موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
العظة السادسة
موسى والسبعين شيخًا – زواج موسى والحبشية
في كثير من النصوص قرأت جملة لضيق الوقت وعظمة الأسرار لا تسمح لنا أن نتحدث عنها كلها. ولكن سنستطيع حينئذ أن نقطف بعض الأزهار في هذه السهول الواسعة، وليس كل الأزهار التي تستطيع أن تقدمها الأرض، لكن بقدر ما يكفي حتى نشتم الرائحة العطرة. كذلك عندما نذهب إلى الينابيع، فلا يجب أن نأخذ كل الماء الذي يُسال من مصدر فياض. لكن فقط ما يلزم لكي يقتل عطش حنجرة جافة، أنه لا يجب أن نشرب من الماء العذب بإفراط وإلا يكون ضارًا.
موسى والشيوخ
1ـ قال الكتاب المقدس ” خرج موسى وكلم الشعب بكلام الرب” (عد11: 24)، طالما يصغى موسى لكلام الرب ويأخذ تعاليمه منه، فهو بالداخل، أنه يمكث بالداخل ويعيش في الخلوة الأكثر سرية. لكن عندما يتكلم للجموع والشعب وعندما يمارس خدمته نحو الناس فأنه لا يستطيع أن يمكث بالداخل يقول الكتاب المقدس فليخرج للخارج، ما هي الفكرة المتضمنة في هذا الكلام؟ إذا علم معلم الكنيسة أسرارًا عميقة لحد ما، إذا ألقى بعض الخطب السرية والخفية عن حكمة الله “بين الكاملين” مادام يظل في الأفكار العميقة، يجب أن نقول بأنه بالداخل وأنه يمكث بالداخل.
لكن عندما يكلم الجموع ويعلن ما يكفي للإنسان العادي وما يمكن أن يفهمه عامة الناس نقول بأنه خرج للخارج وأنه كلم الشعب بكلام الله. بولس كما يتراءى لي عمل هذا أيضًا أنه كان بالداخل عندما قال ” نعلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر” (1كو 6: 8)، انظر بولس وهو في الداخل كيف أطلع على الأسرار الداخلية الإلهية، عندما استلم هذه التعاليم. لكن عندما يذهب للجموع اسمع ما يعلمه “ لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم“، ” لا يسرق السارق فيما بعد“، ” لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها” هذه الكلمات وكل الكلمات الأخرى التي بنفس الطريقة هي تعاليم بولس الرسول “خارجًا للخارج” والتي يعلمها للشعب كما فعل موسى النبي.
الروح المشترك للشيوخ
2ـ لكن فلننظر إلى إصحاح آخر: أنه يحكي فيه بأن ” موسى اختار سبعين رجلاً من شيوخ الشعب وأوقفهم حول الخيمة وأخذ الله من الروح الذي على موسى وجعل على السبعين شيخًا، ولما حل عليهم الروح قال الكتاب: الكل تنبأوا“، الكتاب قال بأن الله أخذ من الروح الذي على موسى وأعطى منه للسبعين شيخًا. وليس المعنى أن الله أخذ من جوهر موسى الجسدي والمادي وجزأه على سبعين جزء وأعطى لكل شيخ قسم صغير، أنه يكون من عدم التقوى أن ندرك طبيعة الروح القدس بهذه الطريقة.
لكن فلنفهم أيضًا الرمز المكتوب في هذا النص الغامض، موسى والروح الذي عليه هما مثل مصباح ساطع جدًا وأنار الله منه السبعين الآخرين، فلمعان النور الأول قد بسط على المصابيح الأخرى بدون أن يضعف المصدر من هذه المشاركة، وبهذه الطريقة ينسب للنص معنى مقدس ” الله أخذ من الروح الذي على موسى، وأعطى منه للسبعين شيخًا” (عد11: 25).
الشروط الواجب توافرها لحلول الروح القدس في النفس
3 ـ لكن فلننظر إلى ما يلي ” روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” الروح في الكتاب المقدس لا يحل على أي إنسان، لكن فقط على القديسين والطوباويين، روح الله حل على الذين لهم قلب نقي وعلى الذين يطهرون أنفسهم من الخطية، وبالعكس أنه لا يسكن في جسد تتسلط عليه الخطية، حتى ولو سكن في هذا الجسد وقتًا معينًا. الروح القدس لا يمكنه احتمال الشركة مع روح الشر، فإنه بكل تأكيد في لحظة الخطية نجد أن روح الشر هو الذي يكون في داخل نفس الخاطئ وهو يلعب دوره فيها وذلك عندما نترك روح الشر يدخل وعندما نستقبله فينا بواسطة أفكار دنسة ورغبات دنسة فالروح القدس حينئذ يكون مليئًا بالحزن وبالضيق أن أمكنني أن أتجرأ وأعبر بهذا التعبير. لذلك الرسول وهو عالم بأن الأشياء تحدث أيضًا بهذا الشكل قد أعطى النصيحة “ لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف4: 30). إذًا بالخطية نجعل الروح القدس يحزن، بالعكس بحياة صالحة ومقدسة، سنمهد للروح القدس مكانًا فينا ليستريح. أيضًا مما قد قُص علينا الآن بأن الروح القدس قد حل على الشيوخ السبعين، ألم يمجد حياتهم وألم يظهر لهم عن فضائلهم، كما أن الروح القدس قد حل عليهم بسبب نقاوة قلوبهم، وصفاء نفوسهم واستعدادهم للفهم، فهو يحل فيهم حالاً، أنه لا يرضى أبدًا بالتأخير إذ يجد هناك أرضًا مستحقة لأعماله. الكتاب المقدس يقول بالحقيقة “ روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” (عد 11: 25).
الروح القدس حل على يسوع المسيح
إذن حل الروح القدس على الذين تنبأوا، ولكنه لم يستقر كما استقر على المخلص. لذلك قد كتب عنه ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (إش11: 2ـ 3). لكن ربما تقولون إنك لم تذكر لنا من قال عن المسيح أكثر مما قيل عن الناس الآخرين، حيث إنه قد قيل عن الآخرين إن الروح قد حل عليهم، وذلك كما قيل عن المخلص ” روح الله حل عليه” لكن لاحظ جيدًا أنه غير مكتوب في أي مكان أن روح الرب قد حل على أشخاص آخرين بهذه القدرة. هذا نلاحظه في هذه النبوة، أننا بكل تأكيد نجد أن جوهر روح الرب نفسه الذي لا يمكن أن يكتب تحت اسم موحد قد بين بكلمات عديدة، وقد حل على “الأصل” الذي من ذرية يسى. عندي أيضًا شاهد آخر يمكنني به أن أثبت وأؤكد بأن الروح قد حل على سيدي ومخلصي بطريقة خارقة وبطريقة مختلفة عن الأشخاص الآخرين، وهو يوحنا المعمدان الذي قال عنه ” الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو…” (يو1: 33).
فلو أن الله قال ” سترى الروح نازلاً” بدون أن يضيف، ومستقرًا عليه فقد يكون المسيح غير مميز عن الآخرين ولكنه أضاف، ومستقرًا عليه، حتى يكون المخلص مميزًا بهذه العلامة التي لا نستطيع أن نجدها في مكان آخر. فإنه غير مكتوب إطلاقًا عن الأشخاص الآخرين أن الروح القدس قد استقر على أحد منهم.
واستقر عليه وحده:
فلا تعتقد بأني أقلل من شأن الأنبياء، فهم أنفسهم يعلمون أني لم أصغرهم بوضع ربي يسوع المسيح فوقهم، فالكل يتذكر هذه الكلمات ولا يجد أي شخص آخر قيل عنه: “ الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط 2: 22)، فلأنه هو الوحيد الذي لم يفعل خطية استقر الروح عليه ومكث فيه. فإنه بالحقيقة قد قيلت عنه هذه الكلمات الوحيدة والعجيبة التي ذكرت أعلاه: ” لم يفعل خطية” فمن الواضح بأن كل الأشخاص الآخرين فعلوا الخطية. وإذا كان الكل خطاة فبالضرورة يكون الأنبياء أيضًا، وكيف نستطيع أن نقول إنه في لحظة الخطية يمكث الروح القدس؟
وأنه يبدو لك بأنه غير معقول أن الأنبياء بعدما حل عليهم الروح القدس قد أخطأوا؟ فلنرجع لموسى نفسه الذي نتكلم عنه والذي يعتبر الأكبر والأعجب من بين الأنبياء. أنه كتب عن نفسه، أنه شهد على نفسه هذه الشهادة بأنه أخطأ بقوله: “ اسمعوا أيها المردة. أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء” (عد20: 10)، بهذه الكلمات لم يقدس الرب بماء الخصام، وبمعنى آخر إنه لم يكن لديه ثقة بقوة الله، وبدلاً من أن يقول: “الله يستطيع أن يخرج ماء من هذه الصخرة، نجده أجاب بعدم يقين، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟”
حيث إن الله حسب له هذه الكلمات خطية. فبكل تأكيد أنها لم تأت من الروح القدس ولكن من روح الخطية. وإن كان الكتاب المقدس يبين أن أحد الأنبياء الكبار مثل موسى كان أحيانًا حاصلاً على الروح القدس وأحيانًا في وقت الخطية غير حاصل عليه، فبكل تأكيد يجب أن نفكر بنفس الطريقة عن الأنبياء الآخرين. ماذا نقول عن داود؟ أنه يعتبر أن الروح القدس ممكن أن يسحب ويؤخذ منه فهو يصلي حتى لا يؤخذ منه بقوله ” لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدس لا تنزعه مني” وفي الآية التالية يطلب داود الهبة التي قد سحبت منه بسبب الخطية قائلاً: ” رد لي بهجة خلاصك وبروح مقتدرتك أعضدني“.
لماذا نتذكر سليمان؟ شخص لم يقل بأنه يرجح أحكامه أو يبني هيكل الله بدون حضور الروح القدس، وبالعكس فإنه مع وجود الروح القدس قد شيد الهياكل لأبالسة وفتح ذراعيه للنساء والأثمة.
والنبي الذي قد دون في الكتاب الثالث من كُتب الملوك قد أرسل إلى بيت إيل بأمر الله، فبواسطة روح الرب قد نطق بكلمات الله، لكن لا يجب أن نصدق أنه بواسطة روح الرب خالف أمر الرب، بأن لا يأكل خبزًا في بيت إيل وأنه بسبب الخطية قتل بواسطة أسد (1مل 13: 11)، ولكن سيطول بنا الحديث لو استعرضنا كل الأنبياء.
بدون أن نؤكد ذلك تمامًا، اعتقد بالنسبة لي أن بعض أفعال الناس العادية، توجد فيها الأشياء التي حتى ولو أنها خالية من الخطية تبدو مع ذلك غير مستحقة لوجود الروح القدس. فمثال الزواج الشرعي هو خالي من الخطية ومع ذلك في الأثناء التي تتم فيها الأعمال الزوجية لا يعطي وجود الروح القدس حتى ولو كان كما يبدو لي أن الذي يتمم أعمال التناسل هو نبي. وهناك أعمال أخرى لا تكفي القوة البشرية لإتمامها وليس من الضروري أو ليس من المناسب أن يكون الروح القدس موجودًا فيها. إننا بنوع من الاستطراد بحثنا هذه النقطة ولكننا نريد فقط أن نبين بأنه فقط في ربي ومخلصي يسوع المسيح روح الرب يمكث دائمًا عليه “استقر عليه” أما على القديسين والشيوخ السبعين. الذين قد ذكرناهم، فلم يحل عليهم روح الله ولم يؤثر فيهم إلا لمدة محدودة والتي تتناسب مع تنفيذ عمله بواسطتهم، والتي تعتبر مفيدة للذين كان عملهم لخدمته.
المرأة الكوشية وكنيسة اليهود
الدرس الذي قرأناه يبين لنا أن موسى تزوج من حبشية كوشية. ومريم وهارون عاتبًا موسى لزواجه من هذه الحبشية بقولهما “هل كلم الرب موسى وحده ألم يكلمنا نحن أيضًا؟” ويقول الكتاب المقدس ” الرب سمع ثم أمرهم أن يخرجوا إلى خيمة الاجتماع، وجاءت عليهم دينونة، فمريم أصبحت برصاء“، وبعد ذلك دعيت للمحلة (انظر عد12: 1ـ 15). لكن نشرح ذلك باختصار نقول بأن مريم هي رمز الشعب البداني، موسى رمز لشريعة الله، وهو الذي تزوج من امرأة كوشية منبئًا باتحاد جميع الأمم بالرب.
موسى هو الذي يرمز إلى الشريعة الروحية، إذن باتخاذها زوجة له نبوة لقبول الأمم، ومريم التي هي جماعة اليهود الحاليين[1]، وسخطت هي وهارون في نفس الوقت، بمعنى آخر الكهنة والفريسيين أيضًا. إذن الشعب القديم مازال ينقصه الاحترام نحو موسى إلى الآن الذي هو رمز لمخلصنا وهو لا يعلمنا ختان الجسد وحفظ السبت والتقدمات الدموية ولكن أمرنا بختان القلب وبطلان الخطية. وأن نحتفل بالأعياد بفطير الإخلاص والحق ونقدم ذبائح الشكر وليس ذبائح من البهائم.
الرب إذًا أدانهما وأيد الزواج من الكوشية، والرب سمح لموسى أن يسكن معها وأن يستقر معها، ولكن حجز مريم خارج المحلة، وجعلها زيادة على ذلك تخرج خارج خيمة الاجتماع. وهارون قد طُرَد معها. فضلاً عن ذلك مريم أصبحت برصاء. انظر الآن هذا الشعب انظر البرص الذي تركته له الخطية، أي ظلام قد ملأه، أي عبادة شنيعة، أي منظر مخيف هو فيه، ومع ذلك هذا البرص لن يمكث دائمًا لكن عند اقتراب الزمان من نهايته، سيدعي للمحلة حقًا، وفي نهاية العالم عندما يدخل ملء الأمم “حينئذ سيخلص جميع إسرائيل” (رو11: 25)، وفي تلك اللحظة سيترك البرص وجه مريم وستحصل على مجد الإيمان وعظمة معرفة المسيح، وسيرجع وجهها مرة أخرى إلى لمعانة عندما تتحد الرعيتان معًا حينئذ لا تكون إلا رعية واحدة وراعٍ واحد، وحينئذ يجب أن يقال حقًا ” يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه الذي أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع…” (رو11: 32، 33) في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.
[1] هرون يمثل الكهنوت اليهودي ومريم تمثل جماعة اليهود.
موسى والسبعين شيخا ع6 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
العظة الخامسة
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع
4 ـ يقول الرب لموسى وهارون اللذين يستشيرانه ” لا تحذفا من سبط عشائر القهاتيين من وسط أبناء اللاويين، عشيرة قهات، لكن أفعلاً لهم هذا فيعيشوا ولا يموتوا عند اقترابهم من قدس الأقداس” (عد 4: 18). فلنفهم المعنى الحرفي من القصة، وبمساعدة المسيح الرب ننتقل من المعنى الحرفي إلى المعنى الروحي.
المعنى الحرفي
إذًا فلنفهم أولاً تجهيز خيمة الاجتماع، تخيل أيضًا قدس الأقداس، المنفصل عن القدس بواسطة حجاب، ولا يسمح لأي إنسان بالدخول فيه و النظر إليه إلا إذا كان كاهنًا، بعد ذلك نفهم كيف كانت الخيمة تطوى عند ارتحال المحلة. وكيف كان الكهنة – هارون وأولاده في داخل قدس الأقداس، يغطون كل شئ بمفارشه وأغطيته، ثم يتركونها في أماكنها، وبعد ذلك يدخل أولاد قهات المخصصين لهذا الواجب ويجعلونهم يحملون على أكتافهم كل الأشياء التي قد غطتها أياديهم الكهنوتية، ولهذا السبب قد قال السيد الرب “ لا تحذفوا من سبط اللاويين عشيرة قهات” (عد4: 18)، لأنه كان يجب أن يحذفوا إذا لمسوا أشياء قدس الأقداس مكشوفة وبدون غطاء، وهو غير مسموح ليس فقط أن تلمس بل أن لا ينظر إليها أيضًا، إلا محجوبة.
السر: الأعمال والعلم
إذا فهمت القصة، اصعد الآن نحو بهجة السر، وتأمل نور الشريعة الروحية، إذا كانت عين إدراكك نقية. كل من هو ضمن كهنة الله، فهو مستحق بأن يكشف الأمور الإلهية وأن يرى الأسرار التي لا يكون غيرهم مؤهلين للتأمل فيها، وهو الذي يستطيع أن يدخل حيث لا يستطيع الآخرون الدخول. هذا بالنسبة لنا هو هارون أو أحد أبناء هارون. بالنسبة لمثل هذا الإنسان فقط يكون تابوت العهد مكشوفًا بدون حجاب، ويرى القسط الذي فيه المن، ويتأمل ويفهم “الكفارة” أنه يتطلع على “الشاروبين الاثنين”، والمائدة المقدسة والمنارة المضيئة، ومذبح البخور، أنه يتأمل ويفهم كل هذا بالروح. إننا نعني الذي يهتم بكلام الله بأسرار الحكمة ولا ينشغل إلا بالله وبأدواته المقدسة[1].
ففي هذه الحالة ألم يحمل على الأكتاف قدس الأقداس مغطى بأحجبة[2]؟ لكي ندرك هذا بأكثر وضوح، سنقتبس أمثلة من الكتاب المقدس، فموسى بلا شك كان يعلم معنى الختان الحقيقي وكان يعلم معنى الفصح الحقيقي. وكان يعلم معاني أعياد الهلال الحقيقية والسبوت الحقيقية[3]. ومع أنه علم كل هذه الحقائق جيدًا بالروح. إلا أنه كان يحجبها تحت المظهر وظل الأشياء الجسدية، وبينما كان يعلم بأن “الفصح الحقيقي” الذي يجب أن يذبح، هو المسيح. كان يأمر بأن يذبح حمل الفصح الجسدي، وبينما كان يعلم بأن عيد الفطير يجب أن يحتفل به بفطير ” الإخلاص والحق” (1كو 5: 7، 8)، كان يأمر بعمل الفطير من الدقيق، كذلك قدس الأقداس، كان موسى يعطيه للآخرين لحمله بمعنى أنه كان يأمرهم بواجبات الأعمال ليتمموها. لكن سلمها لهم مغطاة ومحجوبة. أما الأكتاف فقد أظهرنا مرارًا بأنها في كثير من نصوص الكتاب المقدس، رمز الأعمال أيضًا من ضمن حفظ القوانين الكنسية، ألا يجب بأن يتممها الكل بدون أن يعلموا السبب. مثلاً وضع الركوع في الصلوات[4]، والاتجاه نحو الشرق بخلاف كل اتجاه آخر[5]. اعتقد بأنه ليس سهلاً، معرفة السبب بالعقل أيضًا بالنسبة لإدراك سر الافخارستيا، أو شرح الطقوس في تأدية هذا السر، أو طقوس سر المعمودية، مع مراسيمه ورموزه، والأسئلة والأجوبة الخاصة بها. من الذي يستطيع أن يشرح ذلك بدون صعوبة؟ لكن بينما نحن نحمل هذه الأثقال على أكتافنا مغطاة ومحجوبة، وعندما نتبع هذه الوصايا مثلما تسلمناها من الكاهن الأكبر وأولاده، إذن عندما نخضع لمثل هذه الأوامر بدون أن ندرك المعنى، فأننا نرفع على أكتافنا ونحمل السر الإلهي مغطى وملفوفًا إلا إذا وجد هارون أو أحد أبناء هارون، الذي له الحق في أن يراها عريانة ومكشوفة. وذلك غير مسموح لهم إلا بشرط أن يعرفوا واجبهم بأن يحجبوها ويغطوها، عندما يراد بأن تعطى للآخرين وتسلم لتتميم الأعمال.
أعمال الأعمال
2ـ بعد ذلك قيل للاويين بأنهم في الخدمة من بداية سن 25 سنة حتى خمسين سنة. “كل لاوى” يقول الكتاب المقدس “ الذي يتقدم لعمل الأعمال وللأعمال التي تجلب من خيمة الاجتماع والذي يعمل عمل الخدمة فيها” (عد4: 47).
تأمل هنا دقة الألفاظ في الكتاب الإلهي عندما تكون مسألة أعمال أولاد إسرائيل، أنه لا يقول عمل الأعمال، لكن الأعمال فحسب. عندما تكون خدمة اللاويين، أنه لا يقول الأعمال فقط، لكن أعمال الأعمال. كذلك أيضًا بجانب الأشياء المقدسة، يوجد “قدس الأقداس”، وبالمثل بجانب الأعمال يوجد “عمل الأعمال”، من هنا استخلص بأن موسى كان مدركًا بأنه توجد أعمال مرئية، لكن مليئة بمعنى سرى ومخفي عبر عنها ليس فقط بكلمة أعمال لكن “عمل الأعمال”، وتلك التي أدركها موسى بأنها عامة ومحدودة في الوقت الحاضر، قد دعاها ببساطة أعمال. إذًا يوجد “عمل الأعمال” بمعنى حسب رأيي كل التي كتبت سواء في النص الحاضر أو في سفر الخروج أو في أي كتب أخرى بموجب أسرار مختفية. والتي تتم جزئيًا في العهد الحاضر، وجزئيًا في العهد المستقبل. وفي غضون ذلك كما قلنا، عمل الأعمال ليست مخصصة لكل شخص لكن للاويين فقط.
العددان 25، 50
واللاويين أنفسهم لم يستدعوا لهذه الأعمال إلا من سن 25 سنة حتى خمسين. في العددين 25، 50 الرموز المقدسة ليست غائبة[6].
