إسرائيل يوضح سر توالد البشرية.

 

رتب اللاويين ووظائفهم

وبعد ذلك قسموا أبناء لاوى إلى 3 رتب وكل رتبة أحصيت تحت أسم العشيرة. هنا أيضًا يلاحظ اختلافات تخبئ أسرارًا. فرتبة أبناء قهات هي التي أحصيت أولاً، السبب هو لأنه من هنا قد خرج موسى وهارون الذي تسلم الكهنوت الأعظم. لأنه من قهات قد ولد عمرام، ومن عمرام ولد موسى وهارون. جرشون يأتي ثانيًا مع أنه الأول بالميلاد إلا أنه وضع بالصف الثاني، وينص الكتاب المقدس فعلاً هكذا “أبناء لاوى، جرشون وقهات ومراري” أبناء قهات قسموا إلى رتبتين: أولاد هارون يتولون الكهنوت والآخرون لخدمة الكهنة. ولهذا السبب قسمت واجبات اللاويين إلى 4 أجزاء هارون وأولاده يقومون بالكهنوت. أعضاء عشيرة قهات الآخرين يحملون الأقداس على أكتافهم. أولاد جرشون ينشغلون بما يختص بخيمة الاجتماع أو ملحقاتها، وبالجلود، البساط، وبكل ما هو أقل صلابة وأكثر خفة للحمل. أولاد مراري يحملون “أعمدة الخيمة” قاعدتها، قضبانها، التي تساعد على قفل الخيمة. لهذا السبب نبه الكتاب المقدس في تعدادهم على أن تحصى قوة مراري حيث إنه يجب توافر القوة لحمل مثل هذه الأحمال.

 

الأربع رتب في السماء

2ـ ولكن فلنرجع لبولس الرسول الذي إذ كان ينظر كل هذا بأعين بصيرة مستقلة من الآن فصاعدًا وغير مرتبك بأي تعصب، خالعًا ضباب العهد القديم وهو يقول إن في هذه المساكن كان شعب الله السابق لا يخدم سوى صورة وظل الحقائق السمائية. وبقوله هذا تكون الأربع رتب في المحلة ليست إلا صورة وظل للأربع رتب التي قصدها بولس في رسالته إلى العبرانيين. وتضاف إلى أربع رتب المحلة الإسرائيلية، أربع رتب اللاويين. فإنه ليس من الضروري أن نبسط وأن نوضح هذا، يكفي أننا أدركنا هدفه، مع افتراضنا بأن البعض يأتون هنا بأفكار نقية، خالية من هموم العالم.

 

أبناء قهات

قال الكتاب المقدس “خذ عدد بني قهات من بين بني لاوى” (عد4: 2)، إذن يأتي أبناء لاوي، برتبة من الأعداد الأخرى وهم قد أحصوا “من ابن شهر فصاعدًا“. نحسب الآن أبناء لاوى “من سن 25 سنة” وليس كالآخرين من سنة 25 سنة فصاعدًا، ولكن حتى سن الخمسين. وهذا العدد عدد ممتاز، عدد مختار، حيث إن الكتاب المقدس يضيف “كل رجل في الجند ليعمل عملاً في خيمة الاجتماع” مثل الذين يكونون عددًا عظيمًا وممتازًا. هكذا بالنسبة لأبناء إسرائيل قد قيل ” كل خارج للحرب يحصى مع أبناء إسرائيل” وأيضًا قد قيل هنا كل واحد خارج ليخدم في أعمال خيمة الاجتماع (عد1: 45؛ 4: 3).

 

أعمال الخيمة

         ثم توصف ما هي أعمال ” أبناء قهات من بين بني لاوي، حسب عشائرهم يعملون” في خيمة الاجتماع. ” يأتي هارون وبنوه عند ارتحال المحلة وينزلون حجاب السجف ويغطون به تابوت الشهادة” (عد4: 5)، ثم دونت سبعة من الأشياء التي يجب أن تكون مغطاة:

أولاً: الأثمن من الكل “تابوت الشهادة” سيغطي “بالحجاب” الذي سيخفي من الأمام ويجعلون عليه غطاء ” من الجلد باللون الاسمانجوني“.

ثانيًا: “المائدة” التي ستغطي.

ثالثًا: “منارة الضوء”.

رابعًا: “مذبح الذهب”.

خامسًا: جميع أمتعة الخدمة التي يخدمون بها في “القدس”.

سادسًا: “أمتعة المذبح” التي توضع مع أغطية أخرى.

سابعًا: “المناضح”. ولا يترك شئ من كل ذلك مكشوفًا وبدون حجاب.

أخيرًا: قد أضاف التعليم “لا تحذف من سبط عشيرة قهات” حتى يعلموا أنهم يجب أن يخدموا. إذًا لمسوا هذه الأشياء لنقلها إن لم تغط أولاً من الكهنة فأنهم يموتون.

 

تخصيص للكنيسة لحفظ الأسرار : (تطبيق على الكنيسة)

         نعود الآن لهذه الخيمة التي هي “كنيسة الله الحي” وننظر كيف يجب أن نتمم كل هذه التعاليم بواسطة كهنة المسيح. إذا كان أحد منكم كاهنًا بالحقيقة التي عهدت إليه بالإناء المقدس، وهذا يعني أسرار الحكمة السرية، فليتعلم من هذا النص وليلاحظ الطريقة التي يجب أن يحفظ بها هذا الإناء المقدس تحت حجاب الضمير وأن لا يعرضها بسهولة للشعب. فأن كان ملزمًا أن يعرضها وأن يسلمها للمرؤوسين أي للجهلاء فعليه أن لا يعرضها بدون غطاء وأن لا يظهرها كذلك بدون غطاء وأن لا يعرضها بسعة، وإلا أرتكب جريمة القتل ويحذف شعبه من الجماعة. لأنه حقًا يحذف كل إنسان يلمس الأسرار بدون أن يكون قد حمل رتبة كهنوتية باستحقاقاته وبعلمه. حيث أنه لا يسمح بهذا إلا لأولاد هارون، هذا يعني أن الكهنة يرون علنًا وبطريقة مكشوفة تابوت الشهادة ثم المائدة ثم منارة الضوء وكل الأشياء التي قد سبق أن دونت. أما الآخرون فإنهم يرونها مغطاة أو بالأحرى يحملون هذه الأشياء “محجوبة على أكتافهم” (عد7: 9).

 

درجات كهنوتية

         أولاد قهات رغم أنهم لم يكونوا كهنة، ولكنهم مناسبون جدًا، ويستطيعون أن يحملوا هذه الأشياء على أكتافهم، والآخرون يضعون أثقالهم وأشياء كهنتهم ليس على أكتافهم. بل على عجلات. ولكن نستطيع مطالعة هذا النص، والتكلم عما ذكر فيه عن العجلات نقول أنه قد أعطى لكل سبط عجلات، فأخذ أولاد مراري أربع عجلات وأخذ جرشون أثنين. لكن الذين هم في درجات أعلى لا يأخذون عجلات.

         تأمل إذن الطريقة التي وزعت بها وظائف كهنة الله، الأشياء المقدسة لا تعطي للحيوانات ليحملوها، فإنه يجب أن الإنسان العاقل هو الذي يحمل على أكتافه الأواني التي تستخدم في قدس الأقداس. الأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة تعطي لحملها لا لكائنات عاقلة بل للحيوانات. في هذه الحالة الثانية، يوجد أيضًا تمييز يجب وضعه في الاعتبار. فالذين في الخدمة المختصين بالأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة لديهم حيوانات أكثر عددًا. فلقد أعطيت أربع عجلات لبني مراري لكن عجلتان تكفيان لبني جرشون. الذين يشبهون بني قهات، ويتبيّن من ذلك أن الأعمال الأكثر صلابة ونوعًا ما أكثر خشونة لها عدد أكثر من الحيوانات لكن من ضمن الذين يكونون مثقفين وعالمين بهذه الأمور، عدد بسيط منهم فقط يقوم بالنشاط  الخاص بالكائن الحي حيث لا يحق “للإنسان الطبيعي” (1كو2: 14)، أن يقترب من الأشياء السرية، والتي لا تكون منظورة إلا للكهنة، لكن حتى هؤلاء لا يقتربون منها كلهم، إلا الذين لهم بعض الدراية ولكن لم يصلوا بعد باستحقاقاتهم وسلوكهم إلى كمال نعمة الكهنوت. وعلاوة على ذلك فإنهم لا يرونها إلا ” فى مرآة وفي لغز“، فهم يتسلمونها مغطاة ومحجوبة وسيحملونها على أكتافهم، حتى لا يعرفوها أكثر في فعل الأعمال أكثر من اكتشافها بالعلم.

         إذًا بما أن هذه هي الطريقة التي بها يوزع الله أسراره وينظم عمل كهنوته للأشياء المقدسة، يجب علينا نحن أن نكون أهلاً لرتبة الكهنوت، حتى لا يفرض علينا أثقال ثقيلة مثل الكائنات غير العاقلة بل كأناس عاقلين ومقدسين، نكلف بوظائف كهنوتية لأننا ” أمة مقدسة كهنوت ملوكي وشعب اقتناء” (1بط2: 9)، بشرط أن نتلاقى باستحقاقات حياتنا مع النعمة المعطاة لنا وأن نكون أهلاً للكهنوت المقدس، حتى نكون بعد خروجنا من هذه الحياة، مستحقين أن نؤخذ، كما قلت أعلاه من ضمن كهنة الله، وأن نكون ضمن خدمة تابوت العهد، بمعنى الأسرار الغير معلنة، ونتأمل مجد الله بوجه مكشوف وندخل في الأرض المقدسة التي سيعطينا إياها ربنا يسوع المسيح كميراث لنا والذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] هذه العظة حافلة بالخواطر العددية. وبهذا المعنى فهي تعتبر وثيقة هامة فيما يخص تاريخ التعامل مع الأعداد. نحن نعرف أن مبادئ هذه الطريقة تعود إلى فيثاغورس ولكن أفلاطون وأرسطو ساهموا فيها أيضًا ومن خلال الإنتاج المسمى (الأعداد اللاهوتية)، يلتقى الرواقيون مع الفيثاغورثيين.. يبدو أن الأعداد كانت شيئًا مشتركًا بين كل الطوائف فقد استعملها فيلون قبل أكليمندس وأوريجينوس في شرح الكتاب المقدس. والقديس أوغسطينوس نقل إلى العصور الوسطى عادة البحث عن المعنى في أعداد الكتب المقدسة ويمكن استعمال الأعداد في كل اتجاه. وهنا في هذه العظة يستخدم أوريجينوس الأعداد لكي يؤكد نظرته إلى الدرجات الروحية.

 

إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الثالثة

اللاويون

كيفية الاستفادة من كلمة الله

         1ـ لقد كتب في موضوع المن في ذلك الزمن أنه إذا التقطوه حسب الشروط التي أمرهم بها الله، كان صالحًا للأكل: لكن إذا أرادوا أن يلتقطوه بطريقة مخالفة للأوامر الإلهية وبخلاف الطريقة التي عينها الله، في هذه الحالة كان لا يصلح أبدًا لحفظ الحياة وكانت تكثر فيه الديدان. إذًا نفس النوع من المن لا يعطى للبعض إلا الديدان والعفن. بينما كان يقدم للآخرين طعامًا لحفظ الحياة. والكلمة الإلهية هي مَن بالنسبة لنا؟ والكلام الإلهي، عندما يأتي إلينا، فأنه يجلب للبعض السلام، ولكن لآخرين اللعنة، لذلك فأنه يبدو لي أن الرب والمخلص الذي هو ” كلمة الله الحي” (1بط1: 23)، كان يقول مصداقًا لذلك ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمي الذين يبصرون” (يو9: 39). فمن الأفضل للبعض أن لا يسمع أبدًا كلمة الله، بدلاً من سماعها بنية سيئة أو سماعها بنفاق، نقول كان من الأفضل من وجهة النظر الأقل سوءًا. لكن الأفضل والأصح من وجهة الصواب والكمال، هو أن المستمع لكلمة الله يسمعها بقلب نقي بسيط، يسمعها بقلب مستقيم ومتهيئ جيدًا، لكي تثمر وتنمو كما في الأرض الجيدة.

قلنا هذا بطريقة تمهيدية لبعض السامعين الذين يأتون بأذهان تفتقر للبساطة والإيمان. أريد أن أتكلم عن بعض طالبي العماد (الموعوظين) الذين يجب أن يضاف إليهم بعض المُعَّمدين ” لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون” (رو9: 6)، وكل الذين قد عمدوا في الماء لم يعمدوا في نفس الوقت بالروح القدس. وبالعكس في عداد طالبي العماد، ليس الجميع غرباء عن الروح القدس. أجد حقًا في الكتب الإلهية أن من طالبي العماد من استحقوا الروح القدس وآخرين بعدما عمدوا كانوا غير مستحقين لعطايا الروح القدس. كرنيليوس كان من طالبي العماد، وقبل أن ينزل في الماء استحق أن يحصل على الروح القدس، وسيمون اعتمد، لكن لأنه اقترب للبر بمكر، فقد حرم من موهبة الروح القدس، فلا نشك في هذه الأمور. يوجد الآن في الشعب طالبو عماد، مثل كرنيليوس الذين هم مستحقون أن نقول عنهم ” صلواتك وصدقاتك صعدت تذكار أمام الله” (أع10: 4)، وبالعكس يوجد ضمن شعب المؤمنين أناس مثل سيمون يجب أن يُقال عنهم بجرأة “ رجل ممتلئ كل غش وكل خبث ابن إبليس وعدو كل بر[1] (أع13: 10)، إنني أقول هذا لإصلاح نفسي كما لإصلاح الحاضرين، حيث أني أنا أيضًا واحد من الذين يسمعون كلام الله.

 

النص

         2ـ لكن فلنسمع الآن بماذا كلم الله موسى: “ وكلم الرب موسى قائلاً وها إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل، بدل كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل فيكون اللاويون لي لأن لي كل لي بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر قدست لي كل بكر في إسرائيل من الناس والبهائم لي يكونون أنا الرب” (عد3: 11ـ 13)، اللاويون تم اتخاذهم بدلاً من الأبكار، مع إنهم ليسوا أبكارًا قط. لاوى كان الابن الثالث من ليئة، رأوبين كان الابن الأول، شمعون كان الثاني، لاوى كان الثالث رجال ليسوا أبكارًا بحق الولادة قد تم تبنيهم كأبكار.

 

من هم الأبكار

         هل ينبغي أن نعتقد بأن هذه التفاصيل المذكورة في ناموس الله ليس لها فائدة؟ ألا يعلمنا هذا بأن الذين اعتبروا أبكار أمام الله ليسوا هم أبكارًا بالميلاد الجسدي، بل الذين اختارهم الله أبكارًا نظرًا لحسن استعدادهم، هذا مثلما صار يعقوب بكرًا حسب أمر الله وقد حصل على بركات البكورية بسبب عمى والده بترتيب الله حيث إنه بسبب حسن استعداد قلبه الذي رآه الله فيه “قبل أن يولد في هذا العالم أيضًا وقبل أن يعمل أعمالاً سيئة أو حسنة يقول الرب عنه ” أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” (ملاخي1: 2، 3)، إذن فأبناء اللاويين ليسوا إذن هم الأبكار بحسب الجسد، لكنهم تم تبنيهم كأبكار، وذلك امتياز كبير أن نكون مُتبنين كأبكار دون أن نولد أبكارًا.

 

استقامة اللاويين

         “ ها إني قد أخذت اللاويين من وسط بني إسرائيل“. نستطيع أن نقول بأكثر بساطة ” إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل” لماذا نضيف من وسط بني إسرائيل؟ من أي وسط؟ لاوى كان الثالث من أبناء إسرائيل، كما ذكرنا أعلاه. من أي وسط أخذ اللاويون؟ أريد أن أعرف. ذلك أجده في الكتابات المقدسة، أن الشونمية الطوباوية التي أطعمت ذات يوم نبيًا أجابت بيقين نبي إسرائيل، النبي أليشع الذي أراد أن يمنحها مكافأة، “ أنا ساكنة وسط شعبي“. لكني أرى نصًا أمجد وأكثر جمالاً في إنجيل ربنا يسوع المخلص عندما قال يوحنا “ في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه” (يو1: 26)، نستطيع أن نقول عنه بأنه ” لم يمل أبدًا يمينًا ولا يسارًا، وأنه قائم في الوسط” (عد20: 17)، ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط2: 12). لهذا السبب قيل عنه بأنه قائم دائمًا، بأنه في الوسط. لكن لم يذكر عن كل الذين يقتدون به أى عن القديسين، والمرأة الطوباوية التي ذكرناها أعلاه، بأنهم قائمون في الوسط. لأنه من المستحيل أنهم لا يميلون أحيانًا سواء يمينًا أو يسارًا. ليس أحد طاهرًا من كل النجاسة حتى ولو كانت حياته يومًا واحدًا، ولكن قيل أنها ساكنة في وسط شعبها “واللاويون إذًا قد أخذوا من وسط أبناء إسرائيل”.

         حقًا اللاويون هم الذين لم يعرفوا يمينهم ولا يسارهم، لكن باتباع موسى أي ناموس الله لم يحابوا أبًا ولا أمًا. أما وأنت عندما تأتي التجربة، عندما تأتي النصرة على الخطية إذًا ” لم تمل يمينًا ولا يسارًا” (عد20: 17).

         إذا لم تنحرف عن ناموس الله، إذا أقمت في الوسط راسخًا وغير متزعزع. إذا لم تحن الركب أمام الخطية، إذا لم تصبح تابعًا لرأس حاشية، صورة للغباوة[2] والحماقة ستكون ” مأخوذًا من وسط أبناء إسرائيل وستكون محسوبًا مع أعداد الأبكار هذا حسب النص “وسآخذ اللاويين من وسط أبناء الإسرائيليين” (عد3: 12).

