تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – مايو 2024م

 

 

الفهرست

المقدمة. 1

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس… 4

العهد القديم. 4

العهد الجديد 4

رواية إنجيل لوقا 4

رواية إنجيل يوحنا 5

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري.. 8

العلامة أوريجينوس 185-253م 8

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م 9

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م 13

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي. 16

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م 16

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي. 19

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م 19

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي. 26

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م 26

ق. باسيليوس الكبير 330-379م 27

ديونيسيوس الأريوباغي 485م 27

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني. 30

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م 30

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م 31

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م 32

ق. جيروم 342-420م 34

توما الأكويني 1225-1274م 34

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني. 39

مار أفرام السرياني 306-373م 39

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م 40

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م 41

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م 42

الخلاصة. 44

 

 

المقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، الذي أقامه الربُّ يسوع مع تلاميذه الأثنى عشر ليله آلامه وصلبه. وسوف نستعرض الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العهدين القديم والجديد، ثم سوف نستعرض الإشارات إلى هذا الحدث في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا في مختلف الكنائس ومن مختلف التقاليد الكنسية، سواء إسكندريّ، أنطاكيّ، أورشليميّ، سريانيّ، كبادوكيّ، لاتينيّ، وذلك لتقديم صورة كاملة وشاملة عن تأكيدات آباء الكنيسة الجامعة من مختلف الكنائس والتقاليد المختلفة عبر العصور والأزمنة على حدث تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا.

حيث كان يستخدم آباء الكنيسة شرقًا وغربًا هذه الحادثة للتأكيد على ضرورة تناول الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا، مهما كانت حالته، وذلك كفرصة للتوبة والرجوع عن خطاياه، ولذا كان آباء الكنيسة يستشهدون عادةً بحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ، تلميذ المسيح الخائن، الذي خانه وسلَّمه إلى اليهود والرومان بقبلةٍ في بستان جثسيماني ليلة خميس العهد، وذلك في مقابل ثلاثين من الفضة كثمن الخيانة.

حيث يرى آباء الكنيسة الجامعة أن السيد المسيح كان طويل الأناة ورحوم على يهوذا الإسخريوطيّ إلى أخر فرصة، ولم ييأس أبدًا في رجوعه حتى وهو عازم على تسليمه إلى قادة اليهود والرومان، حى وهو عازم على خيانته وقد قبض ثمن خيانته، بل قام الرب بمنحه سر الإفخارستيا في العشاء الأخير لعله يتراجع عن خيانته، وهكذا منحه فرصة للتوبة والرجوع عن خطيته لأخر وقت ولأخر فرصة، لكي يؤكد على أنه يستمر إلى أخر وقت يطلب خلاص الخاطئ ولا يسرُّ أبدًا بهلاكه وفنائه حتى لو أراد هو نفسه ذلك.

ولكن للأسف لم يستفد يهوذا الإسخريوطيّ من هذه المحاولة وغيرها من المحاولات السابقة من قِبَل الرب يسوع لكي يتوب ويرجع عن خطيتئه، وأسلَّم عقله وقلبه وفكره وإرادته للشيطان وصمَّم على خيانة سيده وتسليمه إلى اليهود والرومان مقابل ثلاثين من الفضة.

 

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، وذلك في العهدين القديم والجديد، وذلك للتأكيد على أن هذه الحادثة لها جذور في نبوات العهد القديم تحقَّقت في العهد الجديد كما سنرى.

العهد القديم

هناك إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من خبز الإفخارستيا وذلك في نبوة (مز 41: 9)، حيث استخدم آباء الكنيسة هذا الشاهد في التأكيد على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا ”رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!“ (مز 41: 9 فاندايك).

العهد الجديد

رواية إنجيل لوقا

نجد إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير بعد أن أسَّس السيد المسيح سر الإفخارستيا حين ”وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: ’هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي‘“ (لو 22: 19 فاندايك). ”وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: ’هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ‘“ (لو 22: 20 فاندايك).

يشير لوقا البشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا حيث يقول المسيح نفسه إن يد مُسلِّمه هي معه على المائدة كالتالي: ”وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ“ (لو 22: 21 فاندايك)، ويستطرد السيد المسيح مؤكدًا على حضور يهوذا لسر الإفخارستيا وتحدَّث عن يهوذا الإنسان الذي سوف يُسلِّمه قائلاً: ”وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!“. (لو 22: 22 فاندايك). وهنا يروي البشير لوقا حيرة التلاميذ وتساؤلهم فيما بينهم حول مَن هو هذا الإنسان الذي أخبر السيد المسيح أنه سوف يُسلِّمه، مما يؤكد أن يهوذا كان لا يزال موجودًا وحضر تأسيس سر الإفخارستيا وتناول من السرِّ كالتالي: ”فَابْتَدَأُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ’مَنْ تَرَى مِنْهُمْ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْعَلَ هذَا؟‘“ (لو 22: 23 فاندايك).

رواية إنجيل يوحنا

ويستخدم البشير يوحنا نبوة (مز 41: 9) في التأكيد على أن يهوذا قد حضر تأسيس سر الإفخارستيا، وهي النبوة التي أعتمد عليها آباء الكنيسة فيما بعد للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، حيث يقول المسيح نفسه التالي: ”’لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ‘“ (يو 13: 18 فاندايك). ثم أعلن السيد المسيح أن هناك واحد من التلاميذ سوف يقوم بتسليمه كالتالي: ”لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!‘“ (يو 13: 21 فاندايك).

وهنا تساءل التلاميذ فيمت بينهم وهم متحيرون عن هوية الخائن مُسلِّم المسيح كالتالي: ”فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 22 فاندايك). وكان البشير يوحنا صاحب الرواية الإنجيلية شاهد عيان على الحدث ”وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ“ (يو 13: 23 فاندايك). وهنا أشار ق. بطرس إليه أن يسأل المسيح عن هوية الخائن كالتالي: ”فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 24 فاندايك).

وهنا سأل ق. يوحنا الحبيب المسيح عن هوية الخائن قائلاً: ”فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: ’يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟‘“ (يو 13: 25 فاندايك)، فكانت إجابة المسيح وإشارته إلى الشخص الذي سوف يغمس اللقمة ويعطيه إياها كالتالي: ”أَجَابَ يَسُوعُ: ’هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!‘. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ“ (يو 13: 26 فاندايك)، وهنا يشير البشير يوحنا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهكذا بعدما تناول يهوذا من السر دخله الشيطان وذهب ليسلِّم المخلص كالتالي: ”فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ‘“ (يو 13: 27 فاندايك).

ويُقرِّر البشير يوحنا أن التلاميذ لم يفهموا ما حدث بين المسيح ويهوذا في وقتها، وأعتقدوا أن المسيح أرسله إلى يشتري حاجة العيد ويعطيها للفقراء، لأن يهوذا كان معه صندوق المال المدخَر لمثل هذه الأمور كالتالي: ”وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِه، لأَنَّ قَوْمًا، إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا، ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ“ (يو 13: 28، 29 فاندايك).

 

 

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل إشارات آباء كنيسة الإسكندرية عبر العصور المختلفة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، للتأكيد على وجود اتفاق في التقليد الإسكندريّ على هذه الحادثة، وكيف استخدم آباء كنيسة الإسكندرية هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية تختص بالموقف من مُناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا.

العلامة أوريجينوس 185-253م

يُؤكِّد العلامة الإسكندريّ أوريجينوس، الذي كان على دراية بالتقاليد والطقوس اليهودية في عيد الفصح، على تناول يهوذا من الإفخارستيا، ويُعتبر التقليد الذي ينقله العلامة أوريجينوس هو من أقدم التقاليد التي تؤكِّد على تناول من سر الإفخارستيا في العالم المسيحيّ عامةً وفي التقليد الإسكندريّ خاصةً كالتالي:

”لأن مَن يأكل بدون استحقاق خبز الربِّ أو يشرب كأسه، يأكل ويشرب دينونة، لأن القوة العظيمة الموجودة في الخبز والكأس، تثمر صلاحًا في النفوس الصالحة، وينتج عنها أمور شريرة في النفوس الرديئة! اللقمة التي أخذها يهوذا من يسوع كانت هي نفس اللقمة، التي أعطاها لباقي الرسل الآخرين قائلاً: خذوا كلوا، كانت خلاصًا لهم ودينونةً ليهوذا، لذلك بعد اللقمة، دخله الشيطان“.[1]

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في تفسيره لإنجيل لوقا، حيث تلطف الرب وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، ولكنه صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح بخيانته كالتالي:

”كما أنه يضيف إلى ذلك أنه أحد الأثنى عشر، وهذا أيضًا أمرٌ له أهمية عظيمة ليُظهِر بوضوحٍ تامٍ شناعة جريمة الخائن. لقد كان معادلاً في الكرامة للباقين، وكان مُزيَّنًا بكل الكرامات الرسولية، ولكن هذا المختار والمحبوب، والذي تلطَّف الربُّ وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح، […] لأن واحدًا من البشيرين القديسين يقول بخصوصه إنه بينما كان المخلِّص متكئًا على المائدة مع باقي التلاميذ، فإنه أعطاه لقمةً بعد أن غمسها في الصفحة: ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27)“.[2]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا أن الربَّ سمح ليهوذا، وتنازل، ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِبَ أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً قائلاً:

”أمَّا يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه فقد توبخ بتلك الكلمات التى قالها المسيح: ’ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة‘. ﻷنه ربما تخيل في حماقته العظيمة، أو ربما باﻷحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس أنه يمكنه أن يخدع المسيح مع أنه اﻹله، لكن كما قلتُ، إنه أُدين لكونه باﻹجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا. ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِب أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً“.[3]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى اشتراك يهوذا في المائدة المقدَّسة مع المسيح مثله مثل باقي التلاميذ، وهكذا يؤكِّد ق. كيرلس على تناول يهوذا من عشاء الفصح واشتراكه أيضًا في التناول من المائدة المقدَّسة، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”لأن ذاك الذي كان يتعشى مع المسيح منذ قليل، وأكل معه، واشترك في المائدة المقدَّسة، ومثل بقية التلاميذ كانت له فرصة الانتفاع بكلماته التي تحث على البرِّ، وقد سمعه وهو يعلن بوضوحٍ إن ’واحدًا منكم يُسلِّمني‘، وكأنه إذ سمع هذا القول، قفز من مكانه على نفس المائدة، وبعد أن كان متكئًا معه، أسرع في الحال إلى اليهود ليأخذ أجرة خيانته منهم، فهو لم يهتم بكلمات المسيح الملهمة، ولم يُفكِّر في المجد الآتيّ، ولم يُبالِ بالكرامة المعطَاة له، وباختصارٍ، فإنه فضَّل مبلغًا ضئيلاً وخسيسًا من المال على السعادة الكاملة التي لا نهاية لها، وبرهَّن أنه هو الشبكة أو الفخ الذي اصطاد به الشيطان المسيح، هذا الشيطان الذي هو المحرِّك والعامل مع اليهود في شرهم ضد الله“.[4]

ويستخدم ق. كيرلس الإسكندريّ نبوة (مز 41: 9) ”الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه“، وما خبز الربِّ الذي أكله يهوذا سوى جسده المقدَّس، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا قائلاً:

”ولكن المخلِّص لم يُعطِه أي توضيح أكثر عن الأمر سوى ما سبق أن أنبأ به الأنبياء قديمًا بالقول: ’الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه‘ (مز 41: 9). فحينما غمس اللقمة، أعطاها ليهوذا، مبينًا أنه هو الذي كان يأكل خبزه. وهكذا أزال الخوف الذي شعر به التلاميذ القديسون، كما يبدو أيضًا إنه يُذكِّرهم بنبوةٍ أخرى، وهي التي تقول: ’بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي. الذي معه كانت تحلو لنا العشرة: إلى بيت الله كُنَّا نذهب في الجمهور‘ (مز 55: 13-14). ففي وقت ما كان الخائن نفسه رفيقًا وصديقًا للمخلِّص، يأكل معه على نفس المائدة، ويشترك في كل شيء مما يُحسَب علامة مُميَّزة للتلمذة؛ إذ إنه كان له نصيب بين التلاميذ الآخرين، الذين كرَّسوا كل حياتهم للمخلِّص“.[5]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مُطبِّقًا نبوة (مز 41: 9) على تناول يهوذا من الإفخارستيا، حيث يؤكِّد على أن اللقمة التي أخذها يهوذا لم تكن هي سبب امتلاك الشيطان عليه، ويستنكر أن تكون لقمة البركة التي أخذها يهوذا، أي الإفخارستيا، هي التي أعطت فرصة للشرير أن يدخل فيه كالتالي:

”لأنه حينما غمس اللقمة أعطاها له، مبينًا بذلك مَن هو الذي أكل خبزه، وكان على وشك أن يرفع عليه عقبه. ولكن الإنجيليّ الحكيم جدًا يخبرنا أن الذي قاده وغرس فيه عدم تقواه والقسوة الملعونة ضد المسيح، والمخترع لكل الخطة، قد دخل قلب الخائن، أي الشيطان بكل قوته الشريرة قد سكن في داخله بعد أن أخذ اللقمة. ولا ينبغي أن يظن أحدٌ أن اللقمة التي أخذها الخائن كانت هي سبب امتلاك الشيطان له، فنحن لم نصل إلى حدّ الجنون، ولن نكون فاقدين لكل ذكاء حتى نظن أن مثل هذه البركة هي التي أعطت الفرصة للشرير أن يدخل فيه، بل بالحري نقول – بحسب ما يتفق مع الحق من جهة الخائن – رغم المحبة الكاملة التي عُومِلَ بها، ورغم الكرامة التي أُعطِيَت له، فإنه ظلَّ متعلقًا بشدةٍ بنفس الأفكار الشريرة، ولم يحاول أن يصلح أفكاره بالتوبة، ولم يحول قلبه بعيدًا عن خططه المضادة التقوى“.[6]

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم يُقدِّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح، بل أسرع للخيانة دون تريث أو تفكير أو مراجعة نفسه للحظةٍ واحدةٍ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”لذلك، فما حدث هو أن الخائن لم يفزع من التوبيخات التي قيلت سرًا وبهدوء، ولم يقدِّر قوة المحبة غير المغلوبة، ولا الكرامة والمجد والنعمة، ولا قدَّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح. بل أسرع دون تريث ليفكِّر أو يراجع نفسه لحظة واحدة، بل إذ كانت عيناه مثبتةً على ذلك وحده، الذي ثبُت أن له تأثير قوي عليه، وأعني بذلك لعنة الطمع، فإنه وقع في الشرك في نهاية الأمر، وهوى إلى الدمار التام“.[7]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم ينتفع بهبة البركة التي أخذها من المسيح، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”هو [يهوذا] يمضي مسرعًا طاعةً لإرادة الشيطان، ومثل إنسان أصابه جنون يخرج من المنزل. وهو لا يرى أي شيء يمكن أن يتغلب على حبه للربح، وكم هو أمرٌ غريبٌ إننا سنلاحظ إنه لم ينتفع بالمرة من هبة البركة [الإفخارستيا] التي نالها من المسيح، وهذا بسبب ميله الشديد للحصول على المال“.[8]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا إلى مقاومة الشيطان لاحتمالية توبة يهوذا بسبب القوة الفعَّالة للقمة البركة التي تناولها يهوذا من المسيح، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمثلاً هو [الشيطان] يجبر يهوذا، بعد أن أخذ اللقمة مباشرةً، إذ أصبح الآن تحت سلطانه، أن يُسرِع في الحال إلى إتمام الفعل الشرير؛ إذ ربما كان خائفًا – بالإضافة إلى احتمال توبة يهوذا، من القوة الفعَّالة التي لهبة بركة المسيح [أي الإفخارستيا]، لئلا تضيء هذه النعمة كنورٍ في قلب يهوذا، وتحثه بالحري أن يفكر بتروٍ ويختار العمل الصالح، أو على الأقل تولد طبعًا مخلصًا أصيلاً في شخص كان قد دُفِعَ ضد مشاعره الطيبة، أن يفكِّر في الخيانة“.[9]

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م

يُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ، أحد آباء كنيسة الإسكندرية، مثله مثل الآباء السابقين عليه، على أن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، حيث يقارن بين مَن يتهاون بالسر ويمد يده باستمرارٍ على الأسرار الإلهية، ويتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح له بالاقتراب منها ولمسها، وبين طلب يهوذا الإسخريوطيّ للتناول من سر الإفخارستيا، وهو يُخطِّط للخيانة في داخله قائلاً:

”أشخاصٌ يقولون عنك إنك تفعل ما هو ممنوع وغير مسموح أن تفعله، ومراتٍ كثيرةٍ ترتكب أفعالاً مخالفةً، وأنت تستمر في مد يدك على الأسرار الإلهية، وتتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح لك أن تقترب منها وتلمسها. وأنا أندهش من غرورك، بينما تجلس وتشبع على مائدة الشياطين، لا تخاف من المشاركة في مائدة الربِّ (1كو 10: 21). إذًا، توقَّف حتى لا يضيق عليك الخناق (أع 1: 18) مثل يهوذا الذي سقط في اليأس بسبب وقاحته، الذي طلب التناول، بينما كان يُخطِّط للخيانة في داخله (يو 13: 27)“.[10]

وهنا يُشدِّد ق. إيسيذوروس ويُحذِّر الخطأة المستشرين في خطيئتهم من التهاون بالأسرار الإلهية، فهم يتناولون بكل سهولة ويسر وعدم توبة حقيقية من الأسرار الإلهية دون التوقف عن ارتكاب المخالفات والمحرَّمات.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليميّ، وذلك في إطار تأكيد التقليد الأورشليميّ على هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية آنذاك تتعلق بتقدُّم الخاطئ إلى سر الإفخارستيا وقبول مناولته من عدمه.

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن يهوذا قد خان السيد المسيح إذ قد كفر بنعمة رب البيت، لأنه بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، فأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ وبينما لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، ويستخدم ق. كيرلس أيضًا، مثل ق. كيرلس الإسكندريّ، نبوة (مز 40: 10) كنبوة مُسبَقة عن تناول يهوذا من سر الافخارستيا كالتالي:

”هل تريد أن تعرف بوضوحٍ أن مجد يسوع هو الصليب؟ فاسمع إذًا ما يقوله يسوع نفسه وليس أنا: كان يهوذا قد خانه إذ كفر بنعمة رب البيت، بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، وأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، حبًا بمال الخيانة. لقد أضطر أن يؤمن إذ هو سمع: ’أنت قلت‘ (مت 26: 25)، ومع ذلك خرج ليسلِّمه“.[11]

 

 

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول التقليد الأنطاكيّ لحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أقامه الرب يسوع ليلة آلامه وصلبه، وذلك في إطار التأكيد على أهمية هذه الحادثة من الناحية الرعوية والكنسية آنذاك.

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن المسيح له المجد لم يطرد يهوذا الخائن من المائدة المقدَّسة، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار، أي الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”إذًا، فالمكان الواحد يسعكم جميعًا، وتتحدوا معًا في شركة واحدة، لكن المائدة ليست واحدة في هذا الاجتماع. ولم يقل، فحين تجتمعون ولا تأكلون معًا، أو لا تأكلون في شركةٍ واحدةٍ، لكنه تكلَّم بأسلوبٍ آخر، وأدانهم بصورةٍ مخيفةٍ، بأن قال: ’ليس هو لأكل عشاء الرب‘. وأحالهم – إنطلاقًا من هذا الكلام – إلى تلك الليلة التي فيها سلَّم المسيح الأسرار المهيبة. لذلك فقد دعا إلى العشاء الأفضل، لأن العشاء الأخير يشترك فيه الجميع على نفس المائدة كل يوم. وإنْ كان الفارق بين الأغنياء والفقراء ليس بالقدر الذي عليه الفارق بين المعلِّم والتلاميذ، لأن ذلك الفارق كان بلا حدود. ولماذا أتحدَّث عمَّا كان من فارق بين المعلِّم والتلاميذ؟ فكَّر في المسافة التي تفصل بين المعلِّم والخائن [يهوذا]، ومع هذا فإن هذا الخائن جلس مع التلاميذ، ولم يطرده المسيح له المجد، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار“.[12]

يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن يهوذا بعدما تناول الإفخارستيا في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، فإنه ذهب مسرعًا بينما بقى الآخرون على مائدة الإفخارستيا كالتالي:

يهوذا بعدما تناول في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، ذهب مسرعًا بينما بقا الآخرون على المائدة“.[13]

ويُحذِّرنا ق. يوحنا ذهبيّ الفم من التقدُّم إلى مائدة الإفخارستيا الرهيبة مثل يهوذا الشرير الذي بعدما تناول خبز الإفخارستيا، دخله الشيطان فسلَّم الربَّ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”هذا هو يوم التقدُّم إلى المائدة الرهيبة. فلنتقدَّم كلنا إليها بطهارةٍ، ولا يكُن أحدُنا شريرًا مثل يهوذا، لأنه مكتوبٌ: لما تناول الخبز دخله الشيطان فسلَّم ربَّ المجد. وليفحص كلٍّ واحد منا ذاته قبل أن يتقدَّم إلى جسد ودم المسيح لكيلا يكون له دينونة، لأنه ليس إنسان الذي يُناوِل الخبز والدم، ولكن هو المسيح الذي صُلِبَ عنا، وهو القائم على هذه المائدة بسرٍّ، هذا الذي له القوة والنعمة يقول: ’هذا هو جسدي‘“.[14]

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على حضور يهوذا أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا عندما قال: ”هذا هو جسدي“ و ”هذا هو دمي“، وإنه اشترك في المائدة المقدَّسة، مثله مثل باقي الرسل، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”وبينما هم يأكلون ويشربون أخذ يسوع الخبز وكسر، وقال: ’هذا هو جسدي الذي يُكسَر لأجلكم لمغفرة الخطايا‘. والذين انضموا إلي الكنيسة يعرفون هذه الكلمات. وأيضًا قائلاً عن الكأس: ’هذا هو دمي الذي يُسفَك عن كثيرين لمغفرة الخطايا‘. وكان يهوذا حاضرًا عندما قال المسيح هذه الكلمات. هذا هو الجسد الذي بعته أنت بثلاثين قطعة من الفضة […] يا لمحبة المسيح الفائقة للجنس البشري، ويا لعظم جنون وانعدام العقل ليهوذا، لأنه باع المسيح بثلاثين دينارًا، ولكن المسيح رغم هذا لم يرفض أن يعطي له غفران الخطايا، أي الدم نفسه الذي باعه يهوذا، لأن يهوذا كان هناك حقًا واشترك في المائدة المقدَّسة. وكما أن يسوع غسل قدمي يهوذا مع باقي الرسل، هكذا أيضًا مع باقي الرسل، كان مشتركاً في المائدة المقدَّسة، لكيلا يكون له عذرًا في الدفاع عن خيانته“.[15]

