القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

مقدمة عامة

مشاكل وأزمات عصر القديس يوحنا ذهبي الفم

1 ـ عظمة القديس يوحنا ذهبي الفم وعطاؤه بمعزل عن مختلف المدرس اللاهوتية:

إن المفسر واللاهوتي الكبير يوحنا الذي برز على مر العصور وسيطرت أفكاره بين المسيحيين ولقب بلقب “ذهبي الفم”، قد نشأ وتعلم اللاهوت في أنطاكية بسوريا، وتابع تعليمه العالي في القسطنطينية، وتوفي في “كومانا” في البنط. لقد كان يوحنا رجلاً ذو إرادة قوية وثقافة واسعة جدً، وكان أيضًا خطيبًا برعًا وموهوبًا، ومتمكنًا من اللغة اليونانية بلهجتها الأتيكية التي كانت لغة الثقافة والعلوم في ذلك العصر، فأغناها بمعارفه من أجل منفعة المؤمنين. لقد كان أيضًا ناسكًا عظيم الشأن فخدم الكنيسة كراعٍ ومعلّم.

وبينما عاش في العاصمة إقليم سورية من العالم الروماني، في خضم نزاعات التفسير اللاهوتي والنزاعات العرقية والاجتماعية، إلاّ أنه استطاع أن يتجاوز كل أنواع التطرف، وأن يكون مستقيم الرأي، وأن يصبح ملعمًا “مسكونيًا” لم يستطع أحد أبدا تلطيخ اسمه وتشويه سمعته. ولم يستطع الباحثون أبدا أن يصنفوا القديس يوحنا ذهبي الفم ضمن مدارس أو تيارات معينة، كما لم يستطيعوا أيضًا أن يثبتوا عدم اهتمامه بالمشاكل اللاهوتية الكبيرة التي شغلت عصره.

لقد كان قديسًا عظيمًا ومستنيرًا بشكل أكبر بكثير من أن يخضع لمدارس أو تيارات. وكان أداة الله ذات الضمير الحيّ، تلك الأداة التي لا تسكت على المشاكل اللاهوتية. وهكذا كان يختار المدارس ولا يتبعها، بينما سلك الطريق الروحي للقديس أثناسيوس الكبير والآباء الكبادوكيين من ناحية المصطلحات التي استخدمها. فقد تبنى بشكل تام التقليد الكنسي بكامله. وهكذا بصلواته وببحثه الدائم تلقى النعمة الإلهية الغنية بالخبرات الروحية لكي يقوم بشكل صحيح بتفسير النصوص المقدسة.

وفي نصوص القديس يوحنا ذهبي الفم وروح تعاليمه يوجد لاهوت كل آباء ومعلّمي الكنيسة الأولين. وتتصف كتاباته بالانتخاب الصحيح للأفكار والشجاعة في تقديم ووضع التعابير. لقد كتب جزءًا من نصوصه اللاهوتية في نفس الفترة التي كتب فيها القديس غريغوريوس اللاهوتي (390م). والقديس غريغوريوس النيسي (حوالي 394م)، لكن نصوصه كانت أقل عمقًا من الناحية اللاهوتية ـ النظرية، وبالتالي فهى أكثر ملاءمة من الناحية الرعوية.

عن كتاباته حول جميع المواضيع اللاهوتية تدل عن فهم واسع، فهو يفسر نصوص وأسفار الكتاب المقدس بدقة متناهية ومنطق واسع الآفاق وحجج قوية. ولذلك حازت نصوصه على إقبال كبير من القراء وتم نسخها مرارًا، مما أدى إلى حفظ عدد ضخم من كتاباته المتعلقة بمختلف المواضيع.

إن ما كان يتصف به القديس يوحنا ذهبي الفم من طبع صارم من جهة، وحبه لخدمة الغير من جهة ثانية، والعلوم التي حصل عليها من المدارس والأديرة، بالإضافة إلى طبعه السوري الذي يتصف بالبساطة والروح العملية وحب التنسك وبلاغة الخطابة، قد أثرت بشكل عميق على نشاطه وعلى النصوص التي كتبها. وهكذا فقد كان يعمل بصرامة، وكان يرفع صوت الخف عاليًا، إلاّ أنه كان حساسًا وسهل المعاملة مع الآخرين.

إن شروحه وتفسيراته كانت تهدف إلى بناء روح وشخصية المؤمنين بشكل راسخ، لكنه هو شخصيًا لم يكن متزمتًا ومتمسكًا بشكل سلبي بالنواحي الأخلاقية (moraliste). لقد أصبح بالنسبة للمؤمنين اللاهوتي العملي والحياة اليومية، فمدح حياة النسك، وكان يحن دائمًا للخبرة التي عاشها كناسك لفترة ست سنوات، لكنه تيقن في نفسه أن الإرادة الإلهية قد دعته للخدمة الرعوية في الكنيسة.

كان متمكنًا من فن الخطابة، وكان يحب هذا الفن، إلاّ أنه عمل على تبسيطه وأعطى قوة لمضمونه في تعاليمه من خلال حرارة خبرته الروحية. اجتذب اهتمام معاصريه الذي كان متركزًا على بلاغة الألفاظ والشكل الأنيق في فن الخطابة، وجعلهم يهتمون بحقيقة المضمون، التي يمكن التعبير عنها أيضًا بواسطة هذا الفن.

 

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

2 ـ تعرض الأرثوذكسية للإضطهاد:

تعتبر كتابات القديس يوحنا ذهبي الفم من أهم المصادر التاريخية التي تزودنا بالمعلومات عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية التي كانت سائدة في أكبر مدينة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما، وهى مدينة أنطاكية. فعندما بدأت أهمية مدينة الأسكندرية بالتراجع من الناحية الثقافية والسياسية، بقيت أنطاكية أهم مركز ثقافي وحضاري في الشرق، والسد المنيع للإمبراطورية الرومانية ضد هجمات الفرس. وقد وصل تعداد سكانها إلى عدة مئات من الآلاف، حيث إن عدد الرجال الأحرار فقط قد وصل إلى 200.000 رجل. وإلى هؤلاء يجب أن نضيف النساء والأطفال والعبيد.

وكان الإمبراطور كونستانتيوس (337ـ361)، والإمبراطور جوليان (361ـ363)، والإمبراطور جوفيان (363ـ364)، والإمبراطور فالين (364ـ378) قد نقلوا عدة مرات مركز حكمهم إلى أنطاكية من أجل مواجهة خطر الفرس. وإذا استثنينا الإمبراطور جوفيان الذي كان متعاطفًا مع الأرثوذكسية، والإمبراطور جوليان الذي حارب كل المسيحيين بشكل غير مباشر، فإن الإمبراطورين الآخرين اضطهدوا الأرثوذكسيين بشكل مباشر إرضاءً منهم لأتباع البدعة الآريوسية.

فقد عاش الأرثوذكسيون في أنطاكية ـ كما في الأماكن الأخرى ـ في ظل جو من الملاحقة والخوف، الذي وصل إلى ذروته في عهد الإمبراطور جوليان عندما اتخذ من أنطاكية مركزًا له. فقد قام لمرات عديدة بالتضحية للآلهة الوثنية (انظر PG 50, 556C) كما حاول ممارسة التنسك وتقليد أشكال الطقوس الكنسية (حيث تناول خلالها القربان من كأس)، وهكذا كانت أوضاع المسيحيين صعبة جدًا.

ولذلك فقد اضطر عدد كبير من المسيحيين تحت هذه الظروف الصعبة، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى التخلي عن الدين المسيحي والعودة إلى الوثنية بالرغم من أن الديانة الرومانية القديمة لم تعد تحظى باهتمام حتى أهل أنطاكية الذين كانوا من أصل أممي، وهذا الأمر بالذات كان يثير حنق الإمبراطور جوليان.

وعندما كان القديس يوحنا ذهبي الفم لايزال فتى صغير السن عاش تجربة صعبة من التجارب التي مرت بها الكنيسة. ففي عام 362 أمر الإمبراطور جوليان بإبعاد جثمان القديس الشهيد “بابيلاس” وتدمير كنيسته في أنطاكية، بحجة أن تلك الكنيسة كانت تثير غضب الإله “أبولون” الذي كان معبده قريبًا منها (PG 50, 558). ولكن بعد أيام قليلة شبت النار في معبد أبولون، فاتهم الإمبراطور جوليان المسيحيين ظلمًا بأنهم السبب. ولمعاقبتهم على ذلك أصدر قرارًا بإغلاق الكنائس، لكن هذا القرار لم يُنفّذ بشكل كامل.

أما الإمبراطور كونستانتيوس فقد صادر الكنائس من الأرثوذكسيين وأعطاها لأتباع آريوس. وفي عام 362 لم يكن لدى الأرثوذكسيين ـ وعلى رأسهم آنذاك أسقف أنطاكية ملاتيوس ـ سوى كنيسة واحدة وهى كنيسة الرسل القديسين التي كانت توجد في المدينة القديمة. وفي العام ذاته وهب أسقف أنطاكية “أوزويوس” الذي كان من أتباع بدعة آريوس احدى الكنائس إلى الأسقف المنشق “باولينوس” مما يدل على السلطة الواسعة التي كان يتمتع با أتباع بدعة آريوس. وفي عهد الإمبراطور فالين (364ـ378) تعرض الأرثوذكسيون إلى اضطهاد شديد، وبشكل خاص عندما نقل الإمبراطور مركز حكمه إلى أنطاكية.

فقد أيد فالين أتباع آريوس بشكل مباشر، واليهود والوثنيين بشكل غير مباشر، لكنه لاحق الأرثوذكسيين وحرمهم حتى من أصغر الكنائس. وكانوا مضطرين لإجراء صلواتهم داخل المنازل في الريف، وفي الكهوف، وعلى ضفاف نهر العاصي. وقد كشف بعض أفراد الطبقة المقربة من الإمبراطور مكان تجمع الأرثوذكسيين لكي يقبض عليهم ويعاقبهم.

وبعد موت فالين عام 378 عاد أسقف أنطاكية ملاتيوس من منفاه لكنه لم يستطع تسلم كنائس المدينة التي كانت في يد الأسقف باولينوس إلاّ بحلول عام 380.

 

3 ـ الظروف الدينية والاجتماعية في أنطاكية:

كانت مدينة أنطاكية منذ ما قبل القرن الرابع الميلادي مركزًا حضاريًا كبيرًا تجتمع فيه مختلف الأجناس والشعوب والحضارات والأديان. في تلك المدينة ولد القديس يوحنا ذهبي الفم، ونشأ نشأته الروحية، وتعلم، وكتب قسمًا هامًا من أعماله. لقد كانت الحياة الاجتماعية والدينية في المندينة تشكل خليطًا مليئًا بالتناقضات التي ولّدت الأزمات في العديد من الأحيان.

فالمجتمع الأنطاكي كان يتألف من يونانيين، وسكان ينتمون لشعوب شرقية، وسوريين، ورومانيين، ويهود. وكان هؤلاء جميعهم يمارسون التجارة والطقوس الدينية المختلفة ويشاركون في الحياة السياسية ويدرسون في الجامعات، وكانوا بشكل عام يمارسون نشاطاتهم بدرجة كبيرة من الحرية. لقد كان التعليم متقدمًا لدرجة أن أنطاكية كانت تعتبر “أثينا الشرق”، وكانت مركز فن الخطابة في الشرق حيث كانت فيها مدرسة كبيرة للخطابة أسسها السفسطائي الشهير “ليبانيوس”.

وفي أنطاكية أصبح فن الخطابة فنًا مثاليًا وصفة قياسية مطلقة للإنسان المثقف. لقد كان المثقفون من أهل أنطاكية من المسيحيين والوثنيين يتابعون الخطباء ويتمتعون بفنهم، وكانوا يمارسون نقدًا عالي المستوى على أعمالهم الناجحة أو الفاشلة.

ولكن بالرغم من هذا المستوى الثقافي الرفيع، فقد كان معظم سكان المدينة والمناطق المحيطة بها أمييم، وكانوا يتكلمون اللغة السريانية واللهجات المحلية. وكان هناك تناقض كبير في توزيع الثروات، فقد كان هناك عدد قليل من الأغنياء بينمااا الغالبية الساحقة من الشعب كانت تعيش في ظروف الفقر. ومما يدعو للاستغراب أن المسيحيين الذين كانوا يشكلون نصف عدد السكان تقريبًا، كانوا أوفر حالاً وأغنى من الباقين، وذلك وفقًا لما ذكره القديس ذهبي الفففم في أعماله.

لكن المسيحيين كانوا يتأثرون بالجو المحيط بهم بشكل كبير، حتى أن العديد منهم كانوا يشاركون في الأعياد والمناسبات الدينية لليهود. بينما كانوا يتابعون أيضًا الأعياد والمناسبات الدينية للوثنيين. إذًا فقد كانوا يفتقرون لذلك الحس الذي يعطى للكنيسة صفة الححقيقة الوحيدة والمطلقة. لم يكن لديهم الإدراك أن أخلاق الكنيسة تختلف عن الأخلاق اليهودية من جهة، وتختلف أيضًا عن المنظومة الاجتماعية والدينية للوثنيين التي كانت تتسامح مع الإباحية الأخلاقية.

إن هذه الأوضاع التي كانت تتصف بها حياة المسيحيين في أنطاكية قد أثارت قلقًا شديدًا لدى القديس يوحنا ذهبي الفم، ودفعته لمحاربة الوثنيين واليهود من أجل مساعدة المسيحيين ليتفهموا أن الحقيقة موجودة في الدين المسيحي فقط، وأن هناك حاجة للمسيحيين في أن يعيدوا النظر في أخلاقهم وأن يونوا أسسًا أخلاقية جديدة في مدينتهم، التي كانت لانزال تتميز بميزات المدينة الوثنية، بمسارحها وحلبات السباق فيها وحماماتها العامة، وأنواع اللهو التي كان من الصعب على المسيحيين من سكانها التخلي عنها. لقد كان هذا الجو العام يشكل ضغطًا كبيرًا على المسيحيين، وصفة القديس يوحنا ذهبي الفم بأن مقاومته تضاهي الاستشهاد (PG 62, 412).

4 ـ تطور النظام الرهباني:

في الوقت ذاته، انتشرت الأديرة ومراكز التنسك في سوريا تحت تأثير الأفكار الشرقية (rigorismus)، وبشكل خاص تأثير الجماعات الدينية الذين يدعون “أبناء وبنات العهد”، ونساك منطقة ما بين النهرين. وكان يعيش في الكهوف على مقربة من مدينة أنطاكية وعلى ضفاف نهر العاصي، عدد كبير من النساك منفردين بشكل جماعات في أديرة.

ولقد ظهرت الحياة في الأديرة خلال العقد الرابع من القرن الرابع، وذلك في أديرة صغيرة بدائية في قمة “جبل بركات” ومنطقة جندريس وتل عادة. ولم يتبع أفراد تلك الأديرة قوانين ونظمًا محددة مثلما كان يتبع القديس “باخوم” (346) في مصر، أو القديس باسيليوس الكبير (37779) في كبادوكية والبنط وأرمينيا الصغرى. لقد كانت حياة الرهبنة في أنطاكية تتمتع بدرجة كبيرة من الحرية، ولكن كان دائمًا بين الرهبان واحد يتزعم الباقين ويقوم بتوجيههم.

وكان هؤلاء النساك يتمتعون بخصائل ونعم إلهية عظيمة تدهش المسيحيين من سكان المدن وتسترعى اهتمامهم واحترامهم. كما كان الرهبان يتلقون زيارات من الغرباء ليساعدوهم على تقوية إيمانهم بالمخلّص وكلما كان بعض هؤلاء النساك مثل “مقدونيوس” و “يوليانوس سابا” الملقب “بالأميّ” (377) يزورون أنطاكية، كان سكانها يستقبلونهم بحفاوة وتكريم يزيدان التكريم والحفاوة بالملوك (PG 62, 153).

لكن هذا التكريم البالغ الذي كان يلقاه النساك كانت له ردود فعل من قبل المسيحيين الأغنياء لأن أبناءهم كانوا في معظم الأحيان يتأثرون بهؤلاء النساك فيتركون حياة البذخ والرفاهية والمجون في أنطاكية ويذهبون معهم ليعيشوا حياة الرهبنة والتعبد بهدف الوصول إلى الكمال الروحي.

لكن عدم وجود قوانين ونظم صارمة في مجتمعات الرهبنة تلك، أدى في العديد من الأحيان إلى انحراف بعض النساك عن التعاليم المسيحية الأصيلة، فنذكر مثلاً “الميساليانيين” الذين تم اعتبارهم منشقين. ولكن على أية حال فإن الرهبنة والتنسك قد أصبحت ظاهرة منتشرة وفرضت نفسها بشكل أصبح فيه الرهبان في الأديرة أو في الصوامع المنفردة يستقبلون الشباب ويعلمونهم تعاليم الكنيسة، والحياة الروحية الأصيلة أيضًا.

هذا وقد اشتهر “ذيوذوروس الطرسوسي” (392) لتعاليمه ولمدرسته. فقد كان ناسكًا صارمًا ومعلّمًا حكيمًا فأطلق بحق على مدرسته الواقعة خارج أنطاكية اسم “الصومعة”. وفي تلك المدرسة تعلم القديس يوحنا ذهبي الفم و “ثيوذوروس الموبسوئستي” وغيرهما الكثيرون، علوم اللاهوت والتفسير وقواعد التنسك. ومن الواضح أن القليلين من النساك والرهبان كانوا يقومون بالتعليم بسبب جهل معظمهم للغة اليونانية، والدليل على ذلك أن الصلوات كانت تجرى في بعض الأديرة باللغتين اليونانية والسريانية.

هذا وقد ازدادت محبة المسيحيين وكل سكان أنطاكية بشكل عام، وعظم احترامهم للرهبان والنساك بعد تحطيم النصب والتماثيل الملكية من قبل الجموع الثائرة في المدينة عام 387، حيث أُقيمت المحاكم وتم إعدام الثوار من قبل مرسلي الإمبراطور ثيوذوسيوس. ففي تلك الأثناء ترك العديد من الرهبان أديرتهم وصوامعهم التي عاشوا فيها لعشرات السنين وذهبوا إلى أنطاكية ليترجوا القضاة والحكام بالرأفة والعطف على الثوار الأنطاكيين. وكان الكثيرون منهم في العديد من الأحيان يقدمون أنفسهم للإعدام بدلاً من أرباب الأسر المحكومين.

وقد أعلن القديس يوحنا ذهبي الفم بنفسه مرة ومعه عدد كبير من الرهبان، وبكل شجاعة، إلى ممثلي السلطة، أن من يريد الإساءة إلى أحد من سكان أنطاكية سيمر أولاً فوق جثته. إن كل هذه الأحداث قد رفعت الرهبنة في عيون السكان الذين رأوا في الوقت ذاته أن الفلاسفة والخطباء وكهنة المعابد الوثنية واليهود قد تركوا المدينة لينجوا بأنفسهم (PG 49, 173-174).

5 ـ الأوضاع الكنسية واللاهوتية:

لقد كانت الأسكندرية في القرن الرابع أهم مركز للأ{ثوذكسية حتى عام 373 بفضل وجود القديس أثناسيوس الكبير، إلاّ أن أنطاكية أصبحت أكبر مركز في الشرق للتفاعلات الكنسية واللاهوتية. لقد كان للتقليد الأنطاكي القديم قطبان مختلفان الأول هو القطب الأرثوذكسي الأصيل الذي أنشأه ويمثله القديس “أغناطيوس ثيوفوروس” (توفى عام 107 أو 117)، والقطب الثاني وهو قطب منشق عن الأرثوذكسية مثله “ثيوفيلوس الأنطاكي” في القرن الثاني (188) ومثله خلال القرن الثالث “بولس الساموساتي” (272).

وفي أوائل القرن الرابع أصبح “لوقيانوس” بشكل أو بآخر أحد أكبر مؤيدي البدعة الآريوسيية. وفي عام 324 أيد أوستاثيوس الأنطاكي” اللاهوتع الأرثوذكسي ونظم في أسقفيته مجمعًا تم خلاله الإعداد للمجمع المسكوني الأول في نيقية (325).

لكن الأحداث التي تلت ذلك دمرت كل العمل الذي قام به أوستاثيوس الذي كان يؤيد خط أثناسيوس الكبير. فقد سيطر أتباع آريوس واحتلوا الكنائس ونفوا أوستاثيوس (328) وعقدوا مجمامع عديدة بهدف تشويه الإيمان الأرثوذكسي الذي ثبته مجمع نيقية (341ـ344). ولكن في عام 360 اعتلى عرش الأسقفية الأنطاكية من جديد أسقف أرثوذكسي وهو الأسقف “ملاتيوس”، لكنه بعد فترة قليلة من تنصيبه نفى وقضى نصف فترة خدمته في الأسقفية في المنفى، وتوفى عام 381.

ولكن في تلك الأثناء نشأت حركة انشقاق في أنطاكية عرفت باسم “انشقاق أنطاكية”، وذلك بسبب كون القس باولينوس كان يدّعي أنه يمثل بأصالة التقليد الذي تركه أوستاثيوس. لكن أتباع أوستاثيوس كانوا أرثوذكسيين أما باولينوس فقد كان حتى وفاته (388) يؤيد أن الجوهر والأقنوم متطابقان. وكان يعجز عن فهم المعنى اللاهوتي للمصطلح: “جوهر واحد وثلاثة أقانيم” وفقًا لتعاليم الآباء الكبادوك، وكما قبلته الكنيسة عام 380.

وهكذا بعد عام 362، عندما رُسم باولينوس أسقفًا بشكل غير قانوني، كان يوجد في إنطالية التي يسيطر عليها أتباع آريوس كنيستان أرثوذكسيتان فقط، الأولى التي كان يشرف عليها ملاتيوس المنفي وكان يمثله “فلابيانوس” وتبعه يوحنا ذهبي الفم، والثانية كان يشرف عليها باولينوس الذي كانت لديه رعية قليلة تتبعه. لكن أتباع آريوس كانوا مسيطرين على المدينة وكانوا منشقين في ثلاث طوائف “الغير متشابهين”، و “المتشابهين”، و “المتشابهين في الجوهر”. كما نشط أتباع “أبوليناريوس” الذين كان يتزعمهم “فيتاليوس” الذي أنشأ مدرسة في أنطاكية. هذا وكانت تعاليم أبوليناريوس منذ عام 375 قد انتشرت انتشارًا واسعًا في أنطاكية.

لقد ولّدت هذه الإنشقاقات والخلافات والبدع حزنًا كبيرًا لدى القديس يوحنا ذهبي الفم، ذلك لأن الكثير من المؤمنين لم يكن بمقدورهم إدراك الاختلاف وكان كل واحد من أتباع احدى الطوائف يصلي في كنيسة تابعة للطائفة الأخرى. وقد وصلت تلك البدع والهرطقات إلى ذروتها في فترة شباب القديس يوحنا ذهبي الفم.

لقد مارس أتباع آريوس ضغطًا هائلاً على المجتممع الأنطاكي، ولكن كان من السهل تمييزهم عن الأرثوذكسيين. وعلى العكس من ذلك فإن أتباع أبوليناريوس كانوا يدعون بشكل مغالط للحقيقة أنهم يؤمنون بقرارات المجمع المسكوني الأول، فسببوا بلبلة وارتباكًا لدى المؤمنين. والأسوأ من ذلك أن بعض الأرثوذكسيين حاولوا الرد على ادعاءات أتباع أبوليناريوس فأعطوا أهمية عظمى للطبيعة البشرية ليسوع المسيح فتكلموا خطأ على ابنين اثنين في شخص المسيح، مما يجعل من المستحيل أن تتحد الطبيعتان في شخصه.

وتلك الآراء نصادفها في نصوص “ذيوذوروس الطرسوسي” الذي كان ممثلاً لملاتيوس ومعلّمًا ليوحنا ذهبي الفم وغيرهم من لاهوتي أنطاكية المعروفين، وصاحب مدرسة التفسير الأنطاكي. إن هذه الآراء قد تطورت فيما بعد وقادت لنشوء بدعة “نسطورويوس” الذي لم يكن يستطيع إدراك مفهوم الاتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص المسيح، الذي هو اتحاد لا انصهار فيه ولا انقسام ولا تحول. إن هذا الخروج عن المفاهيم النظرية اللاهوتية قد حدث في البيئة الروحية التي نشأ وعاش فيها القديس يوحنا ذهبي الفم.

وفي هذه البيئة قام ذيوذوروس بتشكيل أسس التفسير الأنطاكي بشكل تام وهو التفسير المعروف باسم المنهج “التاريخي ـ الكتابي”، وهو منهج يتصف بالمواقف الأخلاقية المتطرفة، فمهّد الطريق لنشوء البدعة النسطورية، ورفض المنهج الرمزي allegoric لمدرسة الأسكندرية.

ولكي نكون صورة متكاملة عن المسيحية في أنطاكية يجب أن نذكر أنه في عام 379 وبعد مرور ثمانية أشهر على عودة ملاتيوس من المنفى، عقد فيها مجمع للأساقفة الأرثوذكسيين في الشرق. وتم في هذا المجمع التأكيد على لاهوت الآباء الكبادوك والتحضير للمجمع المسكوني الثاني الذي عقد في القسطنطينية عام 381.

وكما حدث في المجمع الأنطاكي عام 324 حيث فتح الباب أما قبول مصطلح “المساوي في الجوهر” ورفض تعاليم آريوس، كذلك فإنه في مجمع عام 379 الذي عقد أيضًا في أنطاكية فتح الباب أما قبول التعاليم اللاهوتية للقديس أثناسيوس الكبير ورفض تعاليم أونوميوس وأبوليناريوس وماركيلوس. وفي خضم هذه الزوبعة الكبيرة كان على القديسس يوحنا ذهبي الفم أن يحافظ على إيمانه ثابتًا، وأن ينتج عمله العظيم مستخدمًا العناصر الإيجابية فقط من المحيط الذي عاش فيه، أى لاهوت القديس أثناسيوس الكبير، وأفكار الآباء الكبادوك، بالإضافة طبعًا إلى خبراته الشخصية.

 

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

حياة وأعمال القديس يوحنا ذهبي الفم

أ ـ في أنطاكية

1 ـ مصادر المعلومات الرئيسية عن حياة القديس يوحنا ذهبي الفم:

إن أهم المصادر التي تزودنا بالمعلومات القيمة عن حياة القديس يوحنا ذهبي الفم هى أعماله التي تركها لنا، بالإضافة إلى النصوص القديمة التالية:

+ بالاديوس هيلينوبوليس: حوار تاريخي حول حياة وسيرة يوحنا ذهبي الفم (PG 47, 5-82).

+ سقراط: التاريخ الكنسي، 2:6ـ22 و 25:7 و 35 (PG 67, 661-729, 793, 536).

Sosomenus Kirchengeschichte: J. Bidez, Berlin 1960, p. 349-388.

Theodoret Kirchengeschichte: L. Parmentier, Leipzig 1911, p. 328-339.

Zosime, Histoire Nouvelle: F. Paschoud, Paris 1971.

+ بسوذومارتيريوس الأنطاكي YEUDO – MARTURIOU ANTIOCEIAS) : ممديح ليوحنا ذهبي الفم (pg 47, XLIII-LII).

+ ثيوذوروس التريميثوندي: حول حياة وسيرة يوحنا ذهبي الفم (PG 47, LI-XXXVIII)

Savillius Chrysostomi Opera Omnia, VIII, p. 157-265.

Halkin Douze récits byzantins sur S. Jean Chrysostome, Bruxelles 1977.

Van Ommeslaeghe, ” Que vaut Le témoignage de Pallade sur Le process de S. Jean Chrysostome”?: AB 95 (1977) 389-313.

وفيما بعد ظهر عدد كبير من النصوص (60 نص تقريبًا) على شكل مديح وسير لحياته وصف لعجائبه ولصعوبات المنفى ووصف لعملية نقل رفاة القديس وقصائد مديح له (BHG II Vo. 870-881 z)

 

2 ـ السنوات الأولى من حياته، وتعلمه للعلوم الكلاسيكية:

إذا قبلنا بصحة المعلومات التي نقلها لنا أول كاتب لسيرة حياة القديس يوحنا ذهبي الفم، وهو بالاديوس هيلينوبوليس، فإن القديس قد ولد في أنطاكية عام 354. ولكن أبحاثًا أخرى أظهرت خلال السنوات الأخيرة أن القديس قد ولد عام 349 أو 350، وهذا ما نؤيده نحن أيضًا.

لقد كان والده “سيكوندوس” قائدًا للجيش الروماني في سوريا، وكان مركزه في أنطاكية. والاسم Secundus يدل على أصله اللاتيني ولكنه بالتأكيد أصل بعيد لأن عائلته في أنطاكية كانت عائلة غنية تنتمي إلى طبقة النبلاء في المدينة وبالتالي فإن تلك العائلة كانت متوطنة في أنطاكية لفترة زمنية طويلة.

لقد توفى سيكوندوس عندما كان ابنه يوحنا طفلاً صغيرًا، وكانت أمه “أنثوسا” في سن العشرين من عمرها. وعلى أغلب الاحتمالات كان ليوحنا أخت تكبره ماتت هى أيضًا في سن الطفولة. وكانت أمه امرأة مسيحية مؤمنة، فنذرت نفسها لتربية ابنها الصغير يوحنا، فلم تبخل على صرف قسم كبير من ثروتها لتعليم ابنها.

ربما تعلّم القديس يوحنا ذهبي الفم أول العلوم التي تعلمها من أمه، بينما تابع تحصيله العلمي العالي متتلمذًا على يد المعلّم الكبير “ليبانيوس” (393) حتى سن الثامنة عشر، وكذلك على يد الفيلسوف “أنذراغاثيوس” (سوزمينوس: تاريخ الكنيسة 2:8، 5).

لقد درس القديس ذهبي الفم خلال تلك الفترة العلوم والثقافة الهلنستية واليونانية الكلاسيكية وتمكن منها بحيث اعتُبر أحسن خطيب في عصره، لكنه استخدم علمه ومواهبه في مجال آخر. فقد كانت العلوم التي تعلمها تهدف لإعداده ليكون محاميًا ومعلّمًا لفن الخطابة، ويظهر أنه عمل في هاتين المهنتين لفترة قصيرة. ويذكر الكاتب “سقراط” الذي كتب سيرة القديس ذهبي الفم أن القديس كان يستعد للخدمة في مجال القضاء (سقراط: تاريخ الكنيسة 3:6).

 

3 ـ اهتمامه بالكتب المقدسة:

عندما بلغ القديس يوحنا ذهبي الفم الثامنة عشرة من عمره تأكد له عدم فائدة الحياة المادية ووجه اهتمامه إلى الكتب المقدسة التي كانت تعلمه إياها أمه أنثوسا. ولسنا نعرف الكثير عن الظروف التي بدأ فيها دراسته في “الصومعة” الشهيرة التي أسسها العالم الكبير “ذيوذوروس” الذي أصبح فيما بعد أسقفًا في مدينة “طرسوس”، ومعاونه “كارتيريوس”. لقد كانت تلك الصومعة مدرسة للرهبان تدرس تفسير الكتاب المقدس بشكل خاص، والإيمان الكنسي واللاهوت بشكل عام (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 2:8، 5ـ6).

وفي تلك المدرسة درس يوحنا الشاب إلى جانب عدد من ملائه أمثال “ثيوذوروس” الذي أصبح فيما بعد أسقفًا لمدينة “موبسوئيستيا” (توفى 428)، وكذلك “ماكسيموس” الذي أصبح أسقف مدينة “سلوقيا” بمنطقة “إيساورية”، وغيرهمما. لقد كان تلميذًا متفوقًا وبدأ في تلك الفترة بكتابة أول كتبه. ويظهر أن القديس يوحنا ذهبي الفم لم يكن مقتنعًا بتفسير ذيوذوروس الذي كان زعيمًا للمدرسة الأنطاكية للمنهج التفسيري.

نال القديس يوحنا ذهبي الفم سر المعمودية عام 368، وكانت العلوم التي تعلمها على يد ذيوذوروس قد ساعدته في الابتعاد عن البدع التي كانت سائدة في ذلك العصر، كما ساهمت في ذلك أيضًا التربية المسيحية القويمة التي تربى بها على يد والدته. فبقى ملتزمًا بالتعاليم الكنسية الأرثوذكسية لكنيسة أنطاكية التي كان أسقفها ملاتيوس منفيًا لفترة طويلة (361ـ362، 364ـ367، 369ـ378) بسبب إيمانه الأرثوذكسي.