 

ترتيب اللاويين في المحلة:

         لكن إذا أردتم فلنرجع مرة أخرى في الشرح عن القصة المذكورة في التعداد، ولنفحص في سر الأبكار أين وكيف يجب أن نرتب أبحاثنا. فلنتذكر بأكثر تدقيق عن الطريقة التي فيها كان الاثنى عشر سبطًا موزعين ثلثة بثلاثة في أربع مجموعات واستقروا في الأربع جهات الرئيسية. فنجد يهوذا ثبت في الشرق مع يساكر وزبولون، رأوبين في اليمين (الجنوب) مع شمعون وجاد، في الغرب أفرايم مع بنيامين ومنسى، في الشمال دان مع نفتالي وأشير، بينما كانوا متوزعين في محيط دائرة لأربع جهات، فاستقر اللاويون في وسطهم، حول خيمة الاجتماع لأنهم هم الأكثر قربًا من الله. في محلة يهوذا موسى وهارون يأخذان مكانًا. في محلة رأوبين، جرشون في محلة بنيامين قهات، هناك حيث استقر دان، أبناء مراري أيضًا اللاويون يبدو أنهم استقروا في الدائرة من جميع نواحيها، في وسط أبناء إسرائيل، مختلطين مع الآخرين ومتداخلين معهم.

         هذا ما تعرضه لنا الشريعة، حتى أننا نحصد محصول الأسرار وحتى نستخدمها كدرجات لنصعد من الأشياء السفلى إلى الأشياء العليا، ومن حقائق الأرض إلى حقائق السماء. والآن أيها السامع، أصعد إذا استطعت، أصعد فوق الأفكار الأرضية هذا بفضل التأمل العقلي وبفضل القلب البصير إنسَ الأرض لبعض الوقت، أصعد إلى سحب السماء بمجهود ذكائك أبحث عن خيمة الله[3]، حيث يسوع قد دخل ” لكي يعد لنا الطريق” (عب6: 20)، وحيث “يظهر أمام وجه الله” ليشفع فينا. أبحث هناك عن هذه الرايات الأربع، وعن هذه المواضع التي للمحلة. أنظر إلى الجيش الإسرائيلي والحرس المكون من القديسين، وأبحث عن أسرار الأبكار موضوع بحثنا الآن.

 

الرتب الأربع في السموات

         لكن لا أجرؤ على الصعود فيها وحيدًا، ولا أجرؤ أن ألقي بنفسي في هاوية أسرار عميقة جدًا بدون أن أكون مسنودًا بسلطة عالم عظيم.. لا أستطيع أن أصعد إلى السماء إن لم يسبقني بولس، وإن لم يدلني بولس على الطريق لهذه الرحلة المجهولة الصعبة.

         إذًا بولس هو الرسول العظيم، هو الذي يعرف بأنه يوجد على الأرض، كذلك في السموات، عدد كبير من الكنائس والتي لم يذكر منها يوحنا الرائي سوى سبعة. بولس الرسول هو الذي يشير بأنه يوجد على وجه الخصوص ” كنيسة للأبكار” (عب12: 18ـ 23)، قال في رسالته للعبرانيين “ لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار، لكن قد أتيتم إلى جبل صهيون، إلى أورشليم السمائية إلى كنيسة أبكار، إلى مدينة الله الحي، وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات“. موسى يقسم شعب الله ويوزعه إلى أربع جهات على الأرض. والرسول يميز أربع رتب من القديسين في السموات من الواحد أو الآخر الذين يقول عنا بأننا ندنو منهم. حيث أن كل العالم لا يأتي إلى كل الرتب. الواحد يأتي إلى “جبل صهيون” والذين يكونون أفضل بعض الشئ يأتون إلى أورشليم السمائية، مدينة الله الحي والذين يكونون أكثر علوًا يدخلون إلى “ربوات هم محفل ملائكة” والذين يكونون فوق كل هذا يدخلون إلى ” كنيسة أبكار مكتوبين في السموات“. إذن إن فهمت من هذا النص ما هي رتب الأبكار وما هو السر المختبئ في هذا العنوان. استعد واجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك في حياتك في عاداتك، في إيمانك في طريقة تصرفاتك لكي تستطيع أن تأتي إلى ” كنيسة الأبكار التي هي مكتوبة في السماوات“. إن لم تستطيع، إن كنت أقل من هذه الدرجة اقترب من ربوات الذين هم محفل ملائكة، أن لم تستطيع أن تصعد إلى هذه الدرجة، اجتهد على الأقل أن تصل إلى مدينة الله الحي أورشليم السمائية. لكن إذا كنت أيضًا غير قادر على ذلك حاول على الأقل أن تتوجه نحو جبل صهيون (تك19: 17). لكي تخلص على الجبل يكفي أنك لا تبقي على الأرض أنك لا تسكن في الوديان، بأنك لا تبطئ في الأراضي المغمورة.

بذلك يبدو لي بأنه يجب أن نفهم الاختيار لرتبة الأبكار أبناء اللاويين، خدام الله الذين يؤدون الخدمة الهيكلية في الخيمة ويتممون الخدمة الإلهية بيقظة لا تنقطع.

 

فاتح الرحم :

أما من جهة ما قد قيل ” عن كل بكر الذي يفتح الرحم“، هذا لا يبدو سهلاً في فحصه وفي شرحه. حيث أن كل طفل فاتح رحم لا يجب على الفور أن يكون مستحقًا للرتبة المقدسة كرتبة البكر إذ أننا نقرأ في جزء آخر في المزامير بأنه ” زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا” (مز58: 3). ويجب أن لا ندرك هذا بالمعنى الحرفي.كيف نستطيع فعلاً أن نضل عن طريق الله بمجرد الخروج من أحشاء الأم؟ أو كيف يستطيع أن يكذب، الطفل الذي ولد لساعته، كيف يستطيع أيضًا أن ينطق بأية كلمة؟ بما أنه من المستحيل أن يضل منذ الخروج من أحشاء الأم، أو أن يكذب، يجب إذًا أن نبحث عن أحشاء أو رحم يمكن أن ينطبق عليها هذا الكلام. زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا، هذا الرحم سيكون المفتوح بواسطة كل بكر مكرس لله. فتح الله يومًا رحم ليئة الذي كان مغلقًا وولدت للعالم آباء، كذلك فتح رحم راحيل لكي ترزق أيضًا بأطفال، راحيل التي “كانت حسنة الصورة وحسنة المنظر” سنجد نصوص كثيرة أخرى في الكتاب المقدس عن فتح الرحم.

         إذا درست هذه النصوص مع مقارنتها ببعضها ستكتشف أي معنى ينطبق على النص ” زاغ الأشرار من الرحم” بينما كان الآخرون بافتتاح الرحم، مكرسين لرتبة الأبكار.

 

أبكار الله وأبكار السوء

         قال الكتاب المقدس ” واللاويون سيكونون للرب لأن لي كل بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر، قدست لي كل بكر“. نعلم المعنى التاريخي لهذا النص، نعرف كيف ضرب كل بكر في أرض مصر، عندما خرج الشعب الإسرائيلي من مصر، هذا هو معنى النص، أبكار إسرائيل لا يتكرسون سوى مرة واحدة عندما ضرب أبكار المصريين، سبب تقديسهم هو موت وإبادة المصريين، ونستنتج من ذلك بأنه يوجد أيضًا أبكار في مصر[4]، بمعنى عند الرياسات المضادة نوع من المختارين للخبث، أوائل من الأبالسة. فإن لم يبددوا أبكار المصريين لكان من غير المستطاع إطلاقًا أن يتقدس أبكار الإسرائيليين، إذًا من هو الذي ضرب “ رياسة وسلاطين الأبالسة” (كو2: 15)، ألم يكن ربنا يسوع المسيح بكر كل خليقة الذي تسلط على الرياسات والسلاطين المضادين، بعدما ظفر عليهم على الصليب. لكن لكي يعطينا بركات الأبكار فقد صار أولاً بكرًا من الأموات لكي يكون الأول في كل شئ وأيضًا حتى يعتبرنا نحن الذين نؤمن بقيامته، كأبكار ويضعنا في رتبة الأبكار، إذًا يجب أن ننظر إلى البركات راسخين حتى النهاية، مؤيدين برحمة ربنا يسوع المسيح نفسه الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] أوريجينوس يميز نوعين من المعمودية، معمودية الماء ومعمودية الروح القدس. أنه يعتقد بأن الأولى غير مؤثره ولكن أوريجانوس يعتبرها كعلامة لنظام مرئي ويحمل حقيقة المعمودية بالروح. المكر يقوم أساسًا على الحصول على العلامة بدون الواقع الذي تشير إليه العلامة.

[2] التلميح هنا إلى العجل الذهبي.

[3] خيمة الأزلية، تعني السماء بحصر المعنى والخيمة هي رمزها، أوريجينوس يدعو السامعين إلى الدخول إلى السماء التي هي جزء هام من فكره الأسخاتولوجي وهي موضوع العلم عنده.

[4] مصر عند أوريجانوس هي بلاد الأبالسة.

 

اللاويون ع3 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

 

العظة الثانية

تنظيم المحلة

 

         1ـ تعلمنا من الدرس الأول للعدد أن جيش الله، بعد خروجه من مصر وسفره وسط الصحراء، قد فحص، بمعنى أنه أحصى وعد من قبل موسى وهارون ووزع بين الأسباط، وهذا الجيش كان مقدرًا بعدد معين، وقلنا عندما شرحنا هذا التعداد بالنسبة لمشمول الكتاب، بأنه يصف الطريقة التي بها ذهب شعب الله خارجًا من هذا العالم نحو أرض الميعاد، أي نحو أرض السلاطين. أو نحو مجد ملكوت السموات ونحو حيازته، لقد كان منقادًا حسب بعض التصنيف وحسب درجة الاستحقاق لكل واحد ويوضح ذلك بمراسيم الشريعة وتخطيط “ظل” لمعاني ” الخيرات العتيدة” (عب10: 1).

 

الترتيب بموجب موسى وبولس الرسول

         اليوم يعلمنا الدرس الذي قُرئ بأية طريقة قد نصب خدام الله ترتيب المحلة بواسطة الذين ” لا يختلطون بأمور العالم”. وكلم الرب موسى وهارون قائلاً بأن يجلس بنو إسرائيل في المحلة كل واحد على حسب رتبته، وبحسب رايته، وعلى حسب بيوت آبائهم، وبأن بني إسرائيل “يجلسون قبالة خيمة الاجتماع وحولها”، وبأن كل رجل يتقدم في المحلة على حسب رايته وعلى حسب بيت آبائه” (انظر عد 2: 1ـ 2).

         قال بولس الرسول من ناحيته “وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب” (1كو14: 40). ألا يبدو بأنه هو نفس روح الله الذي تكلم به موسى؟ وتكلم به بولس الرسول، موسى أمر بأن يسيروا بترتيب في المحلة، وبولس يعطي التعليم لكل شئ بحسب ترتيب في الكنيسة. موسى الذي كان يخدم الناموس يأمر بأن يحفظ الترتيب في المحلة، بولس الرسول خادم الإنجيل يريد أن يحترم المسيحي الترتيب ليس فقط في أعماله بل وأيضًا في ملابسه. قال أيضًا “ كذلك النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة” (1تي2: 9)، وأختم بأنهما لا يريدان فقط بأن يحفظ الترتيب في تتميم الواجبات وفي الملبس، بل يعنيان أنه يوجد أيضًا ترتيب للنفس، وعلى هذا الترتيب ينطبق النص، كل واحد يتقدم بحسب رتبته.

         هذه الرتبة تعرف خاصة بثمارها، بالأعمال إلاَّ أننا نعرفها أيضًا بعظمة الأفكار حيث إنه كثيرًا ما يحدث بأن شخصًا ما ليس عنده إلا أفكار دنيئة ووضيعة ويتلذذ بالماديات الأرضية، ويصل بحيلة لرتب مرتفعة في الكهنوت أو في منبر المعلمين، وأن شخصًا آخر روحانيًا متحررًا من الانشغالات الأرضية ويستطيع أن يفحص كل شئ “ ولا يحكم فيه من أحد” (كو2: 15)، يشغل أقل رتبة في الكهنوت أو يكون معدودًا مع عامة الشعب، وهذا في نفس الوقت هو احتقار لتعاليم الناموس وتعاليم الإنجيل، ولا يكون هذا العمل بحسب ترتيب.

         ونحن أيضًا إذا كنا منزعجين ومهتمين بالمأكل والمشرب ولا ننشغل إلا بمنافع هذا العالم، إذا كنا لا نعطي لله إلا ساعة أو ساعتين كل يوم في الذهاب إلى الكنيسة للصلاة أو لسماع كلمة من كلام الله إذن نحن نعمل على الأخص لإشباع احتياجاتنا العالمية، ولإرضاء احتياجات المعدة. وبذلك لا نتمم التعليم الذي يقول “يسير كل واحد على حسب رتبته”، أو التعليم الذي يقول ” وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب“. فالترتيب الذي وضعه الرب المسيح هو أن ” نطلب أولاً ملكوت الله وبره” (مت6: 33)، وأن نؤمن بأن ” كل هذه سيزيدها الله لنا”، وإن كل إنسان “يسير حسب رتبته”.

         أتعتقد بأن الذين لهم لقب قسوس، الذين يفتخرون بانتسابهم لرتبة الكهنوت، يسيرون على حسب رتبتهم ويعملون كل ما يصلح لرتبتهم؟ على هذا النمط أتعتقد بأن الشمامسة يسيرون على حسب رتبة الشماسية لخدمتهم؟ إذن من أين يأتي ما نسمعه أحيانًا من أناس مجدفين يقولون أنظر هذا الأسقف. هذا القسيس. هذا الشماس؟ ألا يقال كل هذا عندما نشاهد الكاهن أو خادم الله يقصر في واجبات رتبته ويخالف الرتبة الكهنوتية ورتبة اللاويين؟

         ماذا سأقول عن العذارى، وعن النساك، أو عن كل الذين يقومون بخدمة دينية؟ إذا قصروا من جهة الحشمة والاحتشام، والرزانة، ألم يتهمهم موسى في الحال ويقول لهم “ بأن كل رجل يسير على حسب رايته” (عدد2:2)، إذن كل واحد يعرف رايته، بأن يفهم ما يلزم للرتبة التي يشغلها بأن يزن أعماله، وينظم أيضًا كلماته وتصرفاته وأيضًا ملابسه لكي تتفق مع مقتضيات الرتبة التي انتسب إليها، حتى لا نسمع قول الله الذي يقول ” أسمى يجدف عليه بين الأمم بسببكم” (مز36: 20ـ 23).

 

العلامات، درجات الاستحقاق

         2 ـ انظروا من وجهة أخرى ما تعنيه “وعلى حسب رايتة” ومن رأيي أن الرايات هي العلامات التي يتميز بها كل فرد من الأفراد، مثلاً كل الرجال يتشابهون لكن توجد علامة خاصة مميزة لكل واحد، وفي تقاطيع وجهه، في القوام، في الهيئة، في الملبس، وهذه المميزات هي التي تميز بولس عن بطرس. أحيانًا أيضًا ليس من الضروري أن يظهر المرء نفسه لكي نرى العلامة المميزة له. فمن صوته، من نبرات حنجرته، يُعرف الشخص، وكل واحد يُعرف بعلامة خاصة. خارجًا عن كل رؤية جسدية بنفس الطريقة أعتقد أنه توجد في النفوس علامات مختلفة.

         إحداها: عندها حركات عذبة لذيذة جدًا، ساكنة، هادئة، متساوية. الثانية لها علامات منزعجة، فخورة، خشنة أكثر شدة، أكثر غضبًا. الواحدة يقظة، حكيمة بصيرة واعية، نشطة؛ والأخرى كسولة مسترخية، مهملة، غافلة. والبعض يكون لهم علامات أكثر والآخرون يكونون أقل. ويمكنني التأكيد أنه ربما يوجد اختلاف بين النفوس البشرية كما يوجد اختلاف بين الوجوه مثلما يبينه هذا القول، الذي خطر ببالي من سليمان الحكيم: “ كما الوجوه تختلف عن الآخر كذلك قلوب الناس تختلف” (أم27: 19س).

         ” كل واحد” كما يقول موسى ” يسير على حسب رايته” بمعنى أن الذي له علامات سفلية ودنيئة يسير بأكثر فجر أو أكثر غطرسة والتي لا تناسب علامات روحه. لكي نوضح أيضًا هذا الاختلاف للعلامات، سنضيف هذه المقارنة. كل الذين قد تعلموا القراءة والكتابة يعرفون جيدًا 24 حرفًا، إذًا درسوا أصول الكتابة باليونانية و 23 حرفًا إذا درسوها باللاتينية. أنهم يستخدمون في الكتابة كل ما لديهم للكتابة. ومع هذا فالألفا A في كتابة بطرس تختلف عن الألفا في كتابة بولس. وكذلك سنجد بأن كل رجل يعرف الكتابة له علامات خاصة به في الكتابة لكي ينسخ كل حرف من حروف الهجاء. أيضًا نستطيع التعرف على بعض العلامات وعلى بعض الإشارات لليد التي كتبت حرف الهجاء. فالحرف B واحد، ولكن في تشابه الحروف يسجل اختلاف العلامات.

         لو ظهر لك المثال واضحًا فأنه يمر خلال تحركات العقل ونفوس الذين يكونون وسائل الأعمال، انظر ” الصك المكتوب علينا” (كو2: 14)، وانظر مثلاً كيف أن روح بولس تميل نحو الطهارة، وروح بطرس كذلك. لكن طهارة بولس لها مميزات خاصة به وطهارة بطرس لها مميزات أخرى، حتى لو ظهرت أنها نفس الطهارة وطهارة الواحد تلزم إقماع الجسد “وتستعبده” وقال أيضًا “خوفًا من”[1] فطهارة الآخر لا تخشى ما معناه “خوفًا من” (1كو9: 27).