يتحدَّث ق. يوحنا ذهبيّ الفم عن الذين يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء علي وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا عندما تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لتكونوا غير مخادعين، غير ممتلئين بالشر، غير حاملين للحقد في عقولكم، لئلا تناولكم يؤدي إلي دينونة. لأنه بعد أن تناول يهوذا مما قُدِّمَ، دخل الشرير فيه، ليس لأن الشرير يزدري بجسد الربِّ، ولكن يزدري بيهوذا وخزيه. ولهذا فيمكنكم أن تتعلَّموا أنه فيما يتعلق بمَّن يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء على وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا“.[16]

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على دينونة يهوذا الخائن بسبب مشاركته في مائدة المسيح وفي الأسرار وفي الطعام، وذلك لكي يؤكد على حادثة تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”’وعند حلول المساء اتكأ [المسيح] مع الاثنى عشر‘ (مت 26: 20). يا لخزي يهوذا! لأنه هو أيضًا كان حاضرًا أيضًا هناك، وأتى ليشارك في الأسرار والطعام معًا، وقد أُدِينَ عند نفس المائدة، حيث كان سيُروَّض لو كن وحشًا ضاريًا. لهذا السبب يشير الإنجيليّ أيضًا إلى أن المسيح تحدَّث عن خيانته بينما كانوا يأكلون، لكي يُظهِر شرَّ الخائن بواسطة وقت الحديث وبالمائدة معًا“.[17]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أيضًا أن يهوذا الخائن ظلَّ على حاله بالرغم من مشاركته في الأسرار، ورغم أن المسيح سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً، إلا أنه لم يتغيَّر، وذلك في سياق تأكيده على على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”آهٍ! ما أعظم عمى الخائن [يهوذا]! حتى بعد المشاركة في الأسرار، بقي على حاله؛ وبعد أن سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً لم يتغيَّر!“.[18]

ويستطرد ق. يوحنا ذهبيّ الفم في نفس السياق، مؤكدًا على أن خطية يهوذا صارت أبشع حقًا لسببين، لأنه أتى إلى الأسرار في موقف الخيانة، ولأنه لم يصر أفضل بعد الاقتراب من الأسرار كالتالي:

”ويُظهِر لوقا هذا بالقول إنه [يهوذا] بعد هذا دخل إبليس فيه (لو 22: 3؛ يو 13: 27)، ولا يقصد لوقا أن يحتقر جسد الربِّ، بل ضحك ازدراءً منه على خزي الخائن من الآن فصاعدًا. لأن خطيئته صارت أبشع حقًا لسببين: لأنه أتى إلى الأسرار بموقف كهذا، ولأنه لم يصر أفضل بعد أن اقترب منها، لا من الخوف، ولا من الفائدة، ولا من الكرامة. لكن المسيح لم يمنعه رغم أنه كان يعرف كل شيء، لكي تتعلَّموا أنه لا يُغفِل أيّ شيء من الأشياء التي تخص الإصلاح“.[19]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن المسيح أراد تخجيل الخائن، ولكنه بعد المشاركة في الخبز، أهان المائدة، وبالرغم من مشاركته في كرم المسيح، لم يُردِعه هذا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا كالتالي:

”وحتى الطريقة التي استخدمها المسيح كان مُقدَّرًا لها أن تُخجِّل الخائن. لأن بعد المشاركة في نفس الخبز، أهان المائدة. وبفرض أن مشاركته في كَرَم المسيح لم يُردِعه، فمَّن هو الشخص الذي لا تستميله المحبة نحو المسيح لنوال اللقمة منه؟ لكنها لم تستمل يهوذا. لذلك، ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27) مستهزئًا به لوقاحته“.[20]

 

 

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكيّ، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائي من مختلف التقاليد الكنسية على هذه الحادثة وأبعادها الرعوية والكنسية.

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م

يشير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ إلى أن المسيح لم يمانع في مناولة يهوذا جزءًا من الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من  سر الإفخارستيا قائلاً:

”أصغ، يا يهوذا، إلى كل الخير الذي صنعه إليك. أخرجك من ظلمات الجهل، خلَّصك، أراك نور الخلاص؛ أنعم عليك برؤية معجزات كثيرة، وقال إنك ستجلس مع رسله لتدينوا جميع أسباط إسرائيل. وبجعله المال كله بين يديك جنّبك عذر الفقر. لقد كنت سارقًا، ولا تظن أنه كان على غفلةٍ من ذلك. ولكنه هو، في رحمته العظمى، لم يوجِّه إليك أي تأنيب؛ لم يكن ليتأثر بموقفك. وإنه، وإنْ كان على علم تام بحالك، قبل جريمتك، لم يتردَّد في غسل رجليك المجرمتين، ومناولتك جزءًا من خبز الإفخارستيا. وبعدما نلت منه هذه الحسنات، يا أقبح البشر، خُنته، وقبلت ثمن الدم حين لم تكن بحاجةٍ إلى مال“.[21]

ق. باسيليوس الكبير 330-379م

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير في الليتورچية بحسب تسليم كنيسة الروم الأرثوذكس في يوم خميس العهد (التريودي باللحن السادس) على أن يهوذا سلَّم المخلِّص على الرغم من وجود الخبز السماويّ، أي الإفخارستيا في فمه، مشيرًا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”إنَّ يهوذا، بالحقيقة، هو ابن الأفاعي الآكلين المنَّ في القفر والمتذمرين على المغذِّي، لأن غير الشكورين، إذ كان الطعام في أفواههم، كانوا يتذمرون على الله. وكذلك هذا الرديء العبادة، إذ كان الخبز السماويّ في فمه، صنع التسليم على المخلِّص. فيا له من عزم فاقد الشبع، ويا لها من جسارة وحشية، لأنه باع المغذِّي، وأسلَّم إلى الموت، السيد الذي كان يحبه“.[22]

ديونيسيوس الأريوباغي 485م

يشير ديونيسيوس الأريوباغيّ أو المنحول في كتابه الطغمات الكنسية إلى أن مُؤسِّس الأسرار الإلهية، أي المسيح، يستبعد مَن يتناول العشاء الإفخارستيّ معه، مثل يهوذا بطريقةٍ غير تقوية وغير مناسبة لشخصه قائلاً:

”هنا أيضًا، يا بُنيَّ الرائع، بحسب الصور، آتي بالترتيب والإجلال الواجبين إلى الواقع الإلهيّ للنماذج الأصلية، قائلاً هنا لأولئك الذين صاروا أهلاً، من أجل التوجيه المتناغم لأرواحهم، أن التكوين المتنوع والمقدَّس للرموز لا يخلو من التأمل الروحيّ لهم، كما يُقدَّمون بشكلٍ ظاهريّ. لأن أقدس الترانيم والقراءات النبوية تعلِّمهم نظام الحياة الفضلى، ويسبق ذلك، التطهير الكامل من الشر المدمِّر؛ والتوزيع الأكثر ألوهةً والأعم والأسلم لنفس الشيء، أي الخبز والكأس، الذي يربطهم بشركةٍ تقويةٍ في الشخص، مثل الشركة في الطعام، ويُذكِّرهم بالعشاء الإلهيّ الكامل، وممارسة الرموز الأصلية للطقوس، والتي بموجبها يستبعد مُؤسِّس الرموز نفسه [أي المسيح]، بكل عدل، مَن تناول [أي يهوذا] في العشاء معه من القُدسات بطريقةٍ غير تقويةٍ (يو 13: 11) وغير لائقةٍ بشخصه؛ ويُعلِّم في الحال، بطريقةٍ واضحةٍ وإلهيةٍ، أن الاقتراب من الأسرار الإلهية بعقلٍ صادقٍ يمنح أولئك الذين يقتربون الشركة في العطية بحسب شخصيتهم“.[23]

 

 

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات المتنوعة في كتابات آباء الكنيسة اللاتينية الغربية عبر العصور إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير وتداعيات ذلك الحدث من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول الخاطئ المتقدِّم إلى التناول من سر الإفخارستيا من عدمه.

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م

نجد عند العلامة ترتليان الأفريقيّ أقدم تقليد كنسيّ في الغرب اللاتينيّ يتحدَّث عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الشكر، أي الإفخارستيا، حيث يستخدم نبوة (مز 41: 9) للإشارة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الإفخارستيا تحقيقًا لهذه النبوة كالتالي:

”حتى أنه أراد بشدةٍ أن يُتمِّم رمز دمه الفادي، ربما يكون قد خانه أي غريب، ألا أجد أنه تمَّم حتى هذا المزمور: ’أيضًا رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي. رفع عليَّ عقبه!‘ (مز 41: 9)، وتعرض للخيانة بلا ثمن، لأنه لا يوجد حاجة إلى خائن في حالة شخص قد قدَّم نفسه علانيةً للشعب، وكان من الممكن أن يُؤخَذ بالقوة وبنفس السهولة التي أُؤخِذَ بها عن طريق الخيانة؟ ربما كان هذا بلا شك جيدًا وكافيًا لمسيحٍ آخر، لكنه لم يكن مناسبًا لمَّن كان يُحقِّق النبوات. لأنه مكتوب: ’باعوا البار بالفضة‘ (عا 2: 6)، المبلغ نفسه والجهة التي خُصِّصَ لها المال الذي تمَّ استرداده بسبب ندم يهوذا عن الغرض الأول من المال، والمخصَّص لشراء حقل الفخاريّ، كما ورد في إنجيل متى، حيث تنبأ إرميا عنها بوضوحٍ: ’ثلاثين من الفضة. ألقها إلى الفخاريّ الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به‘ (زك 11: 12-13)، عندما أعرب بكل جدية عن رغبته في أكل الفصح، أَعتبره عيدًا خاصًا به؛ لأنه كان من غير المستحق أن يرغب الله في أن يشترك فيما ليس له. ثم أخذ الخبز وأعطى تلاميذه، وجعله جسدًا خاصًا به، قائلاً: ’هذا هو جسدي‘ (لو 22: 19)“.[24]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م

يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف عن تناول يهوذا خبز الإفخارستيا من المسيح، وكان يتغذَّى مع المسيح ويشرب معه، ولكن دخل الشيطان في قلبه، وخان المسيح، ففارقه المسيح، لأن يهوذا تركه وأتبَّع الشيطان، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”ولنا مثال على ذلك، لأنه عندما أخذ يهوذا الخبز من المسيح، دخل الشيطان في قلبه كأنه يطالب بما له، كأنه يحتفظ بحقه في نصيبه، كأنه يقول: ليس لك بل ليَّ. من الواضح أنه خادمي، خائنك، ومن الواضح أنه ليَّ. يجلس معك ويخدمني. يتغذَّى معك ولكنني أُغذِّيه. يتناول منك الخبز ومني المال. يشرب معك، ويبيع ليَّ دمك. وأثبت مدى صدق كلامه. ومن ثمَّ، فارقه المسيح، ويهوذا نفسه أيضًا ترك يسوع وتَبِعَ الشيطان“.[25]

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م

يُؤكِّد أوغسطينوس أسقف هيبو على أن تناول بطرس من الإفخارستيا كان للحياة، أمَّا تناول يهوذا من الافخارستيا فكان للموت، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا قائلاً:

”اشترك بطرس ويهوذا في خبزٍ واحدٍ، ولكن أية شركة للمؤمن مع غير المؤمن؟ كانت شركة بطرس للحياة، أمَّا شركة يهوذا فكانت للموت. لأن الخبز الجيد كان كالمذاق الشهي. لأنه كالمذاق الشهي، كذلك أيضًا الخبز الجيد يحيي الأبرار ويميت الأشرار. ’لأنه مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[26]

ويشير أوغسطينوس إلى اشتراك يهوذا مع باقي التلاميذ في العشاء المقدَّس، مؤكدًا على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لأن بولس نفسه لم يشترك في خطايا الآخرين، لأنه احتمل الأخوة الكذبة الذين يئن لأجلهم في وحدة الجسد. كما أن الرسل الذين سبقوه لم يشتركوا في سرقة يهوذا وجريمته، لأنهم اشتركوا معه في العشاء المقدَّس، عندما قد باع ربه بالفعل، وأشار إليه الربُّ على أنه خائنٌ“.[27]

يرى أوغسطينوس أن يهوذا، الذي أعطاه الرب لقمة الإفخارستيا، هو الذي أعطي مكانًا للشرير في داخله، لأنه لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ، كذلك كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون التناول سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، فإنه لم يأخذ شيئًا، لأنه لم يأخذ المناولة لخلاصه، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

كما أن يهوذا، الذي أعطاه الرب ’لقمةً‘، أعطي مكانًا للشيطان في نفسه، لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ (يو13: 27)، لذلك، كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون [التناول] سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، أو أنه لم يتناول شيئًا، لأنه لم يتناول للخلاص. فهو ليس إلا جسد الرب ودم الرب، حتي فيمَّن قال لهم الرسول: ’مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونةً لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[28]

يتحدَّث أوغسطينوس عن تناول بطرس من الأسرار المقدَّسة للخلاص، وتناول يهوذا من نفس الأسرار المقدَّسة للدينونة، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمَّن منَّا يقول إنه ثمة شركة بين البر والإثم، حتى إنْ كان البار والأثيم، كما في حالة يهوذا وبطرس، يشتركون في الأسرار على حد سواء؟ لأنهما من نفس الشئ المقدَّس [أي الإفخارستيا]، تناول يهوذا دينونةً لنفسه، وتناول بطرس الخلاص، كما تتناول أنت القربان مع أوبتاتوس Optatus فإنْ كُنت لا تشبهه، فلِمَ تشترك إذًا في سرقاته“.[29]

ق. جيروم 342-420م

يناقش ق. چيروم قضية الاستحقاق للتناول من جسد الرب ودمه، ويرى ق. چيروم اختلاف الاستحقاق حسب استحقاق المتناولين، فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه. يتساءل ق. چيروم هل لأنَّ يهوذا شرب من نفس الكأس مثل بقية الرسل، يكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟ تناول يهوذا من الافخارستيا قائلاً:

”في الأسرار المسيحية، هناك وسيلة واحدة لتقديس السيد والعبد، النبيل والوضيع، الملك وجنوده، ولكن كُلٍّ يختلف حسب استحقاق المتناولين منه. فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق، يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه (1كو 11: 27). هل لأنَّ يهوذا شرب نفس الكأس مثل بقية الرسل، فيكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟! لكن لنفترض أننا لم نختر تناول السرِّ، ففي جميع الأحوال، لدينا جميعًا نفس الحياة، ونتنفس نفس الهواء، ولدينا نفس الدم في عروقنا، ونتغذَّى على نفس الطعام“.[30]

توما الأكويني 1225-1274م

يناقش الأب توما الأكوينيّ، أحد أهم اللاهوتيين المدرسيين في العصر الوسيط، قضية تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، وذلك في سياق إجابته على سؤال: هل أعطى المسيح جسده ليهوذا؟ ويخلص الأكوينيّ، بعد مناقشة طويلة لكافة الاعتراضات على عدم تناول يهوذا، إلى أن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس أسقف هيبو في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). ويؤكد الأكوينيّ على أن المسيح لم يطرد يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين، وهكذا يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كالتالي:

”الاعتراض الأول، يبدو أن المسيح لم يعطِ جسده ليهوذا. لأنه كما نقرأ في (مت 26: 29)، قال ربنا لهم، بعد أن أعطى جسده ودمه للتلاميذ: ’لا أشرب من الآن من ثمر الكرمة هذا إلى ذلك اليوم عندما أشربه معكم من جديد في ملكوت أبي‘. ويتَّضح من هنا أن الذين أعطاهم جسده ودمه كان عليهم أن يشربوا منه أيضًا. ولكن يهوذا لم يشرب منه بعد ذلك معه. لذلك، لم يتناول [يهوذا] جسد المسيح ودمه مع التلاميذ الآخرين. الاعتراض الثاني، علاوة على ذلك، فإن ما أوصى به الرب قد أتمَّه بنفسه، كما جاء في (أع 1: 1): ’وابتدأ يسوع يعمل ويُعلِّم‘. ولكنه أعطى وصية في (مت 7: 6): ’لا تعطوا القدس للكلاب‘. لذلك، بسبب معرفته بأن يهوذا خاطئ، يبدو أنه لم يعطه جسده ودمه. الاعتراض الثالث، علاوة على ذلك، إن هذا يتعلق بآية (يو 13: 26) حيث أعطى المسيح يهوذا خبزًا مغموسًا. وبالتالي، إنْ كان قد أعطاه جسده، فواضح أنه أعطاه إياه في اللقمة، خاصةً أننا نقرأ في (يو 13: 26): ’بعد اللقمة دخله الشيطان‘. ويقول أوغسطينوس في هذا المقطع (مقالة 112 على إنجيل يوحنا): ’نتعلَّم من هذا كيف يجب علينا توخي الحذر من تلقي الخير بطريقةٍ شريرةٍ […] لأنه إذَا ’توبَّخ‘ مَن ’لا يُميِّز‘، أي يُميِّز جسد الرب عن اللحوم الأخرى، فكيف ينبغي أن ’يدين‘ مَن يتظاهر بأنه صديق، ويأتي إلى مائدته عدوًا‘؟ لكن [يهوذا] لم يتناول جسد ربنا باللقمة المغموسة؛ وهكذا علَّق أوغسطينوس على (يو 13: 26)، ’فلما غمس وأعطى ليهوذا سمعان الإسخريوطيّ‘، [نسخة الفولوجاتا: ليهوذا بن سمعان الإسخريوطيّ] (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’لم يتناول يهوذا جسد المسيح وقتها، كما يظن البعض الذين يقرأون بدون اهتمام‘. لذلك، يبدو أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح. ولكن على العكس من ذلك، يقول فم الذهب في (عظة 82 على إنجيل متى): ’لم يتغيَّر يهوذا عند تناوله من الأسرار المقدَّسة: لذلك أصبحت جريمته أشنع من كلا الجانبين، لأنه مُشبَّع بهذه الغاية واقترب من الأسرار، ولأنه لم يصبح أفضل بالاقتراب، ولا من الخوف، ولا من المنفعة التي تلقاها، ولا من الشرف الممنوح له‘. فأجيبُ على ذلك، إن هيلاري، في تعليقه على (مت 26: 17)، رأى أن المسيح لم يعطِ جسده ودمه ليهوذا. وكان من الممكن أن يكون هذا صحيح تمامًا، إذَا أخذنا في الاعتبار خبث يهوذا. ولكن بما أن المسيح ينبغي أن يخدمنا كنموذج للعدل، فلا يتفق مع سلطانه للتعليم أن يقطع يهوذا، الخاطئ المستتر، عن الشركة مع الآخرين بدون تهمة ودليل واضح لئلا يكون قدوةً لأساقفة الكنيسة في فعل ذلك، ولئلا يغتاظ يهوذا نفسه وينتهز الفرصة لارتكاب الخطيئة. لذلك، يبقى أن نقول إن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). الرد على الاعتراض الأول، هذه حجة هيلاري لإثبات أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح، ولكنها حجة غير مقنعة، لأن المسيح يتكلَّم مع التلاميذ الذين انفصل يهوذا عن شركتهم، ولم يكن المسيح هو الذي استبعده. لذلك، فالمسيح من جانبه يشرب الخمر حتى مع يهوذا في ملكوت الله، ولكن يهوذا نفسه رفض هذه المائدة. الرد على الاعتراض الثاني، كان المسيح يعرف شر يهوذا لأنه الله؛ ولكنه لم يعرفه بالطريقة التي يعرفه بها البشر. وبالتالي، لم يطرد المسيح يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين. الرد على الاعتراض الثالث، بدون أدنى شك، لم يتناول يهوذا جسد المسيح في الخبز المغموس؛ لقد تناول خبزًا فقط. ومع ذلك، كما يلاحظ أوغسطينوس (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’ربما تظاهر يهوذا بغمس الخبز؛ تمامًا كما يتمُّ غمس بعض الأشياء من أجل صباغتها‘. ولكن إذَا كان الغمس يعني هنا أي شيء جيد (على سبيل المثال، حلاوة الصلاح الإلهيّ، حيث أن الخبز يصبح أشهى عن طريق غمسه)، ’فهل تبعت الدينونة جحوده للخير نفسه بدون استحقاق‘. وبسبب هذا الجحود ’صار الخير بالنسبة له شرًا، كما يحدث للذين يتناولون جسد المسيح بدون استحقاق‘. وكما يقول أوغسطينوس في (مقالة 12 على إنجيل يوحنا): ’يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كما يروي لوقا: وبعد ذلك، نصل إلى هذا، حيث يعلن ربنا بوضوحٍ أنه خائنه من خلال غمس اللقمة وتسليمها إليه، وفقًا لرواية يوحنا“.[31]

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني

سوف نتتبع في هذا الفصل الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في كتابات آباء الكنيسة السريانية، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائيّ على هذه الحادثة المهمة وتداعيات ذلك الأمر من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول مناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا من عدمه.