رُسم القديس ذهبي الفم عام 371 “قارئًا” للكتب المقدسة، وخدم كمعلم وراعٍ في الكنيسة. وكان “القارئ” في ذلك العصر يمارس الخدمة ولم يكن مجرد مرتل وقارئ بل كان يقوم بتفسير نصوص الكتاب المقدس. وكذلك فإن مصطلح “قراءة الكتاب المقدس” كان يعني تفسيره ودراسته (ذهبي الفم: “إلى العبرانيين”، خطاب 4″8 PG 63, 75).

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

4 ـ تركه لأنطاكية ليصبح راهبًا:

لم يواصل القديس يوحنا ذهبي الفم عمله كمعلّم لأنه ترك أنطاكية عام 372 بعد وفاة والدته أنثوسا، وتوجه إلى منطقة “سيلبيوس” الجبلية القريبة من المدينة ليصبح ناسكًا، وتتلمذ على يد واحد من النساك السوريين. وكان قبل ذلك بكثير قد عبر عن رغبته ليصبح راهبًا. وربما كان ذلك مرتبطًا بعدم اقتناعه بتعاليم ذيوذوروس وبمنهجه التفسيري.

لكنه لم يحقق رغبته تلك في ذلك الوقت إرضاءً منه لأمه التي رجته بأن لا يتركها قبل وفاتها. وكان من المعلوم في أنطاكية أن أنثوسا قد ضحت بحياتها وشبابها من أجل ابنها يوحنا، وعاشت حياة مسيحية فاضلة إلى درجة أن ليبانيوس المشهور كان قد ذكر عنها بإعجاب كبير قائلاً: ” هذه هى المرأة التي تمثل النساء المسيحيات” (PG 48, 601).

لقد تعلم الخطيب البارع يوحنا على يد الناسك السوري الشيخ لمدرة أربع سنوات (بلاديوس هيلينوبوليس: حوار حول سيرة ذهبي الفم 5 PG 47, 18).

ولم يكن الدير الذي تعلم فيه القديس ذهبي الفم ديرًا منظمًا، وإنما كان عبارة عن مكان كان يعيش فيه ثلاثة أو أربعة من النساك. وخلال فترة السنوات الأربع التي مارس فيها يوحنا حياة الرهبنة القاسية تجاوز كل الرهبان وطالب بتطبيق نظام أكثر قسوة وصرامة على نفسه.

وهكذا لجأ إلى مغارة صغيرة في ذلك الجبل تدعى “مغارة حبيب النجار” وعاش حياة رهبانية شديدة القسوة، وكان يدرس الكتاب المقدس ويصلي طوال الساعات الأربع والعشرين من كل يوم، ماعدا فترة قصيرة لم يكن ينام فيها بل كان يستند إلى صخرة ليستريح. وبقى في تلك المغارة لمدة سنتين، إلى حد أن قسوة حياته والبرد الشديد قد أدى به إلى الإصابة بمرض خطير في كليتيه، مما اضطره للعودة إلى أنطاكية في أواخخر عام 378 أو أوائل 379 (PG 47, 18)

 

5 ـ مرضه وعودته إلى أنطاكية ورسمه كاهنًا:

في تلك الفترة، وبعد موت الإمبراطور فالين (أغسطس ـ آب 378) عاد الأسقف ملاتيوس من المنفى. وكان هذا الأسقف يعرف القديس يوحنا ذهبي الفم ويقدره. وبعد شفاء الأخير من مرضه سلمه مهمة التعليم في الكنيسة، ثم رسمه شماسًا عام 380 أو 381. وفي عام 385 أو 386 رسمه خلف ملاتيوس الأسقف فلابيانوس أسقفًا. وطوال تلك الفترة عمل يوحنا على التعليم والوعظ.

لقد بدأ القديس يوحنا ذهبي الفم كتابة أعماله منذ انتهائه من دراسته لعلوم الفلسفة وفن الخطابة وبشكل خاص في فترة تتلمذه على يد ذيوذوروس. وواصل كتابته بشكل مكثف عندما عاد من مغارة “حبيب النجار” وكتب بغزارة أكبر منذ عام 381، بالرغم من أنه أصدر أغلب كتاباته في وقت متأخر عن ذلك التاريخ.

ولسنا نعرف الكثير عن الفترة حتى عام 386 حيث أصبح كاهنًا إذ كانت قد عهدت إليه مهام أخرى في الكنيسة، ولكن التفاصيل الكثيرة المذكورة في أعماله عن العمل الرعوي والإنساني لكنيسة أنطاكية تدلنا على أنه كان يشارك في هذا العمل.

6 ـ كاهن ومفسر وراع:

وقد نشط ككاهن في الكتابة والفكر اللاهوتي، حيث كتب بشكل خاص “خطاباته” الشهيرة ونصوص أخرى تتضمن عناصر “رواقية”. وهكذا لم يطور منهجه التفسيري ويثقف المؤمنين بالعلوم اللاهوتية فقط، إنما حارب أتباع “آريوس”، وأتباع “أونوميوس”، والوثنيين (في شخص الإمبراطور جوليان)، واليهود، الذين كانوا يضايقون المسيحيين ويضغطون عليهم للمشاركة في طقوسهم، والأغنياء الذين كانوا يستغلون الفقراء. وأهل أنطاكية الذين كانوا مسئولين عن الظلم الاجتماعي، والحياة الإباحية المليئة بالعروض والعادات اوثنية.

وكراع محب ومخلص لرعيته كان يهتم بكل المشاكل التي يواجهها المسيحيون في أنطاكية، وكان ينصحهم ويقف دائمًا إلى جانبهم. وقد اكتسب شهرة الراعي والخطيب والحامي لأهل أنطاكية، فوصلت شهرته هذه إلى ذروتها عام 387 عندما اندلعت ثورة في المدينة ضد الإمبراطور (وأفراد عائلته) حيث قام أهل أنطاكية بتحطيم التماثيل والأصنام وأضرموا النار في المباني الرسمية والقصر الملكي.

في ذلك الحين لعب القديس يوحنا ذهبي الفم دورًا أساسيًا في حماية السكان من غضب رجال الإمبراطور الذين كانت لديهم الأوامر بقتل عدد كبير من السكان وتدمير قسم من المدينة. وهكذا قتل بالفعل عدد كبير من الشخصيات الكبيرة بالمدينة وصودرت أملاكهم، وأصاب السكان الخوف والهلع لدرجة أن عددًا كبيرًا من الأغنياء تركوا أملاكهم وقصورهم في المدينة وسكنوا في الكهوف المنتشرة في الجبال المحيطة بالمدينة. أما الغالبية الباقية من السكان الذين لم يستطيعوا الفرار بأنفسهم فقد سيقوا إلى السجون وعُذبوا وأُعدموا.

وفي هذه الأوقات العصيبة ترك الرهبان والنساك أديرتهم وصوامعهم وحضروا إلى أنطاكية ورجوا القضاة والحكام للرأفة بسكان المدينة، ووقفوا بين القضاة والمحوم عليهم وصرحوا قائلين إنه إذا كان الإمبراطور يريد حقًا قتل هؤلاء فإنهم يقدمون أنفسهم للإعدام من أجل إطلاق سراح المسجونين من أرباب العائلات. وكان القديس يوحنا ذهبي الفم بين هؤلاء النساك والرهبان، وكان بشجاعة يطالب القضاة والحام بالرأفة والرحمة وقدم نفسه من أجل خلاص أهل أنطاكية (PG 49, 172-175).

وفي الوقت ذاته كان يعزى الأنطاكيين ويقوي أنفسهم وينفخ الشجاعة في صدورهم، ولكنه وبخهم على أعمال الشغب والعنف عديمة الفائدة التي قاموا بها. وبسبب تلك الأحداث خطب ونشر 21 خطابًا من خطاباته الشهيرة المعروفة باسم “خطابات عن التماثيل”، وقد كتب ونشر حتى العام 397 عددًا كبيرًا من كتاباته.

 

ب ـ في القسطنطينية

1 ـ نشاطه الواسع النطاق في الكنيسة واعتلائه للعرش البطريركي في القسطنطينية:

في بداية عام 390 لمع نجم الكاهن الأنطاكي “يوحنا” فأطلق عليه الناس صفة “ذهبي الفم” ولكن دون أن تصبح هذه الصفة لقبًا له. وفي تلك الفترة توفى القديس باسيليوس الكبير (379) والقديس غريغوريوس اللاهوتي (390) اللذان كانا من أهم الشخصيات وألمع العقول اللاهوتية والكنسية. وبقى القديس غريغوريوس النيس وحده لكن نشاطه الكنسي واللاهوتي توقف وتوفى عام (394). وهكذا بقى نجم لامع واحد فقط وهو الكاهن يوحنا في أنطاكية، وإليه لجأ المسئولون السياسيون والكنسيون عندما توفى بطريرك القسطنطينية “نكتاريوس” في 27 سبتمبر 397.

وبعد وقت قصير من ذلك تسلم المسئول عن المساكن الملكية “أوتروبيوس” منصب القنصل عام 399 وأقنع الإمبراطور الشاب “أركاديوس” (395ـ408) بالاهتمام بيوحنا الأنطاكي، أى أن يعمل على نقله من المدينة دون أن يسبب ذلك ردود فعل لدى مؤيديه. ويخبرنا الكاتب “سوزومينوس” أن الشعب والاكليروس في القسطنطينية قد صوتوا لصالح يوحنا ذهبي الفم لكي يعتلي العرش البطريركي فيا. وهكذا أعطى الإمبراطور التعليمات اللازمة لإحضاره إلى المدينة (تاريخ الكنيسة 2:8، 13).

وهكذا تم إحضار يوحنا بلاحيلة إلى القسطنطينية، حيث قام حاكم الإقليم الشرقي “أستيريوس” بأمر من الإمبراطور بإخراج يوحنا من أنطاكية إلى منطقة “رومانيسيا”. وهناك أخذه رسل الإمبراطور وجنود الحرس الإمبراطوري وقادوه إلى القسطنطينية. وقاموا بعد ذلك بإعلامه بسبب إحضاره بهذه الطريقة ثم تم رسمه أسقفًا على القسطنطينية من قبل أسقف الأسكندرية “ثيوفيلوي” في 15 ديسمبر 397، وذلك بالرغم من ردود الفعل العنيفة من البعض الذين كانوا يطمعون بعرش الأسقفية في القسطنطينية (PG 47, 19 & PG 67, 1517)

وقد نشأت صعوبات عديدة، إذ أن عرش القسطنطينية (روما الجديدة) قبل ذلك الحين بست عشرة سنة قد أصبح بقرار من المجمع المسكوني الثاني (381) في المرتبة الأولى بعد روما القديمة. وكان أسقف الأسكندرية الذي كانت أسقفيته تسبق القسطنطينية بالمرتبة حتى ذلك قد قبل على مضض بأولوية القسطنطينية هذه طالما أن ذلك قد حدث بقرار من المجمع المسكوني، لكنه على الأقل كان يريد تعيين أسقف فيها من اختياره الشخصي، وكان قد اختار بالتحديد كاهنًا يدعى “إزيدوروس”، لكنه لم ينجح في رسمه أسقفًا، وتراجع أمام الأمر الواقع. وقد كتب المؤرخ سقراط أن حفل التنصيب قد جرى في 27 فبراير من عام 398 (PG 67, 664B).

 

2 ـ النشاط الروحي ليوحنا ذهبي الفم، ودوره كضانع للسلام في القسطنطينية:

إن أول ما سعى إليه يوحنا ذهبي الفم كأسقف للعاصمة الكبرى للدولة الرومانية الشرقية كان التنمية الروحية للمؤمنين وإحلال السلام بين الكنائس. فبدأ بتنظيم المواعظ، وحاول أن يكون هو بحياته الرهبانية مثالاً لحياة التقشف، وحارب كل المظاهر التي لا تليق بالكهنة والرهبان. وهكذا فإن المواعظ التي خفت كثيرًا في عهد نكتاريوس عادت لتسمع بقوة من جديد، وبدأ المؤمنون يستمعون ويتعظون وكبر اهتمامهم وإعجابهم برئيس الأساقفة الجديد، وزاد إقبالهم على الكنائس وعظم اهتمامهم بالفقراء وكثرت المؤسسات الخيرية وعظم نشاطها.

ولما كان رئيس الأساقفة يعيش حياة متقشفة، فقد قام بإبعاد كل المفروشات النفيسة من الأسقفية وبيعها لدعم المؤسسات الخيرية القديمة والجديدة، كما أوقف كل الاحتفالات المكلفة وكل مظاهر البذخ التي تجري عادة في الأسقفية. كل ذلك كان سببًا للبعض للإعجاب به وتعظيم شأنه، لكنه كان سببًا للبعض الآخر للاستياء منه والابتعاد عنه. وقد استاء البعض منه لأنهم كانوا يظنون أن المظهر الخارججي هو الذي يعطي الجلال لرئيس الأساقفة أما البعض الآخر فقد استاء بسبب الملاحظات التي كان يوجهها إليهم بسبب طريقة حياتهم المترفة.

لقد جاءت ردود الفعل الأولى من الكهنة الذين طلب منهم يوحنا ذهبي الفم، ليس فقط أن يتجنبوا الفضائح وأن يعيشوا حياة صارمة وفاضلة، بل أنه قام بحرمان البعض منهم من الكهنوت، وفرض النظام على الرهبان الذين كان البعض منهم يستغلون بساطة المؤمنين فيعيشون متطفلين على الأغنياء منهم.

بالإضافة إلى نشاطه الروحي، قام يوحنا ذهبي الفم بصنع السلام، وذلك بأول رسالتين كتبهما في القسطنطينية ولكن تلك الرسالتين لم تحفظا للأسقف. الرسالة الأولى كانت موجهة إلى أسقف الأسكندرية “ثيوفيلوس”، والرسالة الثانية موجهة إلى أسقف روما “إينوسينتوس” (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 3:8).

ولم يكن الهدف من هاتين الرسالتين أن يعلن لهما رسميًا عن رسمه أسقفًا على القسطنطينية، ولكن لكي يتم إيجاد حل للإنشقاق الحادث في أنطاكية وذلك عن طريق اعتراف أسقف روما بأسقف أنطاكية “فلابيانوس”. ومن أجل ذلك طلب ذهبي الفم من ثيوفيلوس التوسط لدى أسقف روما إينوسينتوس.

 

3 ـ نشوء وازدياد موجة الاستياء ضد ذهبي الفم:

إزدادت المشاكل التي واجهها القديس ذهبي الفم ونشأ جو معارض له بسبب مهاجمته للأغنياء وأصحاب النفوذ في مواعظه، واتهامهم بالطمع والطغيان. وهكذا فقد كرر سياسته التي اتبعها في أنطاكية حيث عارض عروض التسلية التي تقود إلى الابتعاد عن الفضيلة، كالمسرح الذي يقدم العروض والعادات الوثنية، والرهان على سباق الخيل، كما هاجم الأغنياء لأنهم يبالغون في عرض غناهم وثرواتهم، والنساءء المتقدمات في السن للواتي يبالغن في التجمل والتزين، والمسئولين الكبار للغرور الذي أصابهم.

وكان نتيجة ذلك أن رجال ونساء البلاط الملكي وخاصة الإمبراطورة “أوذوكسيا”، وكذلك القنصل “أوتروبيوس” قد اعتبروا أن القديس يوحنا ذهبي الفم كان يقصدهم في مواعظه. ولكن القديس بالطبع كان يتكلم في مواعظه بشكل عام ولم يكن يقصد أشخاصًا معينين. إلاّ أن أصحاب الشر استغلوا ذلك وفسروا أقواله بأنها تخص هؤلاء من أجل الإضرار به.

وبالرغم من أن القديس ذهبي الفم كان يعتبر أنطاكية أكثر تقدمًا وتطورًا من القسطنطينية، إلاّ أنه أحب رعيته الجديدة محبة كبيرة، وتقرب كثيرًا من المؤمنين من أهل القسطنطينية (PG 48, 795).

لكن مشاعر المحبة لدى رئيس الأساقفة تجاه رعيته من جهة، وإعجاب المؤمنين به وتقديرهم له كقديس، لم يخفف من وطأة الكراهية التي كان يشعر بها الأقوياء وأصحاب النفوذ تجاه ذهبي الفم الذي كان ينتقدهم باستمرار. فحاول هؤلاء إحداث جو سلبي تجاهه، وهكذا فإن أى سبب سيكون بمثابة الشرارة التي تشعل النار ضده. وبالطبع فقد كان هناك الكثيرون ممن كانوا يطمعون بكرسي أسقفية القسطنطينية.

وكان أوتروبيوس كما ذكرنا قد عمل من أجل رسم الأنطاكي المشهور يوحنا ذهبي الفم أسقفًا للقسطنطينية. وكان الأخير رغيبًا عن المدينة ولم يكن يعرف الظروف التي كانت تسود عاصمة الدولة الرومانية الشرقية. وقد سعى البعض إلى الإضرار بيوحنا ففسروا تدخله في شئون الأسقفيات الأخرى بأنها خروج عن النظام الكنسي ومحبة منه للسلطة، دون أن يذكروا حقيقة أسباب تدخله هذا.

وهكذا خسر القديس يوحنا ذهبي الفم خلال فترة قصيرة أكثر مؤيديه بسبب هؤلاء الذين يحاربونه. والأسوأ من ذلك أن أشد المؤيدين له تولوا إلى ألد أعدائه. ولقد تأثر المؤرخ سقراط الذي كتب عن أحداث الفترة 306 ـ 439، والمؤرخ سوزومينوس الذي كتب عن أحداث الفترة 324 ـ 439، بجو العداء الذي انتشر في القسطنطينية ضد يوحنا ذهبي الفم، فكان وصفهما للوقائع متحيزًَا ضده فوصفا صرامته بأنها قسوة، وتقشفه أسلوبًا مظلمًا وسواديًا في الحياة، وجديته حدة وتوترًا.

أما بالاديوس هيلينوبوليس الذي كتب “الحوار” المشهور، كان من المعجبين بالقديس يوحنا ذهبي الفم، لكنه لم يكن يعرف جيدًا الأحداث التي كانت دائرة في القسطنطينية، ولم يكن وصفه للأحداث تفصيليًا بالقدر الكافي.

لقد كان هناك كاتب مجهول كتب سيرة حياة القديس ذهبي الفم، وهو على علم واسع بتفاصيل تلك الأحداث، وكتب كتابه هذا بعد وفاة القديس، ووقع عليه بالاسم المستعار “مارتيريوس الأنطاكي”. وقد أثبتت الأبحاث أن ذلك النص صحيح وعلى قدر كبير من الأمانة (F. van Ommeslaeghe). وقد كتب هذا النص على أغلب الاحتمالات بهدف إحياء ذكرى ذهبي الفم كقديس وشهيد.

 

4 ـ أهم المعارضين لذهبي الفم:

كان “أوتروبيوس” هو الذي أحضر القديس يوحنا ذهبي الفم إلى القسطنطينية وفرضه عليها. وقد نجح في عام 398 بقرار إمبراطوري بإغلاق كل المعابد الوثنية في غزة (ماعدا معبد “زيوس مارنا”). إلاّ أن أوتروبيوس اتخذ فيما بعد موقفًصا معاديًا لذهبي الفم، وألغى القانون المتعلق بحرمة الكنائس المسيحية بالرغم من معارضة القديس لذلك. لكن عمله هذا انقلب ضده، فقد حدث أنه عندما أصبح قنصلاً (399)، قام زعيم الغوط “غايناس” بمحاربته.

وكان غايناس قد طالب الإمبراطور “أركاديوس” بإبعاد أوتروبيوس عن منصبه مقابل وقف هجمات الغوط على الإمبراطورية، فقبل الإمبراطور بهذا لاتفاق. وعند ذلك دخل أوتروبيوس إلى كنيسة القديس “صوفيا” في القسطنطينية هربا من غايناس وعانق المائدة المقدسة طالبًا اللجوء في حرم الكنيسة واحتمائه فيها، لكنه نسى أنه كان قبل سنة من ذلك قد ألغى حرمة الكنائس.

وقد حاول أعداؤه وجمع غفير من الشعب الغاضب إخراجه وقتله، إلاّ أن القديس يوحنا ذهبي الفم بشهامته المعروفة تدخل ووقف بينه وبين الجموع الغاضبة وحماه منها، وألقى في هذه المناسبة طابه المشهور “إلى أوتروبيوس”. وبعد ذلك نُفى أوتروبيوس، وأُعدم فيما بعد في “خالكيذون”.

لقد كان الوضع السياسي والعسكري في الإمبراطورية الرومانية الشرقية وفي العاصمة بذاتها عام 400 مأساويًا. فقد كان يسيطر عليها الغوط بزعامة غايناس الذي اضطر الإمبراطور أركاديوس إلى تعيينه قائدًا للجيش.

وكان يتمركز في المدينة 35000 جنديًا غوطيًا مع عائلاتهم. وطالب هؤلاء بأن يتم إعطاؤهم احدى كنائس يوحنا ذهبي الفم ذلك بشكل قاطع بحضور الإمبراطور والقائد غايناس، عارضًا قانون الإمبراطور ثيوذوسيوس الكبير الذي كان يسمح لأصحاب البدع بأن تكون لهم كنائس أينما يريدون ولكن خارج أسوار المدينة (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 4:8، 6ـ9).

لقد أعطى القديس يوحنا ذهبي الفم كنيسة للغوط الأرثوذكسيين لإجراء الصلاة بلغتهم. وقد عمل على إعادة الغوط الآخرين إلى بوتقة الأرثوذكسية، فأحضر لهم كهنة أرثوذكسيين يجيدون لغتهم ليعلموهم أصول الإيمان الأرثوذكسي الصحيح. وعندما أراد غايناس ذهبي الفم إلى مركز قيادة جيش غايناس خارج القسطنطينية، وأقنعه بإعادة النظر في قراره وأن ينفيهم بدلاً من قتلهم.

وقد استغل أعداؤه هذا الحدث ليتهموه بأنه يتعاون بشكل سري مع الغوط ضد مصالح الكنيسة والإمبراطورية. هذا وقد اضطر غايناس في ناية الأمر تحت ضغط الشعب والجيش الإمبراطوري للإنسحاب من القسطنطينية في ليلة 11ـ12 يوليو من عام 400 حيث لقى الكثير من الغوط حتفهم أثناء ذلك الانسحاب. وفي أواخر العام نفسه قتل غايناس على يد ملك الهون “أولذيس” بالقرب من نهر الدانوب.

لقد ازدادت المعارضة ضد القديس يوحنا ذهبي الفم لأنه لم يتوقف عن الوعظ وعن نشاطه لتنظيم الكنيسة، وعن تدخله لتحسين الأوضاع في أسقفيات الشرق. وكما ذكرنا فقد كان في القسطنطينية عدد كبير من الأساقفة الذين كانوا يجيدون فن الكلام مثل “سيبيريانوس” و “أكاكيوس” وهما أسقفان من سوريا، و “انطيوخوس” وهو أسقف من فينيقية. لقد كان الأول مقربًا من الإمبراطورة “أوذوكسيا”، أما الثاني فقد غضب لأن القديس ذهبي الفم لم يقم باستضافته وإكرامه بالدرجة التي تليق به كما ادعى.

والثالث الذي كان يطلق عليه البعض أيضًا لقب “ذهبي الفم” كان يصعب عليه وجود “ذهبي الفم الحقيقي” على عرش أسقفية القسطنطينية. لقد كان هناك أيضًا راهب سوري يدعى “اسحق” كان قد جمع حوله الكهنة المستائين من ذهبي الفم أو المعاقبين منه. لكن الوضع بشكل عام كان تحت السيطرة حتى فترة عيد الفصح من عام 401، إذ أن المعارضين لذهبي الفم كانوا ينشطون فقط من وراء الكواليس.

 

5 ـ التدخل في مشاكل الأسقفيات في أسيا الصغرى وبشكل خاص في أسقفية أفسس:

لقد زادت حدة الأوضاع بسبب الاضطرابات التي حدثت في أفسس، وبسبب غياب ذهبي الفم عن القسطنطينية لمدة ثلاثة أشهر. لقد أثار “أوسيبيوس” أسقف “فالنتينوبوليس” مسألة أفسس في القسطنطينية في ربيع عام 400 واتهم في كتاب خطي أسقف أفسس “انطونينوس” بلارشوة والاستغلال المادي للنعمة الإلهية. وقد اضطر ذهبي الفم تحت ضغط أوسيبيوس إلى النظر في تلك القضية.

وقد حاول ذهبي الفم إقناع هيئة الاتهام بإعادة النظؤ في الاتهام. لكن أوسيبيوس أظهر نص الاتهام الموقع ليس فقط من قبل الأساقفة بل من جمع غفير من المؤمنين. وعند ذلك فقط تراجع ذهبي الفم عن موقفه وبموافقة عشرين أسقفًا من “طراقيا” وأسيا الصغرى ومصر وسكيثيا. لقد كان من المفروض أن ينظر ذهبي الفم في قضية الأسقف الذي لم يكن تابعًا لسلطة كنيسة القسطنطينية، وخاصةً أن حدود سلطة الكنائس لم تكن محددة بشكل واضح.

لقد كان القديس يوحنا ذهبي الفم يعمل بشعور عالٍ من المسئولية في المناطق التي خضعت في النهاية إلى سلطة كنيسة القسطنطينية، فأرسل الإرساليات وأنفق الأموال وكان لذلك نتائج حسنة. لقد كان ذهبي الفم مترددًا حول هذا الموضوع العالق ولكن حضور بقية الأساقفة وإخضاع مختلف أسقفيات أسيا الصغرى لسلطة كنيسة القسطنطينية، والتخوف من تعاظم المشاكل أدى إلى عقد مجمع كنسي لحل تلك المشكلة.

وقد عقد المجمع في الفترة مايو ـ يونيو من عام 400 وتقرر النظر في المسألة فورًا من قبل ثلاثة أساقفة (PG 47, 48-49). وصدر القرار بحرمان أنطونينوس من سر القربان المقدس وإباعده عن الكنيسة. هذا وقد توفى أنطونينوس في خريف العام نفسه.

لكن المشاكل لم تنته. فقد دعى ذهبي الفم من قبل بعض أساقفة المنطقة للسفر إلى أفسس. فذهب إليها في يناير من عام 401. ودعا هناك لعقد مجمع محلي ورسم شماسًا تابعًا له اسمه “هيراكليذيس” أسقفًا، وقام بتنظيم شئون الكنيسة هناك، وحرم ستة أساقفة من الخدمة في لكنيسة بموافقة 79 أسقفًا من المشاركين في المجمع.

وعندما عاد إلى القسطنطينية بعد فترة وجيزة من عيد الفصح (14 ابريل) اضطر إلى حرمان عدد آخر من الأساقفة من الكهنوت. وقد وصف أعداؤه وعدد كبير من الباحثين أعماله تلك بأنها تدخل في شئون كنيسة أخرى وهى أعمال تعارض القوانين الكنسية، وقد أدى ذلك إلى زيادة الاستياء العام ضده.

 

6 ـ كرم الأرملة، وإيزابل، وملجأ البرص:

لقد حدث خلال الفترة 401 ـ 402 حدثان أديا إلى زيادة حدة التوتر في علاقة القديس يوحنا ذهبي الفم مع أصحاب النفوذ. الحدث الأول يتعلق بالإمبراطورة أوذوكسيا التي استولت على كرم تتملكه امرأة أرملة استنادًا إلى قانون عرفي قديم. وكانت الأرملة تكسب رزقها من هذا الكرم ولكن الإمبراطورة رفضت إعادته إليها. فطلبت الأرملة مساعدة القديس يوحنا ذهبي الفم الذي تدخل لدى الإمبراطورة مرات عديدة لأجل هذا الموضوع مما أثار غضبها.

وقد ساعد في زيادة غضبها ما كان يدسه لها الأسقف سيبيريانوس من أقوال ضد ذهب يالفم، بالرغم من أن الأخير كان يثق به، وقد عينه مديرًا لشئون كنيسة القسطنطينية خلال فترة غيابه في أسيا الصغرى. ولكن ذهبي الفم اكتشف ما كان يدور من وراء ظهره وقرر إبعاد سيبيريانوس ونصحه للعودة إلى بلده في سورية (Grumel, No. 24).

والحدث الثاني الذي سبب ردود فعل من قبل أصحاب الأراضي الأغنياء هو أن ذهبي الفم قد بدأ بإنشاء ملجأ للبرص خارج المدينة لمن أصيب بهذا المرض الذي كان يسمى في ذلك العهد “المرض المقدس”. لقد كان هذا الملجأ مشروعًا مقدسًا، ولكنه بالضرورة قد أثر على قيمة الأراضي التي كانت تجاوره. وكانت تلك الأراضي ملكًا لأصحاب املاك أغنياء رأوا مصالحهم قد تأثرت بشكل سلبي من هذا المشروع فأصبحوا هم أيضًا من عداد أعداء يوحنا ذهبي الفم.

وهكذا فقد أعد أعداء ذهبي الفم فخًا له، فادعوا أنه وصف الإمبراطورة بأنها “إيزابل” بسبب موضوع كرم الأرملة. ومن المعروف أن النبي إيليا قد وبخ إيزابل لأنها أقنعت زوجها بقتل أحد مالكي الكروم ليأخذ كرمه (2مل20). والنتيجة هى أن إيزابل قد وقعت فريسة للكلاب كما تنبأ لها النبي إيليا (الملوك الرابع 30:9ـ37).

لقد كان وصف الإمبراطورة أوذوكسيا بأنها إيزابل يشكل جريمة بحقها. فواجه القديس يوحنا ذهبي الفم المحكمة التي حكمت عليه بتهمة الخيانة العظمى. وهذا ما ذكره المؤرخ بالاديوس دون أن يؤكد هذا الحدث (PG 47, 30).

ومن الممكن أن يكون القديس يوحنا ذهبي الفم قد أشار مرة في احدى خطبه إلى إيزابل، ولكنه ليس هناك ما يؤكد أنه قد ربط إياها بموضوع الإمبراطورة أوذكسيا. كما أنه لم يأتِ على ذكر إيزابل في أى نص من النصوص التي كتبها. ونذكر هنا أن بالاديوس قد أشار إلى أن ذهبي الفم قد اتهم بأنه دعا الإمبراطورة إيزابل لكنه لم يذكر السبب واعتبر أن هذا الاتهام مغرض.

 

7 ـ خطاب مزيف: ” هيروديا تغضب ثانية ”:

لقد زادت شهية أعداء ذهبي الفم على تزوير أقواله في حادثة أوذوكسيا حتى أنه ظهرت العديد من النصوص والخطابات التي نسبت إليه دون أن تكون له أية علاقة بها. وفي إشارة المؤرخ سقراط (تاريخ الكنيسة 18:6) إلى حادث إقامة تمثال فضي للإمبراطورة أوذوكسيا بالقرب من كنيسة القديسة “صوفيا” عام 400 وإجراء احتفالات تكريمًا لها، ومدى رد الفعل الذي بدر عن ذهبي الفم تجاه ذلك، وقد نسب المؤرخ إلى القدديس قوله للعبارات التالية في احدى خطاباته: “هيروديا تغضب ثانية، غنها تقلق مرة أخرى، وتطالب برأس يوحنا مرة أخرى” (PG 59, 485-490).

ويذكر سوومينوس هذه العبارت أيضًا بتغيير طفيف (تاريخ الكنيسة 20:8، 3) ويربطها برد فعل القديس على الاحتفالات المقامة تكريمًا لأوذوكسيا، ويقول إن هذه الاحتفالات قد تحولت إلى “إهانة للكنيسة”. وهكذا لم يكن من الصعب على الجميع أن يقتنعوا أن هذه الأقوال كانت موجهة إلى الإمبراطورة، التي كان ذهبي الفم بالتالي قد شبهها بهيروديا، وهذا الأمر بالنسبة لذلك العصر كان يشكل إهانة كبيرة للإمبراطورة وخيانة عظمى.

ونلاحظ أن أول المؤرخين الذين كتبوا عن أحداث القديس ذهبي الفم (407 ـ 408) وهما بالاديوس، وبسودومارتيريوس الأنطاكي، لم يشيرا البتة إلى هذا الحدث ولم يكونا على علم بذلك الخطاب. لقد ذكر بالاديوس أن التهمة التي وجهت إلى القديس كانت تهمة الخيانة العظمى، لكنه لم يذكر شيئًا يتعلق بهيروديا. وقد نقل الحدث في النصوص الكنسية التي كتبت في فترة بعد سقراط وسوزومينوس الذين كتبوا أعمالهم قبل عام 450 بفترة قصيرة.