         كذلك البر له بعض من الخواص لبولس ولبطرس. كذلك الحكمة وكل الفضائل، إذن حتى عند الذين قد ذكرناهم كمثال. توجد اختلافات شخصية مع أن الفضائل هي واحدة من قبل روح الله. فكل الرجال الآخرين لهم علامات خاصة بهم في شعورهم وفضائلهم، هذا لأن موسى كان ينظر ذلك بطريقة رمزية فكتب في الشريعة “ بأن كل واحد يسير في المحلة على حسب رايته” (عدد2:2).

         لكن يمكن أن يحدث بواسطة الأعمال الحسنة والغيرة أن نعبر من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر عظمة. والواقع إذا فهمنا جيدًا إن كل محتويات الشريعة هي “ ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، أي الزمن الذي نترجي فيه حدوث القيامة، وحينئذ تكون لدينا الثقة، خاصة وإذ نحن في الحياة الحاضرة، نشتاق إلى خيرات أفضل بحسب مثال الرسول الذي قال “ ننسى ما هو وراء ونمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13). لكي يمكننا في وقت قيامة الأموات، الذي سيكون فيه اختلاف بين استحقاقات الناس كما ” أن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (1كو15: 41)، أن ننتقل من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر مجدًا حتى نتساوى مع الكواكب الأكثر بريقًا. فالطبيعة البشرية يمكن أن تنمو في الحياة حتى نتساوى عند القيامة من الأموات، ليس فقط بمجد النجوم، لكن أيضًا ببهاء الشمس. حيث أنه كتب “حينئذ يضئ الأبرار كالشمس في ملكوت الله” (مت 13: 43)، من هنا يأتي أيضًا الذين كانوا في درجات سفلى الذي يقول عنهم موسى “ بحسب رايته بحسب بيت آبائه” (عدد2:2).

 

العائلات والأبوة

         أما بالنسبة للكلمة ” بحسب بيت آبائه“، نفس الكلمة قد استعملت باليونانية في النص الذي فيه قال الرسول “ بسبب هذا أحنى ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة (أو أبوة) في السموات وعلى الأرض” (أف3: 14ـ15)، الذي يسميه بولس الرسول أبوه يسميه المترجم اللاتيني عائله، لكن الكلمة هي نفسها باليونانية هذه الأبوة (العائلات) التي قد أشار إليها بولس الرسول في السموات. بينما موسى يشير إليها على الأرض. تحت رموز الشريعة؛ أنه ينصحنا بأن نسير بحسب هذه العائلات حتى نستطيع أن نكون منضمين للأبوة السماوية. يوجد حقًا، كما أعلن بولس الرسول آنفًا، أبوة أو عائلات في السماء بينما يمكن أن نجد الأبوة في نص آخر ما يسميه بولس الرسول “ كنيسة أبكار مكتوبين في السموات” (عب12: 23)، سنكون فيها إذا سرنا بحسب الترتيب، وإذا عملنا كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب؛ إن لم يوجد فينا أي شئ مشوش، أي شئ قلق، أي شئ من العار. إذًا ” سيضيئون كضياء السماء” ونحن سنضئ مثل النجوم ومثل الشمس أيضًا” (دا 12: 3)، في ملكوت الله بفضل المسيح ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

 

[1] أقمع جسدي واستعبده خوفًا من بعد أن أكرز للآخرين أكون أنا مرفوضًا.

 

تنظيم المحلة ع2 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

 

العظة الأولى

التعداد1

         1 ـ ليس كل الناس يستحقون أن يحسبوا ضمن الأعداد الإلهية. لكن يوجد نظام محدد لتعيين الذين يجب أن يكونوا ضمن أعداد الله.

 

التعداد ـ والتاريخ

         سفر العدد يقدم لنا حجة ساطعة، عن هذا النظام، وقد ورد به أنه بناءً على أمر الله، لا تحسب النساء في هذا العدد، وذلك طبعًا بسبب الضعف الأنثوي.

         كذلك لا يحتسب أي عبيد بسبب دناءة حياتهم وطبائعهم حتى من المصريين، كما لم يحصَ أحد من الذين قد امتزجوا مع الشعب، لأنهم من الغرباء والبرابرة. ولم يحسب سوى الإسرائيليون وليس الكل، لكن من سن 20 سنة فما فوق، ولا يعمل اعتبار للسن فقط بل يبحث أيضًا لمعرفة ما إذا كان الرجل قويًا لخوض الحرب حيث إن ما فرضته كلمة الله “يحسب كل الذي يسير في القوة”. إذًا لا يُطلْب من الإسرائيلي السن، بل القوة أيضًا. والطفولة لم تحتسب وهي غير معتبرة في التعداد الإلهي، إلا إذا كان الأطفال من ضمن الأبكار أو من أصل السلالة الكهنوتية من سبط لاوى (عد 3: 4)، هؤلاء فقط هم الأطفال الذين قد حسبوا في التعداد دون إدخال سيدة واحدة.

النص بالمعنى الروحي

         ماذا نقول؟ لا يمكن أن يكون في هذه الفقرة سر؟ وهل سنكتفي بأن الروح القدس عندما أوحى للكاتب لم يقصد إلا تعريفنا أي جزء من الشعب قد أُحصىَ وأي جزء ظل خارج العدد؟ وما هي الفائدة التي يمكن أن يستخرجها الذين يبحثون لكي يتعلموا من الكتب المقدسة؟ وما الفائدة التي تعود علينا من تعلّمنا هذا؟ وما الفائدة للنفس[2] ولخلاصها من معرفتها بأن جزءًا من الشعب قد أحصى في الصحراء، وأن جزءًا آخر من الشعب لم يحصَ؟

 

الشروط اللازمة لكي نُحسب أمام الله

         إذا تتبعنا مبدأ الرسول بولس نجده يقول إن “الناموس روحي” (رو7: 14). وإذا تفهمنا محتوياته روحيًا، سنستخلص من النص فوائد عظيمة للروح.

         القراءة الحالية تعلمني بأنه إذا اجتزت مرحلة سذاجة الطفولة، أي أبطلت ما للطفل من أفكار الطفولة[3]، أي ” لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل” (1كو13: 11)، إذا قلت لقد صرت “حدثًا قادرًا على غلبة الشرير” (1يو2: 13)، سيكون ذلك تأهيلاً لي أن أكون من ضمن الذين ينطبق عليهم المكتوب ” كل الذين يسيرون في القوة في إسرائيل“. وسأكون مؤهلاً للتعداد الإلهي، لكن طالما بقى لأحد من بيننا أفكار صبيانية، متأرجحة أو طالما بقى لأحد من بيننا صفات الضعف والفتور، وإذا سلكنا بطريقة مصرية بربرية[4] لا نستحق أن نكون محسوبين أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدس “لا يحصى عدد” الذين يهلكون كما قال سليمان، وبالعكس الذين خلصوا قد أحصوا جميعًا.

 

هل تريد الدليل بأن عدد القديسين أحصى أمام الله؟

         اسمع ما يقوله داود النبي عن كواكب السماء ” فإن الله هو الذي يحصى كثرة النجوم يدعو كلها بأسماء” (مز147: 4)، ولم يكتف المخلص بتحديد عدد التلاميذ الذي اختارهم، بل قال أيضًا شعور رؤوسكم محصاة “ حيث شعور رؤوسكم جميعها محصاة” (مت10: 3)، وهو لا يريد بذلك أن يقول إن الشعور التي نقصها بالمقص والتى نلقيها في الزبالة، أو الشعور التي تسقط وتموت مع تقدم السن كانت محصاة، ولكن الذين أحصوا أمام الله هم الذين من الناصرة، حيث سكنت فيهم قوة الروح القدس التي سمحت بغلبة الفلسطينيين. قوى النفس وكثرة الأفكار التي تنبع من ملكة الإدراك والفهم، والتي يرمز إليها برأس التلاميذ، هذا ما يسميه النص “بشعور الرأس” ولقد تكلمنا عن هذا الموضوع بطريقة عرضية فلنعد الآن إلى حديثنا.

 

قوة إسرائيل وقوة الأجانب

2ـ ” وكلم الرب موسى في برية سيناء” قال له ما قد سبق تلخيصه وأمره بأن يحصى من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل من يحسب للقوة في إسرائيل. كل من يحسب “للقوة”، وليست أية “قوة” ليس في قوة مصر، وليس في قوة الآشوريين (الكلدانيين)، ولا في قوة اليونان، لكن الذين هم في قوة إسرائيل سيحصون أمام الله.

         توجد فعلاً قوة النفس التي يعلّمها الفلاسفة اليونانيون، ولكن ليس لها صلة مع تعداد الله. وهي ليست لله، لكن تعمل للمجد البشري[5] الباطل. أيضًا توجد قوة الآشوريين أو قوة الكلدانيين الخاصة بالدراسات الفلكية، لكن لم تكن هي القوة الإسرائيلية لذلك ليس لها صلة بالله. توجد أيضًا قوة المصريين ويدّعون أنها أوهام حكمتهم السرية. لكن هذه الحكمة لم تحسب في حسابات الله. القوة الإسرائيلية هي الوحيدة المعتبرة أمام الله، هي القوة التي أعلنت من الله، والتي تلقن من الكتب الإلهية والمنقولة بالإيمان الإنجيلي والرسولى[6] لهذا يقول الرب لا تحصوا إلا “الذين يسيرون في القوة الإسرائيلية”.

 

التقدم نحو الكمال:

لكن لنفحص أيضًا هذا السؤال:

         لماذا لم يحصَ الشعب منذ الخروج من مصر؟[7] وهذا لأن فرعون كان يتعقب هذا الشعب (خر14: 15)، ولم يحصَ بعد العبور عبر البحر الأحمر، عندما وصل للصحراء لأن الإسرائيليين (خر 16) لم يُجرَبوا بعد ولم يهاجمهم الأعداء بعد، لقد حاربوا مع عماليق، وحصلوا على النصر (خر17) لكن لا تكفي نصرة واحدة لشعب يصبو نحو الكمال ويحصلون على طعامهم من المن ويشربون الماء من “الصخرة التي كانت تتبعهم” (خر16: 14)، لكنهم لم يحصوا بعد لأن العناصر الحقيقية للعدد مازالت غير نامية فيهم (خر17: 6؛ 1كو 10: 1). خيمة الاجتماع نصبت، أيضًا وقت التعداد للشعب لم يكن قد آتى بعد، لكن الشريعة قد أعطيت لموسى، وطريقة تقديم الذبائح قد رسمت، طقوس التطهير قد وضعت، والشرائع وأسرار التقديس قد وضعت، حينئذ حسب أمر الله قبل الشعب في التعداد (عد 1: 2). “انقش” أيها السامع، هذه التعاليم على قلبك (انظر أم 7: 3)، من نسختين ومن ثلاث نسخ.

         تطلع إلى التجارب التي يجب أن تجتازها ومدى الآلام الواجب تحملها، وبعد كم درجة من التقدم والنمو، ومدى التجارب والمعارك الواجب تحملها والانتصار فيها، حتى يكون الإنسان معدودًا أمام الله. ولكي يعتبر جديرًا بأن يحسب مع الأسباط المقدسة. لكي يستطيع أن يكون مذكورًا في سجلات التعداد بواسطة كهنة الرب، هارون وموسى. يجب عليك أولاً أن تستلم شريعة الله، شريعة الروح القدس، تقديم الذبائح، إتمام التطهير، إتمام وصايا شريعة الروح القدس لتتمكن في النهاية من الانتماء للتعداد الإسرائيلي.

 

تصنيف المختارين

         3 ـ أجد أيضًا موضوعًا كبيرًا للتأمل في سفر العدد هذا وهو موضوع توزيع الأسباط وتمييز الرتب، وتجمع الأسباط، وكل ترتيب المعسكر (المحلة) يشكل لي أسرارًا عظيمة بفضل الرسول بولس الذي علمنا بذور المعنى الروحي. 

 

تصنيف القائمين أو رتب القيامة

         فلنتطلع لمعنى الأسرار الموضوعة في حساب التعداد وفي الأماكن المختلفة التي أشير إليها. فنحن ننتظر بثبات قيامة الأموات، اللحظة التي فيها لا يسبق الأحياء الباقين على الأرض الراقدين (1تس4: 14)، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن نفس ساعة مجيء المسيح سيخطف الأحياء في السحب بالروح لملاقاة المسيح في الهواء، وبالتالي سنترك فساد هذا المكان الأرضي الذي هو مسكن الموتى وسنكون كلنا الأحياء والذين رقدوا “في الهواء” كما نادى بولس، والبعض سينتقل إلى الفردوس أو إلى مواضع أخرى مختارة من ضمن منازل الآب الكثيرة (يو14: 2).

         ولكن هذه المواضع وهذا المجد الخاص ستعطى حسب استحقاقات وأعمال كل واحد، وكل واحد سيكون في الرتبة التي وضعته فيها استحقاقات أعماله كما يؤكد بولس الرسول قائلا عن الذين يقومون    “ كل واحد في رتبته المسيح أولاً ثم الذين هم له” (1كو15: 23)، ومن ثم سيسجل كل واحد حسب المقاييس الروحية فمثلاً سيسجل واحد في سبط رأوبين RUBEN لأنه شابه رأوبين في العادات والطباع والأعمال أو الحياة.

         ويسجل آخر في سبط شمعون بسبب طاعته، وآخر في سبط لاوى، لأنه أكمل وظائفه الكهنوتية حسنًا أو حصل فيها على درجة الكمال. ويسجل آخر في سبط يهوذا لأنه يملك في ذاته مشاعر ملوكية، وقد قاد الشعب قيادة حسنة بأفكار عقلانية وعواطف قلبية، وبذلك فكل واحد سيكون شريكًا ومنتسبًا للسبط الذي تميزه به أعماله وطبائعه. سيوجد إذًا رتب عند قيامة الأموات كما نفهم من الرسول، وصورة وشكل هذه الرتب تبدو لي موضحة مسبقًا في كتاب سفر العدد هذا. وحقيقة أن المعسكر (المحلة) يوضع ويرسم بين الأسباط وبعض التجمعات هو مرتبط أيضًا بقيامة الأموات. أما أن تكون ثلاثة أسباط قد وضعت من ناحية الشرق، وثلاثة من ناحية الجنوب، وثلاثة من ناحية البحر (الغرب)، والثلاث الأخيرة نحو الشمال التي تكون “ريح باردة”، وأما أن يكون سبط يهوذا، وهو السبط الملكي، قد أقيم في الشرق من حيث “قد أشرق ربنا”، وأن يشارك يساكر وزبولون، وأما أن يكون العدد ثلاثة منسوبًا لأربعة أقسام المحلة. ومع أن لكل سبط مميزات في وضعه الخاص، ومع ذلك فالكل يدخل تحت عدد الثالوث القدوس.

         وأننا نجد دائمًا في الأربعة أجزاء هذه نفس العدد ثلاثة، لأنه قد أحصى باسم الآب والابن والروح القدس دون غيره، سكان أربعة أجزاء العالم الذين يدعون باسم الإله ” ويتكئون مع إبراهيم وأسحق ويعقوب في ملكوت السماوات” (مت8: 11). وهذه وقائع لا يمكن إهمالها. لقد أعطينا هذه البيانات المختصرة للذين يريدون أن يأخذوا لمحة سريعة عن المحتوى الرمزي لكل هذا السفر المقدس، حتى ننتهز هذه الفرصة للوصول إلى المعنى الروحي للموضوع ونتابع أبحاثًا من هذا النوع. أو أيضًا إذا منح الله نوره بأكثر سخاء لكي نصل إلى أبحاث أعظم. أما بالنسبة لي، فإني أجد نفسي عاجزًا فعلاً عن وصف الأسرار المتضمنة في سفر العدد هذا، وليس فقط أسرار سفر العدد بل أني أشعر بنفس الشعور وأكثر حيال الأسرار الكامنة في سفر التثنية.

 

تقسيم الأرض

         لذلك يجب علينا الإسراع لنصل إلى يسوع (يشوع[8])، وليس لابن نون ولكن يسوع المسيح. لكن أولاً يجب أن نضع أنفسنا في مدرسة موسى، فلنتخلص عنده “ من جيل الأطفال” (1كو13: 11)، ثم فلنسر نحو كمال المسيح، فموسى لم يخمد كل الحروب، ولكن يسوع (يشوع) قد أطفأ كل الحروب وقد أعطى السلام لكل الناس. مثلما نتبينه من هذا النص ” واستراحت الأرض من الحرب[9] (يش14: 15). أرض الميعاد، أرض الميراث ” الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً” (خر23: 3)، قد قسمت من قبل يسوع (يشوع) ” طوبى للودعاء (لأنهم بفضل يسوع) يرثون الأرض” (مت5:5).

هذا التقسيم أيضًا نجده معلنًا بواسطة صور وأمثلة فإنه يجب أن نعرف أن البعض سيحصلون بالتقسيم على الأرض الواقعة وراء نهر الأردن. والبعض الآخر على الأرض الواقعة عن جانب نهر الأردن، هذا أي أنه يوجد ورثة من الدرجة الأولى والثانية وأيضًا الثالثة. وأنه حسب الترتيب سيصير تقسيم الأرض حيث كل واحد ” يجلس تحت تينته وتحت كرمته بدون أن يأتي أحد يعكر صفوه” (ميخا4:4). كل هذه المناظر المصورة من قبل بأسرار فائقة سيعملها الرب المسيح بنفسه في يوم مجيئه، ليس في مرآة ولغز لكن وجهًا لوجه (1كو13: 12)، حسب استحقاقات كل واحد، التي يعرفها هو الذي يفحص القلوب الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.

 

[1] سفر العدد يشير هنا إلى القداسة والكمال في نفس الوقت.

[2] إن كل شئ في الكتب المقدسة يحمل فائدة للنفس وهذا مبدأ عام عند أوريجينوس.

[3] تعني: إذا اجتزت الصورة الأولية للحياة الدينية أي مجرد الإيمان التي هي درجة أقل من الحياة الروحية.

[4] أي بطريقة جسدية أو شيطانية حيث أن مصر ترمز إلى الاتكال على الجسد والشياطين. وبربرية تشير هنا إلى العبيد أي المشاعر المنحطة ومن يستعبد لها.