العدد 25 يعني كمال الخمس حواس بعملية ضرب 5× 5. هذا ما يثبت أن الإنسان الذي دعى لإنجاز عمل الأعمال في الأسرار هو الإنسان الكامل من كل نواحيه، بواسطة التعدد وطهارة الحواس. أما العدد 50 فإنه يتضمن رمزًا مقدسًا للعفو، والرحمة، وتوجد نصوص كثيرة عنه في الكتاب القدس أعطتنا مرارًا إثباتات عديدة عنه: فإنه في السنة الخمسين الذي تدعى عند العبرانيين “اليوبيل”، السنة التي يتم فيها إسقاط الملكية وحق الاستخدام، والديون كذلك اليوم الخمسون بعد الفصح قد أعطى كيوم عيد في الشريعة. كذلك عندما كان المسيح الرب في الإنجيل يعلم مثل العفو والرحمة، وضع في المثل مديونين الواحد مدين بخسمين والآخر بخمسمائة دينار. إذًا 50، 500 عددان نسبيان، حيث أن 50× 10 ـ 500 لكن هذا العدد هو مقدس لسبب آخر إذ السبع سبعات نضيف إليها كمال العدد واحد، سنحصل على خمسمائة. كذلك إذا أضفنا لسبعين سبعة كمال العدد عشرة سنحصل على خمسمائة، وإذا أردنا أيضًا أن نجمع أمثلة أكثر للسر المتضمن في العددين 50، 500 نجد في هذا الكتاب أيضًا أعدادًا بين يدينا البعض يقدم لله الـ 50 من الغنيمة، أي الذين لم يذهبوا للحرب، البعض يقدم خمس الخمسات، وليس بدون سبب هنا يوجد العددان 50، 500 وفي سفر التكوين عندما طرح الله موضوع المغفرة لسدوم، فرئيس الآباء إبراهيم، لإدراكه هذه الأسرار بدأ بعدد 50 متضرعًا لله لصالح سدوم وقال: “عسى أن يكون خمسون بارًا في المدينة ألا تصفح عن المدينة من أجل الخمسين بارًا الذين فيها؟” (تك18: 24).
الأحجبة
3ـ ولكن فلنعد لموضوعنا يجب على اللاويين أن يهتموا بالأشياء المقدسة حتى “سن الخمسين”. الذين في الدرجة الأقل يقومون بالأعمال، والأحسن يقومون “بعمل الأعمال”، بينما الذين هم أكثر سموًا فيجب عليهم أن يخدموا الأعمال الروحية، ويدخلوا “قدس الأقداس” (عد 4: 34)، هنا الأغطية التي يجب أن يغطي بها، وإعطاءه لأولاد قهات لحمله على أكتافهم وأخذه بأيديهم بينما الآخرون يرتبون كل واحد حسب رتبته. كما شرح كل هذا من قبل عدة مرات. ولكن لكي لا يسبب هذا الحذر الزائد للأغطية والاحجبة اليأس والحزن لدى السامعين سنحاول أن نكشف بعض النقاط التي نستطيع أن نعلنها بدون خطر والتي نستطيع أن نتأمل فيها بدون تجديف، لأننا قد دعينا مثلما قلنا من قبل: “ جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1بط 2: 9).
أمتعة الخيمة:
القديسون
فلنفهم إذن أن خيمة الاجتماع هي مجموعة القديسين الذين يشملهم عهد الله. يوجد في هذه الخيمة شخصيات أكثر استحقاقًا وعلوًا في البر، بعضهم قد دعوا “منارة الضوء” هم بلا شك الرسل أنفسهم لأنهم يضيئون إلى الذين يقتربون إلى الله، ولكن آخرون أيضًا، في خيمة الله هذه يشيرون لكل الذين يدخلون نور المعرفة والحكمة، هؤلاء يحملون اسم المنارة الرمزي. وآخرون سيكونون “المائدة المقدسة” فهم كل الذين يمسكون خبز الله، الذي يجدد ويغذي النفوس “ الجائعة إلى البر” (مت 5: 6).
آخرون سيكونون “مذبح البخور” فهم كل الذين ينشغلون ليل نهار في هيكل الله في أصوام وصلوات، والذين لا يصلون لأنفسهم فقط بل أيضًا لأجل كل الشعب، الذين قد أوكل الله لهم هذه الأسرار قد سمّوا “تابوت العهد”. والذين في ثقة قوية، بواسطة تقدمة الصلوات وفي تقريب الابتهالات والتضرعات، يصالحون الله مع الناس ويتوسلون إلى الله لأجل عصيان الشعب فهؤلاء سيدعون “مذبح الذهب”. والذين قد استحقوا فيض العلم وكثرة ثروة معرفة الله يستطيعون أن يكونوا “شاروبيم” حيث إن الشاروبيم تترجم إلى لغة آخرى: غزارة المعرفة.
المحمولون بواسطة الملائكة :
لكن كل الذين قد قدموا بالرموز المتعددة أعلاه يجب أن يحملوا، ويحملوا على الأكتاف. لذلك فالملائكة ” الذين أرسلوا للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14)، هم في رأيي الحاملون لكل الذين قد ذكرناهم. حقًا عندما تطوي هذه الخيمة مرة أخرى، وعندما نبدأ الدخول هناك في القدس ونرحل نحو بلاد الموعد فالذين هم حقيقة قديسون يعيشون في قدس الأقداس وسيتقدمون موآزرين بواسطة الملائكة، وحتى تنصب خيمة الله مرة أخرى سيكونون محمولين على أكتاف الملائكة ومرفوعين على أيديهم.
وأمام هذه الصورة قال النبي بالروح: “ لأنه يوصى ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك” (مز91: 11ـ12).
الشيطان اعتقد بأنها يقصد بها المخلص، ولكن أعمته شراسته، فلم يفهم هذا الكلام السري لأن المخلص لم يكن في حاجة إلى الملائكة لكي لا تصدم بحجر رجله. الشيطان يجدف على الكتاب الإلهي بتطبيق هذه الكلمات على المخلص، أنه ليس لأجله، لكن لأجل جميع القديسين، قيل إن الله قد أعطى أمرًا لملائكته إكرامًا لشعبه لكي لا تصدم بحجر رجله. كل هذا المزمور ينطبق على الأبرار أكثر من انطباقه على المخلص. فالذي يحفظه الرب من ” الهلاك ومن شيطان الظهيرة” (مز91: 6)، ليس هو المخلص، هذه الفكرة بعيدة عنا، حاشا لله لأن كل إنسان مبرر، والأبرار هم الذين في حاجة إلى عون ملائكة الله، حتى لا تسحقهم الأبالسة، وحتى لا يحرق قلبهم “ السهم الذي يطير في الظلمات“.
يؤكد بولس بنفس السر بأن البعض يجب أن يكونوا محمولين من الملائكة على السحب ” لكن نحن الأحياء، الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء” (1تس4: 16). فالذين قد قبلوا تنقية عميقة وقد أصبحوا منخفضين من أثقال الخطية سوف يختطفوا بواسطة الملائكة، أما الذين مازالوا مثقلين ببعض بقايا النجاسة فسوف يحملون ركائز الخيمة والأروقة وكل الأشياء التي قد عددت بواسطة الكتاب المقدس فهل تحمل إذًا بواسطة اللاويين وليس بواسطة الإسرائيليين لسبب سبق أن أوضحناه بطريقة عابرة فقط، حتى نترك لأفكار السامعين الذي أوقدت فيهم الرغبة الحارة لكى يغتنوا باشتعال أنفسهم بنور العلم، وليكتشفوا الحقائق الكبيرة بنظرة خارقة. أما نحن فنطلب من الرب أن يجعلنا محمولين أو مرفوعين بواسطة أمثال هؤلاء الحمال، وأن نكون محفوظين من السهم الذي يطير في الظلمات ومن الهلاك ومن شيطان الظهيرة، حتى لا تصدم رجلنا بحجر “حتى نصل إلى مكان الموعد بنعمة ربنا يسوع المسيح”. الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] بمعنى الذي ليس هو فقط “قديس” مكرس لله بنعمته لكن “كامل” الذي يكون منفصلاً كلية عن الروح العالمية والجسدانية، ومنشغل كلية في رؤية الله.
[2] تمييز بين العلم والأعمال، الكمال والأقل الأولون يعلمون السر، والآخرون لا يرون إلا مظهره وينفذون وصاياه بدون أن يفهموها.
[3] هذه الفكرة بأن موسى كان يعرف كل السر بالروح، هجرها علم اللاهوت المسيحي في العصور التالية. واعتبر موسى مجرد مفسر جزئي للسر بينما كشف السر بملئه للمسيحي الذي أخذ من المسيح مفتاح معرفة الأسرار.
[4] يجب ثنى الركب عندما يقر بخطاياه لله، طالبًا منه الشفاء والغفران، هذا الوضع هو رمز الإنسان الذي يخشع والذي يخضع. يجب أن نقر بأن هذه الرموز هي الأكثر بساطة في فهمها لكل مؤمن أما الوضع العادي للصلاة فكان وضع الوقوف.
[5] كذلك من الذي لا يعلم أن الشرق يعني صريحًا بأننا يجب عند الصلاة أن ننظر لهذه الناحية وهذا رمز لنفس ناظرة نحو الشرق أي نحو النور الحقيقي.
[6] يجب ربط هذه الخواطر حول الرقميين 25، 50 بتلك المتعلقة بالرقمين 5، 10 (عظة 22: 1؛ تكوين 16: 6).وعند فيلون الأسكندرى الرقم 50 هو رقم الحرية الكاملة. وهو يقول عنه “هو أقدس الأرقام” (الحياة التأملية 8: 65)، واكلميندس الأسكندرى يقدم تفسيرًا مماثلاً لتفسير أوريجينوس “العدد 50 هو رمز للرجاء والغفران في يوم الخمسين” (المتنوعات 6: 87).
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع ع5 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
العظة الرابعة
إحصاء اللاويين وواجباتهم
المعنى اللفظي
1ـ سفر العدد الذي يقرأ لنا، يحتوى على أعداد كثيرة[1] مختلفة منسوبة إلى أبناء الإسرائيليين. بعد إحصاء أبناء الإسرائيليين، يأتي إحصاء اللاويين، وهم بدورهم قد أحصوا أيضًا. أنهم لم يحصوا مع أبناء الإسرائيليين. وعددهم لحد ما معزول، إنه عدد ممتاز، أنهم كما يقال لنا، 22 ألفًا لا أكثر ولا أقل.
بنفس الشروط التي للاويين، أي من سن شهر واحد فما فوق، ونحصل لأبكار أبناء الإسرائيليين على العدد 22272.
من هذه التفاصيل هل تعتقد بأن موسى أراد أن يعلمنا القصة فقط، وأنه لم يخبئ بحسب عادته سرًا في هذه الأعداد المختلفة؟ هل سنعتقد بأنه قال بدون أي سبب إن عدد الأبكار الإسرائيليين يعطي فائضًا بعدد 273، وأن عدد اللاويين ليس له فائض ولا نقص بالنسبة لعدد 22 ألفًا.
الأعداد
بدراسة الكتب الإلهية، سنجد فيها غالبًا العدد 22 الذي يشير لمكنون مهم. الحروف العبرانية عدد 22 حرفًا ثم نذكر 22 أبًا منذ آدم حتى يعقوب التي تشير إلى أصل الأسباط الاثنى عشر. ويقال أيضًا أن كل أنواع خليقة الله عددهم 22 وبالبحث بأكثر تدقيق، سنجد في اللاويين أي خدام الله، والأبكار أبناء الإسرائيليين الفخر بهذا العدد العجيب والمقدس. العدد 273 أضيف لأبناء إسرائيل، وهذا لا يبدو لي بدون قصد، بل لا أرى من السهل حل السؤال إذا لم يتنازل السيد الرب ويظهر لنا أسرار قلبه، وأن نرفع البرقع المطروح بواسطة موسى على ما كتب في هذا الجزء. فالجنين في الجنس البشري، حسب العارفين يحفظ في الرحم تسعة أشهر، لكن لا يبدأ أن يظهر بالولادة قبل أن يمضي ثلاثة أيام من الشهر العاشر وبذلك يظهر أن العدد 273 هو مجموع الأيام كلها أي مجموعة التسعة أشهر مع ثلاثة أيام من الشهر العاشر وهي الأيام الممسوح بها للجنس البشري حتى يدخل في هذا العالم.
وبالتالي العدد يبين مجازيًا مجموع جميع الخليقة مجتمعة والمزيد الذي نجده للأبكار في إسرائيل يوضح سر توالد البشرية.
رتب اللاويين ووظائفهم
وبعد ذلك قسموا أبناء لاوى إلى 3 رتب وكل رتبة أحصيت تحت أسم العشيرة. هنا أيضًا يلاحظ اختلافات تخبئ أسرارًا. فرتبة أبناء قهات هي التي أحصيت أولاً، السبب هو لأنه من هنا قد خرج موسى وهارون الذي تسلم الكهنوت الأعظم. لأنه من قهات قد ولد عمرام، ومن عمرام ولد موسى وهارون. جرشون يأتي ثانيًا مع أنه الأول بالميلاد إلا أنه وضع بالصف الثاني، وينص الكتاب المقدس فعلاً هكذا “أبناء لاوى، جرشون وقهات ومراري” أبناء قهات قسموا إلى رتبتين: أولاد هارون يتولون الكهنوت والآخرون لخدمة الكهنة. ولهذا السبب قسمت واجبات اللاويين إلى 4 أجزاء هارون وأولاده يقومون بالكهنوت. أعضاء عشيرة قهات الآخرين يحملون الأقداس على أكتافهم. أولاد جرشون ينشغلون بما يختص بخيمة الاجتماع أو ملحقاتها، وبالجلود، البساط، وبكل ما هو أقل صلابة وأكثر خفة للحمل. أولاد مراري يحملون “أعمدة الخيمة” قاعدتها، قضبانها، التي تساعد على قفل الخيمة. لهذا السبب نبه الكتاب المقدس في تعدادهم على أن تحصى قوة مراري حيث إنه يجب توافر القوة لحمل مثل هذه الأحمال.
الأربع رتب في السماء
2ـ ولكن فلنرجع لبولس الرسول الذي إذ كان ينظر كل هذا بأعين بصيرة مستقلة من الآن فصاعدًا وغير مرتبك بأي تعصب، خالعًا ضباب العهد القديم وهو يقول إن في هذه المساكن كان شعب الله السابق لا يخدم سوى صورة وظل الحقائق السمائية. وبقوله هذا تكون الأربع رتب في المحلة ليست إلا صورة وظل للأربع رتب التي قصدها بولس في رسالته إلى العبرانيين. وتضاف إلى أربع رتب المحلة الإسرائيلية، أربع رتب اللاويين. فإنه ليس من الضروري أن نبسط وأن نوضح هذا، يكفي أننا أدركنا هدفه، مع افتراضنا بأن البعض يأتون هنا بأفكار نقية، خالية من هموم العالم.
أبناء قهات
قال الكتاب المقدس “خذ عدد بني قهات من بين بني لاوى” (عد4: 2)، إذن يأتي أبناء لاوي، برتبة من الأعداد الأخرى وهم قد أحصوا “من ابن شهر فصاعدًا“. نحسب الآن أبناء لاوى “من سن 25 سنة” وليس كالآخرين من سنة 25 سنة فصاعدًا، ولكن حتى سن الخمسين. وهذا العدد عدد ممتاز، عدد مختار، حيث إن الكتاب المقدس يضيف “كل رجل في الجند ليعمل عملاً في خيمة الاجتماع” مثل الذين يكونون عددًا عظيمًا وممتازًا. هكذا بالنسبة لأبناء إسرائيل قد قيل ” كل خارج للحرب يحصى مع أبناء إسرائيل” وأيضًا قد قيل هنا كل واحد خارج ليخدم في أعمال خيمة الاجتماع (عد1: 45؛ 4: 3).
أعمال الخيمة
ثم توصف ما هي أعمال ” أبناء قهات من بين بني لاوي، حسب عشائرهم يعملون” في خيمة الاجتماع. ” يأتي هارون وبنوه عند ارتحال المحلة وينزلون حجاب السجف ويغطون به تابوت الشهادة” (عد4: 5)، ثم دونت سبعة من الأشياء التي يجب أن تكون مغطاة:
أولاً: الأثمن من الكل “تابوت الشهادة” سيغطي “بالحجاب” الذي سيخفي من الأمام ويجعلون عليه غطاء ” من الجلد باللون الاسمانجوني“.
ثانيًا: “المائدة” التي ستغطي.
ثالثًا: “منارة الضوء”.
رابعًا: “مذبح الذهب”.
خامسًا: جميع أمتعة الخدمة التي يخدمون بها في “القدس”.
سادسًا: “أمتعة المذبح” التي توضع مع أغطية أخرى.
سابعًا: “المناضح”. ولا يترك شئ من كل ذلك مكشوفًا وبدون حجاب.
أخيرًا: قد أضاف التعليم “لا تحذف من سبط عشيرة قهات” حتى يعلموا أنهم يجب أن يخدموا. إذًا لمسوا هذه الأشياء لنقلها إن لم تغط أولاً من الكهنة فأنهم يموتون.
تخصيص للكنيسة لحفظ الأسرار : (تطبيق على الكنيسة)
نعود الآن لهذه الخيمة التي هي “كنيسة الله الحي” وننظر كيف يجب أن نتمم كل هذه التعاليم بواسطة كهنة المسيح. إذا كان أحد منكم كاهنًا بالحقيقة التي عهدت إليه بالإناء المقدس، وهذا يعني أسرار الحكمة السرية، فليتعلم من هذا النص وليلاحظ الطريقة التي يجب أن يحفظ بها هذا الإناء المقدس تحت حجاب الضمير وأن لا يعرضها بسهولة للشعب. فأن كان ملزمًا أن يعرضها وأن يسلمها للمرؤوسين أي للجهلاء فعليه أن لا يعرضها بدون غطاء وأن لا يظهرها كذلك بدون غطاء وأن لا يعرضها بسعة، وإلا أرتكب جريمة القتل ويحذف شعبه من الجماعة. لأنه حقًا يحذف كل إنسان يلمس الأسرار بدون أن يكون قد حمل رتبة كهنوتية باستحقاقاته وبعلمه. حيث أنه لا يسمح بهذا إلا لأولاد هارون، هذا يعني أن الكهنة يرون علنًا وبطريقة مكشوفة تابوت الشهادة ثم المائدة ثم منارة الضوء وكل الأشياء التي قد سبق أن دونت. أما الآخرون فإنهم يرونها مغطاة أو بالأحرى يحملون هذه الأشياء “محجوبة على أكتافهم” (عد7: 9).
درجات كهنوتية
أولاد قهات رغم أنهم لم يكونوا كهنة، ولكنهم مناسبون جدًا، ويستطيعون أن يحملوا هذه الأشياء على أكتافهم، والآخرون يضعون أثقالهم وأشياء كهنتهم ليس على أكتافهم. بل على عجلات. ولكن نستطيع مطالعة هذا النص، والتكلم عما ذكر فيه عن العجلات نقول أنه قد أعطى لكل سبط عجلات، فأخذ أولاد مراري أربع عجلات وأخذ جرشون أثنين. لكن الذين هم في درجات أعلى لا يأخذون عجلات.
تأمل إذن الطريقة التي وزعت بها وظائف كهنة الله، الأشياء المقدسة لا تعطي للحيوانات ليحملوها، فإنه يجب أن الإنسان العاقل هو الذي يحمل على أكتافه الأواني التي تستخدم في قدس الأقداس. الأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة تعطي لحملها لا لكائنات عاقلة بل للحيوانات. في هذه الحالة الثانية، يوجد أيضًا تمييز يجب وضعه في الاعتبار. فالذين في الخدمة المختصين بالأشياء الأكثر ثقلاً وأكثر صلابة لديهم حيوانات أكثر عددًا. فلقد أعطيت أربع عجلات لبني مراري لكن عجلتان تكفيان لبني جرشون. الذين يشبهون بني قهات، ويتبيّن من ذلك أن الأعمال الأكثر صلابة ونوعًا ما أكثر خشونة لها عدد أكثر من الحيوانات لكن من ضمن الذين يكونون مثقفين وعالمين بهذه الأمور، عدد بسيط منهم فقط يقوم بالنشاط الخاص بالكائن الحي حيث لا يحق “للإنسان الطبيعي” (1كو2: 14)، أن يقترب من الأشياء السرية، والتي لا تكون منظورة إلا للكهنة، لكن حتى هؤلاء لا يقتربون منها كلهم، إلا الذين لهم بعض الدراية ولكن لم يصلوا بعد باستحقاقاتهم وسلوكهم إلى كمال نعمة الكهنوت. وعلاوة على ذلك فإنهم لا يرونها إلا ” فى مرآة وفي لغز“، فهم يتسلمونها مغطاة ومحجوبة وسيحملونها على أكتافهم، حتى لا يعرفوها أكثر في فعل الأعمال أكثر من اكتشافها بالعلم.
إذًا بما أن هذه هي الطريقة التي بها يوزع الله أسراره وينظم عمل كهنوته للأشياء المقدسة، يجب علينا نحن أن نكون أهلاً لرتبة الكهنوت، حتى لا يفرض علينا أثقال ثقيلة مثل الكائنات غير العاقلة بل كأناس عاقلين ومقدسين، نكلف بوظائف كهنوتية لأننا ” أمة مقدسة كهنوت ملوكي وشعب اقتناء” (1بط2: 9)، بشرط أن نتلاقى باستحقاقات حياتنا مع النعمة المعطاة لنا وأن نكون أهلاً للكهنوت المقدس، حتى نكون بعد خروجنا من هذه الحياة، مستحقين أن نؤخذ، كما قلت أعلاه من ضمن كهنة الله، وأن نكون ضمن خدمة تابوت العهد، بمعنى الأسرار الغير معلنة، ونتأمل مجد الله بوجه مكشوف وندخل في الأرض المقدسة التي سيعطينا إياها ربنا يسوع المسيح كميراث لنا والذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] هذه العظة حافلة بالخواطر العددية. وبهذا المعنى فهي تعتبر وثيقة هامة فيما يخص تاريخ التعامل مع الأعداد. نحن نعرف أن مبادئ هذه الطريقة تعود إلى فيثاغورس ولكن أفلاطون وأرسطو ساهموا فيها أيضًا ومن خلال الإنتاج المسمى (الأعداد اللاهوتية)، يلتقى الرواقيون مع الفيثاغورثيين.. يبدو أن الأعداد كانت شيئًا مشتركًا بين كل الطوائف فقد استعملها فيلون قبل أكليمندس وأوريجينوس في شرح الكتاب المقدس. والقديس أوغسطينوس نقل إلى العصور الوسطى عادة البحث عن المعنى في أعداد الكتب المقدسة ويمكن استعمال الأعداد في كل اتجاه. وهنا في هذه العظة يستخدم أوريجينوس الأعداد لكي يؤكد نظرته إلى الدرجات الروحية.