هذا ولم يبق لدينا الآن أى خطاب لذهبي الفم يبدأ بالعبارات التي ذكرناها. ولكن هناك خطاب آخر يبدأ فعلاً كذلك ويذكر أيضًا إيزابل التي لم تكن لها أية علاقة بهيروديا (PG 59, 458-490). وهذا الخطاب يجمع الباحثون على كونه خطابًا مزيفًا (CPG II 4570). إذًا من الواضح أن الخطاب الذي يبدأ بالعبارة “هيروديا تغضب ثانية .. ” هو خطاب ملفق من أجل إسناد تهممة الخيانة العظمى ولإثارة غضب أوذوكسيا.

 

8 ـ ”الاخوة الطوال”:

خلال النصف الثاني من عام 401 غضب أسقف الأسكندرية ثيوفيلوس من رهبان منطقة “نترية” وبشكل خاص رهبان الصوامع الذين يلقبون باسم “الاخوة الطوال”، وذلك بسبب لجوء الكاهن الشيخ “إيزيدوروس” الذي كان يلاحقه ثيوفيلوس إلى صوامعهم. وكان سبب ملاحقته إياه أن إيزيدوروس قد أنفق مبالغ طائلة من الهبات المقدمة إلى الكنيسة من أجل مساعدة الفقراء تلبية لإرادة أصحاب تلك الهبات، ولم يترك شيئًا للإنفاق على مشاريع بناء الكنائس (بالاديوس: حوار 6 PG 47, 22-23).

وقد حاكم الرهبان في محاكمة غير قانونية ولاحقهم وطردهم من صوامعهم وقتل الكثيرين منهم مستخدمًا لذلك رجالاً مأجورين من أتباعه. وقد لجأ هؤلاء أولاً إلى أورشليم، وفيما بعد أى حوالي عام 402 لجأوا إلى القسطنطينية طالبين الحماية من القديس يوحنا ذهبي الفم. وهذا الأخير عندما رأى خمسين راهبًا من الشيوخ والنساك ساجدين أمامه تأثر كثيرًا وذرف الدموع (PG 47, 23-24).

ولما كان ذهبي الفم يعرف النظم الكنسية جيدًا ويعلم طبع ثيوفيلوس القاسي، أعطى للرهبان ملجأ واستضافهم، لكنه لم يسمح لهم بإجراء القداس الكنسي طالما أنهم قد حُكم عليهم من قبل سلطة كنسية أخرى. وكذلك قام بالاستفسار عنهم من المغتربين من الأسكندرية، فكانت كل المعلومات التي حصل عليها حسنة وإيجابية. وهكذا نصح الرهبان بأن يلوذوا الصمت، وكتب على الفور رسالة إلى ثيوفيلوس مليئة بمشاعر المحبة والتواضع، وترجاه فيها أن يعطف على الرهبان (بلاديوس: حوار 7 PG 47, 35).

ولم يأبه ثيوفيلوس برجاء ذهبي الفم، وأرسل رهبانًا من أتباعه يعرفون القوانين الكنسية جسدًا، ليدافعوا عن وجهة نظره، ولكي يقوموا بإظهار الرهبان “الطوال” بمظهر ذوي الذنب العظيم أمام المسئولين في بلاط الإمبراطور.

لكن ذهبي الفم كتب إلى ثيوفيلوس مرة أخرى ليطلعه على كل التفاصيل وطلب منه رأيه خطيًا، لأن الرهبان الطوال قد شعروا بالخيبة بعد التطورات الأخيرة فكتبوا منشورًا لأن الرهبان الطوال قد شعروا بلخيبة بعد التطورات الأخيرة فكتبوا منشورًا شرحوا فيه وضعهم بلهجة قاسية ووزعوه في كل مكان وأعطوه نسخة منه، بالرغم من أنه نصحهم بأن لا يفعلوا أفعالاً كهذه.

وقد أدى العطف الكبير الذي أظهره ذهبي الفم تجاه “الاخوان الطوال” إلى زيادة غضب ثيوفيلوس الذي اعتبر أن أسقف القسطنطينية يطالبه في الرسالة الثانية بأن يعترف بذنبه، ولذلك أجابه بلهجة غاضبة قائلاً: ” أعتقد أنك لا تجهل ما أمرت به قوانين مجمع نيقية … ولكنك إن كنت تجهل ذلك بالفعل، فاعلم كيف هى الأمور واترك الذّم الموجه ضدي، لأنه إذا وجب أن يُحكم عليّ، فليُحكم عليّ من قبل المصريين وليس من قبلك انت الذي تبعد عني مسيرة خمسة وسبعين يومًا”.

وهكذا اشتد توتر الأزمة بين أسقفي الأسكندرية والقسطنطينية، ولم يكن الخلاف بينهما مجرد خلاف في وجهات النظر فقط، بل كان سببه أيضًا الشعور بالاستياء لدى ثيوفيلوس، بسبب فقدان كنيسة الأسكندرية للمرتبة الأولى بين الكنائس، واحتلال كنيسة القسطنطينية لتلك المرتبة إثر قرار المجمع المسكوني الثاني (381).

وأدى هذا الجواب القاسي من قبل ثيوفيلوس، إلى توسيع شق لخلاف بين الاخوة الطوال ومبعوثي ثيوفيلوس في حضرة ذهبي الفم الذي لم يستطع التوفيق بين الطرفين. كما أدى أيضًا إلى توقف ذهبي الفم عن حمايته للاخوة الطوال، لكنه لم يطردهم من القسطنطينية. وعند ذلك عرض الاخوة الطوال أمرهم على الإمبراطورة أوذوكسيا في كتاب خطي مطول طالبوا فيه بأن ينظر حاكم مدينة القسطنطينية في أمرهم، كما طلبوا أن ينظر أسقف المدينة يوحنا ذهبي الفم في أمر ثيوفيلوس (PG 47, 26).

وقبلت الإمبراطورة مطلبهم هذا، وكان على ثيوفيلوس أن يمثل أمام ذهبي الفم في القسطنطينية شاء أم أبى ذلك.

 

9 ـ ثيوفيلوس يلجأ إلى إبيفانيوس لتغيير الجو العام لمصلحته:

حاول ثيوفيلوس في تلك الأثناء بكل الوسائل أن يغير الجو العام الذي تشكل ضده، فنشر إشاعة أن ذهبي الفم كانت لديه اتصالات كنسية مع الاخوة الطوال الذين كانوا من أصحاب النزعة “الأوريجينية”. ولكي ينجح في تحقيق هدفه قام بإقناع أسقف مدينة “سالامينا” بقبرص “إبيفانيوس” المعروف بمعاداته للأوريجينية، بأنه شخصيًا قد تخلى عن نزعته الأوريجينية السابقة ويجب عليهما معًا الآن أن يجاهدا ضد الاخوة الطوال وذهبي الفم (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 14:8، 1ـ4).

وهكذا استعد إبيفانيوس للرحيل إلى القسطنطينية لمواجهة أتباع “أوريجينيس” وليدافع عن ثيوفيلوس، ولكن تمت محاكمة الرهبان الذين أوفدهم ثيوفيلوس من قبل محكمة مدنية، ووضعوا في السجن مؤقتًا إلى حين وصول ثيوفيلوس (402ـ403). لكن هؤلاء الرهبان في محاولة منهم للتخلص من الاتهامات الموجهة ضدهم، ألقوا كل المسئولية على ثيوفيلوس فيما يتعلق بالتهم الموجهة إلى الاخوة الطوال، وصرحوا أنهم كانوا ينفذون أوامر ثيوفيلوس. وهكذا حكم عليهم بتهمة نشر الإشاعات الكاذبة ضد الاخوة الطوال.

في تلك الأثناء وصل إبيفانيوس إلى القسطنطينية في مارس من عام 403، ورفض قبول تكريم واستشافة ذهبي الفم له ورفض مقابلته ومشاركته سر القربان المقدس. وكان فعله هذا يشكل إهانة لأسقف القسطنطينية وخروجًا على القوانين الكنسية. وكان عذره في ذلك أنه اقتنع بصحة كل الاتهامات الموجهة ضد ذهبي الفم، إلى درجة أنه اعتبره من أتباع البدع.

عند ذلك اضطر ذهبي الفم أن يتخذ موقفًا صارمًا تجاه إبيفانيوس. لكن إبيفانيوس بعد أن اطلع على التفسيرات التي قدمها له الاخوة الطوال، تبيّن له أنهم لم يكونوا أبدًا من أتباع أوريجينيس، وأدرك أنه وقع في مصيدة ثيوفيلوس وكان يخدم مخططاته دون علمه. وهكذا غادر أثناء الرحلة وقبل وصوله إلى الجزيرة.

 

10 ـ ثيوفيلوس يصل إلى القسطنطينية:

تجاهل ثيوفيلوس ذهبي الفم وعمل على تغيير الجو العام وتوجيهه ضده. وفي تلك الأثناء كان أعداء ذهبي الفم يتابعون تلك الأحداث، فكانوا يتشجعون بذلك وتزيد أعمالهم العدوانية ضده. ووصلوا إلى درجة قولهم أن ذهبي الفم كانيستخدم ترياقًا سحريًا ليجتذب إعجاب المؤمنين. ولما تصاعدت الشائعات ضد ذهبي الفم، اقتنع الإمبراطور أركاديوس للدعوة لعقد مجمع كنسي على مستوى عالٍ عام 403 حيث سيقوم ثيوفيلوس بغياب ذهبي الفم بشرح موقفه تجاه الاخوة الطوال.

وصل ثيوفيلوس إلى خالكيذون في شهر أغسطس من عام 403 وبرفقته 36 أسقفًا من أعوانه بكنيسة الأسكندرية. وقد سافر برًا بهدف إٌناع الأساقفة الذين زارهم في طريقه بوجهة نظره. وكذلك أرسل أعوانه إلى أنطاكية ليبحثوا عن ماضي ذهبي الفم والخطايا التي ربما كان قد ارتكبها، لكن بحثهم هذا لم يكن مثمرًا.

ولم يكن الكثير من المؤمنين مقتنعين أبدًا بالإتهامات الموجهة إلى القديس يوحنا ذهبي الفم. ولذلك فعندما وصل ثيوفيلوس إلى ميناء القسطنطينية قادمًا من خالكيذون، لم يذهب أحد من السكان لاستقباله، بل كان في استقباله فقط نخبة من بحارة سفن الأسكندرية الذين أحضروا لهذا الغرض. وقد نزل ثيوفيلوس ضيفًا على امرأة مسنة من أغنياء المدينة اسمها “أوغرافيا” كانت مستاءة من انتقاد ذهبي الفم للنساء العجائز اللواتي يقمن بتجميل أنفسهن.

وبقى ثيوفيلوس لدى تلك المرأة ثلاثة أسابيع دون أن يقبل بلقاء ذهبي الفم. لكنه التقى بالأسقف سيبيريانوس وبقية الأساقفة الذين حرمهم ذهبي الفم من الكهنوت وبقية أعداء القديس. وقد ساعد هؤلاء ثيوفيلوس بإقناع الإمبراطور بلقائه لوحده ودون أن يدلي بأقواله فيما يتعلق بالاتهامات الموجهة له من قبل الاخوة الطوال والشيخ إيزيدوروس. ومن المحتمل أن يكون ثيوفيلوس قد التقى بالإمبراطورة أوذوكسيا واتفق معها على خلع ذهبي الفم عن كرسي كنيسة القسطنطينية (PG 47, 8-9).

وسكن ثيوفيلوس فيما بعد في الشاطئ الأسيوي من القسطنطينية في منطقة دريس بالقرب من خالكيذون. وكان القنصل “روفينوس” فيما مضى قد بنى هناك قصرًا كانت توجد في حديقته كنيسة للقديسين بطرس وبولس ودير صغير. هناك تم التحضير لإيجاد الشهود وترتيب الاتهامات الموجهة إلى ذهبي الفم، حيث إن شماسين اثنين كان قد عزلهما ذهبي الفم، الأول لتهمة القتل والثاني لتهمة الزنى، قد أعدا الاتهامات (PG 47, 27).

 

ج ـ ذهبي الفم يواجه الحكم عليه الذي أعد من قبل

1 ـ مجمع دريس:

في سبتمبر 403 كان كل شئ معدًا لعقد مجمع دريس حيث اجتمع هناك 36 أسقفًا من المقربين من ثيوفيلوس. وأقنع هؤلاء الإمبراطور أركاديوس بإرسال رسول إلى ذهبي الفم لاستدعائه للمثول أمام المجمع المذكور. ولك يكن ذهبي الفم يعلم مضمون الاتهامات الموجهة إليه من قبل ثيوفيلوس، وأصر على مبعوثيه بأن يقوموا بإعلامه سبب محاربته إياه (PG 47,9).

وعندما علم ذهبي الفم أن ثيوفيلوس يعد لعقد مجمع لأساقفة من أقاليم أخرى أغلبهم من مصر، بالإضافة إلى بعض الأساقفة المعزولين، عند ذلك دعا أساقفة من أصدقائه بلغ عددهم حوالي الأربعين أسقفًا إلى مركز أسقفيته (PG 47,27).

ولم يكن ذهبي الفم يعترف بشرعية مجمع دريس لأنه وفقًَا لقوانين الكنيسة لم يكن باستطاعة ثيوفيلوس محاكمة أسقف ينتمي إلى كنيسة أخرى. وكذلك فإن ثيوفيلوس لم يكن باستطاعته أن يحكم في القضية لأنه لم يكن قد صدر بعد الحكم في القضية التي اتهمه فيها الاخوة الطوال. كما أن حكمه ما كان من الممكن أن يكون نزيهًا لأنه كان معروفًا لعدائه تجاه ذهبي الفم، وبالتالي وجب أن يتم استثناؤه من بين القضاة.

وهذا ما ادعى به ذهبي الفم عندما تم استدعاؤه للمثول أمام المجمع أربع مرات متتالية، وصرح أنه مستعد للمثول للمحاكمة من قبل ألف ومئة أسقف، ويكفي أن يتم استثناء أعدائه أمثال ثيوفيلوس وسيبيريانوس، وأن يعلم مضمون محضر الاتهام (PG47,9).

لقد استطاع ثيوفيلوس بحنكته أن يقنع رئيس الشماسين لدى ذهبي الفم بالوقوف إلى جانبه. وقد أرسله إلى الكنائس والمجامع فاستطاع بشتى الوسائل تحريض الكهنة ورجال الدين ضد ذهبي الفم. وهكذا ظهر أن المجمع الذي دعا إلى عقده ثيوفيلوس في دريس كان أعضاؤه أكثر عددًا من المجمع الذي عقده ذهبي الفم.

وفي دريس تم تحضير 46 اتهامًا ضد ذهبي الفم، وكانت هذه الاتهامات تتعلق بشخصية ذهبي الفم سريعة الغضب حسب ما ادعى، وبتدخله غير المشروع في شئون كنائس أسيا الصغرى وبمدافعته عن الاخوة الطوال. وقد انتشرت الاشاعة أنه قد تقرر في مجمع دريس قطع رأس يوحنا ذهبي الفم.

 

2 ـ استعداد ذهبي الفم للاستشهاد يؤثر في الأساقفة:

لقد كان الأساقفة المحيطون بذهبي الفم في الأسقفية يعرفون تفاصيل الأوضاع ولذلك لم يكونوا يعلمون ماذا سيفعلون. إذ أن ثيوفيلوس الذي كانت تثقله الاتهامات استطاع أن يجعل الأقوياء يقفون إلى جانبه وضد ذهبي الفم. وبالتالي فهو يستطيع أن يفعل المزيد ضد جميع باقي الأساقفة. وعند ذلك خطب فيهم ذهبي الفم وعبر بهدوء عن مشاعره. وأعلن عما يجب أن يفعله هو شخصيًا، والأساقفة الذين وقفوا إلى جانبه. وطلب من الجميع أن يصلوا إلى الله، وأن لا يتخلى أحد عن أسقفيته بسبب ذهبي الفم.

لقد كان ذههبي الفم مستعدًا لجميع الاحتمالات، وشعر أنه يسير في درب التضحية، وأنه يقترب من نهاية حياته التي كانت مليئة بالأحزان. لقد كان يعلم أن الشيطان يحضر له المكائد وطلب من الجميع أن يتذكروه في صلواتهم.

لقد تأثر الأساقفة لدى سماعهم كلمة ذهبي الفم هذه، وذرفوا الدموع. لكنه شجعهم قائلاً إن الكثير من الأنبياء العظام قد قتلوا، وتم قطع رؤوس العديد من الرسل، كما تعذب الكثيرون الآخرون من أجل إيمانهم. وعند ذلك قال له أسقف أفاميا “أوليسيوس”: ” لكي نحتفظ بأسقفياتنا سوف نضطر أن نشارك في القداس الإلهي مع أساقفة ثيوفيلوس وأن نوقع على القرارات التي سيتخذونها “. وعند ذلك أجاب ذهبي الفم قائلاً: ” شاركوهم في القداس الإلهي لكي تتجنبوا وقوع انشقاق في الكنيسة، ولكن لا توقعوا على قراراتهم. ذلك لأني لم أفعل شيئًا يستحق عزلي (PG 47, 27-28).

 

3 ـ دعوة ذهبي الفم لمحاكمته في دريس وجوابه:

في الوقت الذي جرت فيه تلك الأحداث وصل إلى القسطنطينية أسقفان قادمين من دريس، وقد أرسلهما ثيوفيلوس الذي تصالح مع الاخوة الطوال وشملهم في مجمعه. وقد استقبل ذهبي الفم هذين الأسقفين الذين سلماه الدعوة للحضور للمحاكمة أمام ثيوفيلوس والأساقفة الذين معه في دريس (PG 47, 9-10, 27-29).

فصرح ذهبي الفم أنه في حال حضور الأساقفة ثيوفيلوس وأكاكيوس وسيبيريانوس وأنطيوخوس في دريس بصفتهم حكامًا فإنه في تلك الحالة لن يحضر إلى دريس. أما إذا كانوا من هيئة الاتهام فقط فإنه مستعد أن يرد على اتهاماتهم. ولذلك طالب بأن تتم محاكمته من قبل مجمع كبير حتى ولو كان مجمعًا مسكونيًا.

 

4 ـ أعداء ذهبي الفم يتسرعون، وأحكامهم مقررة مسبقًا:

لم تكن في نية ثيوفيلوس وأعوانه أن يناقشوا الأمر أو أن ينتظروا كثيرًا، فقد ذكر بالاديوس أن النظر في الاتهامات وكل الاجراءات التي استلزمها المجمع قد استغرقت يومًا واحدًا فقط. فقد كان قرار حرمان ذهبي الفم من الكهنوت قرارًا تم اتخاذه مسبقًا، ودون انتظار سماع أقواله. لقد كان الجميع متأكدين أنه على الأغلب لن يحضر للإدلاء بأقواله.

وبالفعل فإن ردود الفعل الأولى من قبل ذهبي الفم قد دلت على أنه ما كان ليقبل المثول أمام مجمع غير قانوني لأساقفة أثقلتهم الاتهامات الموجهة ضدهم لأعمال يعاقب عليها القانون. وقد ظهر استعجال أعدائه للحكم عليه من المعاملة التي لاقاها ثلاثة من مبعوثيه من الأساقفة إليهم، حيث ضربوا الأول منهم، ومزقوا ثياب الآخر، ووضعوا رقبة الثالث في طوق حديدي. لقد كان ثيوفيلوس وأعوانه يفضلون أن لا يمثل ذهبي الفم أمام المجمع، لكي يصدروا عليه حكمهم بسهولة.

 

5 ـ إصدار الحكم بالخيانة العظمى:

في أواخر شهر سبتمبر حكم على ذهبي الفم بالرحمان من الكهنوت. وقد وقّع 45 أسقفًا على الحكم الصادر وطلبوا نفيه. وكان سبب هذا الحكم أنه رفض المثول أمام مجمع دريس. لكن ذلك كله لم يرض ثيوفيلوس وأكاكيوس وسيبيريانوس وأنطيوخوس، فاتهموا ذهبي الفم بجريمة الخيانة العظمى، وعرضوا إشارته إلى إيزابل كإهانة للإمبراطورة، وكانت تلك جريمة يعاقب عليها بالموت. ولكن وجب أن يقرر الإمبراطور بنفسه إصدار هذا الحكم، ولذلك تمت إحالة ذهبي الفم للمثول أمام الإمبراطور. لكن الإمبراطور اكتفى بنفي ذهبي الفم.

 

6 ـ سجل الاتهام:

لقد تم اعداد سجل الاتهام خلال انعقاد مجمع دريس، ويتألأف من أربعة مجموعات من النصوص، وكان المؤرخ الوحيد الذي أشار إليها هو فوتيوس (PG 103, 105-113). وهذه الاتهامات هى:

أ ـ اتهامات عامة بلغ عددها 13 اتهامًا.

ب ـ 29 اتهامًا أعدها الشماس الأول لذهبي الفم.

ج ـ ثلاثة اتهامات أعدها راهب يدعى “يوحنا”.

د ـ 17 اتهام أعدها “إيساكيوس”. ويضضيف فوتيوس أيضًا ثلاثة نصوص تتعلق أيضًا بالاتهامات وهى لكل من “جيرونديوس” و “فافستينوس” و “يوحنا”، إذ أن هؤلاء الثلاثة قد صرحوا أن ذهبي الفم قد حرمهم من الكهنوت ظلمًا.

إن الاستعجال في المجمع لكي تم اتخاذ قرار بإدانة ذهبي الفم يدل على عدم وجود شهود ذوي مصداقية، والتخوف من حدوث تغيير في الرأي العام لصالح ذهبي الفم، وقناعة داخلية لدى المجتمعين بأنهم يخالفون القانون. وقد ذكر فوتيوس أن أعداء ذهبي الفم الذين حضروا ذلك المجمع كانوا يشكلون في الوقت ذاته هيئة المدعين وشهود الاتهام.

 

لقد بلغ عدد الاتهامات 62 اتهامًا وهى باختصار:

  • + أنه ظلم وشتم وضرب ووشه سمعة الكهنة لأسباب تافهة أو حتى بدون سبب.
  • + باع لمصلحته الشخصية مرمًا وتحفًا موهومبة إلى كنيسة القديسة “أناستاسيا”.
  • + قام برسم عبيد ومحكومين أساقفة دون أخذ رأي الاكليروس، وقد رسمهم خارج مذبح الكنيسة.
  • + تدخل في شئون الكنائس الأخرى.
  • + لقد كان يدخل إلى الكنيسة ويخرج منها دون أن يصلي.
  • + لقد كان يستقبل النساء على انفراد ودون حضور شخص ثالث.
  • + لقد كان يأكل وحده وبشكل مخالف للتعاليم المسيحية.
  • + لم يكن يجري كشفًا على دخل الكنيسة.
  • + كان يجعل من نفسه متهمًا للآخرين وقاضيًا عليهم وشاهدًا ضدهم.
  • + لم يكن يحب استضافة أحد.
  • + كان يسمح للناس أن يخطئوا مرارًا وتكرارًا ويعدهم بمغفرة خطاياهم.
  • + حرض الشعب على الثورة ضد المجمع.
  • + كان يلّم أن المسيح لم يستجب لصلواته لأنه لم يكن يصلي بشكل صحيح.
  • + كان يحترم بشكل خاص اليونانيين والوثنيين.
  • + استقبل أتباع أوريجينيس، واتبع هو شخصيًا تعاليم أوريجينيس.

وقد ذكر المؤرخ فوتيوس أن الاتهامات الوحيدة التي تم النظر بها خلال المجمع هى عقابه لبعض الكهنة وموضع بيع المرمر والتحف وأن المسيح لم يستجب لصلواته، ومسألة تدخله في شئون الكنائس الأخرى. وبعد ذلك صدر قرار المجمع بحرمانه من الكهنوت، وتم اعلام الإمبراطور خطيًا بأنه يجب أن يقرر في مسألة تهمة الخيانة العظمى الموجهة لذهبي الفم.

وبعد ذلك اهتم ثيوفيلوس شخصيًا في إعادة الكهنة الذين عاقبهم ذهبي الفم وحرمهم من الكهنوت إلى مناصبهم ودرجاتهم الكهنوتية السابقة.

 

7 ـ نفى ذهبي الفم لأول مرة واستدعاؤه إلى القسطنطينية:

لقد ثار الشعب فور سماعه لقرار المجمع وعلت صيحات الاحتجاج ضد ثيوفيلوس وسيبيريانوس وكذلك ضد الإمبراطور. لقد ذكر المؤرخ سوزومينوس أن “ذهبي الفم خاف من أن يُتهم أيضًا بأنه يعادي الإمبراطور، ولكي لا يتسبب في المزيد من المشاكل في صفوف الشعب، انتظر إلى أن يتفرق الشعب، وفي اليوم الثالث خرج سرًا من الكنيسة”.

وهذا يدل على أنه بقى في كل هذه الفترة في الكنيسة مع الشعب. ولكن ذهبي الفم قد ذكر في رسالته التي وجهها إلى إينوسينتوس (PG 47, 9) أنه قد تم جلبه في المساء بالقوة من قبل ممثل الإمبراطور إلى السفينة التي ستقوده إلى “برينيتوس” في “بيثينيا” وأن الشعب قد سار وراءه وهو يحتج ويعبر عن أسفه.

إن الوصف الذي يصفه لنا ذهبي الفم للأحداث كما وقعت هو وصف دقيق بلطبع، ولكنه لا يتعارض بالضرورة مع وصف سوزومينوس. فعندما تفرق الشعب ظهرًا خرج يوحنا من الكنيسة سرًا وذهب إلى مكان ما، وعند المساء عندما كان متوجهًا إلى السفينة التي كانت ستنقله إلى منفاه برفقة رجال الإمبراطور، سمع الشعب بذلك فخرج وتبعه إلى السفينة.

أبحرت السفينة بذهبي الفم ليلاً ووصلت إلى برينيتوس. لكنه لم يبق هناك لمدة طويلة. فقد كانت الإمبراطورة امرأة كثيرة التشاؤم ويظهر أنها خافت من حدث ما كهزة أرضية خفيفة أو حلم مزعج أو غير ذلك، لذلك أقنعت زوجها الإمبراطور بإعادة ذهبي الفم إلى القسطنطينية. ولكن السبب الأساسي لتغيير رأيها كان الضغط الذي مارسه الشعب لإعادة ذهبي الفم من المنفى.

8 ـ بقاء ذهبي الفم خارج القسطنطينية وإحضاره إلى العرش:

عندما عاد ذهبي الفم من المنفى سكن في احدى الضواحي خارج القسطنطينية منتظرًا تنفيذ أحد الشروط التي كان قد وضعها لعودته، وهو عقد مجمع لإعادة النظر في الموضوع من أساسه، وأن يتم إلغاء قرار المجمع الذي حكم بحرمانه من الكهنوت.

وخلال فترة بقائه خارج القسطنطينية حدثت أحداث دامية فيها حيث أن أعداءه الذين يقودهم “إيساكيوس” عندما رأوا أن الجو العام قد انقلب ضدهم ولصالح ذهبي الفم، احتلوا الكنائس ومنعوا المؤمنين من الدخول إليا. عند ذلك قام مؤيدو ذهبي الفم بالاشتباك معهم وكانت تلك الاشتباكات دامية مما أدى إلى تدخل الجيش لإعادة الأمن إلى المدينة. وقد اضطر ذهبي الفم بسبب الأحداث الدامية إلى الدخول إلى القسطنطينية لتهدئة الأوضاع قادمًا برفقة 30 أسقف. لكنه استمر في ممارسة الضغط من أجل عقد مجمع لإعادة النظر في قضيته.

لقد استقبل الشعب ذهبي الفم استقبالاً حارًا، وخطب القديس في اليوم التالي أمام الشعب من منبر كنيسة القديسة صوفيا (PG 51, 443-446).

 

9 ـ ثيوفيلوس والأساقفة المقربون إليه يتركون القسطنطينية:

بعد التطورات الأخيرة وجد الأساقفة الذين أدانوا ذهبي الفم أنفسهم في موقف صعب للغايةز لقد ندد الشعب بهم بشدة مما اضطرهم لترك القسطنطينية. وقد لازم ثيوفيلوس منزله خوفًا من الشعب ثم غادر المدينة سرًا على متن سفينة في جنح الظلام، برفقة كل الأساقفة الذين جبلهم معه من مصر.

من جهة أخرى وافق الإمبراطور أخيرًا على مطلب ذهبي الفم وأرسل رسائل إلى الأساقفة يدعوهم فيها لعقد مجمع جديد يعيد النظر في القضية من أساسها. وهكذا فإن الأساقفة الذين بقوا في القسطنطينية كانوا الأساقفة الذين أيدوا ذهبي الفم منذ البداية، أما الأساقفة الذين اتخذوا موقفًا معاديًا له غادروا المدينة وعادوا إلى مواطنهم.

 

10 ـ تحديد سلطات ذهبي الفم في الأسقفية:

لقد هدأت الأمور في القسطنطينية بعد كل ما حدث، ولكن هذا الهدوء لم يكن إلاّ هدوءًا مؤقتًا. فقد عاد الأغنياء والأقوياء من سكان المدينة من جديد للوقوف بمواقف معادية للقديس يوحنا ذهبي الفم بسبب نشاطه الخيري ومواعظه التي ينتقدهم فيها، وبشكل خاص بسبب موضوع ملجأ البررص. وهكذا في الفترة الوجيزة التي سبقت عيد الفصح لعام 404 أصدر الإمبراطور قرارًا بتحريض من أعداء ذهبي الفم يتعلق بالحد من سلطات القديس في الأسقفية ومنعه من إقامة الصلوات والشعائر الدينية.

ويذكر المؤرخ سوزومينوس أنه قبل صدور ذلك القرار قد حدثت أحداث أخرى بسبب التمثال الفضي للإمبراطورة أوذوكسيا. لقد كان هذا التمثال منصوبًا مقابل كنيسة القديسة صوفيا، وكانت تجرى احتفالات صاخبة بالقرب من موقع التمثال مما كان يعرقل إقامة الصلوات في الكنيسة. ومن المحتمل أن ذهبي الفم قد ذكر شيئًا يتعلق بذلك، وقام أعداؤه باستغلال أقواله وتحويرها لإثارة غضب الإمبراطورة عليه. والجدير بالذكر أن سوزومينوس قد أشار إلى أن الإمبراطور لم يحضر القداس الإلهي الذي أقامه ذهبي الفم في عيد الميلاد بسبب إهانته للإمبراطورة حسب الادعاءات التي سبق وذكرناها.

لقد كان ذهبي الفم مصممًا على الادلاء بأقواله أمام الإمبراطور ليشرح موقفه إلاّ أن أعداؤه تخوفوا من نتيجة ذلك وعملوا على تهدئة الأوضاع ونسيان القضية. لكنهم كانوا مصممين على إبعاده فعرضوا اتهامًا آخر وهو أنه عاد ليمارس مهامه في الكنيسة بالرغم من حرمانه من صفته الكهنوتية وبدون إعادة رد الاعتبار إليه من قبل مجمع كنسي جديد. وقد تبنى هؤلاء رأي ثيوفيلوس الذي طالب من مكان وجوده في الأسكندرية بأن تتم إدانة ذهب يالفم اعتمادًا على البند 4 من قرارات مجمع أنطاكية الذي عقد عام 341.

وهذا البند يحكم بالنفي النهائي لأى كاهن تم حرمانه من الصفة الكهنوتية إذا عاد لممارسة الواجبات الكهنوتية بدون قرار من مجمع كنسي يسمح له بذلك من جديد. لكن مؤيدي ذهبي الفم دافعوا عنه لدى الإمبراطور قائلين ان هذا البند تم وضعه من قبل أصحاب البدع بهدف القضاء على القديس أثناسيوس الكبير، وأنه أُلغى لاحقًا في مجمع “سرديك” عام 343 وقد تدخل أسقف اللاذقية “إلبيذيوس” لتهدئة الأمور بين الفئتين إلى حين البت في هذا الخلاف.

لكن أعداء ذهبي الفم ومن بينهم “سيبيريانوس” و “أكاكيوس” و “أنطيوخوس” عملوا باستمرار ومن وراء الستار من أججل نفيه، واستطاعوا فيما بعد أن يقنعوا الإمبراطور بأن يحد من نشاط ذهبي الفم، فطلب الإمبراطور منه بأن يترك الكنيسة. لكن ذهبي الفم أجابه: ” أنا بتدبير من المخلّص دخلت هذه الكنيسة بهدف العناية من أجل خلاص هذا الشعب، ولا أستطيع أن أتركها. ولكن إذا كنت أنت تريد ذلك فأخرجني منها بالقوة، لكي يكون سلطانك حجة لي”.

عند ذلك تدخل الأساقفة الأربعون من أصدقاء ذهبي الفم وترجوا الإمبراطور أركاديوس والإمبراطورة أوذوكسيا وهم يذرفون الدموع من أجل تدارك الأمور وتجنب حدوث الأسوأ. ولكن محاولتهم هذه باءت بالفشل.