[5] عتاب بلا انقطاع من المسيحيين للفلاسفة اليونانيين من جهة الاعتقاد بأن الفلسفة يمكن أن تستعمل في غاية الإتقان، لكن لا تؤدي للسلام.

[6] حيث إن الكنيسة هي إسرائيل بالحقيقة.

[7] أوريجانوس يلخص هنا التقدم المبين بارتحال العبرانيين، ههنا الكيفية التي بها نستطيع أن نفهم هذه المراحل.

أولاً: خروج من مصر انشقاق مع إبليس، لكن الشيطان (فرعون) مازال متسلطًا على النفس. =

=ثانيًا: عبور من البحر الأحمر ليس للتجربة كما تظهر في العظة 27 لكن ربما لأجل العماد. الدخول في الصحراء، ترسم بداية النسك والتجارب.

ثالثًا: الكفاح ضد عماليق (الشيطان) وهو يعبر عن الأعمال لصالحة.

رابعًا: والصخرة، النفس متغذية من كلام الله وتشرب من الصخرة التي هي المسيح وهذا يمثل العلم.

خامسًا: نصب خيمة الاجتماع، اقتناء الفضائل.

سادسًا: الشريعة (الروحية) المعطاة بالتطهير حسب الشريعة الموسوية، ذبائحهم (صلواتهم).

أخيرًا التبرير الذي يفصل القديس من الجماعة ويعزله عن العالم.

[8] اليونانيون والعبرانيون لا يميزون اسم يسوع عن يشوع، يشوع هو يمثل تمامًا يسوع وهو هنا يرمز للمسيح قمة الكمال، الذي يجب علينا أن نصل إليه خلال أسرار الناموس.

[9] نعم أنه من المؤكد أن أرضنا لا تستطيع أن تستريح من الحرب إلا بواسطة قدرة ربنا يسوع المسيح.

التعداد ع1 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني: مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

مواقف في الصحراء

مقدمة:

أنواع متعددة من الغذاء في الكتاب المقدس

عندما خلق الله العالم، نوَّع الأغذية وكيفها لتلاءم ميول الناس المختلفة وأيضًا الحيوانات بأنواعها. ولما رأي الإنسان طعام الحيوانات فهم جيدًا أن هذا الطعام قد خُصّص من أجل الحيوانات وليس من أجل الإنسان. وحتى الحيوانات نفسها قد عرفت ما يلائمها من الأطعمة. فالأسد والبقرة والعصافير والأيائل، كل نوع من هذه قد عرف الطعام الذي يناسبه.

والناس أيضًا يختلفون في إختيار الأطعمة. فالذي يتمتع بصحة جيدة يطلب طعامًا قويًا ويثق في أنه يستطيع ” أن يأكل كل شيء” (أنظر رو14: 2) كالرياضيين الأقوياء. والذي يشعر أن صحته معتلة وضعيفة يفضِّل تناول الخضراوات مثلاً ولا يتحمل الطعام القوي.

وماذا عن الطفل الصغير؟ فهذا لا يستطيع أن يتناول سوى اللبن. فضلاً عن أنه لا يستطيع أن يعّبر عن ذلك بالكلام. هكذا كل إنسان يطلب الغذاء المناسب له حسب سنه وصحته وقوته[1].

فالطبيعة الناطقة كلها محتاجة للأطعمة التي تناسب حالتها. فهل نستطيع أن نترك الحقائق الجسدية الآن ونفكر في الروحيات؟ إن الغذاء الحقيقي للطبيعة العاقلة هو كلمة الله. وكما أننا قد سلمنا بأنه يوجد كثير من الاختلافات بين أطعمة الجسد المختلفة، هكذا أيضًا الطبائع العقلية التي تتغذى على كلمة الله. وكما شبهنا إمداد الجسد بالأطعمة المختلفة، هكذا كلمة الله تحمل نظامًا لبنيًا في معرفة وتمييز التعاليم الغريبة وتستعيض عنها بما هو روحي. فعندما نقرأ فصلاً من الكتب المقدسة للمبتدئين، يقبلونه بفرح لأنه ليس فيه أي شئ غامض، كسفر أستير وطوبيا أو مبادئ سفر الحكمة. ولكن عندما نقرأ سفر اللاويين للمبتدئ يخفق قلبه على الفور ويتحول عنه كإنسان يتحول عن طعام ليس هو من ضمن نظامه الغذائي. فقد جاء لكي يسمع عن أحكام الله وعن عدله ورحمته وها هو لا يسمع سوى الأمور المتعلقة بالذبائح وعن نظام التضحيات. فكيف يتحول اهتمامه فجأة، ألا يرفض هذا الغذاء وهو لا يناسبه في نفس الوقت؟

من جهة أخرى، في قراءة الأناجيل والرسائل والمزامير، فهذه يقبلها بفرح وبكل إرادته يتمسك بها ويجهد نفسه في استخلاص ما بها من دواء لأسقامه. ولكن إذا قرأنا له من سفر العدد كما هو واضح في الفصول التي بين أيدينا فسوف يحكم عليها بعدم النفع والفائدة. كما لو لم يوجد بها أي علاج لأسقامه ولا لخلاص نفسه. فسوف يتركها على الفور كالطعام الثقيل العسر الهضم الذي لا يناسب نفس مريضة وعاجزة.

ولنعد ثانية إلى مثال الأشياء الجسدية. فالأسد مثلاً إذا أعطيناه العقل فرضًا فلن يشتكي من كثرة العشب في الكون، بحجة أنه يتغذى على اللحم الطازج، ولن يقول إن هذا العشب لا فائدة له وأن الخالق قد أوجده بلا نفع. هكذا الإنسان فبحجة أنه يستخدم الخبز والمأكولات المناسبة له، لا يجب أن يشتكي ويقول لماذا خلق الله الثعابين وهو لا يعرف أنها تُستخدم كغذاء للأيائل. هكذا الدابة والبقرة لا يجب أن تشتكي من الذي يُعطي للحيوانات الأخرى من أكل اللحم، بحجة أن العشب يكفي فقط لغذاء الدابة والبقرة.

هكذا الحال بالنسبة للأغذية الروحية أو العقلية. وأعني هنا نصوص الكتب المقدسة. فلا يجب أن نُلقي عنا نصوص الكتب المقدسة التي تبدو أكثر غموضًًا وأكثر صعوبة في الفهم ولا نتهمها بالصعوبة والغموض. ونحتفظ فقط بالنصوص التي تناسب المبتدئ المريض الأكثر ضعفًا الذي لا يستطيع فهم هذه النصوص فهو كالطفل الصغير. ولا تستطيع الأسفار بالنسبة لهؤلاء أن تساهم في تكوينهم وليست لها فائدة ولا تساعد على خلاص أنفسهم. ولكن علينا أن نضع في الاعتبار ما يلي: أن الثعبان والشاه والإنسان، كل هذه هي مخلوقات الله. وأن هذا التنوع في الكائنات الحية يقود لتمجيد وشكر الخالق. وأن الغذاء بكل أشكاله قد أُعدَّ لكي يتناول منه كل كائن حي حسبما يناسبه في طبيعته وصحته وقوته. هكذا كل واحد حسب صحته وقوته يستخدم نصوص الكتاب التي هي كلام الله حيث يكون التنوع الذي فيها طعامًا مناسبًا وموافقًا لكل ميول النفوس المختلفة. وهنا تعالوا لننظر هذه الأمور عن قرب:

فمثلاً عند قراءة الإنجيل أو تعاليم الرسول بولس يبدو عليك الإعجاب بها وتعتقد أنك قد وجدت الطعام الأفضل موافقة والأكثر مناسبة لك. ولكنك لم تعرف بعد الأسرار التي ينبغي أن تعرفها إذا درست وتعمقت في أحكام الله! أما إذا تجنبت ما يبدو لك مبهمًا وغامضًا وهربت منه، فحتى الأسفار السهلة بالنسبة لك والتي توحي لك بثقة في فهمها، سوف تجد فيها صعوبة أكثر وغموضًا أكثر. فالكتاب يحتوي على الكثير من الكلمات الواضحة والبسيطة القادرة على بناء السامع حتى الأقل ذكاءً.

إننا بهذه المقدمة قد بدأنا بإيقاظ قلوبكم لأن الدرس الذي بين أيدينا هو من هذه الدروس التي تبدو أكثر صعوبة في الفهم، وتبدو أيضًا أنها بلا فائدة. ولكننا لا نقدر أن نقول إنه يوجد في كتابات الروح القدس شئ غير نافع حتى لو بدا الغموض في بعض نصوصه. وعلينا بالحري أن نحّول عيون قلوبنا نحو الذي أمر بهذه الكتابة ونطلب منه فهم المعنى. فإذا وجد في أنفسنا ضعفًا فهو قادر أن يشفينا من هذا الضعف، وهو ” الذي يشفي كل الأمراض “، ” الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك” (مز103: 3).

هل نحن مازلنا في مرحلة الطفولة العقلية؟ إن الرب وهو حارس الأطفال، هو الذي يرافقنا ويطعمنا ويقودنا إلى قياس قامة ملء المسيح حسب المكتوب، “ إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف4: 13). فباستطاعتنا إذًا العبور من المرض، وأن نعبر منه إلى الصحة، وأن نعبر أيضًا من الطفولة إلى الرجولة. وفي استطاعتنا أيضًا أن نطلب ذلك من الله لأن الله يحب أن يعطي الذين يطلبون وأن يفتح للذين يقرعون.. ولنكتفِ بهذه المقدمة.

 

هناك فائدة نستخلصها منه:

هيا بنا الآن لنبدأ درس اليوم! وبمعونة الرب نستطيع أن نشرح وأن نقطف منه ما هو مهم حسب ما يوضح لنا المعنى. وقال النص هنا “ هذه رحلات بني إسرائيل الذين خرجوا من أرض مصر بجنودهم على يد موسى وهرون. وكتب موسى مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب، وهذه رحلاتهم بمخارجهم ” (عد33: 1-2).

هل سمعتم؟ ” وكتب موسى ذلك حسب قول الرب”. ولماذا أراد الله أن يُكتب ذلك؟ فكتابة رحلات بني إسرائيل لابد إذًا أن تعيننا على أي حال! أليس كذلك، ومن يجرؤ ويقول إن الوثائق المكتوبة بيد الله هي بلا فائدة ولا تساعد على خلاص النفس؟ وما الذي يعود علينا من مجرد سرد الحديث؟ إن هذا الرأي خاطئ وضد الإيمان المستقيم. ولنترك هذا للذين يدّعون ويقولون إن إله الناموس ليس هو إله الأناجيل. بل هو “الله أبا ربنا يسوع المسيح” الذي نمجده بنفس واحدة وبفم واحد” (انظر رو15: 6). إذًا فبالإيمان نستطيع أن نستخلص أفكارًا واضحة وجلية من هذه الرحلات. وسنحاول توضيح المعنى الرئيسي بإيجاز بقدر الإمكان وبقدر الوقت.  

الخروج من مصر له مفهومان

لقد أتحنا الفرصة في العظة السابقة للكلام عن خروج بني إسرائيل من أرض مصر. وقلنا إنه في المعنى الروحي نستطيع الخروج من مصر بطريقتين: إما ترك الحياة الوثنية للوصول إلى معرفة الناموس الإلهي. أو عندما تترك النفس مسكنها في هذا الجسد. هذان هما المفهومان اللذان يناسبان الآن المراحل التي سردها موسى “حسب قول الرب”.

 

المنازل بعد الحكم

لقد قال الرب في الإنجيل: “ في بيت أبي منازل كثيرة وإلا فإني كنت قد قلت لكم. أنا أمضى لأعد لكم مكانًا ” (يو14: 2). فهذه المنازل سوف تشغلها النفوس التي تحررت من الجسد أو بالحرى التي لبست جسدًا ممجدًا. إذن هناك طرق كثيرة تقود إلى الآب. فلماذا قررت النفس ذلك وما هي الفائدة؟ وماذا وجدت من ضوء في هذه الأمور؟ إن الوحيد الذي يعرف ذلك هو ” رب الدهر الآتي “. الذي قال عن نفسه ” أنا هو الباب” (يو14: 6). ” لا أحد يأتي إلى الآب إلا بي “، إذًا فكل طريق من هذه الطرق يبدو لكل نفس بابًا، فسوف ندخل به وسنخرج ونجد مرعى، ومن هنا سندخل في طريق آخر ثم في منزل آخر أيضًا حتى نصل إلى الآب نفسه.

وهنا سوف ننسى هذه المقدمة قليلاً ونهيئ عقولكم مقدمين لها أفكارًا عالية وسامية. ولنعد إلى ما حدث بيننا وفينا.

المنازل في الحياة الحاضرة

عندما كان بنو إسرائيل في خدمة فرعون في مصر، كانوا فريسة ” للطين واللبن….” حتى اللحظة التي صرخوا فيها بأنين إلى الرب، فاستجاب لشكواهم، وأرسل لهم كلمته عن طريق موسى وأخرجهم من مصر. ونحن أيضًا عندما نكون في مصر أقصد في خطايا هذا العالم وظلمة الجهل وعندما نعمل لحساب الشيطان متمرغين في شهوات الجسد، فإن الرب يشفق على ضعفنا وهو الذي أرسل لنا الكلمة، ابنه الوحيد لكي يخرجنا من الجهل والخطية ويقودنا إلى نور تعاليمه الإلهية.

 

موازاة بين تجسد المسيح وتقديس البشر:

لنتأمل عن قرب الترتيب الحسابي لهذا السر

إننا سوف نجد 42 موقف لخروج بني إسرائيل خارج مصر إذا دققنا في ذلك. وبالتالي إن مجئ إلهنا ومخلصنا لهذا العالم قد تم في 42 جيل.  ولقد أعلن متى الإنجيلي ذلك في (مت1: 17)، هذه الاثنان والأربعون جيلاً هي الوقفات التي اجتازها المسيح لينزل إلى مصر هذا العالم. ولقد أعلن موسى ذلك بالضبط حين قال عن خروج بني إسرائيل من أرض مصر: “ هذه رحلات بني إسرائيل الذين خرجوا من أرض مصر بجنودهم عن يد موسى وهرون ”             (عد33: 1).

ما هي قوتهم سوى المسيح الذي هو ” قوة الله ” (2كو1: 24)، هذا  ” الذي صعد هو الذي نزل إلينا ” وهو إتجه للصعود من حيث نزل. فقد نزل إلى العالم لا عن اضطرار بل عن عطف لكي يحقق ما قيل. ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل” (انظر أف4: 10)، هكذا بنو إسرائيل قد اجتازوا اثنين وأربعون رحلة حيث بدأوا في امتلاك ميراثهم. فمن خلال 42 جيل قد نزل إلينا المسيح حسب الجسد. وهذا هو نفس عدد رحلات بني إسرائيل حتى وصلوا إلى مكان الميراث المسموح لهم.

فإذا كنت قد أدركت أي سر ينطوي عليه هذا العدد للصعود والنزول، تعال الآن لنبدأ في الصعود عن طريق مراحل نزول المسيح إلينا. فأول وقفة لنا هي ميلاده من بطن العذراء. ونحن أول وقفة لنا هي أن نترك عبادة الأوثان وعبادة الشياطين التي ليست آلهة إذا أردنا الخروج من مصر. ونؤمن بميلاد المسيح من العذراء والروح القدس وأن ” الكلمة صار جسدًا وحل بيننا ” (يو1 : 14). ثم نحاول أن نصعد درجات الإيمان درجة، درجة. وهكذا درجات الفضائل فإذا واظبنا على ذلك فترة طويلة جدًا كي نصل إلى الكمال نستطيع أن نقول إننا في كل درجة كانت لنا رحلة نتهذب فيها ونتقدم إلى أن ننال أرض الموعد.

 

طريق العالم الآخر

4ـ إن النفس عندما تترك مصر هذه الحياة لتصل إلى أرض الموعد عليها أن تتبع عدة طرق. واعتقد أن النبي قد أشار إلى ذلك حين قال: ” لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيَّ. ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه ” (مز42: 5).

هذه هي الطرق، هذه هي ديار الرب، قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي ” (مز 84: 1ـ2)، ” العصفور أيضًا وجد بيتًا والسنونة عشًا لنفسها حيث تضع أفراخها. مذابحك يارب الجنود ملكي وإلهي”. ونفس هذا النبي قال أيضًا: “ طال على نفسي سكنها” (مز120: 6)، فإذا أردت أن تفهم هنا هذه الأمور، فهذه هي رحلات النفس واغترابها… الأنين… الاشتياق… الدموع. أي أن ترى النفس نفسها قد ارتبطت بهذه الأمور زمانًا طويلاً. ولكن التفكير في رحلات هذه الغربة يُظلِم ويضعف النفس كثيرًا. ولكنها ستفهم وترى الحق أفضل عندما تتحول إلى راحتها أي إلى وطنها الذي هو الفردوس. وقد تأمّل النبي في هذه الحقيقة بطريقة سرية عندما قال: ” ارجعي يا نفسي إلى موضع راحتك لآن الرب قد أحسن إليك ” (مز116: 7). فالنفس تتغرب وتسافر وتتمم رحلاتها بلا أدنى شك لأن التدبير الإلهي يجهز لها فائدة عظيمة كما قال النص “…. لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا ” (تث8: 2-3). هذه هي الرحلات التي عن طريقها نعبر من الأرض إلى السماء. فمن ذا الذي سيحوز على كثير من التقدم ويلم بكثير من الأسرار الإلهية لكي يحصى مراحل هذه الرحلة وهذا الصعود للنفس، ولكي يصف المشقات والراحة التي وجدها في كل مرحلة؟

وكيف نشرح إذًا أنه بعد أول وثاني رحلة أكمل فرعون والمصريين المطاردة، وأن المصريين وإن لم يستولوا على الهاربين، إلا أنهم مع ذلك استمروا في مطاردتهم، ولكنهم (أي المصريين) قد اُبتلعوا في البحر. كيف نفهم إذًا كيف أن شعب أُنقذ فجأة من مطاردة فرعون بعد الرحلات الأولى وأنشدوا هذا النشيد: ” أرنم للرب فإنه قد تعظم. الفرس وراكبه طرحهما في البحر” (خر15: 1). ولكنني قلت قبل ذلك أن الذي تجاسر على موقف تلو الآخر يكتشف أسرارًا وبدراسة أسماءهم يستخرج معانيها الخاصة! إنني لا أعلم كيف أن عقل الواعظ لا يعجز أمام كثافة هذه الأسرار. وكيف استطاع عقل السامعين قبولها! كيف نشرح الحروب المتنوعة وكيف نتكلم عن الذين سقطوا في القفر وكثرتهم. فما حدث ليس هو لبني إسرائيل بل لأبناء بني إسرائيل الذين وصلوا إلى الأرض المقدسة. ففي الواقع إن كل الشعب الذي عاش وسكن مع المصريين قد سقط، وأن الوحيدين الذين بلغوا المملكة الجديدة، هم الذين تجاهلوا المصريين، عدا الكهنة واللاويين! فإذا استطعنا أن نأخذ مكانًا بين الكهنة واللاويين وألا نمتلك أي مكان على الأرض، وإذا كان الرب وحده معنا، فإننا لن نسقط في القفر بل سنبلغ الأرض الموعود بها.