إحصاء اللاويين وواجباتهم ع4 – سفر العدد للعلامة أوريجينوس
1ـ لقد كتب في موضوع المن في ذلك الزمن أنه إذا التقطوه حسب الشروط التي أمرهم بها الله، كان صالحًا للأكل: لكن إذا أرادوا أن يلتقطوه بطريقة مخالفة للأوامر الإلهية وبخلاف الطريقة التي عينها الله، في هذه الحالة كان لا يصلح أبدًا لحفظ الحياة وكانت تكثر فيه الديدان. إذًا نفس النوع من المن لا يعطى للبعض إلا الديدان والعفن. بينما كان يقدم للآخرين طعامًا لحفظ الحياة. والكلمة الإلهية هي مَن بالنسبة لنا؟ والكلام الإلهي، عندما يأتي إلينا، فأنه يجلب للبعض السلام، ولكن لآخرين اللعنة، لذلك فأنه يبدو لي أن الرب والمخلص الذي هو ” كلمة الله الحي” (1بط1: 23)، كان يقول مصداقًا لذلك ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمي الذين يبصرون” (يو9: 39). فمن الأفضل للبعض أن لا يسمع أبدًا كلمة الله، بدلاً من سماعها بنية سيئة أو سماعها بنفاق، نقول كان من الأفضل من وجهة النظر الأقل سوءًا. لكن الأفضل والأصح من وجهة الصواب والكمال، هو أن المستمع لكلمة الله يسمعها بقلب نقي بسيط، يسمعها بقلب مستقيم ومتهيئ جيدًا، لكي تثمر وتنمو كما في الأرض الجيدة.
قلنا هذا بطريقة تمهيدية لبعض السامعين الذين يأتون بأذهان تفتقر للبساطة والإيمان. أريد أن أتكلم عن بعض طالبي العماد (الموعوظين) الذين يجب أن يضاف إليهم بعض المُعَّمدين ” لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون” (رو9: 6)، وكل الذين قد عمدوا في الماء لم يعمدوا في نفس الوقت بالروح القدس. وبالعكس في عداد طالبي العماد، ليس الجميع غرباء عن الروح القدس. أجد حقًا في الكتب الإلهية أن من طالبي العماد من استحقوا الروح القدس وآخرين بعدما عمدوا كانوا غير مستحقين لعطايا الروح القدس. كرنيليوس كان من طالبي العماد، وقبل أن ينزل في الماء استحق أن يحصل على الروح القدس، وسيمون اعتمد، لكن لأنه اقترب للبر بمكر، فقد حرم من موهبة الروح القدس، فلا نشك في هذه الأمور. يوجد الآن في الشعب طالبو عماد، مثل كرنيليوس الذين هم مستحقون أن نقول عنهم ” صلواتك وصدقاتك صعدت تذكار أمام الله” (أع10: 4)، وبالعكس يوجد ضمن شعب المؤمنين أناس مثل سيمون يجب أن يُقال عنهم بجرأة “ رجل ممتلئ كل غش وكل خبث ابن إبليس وعدو كل بر“[1] (أع13: 10)، إنني أقول هذا لإصلاح نفسي كما لإصلاح الحاضرين، حيث أني أنا أيضًا واحد من الذين يسمعون كلام الله.
النص
2ـ لكن فلنسمع الآن بماذا كلم الله موسى: “ وكلم الرب موسى قائلاً وها إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل، بدل كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل فيكون اللاويون لي لأن لي كل لي بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر قدست لي كل بكر في إسرائيل من الناس والبهائم لي يكونون أنا الرب” (عد3: 11ـ 13)، اللاويون تم اتخاذهم بدلاً من الأبكار، مع إنهم ليسوا أبكارًا قط. لاوى كان الابن الثالث من ليئة، رأوبين كان الابن الأول، شمعون كان الثاني، لاوى كان الثالث رجال ليسوا أبكارًا بحق الولادة قد تم تبنيهم كأبكار.
من هم الأبكار
هل ينبغي أن نعتقد بأن هذه التفاصيل المذكورة في ناموس الله ليس لها فائدة؟ ألا يعلمنا هذا بأن الذين اعتبروا أبكار أمام الله ليسوا هم أبكارًا بالميلاد الجسدي، بل الذين اختارهم الله أبكارًا نظرًا لحسن استعدادهم، هذا مثلما صار يعقوب بكرًا حسب أمر الله وقد حصل على بركات البكورية بسبب عمى والده بترتيب الله حيث إنه بسبب حسن استعداد قلبه الذي رآه الله فيه “قبل أن يولد في هذا العالم أيضًا وقبل أن يعمل أعمالاً سيئة أو حسنة يقول الرب عنه ” أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” (ملاخي1: 2، 3)، إذن فأبناء اللاويين ليسوا إذن هم الأبكار بحسب الجسد، لكنهم تم تبنيهم كأبكار، وذلك امتياز كبير أن نكون مُتبنين كأبكار دون أن نولد أبكارًا.
استقامة اللاويين
“ ها إني قد أخذت اللاويين من وسط بني إسرائيل“. نستطيع أن نقول بأكثر بساطة ” إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل” لماذا نضيف من وسط بني إسرائيل؟ من أي وسط؟ لاوى كان الثالث من أبناء إسرائيل، كما ذكرنا أعلاه. من أي وسط أخذ اللاويون؟ أريد أن أعرف. ذلك أجده في الكتابات المقدسة، أن الشونمية الطوباوية التي أطعمت ذات يوم نبيًا أجابت بيقين نبي إسرائيل، النبي أليشع الذي أراد أن يمنحها مكافأة، “ أنا ساكنة وسط شعبي“. لكني أرى نصًا أمجد وأكثر جمالاً في إنجيل ربنا يسوع المخلص عندما قال يوحنا “ في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه” (يو1: 26)، نستطيع أن نقول عنه بأنه ” لم يمل أبدًا يمينًا ولا يسارًا، وأنه قائم في الوسط” (عد20: 17)، ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط2: 12). لهذا السبب قيل عنه بأنه قائم دائمًا، بأنه في الوسط. لكن لم يذكر عن كل الذين يقتدون به أى عن القديسين، والمرأة الطوباوية التي ذكرناها أعلاه، بأنهم قائمون في الوسط. لأنه من المستحيل أنهم لا يميلون أحيانًا سواء يمينًا أو يسارًا. ليس أحد طاهرًا من كل النجاسة حتى ولو كانت حياته يومًا واحدًا، ولكن قيل أنها ساكنة في وسط شعبها “واللاويون إذًا قد أخذوا من وسط أبناء إسرائيل”.
حقًا اللاويون هم الذين لم يعرفوا يمينهم ولا يسارهم، لكن باتباع موسى أي ناموس الله لم يحابوا أبًا ولا أمًا. أما وأنت عندما تأتي التجربة، عندما تأتي النصرة على الخطية إذًا ” لم تمل يمينًا ولا يسارًا” (عد20: 17).
إذا لم تنحرف عن ناموس الله، إذا أقمت في الوسط راسخًا وغير متزعزع. إذا لم تحن الركب أمام الخطية، إذا لم تصبح تابعًا لرأس حاشية، صورة للغباوة[2] والحماقة ستكون ” مأخوذًا من وسط أبناء إسرائيل وستكون محسوبًا مع أعداد الأبكار هذا حسب النص “وسآخذ اللاويين من وسط أبناء الإسرائيليين” (عد3: 12).
ترتيب اللاويين في المحلة:
لكن إذا أردتم فلنرجع مرة أخرى في الشرح عن القصة المذكورة في التعداد، ولنفحص في سر الأبكار أين وكيف يجب أن نرتب أبحاثنا. فلنتذكر بأكثر تدقيق عن الطريقة التي فيها كان الاثنى عشر سبطًا موزعين ثلثة بثلاثة في أربع مجموعات واستقروا في الأربع جهات الرئيسية. فنجد يهوذا ثبت في الشرق مع يساكر وزبولون، رأوبين في اليمين (الجنوب) مع شمعون وجاد، في الغرب أفرايم مع بنيامين ومنسى، في الشمال دان مع نفتالي وأشير، بينما كانوا متوزعين في محيط دائرة لأربع جهات، فاستقر اللاويون في وسطهم، حول خيمة الاجتماع لأنهم هم الأكثر قربًا من الله. في محلة يهوذا موسى وهارون يأخذان مكانًا. في محلة رأوبين، جرشون في محلة بنيامين قهات، هناك حيث استقر دان، أبناء مراري أيضًا اللاويون يبدو أنهم استقروا في الدائرة من جميع نواحيها، في وسط أبناء إسرائيل، مختلطين مع الآخرين ومتداخلين معهم.
هذا ما تعرضه لنا الشريعة، حتى أننا نحصد محصول الأسرار وحتى نستخدمها كدرجات لنصعد من الأشياء السفلى إلى الأشياء العليا، ومن حقائق الأرض إلى حقائق السماء. والآن أيها السامع، أصعد إذا استطعت، أصعد فوق الأفكار الأرضية هذا بفضل التأمل العقلي وبفضل القلب البصير إنسَ الأرض لبعض الوقت، أصعد إلى سحب السماء بمجهود ذكائك أبحث عن خيمة الله[3]، حيث يسوع قد دخل ” لكي يعد لنا الطريق” (عب6: 20)، وحيث “يظهر أمام وجه الله” ليشفع فينا. أبحث هناك عن هذه الرايات الأربع، وعن هذه المواضع التي للمحلة. أنظر إلى الجيش الإسرائيلي والحرس المكون من القديسين، وأبحث عن أسرار الأبكار موضوع بحثنا الآن.
الرتب الأربع في السموات
لكن لا أجرؤ على الصعود فيها وحيدًا، ولا أجرؤ أن ألقي بنفسي في هاوية أسرار عميقة جدًا بدون أن أكون مسنودًا بسلطة عالم عظيم.. لا أستطيع أن أصعد إلى السماء إن لم يسبقني بولس، وإن لم يدلني بولس على الطريق لهذه الرحلة المجهولة الصعبة.
إذًا بولس هو الرسول العظيم، هو الذي يعرف بأنه يوجد على الأرض، كذلك في السموات، عدد كبير من الكنائس والتي لم يذكر منها يوحنا الرائي سوى سبعة. بولس الرسول هو الذي يشير بأنه يوجد على وجه الخصوص ” كنيسة للأبكار” (عب12: 18ـ 23)، قال في رسالته للعبرانيين “ لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار، لكن قد أتيتم إلى جبل صهيون، إلى أورشليم السمائية إلى كنيسة أبكار، إلى مدينة الله الحي، وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات“. موسى يقسم شعب الله ويوزعه إلى أربع جهات على الأرض. والرسول يميز أربع رتب من القديسين في السموات من الواحد أو الآخر الذين يقول عنا بأننا ندنو منهم. حيث أن كل العالم لا يأتي إلى كل الرتب. الواحد يأتي إلى “جبل صهيون” والذين يكونون أفضل بعض الشئ يأتون إلى أورشليم السمائية، مدينة الله الحي والذين يكونون أكثر علوًا يدخلون إلى “ربوات هم محفل ملائكة” والذين يكونون فوق كل هذا يدخلون إلى ” كنيسة أبكار مكتوبين في السموات“. إذن إن فهمت من هذا النص ما هي رتب الأبكار وما هو السر المختبئ في هذا العنوان. استعد واجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك في حياتك في عاداتك، في إيمانك في طريقة تصرفاتك لكي تستطيع أن تأتي إلى ” كنيسة الأبكار التي هي مكتوبة في السماوات“. إن لم تستطيع، إن كنت أقل من هذه الدرجة اقترب من ربوات الذين هم محفل ملائكة، أن لم تستطيع أن تصعد إلى هذه الدرجة، اجتهد على الأقل أن تصل إلى مدينة الله الحي أورشليم السمائية. لكن إذا كنت أيضًا غير قادر على ذلك حاول على الأقل أن تتوجه نحو جبل صهيون (تك19: 17). لكي تخلص على الجبل يكفي أنك لا تبقي على الأرض أنك لا تسكن في الوديان، بأنك لا تبطئ في الأراضي المغمورة.
بذلك يبدو لي بأنه يجب أن نفهم الاختيار لرتبة الأبكار أبناء اللاويين، خدام الله الذين يؤدون الخدمة الهيكلية في الخيمة ويتممون الخدمة الإلهية بيقظة لا تنقطع.
فاتح الرحم :
أما من جهة ما قد قيل ” عن كل بكر الذي يفتح الرحم“، هذا لا يبدو سهلاً في فحصه وفي شرحه. حيث أن كل طفل فاتح رحم لا يجب على الفور أن يكون مستحقًا للرتبة المقدسة كرتبة البكر إذ أننا نقرأ في جزء آخر في المزامير بأنه ” زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا” (مز58: 3). ويجب أن لا ندرك هذا بالمعنى الحرفي.كيف نستطيع فعلاً أن نضل عن طريق الله بمجرد الخروج من أحشاء الأم؟ أو كيف يستطيع أن يكذب، الطفل الذي ولد لساعته، كيف يستطيع أيضًا أن ينطق بأية كلمة؟ بما أنه من المستحيل أن يضل منذ الخروج من أحشاء الأم، أو أن يكذب، يجب إذًا أن نبحث عن أحشاء أو رحم يمكن أن ينطبق عليها هذا الكلام. زاغ الأشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذبًا، هذا الرحم سيكون المفتوح بواسطة كل بكر مكرس لله. فتح الله يومًا رحم ليئة الذي كان مغلقًا وولدت للعالم آباء، كذلك فتح رحم راحيل لكي ترزق أيضًا بأطفال، راحيل التي “كانت حسنة الصورة وحسنة المنظر” سنجد نصوص كثيرة أخرى في الكتاب المقدس عن فتح الرحم.
إذا درست هذه النصوص مع مقارنتها ببعضها ستكتشف أي معنى ينطبق على النص ” زاغ الأشرار من الرحم” بينما كان الآخرون بافتتاح الرحم، مكرسين لرتبة الأبكار.
أبكار الله وأبكار السوء
قال الكتاب المقدس ” واللاويون سيكونون للرب لأن لي كل بكر يوم ضربت كل بكر في أرض مصر، قدست لي كل بكر“. نعلم المعنى التاريخي لهذا النص، نعرف كيف ضرب كل بكر في أرض مصر، عندما خرج الشعب الإسرائيلي من مصر، هذا هو معنى النص، أبكار إسرائيل لا يتكرسون سوى مرة واحدة عندما ضرب أبكار المصريين، سبب تقديسهم هو موت وإبادة المصريين، ونستنتج من ذلك بأنه يوجد أيضًا أبكار في مصر[4]، بمعنى عند الرياسات المضادة نوع من المختارين للخبث، أوائل من الأبالسة. فإن لم يبددوا أبكار المصريين لكان من غير المستطاع إطلاقًا أن يتقدس أبكار الإسرائيليين، إذًا من هو الذي ضرب “ رياسة وسلاطين الأبالسة” (كو2: 15)، ألم يكن ربنا يسوع المسيح بكر كل خليقة الذي تسلط على الرياسات والسلاطين المضادين، بعدما ظفر عليهم على الصليب. لكن لكي يعطينا بركات الأبكار فقد صار أولاً بكرًا من الأموات لكي يكون الأول في كل شئ وأيضًا حتى يعتبرنا نحن الذين نؤمن بقيامته، كأبكار ويضعنا في رتبة الأبكار، إذًا يجب أن ننظر إلى البركات راسخين حتى النهاية، مؤيدين برحمة ربنا يسوع المسيح نفسه الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] أوريجينوس يميز نوعين من المعمودية، معمودية الماء ومعمودية الروح القدس. أنه يعتقد بأن الأولى غير مؤثره ولكن أوريجانوس يعتبرها كعلامة لنظام مرئي ويحمل حقيقة المعمودية بالروح. المكر يقوم أساسًا على الحصول على العلامة بدون الواقع الذي تشير إليه العلامة.
[3] خيمة الأزلية، تعني السماء بحصر المعنى والخيمة هي رمزها، أوريجينوس يدعو السامعين إلى الدخول إلى السماء التي هي جزء هام من فكره الأسخاتولوجي وهي موضوع العلم عنده.
1ـ تعلمنا من الدرس الأول للعدد أن جيش الله، بعد خروجه من مصر وسفره وسط الصحراء، قد فحص، بمعنى أنه أحصى وعد من قبل موسى وهارون ووزع بين الأسباط، وهذا الجيش كان مقدرًا بعدد معين، وقلنا عندما شرحنا هذا التعداد بالنسبة لمشمول الكتاب، بأنه يصف الطريقة التي بها ذهب شعب الله خارجًا من هذا العالم نحو أرض الميعاد، أي نحو أرض السلاطين. أو نحو مجد ملكوت السموات ونحو حيازته، لقد كان منقادًا حسب بعض التصنيف وحسب درجة الاستحقاق لكل واحد ويوضح ذلك بمراسيم الشريعة وتخطيط “ظل” لمعاني ” الخيرات العتيدة” (عب10: 1).
الترتيب بموجب موسى وبولس الرسول
اليوم يعلمنا الدرس الذي قُرئ بأية طريقة قد نصب خدام الله ترتيب المحلة بواسطة الذين ” لا يختلطون بأمور العالم”. وكلم الرب موسى وهارون قائلاً بأن يجلس بنو إسرائيل في المحلة كل واحد على حسب رتبته، وبحسب رايته، وعلى حسب بيوت آبائهم، وبأن بني إسرائيل “يجلسون قبالة خيمة الاجتماع وحولها”، وبأن كل رجل يتقدم في المحلة على حسب رايته وعلى حسب بيت آبائه” (انظر عد 2: 1ـ 2).
قال بولس الرسول من ناحيته “وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب” (1كو14: 40). ألا يبدو بأنه هو نفس روح الله الذي تكلم به موسى؟ وتكلم به بولس الرسول، موسى أمر بأن يسيروا بترتيب في المحلة، وبولس يعطي التعليم لكل شئ بحسب ترتيب في الكنيسة. موسى الذي كان يخدم الناموس يأمر بأن يحفظ الترتيب في المحلة، بولس الرسول خادم الإنجيل يريد أن يحترم المسيحي الترتيب ليس فقط في أعماله بل وأيضًا في ملابسه. قال أيضًا “ كذلك النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة” (1تي2: 9)، وأختم بأنهما لا يريدان فقط بأن يحفظ الترتيب في تتميم الواجبات وفي الملبس، بل يعنيان أنه يوجد أيضًا ترتيب للنفس، وعلى هذا الترتيب ينطبق النص، كل واحد يتقدم بحسب رتبته.
هذه الرتبة تعرف خاصة بثمارها، بالأعمال إلاَّ أننا نعرفها أيضًا بعظمة الأفكار حيث إنه كثيرًا ما يحدث بأن شخصًا ما ليس عنده إلا أفكار دنيئة ووضيعة ويتلذذ بالماديات الأرضية، ويصل بحيلة لرتب مرتفعة في الكهنوت أو في منبر المعلمين، وأن شخصًا آخر روحانيًا متحررًا من الانشغالات الأرضية ويستطيع أن يفحص كل شئ “ ولا يحكم فيه من أحد” (كو2: 15)، يشغل أقل رتبة في الكهنوت أو يكون معدودًا مع عامة الشعب، وهذا في نفس الوقت هو احتقار لتعاليم الناموس وتعاليم الإنجيل، ولا يكون هذا العمل بحسب ترتيب.
ونحن أيضًا إذا كنا منزعجين ومهتمين بالمأكل والمشرب ولا ننشغل إلا بمنافع هذا العالم، إذا كنا لا نعطي لله إلا ساعة أو ساعتين كل يوم في الذهاب إلى الكنيسة للصلاة أو لسماع كلمة من كلام الله إذن نحن نعمل على الأخص لإشباع احتياجاتنا العالمية، ولإرضاء احتياجات المعدة. وبذلك لا نتمم التعليم الذي يقول “يسير كل واحد على حسب رتبته”، أو التعليم الذي يقول ” وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب“. فالترتيب الذي وضعه الرب المسيح هو أن ” نطلب أولاً ملكوت الله وبره” (مت6: 33)، وأن نؤمن بأن ” كل هذه سيزيدها الله لنا”، وإن كل إنسان “يسير حسب رتبته”.
أتعتقد بأن الذين لهم لقب قسوس، الذين يفتخرون بانتسابهم لرتبة الكهنوت، يسيرون على حسب رتبتهم ويعملون كل ما يصلح لرتبتهم؟ على هذا النمط أتعتقد بأن الشمامسة يسيرون على حسب رتبة الشماسية لخدمتهم؟ إذن من أين يأتي ما نسمعه أحيانًا من أناس مجدفين يقولون أنظر هذا الأسقف. هذا القسيس. هذا الشماس؟ ألا يقال كل هذا عندما نشاهد الكاهن أو خادم الله يقصر في واجبات رتبته ويخالف الرتبة الكهنوتية ورتبة اللاويين؟
ماذا سأقول عن العذارى، وعن النساك، أو عن كل الذين يقومون بخدمة دينية؟ إذا قصروا من جهة الحشمة والاحتشام، والرزانة، ألم يتهمهم موسى في الحال ويقول لهم “ بأن كل رجل يسير على حسب رايته” (عدد2:2)، إذن كل واحد يعرف رايته، بأن يفهم ما يلزم للرتبة التي يشغلها بأن يزن أعماله، وينظم أيضًا كلماته وتصرفاته وأيضًا ملابسه لكي تتفق مع مقتضيات الرتبة التي انتسب إليها، حتى لا نسمع قول الله الذي يقول ” أسمى يجدف عليه بين الأمم بسببكم” (مز36: 20ـ 23).
العلامات، درجات الاستحقاق
2 ـ انظروا من وجهة أخرى ما تعنيه “وعلى حسب رايتة” ومن رأيي أن الرايات هي العلامات التي يتميز بها كل فرد من الأفراد، مثلاً كل الرجال يتشابهون لكن توجد علامة خاصة مميزة لكل واحد، وفي تقاطيع وجهه، في القوام، في الهيئة، في الملبس، وهذه المميزات هي التي تميز بولس عن بطرس. أحيانًا أيضًا ليس من الضروري أن يظهر المرء نفسه لكي نرى العلامة المميزة له. فمن صوته، من نبرات حنجرته، يُعرف الشخص، وكل واحد يُعرف بعلامة خاصة. خارجًا عن كل رؤية جسدية بنفس الطريقة أعتقد أنه توجد في النفوس علامات مختلفة.
إحداها: عندها حركات عذبة لذيذة جدًا، ساكنة، هادئة، متساوية. الثانية لها علامات منزعجة، فخورة، خشنة أكثر شدة، أكثر غضبًا. الواحدة يقظة، حكيمة بصيرة واعية، نشطة؛ والأخرى كسولة مسترخية، مهملة، غافلة. والبعض يكون لهم علامات أكثر والآخرون يكونون أقل. ويمكنني التأكيد أنه ربما يوجد اختلاف بين النفوس البشرية كما يوجد اختلاف بين الوجوه مثلما يبينه هذا القول، الذي خطر ببالي من سليمان الحكيم: “ كما الوجوه تختلف عن الآخر كذلك قلوب الناس تختلف” (أم27: 19س).