مار أفرام السرياني 306-373م

يتحدَّث مار أفرام السريانيّ في شذرات تفسيره على الدياطسرون [الإنجيل الرباعيّ لتاتيان السوريّ] عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الخبز المقدَّس، وإنه ورث الحياة الأبدية به، لذا يبتكر نظرية نزع القداسة من العناصر عن طريق غمس الخبز في الماء،[32] وهذا ما سوف يُؤكِّده مار ساويروس موسى بن كيفا في شهادته عن مار أفرام السريانيّ فيما يلي، حيث يقول مار أفرام التالي:

”وكذلك فصل الربُّ بالماء يهوذا عن تلاميذه عندما أعطاه خبزًا مغموسًا في الماء، لأنه لم يكن مستحقًا لذلك الخبز الذي وزَّع مع الخمر على الرسل الأثنى عشر. لأنه لا يجوز أن الذي أسلَّمه إلى الموت [يهوذا]، أن يأخذ في شكل خبز، ذاك الذي يُخلِّص من الموت [المسيح]“.[33]

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م

يشير مار ساويرس موسى بن كيفا إلى شهادة كُلٍّ من مار ايوانيس ومار سويريوس الأنطاكيّ ومار أفرام السريانيّ ومار يعقوب السروجيّ ومار يعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون عن مشاركة يهوذا الإسخريوطيّ فى الأسرار، ويستعرض شواهد كل أب من هؤلاء الآباء الذين أكَّدوا على تناول يهوذا في كتاباتهم. حيث قال مار ايوانيس ذلك فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وقال مار سويريوس ذلك فى المعنيث الثانى، وقال مار أفرام السريانيّ ذلك فى تفسير الإنجيل، وقال يعقوب السروجيّ أيضًا ذلك فى الميمر على الآلام وقال مار يعقوب الرهاويّ ذلك الأمر فى قوانينه كالتالي:

”إذَا ما شارك يهوذا فى الأسرار أم لا؟ نقول: يقول مار ايوانيس ومار سويريوس ومار أفرام ويعقوب السروجيّ ويعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون أنه شاركه فى الأسرار، كذلك قال ايوانيس فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وسويريوس فى المعنيث الثانى، ومار أفرام فى تفسير الإنجيل ويعقوب السروجيّ فى الميمر على الآلام ويعقوب الرهاويّ فى قوانينه. أمَّا القديس مار فيلكسينوس فى تفسير إنجيل متى فقد قال إنه لم يشاركه فى الأسرار وذلك لأن الشيطان قد دخله منذ زمن بعيد، ومن تسليم مار فيلكسينوس جرت الكنيسة ألا يُعطَى القربان للذين يتخبطون من الشياطين. قال مار افرام ويعقوب السروجيّ إنه شاركه فى الأسرار، ولكن يضيفون أنه بغمسة الخبز بالماء نزع عنه طُهره (أي قُدسه) وأنه أعطاه خبزًا بسيطًا“.[34]

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م

يشهد مار ديونيسيوس بن الصليبيّ بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، ويستعرض أسماء الآباء الذين قالوا بتناول يهوذا من سر الإفخارستيا، ويحدِّد المواضع التي قالوا فيها بتناول يهوذا الإسخريوطيّ في كتاباتهم كالتالي:

”وقد اختلف المعلِّمون في هل أشرك السيد يهوذا بالأسرار أم لا؟ فالذهبيّ الفم في مقالته عن خيانة يهوذا وفي مقالته الحادية والثمانين من تفسير انجيل متى، وساويرس في المغيث الثاني، والقديس أفرام في تفسير الانجيل، ويعقوب السروجيّ في ميمر الآلام، ويعقوب الرهاويّ في كتاب القوانين، وغيرهم، يقولون إن المسيح أشرك يهوذا في الاسرار. أمَّا القديس فيلوكسينوس في تفسيره بشارة متى فيقول إنه لم يُشرِكه لأن الشيطان كان قد سبق واستولى على يهوذا ومن فيلكسينوس هذا قد جرت العادة في الكنيسة ألا يُعطَى القربان للممسوسين من الشياطين. أمَّا القديس أفرام ويعقوب السروجيّ فقالا بأن السيد أشرك يهوذا في الأسرار ولكنه بلَّ الجسد بالماء فزالت منه القداسة غير أن مُعلِّمين آخرين يقولون إن الجسد المبلول بالماء لا تزول منه القداسة، وإن الماء لا يقدر أن يزيل القداسة والروح الذي فيه، قال داود الراهب ابن بولص الموصليّ محب موسى ابن الحجر إن سيدنا وإنْ لم يبل جسده الذي ناوله ليهوذا بالماء، لكنه أزال قداسته خفيةً لعدم استحقاق يهوذا الخائن له، ولا يخفى إن الحنفي إذَا أكل القداس يأكله خبزًا بسيطًا لأنه يأكله بدون ايمان، ويعقوب الرهاويّ يقول إن السيد ناول يهوذا خبزًا يابسًا كانوا يغمسونه في الأطعمة ويأكلونه، فمن هذا الخبز غمس غمس سيدنا وناوله لا من خبز الأسرار الذي قدَّس جسده منه“.[35]

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م

يُؤكِّد مار غريغوريوس بن العبريّ، مثله مثل الآباء السريان السابقين عليه، على أن مار يعقوب السروجيّ، ومار أفرام السريانيّ، وق. يوحنا ذهبيّ الفم، وق. ساويروس الأنطاكيّ، وداود الراهب بن بولس، قالوا بتناول يهوذا من الأسرار المقدَّسة في كتابه ”التعليقات على الأناجيل“ كالتالي:

”يقول مار أفرام [السريانيّ] ومار يعقوب [السروجيّ] أن ربنا اشترك مع يهوذا في الأسرار، ولكن بعدما قد نزع القداسة من الخبز بغمسه في الماء. ويقول الآخرون إن الأسرار لا تُنزَع من القداسة حتى لو غُمِسَت في الماء. ويقول ق. يوحنا [ذهبيّ الفم] وساويروس [الأنطاكيّ] أنه اشترك في الخبز، بالرغم من أنه لم يكن مُجرَّدًا من القداسة […] ويقول داود الراهب، ابن بولس، إنه [أي يهوذا] اشترك فيه، أي في العناصر غير منزوعة القداسة، ولكن يهوذا أكل منه كخبزٍ عاديّ بدون إيمان“.[36]

 

 

الخلاصة

نستخلص مما سبق أن هناك نبوة (مز 41: 9) تشير نبويًا وسريًا إلى الرجل الذي أكل من الخبز وسلَّم المخلص، أي تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه السيد المسيح ليلة آلامه وصلبه، ولقد استخدم ق. يوحنا في إنجيله هذه النبوة وكذلك استخدمها أغلب آباء الكنيسة للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا. وهناك رواية إنجيلي لوقا ويوحنا تشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ لتأسيس سر الإفخارستيا وتناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك شهادات عديدة من تقاليد كنسية مبكرة مختلفة عن تقليد يقول بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، فنجد العلامة أوريجينوس الإسكندريّ، وق. كيرلس الإسكندريّ، وق. إيسيذوروس الفرميّ، يشيرون إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا تقليد كنيسة الإسكندرية.

هناك تقليد مبكر في كنيسة أورشليم بفلسطين يشير فيه ق. كيرلس الأورشليميّ إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد ق. يوحنا ذهبي الفم يشير بوضوحٍ في مواضع عدة من كتاباته إلى تقليد كنيسة أنطاكية الذي يؤكد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وكان يستخدم هذا الأمر في أمور رعوية، حيث كان يدعوة الخطأة إلى التناول من سر الإفخارستيا لكي يكون ذلك سببًا في بداية توبتهم واستمرارهم في حياة البر.

نجد ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ، وق. باسيليوس الكبير، وديونيسيوس الأريوباغيّ، يؤكدون على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا يُعبِّر عن تقليد كنيسة كبادوكية بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا) الذي يؤكد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك تقليد غربيّ لاتينيّ مبكر عند العلامة ترتليان الأفريقيّ، وق. أمبروسيوس أسقف ميلان، وأوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، وق. چيروم، وحتى عصر الأب توما الأكوينيّ في العصر الوسيط يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد أيضًا تقليد سريانيّ مبكر عند مار أفرام السريانيّ، ومار ساويروس موسى بن كيفا، ومار ديونيسيوس الصليبيّ، ومار غريغوريوس بن العبريّ، يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نستخلص مما سبق أن هناك إجماع كبير من تقاليد كنسية مختلفة على مر العصور أن يهوذا الإسخريوطيّ قد تناول من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه الرب يسوع ليلة آلامه وموته.

سوف أقوم بعرض قائمة آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا الذين يؤكدون على تقليد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

  • العلامة أوريجينوس الإسكندريّ
  • ق. كيرلس الإسكندريّ
  • ق. إيسيذوروس الفرميّ
  • ق. كيرلس الأورشليميّ
  • ق. يوحنا ذهبي الفم
  • ق. غريغوريوس اللاهوتيّ
  • ق. باسيليوس الكبير
  • ديونيسيوس الأريوباغيّ
  • العلامة ترتليان الأفريقيّ
  • ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
  • أوغسطينوس أسقف هيبو
  • ق. چيروم
  • الأب توما الأكوينيّ
  • مار أفرام السريانيّ
  • مار ساويروس موسى بن كيفا
  • مار ديونيسيوس الصليبيّ
  • مار غريغوريوس بن العبريّ

[1] Origen of Alexandria, In Johannem, 32, 24 GCS, 4, 468.

[2] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 148، ص 720.

[3] المرجع السابق، عظة 142، ص 694.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 18: 3)، ص 422.

[5] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 23-26)، ص 111.

[6] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 26-27)، ص 112.

[7] المرجع السابق، ص 113.

[8] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 30)، ص 118.

[9] المرجع السابق، ص 119.

[10] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي مج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة 170 إلى شيريموناس، ص 186.

[11] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: رابطة معاهد اللاهوت في الشر الأوسط – جامعة الكسليك، 1982)، عظة 13: 6، ص 214.

[12] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، عظة ٢٧: ٣، ص ١٥٠، ١٥١.

[13] John Chrysostom (St.), On the Feast of the Epiphany, Reflection 26-2, Synaxarion Orthodoxia.

[14] النص اليوناني للعظة: PG XLIX, 389-390؛ والنص القبطي للعظة: MS Copto Vat. XCVIII fol. 232v-233.

[15] Daniel J. Sheerin, The Eucharist (Message of the Fathers of the Church Series, Vol. 7), (M. Glazier, 1986), pp. 144-145.

[16] John Chrysostom (St.), On the Betrayal by Judas 1.6, ACC IV b, CIII.

[17] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة 81: 1، ص 125.

[18] المرجع السابق، عظة 82: 1، ص 131.

[19] المرجع السابق، ص 131.

[20] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 72، ص 32.

[21] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، ص ٥٨.

[22] قداس ق. باسيليوس الكبير بحسب تسليم كنيسة الروم الارثوذوكس، يوم الخميس العظيم.

[23] Dionysius the Areopagite, the Works of Dionysius the Areopagite, Trans. by John Parker, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1897), Ecclesiastical Hierarchy, 3: 3: 1, pp. 192-93.

[24] ترتليان (علامة)، ضد ماركيون، ترجمة: القس بولا رأفت، (القاهرة، 2023)، 4: 40، ص 341، 342.

[25] Ambrose of Milan (St.), Selected Works & Letters, NPNF, Ser. II, Vol. 10, Trans. by H. De Romestin, E. De Romestin & H. T. F. Duckworth, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Letter to the Church at Vercellae LXIII: 95, p. 990.

[26] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 7, Tractates on John, Trans. by John Gibb & James Innes, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1818-1893), Tract. L., Ch. 11: 10, p. 467.

[27] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Book II, Ch. 107-243, p. 1177.

[28] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, On Baptism, Against the Donatists, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. V, Ch. 8-9, p. 832.

[29] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II, Ch. 40-96, p. 1076.

[30] Jerome (St.), NPNF Ser. II, Vol. 6, Against Jovinianus, Trans. by W. H. Fremantle, G. Lewis & W. G. Martley, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II: 25, p. 890.

[31] Thomas Aquinas, Summa Theologiae, III, Q 81, Art. 2.

[32] J. Rendel Harris, Fragments of The Commentary of Ephrem Syrus upon the Diatessaron, (London: C. J. Clay & Sons, Cambridge University Press, 1895), pp. 84-85.

[33] The Venerable Ephraim the Syrian, Works (Russian Version, 1995), p. 279.

[34] ساويرس موسى بن كيفا (مار)، المواعظ، نقله إلى العربية: الشماس الإنجيلى بهنام دانيال البرطلى، (العراق: دار المشرق الثقافية، ٢٠١٣)، عظة في خميس الأسرار، فصل ١٤، ص. ٢٢٨.

[35] ديونيسيوس يعقوب بن الصليبى السريانى (مار)، الدرّ الفريد فى تفسير العهد الجديد ج1، أعاد طبعه وكتب مقدمته مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان، (لبنان: جبل لبنان، ٢٠١٧)، تفسير إنجيل متى، الاصحاح ٢٦، ص ٥٢٠-٥٢١.

[36] BAR-HEBRAEUS, Commentary on the Gospels, Trans. & Edit. By Wilmot Eardley, (London: Society for promoting Christian knowledge, 1925), p. 63.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي بين اللاهوت والفلسفة

نناقش معًا أحبائي في هذا المقال موضوع جد خطير، وهو الحديث عن الله سواء بالطريقة الإيجابية أو الطريقة السلبية.

وأود التوضيح في البداية الفرق بين اللاهوت السلبي أو لاهوت النفي واللاهوت الإيجابي.

اللاهوت السلبي أو النفي أو التنزيهي هو عبارة عن الحديث عن الله بنفي أو سلب أو تجريد صفات النقص والتغيير والأهواء عنه وصفات المادة أيضًا، ولقد أتفق آباء ومعلمو الكنيسة الجامعة اللاهوتيون كما سنرى، على أنه أفضل وسيلة للتعبير عن الله في ذاته وجوهره وماهيته الإلهية (الثيؤلوجيا)، وخير مثال على ذلك ما نقوله من ألقاب وصفات عن الله في القداس الغريغوري، حيث نقول عن الله التالي:

”الذي لا يُنطق به، غير المرئي، غير المحوي، غير المبتدي، غير الزمني، الذي لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل“. [1]

أما عن اللاهوت الإيجابي فهو عبارة عن الحديث عن الله في علاقته مع الخليقة وتدبيره وعنايته بها، وننسب إليه صفات المحبة والعدل والرحمة والغفران والصلاح والشفقة وغيرها من الصفات، التي تصف الله في علاقته وتدبيره بالخليقة (الإيكونوميا) كما أستقر على ذلك معظم الآباء في الكنيسة.

الكتاب المقدس

كما نجد اللاهوت السلبي بوضوح في الكتاب المقدس في مقاطع كثيرة، عندما يصف الكتاب المقدس الله في جوهره وذاته كالتالي:

1- يقول معلمنا يوحنا الرسول عن أن طبيعة الله غير منظورة عن طريق لاهوت النفي أو السلب كالتالي:

”اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ“. (إنجيل يوحنا18:1)

2- يؤكد ق. بولس على أن طبيعة الله غير منظورة مستخدمًا لاهوت النفي أو السلب كالتالي:

”لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ“. (الرسالة إلى رومية20:1)

ويكرر نفس الفكرة أن طبيعة الله غير منظورة مستخدمًا لاهوت التنزيه والتجريد في موضع آخر قائلاً:

”الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ“. (الرسالة إلى كولوسى15:1).

ويتحدث عن طبيعة الله بلغة النفي أو السلب أو التنزيه بأنه عديم الموت وغير المقترَب منه وغير المرئي قائلاً:

”الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ“. (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس16:6)

 بينما عندما يتحدث الكتاب المقدس عن علاقة الله بخليقته وتدبيره لها، يستخدم لاهوت الإيجاب والتأكيد كالتالي:

”وَنَادَى الرَّبُّ: الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ“. (سفر الخروج7-6:34)

”لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ، وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِكُلِّ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ“. (سفر المزامير5:86)

 ولكننا سنركز على اللاهوت السلبي، لنتتبع جذوره من الفلسفة اليونانية حتى عصر آباء الكنيسة لنستوضح: هل اللاهوت السلبي يعتبر أفضل وآمن تعبير عن الله في ذاته وجوهره أم لا؟

 وينبغي التنبيه أحبائي أن اللاهوت السلبي يختلف تمامًا عن اللا أدرية والإلحاد الأكثر ابتذالاً، اللذين يفترضان بشكل متعجرف إنكارهم ونفيهم لوجود الله، كما لو كان لا يوجد بالمثل بشكل إيجابي في إيجابيته المستيكية (السرية)، لأن اللاهوت السلبي له أهمية دياليكتية (جدالية) في الفلسفة الدينية عند الكثير من المفكرين التأمليين.

أفلاطون

 نبدأ من عند اللاهوت السلبي عند أفلاطون، حيث يرى أفلاطون أننا لا بد أن نتذكر أن اللغة مخصصة أساسًا لكي تشير إلى موضوعات تجربتنا الحسية، وكثيرًا ما تكون قاصرة عن تأدية التعبير الدقيق عن الحقائق الميتافزيقية (أي الأمور ما فوق الطبيعة أو الإلهية)، وهكذا ترانا نتحدث، ولا يمكن أن يكون حديثنا معبرًا عن أن الله يتوقع كذا، وهي عبارة قد تعني أن الله موجود في الزمان، في حين أننا نعرف أن الله غير زمني، لأنه أزلي، بالرغم من أننا لا نستطيع أن نتحدث عن أزلية الله بشكلٍ كافٍ، ما دمنا نحن أنفسنا ليست لنا تجربة بالأزلية. [2]

كما يتحدث أفلاطون عن اللاهوت السلبي أو الطريق السلبي في الحديث عن الله، حيث يرى أن الواحد (الله) هو المبدأ النهائي ومصدر عالم المثل، كما يعلو الواحد عن المحمولات البشرية ويجاوزها (اللغة الإيجابية)، وهذا يعني أن الطريق السالب هو منظور مشروع للواحد (الله). [3]

أرسطو

 يتجلى بأوضح صورة اللاهوت السلبي عند أرسطو الذي أهتم بتوصيف الألوهية المطلقة عن أفلاطون، حيث يرى أن المحرك الأول غير مادي، فلا يمكن أن يقوم بأي فعل مادي، بل نشاطه روحي خالص وعقلي أيضًا، فنشاط الله نشاط الفكر. كما يتحدث أرسطو عن أن الله المحرك الأول الذي لا يتحرك وهو عقل محض، ولم يتحدث أرسطو عن المحرك الأول على أنه وجود شخصي، وبالتالي لم تكن لدى أرسطو نظرية عن الخلق الإلهي أو العناية الإلهية، فالله عنده قائم بذاته، ويفكر في نفسه على نحو أزلي، ولا يعلم الله سوى ذاته، ولا يمكن أن يكون موضوع لفكرة خارج ذاته. [4]

فيلو السكندري

 ننتقل إلى فيلو السكندري، حيث يوحد في تعليمه اللاهوتي بين نزعات وحدة الوجود (خلط الله بالطبيعة) والوجودية المنطقية الفلسفية الهلنستية وبين الفهم اليهودي الرابيني للألوهية المفارقة أو المجاوزة للعالم، وبفضل النزعة الأخيرة، يمكن إثبات أن فيلو هو ممثل اللاهوت السلبي بشكل حاسم إلى حد ما. يدعو فيلو إلى عدم إدراك وعدم تسمية الألوهية بشكل كامل، لأنها غير قابلة للإدراك، ولا يمكن تصورها، وغير قابلة للتعريف والتحديد، وغير قابلة للتسمية.

 لذا يتحدث الأب فريدريك كوبلستون عن تأثير فيلو في الفكر المسيحي المبكر، ويقول إنه قد بولغ فيه بدون شك، ولكن يقول إننا يجب أن نعترف أن الفيلونية قد ساعدت على تمهيد الطريق أمام الأفلاطونية المحدثة بتمسكها بالتعالي الكامل لله، ووجود موجودات متوسطة، وصعود النفس بالحالة السلبية للجذب لأعلى مرحلة حتى تصل إلى الذروة في الجذب أو الدهش المستيكي. [5]

العلامة كليمندس السكندري

 تبنى كليمندس السكندري اللاهوت السلبي للحديث عن الله في ذاته، حيث أعتنق بشكل كامل التعليم عن عدم إدراك الألوهية بالعقل مكرسًا من أجل تطوير هذه الفكرة، حيث ابتدأ بكلام أفلاطون قائلاً:

”الله لا يمكن إدراكه بالعقل، والفكرة عنه لا يمكن التعبير عنها بكلام“. [6]

ويستشهد بقول يوحنا الرسول مستخدمًا لاهوت السلب أو النفي كالتالي:

”ويقول يوحنا الرسول: الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر (يو١: ١٨)، داعيًا الذي لا يُرى، والذي لا يُدنى منه بحضن الله. ومن ثم دعاه البعض العمق، لكونه يحتوي ويحتضن كل شيء، ولا يمكن الوصول إليه، وبلا حدود له“. [7]

ويستطرد في نفس السياق مستخدمًا أسلوب النفي أو السلب عن جوهر وذات الله كالتالي:

”ولذلك هو بلا شكل ولا اسم“. [8]

ويؤكد في موضع آخر أن اللاهوت السلبي أفضل من اللاهوت الإيجابي للتعبير عن الله في جوهره وذاته كالتالي:

”وإذا اسميناه، فإننا لا نفعل ذلك بشكل صحيح واصفين إياه بالواحد، أو الصالح، أو العقل، أو الكائن المطلق، أو الأب، أو الله، أو الخالق، أو الرب. فنحن لا نهبه اسمًا، ولكن عند الضرورة، نستخدم أسماءً جيدةً من أجل دعم العقل بهذه النقاط، حتى لا يخطئ في نواح أخرى. لأن كل اسم في حد ذاته لا يعبر عن الله.

ولكن كلها معًا تدل على سلطة كلي القدرة، لأن الاسم يُستمد إما مما يخص الأشياء نفسها، وإما من علاقاتها المتبادلة، ولكن أيًا من هذه ليست مقبولة في الإشارة إلى الله. ولا يمكن إدراكه بأي شيء من علم البيان. لأنه يعتمد على المبادئ الأولية والمعروفة، ولكن ليس هناك شيء سابق لغير المولود“. [9]

 ولكن يقود الاعتراف بعدم إدراك الألوهة كليمندس السكندري إلى التأكيد على أن الإعلان الإلهي هو المصدر الوحيد للمعرفة الإيجابية عن الألوهة، وهذا الإعلان هو بالنعمة الإلهية من خلال الكلمة (اللوغوس) الصادر من الله، حيث يقول:

”ويبقى إذًا أن نفهم المجهول بواسطة النعمة الإلهية، وبواسطة الكلمة وحده الصادر منه، طبقًا لما يرويه لوقا في (سفر) أعمال الرسول عن أن بولس قال: أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا، لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ (أع17: 22-23)“ [10]

 ومن هنا نستنتج أحبائي أنه أفضل طريقة للحديث عن الله كما هو في ذاته وجوهره بحسب الكتاب المقدس والتقليد والفلسفة هي طريقة لاهوت السلب أو النفي أو التنزيه، ولكن ننال المعرفة الإلهية من خلال الكلمة المتجسد الإعلان الكامل والحقيقي عن الله غير المنظور، لأنه بهاء مجده ورسم أقنومه وصورته. وبالتالي صدقت المقولة الشهيرة: أن ما لا تراه في المسيح الكلمة المتجسد لا تصدقه عن الله.

أفلوطين

 يدافع أفلوطين مؤسس الأفلاطونية المحدثة عن الحديث عن الله بطريقة اللاهوت السلبي، حيث أن الحديث عن الواحد بطريقة السلب لا يعني أن الواحد عدمًا أو لا وجود، بل يعني بالأحرى أن الواحد يتعالى على أي وجود نصادفه في خبرتنا. بما أن الوجود مستمد من موضوعات التجربة، أما الواحد فهو يعلو على جميع هذه الموضوعات، وبالتالي يعلو أيضًا على التصور الذي يقوم على هذه الموضوعات.

 لذا نرى أن الفكرة الفيلونية المنتشرة على نطاق واسع في اللاهوت المسيحي لهي بمعنى أوضح سوء فهم بأنه: إن كان اللاهوت السلبي لا يستطيع تأكيد أي شيء عن الله، فمن ثم من الواضح أنه لا يستطيع التأكيد على كينونته بالمثل أيضًا.