إذن إذا أردت بلوغ الأرض الموعود بها لآبائك وأن لا تسقط في القفر، فلا يكن لك نصيب على الأرض، ولا شركة مع الأرض، وليكن الرب هو نصيبك فلن تسقط أبدًا. وبالصعود من مصر إلى أرض الميعاد قد تعلمنا ـ بشكل رمزي ـ صعود النفس إلى السماء وسر قيامة الأموات.

5ـ لقد انطوت هذه الرحلات على مسميات. وليس من المناسب أن يكون لكل مكان تحت السماء اسم أو شهرة، في الجبل أو السهل مثلاً. ورحلات صعود النفس نحو ملكوت الله ليس لها “أسماء”، بل تتكون هذه الرحلات من كلمات سرية، ومرشد هذا السمو للنفس ليس هو موسى ” لأن موسى لم يكن يعلم إلى أين يذهب ” (انظر عب11: 8)، ولكن المرشد هنا هو “عمود سحاب” و “عمود النار” (انظر خر13: 21). أي أن ابن الله والروح القدس هما المرشد لهذه النفس كما قال المزمور “وهداهم بالسحاب نهارًا والليل كله بنور نار” (مز 78: 14). فهذا هو صعود النفس المغبوطة حينما تبتعد عن المصريين وعن الأوثان وعن كل الذين يعوقونها. وهي تعبر الطرق طريقًا تلو الآخر. وهذه الطرق هي من عند الآب. فسيأتي وقت تضئ فيه هذه النفس شيئًا فشيئًا. وفي اجتيازها من طريق إلى آخر، سوف تبحث دائمًا عن الأكثر إنارة وسوف تكون هي أيضًا نورًا، حتى تعتاد من  تلقاء نفسها أن تستند على النور الحقيقي الذي يضئ لكل إنسان…” (انظر يو1: 9)، وأن تستمر وتتشجع بنور جلاله الحقيقي.

 

قدم النفس في هذه الحياة

لنعد الآن إلى تفسيرنا الثاني الذي أشرنا إليه ولنرَ فيه منهجًا لتقدم النفس في هذه الحياة متخلية ومتحوله عن المعيشة في الوثنية ” وهي تتبع الكاهن الأبدي الأعظم “( أنظر عب6: 20)، وليس موسى وهرون حتى تصل إلى حد الكمال … وكي تختبر النفس ذاتها في وصايا الله وتختبر إيمانها في شتى الحروب، فهي تظل في قفر هذا العالم. فهل هزمت النفس في إحدى هذه الحروب؟ هل اختبرت إيمانها؟ هل سقطت في حرب أخرى ثم اجتازت منها لحرب أخرى ولرحلة أخرى؟ هل نجحت فيما قابلته من صعوبات؟ هل احتملت التجربة بأمانة؟ لو كان الأمر هكذا فسوف تحلق النفس في التجربة التي تليها. وبهذه الحروب المتوالية في الحياة، وبمراحل تقدم النفس هذه نستطيع أن نقول إنها اجتازت رحلات، وفي كل مرة اكتسبت فضيلة جديدة. وحققت ما قاله الكتاب: ” يذهبون من قوة إلى قوة يُرون قدام الله….” (مز84: 7). وأخيرًا سوف تصل إلى أعلى درجة في الفضيلة وستعبر نهر الله وتأخذ الميراث الأبدي.

6ـ فحسب هذا التفسير المزدوج، علينا أن نعتبر كل هذه القائمة للرحلات طريقًا تكتسب النفس منه فائدة مزدوجة لتتعلم كيف تعيش حسب ناموس الله. ففيما نجد النفس ترفض الخطية فهي بذلك تتبع ناموس الله. فكم من المواعيد ومن الرجاء تنتظر هذه النفس بعد القيامة. وحسب رأيي نستطيع أن نجد في هذه النصوص تعاليمًا جديدة تليق بوصايا لروح القدس.

وفيما نحن نعرف كيف يُسمىَ نصيب العالم حيث سكن فيه بنو إسرائيل في ذلك الوقت، فيجب أن نعرف كم من الفوائد يؤول ذلك لتقديسنا. كم من ربح يناله الذين “ يلهجون في ناموس الرب نهارًا وليلاً ” (مز1: 2).

والآن نرى مقدار الأهمية التي أعطاها الرب لهذه الرحلات وبإظهارها لنا، فهذا هو الإحصاء الثاني الذي قدمه لنا الناموس الإلهي. فقد أشير إلى هذه الأسماء قبل ذلك ولكن مع بعض التنويع، حينما رأينا بني إسرائيل يتركون هذا المكان ويسكنون في ذاك. ولكننا نرى موسى يأخذ الآن أمرًا بالإحصاء من جديد ” حسب كلام الله “. وكون هذا الإحصاء قد تم مرتين فهذا يتطابق مع السر المحتوى، فيما قدمناه من الشرح السابق. وكون هذه الأسماء قد أعيد إحصاءها مرتين، فهذا إشارة إلى أن النفس لها رحلتان تكملهما أثناء أقامتها في هذا الجسد. وحينما تقتني النفس الفضائل وتصعد على سلم الفضيلة وهي تتبع ناموس الله، فهي بذلك تتمم رحلات لتقدمها الروحي في هذه الحياة. وسوف تكمل ذلك بعد القيامة كي تصل إلى السموات… إذًا فتقدم النفس يأخذ درجات هنا ويمتد في الحياة الأخرى… وفي كل مرة ستكون النفس متألقة، ومنيرة. وفي كل مرة سيغمرها نور الحكمة حتى تصل أخيرًا إلى “أب الأنوار” نفسه.

 

الخروج من مصر يقضي على الرذائل

لقد خرج بنو إسرائيل بجنودهم” (انظر عد33: 1)، فمصدر هذه القوة التي كانت معهم هو الذي قال: ” سأنزل معك إلى مصر” (تك 4:46)، ولأن هذه القوة كانت معهم فقد قال النبي في المزمور:       ” فأخرجهم بفضة وذهب ولم يكن في أسباطهم عاثر” (مز105: 37). لقد خرجوا ممسكين بيد موسى وهرون. فلكي يتم الخروج من مصر، لا تكفي يد موسى وحدها بل يد هرون أيضًا. فموسى يمثل علم الشريعة وهرون يمثل فن العمل في الذبائح والتقدمات. ونحن أيضًا في الخروج من مصر نحتاج إضافة إلى الشريعة والإيمان، ثمر الأعمال التي ترضى الله. وإذا كان من الضروري هنا يد موسى وهرون، فهذا للتعبير عن الأعمال بقوة الكلمة. فنتائج الخروج من مصر، إذا التجأتُ إلى الله هي: التخلي عن الكبرياء بتقديم ذبيحة ثور قوي لله بيد هرون. وإذا تركتُ عدم النظام وحِدّة الهجوم أعتبر أنني ذبحت تيسًا للرب بيد هرون، وإذا انتصرتُ على الشهوة الجسدية أقدم ثورًا ذبيحة… وإذا تركت الحماقة أقدم خروفًا.

فعندما تتنقي النفس من خطاياها فهنا نجد “يد هرون” أي الذي يعمل فينا. أما يد موسى فهي معنا عندما نفهم هذه الأمور، فنحن بذلك نستنير بنور الشريعة. إذن هذه القوة المزدوجة هامة جدًا لمن يخرجون من مصر حتى نجد فيهم الإيمان والعلم قد تجاوزا حد كمال الأعمـال.

أما يد موسى ويد هرون فهما ليسا يدان، بل يدٌ واحدة. فالرب هو الذي جذبهم من مصر. إذًا هي يد الرب وليست يدا موسى وهرون. لأن هذه اليد المزدوجة لها عمل واحد وهدف وحيد نحو الكمال.

 

السفر الروحي

وكتب موسى مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب ”            (عدد33: 2). لقد كُتِبْت هذه الأمور ” حسب كلام الله “. غير أننا رأينا في قراءتها كم من المراحل تنتظرنا في السفر إلى الملكوت. فكم ينبغي أن نستعد لهذا الطريق الذي علينا أن نقطعه ولا نترك أنفسنا للتكاسل والجمود في مدة حياتنا. ولا يجب أن تعيقنا أباطيل العالم.  لذلك فلا نقبل أن نتلذذ بكل ملذاته سواء بالسمع أو بالشم أو بالتذوق حتى لا تهرب منا الأيام. وحتى لا يمر الوقت دون أن نُسرع في اكتشاف مسافة هذه الرحلة ونضعها في الحسبان. وحتى لا نعجز في الطريق ولا نعاني نفس مصير أولئك الذين لم يستطيعوا الوصول إلى المرفأ. إذ قد ” سقطت جثثهم في القفر” (عب3: 17). فرحلة حياتنا في هذا العالم هي لكي نسعى ” من فضيلة إلى فضيلة ” (أنظر مز84: 7)، وليس وجودنا على هذه الأرض هو لكي نرتبط بالأشياء الأرضية، كما قيل في الإنجيل عن ذلك الرجل: ” وقال اعمل هذا، اهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي وأقول لنفسي، يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي. فقال له الله، يا غبي في هذه الليلة تؤخذ نفسك منك فهذه التي أعددتها لمن تكون” (لو12: 18-20). فالذي حدث لهذا الرجل حدث للمصريين في نصف الليل: ” فحدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الأسير الذي في السجن وكل بكر بهيمة” (خر12: 29).

فهذا الرجل أحب العالم وأضاع الحياة عند: “ ولاة عالم الظلمة ” (أنظر أف6: 14). ولقد سُمى هذا العالم بالظلمة والليل بسبب الذين يعيشون فيه بالجهل ولم يأخذوا نور الحقيقة. فهؤلاء هنا لم يخرجوا من رعمسيس ولم يذهبوا إلى سكوت.

عيد الانطلاق

لنرَ متى رحل بنو إسرائيل من ” رعمسيس. في أول الشهر في اليوم الخامس عشر من الشهر ” (عد33: 3). ويكون ” اليوم الرابع عشر من الشهر” حسب كلام الرب(أنظر خر12: 3)، حين احتفل بنو إسرائيل بالفصح في مصر، وذبحوا الحمل في عشية “الرحيل” وبدأوا الاحتفال بالعيد احتفالاً أكيدًا قبل أن يتركوا مصر. وفي اليوم التالي الذي هو أول ” الفطير” ” اليوم الخامس عشر من الشهر” رحلوا من رعمسيس ووصلوا إلى ” سكوت ” كي يحتفلوا بالعيد ” الذي هو عيد الفطير”، ” إننا نعرف بعض المعرفة ونتنبأ بعض التنبؤ ” (1كو13: 9)، ” فلا يحكم أحد علينا في عيد أو هلال أو سبت ” (انظر كو2: 16)، لأن كل عيد يحتفل به الناس على الأرض لا يكون الاحتفال به كاملاً بل احتفالاً جزئيًا، ولا يحمل معنى كمال العيد: ” إذًا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخمير الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق”         (1كو5: 8). إذًا سوف تحتفل بعيد حلول الروح القدس في “القفر”، فحينئذ ستبدأ في تناول الغذاء السماوي من المن. وتحتفل أيضًا بكل الأعياد التي تحدثنا عنها على قدر استطاعتنا. ولنعرف أنه بعد الاحتفال بعيد الفصح هذا في مصر، سوف نجد أن عيد الفصح يُحتفل به مرة أخرى في الصحراء حيث أعطيت الشريعة. ومرة أخرى أيضًا بعد أن ارتفعنا وزدنا في العدد. ولن يُحتفل بعد ذلك به في أي مكان آخر إلا في أرض الموعد.

” إذن اليوم الخامس عشر من الشهر الأول ” هو اليوم الذي يلي الفصح. والذي هو أول يوم العيد الفطير. في هذا اليوم رحل بنو إسرائيل من رعمسيس كما قال الكتاب انظر (خر33: 3)، ” وتحت أعين كل المصريين “. فما هي هذه اليد الرفيعة؟ فعندما يتم عمل إلهي لا عن طريق بشر ولا بطريقة أرضية، فهذا يعني أن هذا العمل قد تم “بيد رفيعة”، فقد رحل بنو إسرائيل بيد رفيعة أمام أعين كل المصريين.

[1] إن جسدنا لا يبدأ بتناول الأطعمة. ففي سن التكوين لا يأخذ سوى اللبن هكذا الحال بالنسبة للنفس. فالدراسات العميقة التي أعدت لتناسب الناضجين الذين يسلكون نحو الفضائل ويسعون إليها، هذه لا تناسب الأطفال الصغار.

مواقف في الصحراء – العظة السابعة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد، موت موسى

 

قصة بنات صلفحاد

كان هناك خمس بنات، كتبت الشريعة أسماءهم، ولدوا من الإسرائيلي صلفحاد ” الذي مات في البرية ولم يكن له بنون”    (عد27: 1-4). ووقفن بنات صلفحاد أمام موسى قائلات ” لماذا يحذف اسم أبينا من بين عشيرته، لأنه ليس له ابن” (عد27: 2،4)، فقدم موسى دعواهن أمام الرب. ولطف الله الكلي القدرة لا يحتقر ولا يزدري بطلب البنات، ولا تفضل بإعطاء إجابة فقط ولكنه وافق وجعلهن يحصلن على ميراثهن ليضع أساسًا لحقوق أبدية تسرى لكل العصور.

فكلم الرب موسى قائلاً ” بحق تكلمت بنات صلفحاد فتعطيهن ملك نصيب بين أخوة أبيهن وتنقل نصيب أبيهن إليهن” (عد27: 7)، ” وتكلم بني إسرائيل قائلاً أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته” (عد27: 8)، ” وإن لم تكن له ابنه تعطوا ملكه لأخوته، وإن لم يكن له أخوة تعطوا ملكه لأخوة أبيه ” (عد27: 9-10)، ” وإن لم يكن لأبيه أخوة تعطوا ملكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته فيرثه، فصارت لبني إسرائيل فريضة قضاء كما أمر الرب موسى” (عد 27: 11).

أهمية هذه الفقرة بديهية من الناحية التاريخية إذا فكرنا أن هذه القوانين صار لها قوة، ليس فقط عند أبناء إسرائيل ولكن عند كل الأمم المتحضرة. إقدام بنات صلفحاد لم يعطهن فقط ميراثًا ولكن أسس للعالم قانونًا مستديمًا. تُرى ما هي أهمية القصة نفسها في ناموس الله، من يستطيع إلغاء قوانين سابقة مستعملة في العالم أجمع.

 

معنى روحي

لنتقدم قليلاً، باحثين عن بنياننا الروحي. قد لا يكون عندي بنات من لحمي، ولا مجال لنقل ميراث. وفي هذه الحالة، لن يكون للناموس أى تأثير، وما قد تم تقريره بكلام الله سيبقى غير نافع؟

نبحث إذًا عن القانون الروحي، من تكون هؤلاء الخمس بنات اللواتي مات والدهن بخطيئة ما ومع هذا أصبحن وارثات بكلمة الله.

 

أبناء وبنات: معرفة وأعمال

عندما تحدثنا سابقًا عن الأبناء الروحيين وعلمنا أن فضائل النفس وأفكار العقل قد دعيت أبناء. وقد ظهر صحيحًا ومنطقيًا أن نرى البنات في الأعمال التي تنجز بواسطة الجسد. ولذا عددهم خمسة لأنه يوجد خمس حواس جسدية تتم بها كل الأعمال في الجسد. مع أنهن محرومات من الأب وباقيات يتيمات، هم تلقوا ميراث ليس مستثنى من الملكوت، هم تلقوا ميراث في وسط أبناء إسرائيل.

ولكن نرى من هو أبوهن الذي نقول أنه مات. هو يُدعى صلفحاد، يقول الكتاب: صلفحاد يُترجم “ظل في فمه” “أب الأعمال هو العقل”. هذه حالة متكررة، بعض من أخوتنا لهم عقل دون عمق، بدون اتساع، تفكيرهم ميت هو من هؤلاء الأشخاص الذي كُتب عنهم      ” فمات قلبه داخله” (1صم25: 37).

رجل كهذا لا يفهم شيئًا، هو مات بالإدراك الروحي ولكنه إذا أعطى اليوم لبناته بخدمات مردودة، بأعمال طاعة، بأعمال مطابقة لأوامر الله، سينال أرضًا بالميراث مع شعب الله. هو لا يمكن أن يعد بدون شك مع الذين “ الرب هو نصيبهم“، والذين ” الله هو ميراثهم“، لن يستطيع أن يأخذ ضمن الخدام والكهنة ولكن بمرتبته المتواضعة هو سيحصل على ميراث من أرض الموعد ” لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون” (مت22: 14).