” كل واحد” كما يقول موسى ” يسير على حسب رايته” بمعنى أن الذي له علامات سفلية ودنيئة يسير بأكثر فجر أو أكثر غطرسة والتي لا تناسب علامات روحه. لكي نوضح أيضًا هذا الاختلاف للعلامات، سنضيف هذه المقارنة. كل الذين قد تعلموا القراءة والكتابة يعرفون جيدًا 24 حرفًا، إذًا درسوا أصول الكتابة باليونانية و 23 حرفًا إذا درسوها باللاتينية. أنهم يستخدمون في الكتابة كل ما لديهم للكتابة. ومع هذا فالألفا A في كتابة بطرس تختلف عن الألفا في كتابة بولس. وكذلك سنجد بأن كل رجل يعرف الكتابة له علامات خاصة به في الكتابة لكي ينسخ كل حرف من حروف الهجاء. أيضًا نستطيع التعرف على بعض العلامات وعلى بعض الإشارات لليد التي كتبت حرف الهجاء. فالحرف B واحد، ولكن في تشابه الحروف يسجل اختلاف العلامات.
لو ظهر لك المثال واضحًا فأنه يمر خلال تحركات العقل ونفوس الذين يكونون وسائل الأعمال، انظر ” الصك المكتوب علينا” (كو2: 14)، وانظر مثلاً كيف أن روح بولس تميل نحو الطهارة، وروح بطرس كذلك. لكن طهارة بولس لها مميزات خاصة به وطهارة بطرس لها مميزات أخرى، حتى لو ظهرت أنها نفس الطهارة وطهارة الواحد تلزم إقماع الجسد “وتستعبده” وقال أيضًا “خوفًا من”[1] فطهارة الآخر لا تخشى ما معناه “خوفًا من” (1كو9: 27).
كذلك البر له بعض من الخواص لبولس ولبطرس. كذلك الحكمة وكل الفضائل، إذن حتى عند الذين قد ذكرناهم كمثال. توجد اختلافات شخصية مع أن الفضائل هي واحدة من قبل روح الله. فكل الرجال الآخرين لهم علامات خاصة بهم في شعورهم وفضائلهم، هذا لأن موسى كان ينظر ذلك بطريقة رمزية فكتب في الشريعة “ بأن كل واحد يسير في المحلة على حسب رايته” (عدد2:2).
لكن يمكن أن يحدث بواسطة الأعمال الحسنة والغيرة أن نعبر من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر عظمة. والواقع إذا فهمنا جيدًا إن كل محتويات الشريعة هي “ ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، أي الزمن الذي نترجي فيه حدوث القيامة، وحينئذ تكون لدينا الثقة، خاصة وإذ نحن في الحياة الحاضرة، نشتاق إلى خيرات أفضل بحسب مثال الرسول الذي قال “ ننسى ما هو وراء ونمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13). لكي يمكننا في وقت قيامة الأموات، الذي سيكون فيه اختلاف بين استحقاقات الناس كما ” أن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (1كو15: 41)، أن ننتقل من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر مجدًا حتى نتساوى مع الكواكب الأكثر بريقًا. فالطبيعة البشرية يمكن أن تنمو في الحياة حتى نتساوى عند القيامة من الأموات، ليس فقط بمجد النجوم، لكن أيضًا ببهاء الشمس. حيث أنه كتب “حينئذ يضئ الأبرار كالشمس في ملكوت الله” (مت 13: 43)، من هنا يأتي أيضًا الذين كانوا في درجات سفلى الذي يقول عنهم موسى “ بحسب رايته بحسب بيت آبائه” (عدد2:2).
العائلات والأبوة
أما بالنسبة للكلمة ” بحسب بيت آبائه“، نفس الكلمة قد استعملت باليونانية في النص الذي فيه قال الرسول “ بسبب هذا أحنى ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة (أو أبوة) في السموات وعلى الأرض” (أف3: 14ـ15)، الذي يسميه بولس الرسول أبوه يسميه المترجم اللاتيني عائله، لكن الكلمة هي نفسها باليونانية هذه الأبوة (العائلات) التي قد أشار إليها بولس الرسول في السموات. بينما موسى يشير إليها على الأرض. تحت رموز الشريعة؛ أنه ينصحنا بأن نسير بحسب هذه العائلات حتى نستطيع أن نكون منضمين للأبوة السماوية. يوجد حقًا، كما أعلن بولس الرسول آنفًا، أبوة أو عائلات في السماء بينما يمكن أن نجد الأبوة في نص آخر ما يسميه بولس الرسول “ كنيسة أبكار مكتوبين في السموات” (عب12: 23)، سنكون فيها إذا سرنا بحسب الترتيب، وإذا عملنا كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب؛ إن لم يوجد فينا أي شئ مشوش، أي شئ قلق، أي شئ من العار. إذًا ” سيضيئون كضياء السماء” ونحن سنضئ مثل النجوم ومثل الشمس أيضًا” (دا 12: 3)، في ملكوت الله بفضل المسيح ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] أقمع جسدي واستعبده خوفًا من بعد أن أكرز للآخرين أكون أنا مرفوضًا.
1 ـ ليس كل الناس يستحقون أن يحسبوا ضمن الأعداد الإلهية. لكن يوجد نظام محدد لتعيين الذين يجب أن يكونوا ضمن أعداد الله.
التعداد ـ والتاريخ
سفر العدد يقدم لنا حجة ساطعة، عن هذا النظام، وقد ورد به أنه بناءً على أمر الله، لا تحسب النساء في هذا العدد، وذلك طبعًا بسبب الضعف الأنثوي.
كذلك لا يحتسب أي عبيد بسبب دناءة حياتهم وطبائعهم حتى من المصريين، كما لم يحصَ أحد من الذين قد امتزجوا مع الشعب، لأنهم من الغرباء والبرابرة. ولم يحسب سوى الإسرائيليون وليس الكل، لكن من سن 20 سنة فما فوق، ولا يعمل اعتبار للسن فقط بل يبحث أيضًا لمعرفة ما إذا كان الرجل قويًا لخوض الحرب حيث إن ما فرضته كلمة الله “يحسب كل الذي يسير في القوة”. إذًا لا يُطلْب من الإسرائيلي السن، بل القوة أيضًا. والطفولة لم تحتسب وهي غير معتبرة في التعداد الإلهي، إلا إذا كان الأطفال من ضمن الأبكار أو من أصل السلالة الكهنوتية من سبط لاوى (عد 3: 4)، هؤلاء فقط هم الأطفال الذين قد حسبوا في التعداد دون إدخال سيدة واحدة.
النص بالمعنى الروحي
ماذا نقول؟ لا يمكن أن يكون في هذه الفقرة سر؟ وهل سنكتفي بأن الروح القدس عندما أوحى للكاتب لم يقصد إلا تعريفنا أي جزء من الشعب قد أُحصىَ وأي جزء ظل خارج العدد؟ وما هي الفائدة التي يمكن أن يستخرجها الذين يبحثون لكي يتعلموا من الكتب المقدسة؟ وما الفائدة التي تعود علينا من تعلّمنا هذا؟ وما الفائدة للنفس[2] ولخلاصها من معرفتها بأن جزءًا من الشعب قد أحصى في الصحراء، وأن جزءًا آخر من الشعب لم يحصَ؟
الشروط اللازمة لكي نُحسب أمام الله
إذا تتبعنا مبدأ الرسول بولس نجده يقول إن “الناموس روحي” (رو7: 14). وإذا تفهمنا محتوياته روحيًا، سنستخلص من النص فوائد عظيمة للروح.
القراءة الحالية تعلمني بأنه إذا اجتزت مرحلة سذاجة الطفولة، أي أبطلت ما للطفل من أفكار الطفولة[3]، أي ” لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل” (1كو13: 11)، إذا قلت لقد صرت “حدثًا قادرًا على غلبة الشرير” (1يو2: 13)، سيكون ذلك تأهيلاً لي أن أكون من ضمن الذين ينطبق عليهم المكتوب ” كل الذين يسيرون في القوة في إسرائيل“. وسأكون مؤهلاً للتعداد الإلهي، لكن طالما بقى لأحد من بيننا أفكار صبيانية، متأرجحة أو طالما بقى لأحد من بيننا صفات الضعف والفتور، وإذا سلكنا بطريقة مصرية بربرية[4] لا نستحق أن نكون محسوبين أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدس “لا يحصى عدد” الذين يهلكون كما قال سليمان، وبالعكس الذين خلصوا قد أحصوا جميعًا.
هل تريد الدليل بأن عدد القديسين أحصى أمام الله؟
اسمع ما يقوله داود النبي عن كواكب السماء ” فإن الله هو الذي يحصى كثرة النجوم يدعو كلها بأسماء” (مز147: 4)، ولم يكتف المخلص بتحديد عدد التلاميذ الذي اختارهم، بل قال أيضًا شعور رؤوسكم محصاة “ حيث شعور رؤوسكم جميعها محصاة” (مت10: 3)، وهو لا يريد بذلك أن يقول إن الشعور التي نقصها بالمقص والتى نلقيها في الزبالة، أو الشعور التي تسقط وتموت مع تقدم السن كانت محصاة، ولكن الذين أحصوا أمام الله هم الذين من الناصرة، حيث سكنت فيهم قوة الروح القدس التي سمحت بغلبة الفلسطينيين. قوى النفس وكثرة الأفكار التي تنبع من ملكة الإدراك والفهم، والتي يرمز إليها برأس التلاميذ، هذا ما يسميه النص “بشعور الرأس” ولقد تكلمنا عن هذا الموضوع بطريقة عرضية فلنعد الآن إلى حديثنا.
قوة إسرائيل وقوة الأجانب
2ـ ” وكلم الرب موسى في برية سيناء” قال له ما قد سبق تلخيصه وأمره بأن يحصى من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل من يحسب للقوة في إسرائيل. كل من يحسب “للقوة”، وليست أية “قوة” ليس في قوة مصر، وليس في قوة الآشوريين (الكلدانيين)، ولا في قوة اليونان، لكن الذين هم في قوة إسرائيل سيحصون أمام الله.
توجد فعلاً قوة النفس التي يعلّمها الفلاسفة اليونانيون، ولكن ليس لها صلة مع تعداد الله. وهي ليست لله، لكن تعمل للمجد البشري[5] الباطل. أيضًا توجد قوة الآشوريين أو قوة الكلدانيين الخاصة بالدراسات الفلكية، لكن لم تكن هي القوة الإسرائيلية لذلك ليس لها صلة بالله. توجد أيضًا قوة المصريين ويدّعون أنها أوهام حكمتهم السرية. لكن هذه الحكمة لم تحسب في حسابات الله. القوة الإسرائيلية هي الوحيدة المعتبرة أمام الله، هي القوة التي أعلنت من الله، والتي تلقن من الكتب الإلهية والمنقولة بالإيمان الإنجيلي والرسولى[6] لهذا يقول الرب لا تحصوا إلا “الذين يسيرون في القوة الإسرائيلية”.
التقدم نحو الكمال:
لكن لنفحص أيضًا هذا السؤال:
لماذا لم يحصَ الشعب منذ الخروج من مصر؟[7] وهذا لأن فرعون كان يتعقب هذا الشعب (خر14: 15)، ولم يحصَ بعد العبور عبر البحر الأحمر، عندما وصل للصحراء لأن الإسرائيليين (خر 16) لم يُجرَبوا بعد ولم يهاجمهم الأعداء بعد، لقد حاربوا مع عماليق، وحصلوا على النصر (خر17) لكن لا تكفي نصرة واحدة لشعب يصبو نحو الكمال ويحصلون على طعامهم من المن ويشربون الماء من “الصخرة التي كانت تتبعهم” (خر16: 14)، لكنهم لم يحصوا بعد لأن العناصر الحقيقية للعدد مازالت غير نامية فيهم (خر17: 6؛ 1كو 10: 1). خيمة الاجتماع نصبت، أيضًا وقت التعداد للشعب لم يكن قد آتى بعد، لكن الشريعة قد أعطيت لموسى، وطريقة تقديم الذبائح قد رسمت، طقوس التطهير قد وضعت، والشرائع وأسرار التقديس قد وضعت، حينئذ حسب أمر الله قبل الشعب في التعداد (عد 1: 2). “انقش” أيها السامع، هذه التعاليم على قلبك (انظر أم 7: 3)، من نسختين ومن ثلاث نسخ.
تطلع إلى التجارب التي يجب أن تجتازها ومدى الآلام الواجب تحملها، وبعد كم درجة من التقدم والنمو، ومدى التجارب والمعارك الواجب تحملها والانتصار فيها، حتى يكون الإنسان معدودًا أمام الله. ولكي يعتبر جديرًا بأن يحسب مع الأسباط المقدسة. لكي يستطيع أن يكون مذكورًا في سجلات التعداد بواسطة كهنة الرب، هارون وموسى. يجب عليك أولاً أن تستلم شريعة الله، شريعة الروح القدس، تقديم الذبائح، إتمام التطهير، إتمام وصايا شريعة الروح القدس لتتمكن في النهاية من الانتماء للتعداد الإسرائيلي.
تصنيف المختارين
3 ـ أجد أيضًا موضوعًا كبيرًا للتأمل في سفر العدد هذا وهو موضوع توزيع الأسباط وتمييز الرتب، وتجمع الأسباط، وكل ترتيب المعسكر (المحلة) يشكل لي أسرارًا عظيمة بفضل الرسول بولس الذي علمنا بذور المعنى الروحي.
تصنيف القائمين أو رتب القيامة
فلنتطلع لمعنى الأسرار الموضوعة في حساب التعداد وفي الأماكن المختلفة التي أشير إليها. فنحن ننتظر بثبات قيامة الأموات، اللحظة التي فيها لا يسبق الأحياء الباقين على الأرض الراقدين (1تس4: 14)، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن نفس ساعة مجيء المسيح سيخطف الأحياء في السحب بالروح لملاقاة المسيح في الهواء، وبالتالي سنترك فساد هذا المكان الأرضي الذي هو مسكن الموتى وسنكون كلنا الأحياء والذين رقدوا “في الهواء” كما نادى بولس، والبعض سينتقل إلى الفردوس أو إلى مواضع أخرى مختارة من ضمن منازل الآب الكثيرة (يو14: 2).
ولكن هذه المواضع وهذا المجد الخاص ستعطى حسب استحقاقات وأعمال كل واحد، وكل واحد سيكون في الرتبة التي وضعته فيها استحقاقات أعماله كما يؤكد بولس الرسول قائلا عن الذين يقومون “ كل واحد في رتبته المسيح أولاً ثم الذين هم له” (1كو15: 23)، ومن ثم سيسجل كل واحد حسب المقاييس الروحية فمثلاً سيسجل واحد في سبط رأوبين RUBEN لأنه شابه رأوبين في العادات والطباع والأعمال أو الحياة.
ويسجل آخر في سبط شمعون بسبب طاعته، وآخر في سبط لاوى، لأنه أكمل وظائفه الكهنوتية حسنًا أو حصل فيها على درجة الكمال. ويسجل آخر في سبط يهوذا لأنه يملك في ذاته مشاعر ملوكية، وقد قاد الشعب قيادة حسنة بأفكار عقلانية وعواطف قلبية، وبذلك فكل واحد سيكون شريكًا ومنتسبًا للسبط الذي تميزه به أعماله وطبائعه. سيوجد إذًا رتب عند قيامة الأموات كما نفهم من الرسول، وصورة وشكل هذه الرتب تبدو لي موضحة مسبقًا في كتاب سفر العدد هذا. وحقيقة أن المعسكر (المحلة) يوضع ويرسم بين الأسباط وبعض التجمعات هو مرتبط أيضًا بقيامة الأموات. أما أن تكون ثلاثة أسباط قد وضعت من ناحية الشرق، وثلاثة من ناحية الجنوب، وثلاثة من ناحية البحر (الغرب)، والثلاث الأخيرة نحو الشمال التي تكون “ريح باردة”، وأما أن يكون سبط يهوذا، وهو السبط الملكي، قد أقيم في الشرق من حيث “قد أشرق ربنا”، وأن يشارك يساكر وزبولون، وأما أن يكون العدد ثلاثة منسوبًا لأربعة أقسام المحلة. ومع أن لكل سبط مميزات في وضعه الخاص، ومع ذلك فالكل يدخل تحت عدد الثالوث القدوس.
وأننا نجد دائمًا في الأربعة أجزاء هذه نفس العدد ثلاثة، لأنه قد أحصى باسم الآب والابن والروح القدس دون غيره، سكان أربعة أجزاء العالم الذين يدعون باسم الإله ” ويتكئون مع إبراهيم وأسحق ويعقوب في ملكوت السماوات” (مت8: 11). وهذه وقائع لا يمكن إهمالها. لقد أعطينا هذه البيانات المختصرة للذين يريدون أن يأخذوا لمحة سريعة عن المحتوى الرمزي لكل هذا السفر المقدس، حتى ننتهز هذه الفرصة للوصول إلى المعنى الروحي للموضوع ونتابع أبحاثًا من هذا النوع. أو أيضًا إذا منح الله نوره بأكثر سخاء لكي نصل إلى أبحاث أعظم. أما بالنسبة لي، فإني أجد نفسي عاجزًا فعلاً عن وصف الأسرار المتضمنة في سفر العدد هذا، وليس فقط أسرار سفر العدد بل أني أشعر بنفس الشعور وأكثر حيال الأسرار الكامنة في سفر التثنية.
تقسيم الأرض
لذلك يجب علينا الإسراع لنصل إلى يسوع (يشوع[8])، وليس لابن نون ولكن يسوع المسيح. لكن أولاً يجب أن نضع أنفسنا في مدرسة موسى، فلنتخلص عنده “ من جيل الأطفال” (1كو13: 11)، ثم فلنسر نحو كمال المسيح، فموسى لم يخمد كل الحروب، ولكن يسوع (يشوع) قد أطفأ كل الحروب وقد أعطى السلام لكل الناس. مثلما نتبينه من هذا النص ” واستراحت الأرض من الحرب“[9] (يش14: 15). أرض الميعاد، أرض الميراث ” الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً” (خر23: 3)، قد قسمت من قبل يسوع (يشوع) ” طوبى للودعاء (لأنهم بفضل يسوع) يرثون الأرض” (مت5:5).
هذا التقسيم أيضًا نجده معلنًا بواسطة صور وأمثلة فإنه يجب أن نعرف أن البعض سيحصلون بالتقسيم على الأرض الواقعة وراء نهر الأردن. والبعض الآخر على الأرض الواقعة عن جانب نهر الأردن، هذا أي أنه يوجد ورثة من الدرجة الأولى والثانية وأيضًا الثالثة. وأنه حسب الترتيب سيصير تقسيم الأرض حيث كل واحد ” يجلس تحت تينته وتحت كرمته بدون أن يأتي أحد يعكر صفوه” (ميخا4:4). كل هذه المناظر المصورة من قبل بأسرار فائقة سيعملها الرب المسيح بنفسه في يوم مجيئه، ليس في مرآة ولغز لكن وجهًا لوجه (1كو13: 12)، حسب استحقاقات كل واحد، التي يعرفها هو الذي يفحص القلوب الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.
[1] سفر العدد يشير هنا إلى القداسة والكمال في نفس الوقت.
[2] إن كل شئ في الكتب المقدسة يحمل فائدة للنفس وهذا مبدأ عام عند أوريجينوس.
[3] تعني: إذا اجتزت الصورة الأولية للحياة الدينية أي مجرد الإيمان التي هي درجة أقل من الحياة الروحية.
[4] أي بطريقة جسدية أو شيطانية حيث أن مصر ترمز إلى الاتكال على الجسد والشياطين. وبربرية تشير هنا إلى العبيد أي المشاعر المنحطة ومن يستعبد لها.
[5] عتاب بلا انقطاع من المسيحيين للفلاسفة اليونانيين من جهة الاعتقاد بأن الفلسفة يمكن أن تستعمل في غاية الإتقان، لكن لا تؤدي للسلام.
[7] أوريجانوس يلخص هنا التقدم المبين بارتحال العبرانيين، ههنا الكيفية التي بها نستطيع أن نفهم هذه المراحل.
أولاً: خروج من مصر انشقاق مع إبليس، لكن الشيطان (فرعون) مازال متسلطًا على النفس. =
=ثانيًا: عبور من البحر الأحمر ليس للتجربة كما تظهر في العظة 27 لكن ربما لأجل العماد. الدخول في الصحراء، ترسم بداية النسك والتجارب.
ثالثًا: الكفاح ضد عماليق (الشيطان) وهو يعبر عن الأعمال لصالحة.
رابعًا: والصخرة، النفس متغذية من كلام الله وتشرب من الصخرة التي هي المسيح وهذا يمثل العلم.
خامسًا: نصب خيمة الاجتماع، اقتناء الفضائل.
سادسًا: الشريعة (الروحية) المعطاة بالتطهير حسب الشريعة الموسوية، ذبائحهم (صلواتهم).
أخيرًا التبرير الذي يفصل القديس من الجماعة ويعزله عن العالم.
[8] اليونانيون والعبرانيون لا يميزون اسم يسوع عن يشوع، يشوع هو يمثل تمامًا يسوع وهو هنا يرمز للمسيح قمة الكمال، الذي يجب علينا أن نصل إليه خلال أسرار الناموس.
[9] نعم أنه من المؤكد أن أرضنا لا تستطيع أن تستريح من الحرب إلا بواسطة قدرة ربنا يسوع المسيح.
1ـ في العظة السابقة حاولنا بقدر الإمكان شرح الجزء الأول من نبوة بلعام ونبدأ الآن شرح الجزء الثاني حتى نفسر ما يرد فيها من أفكار حسب طاقتنا وبإلهام الرب لنا.
الحالات: الظروف والملابسات
أصيب الملك بالاق بالفزع من الكلمات غير المتوقعة التي سمعها من بلعام. إنه سمع بركات بدلاً من لعنات فلم يحتمل واعترض قائلاً « ماذا فعلت بي؟ لتشتم أعدائي أخذتك وها أنت قد باركتهم » (عد1:23)، هذا الملك السيئ لم يتحمل عذوبة البركات فهو يبحث عن اللعنات ويطلبها. إنه ينتسب لتلك التي قال عنها « ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية » (تك 3: 14).