العلامة أوريجينوس

 ننتقل إلى العلامة أوريجينوس الذي أكد على عدم القدرة على إدراك جوهر الله، واستخدم اللاهوت السلبي للحديث عن الله في جوهره وذاته على نطاق واسع، حيث يقول التالي:

”نقول قولاً صريحًا أن الله لا يمكن إدراكه، بل يمتنع عن الكُنه. وإن أمكننا التفكير فيما يتعلق بالله أو فهمه، فيجب الاعتقاد بأنه يتخطى كثيرًا ما نحسبه فيه“. [11]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أننا نعاين الله في الابن المتجسد، حيث يخاطب الله قائلاً:

”بنورك سنعاين النور، ألا أننا سنعاينك أنت الآب في كلمتك أو حكمتك أي في ابنك“.[12]

ق. باسيليوس الكبير

 ننتقل الآن إلى الآباء الكبادوك الذين يمثلون حالة وسط في السؤال حول إدراك وعدم إدراك الله، وبعد إخضاع السؤال لتحليل فلسفي أعمق، وبفحصه بشكل أولي من الجانب الديني العملي، يعتبرون أن فكرة اللاهوت السلبي هي فكرة حقيقية تمامًا (لا تحتاج إلى دليل أو برهان أو شرح).

 لذا يطوّر ق. باسيليوس الكبير آرائه عن هذا السؤال في جداله مع أفنوميوس، الذي أكد على المعرفة الكاملة بجوهر الألوهة من خلال الأفكار، أو كما هو معتاد التعبير عنهم في الجدال حول أسماء الله التي تتناسب مع هذه الأفكار. [13]

 يعتبر أفنوميوس اسم ”غير المولود“ أو عدم المولودية هي مثل هذا التعريف للجوهر الإلهي، مطبقًا إياه فقط على الأقنوم الأول (الآب)، ويؤدي هذا إلى الاستنتاجات الأفنومية الآريوسية بخصوص الأقنوم الثاني الذي ليس له هذه الخاصية (أي عدم المولودية).

 لذا في الجدال ضد تعليم أفنوميوس، يقدم ق. باسيليوس الكبير مسلمة عامة، على الرغم من عدم موافقة أفنوميوس على شرح الأسماء السلبية لله عند ق. باسيليوس الكبير، واعترض (أفنوميوس) عليه ليس بدون أساس محدد:

”لا أعلم كيف من خلال نفي ذاك الذي لا يليق بالله، سوف يتفوق على الخليقة؟! […] لا بد أن يكون واضحًا لكل جوهر عاقل أن جوهر الواحد لا يستطيع مفارقة جوهر الآخر بما ليس له“. [14]

 يرد ق. باسيليوس الكبير على اتهامات أفنوميوس والأفنوميين له باللا أدرية بسبب استخدامه اللاهوت السلبي في التعبير عن الله في ذاته وجوهره كالتالي:

”إذا أجبت، أنا أعبد مَن أعرف، قالوا لي على الفور، ما هو جوهر الذي تعبده؟ عند ذلك، إذا اعترفت وقلت أنا أجهل الجوهر، يقولون لي: إذًا، أنت تعبد مَن لا تعرف. وأنا أجيب بأن فعل (أعرف) له عدة معاني: نحن نقول إننا نعرف عظمة الله، وسلطانه، وحكمته، وصلاحه، وعنايته بنا، وعدالة حكمه، لكن ليس جوهره ذاته […] إن الطاقات تتنوع أما الجوهر فبسيط، لكننا نقول إننا نعرف الله من طاقاته، على أننا لا نشرع في الاقتراب من جوهره […] إن طاقاته تأتي إلينا من فوق أما جوهره فيظل بعيدًا عن منالنا […] إذًا، معرفة الجوهر الإلهي تتضمن إدراك أنه لا يسبر غوره، وموضوع عبادتنا ليس هو أن نفهم الجوهر، لكن أن نفهم أن هذا الجوهر كائن“. [15]

ينفي ق. باسيليوس الكبير إدراك الجوهر الإلهي بالذهن ردًا على ادعاءات أفنوميوس بإدراك الجوهر الإلهي بشكل كامل كالتالي:

”إدراك الجوهر بواسطة الذهن، لم يقل به أحد من الرجال الحكماء المعروفين“. [16]

ويفاجئنا ق. باسيليوس بأنه حتى كلمة جوهر لا تعبر عن الله في ذاته، بل تعلن فقط المفهوم الخاص بوجود الله كالتالي:

”إن الجوهر يعلن فقط عن المفهوم الخاص بوجود الله، لكنه لا يقول لنا مَن هو الله بحسب جوهره“. [17]

 كما ينفي ق. باسيليوس أن الأسماء التي تُطلق على الله تعبر عن الاختلاف في جوهره كالتالي:

”فإن هذا (أي أفنوميوس) الذي يسفسط ويقول بأن اختلاف الأسماء، يتبعه اختلاف الجوهر، يكذب. لأن طبيعة الأشياء، لا تتبع الأسماء، بل الأسماء وُجِدت بعد الأشياء“. [18]

 يؤكد ق. باسيليوس أن الأسماء الإيجابية أو السلبية التي تُطلق على الله لا تعبر عن الله في ذاته، بل عن سمات قريبة من الله، حيث يقول التالي:

”نحن نسمي الله أيضًا، صالحًا، وبارًا، وخالقًا، وديانًا، وأسماء أخرى مماثلة (اللاهوت الإيجابي)، وكما في الأسماء السابقة، الكلمات التي تعني رفض ونفي العناصر الغريبة عن الله (لاهوت النفي)، هكذا هنا أيضًا فإن الكلمات تعني وجود السمات القريبة لله، ويليق أن تُنسب له، إذًا، فإننا نعرف من خلال هذه الأسماء سواء من حيث العناصر الموجودة (لاهوت الإيجاب)، أنها موجودة بالفعل، ومن خلال تلك الغير موجودة، أنها بالتأكيد غير موجودة (لاهوت السلب)“. [19]

 ويؤكد ق. باسيليوس على أننا نكوّن فكرة عن الله من خلال كل من اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي كالتالي:

”لكنه بالنسبة لنا هو كافٍ. إذ هناك أسماء من بين الأسماء التي نقولها عن الله، ما يوضح السمات والملامح التي في الله (اللاهوت الإيجابي)، بل والسمات التي ليست فيه (اللاهوت السلبي)، ومن خلال هاتين المجموعتين، نكوِّن فكرة عن الله“. [20]

 أود الإشارة إلى ق. أثناسيوس الرسولي وموقفه من اللاهوت السلبي والإيجابي، حيث يرى أثناسيوس استحالة فهم ماهية جوهر الله، ولكن الأسماء والألقاب المكتوبة عنه في الأسفار المقدسة هي لتوضيح حقيقة أنه كائن وموجود كالتالي:

”فإذ رغم أنه يستحيل أن نفهم ماهية جوهر الله، إلا أننا إذا فهمنا فقط أن الله موجود*، وإذا أشارت الأسفار المقدسة إليه عن طريق هذه الألقاب، فأننا بقصد الإشارة إليه وليس غيره، ندعوه الله وآب ورب. عندئذ عندما يقول: أهيه الذي أهيه وأنا الرب الإله (خر٣: ١٤، ١٥)، أو عندما يقول الكتاب المقدس (الله) لا نفهم شيئًا آخر بذلك إلا الإشارة إلى جوهره غير المدرك ذاته، وأن ذلك الذي الحديث عنه هو كائن“. [21]

كما يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَب بأثناسيوس الغرب على ضعف اللغة في الحديث عن الله سواء باللاهوت السلبي أو اللاهوت الإيجابي، وأن الإعلان الوحيد الحقيقي والمصدر الوحيد للمعرفة عن الله هو الابن المتجسد كالتالي:

”لا بد أن نشعر بأنه غير مرئي، وغير مدرك، وأبدي. لكن القول بأنه ذاتي الوجود، وذاتي المنشأ، وذاتي البقاء، وأنه غير مرئي، وغير مدرك، وغير مائت، هو اعتراف بمجده، وتلميح لما نعنيه، ورسم تخطيطي لأفكارنا، لكن اللغة أضعف من أن تخبرنا بما هو الله، والكلمات لا يمكنها أن تعبر عن الحقيقة“. [22]

ويؤكد كما أكد قبله وبعده من الآباء أن المصدر الوحيد للمعرفة عن الله هو الابن المتجسد كالتالي:

”بما أنه لا أحد يعرف الآب إلا الابن، فلتكن أفكارنا عن الآب موافقةً لأفكار الابن، الشاهد الوحيد المخلِص، الذي أعلنه لنا“. [23]

 ولكن يؤكد ق. أوغسطينوس على أن أفضل طريقة لمعرفة الله هي بعدم معرفته، أي عن طريق اللاهوت السلبي، حيث يقول:

”أفضل طريقة لمعرفة الله هي عدم معرفته“. [24]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

نعود مرةً أخرى إلى الآباء الكبادوك؛ حيث يعبر ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الفكرة العامة بعدم إدراك الله في شعره اللاهوتي، حيث نقرأ في أنشودته الأولى إلى الله التالي:

”إذ أنك الأعلى من الكل! لأنه لأي شيء آخر مسموح لي أن أتحدث عنك؟ وكيف يمكنني أنا أسبح بكلمة عنك؟ لأنه لا يمكن التعبير عنك بأي كلمة، وكيف يمكن للعقل أن ينظر إليك؟ لأنك صعب المنال لأي عقل، فأنت وحدك غير المعبَّر عنه، لأنك قد صنعت كل شيء لا يمكن التعبير عنه بكلمة، أنت وحدك غير المدرَك، لأنك قد أحدثت كل شيء مفهوم بالفكر، وكل شيء موهوب وغير موهوب للعقل يعود بالكرامة لك، أنك نهاية كل شيء، أنت وحدك الكل. أنك لست واحدًا، ولست وحيدًا، ولست الكل، أيها الواحد المُسمى بالكل! كيف سأسميك، يا مَن لا يمكن تسميته؟ وأي عقل سماوي ينفذ خلال الحجاب فوق السحاب؟ كن رحيمًا، يا مَن هو أعلى الكل، لأنه لأي شيء مسموح لي أن أتحدث عنك؟“. [25]

 وهكذا يؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي في موضع آخر مثله مثل كل الآباء السابقين واللاحقين عليه على عدم إدراك جوهر وطبيعة الله كالتالي:

”الله في طبيعته وفي جوهره، لم يتوصل أحد قط، ولن يتوصل أحد إلى اكتشافه“. [26]

ويؤكد على أن أفضل طريقة للتعبير عن الله في جوهره وذاته هي اللاهوت السلبي كالتالي:

”فكيف تعبر عن جوهر الله من غير أن تبين ما هو، فنكتفي بإسقاط ما ليس هو؟“. [27]

 كما يؤكد على حقيقة اللاهوت السلبي كأفضل طريقة للتعبير عن الله في جوهره بانتزاع ونفي التعاليم المادية والأرضية عن الله، والتسامي والارتقاء مع الألوهية، وترك الأرضيات، والصعود إلى الروحيات، ويميز أيضًا بين الحديث عن طبيعة الله (اللاهوت السلبي)، والحديث عن التدبير الإلهي (اللاهوت الإيجابي) كالتالي:

”لكي تنتزع أنت من تعاليمك ما هو مادي وأرضي، ولكي تتعلم التسامي فوق ذلك، والارتقاء مع الألوهة، فلا تظل في غمرة الأشياء المرئية، بل تصعد لكي تكون مع الروحيات، وتدرك ما قيل في الطبيعة الإلهية، وما قيل في التدبير الإلهي“. [28]

 يرى ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا أن الأسماء الإيجابية عن الله مثل: روح، ونار، ونور، ومحبة، وحكمة، وعدل، وعقل، وكلمة، لا تعبر عن جوهر وماهية الله في ذاته، ويفند كل اسم منها، موضحًا ملامح القصور والنقص في كل اسم إيجابي، ويطلق تعبير الابتداع على مَن يتصورون ويطبقون هذه الأسماء ولو جزئيًا على الألوهة كالتالي:

”روح، ونار، ونور، ومحبة، وحكمة، وعدل، وعقل، وكلمة، أليست هذه الألفاظ، وما شابهها أسماءً للطبيعة الأولى؟ وماذا؟ هل نتصور الله روحًا بدون انطلاق وانتشار؟ ونارًا في خارج المادة وبدون تشبب إلى فوق، وبلا لون ولا شكل؟ ونورًا غير ممتزج بالهواء، ومنفصلاً نوعًا ما عن مصدره وباعثه؟ وعقلاً وأي عقل؟ هل هو عقل في آخر، أم عقل تصوره حركة، أم عقل ساكن، أم متدفق إلى الخارج؟ كلمة وأي كلمة؟ هل هو المقيم فينا أم المنتشر – ولا أجرؤ أن أقول المتبدِّد؟ وإن كان حكمة فأي حكمة هي؟ […] أم ترى هل يجب أن نزرع هذا وننظر إلى الألوهة في ذاتها قدر المستطاع، ونتصور لها صورة ولو جزئية؟ فماذا يكون هذا الابتداع! أ فيكون من هذا، ولا يكون هذا؟ أو كيف يكون كل هذا، وكيف يكون كل شيء من هذا الأشياء على نحو كامل*، فهو الواحد بطبيعته بدون تركيب ولا مماثلة لأحد؟“. [29]

 كذلك يرى ق. غريغوريوس اللاهوتي أنه الأسماء الإلهية سواء الإيجابية أو السلبية لا تعبر بشكل كامل عن جوهر الله، وإلا كان لله عدة جواهر، وليس جوهر واحد كالتالي:

”كذلك اللا زوال، واللا خطيئة، واللا تحول، فهل هي جوهر الله؟ إذا كان الأمر كذلك، كان لله عدة جواهر لا جوهر واحد، أو كانت الألوهة من مجموعة هذه الأشياء، ولا بد لهذه الأشياء من أن تكون غير مركبة في مجموعة إذا كانت جواهر“. [30]

 ويفرق ق. غريغوريوس اللاهوتي بين مقولتي علاقة وجوهر في الله، حيث مقولة علاقة نسبية أو علائقية، بينما مقولة جوهر في غير تحديد كالتالي:

”أو إذا شئت فهكذا: الله جوهر، والحال أن الجوهر ليس الله بنوع مطلق، استخرج النتيجة بنفسك أنت: الله ليس الله بنوع مطلق، وأنا أرى أن هذا القياس الفاسد يتناول المقولة نسبيًا، والمقولة في غير تحديد“. [31]

 ويعلق اللاهوتي على الأسماء الإيجابية أنها لا يمكن أن تحوي الله احتواءً كاملاً حقيقيًا، بل تقترب مما حوله لتكوّن صورة غامضة ضعيفة عنه كالتالي:

”وجوهر الله لم يتمكن عقل من تصوّره، ولم تتمكن لفظة من احتواء حقيقته احتواءً كاملاً، ولكننا نتخذ مما حواليه طريقًا إلى تخيله في ذاته، ونرسم لنا عنه صورة غامضة ضعيفة، صورة تختلف باختلاف عناصرها“. [32]

 كما يؤكد اللاهوتي على أن اللفظة لها دلالة نسبية وليست مطلقة في الحديث عن الله كالتالي:

”اللفظة على كل حال لها دلالة نسبية لا مطلقة“. [33]

 يعلق ق. غريغوريوس اللاهوتي على أن اللاهوت السلبي معناه أن الله لا يمكن إدراكه إدراكًا كاملاً، بل هو متروك لتبحر من عنده فكر الله كالتالي:

”كما لا تكفي التعبيرات: غير المولود، ولا مبدأ له، وغير قابل للتغيير، وغير قابل للفساد، وسائر ما قيل في الله وعن الله. فماذا يعني في موضوع طبيعته، أن يقال: ليس له مبدأ، ولا يتغير، ولا تحده حدود؟ إن إدراكه إدراكًا كاملاً متروك لتبحر من عنده فكر الله“. [34]

ويعلق الباحث الشهير توماس تورانس على الفرق بين اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي كالتالي:

”فإننا نستطيع فقط أن نفكر ونتحدث عن الله بعبارات نفي عامة وغامضة، لأنه بسبب المسافة غير المحدودة التي بين المخلوق والخالق، فإننا لا نستطيع أن نعرف الله وفقًا لما هو في ذاته، أو حسب طبيعته الإلهية، بل نعرفه فقط في انفصاله التام عنا، بوصفه الأبدي والمطلق وغير الموصوف. ومن هذا المدخل لا يمكننا أن نفعل شيئًا أكثر من محاولة التحدث عن الله من خلال أعماله التي أوجدها بمشيئته وبواسطة كلمته، أي من خلال ما يتعلق بالله من خارج، الأمر الذي لا يستطيع في الواقع أن يعرّفنا أي شيء عمَن هو الله، أو ماذا يشبّه في طبيعته الذاتية“. [35]

ق. غريغوريوس النيسي

 ننتقل إلى ق. غريغوريوس النيسي الذي يؤكد على عدم إدراك الطبيعة الإلهية في جوهرها، ويؤكد على أن الأسماء الإيجابية عن الله لا تعبر عن طبيعته أو جوهره، بل عن فعالياته وآثاره وأعماله وطاقاته نحو الخليقة كالتالي:

”ولكنني لا أعرف، كيف أن هؤلاء الذين يدّعون كل معرفة، يتخذون من تسمية الألوهية دلالةً على الطبيعة، وكأنهم لم يسمعوا شيئًا من الأسفار الإلهية بأن الطبيعة ليست مسألة اتفاق… فالتسمية تحمل دلالة على إمكانية ما، سواء فيما يُنظر، أو فيما لها من أثر، وتبقى الطبيعة الإلهية بقدر ما هي في ذاتها، في كل التسميات التي تُستخدم في وصفها غير موصوفة بحسب تعليمنا، لأننا قد تعلّمنا أنه محسن، وقاضٍ، وصالح، وعادل، والأشياء الأخرى التي من طبيعته، بتعلّمها من خلال تمايزات الفعالية (الطاقة)، ولكن طبيعة مَن له الفعالية (الطاقة) حتى هذه لا ندركها من خلال تأمل الفعاليات (الطاقات)“. [36]

كما يؤكد النيسي على أن ما تشير إليه الطبيعة الإلهية لا يبين ماهية ما تكون بالتحديد، لأن الطبيعة الإلهية غير قابلة للإدراك والوصول إليها، بل يتم الاستدلال عليها من خواصها الصادرة عنها كالتالي:

”إن ما تشير إليه الطبيعة لا يبين ماهية ما تكون بالتحديد، وهذا لأن ماهية الطبيعة الإلهية غير قابلة للإدراك، وغير قابلة للوصول إليها، بل يُستدل عليها من خواصها التي تصدر عنها ومنها“. [37]

 يشدد النيسي على حقيقة هامة بخصوص الأوصاف الجسدانية المنسوبة لله في الكتاب المقدس، بأنها تنقل لنا من مجالنا البشري عن كيفية عمل الله من أجل مساعدة العاجزين عن الوصول إلى العالم اللا جسداني؛ معلقًا على دلالة اسم (روح) عن الله أن معناه لا محدويته وعدم انحصاره في مكان، حيث يقول:

”ومع ذلك، تحدد الأسفار التعليم الإيماني الكامل وتؤكد عليه، بل وتجعله مناسبًا، وقابلاً للتدريس بالنسبة للدارس. وبالتأكيد عندما تقول الأسفار أن لله آذان، وعيون، وفم، وباقي أعضاء الجسم، لم تسلّمنا هذا كتعليم*، وكأنها تضع تعريفًا أن الطبيعة الإلهية مكوّنة من أعضاء معًا، بل تقدّم لنا الكيفية من مجالنا البشري، لعلها تستطيع أن تنقله لمَن يعجزون عن أن يصلوا إلى العالم اللا جسداني، بينما تؤكد بتعبيرات واضحة جدًا ومباشرة التعليم الإيماني، عندما تقول إن الله روح، وبهذه الكيفية تعلّمنا عدم انحصاره ولا محدوديته في كل مكان أينما نذهب“. [38]

نستأنف أيضًا مع ق. غريغوريوس النيسي، حيث أن المناسبة الرئيسية من أجل التعبير عن أفكار اللاهوت السلبي عنده هي مجادلته مع الغنوسية العقلانية لأفنوميوس؛ التي استمرت معه بعد نياحة أخيه ق. باسيليوس الكبير. لأنه بالنسبة لأفنوميوس، كما نعلم، لا يوجد أدنى شك في إمكانية الإدراك الكامل والشامل للجوهر الإلهي بمساعدة المفاهيم والأسماء، وكان مثل هذا المفهوم الأساسي هو عدم المولودية.

  يتخذ النيسي في جداله مع أفنوميوس الموقف غير المحدد بشكل عام للأسمية الشكية في نظريته عن الإدراك وتعليمه عن الأسماء. لذا من أجل دحض المبالغة غير المنطقية، أو بالأحرى الفهم الخاطئ للعلاقة الكائنة بين اسم الله وجوهر الله عند أفنوميوس، ينكر النيسي واقعية كل المفاهيم والأسماء، ويحولهم إلى مجرد دلالات وإشارات ابتكرها البشر. وهكذا في نظريته الأبستمولوجية (المعرفية) للأسماء التي يقدمها ضد أفنوميوس، لا يمكن للمرء إلا أن يرى الحماسة الجدلية، ولكن بغض النظر عن المبالغة الأسمية في الابستمولوجيا (علم المعرفة)، إلا أن وجهة نظر النيسي الأساسية من جهة عدم اقتراب الإدراك العقلي من الألوهة على نحو كامل تتفق مع الاتجاه العام للاهوت السلبي عند الآباء الأخرين.

 كما يضفِّر النيسي بشكل مميز في لاهوته الإيجابي الباعث الأساسي للاهوت السلبي في نظامه العقائدي، أي مفارقة الله للخليقة، وصعوبة وصول الوعي المخلوق إليه.

 فنجد أن النيسي يؤكد على أن الله يفوق كل اسم، وأنه أنسب تسمية له هي أنه الوحيد الأسمى من كل اسم كالتالي:

”لا يمكن إدراك الله باسمٍ، أو بفكرٍ، أو بأي قوة إدراكية أخرى للعقل، بل يظل (الله) فوق إدراك ليس البشر فقط، بل وإدراك الملائكة، وكل كينونة فوق العالم. إنه غير معبّر عنه، وغير منطوق به، وفوق كل تسمية بكلام، ولديه اسم واحد فقط يساعد في استيعاب طبيعته اللائقة، أي أنه هو الوحيد الأسمى من كل اسم“. [39]

كما يؤكد النيسي على عدم إدراك الجوهر الإلهي، حيث أنه:

”لا يوجد في الطبيعة البشرية أية قوة من أجل معرفة جوهر الله على نحو تام، وربما أيضًا إنه من النادر الحديث فقط عن القوة البشرية، ولكن إن كان أحد يقول بأنه حتى الخليقة غير الجسدية هي أقل جدًا من التكيف والاستيعاب للطبيعة غير المحدودة عن طريق المعرفة، فلن يكون بالطبع مخطئًا على الإطلاق […] فلا تقف قوة الملائكة بمعزل عن ضآلتنا […] لأنه عظيم ولا يمكن عبوره، البون الذي تفترق به الطبيعة غير المخلوقة عن الجوهر المخلوق. فالواحد محدود، والآخر بلا حدود، الواحد مدرَك بقياسه، لأن حكمة الخالق أرادته، بينما لا يعرف الآخر أي قياس، الواحد مقيّد بمجال محدد الأبعاد، محصور بالمكان والزمان، بينما الآخر أعلى من أي مفهوم عن الأبعاد، وبغض النظر عن كم يمكن للمرء أن يضغط على العقل، فيمتنع عن التعريف من فضول المرء بالمثل“. [40]

 كما يتحدث النيسي عن الألوهة من حيث الجوهر في العموم، بأنها صعبة المنال، ولا يمكن تصورها، وتفوق قدرات العقل على الاستدلال والاستنتاج قائلاً:

”من حيث جوهرها، تظل الألوهة لا يمكن الوصول إليها، ولا يمكن تصورها، وتفوق أي إدراك يمكن الحصول عليه عن طريق الاستدلال والاستنباط“. [41]

ديونيسيوس الأريوباغي

نأتي إلى ديونيسيوس الأريوباغي الذي يُعتبر الأب الحقيقي للاهوت السلبي في الفلسفة والروحانية المسيحية. ديونيسيوس هو كاتب غامض، يتم التأريخ له عادةً نحو مطلع القرن الخامس، وينسب التقليد كتاباته إلى ديونيسيوس الأريوباغي، وهو رجل من العصر الرسولي، تحول إلى المسيحية عن طريق بولس الرسول في أثينا. قوام كتاب ”الأسماء الإلهية“ له دلالة ومغزى خاص متمثل في أنه أحد قمم التأمل المستيكي (السرائري).