 

11 ـ الاشتباكات الدامية في فصح عام 404:

لقد تخوف القديس ذهبي الفم من ردود فعل الشعب خلال هذه المواجهة التي احتدمت بينه وبين الإمبراطور، ولذلك لازم مقر الأسقفية ولم يبرحه. هذا ولم يعبر مؤيدوه من الكهنة والشعب عن احتجاجهم، وإنما كان هناك اتفاق بينهم، فتجمعوا في كنائس معينة مساء يوم السبت العظيم قبل عيد الفصح من أجل إجراء قداس عيد القيامة والمعمودية الجماعية كما كانت العادة تجري في ذلك الزمان.

فعلم أعداؤه بذلك وأقنعوا السلطات بإرسال الجنود لتريق المصلين. فهجم الجنود بأسلحتهم على الشعب داخل الكنائس وضربوا وجرحوا الكهنة وجموع الناس العزل من شيوخ ونساء وأطفال وحطموا الأواني المقدسة وسفوا دماء الأبرياء. وتبع ذلك عمليات القبض على الكهنة وتم إلقاؤهم في السجن وتمت ملاحقة العديد من أفراد الشعب من مؤيدي ذهبي الفم.

 

12 ـ محاولتان لاغتيال ذهبي الفم:

تعرض القديس ذهبي الفم لمحاولتي اغتيال حدثتا بعد فترة قصيرة من عيد الفصح، الأولى أشار إليها المؤرخ سوزومينوس حيث قام شخص بالهجوم على القديس، لكن بعض الناس من الجمع قد انتبهوا إليه وأمسكوا به وسلموه إلى السلطات. لكن ذهبي الفم تدخل لدى السلطات وعمل على إطلاق سراحه. وفي المحاولة الأخرى كان ذهبي الفم موجودًا في مقر الأسقفية، فدخل إليه شخص حاملاً سيفًا، وكان هذا القاتل المأجور عبدًا للكاهن “إلبيذيوس” وهو واحد من أعداء ذهبي الفم المعروفين.

وقد حاول الكثيرون إيقافه لكنه قتل كل من وقف في طريقه. ولما وجد نفسه في موقف صعب حاول الهروب، إلاّ أن شخصًا من الجموع المحتشدة حاول الإمساك به فقتله. وتم القبض عليه في نهاية الأمر وقيد إلى الإمبراطور، لكن عقوبته كانت عقوبة رمزية فقط. وبعد تلك المحاولتين الفاشلتين لاغتيال ذهبي الفم شكل المؤمنون جماعات لحمايته وحراسته بشكل متواصل.

 

13 ـ ذهبي الفم يطلب من أساقفة إيطاليا عقد مجمع كبير للبحث في الأحداث الأخيرة:

لقد أثرت أحداث عيد الفصح بذهبي الفم وجعلته يقتنع أنه لا فائدة من انتظار الإمبراطور لعقد مجمع كنسي. ولذلك قرر أن يكتب رسالة إلى أساقفة إيطاليا، ويعرض عليهم كل الأحداث منذ وصول ثيوفيلوس إلى القسطنطينية وحتى الأحداث الدامية التي جرت خلال عيد الفصح، ويطلب منهم المساعدة من أجل عقد مجمع كنسي.

وقد وجه الرسلة إلى أسقف روما “إينوسينتوس” وأسقف ميلانو “فينيريوس” وأسقف أسيليا “خروماتيوس”. وقد أيد إينوسينتوس ذهبي الفم وأجرى محاولات لدعوة إلى عقد مجمع في ثيسالونيكي لكن دون نتيجة.

 

د ـ المنفى والنهاية

1 ـ القرار بنفي ذهبي الفم:

لقد أدت هذه الأحداث كلها بذهبي الفم إلى البقاء داخل مسكنه لا يغادره ولا يظهر أمام الناس طوال شهرين. لكن أعداءه أصروا على نفيه وأضافوا إلى حججهم احتمال حدوث أحداث شغب جديدة فأقنعموا الإمبراطور أن الهدوء سيحل في صفوف الشعب فقط إذا تم نفي ذهبي الفم. وهكذا أرسل الإمبراطور أركاديوس رسولاً له إلى ذهبي الفم في مساء يوم 20 يونيو ليأمره بمغادرة القسطنطينية وترك الكنيسة، وفي حال معارضته سيتم تنفيذ هذه الأوامر بالقوة.

ودع ذهبي الفم مؤيديه والمقربين إليه والدموع قد ملأت عينيه ونصحهم بإطاعة الأسقف الذي سيحل محله لكي يتم تجنب حدوث انشقاق في الكنيسة. لكن الشعب تجمع غاضبًا أمام مقر الأسقفية وكان كل شئ يحذر بحدوث قلاقل، لذلك خرج ذهبي الفم خفية وسلم نفسه إلى رجال الحرس الإمبراطوري.

 

2 ـ أحداث الشغب والحريق الذي تلا خروج ذهبي الفم إلى المنفى:

لم يبق موضوع خروج ذهب يالفم من القسطنطينية سرًا على الشعب الذي بدأ يبحث عنه فلا يجده. وتجمع حشد من المؤمنين حول وداخل الكنيسة التي كان من المفترض أن يكون القديس موجودًا فيها. هذا ولم يكن بين الجموع أصدقاء ذهبي الفم ومؤيديه فقط بل اندس أعداؤه أيضًا بين الجموع. وتدخلت قوات الحرس الإمبراطوري لتدارك الأمور فأغلقت أبواب الكنيسة، فحدثت اشتباكات واندلعت النار في الكنيسة وأحرقتهها بالكامل وانتقلت إلى المباني المجاورة. وقد اتهم أعداء ذهبي الفم مؤيديه بأنهم أشعلوا النار في الكنيسة انتقامًا منهم لملاحقة السلطات له.

أما مؤيدو ذهبي الفم فقد اتهموا أعداءه بأنهم هم الذين أشعلوا النار ليلقوا التهمة عليهم ويدجوا حجة لملاحقتهم وملاحقة ذهبي الفم. ومن الصعب هنا أن نعرف أى جهة كانت على حق ولكن على الأغلب فإن النار قد اندلعت بالصدفة خلال الاشتباكات التي حدثت في الكنيسة.

 

3 ـ ملاحقة مؤيدي ذهبي الفم في القسطنطينية:

وصل ذهبي الفم على متن مركب صغير إلى “نيقيا” في “بيثينيا” وانتظر فيها أمر الإمبراطور الذي سيحدد فيه مكان منفاه. وقد قرر الإمبراطور نفيه إلى مدينة “كوكوسوس” بأرمينيا في أسيا الصغرى، وه مدينة تقع بالقرب من مدينة أضنة. وفي تلك الأثناء واجه مؤيدو ذهبي الفم من الكهنة والشعب ملاحقة السلطات وعمليات الاعتقال والسجن. وقد خلف الأسقف “أ{ساكيوس” ذهبي الفم على عرش أسقفية القسطنطينية. إلاّ أن فترة بقاء أرساكيوس على عرش الأسقفية لم تطل وخلفه في عام 406 الأسقف “أتيكوس” الذي كان عدوًا لدودًا لذهبي الفم.

 

4 ـ رحلة شاقة إلى المنفى:

لقد تلقينا المعلومات عن رحلة ذهبي الفم من نيقيا إلى كوكوسوس مما ورد في الرسائل التي أرسلها القديس إلى شمامسة في القسطنطينية تدعى “أوليمبياذا” (PG 52, 549-623) وذلك في الفترة 404ـ407.

في نيقيا أمضى ذهبي الفم وقته مركزًا اهتمامه ببعثات التبشير في فينيقيا وبلاد العرب وقبرص وبلاد فارس. وهذا النشاط يفترض أن القديس كان يتمتع بشئ من الحرية.

ولما توجه القديس إلى منفاه اتبع الطريق الرومانية التي تبدأ من نيقيا شرقًا لتعبر أسيا الصغرى وتمر في أنقرة وتستمر إلى قيصرية وتصل فيما بعد إلى كوكوسوس.

لقد عاش القديس وهو يسير على دربه هذا لحظات مليئة بالسعادة وأخرى مليئة بالآلام. ففي العديد من المناطق خرج الكهنة والشعب لاستقباله استقبال الأبطال والشهداء والقديسين. ولكنه كلما ابتعد عن ساحل البحر كلما صارت رحلته أشد صعوبة بسبب التعب من السير على الأقدام والأحوال الجوية القاسية ما بين برد قارس وحر شديد.

ولما وصل إلى أنقرة قابله أسقفها “ليونديوس” بعداوة، وكذلك في قيصرية حيث لم يأت أسقفها “فاريتريوس” لمقابلته. لكن لحسن الحظ أتى العديد من الكهنة وأبناء الشعب ولاقوه بحفاوة ومحبة. لكن حالته الصحية كانت سيئة جدًا من عذاب الرحلة والأمراض التي أصيب بها والحمى الشديدة. لكن الأطباء اعتنوا به واكتسبببب قواه من جديد.

وبالرغم من ذلك بقيت حالة ذهبي الفم الصحية رديئة، ولما كان موجودًا في تلك الحالة تعرض أيضًا لهجمات اللصوص وكان الخطر الذي يتهدد به عظيمًا، وكذلك فقد تعرض أيضًا لتهديدات مجموعة من الرهبان الذين أنذروه بأنه إذا لم يغادر المنطقة سيواجه خطر الموت. وعند ذلك غادر قيصرية محمولاً على فراش بسبب مرضه الشديد، لكنه لم يتحمل السفر وبقى في منطقة تبعد خمسة أميال عن قيصرية.

هذا ولم يكتف فاريتريوس بهذا فأرسل أعوانه الذين دخلوا ليلاً إلى مضجع ذهبي الفم وأجبروه على الرحيل في تلك الاسعة متذرعين بخطر قدوم جماعة من اللصوص الذين أرادوا قتله. وهكذا قرر ذهبي الفم الرحيل بالرغم من حالته الصحية الرديئة، بعد أن فهم ألاعيب فاريتريوس.

 

5 ـ الوصول إلى كوكوسوس:

كان الدرب الذي سار عليه ذهبي الفم نحو مدينة كوكوسوس شاقًا وعسيرًا في منطقة جبال طوروس الوعرة، ووصل إلى المدينة في 20 سبتمبر. وقد ذكر القديس في الرسالة 234 أن تلك الرحلة قد استغرقت 70 يومًا.

لقد اعتنى أهل كوكوسوس بذهبي الفم عناية فائقة، وقدم له أحد ملاك الأراضي ـ ويدعى “ذيوسكوروس” ـ منزلاً ليقيم فيه. وقد شعر القديس هنا براحة تامة حتى أنه ذكر في احدى رسائله أنه يفضل ألف منفى كهذا على الرحلة التي قام بها، وذلك لأنه كانت تجري محاولات في القسطنطينية لتغيير مكان منفاه (Pg 52, 611-612). وفي ذلك الوقت وصلت إلى كوكوسوس الشماسة “سابينياني” التي كانت واحدة من أقربائه، فساعدته كثيرًا.

لقد ترتبت على ذهبي الفم هنا واجبات عديدة، حيث كان يزوره العديد من الكهنة وأبناء الشعب من مختلف الأماكن وحتى من أنطاكية. لقد كان يتابع نشاطات التبشير ويساعد كل من كان ملاحقًا ويعطي النصائح لمعاونيه. وقد كان أصدقاؤه يرسلون له المال الذي يحتاج إليه في عمله هذا، ومن بين هؤلاء الشماسة أوليمبياذا.

ولكن عندما حل الشتاء ثانية اشتدت به الأمراض من جديد. وفي أوائل عام 406 اضطر إلى الانتقال إلى مدينة “آرابيسوس” التي تبعد 4 كيلومترات عن كوكوسوس هربًا من هجوم اللصوص. وهناك كان يفتقد لوجود الأدوية الضرورية. لكنه لم يتوقف عن الكتابة إلى أسقف روما إينوسينتوس وبقية أساقفة المدن الغربية من أجل عقد مجمع كنسي.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال فترة نفيه أى منذ وصوله إلى نيقيا وحتى صيف عام 407، قد كتب 240 رسالة من أجل إعطاء النصائح والإرشادات لمختلف الأشخاص ولكي يخفف من آلام العديدين الآخرين. وكان في مساعدته للآخرين يجد قوة كبيرة وتعزيات ليست بقليلة وكتب أيضًا في كوكوسوس كتابين حول مصائب وعذاب البشر، وذكر أن البشر يجب ألا يفقدوا ثقتهم وإيمانهم بالرب محب البشر وإنما أن يواجهوا كل الشدائد كتجارب يسمح بها الله يكون الهدف منها الربح المعنوي والروحي (PG 52, 460-528).

 

6 ـ منفاه الجديد في ”بتيوندا” بالقفقاس:

لم يهدأ أعداء ذهبي الفم وخاصةً هؤلاء الموجودين في القسطنطينية. فقد كان الاحترام والتكريم الذي يلقاه من الشعب والكهنة من الشرق والغرب عظيمًا، وبشكل خاص من أنطاكية. وكانت شهرته تزداد يومًا بعد يوم، وكان لايزال مصرًا على عقد مجمع كنسي للنظر في قضيته.

وكان الكثيرون من أصدقائه يرفضون تناول القربان المقدس من خلفائه أرساكيوس وأتيكوس بالرغم من الأمر الذي أمرهم ذهبي الفم به قبل مغادرته إلى المنفى، وبالرغم من الاضطهاد الذي كانوا يتعرضون إليه بسبب موقفهم هذاز ولهذا السبب أصدر الإمبراطور أركاديوس أمرًا في العام 404 يجبر الجميع على تناول القربان المقدس من خليفة ذهبي الفم، وكذلك من ثيوفيلوس ومن أساقفة أنطاكية “بورفيريوس”.

وفي روما أيضًا استمر الأسقف إينوسينتوس في إصراره على عقد مجمع جديد لإعادة النظر في قرارات مجمع دريس. لكن أعداء ذهبي الفم والإمبراطور أركاديوس ـ بالرغم من وفاة الإمبراطورة أوذوكسيا التي كانت تضغط عليه باستمرار ـ كانوا يخافون من نتائج مجمع كهذا. لذلك قرر الإمبراطور بعد سماعه لنصائح أعداء ذهبيالفم بأن يغير مكان منفاه، وأن يرسله إلى مكان نائي يصعب الوصول إليه.

وهكذا تم إرساله إلى بتيوندا وهى بلد سكانها من البربر تقع على سفح جبل اقفقاس على الاسحل الشرقي من البحر الأسود (سوزومينوس: “تاريخ الكنيسة” 28:8، 6). هناك كان من العسير على أصدقائه أن يحضروا إليه، وكذلك فإن أعداءه كانوا يتمنون وفاته متأثرًا إما بصعوبات الرحلة التي تبلغ مسافتها 1500 كيلومتر تقريبًا، أو بظروف الحياة القاسية والبدائية في منفاه الجديد.

لقد وصلت الأوامر إلى كوكوسوس في صيف عام 407 وبدأت الرحلة في 25 أغسطس، حيث رافق القديس جنديان حارسان له. وكان أحد الحراس يعامل ذهبي الفم معاملة قاسية جدًا حيث إنه في حال وفاته أثناء الرحلة فإن أجره سيكون أكبر بكثير. وليست هناك معلومات متوفرة لدينا عن تفاصيل الرحلة لأن القديس لم يكن قادرًا على كتابة رسالة أثناء سيره إلى المنفى الجديد، وحتى لو أنه قد كتب رسالة ما فإنها قد ضاعت على الأغلب. ولذلك فإن المصادر الوحيدة التي تتكلم عن فترة الأيام العشرين الأخيرة من حياته هى ما كتبه المؤرخون وبشكل خاص بالاديوس (PG 47, 38-39).

 

7 ـ وفاة القديس العظيم:

وجب أن يتبع ذهبي الفم الطريق الروماني المعروف، لكن يظهر أنه لم يتوجه إلى قيصرية وإنما سار على الدرب الأقصر عبر مدينة “سيفاستيا” و “كومانا” و “أماسيا”، فوصل إلى “شمشوندا” على البحر الأسود، ومن هناك كان سيركب السفينة متوجهًا إلى بتيوندا.

لم يواجه القديس فقط مصاعب الطريق وحالته الصحية المتردية، بل تقلبات الطقس أيضًا وكان يتوجب عليه السير على الأقدام لمسافة عشرين كيلومترًا يوميًا، في ظروف الحر الشديد أو المطر الغزير. لقد أدى ذلك إلى إصابته بالحمى ورفض الجنود السماح له بالتوقف ليستريح ويتعافى في أى مكان. وفي نهاية المطاف وصل إلى “دازمونة” وتجاوز الجنود مدينة كومانا لاختصار الطريق ولكي لا يتركوا له المجال للاستراحة.

وأخيرًا توجهوا به باتجاه الشرق وباتوا في كنيسة القديس “باسيليسكوس”. وكان هذا القديس أسقفًا على تلك المنطقة واستشهد عام 311 في عهد الإمبراطور “مكسيميانوس” وقد كرمه أهالي المنطقة وبنوا تلك الكنيسة وسموها باسمه.

لقد كانت الحالة الصحية لذهبي الفم متردية جدًا، فحاول أن ينام لكن القديس باسيليسكوس ظهر له وخاطبه قائلاً: ” تشجع أيها الأخ يوحنا لأنك ستكون موجودًا معي غدًا “(PG 47, 38) .

وفي صباح اليوم التالي لم تكن لدى القديس القوة للنهوض والسير على أقدامه، فرجا الحارسين بعدم الانطلاق، أو أن ينتظراه حتى الساعة الخامسة، ولكنهما لم يأبها برجائه. فجراه بالقوة خارج الكنيسة وأجبراه على السير. وبعد مسافة خمسة كيلومترات تقريبًا من الكنيسة اقتنع الجنديان أن القديس لم يكن قادرًا على المشي وأنه قد اقترب من نهايته. فعادا به إلى كنيسة القديس باسيليسكوس وهو مرتكز عليهما.

طلب القديس من كاهن الكنيسة رداءً جديدًا ليلبسه ووزع القليل مما يملكه على الحاضرين وتناول القربان المقدس وصلى أمام الجميع للمرة الأخيرة بصلاته المعتادة، فقال “المجد لله من أجل كل شئ”، وأضاف قائلاً: ” آمين” ومد رجليه يوم 14 سبتمبر 407. ولقد هز نبأ وفاة القديسس أرجاء العالم كله ما عدا أعدائه الذين سروا لوفاته. وقد تجمع كثير من المؤمنين والرهبان ودفنوه في كنيسة القديس باسيليسكوس.

 

8 ـ رد الاعتبار التدريجي للقديس ذهبي الفم:

لقد استطاع أعداء القديس ذهبي الفم منذ عام 403 أن يجتذبوا إليهم العديد من الأساقفة. وتجدر الإشارة إلى أن كلا من بطريركية القسطنطينية وأنطاكية والأسكندرية كان يتزعمها أساقفة معادون لذهبي الفم. وقد تأثر العديد من أساقفة الغرب أيضًا بالجو المعادي لذهبي الفم بالرغم من أنه كان يحظى على قدر كبير من الاحترام والتقدير في أوساط الكنيسة الغربية.

ونذكر من هؤلاء اللاهوتي المشهور في الغرب “أوغسطين إيبونا” الذي كان قد سبق له واعترف بتقديره واحترامه لذهبي الفم، لكنه لم يكن يذكره في القداس الإلهي.

لكن الأسقف إينوسينتوس الذي كان يقف دائمًا موقفًا مؤيدًَا لذهبي الفم، رفض الاتصال والمشاركة في الأسرار المقدسة مع كل أسقف ممن لم يكونوا يذكرون ذهبي الفم في القداس الإلهي. وقد أدى ذلك إلى انقسام حقيقي في صفوف الكنيسة كانت له أبعاد أثرت على الشعب أيضًا. فقد كانت ردود الفعل الشعبية كبيرة ومارس أهالي القسطنطينية وعدد كبير من كهنتها ضغوطًا كبيرة على السلطة الكنسية لإدراج اسم ذهبي الفم في قائمة الأساقفة الذين يذكر اسمهم في القداس الإلهي.

وفي عام 418 وجه أسقف القسطنطينية “أتيكوس” الذي كان معروفًا لعداوته تجاه ذهبي الفم، رسالة إلى أسقف الأسكندرية “كيرلس” تكشف عن مدى تعقيد الأوضاع آنذاك. لقد طلب أتيكوس من كيرلس أن يدرج اسم ذهبي الفم في قائمة الأساقفة الذين يذكر اسمهم في القداس الإلهي، وذلك ليس لتطبيق قوانين الكنيسة وإنما كتدبير من أجل أن يحل السلام في الكنائس.

واترف أنه اضطر إلى إدراج اسم ذهبي الفم في القوائم المقدسة لتجنب الانقسام الذي بدأ يحدث في صفوف شعب القسطنطينية، إذ أن مؤيدي ذهبي الفم كانوا يقيمون الصلوات خارج أسوار المدينة (PG 77, 348-349).

وتجدر الاشارة إلى أن أتيكوس قد اقتنع بإدراج اسم ذهبي الفم في القوائم المقدسة عندما حدث في فترة قبل عام 418 بقليل أن زار أسقف أنطاكية “ألكساندروس” القسطنطينية وأخبر الشعب من منبر الكنيسة أنه قد أدرج اسم يوحنا ذهبي الفم في القوائم الممقدسة مما أدى إلى توتر كبير في صفوف الشعب. ولذلك اضطر أتيكوس أن يقوم هو أيضًا بإدراج اسم ذهبي الفم في القوائم المقدسة لكنيسة القسطنطينية.

وفي عام 418 ارتقى الأسقف “ثيوذوتوس” على عرش الكنيسة الأنطاكية واضطر هو أيضًا تحت ضغط شعبي كبير للاعتراف بذهبي الفم، وكذلك فإن أسقف الأسكندرية كيرلس الذي كان قريبًا لثيوفيلوس وخلفا له فقد اضطر هو أيضًا إلى الاعتراف بذهبي الفم. وهكذا نلاحظ أن أسقف أنطاكية ألكساندروس هو الوحيد الذي اعترف بذهبي الفم عن اقتناع شخصي، وأما بقية الأساقفة فقد اضطروا للاعتراف به تحت ضغط شعبي.

وفي عام 428 حدد ” نسطوريوس” تاريخ 27 سبتمبر من كل سنة لتكريم ذكرى القديس ذهبي الفم. لكن أسقف القسطنطينية “بروكلوس” هو الذي رد الاعتبار لذهبي الفم بشكل كامل، فقد طلب من الإمبراطور ثيوذوسيوس الثاني أن يتم نقل رفاة القديس ذهبي الفم من كنيسة القديس باسيليسكوس إلى القسطنطينية. وقد تم جلب الرفاة في 27 يناير 438 إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينية ضمن احتفال مهيب شارك فيه الآلاف من الشعب والكهنة (سقراط: “تاريخ الكنيسة” 7ـ25).

ومنذ ذلك الحين تكرم الكنيسة ذكر القديس يوحنا ذهبي الفم في 13 نوفمبر وفي 27 يناير من كل سنة.

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

1 ـ حياة القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي):

وُلد القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) في نزينزة بإقليم كبادوكية حوالي سنة 329/330م. وكان أبوه الممسمى غريغوريوس أبضًا أسقفًا للمدينة، وهو من الأغنياء ومالكي الأراضي، وربما كان من أصل يهودي، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنه كان في البداية من أتباع بدعة يهودية ـ وثنية يلقب أصحابها أنفسهم باسم “عبدة العلي”، وقد تخلى عن هذه البدعة بعد إصرار وصلوات زوجته المؤمنة نونا.

وقد تابع غريغوريوس الابن دراسته في نزينزة، وفي قيصرية بكبادوكية حيث التقى بالقديس باسيليوس الكبير (341/343م)، وفي قيصرية بفلسطين، وفي الأسكندرية، وأخيرًا في أثينا (350/357م) حيث تعلم على يد كبار الخطباء والمعلمين في ذلك العهد أمثال إيميريوس وبروئيريسيوس، وحيث وطد صداقته بباسيليوس. وخلال السنة الأخيررة من فترة إقامتته بأثينا (356/357م) قام هو بنفسه بتدريس فن الخطابة في مدارسها، مثلما فعل فور عودته إلى نزينزة استجابة منه لطلب أصدقائه الملح من أجل القدوم إلى بلده.

ومنذ الفترة التي قبل غريغوريوس خلالها المعمودية (358/359م)، أصبح على اتصال مستمر مع صديقه باسيليوس، حيث تبعه إلى منسكه في بنطس (بالقرب من نهر إيريس). وهناك مارسا معًا حياة التنسك، وتعاونا على وضع النص النهائي لمؤلفات كان كل واحد منهما قد ككتبها (عمل ريغوريوس على مؤلفه حول “محبة الخير Filokalia”.

وفي أواخر عام 361 أو قبل عيد الفصح بقليل لعام 362، استجاب غريغوريوس لضغوط والده فقبل أن يُرسم كاهنًا، لكنه التجأ لفترة قصيرة فيما بعد إلى منسك باسيليوس، إلاّ أنه عاد بعد ذلك لمعاونة أبيه المسن في العمل الرعوي، مبتدئًا بذلك عطاءه اللاهوتي.

في أواخر سنة 363 أو أوائل سنة 364، وجه أسقف فيصرية أوسبيوس دعوة إلى غريغوريوس من أجل القدوم إلى قيصرية والعمل معه كمعاون له، لكن غريغوريوس اقترح لهذا المنصب صديقه باسيليوس الذي قبل الاقتراح . وفي عام 368/369 تلقى غريغوريوس صدمة قاسية بوفاة كل من أخيه قيصاريوس الذي كان أحد كبار موظفي البلاط، وأخته غورغونيا.

وفي عام 370 بذل جهودًا حثيثة لمساعدة باسيليوس لكي يتم انتخابه أسقفًا لكنيسة قيصرية. هذا وقد رفض غريغوريوس دعوات متكررة له من باسيليوس لتسليمه مهام رعوية في الكنيسة ومسئولية مواجهة ومحاربة البدعغة الآريوسية، وذلك لأنه كان يفضل الابتعاد عن المشاكل والتفرغ لمسئولياته في أسقفية نزينزة (كان والده أسقف نزينزة قد أصبح في ذلك الحين شيخًا متقدمًا في السن، وتوفي عام 374 قبل فترة قصيرة من وفاة زوجته نونا).

في عام 3772 قام باسيليوس برسم غريغوريوس أسقفًا دون رضاه، لكنيسة مدينة سزيم، وهى مدينة صغيرة ليست ذات أهمية تذكر، وكان غرضه من ذلك دعم نفوذه في كبادوكية. لكنه بدلاً من الذهاب إليها، التجأ إلى مكان جبلي عالٍ، ولم يعد إلاّ بعد أن وعده أبوه بأنه لن يضغط عليه للذهاب إلى سزيم، التي قام فيما بعد بزيارتها فقط.

وظل غريغوريوس يعاتب باسيليوس على مبادرته هذه طول حياته، لكن دون أن يعني ذلك أنهما توقفا عن التعاون فيما بينهما، أو أن ذلك الحدث قد أثر على صداقتهما الوطيدة. بل بالعكس من ذلك، فقد ظل غريغوريوس يزور باسيليوس باستمرار، ليناقش معه المواضيع الكنسية واللاهوتية الهامة، مثل مسألة ألوهية الروح القدس، كما أنه كان يعظ في قيصرية.

بعد وفاة أبيه عام 374، تسلم مؤقتًا كل مسئوليات الأسقفية. لكنه عندما اتضح لديه أن مواطني المدينة كانوا يتأخرون عمدًا عن انتخاب أسقف جديد (لكي يحتفظوا به في ذلك المنصب)، ذهب إلى دير القديسة تقلا في منطقة إيزوريا على الضفة الجنوبية من أسية الصغرى، حيث مكث أربع سنوات، أى حتى سنة 378 قضاها في التقشف اليومي والتأمل الروحي والصلاة الدائمة ودراسة الكتاب المقدس ومراسلة الأصدقاء، محققًا بذلك حلمه القديم ليعيش حياة الرهبنة والطهارة والسكينة والتقرب من الله.

في سنة 378 أصيب بمرض شديد لدرجة أنه لم يستطع السفر إلى قيصرية حيث كان باسيليوس قد توفى، ودفن بتاريخ 1/1/379 فبكى عليه بكاءً مرًا. وقد هز هذا الحدث كيانه وترك أثارًا عميقة في نفسه الحساسة المرهفة. وأخيرًا، في عام 378 استجاب لرجاء الأرثوذكسيين في القسطنطينية وذهب إلى هناك حيث كانت أغلب الكنائس فيها تابعة للآريوسيين الذين كانوا يفرضون سيطرتهم المطلقة في المدينة.

واتخذ هناك من كنيسة أناستاسيا (أو القيامة) ـ وهى كنيسة صغيرة متواضعة ـ منطلقًا للعمل الرعوي وللكرازة والتعليم، وألقى فيها “خطبه اللاهوتية” الشهيرة، ووقف إلى جانب الأرثوذكسيين، وبتعاليمه المستنيرة بالإلهام الإلهي بعث الكنيسة الأرثوذكسية من جديد في القسطنطينية. وكان هناك تجاوب كبير من الشعب لتعاليمه لدرجة أن عددًا كبيرًا من اللاهوتيين المقتدرين كانوا يأتون من أمكنة بعيدة من مختلف أنحاء الإمبراطورية لأجل سماعه (أمثال يرونيموس، وإيواغريوس، وبونتيكوس، وغيرهم).

لكن رد فعل الآريوسيين كان عنيفًا، فهاجموه بشدة ولم يترددوا في محاولة قتله ولحسن الحظ، بمجرد أن القاتل وجد نفسه وجها لوجه أمام غريغوريوس، ذلك الناسك والأسقف اللاهوتيالفاضل، لم يتمالك نفسه وتراجع عما كان سيقدم عليه وقد ملأه الشعور بالندم، وطلب التوبة والغفران.

لكن أكبر درجات الحزن والألم تلقاها غريغوريوس من الفيلسوف الكلبي kunikoj ماكسيموس الذي كان قد ساعده في الماضي وحماه من أعدائه، إلا أن ماكسيموس غدره واستطاع أن يُنصب أسقفا في القسطنطينية بدلا عنه عند ذلك شعر غريغوريوس بالمرارة وخيبة الأمل ، فقرر الرحيل.

لكن الرعية الأرثوذكسية تدخلت ورجته بالبقاء، فاقتنع بذلك وبدأ بإرساء عمله المجيد. وفي 27 نوفمبر من عام 380، قام الإمبراطور الجديد ثيودوسيوس بتسليمه كنيسة الرسل القديسين، بعد أن أمر أسقف القسطنطينية ديموفيلوس التابع للمذهب الآريوسي بمغادرة المدينة.

لقد نال غريغوريوس قدرا كبيرا من الشرف والتعظيم، ولكنه أصيب بالمرارة أيضا، خلال المجمع المسكوني الثاني الذي انعقد في مايو سنة 381. لقد اعترف أعضاء المجمع، وعلى رأسهم ملاتيوس أسقف أنطاكية، بريغوريوس كرئيس أساقفة القسطنطينية. وبالموت المفاجئ لملاتيوس تم تسليم رئاسة المجمع إلى غريغوريوس، الذي اقترح بدون تفكير مسبق أن يكون بولينوس الخليفة الشرعي لملاتيوس.

ولم يرض هذا الاقتراح أبدًا الأساقفة الشرقيين، وكذلك أسقفي مقدونيا ومصر اللذين تمت دعوتهما، فحضرا متأخرين إلى المجمع. وقام هؤلاء كلهم بالتشكيك في شرعية كون غريغوريوس أسقفًا للقسطنطينية، بحجة أنه انتقل من أسقفية سزيم. وبالطبع فإن القانون الخامس عشر الصادر عن مجمع نيقية كان يحظر انتقال الأساقفة، ولكن ريغوريوس لم يتسلم قط مهامه الرعوية في أسقفية سزيم.

هكذا كان بالإمكان تجاوز هذه العقبة، لكن غريغوريوس كان رجلاً حساسًا للغاية وشعر بالمهانة، ولذلك استقال في أواسط شهر يونيو، بعد أن ألقى خطبته الشهيرة (Suntakthrioj Logoj أمام الأساقفة.

ورحل فورًا إلى وطنه واستقر في أرينزة واعتنى بصحته، ثم انتقل لفترة إلى نزينزة حيث قام بمساعدة كنيستها، وحارب عام 382 الهراطقة من أتباع أبوليناريوس الموجودين في المنطقة، وأنقذ المدينة من ويلات غضب رئيس الولاية أولمبيوس، وساهم في عام 383 في تنصيب ابن أخيه أولاليوس أسقفًا في نزينزة، ثم عاد بشكل نهائي إلى أرينزة، وأمضى فيها باقي حياته بالزهد والتنسك والكتابة (الأعمال الشعرية)، ورقد عام 390 (وليس عام 389 كما ذكر البعض). وتكرم الكنيسة ذكراه يوم 25 يناير (وكذلك يوم 30 يناير مع القديسين باسيليوس الكبير ويوحنا فم الذهب).

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

2 ـ سيرته الروحية:

يعتبر القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) أو النزينزي واحدًا من أهم وأعظم علماء اللاهوت في الكنيسة بعد يوحنا الإنجيلي. لقد رفعه عمقه اللاهوتي وروحه الشاعرية القوية إلى أعلى مراتب الإبداع. لقد كان غريغوريوس الشاعر الذي صار لاهوتيًا عظيمًا. لقد سيطر الاحساس المرهف على وجدانه بشكل كامل، وهذا ما جعله يذوق طعم المرارة وخيبة الأمل في الكثير من الأحيان، فكان في حالة مستمرة من “الهروب” من أوضاع معينة كان يتورط فيها بسبب الضغوط التي كان يمارسها عليه الآخرون، حيث إنه كان يضطر في النهاية إلى الاستسلام إلى تلك الضغوط برضاه التام.

وكان “هروبه” هذا محصلة لإحساسه المرهف من جهة، ولميله للعيش في حياة النسك والطهارة. وكان يؤمن دائمًا أن ” أعظم فعل هو المحبة وحياة القداسة ومعرفة الله ” (رسائل 49).

كان غريغوريوس يتجنب دائمًا أن ينشط في مجال العمل الكنسي، لكنه في النهاية كان يأخذ على عاتقه مسئولية العناية الرعوية، وكان يواجه أيضًا المشاكل اللاهوتية الكبرى. إن إمكانيته لتقبل تعايش التناقضات في أعماق نفسه لم يكن فقط نتيجة لكونه شاعرًا وأبًا راهبًا وناسكًا من آباء الكنيسة، وإنما لكونه أيضًا لاهوتيًا عظيمًا، دستوره في الحياة هو أن من واجبه أن “يثمر” وأن “يفيد” الكنيسة وأن ” ينشر الضياء ” الذي يشعر به (خطاب Logoj IB 4. PG 35, 848AB ).

وفي حالة غريغوريوس حدث شئ يثير الاستعجاب: لقد اتحدت فيه بانسجام تام شخصية الشاعر، وشخصية الأب الكنسي الراهب المتنسك، وشخصية اللاهوتي. إن ثلاثية الأقطاب التي تتميز بها شخصيته تشكل أعظم صفة له، لكنها تشكل أيضًا السبب الرئيسي في صعوبة تفسير أعماله.

 

العوامل والأسس الرئيسية لأفكاره اللاهوتية:

لقد تركت الدراسات التي قام بها غريغوريوس في كل من قيصرية بكبادوكية، وقيصرية بفلسطين، والأسكندرية، وأثينا، بصماتها الرئيسية على طريقة تعبيره اللاهوتي. كما أثرت صداقته المتينة مع باسيليوس التي استمرت ثابتة طوال حياتهما، من الناحيتين الإيجابية والسلبية على أفكاره اللاهوتية. فالتأثير السلبي قد أتى من واقع أن غريغوريوس كان حتى فترة عام 378 ينتظر دائمًا ليطلع على وجهة نظر صديقه فيما يتعلق بمواجهة المشاكل اللاهوتية الكبيرة في عصره.

وبالرغم من أنه كان يكتب في المواضيع اللاهوتية، إلاّ أنه لم يكن يصل في كتاباته إلى ذروة مجده وعطائه. أما التأثير الإيجابيي فهو أن أعمال باسيليوس اللاهوتية قد شكلت الأساس والصرح الذي ارتكز عليه غريغوريوس، ودافعًا له للإنطلاق نحو الأمام. أى بمعنى آخر، أن شخصية باسيليوس وقفت إلى حد ما، سدًا مانعًا أمام الاندفاع القوي لدى غريغوريوس نحو اللاهوت. ولكن في نهاية الأمر، قام غريغوريوس بتوسيع آفاق باسيليوس.

لقد كانت تعاليم غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي)ة حصيلة لما تأثر به من دراسته في المدرسة الإسكندرانية أو الأوريجينستية، وللاهوت كل من القديسين أغناطيوس، وإيريناؤس، وأثناسيوس الكبير. لقد كانت تجرب والده ـ الذي تتلمذ لسنوات طويلة على يد أتباع بدعة “عبدة العليّ” وقام عام 360 بالتوقيع على بيان “ريميني” الذي تضمن الكثير من الآراء الآريوسية ـ ذات آثار إيجابية وسلبية في آن واحد بالنسبة له.

فلقد ساعدته في تكوين معيار ومقياس للتقليد الأرثوذكسي. لقد كان هذا المعيار ثمرة لوحي الروح القدس قبل كل شئ، فأصبح أكثر المعايير كمالاً للكنيسة في أوائل عهودها (انظر الخطاب: Logoj KQ’ 32, KZ’ 5). وفي خطاباته تلك التي كررها مرارًا، عبر عن قناعته بأن لاهوت الكنيسة يمارس تبعًا لشروط معينة ووفقًا لمنظور محدد، وهذه الشروط وذلك المنظر تقوم الكنيسة ذاتها بوضعهم. ولذلك، فبالرغم من أن غريغوريوس كان أكثر العارفين والمتعمقين في الفلسفة اليونانية من بين كبار آباء الكنيسة، إلاّ أنه كان يفؤق بوضوح بين ممارسة الفلسفة وممارسة اللاهوت.

لقد كانت العلاقة التي تربطه بالثقافة الكلاسيكية القديمة التي كانت سائدة في عصره علاقة طبيعية من جهة، ولكنها كانت أيضًا علاقة تتصف بالحذر. فهذه العلاقة كانت علاقة طبيعية لأنه عاش في تلك الحقبة وتفاعل معها وكان واحدًا من كبار المثقفين في عهده، فكانت أعماله وكتاباته تتفق مع روح عصره.

لكن علاقته هذه كانت أيضًا علاقة يشوبها الحذر، لأنه اكتشف لب وجوهر الحقيقة الإلهية، فعبر عنها من خلال الطرق والأساليب والأطر المتبعة في تلك الأيام. وهكذا، فكما في حالة القديس باسيليوس، فإن القديس غريغوريوس أيضًا قد أُسيء فهمه فيما يتعلق بما قاله عن حقيقة الكنيسة عندما استخدم أساليب الفلسفة الأفلاطونية أو الرواقية أو الأفلاطونية الحديثة، ففي عصره كان يتوجب عليه أن يتبع تلك الأساليب الفلسفية بشكل انتقائي.

لكن المشكلة ليست محصورة في تلك النقطة، بل تكمن في مسألة ما إذا كانت الحقيقة التي تكلم عنها غريغوريوس هى الحقيقة الإلهية، أم أنها من خلال الأساليب الفلسفية المختلفة، تتحول قليلاً أو كثيرًا إلى فلسفة أفلاطونية، أو رواقية، .. الخ. وقد انتبه غريغوريوس إلى هذا الخطر، ففي اللحظات الحاسمة التي كان يضطر فيها إلى التعبير عن الحقائق الإلهية بأسلوب ذلك العصر.

كان يوضح أن هناك فرقًا بين المضمون الفلسفي للمصطلحات من جهة، وبين الحقيقة نفسها التي يتم التعبير عنها بهذه المصطلحات من جهة أخرى (انظر المرجع: ستيليانوس باباذوبولوس، “غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي)”، أثينا 1980، ص89ـ98). وبالرغم من أن غريغوريوس كان أكثر انتقادًا للفلسفة الكلاسيكية من باسيليوس، إلاّ أنه كان واضحًا في رأيه بأنه من المستحيل أن يكون هناك لاهوت بدون تلك الفلسفة (انظر: خطاب Logoj 43. PG 36, 508B/509A).

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

”رؤية الله” اللاهوتية لدى ”اللاهوتي المثالي”:

لقد كان غريغوريوس الأول من بين كبار آباء الكنيسة الذين تكلموا بشكل خاص عن اللاهوت، في ظل ظهور عدد كبير ممن أطلقوا على أنفسهم صفة اللاهوتيين في ذلك الحين، حيث لاقت هذه الظاهرة آنذاك تشجيعًا كبيرًا من أتباع المذهب الآريوسي. ولهذا السبب فإن كلامه يتميز هنا بأنه “سيرة ذاتية”. فعندما يتكلم عن اللاهوت، فهو يصف في نهاية المطاف تلك الإجراءات التي حدثت بداخله، عندما كان هو بنفسه يحاول حل المسائل اللاهوتية:

انظر Logoj KH 3

Logoj KH 2

Logoj LA 3

لقد كان الهدف الذي سعى وراءه غريغوريوس هو أن يتجاوز الآفاق الخارجية للعالم وأن “يكون مع الله”، أى مع الحقيقة، وهو الشئ الوحيد الذي سيؤمن له المعرفة لامؤكدة، وهذه المعرفة المؤكدة هى “الرؤيا الإلهية” التي تكلم عنها غريغوريوس بشكل خاص عندما تحدث عن “البحث عن اللاهوت”. فهو بالأساس لم يكن لاهوتيًا يبحث في الرؤيا بل في اللاهوت، لكن هذا اللاهوت كان مستحيلاً بدون الرؤيا الإلهية. فالرؤيا الإلهية، أى المعرفة الشخصية للحقيقة، ترتبط بشكل وثيق بالطهارة: (انظر Logoj K 12، انظر أيضًا:KZ 3).

وهو يُعبّر عن الواقع الحقيقي، وعن طريقة ممارسة التقشف والطهارة، مستخدمًا الأسلوب الرواقي الذي كان سائدًا في ذلك العصر، وهو طريقة للكتابة والتعبير يفهمها المؤمنون الذين لديهم درجة متوسطة من الثقافة.

لقد اضطر غريغوريوس إلى إيراد الكثير من التوضيحات على مختلف المستويات، بسبب الارتباك الذي خلقته تعاليم يونوميوس حول ما سماه “المعرفة المؤكدة للجوهر الإلهي”. وقد تم بحث ودراسة هذه التوضيحات فيما بعد بشكل مكثف، وأصبحت الآن أكثر دقة بعد مقارنتها بالكتابات المماثلة التي كتبها القديس باسيليوس الكبير. إن المعاني الزمنية التي نستخدمها عندما نشير إلى الله (كان دائمًا وأبدًا، يكون، سيكون)، تتعلق بالطبيعة البشرية لله المتججسد، وليس بالطبيعة الإلهية التي هى لامتناهية وتظل دائمًا غامضة وغير معروفة.

لكن أملنا بالله لا يرتبط بالطبيعة الإلهية ذاتها، (ذات الله)، وإنما يرتبط بما هو “حول الله”. ومعرفتنا لله لا تتعلق بطبيعته “الأولية والصافية” التي يعرفها الثالوث الأقدس فقط، وإنما تتعلق بطبيعته “النهائية”، أى “الطبيعة التي وصلت إلينا”. بهذه الطريقة يميز غريغوريوس بين طبيعة الله التي تبقى مجهولة، وبين إشعاعه الطبيعي الذي يكون وحده معروفًا بالنسبة لنا:

انظر: Logoj KH 17

Logoj KH 3

Logoj LH 7

 

إن الرؤيا الإلهية عند غريغوريوس تصبح شيئًا لاهوتيًا صرفًا. أى أنها تصبح تعاليم خبرة الحقيقة الإلهية، وتصبح بالذات عملية تقود إلى درجة أعلى من خبرة الحقيقة الإلهية، التي تكون منسجمة تمامًا مع الحقيقة الإلهية التي تعبر عنها تعاليم الكنيسة، وخاصةً تلك التعاليم النابعة من الكتاب المقدس. أى بمعنى آخر، فإن كل ما تقدمه لنا خبرة الحقيقة الإلهية لا يمكن أن يكون بالنسبة للكنيسة “غريبًا” أو “دخيلاً”، وإنما “المزيد” الذي يضاف على التعاليم الموجودة أصلاً.

إن الله يهب ذلك “المزيد” إلى “اللاهوتي المثالي”، وهو الوصف الذي يطلقه غريغوريوس على شخص الكنيسة المليء بالمواهب، الذي يصل إلى درجة الرؤيا الإلهية، ليس فقط لأنه يعيش لذة الحياة الروحية، إنما بفضل تبحره وعمق درايته ومعرفته لتلك الحقيقة التي يحتاج إليها المؤمنون من أجل خلاصهم. إن عمل “اللاهوتي المثالي” يتميز بمزايا عديدة في ذلك (انظر: Logoj L17).

فاللاهوتي المثالي إذًا هو فقط ذلك الذي ستكون لديه خبرة أعمق وأوسع بالحقيقة الإلهية، من تلك المتوفرة لدى باقي اللاهوتيين الذين سبقوه أو عاصروه. إنه ذلك الذي سيحقق “المزيد” و “الأكثر” من الحقيقة، ليس فيما يتعلق بالحقيقة بذاتها (التي لا تزيد ولا تنقص)، ولكن فيما يتعلق بباقي اللاهوتيين الذين عاشوا في الكنيسة، فهذا اللاهوتي سيتم اعتباره “لاهوتيًا مثاليًا”.

إن هذا اللاهوتي سوف يتعاون في فكره مع الروح القدس بنفسه للبحث في موضوع الحقيقة الإلهية والتعمق فيه، ليضيف إلى “ما كان الكلام عنه ناقصًا” (رسالة 102، 2) حتى تلك الساعة من أفكار كسبها، أو بالأحرى من الأفكار التي قدمها له الروح القدس بنفسه (Logoj KA 33-34. LA 26-27. MG 65). إن هذا اللاهوت الرائع الذي يتعلق بأعمق خبرات الحقيقة الإلهية يتطلب وجود الثالوث الأقدس “المتألق” الذي “يمتزج” في كيان الإنسان وعقله.

إن قوى الفكر لدى الإنسان لا تكون خلال تلك العملية في حالة استعداد وجاهزية فقط، وإنما يتم من خلالها التعبير عن الخبرة المتزايدة بالحقيقة الإلهية، مما يؤدي بنا في النتيجة إلى “الكلام حول الله” أو إلى “اللاهوت”. إن التعبير عن الخبرة أو التجربة هو من الصعوبة بمكان، لكن من الممكن تحقيقه. وبالطبع فإن ما يظهر من خلال العبارات لا يشكل سوى صورة باهتة وغير واضحة للخبرة (Logoj KH 4)، ولكن على الرغم من ذلك فإن هذه الصورة هى صورة “أصلية” وكافية من أجل الخلاص.

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

مراحل ظهور الحقيقة الإلهية:

نظرًا لأن غريغوريوس كان شخصًا يلم إلمامًا عميقًا بالتقليد، ولديه حس الفكر الثوري، وشعور بأن من واجبه أن يبرر أسباب عطائه اللاهوتي للأصدقاء والأعداء، فقد اضطر أن يتكلم عن فكره اللاهوتي من الزاوية التي تتعلق بمسألة التدبير الإلهي بشكل عام، وبالكتاب المقدس بشكل خاص. ولذلك فقد تطرق في تعاليمه اللاهوتية إلى موضوع مراحل ظهور الحقيقة الإلهية، واصفًا تلك المراحل بأنها “زلازل”، وأن هذه الزلازل تشكل العهود المختلفة للوحي الإلهي أى “العهد القديم”، و “العهد الجديد”، و “الكنيسة” (أى منذ حلول الروح القدس وما تلا ذلك).

إن “الزلزالين” الأولين، أى العهدين القديم والجديد، قد لحقهما “زلزال ثالث” هو عهد الكنيسة، وهو ما يسميه غريغوريوس “بالعهد الثالث”، مكررًا ما قاله غيره من اللاهوتيين. ولكن هناك فرق جوهري بين “الزلزالي الأولين” ـ أو المرحلتين الأوليتين من التدبير الإلهي ـ و “الزلزال الثالث”. فالزلزالان الأولان يتصفان بصفة “الانتزاع”، لأن الله خلال العهدين القديم والجديد “انتزع” في كل مرة شيئًا ما من عادات وتقاليد وأفكار البشر، فقادهم تدريجيًا نحو الكمال.

فهكذا “انتزع” الله في العهد القديم الأوثان، لكنه “غفر” (سمح) للبشر تقديم الذبائح. وكذلك في العهد الجديد “انتزع” عادة تقديم الذبائح، لكنه لم يمنع الختان، فأصبح الأمم يهودًا، واليهود مسيحيين. أما العهد الثالث، الذي بدأ بالعنصرة واستمر بعد ذلك إلى اليم، فهو يتحقق “بواسطة الإضافات” (Logoj LA 26)، باعتبار أن كل ما تم خلال العهد الجديد من أقوال وأعمال ابن الله هو “أصلي”.

ويعني غريغوريوس من مصطلح “إضافات” توسيع مجال معرفة الإنسان للحقيقة الإلهية باستنارة الروح القدس، ذلك التنوير الذي لا يقود إلى حقائق جديدة، وإنما إلى معرفة أكمل لما هو وارد بالأصل في الكتاب المقدس، وهذا يعني زيادة معرفتنا بالحقيقة وليس تحسينها. وهذا ما كان قد سبق ووضحه في القرن الثاني الميلادي كل من ثيوفوروس أغناطيوس، وإرينيؤس الليوني (Elegcoj D 11, 2. E 2,2).

 

عمل الروح القدس:

المرحلة الثالثة من التدبير الإلهي هى عمل الروح القدس ابتداءً بالعنصرة، وخلال العصر الذي جاء بعدها. ويمكن تمييز هذه المرحلة دون أن يتم فصلها عن المرحلتين السابقتين لها، أى العهدين القديم والجديد، بحيث تشكل المرحلة الثالثة استمرارًا للمرحلتين الأولى والثانية، ونتيجة لهما.

ويوضح غريغوريوس من خلال محاولته لشرح هذه الاستمرارية، ولنوعية عمل الروح القدس في كل مكان من المرحلتين السابقتين، قائلاً إنه عندما “اكتملت” مرحلة الحضور “الجسدي” للمسيح على الأرض، بدء “عمل الروح القدس”، الذي هو في الحقيقة “تكميل للأمل”، الأمر الذي تم عن طريق حلول الروح القدس على الأرض و “سكنه” فيها (Logoj MA 5).

ومن أجل أن يوضح لنا غريغوريوس عمل الروح القدس الذي بدأه بعد قيامة المسيح، فهو يضطر لاستعماال عبارات من الممكن أن يساء فهمها. فالروح القدس الآن قد أصبح حاضرًا بيننا يعمل فينا. فكما أن الابن قد اتحد بالبشر “جسديًا”، كذلك “وجب” على الروح القدس أن يظهر “جسديًا أيضًا. وعندما عاد الابن إلى الآب، جاء الروح القدس “بصورة واضحة”. ولكن بالطبع فإن الروح القدس كان يعمل منذ بداية التدبير الإلهي مع الآب والابن.

هكذا يعمل فيظهر تأثيره من خلال معجزات الله والملائكة وتعاليم الأنبياء في العهد القديم، ومن خلال تعاليم تلاميذ المسيح. وفيما يتعلق بهؤلاء الأخيرين كان عمله “ثلاثيًا”، أى على ثلاث مراحل، لأن الرسل لم يكن بوسهم منذ البداية أن يتفهموا كل شئ: المرحلة الأولى كانت قبل أن يتمجد المسيح بآلامه، والمرحلة الثانية أتت بعد القيامة، والمرحلة الثالثة بعد صعود الرب.

ففي المرحلة الأولى كان عمل الروح القدس “خافتًا”، وفي المرحلة الثانية كان أكثر وضوحًا. أما في المرحلة الثالثة فكان “أكثر كمالاً”، لأنه أصبح يعمل وهو حاضر “بشكل جوهري”، أى أنه الآن حاضر في عصر عمله ونشاطه المحض، في “زمان الروح” (Logoj MA 11).

وفي نص خطابه “حول العنصرة” الذي ألقاه في القسطنطينية عام 179، وردت العبارة: الروح القدس “بقدومه في صورة الرب”، من هذه العبارة قد تم بالتأكيد استخدام المصطلح “الرب” في القسم المتعلق بالروح القدس في دستور الإيمان الذي وضعه المجمع المسكوني الثاني (عام 381).

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

البحث عن ”الجمال المخزون” كمنهج نهائي للتفسير:

إن “مراتب اللاهوت” كما رأينا، هى الزيادة التدريجية للتعاليم، طالما كانت تلك ضرورية وطالما كانت هناك استنارة من الروح القدس، ولكن دون أن يعتبر ذلك تدرجًا وتطورًا للعقيدة، الذي يتطلب لحدوثه تحسينًا للعقيدة، وبالتالي وجود نقص ما يعيق في الوصول إلى الخلاص طوال فترات هذه الزيادة. واعتمادًا على مفهوم هذه “الدرجة”، تكلم غريغوريوس في اللاهوت حول الأقانيم الثلاثة والطبيعة الواحدة لله، وحول ألوهية الروح القدس، وحول الطبيعتين الإلهية والبشرية المتحدتين في شخص المسيح الواحد.

إن الخبرة المتزايدة للحقيقة الإلهية، التي يستطيع اللاهوتي “المثالي” أن يكتسبها وفقًا للشروط التي سبق ذكرها، تتجاوز حرفية الكتاب المقدس، وتعتبر جمالاً مخزونًا لهذه الحقيقة. إن هذه العبارات لدى غريغوريوس تتحول إلى مصطلحات ذات معانٍ متعددة، يحاول التعبير بها عن حقيقة أن اللاهوتي يمكنه أن يستوعب من المعاني ما يتجاوز “الحرف” في الكتاب المقدس، فهو ينحني تحت الحروف، ويدخل في أعماقها، ويتجاوزها، ولا يقتصر عليها، وينتقل من الأعماق إلى أعماق أخرى، مستنيرًا بالروح القدس، فيكتشف نورًا إضافيًا.

وبالرغم من أن الحقيقة التي يكتشفها بهذه الطريقة ليست واردة بشكل صريح في “حرف” الكتاب المقدس، إلاّ أنها تنتمي إلى مضمون “الجمال المخزون”، فهى الأوجه المتعددة للحقيقة الإلهية اللامتناهية. إن مصطلح “الجمال المرتبط بمعنى الألوهية والحقيقة، من الممكن أن تتم مقارنته بما ورد في كتاب أفلاطون: “الوليمة Symposium” (Sumposion).

ويعتبر غريغوريوس فيما يقوله هنا أن ما يبحث المرء عنه ويجده فيما بين السطور ووراء الحروف ضمن نصوص الكتاب المقدس ليس غريبًا عنه (أى عن الكتاب المقدس ذاته)، بل بالعكس فإنه يجب أن يكون متوافقًا ومتكافئًا مع مضمونه: (انظر Logoj LA 21. MG 63).

إن المعطيات المذكورة أعلاه تدلنا بشكل واضح على أن غريغوريوس يمارس اللاهوت التجريبي، فيحلل عملية الرؤيا الإلهية متجاوزًا منهج “الافتراض السلبي” (Apofatismoj) الأفلاطوني الحديث، ومزدريًا له، كأن يستخدم مثلاً اللاخوت بذاته لتجاوز المعضلة التالية: ” الرمزية أم التفسير التاريخي ـ الحرفي “؟ وذلك لأنه لا يتوخى بأفكاره اللاهوتية تلك ـ من الناحية الفلسفية ـ المعرفة البدائية (الأولية) لله عن طريق “الافتراض السلبي” بأن الله لا يمكن أن يكون إلهًا، ومن هذا الافتراض يتوصل في النتيجة إلى حقيقة الله.

فغريغوريوس بكونه مؤمنًا ولاهوتيًا، فهو لذلك يعيش الحقيقة الإلهية، ويحاول أن يتوسع أكثر من ذلك ليتوصل إلى اكتساب الخبرة ومعرفة المزيد من أوجه تلك الحقيقة. ففي سعيه المتواصل لتحقيق هدفه بالحصول على ما يسميه “المزيد”، فهو يستعين بالاستنارة من الروح القدس، وليس باستخدام مبدأ “الافتراض السلبي” الذي يعتمد على رفض الصفات التي لا تنتمي إلى صفات الله. وعندما يتجاوز “حرفية” الكتاب المقدس، ساعيًا إلى “الجمال المخزون” للحقيقة الإلهية، يصل مرة أخرى إلى الاستنارة.

وبالعكس فإن التفسير الرمزي الصارم سيجعله مضطرًا لاستنباط العديد من المعاني الخاصة به لكلمات الكتاب المقدس. أما التفسير التاريخي ـ الحرفي فسوف يحصره فقط بما هو وارد بشكل صريح (expressis verbis) من كلمات الكتاب المقدس.

وأخيرًا، فإن القلق الذي كان ظاهرًا على غريغوريوس في كل مرة كان يتكلم فيها عن اللاهوت، وعن تطبيق تلك التحليلات التي ذكرناها في أعماله، يدلنا على مدى رغبته في أن يصبح “لاهوتيًا مثاليًا”، كما أصبح كذلك بالفعل. وهذا ما اعترفت به الكنيسة، حيث إنها أطلقت عليه لقب “اللاهوتي”. وهذا هو التفسير الوحيد لتعدد ألقابه.

 

العلاقة بين أقانيم الثالوث القدوس وألوهية الروح القدس:

في الفترة التي لحقت عام 350 عصفت بالكنيسة خلافات حول مسألة تفسير “نوعية” العلاقة التي تربط بين أقانيم الثالوث الأقدس. هذا وقد قام القديس باسيليوس الكبير بوضع الأسس اللاهوتية من أجل التمييز بين الأقانيم الإلهية الثلاثة والتأكيد على الوحدة في طبيعتها. ولكنه عندما قام في آخر فترات حياته بالتفسير اللاهوتي معتمدًا على آراء يونوميوس Eunomioj فيما يتعلق بألوهية الابن، فإنه عند ذلك قد عبر عن آرائه حول الثالوث الأقدس، متخذًا من أقنوم الابن مركزًا لهذا الثالوث.

ومن الجدير بالذكر أن باسيليوس لا يصف مطلقًا الروح القدس بشكل صريح بصفة “المساوي في الجوهر”، ولا حتى في أهم أعماله وأكملها مثل كتاب “حلول الروح القدس”، الذي كتبه عام 375.

لقد تبنى غريغوريوس بشكل مطلق الأساس اللاهوتي للثالوث القدوس الذي وضعه باسيليوس وبنى أفكاره فوق هذا الأساس، موضحًا ومفسرًا بشكل نهائي تقريبًا، مسألة التمييز بين وظيفة وطبيعة الأقانيم الثلاثة، ليصل إلى فكرة “التساوي في الجوهر” بين الآب والابن والروح القدس. وقد كانت آراؤه المتعلقة بالروح القدس جريئة، حيث إنه بسبب الأفكار الضبابية التي كانت سائدة حول هذا الأقنوم بالذات، كان هو أول لاهوتي في الكنيسة يعبّر عن حقيقة أن الروح القدس هو الله، تمامًا كما أن الآب والابن هما الله (لقد حدث ذلك قبل عام 372: Logoj IG 4. PG 35, 856B).

وقد عبر في عام 372 عن احتجاجه (رسالة 58) لن باسيليوس لم يكن واضحًا في كلامه حول ألوهية الروح القدس وتساويه في الجوهر. وفي خطابه اللاهوتي الخامس تكلم بإسهاب عن ذلك (انظر: Logoj LA – LQ – MB – KQ).

 

 

منشأ الأقانيم الإلهية الثلاثة:

لقد فسر القديس باسيليوس الكبير بشكل خاص مسألتي “عدم ولادة الأب” و “ولادة الابن”، وترك تفسير “منشأ الروح القدس” إلى الدهر الآتي (انظر kata unomiou G7). لكن غريغوريوس فسر مصطلح “انبثاق الروح القدس. ولما كان غريغوريوس هو أول من أدخل هذا المصطلح في اللاهوت، فهو إذًا أول من أدخل هذا المصطلح في اللاهوت، فهو إذًا أول من طرح في اللاهوت مسألة منشأ الروح القدس: (انظر Logoj LQ 12, KQ 2, KE 16).

لقد أصر غريغوريوس على توضيح منشأ الروح القدس، وعلى التأكيد بأن منشأ كل أقنوم من أقانيم الثالوث الأقدس خاص بالأقنوم نفسه، ولا يتعلق بالأقنوم الآخر. وأن أى تشويه لخصوصية منشأ كل من الأقانيم الثلاثة سيؤدي إلى الارتباك في الفهم، وبالتالي إلى إلغاء معنى الثالوث الأقدس. إن الآب كائن (موجود) وغير مولود. وهو المولَّد للابن (أى أن الابن مولود منه). وهو المشع للروح القدس (أى أن الروح القدس منبثق منه).

إذًا فإن عملية انبثاق الروح القدس تعود إلى الآب وليست متعلقة بتاتًا بلابن. وبالرغم من عملية التعمق اللاهوتي التي يقوم بها غريغوريوس هنا، فهو يعبر أيضًا عن رغبته التقليدية بتجنب أية ممارسة لاهوتية تتجاوز كل ما هو ضرورى فعلاً. فهو يصرح بأن أية محاولة إضافية لتحليل وتفسير مسألة انبثاق الروح القدس بحد ذاتها كمنشأ له تشكل أمرًا مستحيلاً، مثلما أنه من المستحيل أن يكون هناك أى تحليل أو تفسير إضافي لمسألة عدم ولادة الآب: (انظر: Logoj K 11).

وقام ريغوريوس بخطوة هامة أخرى في تحليله لموضوع الثالوث القدوس، عندما فسر منشأ الأقانيم الثلاثة موضحًا أن هذا المنشأ هو العلاقة التي تربط بين هذه الأقانيم. لقد تكلم باسيليوس من جهته عن “خواص” هذه الأقانيم وماهيتها (انظر: رسالة 214 فقرة 4) لكن غريغوريوس تعمق في هذا الموضوع وأعطى تعريفًا “للخاصة” على أنها علاقة بين هذه الأقانيم.

فالخاصة التي هى منشأ الأقنوم، تشكل علاقة وليس جوهرًا في الألوهية. وهكذا فإن الاسم الخاص بكل أقنوم (الآب ـ الابن ـ الروح القدس) يدل على العلاقة بين هذه الأقانيم وليس على جوهرها. وبالطبع، لو كانت هذه الأسماء الخاصة تدل على جوهر كل أقنوم، ففي تلك الحالة وجب أن يكون لكل أقنوم جوهره المختلف عن الأقنوم الآخر. ويتقدم غريغوريوس خطوة أخرى إلى الأمام قائلاً إن تلك الأسماء (الآب ـ الابن ـ الروح القدس).

ليس فيها مدلول معنى “الطاقة” أو “الفعالية”، وذلك طالما أن تلك الفعاليات هى نفسها في الأقانيم الثلاثة، وطالما أن ذلك سيعني أيضًا بالنسبة لغريغوريوس أن الابن هو “فعل” أو “انفعال” وبالتالي فهو “بناء” من قبل الآب: (انظر Logoj KQ 16, LA 9).

 

 

رأس الكنيسة:

لقد كان رقاد القديس باسيليوس الكبير وجنازته التي تمت في 1/1/379، نقطة تحول هامة في مسيرة القديس غريغوريوس. فقد انتقلت المرتبة الأولى من الاحترام والأهمية والمرجعية الروحية التي كان باسيليوس يحتلها في أوساط الكنيسة المسكونية عامة إلى القديس غريغوريوس. ويدل قبول غريغوريوس سنة 379 بأن يأخذ على عاتقه تلك المسئولية الكبيرة، وأن يبدأ نشاطه الروحي في كنيسة القسطنطينية، بعد أن كان معروفًا عنه بأنه رجل “الابتعاد” و “عدم حب الظهور”، يدل هذا على شعور عالٍ منه بتحمل المسئولية.

لقد شعر غريغوريوس بالتقدير الكبير تجاه ثقة الكنيسة به لتولي مسئولية خوض الإمبراطورية الشرقية. لقد وضعه الأرثوذكسيون بشكل ما في أول مراتب الكنيسة واللاهوت، فكان تجاوبه عظيمًا، وانعكس ذلك على نتاجه اللاهوتي الذي وصل إلى ذروة الروحانية والكمال في مضمونه خلال الفترة بين عامي 379ـ381.

والآن، فإن أنظار الكنيسة الجامعة تتوجه إلى القسطنطينية بفضل غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي)، كما كانت تتوجه من قبل إلى قيصرية بفضل باسيليوس الكبير، ومن قبله إلى الأسكندرية بفضل القديس أثناسيوس. وقد ظل فكر غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) مشعًا ومتألقًا حتى بعد انعقاد المجمع المسكوني الثاني (مايوـ يوليو 381)، بالرغم من أنه تخلى عن منصبي رئاسة الأساقفة ورئاسة المجمع، وهو الحدث الذي جرى بعد أن كان قد أمن مستقبل مسيرة الأرثوذكسية.

وبالرغم من أنه تم تبني المصطلحات المعتدلة التي وضعها باسيليوس الكبير بشكل عام في دستور الإيمان الذي أصدره المجمع المذكور، إلاّ أن الأساقفة أنفسهم قد استخدموا مصطلحات غريغوريوس حول “التساوي في الوهر” فيما يتعلق بالروح القدس، وحول “كمال” الطبيعتين الإلهية والبشرية المتحدتين[76] في شخص المسيح، في الرسالة التي كتبوها في العام التالي. هذا وقد سيطرت هذه المصطلحات بشكل تام، وبقيت في اللاهوت الكنسي.

 

الطبيعتين الإلهية والبشرية المتحدتين في شخص المسيح الواحد بير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير:

يمكننا تفسير السبب الذي دفع غريغوريوس إلى اتخاذ قراره لمواجهة الأزمة اللاهوتية التي سببتها تعاليم أبوليناريوس الخاطئة، بأن غريغوريوس كان لديه شعور كبير بمسئوليته اللاهوتية تجاه الثقة والاحترام اللذين كان يكنهما له الأرثوذكسيون بدرجة كبيرة، بحيث جعلوه على رأس لاهوتيي الكنيسة. وبالطبع فقد كان القديس أثناسيوس الكبير يارض هو أيضًا الأفكار الخاطئة التي صدرت عن أبوليناريوس (في كتابه “إلى أهل أنطاكية” عام 362)، وكرر ذلك القديس إبيفانيوس في الفترة 374 ـ 377.

لكن ردود الفعل هذه كانت ردود أولية، ولم تكن كافية لمواجهة المشكلة بسبب افتقارها إلى العمق اللاهوتي والحجة القوية. لقد بدأ غريغوريوس محاولته هذه عام 381، عندما لاحظ أن أبوليناريوس سوف لن يتراجع عن مواقفه، بل أنه قام بتنظيم جماعته الكنسية المؤيدة له في اللاذقية وأنطاكية وحتى في نزينزة. وفي الحقيقة، فإن غريغوريوس كان طوال فترة حياة باسيليوس ينتظر منه أن يقوم هو بنفسه بمهمة مواجهة هذه المشكلة الصعبة.

ولكن بعد موت باسيليوس أصبح هو المسئول عن هذا النضال. ولم تكن هذه المشكلة مجهولة بالنسبة له، بل كان في الفترة حتى العام 380 قد أبدى عدة مرات بآرائه الصحيحة والدقيقة حول حقيقة وحدة الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح الواحد، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

نحن لا نعرف تمامًا مدى متابعة غريغوريوس للمشاكل والصعوبات الخريستولوجية التي واجهتها الكنيسة في الفترة بين عامي 360 ـ 362، وذلك عندما كان القديس أثناسيوس الكبير يواجه مشاكل مماثلة. ولكن من المؤكد أن غريغوريوس عندما كتب “خطابه الثاني” عام 362، تكلم عن اتحاد اللاهوت والناسوت في شخص واحد هو المسيح، وتكلم عن روح بشرية قد تم تناولها أو احتواؤها مع الجسد: (انظر: Logoj B23. LH 13. LZ 2. M 45).

إن ظهور أبوليناريوس أسقف اللاذقية في مجال اللاهوت قبل فترة قصيرة من عام 360 قد حدث في فترة بدأت فيها البدع الخريستولوجية بالانتشار. وقد لاحظ غريغوريوس في تعاليم أبوليناريوس وجود تشويه كبير للإيمان المسيحي الذي وضع مجمع نيقية أسسه بأمانة خريستولوجية وإنسانية وخلاصية تامة. وبالفعل فقد شرح أبوليناريوس دستور مجمع نيقية، في كتابه “معرض الإيمان” الذي وجهه إلى الإمبراطور جوفيان عام 363، متجاهلاً كلمة “تأنس” (وهو المصطلح الذي يفترض تناول واحتواء الطبيعة البشرية روحًا وجسدًا من قبل أقنوم الابن)، واستخدم عبارة كيرلس الشهيرة “طبيعة واحدة لكلمة الإلهية المتجسدة”، وفسرها خطأ، من أجل التشديد على أن الكلمة تناولت واحتوت الجسد فقط (واحتوت روحًا غير عاقلة).

وكما وضح غريغوريوس، فإن موقفًا كهذا يشكك في صحة واكتمال الطبيعة البشرية لدى المسيح، ويدمر وحدة الإنسان (العقل أو الروح، والجسد)، ويقف عائقًا أما خلاصه، طالما أن “الكلمة” لم يتناول ولم يحتو العقل البشري أيضًا. ونلاحظ أنه بالرغم من كون أبوليناريوس قد انطلق من مبدأ أرسطو القائل بأنه من المستحيل أن يتواجد “اثنان كاملان” معًا في واحد (الكلمة الإلهية والإنسان)، فإن غريغوريوس قد انطلق من مبدأ الحقيقة اللاهوتية التجريبية القائل بأن ” ما لا يمكن تناوله واحتواؤه لا شفاء له، وأما الذي يتحد مع الله ينال الخلاص ” (رسالة 101، 32 وفي هذه الرسالة يشرح غريغوريوس أول آرائه الاهوتية المعارضة لأفكار أبوليناريوس). فلكي ينال الإنسان الخلاص كاملاً يجب أن يتم تناوله بالكامل (أى مع عقله وروحه) من قبل الكلمة الإلهية.

وهكذا يصل غريغوريوس إلى انطباق واتحاد الطبيعتين الكاملتين، الإلهية والبشرية، في شخص المسيح الواحد (رسالة 101، 37 و 41). ولهذا السبب تكون لدينا طبيعتان كاملتان وتامتان في شخص المسيح الواحد، فاللاهوت (الطبيعة الإلهية) لم يفارق الناسوت (الطبيعة الناسوتية)، وهو الأمر الذي يتحقق عن طريق تأله الطبيعة البشرية من خلال الطبيعة الإلهية: (انظر: رسالة 101، 36).

وهكذا فإنه بالرغم من الاختلاف التام بين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد، فإن ذلك لا يعني وجود “أقنومين للابن” (101، 19). فكما ذكر ذيوذوروس الطرسوسي في تعاليمه أن ذلك لا يقود إلى كل من أشكال بدعة “الطبيعتين” (بدعة نسطوريوس)، لأن تلك الطبيعتين “تتطابقان في الجوهر”.

لو أن الكلمة الإلهية لم تتناول ولم تحتو العقل أيضًا، لما كان يمكننا القول عندئذٍ أنها قد تناولت واحتوت الإنسان بأكمله. لقد ركز غريغوريوس جهوده ليوضح أن “الكلمة” قد تناول واحتوى الإنسان بأكمله، ولذلك تكون لدينا طبيعتان حقيقيتان في شخص المسيح الواحد: الطبيعة الإلهية التي هى طبيعة حقيقية، والطبيعة البشرية التي هى أيضًا طبيعة حقيقية وتامة وكاملة. إن اتحاد هاتين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد هو اتحاد حقيقي وواضح مثلما يكون اتحاد الروح والجسد في الإنسان حقيقيًا وواضحًا أيضًا.

فكما يكون لدينا الإنسان الواحد الذي يتألف من عنصرين: الروح والجسد، كذلك يكون لدينا المسيح الواحد أيضًا. إن إتحاد الطبيعتين هذا قد حدث بتدخل من الروح القدس (حدث بوسيلة إلهية من جهة إذ حدث بدون وساطة رجل)، ولكن مريم العذراء حملت بشكل طبيعي وحقيقي كما تحمل كل نساء البشر، أى أن الإله المتجسد قد نما في رحمها بشكل يكون من الصحيح اعتبارها وتسميتها “والدة الإله”. (انظر: رسالة 101، 16ـ22).

ويدعم غريغوريوس أفكاره اللاهوتية القائلة بأن الكلمة الإلهية تناولت واحتوت جسدًا وعقلاً بشريين بملاحظته التالية: في العقل تتركز صفة الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله، تلك الصورة التي تشوهت بسبب الخطيئة الأصلية.

إن عملية إعادة إصلاح تلك الصورة ـ التي جاء كلمة الله إلى الأرض في سبيل تحقيقها ـ كانت من المستحيل أن تتم وتتحقق بدون تناول واحتواء العقل الذي تتركز فيه صفة “الخلق على صورة الله”. ومن جهة أخرى، لو أن المسيح قد احتوى جسدًا بشريًا فقط بدون العقل البشري، ففي تلك الحالة ستكون آلامه مرتبطة بألوهيته فقط، طالما أن الآلام ترتبط بالشعور الذي ينبع من العقل والروح البشريتين.

ويعطينا ريغوريوس صورة من بين أمثلة عديدة، يصور لنا فيها كيف يمكن للطبيعة البشرية أن تتحد بالطبيعة الإلهية دون أن تذوب فيها طالما أن الطبيعة البشرية تتحد في الطبيعة الإلهية كما يتحد ضوء النجوم في ضوء الشمس، وكما يتحد ضوء المشعل في ضوء الحريق. ففي فترة النهار لا تظهر النجوم لكنها في الحقيقة باقية بأكملها. والمشعل كذلك لا يمكن أن نلاحظه في ضوء حريق كبير ولكنه يكون موودًا (رسالة 101، 44ـ45) (انظر: رسالة 101، 32ـ52).

 

أقانيم متميزة ـ طبائع متحدة:

لقد استخدم غريغوريوس؛ ولأول مرة، وحدة أقانيم الثالوث الأقدس كنموذج لوحدة الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح، لأنه كان يتوقع خطر أن يتم الاعتبار أن الطبيعة البشرية تذوب ضمن الطبيعة الإلهية (تعاليم أبوليناريوس)، وكذلك خطر اعتبار أن تناول الطبيعة الإلهية للطبيعة البشرية يكون بشكل ظاهري وخارجي فقط، وبالتالي لا يكون حقيقيًا.

إن ذلك الاحتمال لو كان صحيحًا لكان من الممكن أن يلغي إمكانية الخلاص، طالما أن تناول الطبيعة الإلهية للطبيعة البشرية وضمها إليها لو كان ظاهريًا وخارجيًا فقط، فإنه في تلك الحالة لن يضمن خلاص الإنسان، كما أنه سيكون مدمرًا لوحدة شخص المسيح. لكن غريغوريوس يوضح في تشبيهه للثالوث الأقدس بطبيعتي المسيح، أن الطبيعتين تكونان متحدتين في شخص واحد، بينما تكون أقانيم الثالوث الأقدس مستقلة فيما بينها.

وبهذه التعاليم اللاهوتية يكون غريغوريوس قد وضع أسس الخريستولوجيا، بالرغم من أن الحاجة كانت لا تزال موجودة لبذل جهود لاهوتية جبارة لإثبات طريقة اتحاد الطبيعتين الكاملتين والمثاليتين للمسيح. ولقد تمت عملية الإثبات هذه بشكل أساسي من خلال التعاليم اللاهوتية لكل من غريغوريوس النيسي، وكيرلس الأسكندري، وثيوذوريتوس القورشي (Qeodwrhtoj Kurou).

إن هذه الأفكار اللاهوتية الجريئة والمستوحاة من الله، التي تضمنتها تعاليم غريغوريوس، حول الطبيعتين المثاليتين في شخص المسيح الواحد، بالإضافة إلى إصرار هذا القديس واللاهوتي الكبير، على التركيز على فكرة استيعاب الإنسان بكامله في أقنوم “الابن”، يفسران يضيئان أيضًا الناحية “الإنسانية” (الأنثروبولوجية) من أفكاره.

إنه يوضح بشكل لا مثيل له عظمة الإنسان وآفاقه الواسعة، ذلك الإنسان الذي يكون مؤلفًا من عالمين مختلفين: المادي والروحاني (تراب، وعقل، وروح)، وهذا يعني وجود “عالم ثانٍ” (عالم ما وراء المادة)، كبير أو صغير … لنفس الروح والجسد” (خطاب 38، 11). إن الإنسان “الصغير” يكون “كبيرًا” حسب الروح، حيث يكون شاهدًا على “الطبيعة المنظورة”، و “متقبلاً لأسرار المعاني”، ومُعدًّا للخلاص، وللإتحاد مع الله بشكل فعلي (انظر: خطاب 45، 7). إن سقوط الإنسان الذي نتج عنه طرده من الفردوس وضلاله المرّ، يشبهه غريغوريوس بما سماه “الرداء الجلدي”، أى الجسد والألم.

فهذه الحقيقة لها جانب إيجابي: لقد جعلت الإنسان يشعر بالخزي والعار أمام الله وأدت به إلى الموت، وقد حدث ذلك على الأقل “لكي لا يخلد من كان شريرًا” (خطاب 45، 8)، ولكي لا تبقى الخطيئة حية. ولكن الإنسان في المسيح يعود للإتحاد مع الله من جديد، وبطريقة أسمى وأعلى مما سبق: (انظر: خطاب 45، 7 و 9).

 

 

غريغوريوس الشاعر:

لقد كان القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) شاعرًا كبيرًا يتمتع بحس نادر وبلاغة عظيمة. ومن الغريب أنه كان بالرغم من معرفته لأصول الشعر الموزون والقافبة، إلاّ أنه كان يستخدمهمما بشكل عفوي وغير منظم (لقد نسبت إليه قصيدتان موزونتان لم يكن قد ألفهما)، ولقد كتب 19000 بيتًا من الشعر الغنائي المنشد منذ عام 371 وما تلاه.

وبالطبع لم يكن هناك احتمال كبير لأن تتم قراءة شعره على نطاق واسع، أو أن تصبح قصائده أناشيد للكنيسة. إن تفسير تلك الظاهرة لا يتعلق بقدر كبير بضرورة الرد على قانون الإمبراطور جوليان (عام 362)، الذي حرّم على المعلّمين المسيحيين التعليم في المدارس الوطنية، وإنما بدوافع شخصية. وفي الوقت ذاته ان هناك دافع آخر وهو غزارة الشعر الذي أنتجه أبوليناريوس الخارج عن الأرثوذكسية. فقد أعطى غريغوريوس بنفسه تفسيرًا لهذه التساؤلات التي بدرت عن أصدقائه وأعدائه حول شعره الغزير، في قصيدته “منظومات” (قصائد 37).

لقد شرح يقول بأنه قرر أن يكتب أفكاره في أبيات شعرية ليحدّ من المبالغة والإطالة في الكلام، ولكي يفيد الشباب الذي يجد متعة أكبر في قراءة الشعر، وكذلك لكي لا يظهر المسيحيون بمظهر من تنقصه الثقافة أمام الأمم. كما ذكر أنه كتب الشعر ليفرج عن نفسه من الضيق الذي سببه له مرضه الذي دام لسنين طويلة. لكن هذه الأسباب يمكنها أن تبرر فقط الاهتمام بالشعر بشكل عرضي، ولا تبرر صفات غزارة الإنتاج، والبلاغة والترتيب، التي تميز بها شعر غريغوريوس. إذًا لقد كان غريغوريوس شاعرًا موهوبًا كتب الشعر بدوافع وأسباب متنوعة.

إن مجموعة غريغوريوس الشعرية تتميز “بالعقائدية”، حيث يعرض من خلالها تعاليمه المتعلقة بالثالوث الأقدس والخريستولوجيا. فهى قصائد رثاء جنائزية، وقصائد حول الأخلاق، وقصائد تعليمية، وقصائد تذكر وقائع تاريخية، أى تحكي سيرته الذاتية. وفي الكثير من أشعاره يصادف القارئ وحيًا وإلهامًا حقيقيين، وفكرًا جريئًا صائبًا، وكلامًا له وقع صارخ في النفوس والآذان، وغنى في الشاعرية والموسيقى، واستعدادًا للاعتراف بالذنوب وطلب الغفران، وشعورًا عميقًا بالحزن والاكتئاب وخيبة الأمل، بالإضافة إلى البلاغة اللامتناهية. لكن كتابته للشعر اتصفت بعدم تقيده بالوزن في عدد كبير من آلاف القصائد التي كتبها (وهى صفة أعطاها الباحثون والنقاد خطأ وبشكل عام على شعره).

على أية حال، فبالرغم من الأهمية الكبيرة لما كتبه من شعر، فإن غريغوريوس يعد شاعرًا كبيرًا بسبب الحس الشاعري الذي تتصف به نصوصه النثرية في المرتبة الأولى، أما أهمية آلاف القصائد والأشعار التي كتبها فتأتي في الدرجة الثانية. لكن هذه النصوص النثرية لم تلق صدى كبيرًا في عصره، إذ أن القليلين قد اهتموا بها أو قلدوها، بينما لاقت أشعاره إقبالاً كبيرًا، وأصبحت قصائده أناشيد تنشد في الكنيسة، إما كما هى أو بإجراء تحوير عليها، وذلك منذ القرن السادس الميلادي أو في مرحلة أبكر من تلك الفترة.

ونعرض هنا مقتطفات صغيرة من “خطابات” غريغوريوس التي ترد كأناشيد في مختلف أعياد الكنيسة. وهكذا يمكننا رؤية عظمة الحس الشاعري لهذا القديس وتأثيره الكبير في مؤلفي الأناشيد الكنسية الذين أتوا من بعده، ومن بينهم الشعراء الكبار يوحنا الدمشقي وكوزماس الملحن. ولقد كان من المعروف لدى آباء الكنيسة الذين جاءوا من بعده أن الأناشيد الكنسية قد صيغت على أساس العديد من نصوص خطاباته، لذلك كانوا يتابعون هم أيضًا كتابة الأناشيد المستوحاة من خطاباته.

وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن ما يدلنا بشكل واضح إلى الحس الشاعري المرهف الذي كان يتمتع به غريغوريوس هو أنه كتب خطابه الخامس والأربعين في عيد الفصح المقدس مستخدمًا بضعة عناصر من خطاب آخخر له (الخطاب الثالث على الأرجح) وهو بالتأكيد نص شعري أيضًا:

أنظر:

(خطاب 34، 14: PG 36, 232)

(خطاب 38 في الميلاد: BEP 60, 64. PG 36, 312A-313B)

(كوزماس الملحن، “قانون في الميلاد”: Wdh a . Eirmoj)

(خطاب 21 في أثناسيوس الكبير: BEP 59, 148. PG 35, 1081-1084)

(خطاب 1 في الفصح: BEP 58, 243-244. PG 35, 396-397)

(خطاب 45 في الفصح المقدس: BEP60, 187-202. PG 36, 664. Qeofanouj Graptou, Kanwn eij Aqanasion: (P. Trempela, Eklogh ellhn. Orqodoxou umnografiaj, 6. 324)

يوحنا الدمشقي “قانون في القيامة” (Wdh a, Eirmoj: P. Trempela, s. 302), (Wdh g), (Wdh h, Eirmoj), (Wdh q)

 

وهناك العديد من النصوص النثرية التي كتبها غريغوريوس، يتحقق القارئ من أنها كلام منظوم وموزون ويتبع القافية. كما أنه اعتاد إيراد أزواج من الأبيات بحيث يكون المعنى فيها متوازيًا أو متعاكسًا. كما نرى تشابهًا في أسلوبه مع أسلوب القديس افرام السرياني. لكن هذه الظاهرة الشعرية كانت أقدم من افرام، وهى عامة في الشرق الأسيوي، ونصادفها في العديد من خطابات الآباء الذين سبقوا غريغوريوس. ويمكن التحقق من ذلك باستعراض الخطاب 38 لغريغوريوس.

وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى نصين من نصوص غريغوريوس، منظومين في أبيات ذات وزن شعري ثابت. وهما:

قصيدة “نشيد صلاة العصر” المؤلفة من 25 بيتًا: (انظر PG 37, 511-514).

وقصيدة “تشجيع للعذارى” المؤلفة من 100 بيت: (انظر PG 37, 632-640).

وقد دار الكثير من الجدل حول هذه القصائد التي لا يمكن اعتبارها من بين قصائده الهامة، فيما إذا كانت فعلاً من مؤلفاته. لكنها تتضمن العديد من الأفكار والصور التي جاءت في القصائد الأصلية التي كتبها غريغوريوس وتم التأكد من صحة نسبها إليه (مثل: “ميراث للعذراوات”، شعر “أخلاقيات” ـ 2). إذًا، فإن القصيدتين المذكورتين من المرجح أنهما قد تمت كتابتهما من قبل أحد الكتّاب في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس، ومن المؤكد أنهما تشكلان نموذجًا لانحطاط الشعر الغنائي المنشد، لأنهما تعتمدان على أوزان وطرق النظم الشعري للغة اليونانية العامية المشكلة التي كانت سائدة في تلك الفترة.

أما غريغوريوس فقد كتب 19000 بيتًا شعريًا معتمدًا أوزان الشعر البليغ في اللغة اليونانية الكلاسيكية والقديمة، فقد اعتمد بشكل خاص على أوزان شعر هوميروس وهزيود ومؤلفي التراجيديا والمسرح القديمين، وعلى نمط الشعر البطولي السداسي الوزن وغيرها.

وكمثال على ذلك نذكر قصيدته ذات الوزن الثماني: ” نشيد إلى الله”: (انظر: PG 37, 508-509).

وكذلك نذكر أيضًا خاتمة قصيدته التي يكتب فيها سيرته الذاتية: ” في سيرتي الذاتية”، المنظومة وفقًا للوزن الثلاثي، حيث عبر من خلالها عن مرارته وخيبة امله تجاه ما حدث في المجمع المسكوني الثاني (عام 381): (انظر: PG 37, 1163-1166).

 

[76] فلاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرف عين.

 

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

حياة القديس باسيليوس الكبير:

كان القديس باسيليوس الكبير أبا ومعلما وراعيا لكنيسة قيصرية كبادوكية. ولد في قيصرية كبادوكية حوالي عام330 من عائلة مسيحية نبيلة وثرية وتقية، قدمت للكنيسة العديد من اللاهوتيين ورجال الكنيسة. وقد أصبح أسقفا لقيصرية، وبرز من المثقفين والمتعلمين في عصره وكان على دراية واسعة للعلوم الكلاسيكية واللاهوتية.

عاش حياة طاهرة وبارة وقاوم بحماس وشدة الهرطقات والبدع التي كانت متفشية آنذاك، درس العلوم الكلاسيكية في القسطنطينية وأثينا حيث تعلم الآداب والبلاغة والفلسفة، وقد برز في تلك العلوم حتى أصبح فيما بعد مدرسا للبلاغة ذو شهرة واسعة في قيصرية.

وعندما أصبح خادما في الكنيسة عاش كل وقته تقريبا في البرية حيث انصرف لدراسة اللاهوت وكرس جهوده لتنظيم حياة الرهبنة. ولما صار كاهنا عمل في قيصرية علي مكافحة الآريوسية.

وفي عام 370 أصبح أسقفا لقيصرية، وعارض بشدة محاولات الإمبراطور فالين_ المؤيد لأتباع آريوس _ لفرض سياسته الخاطئة على الكنيسة. كما قاوم أبوليناريوس الذي انتشرت آراؤه في تلك الفترة، ونجح في توحيد أراء العديد من الأساقفة في موقف محدد ضد الآريوسية، ولتأييد التعاليم التي أقرها المجمع المسكوني الأول الذي ُعقد في نيقية.

ولما كان هو نفسه راهبا، بذل جهوده في سبيل وضع الإطار الصحيح لحياة الرهبنة وإلحاقها ضمن بوتقة الكنيسة. فنقل الرهبان إلى المدن ووضعهم تحت إشراف وتصرف ورعاية الأساقفة، وكلفهم بمهام البر والإحسان، وإنشاء مدينة باسيليادة بالقرب من قيصرية، وهي عبارة عن مجموعة من المنشأت والمؤسسات الخيرية يعمل فيها الرهبان فقط. ووهب القديس باسيليوس كل ثروته التي ورثها عن والديه لهذا المشروع العظيم. ومن ضمن مؤلفاته التي كتبها “القوانين التي أصبحت فيما بعد أساسا للرهبنة المسيحية”.

كتب العديد من الكتب والخطابات، وكذلك كتب أكثر من 350 رسالة. وُلقب بالمعلم المسكوني للكنيسة وأحد “أقمار” الكنيسة الثلاثة[28]

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

مثاليات الرهبنة لدى القديس العظيم باسيليوس الكبير:

يعتبر القديس باسيليوس أحد المؤسسين للرهبنة المسيحية. فالقوانين التي وضعها مازالت سارية حتى اليوم مع بعض التعديلات التي أدخلها عدد من القديسين الذين جاءوا بعده.

وبالطبع فإن القديس باسيليوس الكبير لم ينشغل بموضوع الرهبنة من موقع الهاوي، بل أصبح بنفسه راهبا وعاش حياة الرهبنة لسنوات عديدة وحتى حين كان لا يزال يدرس في أثينا، كان قد بدأ يخطط مع صديقه القديس غريغوريوس اللاهوتي لكي يذهبا إلى الصحراء معًا للنسك والتعبد بعد انتهاء دراسته وقد اعتبر فيما بعد فترة دراسته هذه، أنها كانت مَضيعة للوقت.

لقد كتب إلى أوستانيوس السباستي قائلا: “إني ضيعت وقتا طويلا في التفاهات، وبددت كل شبابي تقريبا بلا نتيجة، فضاع هذا الوقت وأنا منشغل في حفظ تعاليم الحكمة التي فقدت معانيها أمام تعاليم الله. وفي لحظة ما، عندما استيقظت مما كان أشبه بنوم عميق، نظرت إلى ضوء الحقيقة المُدهش النابع من الإنجيل، فأدركت عندئذ تفاهة حكمة أسياد الدهر الحاضر البائدين، وُفجعتُ لمدى حقارة حياتي، وتمنيت أن تتاح لي فرصة الدخول في عقائد التقوى.

لقد بدأت قبل كل شئ في إصلاح أخلاقي بقدر استطاعتي، بعد أن كانت قد فسدت بسبب مخالطتي للفاسدين. وبقراءتي للإنجيل، وجدت فيه التعاليم التي تقول أن أهم شروط لبلوغ الكمال، هي أن يبيع الإنسان كل ما لديه ويعطي ما له لإخوته الفقراء، وكذلك عدم الاهتمام بالحياة الحاضرة والأمور الدنيوية ولذلك صليت لربي أن أجد شخصا ما من بين الأخوة، يكون قد اختار هذا الدرب في الحياة، لكي أرافقه وأعبر معه عاصفة الحياة القصيرة هذه”[29]

لكن صديقه غريغوريوس ـ بالرغم من الاتفاق الذي تم بينهما ـ لم يرافقه للتعبد في البرية، فذهب وحده عام 360 إلى بنطس، بعد أن وزع أكبر قدر من ثروته على الفقراء. وتوجه هناك إلى مكان من أرض تملكها عائلة بالقرب من نهر إيريس حيث كانت أمه وأخته مترهبتين هناك. وكان في ذلك المكان قد تم إنشاء مركزين للرهبنة، أحدهما للرجال والآخر للنساء.

لقد طلب منه صديقه غريغوريوس إعلامه عن أحواله، وكيف يقضي وقته في مكان تعبده في البرية، فأجابه باسيليوس في رسالة وجهها إليه (رسالة2)، وكتب فيها ول قوانينه في الرهبنة ولذلك نعتقد أنه من المفيد أن ندرجها في النصوص التي سنعرضها الآن. في بداية الرسالة يقول القديس باسيليوس الكبير في لهجة متواضعة أنه يخجل أن يكتب عما يفعله في البرية، لأنه قد ذكر العالم المادي فعًلا، إلا أنه لم ينكر نفسه، فقد ذكر قائًلا: “إني شَخصيًا أخجل أن أكتب عما أفعله ليًلا ونهارًا في هذه البقعة النائية، فقد تخليت عن شئون المدينة لأنها كانت سببا للكثير من المساوئ لكنني لم أستطع أن أذكر نفسي”[30] .

لكنه يضيف قائلاً: أن الهدف الأول والرئيسي بالنسبة له هو السير على خُطى المسيح الذي دل العالم على دَرب الخلاص عندما قال: ” إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني[31] ولهذا السبب فهو يحاول مع أصدقائه الرهبان تطبيق كل أساليب الحياة التي ستجعلهم قادريين على تتبع خُطى المسيح.

وتلك هي:

1ـ يجب أن يبقى العقل في حالة من الهدوء والسكينة. فكما أن العين يجب أن ترى بوضوح أمامها، وألا تنشغل بالنظر هنا وهناك، كذلك فإن العقل عندما ينشغل بصغائر الأمور الدنيوية لا يمكن تجنبها إلا بالابتعاد عن العالم المادي. إن ترك العالم المادي لا يعني مجرد الانتقال الجسدي منه، وإنما نزع الروح عن تعلقها بالجسد، لدرجة يتحول فيها المرء إلى شخص بلا مدينة، وبلا مادة، وبلا أملاك، وبدون ثروة شخصية، وبدون سبل المعيشة اليومية، وجاهًلا حسب تعريف العلم لدى البشر, ومستعد لقبول التعاليم الإلهية في قلبه.

إن إعداد القلب لتقبل كلمة الله يكون بانتزاع التعاليم الشريرة من داخله، لأنه لا يمكن للمرء أن يكتب على لوح الشمع إذا لم يطمس قبل ذلك كل الحروف السابقة التي كانت موجودة عليه، وكذلك الروح لا يمكن تغذيتها بالتعاليم الإلهية إذا لم تنزع منها قبل ذلك كل الأفكار السيئة والتعاليم الشريرة الموجودة فيها. إن البرية مفيدة من أجل هذا الهدف لأنها تساعد على تهدئة الشهوات وتعطي الفرصة للمنطق كي ينزع جذورها من النفس تماما.

لأنه كما أن الوحوش الضارية تسهل السيطرة عليها عندما تُروض، كذلك فإن الشهوات، والغضب، والأحزان، وكل شرور النفس، عندما يتم تهدئتها بواسطة الهدوء والسكينة، تتوقف عن ثورتها وهيجانه تجاه كل إثارة، وتصبح من السهل السيطرة عليها بقوة المنطق والعقل السليم. وكذلك يقول القديس باسيليوس الكبير أن المكان يجب أن يكون تماما مثل هذا المكان الموجود فيه، خاليا من كل وسائل الاتصال بالبشر، بشكل يسمح بمواصلة النسك والتعبد دون أن يقاطعه أي عمل خارجي.

ويضيف القديس باسيليوس الكبير قائًلا: أن التدريب الروحي يغذي النفس بالفكر الإلهي. فهل هناك أفضل من أن يتشبه المرء على الأرض بالملائكة؟ فيندفع في الفجر للصلاة، ليمجد الخالق بالتسابيح والتماجيد، فيحلي مذاق العمل بالأناشيد الروحية مثلما يحسن بالملح مذاق الطعام؟. فالأناشيد والصلوات تعزي النفس و تجعلها فرحة وتدفع عنها الأحزان، فالهدوء والسكينة كما يقول القديس باسيليوس الكبير هما بداية تطهير الروح .

لأن الإنسان في البرية لا يتعب لسانة في نقاش مشاكل وأمور البشر، ولا ينهك عينيه في النظر إلى الأشياء التي لا يحب رؤيتها. ولا يشد انتباهه سماع أصوات لا يحب سماعها. وهكذا فإن العقل عندما لا يتشتت في التفكير بالأمور الدنيوية، يتركز حول النفس ومنها يعلو ساعيا للوصول إلى معنى الله. وبعد أن يستنير بذلك الجمال، وتلك الروعة الإلهية، ينسى طبيعته البشرية. وتجدر الإشارة إلى أن آباء الكنيسة النساك، قد استخدموا كثيرا هذا النص الأخير للقديس باسيليوس الكبير لكي يصفوا ويشرحوا أسس الصلاة.

2ـ وينتقل القديس باسيليوس الكبير من موضوع الابتعاد عن العالم المادي سعيا للهدوء والتأمل إلى مسألة أخرى فيضيف قائًلا أن من الضروري أيضا أن تتم قراءة ودراسة الكتاب المقدس ونصوصه المتضمنة للوحي الإلهي، التي تحتوي أيضا على وصايا الله حول ما يجب أن نفعله، كما تروي لنا سيرة الأنبياء التي تجسد صورة حية للأخلاق والطبائع والأعمال المباركة من الله التي يجب علينا اتباعها وتقليدها.

وهكذا يجد كل إنسان في نصوص الكتاب المقدس مثاًلا يتبعه ليكون دواءً يشفي النواقص والعلل في نفسه. فيمكن لأحد ما أن يتمثل بيوسف الصديق، فيكون عاقًلا مثله، والآخر يمكنه أن يتمثل بالنبي العظيم أيوب فيتعلم منه الصبر، ويمكن لثالث أن يكون كالنبي الجبار موسى في طيبته، أو أن يتمثل بداود النبي في شجاعته وإقدامه وطيبته معًا.

3ـ الصلاة يجب أن تكون في كل حين، ولكن بعد قراءة الكتاب المقدس ودراسة نصوصه، يأتي الدور على الصلاة التي تتحرك النفس بواسطتها في لهفة ساعية إلى الله.

إن الصلاة الصحيحة هي تلك التي تزرع في النفوس المعاني الإلهية الصافية. إن تواجدنا مع الله يعني أن يكون الله حاضرًا في نفوسنا وعقولنا، وأن نذكره دائمًا، فعند ذلك نصبح الهيكل الذي يسكن فيه الروح القدس. وبشكل خاص عندما تكون ذاكرتنا متواصلة في فكر الله، فلا تنقطع بالتفكير في الشئون الدنيوية، ولا يتأثر العقل بتأثيرات النزوات المفاجئة. إن من يريد التقرب إلى الله يسعى إليه متجنبًا كل ما من شأنه أن يقوده إلى السوء، ويكون متمسكا بكل شئ يقوده إلى الفضيلة.

4ـ ويركز القديس باسيليوس الكبير على نقطة هامة، وهي أن المرء يجب أن يتجنب التصرفات السيئة التي تدل على الجهل خلال الحديث، فيجب أن يطرح أسئلته على محادثة دون إثارة الخلافات والنزاعات، وأن يجيب على الأسئلة دون تكبر واعتداد في الرأي، وأن لا يقاطع محادثه، أو يحاول إقحام رأيه معترضا سير الحديث. ويجب على المرء أيضا أن يتعلم دون خجل، وأن يتكلم بصوت متوسط النبرة.

ويجب عليه أيضا أن يعبر عن أفكاره بعد تفكير عميق في كل كلمة يريد قولها. وأن يكون طريفا في حديثه وحلوًا في كلامه، فيتخلى عن القساوة دائما حتى عندما يضطر إلى محاسبة الآخرين أو عتابهم. لأنه إذا كان المرء يتمتع بالتواضع سيكون محبوبا ومقبولا لدى الشخص الآخر الذي يحتاج لمساعدته.

5ـ ويجب أن يرافق التواضع نظرة منكسة، ومظهر بسيط ولباس حقير. عباءة مشدودة بحزام على الجسد، ومشية ليس فيها ارتخاء كما لو دلت على شلل الروح، ولا تكبر أو اعتلاء كما لو دلت على اندفاع النزوات.

الهدف من اللباس تغطية الجسد وحمايته من برد الشتاء وحر الصيف، فيجب ألا يكون فاقعا أو رقيقا أو طريا.

6ـ وكما أن المرء يسعى للضروري في لباسه، علية أيضًا أن يسعى للضروري في مأكله. خبز وماء ونباتات تكفي لتغذية الإنسان والمحافظة على صحته. إلا أن القديس باسيليوس الكبير يوضح ضرورة القيام بالصلوات المناسبة قبل وبعد كل وجبة، لشكر الله على تقديمه لكل ما هو ضروري من المواد الغذائية. ومن الضروري أن تكون الوجبات في ساعات محددة وثابتة كل يوم، بشكل تكون فيه تلك الساعات هي الوحيدة المخصصة للعناية بالجسد، أما باقي الساعات فتكون مخصصة للعناية بالروح.

7ـ وأخيرًا يتكلم القديس باسيليوس عن النوم فالنوم يجب أن يكون متناسبًا مع الطعام. كما أن من المستحسن أن نقاطع نومنا لدراسة المشاكل الكبرى. أن عادة النوم العميق تؤدي إلى الموت الروحي. إن النساك يصحون من نومهم في منتصف الليل حيث يغلب الهدوء في تلك الساعة، مما يمنح النفس سلام، لأن العينين والأذنين في هذا الوقت لا يبثون إلى القلب رؤى ومسامع ضارة، وإنما يبقى العقل وحده الذي يتصل مع الله.

هذا تقريبا مضمون رسالة القديس باسيليوس الكبير التي ذكرناها، وهي تتعلق كما رأينا بترك حياة المدن والانتقال إلى البرية وهدوئها، وبقراءة ودراسة الكتاب المقدس، وبالصلاة، وبالمناقشات الروحية، وبحياة التقشف من حيث المأكل والملبس، وبقصر ساعات النوم، من أجل وصول الإنسان إلى الكمال وعندما أصبح القديس باسيليوس الكبير فيما بعد كاهنا، ومن ثم أسقفا لقيصرية، تابع حياة النسك والرهبنة، وأسس العديد من مراكز الرهبنة المنعزلة عن المدينة، وكان لها أسلوب حياة صارم.

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

وقد كتب في تلك الفترة كتابي:

 

القوانين الموسعة والقوانين المتعمقة:

وهي قوانين نتجت عن اجتماعات خاصة عقدها القديس مع رؤساء مراكز الرهبنة في منطقته. ويعالج في هذه القوانين بشكل موسع ومتعمق، وفي صورة أسئلة وأجوبة، جميع المواضيع المتعلقة بحياة الرهبنة.

وسنتطرق هنا إلى اثنين من القوانين الموسعة (القانون 7،6):

في القانون ـ6ـ يناقش موضوع الانعزال عن العالم أو عدمه. ويجيب القديس باسيليوس عن هذا التساؤل بقوله أن مكان الرهبنة المنعزل يساعد الروح على تجنب دخولها تجربة. لأنه من المضر أن يعيش المرء مع الآخرين اللذين لا يأبهون أو يستهزئون باتباع وصايا الله بشكل دقيق وصارم. ولذلك يقول القديس، يجب علينا أوًلا أن نسعى لإيجاد مسكن منعزل، بعيدا عن الناس، لكي لا نتعرض لمؤثرات تدفعنا لارتكاب الخطيئة، إن كان عن طريق النظر، أو عن طريق السمع، وكذلك لا نتعود على الخطيئة بشكل لا شعوري، ولكي نستطيع بواسطة الصلاة اكتساب القدرة على الصبر والتحمل. لأنه بهذه الطريقة سوف نستطيع قهر عاداتنا السابقة التي عشنا ضمنها حياة بعيدة عن وصايا المسيح.

وكذلك فإننا بهذه الطريقة سنطهر أنفسنا من شوائب الخطيئة بواسطة الصلاة المستمرة والقراءة الدؤوبة لوصايا الله. ولا يمكننا القيام بالصلاة والقراءة المستمرتين عندما نكون منشغلين بالعديد من الأمور التي تشد انتباهنا وتبعد نفوسنا عن الله. فكيف يستطيع الإنسان تطبيق الآية: إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه “، إذا كان يعيش ضمن الأجواء التي ذكرناها؟ إذن لكي نتبع وصايا المسيح يجب أن ننكر أنفسنا ونحمل صليبنا ونتبعه. وإنكارنا لنفسنا يعني أن ننسى كل ما يتعلق بالماضي ونتخلى عن شهواتنا ومطالبنا، وهو شئ صعب جدا، إذا لم نقل أنه من المستحيل أن يتحقق من خلال العيش في المجتمع مع بقية البشر.

والحياة الدنيوية المليئة بوسائل الراحة والملذات يشكل حاجزا أمام المرء لكي يحمل صليبه ويتبع المسيح. فأن يحمل المرء صليبه، يعني أن يكون أيضا مستعدا حتى الموت من أجل المسيح، ولقتل أعضاءه الترابية، وليكون مستعدًا لمواجهة كل أنواع الأخطار لأجل المسيح، وألا يكون مباليا لحياته الحاضرة. وكل هذه الأمور التي ذكرناها تقف الحياة الاجتماعية عائقًا أما إتمامها.

ويضيف القديس باسيليوس الكبير قائلاً: أن النفس عندما ترى جملة السلبيات في حياتها، فهي من جهة لا تجد الوقت المتاح أمامها لكي تحس بخطاياها وتعترف بها وتتوب عنها، ومن جهة أخرى فهي تعتقد خطأ أنها بالمقارنة مع الخاطئين الآخرين استطاعت تحقيق بعض الإيجابيات. وعلاوة على ذلك فإن النفس ضمن إنشغالات الحياة اليومية تنشغل عن الاتصال الدائم بالله، وهي بالتالي تصبح محرومة من الفرح الكبير في الله، والتمتع بحلاوة الاتحاد به.

ولكي يكتمل ما كتبة القديس باسيليوس الكبير في القانون السادس من “القوانين الموسعة”، فهو يضيف أيضا ما جاء في القانون السابع من تلك القوانين قائلاً: “إن الإنسان الذي سيترك عالم المدينة ليصبح ناسكا من الأفضل أن يعيش مع آخرين من أخوته المتعبدين وألا يبقى وحيدا”. فالتعايش بين العديد من الأشخاص الذين يتشاركون في الأفكار والمبادئ مفيد للعديد من الأسباب منها:

1ـ لا أحد يستطيع البقاء وحده معتمدا اعتمادا كليا على طاقاته فقط من أجل الاكتفاء الذاتي وتغطية حاجاته الجسدية والنفسية والروحية.

فكما أن أقدام الإنسان لديها بعض القوة لتقوم بمهام معينة إلا أنها تنقصها القوة الإضافية لتقوم بمهام أخري لوحدها، لذلك فهي لا تستطيع القيام بها إلا بمساعدة الأعضاء الأخرى في الجسد.

وهكذا يكون الإنسان أيضا عندما يعيش لوحدة، وحتى أن ما لدية في تلك الحالة يتعطل كما أن ما يحتاج إلية لا يجده. ذلك لأن الله قد وضع فينا احتياج الواحد منا لمعونة الآخر لكي نرتبط ببعضنا البعض، فإن المحبة لا تطلب ما لنفسها[32].

والمرء عندما يعيش لوحدة يكون هدفه إرضاء حاجاته فقط، وهذا ما يعارض قانون المحبة كما يقول بولس الرسول كما أنا أيضا أرضي الجميع يمقت ابنُه وَمن أحبهُ أطلب له التأديب [33]. لكن مثل هذا الشخص من المستحيل أن يوجد لمن يعيش وحيدا. ويحدث عندئذٍ ما ذكر في الكتاب المقدس “ويل لمن هو وحده إن وقع إذ ليس ثانٍ ليقيمهُ”.

أيضا عندما تكون هناك مجموعة يعيش ضمنها الكثيرون معا يكون من الأسهل تطبق عدد اكبر من الوصايا، بينما لا يمكن أن يتم ذلك من قبل شخص يعيش لوحده، لأنه في الوقت الذي يطبق فيه أحد الوصايا لا يمكنه تطبيق وصية ثانية. فمثلاً عندما يزور مريض لا يمكنه في الوقت نفسه أن يستقبل الغريب. وعندما ينشغل بضرورات الحياة لا تبقى لديه الرغبة للاهتمام بأعمال أخرى. وهكذا فان الجائع لا يطعم والعاري لا يكسى وبالتالي فان الجماعة تكمل بعضها البعض، وتخدم المسيح عن طريق المحتاجين.

3ـ ويتعمق القديس في أقواله من الناحية اللاهوتية ذاكرا أننا نحن البشر الذين قد دعانا المسيح لأتباعه، قد أصبحنا جسدا واحدا ورأسنا هو المسيح ونحن جميعنا نشكل بقية أعضاء هذا الجسد. فإذا لم نتفق فيما بيننا للارتباط بالروح القدس في انسجام تام ضمن جسد واحد، بل أَصر كل واحد منا على البقاء لوحده دون أن يعمل بما فيه مصلحة الجماعة كما يرضى الله، فكيف يمكننا عندئذ متفرقين هكذا أن نحافظ على العلاقة بيننا كأعضاء لجسد واحد؟ أو كيف بالأحرى يمكننا أن نخضع (لرأس) هذا الجسد الذي هو المسيح؟ إننا في هذه الحالة لا نفرح مع فرح الآخرين ولا نحزن لأحزانهم، لأننا لا يمكننا معرفة شئون الآخرين.

4ـ من جهة أُخرى، فإن إنسانًا واحدا لا يكفي ليتقبل جميع المواهب الروحية.

إن نعمة الروح القدس تقدم لكل واحد منا بمقدار إيمانه. أما بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون معًا ضمن جماعة، تكون الموهبة خاصة لكل واحد ملكًا للجماعة بأكملها ” فإنه لواحد يُعطى بالروح كلامُ حكمة. ولآخر كلام علم بحسَبِ الروح الواحد. ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد ….. الخ[34]. فكل موهبة من تلك المواهب يملكها الفرد ليس لنفسه فقط وإنما لمنفعة الجماعة، بحيث لا يكتسب الواحد لوحده نعمة الروح القدس بل تكتسبها الجماعة بأكملها.

أما الشخص الذي يعيش منفردا فإذا كانت لديه موهبة ما فإنه قد يعطلها بسبب كسله أو طمعه، وجميع المؤمنون يعرفون، مقدار الخطر الذي يكمن في ذلك. ولكن حين يعيش الإنسان مع الجماعة فإنه يستفيد من مواهبه ويعززها فتزداد عن طريق إفادة الغير بها، بالإضافة إلى استفادته من الخيرات الناتجة عن مواهب الآخرين أيضًا.

5ـ إذن، فإن الحياة ضمن الجماعة تكون أغنى بالخيرات، لأن الجماعة تكون أقدر من الفرد على حماية الخيرات التي يعطيها الله لنا. بالإضافة إلى ذلك فإن الساهرين ضمن الجماعة ينذرون النيام لينهضوا من نومهم لمواجهة خطر نوم الموت الذي تكلم عنه داود النبي: ” أنر عينيّ لئَلا أنام نوم الموت[35]. وبالإضافة إلى ذلك فإن الخاطئ يتخلص من الخطيئة بشكل أسهل ضمن الجماعة لأنه يشعر بالخجل أما الآخرين بسبب خطيئته بينما الإنسان الذي يسعى دائمًا للابتعاد عن خطيئته يشعر بثبات أكبر في سعيه هذا ضمن الجماعة بسبب تشجيع ومشاركة الآخرين معه فعندما “تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة”[36] فكيف بالأحرى لا تعزز شهادة الكثيرين موقف من يفعل الخير.

6ـ وهناك أيضًا خطر يلازم الإنسان الذي يعيش منفردًا، وهو خطر الغرور. فبسبب كونه وحيدًا وبعيدًا عن أعين الآخرين وانتقاداتهم، يظن نفسه أنه قد وصل إلى درجة الكمال في تطبيق الوصايا. وطالما أنه كونّ شخصيته دون تدريب صحيح للنفس والروح والجسد، فإنه يجهل بالتالي حجم السلبيات فيه ونقص أعمال الخير لديه لأنه ابتعد عن كل فرصة للعمل على اتباع وصايا المسيح.

7ـ كيف يستطيع الإنسان الذي يحيا منفردًا أن يدرب نفسه على التواضع طالما أنه لا يوجد أي إنسان آخر أمامه ليشعر تجاهه بتواضعه؟ ولمن سيُظهر عطفه ومحبته؟ وكيف سيدرب نفسه على التسامح ومغفرة خطايا الآخرين؟ وبالطبع إذا ادعى شخص ما أنه يستطيع الاكتفاء بتعاليم الكتاب المقدس ليصل بنفسه إلى الكمال فإنه يشبه من يتعلم فن البناء لكنه لا يبني أي مبنى، ويشبه أيضًا مَن يتعلم فن صنع النحاس لكنه لا يمارسه إطلاقًا.

عن شخص كهذا تكلم بولس الرسول قائلاً: ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يُبررّون[37]. والرب نفسه دل البشر على طريق البر ولم يكتف في تعاليمه بالقول بل اتزر بمنشفة وغسل أقدام تلاميذه ليكون لهم قدوة في التواضع، وليريهم أين تصل درجة الكمال في المحبة. فمن إذن سيخدم مَن عندما يكون الإنسان وحيدًا منعزلاً عن العالم؟ ومَن سيكون الأول ومن الأخير إذا كان الشخص وحده ولا أحد غيره؟

وينتهي القانون السابع بالاستنتاج التالي: إن التعايش بين الأخوة في الجماعة هو وسيلة للتدريب المستمر والنسك والقراءة المستمرة لوصايا الله وتطبيقها حيث أن هذا التعايش في الجماعة يهدف من جهة إلى تمجيد الله حسب وصية المسيح : ” فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات[38]. ومن جهة أخرى، فإن هذا التعايش هو استمرار لما ورد في أعمال الرسل: ” وجميع الذين آمنوا كانوا معًا عندهم كل شئ مشتركًا[39]، ” وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة. ولم يكن أحد يقول إن شيئًا من أمواله له، بل كان عندهم كل شئ مشتركًا[40].

ويجدر بنا قبل ختام هذا البحث أن نذكر شيئاً بسيطاً عن قوانين الرهبنة[41]، حيث يتوجه القديس باسيليوس الكبير في حديثه إلى الرهبان واصفًا الحياة الجماعية في الدير بأنها الحياة الأكثر كمالاً والمجتمع المثالي للبشر.

ويذكر القديس قائلاً أن المجتمع المثالي بالنسبة له هو المجتمع الخالي من المنافقين، وحيث لا توجد خلافات في الرأي، وحيث لا توجد خلافات في الرأي، وحيث تختفي جميع الاضطرابات والنزاعات، وحيث يكون كل شئ مشتركا: النفوس والأجساد واحدة متماثلة، وكل ما تقتات به الأجساد واحد، أي أن الله يكون مع الجميع، وكنز البر يشاركه الجميع، فينالون الخلاص جميعًا، ويكون جهادهم مشتركًا، وأهدافهم مشتركة، والتاج واحد على رؤوسهم. الكل في واحد، والواحد ليس وحيدًا، وإنما ضمن الكثيرين.

ويضيف القديس باسيليوس الكبير متسائلاً: ما هي الحياة التي تضاهي في جمالها الحياة الجماعية في الدير؟ وما هي تلك التي تتجاوز تلك الحياة في امتيازاتها؟ وهل هناك أجمل من أن تتبلور الأخلاق والنفوس على نمط واحد؟ أن يجتمع أناس من شعوب وبلدان مختلفة بإرادة واحدة وتتطابق وانسجام كاملين ليصبحوا أشبه بروح واحدة تحتل أشخاصًا عديدة أصبحت أدوات لرأي واحد. فالمريض في الجسد لديه الكثيرون ممن يساعدوه ويخففوا عن آلامه ومرضه، والمريض في النفس والضعيف في الروح لديه الكثيرون ممن سيعتنون به من أجل شفائه وتقويته.

إنهم جميعًا أحباء الواحد للآخر، وخدام الواحد للآخر، تلك الخدمة التي لم تأت تحت أي نوع من الضغوط أو الاستبداد أو الضرورة، وإنما تشكلت بالمحبة وحرية الرأي. ذلك لأن المحبة تجعل الواحد عبدًا للآخر دون أن تحرمه من حريته، وإنما هي الحرية بذاتها. هكذا أرادنا الله منذ البداية ولذلك خلقنا. فالبشر الذين يعيشون معًا في المحبة ضمن حياة ارهبنة الجماعية يسترجعون الخير الأول ويقدمونه للإنسان الحالي. لأنه لو لم تفرق الخطية البشر لما كانت هناك خلافات وحروب بين الناس.

إذن فالرهبان الذين يعيشون معًا حياة جماعية، يتمثلون بحياة المسيح المخلص على الأرض، الذي علم تلاميذه كيف يعيشون معًا حياة المساواة ولم يستتن نفسه من ذلك، ولهذا فهم أيضًا (الرهبان) يطيعون رئيس الدير فيحتذوا في ذلك تلاميذ المسيح.

ويختتم القديس باسيليوس الكبير حديثه عن حياة الشركة قائلاً: كيف يمكن أن نعطي تشبيهًا لحياة الشركة بين الرهبان، مما نستخدمه من تشبيهات لغوية، إننا ما يمكننا فعله هو أننا ننظر إلى السماء حيث المسيح جالس ينظر إلينا فرحًا وسعيدًا بحياة الشركة بين الرهبان ونكمل بعد ذلك كما هو واضح من تعاليمه المقدسة.

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

الكتاب المقدس والتقليد لدى القديس باسيليوس الكبير

 

لم يكن القديس باسيليوس الكبير أحد الشخصيات المعتادة، بل كان سيدًا بالروح، كما كان سيدًا بالأصل والمنشأ. يمكن اعتباره بلا جدال أحد عمالقة الفكر، فقد كانت قوة وغزارة فكره كالشلال الذي ينبع بالأفكار بلا توقف. لقد كان يحلق في أفكاره كالنسر في الأعالي، ويتعمق فيها ليصل إلى أعمق معاني المعرفة. وكان في الوقت ذاته مفكرًا رقيق الإحساس، واستخدم في كتاباته لغة سلسة الفهم تتميز بالبلاغة والجمال في الشكل والمضمون. لقد كان باختصار رجلاً عظيمًا.

ويغلب على كل دارس لأعمال القديس باسيليوس الكبير إحساس مباشر بما يبثة الروح القدس من شعور بالإنتعاش والنعمة. وهذا ما يغلب على كل أعماله التفسيرية والإيمانية والتعليمية والعقائدية وكذلك على مجمل رسائله وبقية كتاباته التي قد وصلت إلينا. وكلما يتعمق المرء في دراسة نتاج ما كتبته يداه يشعر بنشوة غامرة من تلك المعاني الروحانية التي تنصب من كل صفحة من الصفحات.

إن دراسة أعماله أشبه بنزهة في مروج الفردوس حيث يتمتع المرء بعطر الأزهار الذي يفوح في كل مكان.

ويقرأ المؤمن في الكتب اللاهوتية أن للإيمان المسيحي منبعين هما: الكتاب المقدس والتقليد. لكن ذلك لا يعبر بدقة عن الحقيقة، فلا يمكن اعتبار الكتاب المقدس والتقليد منبعين للإيمان، بل هما وجهان مختلفان لشئ واحد، هما شكلان يتخذهما سرّ حياة الكنيسة نفسه. فالإيمان المسيحي ينبع من منبع واحد وهو الكنيسة، أي المسيح، الإله المتجسد، والصورة التي كشف بها الله لنا عن نفسه.

وهكذا يمكن إرجاع منبع إيماننا إلى الله بذاته، الذي عرفناه عندما عرفنا يسوع المسيح فالمسيح هو صورة الأب وإشعاعه، إنه وسيط العهد الجديد. والكنيسة هي حافظة لذلك العهد، تعيش إلى أبد الدهر، إن رأسها-المسيح ـ يعيش إلى أبد الدهر، ويعطي الحياة لأعضائها الذين يؤمنون به، أي هؤلاء الذين نالوا سر المعمودية باسمه. وحياة الكنيسة هذه، يسلمها كل جيل إلى جيل الآخر، كما أن الآباء عندما يلدون أبنائهم يسلمونهم الحياة ويحافظون على إستمراريتها. وكل شئ يُسلمُ من جيل إلى جيل يصبح “تقليداً” مستمراً يدوم مع الأجيال.

إن هذا “التقليد” له وجهان: الوجه الأول مكتوب وهو الكتاب المقدس. والوجه الثاني هو ما يقوم الآباء القديسون بكرازته، وتطبِّقه الكنيسة بأعمالها. ويمكننا تسمية الكتاب المقدس بالتقليد “المكتوب”، كما يمكننا تسمية التقليد بالكتاب المقدس “غير المكتوب”. هذا ما تم التعبير عنه بدقة في المجامع المسكونية. فالإيمان المسيحي هو كل ما ينبع من العهد القديم والعهد الجديد والتقليد الكنسي وتعاليم الآباء والرسل.

ويمكننا أن نجد هذه الوحدة بين الكتاب المقدس والتقليد في مؤلفات وكتابات آباء الكنيسة، وبشكل خاص فيما كتبه القديس باسيليوس الكبير. وبالطبع فإن هذه الوحدة لا تلغي التنوع والإختلاف. فقطعة النقد لها وجهان مختلفان، وإنما القطعة هي واحدة بذاتها. لكن القديس باسيليوس الكبير عندما يتكلم عن الكتاب المقدس فهو يعتبره جزءاً لا يتجزأ من التقليد، وحيثما يتكلم عن التقليد الكنسي فهو يعتبره استمراراً للتقليد المكتوب في الكتاب المقدس.

بعد هذه التوضيحات، نستعرض الأن موقف القديس باسيليوس الكبير تجاه الكتاب المقدس والتقليد.

فيما يتعلق بالكتاب المقدس، يتبع القديس تعاليم الكنيسة الثابتة والصريحة التي تصف الكتاب المقدس بأنه مُلهم من الله[42].

ليس لأحد الحق بأن ينقد ما هو مكتوب فيه، أو يُدخل إليه ما هو غير مكتوب، أي أنه ليس لأحد الحق في أن يضيف أو يحذف شيئاً من الكتاب المقدس[43].

إن الواجب الأساسي على كل مؤمن، وفقًا لما قاله القديس باسيليوس الكبير، هو أن يتعمق في دراسة الكتاب المقدس[44]. فمن الواجب الحكم على كل كلمة أو كل عمل على أساس الكتاب المقدس المستوحي من الله[45]. فالكتاب المقدس هو “العيادة المشتركة للنفوس” حيث يجد كل إنسان الشفاء لمرضه[46].

ويجب على المرء ألا يهتم بالكتاب المقدس بشكل عرضي أو ثانوي، بل بالعكس يجب عليه “أن يبحث عن المعنى المتخفي في كل كلمة وفي كل حرف فيه”. وذلك هو عمل عظيم للمسيحي الذي يدرك تمام الإدراك ما هي ميوله، ولا يسلك في الخطأ، فهدف حياته هو التشبه بالمسيح، لا يمكن أن يتم بدون المعرفة الروحية الصحيحة. ولذلك فإن المعرفة لا يمكن إكتسابها خارج تعاليم الإنجيل الأصيلة[47].

ويضيف القديس العظيم قائلاً أن كلمة الحق يمكن إدراكها بالجهد الكبير فقط، الذي يقوده الروح القدس. وهي تفلت بسهولة مما لا ينتبه. ولكن لهذا السبب فإن الروح القدس قد دبر الأمور هكذا بحيث تكون هذه الكلمة “موجزة وقصيرة” حتى يدل معناها على “الكثير في القليل”، أي ما قل ودل. وهكذا يكون من السهل حفظها في النفس وفي الذاكرة[48]. هذا وبالرغم من أن الدراسة والتدريب الملائم للنفس والعقل، لكي يصلا إلى الكمال هو عمل يقع على عاتقنا، إلا أن فهم الأسرار الإلهية هو هدية وهبة من الله يهبها إيانا، وشعاع نور لنا من الروح القدس[49].

ولم يكتف القديس باسيليوس الكبير بذكر أقواله هذه للآخرين، وإنما برهن على حقيقتها بطريقة الحياة التي اتبعها. فبالرغم من معارفه الواسعة وإطلاعه الكبيرعلى معرفة عصرة من العلوم الكلاسكية والفلسفية اليونانية القدسمة، فهو يعتبر أن كل هذه المعارف فانية لا قيمة لها أمام ما يقدمه الإنجيل من حقيقة. فقد كتب رسالة وجهها إلى أوستاثيوس السباستيني يقول “إني بعد أن هدرت وقتاً طويلاً في الأمور الفانية وضيعت شبابي كله تقريباً في ذلك.

عندما كنت أتابع دروس الفلسفة التي لا يفضلها الله، استيقظت في لحظة ما كما لو كنت غارقاً في نوم عميق[50] ورأيت نور حقيقة الإنجيل العجائبي، فعرفت عندئذ مدى تفاهة حكمة أسياد الدهر الحاضر هذا، الذين قد ألغيت سيادتهم فبكيت كثيراً على حياتي التعيسة ورجوت المساعدة لكي أنضم إلى صفوف تلاميذ المسيح. وبالطبع فإني قبل كل شئ قد سعيت لتحقيق بعض الإصلاحات في حياتي بعد أن توقفت لوقت طويل عن مخالطة الفاسدين.

وعندما قرأت الإنجيل ورأيت فيه أن أهم شروط لكي يصل المرء إلى الكمال هو أن يبيع كل ما لديه وأن يقدم ماله لأخوته الفقراء، وأن لا يبالي المرء بشكل عام لحياته الحاضرة، وألا يكون للنفس شهوة لأمور الدنيا، صليت لكي أجد أحد الأخوة الذين اختاروا هذا الطريق في الحياة، لكي أجتاز معه عاصفة الحياة القصيرة هذه.

وبالفعل قد وجدت الكثيرين منهم”[51]. وهكذا فإن قراءة الإنجيل قد جعلت القديس باسيليوس الكبير فقيرًا ماديًا، وغنيًا روحيًا وجعلته أيضًا مشيدًا لمدينة باسيليادة، ورافضًا للملذات الدنيوية، ودفعته لتنظيم حياة الرهبنة، فأصبح دليلاً للنفوس، وبطلاً وقديسًا عظيمًا.

لقد صار القديس باسليوس الكبير من أكبر المتعمقين لدراسة الكتاب المقدس، الذي استخدمه بسخاء في كرازته وفي كتاباته، ليس فقط في التفسير، وإنما في أمور ومواضع العقيدة أيضًا، وفي جميع مؤلفاته الأخرى وفي الخطابات والرسائل. لقد شكّل الكتاب المقدس المركز، ونقطة الإنطلاق، ونقطة الانتهاء، ومادة البناء لمؤلفاته. لقد كان أيضًا الترسانة (الكتاب المقدس) الذي أخذ منها كل أسلحته ليحارب الهرطقة.

لقد كان الكتاب المقدس الكنز الثمين الذي أمده بكل ما كان يحتاج إليه من المادة التي اعتمد عليها، وبنى بها عمله. وإليه كان يلتجئ لحل كل التساؤلات، ولدعم وإثبات أفكاره العقائدية حول الإيمان، ولتنظيم حياة الرهبنة، ولأخذ المشورة في عمله الرعوي، وليستلهم الكلمات لكتابة رسائله الرقيقة المليئة بالمشاعر الإنسانية والعزاء الإلهي.

ويبدي القديس باسيليوس الكبير اهتمامًا خاصًا في المزامير. وهو يقول في كتاباته، أن أسفار الأنبياء تفيدنا بأشياء تختلف عما تفيدنا به الأسفار التاريخية، وهذه الأخيرة تفيدنا بأشياء تختلف عن القسم المتعلق بالناموس في الكتاب المقدس، كما أن الأمثال لها فائدة أخرى. لكن المزامير قد لخصت كل أقسام العهد الجديد لأنها تتنبأ بالمستقبل، وتذكر التاريخ، وتشرع للحياة، وتدلنا على الأعمال المقدسة وباختصار ” هى كنز التعاليم المقدسة المتوفرة للجميع “[52].

ولنرى الآن طريقة تفسير القديس باسيليوس الكبير للكتاب المقدس.

من المعروف أنه خلال القرون المسيحية الأولى تشكلت مدرستان رئيسيتان لتفسير الكتاب المقدس هما:

المدرسة الأولى: مدرسة الأسكندرية.

المدرسة الثانية: مدرسة أنطاكية.

لقد استخدمت الأولى المنهج الرمزي Allegoric في تفسير الكتاب المقدس[53]. ووفقًا لهذا المنهج، فإن المفسّر بالرغم من أنه عادةً لا يرفض أهمية المعنى الحرفي للنص الذي يقوم بتفسيره، إلاّ أنه يعتبر أن هناك معانٍ أعمق وأسمى، تكون هى الحقيقة الواقعية، وتكمن وتتخفى وراء الحروف والكلمات في كل نص. ولم يكن منهج التفسير الرمزي على خطأ عندما سلط الانتباه إلى التعابير البشرية في الكتاب المقدس.

فقد ذكر أوريجينوس وهو من أهم ممثلي المدرسة الأولى، في إشارة إلى قصة خلق العالم التي وردت في سفر التكوين، قائلاً: ” مَن من البشر ممكن له تفكير عاقل سيتخيل يومًا أولاً، وثانيًا، وثالثًا، وليلة أولى، وثانية، وثالثة، ونهارًا وليلاً دون أن تكون قد تكونت الشمس والقمر والنجوم بعد؟ وكذلك أن يتخيل اليوم الأول المزعوم دون أن تكون هناك سماء؟ ومن هو “أحمق” لهذه الدرجة ليظن أن الله زرع جنة شرق عدن كإنسان مزارع، وخلق شجرة للحياة منظورة وملموسة، بشكل يمكن فيه أن يتم الحصول على الحياة من طعم الثمر وبأسنان الجسد “؟[54].

إن تلك الملاحظات صحيحة فعلاً، والقديس باسيليوس الكبير بنفسه وكل آباء الكنيسة كانت لديهم نفس الطريقة في التفسير، حيث يعتبرون أن الكتاب المقدس يستخدم هذه التعابير البشرية، لأنه ليس من الممكن بأية طريقة أخرى أن ينقل إلينا فكرة تتعلق بالله، الذي يتعذر على العقل البشري إدراكه. لكن المنهج الرمزي وصل إلى درجة المبالغة حتى أنه صار يرفض بعض الأحيان الحقيقة التاريخية للقصص الواردة في أسفار الكتاب المقدس.

فمثلاً بالنسبة لقصة إشباع الخمسة آلاف شخص من خمسة أرغفة، يرى مفسرو المنهج الرمزي في الأرغفة الخمسة، الحواس الخمس، وفي الاثنتى عشرة سلة المملوءة من الفتات، الرسل الاثنى عشر.

أما مدرسة أنطاكية فقد تجنبت المبالغة التي كانت تتصف بها مدرسة الأسكندرية. فبينما كانت المدرسة الأسكندرية متأثرة بأفكار أفلاطون، كانت المدرسة الأنطاكية متأثرة بأفكار أرسطوطاليس. فمدرسة الأسكندرية كانت تتوخى المثالية، أما المدرسة الأنطاكية فتتصف بالعملية، وكان التفسير فيها يتبع المنهج الحرفي ـ التاريخي، دون أن يعني ذلك تجنب محاولة التعمق في فهم الكتاب المقدس.

إذًا فإن أهم مميزات منهج التفسير الذي اتبعته المدرسة الأنطاكية هى بحث ودراسة حرف الكتاب المقدس على أساس المنطق العقلاني والوضوح في عرض نتائج هذا لبحث وتلك الدراسة.

وبعد استعراضنا لمميزات هاتين المدرستين نتناول التساؤل الآتي:

أية طريقة اتبع القديس باسيليوس الكبير في تفسيره للكتاب المقدس؟ بمعزل عن أنه زار مدرسة الأسكندرية وربما تتلمذ فيها لفترة ما، مما يسمح لنا بتصنيفه من بين اللاهوتيين الأسكندريين، مع كل من غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيسي، وأوسابيوس القيصري، وأثناسيوس وكيرلس وديديموس الضرير وإيسيخيوس المقدسي فهؤلاء يشكلون نجوم مدرسة الأسكندرية في القرن الرابع. إلاّ أن تأثير المدرسة الأنطاكية ساهم في تجاوزه وإهماله لدرجة كبيرة للتفسير الرمزي ولاستخدامه لها لأهداف بناءة فقط. بينما كان يفضل في المواضيع العلمية استخدام منهج التفسير الحرفي ـ التاريخي.

وهذا ما يسمى بالمدرسة الأسكندرية الحديثة[55]. ففي إطار هذه المدرسة ينتقد القديس باسيليوس الكبير بشدة مبالغات المنهج الرمزي، لكن ذلك لا يمنعه من استخدامه للمنهج نفسه حيث يجد ذلك مناسبًا لشرح تعاليمه، كما أنه كان يشير إلى التعابير البشرية في الكتاب المقدس ويوضح حقيقة أن المفاهيم الإلهية بعيدة عن متناول العقل البشري. هذا ولم يتجنب القديس باسيليوس الكبير التفسير، الذي يرى في الأحداث والشخصيات التاريخية للعهد القديم تصويرًا أوليًا للمستقبل، ولأحداث أهم وأكثر كمالاً من تلك التي حدثت في العهد القديم[56].

فمثلاً، فإن الألإعى النحاسية التي رفعها موسى في البرية هى تصوير أولي للمسيح المرفوع على الصليب، والمّن هو تصوير أولي لخبز الحياة، وآدم هو تصوير أولي للمسيح أو آدم الجديد … الخ. ولقد اتبع المسيح نفسه ذلك المنهج، وكذلك كل من الرسولين بولس وبطرس، والكنيسة الرسولية وآباؤها. والقديس باسيليوس الكبير كما ذكرنا من قبل، كان يتبع هذا المنهج كثيرًا.

ومما يترك هذا الانطباع لدى قارئي أعمال القديس باسيليوس التفسيرية، كذلك بقية أعماله الأخرى، أنه يتميز بشدة بالطابع العلمي والصفة الاجتماعية في تفسيراته. فتدل أعماله، مثل كتاب “حول الروح القدس” أو الأعمال التي دحض فيها الأعمال الخاصة بسر الاعتراف ليونوميوس، على العمق النظري الغير معتاد.

ففي تلك المؤلفات النظرية يندهش القارئ لمدى عمق معرفته للكتاب المقدس. لكنه عندما يفسر الكتاب المقدس يترك التحليق في المجال النظري ويتبع الطريق العملي فهو يستخدم قدراته الفذة في فن الخطابة ويستغلها في خطبة وفي مؤلفاته ليعبر بوضوح تام عن أفكاره، ويعالج المشاكل اليومية، والأخلاقية والعملية والاجتماعية.

ويستخدم لغة معزية أو نظرية، وفقًا لما يتطلبه الأمر في كل مرة، ويداوي الجروح، أو ينتقد انتقادًا لاذعًا، أو يهدئ من النفوس أو يشجعها. ومن خلال تفسيراته، يعبر عن الأفكار القائلة بأن الإنسان كمخلوق اجتماعي، لا يمكنه إرساء مجتمعه إلاّ على المحبة فقط، وبالمحبة فقط يمكنه تحديد علاقاته مع أخيه الإنسان. وهذه المحبة تنبع من الله، وتستند إلى كلمة الله، التي يتضمنها الكتاب المقدس. أما الخيرات المادية فليس لها قيمة مطلقة بل نسبية والثروات والغنى والمال، تخدم الإنسان من الناحية الاجتماعية فقط.

والإنسان التقي يعتبر أن ما يملكه من الغنى، ليس ملكًا له أكثر مما هى ملك لأي شخص بحاجة إليها[57]. فمن يخزن الخيرات، ولا يعطي لأحد ممن يحتاج إلأيها وفقًا لحاجاته، فهو يحرم المحتاجين منها، ويحرم نفسه من ملكوت السموات. فالخبز والكساء والمال، هى للجائع والعاري والفقير. فمن يخفيها ويحجبها عنهم يكون “كاللص” الذي يسطو على الناس ويسلبهم. لأنه ليس هو المالك لما لديه، وإنما الله هو المالك لكل شئ.

أما الإنسان الغني لا يكون سوى مستخدم أمين لتلك الخيرات وخادم لله بها. يستخدم تلك الخيرات “بتدبير” لا “بتبذير”، من أجل خدمة اخوته البشر، وليس من أجل أن يتمتع هو بنفسه بها[58].

ونختتم هذا القسم بالاشارة إلى “القوانين الأخلاقية” أو “الأخلاقيات” للقديس باسيليوس الكبير. وهذا العمل هو مجموعة من القوانين الأخلاقية تبلغ 233 قانونًا، مُصنفة في 80 فصلاً. وتشمل هذه القوانين كل زوايا الحياة لدى البشر[59]، ويتألف كل واحد منها من قانون أخلاقي يتبعه فصول من العهد الجديد تدعمه وتؤكد مضمونه[60]. ويندهش القارئ من المعرفة العميقة والشاملة للقديس باسيليوس الكبير لنصوص العهد الجديد.

ويضع قواعد السلوك والأخلاق والحياة الروحية للمسيحي. وقد كانت محاولة فريدة من نوعها لوضع الأسس الأخلاقية للحياة المسيحية، وخاصةً الحياة الرهبانية وفقًا لتعاليم العهد الجديد[61].

أما فيما يتعلق بالتقليد، يجدر بنا أن نتوقف لنرى كيف يرى القديس باسيليوس الكبير التقليد المقدس بحد ذاته، وعلاقته بالكتاب المقدس. ويصنف القديس باسيليوس التقليد إلى نوعين:

تقليد مكتوب، وتقليد غير مكتوب. والتقليد غير المكتوب هو العقيدة، أما التقليد المكتوب فهو الكرازة. والكرازة يتضمنها الكتاب المقدس ومؤلفات آباء الكنيسة. أما العقيدة فهى التفسير غير المكتوب للكرازة، والتعمق في حقائق الإيمان، التي لا يمكن أن تتم بكلمات، وإنما يحياها المرء في أسرار الكنيسة، وفي العبادة وفي حياة الكنيسة بشكل عام.

وكل هذه تتسلمها الأجيال من جيل إلى جيل بدءًا من الرسل وبشكل مكتوب وهو الكتاب المقدس، أو بشكل شفهي غير مكتوب من خلال الحياة داخل الكنيسة، ولذلك فهى تشكل التقليد الرسولي. ويقول القديس باسيليوس الكبير إن كل مشكلة أو صعوبة تواجه لامؤمن، تنشأ من الابتعاد عن هذا التقليد، وعن حقيقة الإنجيل وعن بساطة الإيمان[62].

إن أهم أعمال القديس باسيليوس الكبير التي عرض فيها آراءه حول التقليد وعلاقته بالكتاب المقدس هو كتابه: ” حول الروح القدس”. وفيه يستعرض موضوع الروح القدس وتساويه بالجوهر مع الأقنومين الأولين للثالوث الأقدس أى مع الآب والابن، وكذلك يدحض آراء الهراطقة ويبني مفهوم الثالوث الأقدس مستندًا إلى الكتاب المقدس والتقليد[63].

ووفقًا لآراء القديس باسليوس الكبير، فإن حفظ التقليد، لا يتم فقط عن طريق التمسك بما هو موجود فيه، وإنما برفض كل ما هو غير موجود فيه. فقد هاجم القديس بشدة هؤلاء الذين يرفضون ألوهية الروح القدس بسبب قبولهم إثباتات الكتاب المقدس فقط وعدم اهتمامهم بالشهادات الشفهية غير المكتوبة للآباء، باعتبارها على حد اعتقادهم ليست ذات أهمية[64].

واستند باسيليوس في إثباتاته إلى العبارة المستخدمة في صلاة المعمودية: ” باسم الآب والابن والروح القدس ” ويتساءل إذا كنا نحن قد عرفنا الخلاص بالمعمودية هكذا، فهل نستطيع التخلي عن هذه العبارة المسلمة إلينا من التقليد، ونأخذ عبارة أخرى لا توجد في هذا التقليد؟ ويستطرد القديس باسيليوس الكبير في نصوصه حول الروح القدس قائلاً: ” إننا إذا فعلنا سنكون عندئذٍ بعيدين عن الخلاص، بالرغم من الزمن الذي آمنا فيه. لأن تلك الأشياء التي قبلناها في ذلك الزمن، نرفضها الآن.

كما أن الإنسان الذي مات بدون أن يقبل المعمودية يتعرض لنفس الضرر الذي يتعرض إليه الإنسان الذي يقبل شيئًا غير موجود في التقليد. إن من لا يطبق إلى الأبد اعترافه بإيمانه الذي أعلنه عندما دخل في الكنيسة وقبل المعمودية يجعل من نفسه إنسانًا غريبًا عما وعد به الله الإنسان، ويحارب نفسه بنفسه، إذا ينقض عهده الذي قطعه على نفسه عندما اعترف بإيمانه خلال المعمودية. إذًا فالإنسان الذي يضيف أو يحذف أى شئ من التقليد فهو بالتأكيد سيستثني من الحياة الأبدية “[65].

وفي الفصول الأخيرة من الكتاب المذكور يعرض القديس باسيليوس الكبير بشكل مفصل كل آراءه فيما يتعلق بالتقليد فيذكر قائلاً ” من العقائد والكرازات التي حفظت الكنيسة، منها ما يكون لدينا مسجلاً في التعليم المكتوبة والآخر يكون من تقليد الرسل المنقول إلينا بالأسرار. وكلاهما له نفس الأهمية من أجل الإيمان. فإذا حاولنا التخلي عن شئ مما هو غير مكتوب بحجة أنه ليس له أهمية كبيرة، فإننا عندئذٍ سنصير بالجوهر ذاته.

فعلى سبيل المثال نتساءل، مَن علم الممسيحيين رسم إشارة الصليب؟ وأن يتوجهوا إلى الشرق عند الصلاة؟ أى نص مكتوب يعلم ذلك؟ وأى قديس ترك لنا كلمات الصلاة لتقديس خبز الشكر؟ ومن أى نص مكتوب نأخذ كلمات تقديس المعمودية وزيت الميرون؟ ألسنا نأخذه من تقليد الأسرار الصامت؟ ومن أين أخذنا أنه من الواجب أن يغطس الإنسان ثلاث مرات في المعمودية؟ أليس كل ذلك مأخوذ من تعاليم الأسرار غير المكتوبة قائلاً أن نوع من أنواع الصمت أيضًا هو الغموض الذي يستخدمه الكتاب المقدس في تعابيره، مما يسبب صعوبة في فهم العقائد.

والتقليد بدوره يقوم بفك الغموض. ويشرح القديس باسيليوس الكبير بقوله إننا جميعًا نتوجه إلى الشرق عند الصلاة لكن القليلين فقط يعرفون أننا بذلك نبحث عن وطننا القديم، الجنة، التي زرعها الله شرق عدن. وكذلك فإننا ننهض واقفين ونصلي يوم الأحد، لكننا لا نعلم جميعًا أن صلاتنا هذه ونحن منتصبين وقائمين في اليوم الذي حدثت فيه القيامة، نذكر أنفسنا بالنعمة التي أعطيت لنا، ليس فقط بكوننا سنقوم من بين الأموات مع المسيح، وإنما يكون ذلك بشكل ما، تصويرًا للحياة المستقبلية.

وتكون فترة العنصرة بكاملها أيضًا عبارة عن تذكير بالقيامة المستقبلية التي ننتظرها، وبهذه القيامة علمتنا الكنيسة أن نفضل بالوقوف أثناء الصلاة، لننقل بذلك عقولنا من الحاضر إلى المستقبل. وفي كل مرة نركع فيها ثم نقوم واقفين، نتذكر من الناحية العملية أننا قد سقطنا بسبب الخطية إلى الأرض، ثم نهضنا من جديد وصعدنا إلى السماء بفضل محبة الله خالقنا لنا.

وكما أن الكتاب المقدس يرتكز على التقليد، والتقليد يفسره، وكما أن التقليد حفظ لنا الكتاب المقدس، كذلك فإن التقليد بدوره يعتمد على الكتاب المقدس. والكتاب المقدس يدعونا لحفظ التقليد. ويذكر القديس باسيليوس الكبير أن الرسل قد علمونا أيضًا أن نتمسك بالتقليد الشفهي غير المكتوب.

إن موضوع “الكتاب المقدس والتقليدد لدى القديس باسيليوس الكبير” موضوع مستجد ويحافظ على حداثته دائمًا. ففي كل العصور كان هناك مسيحيون بالاسم فقط، يجهلون ما في الكتاب المقدس، ولا يبالون بالتقليد. ودائمًا هناك أشخاص يستخدمون الكتاب المقدس للطعن في التقليد. وهناك دائمًا أتباع الهرطقات الذين يرفضون التقليد، فيقوضون بذلك دعائم الكنيسة.

فشكرًا للرب الذي حفظ لنا كتابات هؤلاء القديسين لنرتوي بها ونشرب من ينابيعها الثمينة. هؤلاء الذين دافعوا عن العقيدة والإيمان الصحيح.

 

شخصية القديس باسيليوس الكبير ومقارنتها بشخصيات الأنبياء والرسل

 

وصف القديس غريغوريوس اللاهوتي صديقه القديس باسيليوس الكبير، في الكتاب الذي كتبه خصيصًا لرثائه، بأنه كان شخصية عظيمة، وقارنه بشخصيات الأنبياء والقديسين في الكتاب المقدس، مثل آدم ونوح وإبراهيم واسحق ويعقوب ويوسف وسليمان ودانيال والمكابين السبع ويوحنا الإنجيلي والرسولين بطرس وبولس والتلاميذ أبناء زبدي.

لقد كان الهدف الذي سعى إليه القديس باسيليوس الكبير، أن يكتسب “قضائل جميع القديسين”. وبالفعل فقد اكتسب وداعة موسى، واستعداد بطرس للاعتراف بخطئه، وموهبة يوحنا في الفكر اللاهوتي، وأناة بولس في العناية والتدبير، ليس من أجل خير ومصلحة الكنيس فقط، وإنما من أجل خير ومصلحة جميع أفراد رعيتها من المؤمنين.

 

الهدف من وجود الإنسان وفقًا للمفاهيم المسيحية:

إن الهدف من وجود الإنسان وفقًا لمفاهيم غير المسيحيين قد يكون أحد أشياء عديد مثل المعرفة، أو العمل والنشاط، أو الحياة الرغيدة، أو الملذات .. الخ. أما بالنسبة لمفاهيم المسيحيين فهدف وجود الإنسان هو الحياة الطوباوية في الدهر الآتي بملكوت الله[66]. أى بمعنى آخر، فإن الهدف الأساسي والرئيسي لوجود الإنسان هو مجد الله.

ولكن بالرغم من أن تمجيد الله هو الهدف الرئيسي لوجود الإنسان، فإن الإنسان بتمجيده لله يتمجد هو أيضًا، وذلك لأن الإنسان مخلوق على صورة الله. ” إننا سنصبح على صورة الله بالقدر الذي تسمح طبيعتنا البشرية بذلك لنا “[67]. إن تشبه الإنسان بالله مسألة ذات أهمية جوهرية، لأنها ستجعله يعيش هو أيضًا الحياة الإلهية التي تغير الوجود الإنساني تغييرًا جذريًا.

يصف القديس باسيليوس الكبير في خاتمة كتابه “الأخلاقيات”، صفات المسيحي الحقيقي فيرسم صورته بشكل ما. فصفات المسيحي الحقيقي باختصار هى: الإيمان بالله الذي يظهر في صورة محبتنا له وتقبلنا لنعمته، والتجديد الذي تحدثه المعمودية في الإنسان، والطهارة الأخلاقية، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان، والتمجيد المستمر للمسيح، والاستعداد الروحي الدائم. إن هدف الإنسان المجاهد هو الانضمام إلى حياة الإله المتجسد، لأنه من الضروري في سبيل تحقيق الحياة المثلى أن يمتثل الإنسان بالمسيح فيتّبع خطاه في حياته ويتألم مثلما تألم[68].

فحياة الإنسان المؤمن يجب أن تكون المسيح بذاته، وهذا يعني أن كلامه سيكون عن المسيح، وتفكيره سيتركز في المسيح، وكل عمل سيقوم به سيكون مرتبطًا بوصايا المسيح، وروحه ستتشكل حسب روح المسيح وتعاليمه[69]. وهكذا نرى أن الخاصية الأساسية للحياة الروحية هى التشبه بالله، والطريق المؤدي لذلك هو اغتناء الروح بالمسيح.

ومما ذكرناه أعلاه، نستنتج أنه من أجل أن يكتسب الإنسان شخصية حقيقية يجب أن يعيش متحدًا بالثالوث الأقدس، وأن يكون عضوًا حيًا في هذا المجتمع الإلهي المقدس برفقة جميع القديسين.

 

مقارنة القديس باسيليوس بالنبي موسى:

هذا بالضبط ما فعله القديس باسيليوس. لقد حاول أن يقتدي بهدوء ووداعة النبي موسى، وأن يكتسب جميع فضائله. لقد كان موسى كاهن الله. كان الكاهن الأعظم لأنه عاقب أهل فرعون على سوء تصرفاتهم وقاد شعب إسرائيل إلى درب النجاة بمعجزات كبيرة وعظيمة قام بها، ودخل في السحابة فأعطى شعبه ناموسًامزدوجًا، الناموس المكتوب _الخارجي) وناموس الروح (الداخلي).

لقد أصبح موسى النبي نموذجًا ومثالاً للقديس باسيليوس فهاجم أعداء الكنيسة من الهراطقة في مصر، معذبًا إياهم ليس بالسوط الذي يسئ للجسد، بل بكل الأسواط الروحية والفكرية. وقاد شعب الله المختار إلى أرض الميعاد، ممتلئًا حماسًا واندفاعًا للعمل الصالح، وواضعًا لنواميس والألواح التي لا يهددها خطر التدمير والتحطيم، أى تلك النواميس الروحية الأصيلة التي تبقى إلى أبد الدهر. وكان يدخل إلى أقدس المقدسات، ليس مرة واحدة كل سنة، وإنما مرات عديدة، لينهل منها القوة ويكشف لنا أسرار الثالوث الأقدس، ويطهّر شعبه بالطهارة الأبدية.

لننظر إذًا ونتمعن في حياة القديس باسيليوس الكبير، التي مر من خلالها في العديد من التجارب القاسية، دون أن تحبط عزيمته تلك الصعاب التي واجهها، ودون أن تحد من اندفاعه وحماسه في كرازة الإنجيل وفي العمل على زيادة عدد المؤمنين من أعضاء الكنيسة والدفاع عن تعاليم الإيمان الحقيقي.

 

مقارنة القديس باسيليوس الكبير بالقديسين بطرس ويوحنا:

لقد إحتذى القديس باسيليوس الكبير حذو بطرس الرسول في اعترافه. فلقد قضى حياته في اعتراف مستمر بإيمانه بالمسيح المخلّص وبمحبته له، وذلك منذ اللحظة الأولى التي عرفه فيها من خلال صفحات الإنجيل، وحتى الساعة التي أسلم فيها روحه إليه. لقد كان همه اليومي وعنايته الأساسية نشر تعاليم الرب وكلمته، وكرازة الإنجيل ليكون المسيح الإله المخلّص الشخصي للإنسان الذي هو في أمس الحاجة إلى الخلاص.

وبالطبع فإن عمل القديس باسيليوس الكبير هذا، الذي هو عمل الكنيسة وتعاليمها الموجهة إلى العالم، ليس عملاً سهلاً. إن الخدمة والكرازة هى العمل الذي بمقتضاه ييتم تفسير حياة الكنيسة، وتتم من خلاله دعوة البشر للمساهمة في عمل الله.

وأمام هذا لاعمل الصعب وهذه المسئولية العظيمة فيما يتعلق بالكرازة يتساءل القديس باسيليوس الكبير: ” ما هو الأمل الذي سيدور حوله نقاشنا “؟ وذلك لأن الكرازة بحد ذاتها هى نقاش داخلي، وعهد بين الله والإنسان. الله يتكلم والإنسان ينصت ويتقبل كلام الله بحرية. ولذلك يتساءل النبي قائلاً: ” من صدّق خبرنا “؟[70]. فلأن الإنسان يسمع بحرية، ويتحاور مع الله في سره، لذلك فإنه إذا رفض كلام الله لن يكون رفضه هذا بدون عواقب.

ونحن المسيحيون يجب أن ننتبه إلى ذلك. وبشكل خاص من كان منا يكثر من الاستماع إلى الكرازة والوعظ، فيهتم للكم لا للموضوع. ماذا نستفيد إذا سمعنا كلام الله بكثرة، لكننا حالما نننخرج من الكنيسة أو من مكان الكرازة نرفض التعاليمم التي علمتنا إياها؟ إننا نتحاور مع الله الذي يتكلم بلسان الواعظ أو الكاهن الذي يقوم بالكرازة، وبين المؤمنين الذين يستمعون إلى كلام الله.

فإذا رفضنا كلمة الله في نهاية الأمر، فإننا سنحاسب أمامه على ذلك. ومن هذا المنطلق لكان من الأفضل لنا أساسًا أن نستمع إلى عظة واحدة فقط، ونحاول تفسيرها تفسيرًا صحيحًا ونطبقها في حياتنا وأعمالنا، بدلاً من أن نستمع إلى العديد من المواعظ وأن نرفضها دون تفكير ودراسة. لأنه حيث تكون الحرية بمتناول أيدينا، تكون المسئولية الملقاة على عاتقنا أكبر وأعظم.

لقد اكتسب القديس باسيليوس الكبير “لاهوت يوحنا” أيضًا. إن تلميذ الحبيب “الذي اتكأ على صدره”[71] وقت العشاء السري، قد تعلم اللاهوت يسماعه لقلب وروح اللاهوت من الرب. ولم يتعلم اللاهوت فقط بل أصبح معلّمًا له، وسجله في إنجيله. ولكن أين تعلم القديس باسيليوس اللاهوت؟ لقد تعلمه من خلال متابعته الدروس في مدرسة الصلاة والدموع والتنسك، عندما ذهب مع صديقه غريغوريوس إلى البنط للتنسك والتعبد لفترة زمنية معينة.

لقد تعلم اللاهوت عندما سهر تحت أقدام المسيح المصلوب المضرجة بالدماء، وعندما نظر إلى جنبه المطعون بالحرية، فرأى أن منه قد “خرج دم وماء” .. “ماء” المعمودية. لقد تعلم اللاهوت عندما كان يتأمل “جرح” يسوع الذي كان ينبع منه “إكسير” الحياة الأبدية، الذي شفى به “الجرح” الأعظم، الذي هو الإنسان[72]. لقد تعلم اللاهوت أيضًا من خلال خدمته ككاهن في الكنيسة، فكان الخبز والخمر يتحولان في يدهه إلى جسد ودم المسيح.

 

 

مقارنة القديس باسيليوس ببولس الرسول:

لقد احتذى أيضًا القديس باسيليوس حذو بولس الرسول، في عنايته ورعايته التي قدمها “من أجل جميع الكنائس”، وليس ذلك فقط، بل في عنايته ورعايته لأخيه الإنسان. فإذا كان بولس الرسول قد قال: ” من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب “؟[73].

وقال أيضًا: ” إني ثلاث سنين ليلاً ونهارًا لم أفتر عن أن أُنذِر بدموع كل واحد”[74]

وكذلك قال: ” كأولادي الأحباء أنذركم “[75]، فإن القديس باسيليوس الكبير يعرض العمل الذي قام به في حياته فبارك الله عمله هذا. ففي مدينة باسيليادة، بذل جهودًا جبارة وساعد كل المحتاجين وخفف عن آلامهم، حيث كان الآلاف من اليتامى يلقون العطف والحنان الأبوي منه، وكانت الأرامل يلقين الحماية، وكان الفقراء يلقون الاحسان، وكان المرضى يلقون التطبيب والعناية والاستشفاء. وفي الوقت الذي كان يغيب فيه القديس باسيليوس عن مذبح الكنيسة وعن الصلاة والخدمة الإلهية، كنت تلقاه في خدمة الاخوة من الرعية ممن كانوا بحاجة لمسعدته.

 

 

خاتمة:

لقد حاولنا هنا التطرق باختصار إلى بعض الجوانب المتعددة لشخصية القديس باسيليوس الكبير، التي تزيينها كل خصال القداسة. ولكن ينتابنا شعور بأننا لم نتكلم عن فضائله الأخلاقية العديدة، ومنها التقشف، والابتعاد عن الملذات، والطهارة، والبتولية، وعن موقفه تجاه خصومه وأعدائه ومن اتهموه بالباطل وهاجموه ولاحقوه. كما أننا نتكلم أيضًا عن مزاياه العقلانية وعن بلاغة لسانه، واقتداره في الكتابة والتأليف، وعن مواقفه المفحمة وحجة لسانه وعبقريته اللاهوتية في مواجهة الهرطقة والدفاع عن العقيدة المسيحية والإيمان الحقيقي.

لقد كان القديس باسيليوس الكبير نموذجًا حيًا للفضيلة، وقد ذكر صديقه غريغوريوس اللاهوتي أن فضائله كانت تستحق التمجيد لدرجة أنه حتى بعض السلبيات الصغيرة التي كانت موجودة فيه اعتبرت من قبل الكثيرين مزايا تجلب المجد لصاحبها. وهذا ما بدا واضحًا عند وفاته وخلال جنازته، حيث إن السوق وجميع أروقة المدينة ومبانيها كانت مكتظة بالناس من سكتن المدينة والغرباء الذين جاءوا للمشاركة في الجنازة والحزن ظاهر على وجوههم. لقد حملوه على أكتافهم وتسابق في ذلك المسيحيون مع غير المسيحيون، اليونانيون مع اليهود، سكان المدينة مع الغرباء.

وبسبب الازدحام الشديد مات الكثيرون، فرافقوه في رحلته الأخيرة إلى جوار ربه. لقد حدث كل ذلك بسبب تلك الشخصية المكتملة التي امتد إشعاعها إلى جميع الآفاق، فأثرت بالمؤمنين وغير المؤمنين، بالمسيحيين والوثنيين، بالأصدقاء والأعداء.

ويجدر بنا إذًا، نحن الذين نسعى للتقوى، وللتعمق باللاهوت والحكمة، أن نمجد هذا القديس العظيم، وأن نمدحه جزيل المديح، وأن يذكر الواحد منا للآخر فضائله هذه، لنكتسب منها جميعًا، من أجل خير مجتمعنا بأكمله.

 

[28] الأقمار الثلاثة هم ذهبي الفم، وباسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللاهوتي

[29] انظر:سلسلة “أباء الكنيسة اليونانية” أعمال القديس باسيليوس الكبير، المجلد الثاني، صفحة71.

[30] انظر المرجع السابق، المجلد-1، صفحة60.

[31] أنظر متى24:16.

[32] 1 كو 13:5.

[33] أمثال 24:13.

[34] ا كو 8:12-10

[35] مزامير 3:13

[36] متى 16:18

[37] رومية 13:2

[38] متى 16:5

[39] أعمال الرسل 44:2

[40] أعمال الرسل 32:4

[41] أنظر المرجع السابق، المجلد ـ 9ـ الفصل ـ 18ـ .

[42] انظر كتابات القديس باسيليوس حو الإيمان-1- MPG31,680 وأيضاً خطاب حول الرهبنة-2- MPG31,888 ، وانظر أيضاً MPG31,1264,MPG31,908.

[43] كتابات باسيليوس حول الإيمان-1- MPG31,680.

[44] أنظر باسيليوس الكبير في خطاب في الأيام الستة 1،2 في MPG29,28-29.

[45] أخلاقيات 1،26 لباسيليوس في MPG31,744

[46] خطاب لباسيليوس حول المزمورالأول-1 في MPG29,209

[47] أنظر باسيليوس حول الروح القدس 2،1 MPG32,69

[48] أنظر باسيليوس الكبير في موضوعه حول الإنتباه على النفس 1 في (MPG31,200) وأيضاً حول القديس أشعياء 246،MPG30,552.

[49] أنظر القديس باسيليوس حول القديس أشعياء 9،1،MPG30132.

[50] “أنر عيني لئلا أنام نوم الموت”

[51] أنظر رسالة القديس باسيليوس إلى أوستاثيوس السباستيني 2، 223 في MPG 32, 824

[52] انظر خطاب في المزمور الأول 2، ضمن كتابات باسيليوس في MPG 29, 212-213

[53] انظر البروفيسور في كتاباته مواضيع الفلسفة المسيحية والبيزنطية، أثيينا 1952، ص39.

[54] انظر البروفيسور تاتاكيس في كتاباته مواضيع الفلسفة التاريخية والبيزنطية، أثينا 1952، ص39.

[55] انظر (الصفحة 221)، 1951 B.Altaner, Patrologie, freiburg

[56] ان\ر (ص18ـ19) Goppeli, Typos

[57] انظر القديس باسيليوس الكبير، حول الطمع ـ 5، MPG 31,384

[58] انظر القديس باسيليوس الكبير، إلى الأغنياء ـ3، MPG31,288

[59] انظر البروفيسور خريستو، للقديس باسيليوس الكبير، تسالونيكي 1978، ص168.

[60]

[61]

[62]

[63] حول الروح القدس 16، 22، 108، MPG 32, 93,96

[64] حول الروح القدس ـ 25 MPG 32, 112

[65] حول الروح القدس ـ 28 MPG 32, 117

[66] القديس باسيليوس الكبير: خطاب حول المزامير 48، “آباء الكنيسة اليونانيون” 5، 1.

[67] القديس باسيليوس الكبير: حول الروح القدس “آباء الكنيسة اليونانيون” 10، 1ـ2.

[68] القديس باسيليوس الكبير: حول الروح القدس “آباء الكنيسة اليونانيون” 15، 35.

[69] القديس باسيليوس الكبير: رسالة 159، “آباء الكنيسة اليونانيون” 10، 1.

[70] إش1:53.

[71] يو20:21.

[72] انظر مدائح صلاة المساء ليوم أحد القديس توما.

[73] ب ـ كورنثوس 28:11ـ29.

[74] أع31:20.

[75] كورنثوس 14:4.

Exit mobile version