ماذا يجيبه بلعام ” الذي وضع الله كلام في فمه “، قال « أما الذي يضعه الرب في فمي أحترص أن أتكلم به » (عد23: 12) اعتقد بالاق بأن بلعام أرتعب من عدد شعب إسرائيل وأنه ليس عنده شجاعة، ولهذا السبب افتكر بأن يغير المكان حتى ينجح في مسعاه وقال له «هلم معي إلى مكان آخر تراه منه وإنما ترى أقصاءه فقط وكله لا ترى فإلعنه لي من هناك » (عد23: 13). يا له من أحمق!! إعتقد بأن نعمة الإسرائيليين يمكن أن تختفي بواسطة عائق موضعي ولا يعرف أن « المدينة الموضوعة على جبل لا يمكن أن تختفي » (مت3: 14). « فأخذه إلى حقل صوفيم إلى رأس الفسجة وبنى سبع مذابح وأصعد ثورًا وكبشًا على كل مذبح وقال لبالاق: قف هنا عند محرقتك وأنا أوافي هناك. فوافي الرب بلعام ووضع كلامًا في فمه وقال بلعام: إن الله هو الذي يتكلم … وأنه قال أرجع إلى الأرض وتكلم هكذا … لكن هو .. اسمعوا لبالاق كان واقفًا عند محرقته ورؤساء موآب معه فقال له بالاق: ماذا تكلم به الرب »؟ (انظر عد14:23ـ17). العرافة تعمل بواسطة ذبائح دنسة، وتبحث بأن يحصل إتصال بالسحر لكن الله يريد بأنه « حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا » (رو5: 20). فالله يتكرم بوجوده ولا يلتفت إلى هذه الطقوس المقامة حسب ضلال الوثنيين وليس حسب الطقس الإسرائيلي. أنه لا يتجلى مع ذلك في الذبائح لكن يحضر للذي يأتي أمامه.إنه يعلّم كلامه ويعلن أسراره المستقبلة بواسطة من يتمتع أكثر بثقة وإعجاب الوثنيين حتى إن الذين لا يريدون أن يصدقوا أنبيائنا، يصدقون سحرتهم وعرّافيهم.
النص
2ـ فنطق بمثله وقال ـ بلعام يقول إذا بمثل « قم يا بالاق اسمع … إصغ إلىَّ يا ابن صفور .. ليس الله إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي؟ أني قد أُمرت بأن أبارك. فإنه قد بارك فلا أرده، لم يبصر إثمًا في يعقوب ولا رأى تعبًا في إسرائيل. الرب إلهه معه وهتاف ملك فيه، الله أخرجه من مصر، له مثل سرعة الرئم. إنه ليس عيافه على يعقوب ولا عرافه على إسرائيل … ما فعل الله. هوذا شعب يقدم كلبوة ويرتفع كأسد، لا ينام حتى يأكل فريسة ويشرب دم قتلى » (انظر عد23: 18ـ 24).
“ينهض” من عبادة الأوثان
هذا هو مضمون النبوة الثانية لبلعام. فلنفحص أولاً الكلام: « قم يا بالاق » (عد23: 18). إنه يدعوه أن ينهض، رجل سبق أن قيل عنه إنه “كان واقفًا”. هذه الكلمة من النبوة لا يجب أن تُهمل إذا ما قيلت بأنه “واقف عند محرقته”. هذا يعني بأن نيته كانت غير مستقيمة. إنه كان واقفًا مع الأصنام، أنه كان يعادي الله فليس من الأفضل أن يقف بل أن يقع. وقد وقع فعلاً. ولهذا السبب بلعام يأمره بلغة النبوة بأن “ينهض”، أنه وقع بالعمل الوحيد بأن كان واقفًا في معبد الأصنام، فأمره في هذه الحالة بأن “ينهض” بشجاعة بأن “ينهض بإيمان”، وأن يصبح شاهدًا، “شاهدًا” للإيمان إذا إهتدى، “شاهد” لإدانته إذا ثبت في عدم الإيمان.
صدق الله
3ـ لكن لنرَ ما تحتويه هذه الرسالة « ليس الله إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم » (عد23: 19)، حيث إن كثير من الحوادث والرذائل تمنع الإنسان من أن يقول الحقيقة عندما يتكلم. تارة يتكلمون تحت تأثير الغضب، تارة بتأثير الخوف وبتأثير الكبرياء وشهوات أخرى مماثلة. كل ما يقال تحت سلطان الرذيلة لا يكون إلا كذبًا وباطلاً. ولكن في الرب، لا يوجد شهوات ولا يوجد طيش، وكل كلماته تهتم بما يستحقه كل كائن مسئول. لهذا السبب لا يستطيع أن يكذب، حيث كل ما يقول بإدراك لا يمكن أن يكون مخالفًا للصواب، إذ ليس الله كالإنسان الذي يتكلم بالباطل ولا ابن إنسان فيندم (يخاف) أو بصورة أخرى ” أنه لا يخاف مثل ابن إنسان “. أحيانًا الخوف يغير رأي الإنسان، لكن الله الذي هو فوق الكل من ماذا يخاف حتى يتغير رأيه؟
ومن الجزء الثاني من الآية نأخذ الدرس الذي سبق أن قلناه ” وأنه لا يخاف كابن إنسان “. هذا يشير إلى الرجال الذين بكبريائهم يسببون الخوف ويهددون أناسًا دون أن يضروهم، أما الله فبالعكس لا يخيف الإنسان كأنه لا يستطيع أن يعاقبه. وإن كان يسبب خوفًا فهو خوف معقول. هذا لكي يبكت الإنسان ببعض التجارب حتى متى خاف بالتهديد، يتهذب المذنب بما تسببه له أعماله السيئة. إذًا الله لا يسبب الخوف مثل الإنسان. والإنسان كما قلنا يسبب الخوف بسبب كبريائهن بينما خوف الله سببه رغبته في إصلاح الإنسان.
مقاصد الله الثابتة
4ـ ثم يقول بلعام: ” هل هو يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي؟” يجب أن ندرك هنا أنه يطلب بصيغة السؤال: هو ـ يعني الله ـ ألا يعمل إذًا ما يقوله، إلا يفي بكلامه؟ الإنسان لا يعمل ما يقوله. وبسبب عدم ثبات الإنسان لا يفي بكلامه حيث إن الإنسان مُتقلب، أما الله فلا تغيير فيه ولا ظل دوران.
يونان، داود: اعتراض
نستطيع أن نعترض: كيف أن الله لم يفِ بكلامه، بأن « نينوى ستهلك كلها بعد ثلاثة أيام » (يون3: 4). ولا بكلامه المنطوق لداود، في خلال ثلاث أيام الموت سيكون على شعبك، وهذا لم يستمر إلا يومًا واحدًا، حتى ساعة العشاء (انظر 2صم13: 25).
الإجابة: هي عبارة عن سؤال
نستطيع أن نجيب بأن هذه الجملة كانت في صورة سؤال، لا يمكن أن تؤخذ كأنها تأكيد صريح بأنه ستكون هي طريقة للتعبير عن الكلمة، ولا يكون لها لفظ لقصد أكيد ومحتوم بالطريقة ” التي بها يقول، ولا يفعل؟ ” فهذا تعبير أبسط من التعبير ” سيفعل بكل تأكيد “.
حالة يونان
لكن لنرَ مرة أخرى النصوص نفسها في الكتاب المقدس، سواء في سفر يونان، أو في سفر الملوك، ربما الكتب الإلهية تحمل كالعادة أسرارًا إذ أنه مكتوب في سفر يونان « وصار قول الرب إلى يونان بن إمتاى قائلاً: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادٍ عليها لأنه قد صعد شرهم أمامي » (يون1: 1ـ 2؛ 2: 11)، وبعد ما قذف الحوت يونان إلى البر حسب الأمر الذي أُعطى له، كما إنه مكتوب أيضًا « ثم صار قول الرب إلى يونان ثانية قائلاً: قم اذهب نينوى المدينة العظيمة، ونادِ عليها المناداة التي أنا مكلمك بها » (يون 3: 1ـ 2).
ويونان “نادي” وقال “بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى، فآمن أهل نينوى بالله. ونادوا بصوم ولبسوا مسوحًا من كبيرهم إلى صغيرهم. وبعد قليل: لما رأى الله أعمالهم وأنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة. « ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه ». يونان قد دخل المدينة التي هي مسيرة ثلاثة أيام، وهو الذي يقول: بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى بطريقة أن الكلمة المنطوقة وغير المكتملة تبدو من فعل يونان وليس من الله.
في حالة داود
فلنعرض أيضًا نص الكتاب، حيث بعد التعداد المعمول بواسطة داود، كان كلام الرب إلى جاد النبي، الرائي قائلاً: « اذهب وقل لداود هكذا قال الرب، ثلاثة أنا عارض عليك فأختر لنفسك واحدًا منها، فأفعله بك فأتي جاد إلى داود وأخبره قائلاً: أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك، أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك أم يكون ثلاثة أيام وبأ في أرضك. فالآن انظر واعرف ماذا أرد جوابًا على مرسلي. فقال داود لجاد قد ضاق بي الأمر جدًا فلنسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط في يد إنسان. فجعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد فمات من الشعب من دان إلى بئر سبع سبعون ألف رجل وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها فندم الرب على الشر وقال للملاك المهلك كفى. الآن رد يدك » (2صم 24: 11ـ 16).
كلام النبي وكلام الله:
لاحظ أيضًا في هذه التهديدات الثلاثة، نجد أيضًا أن الله قد تكلم عن الموت لمدة ثلاثة أيام. هذا الإعلان موجود في كلمات جاد وليس في أوامر الرب. إذًا الكلمات المنطوقة من النبي لا تؤخذ دائمًا على أنها كلمات الله.
موسى كمثال، إجتهد كثيرًا لينقل كلام الرب على لسانه لكنه أعطى أيضًا عددًا من الأوامر الصادرة منه شخصيًا. الرب قد أوضح هذا التمييز في الأناجيل عندما سُئل عن طلاق المرأة، يقول: « موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا » (مت 19: 8) فالذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى، وباركهما قائلاً: « من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا » (مت19: 4ـ 5)، ويضيف: « إذًا فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان » (تك5: 2). نرى من هذا النص أن الله لم يأمر ولم يُرد الطلاق، ولكن موسى ” من أجل قساوة قلوب اليهود “، قد كتب بأنه « يعطي كتاب بالطلاق » (1كو7: 10). وأكد بولس هذا التمييز في رسالة عن بعض المواضيع بقوله: « فأوصيهم لا أنا بل الرب » (1كو7: 19). وأيضًا « الذي أتكلم به بحسب الرب » (1كو7: 25؛ 2كو11: 17). أيضًا بنفس الطريقة في الأنبياء الآخرين يوجد كلمات من الرب وليس من النبي، وبالعكس يوجد كلمات من النبي وليس من الرب. بهذا يبدو أن الاعتراض قد وجد حلاً. فالرب لا يرجع في كلامه ولكنه يصحح كلام الأنبياء إلى الأحسن.
أحيانًا يغير الله مقاصده:
لكن في رأييي أن الحل الأول يترابط بالحرى مع معنى الكتاب المقدس عامة وخاصة مع الكلمات التي أعلنها الرب “طويل الأناة وكثير الرحمة” الذي ” يندم على الشر”. ولكن بالأخص في كل حالات ارميا الذي يرينا بوضوح كثرة رحمته وفي لطفه غير المدرك، “الله يقول ولا يفعل، يتكلم ولا يتمادي”. أنه يقول على فم إرميا “أتكلم” أي بطريقة متقطعة « على أمة وعلى مملكة بالقطع والهدم والهلاك فترجع تلك الأمة التي تكلمت عليها عن شرها فأندم على الشر الذي قصدت أن أصنعه بها. وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالبناء والغرس فتفعل الشر في عيني فلا تسمع لصوتي فأندم على الخير الذي قلت أني أحسن إليها به » (إر18: 7ـ 10). كيف إذًا نستطيع أن نفضل شهادات بلعام المشكوك فيها على تأكيدات ارميا الصريحة، إلا لأن الإنسان المتراخي والغافل سيتمسك بالثانية. وأما الكاملون فسوف يتمسكون بالشهادات الأولى وسيجاهدون لفهم مغزاها السري العميق.
البركات
5ـ يكمل بلعام « أني قد أمرت أن أبارك فأنه قد بارك فلا أرده» (عد23: 20). بلعام أختير ليبارك وليس بالاق، والله هو الذي وضع كلامًا في فمه “ليبارك الشعب” و “لا يرد” هذه البركة. حقًا لا يستطيع لسان بشري أن يغير كلام الله.
لا ألم ولا تعب في الحياة الآتية
ويكمل: « لم يبصر أثمًا في يعقوب ولا تعبًا في إسرائيل » (عد23: 21)، تنبأ بكل صراحة في هذه الآية عن الحياة الآتية: من الذي يستطيع أن يعبر الحياة الحاضرة بدون ألم ولا تعب؟ لا أحد ولا حتى بطرس وبولس أيضًا. كيف لا يكون الإنسان في ألم ولا تعب عندما يضرب بالعصى ثلاث مرات، ورُجم مرة، عندما انكسرت به السفينة ثلاث مرات وعندما يكون « قضيت في العمق ليلا ونهار واحتمل آلاف الآلام والأتعاب » (أنظر 2كو11: 25)، الأخرى التي ترد في الرسائل؟ لكن كل هذا سيكون له إكليل كما كُتِبَ « ويهرب الحزن والتعب والتنهد » (إش35: 10).
مع هذا الكلام لا يخص كل إنسان، لكن هؤلاء فقط الذين باستحقاقهم يكونون يعقوب وإسرائيل. وأيضًا لعازر المسكين، هو الذي قضى حياته الحاضرة في “ألم وتعب” ولكن في الحياة الآتية، كما قيل للغني فإنه يتعزى للأبد: « يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا والآن هو يتعزي وأنت تتعذب» (لو16: 25). إسرائيل ويعقوب واحد، هم إذًا الذين لم يلحقوا “بالألم ولا بالتعب”. الغني هو أيضًا كان إسرائيل بحسب الجسد، حيث يقول له إبراهيم إن أخوته ” لهم الناموس والأنبياء وإنه ليس علينا إلا أن نسمعهم “. لكن لأنه ليس من إسرائيل بحسب الروح لذلك يقع في ” الألم والتعب “.
امتيازات الملوك
6ـ « الرب إلهه معه وهتاف ملك فيه » (عد23: 21). في الحقيقة الله لم يهمل إسرائيل أبدًا. ولكن أي ملك يملك على إسرائيل له هذه الامتيازات، فامتيازات الملوك القوة، السلطة، والملكوت ولكن يوجد ملوك سيعزلون أو قد عزلوا[1] فعلاً، والذين سيوضعون مكانهم على عروشهم هم الإسرائيليون الحقيقيون، كل امتيازات الملوك الذين لم يحفظوا عروشهم والذين قد تركوا المساكن الأبدية سينضمون لإسرائيل ويعقوب، المعبر عنهم بالذين قد صارعوا وانتصروا ولذلك ستمكث فيهم كل امتيازات الملوك (تك32: 34).
الغزال… وحدانية في المسيح
” الله أخرجه من مصر له مثل سرعة الرئم “. إسرائيل القديم أخرج من مصر الأرضية، وإسرائيل الروحي أخرج من مصر العالم “وربوبية الظلام” ومجده، مثل سرعة الغزال. الرئم هو حيوان أو اسم يشير إلى شكله وهيئته. الرئم يساوي ثور وحشي. نجد هذا الحيوان مذكورًا كثيرًا في الكتاب المقدس ولا سيما في سفر أيوب (أي39: 9)، حيث الله يظهر قدرته وقوته، هنا كما في كثير من الأماكن هو يمثل المسيح. من جهة أخرى في الكتب الإلهية نجد كثيرًا ـ قرن ـ بمعنى مملكة كما جاء في النبوة ” الأربع قرون هم الأربع ممالك ” (دا22:8). أيضًا اسم الرئم (الثور الوحشي Unicorne) ينطبق على المسيح بمعنى أن قرنه الوحيد يشير إلى مملكة وحيدة يملكها المسيح، « لأنه أخضع كل شئ تحت قديمه » (1كو15: 26ـ 27). وتحت عنوان الرئم (الثور الوحشي)، المسيح يملك المملكة الوحيدة لكل الكائنات حيث إنه مكتوب « لا يكون لملكه نهاية » (لو1: 33). إذًا إسرائيل الروحي سوف يكون له “مجد مثل الرئم”. حقًا المسيح نفسه قال في الإنجيل « ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا » (يو21:17). لذلك سيعطي لإسرائيل “مجد مماثل لمجد الرئم (الثور الوحشي) ولا سيما الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده (في 3: 21).
العرافة
« أنه ليس عيافة على يعقوب ولا عرافة على إسرائيل في الوقت يقال عن يعقوب وعن إسرائيل ما فعل الله » (عد 23: 23). حيث أننا قد عرضنا أن ندرس بإصغاء تفاصيل النص، أنه لا يبدو مستحيل أن نبحث عن ما هي العيافة، أو العرافه المذكورة في الكتاب المقدس بأن نُظن جيدًا بأن نعمل تذكير، نحن نريد بأن لا يسقط إنسان في هذه الضلالة[2].
أنه يبدو لي بأن معرفة المستقبل هي شئ لا تعني أحدًا، هذا الشئ لا خير منه ولا شر منه. أن معرفة المستقبل ممكن أن تأتي أحيانًا من الشيطان وبواسطته ولكن عند الضرورة وعندما يريد الله، فإنه يعطي أيضًا بالأنبياء معرفة المستقبل للبشر.
أيضًا قلنا إن معرفة المستقبل لا يمكن أن نسميها خير تمامًا لأنها قد تأتي أحيانًا من الشر ولا أن نسميها شر لأنها قد تكون من الله.
[1] ربما هم “اليهود حسب الظاهر” حيث إن المسيحيين هم، إسرائيل الحقيقي، قد ورثوا الملكوت ولكن أرواح الشر والشيطان رئيس هذا العالم، سوف يُهزموا في المعركة الأخيرة.
[2] هنا يبدأ أوريجينوس بحديث طويل لدحض العرافة واستعمالها كما كرس في العظة السابقة حديثه ضد السحر. نذكر أن الرؤى أحتلت مكانًا هامًا في الديانات القديمة. وهذا الموضوع كان موضع نقاش في القرن الثالث. وأوريجينوس يحاول أن يؤكد أن التقليد الكنسي يقف ضد العرافة كما هو ضد السحر.
النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1
الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
الانتصار على سيحون ”تابع”
الانتصار على باشان ـ حادثة بلعام
سيحون:
هزيمة الشيطان أمام كلمة الله
1ـ قد سبق أن قلنا كيف إن ملك الأموريين سيحون، هذا المتكبر هذه الشجرة العقيمة، شرع في القتال ضد إسرائيل وهُزِمَ، يقول الكتاب المقدس حرفيًا بأنه ” قد ضربة للموت بالسيف” (عد21: 24)، أو بحسب صورة أخرى “بحد السيف”. إذا أردنا أن نعرف بكل دقة أي سيف ضرب هذه الشخصية العقيمة والمتكبرة “أرز لبنان”، فلنتعلم ذلك من بولس الرسول الذي يقول لنا “ كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين” (عب 4: 12)، وفي نص آخر ” سيف الروح الذي هو كلمة الله” (أف6: 17). أنه الموت الصادر من هذا السيف الذي ضرب سيحون الروحي أي الشيطان.
الفتوحات الروحية:
” وأبناء إسرائيل ملكوا على كل أرضه” (عد21: 24)، كل هذه البقعة الأرضية كانت تدعي بلد سيحون لكن المسيح وكنيسته ملكًا على كل كورة سيحون “وملكوا من أرنون إلى يبوق“. أرنون ويبوق كانتا مدينتين في مملكة سيحون التي كانت تبدأ من أرنون وتنتهي في يبوق. لهذا السبب قيل إنهم ملكوا إلى يبوق. أرنون تعني لعناتهم أي أن مملكة سيحون المتكبرة والعقيمة تبدأ باللعنات.
والنهاية في يبوق التي تعني صراع. كل من يريد أن يخرج من مملكة الشيطان ويهرب منها سيجد الصراع، خدامه وأعوانه سيشعلون الحروب ضده. فإذا حارب وانتصر ستكف يبوق عن أن تكون مدينة لسيحون بل ستصبح مدينة لإسرائيل. هذا ما قرأناه عن البطريرك يعقوب ” عندما أتي إلى مكان ما كان يصارعه إنسان لم يقدر عليه، وكان متمسكًا جيدًا وكان قويًا مع الله فأخذ اسم إسرائيل” (تك32: 24ـ28).
” فأخذ إسرائيل كل هذه المدن وأقام إسرائيل في جميع مدن الأموريين” (عد21: 25). إنه إسرائيل الجديد بحسب المسيح، ليس إسرائيل بحسب الجسد، ولا ” اليهودي في الظاهر” (رو2: 28)، الذي يسكن كل مدن الأموريين عندما تنتشر كنائس المسيح في المسكونة.
كل واحد منا كان أولاً أيضًا، مدينة للملك سيحون، الملك المتكبر كان يملك علينا الجنون والكبرياء والكفر وكل ما ينبع من إبليس، لكن عندما يربط القوي ويُهْزم، عندما تكون “أمتعته قد نهبت” نصبح نحن مدن إسرائيل وميراث القديسين، بشرط أن يكون السلطان الذي كان متسلطًا علينا قد هُزم تمامًا أولا،ً وقطعت هذه “الشجرة العقيمة”، هزم هذا “الملك المتكبر” وأصبحنا رعية الملك الذي يقول “ تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” (مت11: 29).
ويعطي الكتاب المقدس بعد ذلك تفاصيل عن مدن الملك العقيم المتشامخ سيحون يقول الكتاب “وفي كل تخومها” لماذا تدعي عاصمة ملك سيحون حشبون؟ حشبون تعني الأفكار وفي هذه الأفكار يكمن الجانب الأعظم من مملكة الشيطان وأساس قدرته، وقال المسيح
“لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة، زنى، فسق، قتل، سرقة، طمع، خبث، مكر، عهارة، عين شريرة، تجديف، كبرياء، جهل، وجميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان” (مر7: 21ـ23). لذلك لابد أن يضرم النار في هذه المدينة وتحرق، بأي نار؟ بكل تأكيد النار التي يقول عنها المخلص “جئت لألقي نارًا على الأرض فماذا أريد لو اضطرمت” (لو12: 49).
نبوة على حشبون
2 ـ ثم بعد ذلك يقال عن هذه المدينة ” لذلك يقول أصحاب الأمثال إئتوا إلى حشبون فتبني وتصلح مدينة سيحون لأن نارًا خرجت من حشبون لهيبًا من قرية سيحون أكلت عار موآب” (عد21: 27، 28). سيحون سبق أن قلنا إنه الملك الذي كان يملك على مدينة حشبون. يجب أن تفهم باقي الأفكار كالآتي، هؤلاء أصحاب الأمثال يقولون إئتوا حتى نبني ونصلح حشبون التي هي مدينة سيحون.