 بالوقوف عند التأثير المباشر للأريوباغي على مفكر مثل مكسيموس المعترف (القرن ٧) الذي كتب شرح وتعليقات على مؤلفاته، وصولاً إلى تأثير الأريوباغي الملحوظ على جون سكوت أريوجينا (لاهوتي لاتيني مدرسي)، وعلى سباستيان فرانك، ومايستر إيكهارت (لاهوتي متصوف ألماني) ومدرسته وآخرين.

 كُتبت مؤلفات الأريوباغي بحماسة هائلة، بالرغم من أنها ليست خالية من البلاغة. أداته الأدبية المفضّلة هي المبالغة، حيث يرى الأريوباغي أنه يتم تعريف مناقشة الأمور اللاهوتية عادةً على أنه تسبيح، حيث ترتبط المفاهيم على نحو ثابت بالفائق، والأول (الألفا)، والنفي (السلب) بلا، والذاتي … إلخ. الجوهر الفائق الجوهرية، والألوهة الفائقة الألوهية، والخير الفائق الخيرية، والألوهة غير المعلولة عينها … إلخ.

 الفكرة الرئيسية المتطورة في كتاب ”الأسماء الإلهية“ هي التسامي المطلق، وعدم إمكانية إدراك الألوهة بالنسبة لنا. يستطيع العقل الموهوب قواه الخاصة، ولا بد أن يسير فقط بمحاذاة الطريق الأبوفاتيك (السلبي): حيث يمكن أن تشكل التعريفات الإيجابية للألوهة موضوع الإعلان، وهي متضمنة ومحوية في كلمة الله (الأقنوم)، لأن أسماء الله المختلفة متصلة بعضها ببعض. فالمقالة عن الأسماء الإلهية مخصصة لتحليل معنى تلك الأسماء. لذا يتم التعبير عن اللحظة الأبوفاتيك (السلبية) عند ديونيسيوس بقوة وتركيز لا مثيل لهما. حيث يقول:

”في الواحد العام، لا يجب التفكير، أو قول أي شيء عن الألوهة الفائقة الجوهر والمستيكية (السرائرية)، إلا ما هو معلن لنا على نحو إلهي في كلمة الله“. [42]

 حيث يتم الإعلان عن الألوهة بالنعمة إلى الجنس البشري بمقدار وقياس قدرة كل روح منفردة، لذا يقول التالي:

”اللا محدودية الفائقة الجوهر نفسها هي أعلى من الجوهر (فهي مفارقة له)، والأسمى من العقول هو العقل الفائق الوحدة، وغير المقترب منه لكل فكر هو الذي يفوق الفكر، وغير المنطوق لكل كلمة هو الصالح الذي يفوق الكلمة، هو الوحدانية التي توحد كل وحدانية، والجوهر الفائق الجوهر، والعقل الصعب المنال للعقل، والكلمة غير المنطوقة، وعدم الكلام، وغياب العقل، وعدم التسمية، لا يتطابق مع أي شيء كائن، علة كل كينونة، بالرغم من أنه هو نفسه ليس كينونة، المفارق لكل جوهر“. [43]

 كما يؤكد الأريوباغي على أنه من أجل التعبير عن أفكارنا بخصوص الإلهي، نستخدم الرموز والتشبيهات (القياسات)، حيث يقول التالي:

”الواحد، غير المعروف، الفائق الجوهر، الصلاح الذاتي، المسمَى بالوحدانية المثلثة، والإلهي الواحدي، والصلاح الواحدي، يستحيل التعبير عنه بكلمة، أو إدراكه بالذهن“. [44]

 يقول الأريوباغي أيضًا أنه لا بد من تحقيق التقريب للفهم عن طريق التجريد (تجريد التصورات المادية والحسية عن الألوهة) عن كل كينونة. وهكذا بالسير بمحاذاة هذا الطريق، نصل حتمًا إلى التعريف الأبوفاتيك (السلبي) الذي يكون بلغة الماهية، فالألوهة هي لا شيء حقًا، حيث يقول:

”لأنها ما هو منفصل عن كل كائن، ولأنها أسمى من كل كيف، وحركة، وحياة، وتخيل، وفكرة، واسم، وكلام، وعقل، وانعكاس، وجوهر، وحالة، ووضع، ووحدة، وحد، ولا محدودية، وكل موجود“. [45]

 وهكذا بالاتساق والتماسك المنطقي، يؤسّس وينشئ ديونيسيوس تناقض الوعي الديني النابع من ذلك الاتساق المنطقي، حيث يقول:

”يسبّح اللاهوتيون الألوهة كأنها بلا اسم، ولها كل اسم“. [46]

 كما يستطرد موضحًا كيف يمكننا الوصول إلى معرفة الله كالتالي:

”كيف يمكننا الحصول على معرفة الله، غير المتصور، ولا يمكن تخيله بالحواس، ولا يتشكل في العموم من أي شيء مما هو كائن؟ ننال معرفة الله بالصعود من نظام الخليقة التي أسسها، والتي تعلن صور وشبه النماذج الإلهية، بالصعود تجاه ما هو موجود أعلى كل شيء عن طريق التجرد من كل شيء، والتسامي فوق كل شيء. لذا الله معروف في كل شيء، وخارج كل شيء، والله معروف بالمعرفة وبعدم المعرفة، يلازمه التفكير، والعقل، والمعرفة، واللمس، والحس، والتمثيل، والخيال، والاسم، وكل الباقي. وفي نفس الوقت، لا يمكن التفكير فيه، ولا يمكن التعبير عنه، ولا يمكن تسميته، وهو ليس شيئًا مما هو كائن، وهو غير معروف بأي شيء كائن، وفي كل شيء هو كل شيء، وفي اللا شيء هو لا شيء، وفي كل شيء هو معروف بكل شيء، وفي اللا شيء باللا شيء“. [47]

نستكمل مع ديونيسيوس موضوع التعارض والتناقض عند التعبير عن الله، بمعنى أننا من الممكن أن نصف الله بأي اسم من الأسماء، وننفي عنه نفس الاسم في نفس الوقت، وهذا ما يوضحه ديونيسيوس قائلاً:

”فهو ليس هذا ولا ذاك أيضًا، وليس بموضع، ولكنه ليس بموضع ما في موضع آخر، بل هو الكل، لأنه علة الكل […] فهو أعلى من الكل كمجاوز فائق الوجود عن الكل. لهذا السبب، كل الأشياء تقال عنه في الحال، وهو لا شيء من كل الأشياء“. [48]

 كما يؤكد ديونيسيوس على إمكانية معرفة الألوهة للإنسان، ولرتب الملائكة كذلك، ولكل مخلوق فقط عن طريق تعطف وتنازل الألوهة، والصعود المقابل للمخلوق من خلال الشركة فقط، بالرغم من سمو الألوهة فوق العقل، والجواهر، والمعرفة، حيث يقول التالي:

”فهي نفسها (أي الألوهة) بحسب ما هي في ذاتها، بالحفاظ على مبدأها وخاصيتها اللائقة أعلى من العقل، والجواهر، والمعرفة“، [49] فبالرغم من أن الثالوث القدوس: ”نفسه موجود في كل شيء، ولكن ليس كل شيء فيه“، [50] بل ”حينما نتضرع إليه بصلاة مقدسة، وذهن نقي مستعد للاتحاد بالألوهة، فمن ثم نكون موجودين أيضًا فيها، لأنها لا توجد في الفراغ كي ما تكون بعيدةً عن شيء ما، أو ستعبر من شيء لآخر“. [51]

 يتحدث ديونيسيوس أيضًا عن انجذاب الحب والعشق لله والجمال (الحب المدرَك شعوريًا وإدراكيًا) كالتالي:

”العشق الإلهي للصلاح هو صالح، ويوجد (أي العشق) من خلال الصلاح. العشق نفسه لما هو موجود هو محسن وفائق السيطرة في الصلاح على نحو فائق الوفرة“. [52]

ثم يستطرد قائلاً:

”التعبير عن الحب الإلهي في الوجد (أي النشوة الروحية)، وهؤلاء المحبون لا ينتمون إلى أنفسهم، بل إلى المحبوب“. [53]

 لذا يؤكد ديونيسيوس أنه على أجنحة العشق، وفي تدفق الوجد (الاختطاف)، تحدث الشركة في الله وتصوره. يا لها من فكرة جريئة على نحو مفاجئ عند كاتب كنسي له سلطة، ومثل هذا هو الأساس لعشق المعرفة أو الغنوسية المعشوقة عند ديونيسيوس.

 بينما في اللاهوت الإيجابي، أي عندما يحلل دلالة ومعنى الأسماء الإلهية، يشير ديونيسيوس دائمًا إلى طبيعة الألوهة الفائقة والمتسامية على كل جوهر من إعلانها والكشف عنها في اسم معطَى لله، وبالتالي يسلم أسلوب النفي (أو السلب أو التجريد) هنا مكانه للقب ”الفائق“، أي تسلم طريقة النفي أو السلب مكانها لطريقة المبالغة. وهكذا يرى ديونيسيوس أن التعريف الأساسي للألوهة على أنها الصلاح يرافق الشرح التالي:

”تكون (الألوهة) فقط في ذاتها، لا تملك جوهرًا، وتفوق الجوهر إلى أبعد حد. إنها غير حية، لأنها تفوق الحياة، ولكونها غير عقلية، فإنها تفوق الحكمة“، [54] وبنفس الطريقة مثل الجمال، فالألوهة: ”كالجمال كله هي فوق الجمال“، [55] كذلك ”الله له كينونة فائقة، وفوق الكينونة بفيض فائق من خلال مفارقة كل كينونة“، [56] وبالتالي: ”تتدفق كل كينونة من الصلاح الفائق ذاته كذلك“. [57]

 وبالتالي، الأول، ومتعدد الأوجه، وغير المحدود هو مضمون اللاهوت الأبوفاتيك (السلبي) عند ديونيسيوس الأريوباغي، وبالرغم من أنه قريب بوضوح من الأفلاطونية المحدثة، إلا أنه يذهب لأبعد من ذلك، ويحكم بأكثر أصولية عن أفلوطين، لأننا كما نعرف بالفعل، بالنزول أسفل بالطريق الأبوفاتيك (السلبي)، ينحو أفلوطين على كل حال إلى فكرة الواحد كتعريف للمطلق (أي الله)، بينما عند ديونيسيوس، في منحدره الأبوفاتيك (السلبي)، لا يكون المطلق (أي الله) واحد ولا وحدة، بل يكون على نحو كامل وحاسم، ليس مَن، وليس ما.

 

[1] القداس الغريغوري، صلاة محبة الله الآب.

[2] فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة مج١، اليونان وروما، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ص٢٤٢.

[3] المرجع السابق، ص٢٥٦.

[4] المرجع السابق، ص٤٢٦.

[5] المرجع السابق، ص ٦١٥.

[6] المتفرقات ٥: ١٢: ٨.

[7] المرجع السابق، ٥: ١٢: ٩.

[8] المرجع السابق، ٥: ١٢: ١٠.

[9] المرجع السابق، ٥: ١٢: ٩، ١٠.

[10] المرجع السابق، ٥: ١٢: ١١.

[11] المبادئ ١: ١: ٥.

[12] المرجع السابق، ١: ١: ١.

[13] Socrates, Hist. Eccles. Lib. 4.

[14] Nesmelov, Viktor, The dogmatic system of Gregory of Nyssa, (Kazan, 1887), p. 135.

[15] الرسالة ٢٣٤ إلى أمفلوخيوس : ١، ٢.

[16] ضد أفنوميوس ١: ١٣.

[17] المرجع السابق، ١: ١٢.

[18] المرجع السابق، ٢: ٤.

[19] المرجع السابق، 1: 10.

[20] المرجع السابق، 1: 10.

[21] الدفاع عن قانون إيمان نيقية، ٢٢.

[22] عن الثالوث ٢: ٧.

[23] المرجع السابق، ٢: ٦.

[24] De ordine 2: 6.

[25] Hymn 5: 5

[26] عظة ٢٨: ١٧.

[27] عظة ٢٩: ١١.

[28] عظة ٢٩: ١٨.

[29] عظة ٢٨: ١٣.

[30] عظة ٢٩: ١٠.

[31] عظة ٢٩: ١٥.

[32] عظة ٣٠: ١٧.

[33] عظة ٣٠: ١٦.

[34] عظة ٢٨: ٩.

[35] الإيمان بالثالوث، ص٦٩.

[36] الرسالة إلى أوستاثيوس عن الثالوث.

[37] الرسالة إلى اليونانيين عن الأسماء العامة.

[38] المرجع السابق.

[39] ضد أفنوميوس : ٢.

[40] المرجع السابق، ١٢.

[41] المرجع السابق.

[42] الأسماء الإلهية ١: ١.

[43] المرجع السابق.

[44] المرجع السابق.

[45] المرجع السابق.

[46] المرجع السابق ١: ٦.

[47] المرجع السابق ٧: ٣.

[48] المرجع السابق ٥: ٨.

[49] المرجع السابق ٢: ٤.

[50] المرجع السابق ٣: ٢.

[51] المرجع السابق.

[52] المرجع السابق ٤: ٧.

[53] المرجع السابق ٤: ١٣.

[54] المرجع السابق ٤: ٣.

[55] المرجع السابق ٤: ٧.

[56] المرجع السابق ٥: ٥.

[57] المرجع السابق ٥: ٦.

 

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التجسد غير المشروط – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التجسد غير المشروط – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التجسد غير المشروط – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التجسد غير المشروط

 

التجسد غير المشروط

التأله غاية التجسد

 سوف أناقش معكم أحبائي موضوع مهم جدًا وهو التأله غاية التجسد الإلهي، حيث ينكر البعض أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان، كما يرفضون أيضًا في خضم ذلك، موضوع آخر قد تمت إثارته من قبل، وهو التجسد غير المشروط وعلاقته بالتأله وخلود الإنسان.

أود أولاً توضيح الحجج والبراهين التي يُبنى عليها موضوع التجسد غير المشروط، وهم ثلاث حجج رئيسية:

1-الحجة الأولى (الحجة الكتابية):

 تدبير التجسد هو تدبير أزلي حتمي بشهادة آيات الكتاب المقدس، مثل:

أ. حديث بولس الرسول عن تدبير ملء الأزمنة في المسيح:

”لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ فِي ذَاكَ“ (الرسالة إلى أفسس10:1).

ب. حديث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور:

”وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ“ (الرسالة إلى أفسس9:3)

جـ. حديث بولس الرسول عن سر حكمة الله المكتومة:

”بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا“ (الرسالة الأولى إلى كورنثوس7:2)

د. حديث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور:

”السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ، لكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ“ (الرسالة إلى كولوسى ١: ٢٦)

جميع هذه كانت إشارات كتابية واضحة إلى أزلية وحتمية سر التجسد، ولكن يدّعي البعض أن هذا التدبير الإلهي كان من أجل علاج نتائج سقوط الإنسان أي مشروط بسقوط الإنسان، بمعنى لو لم يسقط الإنسان في التعدي، كان لن يحدث سر التجسد. وهنا نتساءل كيف يكون تدبير أزلي حتمي، ويكون مشروطًا في نفس الوقت بالسقوط؟

2- الحجة الثانية (حجة التأله):

ما دام التأله هو غاية التجسد سواء قبل السقوط أو بعد السقوط كما علّم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وكما سنرى في هذا المقال، فما المشكلة في حدوث التجسد غير المشروط قبل السقوط، طالما التأله هو الهدف المشترك سواء قبل أو بعد السقوط.

نستعرض الآن معًا أحبائي الحجة الثانية من الحجج الثلاثة التي وضعناها للتجسد غير المشروط، وهي التأله غاية التجسد كالتالي:

نبدأ أولاً بتأكيد العلامة ترتليان على أن غاية خلق الإنسان هي التأله، حيث يقول:

”أنظروا آدم سيصبح واحدًا منا (تك٣: ٢٢)، أي أن ذلك سيكون بعد آخذ الإنسانية إلى قلب الألوهية في المستقبل“. [1]

وهذا هو ما يؤكده أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي عن انتقال الإنسان الأول قبل السقوط إلى عالم آخر في نهاية المطاف، ليصير إلهًا بشوقه لله، حيث يقول عن الإنسان التالي:

”كائن حي يقيم في الأرض، ولكنه ينتقل إلى عالم آخر، وفي نهاية المطاف، يصير إلهًا بشوقه إلى الله“. [2]

وهكذا وضعنا القاعدة الأساسية بأن غاية الإنسان كانت قبل السقوط هي التأله، نبحث الآن الوسيلة التي أعلنها الله في الكتاب المقدس والتقليد لتحقيق هذا التأله وهي التجسد، لأن التأله هو غاية التجسد.

نبدأ من عند ق. أثناسيوس حيث يؤكد على أن غاية التأنس والتجسد هي التأله في عبارته الشهيرة التي تقف حجرة عثرة أمام كثيرين، مستخدِمًا الصيغة التبادلية كالتالي:

”لقد صار إنسانًا لكي يؤلهنا“. [3]

كما يؤكد في موضع آخر ويربط بين التأله والخلاص كغايتين للتجسد، فالخلاص هو التأله والتأله هو الخلاص عند ق. أثناسيوس المعروف بأنه ”لاهوتي التأله“ كالتالي:

”لقد صار مثل هذا الاتحاد، لكي يصير ما هو بشري بحسب الطبيعة متحدًا بالذي له طبيعة اللاهوت، فيصير خلاصه وتألهه مضمونًا“ [4]

كما يردّد ق. كيرلس السكندري نفس كلمات ق. أثناسيوس قائلاً بأن غاية التجسد هي التأله كالتالي:

”لذا فقد صار مثلنا أي إنسانًا، لكي نصير مثله أعني آلهة وأبناء“. [5]

ويردد ق. أوغسطينوس معهما نفس الكلام قائلاً:

”لأن هذا الاتخاذ (أي التجسد) قد جعل الله إنسانًا، والإنسان إلهًا“. [6]

كما يؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي على نفس كلام الآباء السابقين أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان قائلاً:

”والإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بوساطة روح، صار إلهًا عند ما امتزج بالله، وصار واحدًا يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبح أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا“. [7]

ويقول أيضًا ق. غريغوريوس في موضع آخر في نفس السياق:

”هلم لنصير مثل المسيح، حيث أن المسيح صار مثلنا؛ هلم نصير آلهةً من أجله، لأنه صار إنسانًا لأجلنا“. [8]

كذلك يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان كالتالي:

”وبما أن هذا الجسد الذي صار وعاء للألوهة، قد نال ذلك أيضًا لكي يستمر في الحفاظ على وجوده، كما أن الله الذي أظهر ذاته، قد مزج نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذه الشركة مع اللاهوت، يتيسر للبشرية أن تصير مؤلهةً في نفس الوقت“. [9]

 كما يسير ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقب بـ ”أثناسيوس الغرب“ على نفس النهج في أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان كالتالي:

”لأن الله قد جاء في الإنسان، ليصبح الإنسان بدوره إلهًا“. [10]

كما يؤكد ق. هيلاري في نفس السياق على الحقيقة السابقة قائلاً في موضع آخر:

”فإنه حينما وُلد الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية، يجب على الإنسان“ [11]

ومن هنا يتضح أحبائي من خلال أقوال معلمي البيعة المقدسة شرقًا وغربًا أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان سواء قبل السقوط أو بعده، وبالتالي، كان التجسد سيحدث حتى لو لم يخطئ آدم، لكي يؤله الله الإنسان باتحاده به في التجسد ليهبه الخلود والحياة الأبدية أي حياة الله، لأنه يجعلني اشترك فيها معه باتحادي به في المسيح الكلمة المتجسد، ولا يوجد وسيلة أخرى أعلنها الله من أجل تحقيق ذلك سوى التجسد الإلهي.

3- الحجة الثالثة (حجة الخلود):

 ما دام الإنسان مخلوق من أجل الخلود والحياة الأبدية قبل السقوط، كيف كان يمكن أن يصير خالدًا بدون اتحاد الإلهي بالإنساني في التجسد؟ هل هناك وسيلة أخرى للخلود في ضوء الإعلان الإلهي غير التجسد؟ وإن كان يوجد آتوني بها، حيث أنه لا يمكن الخلود بدون التجسد والتأله؟ ولا توجد وسيلة أخرى غير التجسد غير المشروط.

 سوف أبحث في نقطة متعلقة بغاية التجسد الإلهي وهي الخلود الإنساني، وذلك من خلال تعريف آباء الكنيسة لماهية الخلود وارتباطه بالتجسد والاتحاد بين الإلهي والإنساني الذي تم في التجسد ليهب الخلود للإنسان، ولكننا سنتحدث عن ماهية الخلود قبل السقوط، لنعرف هل كان الإنسان خالدًا بطبيعته أم لا؟

 يتحدث تاتيانوس السوري وهو من الكنسية الأنطاكية السريانية وصاحب كتاب الدياطوسرون أو الإنجيل الرباعي، عن ماهية الخلود مخاطبًا الوثنيين في عصره كالتالي:

”إن النفس، أيها الوثنيون، ليست خالدة بحد ذاتها (أي بطبيعتها)، وإنما مائتة“. [12]

 كما يتحدث ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي في نفس السياق عن أن الحياة الأبدية والخلود هما عطيتان إلهيتان، وأنهما ليسا أصليين في النفس الإنسانية، بل يمنحهما الله بالشركة معه، قائلاً:

”ولكن كما أن الجسد الحيواني ليس هو النفس، بل له شركة معه طوال الفترة التي يريدها الله، هكذا أيضًا فإن النفس ليست هي الحياة، بل هي تشترك في تلك الحياة الممنوحة لها من الله.

لذلك أيضًا تعلن الكلمة النبوية عن الإنسان الذي خُلق أولاً أنه (صار نفسًا حية) معلمةً إيانا أن النفس باشتراكها في الحياة صارت حية، حتى أن النفس والحياة التي تملكها ينبغي أن نفهمهما أنهما وجودان منفصلان، لذلك حينما يمنح الله الحياة والوجود الدائم، فإنه حتى النفوس التي لم تكن موجودة قبلاً، ستصير منذ ذلك الوقت مستمرة إلى الأبد، حيث أن الله قد أراد أن توجد، وأنها يجب أن تستمر في الوجود، لأن إرادة الله يجب أن تقود وتحكم في كل شيء“. [13]

ثم يتحدث عن غاية الله من خلق الإنسان وهي تأليه الإنسان بالنعمة، وأنه كان سينال ذلك بعد وقت طويل من خلقته، وليس أنه خُلِق متألهًا وخالدًا، بل كان مجرد بشر ثم يتدرج بعد وقت ليصير إلهًا كالتالي:

”لأن هذه الحيوانات العجماوات، لا تتهم خالقها لأنهم لم يُخلقوا بشرًا، بل كل منها بحسب ما خُلق يقدم الشكر لأنه قد خُلق. حيث أننا نحن نوجه اللوم لله، لأننا لم نُخلق آلهة من البداية، ولكن خُلقنا أولاً مجرد بشر، ثم بعد وقت طويل آلهةً“. [14]

ونرى نفس الشيء عند ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي وهو أحد آباء كنيسة أنطاكية، حيث يتحدث عن خلق الله للإنسان في حالة متوسطة بين الفناء والخلود، وينبغي عليه أن يسلك بحكمة حسب الوصية ليصير خالدًا وإلهيًا كالتالي:

”لكن قد يقول أحدهم لنا: هل خُلق الإنسان فانيًا بالطبيعة؟ لا على الإطلاق. هل خُلق الإنسان إذًا خالدًا؟ ولا نقول هذا أيضًا. ولكن سيقول أحدهم: هل خُلق إذًا كلا شيء على الإطلاق؟ نحن لا نقول هذا أيضًا. في واقع الأمر، لم يكن الإنسان فانيًا أو خالدًا بالطبيعة.

لأنه لو خلقه الله خالدًا من البداية، لكان جعله إلهًا. مرةً أخرى، لو خلقه فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته. لذا لم يخلقه الله خالدًا أو فانيًا. لكن كما قلنا في السابق، قادرًا على كليهما. فإن توجه إلى حياة الخلود بحفظه وصايا الله، ربح الخلود كمكافأة منه وصار إلهيًا. ولكن إن توجه إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته“. [15]

 كما نرى ق. يوستينوس الشهيد يقول نفس الشيء عن ماهية الخلود، حيث يرى أن الله هو الوحيد غير المولود وغير قابل للفساد، أما كل ما عداه هو مخلوق وقابل للفساد*، وخاصة النفس الإنسانية كالتالي:

”لأنه إذا كان الكون مخلوقًا فالنفس أيضًا بالضرورة تكون مخلوقة. وقد كان وقت لم تكن الأنفس موجودة فيه، لأنها خُلقت لأجل الإنسان والكائنات الحية الأخرى، حتى إذا ادّعيت أنت أنها خُلقت على حدة وليس مع أجسادها. قلت: أعتقد أنك على حق. النفس إذًا ليست خالدة. قال: لا ليست خالدة، بما أن العالم نفسه قد خُلق […]

لأن الله كائن سرمدي، أما كل ما عداه مما يوجد أو سيوجد فله طبيعة قابلة للفساد، وبالتالي معرضة للاضمحلال التام، لأن الله هو وحده غير المولود، وغير قابل للفساد، ولهذا السبب هو الله، وكل ما عداه هو مخلوق وقابل للفساد. لهذا أيضًا تموت النفس وتُعاقب، لأنها لو كانت غير مخلوقة (أي إلهية أو خالدة)، لما أخطأت أو صارت في مثل هذه الحماقة“. [16]

يتفق معهما الفيلسوف المسيحي أثيناغوراس الأثيني، والذي يُقال إنه كان أحد مديري مدرسة الإسكندرية اللاهوتية في عصره، حيث يتحدث أن الإنسان ليس خالدًا بطبيعته، وأن الخلود كان سيُمنح له لو عاش بالشريعة والعدالة كالتالي:

”ولذلك فإن كان الإنسان قد خُلق لا بدون سبب ولا هباءً (إذ ليس أي من أعمال الله هباءً، على الأقل على حد علم غاية صانعهم)، ولا لمنفعة الصانع، أو أي من الأعمال الخارجة عنه، فمن الواضح بحسب الرؤية الأولى والأشمل للموضوع، أنه على الرغم من أن الله جبل الإنسان لنفسه وخلقه في سعي للخير والحكمة المتجلين في الخليقة، إلا أنه بحسب الرؤية المتلامسة مع الكائنات المخلوقة بشكل أقرب، فهو جبلهم لأجل حياة تلك المخلوقات […]

لكن هؤلاء الحاملين في أنفسهم صورة الخالق ذاته، والمزودة بعقل، ومباركة بتفكير عقلاني، فقد عيّن الخالق لها وجودًا أبديًا، ذلك لكي يتعرفوا على صانعهم، وقوته، وقدرته، مُرشَدين بالشريعة والعدالة، لعلهم يتخطون وجودهم كله بلا معاناة حائزين تلك الصفات التي بها قد عاشوا بشجاعة حياتهم السابقة، على الرغم من أنهم عاشوا في أجساد مادية وقابلة للفساد“. [17]

ونرى مما سبق أن هذا الكلام لا يختلف مع كلام ق. أثناسيوس من أن الإنسان لو حفظ الوصية والنعمة في الفردوس كان سينال وعد الله له بالخلود في السماء، فالإنسان لم يُخلق خالدًا، بل خُلق في مسيرة نمو وتقدم نحو الخلود والتأله…

كما قال الآباء السالف ذكرهم، وهذا أيضًا ما ذكره ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية عن أن الإنسان كان مدعو ليصير إلهًا وينتقل لعالم آخر، وكيف كان سيحدث هذا الخلود، سوى باتحاد الإلهي مع الإنساني في التجسد، ليؤله الإنسان مانحًا إياه الخلود، وهذا هو ببساطة تعليم التجسد غير المشروط، فنرى ق. أثناسيوس يقول التالي:

”ولكن لعلمه أيضًا أن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر) سبق فأمّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا النعمة واستمروا صالحين، عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء“. [18]

ويعلق الأب يوحنا زيزيولاس (لاهوتي أرثوذكسي) ملخصًا ماهية الخلود وعلاقته بالتجسد غير المشروط بالسقوط، والاتحاد بالله لنوال التأله، حيث يقول التالي:

”لم يقصد الله تلك العرقلة (أي السقوط)، ولكنه لم يتجاهلها أيضًا. فبالرغم من تعطل خطته وتدبيره، ولكن ظل قصد الله لم يتغير. وأخذ منحى جديد للتعامل مع الموقف المتغير. وهذا هو منطق ق. أثناسيوس الذي عرضه في كتابه “تجسد الكلمة”. أننا لازالنا نتحدث عن التجسد حتى من دون سقوط آدم، ولكن حدد سقوط آدم الشكل الذي كان يتحتم على التجسد اتخاذه.

لو لم يسقط، فكان سيحضر آدم كل الخليقة في النهاية إلى هذا الاتحاد بالله في شخصه. وكان سيتمكن هذا الاتحاد من التغلب على حدود الكينونة المخلوقة المتمثلة في الموت: لقد قصد الخريستولوجي ببساطة تحويل الإنسان ليكون مسيحًا بممارسته حريته على نحو ثابت، فمثل المسيح، كان الإنسان سيجعل عدم خضوع الوجود العالمي فيما بعد لقيود الكيان المخلوق والتحلل والموت“. [19]

تعليم التجسد غير المشروط عند ق. أثناسيوس

نبحث أيضًا في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي، عمود الأرثوذكسية في عقيدة تجسد الكلمة، ونستجلي حقيقة تعليم القديس أثناسيوس بالتجسد غير المشروط، أي أن الكلمة كان سيتجسد ويصير إنسانًا، حتى لو لم يسقط آدم في العصيان والتعدي، ذلك لأن التجسد الإلهي بالنسبة للقديس أثناسيوس هو تكميل وتتميم لعملية خلق الإنسان من العدم، وغاية التجسد بالنسبة للقديس أثناسيوس هي تأليه الإنسان.

 يؤكد ق. أثناسيوس على ضرورة التجسد لتكميل الخليقة كالتالي:

”إن الأعمال التي يتحدث عنها هنا أن الآب قد أعطاها له ليكملها، هي تلك التي خُلق من أجلها كما يقول في الأمثال: الرب خلقني أول طرقه لأجل أعماله“. [20]

يؤكد ق. أثناسيوس على حتمية وضرورة التجسد للاتحاد بالله كالتالي:

”هذا لأن كلمة الله الذاتي عينه، الذي من الآب، قد لبس الجسد وصار إنسانًا، لأنه لو كان مخلوقًا ثم صار إنسانًا، فإن الإنسان يبقى كما كان دون أن يتحد بالله“. [21]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة خطيرة جدًا أن تجسد الكلمة كان لأجل خلاصنا وتأليهنا، مؤكدًا على حقيقة أن تأليه الإنسان هو الخلاص والعكس صحيح كالتالي:

”هكذا لم يكن للإنسان أن يُؤله، لو لم يكن الكلمة هو ابن طبيعي حقيقي وذاتي من الآب. لهذا إذًا، صار الاتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشري بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهة، ويصير خلاص الإنسان وتأليهه مؤكدًا“. [22]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على أزلية إرادة التجسد الإلهي عند الله، وليس بسبب سقوط الإنسان تفاجأ الله فدبر التجسد، أو دبر التجسد أزليًا وأنتظر سقوط الإنسان، أو دبر التجسد أزليًا وكان سيتراجع عنه لو لم يخطئ الإنسان، فالتجسد تدبير أزلي حتمي من أجل تكميل الخلق واستمرار الخليقة كالتالي:

”كما أن تجديد خلاصنا قد تأسس في المسيح قبلنا، لكي يمكن إعادة خلقتنا من جديد فيه، فالإرادة والتخطيط قد أُعِد منذ الأزل، أما العمل فقد تحقق عندما استدعت الحاجة وجاء المخلص إلى العالم“. [23]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة التجسد غير المشروط، لأن حالة الإنسان في الجنة قبل العصيان، كان يلزمها تجسد الكلمة واتحاده بالجسد لكيلا تصير النعمة من الخارج، بل متحدة بالجسد من الداخل كالتالي:

”ولو أن الله قال كلمة واحدة -بسبب قدرته- وأبطل بها اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر، ولكن الإنسان كان سيظل كما كان آدم قبل العصيان، لأنه كان سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متحدة مع الجسد (فهذه كانت الحالة عندما وُضِع في الجنة)، بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلّم كيف يعصي“[24]

ويشرح ق. أثناسيوس ويؤكد على حقيقة التجسد غير المشروط من أجل ضمان النعمة وعدم ضياعها أو فقدانها مثلما أخذ آدم وفقد النعمة كالتالي:

”فهو رغم أنه ليس محتاجًا إلا أنه يُقال عنه إن ما أخذه، قد أخذه إنسانيًا، وأيضًا لكي تبقى هذه النعمة مضمونة ما دام الرب نفسه قد أخذ، لأن الإنسان المجرد حينما يأخذ، فهو معرض لأن يفقد أيضًا كما ظهر في حالة (آدم)، لأنه أخذ وفقد. ولكن لكي تبقى النعمة غير متغيرة وغير قابلة للضياع وتظل محفوظة للبشر بشكل أكيد، لذلك فهو يمتلك العطية لنفسه، ولهذا يقول إنه أخذ سلطانًا كإنسان، وهو السلطان الذي كان له دائمُا كإله“. [25]

يؤكد عالم الآبائيات المعروف جوهانس كواستن (لاهوتي كاثوليكي) على أن أساس التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس المتعلق بعقيدة الفداء والخلاص يرتبط بالتأله كالتالي:

”إن أساس ما كان يدافع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء والعبارات التالية تعبر عن التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس: «لقد صار (كلمة الله) إنسانًا لكي ما يؤلهنا θεοποιηθώμεν […]» (تجسد الكلمة: ٥٤) […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر، فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء، إذا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذا لم يكن المسيح هو الله، ولذا فإن اللوغوس باتخاذه الطبيعة البشرية، قد آلّه البشر، وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه، بل من أجلنا كلنا“. [26]

كما يستفيض أكثر عالم الآبائيات المعروف توماس تورانس (لاهوتي بروتستانتي) في التأكيد على حقيقة التعليم بالتجسد غير المشروط عند القديس أثناسيوس، وارتباطه بتكميل عقيدة الخلق من العدم عند الآباء، حيث يقول:

”لقد لعبت عقيدة التجسد دورًا إضافيًا في عقيدة (الخلق من العدم) عند الآباء، إذ كشفت أن العالم كان في وضع غير مستقر وغير ثابت تمامًا، مما استدعى من الله الابن أن يوحده بذاته لكي يحفظه وينقذه […] وهكذا بالنظر إلى التجسد بهذه الطريقة، فإنه ينبغي أن يُفهم على أنه (أي التجسد) يكمل عمل الخلق ويتمم علاقة الخليقة (الاعتمادية) بالله، إذًا، فبصورة ما يجب اعتبار أن الخليقة من البداية كانت متوقفة على (أو مشروطة بـ) التجسد“.[27]

وبالتالي، يؤكد البروفيسور توماس تورانس على أن التعليم بالتجسد غير المشروط هو تعليم أصيل عند ق. أثناسيوس.

كما يتحدث بروفيسور جوستاف أولين (لاهوتي لوثري بروتستانتي) أيضًا عن تعليم التجسد غير المشروط عند ق. أثناسيوس كالتالي:

”لذلك يتساءل [أثناسيوس] في موضع ما (تجسد الكلمة: ٧) هل كان من الممكن أن يتخذ الله طريق آخر غير طريق التجسد، ويجيب [أثناسيوس] أنه من أجل الحصول على الخلاص، كان من الممكن أن يكفي جدًا أن يتوب الإنسان، إن كانت المشكلة الوحيدة هي مشكلة الخطية، وليس مشكلة الفساد والموت كنتيجة للخطية، ولكن بما أنه عن طريق الخطية، قد فقد البشر الصورة الإلهية، وصاروا خاضعين للموت، فلهذا السبب، كان ينبغي على الكلمة أن يأتي ويخلصهم من سلطان الفساد.

يبدو أنه من مثل هذه الفقرات أن الحاجة إلى مجيء المسيح وعمله الفدائي قد نشأت بشكل خاص وحصريّ من نتائج الخطية، وليست من الخطية نفسها، وبالتالي، كان عمل المسيح له فقط علاقة غير مباشرة بالخطية. أما مثل هذا التفسير لم يكن فقط سواء لأثناسيوس، أو للآباء اليونانيين الآخرين. حيث لم يعتبر ق. أثناسيوس الخطية في الحقيقة هي السبب بشكل مجرّد للفساد، الذي أحتاج البشر الخلاص منه، بل لأنهم متجانسون ومتطابقون معه.

وربما يمكن القول بأن عمل المسيح له علاقة مباشرة بالخطية، بحيث أنه جاء لكي ما يحطّم سلطان الخطية على الحياة البشرية. لقد جاء «لكي ما يحرر الجميع من الخطية ولعنة الخطية، ولكي ما يحيا الجميع في الحق إلى الأبد أحرارًا من الموت، وليلبسوا عدم الفساد وعدم الموت» [ضد الآريوسيين ٢: ٦٩]، ويمكن القول حقًا أن غفران الخطايا لم يتم التأكيد عليه بنفس القوة كما بواسطة المصلحين، فلم يتعمق اللاهوتيون اليونانيون مثل لوثر في ذلك.

ولكن لا يبرر هذا الزعم بأن فكرة الخطية تأخذ مرتبة أدنى فقط، حيث أن مفهومه [أي أثناسيوس] عن الخلاص هو ببساطة «مادي» و «طبيعي»، وهبة عدم الموت في الطبيعة البشرية هي من خلال طبيعة المسيح اللاهوتية“. [28]

يوضح البروفيسور لورانس جرينستيد (لاهوتي بروتستانتي) التقارب بين تعليم أثناسيوس بالتجسد غير المشروط وبين تعليم جون دانس سكوتس اللاهوتي اللاتيني عن نفس الموضوع، حيث يقول التالي:

”يبدأ الاختلاف بين النظامين (أي الأكويني والسكوتي) من رأيهما عن التجسد، حيث يجادل سكوتس ضد أي صلة بين التجسد وسقوط الإنسان. حيث الرأي القديم للآباء اللاتين أن المسيح أخذ ناسوتًا، لكي ما يسدّد دين الإنسان (أي التعليم اللاتيني الغربي)، فهو (دانس سكوتس) هنا يعطي مكانًا للرأي الذي يشبه كثيرًا جدًا رأي بعض الآباء اليونانيين الأوائل..

وبشكل دقيق رأي ق. أثناسيوس. ولكنه بالرغم من ذلك، لم يكن سكوتس مستيكيًا بالكفاية ليجعل رأيه الخاص هو المفهوم اليوناني للاتحاد الأبدي بين الكلمة وخليقته. ولكن بالنسبة له أيضًا، التجسد هو حقيقة أزلية. على كل حال، كان ينبغي أن يأتي [الكلمة] ليكون الرأس الثاني للجنس البشري. حيث سبق تعيين واختيار طبيعته البشرية منذ كل الأزل، وكانت بشكل ما سابقة على السقوط“. [29]

كما يؤكد البروفيسور هستنجس راشدال (لاهوتي بروتستانتي) على تعليم القديس أثناسيوس بعقيدة التجسد غير المشروط من أجل إعطاء الإنسان هبة عدم الفساد وعدم الموت كالتالي:

”يحاول ق. أثناسيوس أن يبين أن القابلية للفساد ليست عقوبة جزائية فرضها الله، بل هي نتيجة طبيعية وحتمية للخطية. لم يكن الإنسان بالطبيعة غير قابل للفساد أو غير قابل للموت، بل كان جسده، وكما يبدو بوضوح حتى نفسه العاقلة، قابلين للموت بالطبيعة. ولكن خُلق الإنسان فقط بين الحيوانات على «صورة الله»، وينبغي القول بأنه هو الوحيد الممنوح هبة العقل، التي تحمل معها فرصة الفوز بعدم الفساد من خلال الفعل الحر بحسب العقل، وكانت هذه الهبة بسبب الشركة مع اللوغوس (تجسد الكلمة ٣: ٣)“. [30]

ويعلق راشدال على الفقرة السابقة في حاشية رقم(3) قائلاً:

”يبدو أن الفقرات التالية تفترض أن أثناسيوس ظن أنه بعد السقوط، توقف الإنسان بالفعل عن أن يكون خالدًا، وأن نفوس البشر ماتت مع أجسادها، وظلت مائتة حتى أعاد عمل المسيح عدم الموت (الخلود) إلى النفس والجسد على حد السواء، بينما لا يدعم أثناسيوس (مثل أوغسطينوس) إنه لن يكون هناك موت جسدي إلا بسبب السقوط (تجسد الكلمة ٣: ٤)“. [31]

يؤكد البروفيسور راشدال في الحاشية السابقة على أن ق. أثناسيوس يختلف في تعليمه عن ق. أوغسطينوس، حيث يعلم الأخير بأنه لا يوجد أي موت سواء جسدي أو روحي قبل السقوط، وأن الموت الجسدي والروحي بسبب السقوط، بينما يعلم ق. أثناسيوس أن الموت الجسدي كان موجود قبل السقوط، طالما أخذ الإنسان جسد متغير طبيعي يأكل ويشرب وينمو ويتكاثر ويثمر، فهو بالتالي قابل للفساد الطبيعي، وبالتالي قابل للموت الطبيعي (البيولوجي الإكلينيكي)، وإلا كان جسد غير طبيعي أو فوق الطبيعي..

وهذا لا يتفق مع كونه خاضعًا للاحتياجات البشرية العادية، وقابل للموت البيولوجي الطبيعي، حيث يؤكد أثناسيوس والآباء السابقين واللاحقين له أن الإنسان لم يكن خالد بالطبيعة، بل كان سيُعطى نعمة الخلود وعدم الموت باتحاد الكلمة به لكي يهبه الحياة الأبدية وعدم الموت.

يقول توماس تورانس في نفس السياق عن التجسد غير المشروط عند ق. أثناسيوس التالي:

”وكانت عملية استعادة وتجديد الخليقة هي السبب وراء تجسد كلمة الله وابنه الأزلي، الذي بأخذه طبيعتنا الضعيفة «العرضية الاعتمادية» لنفسه -وهو الأصل والمصدر الواحد لكل الكائنات المخلوقة- فإنه نقل أصلنا إلى ذاته لكي يحفظ وجودنا من الفناء والعدم (قانون الموت)، وفي نفس الوقت أخذ لنفسه طبيعتنا المنحرفة والفاسدة بما في ذلك لعنة الخطية حتى يفدينا من (حكم الموت) ويجدد كياننا في ذاته […] إذًا بصورة ما، يجب اعتبار أن الخليقة من البداية كانت متوقفة و مشروطة بالتجسد“. [32]

يفرق توماس تورانس هنا بين أمرين:

  1. قانون الموت؛ أي أننا مخلوقون من العدم وإننا نؤول إلى العدم والفناء بحسب طبيعتنا العرضية الاعتمادية؛ التي تعتمد على الحياة المأخوذة من الله، وبدون الله نصير عدمًا كما كنا قبل الخلق، وآدم حتى وهو في الفردوس كان معرضًا لهذا الموت الطبيعي بحسب القانون الطبيعي لطبيعته العدمية.

  2. حُكم الموت أي ”يوم أن تأكل منها موتًا تموت“؛ وهنا المقصود هو رفض معية الله والإبحار في الله، وأستبدل الإنسان ذلك بالإبحار في ذاته بعيدًا عن معية وشركة الله، فأوقع نفسه بإرادته تحت حكم الموت؛ كما قال ق. غريغوريوس اللاهوتي: ”أنا اجتذبت لي قضية الموت“.

يشرح القديس أثناسيوس هذه المسألة في واحدة من أهم فقرات كتاب ”تجسد الكلمة“، فيقول:

”الله صالح، بل هو بالحري مصدر الصلاح. والصالح لا يمكن أن يبخل بأي شيء وهو لا يحسد أحدًا حتى على الوجود. ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا، وبنوع خاص تحنن على جنس البشر.

ولأنه رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته، وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما -ولهم بعض من (ظل الكلمة) وقد صاروا عقلاء- أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس“. [33]

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على عدة أمور:

  1. خلقة الإنسان من العدم بواسطة اللوغوس أي يسوع المسيح ربنا.
  2. أعطى الله الإنسان نعمة إضافية وليس كما خلق الحيوانات العجماوات، بل خلقه على صورته في البر والقداسة والحكمة وإلخ.
  3. أعطاه شركة في قوة الكلمة، وأسماها أيضًا ظل الكلمة، وأسماها أيضًا بذرة اللوغوسΣπερματικός λόγος في كتابه ”ضد الوثنيين“، حيث يقول:

”لا أقصد باللوغوس (الأقنوم) تلك القوة الغريزية المودعة في كل الأشياء المخلوقة -التي أعتاد البعض أن يدعوها ببذرة الكلمة- والعديمة النفس والتي لا تملك المنطق والتفكير، لكنها تعمل من الظاهر حسب فطنة مَن يستخدمها“. [34]

٤.لو حفظ هذه النعمة الإضافية سيبقى في سعادة وحياة حقيقية وحياة القديسين في الفردوس، كلها مرادفات لمفهوم الشركة والمعية مع الله في الفردوس.

ثم يكمّل ق. أثناسيوس قائلاً:

”ولكن لعلمه إن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر). سبق فأمّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بدون حزن أو ألم أو هّم، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء“. [35]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على عدة أمور:

  1. حرية الإرادة الإنسانية في اختيار الخير أي اختيار المعية والشركة الإلهية أو الشر الانفصال عن الله.
  2. تأمين النعمة السابقة المعطاة لهم (قوة /ظل/بذرة اللوغوس) بوصية ومكان.
  3. لو حافظوا على النعمة يستمرون صالحين في الفردوس بدون نتائج السقوط والعصيان (الحزن والألم والهم؛ وهي آلام نفسية صعبة أختبرها الإنسان بعد السقوط، لم تكن من قبل في طبيعته).
  4. ويشير ق. أثناسيوس هنا لنقطة محورية وهي ”الوعد بالخلود في السماء“، هل لو كان الإنسان مخلوق خالد بطبيعته هل يسمي ق. أثناسيوس هذا ”وعدًا“ أم يسميه حقيقة أصيلة في طبيعة الإنسان؟ ولكنه يسميه وعدًا؛ والوعد هو ما سيتحقق في المستقبل وليس في الحاضر، مما يؤكد أن الإنسان لم يكن خالدًا في الفردوس، بل كان مُعرضًا لقانون الموت الطبيعي؛ كما أسماه توماس تورانس في الفقرة أعلاه.

ثم يكمّل ق. أثناسيوس في نفس السياق قائلاً:

”أما إذا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم بحسب طبيعتهم ولن يحيوا بعد في الفردوس، بل يموتون خارجًا عنه ويبقون إلى الأبد في الفساد والموت“. [36]

ويفرق ق. أثناسيوس هنا بين نوعين من الموت وهما:

  • أ‌- الموت الطبيعي الذي اسماه ق. أثناسيوس ”بحسب طبيعتهم“، وأسماه تورانس ”قانون الموت“، بمعنى أن موت الإنسان كان سيحدث حتى لو لم يكن قد أخطأ لأنه بطبيعته مائت وعدمي وعرضي واعتمادي الوجود.
  • ب‌- الموت الأبدي وهو الانفصال التام والنهائي عن الشركة الإلهية، والبقاء الأبدي في ذلك الموت خارج الفردوس؛ أي معية الله وشركته.

يكمل ق. أثناسيوس أيضًا في نفس السياق قائلاً:

”وهذا ما سبق وحذرنا منه الكتاب المقدس بفم الله قائلاً ” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت” و” موتًا تموت” لا تعني بالقطع مجرد الموت فقط، بل البقاء في فساد الموت إلى الأبد“. [37]

ويفرق ق. أثناسيوس هنا أيضًا بين نوعين من الموت هما:

  1. الأول اسماه ”الموت فقط“ وهو قانون الموت الطبيعي مما يؤكد موت الإنسان الأول في الفردوس بسبب طبيعته العدمية العرضية الاعتمادية.
  2. الثاني اسماه ”البقاء في الموت إلى الأبد“ وهو حكم الموت الأبدي بالانفصال عن الله بتعدي الإنسان وعصيانه.

أخيرًا، يؤكد ق. أثناسيوس على حتمية التجسد غير المشروط بعصيان وخطية آدم -والذي قال عنه تورانس: ”أن الخليقة من البداية متوقفة على أو مشروطة بالتجسد“- في قوله:

”ولو أن الله قال كلمة واحدة -بسبب قدرته- وأبطل اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر ولكن الإنسان كان سيظل كما كان قبل العصيان لأنه سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متحدة مع الجسد (فهذه كانت الحالة عندما وضِع في الجنة) بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلم كيف يعصي.

فلو كانت حالته هكذا وأغوي مرة أخرى بواسطة الحية لصارت هناك حاجة أخرى أن يأمر الله ويبطل اللعنة وهكذا تستمر الحاجة إلى ما لانهاية. وتظل البشر تحت الذنب بسبب استعبادهم للخطية إذ هم يقترفون الآثم. ولظلوا على الدوام لمَن يعفو عنهم ولما خلصوا قط. ولكونهم أجسادًا بحسب طبيعتهم فإنهم يظلون مقهورين دائمًا بالناموس بسبب ضعف الجسد“. [38]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا على قانون الموت الطبيعي الذي خُلِق الإنسان به في الفردوس، حيث كانت له وهو في الجنة نعمة خارجية (ظل اللوغوس أو بذرة اللوغوس أو قوة اللوغوس)، ولكنه كان محتاجًا للتجسد الإلهي ليعطيه النعمة داخليًا ويتحد بها، وإنه كان سيموت بحسب القانون الطبيعي (قانون الموت) حتى لو لم يخطأ، ولم يأكل من الشجرة، ويتعدى على الوصية (حكم الموت)، وهكذا بتجسد الكلمة أزال كل من قانون الموت، وحكم الموت عن البشرية كلها في جسده، وضفَّر نعمة الحياة الأبدية والخلود والتأله بالنعمة بطبيعة جسدنا..

وهكذا نلنا الشركة الأبدية مع الله في الكلمة المتجسد.

تعليم التجسد الإلهي عند القديس غريغوريوس اللاهوتي

نستكمل حديثنا عن تعليم التجسد عند آباء الكنيسة الجامعة، وبالخصوص عند ق. غريغوريوس اللاهوتي.

أولاً، سأستعرض حديث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن مصير الإنسان قبل السقوط، حيث يرى أن الإنسان كان مصيره هو الانتقال إلى عالم آخر، لكي ما يصير إلهًا بشوقه إلى الله، ويتحدث عن النور الإلهي الحقيقي الظاهر لنا على الأرض ليقودنا لاختبار بهاء الله، حيث يقول التالي:

”هو نفسه روح وجسد: روح بسبب النعمة، وجسد لكي يستطيع أن يسمو به.

بالروح ليحيا ويمجد الله المحسن إليه، وبالجسد لكي يتألم ويتذكر، ويُؤدب بوجعه راميًا إلى الارتقاء نحو العظمة، كائن حي يقيم في الأرض، ولكنه ينتقل إلى عالم آخر، وفي نهاية المطاف يصير إلهًا بشوقه إلى الله، لأنه حسب رأيي: إن نور الحق المعتدل الذي يظهر لنا على الأرض يقودنا لنرى ونختبر بهاء الله، الذي كوّننا من الروح والمادة، والذي سيحل مركبنا، ثم يعيد تكوينه على وجه أبهى وأمجد، ثم وضعه (الله) في الفردوس (أيًا كان هذا الفردوس) – بعد أن كرّمه بالسلطان الذاتي (أي حرية الإرادة) لكي ينتمي الصلاح إليه كنتيجة اختياره.

وهذا ليس أقل بالنسبة إلى الذي أعطاه بذور هذا الخير- وجعله زارعًا للأغراس الخالدة، أعني المعاني والأفكار الإلهية البسيطة جدًا منها والأكثر كمالاً“. [39]

كما يحدّد ق. غريغوريوس اللاهوتي هدف التجسد الإلهي؛ وهو التأله بالنعمة، متحدثًا عن النفس الوسيطة بين الألوهة والجسد في المسيح، وهذا التعليم نقابله أيضًا عند العلامة أوريجينوس عن التجسد في تعليمه، حيث يقول النزينزي التالي:

”يا له من اتحاد جديد وعجيب! يا له من تكوين فريد! الكائن يأتي إلى الوجود! غير المخلوق يُخلق! غير المحوَى يُحوى بواسطة نفس عاقلة! تتوسط بين الألوهة والجسد المادي، الذي يوزع الغنى يصبح فقيرًا! أفتقر لأنه أخذ جسدي، لأغتني أنا بألوهيته! أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة لأمتلئ أنا بملئه!“. [40]

يشير ق. غريغوريوس اللاهوتي هنا إلى طريقة تأليه الإنسان وهي التجسد باتحاد الإنساني بالإلهي ليغتني بالألوهة، وهنا يلمح بصورة مباشرة إلى أن الإنسان يتأله بالتجسد والاتحاد بالله في المسيح. وحيث أن مصير الإنسان قبل السقوط هو التأله بالنعمة، كما ذكرنا في القول السابق، فيكون التجسد غير مشروط بخطية آدم، طالما أن الإنسان كان مدعو قبل السقوط ليصير إلهًا بشوقه نحو الله، وكيف يحدث هذا التأله قبل السقوط إلا باتحاد الإلهي بالإنساني والانتقال به إلى عالم آخر، كما أوضح النزينزي في قوله السابق.

يستطرد ق. غريغوريوس النزينزي في حديثه عن أن هدف التجسد واتخاذ الله للطبيعة البشرية هو رفع البشرية إلى عتبات الألوهية كالتالي:

”ذاك الذي هو غير متألم بطبيعته الإلهية، صار متألمًا بالطبيعة التي اتخذها. تنازل إلى درجة البشرية حتى ترتفع أنت إلى عتبات الألوهية“. [41]

ويؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي في نفس السياق على أن هدف التجسد الإلهي هو تأليه الإنسان بالنعمة، ونراه يردّد عبارة ق. أثناسيوس الخالدة: ”صار الله إنسانًا لكي يؤلهنا“، حيث يتحدث عن أن المسيح أخذ كل ما هو قابل للفساد ليهبنا الأسمى فيه كالتالي:

”وكما تشبّه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، لقد صار إنسانًا لكي يؤلهنا، قَبِل كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، اتضع كي يرفعنا“. [42]

يستطرد ق. غريغوريوس اللاهوتي في نفس السياق قائلاً إن هدف التجسد هو تأليه الإنسان كالتالي:

”الإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بواسطة روح، صار إلهًا عندما امتزج بالله وصار واحدًا، يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبح أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا“. [43]

ويقول ق. غريغوريوس أيضًا في نفس السياق:

”إذ إنه لا يزال مع الجسد الذي اتخذه، إلى أن يصيرني إلهًا بحكم صيرورته إنسانًا“. [44]

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي العظيم عن فكرة وجودنا كبشر في المسيح، وأنه حملنا في ذاته بكل ما فينا لكي ما يبيد شرنا، ونشترك بهذا الاختلاط (الاتحاد) بين الله والإنسان في المسيح في ما له من التأله، كما نردد في التسبحة: ”هو أخذ الذي لنا (الناسوت)، وأعطانا الذي له (التأله بالنعمة)“ كالتالي:

”فهو يتنازل إلى مستوى أخوته في العبودية ومستوى العبيد، فيأخذ صورة غريبة عنه، ويحملني في ذاته مع كل ما لي، حتى يذيب ما في من شر كما تذيب النار الشمع، أو الشمس ضباب الأرض، وحتى اشترك بهذا الاختلاط في ما له“. [45]

تعليم التجسد الإلهي عند العلامة أوريجينوس

نبحث الآن تعليم التجسد عند العلامة السكندري العظيم أوريجينوس، وهو يختلف اختلافًا تامًا عن تعاليم باقي آباء الكنيسة، كما سنلاحظ معًا.

العلامة أوريجينوس هو لاهوتي مسيحي، ولكنه في نفس الوقت فيلسوف أفلاطوني محدث، يؤمن بالوجود السابق للنفوس قبل انحباسها في أجسادها، بعد تعرضها لحالة من الفتور الروحي ونقص المحبة لله بإرادتها الحرة التي خلقها الله فيها، فلقد كانت النفوس في حالة شركة مع الله منذ خلقتها، ولكن فترت محبة النفوس مع الوقت، وسقطت محبوسة في أجساد مادية، حيث يقول العلامة أوريجينوس التالي:

”وذلك أنه أعطى الخلائق العاقلة كلها أن يكون لها شركة معه، إذ هو نفسه الصورة غير المرئية لله غير المرئي، حتى إن كلاً من الخلائق يرتبط به بحس المحبة على قدر ما يشترك معه شيئًا فشيئًا، ولكن ملكة حرية الاختيار، إذ أنها قد جعلت تنوعًا واختلافًا فيما بين المدارك، فأشتعل في بعض منها حبًا عظيمًا للخالق، ونال البعض الآخر حب أضعف“. [46]

ثم يأتي حديث العلامة أوريجينوس عن تجسد المسيح من خلال ارتباط نفس المسيح معه منذ خلقتها، وعملها كوسيط بين الله والجسد في المسيح، حيث أنه لا يمكن أن يتحد الله بالجسد بدون وسيط روحي من نفس طبيعته كروح، وأنها احتوت على ملء اللاهوت فيها وصارت غير منفصلة أبدًا وغير قابلة للانفصال عن الله الكلمة منذ خلقتها، حيث يقول كالتالي:

”صارت هذه النفس التي يقول فيها يسوع: لا أحد يأخذ نفسي مني، روحًا واحدًا معه في أصلها، بحسب الوعد الذي أعطاه الرسول للذين يقتدون بهذه النفس، قائلاً: مَن يتحد بالرب يصبح روحًا واحدًا معه.

لقد ارتبطت به منذ خلقها، ثم ما لبثت أن صارت غير منفصلة عنه فيما بعد، وغير قابلة للانتزاع منه، لأنها ارتبطت بالحكمة وكلمة الله والحق والنور الحقيقي، مستوعبةً إياه كله في داخلها كلها، وصائرة نورًا له وبهاء، فمن جوهر النفس هذا، الذي قام بمثابة وسيط بين الله والجسد -إذ لم يكن ممكنًا أن تمتزج طبيعة إله بجسد بدون وسيط- وُلِد الله الإنسان، كما قلنا. فهذا الجوهر (أي جوهر النفس) كان الوسيط، ذلك أنه لم يكن على خلاف الطبيعة عنده أن يلبس جسدًا“. [47]

ثم يشرح العلامة أوريجينوس ماهية التجسد الإلهي، على أنه ارتباط بين كلمة الله ونفسه الإنسانية ليكونا جسدًا واحدًا أكثر ارتباطًا من ارتباط الزوج وزوجته كالتالي:

”يمكن القول بما هو مكتوب: سيكون الاثنان جسدًا واحدًا، فليسا هما بعد اثنين، بل جسد واحد. لأن كلمة الله يؤلف مع نفسه جسدًا واحدًا أكثر مما يمكن الاعتقاد به كما في حالة الزوج مع زوجته، بل مَن يليق به أن يؤلف مع الله روحًا واحدًا أكثر مما يليق بهذه النفس، التي ارتبطت بالله ارتباطًا بالعشق، فاستحقت أن تُدعى روحًا واحدًا معه“. [48]

يشرح العلامة أوريجينوس كيفية إتمام الخلاص من خلال اتحاد النفس بالكلمة، حيث بثبات نفس المسيح البشرية على عشق ومحبة الله وعدم التفكير في أي خطية، وبالتالي صارت إرادة الخير والفضيلة هي السائدة في نفس المسيح، وهكذا تخلص باقي النفوس بهذه الطريقة كالتالي:

”إن بدا هذا للمرء أنه صعب، فيما أوضحنا أعلاه أن في المسيح نفسًا عاقلة، وكررنا مرارًا في مناقشاتنا كلها أن طبيعة الأنفس أهل جدًا لأن تتقبل الخير والشر، فأزال هذه الصعوبة على النحو التالي. ليس في مقدورنا أن نتشكك في أمر طبيعة هذه النفس، فلم تكن هي عينها عند سائر الأنفس، وإلا لما استطعنا تسميتها نفسًا، لو لم تكن بالحقيقة نفسًا.

ولكن هذه النفس، نفس المسيح، ثبتت العزم على محبة البر، فارتبطت به ارتباطًا لا رجوع عنه ولا انفصال على أثر عظم محبتها، حيث أن اختيار الخير أم الشر في مقدرة الجميع، قد انتزع ثبات عزمها، وعظمة شغفها، ولظى محبتها الذي لا يخمد، وكل تطلع إلى التغيير والنكوص، بحيث أن ما استقر في الإرادة انقلب فيها طبيعة، على أثر اعتياد طال أمده. هذه هي حال نفس المسيح البشرية والعاقلة، يا لوجوب تصديقها، فإنه لم يراوده (أي المسيح) قط فكر خطيئة، ولا أمكنه ذلك!“. [49]

ثم يستطر العلامة أوريجينوس أكثر شارحًا هدف وماهية التجسد والخلاص في نفس المسيح، مستخدمًا مثال عطر الناردين وقنينة العطر من سفر نشيد الأناشيد، مؤكدًا على ضرورة شركة النفوس في شركة لا تنقطع مع نفس المسيح المخلِّصة، حتى لا يلحق بها أي خطية أو إثم كريه كالتالي:

”إن هذه النفس مُسحت بدهن البهجة، أي كلمة الله وحكمته على شكل يختلف عن شركائها، الأنبياء والرسل القديسين، فيُقال في هؤلاء أنهم جَروا في ناردين عطورها، ولكن هذه النفس كانت الإناء الحاوي للعطر نفسه. لقد أصبح جميع الأنبياء والرسل أهلاً للشركة في ناردين رائحتها الذكي، إن الناردين شيء، والجوهر شيء آخر.

ومثله المسيح شيء، وشركاؤه شيء آخر. فكما لا يقدر الإناء الحاوي جوهر الناردين أن يتلقى رائحة كريهة البتة، بيد أن الذين يشتركون في رائحته يكونون عرضةً لأن تلحق الروائح الكريهة بهم إن هم ابتعدوا عنه، كذلك المسيح، الذي هو الإناء عينه حيث جوهر الناردين، فإنه لم يكن ليتلقى الرائحة المضادة، فيما يشترك شركاؤه بالناردين، بقدر ما يمكثون على مقربة من الإناء، ويمكنهم أن يكنزوا منه“. [50]

ثم يشرح أخر مرحلة من مراحل خلاص النفوس بنفس المسيح المخلِّصة مستخدمًا تعبير ظل المسيح على نفس المسيح التي تخلص نفوسنا التي تحيا في ظل المسيح بين الأمم، وتتشبه وتسلك بحسب سلوك نفس المسيح، فإنها ستعاين الله وجهًا لوجه أي تعاين المسيح في المجد، وليس كما عرفوه بالجسد كالتالي:

”لذا أحسب أن النبي (مرا ٤: ٢٠) أطلق على النفس المرتبطة بالمسيح ارتباطًا لا انفصال فيه، والفاعلة حسب مشيئته، اسم ظل المسيح الرب الذي ينبغي علينا أن نحيا في كنفه بين الأمم سعيًا منه للدلالة على أفعالها ونزعاتها. ذلك أن الأمم تعيش في سر الارتباط هذا، حينما تبلغ الخلاص بالإيمان، وتحذو حذو هذه النفس […]

فإذا كانت الشريعة التي نُفذت على الأرض ظلاً، وحياتنا التي نحياها على الأرض ظلاً، وإن كنا نحيا بين الأمم في ظل المسيح، يجب علينا أن نرى حقيقة هذه الظلال كلها، فهل لا تُعرف في الإعلان العظيم، عندما يستحق جميع القديسين أن يتأملوا في مجد الله علة الأشياء وحقيقتها، لا كما في مرآة، في لغز، بل وجهًا لوجه؟ إن بولس الرسول بعد أن نال عربون هذه الحقيقة من الروح القدس قال: وإن كنا قد عرفنا المسيح بالجسد، أما الآن فإننا لا نعرفه كذلك (٢كو٥: ١٦)“. [51]

 

 

[1] Tertullian, Ad. Marc. 3. 24, CSEL _ 47.420.10-13; trans. Holmes, ANF, 3: 24.

[2] العظة الفصحية الثانية، عظة ٣٦: ٧.

[3] تجسد الكلمة ٥٤: ٣.

[4] ضد الآريوسيين ٢: ٧٠.

[5] in Joh. 21: 1. 1088bc.

[6] الثالوث ١: ١٣: ٢٨.

[7] الخطبة اللاهوتية الثالثة، عن الابن، خطبة ٢٩: ١٩.

[8] العظة الفصحية الأولى ٣٥: ١.

[9] Or. Cat: 37, PG 45.97b.

[10] PL9. 950CD.

هيلاري، تفسير إنجيل متى على آية (مت٥: ١٥).

[11] عن الثالوث ١٠: ٧.

[12] ضد الوثنيين :١٣.

[13] ضد الهرطقات٢: ٣٤: ٤.

[14] ضد الهرطقات ٤: ٣٨: ٤.

[15] الرد على أوتوليكوس ٢: ٢٧.

[16] الحوار مع تريفون اليهودي، ٥.

[17] مقالة عن القيامة، ١٢.

[18] تجسد الكلمة ٣: ٤.

[19]J. D. Zizioulas, Lectures in Christian Dogmatics, edit. by Douglas Knight, (London & New York: T & T Clark, 2008), Ch. 3, p. 105.

[20] ضد الآريوسيين ٢: ٢١: ٦٦.

[21] المرجع السابق، ٢: ٢١: ٦٧.

[22] المرجع السابق، ٢: ٢١: ٧٠.

[23] المرجع السابق، ٢: ٢٢: ٧٧.

[24] المرجع السابق، 2: 21: 68.

[25] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨.

[26] جوهانس كواستن، الباترولوجي مج٣، (القاهرة: إصدار باناريون)، ص ٩٢، ٩٣.

[27] توماس تورانس، الإيمان بالثالوث، (القاهرة: إصدار باناريون، ٢٠١٠)، ص ١٤٥، ١٤٧.

[28] Aulén, Gustaf, Christus Victor, trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 43 & 44.

[29] Grensted, L. W., A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 158.

[30] Rashdal, Hastings, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect 4, p. 296.

[31] Ibid, p.296, n.3.

[32] الإيمان بالثالوث، ص ١٤٦- ١٤٧.

[33] تجسد الكلمة ٣: ٣.

[34] ضد الوثنيين ٤٠: ٤.

[35] تجسد الكلمة ٣: ٤.

[36] المرجع السابق، ٣: ٤.

[37] المرجع السابق، 3: 6.

[38] ضد الآريوسيين ٢: ٦٥.

[39] العظة الفصحية الثانية ٣٦: ٧، ٨.

[40] المرجع السابق، ٣٦: ٩.

[41] مختارات من عظات القديس غريغوريوس النزينزي اللاهوتي، عظة المعمودية والمعمدون.

[42] العظة الفصحية الأولى ٣٥: ٥.

[43] الخطبة اللاهوتية الثالثة ٢٩: ١٩.

[44] الخطبة اللاهوتية الرابعة ٣٠: ١٣.

[45] المرجع السابق، 30: 6.

[46] المبادئ ٢: ٦: ٣.

[47] المرجع السابق، ٢: ٦: ٣.

[48] المرجع السابق، ٢: ٦: ٣.

[49] المرجع السابق، ٢: ٦: ٥.

[50] المرجع السابق، 2: 6: 6.

[51] المرجع السابق، 2: 6: 7.

 

التجسد غير المشروط – د. أنطون جرجس عبد المسيح

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

كيف ينال المسيحي التأله بالنعمة؟

سنحاول الإجابة عن ذلك من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء

قال السيد المسيح لنيقوديموس:

” أَجَابَ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (إنجيل يوحنا5:3).

هنا شرط دخول الملكوت والحياة الأبدية (التأله بالنعمة) هو الولادة من الماء والروح أي بالمعمودية ننال الحياة الأبدية والتأله بالنعمة.

قال السيد المسيح أيضًا لتلاميذه واليهود:

“مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (إنجيل يوحنا54:6).

هنا يؤكد السيد المسيح أن شرط الحياة الأبدية هو التناول من جسده ودمه الأقدسين لنوال الحياة الأبدية (التأله بالنعمة).

نستخلص مما سبق أن نوال الخلود والحياة الأبدية وهي حياة الله وصفة خاصة بالله يعطيها للإنسان كعطية من خلال الأسرار الكنسية كالمعمودية والميرون والافخارستيا والتأله بالنعمة هو شركة الطبيعة الإلهية وشركة الحياة الأبدية وشركة في صفات إلهية بالأساس كالقداسة والبر والصلاح والأبدية والحكمة والقوة وهذه كلها صفات إلهية يشترك فيها الإنسان مع الله كعطية وهبة ومنحة من الله للإنسان وهذا هو مفهوم “التأله بالنعمة” الذي تحدث عنه آباء الكنيسة الجامعة الذي يتحقق من خلا الأسرار كالتالي:

يقول ق. أغناطيوس الأنطاكي (الثيؤفوروس) عن الإفخارستيا إنها:

 “دواء الخلود وترياق عدم الموت” (الرسالة إلى أفسس ٢٠).

 فنحن بالتناول من جسد الرب ودمه ننال الخلود وعدم الموت أي ننال التأله بالنعمة من خلال الإفخارستيا.

يقول ق. إيرينيؤس أيضًا:

 “كيف يمكنهم أن يقولوا إن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي اغتذى من جسد الرب ودمه وصار عضوًا فيه” (ضد الهرطقات ٥: ٢: ٣).

 يؤكد القديس إيرينيؤس أن الحياة الأبدية هي عطية إلهية ننالها من خلال التغذي من الإفخارستيا والحياة الأبدية هي مرادف لمفهوم التأله بالنعمة” كما ذكرنا من قبل.

يقول ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق:

 “ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من (جسد الكلمة) ذاته” (الرسالة إلى مكسيموس ٢).

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا وبالتالي الأسرار الكنسية تعتبر ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية.

يقول ق. كيرلس الأورشليمي:

 “وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن (حاملي المسيح) بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (٢بط١: ٤)”

(العظة للموعوظين ٢٢: ٣).

 كما يؤكد ق. كيرلس هنا أيضًا على نوال شركة الطبيعة الإلهية (التأله بالنعمة) وباتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا ونصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا.

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي:

  “بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة (النفس) والثانية منظورة (الجسد) فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد”

(عظة ٤٠: ١٠).

ونجد ق. غريغوريوس هنا يؤكد على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله) ونلبس الإنسان الجديد ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية.

يقول ق. غريغوريوس النيسي:

“كما أن الله الذي أظهر ذاته قد (مزج) نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذا الشركة مع اللاهوت يتيسر للبشرية أن تصير (مؤلهة) في نفس الوقت. فيزرع ذاته بحسب خطة النعمة الخاصة به في كل المؤمنين بواسطة الجسد، الذي يستمد بقائه من الخبز والخمر، مازجًا ذاته بأجساد المؤمنين حتى أنه بواسطة الاتحاد بذاك الأزلي، يستطيع الإنسان أن يشترك في عدم الفساد”

(العظة التعليمية الكبرى ٣٧).

 يؤكد ق. غريغوريوس على نوال نعمة التأله من خلال سر الإفخارستيا حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة).

يقول ق. يوحنا الذهبي الفم:

“كذلك المسيح والكنيسة يُكوِّنان كيانًا كليًا واحدًا، ويتحقق هذا الاتحاد بالقوت السماوي (الإفخارستيا) الذي منحنا إياه المسيح… لأجل هذا وحَّد نفسه بنا كيانيًا، فمزج جسده ببشريتنا كالخميرة بالعجين، كي نصير كائنًا واحدًا في تماسك الجسد بالرأس”

(عظة ٣٠: ١ على رسالة ١كو).

 ونرى هنا ق. يوحنا يؤكد على اتحادنا الكياني بالمسيح ككيان واحد كلي من خلال الإفخارستيا ويسميها ” القوت السماوي” وهكذا يمزج المسيح جسده بجسد بشريتنا كامتزاج الخميرة والعجين وهكذا يصير الرأس (المسيح) والجسد (الكنيسة) كائن واحد متماسك.

يقول ق. باسيليوس الكبير:

“لذلك نحتاج من الآن فصاعدًا لأن نتغذى بطعام الحياة الأبدية، كما علّمنا ذلك الابن الوحيد الإله الحي… وفي مرة أخرى يكرر كلمة ” الحق” ليؤكد ما يقوله ويعطي الثقة التامة لسامعيه، فيقول:  “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ”.  (يو56-53:6)”

(شرح المعمودية ٣: ١).

وهكذا يُسمي ق. باسيليوس القيصري الإفخارستيا ب(طعام الحياة الأبدية) الذي به ننال (التأله بالنعمة).

وأخيرًا يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على أننا بالإفخارستيا أي “بشركة جسده الخاص الذي دخل فينا، ننال الشركة مع الله” (تفسير يو ٦: ٣٥).

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

أزعجني كثيرًا عندما قرأت أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو بدعة يجب محاربتها، وصدمني جدًا هذا الفكر الغريب. التعليم عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو في صلب الكتاب المقدس والتعليم الأرثوذكسي، فكيف يتجرأ البعض على دعوته بأنه بدعة؟!

نذكر تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بنوره الإلهي غير المخلوق على جبل ثابور أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وإيليا وموسى، حيث يقول الكتاب:

1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. 2 وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3 وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4 فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَارَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».  (إنجيل متى4-1:17)

وهكذا ستتجلى أجسادنا بهذا النور العجيب مثل تجلى جسد المسيح أمام تلاميذه في المجد والملكوت.

ولقد اختبر ق. بطرس الرسول النور الإلهي غير المخلوق وشهد عن ذلك قائلاً:

16 لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. 17 لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». 18 وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.  (رسالة بطرس الثانية18-16:1)

كما أختبر ق. بولس الرسول هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. (سفر أعمال الرسل6:22)

كما أختبر ق. استفانوس أول شهداء المسيحية مجد هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. (سفر أعمال الرسل55:7)

واختبره أيضًا ق. يوحنا الرسول وشهد عنه قائلاً:

5 وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ.  (رسالة يوحنا الأولى6-5:1)

 

فكيف بعد كل هذه الإعلانات الإلهية التي كان التلاميذ والرسل شهود عليها واختبروها أن نقول بعد ذلك على الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق بدعة؟! ألسنا في كارثة يا أخوة؟!

لقد تحدث ق. كيرلس السكندري الذي اختبر الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وقال عن هذا الاختبار:

“فنحن دُعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقًا، فالمخلوق ليس حقًا هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، أما المخلوقات فهي تصير نورًا باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج١، ترحمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٠٥.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتى عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” لنصبح نحن نورًا، كما سمع التلاميذ من النور الأعظم قوله لهم: أنتم نور العالم، بل ولنصر كأنوار في العالم، نضيء بين الأمم كما قال بولس الرسول في (في٢: ١٥): نحن قوة حية للآخرين. فلنتخذ شيئًا من الألوهة* ولنقتبس نورًا من النور الأول. لنسر نحو إشعاع هذا النور قبل أن تحجب بيننا وبينه الظلال”.

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، ١٩٩٤)، عظة المعمودية والمعمدون، عظة ٤١، ص١٦٠.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق التالي:

“ولكي تتقدموا أنتم كأنوار كاملة أمام النور الكبير، وأن تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير متخذين* من النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من أصباح الألوهة الواحدة لشخص ربنا يسوع المسيح”.

المرجع السابق، عظة الظهور الإلهي في المسيح أو عظة عيد الأنوار، عظة ٣٩، ص ١٧٥.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير عن اختبار النور الإلهي غير المخلوق لفهم وإدراك الإلهيات، وإنه بدون الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق لا يمكن أن تفكر النفس بصورة سليمة كالتالي:

“لأنه تمامًا كما هو النور المحسوس بالنسبة للعين، هكذا الله الكلمة بالنسبة إلى النفس، لأن الكتاب المقدس يقول: كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم (يو١: ٩). وبناءً على ذلك، فإن النفس التي ليس فيها نور، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح […] وأن يقتربوا من هذه الولادة من خلال إشراقة النور الإلهي”.

باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٤٨، ١٤٩.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر عن اتحادنا وتلامسنا مع بهاء الألوهة والاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“هؤلاء يوصيهم أن يقتربوا من الرب، ويتلامسوا مع بهاء ألوهيته، حتى أنهم بهذا الاقتراب، بعدما يستنيرون بنور الحقيقة، يقبلوا داخلهم هذا النور بواسطة النعمة، وكما هو الحال بالنسبة إلى النور المحسوس، فهو لا يشرق على الجميع بطريقة واحدة، بل يشرق فقط على الذين لهم أعين، وهم في حالة يقظة”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج١، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، العظة السابعة على مز٣٤، ص ٢٢٧، ٢٢٨.

 

وهكذا يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ في الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. هذا الحق الذي تجلى لموسى بنور غامض لا يُوصف ولا يُنطق به هو الله”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: مجدي فهيم حنا، مراجعة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، ٢٠٢١)، ٢: ١٩، ص ٥٠.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اختبار القديس اسطفانوس للنور الإلهي غير المخلوق، الذي هو مثال لاتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“كيف رأى اسطفانوس مجد الله؟ مَن الذي فتح له أبواب السماء؟ تُرى هل هذه النعم محصلة قوة إنسانية؟ هل ملاك أصعد طبيعتنا التي كانت تنظر إلى أسفل إلى ذلك السمو؟ لم يحدث أي شيء من كل هذا. فكل ما له علاقة بهذه القصة، لم يذكر شيئًا مثل هذا، بمعنى أن اسطفانوس لم ير ما رأه لأنه كان قويًا للغاية، أو لأنه نال معونة كاملة من الملائكة.

فماذا قال النص الإنجيلي؟ قال: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع٧: ٥٥). لأنه من غير الممكن، كما يقول داود النبي، أن يرى أحد النور، إن لم يكن قائمًا داخل النور: بنورك نرى نورًا (مز٣٦: ٩). لأنه من المستحيل رؤية النور خارج النور.

أي كيف يمكن للمرء أن يرى الشمس، وهو موجود بعيدًا عن أشعتها؟ لأن نور الابن الوحيد الجنس هو داخل نور الآب، أي داخل الروح القدس المنبثق من الآب، لذا بعدما امتلأ (أي اسطفانوس) أولاً من الروح القدس استنار، حينئذ أدرك مجد الآب والابن”.

غريغوريوس النيسي (قديس) ، اسطفانوس أول شهداء المسيحية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، العظة الأولى، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويتحدث أيضًا ق. ديونيسيوس الأريوباغي عن خبرة اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” من جهتي، فهذا ما أصلي به، أما أنت أيها العزيز تيموثاوس، انشغل بشدة بالرؤى السرية، اترك الأنشطة الحسية والذهنية، كل ما يخص الحواس والعقل، كل الموجودات وغير الموجودات (نحيه جانبًا)، وترفع غير مستندًا على معرفة حتى تتحد قدر المستطاع بمَّن هو أعلى من كل جوهر ومن كل معرفة. عندما تصل إلى الدهش*، حيث تتحرر بالكلية من ذاتك، من كل الأشياء، عندما تنزع عنك كل شيء، وتعفي نفسك من كل شيء، سوف ترتفع إلى الشعاع الفائق الجوهر للظلمة الإلهية”.

ديونيسيوس الأريوباغي (المستعار)، اللاهوت الباطني، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٠٤، ١٠٥.

وهكذا نجد أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو تعليم كتابي، ورسولي، وآبائي أرثوذكسي سليم اختبره التلاميذ والرسل وآباء الكنيسة على مر العصور.

يُتبع…

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي قراءتنا في فكر الهرطقة النسطورية، ونستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

“يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت.

فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله.

وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون أن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد.

ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت”

(Heraclides 1: 32).

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنبينها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

١. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.

٢. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.

٣. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.

٤.يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن “الله كان مع الجسد البشري”، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.

٥. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَن مِن آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.

٦. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

سنبدأ مع بعض أحبائي دراسة جديدة حول الهرطقة النسطورية من خلال كتاب نسطوريوس “هيراقليدس” الذي كتبه ردًا على ق. كيرلس الكبير أثناء نفيه بعد حرمانه في مجمع أفسس المسكوني.

يرفض نسطوريوس المهرطق بطريرك القسطنطينية المحروم عقيدة التأله بالنعمة التي نادى بها الكتاب المقدس بعهديه، ونادى بها آباء الكنيسة الجامعة. حيث يقول التالي:

“بخصوص ذلك: أولئك الذين يغيرون طبيعة الإنسان إلى الأوسيا (الجوهر) الإلهي جاعلين إضافة إلى الثالوث، سواء في الطبيعة، أو في البروسوبون.

لذلك، إن كانت طبيعة الجسد التي قد تألهت تبقى في الأوسيا (الجوهر)، الذي قد تألهت فيه، فكيف لم يقبل الثالوث إضافةً في الأوسيا (الجوهر)، وفي البروسوبون؟ لأنه لا يوجد أي شيء من الطبيعة البشرية في الثالوث، لا في الآب، ولا في الابن، ولا في الروح القدس، بل يكون (الثالوث) وحده؟ لأنه ما لم يكن معه أزليًا، بل قد تمت إضافته إليه، فقد قَبِل إضافةً.

ولكن كيف يمكن لإضافة أن تُصنع له، ولا تكون إضافةً؟ وهذه هي أيضًا قصة أخرى وخرافة مانوية. ولكن إن ذاك الذي قد أُضيف، لم يصر ما قد كان؟ ولم تتضرر طبيعة البشر من طبيعة اللاهوت كما بنارٍ، وإن كان بذلك لا يقبل الثالوث إضافةً، فلم يعد هذا تجسُدًا، بل إلغاء للتجسُد.

لأن أي شيء يؤدي إلى إلغاء الطبيعة البشرية، وليس بالحفاظ عليها، لا يُسمى “تجسُدًا”، بل يكون مثل شيء ما يوجد في علاقة مع ذاك الذي لا يوجد”.

(Heraclides 1: 34)

نرى بذلك رفض نسطوريوس لعقيدة التأله بالنعمة بحسب التقليد الرسولي والآبائي، لأنه يفهم خطاءً أن التجسُد هو عبارة عن إضافة للطبيعة البشرية إلى الثالوث، وهذا بالطبع ما لم يعلّم به آباء الكنيسة الجامعة بخصوص عقيدة التأله بالنعمة.

كما نجد في عصرنا الحالي مَن يردد كلمات نسطوريوس المهرطق بدون دراية أو وعي رافضًا عقيدة التأله بالنعمة على اعتبار أنها شرك بالله وتعدد آلهة وإدخال للطبيعة البشرية في الثالوث. كما نعتها البعض بالآريوسية الجديدة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة.

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

هناك خلط شديد جدًا بين عقيدة التآله بالطبيعة الخاصة بالله (ثيؤلوجيا)، وبين عقيدة التآله بالنعمة الخاصة بالبشر (إيكونوميا).

وسوف أستعرض بعض النصوص الكتابية الدالة على عقيدة التآله بالنعمة مثل:

– “أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم” (مز82: 6)

 وهو قول صريح لا لبس فيه.

– “فقال الرب لموسى: أنظر أنا جعلتك إلهًا لفرعون. وهارون أخوك يكون نبيك” (خر7: 1)

 وهنا يقصد التآله بالنعمة طبعًا.

– يقول رب المجد نفسه: “أجابهم يسوع أليس مكتوبًا فى ناموسكم: أنا قلت انكم الهة، إن قال لأولئك الذين صارت لهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب فالذي قدسه اﻵب وارسله الى العالم، أتقولون له: إنك تجدف لاني قلت إني ابن الله؟” (يو10: 34 _36)

هنا يؤكد السيد المسيح على هذه العقيدة ويقول لا يمكن ان ينقض المكتوب.

– يقول رب المجد نفسه: “أجاب يسوع وقال له: إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً”.

هنا يؤكد رب المجد على سكنى اﻵب والابن في البشر بقوله نصنع عنده منزلاً.

– يقول معلمنا بطرس الرسول: “الذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الالهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط 1: 4).

وهنا يؤكد ق. بطرس على شركة الطبيعة الإلهية.

 

وسوف أستعرض بعض أقوال اﻵباء الدالة على عقيدة التآله بالنعمة وهو بعض من كل:

يقول ق. أثناسيوس فى كتابه تجسد الكلمة (ف54: 3):

 “ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يؤلهنا نحن”.

ويقول ق. أثناسيوس أيضًا فى كتابه (ضد الاريوسيين المقالة الاولى ف11: 42):

 ” فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تأله، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرحة أكثر”.

 

يؤكد ق. أثناسيوس على نعمة تآله الجسد التي أنعم بها الله بدرجة أكثر على البشر.

ويقول ق. أثناسيوس في رسالته الأولى عن الروح القدس إلى سرابيون الاسقف:

 “ولكن إن كنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألهون، وإن كان (الروح القدس) يؤله البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية”.

وهنا يؤكد ق. أثناسيوس أن مَن يشكك في تآليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يشكك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

 

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي في خطبته اللاهوتية عن الروح القدس رقم (31: 28):

  “فكيف يؤلهني الروح بالمعمودية إن لم تجب عبادته؟ وإذا وجبت عبادته، فكيف لا يكون جديرًا بمراسم تلك العبادة؟”.

وهنا يربط أيضًا ق.غريغوريوس بين التآله بالنعمة الذي نأخذه بالمعمودية والاعتراف بألوهية الروح القدس.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا في نفس الخطبة عن الروح القدس (31 :29):

 “الذي يجعلنا هياكله، الذي يؤلهنا، الذي يقودنا الى الكمال، بحيث أنه يسبق المعمودية، ويطلب بعد المعمودية جميع أعمال الله، وهو ينقسم ألسنة نار، ويوزع المواهب الروحية”.

 

ويقول ق. باسيليوس الكبير في كتابه عن “الروح القدس” (ف9: 23):

 “وتنال هذه النفوس من الروح معرفة المستقبل، وفهم الاسرار، وإدراك الخفايا، وتوزيع العطايا الصالحة، والمواطنة السماوية، ومكانًا في خورس تسبيح الملائكة، وفرحًا بلا نهاية، وبقاء دائم في الله، والتشبه به، وأسمى من كل هذا أن نصير آلهةً”.

يعني عطية التآله بالنعمة هى أسمى العطايا والنعم التي اعطاها لنا الروح القدس.

ويقول ق. كيرلس عمود الدين في كتابه (حوار حول الثالوث، الحوار السابع) عن الروح القدس:

 “كيرلس: ماذا يعني الاسم إله؟ إرميا: يعنى مَن له هذه الطبيعة. كيرلس: غير أن خصائص هذه الطبيعة هي الازلية، وعدم الفساد، بينما الاسم إله هو خاص بالملائكة أيضًا وبنا نحن على اﻷخص حتى لو كان مضاف إلينا ومُعطَى لنا”.

وهنا قالها ق. كيرلس الكبير بكل صراحة إن اسم إله مُعطَى لنا من الله كعطية وإضافة لنا وفيه بالطبيعة.

ويقول ق.كيرلس عمود الدين في نفس الحوار السابع:

 “ﻷننا هياكل للروح الحقيقي الكائن، ولهذا فنحن نُدعى أيضًا آلهة، لانه من خلال اتحادنا به نصبح شركاء الطبيعة الالهية غير الموصوفة. أما لو كان الروح الذي يؤلهنا هو غريب ومختلف بحسب جوهره عن الطبيعة الالهية، فحينئذ سنفقد رجاءنا”.

وهنا أيضًا ق. كيرلس مثل ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس اللاهوتي يربط بين عقيدة التآله بالنعمة والاعتراف بألوهية الروح القدس مَن يرفض التآله بالنعمة يعترف بعدم ألوهية الروح القدس.

 

يقول ق. أوغسطينوس في كتابه (خواطر فيلسوف في الحياة الروحية، ف13):

 “جعلك الله أخًا لابنه دون أن يلدك، فتبناك، وجعلك له شريكًا في الميراث، ثم جعل المسيح شريكًا لك في الموت ليؤهلك للاشتراك معه في اللاهوت”.

وهنا أيضًا يؤكد ق. أوغسطينوس على عقيدة التآله بالنعمة وشركة الطبيعة الالهية.

ويقول ق. أوغسطينوس أيضًا عن الروح القدس فى كتابه عن (الثالوث، الكتاب الاول، ف 6: 13):

 “ولكن إن كان غير مخلوق، فمن ثم لا يكون إلهًا فقط (لأن البشر يُدعون آلهةً أيضًا)، بل هو أيضًا الله ذاته، ولذا فهو مساوٍ كليًا للآب والابن في وحدانية الثالوث ومن نفس الطبيعة”.

 

ويقول ق. أوغسطينوس أيضًا في حديثه عن تجسد وصلب رب المجد في كتابه عن (الثالوث، الكتاب الاول، ف 13: 28):

 “لأنه صلب بحسب صورة العبد ولكنه رب المجد المصلوب لان الاتخاذ (التجسد) قد جعل الله إنسانا واﻹنسان إلهًا”.

 وهنا يؤكد ق. أوغسطينوس أيضًا على عقيدة التآله بالنعمة كبركة من بركات التجسد الإلهى.

أكتفي بهذا القدر القليل من أقوال اﻵباء التي لاحصر لها عن التآله بالنعمة. وأرجو ألا نهاجم هذه النعمة الكبيرة ونطلب من الله أن يجعلنا ننمو أكثر وأكثر في هذه النعمة، ولا نعترض على الله، ونقوم عمل الروح القدس فينا.

ضد مهاجمي عقيدة التآله بالنعمة – د. أنطون جرجس

Exit mobile version