حينئذ نفهم تبعًا لمعنى اسمه، لماذا  لم يستطيع صلفحاد أن يكون له أبناء ولكن بنات فقط، يجب أن نقول “ظل في فمه“، أنت تراه إذًا شخصًا ما لديه “ظل” الناموس في فمه وليس ” الصورة الحية للحقيقة” (انظر عب10: 2)، هذا الرجل لا يستطيع إدراك أي معنى روحي ولا أي فكرة عميقة، وليس لديه إلا “ظل” الناموس في فمه، ولا يستطيع أن يولد أفكار حية وروحية. ولكن يولد أعمال وأفعال التي هي طريقة خدمة المؤمنين البسطاء.

وهكذا تظهر رحمة الله هنا أن كل البسطاء والذين لديهم نقص في الإدراك، ولهم أعمال جيدة، لم يحرموا من ميراث القديسين، إذًا      ” بنات صلفحاد لهن حق”.

 

وبعد ذلك وضع الله قانون التتابع، الميراث يعود للأبناء ويلي ذلك للبنات، وثم للأخوة وفي رابع درجة أخوة الأب، والدرجة الخامسة لا تشير إلى أي شخص محدد ولكن تنسب للشخص الأقرب في العائلة. وهنا المعنى التاريخي مكمل ومنتهى ولا يحتاج أي إيضاح .

 

درجات في الميراث السمائي

حينئذ من هو مُلِم بالنواميس الإلهية ومستنير بالمعرفة، يستطيع أن يفهم الدرجات المختلفة لهذا التتابع. الأول هو للميراث السمائي الآتي، بعنوان المعرفة والعلم هو للابن الذكر. والثاني الخاص بالأعمال هو الابنة. الثالث هو نوع من العاطفة والتقليد ولهذا يدعى أخ. يوجد أناس لا ينتجون أي عمل عقلي من تلقاء أنفسهم ولكنهم موضوعون في وسط أخوتهم، ويبدو أنهم يقلدون نفس الأعمال التي يعملها أولئك الذين لهم حياة عقلية شخصية، هؤلاء يرثون بالدرجة الثالثة باعتبارهم أخوة.

في الدرجة الرابعة الذي هو أخ الأب نستطيع أن نرى نوعية من الرجال الذين يجتهدون أن يقوموا بالمسئوليات المأخوذة من آبائهم وأن يتبعوا التقاليد المسلمة من القدماء. هم لا يعيشون أبدًا بالعواطف الشخصية ولا يتأثرون بالتعاليم الحاضرة ولكنهم يسيرون حسب التقاليد أي نظام القدماء. وهكذا هم لا يهملون وحينئذ يعملون بعض الخير.

الدرجة الأخيرة تتعلق بعلاقة قرابة معينة مع السابقين. هذا يجعلنا نقول: بعض الخير الذي نفعله بالصدفة أو بالمعرفة الحقيقية لن يضيع علينا ربح العمل الصالح، وسننال من سخاء الله نصيبًا من الميراث. إنه من الجرأة من جانبنا أن نعالج هذه الأمور ونتكلم عنها جهارًا. ولكن نحن لن نندم إذا قارنًًا “ الروحيات بالروحيات”    (1كو2: 13) بل سنرجع منها بغيرة شديدة لمعرفة الأسرار.

 

II موت موسى

بعد ذلك تأتي قصة أخرى، وهي حكاية رائعة ومليئة بمعنى سامي. القصة تروي كيف ” قال الرب لموسى اصعدوا إلى الجبل” (عد 27: 12). حتى إنه بعدما رأي وتأمل كل أرض الموعد مات.

ولكن إذ كان أكثر انشغالاً بشعبه، أكثر من نصيبه، صلي إلى الله أن يدبر ” رجل ليقود شعبه لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لهم ” (عد27: 17).

 

تجهيز الذهن للحياة المستقبلية:

نرى في الوضع الأول كيف أن الإنسان الكامل والمغبوط لا يموت في الوادي وفي السهول ولا على التلال، بل على الجبل، وهذا يعني مكان مرتفع ومداخل صعبة. لأن إتمام وتحقيق الكمال في حياته له الأهمية العظمى. هو تلقي الأمر بأن يتأمل بعينيه كل أرض الموعد وأن ينظر إلى كل شئ بانتباه شديد جدًا.

في الحقيقة يجب على الإنسان الذي يريد أن يصل إلى كمال عظيم أن لا يبقى أي شئ مجهول بالنسبة له، وأن يعرف كل شئ يراه ويسمعه. لأنه يجب عليه أن يمر من جديد على كل الأشياء التي عرفها بمظهرها المادي أثناء وجوده في الجسد وذلك عندما يدخل في عالم الروح والقلب النقي، حتى أنه وهو يسرع في سماع دروس الحكمة وهو يبدأ في مدرسته، يستطيع أن يجد بسرعة الأساس والأسباب. أي اهتمام آخر كان لديه، ليظهره له في ليلة رحيله من هذا العالم، قبل نهاية هذه الحياة سوى الأراضي والأماكن التي لم يستطيع أن يقهر صعوباتها ولا أن ينال مزاياها؟

 

موسى مذنب

العبارة التي تأتي بعد ذلك تملأني من الرعب تجعلني أتردد أن أتكلم، عندما أرى موسى هذا ” عبد الرب وصديقه” (يش1: 3)، الذي تكلم إليه ” وجهًا لوجه “، وبواسطته أُجريت آيات ومعجزات مدهشة، ومع هذا قال له هذه الكلمات الصعبة والمخيفة. ماذا قال له الرب؟

ومتى نظرتها تضم إلى قومك أنت أيضًا كم ضُم هرون أخوك” (عد 27: 13). ولكي يشرح له سبب موته أضاف الرب ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم” (عد27: 14). إذًا فموسى أيضًا مذنب؟ هو أيضًا استوجب الاتهام بالعصيان، هو أيضًا تحت الخطيئة “. ولهذا أعتقد أن الرسول يقول بتأكيد ” لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى”. لمست (الخطيئة) موسى ولم تفارقه أبدًا، ولهذا يقول الرسول “ دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت” (رو5: 12)، وأيضًا ” لأن الله أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع ” (رو11: 32)، ولكن ” ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت… أشكر الله بيسوع المسيح ربنا” (رو7: 24،25). لأنه ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا” (رو5: 20). لأنه كيف يستطيع موسى أن ينقذ أحدًا من الخطاة وهو الذي قال له الرب: ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم (أبناء إسرائيل) ” (عد27: 14).

 

مثال موسى: ضد المحاباة

4ـ فلنتأمل إذًا عظمة موسى. في وقت تركه للعالم، قد صلى إلى الله ليعين قائد لشعبه. آه، موسى ماذا تفعل؟ ألم يكن لك أبناء، جرشوم ولعازر؟ إذًا لم يكن عندك ثقة تامة فيهم، وكذلك أخوك، الرجل العظيم. كيف لم تسأل الله أن يقيم منهم قادة للشعب؟ ورؤساء الكنيسة، بدل من أن يعينوا المرتبطين معهم بعلاقات الدم أو القرابة الجسدية، ليملكوا في الكنيسة، وبدلاً من أن يختاروا الخدام بحسب عواطفهم البشرية كان ينبغي أن يسلموا لله أمر تعيين خلفائهم!

موسى لم يقدر على اختيار قائد للشعب بتحكيم مناسب، وبقرار مستقيم وعادل، ولذلك قال له الله ” اجمع إلى سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل الذين تعلم أنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه” (عد11: 16)، والذين تختارهم فهؤلاء هم الذين ” آخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم” (عد11: 17). ومن أفضل من موسى يستطيع تعيين قائد للشعب؟ ومع ذلك فهو لم يعين أحدًا، لم يجرؤ على ذلك. لماذا لم يجرؤ؟ لكي لا يترك للأجيال القادمة مثال للشبهة اسمعه يقول: ” ليوكل إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة يخرج أمامهم، ويدخل أمامهم ويخرجهم ويدخلهم” (عد27: 16، 17).

إذًا كان رجل عظيم مثل موسى لا يقوم بتعيين قائد للشعب برأيه الخاص، ليكون خليفة له، فمن  يجرؤ، من بين هذا الشعب، وحتى لو كان من بين الكهنة أن يعطي رأيًا سواء باستخدام الصياح أو بتأثير المال، لا يستطيع أحد أن يعطي حكمًا بخصوص هذا الأمر، إلا لو كان هناك إعلان من الله بعد صلوات وتوسلات كثيرة أمام الله؛ ولهذا قال الله لموسى: ” خذ يشوع بن نون رجلاً فيه روح وضع يدك عليه، وأوقفه قدام أليعازر الكاهن وقدام كل الجماعة وأوصه أمام أعينهم، واجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل” (عد 27: 18-20).

تعرف من هذا بوضوح كيفية تنصيب قائد للشعب، فهنا لا مجال لمظاهرة شعبية أو أي اعتبار لقرابة جسدية، فالأقارب يورثّون الحقول والبيوت ولكن قيادة الشعب، تعطى للمختار من الله، أي لرجل يسكن فيه روح الله، ويضع أمامه وصايا الله (انظر مز180: 22). ويكون معروفًا من موسى والقريبين منه، بمعنى أن يكون له نور الناموس والمعرفة حتى يسمع له كل أبناء إسرائيل . ولكن كما أن كل التعاليم مملوءة بالأسرار، نحن لا نستطيع أن نسقط ما هو أعظمها قيمة، وأكثرها نفعًا وضرورة، وهي الوصايا التي أعطاها حرف الناموس.

إذا اعتبرنا موت موسى هو بالتأكيد نهاية الناموس بحسب الحرف فما هي نهايته؟ النهاية هي إلغاء الذبائح وكل الفرائض المشابهة التي يحتويها الناموس. متى نصل إلى نهايتها فإن يسوع (يشوع) يستلم الوصية، ” لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن” (رو 4:10)، وأيضًا قد قيل عن القدماء الإسرائيليين أنهم ” اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر” (1كو10: 2)، وأيضًا أنه قيل عن يسوع (يشوع) إن كل من في يسوع قد اعتمد في الروح القدس والماء (انظر يش3: 15-17). لأن يشوع (يسوع) هو الذي أجازهم في مياه الأردن، واعتمد الشعب بطريقة ما. وهو الذي وزع أرض الميراث، الأرض المقدسة على الكل، وليس فقط على الشعب القديم، ولكن على الشعب الجديد أيضًا. لأن الشعب القديم بسبب عصيانه “ طرحوا في القفر” (انظر1كو10: 5)، ولكن في وقت يسوع (يشوع) قيل “واستراحت الأرض من الحرب” (يش11: 23)، وهذا ما لم يكن ممكنًا أن يُقال في أيام موسى.

وهذا قيل عن يسوع ربي، وليس عن يشوع بن نون هل تستطيع أرضي أن تستريح من حروبها؟ ويمكن أن تفعل أرضي هذا إذا ما جاهدت بإخلاص، من أجل يسوع قائدي، فإذا أطعت ربي يسوع     ” فلن يحارب جسدي ضد روحي أبدًا ” (انظر غل5: 17). ولن تُهاجم الأمم الأعداء أرضي إطلاقًا وأقصد بالأعداء، الشهوات المتنوعة. فلنصلٍ إذًا حتى يسود يسوع علينا، حتى تستريح أرضنا من الحرب ومن هجوم الشهوات الجسدية. فإذا توقفت هذه الحروب، فإن كل واحد “سوف ينام تحت كرمته وتحت تينته، وتحت زيتونته. فتحت حماية الأب، والابن والروح القدس، تستريح النفس التي قد استعادت سلام الجسد والروح. والمجد لله الأبدي إلى دهر الدهور آمين.

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الخامسة

لبلعـــام

سوف نقوم اليوم بشرح الرؤيا الخامسة والأخيرة لبلعام. لأننا كالآخرين نطلب من السيد الرب « ألا يرفضنا إلى الأبد » (مز77: 8) وأن يهبنا أيضًا النعمة لفهم هذه الرؤيا في معنى قريب من الحقيقة.

 

1ـ عماليق

ولنبدأ بهذه الكلمات « ثم رأى عماليق فنطق بلعام بمثله وقال عماليق أول الشعوب أما آخرته فإلى الهلاك » (عد24: 20)، ويبدو لي أنه من الضروري أن نبحث في الكتاب المقدس عن الأماكن والأزمنة التي ذكر فيها اسم عماليق وعن الأصل الذي تنحدر منه هذه الأمة.

وسوف تكون الإجابة على هذه الأسئلة أكثر سهولة إذا ما قابلناها بالعديد من المقاطع التي تتحدث عن نفس الموضوع. ففي سفر التكوين حيث اجتمع خمسة ملوك للهجوم على سدوم نجد بعد بضعة أسطر « ثم رجعوا إلى عين مشفاط التي هي قادش وضربوا كل بلاد العمالقة وأيضًا الأموريين الساكنين في حصون ثامار » (تك14: 7). وهذا أول مقطع أذكر أنني وجدت فيه اسم عماليق. ولكننا قد نتساءل عن إمكانية وجود أمتان تحملان نفس الاسم[1] لأن اسم عماليق ذكر في مواليد أولاد عيسو والأمراء المنحدرين منه. وكما هو مكتوب   « وهذه مواليد عيسو أبي أدوم في جبل سعير هذه أسماء بني عيسو . أليفاز ابن عدا امرأة عيسو ورعوئيل ابن بسمة امرأة عيسو. وكان بنو أليفاز  تيمان وأومار وصفوا وجعثام وقناز. وكانت تمناع سرية لأليفاز فولدت لأليفاز عماليق. هؤلاء بنو عدا امرأة عيسو » (تك36: 9ـ 12). وأبعد بقليل « هؤلاء أمراء بني عيسو. بني أليفاز بكر عيسو أمير تيمان وأمير أوما أدمار وأمير صفو وأمير قناز وأمير قورح وأمير جعثام وأمير عماليق » (تك36: 15، 16). وهذه العماليق هو ابن أليفاز بكر عيسو.

 

عماليق الأول: الشياطين والقداسة

ولنرجع للذكر الأول لعماليق عندما ” تراجع (الملوك) للوراء ” وعندما وصلوا إلى عين مشفاط التي تدعى قادش « ضربوا كل بلاد العمالقة » (تك14: 7). وقادش تعني “تقديس” أو الشئ المقدس. عماليق معناها الذي يخطف الشعب أو الذي يجعله ينصرف. إذًا فالذين يعودون إلى الشئ المقدس والذين يهتدون إلى القداسة “يضربوا” أي يقتلوا عماليق، الذي يخطف الشعب أو الذي يجعله ينصرف.

مَنْ إذًا غير القوة المعادية أو الأرواح الشريرة، التي تجعل الشعب ينحرف؟ « فإن مصارعه (القديسين) ليست مع دم ولحم بل مع رؤساء مع سلاطين » (أف6: 12). ولا يستطيعوا أن يقهروهم إلا إذا اهتدوا إلى القداسة. ففي القداسة، ففي قادش التي هي ” عين مشفاط ” (أي الحكم أو الدينونة) إن كل إنسان يهتدي إلى القداسة لديه بالفعل أمام عينيه ” عين مشفاط “. لأنه ينتظر يوم الدينونة بقلب مُطهر ويتأمل معاقبة الخطاة وكذلك سعادة الأبرار، وبهذه الطريقة يضرب ويطيح بكل أمراء العمالقة. ولكن كل من لا يهتدي في قادش أي عين مشفاط (الدينونة) أي إلى القداسة وعين مشفاط، ولا ينتظرون يوم الحساب القادم، فإنهم يخضعون لأمراء عماليق لأن عماليق يخطف الشعب يبتلعه ويجعله ينحرف عن طريق الرب. هذا هو عماليق الأول.

 

عماليق الثاني ويمثل الشيطان

ونلتفت الآن إلى عماليق، ابن أليفاز، بكر عيسو الذي ولدته له تمناع سرية أبيه أليفاز ويعني اسمه: الرب قد شتتني وأمه تمناع من حالة وضيعة ويعني اسمها الارتداد (الثائر المضطرب). وبالتأكيد فإن ابن مثل هذين الأبوين يكون عدوًا لإسرائيل، فهو يخطف الشعب أو يجعله ينحرف. وبالفعل فعماليق هو أول من حارب العبرانيين الخارجين من مصر إلى رفيديم عندما قال موسى ليشوع « فقال موسى ليشوع. انتخب لنا رجالاً وأخرج حارب عماليق وغدًا أقف أنا على رأس التلة وعصا الله في يدي. ففعل يشوع كما قال له موسى ليحارب عماليق وأما موسى وهارون وحور فصعدوا على رأس التلة. وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذا اخفض يده أن عماليق يغلب » (خر17: 9ـ 11).

وبعده مكتوب أيضًا “فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف. فقال الرب لموسى أكتب هذا تذكارًا في الكتاب وضعه في مسامع يشوع. فإني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء. فبنى موسى مذبحًا ودعا اسمه يهوه ملجأي لأنه بيد خفية فإن « الرب له حرب مع عماليق من دور إلى دور » (خر17: 13ـ 16 سبعينية).

ونفهم جيدًا أيضًا من هنا مَنْ هو عماليق الذي يحاربه الرب ” بيد خفية ” ” أي غير مرئية “. ومكتوب أيضًا في سفر التثنية: « أذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجك من مصر. كيف لاقاك في الطريق وقطع من مؤخرك كل المستضعفين وراءك وأنت كليل ومتعب ولم يخف الله » (تث25: 17ـ 18). ولاحظ كيف أن عماليق لاقى إسرائيل في الطريق ولم يستطيع أن يقطع الرأس بل المؤخرة فقط أي أنه استطاع الوصول إلى مَنْ هم في المؤخرة الذين يمشون آخرين، ودون أن ينسوا « (أنسى) ما هو وراء» ولم يكونوا « امتدوا إلى ما هو قدام » (انظر في3: 13). وهذا ما يفسر مبدأ الرب الذي قال « ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله » (لو9: 62). نعم هذه حقيقة فإن كل من يوجد في مؤخرة الصف فإن عماليق سوف يستأصله.