أصحاب الأمثال:
الشريعة والأنبياء:
فلنبحث الآن من هم “أصحاب الأمثال” ما يدعي مثالاً هو الحديث الاستعارى. إذًا الذين يدعون أصحاب الأمثال. هم يتحدثون بالاستعارة، ولكن من الذي تحدث بالأمثال، أليس هو الناموس والأنبياء؟ اسمع إذًا كيف يعبر داود النبي “أفتح بمثل فمي أذيع ألغازًا منذ القدم” (مز78: 2).
إشعياء كاتب آخر بالألغاز يعلن هو أيضًا “وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين اقرأ هذا فيقول لا أستطيع لأنه مختوم. أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” (إش29: 11، 12). أنه مختوم لأنه مملوء بالأمثال ومغلف بالألغاز.
إعادة البناء على الخراب:
هؤلاء أصحاب الأمثال يقولون ” ائتوا إلى حشبون فتبني” (عد21: 27). حشبون الأولى قد سقطت، ماذا أقول؟ إنها ضربت واحترقت، يجب أن تبني مرة أخرى، تبني حشبون أخرى، كيف سيكون هذا؟ فلنوضح هذا بمثال: إن رأيت وثنيًا يعيش في العار والضلال الديني فستقول عنه بدون تردد أنه مدينة حشبون في مملكة سيحون، حيث يتسلط الملك العقيم والمتكبر على أفكاره، فإن اقترب هذا الرجل من إسرائيل، بمعنى من ابن للكنيسة.
إذا ألقى مطارد كلام الله، وسحب ضده “سيف الروح” (أف 6: 16)، يخرب فيه كل المتاريس، التي هي عقائد الوثنيين ويحرق كبرياء أفكاره في نار الحق. يجب أن نقول عنه إنه مدينة الملك سيحون، حشبون التي دمرت. ولكن لا تترك صحراء مهجورة، كالإنسان الذي أقلعت عنه عقائد الوثنيين. فإنها ليست قاعدة في بني إسرائيل أن تترك المدن التي دمرت في خراب.
فعندما يسقطون ويدمرون الأفكار السيئة والمشاعر الغير صالحة في الإنسان ويبنون في قلبه الأفكار الحسنة والشعور بالتقوى ويضعون فيه مبادئ الحق ويعلمونه الطقوس الدينية، ومبادئ الحياة، ويبنون له العادات بحسب الشريعة وطرق مراعاتها، حينئذ حقًا سيقول أصحاب الأمثال الواحد للآخر ” ائتوا إلى حشبون فتبني التي هي مدينة سيحون” (عد21: 27).
أبناء الكنيسة قد دعوا هم أيضًا أصحاب الأمثال، لأنهم يفهمون بالروح رموز الشريعة والألغاز هذا ما يقصده أرميا النبي في حديث رمزي أيضًا عندما قال له السيد الرب “ها قد جعلت كلامي في فمك أنظر قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتنقض وتبني وتغرس” (إش1: 9، 10). ماذا يقلع وماذا يهدم؟ مدينة حشبون التي كان يملكها ملك سيحون. ماذا يقلع وماذا يهدم فيها؟ أفكار الكفر والنجاسة، ماذا يبني فيها مرة أخرى ويغرس؟ أفكار التقوى والعفاف. حشبون يجب أن تكف عن أن تكون مدينة الأموريين لتصبح مدينة أبناء إسرائيل.
باشان العار
3 ـ لكن إذا أردنا أن نتعمق أكثر، فليس لدينا الوقت الكافي لشرح ما سبق أن قُرئ عن بلعام. إن صعوبة هذه النقطة تظل باقية إلى أن نتمكن من الأمر ونعرض سير القصة. فنحن نقابل صعوبة عند شرح المعاني الروحية. لأن أول وجه للحرف مغلف بصعوبة هذا مقدارها ولكن بما أن رغبتنا تدفعنا لكي نشرح النقط الأكثر ظلامًا فلا يجب أن ننسى كلية التاريخ الذي يساعدنا للوصول إلى المعنى.
بعد أن تسلط بنو إسرائيل على مدن الأموريين ” تحولوا أو صعدوا في طريق باشان” (عد21: 33ـ 35)، لكن لم يتنازلوا أو لم يرسلوا له سفراء ولم يطلبوا منه المرور في أرضه، لقد شرعوا في الحال في المعركة معه وهزموه هو وبنيه إذًا فلنر ما هي باشان. باشان تعني العار، أنهم إذًا لم يرسلوا سفراء لهؤلاء القوم ولم يطلب المرور في أرضه.
حيث لا يجب أن يكون لنا أي ممر أو أي طريق يوصلنا إلى العار، يجب من الآن أن نهاجمها ونحترس منها في كل الحالات. من ناحية أخرى عوج الذي هو اسم ملك باشان، يعني مانع وهو يمكن أن يمثل الخليقة الجسدانية والمادية التي أحبها والرغبة فيما يمنع النفس كعائق ويبعدها عن الله. الحرب ضد عوج يجب أن تشهر بطريقة لم يسبق لها مثيل. يقول الكتاب المقدس “أي كائن حي” (عد21: 35)، بما في ذلك أي من أبناء إسرائيل لا يجب أن يترك لكي يعيش في مملكة العار والخزي لكن يجب أن تقطع قوة إسرائيل ويلغي العار وتبني في النفس مرة أخرى كل صور التقوى، فيزرع فيها جذور الأمانة والدين.
في مملكة حشبون لم يكتب بأن أي كائن حي لا يجب أن يعيش. وكذلك في مملكة موآب ربما يكون لنا الحاجة إلى البعض من سكانها. ربما يكون البعض لازمًا لكفافنا ولتدريبنا في هذه الحياة ” وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم” (1كو5: 10). لكن من باشان بمعنى من العار، ليس لدينا أي حاجة إليها، لا نترك أي شئ ليعيش يجب إزالة كل شئ، إزالة كل أعمال العار، لأنه لا يمكن أن يكون العار صالحًا عند أي شخص.
بلعام
4 ـ “وارتحل بنو إسرائيل ونزلوا في عربات موآب من عبر أردن أريحا، ولما رأي بالاق بن صفور…. الخ” (عد22: 1، 2). كل ما يتعلق ببلعام وأتانه هي قصة مليئة بالصعاب. لكن المعنى الداخلي به صعوبة أكثر وأني لا أدري إن كان من السهل شرح المعنى التاريخي كذلك، وبفضل الله سنلخص التفسيرات التي نستطيع أن نعطيها.
غرابة القصة
الحرب تهدد ملك بالاق بن صفور من بني إسرائيل الذي كان عددهم حوالي “ستة مئة ألف رجل” (عد26: 51)، مسلحين سوف يتسلطون على أرضه. فيجب عليه أن يجهز سلاحه، ويجمع جيشه وأن يفكر في محاربتهم حتى يستطيع أن يتقدم إلى الأمام بقوة متماسكة ضد عدو مازال بعيدًا ” فأرسل رسلاً إلى بلعام بن بعور” (عد22: 5، 6)، وقال له سوف يكرمه إكرامًا عظيمًا ووعده بهدايا كثيرة.
ووضع كل أمله في مجئ بلعام وفي الكلمات التي سينطقها وفي اللعنات التي سيرسلها كالسهام. أنه يحاول أن ينتصر بكلام بلعام على الشعب الذي لم يتمكن الجيش الملوكي بأن يكون له الغلبة عليه.
ما الذي تقدمه هذه القصة؟ أنه لسلوك غريب؟ أين ومتى شوهد هذا؟ من هو الملك الذي أمام معركة أكيدة، ينسى الحرب ويتجاهل جيشه لكي يلجأ إلى خدمات عراف أو ساحر. لذلك يجب علينا أن نطلب من الله النعمة لكي لا نتبع أبدًا هنا خرافات يهودية، وأن نشرح هذا بمعنى موافق للعقل ولائق بالشريعة الإلهية.
قدرة الصيغ السحرية
أولاً يجب أن نقر أنه في بعض الحالات تكون الصيغ أكثر فاعلية وقدرة من المادة، فما لا يستطيع أن يعمله جيش لأمم كثيرة جدًا، ما لا يستطيع أن يحصل عليه الجيش بالحديد وبالسلاح، يصل إليه بالصيغ، لا أقول بالصيغ المقدسة أو بكلام الله لكن ببعض مراسيم محفوظة عند الإنسان. لا أعرف كيف تدعى وهي مرتبة بحسب فن باطل.
سِمّها كما تريد. الواقع يوجد كما قلت نتائج يستطيع الإنسان أن يحصل عليها بالصيغ، هذه النتائج يستحيل على الإنسان أن يحصل عليها بالطبيعة بمجهودات جسدية مهما كانت كبيرة. فلنأخذ مثلاً. كان في مصر رقاة وسحرة، من هو الإنسان الذي يمكنه بواسطة القوة الجسدية وحدها أن يغير العصا إلى ثعبان؟ لكن الرقاة والسحرة المصريين غيروها. موسى غيرها أولاً لكن ملك مصر كان يعلم بأن هذا ممكن حدوثه بواسطة فن كلمة بشرية يستخدم الصيغ.
وقد اعتقد أن موسى هو أيضًا قد عمل هذه المعجزات بواسطة عملية سحرية وليس بواسطة القدرة الإلهية، واعتقد بأنه يتظاهر بأن ينسب للقدرة الإلهية عملاً كله بشري. فقد جمع حالاً رقاه وسحرة مصر. لقد حدثت مباراة بين الذي يعمل المعجزات بقدرة الله والذين يستعينون بالشياطين. القدرة المضادة تحول العصا إلى ثعبان مثلما فعلت قدرة الله.
لكن الثعابين التي عملت بقدرة الله ابتلعت وافترست كل الثعابين الخارجة من العصا بتحويل السحر. قدرة الشيطان لم تتمكن من إعادة الكائن الحسن الذي سبق أن حولته إلى كائن ردئ. أنها استطاعت أن تحول عصا إلى ثعبان. ولكن لم تستطع إعادة الثعبان إلى عصا. لهذا السبب فقد هلكت كلها بالعصا المحولة إلى ثعبان بقدرة الله. بعد ذلك أعيدت بقدرة الله إلى أصلها معترفة برب الكون.
الرقاة المصريون توصلوا أيضًا إلى تغيير الماء إلى دم. لكنهم لم يستطيعوا مرة أخرى أن يحولوا الدم إلى ماء. وبالعكس فإن قدرة الله غيرت إلى دم ليس الماء فحسب، لكن النهر كله، وبصلوات موسى أعادت المياه إلى حالتها الصافية الطبيعية. السحرة المصريون اخرجوا أيضًا البعوض. لكنهم لم يتمكنوا من طرده. موسى أخرج بعوضًا وأعاده إلى أصله لأن إلهنا يؤلّم ويجدد.
القدرة المضادة تستطيع أن تعمل الشر لكنها لا تستطيع أن تعيد الأشياء لحالتها الأولى. لقد بدأنا بعرض هذه المبادئ لكي نفهم أعمال بلعام أي كلماته. يوجد فعلاً أنواع مختلفة من السحرة تتفاوت قدرتهم. بلعام هذا كان مشهورًا في فنه السحري، وليس له مثال في سحره المؤذي ليس في فنه صيغ البركة بل صيغ اللعنة، حيث يدعو الشياطين ليلعن وليس ليبارك. لهذا السبب كان يعتبر عند كل أصحاب الشريعة ساحرًا قديرًا.
فلو أن الملك لم يلاحظ فعلاً قبل ذلك بأن كثيرًا من الجيوش هُزمت بواسطة لعناته، لما كان يأمل بأن يصل باللعنات إلى نتيجة كان سيصل إليها بصعوبة بالحديد والسلاح. إنه على هذا اليقين وهذه الخبرة المتكررة كثيرًا، ترك بالاق كل الوسائل وطرق الحرب لكي يرسل رسلاً ليقول له “هوذا الشعب قد خرج من مصر هوذا قد غشى وجه الأرض وهو مقيم مقابلي” (عد 22: 5).
بالاق يريد أن يهزم إسرائيل بأسلحة روحية
لكن الملك كان في رأيي مندفعًا بسبب أكثر وجاهة وأنه قد عرف كما يبدو لي أن أبناء إسرائيل يحصلون عمومًا على النصر على أعدائهم بواسطة الصلاة وليس بواسطة الأسلحة، وبواسطة التضرعات أكثر من الحديد. إسرائيل لم يأخذ أبدًا أسلحة ضد فرعون لكن قيل له “ الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون” (خر14:14).
في المعركة ضد العمالقة لم تكن أيضًا قوة الأسلحة فعالة مثلما كانت صلوات موسى “وكان إذا رفع موسى يده” (خر17: 11)، نحو الله كان عماليق ينهزم، لكن عندما كان يرخي يديه كانت الهزيمة تأتي لإسرائيل. بالاق ملك موآب قد سبق، بكل تأكيد أن سمع عن ذلك حيث إنه كُتِبَ “يسمع الشعوب فيرتعدون تأخذ الرعدة سكان فلسطين حينئذ يندهش أمراء أدوم، أقوياء موآب تأخذهم الرجفة يذوب جميع سكان كنعان” (خر 15: 14، 15). نرى إذًا أن الصوت قد وصل إليهم، كما تنبأ موسى من قبل في نشيده عند عبور البحر الأحمر.
ملك موآب إذًا قد تعلم أن الشعب ينتصر بالصلوات ويحارب خصومه بالفم، وليس بالسيف. إنه فكر في ذلك وقال في نفسه بما أن الأسلحة لا تستطيع أن تقاوم صلوات وتضرعات هذا الشعب، على أن أجد تضرعات وأسلحة شفاهية وصلوات يمكنها أن تتغلب عليهم. هذه كانت تأملات الملك، وسنبين بالبرهان من كلمات الكتاب المقدس التي شرحها لي معلم من أصل عبراني[1]، حصل على الإيمان، أنه مكتوب ” فقال موآب لشيوخ مديان: الآن يلحس الجمهور كل ما حولنا كما يلمس الثور خضرة الحقل” (عد22: 4).
وهذا المعلم من أصل عبراني، وكان يقول: لماذا هذه المقارنة لثور يلحس خضرة الحقل؟ بدون أي شك لأن الثور ينزع خضرة الحقل ويستخدم لسانه مثل منجل لكي يقطع كل ما يجده، كذلك الشعب مثل الثور يحارب بالفم وبالشفاه، أسلحته هي كلماته وصلواته. ولما علم الملك بذلك أرسل رسلاً إلى بلعام لكي يواجه الكلمات بكلمات والصلوات بصلوات.
السحر
فلا نندهش إذا كان السحر يقدم حيلاً من هذا النوع، فوجوده ثابت في الكتاب المقدس ولو أن ممارسته كانت ممنوعة. الشياطين أيضًا موجودة لكن الكتاب المقدس يمنع أن نكرمهم وأن نلجأ إليهم. أنه يمنع أن نمارس السحر لأن عملاء السحرة هم الملائكة المعاندين، الأرواح الماكرة والشياطين النجسة. إن الأرواح المقدسة لا تطيع السحرة.
الساحر لا يستطيع أن يستعين بميخائيل وروفائيل، وجبرائيل، ولسبب أكثر قوة لا يستطيع أن يستعين بالله القدير، ولا بابنه ربنا يسوع المسيح، ولا بروحه القدوس. نحن فقط حصلنا على قدرة الاستعانة بالله الآب. نحن فقط حصلنا على قدرة الاستعانة بابنه الوحيد يسوع المسيح. لكن أقول أيضًا الذي حصل على قدرة الاستعانة بالمسيح لا يستطيع أن يعود مرة أخرى إلى الاستعانة بالشياطين، والذي له نصيب في الروح القدس لا يجب أبدًا أن يستدعي الأرواح النجسة. إذا قصد الأرواح النجسة فإن الروح القدس يهرب منه.
إن السحرة هم الذين يستعينون ببعلزبول. الشعب اليهودي كان يعلم هذا ولهذا السبب، وجه هذه النميمة، وهذا الكذب ضد سيدي يسوع: “ أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين” (لو11: 15؛ مر12: 24). المخلص يعلم أن بعلزبول هو حقًا رئيس الشياطين، أنه لم يتهمهم بالكذب على هذه النقطة، لكن أجابهم: “ فإن كنت أنا ببعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون؟” (لو11: 19؛ مر12: 27).
إذًا توجد شياطين شريرة والسحرة يستعينون بهم وهي تساعدهم على الشر وليس على الخير. إنهم مستعدون للضرر ولا يعرفون أن يعملوا الخير. إن هؤلاء الشياطين هم الذين بواسطة فن معين وبعض الصيغ دخلوا في نوع من العهد مع بلعام، وعلى هذا الأساس كان يبدو عظيمًا في أعين الآخرين.
لهذا السبب أرسل الملك مسرعًا رسلاً نحوه وقال له ” فالآن تعال وألعن لي هذا الشعب لأنه أعظم مني لعله يمكننا أن نكسره فاطرده من الأرض؟” (عد22: 6). هذا الملك لا يبدو لي أنه كان له ثقة كاملة في قدرة بلعام، أنه كما اعتقد كان مرتعدًا من شهرة المعجزات التي حدثت لصالح شعب الله. لهذا السبب قال إن لعنات بلعام ربما تضرب البعض منهم، وتهزم الآخرين وتطردهم من أرضه.
السحر لا يقدر أن يعطي البركة
إنه يضيف بعد ذلك: ” لأني عرفت أن الذي تباركه مبارك والذي تلعنه ملعون” (عد22: 6)، اعتقد أن الملك لا يعرف، أن كان كل الذين قد باركهم بلعام صاروا مباركين. يبدو لي أنه يقول هذا لكي يجامله ولكي يلاطفه أكثر لصالح مقاصده بتفخيم وتعظيم فنه. السحر لا يعرف أن يبارك لأن الشياطين لا تعرف أن تفعل الخير. إسحق ويعقوب يعرفان أن يباركا، وكل القديسين كذلك أما كل غير تقي فلا يعرف أن يبارك.
حلوان العرافة
الرسل وصلوا أخيرًا عند بلعام: ” فانطلق شيوخ موآب وشيوخ مديان وحلوان العرافة في أيديهم” (عد22: 7). فن العرافة هذا ناشئ من براعة الإنسان، توجد أشياء يلقبها الكتاب المقدس بحلوان العرافة وتقاليد الوثنيين تدعوها مشاجب، مراحل أو يعطوها أسماء أخرى مشابهة: إنها كمكرسة لهذه الخدمة، يستعملها الوثنيون في العرافة.
الكتاب المقدس يذكر أن للأنبياء أداة تسمى “أفود” في اللغة الأصلية: أنه ملبس للذي يتنبأون لكن في الكتب الإلهية النبوة شئ، والعرافة شئ آخر. الكتاب المقدس يقول حقًا “ إنه ليس عيافة على يعقوب ولا عرافة على إسرائيل في الوقت يقال عن يعقوب وعن إسرائيل ما فعل الله” (عد23: 23). العرافة إذًا مرفوضة تمامًا، إنها تمارس كما قلنا بعمل ووساطة الشياطين.
حضور الله
إذًا بلعام يأخذ حلوان العرافة، فمن العادة أن الشياطين تأتي إليه لكن بالعكس يرى أن الشياطين تهرب منه والله يحضر، لهذا السبب يقول إنه يسِأل الله حيث إنه لم يعد يرى بالمرة تلك الشياطين التي كانت عادة تطيعه. الله إذًا أتى بنفسه ليتقابل مع بلعام، ليس لأنه كان مستحقًا لزيارته، لكن لكي تهرب الأرواح التي كانت من عادتها أنت تحضر لكي تجلب اللعنة وأذى السحر.
الله فعلاً كان ساهرًا على شعبه منذ هذه اللحظة، فأتى الله إذًا قائلاً: ” من هم هؤلاء الرجال الذين عندك. فقال بلعام لله: بالاق بن صفور ملك موآب قد أرسل إلىَّ يقول هوذا الشعب الخارج من مصر قد غشى وجه الأرض تعال الآن ألعن لي إياه لعلي أقدر أن أحاربه وأطرده، فقال الله لبلعام لا تذهب معهم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك” (عد 22: 9ـ 12).
اعتراض
7 ـ هنا يعرض سؤال من رتبة أعلى ولا أعرف إذا كان من الملائم أن نكشف عن غرض سر عميق هكذا، وأن نقدم لأناس لا يأتون لسماع كلمة الله إلا نادرًا، ويذهبون بعد ذلك بدون أن يعطوا أنفسهم فرصة أكبر للتأمل.
ولكن سنقول بعض الكلمات للذين يهتمون بذلك ولهم عطش للتعليم، الذين يستطيعون إدراك المعنى الروحي، يمكن عمل اعتراض مثل هذا: يستعين بلعام بالشياطين، إنه يلعن الشعب، أن تهلك الشياطين وتفسد بحسب قدرتها فليكن لكن هل الله لا يستطيع أن يحفظ الشعب من الشياطين ويبطل قوتهم الشريرة؟
هل كان من الضروري إن يأتي هو بنفسه ويقابل بلعام ويمنع الشياطين التي اعتادت أن تقترب لكي تجرب شعبه وتسعى لكي تؤذيه؟
الحرية المتروكة من الله للشياطين، تعمل الخير
سنقدم هذا الجواب الجزئي على هذا الاعتراض ومع أنه لا يجب علينا أن نقول كل ما يتعلق به: الله لا يريد أن يقضى على جنس الشياطين قبل الوقت. الشياطين أنفسهم يعلمون بأن وقتهم محدود في هذا الدهر لهذا السبب كانوا يطلبون من السيد الرب “ أن لا يعذبهم قبل الوقت” (مت8: 29)، ” وبأن لا يرسلهم إلى الهاوية” (لو8: 31).
إنه لم يسحب من الشيطان لقبه أي رئيس هذا العالم. لأن عمله مازال ضروريًا لإصلاح الذين يجب أن يكللوا، لأنه مازال لازمًا للصراع الذي يعانيه الطوباويون وللنصرة التي يفوزون بها. أيضًا بالنسبة للشياطين الآخرين فهو لا يريد أن ينزع منهم دورهم في الخطة التي وضعها قبل مجئ الوقت، لذلك منذ البداية لم يسمح أن يستعين بلعام بهم، خوفًا من أنه بعد أن يستعين بهم يهلكون قبل الوقت ويبادون في المعركة التي سيقوم بها الله لصالح شعبه.
على أنه يمكن أن يحصل الشيطان من الله على إنسان ليجربه مثل أيوب ويكون له القدرة عليه إلى حد ما، أن يقول الله له مثلاً: ” هوذا كل ماله في يديك وإنما إليه لا تمد يدك” (أيوب2: 6). هذا شئ، ولكنه شئ آخر مختلف كل الاختلاف أن تكون نتيجة فعل أحد السحرة أن ينزع منهم بالتضرعات أعمالهم الشريرة بدون أي قيد.
وفي هذه الحالة الأخيرة لو كانت الحرية متروكة لهم لكانوا أبادوا شعب الله. وبالعكس لو رفعت منهم حرية التصرف لكان هذا قضاء على خليقة عاقلة، وتقديم وقت الدينونة، ويكون هناك إضرار بالذين كان في استطاعتهم أن يحصلوا على الإكليل بصراعهم ضدهم. فلو كان الشياطين محرومين من حرية التصرف، لما كان هناك أعداء لإبطال المسيح، وبدون أعداء لا تكون هناك أية معركة، وبدون معركة لا تكون هناك أية مكافئة، ولا نصرة.
الله يعمل إذًا بطريقة خاصة حتى أن الشعب الذي مازال عديم الخبرة[2] والذي خرج لتوه من عبادة الشياطين، لا يقع في حبائلهم. الله يسمح أن تحصل تضرعات الساحر على جواب وأن لا يحرم جنس الشياطين من حرية الإرادة. لهذا السبب الله يتقدم أولاً ويمنع بلعام من أن يذهب إلى الموضع ومن أن يستدعي الشياطين للنطق بلعناته، لو أنه كان قد ترك لرغبته.
ولكن بما أنه أصر على حبه للمال، فإن الله يحترم حريته ويرجع عن قراره ويتركه يذهب. ولكنه يضع كلامه في فم الساحر، ويمنع أن تلفظ لعنات الشياطين، لتحل محلها البركات ويعمل أن يلفظ بلعام، بدلاً من اللعنات، بركات ونبوات تستطيع أن تبني روحيًا، ليس فقط إسرائيل، بل أيضًا كل الأمم.
بلعام سلف للمجوس
فالواقع إذا أدخلت نبوات بلعام بواسطة موسى في الكتب المقدسة ولسبب أكثر قوة جمعها سكان Mesopotamie (بلاد ما بين النهرين)، حيث كان لبلعام شهرة كبيرة وكانوا معروفين كتلاميذه في السحر.
وإليه ترجع التقاليد في بلاد الشرق أصل المجوس الذين كانت عندهم نص جميع نبوات بلعام ومن ضمنها “ يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل” (عد 24: 17). كان لدي المجوس هذا النص، لذلك عندما ولد يسوع، عرفوا النجم وفهموا بأن النبوة قد تحققت، فهم أفضل من الشعب الإسرائيلي الذي أهمل الاستماع إلى كلمات الأنبياء والقديسين[3].
وهم أدركوا بحسب المخطوطات الوحيدة التي تركها بلعام أن الوقت قد أتى، فأسرعوا يبحثون عنه ليسجدوا له ويظهروا عظم إيمانهم بإكرامهم الطفل الصغير كملك.
بقية القصة
لكن لنرجع إلى موضوعنا بلعام يزعج الله وينتزع منه تصريحًا بأن يذهب ليلعن أبناء إسرائيل وبأن يستعين بالشياطين، وهو الذي سبق أن جاء إليه الله، وهو راكب على أتانه، وأمامه يحضر الملاك الحارس لإسرائيل الذي قال عنه السيد الرب لموسى “هوذا ملاكي يسير أمامك” (خر32: 34)، أنه يطلب أن يمر فيسمح له. وتسئ أتانه معاملته في الطريق لكن الساحر يرى الشياطين ولا يرى الملاك: “ فأبصرت الأتان ملاك الرب” (عد 22: 23).
هي لم تكن مستحقة أن تراه ولم تكن مستحقة أن تتكلم لكن كان يجب أن يخذل بلعام، مثلما قيل في بعض أجزاء الكتاب المقدس أن “حمار أعجم، ناطقًا بصوت إنسان، مشتكيًا من حماقة النبي” (2بط 2: 16).
الأتان رمز الكنيسة
بعد أن تكلمنا كثيرًا في القصة ننتهي ببعض الاختصارات من التعليم على المعنى الرمزي. إذا رأينا أن قدرة العدو هي التي تحارب شعب الله، نفهم من هو الجالس على الأتان. إذا اعتبرنا كيف أن الإنسان يجتذب بواسطة الشياطين، نفهم من هو الأتان. ونفهم كذلك من الإنجيل أن المسيح أرسل تلميذيه قائلاً “تجدان أتانًا مربوطًا وجحشًا معها فحلاهما وإتياني بهما حتى أركب على ظهره” (مت21: 2؛ مز11: 2).
هذه الأتان بمعنى الكنيسة، كانت حاملة أولاً بلعام والآن تحمل المسيح وأنها حُلتّ بواسطة التلاميذ وحررت من الرباطات التي كانت مربوطة بها لأجل ابن الله الذي صعد عليها، والذي دخل معها في ” المدينة المقدسة أورشليم السماوية” (عد12: 22)، وأنه قد تمم ما هو مكتوب في الكتاب المقدس الذي يقول:
” ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل منصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان” (زكريا9: 9)، الدابة تعني أتان. هي ترمز بدون أي شك إلى المؤمنين آنذاك أي اليهود، والأتان الجديد هم الذين ” آمنوا من الأمم ويعترفون بالمسيح” (أع21: 25)، يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] يشير أوريجينوس كثيرًا إلى هذا المعلم العبراني ورغم أننا لا نعرف كثيرًا عن هذا المعلم إلا أننا نستفيد أن معلمي الكنيسة كانوا بدورهم يسعون وراء المعرفة ويحصلون عليها من المتخصصين فيها.
[2] نجد هنا نقطة هامة أسسها إيرينيوس وأستعملها دائمًا آباء الإسكندرية وهي أن الله يتبع طريقة تربوية تدريجية في تعليم الشعب.
[3] نلاحظ أن أوريجينوس لا يتردد عند اللزوم في مدح الوثنيين لكونهم أدركوا أمرًا إليهًا ولو جزئيًا. وهذه خاصية من خصائص لاهوت الآباء.
الانتصار على سيحون – العظة الثالثة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد
مع ذلك نحن قد بدأنا بالقول أن كل من الملائكة يقدم أبكارًا من شعبه واعتقد أيضًا أن كل واحد منهم يقدم أبكار كنيسته. لهؤلاء الملائكة يكتب يوحنا في سفر الرؤيا عندما كتب مثلاً إلى ملاك الكنيسة التي في أفسس، إلى ملاك الكنيسة التي في سميرنا إلى ملاك الكنيسة التي في اللادوكية، وإلى ملائكة الكنائس الأخرى. إذًا كل ملاك يقدم أبكار الكنيسة أو الشعوب التي أؤتمن عليها.
ربما يوجد أيضًا ملائكة آخرون يجمعون المؤمنين من كل الأمم ففي مدينة حيث لم يولد بعد مسيحيين إذا حضر إنسان وبدأ في التعليم وعمل وقاد الناس إلى الإيمان أنه يصبح فيما بعد أسقف على الذين علمهم[2]. فلنعتبر أيضًا أن الملائكة القديسين سيصبحون في الدهر الآتي ملوكًا على الذين جمعوهم من ضمن الشعوب المختلفة، والذين قد جعلوهم يتقدمون بأعمالهم ووظيفتهم. لهذا السبب بالأحرى فإن الملك المسيح قد دعى “ملك الملوك” (رؤ19: 16).
وبالأحرى إن الرب دُعِىَ “رب الأرباب” (رؤ19: 16)، لأنه إن كان الملائكة ملوكًا على الذين يرعونهم ويجعلوهم يتقدمون، فهم يقدمون بعضًا منهم للكاهن الأعظم، والبعض الآخر لأبنائه أي للسلاطين العليا ولرؤساء الملائكة، والبعض أيضًا للاويين أي للملائكة الأقل رتبة. ولقد كان من المنطق أذًا أن نميز بين الملائكة، نفس الرتب الموجودة عند الإسرائيليين حسب المبدأ بأن الإسرائيليين كما يقال هم “ظل” السماء الحقيقية وصورتها.
توزيع الحصاد الروحي
إذًا نستطيع أن نقول إنه عندما يجمع كل الحصاد، على السطوح. فالبعض سيكون من نصيب الكاهن الأعظم، الكاهن الأعظم الحقيقي، المسيح. وآخرون، سيكون لهم نصيب اللاويين، كما قلنا، ويخصصون للملائكة أو للسلاطين السماوية الأخرى. وسيكونون أيضًا من ضمنهم، وأعتقد أنهم سيكونون نصيب الأشخاص الذين كانوا في هذه الحياة من الحكماء، وعملوا على نشر كلام الله.
وهذا على ما اعتقد ما قد عناه السيد الرب عندما قال للذي قد وكل له الوزنة وربح عشرة ” ليكن لك سلطان على عشر مدن” (لو19: 17)، وللذي قد وكل له وزنة أخرى ربح خمسة ” ليكن لك سلطان على خمس مدن” (لو19:19). ماذا يجب أن نفهم من السلطان على المدن. أليس هو قيادة الأرواح؟ كذلك لم يكن بلا معنى كما يبدو لي بأن من ضمن الملائكة أنفسهم البعض لهم سلطان وسيادة على الآخرين، والآخرون يكونون مرؤوسين وخاضعين لسلطانهم.
كذلك الذي قد أخذ سلطان على “عشر مدن” أو على “خمس مدن” لم يحصل على هذا إلا باستحقاق ما قد ربحه بتضاعف الفضة التي وكلت لعنايته، لأن عند الله كل شئ يعمل لسبب وبحساب وليس اعتباطًا، لكن بحسب الاستحقاق أن الواحد يملك على شعوب عديدة والآخر يكون خاضعًا لسلطة.
ربما نلاحظ أننا استطردنا في حديث طويل، لكن لشرح الأبكار كان يجب الدخول في هذه التفاصيل لأن هذه الكلمة لها مجد في الكتاب المقدس هذا مقداره. إن المسيح نفسه قد دعى “باكورة” “وباكورة للذين رقدوا”. ومثلما هو “ملك الملوك ورب الأرباب” “راعي الرعاة” “رئيس رؤساء الكهنة”، نستطيع إذًا أن نسميه باكورة الأبكار باكورة لم تقدم للكاهن الأعظم ولكن لله، حيث أنه “أسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله” (أف5: 2). وبعد قيامته من الأموات ” جلس عن يمين الله“.
لكن قد سُمِىَ ” باكورة وبكر لكل الخليقة“، هل يجب أن نعطي لهذه التسمية أي “بالنسبة لكل الخليقة” نفس المعنى الذي نعطيه بالنسبة للإنسان في التسمية “باكورة الراقدين”. ألا يجب أن نرى فيها معنى أكثر علوًا إلهيًا؟ ليس هذا هو مقام بحث هذا الموضوع.
5 ـ فلنرجع إذًا للباكورة: فإنها تقدم كما قلنا بواسطة الملائكة وأنها تحصد من حقل هذا العالم. أما حقل الملائكة فهو قلوبنا. كل واحد منهم إذًا يقدم لله باكورة الحقل الذي يزرعه. إذا كنت استحق أن أعبر عن فكرة كبيرة لائقة بالكاهن الأعظم.
إذا لوحظ في كلامنا وتعاليمنا فكرة لائقة ترضى الله، فسوف يختار الملاك الموكل على الكنيسة واحدة من كلماتنا ويقدمها للسيد الرب بصفة الباكورة لحقل قلبي، لكني أعرف أنني لا أستحق ذلك، وأنا متيقن أن الملاك في أعماله حولنا سوف لا يجد فيَّ فكرة مستحقة لتقدم للسيد الرب كباكورة الثمار.
أتمنى أن يكون كلامنا وتعاليمنا غير مستحقة أن يحكم عليها. هذه النعمة ستكفينا. إذًا الملائكة تقدم الباكورة المحصودة من حقلنا، كل ملاك يزرع الذين بغيرته وبأعماله يبعدهم عن أخطاء الوثنيين ويهديهم إلى الله. كل إنسان ينتسب لملاك يكون موكلاً لعنايته.
وفي بدء هذا الجيل “حين فرق الله بني آدم نصب تخومًا لشعوب حسب عدد ملائكة الله وكل أمة قد خضعت لملاكها. الأمة الإسرائيلية فقط قد اختيرت وأصبحت نصيب السيد الرب” (تث32: 9)، “وقسمة لوارثيه” واعتقد أيضًا أنه في نهاية هذا العالم وفي بداية الجيل الجديد، سيعمل العلى على تقسيم جديد بأبناء آدم.
والذين لا يستطيعون أن يكون لهم “قلب نقي” “لكي يروا الله” ويكونوا من نصيبه، سيرون على الأقل الملائكة القديسين وسيوزعون “بحسب عدد ملائكة الله”. لكن طوبى لمن يكون مستحقًا في الحياة المقبلة أن يكون “نصيب السيد الرب”، أن يكون “يعقوب” شعبه “وإسرائيل” قسمة لورثته.
فلنترجَ إذًا كما قلنا إن كل واحد ينمي ما لديه من وزنات لكي يكون مختارًا من ضمن الأبكار أو من ضمن الباكورة، أي أن يُقَّدم لله وأن يكون نصيب السيد الرب، وإلا فليستحق على الأقل أن يكون من نصيب الملائكة القديسين. لكن لا يكون في عداد الذين كتب عنهم ” فيدخلون في أسافل الأرض يدفعون إلى يدي السيف يكونون نصيبًا للثعالب” (مز63: 1ـ11).
أنك ترى أن في وقت القيامة عندما العلي “سيفرق الأمم ويقسم لبني آدم” (تث32: 8)، بحسب استحقاقاتهم، سيوجد منهم الذين يدخلون في أسافل الأرض، والذي سيصبح نصيبًا للثعالب أي للشياطين، حيث إن الثعالب هي التي تفسد الكروم. وهيرودس هو أيضًا منهم عندما قال عنه المسيح ” اذهبوا وقولوا لهذا الثعلب“.
فلنطرح إذًا تصرفاتنا الأرضية وأفكارنا الجسدية خوفًا من أن نُثّقل بأفكار الأرض. وندخل في أسافل الأرض ونكون نصيبًا للثعالب حيث إن الذين يدخلون في أسافل الأرض هم الذين يعطون لناموس الله ووعوده معنى أرضيًا بدلاً من أن يحثوا نفوس السامعين على انتظار الخيرات السمائية وعلى التأمل في الحقائق التي من فوق.
يقول الرسول حقًا ” فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله اهتموا بما فوق لا بما على الأرض” (كو3: 1ـ2). أنه قال هذا للذين هم مربوطين بنواميس أرضية ويقولون ” لا تأخذ لا تمس ولا تذق ولا تجس” (كو2: 21، 22). وقد أضاف الرسول “ التي هي جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس“.
حراسة الباكورة
6 ـ الكتاب المقدس يكمل “وكلم الرب هارون قائلاً وهأنذا قد أعطيتك حراسة رفائعي” (بعض نسخ اللاتينية كتب “ليتمموها”)، لكن “لحراستها” هي أكثر دقة. يجب أن نبحث ماذا يعني حراسة الباكورة في الناموس حيث إن الكهنة لا يحصلون عليها لكي يحفظوها لكن لكي يستهلكوها. يقول الكتاب المقدس إذًا “اعطيتك حراسة الباكورة” أنه بكل تأكيد يقصد أن هذا التعليم لا يمكن أن يكون مخصصًا للناموس الحرفي لكن للناموس الروحي حيث إن الباكورة الروحية التي سبق أن تكلمنا عنها يمكن أن تكون محروسة، وليست الأخرى.
وإذا كان المسيح كما يقول الرسول هو “باكورة” إذًا هذه الباكورة قد أعطيت لنا لكي نحرسها، أي مسرة حقًا تضاهي مسرة النفس التي أخذت المسيح وتحتفظ به دائمًا وتمتلكه دائمًا ساكنًا فيها؟ مثل هذه النفس قد حصلت حقيقة على الباكورة “لتحرسها” حيث إن الباكورة والتي كانت تقدم في الناموس كانت تستهلك كطعام، وبعد أن “يمضي إلى الجوف” مثل ما جاء في الإنجيل “يندفع إلى المخرج” (مت 15: 17).
ماذا أقول؟ بل يزداد دائمًا أنه إذًا كما يقول الرسول “طعامًا روحيًا” كلما نأخذ منه كلما يزداد، فكلما نأخذ من كلمة الله أي كلمة نأكل أكثر من هذا الطعام كلما نجده بوفرة. هذا بالنسبة لما كُتِبَ أعطيتك الباكورة لحراستها.
القداسة الضرورية لتقديم الباكورة
هذه هي التكملة ” مع جميع أقداس بني إسرائيل” (عد18: 9)، هذه الكلمات تحوي سرًا. الله لا يريد أن يأخذ الباكورة إلا من أقداس بني إسرائيل. يمكن أن يحدث أن نجد عند الوثنيين أعمالاً تليق بالله، فالبعض منهم قد زرعوا فضائل الروح والفلسفة قد أعطت نتائج عند البعض منهم، لكن الله لا يريد أن تقدم هذه الباكورة. الله لا يريد أن يأخذ تقدمات إلا من الذين يرونه بالروح، والذين تقدسوا لله بالإيمان. حتى وإن كان يبدو أن الوثني لديه بعض الشئ من الشرف وحسن العادات ولكنه لا ينسب فضائله لله لكن ينسبها لكبريائه، فإن هذا لم يتقدس ولم يؤخذ مع الباكورة.
ومن وجهة نظر الحرف يظهر أن الناموس أيضًا يبعد الدخلاء من هذا النوع من التقدمات فالناموس يريد فقط المقدسين من بين بني إسرائيل أن يقدموا الباكورة. اعتقد أننا نستطيع أن نتعرف على إسرائيلي من أنه سمح له أن يدخل في جماعة (كنيسة) الله حيث قد كتب ” لا تكره أدوميًا لأنه أخوك لا تكر مصريًا لأنك كنت نزيلاً في أرضه الأولاد. الذين يولدون لهم في الجيل الثالث يدخلون منهم في جماعة الرب” (تث23: 7ـ 8).
مادام المصري أو الأدومي لا يحمل ثمارًا ولم يولد منه جيل واحد، وجيليين وثلاثة أجيال من الأبناء، فإنه لا يستطيع أن يدخل في جماعة الرب، لكن ولادة أولاده تجعله يدخل إلى هذه الجماعة. على قارئ الكتب المقدسة أن يكرس كل انتباهه وأن لا يفهم كلمات الكتب المقدسة بحسب مزاجه فعليه أن يفحص كل كلمة، فإنه يقال “إنه إذا ولد من أبناء أو بنات” “لكن إذا ولد له من أبناء في الجيل الثالث سيدخلون إلى جماعة الرب”.
وأسأل نفسك إن استطعت لأي سبب بالمعنى الرمزي الأبناء فقط وليس البنات سيدخلهم الآباء في جماعة الرب، ستجد أن القديسين الذين يعطي الله عنهم الشهادة بوضوح نادرًا ما ينجبون بنات لكن بالأحرى أبناء فإبراهيم لم يكن له بنات. كذلك إسحق أيضًا، يعقوب فقط قد أنجب أبنه واحدة لكن كانت عبءً لأخوتها وأسرتها، ودنست بواسطة شكيم ابن حمور وسببت العار لأسرتها وجلبت لأخوتها غضب الانتقام وفي موضع آخر “جميع الذكـور” يجب ” أن يتقدموا للرب ثلاثة مرات في السنة” (خر23: 17)، لكن المرأة لم تدع لتتقدم أمام الرب.
وأي شخص يدرس الكتب المقدسة بانتباه سيكتشف أنها ليس بدون سبب تضيف البنات للأبناء. ولم يذكر هناك في النص الذي ندرسه، فالباكورة يجب أن تقدم بواسطة “أبناء بني إسرائيل المقدسين” وليست في نفس الوقت بواسطة البنات. يجب أن يطبق ذلك بالمعنى الروحي وليس للتمييز بين الجنسين، لكن للتمييز بين النفوس.
الباكورة الأبدية
حيث قد أعطيتك هنا لك ولأبنائك امتيازًا شرعيًا أبديًا “لك” لمن؟ ستجيب لهرون أليس كذلك؟ لكن الكلمات التالية لها تدعوك أن تفهم بالحرى “للكاهن الأعظم الحقيقي المسيح وأبنائه الرسل معلمي الكنيسة”، حيث يحملون “شرعية أبدية”. كيف يمكن أن تكون الأشياء المرئية أبدية؟ ألم يقل الرسول ” الأشياء التي ترى وقتية وأما الأشياء التي لا ترى فأبدية“. إذا كانت الباكورة التي قدمت لهرون مرئية، وهي فعلاً مرئية، فلا يمكن أن تأخذ صفة أبدية.
بنفس الطريقة، الختان المرئي، الفطير المرئي، الفصح المرئي، كلها لا يمكن أن تكون أبدية لكن وقتية “حيث الأشياء التي ترى وقتية“. وبالعكس كل “ الأشياء التي لا ترى فأبدية“. الختان غير المرئي وفي الخفاء (رو2: 29)، هو أبدي. ” فطير الإخلاص والحق” هو أيضًا كذلك. مادمت قد تحدثت عن الأشياء التي لا ترى فهي أبدية بنفس الطريقة فهذه الحسنات موضوعنا هذا، هي حق وأبدية، ليس لليهودي بحسب الظاهر لكن لليهودي حسب الحقيقة الخفية. والتي تتم “ بالروح وليس بالحرف. بحسب الإنسان الباطن” (رو7: 22).
قداسة مكتسبة وقداسة طبيعية :
8 ـ ” هذا يكون من كل شئ ما هو قدس مقدس” (عد18: 9). بالنسبة للتقدمات، أني تساءلت أحيانًا عندما مررت على هذا النص عن معنى “قدس ومقدس؟” إنه يبدو لي أن الكتاب المقدس هنا يميز ما هو قدس مقدس على ما هو قدس بدون أن يكون مقدسًا. اعتقد حقًا أن الروح القدس هو قدوس بدون أن يكون قد تقدس. فالروح القدس لا تتأتى له القداسة من الخارج من آخر.
ليتقدس شئ ما معناه أن القداسة لم تكن موجودة فيه من قبل، والروح القدس كان دائمًا قدوسًا وقداسته ليس لها بداية، ويجب أيضًا أن نفكر بنفس الطريقة عن الآب والابن حيث إن جوهر الثالوث هو الوحيد الذي لم يتقدس بأخذ القداسة من الخارج، بل قدوس بطبيعته ذاتها. وبالعكس كل الخليقة ستكون “قدس مقدس” بنعمة الروح القدس أو بسبب استحقاقاتها. كذلك نقرأ “ تكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب” (لا 20: 26). هذا لا يعني أن قداسة الله يمكن مقارنتها بقداسة الإنسان.