 

 

 

 

 

 

 

لا يجب أن نعفى عنه

ولكننا سوف نورد قصة أخرى متعلقة بعماليق حتى نلقى مزيدًا من الضوء على الموضوع الذي ندرسه. ففي سفر الملوك[2] ” وقال صموئيل لشاول. إياي أرسل الرب لمسحك ملكًا على شعبه إسرائيل. والآن فاسمع صوت كلام الرب. هكذا يقول رب الجنود إني قد افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر. فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ماله ولا تعفي عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة. طفلاً ورضيعًا. بقرًا وغنمًا جملاً وحمارًا فاستحضر شاول الشعب وعدَّه في طلايم مئتى ألف رجل وعشرة آلاف رجل من يهوذا “.

ثم جاء شاول إلى مدينة عماليق وكمن في الوادي. وقال شاول للقينيين اذهبوا حيدوا وانزلوا من وسط العمالقة لئلا أهلككم معهم وأنتم قد فعلتم معروفًا مع جميع بني إسرائيل عند صعودهم من مصر. فحاد القيني من وسط عماليق. وضرب شاول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور إلى مقابل مصر. وأمسك أجاج ملك عماليق حيًا وحرم جميع الشعب بحد السيف. وعفا شاول والشعب عن أجاج وعن خيار الغنم والبقر والأتيان والخراف وعن كل الجيد ولم يرضوا أن يجرموها وكل الأملاك المحتقرة والمهزولة حرموها.

وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلاً « ندمت على أني قد جعلت شاول ملكًا لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي .. فاغتاظ صموئيل وصرخ إلى الرب الليل كله » (1صم15: 1ـ 11).

ونلاحظ هنا كيف أن الله، بواسطة نبيه يعطي أمرًا للملك شاول لمحاربة العمالقة وأن لا يعفي عن شئ. لأنه عندما عفى عن ملك عماليق أجاج ارتكب خطيئة لا مبرر لها، تأثر بها الله حتى أنه قال  « ندمت على أني قد جعلت شاول ملكًا » (1صم15: 11). إذًا لا يجب أن نعفى عمن يجعل الشعب، ينحرف أو عن من يخطفه ويبتلعه. هذا العماليق الخفي الذي يعترض طريق الذين يريدون الخروج من مصر والهروب من ظلمات هذا العالم والدخول في أرض الموعد، الذين يحاربوننا إذا ما وجدونا متعبين ومجهدين، ننظر للوراء ومنسحبين في المؤخرة، في ذيل الصف، فيقطعونا ويقتلونا.

ولهذا يجب علينا دائمًا أن « نمتد إلى الأمام » (انظر في3: 13)، ونسرع إلى ما هو أبعد: الصعود إلى قمة الجبل وبدون توقف نرفع الأيدي إلى السماء بالصلوات للتغلب على عماليق، مهما يؤدي إلى سقوطه. ولكن يجب أن ندرك إننا لا نصل إلى الأرض المقدسة ولا نصل إلى الملكوت دون التغلب أولاً على عماليق. فكثيرًا ما حارب داود في العديد من المعارك الحامية، التي واجه فيها الفلسطينيين وبالرغم من ذلك فكما هو مكتوب أنه لم يصل إلى الملك قبل أن يُخضع عماليق. يقول الكتاب « وكان بعد موت شاول ورجوع داود من مضاربة العمالقة أن داود أقام في صقلع يومين » (2صم1: 1). ولكن عماليق أولاً قتل العديد من شعب إسرائيل وأحرق الكثير من المدن. في الحقيقة فإن قبل مجئ داود الحقيقي، المولود من نسل داود حسب الجسد فإن العمالقة الذين هم القوى المعادية قد ارتكبوا العديد من المذابح الروحية في شعب إسرائيل حتى أنهم أسروا امرأتين من داود كما قال الكتاب، الأولى على ما يبدو تشير إلى شعب إسرائيل (اليهود) والثانية تشير إلى الأمم الوثنية[3]. فلا شك أن « اليهود والأممين » كلهم كانوا « تحت الخطية » (رو3: 9؛ غل3: 22).

ولكن المسألة لم تنته عند هذا الحد. اسمع ما فعله، داود « فنزل به فإذا بهم منتشرون على وجه كل الأرض يأكلون ويشربون ويرقصون بسبب جميع الغنيمة العظيمة التي أخذوا من أرض الفلسطينيين ومن أرض يهوذا. فضربهم داود من العتمة إلى مساء غدهم، ولم ينج منهم رجل إلا أربعة مئة غلام الذين ركبوا جمالاً وهربوا » (1صم30: 16ـ 17)، وبعد مذبحة العماليق هذه “عاد” وحصل على الملك.

 

عماليق ومبدأ عبادة الأصنام

2ـ هذا هو عماليق الذي رآه بلعام بن بعور « وحَي الذي يسمع أقوال الله ويعرف معرفة العلى. الذي يرى رؤية القدير ساقطًا وهو مكشوف العينين » (عد24: 15، 16). وكما هو مكتوب في الرؤية عندما نطق بلعام بمثله قائلاً « عماليق أول الشعوب وأما آخرته فإلى الهلاك » (عد24: 2). بالتأكيد فإنه لا يمكن أن ينطبق هذا الكلام على عماليق الرجل الذي كان يعيش في ذلك الزمان لأنه لم يكن أول أصله من قديم الزمان. ولكن هذا ينطبق بطريقة أفضل على عماليق الغير المرئي الذي يجعل الشعب ينحرف بعيدًا عن الله. بجعل المؤمنين بالله وثنيين، وهو يستحق بذلك اسم عماليق. ولهذا فإنه من الممكن، أن يطلق هذا الاسم على أول الأمم الوثنية، لكونها قوة معادية أي الأولى التي بدأت في جعل الناس وثنيين بأنهم « أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق »        (رو2: 23ـ 25).

لأنه مثلما يقال في شعب الله أن ” المسيح هو الباكورة ” فإنه بالمثل في الأمم التي انحرفت عن طريق الله وأصبحت وثنية “عماليق” هو “باكورتهم”.

 

بذور عبادة الأصنام

“أما آخرته فإلى الهلاك”. بذوره هي الأفكار والعقيدة التي غرسها في أذهان الناس حتى جعلهم ينحرفون عن طريق الله، فهذه البذور السيئة والعقيدة الشنيعة وليس من زرعت بداخلهم هم الذين سيهلكون « التفتوا إلىَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأني أنا الله وليس آخر » (إش45: 22).

أليس هذا التفسير إجابة مرضية لمن يتهمون ناموس الله بالقساوة والوحشية لأنه لم يهلك فقط أمة العمالقة بل أيضًا كل المنحدرين منها. ولكنه في الحقيقة فإن عماليق يمثلون “أرواح الشر” وبذورها والخرافات الوثنية وعبادة الأوثان وكل بدعة تدعو الشعب إلى الابتعاد عن الله.

 

وليأخذ المسيحيون حذرهم

3ـ تتحدث النبوة بعد عماليق، عن القيني « ثم رأي القيني فنطق بمثله وقال: ليكن مسكنك متينًا وعشك موضوعًا في صخرة. لكن يكون قاين للدمار حتى متى يستأسرك أشور » (عد24: 21ـ 22). ويبدو لي أنه لا يعامل القيني كمذنب كبير. لأنه بالفعل قد قال له شاول في الفقرة التالية: « وقال شاول للقينيين اذهبوا وحيدوا وانزلوا من وسط العالقة لئلا أهلكم معهم وأنتم قد فعلتم معروفًا مع جميع بني إسرائيل عند صعودهم من مصر » (1صم15: 6). قيل الآن أن       « مسكنه متين وعشه موضوع في صخرة ” ” الصخرة هي المسيح ” (انظر1كو10: 4). إذًا إذا كان ” عشه موضوعًا في صخرة ” وبيته متينًا فبالرغم من ذلك فإن “بعور لم يكن “له” عش.

بعور هو أبو بلعام وهنا يمكننا أن نرى رمز الهرطقات حيث إن المعنى يبدو كالآتي: إن القيني يمكن أن يخلص إذا وضع عشه في صخرة، أي إذا وضع رجاءه في المسيح، ولم تحيطه خديعة الهرطقات ولم يُخدع. لأنه إذا حدث ذلك لن يفيده شئ أن يبدو موضوعًا في الصخرة التي هي المسيح. إذًا سوف يأسره الآشوريون، أي القوى الشريرة، الذين يسجنون ويسيطرون على من يحاصرونهم بأخطائهم الهرطقية.

في الحقيقة يبدو أن أداة الربط (و) تعكس الشرح الذي أعطيناه للقيني. ولكن يجب علينا أن نعلم أنه في اللغة العبرية يمكن استخدام أداة الربط ” و” بطريقة حشوية. ولهذا لا يجب علينا أن نحكم حسب لغتنا. كل لغة لها خصائصها التي تبدو معيبة في نظر الأخرى. وهنا يجب اعتبار أداة الربط ” و” زائدة وللحشو.

إذًا فالقيني الذي يعني اسمه المالك يجب أن يأخذ حذره حتى ولو كان يمتلك ويستحق نعمة الانتماء لكنيسة المسيح، حتى لا تخدعه خديعة بعور وتجعله ينحرف إلى معتقدات فظيعة ومحرفة. ويجب أن يحترس ألا يسلم للآشوريين لأن الذين يجدفون داخل الكنيسة يسلمون للشيطان الذين قال عنهم بولس الرسول « الذين أسلمتهما للشيطان لكي يؤدبا حتى لا يجدفا » (1تي1: 20).

ولهذا فإنه سوف يسلم الذين ينحرف إلى التجديف الهرطوقي، للأشوريين لأن الآشوريين يمثلون الشيطان، وأيضًا الذين يُسلمون لهم، لا يسلمون لكي يهلكوا ولا لإبادتهم ولكن لأجل تأديبهم ولإصلاحهم. وكما يقول بولس حتى « لا يجدفا » (1تي1: 20).

 

خلاصة النبوءة

4ـ ثم يلخص بلعام نبوءته بهذه الكلمات « ثم نطق بمثله وقال آه من يعيش حين يفعل الله ذلك. وتأتي سفن من ناحية كيتم وتخضع أشور وتخضع عابر فهو أيضًا إلى الهلاك » (عد24: 23ـ 24) يقال إن بلعام بالرمز: إن القارئ يستحسن أن يأخذ بالحرف وليس بالرمز ما قاله بلعام “سوف يخرجون كتيم ويعاملون الآشوريين بقسوة “.

 

من يعيش؟

ويقال إذًا من يعيش حين يفعل الله ذلك، يتكلم هنا ليس عن هذه الحياة البائسة، ولكن الحياة حسب الله ويريد أن يقول: في الوقت الذي يكون فيه كل ذلك « يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغي » (عد24: 17) أي أن المسيح سيأتي، ويدمر عبادة الأصنام ويضرب سلطان الشياطين، مَنْ يكون الرجل السعيد، المبارك الذي يرى ذلك أي الذي يفكر ويفهم أن هذا “فعله الرب” بهذه الطريقة.

 

النضال الأخير

« وتأتي سفن من ناحية كيتم وتخضع أشور وتخضع عابر فهو أيضًا إلى الهلاك » (عد24: 24) ويخرجون الكيتم ويعاملون بقسوة الآشوريين، وكيتم تعني جرح الآخر، أي أن الذين يهتدون للرب ويتعلمون من المسيح ينجون من الجرح الأخير الذي يضرب في نهاية الدهر عديمي الإيمان، يعاملون بقسوة الآشوريين هذا يعني أن مناضلي التقوى « إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا » (رو16: 20). وسوف يعاملون بقسوة الآشوريين أي جنس الشياطين « ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو » (لو 10: 19).

 

[1]  افتراض على أساس تسلسل الأحداث ، عماليق الأول كان معاصر لإبراهيم والثاني معاصر لحفيده يعقوب.

[2]  في النسخة السبعينية للعهد القديم التي كان يقتبس منها كل الآباء والمعلمين في القرون الأولى، بل إن أسفار العهد الجديد تقتبس منها أيضًا يطلق اسم سفر الملوك على سفر صموئيل حسب النسخة العبرية المترجم النص العربي المتداول منها.

[3]  بموجب نفس العلاقة الرمزية فإن الأثيوبية ترمز إلى الكنيسة المنحدرة من أصل أممي.

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة لبلعام

 

        1ـ لنأخذ الآن النبوءة الرابعة التي نطقها بلعام تحت إلهام كلمة الله لتكشف ما يريد الله أن يعطينا أيضًا في هذه النبوءة.

 

الأحــوال

على رأس هذه النبوءة يوجد الاستهلال المناسب لما سبق        « فاشتعل عصى بالاق على بلعام وصفق بيديه وقال بالاق لبلعام: لتشتم أعدائي دعوتك وهوذا أنت قد باركتهم الآن ثلاث دفعات. فالآن اهرب إلى مكانك. قلت أكرمك إكرامًا وهوذا الرب قد منعك عن الكرامة » (عد10:24ـ12). الكتاب يوضح هنا أن بالاق أدرك أن بلعام توقف عن عبث الشياطين التي تحضره رغم أن قوة الله تساعده لكي تجعله يتقدم لذلك يقول: ” الرب قد منعك عن الكرامة “. لكن لنترك هذه الموضوعات جانبًا ولنأخذ البقية، وبلعام يقول لبالاق: « ألم أكلم أيضًا رسلك قائلاً: ولو أعطاني بالاق ملء بيته فضة وذهبًا، لا أقدر أن أتجاوز قول الرب لأعمل خيرًا أو شرًا من نفسي. كل ما يقوله الله لي سأقوله. والآن هوذا أنا منطلق إلى شعبي » (عد12:24ـ14). كان بلعام يعرف أن الإجابات لم تكن معطاة له عن طريق وكلائه المعتادين ولكن عن طريق الكلي القدرة. إذًا لديه حق فقد تراءى له الاعتراض بأنه لا يستطيع نقض كلمة الرب، ” ولا يعمل شيئًا صغيرًا أو كبيرًا من نفسه “. الذي كان يحدثه لم يكن من الذين يلينون بالتقدمات والهدايا ولكن «هو الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران » (يع1: 17)، والكاهن لم يرد أن يتركه لكي يتأثر بالمال بما أن الله لا يتأثر بالهدايا.

 

المشورة

في هذه الأثناء في وقت التباعد، بدأ بلعام في التنبؤ « هلم أنبئك بما يفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام » (عد24: 14). لكن قبل تفسير النبوءة أريد البحث عن المعنى وما هي بقية الأفكار في الكلمات “احضر لأنبئك”، في الحقيقة إنه لا يعطي نصيحة لكنه يقول ما سيفعله هذا الشعب بشعبه في آخر الأيام. أنه يبدو أكثر منطقيًا قول: ” تعال لأنبئك بما سيفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام ” وذلك سيتسلسل منطقيًا. بلعام سيتنبأ بما سيفعله شعب إسرائيل بشعب بالاق أو بالأمم الأخرى وبما سيفعله في قوته وعدم تركه ليعيش في مدن موآب.

2ـ في الحقيقة فهي نبوءة عن المسيح الذي سيشير إليه بهذه الديباجة أنه سيرفع نجمة يعقوب وأنه سيظهر إنسان في إسرائيل سيحطم أمراء موآب. هذه النبوءة تبدو في موقعها إذا قيل “احضر لأنبئك”. ولكن ماذا نقول عن من كتب “احضر لأنصحك” بما سيفعله هذا الشعب بشعبك. لنبحث إذًا كيف يجب أن نفهم “أنصحك”.

 

مشورة الله

بالتفكير الكثير لم أجد أية وسيلة إذا أردنا أخذ “أنصحك” بالمعنى المقبول بالاستخدام الحالي والمعتاد، لكنني وجدت أن هذه الكلمات تتوافق أكثر مع معنى القطعة إذا أردنا فهمها هنا. المشورة الإلهية التي يجب أن تكمل في الأيام الأخيرة أوحت لي وسأكشفها لك وسأوضحها لتعلم ما سيفعله هذا الشعب بشعبك. هكذا يتضح معنى الكلمات أنصحك بما سيفعله هذا الشعب بشعبك تعني: أنا أنبئك وأظهر لك “مشورة” الله. أنني بحثت في بعض القطع من الكتابات الإلهية وهكذا نستطيع أن نجد لفظًا مناسبًا أوضح الرب أنه يمكن سماعه بنفس الطريقة التي قالها الرسول: « من الذي عرف فكر الرب أو من صار له مشيرًا » (رو11: 34). هنا اللفظ الاستفهامي “مَنْ” لا يجب أن يكون مأخوذًا كمساوٍ لشخص ولكنه يمثل كائن فريد وغير عادي. كيف؟ في الحقيقة إن فكر الله لا يعرفه إلا ابنه الوحيد الذي يقول « ليس أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له » (مت19: 29). ما هي معرفة الآب إلاّ معرفة مشورته وفكره، والروح القدس، الذي يفحص حتى أعماق الله (1كو2: 10) كيف لا يعرف فكره. فالابن والروح القدس والذين يريد الابن أن يعلن لهم، هؤلاء يعرفون فكر الرب. فإن كان الابن يعرف فكر الله إذًا فهو مشيره ولا ينبغي تخيل أن المشير هنا معناه أنه يقدم مشورة إلى كائن آخر يجهل ما سوف يفعله. فلا يجوز تصور كلاً من الابن أو الروح القدس أنه مشير بهذه الصورة. فالابن والروح لهما نصيب في مشورة الآب ومشيئته وهما يعرفان هذه المشورة وهذه المشيئة.

بنفس الطريقة تصرف بلعام مع بالاق بالمشورة التي أظهرها الله له إذ قال: « هلم أنبئك » (عد24: 4)، لأنه رائي حقيقي، وقد سمع كلمات الله حقيقة كما ثبت من كلام النبوة بعد ذلك التي تقول « وحي بلعام بن بعور وحي الذي يسمع أقوال الله ويعرف معرفة العلي … الذي يرى رؤيا القدير … هو مكشوف العينين » (عد24: 15، 16).

 

ديباجة:

IIـ معرفة العلي

إنني تحدثت عن كل هذا لأن الديباجة هي نفسها كالنبوءة الثالثة. لا نجد هنا سوى هذه الإضافة عن معرفة العلي. (المتعالي ـ الفائق). هذا لم يكن قد قيل لبلعام، ولم أُلاحظ وجود هذا التعبير عند أي واحد من الأنبياء القديسين. أنني أتعجب عندما أنظر إلى سلوك بلعام أنه لا يتكلم بالشكل المعتاد للنبوات التي قالها الرب، لكنه يقول: « بلعام الذي يرى رؤيا القدير » (عد24: 16). إذًا، كيف استحق بلعام أن يفهم هذا المدح العظيم الذي وجه إليه أنه ” يعرف معرفة العلي؟ ” (عد24: 16). وهو الذي علّم الملك بالاق الطريقة التي بها يضع عثرة أمام الإسرائيليين أن يأكلوا ما ذُبح للأوثان ويزنوا. مثل هذه المعرفة ” علم معرفة العلى “، قلما نجدها عند الأنبياء القديسين أو الرسل. والرسول بولس رغم أنه قال أنه « سمع كلمات لا ينطق ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها » (2كو12: 4)، لكنه لم يدّعِ أنه يملك علم معرفة العلي. إذًا، فلنبحث هذا الأمر بعمق، فقد ينعم الله علينا بكشف بعض الأفكار الهامة في هذا الموضوع.

 

كل حكمة هي من الله

مكتوب في سفر حكمة يشوع ابن سيراخ، « كل حكمة هي من الله » (سيراخ1: 1)، ومنه يمكن أن نستنتج أن ” حكمة هذا العالم ” التي قيل إنها يجب أن تكون قد أُبطلت، والتي ” هي من عظماء هذا الدهر “، وكل حكمة تأتي من العلم الخاطئ، هي أيضًا من الله، لو لم يقل السِفر نفسه بعد ذلك: « معرفة الشر ليست حكمة » (ابن سيراخ22:19)، وهذا يبرهن على أن الكل يعرف الكذب ويريد أن يبدو أنه قوي ويصعب هدمه وأبطاله. وهذا لا ينبغي أن يُسمى حكمة. فما هو المقصود إذًا بمعنى القول “كل حكمة هي من الله”؟

يبدو لي أن معنى هذا القول هو أن كل موهبة في أي فن نافع للإنسان، أو في أي علم مهما كان موضوعه، فهو يعتبر حكمة معطاة من الله. لأنه مكتوب في سفر أيوب: « من الذي أعطى النساء المهارة في النسج ومعرفة التطريز » (أي38: 36 سبعينية). وقال الرب لموسى في سفر الخروج: « انظر قد دعوتُ بصلئيل بن أوري بن حور من سبط يهوذا باسمه، وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة لاختراع مخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس ونقش حجارة للترصيع ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة. وها أنا قد جعلت معه أهولياب بن أخيساماك من سبط دان. وفي قلب كل حكيم القلب جعلت حكمة ليصنعوا كلّ ما أمرتك » (خر31: 2ـ 6).

ومن كل هذا فإن مهارة الصياغة في عمل الذهب، والفضة وكل المهارات الأخرى، وأيضًا ” المهارة في النسيج ” نفهمها ويمكن أن نقول عنها إن ” المعرفة هي من العلي “. وأن كانت معرفة صياغة الذهب تنسب للعلي، فبالأحرى جدًا يُنسب علم الهندسة لله، والذي منه يستمد علم الكتابة الذي سُمّي علم البناء. وأيضًا في سفر زكريا فإن حبل القياس الذي قاس به الملاك أورشليم دُعى هندسة. ولكن ماذا نقول عن الموسيقى؟ كان داود الحكيم يملك موهبة كبيرة في الوزن والنغم حتى أنه استطاع بألحانه أن يهدئ ملك ثائر ومُعذب من روح رديء. وأظن أنه لن يعترض أحد على أن كل العلوم هي من الله (كما هو مكتوب)، « كل حكمة هي من الله » (ابن سيراخ1: 1). وأظن أن الطب أيضًا لا يتناقض مع هذا القول، بل إن علم الصحة يعرف فصائل الزرع وخصائص العصائر.

وينتج من كل هذا أن معرفة بلعام التي من أجلها أتي من الشرق من جبال ما بين النهرين لكي يلعن يعقوب في منشأة وفي أصله، هى من العلي. من هنا فإنه حصل على معرفته بالطبيعة والحيوانات وحركات الطيور وفوارق الأصوات، ولكن كل هذه المواهب التي حصل عليها لأجل معرفة الأعمال الصالحة استخدمها للشر. وهذه الحالة تبدو مشابهة لحالة إنسان تعلم الطب، وهو يعرف فصائل الزروع وخصائصها وكل الأشياء المعطاة من الله للبشر لتستخدم كعلاج، ولكنه بانقلاب إرادته استخدم كل هذه المعرفة والعلم الذي أعطى لأجل خلاص الأجساد استخدامًا شريرًا، فصارت كسم بدلاً من العلاج، وبدلاً من الشفاء صار الطب في هذه الحالة يؤدي إلى الموت بدلاً من الصحة. 

ولكي نفهم أكثر أن الحكمة المتضمنة في كل علم هي من الله، وأن البشر ذوي النية السيئة بل وحتى الشياطين، هم الذين يحولون الحكمة الإلهية إلى الشر، فإننا نذكر حادثة دانيال وأصدقائه الثلاثة الذين أخبرهم الملك نبوخذ نصر أن يصيروا حكماء جدًا في حكمته أي في حكمة بلاده، أي في حكمة بابل. فأعطاهم الله معرفة، وعقلاً وفطنه في كل كتابة وحكمة، « وأعطي لدانيال الفهم في كل كلمة وفي الرؤى والأحلام. وجاءوا عند الملك، وفي كل كلمة وفطنه وعلم، وجدهم الملك في كل الموضوعات التي سألهم فيها، أضعاف في المعرفة أكثر من كل السفسطائيين والحكماء الذين كانوا في مملكته » (دا 1: 17، 19ـ 20سبعينية). هذا هو نص النسخة السبعينية، لكني أجد أن النسخة العبرانية أفضل. ونقرأ فيها ما يلي: ” الله أعطى الفهم والفطنة في كل حكمة كتابة، وُوجد دانيال فهيمًا في كل رؤية وحلم “، وأيضًا ” وآتي بهم أمام الملك، وفي كل كلام في الحكمة والعلم في كل ما سألهم الملك عنه وجدهم عشر مرات أعلم من كل المجوس والسحرة الذين في كل مملكته “. وبعد ذلك يمكننا أن نفهم بأي معنى قال بلعام عن نفسه إنه ” الذي يعرف معرفة العلي “، وهذا لكي نفهم أن منبع كل معرفة إنما يصدر من الله، ولكن بسبب خطأ الجنس البشري، وبسبب أفكار الشياطين وخداعاتهم، فإن ما أُعطى لأجل الخير صار للهلاك.

هذا لكي نشرح ـ بقدر قوتنا معنى القول: « من يعرف معرفة العلي؟ ».

 

النبوة

4ـ يقول بلعام بعد ذلك « الذي يرى رؤيا القدير… وهو مفتوح العينيين » (عد24: 15، 16)، وهذا كان قد سبق شرحه بصورة كافية عند حديثنا عن الرؤية الثالثة، وليس نافعًا أن نعيده.

 

المسيح يُعلن أنه ينبوع الغبطة

لنلاحظ إذًا ما يلي: « أراه ولكن ليس الآن. أعلنه مباركًا ولكن ليس قريبًا » (عد24: 17 سبعينية). وأيضًا كلمات أخرى تحمل نفس المعنى: “سأراه ولكن ليس الآن”. فإذا قبلنا هذه القراءة الأخرى سنفهم النص بسهولة أكثر. فيبدو كما يقول بلعام بعد ذلك عن المسيح:     « يبرز كوكب من يعقوب، ويظهر إنسان في إسرائيل » (عد24: 17 سبعينية). يقول بلعام إنه يجب أن يُرى ولكن ليس الآن، أي أنه لا يراه الآن في الوقت الذي يتكلم فيه. إذ في الأيام الأخيرة عندما يأتي ملء الزمان الذي فيه يرسل الله ابنه (انظر غل 4: 4).

ولكن إن كان يلزم أن نتبع ما نعرفه من النسخة المخطوطة فإننا نجد مكتوبًا فيها: « أراه ولكن ليس الآن، أعلنه مباركًا وليس قريبًا » (عد24: 17 سبعينية)، هذه الكلمات تنطبق لا على بلعام الذي نطق بها، بل على الذين يمثلهم كما قلنا سابقًا[1]. إن معلمي الناموس والكتبة لا يرون المسيح الآن معلنًا في الناموس الأنبياء، أي في مجيئه الحالي (بالجسد)، ولكن عندما « يدخل ملء الأمم، ويخلص جميع إسرائيل » (انظر رو11: 25، 26). هذا هو الذي يرونه، وهو الذي يعلنونه مباركًا. هذا هو الذي يجدفون عليه الآن… ولكن الوقت الذي يأتي فيه “ليس قريبًا”، ويجب أن نرضى ونرجو (ظهوره)، عند نهاية القرن. لهذا يقول بلعام “أراه ولكن ليس الآن”، ويقصد بالذي سيراه، الشعب الذي سيخلص.

               

الكوكب: ألوهية المسيح وإنسانيته

       ثم يقول: « يبرز كوكب من يعقوب » (عد24: 17). قلنا سابقًا عن هذه الكلمات أنها تتنبأ بوضوح عن “النجم” الذي ظهر للمجوس في المشرق، والذي قادهم إلى اليهودية للبحث عن « المولود ملك إسرائيل » (انظر2: 2ـ 11)، ووجدوه وقدموا له هدايا وسجدوا له.

ولكنني أتعجب أن الإنجيل بعد أن ذكر لنا أن النجم سبق المجوس إلى بيت وتوقف فوق المكان الذي كان فيه الطفل يسوع، فإنه لم يذكر أن النجم ابتعد واختفى وصعد، أو أي أمور أخرى. بل قال فقط أن النجم جاء ووقف فوق الموضع حيث كان الصبي. أليس هذا هو مثل ما حدث وقت المعمودية؟ لأنه بعد معموديته « صعد يسوع للوقت من الأردن، وإذا السموات قد انفتحت له. فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتيًا عليه وصوت من السموات قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت » (انظر مت3: 16، 17). وهكذا النجم أيضًا قد أتى فوق الموضع حيث كان الصبي، وهو الذي توقف هناك. وظل كذلك على المسيح، وهذا كله يشير إلى أن “الروح القدس في هيئة حمامة استقر عليه، ونحن نعرف أنه لم يتركه أبدًا، فأني أعتقد أننا يجب أن نعترف بأن النجم أتى واستقر عليه لكي لا يتركه أبدًا.

ويبدو لي أيضًا، أن هذا يرمز إلى ألوهيته. وتوجد أقوال أخرى في أقسام النبوة تشير إليه: وهي تقول عن ألوهيته: ” يبرز كوكب من يعقوب ” وعن طبيعته الإنسانية تقول: ” ويظهر إنسان في إسرائيل “. وهكذا فإن المسيح يظهر واضحًا في كل النبوات التي تتنبأ عن ألوهيته وإنسانيته.

 

انتصار المسيح

« وسوف يحطم رؤساء موآب » (انظر عد24: 17 سبعينية). موآب هي أمة أمراؤها لا يمثلون أي شئ سوى أرواح الشر والرئاسات المضادة للإنسان الخارج من إسرائيل. هذا الإنسان الخارج من إسرائيل سيحطمهم عندما « سيجرد الرئاسات والسلاطين ويشهرهم بصليبه » (انظر كو2: 15). لأنه لا يمكن أن يخلص الموآبيين ويقودهم إلى معرفة الله دون أن يقضى على رؤسائهم الذين كانوا يمارسون عليهم طغيانًا شريرًا.

« ويهلك وينهب كل أبناء شيث » (انظر عد24: 17سبعينية). وشيث هو ابن آدم وحواء الذي قالت عنه حواء عند ولادته « الله قد وضع له نسلاً آخر عوضًا عن هابيل الذي قتله قايين ». هذا هو شيث الذي كتب عنه، أن جميع الأجناس البشرية المنتشرة على الأرض خرجت منه، لأن نسل قايين هلكوا في الطوفان، فكل الناس الذين كانوا في هذا العالم (عندئذ) هم إذًا أبناء شيث. إنه « قيل إنه سيسلب كل أبناء شيث ». فلنعطِ لهذا السلب نفس المعنى الذي أعطيناه لذاك الذي قيل عنه: « سيأكل أمم أعداءه » (انظر عد24: 8، 9 سبعينية). وللذي قورن  « بأسد وبشبل أسد » (انظر عد24: 9 سبعينية). وهنا أخذ غنيمته من كل أبناء شيث. وبعد أن قهر أعداءه الشياطين فإن المسيح قاد بانتصاره الغنيمة وكأنه سلب الذين كانوا مستعبدين لطغيان الشياطين وخلصهم. ومكتوب عن هؤلاء أنفسهم في موضع آخر « إذ صعد إلى العلاء سبي سبيًا وأعطى الناس عطايا » (أف4: 8). هذا القطيع من المسبيين من جنس البشر الذين قيدهم الشيطان لأجل إهلاكهم، فإن المسيح أعادهم في الاتجاه العكسي ودعاهم من الموت إلى الحياة.

ليتني أستطيع أنا أيضًا أن أكون أسيرًا ليسوع المسيح وأكون من ضمن غنيمته وأن أكون مقيدًا بوثقه، لكي أحسب مستحقًا أن يقال عني أنا أيضًا “أسير يسوع المسيح”، كما كان هذا هو مجد بولس.

 

أدوم: الجسم

« ويكون أدوم ميراثه، وعيسو عدوه » (عد24: 18 سبعينية). أدوم وعيسو ـ هما بالمعنى التاريخي شخصية واحدة. هو عدو إسرائيل، ولكن عند مجئ المسيح، يقول بلعام، أنه سيصير (أي عيسو) ميراثًا لإسرائيل، وهذا يعني أنه سيُقبل في الإيمان، ولن يستبعد من ميراث المسيح. بالمعنى الروحي، آدوم هو « الجسد الذي يقاوم الروح » (انظر غل5: 17)، وهو عدو له. وعند مجئ المسيح، بسبب أن الجسد سيُخضْع للروح، برجاء القيامة، سيحصل على نصيب في الميراث. لأنه ليس النفس وحدها، بل الجسد أيضًا، عدوها، كلاهما سيخضعان للروح، ويصير لهما نصيب في الميراث الآتي.

 

قوة إسرائيل

« وإسرائيل يصنع ببأس ». أي يريد أن يقول إن أدوم أو عيسو، أي الطبيعة الجسدانية، سيصير لها نصيب في الميراث بسبب إسرائيل، أي أن النفس ستصنع ببأس، وسيصير لها الإمكانية بشكل كافٍ على العمل بشجاعة. فإذا لم تعمل النفس بشجاعة وظلت في جبنها، فإن الجسد لن يكون له نصيب في الميراث، بل يسقط تحت دينونة ذلك « الذي يهلك الجسد والنفس في جهنم » (انظر مت10: 58).

 

التحرر من رباطات العالم

« ويتسلط الذي من يعقوب ويهلك الشارد من المدينة » (عد19:24). هذا هو الذي “يبرز” مثل كوكب “من يعقوب”، وسوف    ” يهلك الشارد من المدينة ” فالكتب المقدسة – ليس في هذا الموضع فقط، بل في كل الكتابات النبوية أيضًا، تكون التعبيرات مغلفة وغامضة، لأن الروح القدس الذي أوحى بهذه الموضوعات، لم يرد أن تكون مكشوفة أو مداسة من أهل العالم، بل احتاط لذلك، حتى أنه في حالة النقاش العام تكون مدفونة داخل الألغاز، وتكون المعاني سرية بفضل غموض التعبير.

والآن، بخصوص العبارة: ” يهلك الشارد من المدينة “، إذا لم نتمسك بالصيغة المعتادة للنبوات، التي قيل عنها: “إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص”، فستبدو صعبة جدًا على الفهم. ولكن يمكن أن نشرحها هكذا. المدينة هنا تشير إلى العالم. وأيضًا قصة الإنجيل عن الابن الضال، نحن نقول عنه إنه بدد ثروة أبيه، وذهب إلى مواطن هام في مدينة من تلك البلاد، حيث نال ترحيبًا كبيرًا، ثم أرسله ليرعى الخنازير. فالمدينة التي كان فيها هذا المواطن المهم هي العالم. فهذا الذي أنقذ من هذه المدينة، هذا يعني أن المسيح ينقذه من هذا العالم، أي المسيح يهلكه. لأنه يقول: « من يهلك نفسه لأجلي فهو يخصلها ». إذًا فالمسيح يهلك هلاكًا يخلص ذلك الذي أُنِقَذ من مدينة هذا العالم.

فإذا أردنا أن نصل إلى الخلاص وأن ننقذ من هذا العالم يجب علينا أن نهلك أنفسنا هلاكًا نافعًا وضروريًا. لأن من يهلك نفسه في إتباعه للمسيح، فهو يكبح رغباته، ويقطع أهوائه، ويتخلى عن تمتعاته وتكاسله، عاملاً ليس مشيئته الخاصة بل مشيئة الله هذا هو معنى ” أن يهلك نفسه “، حسب قول الكتاب. لأن الحياة الأولى هلكت، وتبدأ حياة جديدة في المسيح. هذا القول يقودنا إلى قول آخر « إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه » (2تي2: 11)، وأيضًا « إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم، فلماذا كأنكم عائشون في العالم، تفرض عليكم فرائض؟ » (كو12: 20).

إذًا، هو يؤكد في هذه النصوص، أنه من الضروري أن نهلك أنفسنا إن كنا قد متنا مع المسيح. فهذا الذي يهلك نفسه هنا على الأرض، فسيجدها بدون شك هناك (في السماء)، حسب قول الرسول: « حياتكم مستترة في المسيح في الله » (كو3: 5)، الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين.

[1] انظر عظة 14: 4.

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

Exit mobile version