إنه يقال عن الله أنه قدوس أما الإنسان الذي لم يكن دائمًا قديسًا يجب أن يصبح قديسًا، حيث إن باليونانية بدل “كونوا قديسين” نقرأ الكلمة التي تعني بالأحرى “صيروا قديسين”، لكن مترجمينا استعملوا بدون تمييز “كونوا” لـ “صيروا” في اليوم الذي فيه خضع كل واحد منا لمخافة الله وحصل فيه على التعاليم الإلهية، في اليوم الذي فيه سلم إرادته بين يدي الله أي سلمها فعلاً له بكل إخلاص، في هذا اليوم يصبح قديسًا، لكن نستطيع أن نقول عنه فقط أنه “قدس مقدس”. الله فقط هو حقيقة دائمًا قدوس بالحقيقة.
أتريد أن أبيّن بواسطة الكتب المقدسة تاريخيًا هذا الاختلاف الصغير، أنصت لبولس الذي يكتب للعبرانيين: ” لأن المقدس والمقدسين جميعهم من واحد” (عب2: 11)، من هو الذي يقدس؟ المسيح بدون أي شك. ومن هم الذين يتقدسون؟ هم الذين يؤمنون بالمسيح.
بكل تأكيد قداسة الذي يقدس لابد بأن تكون دائمًا قدوسة لكن الذين تقدسوا لا يجب أن نسميهم “قدس” باختصار، لكن “قدس مقدس” على أنه لا يجب أن نعتقد أن هذا البحث يكون مناقضًا لما نقرأه عن المسيح ” فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم” (يو10: 36)، في هذا النص الأخير الذي قد قدسه الآب هو المسيح بحسب الجسد، ليس المسيح بحسب الروح. أنه في نفس الوقت قدوس بحسب الجسد وبحسب الروح ثم أن المسيح قد قال “ لأجلهم أنا أقدس ذاتي” (يو17: 19). عندما يعطي (القداسة) يكون المسيح بحسب الروح وعندما يتقدس المسيح لأجل تلاميذه يكون المسيح بحسب الجسد مع أنه لا يوجد إلا مسيح واحد، الذي تارة يعطي التقديس بالروح وتارة يتقدس بحسب الجسد.
ثمار الروح وباكوراتهم
من كل الثمار يجب إذًا تقديم باكورة طاهرة ومقدسة، لكن يجب أن تقدم هذه الثمار للكاهن الأعظم الروحي. من أي ثمار ستقدم إذا الباكورة الروحية؟ من كل الثمار التي ذكرها بولس الرسول ” وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة…الخ” (غل5: 22) أي باكورة المحبة التي هي أول ثمار الروح يجب تقديمها للكاهن الأعظم.
باكورة المحبة هي كما اعتقد أن ” أحب الرب إلهي من كل قلبي ومن كل نفسي ومن كل أفكاري“، هذه هي الباكورة وأي جزاء آخر من هذه الثمار كمحبة القريب يجب أن تتراجع إلى المكان الثاني أن “أحب قريبي كنفسي”. باكورة المحبة تقدم لله بواسطة الكاهن الأعظم الأعمال الثانية متروكة لي لاستعمالي الخاص.
من هذه الثمار يوجد أيضًا عمل يبدو لي أنه يجب أن يوضع في الصف الثالث “أحب أعدائي”. حاول أن تجد بنفس الطريقة باكورة من الثمر الروحي الآخر. من ثمار الروح الثانية التي ذكرت في الكتاب المقدس، الفرح فإذًا “في الرب تبتهج نفسي”، إذا ابتهجت نفسي بالرجاء، إذا ابتهجت نفسي باحتمال الظلم لأجل اسم الرب، في كل المناسبات من هذا النوع، أكون قد قدمت للرب باكورة الفرح بواسطة الكاهن الأعظم الحقيقي إذا احتملت ” سلب أموالي بفرح” (عب10: 34).
إذا ابتهجت نفسي بأن تعاني الضيقات، الفقر، وكل أنواع الإهانات، هذه هي الدرجة الثانية من ثمار الروح. فهذا فرح للروح وإذا استخلصت فرحًا من حسنات هذا العالم شرف أو غنى، هذا ثمر مزيف والذي ليس أصله إلا “باطل الأباطيل”، إذا ابتهجت نفسي بالشر وإذا سررت ببؤس الآخرين هذا ليس فقط فرح باطل، لكن فرح شيطاني ماذا أقول؟ أنه لا يجب أيضًا أن نتحدث هنا عن الفرح “ ليس سلام قال إلهي للأشرار” (إش57: 21)، لكن أريد أيضًا أن أبحث عن ثمر آخر من الفرح. أو بالأحرى يكون باكورات أخرى عن الفرح إذا وجدت فرحي في كلام الرب، إذا ابتهجت بمعرفة أسرار الله، إذا ابتهجت بأن أكون محسوبًا ومستحقًا بأن أعرف أسرار حكمة الله.
إذا ابتهجت بأني بعد أن أترك كل حسنات العالم، النافعة منها والغير نافعة، الضرورية والباطلة. أن أكون قد جعلت نفسي فقط خادمًا لكلمة الله وحكمته، هذه هي باكورة الفرح التي اعتقد أنها ستعطي فرحًا وسرورًا لله له عندما تقدم له لكن فلنترك كل واحد يكتشف بتأني ما نجده بالنسبة للثمار الأخرى من الروح، حتى لا نطيل بإفراط في هذه العظة.
باكورة التقدمات المقدمة لله
9ـ “مع كل تقدماتهم” يقول الكتاب المقدس فمن قدم تقدمه لله، يجب أنه من هذه التقدمة يقدم مرة أخرى، للكاهن الأعظم. في رأيي يمكن شرح هذا رمزيًا بالكيفية الآتية: إذا أعطيت للمعوزين إذا تممت بعض الأعمال الحسنة تكون قد قدمت لله تقدمة بحسب الوصية، لكن تقدم الباكورة من هذه التقدمة مثلاً، علاوة على الطعام أو النقود التي تعطي وتختبر في هذا شعور الرحمة والحنان. هذا ما ينتظره الله من الإنسان حقًا أن الله هو بنفسه يدرك من امتلئوا إحساسًا بشعور الرحمة والحنان.
باكورة الذبائح
”… وكل الذبائح”
الذبائح الروحية وهي الذبائح التي نقرأ عنها “ أذبح لله حمدًا وأوفي العلي نذورك” (مز50: 14)، إذًا من يقدم الذبائح يجب أن يحمد الله ويقدم له نذور الصلاة، لكن باكورة هذه الذبائح ستقدم بواسطة الكاهن الأعظم.
إذًا نحن لا نصلي فقط بالكلام لكن أيضًا بالذهن والقلب بحسب نصيحة الرسول ” أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا” (1كو14: 15)، حيث إن ملائكة الله زراع وحراث قلوبنا، حاضرون بيننا ويبحثون بيننا عن من له ذهن منشغل ومنتبه بحيث أنه يحصل على كلام الله باشتياق مثل حصاد إلهي، هؤلاء الملائكة يبحثون إذا كان كلام الله قد نتجت عنه ثمار بمجرد أن قمنا للصلاة بمعنى إذا كنا نصلي لله بتجميع وتركيز أفكارنا.
إن لم يشرد ذهننا وإن لم تتشتت تأملاتنا، فبينما يكون جسدنا منحنيًا للصلاة لا تتشتت أفكارنا في اتجاهات مضادة، بمعنى أن الواحد يشعر بأن تضرعاته هي تحت أنظار الله وفي حضرة الله وفي حضرة نوره الذي لا يطمس، وإذا أكثر من “ صلاته وتضرعاته وطلباته وتشكراته” (1تي2: 1)، بدون أن يكون قلقًا بأي تخيلات خارجية فليعلم أنه بواسطة الملاك الموجود في الهيكل، يكون قد قدم باكورات ذبائحه للكاهن الأعظم الحقيقي المسيح يسوع سيدنا الرب الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.
[2] هارناك المؤرخ يلاحظ أهمية هذا النص لدراسة تاريخ رتبة الأسقفية فأسقف الكنيسة هو مؤسسها وهذا كان الحال مع غريغوريوس الصانع العجائب تلميذ أوريجينوس.
الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2
موسى والسبعين شيخًا – العظة السادسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
موسى والسبعين شيخًا – العظة السادسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
موسى والسبعين شيخًا – زواج موسى والحبشية
في كثير من النصوص قرأت جملة لضيق الوقت وعظمة الأسرار لا تسمح لنا أن نتحدث عنها كلها. ولكن سنستطيع حينئذ أن نقطف بعض الأزهار في هذه السهول الواسعة، وليس كل الأزهار التي تستطيع أن تقدمها الأرض، لكن بقدر ما يكفي حتى نشتم الرائحة العطرة. كذلك عندما نذهب إلى الينابيع، فلا يجب أن نأخذ كل الماء الذي يُسال من مصدر فياض. لكن فقط ما يلزم لكي يقتل عطش حنجرة جافة، أنه لا يجب أن نشرب من الماء العذب بإفراط وإلا يكون ضارًا.
موسى والشيوخ
1ـ قال الكتاب المقدس ” خرج موسى وكلم الشعب بكلام الرب” (عد11: 24)، طالما يصغى موسى لكلام الرب ويأخذ تعاليمه منه، فهو بالداخل، أنه يمكث بالداخل ويعيش في الخلوة الأكثر سرية. لكن عندما يتكلم للجموع والشعب وعندما يمارس خدمته نحو الناس فأنه لا يستطيع أن يمكث بالداخل يقول الكتاب المقدس فليخرج للخارج، ما هي الفكرة المتضمنة في هذا الكلام؟
إذا علم معلم الكنيسة أسرارًا عميقة لحد ما، إذا ألقى بعض الخطب السرية والخفية عن حكمة الله “بين الكاملين” مادام يظل في الأفكار العميقة، يجب أن نقول بأنه بالداخل وأنه يمكث بالداخل.
لكن عندما يكلم الجموع ويعلن ما يكفي للإنسان العادي وما يمكن أن يفهمه عامة الناس نقول بأنه خرج للخارج وأنه كلم الشعب بكلام الله. بولس كما يتراءى لي عمل هذا أيضًا أنه كان بالداخل عندما قال ” نعلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر” (1كو 6: 8)، انظر بولس وهو في الداخل كيف أطلع على الأسرار الداخلية الإلهية، عندما استلم هذه التعاليم.
لكن عندما يذهب للجموع اسمع ما يعلمه “ لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم“، ” لا يسرق السارق فيما بعد“، ” لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها” هذه الكلمات وكل الكلمات الأخرى التي بنفس الطريقة هي تعاليم بولس الرسول “خارجًا للخارج” والتي يعلمها للشعب كما فعل موسى النبي.
الروح المشترك للشيوخ
2ـ لكن فلننظر إلى إصحاح آخر: أنه يحكي فيه بأن ” موسى اختار سبعين رجلاً من شيوخ الشعب وأوقفهم حول الخيمة وأخذ الله من الروح الذي على موسى وجعل على السبعين شيخًا، ولما حل عليهم الروح قال الكتاب: الكل تنبأوا“، الكتاب قال بأن الله أخذ من الروح الذي على موسى وأعطى منه للسبعين شيخًا. وليس المعنى أن الله أخذ من جوهر موسى الجسدي والمادي وجزأه على سبعين جزء وأعطى لكل شيخ قسم صغير، أنه يكون من عدم التقوى أن ندرك طبيعة الروح القدس بهذه الطريقة.
لكن فلنفهم أيضًا الرمز المكتوب في هذا النص الغامض، موسى والروح الذي عليه هما مثل مصباح ساطع جدًا وأنار الله منه السبعين الآخرين، فلمعان النور الأول قد بسط على المصابيح الأخرى بدون أن يضعف المصدر من هذه المشاركة، وبهذه الطريقة ينسب للنص معنى مقدس ” الله أخذ من الروح الذي على موسى، وأعطى منه للسبعين شيخًا” (عد11: 25).
الشروط الواجب توافرها لحلول الروح القدس في النفس
3 ـ لكن فلننظر إلى ما يلي ” روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” الروح في الكتاب المقدس لا يحل على أي إنسان، لكن فقط على القديسين والطوباويين، روح الله حل على الذين لهم قلب نقي وعلى الذين يطهرون أنفسهم من الخطية، وبالعكس أنه لا يسكن في جسد تتسلط عليه الخطية، حتى ولو سكن في هذا الجسد وقتًا معينًا.
الروح القدس لا يمكنه احتمال الشركة مع روح الشر، فإنه بكل تأكيد في لحظة الخطية نجد أن روح الشر هو الذي يكون في داخل نفس الخاطئ وهو يلعب دوره فيها وذلك عندما نترك روح الشر يدخل وعندما نستقبله فينا بواسطة أفكار دنسة ورغبات دنسة فالروح القدس حينئذ يكون مليئًا بالحزن وبالضيق أن أمكنني أن أتجرأ وأعبر بهذا التعبير.
لذلك الرسول وهو عالم بأن الأشياء تحدث أيضًا بهذا الشكل قد أعطى النصيحة “ لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف4: 30). إذًا بالخطية نجعل الروح القدس يحزن، بالعكس بحياة صالحة ومقدسة، سنمهد للروح القدس مكانًا فينا ليستريح. أيضًا مما قد قُص علينا الآن بأن الروح القدس قد حل على الشيوخ السبعين، ألم يمجد حياتهم وألم يظهر لهم عن فضائلهم، كما أن الروح القدس قد حل عليهم بسبب نقاوة قلوبهم، وصفاء نفوسهم واستعدادهم للفهم، فهو يحل فيهم حالاً، أنه لا يرضى أبدًا بالتأخير إذ يجد هناك أرضًا مستحقة لأعماله.
الكتاب المقدس يقول بالحقيقة “ روح الله حل عليهم والكل تنبأوا” (عد 11: 25).
الروح القدس حل على يسوع المسيح
إذن حل الروح القدس على الذين تنبأوا، ولكنه لم يستقر كما استقر على المخلص. لذلك قد كتب عنه ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (إش11: 2ـ 3). لكن ربما تقولون إنك لم تذكر لنا من قال عن المسيح أكثر مما قيل عن الناس الآخرين، حيث إنه قد قيل عن الآخرين إن الروح قد حل عليهم، وذلك كما قيل عن المخلص ” روح الله حل عليه” لكن لاحظ جيدًا أنه غير مكتوب في أي مكان أن روح الرب قد حل على أشخاص آخرين بهذه القدرة.
هذا نلاحظه في هذه النبوة، أننا بكل تأكيد نجد أن جوهر روح الرب نفسه الذي لا يمكن أن يكتب تحت اسم موحد قد بين بكلمات عديدة، وقد حل على “الأصل” الذي من ذرية يسى. عندي أيضًا شاهد آخر يمكنني به أن أثبت وأؤكد بأن الروح قد حل على سيدي ومخلصي بطريقة خارقة وبطريقة مختلفة عن الأشخاص الآخرين، وهو يوحنا المعمدان الذي قال عنه ” الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو…” (يو1: 33).
فلو أن الله قال ” سترى الروح نازلاً” بدون أن يضيف، ومستقرًا عليه فقد يكون المسيح غير مميز عن الآخرين ولكنه أضاف، ومستقرًا عليه، حتى يكون المخلص مميزًا بهذه العلامة التي لا نستطيع أن نجدها في مكان آخر. فإنه غير مكتوب إطلاقًا عن الأشخاص الآخرين أن الروح القدس قد استقر على أحد منهم.
واستقر عليه وحده:
فلا تعتقد بأني أقلل من شأن الأنبياء، فهم أنفسهم يعلمون أني لم أصغرهم بوضع ربي يسوع المسيح فوقهم، فالكل يتذكر هذه الكلمات ولا يجد أي شخص آخر قيل عنه: “ الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط 2: 22)، فلأنه هو الوحيد الذي لم يفعل خطية استقر الروح عليه ومكث فيه.
فإنه بالحقيقة قد قيلت عنه هذه الكلمات الوحيدة والعجيبة التي ذكرت أعلاه: ” لم يفعل خطية” فمن الواضح بأن كل الأشخاص الآخرين فعلوا الخطية. وإذا كان الكل خطاة فبالضرورة يكون الأنبياء أيضًا، وكيف نستطيع أن نقول إنه في لحظة الخطية يمكث الروح القدس؟
وأنه يبدو لك بأنه غير معقول أن الأنبياء بعدما حل عليهم الروح القدس قد أخطأوا؟ فلنرجع لموسى نفسه الذي نتكلم عنه والذي يعتبر الأكبر والأعجب من بين الأنبياء.
أنه كتب عن نفسه، أنه شهد على نفسه هذه الشهادة بأنه أخطأ بقوله: “ اسمعوا أيها المردة. أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء” (عد20: 10)، بهذه الكلمات لم يقدس الرب بماء الخصام، وبمعنى آخر إنه لم يكن لديه ثقة بقوة الله، وبدلاً من أن يقول: “الله يستطيع أن يخرج ماء من هذه الصخرة، نجده أجاب بعدم يقين، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟”
حيث إن الله حسب له هذه الكلمات خطية. فبكل تأكيد أنها لم تأت من الروح القدس ولكن من روح الخطية. وإن كان الكتاب المقدس يبين أن أحد الأنبياء الكبار مثل موسى كان أحيانًا حاصلاً على الروح القدس وأحيانًا في وقت الخطية غير حاصل عليه، فبكل تأكيد يجب أن نفكر بنفس الطريقة عن الأنبياء الآخرين.
ماذا نقول عن داود؟ أنه يعتبر أن الروح القدس ممكن أن يسحب ويؤخذ منه فهو يصلي حتى لا يؤخذ منه بقوله ” لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدس لا تنزعه مني” وفي الآية التالية يطلب داود الهبة التي قد سحبت منه بسبب الخطية قائلاً: ” رد لي بهجة خلاصك وبروح مقتدرتك أعضدني“.
لماذا نتذكر سليمان؟ شخص لم يقل بأنه يرجح أحكامه أو يبني هيكل الله بدون حضور الروح القدس، وبالعكس فإنه مع وجود الروح القدس قد شيد الهياكل لأبالسة وفتح ذراعيه للنساء والأثمة.
والنبي الذي قد دون في الكتاب الثالث من كُتب الملوك قد أرسل إلى بيت إيل بأمر الله، فبواسطة روح الرب قد نطق بكلمات الله، لكن لا يجب أن نصدق أنه بواسطة روح الرب خالف أمر الرب، بأن لا يأكل خبزًا في بيت إيل وأنه بسبب الخطية قتل بواسطة أسد (1مل 13: 11)، ولكن سيطول بنا الحديث لو استعرضنا كل الأنبياء.
بدون أن نؤكد ذلك تمامًا، اعتقد بالنسبة لي أن بعض أفعال الناس العادية، توجد فيها الأشياء التي حتى ولو أنها خالية من الخطية تبدو مع ذلك غير مستحقة لوجود الروح القدس. فمثال الزواج الشرعي هو خالي من الخطية ومع ذلك في الأثناء التي تتم فيها الأعمال الزوجية لا يعطي وجود الروح القدس حتى ولو كان كما يبدو لي أن الذي يتمم أعمال التناسل هو نبي.
وهناك أعمال أخرى لا تكفي القوة البشرية لإتمامها وليس من الضروري أو ليس من المناسب أن يكون الروح القدس موجودًا فيها. إننا بنوع من الاستطراد بحثنا هذه النقطة ولكننا نريد فقط أن نبين بأنه فقط في ربي ومخلصي يسوع المسيح روح الرب يمكث دائمًا عليه “استقر عليه” أما على القديسين والشيوخ السبعين. الذين قد ذكرناهم، فلم يحل عليهم روح الله ولم يؤثر فيهم إلا لمدة محدودة والتي تتناسب مع تنفيذ عمله بواسطتهم، والتي تعتبر مفيدة للذين كان عملهم لخدمته.
المرأة الكوشية وكنيسة اليهود
الدرس الذي قرأناه يبين لنا أن موسى تزوج من حبشية كوشية. ومريم وهارون عاتبًا موسى لزواجه من هذه الحبشية بقولهما “هل كلم الرب موسى وحده ألم يكلمنا نحن أيضًا؟” ويقول الكتاب المقدس ” الرب سمع ثم أمرهم أن يخرجوا إلى خيمة الاجتماع، وجاءت عليهم دينونة، فمريم أصبحت برصاء“، وبعد ذلك دعيت للمحلة (انظر عد12: 1ـ 15). لكن نشرح ذلك باختصار نقول بأن مريم هي رمز الشعب البداني، موسى رمز لشريعة الله، وهو الذي تزوج من امرأة كوشية منبئًا باتحاد جميع الأمم بالرب.
موسى هو الذي يرمز إلى الشريعة الروحية، إذن باتخاذها زوجة له نبوة لقبول الأمم، ومريم التي هي جماعة اليهود الحاليين[1]، وسخطت هي وهارون في نفس الوقت، بمعنى آخر الكهنة والفريسيين أيضًا. إذن الشعب القديم مازال ينقصه الاحترام نحو موسى إلى الآن الذي هو رمز لمخلصنا وهو لا يعلمنا ختان الجسد وحفظ السبت والتقدمات الدموية ولكن أمرنا بختان القلب وبطلان الخطية. وأن نحتفل بالأعياد بفطير الإخلاص والحق ونقدم ذبائح الشكر وليس ذبائح من البهائم.
الرب إذًا أدانهما وأيد الزواج من الكوشية، والرب سمح لموسى أن يسكن معها وأن يستقر معها، ولكن حجز مريم خارج المحلة، وجعلها زيادة على ذلك تخرج خارج خيمة الاجتماع. وهارون قد طُرَد معها.
فضلاً عن ذلك مريم أصبحت برصاء. انظر الآن هذا الشعب انظر البرص الذي تركته له الخطية، أي ظلام قد ملأه، أي عبادة شنيعة، أي منظر مخيف هو فيه، ومع ذلك هذا البرص لن يمكث دائمًا لكن عند اقتراب الزمان من نهايته، سيدعي للمحلة حقًا، وفي نهاية العالم عندما يدخل ملء الأمم “حينئذ سيخلص جميع إسرائيل” (رو11: 25)
وفي تلك اللحظة سيترك البرص وجه مريم وستحصل على مجد الإيمان وعظمة معرفة المسيح، وسيرجع وجهها مرة أخرى إلى لمعانة عندما تتحد الرعيتان معًا حينئذ لا تكون إلا رعية واحدة وراعٍ واحد، وحينئذ يجب أن يقال حقًا ” يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه الذي أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع…” (رو11: 32، 33) في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.
[1] هرون يمثل الكهنوت اليهودي ومريم تمثل جماعة اليهود.
موسى والسبعين شيخًا – العظة السادسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد