الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض
الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض
العظة الثانية
الصوم سلاح روحى:
1ـ ” عزوا عزوا شعبى يقول إلهكم طيبو قلب أورشليم” (إش1:40 ـ2)
إن إلقاء الكلمات المُشجّعة تُشدّد العزائم وتشحذ الهمم، وتُحفّز الكسالى والمتوانين على العمل. ومن أجل هذا فإن العسكريين عندما يُعدّون الجيش لمعركة قادمة، فإنهم يشرعون في إلقاء الخطب الحماسية عن ضرورة القتال، ويقدّمون النصائح والوصايا التي لها من القوة أن تجعل الكثيرين في مرات عديدة أن يستهينوا بالموت. أيضًا عندما يقوم المدّربون، بقيادة الشباب الرياضيين في المباريات وهم داخل الاستاد، فإنهم يقدّمون نصائح كثيرة عما يجب أن يفعلوه وأنه ينبغى عليهم أن يبذلوا أقصى جهد لكى يفوزوا ويُتّوجوا، حتى أن الكثيرين عندما يقتنعون بأهمية وشرف الانتصار يستهينوا بالأتعاب الجسدية. وبناء عليه فإننى أُعِد جنودًا للمسيح من أجل الحرب ضد الأعداء غير المرئيين وأحث المجاهدين على التقوى وضبط النفس، لكى ينالوا تيجان البر، لذلك فهناك ضرورة لتقديم النصيحة والإرشاد.
ماذا أريد أن أقول أيها الاخوة؟ إن أولئك الذين يدرسون الأمور الخاصة برياضة المصارعة التي تُمارس في حلبة المصارعة، يعرفون أنه أمر طبيعى إذا حدث إسراف في الطعام فسيزداد وزن الرياضيين، حتى أنه يصعب عليهم المشاركة في المباريات. لكن أنتم لا تُصارعون مع لحم ودم، بل ” مع الرؤساء. مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف12:6). إذًا في هذه الحرب من الضرورى ممارسة الصوم وضبط النفس لأن الدسم يُزيد وزن مَن يجاهد، بينما الصوم يقوي الإنسان التقى. حتى أنه على قدر ما يفقد الجسد هذه الزيادة، على قدر ما تشرق النفس بالبهاء الروحى. لأن الانتصار على الأعداء غير المرئيين لا يتحقق بالإمكانيات الجسدية، لكن بإصرار النفس وصبرها على الضيقات.
الصوم رفيق حسنٌ في الطريق:
2 ـ إذًا فالصوم ـ لأولئك الذين يعرفون قيمته ـ هو نافع ومفيد طول العام، لأن الحيّل الشيطانية لن تؤثر في الصائم، وبالأكثر فإن الملائكة الحارسون لحياتنا يظلوا إلى جوار أولئك الذين تنّقوا بالصوم، وبالأولى جدًا الآن حيث انتشرت البشارة في كل المسكونة ولا يوجد مكان في الأرض لم يسمع بالبشارة سواء كان جزيرة أم قارة أم مدينة أم أمة، أو أقصى الأرض. وأيضًا الجنود في معسكراتهم، والمسافرين والبحارة والتجّار، جميعهم قد سمعوا الدعوة المملوءة فرحًا وقبلوها. حتى أنه لا ينبغى لأحد أن يستثنى نفسه من قائمة الصائمين. وهذه القائمة تشتمل على كل الأجناس وكل الأعمار وكل المناصب. إن الذين يسجلون قائمة الصائمين في كل كنيسة هم الملائكة. فلتحذر ـ ربما بسبب شهوة عابرة للأكل ـ أن تفقد تسجيل اسمك، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ستجعل نفسك في حكم الفارين من الجنديّة. إن الخطر الذي يتعرّض له شخص ترك درعه أثناء المعركة، يُعد أقل إذا ما قورن بترك سلاح الصوم.
فإن كنت غنيًا لا تهين الصوم بأن تستنكف أن تُعِد مائدة تحوى أطعمة للصوم، ترى أنها لا تليق بك ولا ينبغى أن تُبعد هذه الأطعمة من بيتك، كأنها محتقرة بسبب أنها لا تحقق اللذة المرجوّة، حتى لا يُدينك مُشرِّع الأصوام وتعانى من تأديبات كثيرة، مثل أن يُحكم عليك بأمراض جسدية أو أى ظرف آخر مؤلم. وإن كنت فقيرًا، فصُم ولا تخشى سخرية البعض منك بقولهم إنك صائم دائمًا بسبب حالتك المادية. وأقول للمرأة أن تصوم، فالصوم لها مثل التنفس هو أمر طبيعى ومألوف، وللأولاد الذين هم مثل النباتات النضرة الخضراء، يرتون بماء الصوم. بالنسبة للكهنة فإن الألفة القديمة مع الصوم تجعل الأتعاب سهلة. لأن الأتعاب التي تأتى بعد عادات استقرت طويلاً لا تُثير آلام كثيرة عند المتمرنين عليها.
بالنسبة للذين يرتحلون كثيرًا، فإن الصوم هو رفيق حسن للطريق. فكما أن الأطعمة تؤدى بالضرورة إلى زيادة الوزن، هكذا فإن الصوم يجعلهم أقل وزنًا وأكثر حيوية وحركة. ثم أنه عندما يُنادى بحملة عسكرية خارج حدود الدولة، فإن الجنود يُزوّدون بالاحتياجات الضرورية وليست تلك التي تُثير المتع. أما من جهتنا نحن الذين نُحارب ضد الأعداء غير المرئيين، فإنه لا يليق بنا بالأكثر أن نُقبل على الأطعمة، بل يجب أن نكتفى بالاحتياجات الضرورية، كما لو كنا نتدرب في معسكرات. لأن هدفنا هو الانتصار عليهم والانتقال إلى الوطن السماوى.
الصوم وحياة التقوى:
3 ـ ” فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندى صالح … وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونيًا” (2تى5:3). ينبغى علىّ ألاّ أتجاهل ما ورد بخاطرى الآن وهو ما أريد التحدث عنه، أن النصيب المُقَدّم من الأكل للجنود يزداد وفقًا للأتعاب لكن بالنسبة للجنود الروحيين فإن الجندى الذي له طعام أقل له رتبة أعلى. كما أن خوذتنا تختلف جوهريًا عن الخوذة الأخرى التي تتعرّض للتلف، لأن المادة التي تُصنع منها الخوذة هى النحاس، أما الأخرى فقد أُعدت وتثبتت برجاء الخلاص (انظر 1تس8:5). والدرع بالنسبة للجنود العالميين مصنوع من الخشب والجلد، أما بالنسبة لنا فهو ترس الإيمان وقد سُيّج حولنا بدرع البر والسيف الذي نستخدمه في الدفاع هو سيف الروح القدس (انظر أف16:6ـ17). لكننا نجد أن الآخرين يفضلّون السيف المصنوع من الحديد، وبالتالى فإن الطعام بحد ذاته لا يقويهم. لكن الذي يُقوينا نحن هو حياة التقوى، بينما مَن يشتهون الأكل فلهم احتياج لأن يملأوا بطونهم.
إن دوران الزمن يحمل لنا مرة أخرى تلك الأيام الجميلة، وعلينا أن نُقبِل على تعاليم الكنيسة بفرحٍ، كما يفرح الطفل بأمِهِ. لأنه بهذه التعاليم فإن الكنيسة تُطعمنا بالتقوى. إذًا متى صُمت لا تكن عابسًا مثل اليهودى، لكن اجعل ذاتك مُشرقة بالفرح (انظر مت16:6ـ17). بمعنى أنه لا ينبغى أن تحزن لأجل حرمان بطنك من الأطعمة، بل أن تفرح من كل نفسك من أجل المتع الروحية. لأنك تعلم جيدًا أن ” الجسد يشتهى ضد الروح. والروح تشتهى ضد الجسد” (غلا17:5). إذًا لأن كل منهما (أى الجسد والروح) يشتهى ضد الآخر، فلنقلّل من شهوة الجسد، ولنزيد من قوة النفس، لكى نلبس إكليل العفة، حيث إنه بالصوم نحصل على الغلبة ضد الشهوات.
الصوم ونقاوة النفس:
4 ـ إذًا، فلتجعل نفسك مستحقة للتكريم عن طريق هذا الصوم المبارك، ولا تُفسد عفة وطهارة الغد، بسكر اليوم. واعلم أن القول بأنه يحق لنا بعد الصوم أن نغرق في السكر هو بمثابة فكر شرير وخبيث. فكما أنه لا يوجد أحد ـ عندما ينوى أن يتزوج من امرأة وقورة بحسب القوانين ـ يسمح بوجود زانية في بيته، لأن الزوجة الشرعيّة لا تقبل ولا تحتمل أن تسكن مع ساقطة. هكذا يجب عليك أنت أيضًا ألاّ تلجأ أولاً إلى السكر أو تلجأ جهارًا إلى الزنى، أى إلى مصدر الوقاحة وصنو الخداع، إلى الخبل، وإلى قبول كل فكرة مرذولة بكل سهولة، بينما تنتظر الصوم. إن النفس التي تلوثت بالسكر، لا يسكن فيها الصوم والصلاة[1]. إن السيد الرب يقبل في شركته ذلك الذي يصوم، بينما لا يقبل في شركته الدنس والنجس والمدمن. فلو أنك أتيت غدًا ورائحة الخمر تفوح منك، كيف أحسبك صائمًا وأنت في هذه الحالة من السكر الشديد؟ ولا تُقيم حساباتك على أنك مؤخرًا لم تشرب خمرًا بصورة كبيرة، لكن التقييم الحقيقى هو أنك لم تتنقى من إدمان الخمر بعد. في أى وضع يمكن أن أُصنفك؟ هل أضعك ضمن السكارى، أم من ضمن الصائمين؟ لأن حالة السكر السابقة تجذبك نحوها، بينما إتباع نظام التقليل في الطعام يؤكد الصوم. أنك مُستعبد للسكر وستظل محصورًا في ذاتك، لأنه إن كانت رائحة الخمر لازالت في الوعاء، فهذا يُعد دليلاً واضحًا على العبودية. وأقول لك بطريقة مباشرة وبلا مواربة إن أول يوم في الصوم سيكون بالنسبة لك بلا فائدة وغير مناسب، لأن بقايا السكر مازالت موجودة داخلك ” فلا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو1:6). فهؤلاء بدايتهم بل وكل مسيرتهم محتقرة، ومن الواضح أنهم مرذولون.
ما هو النفع لو أنك أقبلت على الصوم وأنت سكران؟ لأنه إن كان السُكر يُبعدك عن الملكوت، فكيف يكون الصوم نافعًا لك؟ ألا ترى كيف أن هؤلاء الأكثر خبرة في ترويض وإعداد الخيول قبل مباريات السباق، يُقلّلون طعام الخيول التي ستشارك في السباق؟ بينما أنت تسرف عمدًا في الشراهة. إنك تتجاوز الخيول بكثير من جهة النهم!. كما أنه ليس من الحكمة في شئ أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضًا، لأن المعدة وهى متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى.
الصوم هو معلّم الهدوء:
5 ـ والصوم يحفظ الأطفال ويُهذب الشباب ويجعل الشيخ أكثر وقارًا. لأن الشيخوخة عندما تكون مُزينة بالصوم، تصير أكثر وقارًا. وهو للمرأة زينة لائقة ومناسبة، ولجام لكل من هم في حالة عنفوان كما يُمثل الصوم حفظًا للحياة الزوجية وغذاءً للبتولية. مثل هذه الأمور ينبغى أن تكون موضع اهتمام كل بيت.
ولنرى كيف تُمارس السياسة في حياتنا العامة؟ تمارس على النحو الذي فيه تصير الأمور مُنظمة ويهدأ الصياح وتنتفى المنازعات ويتوقف الكلام السيئ، يحدث هذا في المدينة كلها ومن نحو كل الشعب. وهل هناك معلّم مثل الصوم يستطيع بحضوره أن يعيد الهدوء لأولادنا الذين يثيرون الضوضاء؟ فهو أيضًا الذي يكبح اضطرابات المدينة عندما تثور ومَنْ مِن أولئك المشاركين في اللهو يستطيع أن يتقدم نحو الصوم؟ وأى رقص ماجن يمكن أن يتناسب مع الصوم؟ فالضحكات الناعمة، والأغانى الهابطة، والرقصات المثيرة للشهوة، هذه كلها ستُطرد خِفيةً من المدينة عندما يحل الصوم كما لو أنها قد هربت من أمام قاضٍ متشدّد.
فلو أن الجميع قبلوا الصوم كمرشد لن تحدث هذه الأفعال ولن يوجد أى شئ يمكن أن يُعيق سيادة السلام الكامل في كل المسكونة، طالما أن الأمم لن تثور الواحدة ضد الأخرى ولن تتصادم الجيوش فيما بينها. لو ساد الصوم، فلن تُصنّع الأسلحة ولن تُقام المحاكم ولن يُسجن البعض، وبصفة عامة لن يصير القفر مكان استضافة للمجرمين ولن تستضيف المدن أصحاب الدسائس ولا البحار ستصير ملجأ للقراصنة.
لو أن الجميع تتلمذوا على الصوم فلن يُسمع مُطلقًا بحسب ما كتب أيوب، صوت محصل الضرائب، وأيضًا لو أن الصوم ساد على حياتنا (أيوب18:3) فلن تصيبها الحسرة أو تصير مملوءة بالتجهم والعبوس لأنه من الواضح أن الصوم سوف يُعلّم الجميع ليس فقط العفة، لكن أيضًا الرحيل الكامل والتغرب عن البخل والطمع وعن كل شر. فلو أننا ازدرينا بهذه الأمور، فلن يكون هناك شيئًا يمكن أن يُعيقنا عن أن نتمتع بسلام عميق ونفس مملوءة بالهدوء.
ثمار الصوم:
6ـ لكن هؤلاء الذين يرفضون الصوم الآن هم من ناحية يسعون نحو الترف والتمتع كسعادة في هذه الحياة، ومن ناحية أخرى يجلبون الكثير من الشرور على أنفسهم وبالأكثر يدمرون أجسادهم. ولتلاحظ من فضلك الفروق بين هؤلاء الأشخاص الذين سيحضرون هذا المساء وأولئك الذين سيأتون في الغد. اليوم ستجدهم منتفخين ووجوههم حمراء جدًا، مُبللين بسبب العرق الكثيف، وعيون زائغة ومحرومة من الرؤية الدقيقة بسبب الظلام الداخلى، لكن غدًا سنجد أشخاص خجولين، وقورين، لونهم طبيعى، ومملؤين بالحكمة والأحاسيس الصادقة، طالما أنه لا يوجد أى علة داخلية يمكن أن تظلم حياتهم.
الصوم هو تشبيه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذي جعل موسى مشرِّعًا. وصموئيل أيضًا هو ثمرة صوم حنة النبيّة التي صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: ” يارب الجنود إن نظرت نظرًا إلى مذلة أمتك وذكرتنى ولم تنسى أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإنى أعطيه للرب كل أيام حياته” (1صم11:1). ” وخمرًا ومسكرًا لا يشرب حتى يوم الموت” (انظر قض14:13). الصوم هو الذي أسس ونمّى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذي وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (انظر قض6:14). لكن عندما وقع أسيرًا للسكر والزنا، وقع في أيدى الأعداء بعدما فقد بصره وصار لعبة في أيدى عبيد أمم غريبة (انظر قض12:6ـ25). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن تُعطى مطرًا ثلاث سنين وستة أشهر (انظر 1مل1:17). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعى عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقفت خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد قُطع بمقطع حاد.
7 ـ هذا الصوم قد قبله الفقراء والساكنين معكم وشركاء المائدة الواحدة. إنه للعبيد راحة من عناء العمل، وهو للأغنياء شفاء من ضرر النهم، وفي هذا الإطار فإن الصوم يجعل الأمور التي كانت محتقرة قبلاً بحسب العادة، الآن أكثر متعة. والصوم للمرضى هو مصدر الصحة، وللأصحاء هو حفظًا للصحة الجيدة. فلتسأل الأطباء وسيُجيبونك بأن أكثر الأشياء خطرًا على صحة الإنسان هو امتلاء الجسم. من أجل هذا فإن الذين هم أكثر خبرة بالصوم، يتخلّصون من الدهون الزائدة حتى لا تُسحق عافيتهم تحت ثقل الجسم الممتلئ. لأن الحرمان من بعض الأطعمة عن قصد، يؤدى إلى اختفاء الترهل الناتج عن زيادة الوزن، ويمنح غذاء صحى ومريح ونسكى، وهكذا في كل عمل وكل عادة جسديّة يكون الصوم هو أمر مفيد وهو مناسب لكل الأشياء الأخرى. فهو لائق في البيوت وفي السوق، وهو مناسب في الليل وفي النهار، في المدينة والصحراء. إذًا فلنقبل على الصوم بكل الطرق فهو الذي يمنحنا كل الخيرات، ولنقبله بالفرح وفقًا لكلمة الله لكى لا نظهر عابسين، بل نُظهر فرح النفس بدون تكلّف (انظر مت16:6ـ17). ولا أتصور أن الحث على الصوم يحتاج إلى كل هذا الجهاد، إلاّ بسبب التحذير من أن يقع أحد اليوم في رذيلة السكر. لأن الكثيرين يقبلون على الصوم بسبب العادة وبسبب خجل الواحد من الآخر. لكننى أرتعب ممَن يسكرون، فالإسراف في شُرب الخمر هو مثل شئ يتوارثونه فيما بينهم. وهناك بعض الأغبياء الذين يسرفون في شرب الخمر قبل الصوم. ومثل هؤلاء الذين يقومون برحلات بعيدة، فإن البعض من الحمقى اليوم يسرفون في شرب الخمر وقتًا طويلاً قبل بداية الصوم. من ذا الذي يتسم بهذا القدر من الحماقة، حتى أنه قبل أن يشرب يسلك سلوك السكارى غير المتزن؟ لا يوجد. ألا تعلم أن البطن لا تدخر شيئًا؟ البطن هى الرفيق الذي لا يحظى بالثقة. هى الخزينة التي لا تُضبط، لأنه بينما تُملأ بأشياء كثيرة، لا تحتفظ بها وقتًا طويلاً ويصيبها الضرر. انتبه أنت أيضًا لئلا يصادفك ما سيُقال غدًا بشأن السكر، هذه التي قُرئت الآن ” أمثل هذا يكون صوم أختاره” (إش5:58). لماذا تخلط بين الأمور التي لا تقبل الاختلاط؟ وأى علاقة للصوم مع السكر؟ وأى علاقة للسكر مع العفة؟ ” وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان” (2كو16:6). لأن هيكل الله هم أولئك الذين يسكن فيهم روح الله (1كو16:3). بينما هيكل الأوثان هم أولئك الذين يقبلون شركة الرعاع السالكين في الفسق والفجور بسبب السكر.
هذا اليوم هو مدخل للأصوام وبالتأكيد فإن ذاك الذي تدنس عند المدخل لا يستحق أن يأتى إلى المقدسات. لا يوجد عبد يريد أن يكسب رضى سيده ثم يلجأ إلى عدوه باعتباره مدافعًا عنه وشفيعًا له.
السُكر هو عداوة لله لكن الصوم هو بداية التوبة. فلو أنك أردت أن تأتى إلى الله مرة أخرى عن طريق الاعتراف، فينبغى عليك أن تتجنب السُكر حتى لا تتغرب عن الله فيصير تجديدك أصعب. لكن لا يكفى فقط الابتعاد عن الأمور الدنسة ليُمتدح صومك، لكن ينبغى أن تصوم صومًا مقبولاً ومُرضِى أمام الله. الصوم الحقيقى هو في الابتعاد عن الشر وفي عفة الكلمة وفي البُعد عن الغضب وفي الانفصال عن الشهوة وعن التجديف وعن الكذب وعن حلف الزور. البُعد عن كل هذه الأمور، هو الصوم الحقيقى.
8 ـ فلنبتهج في الرب بدراسة كلمات الروح وقبول العادات المخلّصة وبكل تعليم يؤدى إلى تقويم أنفسنا. فلنحترس إذًا من الصوم الذي يسبّبه العوز أو الاحتياج. هذا الصوم لا يتمناه النبى القائل: ” الرب لا يُجيع نفس الصديق ولكنه يدفع هوى الأشرار” (أم3:10). وأيضًا ” لم أر صديقًا تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزًا” (مز25:37). لأن ذاك الذي يعرف أن أبناء أبينا يعقوب قد نزلوا مصر بسبب الاحتياج إلى الخبز، لا يمكنه أن يتكلم عن الخبز المادى المحسوس، لكنه يتكلم عن الطعام الروحى والذي به يصير إنساننا الداخلى كاملاً. نترجى ألا يأتى إلينا الصوم الذي هدَّد به الله اليهود ” هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض. لا جوع للخبز ولا عطشًا للماء. بل لاستماع كلمات الرب” (عا11:8). وقد أثار هذا الجوع، القاضى العادل، لأنه رأى أن الإيمان الحقيقى في أذهان هؤلاء يتلوث بأمور هزيلة، وأن إنسان الخارج يزداد وزنه بصورة ملفتة للنظر ويصير كله جسد ضخم. إذًا كل الأيام القادمة سيُقدِّم لنا الروح القدس وجبة روحية مفرحة في الصباح والمساء[2]. لذلك لا ينبغى أن يتغيّب أحد بإرادته عن هذه البركة الروحية. فلنتناول جميعًا من الكأس الروحى النقى والذي قدمته لنا الحكمة، بعدما فرحنا معًا، لكى ينهل منه كل أحد على قدر ما يستطيع. لأن الحكمة “ ذبحت ذبحها مزجت خمرها” (أم2:9). أى أنه هذا هو طعام الكاملين الذين ” بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب14:5). إن الغِنى يتحقق بهذا، طالما أننا قد شبعنا به، ويا ليتنا نكون مستحقين لشركة الفرح ونُحسب ضمن قائمة العرس في شركة يسوع المسيح ربنا الذي له المجد والقوة إلى الأبد أمين.
[1] بحسب فكر آباء الكنيسة، فإن الصوم يصاحبه الصلاة ولا يمكن قبول الواحد دون الآخر.
[2] هذه إشارة إلى الكلمة التي ألقاها القديس باسيليوس، في صباح ومساء اليوم.
الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض
يوصينا النبى قائلاً: ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا” (مز3:81). إن الكلمات تُعلن لنا بحسب (إش4:58ـ6) ـ والتي هى أعظم من الأبواق وأجدر من كل الآلات الموسيقية ـ عن مجىء عيد الأعياد. فلقد عرفنا من إشعياء نعمة الصوم، فهو الذي استنكر طريقة اليهود في ممارسة الصوم وأظهر لنا الصوم الحقيقى عندما قال: ” ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون“، ” أليس هذا صومًا أختاره؟ حلَّ قيود الشر” (إش4:58ـ6). والرب يقول ” ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين. فإنهم يغيرون وجوههم لكى يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك” (مت16:6ـ 17).
دعونا نتصرّف كما تعلّمنا ـ فلا نظهر عابسى الوجه في أيام الصوم القادمة، لكن علينا أن نظهر بوجه بشوش كما يليق بالقديسين. فعديم الشفقة لا يُتوج، ولا عابس الوجه يحتفل بنصر. فلا يليق أن أفرح وأسعى نحو صحة النفس، بينما ينتابنى حزن بسبب تغيير الأطعمة في فترة الصوم، لماذا أفرح وأهتم براحة الجسد، في الوقت الذي لا أبالى براحة النفس؟! فالحقيقة أن الرفاهية تعوق استمتاع البطن بالمأكولات، أما الصوم فيجلب فائدة إلى النفس. لهذا ينبغى عليك أن تفرح إذ أُعطى لك دواءً فعالاً من الطبيب، دواءً يُمحى الخطية. لأنه كما تموت الديدان التي تحيا في أمعاء الأطفال بدواءٍ فعّال، هكذا الصوم عندما يدخل إلى عمق النفس فإنه يميت الخطية التي تسكن فيها.
2ـ إن كلمات الرب: ” ادهن رأسك واغسل وجهك” (مت17:6) تدعوك إلى ممارسة الأسرار. فالذي يُدهن يُمسح والذي يغتسل يتطهّر. ونحن نتكلّم عن الإنسان الداخلى، فهيا طَهِّر نفسك من الخطايا ولتمسح رأسك بالمسحة المقدسة لتصير شريكًا للمسيح. وهكذا تأتى إلى الصوم. فلا تكتئب وتكسى وجهك بالسواد مثل المرائيين. فالوجه يكسوه السواد عندما يتلون الإنسان الداخلى بالرياء، فيتغطّى الشكل الخارجى بقناع كاذب مُزيّف. فالممثل هو الذي يلبس قناعًا على وجهه وهو على المسرح. كما أن العبد مرات كثيرة يلبس قناعًا ليتشبه بالسيد، وبعض المرات يلبس قناعًا ليتشبه بالملك. هكذا في هذه الحياة نجد الأغلبية من البشر ـ كأنها على مسرح ـ تلعب أدوارًا تمثيلية، فهم يحملون في القلب أمورًا دفينة بينما يظهرون إلى الناس أمورًا أخرى مغايرة. إذًا لا تضع قناعًا على وجهك بل عش على حقيقتك.
لا تتملق وتظهر بوجه عابس، لتقتنص مجدًا ليس لك. فبالإحسان الذي تفعله علنًا وبالصوم الذي لا تتوانى في إعلانه جهارًا لن تستفيد شيئًا، لأن أمور النفاق والتملّق التي تمارسها بطريقة ظاهرة لا تثمر ثمارًا للحياة الأبدية، فأنت تُفسد الثمار بقبولك لمديح الناس. أسرع إذًا بفرح إلى نعمة الصوم. فالصوم هو عطية وُهبت لنا منذ القِدَم وهو لا يهرم ولا يشيخ. بل يتجدد دائمًا وينمو ويزهر لكى يأتى بثمارٍ ناضجة.
أقدمية الصوم:
3 ـ هل تظن أن الصوم هو أقدم من الناموس؟ نعم إن الصوم هو أقدم من الناموس. انتظر قليلاً وتمهل وسوف تتحقق من صدق كلامى. لا تظن أن بداية التشريع بممارسة الصوم بالنسبة لإسرائيل كان في اليوم العاشر من الشهر السابع (لا29:16، 27:23). بل تعال نغوص داخل التاريخ لنجد بداية للصوم. فالصوم ليس هو ابتداع حديث. فالصوم جوهرة غالية ورثناها من الأجداد، وكل شئ قديم جدير بالوقار. ليتك تُقدّر معى أقدمية الصوم. فالصوم قديم قِدَم البشرية. لقد شُرِّع الصوم في الفردوس. فوصيّة آدم الأولى كانت: ” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تك16:2ـ17).
فعبارة “لا تأكل” هى تشريع للصوم والانضباط. فلو مارست حواء الصوم وتجنبّت الأكل من ثمر هذه الشجرة، ما كُنّا في حاجة إلى هذا الصوم لأنه ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (مت 12:9). فخطيتنا هى التي جلبت علينا المرض. فدعونا إذًا لنُشفى بالتوبة، غير أن التوبة بدون ممارسة الصوم هى باطلة ” ملعونة الأرض بسببك. وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل” (تك 17:3ـ 18).
إن الوصية قد أُعطيت لك لكى تعيش وتحيا حياة الاختبار، لا لكى تحيا حياة سهلة، حياة الرفاهية بدون اختبار. هيا تحدّث مع الله وتعرّف على أهمية الصوم. الحياة في الفردوس كانت مثالاً للإنسان الصائم. ليس فقط لأن الإنسان كان يشارك الملائكة على المائدة وتشبّه بهم عندما عاش في قناعة، لكن أيضًا لأن كل ما ابتدعه الإنسان بفكره فيما بعد لم يكن موجودًا في الفردوس. فلم يكن شرب الخمر موجودًا بتاتًا، ولم تكن هناك ذبائح حيوانية ولا كل ما يكدّر الذهن البشرى.
خطورة عدم الصوم:
4 ـ ولأننا لم نَصُم فقد تعرّضنا للسقوط من الفردوس. إذًا علينا أن نصوم لكى نأتى إليه مرة ثانية. ألم ترى كيف أن لعازر دخل إلى الفردوس بواسطة الصوم؟ (انظر لو20:16ـ31). وليتك لا تجعل قصة مخالفة حواء لوصية الصوم مثالاً تحتذيه وتقبل مرة أخرى نصيحة الحيّة، تلك الحيّة التي فضلّت الأكل والاهتمام بالجسد. لا تتعلّل بالمرض والضعف الجسدى وترفض ممارسة الصوم. ولا تصنع أمامى مبررات لعدم صومك بل اعترف بها للذي يعرف كل الخبايا. فأخبرنى إن كنت لا تستطيع أن تصوم، ودعنى أسألك: ألا تسعى لإشباع جسدك طوال حياتك وتسحقه تحت وطأة الانسياق وراء شهوة الأكل والشرب. إننى أعرف جيدًا أن الأطباء يفرضون على المرضى الانقطاع عن الأكل أو تناول أطعمة خفيفة ويمنعون عنهم الأطعمة الدسمة. لذا أقول لك كيف أنك تقدر على فعل كل ما يوصيك به الأطباء بينما تتعلّل الآن بأنك لا تقوى على ممارسة الصوم؟! هيا نتحاجج معًا ما هو الأكثر سهولة على الإنسان، أن ينام طوال الليل بعد أن يتناول أطعمة خفيفة أم بعد أن تمتلئ معدته بأطعمة ثقيلة؟ ماذا تقول؟ هل من السهل أن ينقذ القائد سفينة تجارية محملّة بأثقال كثيرة أم سفينة مُحملّة بأحمال خفيفة؟! إن السفينة المحملّة بأثقال كثيرة عندما تتعرض لنوة بحرية صغيرة فإنها تغرق بسهولة، أما تلك التي بها أحمال معقولة ومتوازنة فإنها تعبر النوة البحرية طالما لا يعوقها شئ عن الارتفاع واجتياز هذه النوة. هكذا أجساد البشر عندما تتثقل بالتخمة المستمرة فإنها تُصاب بسهولة بأمراض كثيرة. لكن عندما تصير هذه الأجساد منضبطة بتناولها أطعمة خفيفة فإنها تتجنب الإصابة بالأمراض حتى تلك التي يسببها المناخ السئ، ولا يعتريها الملل حتى لو كان مثل الدوامة في هجومه. والإنسان الذي له قوة إرادة إيجابية من السهل أن يشعر بالكفاية الذاتية والقناعة أمام ملذات العالم، بينما عندما يترك الإنسان الضعيف نفسه يتناول أطعمة كثيرة ومتنوعة وفاخرة وشهية فإنه لا يبلغ حد الكفاية فيسبب لنفسه أنواع كثيرة من الأمراض.
الصوم تقليد آبائى:
5 ـ ليت حديثنا يمضى نحو فحص أقدمية الصوم، وكيف أن كل القديسين حافظوا على هذا التقليد الآبائى الذي استلموه وسلّموه إلينا. ولتعلم أن الخمر لم يكن موجودًا في الفردوس، فلقد ظهر الخمر بعد الطوفان ولا كان هناك ذبح للحيوانات ولا أكل للحوم. ويقول الكتاب ـ بعد الطوفان ـ ” كل دابة حيّة تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع ” (تك3:9).
نوح لم يكن يعرف إدمان الخمر ثم أدمنه:
في ذلك الوقت عندما تراجع الكمال ظهر التمتّع. والمثال على عدم معرفة الخمر هو نوح الذي لم يكن يعرف استخدام الخمر، إذ لم يكن الخمر دخل في حياة البشر، ولم يكن قد شاع استخدامه بين البشر. هكذا نوح لم يكن قد رأى أحد يشرب الخمر، ولا هو نفسه قد ذاق الخمر ثم وقع في إدمانه، إذ يقول الكتاب ” وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه” (تك20:9ـ21). وحدث ذلك الأمر لا لأن نوح كان مدمنًا خمرًا لكن لأنه لم يكن يعرف الكمية المعتدلة في الشرب. بالتالى جاء اكتشاف شرب الخمر وإدمانه بعد الطرد من الفردوس أى أن الإنسان كان قد مارس الصوم في الفردوس.
موسى النبى يقترب إلى الله بالصوم بينما الشعب يحتقر الصوم:
لقد اقترب موسى من الجبل بعد أن صام (خر8:24)، إذ لم تكن له الجرأة لأن يقترب من قمة الجبل الذي كان يدخن، ولم تكن له الشجاعة أن يأتى إلى الضباب إن لم يكن قد تسلّح بسلاح الصوم. لقد قَبِل موسى الناموس بعد أن صام، ذلك الناموس الذي كُتب على لوحى الشريعة بإصبع الله. وبينما صار الصوم أعلى الجبل سببًا لإعطاء الشريعة، تسببت شراهة شعب أسفل الجبل في الوقوع في عبادة الأصنام، إذ ” جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب” (خر6:32). لقد أفسد إدمان الخمر ما كان ينتظره موسى من صومه وصلاته لأن النبي رأى أن شعب الله المخمور لم يكن يستحق هذه الشرائع خلال الأربعون يومًا. وهكذا نرى وكأن الخمر قد كسر لوحى الشريعة اللذان كُتبا بأصبع الله. هذا الشعب الذي عرف الله من خلال معجزات عظيمة حدثت له ـ في لحظة ـ بسبب الشراهة في عبادة الأصنام. قارن إذًا بين الحالتين كيف أن الصوم يقود إلى الله وكيف أن الشراهة تقود إلى الهلاك.
فاعلية الصوم:
6 ـ ما الذي نَجَّس عيسو وجعله عبدًا لأخيه؟ ألم يكن طعام بسيط هو الذي تسبّب في أن يبيع البكورية؟ (انظر تك30:25ـ34). وصموئيل النبى ألم يُمسح بفضل صلاة وصوم أمه؟ (انظر 1صم13:1ـ16). ما الذي جعل شمشون محاربًا وبطلاً شجاعًا؟ ألم تنجبه أمه بفضل الصوم؟ (انظر قض4:13) الصوم هو الذي أنجبه فهو قد أتى بإرادة الصوم، والصوم صنع منه رجلاً. الصوم هو الموضوع الذي تحدث عنه الملاك لأمه قائلاً: ” من كل ما يخرج من حفنة الخمر لا تأكل وخمرًا ومسكرًا لا تشرب وكل نجس لا تأكل. لتحذر من كل ما أوصيتها ” (قض14:13).
لأنه كيف للكاهن أن يصلى بدون صوم؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمرًا ضروريًا ليس فقط في عبادة العهد الجديد السرائرية ولكن أيضًا بالنسبة للعبادة الناموسية.
الصوم وإيليا النبى:
الصوم هو الذي جعل إيليا النبى يشاهد رؤى إلهية. إذ صام مدة أربعين يومًا وتنقت نفسه واستحق أن يرى الرب على جبل حوريب (1مل8:19ـ23)، الأمر الذي هو صعب الحدوث لأى إنسان. بالصوم أعاد إيليا الحياة إلى ابن الأرملة، فأقامه وسلّمه إليها، إذ بواسطة الصوم برهن أنه أقوى من الموت.
لقد خرج أمرًا من فم إيليا الصائم بأن يتوقف المطر ـ بسبب معصية الشعب ـ ثلاث سنوات ونصف واستجابت السماء لأمره. لقد فضّل أن يحكم على نفسه مع الآخرين بهذا الحكم الشديد حتى يلين قلب الشعب القاسى. لذلك قال ” حى هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه أنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلاّ عند قولى” (1مل1:17). لقد دعا كل الشعب إلى صوم لكى يواجهوا الشر الذي أتى من حياة التراخى والتلذذ بالأكل والشرب.
ما السبب في أن حياة إليشع النبى مثال للسيرة الحسنة. تأمل كيف أن المرأة الشونمية استضافته، وكيف أنه هو نفسه كان يستضيف بنى الأنبياء؟ انظر معى هل قدّم لبنى الأنبياء قليل من الخبز مع نباتات برية سامة؟ بالطبع لا، لأن واحدًا من هؤلاء خرج إلى الحقل وجمع يقطينًا بريًا سامًا ووضعه مع السليقة في القدر ولكن بفضل صلوات هذا النبى الصائم ـ إذ كان الموت متربصًا بمن يأكل ما هو موجود في القدر ـ اختفى السُم من الطعام. (2مل39:4ـ41).
الصوم والفتية الثلاثة:
من السهل أن ترى ـ وبشكل عام ـ الصوم وهو يقود كل القديسين إلى مدينة الله. مثلاً، يوجد مادة يسمونها الأمينت[3] لا يعتريها أى فساد عندما توضع في النار، مع أنه عندما توضع في النار تبدو للناظرين أنها تتفحم لكن عندما يخرجونها من النار تصير نقية كما لو أنها أُلقت في الماء فصارت نقية. كانت أجساد الثلاث فتية في أتون النار مثل هذه المادة وذلك من جراء الصوم (انظر دا8:1ـ16). إذ أنهم برهنوا وهم في أتون النار أنهم أقوى من النار كما لو كانت طبيعتهم من الذهب. والحق يقال إنهم أظهروا أنفسهم أنهم أقوى حتى من الذهب. إذ لا أحد وقتذاك كان قادرًا على منع تلك النار التي صبوا عليها زيت ونفط ومواد سريعة الاشتعال حتى أنها امتدت لارتفاع تسعة وأربعون زراعًا وأكلت كل ما هو موجود حولها. هذه النار المتقدة تمشوا فيها الثلاث فتية بعد أن صاموا، لقد تنسموا نسيمًا لطيفًا وهواءً باردًا عليلاً في وسط هذه النيران الشديدة لأن الكتاب يقول ” لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم ” (دا27:3).
الصوم ودانيال النبى:
7 ـ ودانيال الرجل الذي لم يأكل خبزًا لمدة ثلاثة أسابيع ولم يشرب ماءً (انظر دا2:10ـ3) علّم الأسود أن تصوم عندما نزل جُب الأسود (انظر دا 16:6ـ22). والأسود لم تستطع أن تلتهمه بأسنانها وكأن جسده مصنوع من الحجر الصلد أو النحاس أو من أى معدن آخر صلب. هكذا يُقوَّى الصوم الجسد ليصير مثل الحديد مما جعل الأسود لا تقوى عليه. لأنهم لم يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم أمام القديس. فالصوم ” أطفأ قوة النار وسد أفواه الأسود”[4].
الصوم والحياة العملية:
الصوم يُصعد الصلاة إلى السماء كما لو كانت ريشة تطير نحو الأعالى. الصوم هو سبب رُقيّ وتقدم الشعوب، الصوم أصل الصحة، الصوم مربى للشباب وزينة الشيوخ، والرفيق الصالح للمسافرين. الصوم هو خيمة آمنة للذين يطلبون مأوى. فالرجل المتزوج لا يرتاب من زوجته عندما يراها تصوم دائمًا. بالمثل فالمرأة تثق في رجلها ولا تدع الغيرة تتملكها عندما تراه يصوم دائمًا. هل تسبب الصوم في ضرر لأحد؟ طبعًا لا، فلن يغيب شيئًا من الأشياء الموجودة في البيت، لأن رب البيت الصائم لن يستدين أبدًا. لن تسمع في هذا البيت حشرجة موت من أى حيوان يُذبح، لن تجد دم في هذا البيت، لن تجد شهوة بطن تصدر قرار دموى ضد أى حيوان في البيت. سوف يتوقف سكين الجزار عن عمله. فالمائدة تكتفى بأطعمة خفيفة بسيطة. وكما أُعطى السبت لليهودى، إذ يقول الكتاب ” لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك” (خر10:20). لندع الصوم يكون فرصة راحة للخدم الذي يعملون طوال العام. أعط راحة لطباخك واسمح لخادمك بإجازة، لا تقبل دعوة من أحد لمائدة احتفالية. ليت صانع الحلوى يتوقف عن صنعها. ليت البيت يهدأ وتختفى الضوضاء والجلبة الكثيرة، ليت الدخان ورائحة الشواء يختفيا من البيت، ليت الخدم يستريحون، هؤلاء النازلون والصاعدون على السلالم ليخدموا البطون الشرهة. وكما أن محصلى الضرائب يعطون المديونين مهلة لترتيب أوضاعهم، هكذا فلتُعطى الفم مهلة لتستريح البطن، مهلة لخمسة أيام، تلك (أى البطن) التي لا تتوقف مطالبها.
8 ـ الصائم لا يعرف الاقتراض والسلف والدين. الصائم لا يعرف الفوائد التي يحصل عليها المرابين. الديون مثل الحيّات لكنها لا تستطيع أن تقترب من أولاد الصائم. أضف إلى ذلك أن الصوم يصير دافعًا للابتهاج والسرور. لأنه مثل العطش الذي يجعل كأس الماء حلوًا وكذلك الجوع الذي يجعل المائدة شهية، هكذا الصوم يُبهج متعة الطعام. إذ بالانقطاع عن الأكل يصير تناول الطعام أمرًا جميلاً كلقاء الأحباء بعد طول سفر. وإذا أردت أن تتحقق من هذا الأمر، عليك أن تخضع للصوم، لكن للأسف وأنت محاط بشدة بالتخمة قد نسيت نفسك بإنكبابك على الأطعمة. لقد أبطلت لذة الأكل بمحبتك وانسياقك الدائم للأكل والشرب. إذا أردت أن تستمتع بالطعام عليك أن تمارس الصوم. عليك أن ترى الشئ ونقيضه حتى تشعر بنعمة الشئ الذي تحصل عليه. هكذا الخالق قصد أن توجد أمور متنوعة في الحياة لكى نشعر ونُقدر الأشياء التي أُعطيت لنا. ألم ترى كيف تبدو الشمس أكثر لمعانًا بعد الليل المظلم؟ ألا تشعر بأن اليقظة حلوة بعد النوم الطويل، وأن قيمة الصحة عظيمة بعد اجتياز أزمات صحية؟ وهكذا تصير المائدة أكثر بهجة بعد الصوم.
الغنى ولعازر الصائم:
9 ـ عليك أن تتعظ من مَثَل الغنى، فالرفاهية المستمرة في الحياة سلّمت ذاك إلى النار. لأن الغنى لم يُدان لأنه كان ظالمًا، بل لأنه كان يحيا حياة الرفاهية لهذا فقد احترق في نار الأتون. ولكى نُطفئ تلك النار نحتاج إلى ماء (أى إلى الصوم). ليس للصوم فائدة فقط في المستقبل الأخروى لكن فائدته أيضًا بالأكثر هى لحياتنا الحاضرة. لأن للرفاهية والغنى الفاحش عواقب وخيمة حيث لا يقوى الإنسان على احتمال ثقل بدانة جسده. احذر من نفورك الآن من الماء وانسياقك وراء الخمر لأنك سوف تشتهى قطرة ماء مثل الغنى (انظر لو24:16). فلا سمعنا أن أحد قد سكر من الماء. ولا أحد تألم رأسه بسبب أنه شرب ماءً كثيرًا. ولا أحد احتاج لصحبة أناس غرباء لكى يشرب ماء. ولا أحد تقيدت رجلاه[5] بسبب الماء. ولا أحد صارت يداه غير مقيدة[6] وهو يرتوى بالماء. احذر أيضًا لأن سوء الهضم الذي يحدث بعد تناول أطعمة دسمة يسبب أمراض مخيفة للجسد، ألا تلاحظ أن لون بشرة الصائم هو جميل وهادئ، فوجه الصائم لا يعتريه أى إحمرار من الخجل. إنه مزيّن بالحشمة والأدب، عيناه وديعتان، تصرفاته حكيمة، وجهه مشرق، ابتسامته رزينة، كلامه موزون ، قلبه طاهر ونقى.
الإقتداء بالقديسين في صومهم، المسيح هو أساس الصوم:
لذا عليك أن تتذكّر القديسين في كل العصور، هؤلاء الذين ” لم يكن العالم مستحقًا لهم” (عب37:11ـ38). عليك أن تقتدى بهم في تربيتهم وسلوكهم، إن كنت تريد أن يكون لك نصيبًا معهم. وأنا أسألك ما الذي أراح لعازر في أحضان إبراهيم؟ (انظر لو23:16). أليس هو الصوم؟ كما أن حياة يوحنا المعمدان كانت صومًا مستمرًا (انظر مت4:3). فلم يكن ليوحنا المعمدان سريرًا ولا مائدة طعام ولا حقولاً ولا أبقارًا ومحراثًا ولا فرن لعمل الخبز ولا شئ من الأشياء اللازمة للمعيشة، لذلك قيل عنه ” لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11). الصوم الذي افتخر به بولس هو الذي أصعده إلى السماء الثالثة (انظر 2كو27:11، 2:12).
لكن أساس كل شئ هو ربنا يسوع المسيح الذي صام ـ إذ اتخذ جسدًا ـ لأجلنا وانتصر على الشيطان لكى يعلّمنا أنه بالصوم نجهز أنفسنا لمواجهة محاربات الشيطان، كأنك تضع لجامًا لخصمك. لأنك عندما تسمو بالصوم لا يستطيع العدو أن يقترب منك. وإن كان المسيح بعد قيامته قد أكل ” فأخذ وأكل قدامهم” (انظر لو43:24)، فإنه فعل ذلك لكى يؤكد على حقيقة قيامته بالجسد. وأنا أسألك: أى شئ فعلته بخصوص الوصايا الخلاصية والمحييّة وأنت تحرم ذهنك من الأطعمة الروحية؟ ربما تجهل أن النظم الحربية تعترف بأن الانحياز إلى طرف في الحرب يجعل هزيمة الطرف الآخر مضمونة؟ أقول لك هذا، لأن هذا هو ما يحدث عندما تتعاون مع شهوات الجسد وتنحاز لها فتصير بذلك محاربًا ضد الروح، والعكس يحدث عندما تنحاز للروح فتستطيع بسهولة هزيمة شهوات الجسد. لأنك تعرف أن الاثنين أى الروح والجسد ” يقاوم أحدهما الآخر” (غلا17:5) لدرجة أنك إذا أردت أن تُقَّوى الذهن عليك أن تُقمع جسدك بالصوم. وهذا هو ما يقوله الرسول بولس أى بقدر ما يفنى الإنسان الخارجى، بقدر ما يتجدد الإنسان الداخلى أيضًا (2كو16:4). هل لا تشتهى مائدة الملك؟ إذًا دعنى أسألك مَن مِن هؤلاء الذين يحيّون في رفاهية مستمرة قَبِل شركة الموهبة الروحية؟ مَن هم الذين سقطوا في الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب17:3) أليسوا هم هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد33:11). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنَّ ولا بالماء الذي خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ في الأوانى (انظر خر3:16) تقهقروا إلى الخلف، ولم يرى أحد منهم أرض الموعد. هل لا تخاف من تكرار هذا النموذج؟ هل لا ترتعب من حقيقة أن الانسياق وراء الأكل ربما يحرمك من الخيرات المنتظرة؟ أستطيع أن أقول لك إنه ولا الحكيم دانيال النبى كان سيرى رؤى إن لم يكن قد تطهّر أولاً بالصوم. لا أخفى عليك أن الأكل الدسم ينبعث منه أدخنة تعتّم أنوار العقل التى تأتى من الروح القدس. يوجد غذاء ملائكى كما يقول النبى ” أكل الإنسان خبز الملائكة” (مز25:78). غذاء الملائكة مختلف عن بقية الأطعمة، فهو ليس لحم ولا خمر ولا طعام يهتم به عبيد البطن. تذكّر أن الصوم هو سلاح لمحاربة الشياطين، لأن ” هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشئ إلاّ بالصلاة والصوم” (مر28:9). لكن شهوة محبة الأكل هى بداية الإهانات[7]، إذ أن الرفاهية والإدمان ومحبة اللذات تثير فينا كل أنواع الفحشاء. وكما يقول النبى إرميا: يصير البشر ” حُصُنًا[8] معلوفة سائبة” (إر8:5) وذلك بسبب الأهواء التي تنتج من ترف النفس. إن الانحرافات في السلوك البشرى تأتى من هؤلاء المدمنين والسكارى الذين يمارسون أمورًا شائنة ويستخدمون المرأة والرجل على عكس طبيعتهما. لكن الصوم يعلّمك الاعتدال في الزواج ” لا يسلب أحدكم الآخر إلاّ أن يكون على موافقة إلى حين لكى تتفرغوا للصلاة والصوم” (1كو5:7).
خاتمة:
10 ـ إذًا لا تحصر الصوم في الابتعاد فقط عن الأطعمة. لأن الصوم الحقيقى هو الابتعاد عن الشرور ” أن تحل قيود الظلم” (إش6:63). فإن كنت فى الصوم لا تأكل لحومًا لكن مع الأسف تأكل لحم أخيك. وإن كنت لا تشرب خمرًا لكنك لا تستطيع أن تضبط لسانك عن الشتائم. وبالرغم من أنك تنتظر حتى المساء لكى تتناول الطعام، إلاّ أنك تقضى كل نهارك في المحاكم ” ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادى سمائن المضروبين بالخمر” (إش1:28).
أرجو أن تلاحظ أن الغضب يُعتبر بمثابة سُكر للنفس، لأنه يجعل النفس تائهة مثلما يفعل الخمر. الحزن أيضًا هو إدمان وسُكر إذ يُغرق العقل. والخوف كذلك هو سُكر وإدمان عندما يحدث في غير موضعه. لأن مكتوب ” من خوف العدو احفظ حياتى” (مز1:64). وعمومًا أى تصرف أو فكر يُخرّب العقل يُدعى حقًا سُكرًا. تأمل، من فضلك، الغضوب كيف أنه يتصرّف كالسكير فهو لا يضبط نفسه أو كلامه ولا يعرف حتى الذين هم معه في مجلسه. إنه يشبه مَن يتعارك في ظلمة الليل فيمسك بأى شئ في طريقه، ويتعثر في أى شئ أمامه ولا يعرف ماذا يقول، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، فهو يشتم ويضرب، ويهدد، ويقسم ويصرخ. عليك أن تهرب من هذا السُكر تمامًا كهروبك من السُكر الحقيقي الذي يسببه الخمر. لا تحتقر شرب الماء بدلاً من شرب الخمر، لأن الخمر لا يقودك إلى الصوم. فلا يوجد دخول إلى الصوم من خلال السُكر، كما لا يتحقق العدل من خلال الظلم ولا الانضباط من خلال الفسق، ولا الفضيلة من خلال الشر. باب الصوم له طريق آخر. فبينما يقود الإدمان إلى الفجور فإن الانضباط يقود إلى الصوم. وكما أن الرياضى يتمرّن أولاً قبل أن يخوض في أى منافسة هكذا الذي هو مقبل على الصوم عليه أن ينضبط أولاً. لا تتصرف كما لو كنت تتصرف بانتقام لأنك مُقبل على فترة صوم، فلا تجعل آفة إدمان الخمر تتملكك قبل الدخول في الخمس أيام الأولى للصيام. لن تستفيد من قمعك للجسد ولن تتعزى وأنت تحرم نفسك من الطعام إذا امتلكت شهوة إدمان الخمر. وكأنك تلقى خزينتك في إناء مثقوب. فالخمر يذهب والخطية وارتكاب الآثام يبقيان. العبد يهرب عندما يضربه سيده، أما أنت فإنك تترك نفسك للخمر بالرغم من أنه يضرب دماغك يوميًا وأنت تعرف أن احتياج الجسم المريض للخمر هو محدود كما يعلّمنا الكتاب (انظر 1تيمو23:5).
إن لم تنضبط اليوم ولا تتعدى حدودك في استخدام الخمر، غدًا سوف تصبح رأسك ثقيلة وسوف تتوه، وتدوخ وستنبعث منك رائحة الخمر الكريهة. سيبدو لك أن كل شئ حولك يلف ويدور ويتأرجح. علاوة على ذلك يُسبب لك السُكر أيضًا نومًا يشبه الموت وكذلك يقظة تشبه يقظة الأحلام.
11ـ عرفت إذًا مَن هو الذي عليك أن تقبله؟ إنه ذاك الذي كرز قائلاً ” إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى إليه نأتى وعنده نصنع منزلاً” (يو23:14). لماذا تسلك في طريق السُكر والإدمان وتغلق الباب المؤدى إلى الرب؟ لماذا تُعطى للشيطان فرصة لأن يهاجمك؟ فالسُكر لا يقود إلى طريق الرب، السُكر يبعد عنا الروح القدس. لأنه كما يطرد الدخان النحل كذلك الإدمان يطرد المواهب الروحية.
الصوم هو كرامة المدينة
سلام الشعوب
خلاص لكل ما هو موجود
هل تريد أن ترى عظمة الصوم؟ قارن، من فضلك، هذا بما سيحدث غدًا. سوف ترى أن المدينة تغيّرت من الاضطراب والفوضى إلى السكينة والهدوء. أتمنى أن هذا المساء يشبه ما سيصير غدًا من حشمة ووقار وغدًا لا يقل عن اليوم في الابتهاج. والرب الذي قادنا إلى هذه الفترة من السنة (الصوم) ليته يعضدّنا ـ كما لو كنا مصارعين قد أظهرنا ثباتًا وقوةً وصبرًا في المنافسات التمهيدية ـ لكى نصل إلى يوم البر، يوم الأكاليل، من الآن حيث ذكرى آلام المخلّص، إلى يوم المجازاة العتيد للذين عاشوا منا برّ المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين.
القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي
القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي
حياة القديس باسيليوس الكبير:
كان القديس باسيليوس الكبير أبا ومعلما وراعيا لكنيسة قيصرية كبادوكية. ولد في قيصرية كبادوكية حوالي عام330 من عائلة مسيحية نبيلة وثرية وتقية، قدمت للكنيسة العديد من اللاهوتيين ورجال الكنيسة. وقد أصبح أسقفا لقيصرية، وبرز من المثقفين والمتعلمين في عصره وكان على دراية واسعة للعلوم الكلاسيكية واللاهوتية.
عاش حياة طاهرة وبارة وقاوم بحماس وشدة الهرطقات والبدع التي كانت متفشية آنذاك، درس العلوم الكلاسيكية في القسطنطينية وأثينا حيث تعلم الآداب والبلاغة والفلسفة، وقد برز في تلك العلوم حتى أصبح فيما بعد مدرسا للبلاغة ذو شهرة واسعة في قيصرية.
وعندما أصبح خادما في الكنيسة عاش كل وقته تقريبا في البرية حيث انصرف لدراسة اللاهوت وكرس جهوده لتنظيم حياة الرهبنة. ولما صار كاهنا عمل في قيصرية علي مكافحة الآريوسية.
وفي عام 370 أصبح أسقفا لقيصرية، وعارض بشدة محاولات الإمبراطور فالين_ المؤيد لأتباع آريوس _ لفرض سياسته الخاطئة على الكنيسة. كما قاوم أبوليناريوس الذي انتشرت آراؤه في تلك الفترة، ونجح في توحيد أراء العديد من الأساقفة في موقف محدد ضد الآريوسية، ولتأييد التعاليم التي أقرها المجمع المسكوني الأول الذي ُعقد في نيقية.
ولما كان هو نفسه راهبا، بذل جهوده في سبيل وضع الإطار الصحيح لحياة الرهبنة وإلحاقها ضمن بوتقة الكنيسة. فنقل الرهبان إلى المدن ووضعهم تحت إشراف وتصرف ورعاية الأساقفة، وكلفهم بمهام البر والإحسان، وإنشاء مدينة باسيليادة بالقرب من قيصرية، وهي عبارة عن مجموعة من المنشأت والمؤسسات الخيرية يعمل فيها الرهبان فقط. ووهب القديس باسيليوس كل ثروته التي ورثها عن والديه لهذا المشروع العظيم. ومن ضمن مؤلفاته التي كتبها “القوانين التي أصبحت فيما بعد أساسا للرهبنة المسيحية”.
كتب العديد من الكتب والخطابات، وكذلك كتب أكثر من 350 رسالة. وُلقب بالمعلم المسكوني للكنيسة وأحد “أقمار” الكنيسة الثلاثة[28]
القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي
مثاليات الرهبنة لدى القديس العظيم باسيليوس الكبير:
يعتبر القديس باسيليوس أحد المؤسسين للرهبنة المسيحية. فالقوانين التي وضعها مازالت سارية حتى اليوم مع بعض التعديلات التي أدخلها عدد من القديسين الذين جاءوا بعده.
وبالطبع فإن القديس باسيليوس الكبير لم ينشغل بموضوع الرهبنة من موقع الهاوي، بل أصبح بنفسه راهبا وعاش حياة الرهبنة لسنوات عديدة وحتى حين كان لا يزال يدرس في أثينا، كان قد بدأ يخطط مع صديقه القديس غريغوريوس اللاهوتي لكي يذهبا إلى الصحراء معًا للنسك والتعبد بعد انتهاء دراسته وقد اعتبر فيما بعد فترة دراسته هذه، أنها كانت مَضيعة للوقت.
لقد كتب إلى أوستانيوس السباستي قائلا: “إني ضيعت وقتا طويلا في التفاهات، وبددت كل شبابي تقريبا بلا نتيجة، فضاع هذا الوقت وأنا منشغل في حفظ تعاليم الحكمة التي فقدت معانيها أمام تعاليم الله. وفي لحظة ما، عندما استيقظت مما كان أشبه بنوم عميق، نظرت إلى ضوء الحقيقة المُدهش النابع من الإنجيل، فأدركت عندئذ تفاهة حكمة أسياد الدهر الحاضر البائدين، وُفجعتُ لمدى حقارة حياتي، وتمنيت أن تتاح لي فرصة الدخول في عقائد التقوى.
لقد بدأت قبل كل شئ في إصلاح أخلاقي بقدر استطاعتي، بعد أن كانت قد فسدت بسبب مخالطتي للفاسدين. وبقراءتي للإنجيل، وجدت فيه التعاليم التي تقول أن أهم شروط لبلوغ الكمال، هي أن يبيع الإنسان كل ما لديه ويعطي ما له لإخوته الفقراء، وكذلك عدم الاهتمام بالحياة الحاضرة والأمور الدنيوية ولذلك صليت لربي أن أجد شخصا ما من بين الأخوة، يكون قد اختار هذا الدرب في الحياة، لكي أرافقه وأعبر معه عاصفة الحياة القصيرة هذه”[29]
لكن صديقه غريغوريوس ـ بالرغم من الاتفاق الذي تم بينهما ـ لم يرافقه للتعبد في البرية، فذهب وحده عام 360 إلى بنطس، بعد أن وزع أكبر قدر من ثروته على الفقراء. وتوجه هناك إلى مكان من أرض تملكها عائلة بالقرب من نهر إيريس حيث كانت أمه وأخته مترهبتين هناك. وكان في ذلك المكان قد تم إنشاء مركزين للرهبنة، أحدهما للرجال والآخر للنساء.
لقد طلب منه صديقه غريغوريوس إعلامه عن أحواله، وكيف يقضي وقته في مكان تعبده في البرية، فأجابه باسيليوس في رسالة وجهها إليه (رسالة2)، وكتب فيها ول قوانينه في الرهبنة ولذلك نعتقد أنه من المفيد أن ندرجها في النصوص التي سنعرضها الآن. في بداية الرسالة يقول القديس باسيليوس الكبير في لهجة متواضعة أنه يخجل أن يكتب عما يفعله في البرية، لأنه قد ذكر العالم المادي فعًلا، إلا أنه لم ينكر نفسه، فقد ذكر قائًلا: “إني شَخصيًا أخجل أن أكتب عما أفعله ليًلا ونهارًا في هذه البقعة النائية، فقد تخليت عن شئون المدينة لأنها كانت سببا للكثير من المساوئ لكنني لم أستطع أن أذكر نفسي”[30] .
لكنه يضيف قائلاً: أن الهدف الأول والرئيسي بالنسبة له هو السير على خُطى المسيح الذي دل العالم على دَرب الخلاص عندما قال: ” إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني “[31] ولهذا السبب فهو يحاول مع أصدقائه الرهبان تطبيق كل أساليب الحياة التي ستجعلهم قادريين على تتبع خُطى المسيح.
وتلك هي:
1ـ يجب أن يبقى العقل في حالة من الهدوء والسكينة. فكما أن العين يجب أن ترى بوضوح أمامها، وألا تنشغل بالنظر هنا وهناك، كذلك فإن العقل عندما ينشغل بصغائر الأمور الدنيوية لا يمكن تجنبها إلا بالابتعاد عن العالم المادي. إن ترك العالم المادي لا يعني مجرد الانتقال الجسدي منه، وإنما نزع الروح عن تعلقها بالجسد، لدرجة يتحول فيها المرء إلى شخص بلا مدينة، وبلا مادة، وبلا أملاك، وبدون ثروة شخصية، وبدون سبل المعيشة اليومية، وجاهًلا حسب تعريف العلم لدى البشر, ومستعد لقبول التعاليم الإلهية في قلبه.
إن إعداد القلب لتقبل كلمة الله يكون بانتزاع التعاليم الشريرة من داخله، لأنه لا يمكن للمرء أن يكتب على لوح الشمع إذا لم يطمس قبل ذلك كل الحروف السابقة التي كانت موجودة عليه، وكذلك الروح لا يمكن تغذيتها بالتعاليم الإلهية إذا لم تنزع منها قبل ذلك كل الأفكار السيئة والتعاليم الشريرة الموجودة فيها. إن البرية مفيدة من أجل هذا الهدف لأنها تساعد على تهدئة الشهوات وتعطي الفرصة للمنطق كي ينزع جذورها من النفس تماما.
لأنه كما أن الوحوش الضارية تسهل السيطرة عليها عندما تُروض، كذلك فإن الشهوات، والغضب، والأحزان، وكل شرور النفس، عندما يتم تهدئتها بواسطة الهدوء والسكينة، تتوقف عن ثورتها وهيجانه تجاه كل إثارة، وتصبح من السهل السيطرة عليها بقوة المنطق والعقل السليم. وكذلك يقول القديس باسيليوس الكبير أن المكان يجب أن يكون تماما مثل هذا المكان الموجود فيه، خاليا من كل وسائل الاتصال بالبشر، بشكل يسمح بمواصلة النسك والتعبد دون أن يقاطعه أي عمل خارجي.
ويضيف القديس باسيليوس الكبير قائًلا: أن التدريب الروحي يغذي النفس بالفكر الإلهي. فهل هناك أفضل من أن يتشبه المرء على الأرض بالملائكة؟ فيندفع في الفجر للصلاة، ليمجد الخالق بالتسابيح والتماجيد، فيحلي مذاق العمل بالأناشيد الروحية مثلما يحسن بالملح مذاق الطعام؟. فالأناشيد والصلوات تعزي النفس و تجعلها فرحة وتدفع عنها الأحزان، فالهدوء والسكينة كما يقول القديس باسيليوس الكبير هما بداية تطهير الروح .
لأن الإنسان في البرية لا يتعب لسانة في نقاش مشاكل وأمور البشر، ولا ينهك عينيه في النظر إلى الأشياء التي لا يحب رؤيتها. ولا يشد انتباهه سماع أصوات لا يحب سماعها. وهكذا فإن العقل عندما لا يتشتت في التفكير بالأمور الدنيوية، يتركز حول النفس ومنها يعلو ساعيا للوصول إلى معنى الله. وبعد أن يستنير بذلك الجمال، وتلك الروعة الإلهية، ينسى طبيعته البشرية. وتجدر الإشارة إلى أن آباء الكنيسة النساك، قد استخدموا كثيرا هذا النص الأخير للقديس باسيليوس الكبير لكي يصفوا ويشرحوا أسس الصلاة.
2ـ وينتقل القديس باسيليوس الكبير من موضوع الابتعاد عن العالم المادي سعيا للهدوء والتأمل إلى مسألة أخرى فيضيف قائًلا أن من الضروري أيضا أن تتم قراءة ودراسة الكتاب المقدس ونصوصه المتضمنة للوحي الإلهي، التي تحتوي أيضا على وصايا الله حول ما يجب أن نفعله، كما تروي لنا سيرة الأنبياء التي تجسد صورة حية للأخلاق والطبائع والأعمال المباركة من الله التي يجب علينا اتباعها وتقليدها.
وهكذا يجد كل إنسان في نصوص الكتاب المقدس مثاًلا يتبعه ليكون دواءً يشفي النواقص والعلل في نفسه. فيمكن لأحد ما أن يتمثل بيوسف الصديق، فيكون عاقًلا مثله، والآخر يمكنه أن يتمثل بالنبي العظيم أيوب فيتعلم منه الصبر، ويمكن لثالث أن يكون كالنبي الجبار موسى في طيبته، أو أن يتمثل بداود النبي في شجاعته وإقدامه وطيبته معًا.
3ـ الصلاة يجب أن تكون في كل حين، ولكن بعد قراءة الكتاب المقدس ودراسة نصوصه، يأتي الدور على الصلاة التي تتحرك النفس بواسطتها في لهفة ساعية إلى الله.
إن الصلاة الصحيحة هي تلك التي تزرع في النفوس المعاني الإلهية الصافية. إن تواجدنا مع الله يعني أن يكون الله حاضرًا في نفوسنا وعقولنا، وأن نذكره دائمًا، فعند ذلك نصبح الهيكل الذي يسكن فيه الروح القدس. وبشكل خاص عندما تكون ذاكرتنا متواصلة في فكر الله، فلا تنقطع بالتفكير في الشئون الدنيوية، ولا يتأثر العقل بتأثيرات النزوات المفاجئة. إن من يريد التقرب إلى الله يسعى إليه متجنبًا كل ما من شأنه أن يقوده إلى السوء، ويكون متمسكا بكل شئ يقوده إلى الفضيلة.
4ـ ويركز القديس باسيليوس الكبير على نقطة هامة، وهي أن المرء يجب أن يتجنب التصرفات السيئة التي تدل على الجهل خلال الحديث، فيجب أن يطرح أسئلته على محادثة دون إثارة الخلافات والنزاعات، وأن يجيب على الأسئلة دون تكبر واعتداد في الرأي، وأن لا يقاطع محادثه، أو يحاول إقحام رأيه معترضا سير الحديث. ويجب على المرء أيضا أن يتعلم دون خجل، وأن يتكلم بصوت متوسط النبرة.
ويجب عليه أيضا أن يعبر عن أفكاره بعد تفكير عميق في كل كلمة يريد قولها. وأن يكون طريفا في حديثه وحلوًا في كلامه، فيتخلى عن القساوة دائما حتى عندما يضطر إلى محاسبة الآخرين أو عتابهم. لأنه إذا كان المرء يتمتع بالتواضع سيكون محبوبا ومقبولا لدى الشخص الآخر الذي يحتاج لمساعدته.
5ـ ويجب أن يرافق التواضع نظرة منكسة، ومظهر بسيط ولباس حقير. عباءة مشدودة بحزام على الجسد، ومشية ليس فيها ارتخاء كما لو دلت على شلل الروح، ولا تكبر أو اعتلاء كما لو دلت على اندفاع النزوات.
الهدف من اللباس تغطية الجسد وحمايته من برد الشتاء وحر الصيف، فيجب ألا يكون فاقعا أو رقيقا أو طريا.
6ـ وكما أن المرء يسعى للضروري في لباسه، علية أيضًا أن يسعى للضروري في مأكله. خبز وماء ونباتات تكفي لتغذية الإنسان والمحافظة على صحته. إلا أن القديس باسيليوس الكبير يوضح ضرورة القيام بالصلوات المناسبة قبل وبعد كل وجبة، لشكر الله على تقديمه لكل ما هو ضروري من المواد الغذائية. ومن الضروري أن تكون الوجبات في ساعات محددة وثابتة كل يوم، بشكل تكون فيه تلك الساعات هي الوحيدة المخصصة للعناية بالجسد، أما باقي الساعات فتكون مخصصة للعناية بالروح.
7ـ وأخيرًا يتكلم القديس باسيليوس عن النوم فالنوم يجب أن يكون متناسبًا مع الطعام. كما أن من المستحسن أن نقاطع نومنا لدراسة المشاكل الكبرى. أن عادة النوم العميق تؤدي إلى الموت الروحي. إن النساك يصحون من نومهم في منتصف الليل حيث يغلب الهدوء في تلك الساعة، مما يمنح النفس سلام، لأن العينين والأذنين في هذا الوقت لا يبثون إلى القلب رؤى ومسامع ضارة، وإنما يبقى العقل وحده الذي يتصل مع الله.
هذا تقريبا مضمون رسالة القديس باسيليوس الكبير التي ذكرناها، وهي تتعلق كما رأينا بترك حياة المدن والانتقال إلى البرية وهدوئها، وبقراءة ودراسة الكتاب المقدس، وبالصلاة، وبالمناقشات الروحية، وبحياة التقشف من حيث المأكل والملبس، وبقصر ساعات النوم، من أجل وصول الإنسان إلى الكمال وعندما أصبح القديس باسيليوس الكبير فيما بعد كاهنا، ومن ثم أسقفا لقيصرية، تابع حياة النسك والرهبنة، وأسس العديد من مراكز الرهبنة المنعزلة عن المدينة، وكان لها أسلوب حياة صارم.
القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي
وقد كتب في تلك الفترة كتابي:
القوانين الموسعة والقوانين المتعمقة:
وهي قوانين نتجت عن اجتماعات خاصة عقدها القديس مع رؤساء مراكز الرهبنة في منطقته. ويعالج في هذه القوانين بشكل موسع ومتعمق، وفي صورة أسئلة وأجوبة، جميع المواضيع المتعلقة بحياة الرهبنة.
وسنتطرق هنا إلى اثنين من القوانين الموسعة (القانون 7،6):
في القانون ـ6ـ يناقش موضوع الانعزال عن العالم أو عدمه. ويجيب القديس باسيليوس عن هذا التساؤل بقوله أن مكان الرهبنة المنعزل يساعد الروح على تجنب دخولها تجربة. لأنه من المضر أن يعيش المرء مع الآخرين اللذين لا يأبهون أو يستهزئون باتباع وصايا الله بشكل دقيق وصارم. ولذلك يقول القديس، يجب علينا أوًلا أن نسعى لإيجاد مسكن منعزل، بعيدا عن الناس، لكي لا نتعرض لمؤثرات تدفعنا لارتكاب الخطيئة، إن كان عن طريق النظر، أو عن طريق السمع، وكذلك لا نتعود على الخطيئة بشكل لا شعوري، ولكي نستطيع بواسطة الصلاة اكتساب القدرة على الصبر والتحمل. لأنه بهذه الطريقة سوف نستطيع قهر عاداتنا السابقة التي عشنا ضمنها حياة بعيدة عن وصايا المسيح.
وكذلك فإننا بهذه الطريقة سنطهر أنفسنا من شوائب الخطيئة بواسطة الصلاة المستمرة والقراءة الدؤوبة لوصايا الله. ولا يمكننا القيام بالصلاة والقراءة المستمرتين عندما نكون منشغلين بالعديد من الأمور التي تشد انتباهنا وتبعد نفوسنا عن الله. فكيف يستطيع الإنسان تطبيق الآية: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه“، إذا كان يعيش ضمن الأجواء التي ذكرناها؟ إذن لكي نتبع وصايا المسيح يجب أن ننكر أنفسنا ونحمل صليبنا ونتبعه. وإنكارنا لنفسنا يعني أن ننسى كل ما يتعلق بالماضي ونتخلى عن شهواتنا ومطالبنا، وهو شئ صعب جدا، إذا لم نقل أنه من المستحيل أن يتحقق من خلال العيش في المجتمع مع بقية البشر.
والحياة الدنيوية المليئة بوسائل الراحة والملذات يشكل حاجزا أمام المرء لكي يحمل صليبه ويتبع المسيح. فأن يحمل المرء صليبه، يعني أن يكون أيضا مستعدا حتى الموت من أجل المسيح، ولقتل أعضاءه الترابية، وليكون مستعدًا لمواجهة كل أنواع الأخطار لأجل المسيح، وألا يكون مباليا لحياته الحاضرة. وكل هذه الأمور التي ذكرناها تقف الحياة الاجتماعية عائقًا أما إتمامها.
ويضيف القديس باسيليوس الكبير قائلاً: أن النفس عندما ترى جملة السلبيات في حياتها، فهي من جهة لا تجد الوقت المتاح أمامها لكي تحس بخطاياها وتعترف بها وتتوب عنها، ومن جهة أخرى فهي تعتقد خطأ أنها بالمقارنة مع الخاطئين الآخرين استطاعت تحقيق بعض الإيجابيات. وعلاوة على ذلك فإن النفس ضمن إنشغالات الحياة اليومية تنشغل عن الاتصال الدائم بالله، وهي بالتالي تصبح محرومة من الفرح الكبير في الله، والتمتع بحلاوة الاتحاد به.
ولكي يكتمل ما كتبة القديس باسيليوس الكبير في القانون السادس من “القوانين الموسعة”، فهو يضيف أيضا ما جاء في القانون السابع من تلك القوانين قائلاً: “إن الإنسان الذي سيترك عالم المدينة ليصبح ناسكا من الأفضل أن يعيش مع آخرين من أخوته المتعبدين وألا يبقى وحيدا”. فالتعايش بين العديد من الأشخاص الذين يتشاركون في الأفكار والمبادئ مفيد للعديد من الأسباب منها:
1ـ لا أحد يستطيع البقاء وحده معتمدا اعتمادا كليا على طاقاته فقط من أجل الاكتفاء الذاتي وتغطية حاجاته الجسدية والنفسية والروحية.
فكما أن أقدام الإنسان لديها بعض القوة لتقوم بمهام معينة إلا أنها تنقصها القوة الإضافية لتقوم بمهام أخري لوحدها، لذلك فهي لا تستطيع القيام بها إلا بمساعدة الأعضاء الأخرى في الجسد.
وهكذا يكون الإنسان أيضا عندما يعيش لوحدة، وحتى أن ما لدية في تلك الحالة يتعطل كما أن ما يحتاج إلية لا يجده. ذلك لأن الله قد وضع فينا احتياج الواحد منا لمعونة الآخر لكي نرتبط ببعضنا البعض، فإن المحبة “لا تطلب ما لنفسها “[32].
والمرء عندما يعيش لوحدة يكون هدفه إرضاء حاجاته فقط، وهذا ما يعارض قانون المحبة كما يقول بولس الرسول “كما أنا أيضا أرضي الجميع يمقت ابنُه وَمن أحبهُ أطلب له التأديب” [33]. لكن مثل هذا الشخص من المستحيل أن يوجد لمن يعيش وحيدا. ويحدث عندئذٍ ما ذكر في الكتاب المقدس “ويل لمن هو وحده إن وقع إذ ليس ثانٍ ليقيمهُ”.
أيضا عندما تكون هناك مجموعة يعيش ضمنها الكثيرون معا يكون من الأسهل تطبق عدد اكبر من الوصايا، بينما لا يمكن أن يتم ذلك من قبل شخص يعيش لوحده، لأنه في الوقت الذي يطبق فيه أحد الوصايا لا يمكنه تطبيق وصية ثانية. فمثلاً عندما يزور مريض لا يمكنه في الوقت نفسه أن يستقبل الغريب. وعندما ينشغل بضرورات الحياة لا تبقى لديه الرغبة للاهتمام بأعمال أخرى. وهكذا فان الجائع لا يطعم والعاري لا يكسى وبالتالي فان الجماعة تكمل بعضها البعض، وتخدم المسيح عن طريق المحتاجين.
3ـ ويتعمق القديس في أقواله من الناحية اللاهوتية ذاكرا أننا نحن البشر الذين قد دعانا المسيح لأتباعه، قد أصبحنا جسدا واحدا ورأسنا هو المسيح ونحن جميعنا نشكل بقية أعضاء هذا الجسد. فإذا لم نتفق فيما بيننا للارتباط بالروح القدس في انسجام تام ضمن جسد واحد، بل أَصر كل واحد منا على البقاء لوحده دون أن يعمل بما فيه مصلحة الجماعة كما يرضى الله، فكيف يمكننا عندئذ متفرقين هكذا أن نحافظ على العلاقة بيننا كأعضاء لجسد واحد؟ أو كيف بالأحرى يمكننا أن نخضع (لرأس) هذا الجسد الذي هو المسيح؟ إننا في هذه الحالة لا نفرح مع فرح الآخرين ولا نحزن لأحزانهم، لأننا لا يمكننا معرفة شئون الآخرين.
4ـ من جهة أُخرى، فإن إنسانًا واحدا لا يكفي ليتقبل جميع المواهب الروحية.
إن نعمة الروح القدس تقدم لكل واحد منا بمقدار إيمانه. أما بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون معًا ضمن جماعة، تكون الموهبة خاصة لكل واحد ملكًا للجماعة بأكملها ” فإنه لواحد يُعطى بالروح كلامُ حكمة. ولآخر كلام علم بحسَبِ الروح الواحد. ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد ….. الخ “[34]. فكل موهبة من تلك المواهب يملكها الفرد ليس لنفسه فقط وإنما لمنفعة الجماعة، بحيث لا يكتسب الواحد لوحده نعمة الروح القدس بل تكتسبها الجماعة بأكملها.
أما الشخص الذي يعيش منفردا فإذا كانت لديه موهبة ما فإنه قد يعطلها بسبب كسله أو طمعه، وجميع المؤمنون يعرفون، مقدار الخطر الذي يكمن في ذلك. ولكن حين يعيش الإنسان مع الجماعة فإنه يستفيد من مواهبه ويعززها فتزداد عن طريق إفادة الغير بها، بالإضافة إلى استفادته من الخيرات الناتجة عن مواهب الآخرين أيضًا.
5ـ إذن، فإن الحياة ضمن الجماعة تكون أغنى بالخيرات، لأن الجماعة تكون أقدر من الفرد على حماية الخيرات التي يعطيها الله لنا. بالإضافة إلى ذلك فإن الساهرين ضمن الجماعة ينذرون النيام لينهضوا من نومهم لمواجهة خطر نوم الموت الذي تكلم عنه داود النبي: ” أنر عينيّ لئَلا أنام نوم الموت “[35]. وبالإضافة إلى ذلك فإن الخاطئ يتخلص من الخطيئة بشكل أسهل ضمن الجماعة لأنه يشعر بالخجل أما الآخرين بسبب خطيئته بينما الإنسان الذي يسعى دائمًا للابتعاد عن خطيئته يشعر بثبات أكبر في سعيه هذا ضمن الجماعة بسبب تشجيع ومشاركة الآخرين معه فعندما “تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة”[36] فكيف بالأحرى لا تعزز شهادة الكثيرين موقف من يفعل الخير.
6ـ وهناك أيضًا خطر يلازم الإنسان الذي يعيش منفردًا، وهو خطر الغرور. فبسبب كونه وحيدًا وبعيدًا عن أعين الآخرين وانتقاداتهم، يظن نفسه أنه قد وصل إلى درجة الكمال في تطبيق الوصايا. وطالما أنه كونّ شخصيته دون تدريب صحيح للنفس والروح والجسد، فإنه يجهل بالتالي حجم السلبيات فيه ونقص أعمال الخير لديه لأنه ابتعد عن كل فرصة للعمل على اتباع وصايا المسيح.
7ـ كيف يستطيع الإنسان الذي يحيا منفردًا أن يدرب نفسه على التواضع طالما أنه لا يوجد أي إنسان آخر أمامه ليشعر تجاهه بتواضعه؟ ولمن سيُظهر عطفه ومحبته؟ وكيف سيدرب نفسه على التسامح ومغفرة خطايا الآخرين؟ وبالطبع إذا ادعى شخص ما أنه يستطيع الاكتفاء بتعاليم الكتاب المقدس ليصل بنفسه إلى الكمال فإنه يشبه من يتعلم فن البناء لكنه لا يبني أي مبنى، ويشبه أيضًا مَن يتعلم فن صنع النحاس لكنه لا يمارسه إطلاقًا.
عن شخص كهذا تكلم بولس الرسول قائلاً: ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يُبررّون “[37]. والرب نفسه دل البشر على طريق البر ولم يكتف في تعاليمه بالقول بل اتزر بمنشفة وغسل أقدام تلاميذه ليكون لهم قدوة في التواضع، وليريهم أين تصل درجة الكمال في المحبة. فمن إذن سيخدم مَن عندما يكون الإنسان وحيدًا منعزلاً عن العالم؟ ومَن سيكون الأول ومن الأخير إذا كان الشخص وحده ولا أحد غيره؟
وينتهي القانون السابع بالاستنتاج التالي: إن التعايش بين الأخوة في الجماعة هو وسيلة للتدريب المستمر والنسك والقراءة المستمرة لوصايا الله وتطبيقها حيث أن هذا التعايش في الجماعة يهدف من جهة إلى تمجيد الله حسب وصية المسيح : ” فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات “[38]. ومن جهة أخرى، فإن هذا التعايش هو استمرار لما ورد في أعمال الرسل: ” وجميع الذين آمنوا كانوا معًا عندهم كل شئ مشتركًا “[39]، ” وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة. ولم يكن أحد يقول إن شيئًا من أمواله له، بل كان عندهم كل شئ مشتركًا “[40].
ويجدر بنا قبل ختام هذا البحث أن نذكر شيئاً بسيطاً عن قوانين الرهبنة[41]، حيث يتوجه القديس باسيليوس الكبير في حديثه إلى الرهبان واصفًا الحياة الجماعية في الدير بأنها الحياة الأكثر كمالاً والمجتمع المثالي للبشر.
ويذكر القديس قائلاً أن المجتمع المثالي بالنسبة له هو المجتمع الخالي من المنافقين، وحيث لا توجد خلافات في الرأي، وحيث لا توجد خلافات في الرأي، وحيث تختفي جميع الاضطرابات والنزاعات، وحيث يكون كل شئ مشتركا: النفوس والأجساد واحدة متماثلة، وكل ما تقتات به الأجساد واحد، أي أن الله يكون مع الجميع، وكنز البر يشاركه الجميع، فينالون الخلاص جميعًا، ويكون جهادهم مشتركًا، وأهدافهم مشتركة، والتاج واحد على رؤوسهم. الكل في واحد، والواحد ليس وحيدًا، وإنما ضمن الكثيرين.
ويضيف القديس باسيليوس الكبير متسائلاً: ما هي الحياة التي تضاهي في جمالها الحياة الجماعية في الدير؟ وما هي تلك التي تتجاوز تلك الحياة في امتيازاتها؟ وهل هناك أجمل من أن تتبلور الأخلاق والنفوس على نمط واحد؟ أن يجتمع أناس من شعوب وبلدان مختلفة بإرادة واحدة وتتطابق وانسجام كاملين ليصبحوا أشبه بروح واحدة تحتل أشخاصًا عديدة أصبحت أدوات لرأي واحد. فالمريض في الجسد لديه الكثيرون ممن يساعدوه ويخففوا عن آلامه ومرضه، والمريض في النفس والضعيف في الروح لديه الكثيرون ممن سيعتنون به من أجل شفائه وتقويته.
إنهم جميعًا أحباء الواحد للآخر، وخدام الواحد للآخر، تلك الخدمة التي لم تأت تحت أي نوع من الضغوط أو الاستبداد أو الضرورة، وإنما تشكلت بالمحبة وحرية الرأي. ذلك لأن المحبة تجعل الواحد عبدًا للآخر دون أن تحرمه من حريته، وإنما هي الحرية بذاتها. هكذا أرادنا الله منذ البداية ولذلك خلقنا. فالبشر الذين يعيشون معًا في المحبة ضمن حياة ارهبنة الجماعية يسترجعون الخير الأول ويقدمونه للإنسان الحالي. لأنه لو لم تفرق الخطية البشر لما كانت هناك خلافات وحروب بين الناس.
إذن فالرهبان الذين يعيشون معًا حياة جماعية، يتمثلون بحياة المسيح المخلص على الأرض، الذي علم تلاميذه كيف يعيشون معًا حياة المساواة ولم يستتن نفسه من ذلك، ولهذا فهم أيضًا (الرهبان) يطيعون رئيس الدير فيحتذوا في ذلك تلاميذ المسيح.
ويختتم القديس باسيليوس الكبير حديثه عن حياة الشركة قائلاً: كيف يمكن أن نعطي تشبيهًا لحياة الشركة بين الرهبان، مما نستخدمه من تشبيهات لغوية، إننا ما يمكننا فعله هو أننا ننظر إلى السماء حيث المسيح جالس ينظر إلينا فرحًا وسعيدًا بحياة الشركة بين الرهبان ونكمل بعد ذلك كما هو واضح من تعاليمه المقدسة.
القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي
الكتاب المقدس والتقليد لدى القديس باسيليوس الكبير
لم يكن القديس باسيليوس الكبير أحد الشخصيات المعتادة، بل كان سيدًا بالروح، كما كان سيدًا بالأصل والمنشأ. يمكن اعتباره بلا جدال أحد عمالقة الفكر، فقد كانت قوة وغزارة فكره كالشلال الذي ينبع بالأفكار بلا توقف. لقد كان يحلق في أفكاره كالنسر في الأعالي، ويتعمق فيها ليصل إلى أعمق معاني المعرفة. وكان في الوقت ذاته مفكرًا رقيق الإحساس، واستخدم في كتاباته لغة سلسة الفهم تتميز بالبلاغة والجمال في الشكل والمضمون. لقد كان باختصار رجلاً عظيمًا.
ويغلب على كل دارس لأعمال القديس باسيليوس الكبير إحساس مباشر بما يبثة الروح القدس من شعور بالإنتعاش والنعمة. وهذا ما يغلب على كل أعماله التفسيرية والإيمانية والتعليمية والعقائدية وكذلك على مجمل رسائله وبقية كتاباته التي قد وصلت إلينا. وكلما يتعمق المرء في دراسة نتاج ما كتبته يداه يشعر بنشوة غامرة من تلك المعاني الروحانية التي تنصب من كل صفحة من الصفحات.
إن دراسة أعماله أشبه بنزهة في مروج الفردوس حيث يتمتع المرء بعطر الأزهار الذي يفوح في كل مكان.
ويقرأ المؤمن في الكتب اللاهوتية أن للإيمان المسيحي منبعين هما: الكتاب المقدس والتقليد. لكن ذلك لا يعبر بدقة عن الحقيقة، فلا يمكن اعتبار الكتاب المقدس والتقليد منبعين للإيمان، بل هما وجهان مختلفان لشئ واحد، هما شكلان يتخذهما سرّ حياة الكنيسة نفسه. فالإيمان المسيحي ينبع من منبع واحد وهو الكنيسة، أي المسيح، الإله المتجسد، والصورة التي كشف بها الله لنا عن نفسه.
وهكذا يمكن إرجاع منبع إيماننا إلى الله بذاته، الذي عرفناه عندما عرفنا يسوع المسيح فالمسيح هو صورة الأب وإشعاعه، إنه وسيط العهد الجديد. والكنيسة هي حافظة لذلك العهد، تعيش إلى أبد الدهر، إن رأسها-المسيح ـ يعيش إلى أبد الدهر، ويعطي الحياة لأعضائها الذين يؤمنون به، أي هؤلاء الذين نالوا سر المعمودية باسمه. وحياة الكنيسة هذه، يسلمها كل جيل إلى جيل الآخر، كما أن الآباء عندما يلدون أبنائهم يسلمونهم الحياة ويحافظون على إستمراريتها. وكل شئ يُسلمُ من جيل إلى جيل يصبح “تقليداً” مستمراً يدوم مع الأجيال.
إن هذا “التقليد” له وجهان: الوجه الأول مكتوب وهو الكتاب المقدس. والوجه الثاني هو ما يقوم الآباء القديسون بكرازته، وتطبِّقه الكنيسة بأعمالها. ويمكننا تسمية الكتاب المقدس بالتقليد “المكتوب”، كما يمكننا تسمية التقليد بالكتاب المقدس “غير المكتوب”. هذا ما تم التعبير عنه بدقة في المجامع المسكونية. فالإيمان المسيحي هو كل ما ينبع من العهد القديم والعهد الجديد والتقليد الكنسي وتعاليم الآباء والرسل.
ويمكننا أن نجد هذه الوحدة بين الكتاب المقدس والتقليد في مؤلفات وكتابات آباء الكنيسة، وبشكل خاص فيما كتبه القديس باسيليوس الكبير. وبالطبع فإن هذه الوحدة لا تلغي التنوع والإختلاف. فقطعة النقد لها وجهان مختلفان، وإنما القطعة هي واحدة بذاتها. لكن القديس باسيليوس الكبير عندما يتكلم عن الكتاب المقدس فهو يعتبره جزءاً لا يتجزأ من التقليد، وحيثما يتكلم عن التقليد الكنسي فهو يعتبره استمراراً للتقليد المكتوب في الكتاب المقدس.
بعد هذه التوضيحات، نستعرض الأن موقف القديس باسيليوس الكبير تجاه الكتاب المقدس والتقليد.
فيما يتعلق بالكتاب المقدس، يتبع القديس تعاليم الكنيسة الثابتة والصريحة التي تصف الكتاب المقدس بأنه مُلهم من الله[42].
ليس لأحد الحق بأن ينقد ما هو مكتوب فيه، أو يُدخل إليه ما هو غير مكتوب، أي أنه ليس لأحد الحق في أن يضيف أو يحذف شيئاً من الكتاب المقدس[43].
إن الواجب الأساسي على كل مؤمن، وفقًا لما قاله القديس باسيليوس الكبير، هو أن يتعمق في دراسة الكتاب المقدس[44]. فمن الواجب الحكم على كل كلمة أو كل عمل على أساس الكتاب المقدس المستوحي من الله[45]. فالكتاب المقدس هو “العيادة المشتركة للنفوس” حيث يجد كل إنسان الشفاء لمرضه[46].
ويجب على المرء ألا يهتم بالكتاب المقدس بشكل عرضي أو ثانوي، بل بالعكس يجب عليه “أن يبحث عن المعنى المتخفي في كل كلمة وفي كل حرف فيه”. وذلك هو عمل عظيم للمسيحي الذي يدرك تمام الإدراك ما هي ميوله، ولا يسلك في الخطأ، فهدف حياته هو التشبه بالمسيح، لا يمكن أن يتم بدون المعرفة الروحية الصحيحة. ولذلك فإن المعرفة لا يمكن إكتسابها خارج تعاليم الإنجيل الأصيلة[47].
ويضيف القديس العظيم قائلاً أن كلمة الحق يمكن إدراكها بالجهد الكبير فقط، الذي يقوده الروح القدس. وهي تفلت بسهولة مما لا ينتبه. ولكن لهذا السبب فإن الروح القدس قد دبر الأمور هكذا بحيث تكون هذه الكلمة “موجزة وقصيرة” حتى يدل معناها على “الكثير في القليل”، أي ما قل ودل. وهكذا يكون من السهل حفظها في النفس وفي الذاكرة[48]. هذا وبالرغم من أن الدراسة والتدريب الملائم للنفس والعقل، لكي يصلا إلى الكمال هو عمل يقع على عاتقنا، إلا أن فهم الأسرار الإلهية هو هدية وهبة من الله يهبها إيانا، وشعاع نور لنا من الروح القدس[49].
ولم يكتف القديس باسيليوس الكبير بذكر أقواله هذه للآخرين، وإنما برهن على حقيقتها بطريقة الحياة التي اتبعها. فبالرغم من معارفه الواسعة وإطلاعه الكبيرعلى معرفة عصرة من العلوم الكلاسكية والفلسفية اليونانية القدسمة، فهو يعتبر أن كل هذه المعارف فانية لا قيمة لها أمام ما يقدمه الإنجيل من حقيقة. فقد كتب رسالة وجهها إلى أوستاثيوس السباستيني يقول “إني بعد أن هدرت وقتاً طويلاً في الأمور الفانية وضيعت شبابي كله تقريباً في ذلك.
عندما كنت أتابع دروس الفلسفة التي لا يفضلها الله، استيقظت في لحظة ما كما لو كنت غارقاً في نوم عميق[50] ورأيت نور حقيقة الإنجيل العجائبي، فعرفت عندئذ مدى تفاهة حكمة أسياد الدهر الحاضر هذا، الذين قد ألغيت سيادتهم فبكيت كثيراً على حياتي التعيسة ورجوت المساعدة لكي أنضم إلى صفوف تلاميذ المسيح. وبالطبع فإني قبل كل شئ قد سعيت لتحقيق بعض الإصلاحات في حياتي بعد أن توقفت لوقت طويل عن مخالطة الفاسدين.
وعندما قرأت الإنجيل ورأيت فيه أن أهم شروط لكي يصل المرء إلى الكمال هو أن يبيع كل ما لديه وأن يقدم ماله لأخوته الفقراء، وأن لا يبالي المرء بشكل عام لحياته الحاضرة، وألا يكون للنفس شهوة لأمور الدنيا، صليت لكي أجد أحد الأخوة الذين اختاروا هذا الطريق في الحياة، لكي أجتاز معه عاصفة الحياة القصيرة هذه.
وبالفعل قد وجدت الكثيرين منهم”[51]. وهكذا فإن قراءة الإنجيل قد جعلت القديس باسيليوس الكبير فقيرًا ماديًا، وغنيًا روحيًا وجعلته أيضًا مشيدًا لمدينة باسيليادة، ورافضًا للملذات الدنيوية، ودفعته لتنظيم حياة الرهبنة، فأصبح دليلاً للنفوس، وبطلاً وقديسًا عظيمًا.
لقد صار القديس باسليوس الكبير من أكبر المتعمقين لدراسة الكتاب المقدس، الذي استخدمه بسخاء في كرازته وفي كتاباته، ليس فقط في التفسير، وإنما في أمور ومواضع العقيدة أيضًا، وفي جميع مؤلفاته الأخرى وفي الخطابات والرسائل. لقد شكّل الكتاب المقدس المركز، ونقطة الإنطلاق، ونقطة الانتهاء، ومادة البناء لمؤلفاته. لقد كان أيضًا الترسانة (الكتاب المقدس) الذي أخذ منها كل أسلحته ليحارب الهرطقة.
لقد كان الكتاب المقدس الكنز الثمين الذي أمده بكل ما كان يحتاج إليه من المادة التي اعتمد عليها، وبنى بها عمله. وإليه كان يلتجئ لحل كل التساؤلات، ولدعم وإثبات أفكاره العقائدية حول الإيمان، ولتنظيم حياة الرهبنة، ولأخذ المشورة في عمله الرعوي، وليستلهم الكلمات لكتابة رسائله الرقيقة المليئة بالمشاعر الإنسانية والعزاء الإلهي.
ويبدي القديس باسيليوس الكبير اهتمامًا خاصًا في المزامير. وهو يقول في كتاباته، أن أسفار الأنبياء تفيدنا بأشياء تختلف عما تفيدنا به الأسفار التاريخية، وهذه الأخيرة تفيدنا بأشياء تختلف عن القسم المتعلق بالناموس في الكتاب المقدس، كما أن الأمثال لها فائدة أخرى. لكن المزامير قد لخصت كل أقسام العهد الجديد لأنها تتنبأ بالمستقبل، وتذكر التاريخ، وتشرع للحياة، وتدلنا على الأعمال المقدسة وباختصار ” هى كنز التعاليم المقدسة المتوفرة للجميع “[52].
ولنرى الآن طريقة تفسير القديس باسيليوس الكبير للكتاب المقدس.
من المعروف أنه خلال القرون المسيحية الأولى تشكلت مدرستان رئيسيتان لتفسير الكتاب المقدس هما:
المدرسة الأولى: مدرسة الأسكندرية.
المدرسة الثانية: مدرسة أنطاكية.
لقد استخدمت الأولى المنهج الرمزي Allegoric في تفسير الكتاب المقدس[53]. ووفقًا لهذا المنهج، فإن المفسّر بالرغم من أنه عادةً لا يرفض أهمية المعنى الحرفي للنص الذي يقوم بتفسيره، إلاّ أنه يعتبر أن هناك معانٍ أعمق وأسمى، تكون هى الحقيقة الواقعية، وتكمن وتتخفى وراء الحروف والكلمات في كل نص. ولم يكن منهج التفسير الرمزي على خطأ عندما سلط الانتباه إلى التعابير البشرية في الكتاب المقدس.
فقد ذكر أوريجينوس وهو من أهم ممثلي المدرسة الأولى، في إشارة إلى قصة خلق العالم التي وردت في سفر التكوين، قائلاً: ” مَن من البشر ممكن له تفكير عاقل سيتخيل يومًا أولاً، وثانيًا، وثالثًا، وليلة أولى، وثانية، وثالثة، ونهارًا وليلاً دون أن تكون قد تكونت الشمس والقمر والنجوم بعد؟ وكذلك أن يتخيل اليوم الأول المزعوم دون أن تكون هناك سماء؟ ومن هو “أحمق” لهذه الدرجة ليظن أن الله زرع جنة شرق عدن كإنسان مزارع، وخلق شجرة للحياة منظورة وملموسة، بشكل يمكن فيه أن يتم الحصول على الحياة من طعم الثمر وبأسنان الجسد “؟[54].
إن تلك الملاحظات صحيحة فعلاً، والقديس باسيليوس الكبير بنفسه وكل آباء الكنيسة كانت لديهم نفس الطريقة في التفسير، حيث يعتبرون أن الكتاب المقدس يستخدم هذه التعابير البشرية، لأنه ليس من الممكن بأية طريقة أخرى أن ينقل إلينا فكرة تتعلق بالله، الذي يتعذر على العقل البشري إدراكه. لكن المنهج الرمزي وصل إلى درجة المبالغة حتى أنه صار يرفض بعض الأحيان الحقيقة التاريخية للقصص الواردة في أسفار الكتاب المقدس.
فمثلاً بالنسبة لقصة إشباع الخمسة آلاف شخص من خمسة أرغفة، يرى مفسرو المنهج الرمزي في الأرغفة الخمسة، الحواس الخمس، وفي الاثنتى عشرة سلة المملوءة من الفتات، الرسل الاثنى عشر.
أما مدرسة أنطاكية فقد تجنبت المبالغة التي كانت تتصف بها مدرسة الأسكندرية. فبينما كانت المدرسة الأسكندرية متأثرة بأفكار أفلاطون، كانت المدرسة الأنطاكية متأثرة بأفكار أرسطوطاليس. فمدرسة الأسكندرية كانت تتوخى المثالية، أما المدرسة الأنطاكية فتتصف بالعملية، وكان التفسير فيها يتبع المنهج الحرفي ـ التاريخي، دون أن يعني ذلك تجنب محاولة التعمق في فهم الكتاب المقدس.
إذًا فإن أهم مميزات منهج التفسير الذي اتبعته المدرسة الأنطاكية هى بحث ودراسة حرف الكتاب المقدس على أساس المنطق العقلاني والوضوح في عرض نتائج هذا لبحث وتلك الدراسة.
وبعد استعراضنا لمميزات هاتين المدرستين نتناول التساؤل الآتي:
أية طريقة اتبع القديس باسيليوس الكبير في تفسيره للكتاب المقدس؟ بمعزل عن أنه زار مدرسة الأسكندرية وربما تتلمذ فيها لفترة ما، مما يسمح لنا بتصنيفه من بين اللاهوتيين الأسكندريين، مع كل من غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيسي، وأوسابيوس القيصري، وأثناسيوس وكيرلس وديديموس الضرير وإيسيخيوس المقدسي فهؤلاء يشكلون نجوم مدرسة الأسكندرية في القرن الرابع. إلاّ أن تأثير المدرسة الأنطاكية ساهم في تجاوزه وإهماله لدرجة كبيرة للتفسير الرمزي ولاستخدامه لها لأهداف بناءة فقط. بينما كان يفضل في المواضيع العلمية استخدام منهج التفسير الحرفي ـ التاريخي.
وهذا ما يسمى بالمدرسة الأسكندرية الحديثة[55]. ففي إطار هذه المدرسة ينتقد القديس باسيليوس الكبير بشدة مبالغات المنهج الرمزي، لكن ذلك لا يمنعه من استخدامه للمنهج نفسه حيث يجد ذلك مناسبًا لشرح تعاليمه، كما أنه كان يشير إلى التعابير البشرية في الكتاب المقدس ويوضح حقيقة أن المفاهيم الإلهية بعيدة عن متناول العقل البشري. هذا ولم يتجنب القديس باسيليوس الكبير التفسير، الذي يرى في الأحداث والشخصيات التاريخية للعهد القديم تصويرًا أوليًا للمستقبل، ولأحداث أهم وأكثر كمالاً من تلك التي حدثت في العهد القديم[56].
فمثلاً، فإن الألإعى النحاسية التي رفعها موسى في البرية هى تصوير أولي للمسيح المرفوع على الصليب، والمّن هو تصوير أولي لخبز الحياة، وآدم هو تصوير أولي للمسيح أو آدم الجديد … الخ. ولقد اتبع المسيح نفسه ذلك المنهج، وكذلك كل من الرسولين بولس وبطرس، والكنيسة الرسولية وآباؤها. والقديس باسيليوس الكبير كما ذكرنا من قبل، كان يتبع هذا المنهج كثيرًا.
ومما يترك هذا الانطباع لدى قارئي أعمال القديس باسيليوس التفسيرية، كذلك بقية أعماله الأخرى، أنه يتميز بشدة بالطابع العلمي والصفة الاجتماعية في تفسيراته. فتدل أعماله، مثل كتاب “حول الروح القدس” أو الأعمال التي دحض فيها الأعمال الخاصة بسر الاعتراف ليونوميوس، على العمق النظري الغير معتاد.
ففي تلك المؤلفات النظرية يندهش القارئ لمدى عمق معرفته للكتاب المقدس. لكنه عندما يفسر الكتاب المقدس يترك التحليق في المجال النظري ويتبع الطريق العملي فهو يستخدم قدراته الفذة في فن الخطابة ويستغلها في خطبة وفي مؤلفاته ليعبر بوضوح تام عن أفكاره، ويعالج المشاكل اليومية، والأخلاقية والعملية والاجتماعية.
ويستخدم لغة معزية أو نظرية، وفقًا لما يتطلبه الأمر في كل مرة، ويداوي الجروح، أو ينتقد انتقادًا لاذعًا، أو يهدئ من النفوس أو يشجعها. ومن خلال تفسيراته، يعبر عن الأفكار القائلة بأن الإنسان كمخلوق اجتماعي، لا يمكنه إرساء مجتمعه إلاّ على المحبة فقط، وبالمحبة فقط يمكنه تحديد علاقاته مع أخيه الإنسان. وهذه المحبة تنبع من الله، وتستند إلى كلمة الله، التي يتضمنها الكتاب المقدس. أما الخيرات المادية فليس لها قيمة مطلقة بل نسبية والثروات والغنى والمال، تخدم الإنسان من الناحية الاجتماعية فقط.
والإنسان التقي يعتبر أن ما يملكه من الغنى، ليس ملكًا له أكثر مما هى ملك لأي شخص بحاجة إليها[57]. فمن يخزن الخيرات، ولا يعطي لأحد ممن يحتاج إلأيها وفقًا لحاجاته، فهو يحرم المحتاجين منها، ويحرم نفسه من ملكوت السموات. فالخبز والكساء والمال، هى للجائع والعاري والفقير. فمن يخفيها ويحجبها عنهم يكون “كاللص” الذي يسطو على الناس ويسلبهم. لأنه ليس هو المالك لما لديه، وإنما الله هو المالك لكل شئ.
أما الإنسان الغني لا يكون سوى مستخدم أمين لتلك الخيرات وخادم لله بها. يستخدم تلك الخيرات “بتدبير” لا “بتبذير”، من أجل خدمة اخوته البشر، وليس من أجل أن يتمتع هو بنفسه بها[58].
ونختتم هذا القسم بالاشارة إلى “القوانين الأخلاقية” أو “الأخلاقيات” للقديس باسيليوس الكبير. وهذا العمل هو مجموعة من القوانين الأخلاقية تبلغ 233 قانونًا، مُصنفة في 80 فصلاً. وتشمل هذه القوانين كل زوايا الحياة لدى البشر[59]، ويتألف كل واحد منها من قانون أخلاقي يتبعه فصول من العهد الجديد تدعمه وتؤكد مضمونه[60]. ويندهش القارئ من المعرفة العميقة والشاملة للقديس باسيليوس الكبير لنصوص العهد الجديد.
ويضع قواعد السلوك والأخلاق والحياة الروحية للمسيحي. وقد كانت محاولة فريدة من نوعها لوضع الأسس الأخلاقية للحياة المسيحية، وخاصةً الحياة الرهبانية وفقًا لتعاليم العهد الجديد[61].
أما فيما يتعلق بالتقليد، يجدر بنا أن نتوقف لنرى كيف يرى القديس باسيليوس الكبير التقليد المقدس بحد ذاته، وعلاقته بالكتاب المقدس. ويصنف القديس باسيليوس التقليد إلى نوعين:
تقليد مكتوب، وتقليد غير مكتوب. والتقليد غير المكتوب هو العقيدة، أما التقليد المكتوب فهو الكرازة. والكرازة يتضمنها الكتاب المقدس ومؤلفات آباء الكنيسة. أما العقيدة فهى التفسير غير المكتوب للكرازة، والتعمق في حقائق الإيمان، التي لا يمكن أن تتم بكلمات، وإنما يحياها المرء في أسرار الكنيسة، وفي العبادة وفي حياة الكنيسة بشكل عام.
وكل هذه تتسلمها الأجيال من جيل إلى جيل بدءًا من الرسل وبشكل مكتوب وهو الكتاب المقدس، أو بشكل شفهي غير مكتوب من خلال الحياة داخل الكنيسة، ولذلك فهى تشكل التقليد الرسولي. ويقول القديس باسيليوس الكبير إن كل مشكلة أو صعوبة تواجه لامؤمن، تنشأ من الابتعاد عن هذا التقليد، وعن حقيقة الإنجيل وعن بساطة الإيمان[62].
إن أهم أعمال القديس باسيليوس الكبير التي عرض فيها آراءه حول التقليد وعلاقته بالكتاب المقدس هو كتابه: ” حول الروح القدس”. وفيه يستعرض موضوع الروح القدس وتساويه بالجوهر مع الأقنومين الأولين للثالوث الأقدس أى مع الآب والابن، وكذلك يدحض آراء الهراطقة ويبني مفهوم الثالوث الأقدس مستندًا إلى الكتاب المقدس والتقليد[63].
ووفقًا لآراء القديس باسليوس الكبير، فإن حفظ التقليد، لا يتم فقط عن طريق التمسك بما هو موجود فيه، وإنما برفض كل ما هو غير موجود فيه. فقد هاجم القديس بشدة هؤلاء الذين يرفضون ألوهية الروح القدس بسبب قبولهم إثباتات الكتاب المقدس فقط وعدم اهتمامهم بالشهادات الشفهية غير المكتوبة للآباء، باعتبارها على حد اعتقادهم ليست ذات أهمية[64].
واستند باسيليوس في إثباتاته إلى العبارة المستخدمة في صلاة المعمودية: ” باسم الآب والابن والروح القدس ” ويتساءل إذا كنا نحن قد عرفنا الخلاص بالمعمودية هكذا، فهل نستطيع التخلي عن هذه العبارة المسلمة إلينا من التقليد، ونأخذ عبارة أخرى لا توجد في هذا التقليد؟ ويستطرد القديس باسيليوس الكبير في نصوصه حول الروح القدس قائلاً: ” إننا إذا فعلنا سنكون عندئذٍ بعيدين عن الخلاص، بالرغم من الزمن الذي آمنا فيه. لأن تلك الأشياء التي قبلناها في ذلك الزمن، نرفضها الآن.
كما أن الإنسان الذي مات بدون أن يقبل المعمودية يتعرض لنفس الضرر الذي يتعرض إليه الإنسان الذي يقبل شيئًا غير موجود في التقليد. إن من لا يطبق إلى الأبد اعترافه بإيمانه الذي أعلنه عندما دخل في الكنيسة وقبل المعمودية يجعل من نفسه إنسانًا غريبًا عما وعد به الله الإنسان، ويحارب نفسه بنفسه، إذا ينقض عهده الذي قطعه على نفسه عندما اعترف بإيمانه خلال المعمودية. إذًا فالإنسان الذي يضيف أو يحذف أى شئ من التقليد فهو بالتأكيد سيستثني من الحياة الأبدية “[65].
وفي الفصول الأخيرة من الكتاب المذكور يعرض القديس باسيليوس الكبير بشكل مفصل كل آراءه فيما يتعلق بالتقليد فيذكر قائلاً ” من العقائد والكرازات التي حفظت الكنيسة، منها ما يكون لدينا مسجلاً في التعليم المكتوبة والآخر يكون من تقليد الرسل المنقول إلينا بالأسرار. وكلاهما له نفس الأهمية من أجل الإيمان. فإذا حاولنا التخلي عن شئ مما هو غير مكتوب بحجة أنه ليس له أهمية كبيرة، فإننا عندئذٍ سنصير بالجوهر ذاته.
فعلى سبيل المثال نتساءل، مَن علم الممسيحيين رسم إشارة الصليب؟ وأن يتوجهوا إلى الشرق عند الصلاة؟ أى نص مكتوب يعلم ذلك؟ وأى قديس ترك لنا كلمات الصلاة لتقديس خبز الشكر؟ ومن أى نص مكتوب نأخذ كلمات تقديس المعمودية وزيت الميرون؟ ألسنا نأخذه من تقليد الأسرار الصامت؟ ومن أين أخذنا أنه من الواجب أن يغطس الإنسان ثلاث مرات في المعمودية؟ أليس كل ذلك مأخوذ من تعاليم الأسرار غير المكتوبة قائلاً أن نوع من أنواع الصمت أيضًا هو الغموض الذي يستخدمه الكتاب المقدس في تعابيره، مما يسبب صعوبة في فهم العقائد.
والتقليد بدوره يقوم بفك الغموض. ويشرح القديس باسيليوس الكبير بقوله إننا جميعًا نتوجه إلى الشرق عند الصلاة لكن القليلين فقط يعرفون أننا بذلك نبحث عن وطننا القديم، الجنة، التي زرعها الله شرق عدن. وكذلك فإننا ننهض واقفين ونصلي يوم الأحد، لكننا لا نعلم جميعًا أن صلاتنا هذه ونحن منتصبين وقائمين في اليوم الذي حدثت فيه القيامة، نذكر أنفسنا بالنعمة التي أعطيت لنا، ليس فقط بكوننا سنقوم من بين الأموات مع المسيح، وإنما يكون ذلك بشكل ما، تصويرًا للحياة المستقبلية.
وتكون فترة العنصرة بكاملها أيضًا عبارة عن تذكير بالقيامة المستقبلية التي ننتظرها، وبهذه القيامة علمتنا الكنيسة أن نفضل بالوقوف أثناء الصلاة، لننقل بذلك عقولنا من الحاضر إلى المستقبل. وفي كل مرة نركع فيها ثم نقوم واقفين، نتذكر من الناحية العملية أننا قد سقطنا بسبب الخطية إلى الأرض، ثم نهضنا من جديد وصعدنا إلى السماء بفضل محبة الله خالقنا لنا.
وكما أن الكتاب المقدس يرتكز على التقليد، والتقليد يفسره، وكما أن التقليد حفظ لنا الكتاب المقدس، كذلك فإن التقليد بدوره يعتمد على الكتاب المقدس. والكتاب المقدس يدعونا لحفظ التقليد. ويذكر القديس باسيليوس الكبير أن الرسل قد علمونا أيضًا أن نتمسك بالتقليد الشفهي غير المكتوب.
إن موضوع “الكتاب المقدس والتقليدد لدى القديس باسيليوس الكبير” موضوع مستجد ويحافظ على حداثته دائمًا. ففي كل العصور كان هناك مسيحيون بالاسم فقط، يجهلون ما في الكتاب المقدس، ولا يبالون بالتقليد. ودائمًا هناك أشخاص يستخدمون الكتاب المقدس للطعن في التقليد. وهناك دائمًا أتباع الهرطقات الذين يرفضون التقليد، فيقوضون بذلك دعائم الكنيسة.
فشكرًا للرب الذي حفظ لنا كتابات هؤلاء القديسين لنرتوي بها ونشرب من ينابيعها الثمينة. هؤلاء الذين دافعوا عن العقيدة والإيمان الصحيح.
شخصية القديس باسيليوس الكبير ومقارنتها بشخصيات الأنبياء والرسل
وصف القديس غريغوريوس اللاهوتي صديقه القديس باسيليوس الكبير، في الكتاب الذي كتبه خصيصًا لرثائه، بأنه كان شخصية عظيمة، وقارنه بشخصيات الأنبياء والقديسين في الكتاب المقدس، مثل آدم ونوح وإبراهيم واسحق ويعقوب ويوسف وسليمان ودانيال والمكابين السبع ويوحنا الإنجيلي والرسولين بطرس وبولس والتلاميذ أبناء زبدي.
لقد كان الهدف الذي سعى إليه القديس باسيليوس الكبير، أن يكتسب “قضائل جميع القديسين”. وبالفعل فقد اكتسب وداعة موسى، واستعداد بطرس للاعتراف بخطئه، وموهبة يوحنا في الفكر اللاهوتي، وأناة بولس في العناية والتدبير، ليس من أجل خير ومصلحة الكنيس فقط، وإنما من أجل خير ومصلحة جميع أفراد رعيتها من المؤمنين.
الهدف من وجود الإنسان وفقًا للمفاهيم المسيحية:
إن الهدف من وجود الإنسان وفقًا لمفاهيم غير المسيحيين قد يكون أحد أشياء عديد مثل المعرفة، أو العمل والنشاط، أو الحياة الرغيدة، أو الملذات .. الخ. أما بالنسبة لمفاهيم المسيحيين فهدف وجود الإنسان هو الحياة الطوباوية في الدهر الآتي بملكوت الله[66]. أى بمعنى آخر، فإن الهدف الأساسي والرئيسي لوجود الإنسان هو مجد الله.
ولكن بالرغم من أن تمجيد الله هو الهدف الرئيسي لوجود الإنسان، فإن الإنسان بتمجيده لله يتمجد هو أيضًا، وذلك لأن الإنسان مخلوق على صورة الله. ” إننا سنصبح على صورة الله بالقدر الذي تسمح طبيعتنا البشرية بذلك لنا “[67]. إن تشبه الإنسان بالله مسألة ذات أهمية جوهرية، لأنها ستجعله يعيش هو أيضًا الحياة الإلهية التي تغير الوجود الإنساني تغييرًا جذريًا.
يصف القديس باسيليوس الكبير في خاتمة كتابه “الأخلاقيات”، صفات المسيحي الحقيقي فيرسم صورته بشكل ما. فصفات المسيحي الحقيقي باختصار هى: الإيمان بالله الذي يظهر في صورة محبتنا له وتقبلنا لنعمته، والتجديد الذي تحدثه المعمودية في الإنسان، والطهارة الأخلاقية، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان، والتمجيد المستمر للمسيح، والاستعداد الروحي الدائم. إن هدف الإنسان المجاهد هو الانضمام إلى حياة الإله المتجسد، لأنه من الضروري في سبيل تحقيق الحياة المثلى أن يمتثل الإنسان بالمسيح فيتّبع خطاه في حياته ويتألم مثلما تألم[68].
فحياة الإنسان المؤمن يجب أن تكون المسيح بذاته، وهذا يعني أن كلامه سيكون عن المسيح، وتفكيره سيتركز في المسيح، وكل عمل سيقوم به سيكون مرتبطًا بوصايا المسيح، وروحه ستتشكل حسب روح المسيح وتعاليمه[69]. وهكذا نرى أن الخاصية الأساسية للحياة الروحية هى التشبه بالله، والطريق المؤدي لذلك هو اغتناء الروح بالمسيح.
ومما ذكرناه أعلاه، نستنتج أنه من أجل أن يكتسب الإنسان شخصية حقيقية يجب أن يعيش متحدًا بالثالوث الأقدس، وأن يكون عضوًا حيًا في هذا المجتمع الإلهي المقدس برفقة جميع القديسين.
مقارنة القديس باسيليوس بالنبي موسى:
هذا بالضبط ما فعله القديس باسيليوس. لقد حاول أن يقتدي بهدوء ووداعة النبي موسى، وأن يكتسب جميع فضائله. لقد كان موسى كاهن الله. كان الكاهن الأعظم لأنه عاقب أهل فرعون على سوء تصرفاتهم وقاد شعب إسرائيل إلى درب النجاة بمعجزات كبيرة وعظيمة قام بها، ودخل في السحابة فأعطى شعبه ناموسًامزدوجًا، الناموس المكتوب _الخارجي) وناموس الروح (الداخلي).
لقد أصبح موسى النبي نموذجًا ومثالاً للقديس باسيليوس فهاجم أعداء الكنيسة من الهراطقة في مصر، معذبًا إياهم ليس بالسوط الذي يسئ للجسد، بل بكل الأسواط الروحية والفكرية. وقاد شعب الله المختار إلى أرض الميعاد، ممتلئًا حماسًا واندفاعًا للعمل الصالح، وواضعًا لنواميس والألواح التي لا يهددها خطر التدمير والتحطيم، أى تلك النواميس الروحية الأصيلة التي تبقى إلى أبد الدهر. وكان يدخل إلى أقدس المقدسات، ليس مرة واحدة كل سنة، وإنما مرات عديدة، لينهل منها القوة ويكشف لنا أسرار الثالوث الأقدس، ويطهّر شعبه بالطهارة الأبدية.
لننظر إذًا ونتمعن في حياة القديس باسيليوس الكبير، التي مر من خلالها في العديد من التجارب القاسية، دون أن تحبط عزيمته تلك الصعاب التي واجهها، ودون أن تحد من اندفاعه وحماسه في كرازة الإنجيل وفي العمل على زيادة عدد المؤمنين من أعضاء الكنيسة والدفاع عن تعاليم الإيمان الحقيقي.
مقارنة القديس باسيليوس الكبير بالقديسين بطرس ويوحنا:
لقد إحتذى القديس باسيليوس الكبير حذو بطرس الرسول في اعترافه. فلقد قضى حياته في اعتراف مستمر بإيمانه بالمسيح المخلّص وبمحبته له، وذلك منذ اللحظة الأولى التي عرفه فيها من خلال صفحات الإنجيل، وحتى الساعة التي أسلم فيها روحه إليه. لقد كان همه اليومي وعنايته الأساسية نشر تعاليم الرب وكلمته، وكرازة الإنجيل ليكون المسيح الإله المخلّص الشخصي للإنسان الذي هو في أمس الحاجة إلى الخلاص.
وبالطبع فإن عمل القديس باسيليوس الكبير هذا، الذي هو عمل الكنيسة وتعاليمها الموجهة إلى العالم، ليس عملاً سهلاً. إن الخدمة والكرازة هى العمل الذي بمقتضاه ييتم تفسير حياة الكنيسة، وتتم من خلاله دعوة البشر للمساهمة في عمل الله.
وأمام هذا لاعمل الصعب وهذه المسئولية العظيمة فيما يتعلق بالكرازة يتساءل القديس باسيليوس الكبير: ” ما هو الأمل الذي سيدور حوله نقاشنا “؟ وذلك لأن الكرازة بحد ذاتها هى نقاش داخلي، وعهد بين الله والإنسان. الله يتكلم والإنسان ينصت ويتقبل كلام الله بحرية. ولذلك يتساءل النبي قائلاً: ” من صدّق خبرنا “؟[70]. فلأن الإنسان يسمع بحرية، ويتحاور مع الله في سره، لذلك فإنه إذا رفض كلام الله لن يكون رفضه هذا بدون عواقب.
ونحن المسيحيون يجب أن ننتبه إلى ذلك. وبشكل خاص من كان منا يكثر من الاستماع إلى الكرازة والوعظ، فيهتم للكم لا للموضوع. ماذا نستفيد إذا سمعنا كلام الله بكثرة، لكننا حالما نننخرج من الكنيسة أو من مكان الكرازة نرفض التعاليمم التي علمتنا إياها؟ إننا نتحاور مع الله الذي يتكلم بلسان الواعظ أو الكاهن الذي يقوم بالكرازة، وبين المؤمنين الذين يستمعون إلى كلام الله.
فإذا رفضنا كلمة الله في نهاية الأمر، فإننا سنحاسب أمامه على ذلك. ومن هذا المنطلق لكان من الأفضل لنا أساسًا أن نستمع إلى عظة واحدة فقط، ونحاول تفسيرها تفسيرًا صحيحًا ونطبقها في حياتنا وأعمالنا، بدلاً من أن نستمع إلى العديد من المواعظ وأن نرفضها دون تفكير ودراسة. لأنه حيث تكون الحرية بمتناول أيدينا، تكون المسئولية الملقاة على عاتقنا أكبر وأعظم.
لقد اكتسب القديس باسيليوس الكبير “لاهوت يوحنا” أيضًا. إن تلميذ الحبيب “الذي اتكأ على صدره”[71] وقت العشاء السري، قد تعلم اللاهوت يسماعه لقلب وروح اللاهوت من الرب. ولم يتعلم اللاهوت فقط بل أصبح معلّمًا له، وسجله في إنجيله. ولكن أين تعلم القديس باسيليوس اللاهوت؟ لقد تعلمه من خلال متابعته الدروس في مدرسة الصلاة والدموع والتنسك، عندما ذهب مع صديقه غريغوريوس إلى البنط للتنسك والتعبد لفترة زمنية معينة.
لقد تعلم اللاهوت عندما سهر تحت أقدام المسيح المصلوب المضرجة بالدماء، وعندما نظر إلى جنبه المطعون بالحرية، فرأى أن منه قد “خرج دم وماء” .. “ماء” المعمودية. لقد تعلم اللاهوت عندما كان يتأمل “جرح” يسوع الذي كان ينبع منه “إكسير” الحياة الأبدية، الذي شفى به “الجرح” الأعظم، الذي هو الإنسان[72]. لقد تعلم اللاهوت أيضًا من خلال خدمته ككاهن في الكنيسة، فكان الخبز والخمر يتحولان في يدهه إلى جسد ودم المسيح.
مقارنة القديس باسيليوس ببولس الرسول:
لقد احتذى أيضًا القديس باسيليوس حذو بولس الرسول، في عنايته ورعايته التي قدمها “من أجل جميع الكنائس”، وليس ذلك فقط، بل في عنايته ورعايته لأخيه الإنسان. فإذا كان بولس الرسول قد قال: ” من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب “؟[73].
وقال أيضًا: ” إني ثلاث سنين ليلاً ونهارًا لم أفتر عن أن أُنذِر بدموع كل واحد”[74]
وكذلك قال: ” كأولادي الأحباء أنذركم “[75]، فإن القديس باسيليوس الكبير يعرض العمل الذي قام به في حياته فبارك الله عمله هذا. ففي مدينة باسيليادة، بذل جهودًا جبارة وساعد كل المحتاجين وخفف عن آلامهم، حيث كان الآلاف من اليتامى يلقون العطف والحنان الأبوي منه، وكانت الأرامل يلقين الحماية، وكان الفقراء يلقون الاحسان، وكان المرضى يلقون التطبيب والعناية والاستشفاء. وفي الوقت الذي كان يغيب فيه القديس باسيليوس عن مذبح الكنيسة وعن الصلاة والخدمة الإلهية، كنت تلقاه في خدمة الاخوة من الرعية ممن كانوا بحاجة لمسعدته.
خاتمة:
لقد حاولنا هنا التطرق باختصار إلى بعض الجوانب المتعددة لشخصية القديس باسيليوس الكبير، التي تزيينها كل خصال القداسة. ولكن ينتابنا شعور بأننا لم نتكلم عن فضائله الأخلاقية العديدة، ومنها التقشف، والابتعاد عن الملذات، والطهارة، والبتولية، وعن موقفه تجاه خصومه وأعدائه ومن اتهموه بالباطل وهاجموه ولاحقوه. كما أننا نتكلم أيضًا عن مزاياه العقلانية وعن بلاغة لسانه، واقتداره في الكتابة والتأليف، وعن مواقفه المفحمة وحجة لسانه وعبقريته اللاهوتية في مواجهة الهرطقة والدفاع عن العقيدة المسيحية والإيمان الحقيقي.
لقد كان القديس باسيليوس الكبير نموذجًا حيًا للفضيلة، وقد ذكر صديقه غريغوريوس اللاهوتي أن فضائله كانت تستحق التمجيد لدرجة أنه حتى بعض السلبيات الصغيرة التي كانت موجودة فيه اعتبرت من قبل الكثيرين مزايا تجلب المجد لصاحبها. وهذا ما بدا واضحًا عند وفاته وخلال جنازته، حيث إن السوق وجميع أروقة المدينة ومبانيها كانت مكتظة بالناس من سكتن المدينة والغرباء الذين جاءوا للمشاركة في الجنازة والحزن ظاهر على وجوههم. لقد حملوه على أكتافهم وتسابق في ذلك المسيحيون مع غير المسيحيون، اليونانيون مع اليهود، سكان المدينة مع الغرباء.
وبسبب الازدحام الشديد مات الكثيرون، فرافقوه في رحلته الأخيرة إلى جوار ربه. لقد حدث كل ذلك بسبب تلك الشخصية المكتملة التي امتد إشعاعها إلى جميع الآفاق، فأثرت بالمؤمنين وغير المؤمنين، بالمسيحيين والوثنيين، بالأصدقاء والأعداء.
ويجدر بنا إذًا، نحن الذين نسعى للتقوى، وللتعمق باللاهوت والحكمة، أن نمجد هذا القديس العظيم، وأن نمدحه جزيل المديح، وأن يذكر الواحد منا للآخر فضائله هذه، لنكتسب منها جميعًا، من أجل خير مجتمعنا بأكمله.
[28] الأقمار الثلاثة هم ذهبي الفم، وباسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللاهوتي
[29] انظر:سلسلة “أباء الكنيسة اليونانية” أعمال القديس باسيليوس الكبير، المجلد الثاني، صفحة71.
الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي
الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي
إعداد
د. عصام سامي زكي
دكتوراه في اللاهوت
إهداء إلى روح المتنيح الزميل والصديق والأخ والأب: أبونا صموئيل وهبة، الذي لي ثقة أنه يصلي عني في السماء
ابنك عصام سامي
مقدمة:
الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة غنية بآبائها ومعلّميها والذين بذلوا حياتهم في التعليم والوعظ والكتابة ومقاومة المبتدعين والهراطقة، ومن أشهر هؤلاء هم القديسون الثلاثة باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم والذين كانوا يلقبوا بأقمار الكنيسة الثلاثة، فنجد هذا الكتاب يحكي عن حياتهم وتعليمهم وتاريخ الكنيسة من خلالهم في صورة مبسطة ودقيقة فالمعد لهذا الكتاب كان دقيقًا منظمًا يذكر الحقيقة بصورة جميلة جمع بين التاريخ لأهم آباء الكنيسة وبين الروحيات العميقة واللاهوت كما قدمه اللاهوتيين الكبار بالكنيسة كما عضد الكاتب كل أجزاء الكتاب بالمراجع، الأمر الذي جعل من هذا الكتاب مرجعًا مهمًا.
وأخيرًا أقدّم الشكر لمعد هذا الكتاب لما بذله من تعب في إعداده والحصول على معلومة مفيدة ودقيقة وتقديمها لكل مسيحي يريد أن يتعمق في تاريخ الآباء الأول والذين لهم أهمية عظمى في الكنيسة إذ لا يخلو تعليم أو عظة في الكنيسة أو كتاب لأي كاتب أرثوذكسي من أحد أقوال هؤلاء الآباء.
الرب يعوض تعبه خيرًا ويجعل هذا العمل سبب بركة لكل إنسان
غبريال
أسقف بني سويف
مدخل للآبائيات
لقد عاشت الكنيسة وتعيش وسوف تعيش بقوة الروح الذي عمل في الآباء الذين أعطوا حياتهم لها وسوف يعطوا. فالكنيسة خالدة ولن تتوقف عن إنجاب آباء وقديسين. وقبل أن نسرد موجزًا صغيرًا عن بعض الآباء سنتعرف أولاً عن:
معنى وأهمية دراسة آباء الكنيسة:
الكنيسة عاشت وتعيش بآبائها ومعلّميها الذين ولدوا في أحضانها متعلمين من الروح القدس. ولهذا يلزم:
أ ـ تعريف عام بآباء ومعلّمي الكنيسة وكتاباتهم.
ب ـ تقديم بعض ما كتبه آباء ومعلّمي الكنيسة بطريقة مبسطة يسهل على القارئ فهم ما كتبوه.
ومن المهم جدًا أن نشرح أولاً مَن هو الأب ومَن هو المعلّم في الكنيسة؟ وبعد ذلك نحدد بالتدقيق معنى علم الآباء، حدوده، محتوياته، طريقة بحثه ومكانة الآباء في اللاهوت.
ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الكنيسة ليست غنية فقط بأبنائها ولكن أيضًا بمعلّميها.
الأب والمعلّم:
الكنيسة تميّز بين الأب والمعلّم:
الأب أو الراعي هو الذي يلد المؤمنين روحيًا ويوجههم ويربطهم بالمخلّص يسوع المسيح عن طريق الروح القدس في الإنجيل والعامل في أسرار الكنيسة.
المعلّم وهو الذي له موهبة خاصة في التعليم حيث يقوم بمسئولية التعليم والتفسير للمؤمنين عن حقيقة الله، ويواجه أيضًا المشاكل الكبيرة والأزمات الشديدة اللاهوتية التي تعترض الكنيسة ويقوم بإيجاد حل لها.
ومن الأهمية أن نوضح أن كثيرًا من آباء الكنيسة كانوا آباء ومعلّمين في نفس الوقت وقد لقبتهم الكنيسة باسم الأب فقط دون أن تذكرهم باسم أب ومعلّم.
فغريغوريوس اللاهوتي على سبيل المثال يذكر في الكنيسة كمعلّم عظيم لكنيسة المسيح بينما كيرلس الأسكندري يُذكر كراعي ومعلّم حكيم في الكنيسة[1].
ومن المعروف أن الكنيسة عندما تعطي أحد أعضائها لقب الأب والمعلّم ليس من فراغ أو بالصدفة وإنما تقوم بالبحث الدقيق جدًا في كتاباته وعظاته وكيف قدم وأعطى للكنيسة.
الأعمال والكتب الكنسية وكيف قدّمها كتّابها ومعلّميها:
بصفة عامة قدّم اللاهوتيين لاهوتهم من منابع عديدة منها:
1 ـ الوعظ:
حيث كان من الضرورى إرشاد المؤمنين وتفسير الكلمة لهم حيث عكفوا على معايشة الكلمة وبمساعدة الروح القدس وعظوا المؤمنين عن الحقيقة التي تكلم عنها الكتاب المقدس.
2 ـ إظهار الحقيقة ومواجهة الهراطقة:
هنا تظهر محاولة اللاهوتيين في مواجهة الآراء والتعاليم الخاطئة التي قام بإثارتها أفراد أو أعضاء من الكنيسة أو خارجها حيث إن هذه التعاليم الغير صحيحة صارت وتصير عقبة في تقدم المؤمنين وتمثل خطورة في تعطيل خلاصهم لأن هذه التعاليم لا تعبّر عن الحقيقة، ولكنها خيال كاذب بعيد كل البُعد عن الحق الذي يؤدي إلى الخلاص وحيث أن جزءًا من عمل اللاهوتيين هو توضيح خطورة تلك الهرطقات محاولين إبعادها عن المؤمنين طالبين في ذلك أولاً الخبرة العملية للحقيقة التي عاشها آباء ومعلّمي الكنيسة محاولين في إظهار أخطاء هؤلاء الذين أصروا على أن عندهم الحقيقة وهو ليس صحيحًا، بل بأفكارهم السيئة وتعاليمهم الكاذبة زيفوا الحقيقة التي تكلم وكتب عنها الآباء والمعلّمين للكنيسة والتي تظهر أيضًا في المجاممع سواء المسكونية أو المحلية حيث إن الروح القدس كان مشاركًا وحاضرًا في بعض هذه المجامع وأضاء بوضوح، حيث قامت بإيضاح الكتب والتعاليم الفاسدة التي ضد التقليد وتعاليم الكنيسة.
ونستطيع أن نقول إن الآباء في إظهارهم للحقيقة الإلهية كانوا مفسرين للتدبير الإلهي لخلاص الإنسان أى عمل الثالوث لأجل البشرية.
وهنا يجب الإشارة إلى أن جزءًا من الكتابات المسيحية هذه كانت ردًا على أصحاب مذهب الغنوسية (مذهب الخلاص بالمعرفة) وأيضًا للعالم بصفة عامة سواء كان مؤمنًا أو غير مؤمن.
3 ـ صياغة الخبرة الإلهية:
أعضاء الكنيسة الذين لهم مع الروح القدس خبرة خاصة نتيجة الحياة التي عاشوها مع الحقيقة كاملة وعميقة قد اعتبروا أنه من الجيد صياغة هذه الخبرة العملية بصفة خاصة وكل تعاليمهم التي تعلّموها وعاشوها مع الروح القدس لاقتناء هذه الخبرة بصفة عامة.
الكنيسة منذ البدء كانت لها الرؤية الواضحة والتي بها ميزت بين الآباء الحقيقيين الذين أعطوا حياتهم للمسيح ولأولاده بلا حساب وبين مَن دعوا من الآخرين آباء. وهذا واضحًا ليس من التقدير والاحترام الذي أعطته لهم الكنيسة ولكن أيضًا بالطريقة المثلى في عطائهم للمؤمنين الذين في الحقيقة كانوا نورًا في العالم بطريقة حياتهم، في عطائهم، في سخائهم، بالإضافة إلى أنهم تركوا ثروتهم القلبية والعقلية في كتبهم التي هى كنز معطي باستمرار.
4 ـ العبادة والطقوس:
كان الاهتمام والعناية الأولى في تكوين الكنيسة هو ترتيب الأسرار والطقوس كسر المعمودية وسر التناول .. الخ، وغيرها من الأسرار على مضي الوقت، وهكذا تكونت النصوص الليتورجية خطو خطوة وكانت نتيجة ذلك أن المؤمنين عاشوا في المسيح متمتعين بالحياة الليتورجية مثمرين بذلك الألحان والأناشيد والتسابيح الكنسية.
نستطيع أن نفهم من العناصر السابقة أن الكتابات الآبائية التي ساعدت في خلق اللاهوت الكنسي الأصيل تساعدنا نحن أيضًا في تمييز الكتابات الصحيحة من غير الصحيحة.
اللاهوتي الحديث والتمييز بين الأب والمعلّم:
بعض اللاهوتيين المحدثين لم يعطوا الأهمية اللازمة لهذا التمييز بين الأب والمعلّم في الكنيسة، وذلك هروبًا من مشقة البحث، لأن هذا التمييز يستلزم من الباحث أن يفتش بالتدقيق في حياة وكتابات هؤلاء الآباء والمعلّمين ليرى الصورة بوضوح ويكشف الدور الذي قام به كل منهم وما قدمه للكنيسة في مسيرتها اللاهوتية الشاقة.
الآباء النساك:
وإلى جوار هذا التمييز السابق بين الأب والمعلّم هناك قديسون عظماء في الكنيسة الذين قدموا بحياتهم وسيرتهم وجهادهم في الجسد، قدوة للمؤمنين وصاروا نموذجًا يحتذى به، أمثال: القديسون الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بولا السائح، والثلاث مقارات القديسين، والقديسة مريم المصرية، وغيرهم كثيرون من الناسكون والناسكات، ومنهم من وصل إلى حالة التطهير الكامل، إذ كانت لهم شركة عميقة مع الإله الحق تبارك اسمه وكانوا مملوءين من روح المسيح القدوس. وكثير من هؤلاء القديسين لم يتركوا لنا كتابات في التعليم اللاهوتي والعقائد الكنسية ولكنهم تركوا لنا حياة معاشة تشرح اللاهوت والعقيدة عمليًا. دور هؤلاء القديسين في الكنيسة لا يقل في الأهمية عن دور الأب أو المعلّم.
الآباء كتبوا لاهوتهم مستضيئين بنور الروح القدس:
كتابات آباء وملعّمي الكنيسة كانت ثمرة شركة حقيقية مع الروح القدس. كما يقول القديس غريغوريوس النيسي [ الأنبياء والرسل وكذلك الرعاة (الآباء) والمعلّمون تغنوا بالروح القدس]. ولهذا فالكنيسة تعتبر كتاباتهم هذه ـ والتي تسميها الكنيسة بالتقليد ـ أنها تلي الكتاب المقدس مباشرةً في الأهمية كما أنها تعتبر العامل الأول في فهم الكتاب المقدس نفسه فهمًا مستقيمًا.
كتابات الآباء تعتبر أن الدخول إلى معرفة الحق والوصول إليه لا يمكن أن يتم إلاّ بواسطة إنارة الروح القدس المعطى مجانًا لأولئك الذين أعطوا حياتهم لله كليةً وبدون تحفظ. ونحن نتكلم هنا عن الحق الإلهي الذي يحرك الفكر وينقي المعنى الذي يظهر في الكلمة المكتوبة أو المقروءة. ومن المهم جدًا أن نذكر هنا أنه بدون قبول إشعاع الروح القدس لا نستطيع أن ندخل إلى معرفة الحق المكتوب في الكتاب المقدس.
ومن المعروف أنه في الأوقات الحرجة التي مرت بها الكنيسة استطاع الآباء والمعلّمون ـ بإنارة الروح القدس وإرشاده ـ أن يعبروا عن التعليم اللاهوتي الأصيل بقوة تفوق التفكير البشري[2]، وذلك برهان واضح على إيمان الكنيسة العظيم الذي حفظ بقوة بواسطة هؤلاء الآباء العظماء، حيث إن تعاليمهم ليست آراء شخصية بل هى تعاليم جامعة تابعة لتعاليم الرسل مكملة لها.
الحقيقة وكيف قدّمها الآباء في كتاباتهم:
الحق الذي يتطابق مع الوحي الإلهي يعطي للإنسان بطريقة إعلانية. الحقيقة هى الإله الحق أى الثالوث القدوس وعمله لأجل خلاص الإنسان، أعلن للإنسان بطريقة تدريجية: مرحلة الناموس ثم مرحلة الأنبياء ثم مرحلة الإنجيل (أى الاعلان الذي تم في تجسد الإلله) … ثم مرحلة يوم الخمسين. وهذه المرحلة هى مرحلة القيادة بالروح القدس في الكنيسة[3].
وفي هذا الصدد يذكر أبونا ومعلّمنا القديس كيرلس الأسكندري بكل وضوح [ أن الابن الوحيد الجنس يعلن عن نفسه بصفة مستمرة ][4]. ويذكر أن نور الروح القدس يعلن الرب نفسه. وهذا الخط في التعليم يتبعه معظم الآباء الذين جاءوا بعد كيرلس.
ومن الجدير بالذكر أن الآباء اعتمادًا على قول المسيح مخلّصنا له المجد أن هناك حقائق أخرى غير التي قالها المسيح لتلاميذه، سوف يعلّمهم إياها الروح القدس كاملة: ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو12:6ـ13). وكلمات المسيح هذه تقودنا إلى الطريقة التي تكشف لنا الحق الإلهي (أى عن نفسه).
وطالما أن المسيح لم يخبرنا عن الحقيقة كلها وأن الحقيقة الكاملة موجودة في شخصه، فهذا معناه أن الحقيقة الكاملة في عمقها واتساعها لا يمكن أن تعلن بسهولة. ورغم أن التجسد الإلهي هو الحقيقة ـ إذ أن الكلمة ظهر في الجسد ـ ولكن هذا الاعلان لا يعني أن الكلمة المتجسد أظهر الحقيقة وأعلنها كاملة بكل أعماقها وأبعادها. وحينما نتكلم عن الاعلان الإلهي أو اعلان الحق فنحن نعني أن الله يظهر الحقيقة للإنسان في شكلها العام. والإنسان الذي يجاهد ويطلب الاستمرار في الصلاة بالروح ينال الاعلان الإلهي ويشترك في الحقيقة ويعرف الحق والحق يحرره.
إن معرفة الحق ضرورية للإنسان الذي يبحث عن خلاصه فمعرفة الحق إتحاد بالله الذي هو حياة جديدة للإنسان. وحيث إن الكنيسة تعلم أن خلاص الإنسان هى حياته وبدون الخلاص فهناك الموت، لذلك أصبحت معرفة الحق أى الشركة في الحق هى مسألة حياة أو موت. وأصبحت هناك ضرورة أن يتعلم أعضاء الكنيسة الشركة مع الحق والتمييز بين الحق الأصيل وبين التعاليم المزيفة التي هى ليست حقًا بل كذبًا.
ملء الاعلان الإلهي:
اعلان الله للبشرية قبل المسيح كان ناقصًا. لذلك أعلن الله عن نفسه في الكلمة المتجسد حيث كانت الحقيقة، وبالتالي فإن اعلان الحقيقة في شخص المسيح كان كاملاً وفي ملء أصالته والتي يعلنها كاملة الروح القدس.
وهنا يُطرح التساؤل: هل المسيح الذي هو الحقيقة صار تاريخًا ماضيًا اندثر؟
بالطبع لا نستطيع أن نقول ذلك لأن مسيح التاريخ مسيح حيّ حاضر بدوره في الكنيسة الواحدة المقدسة وتدبيره في الجسد هو لأجل خلاصنا وخلاص كل البشرية في كل الأزمان ” الذي نجانا من موت مثل هذا وهو ينجي الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي أيضًا فيما بعد ” (2كو10:1).
ونحن عندما نبحث ونفتش عن الحقيقة لا يقلل ذلك من الاعلان بل يكمله ويتممه وينقيه من أى تعاليم فاسدة أو دخيلة.
عندنا في ذلك أعظم مثل آباء الكنيسة حيث استطاعوا أن يتعمقوا بأبعاد مختلفة في فهم الحقيقة بمساعدة الروح القدس وواجهوا هؤلاء الذين بجهلهم رفضوا الإله الحقيقي وتبعوا الإله المزيف الذي صنعوه بفكرهم الخالي من الحقيقة. نجد في ذلك أمثلة كثيرة ففي مطلع القرن الرابع تقريبًا ظهر آريوس بتعاليمه الفاسدة والتي تشوه كل الحقيقة ولكن كما ذكرنا أن آباء الكنيسة كانوا قديسين وعظماء حيث كانوا عمالقة في البحث والتنقيب عن الحقائق الإلهية، فيظهر العظيم أثناسيوس في نفس العصر ليؤكد لآريوس أن تعاليمه فاسدة وليست حسب المكتوب وليست حسب تعاليم التقليد الكنسي بأدلة لاهوتية وفلسفية قوية.
لابد من أن تقتنع أنه بالرغم من أننا في شركة مع المسيح (الكلمة) لا نعرف الكثير عنه ونحتاج إلى الجهد والكفاح الدائم المستمر لنعرف هذه الحقيقة التي تعلن عن طريق الروح القدس الحيّ الحاضر بيننا. التاريخ يؤكد أن الحقيقة لم تعطَ وسوف لا تُعطى لأناس مظلمي الفكر، ولا لأناس يتكلمون عن الله نظريًا بدون حياة وشركة معه ولا لمن أغلقوا الأبواب في طريق الفكر المفتوح، بل لهؤلاء الآباء العظماء الذين فتحوا نوافذ عقولهم وقلوبهم لكل فكر ممتحنين كل شئ بالتدقيق فاحصين كل شئ بالروح.
هنا يتضح كيف يقود الروح القدس هؤلاء الأمناء المخلصين إلى اكتشاف وفهم الحقيقة، حيث إنه لا يوجد لاهوت بدون اعلان عن الحقيقة “كل الحقيقة”[5]. وعلى هذا الضوء فإن مشكلة طبيعة المسيح، على سبيل المثال، في القرون الأولى كانت مشكلة لم يشار إليها[6] من قبل لا في نصوص الكتاب المقدس ولا في التقليد مع أن المسيح تكلم عن نفسه وجاء الرسل وتلاميذه متكلمين عنه إلاّ أن هذا الموضوع أعلن عن طريق الروح القدس بواسطة آباء الكنيسة أمثال كيرلس الأسكندري وغيره.
سنتكلم في هذا الموضوع بإيجاز فيما بعد.
نحن نؤكد أنه في حقل اللاهوت الآبائي توجد طريقة حية قوية يتم عن طريقها النجاح والتقدم في فهم ومعرفة الحقيقة التي كانت بداياتها وأساسها وجوهرها الكتاب المقدس والتي أيضًا ستظل غير معلنة بالكامل. إن التقدم في معرفة هذه الحقيقة يتحقق عن طريق الروح القدس مستخدمًا بعض أعضاء الكنيسة والذين صاروا آباء ومعلّمين فيها.
غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم في توضيحهما وتفسيرها لكيفية إعلان الله عن النفس البشرية ويذكرون أن مسيرة الإعلان كانت في تطور، فيقولون إنه كان مستحيلاً وغير منطقي إطلاقًا أن يبدأ المسيح رسالته بالإعلان عن نفسه أنه مساو للآب، كيف يكون ذلك وهم لا يستطيعون أن يدركوا أو يفهموا [ مَن هو الآب ومَن هو الابن ][7].
في حديث غريغوريوس اللاهوتي عن الاعلان يقول[8]: إنه من الخطأ أن نظن أن الله سوف يعلن عن نفسه للإنسان ما لم يطلب الإنسان ذلك بصبر طويل باحثًا ومفتشًا عن ذلك وبالتالي على الإنسان أن يطلب فهم الاعلان في سعي مستمر وبدون ملل وذلك واضح تمامًا في أعمال الآباء وكيف كان لجهادهم المستمر مع الحقيقة أن عرفوا بعضها وستعلن لكل مَن يطلبها كما طلبها هؤلاء.
الحقيقة عند الآباء:
الحقيقة التي تكلم عنها الآباء كإجلاء وتوضيح للإعلان الإلهي:
بعد كل ما ذكرناه هذا نطرح السؤال التالي:
ما هو اللاهوت الذي قدمه الآباء؟ أو ما هى الحقيقة التي عبر عنها الآباء وقدموها كنتيجة للفهم الأصيل للحقيقة التي جاء بها الإنجيل والتقليد؟
في البداية نريد أن نوضح أنه طالما هو فهم للحقيقة فما قدمه الآباء ليس هو حقيقة جديدة. فالقديس إيريناؤس يذكر مؤكدًا أن الأب اللاهوتي لم يأت بمسيح جديد ولا بإله آخر ولكنه يدخل بعمق إلى هذه الحقائق الإلهية الموجودة، والعمق هنا بكل أبعاده سواء النظري في البحث والتعمق أو بحياته فيعيش العمق. فكل مَن عاش العمق بدموع وأنين ومعاناة مرة صنع طرقًا جديدة لم تكن جديدة لم تكن مسلوكة من قبل وهذا بالفعل ما حققه الآباء في تعمقهم. معطين إجابات وحلولاً للمشاكل التي كانت، وهذه الإجابات هى توضيح وتفسير للحقائق الموجودة، كما قلنا.
والحقيقة التي نحن بصددها الآن لا يتم الاعلان عنها ومعرفتها بمحاولات الإنسان الفردية فقط بل بمساعدة التدخل الإلهي. فالحقيقة التي نحن بصددها الآن يتم الاعلان عنها في كثير من الأحيان عن طريق مساعدة الروح القدس العامل في الآباء والمعلّمين والمشترك معهم في الاعلان عن هذه الحقيقة.
وعندما لا يتدخل الروح القدس في الاعلان عن الحقيقة الغير واضحة يكون التوضيح غير مقنع، والتفسير يكون خطرًا.
بل بالعكس بدلاً من أن يكون تفسيرًا وتوضيحًا لشئ غير واضح فإنه يزيده تعقيدًا ويؤدي إلى هرطقات حيث يكون منبعها الخيال عند هؤلاء الذين ظنوا ويظنون إلى يومنا هذا أنهم آباء ومعلّمين أن الروح القدس يقودهم في أمور ومواضيع ومشاكل الإنسان العصري، فيضعون رؤيتهم ويجدون حلولاً ليست لها علاقة إطلاقًا بالحق وبدلاً من أن يقودوا الإنسان إلى معرفة الحق، يضللوه بضلالهم البعيد كل البعد عن روح الله، هذا ينطبق سواء على مشاكل الإنسان أو تعاليم الكنيسة العقائدية.
فعلى سبيل المثال نجد موضوع العلاقة بين الآب والابن والذي كان مشكلة خطيرة وضخمة في القرن الرابع وتعبت منه الكنيسة تقريبًا قرنين من الزمان وهى تبحث في ذلك الموضوع الذي لم يكن واضحًا تمامًا لا في الكتاب المقدس ولا في التقليد ولكن بعمل الروح القدس مع آباء الكنيسة ومعلّميها وجدت الكنيسة حلاً لتلك المشكلة التي أضرتها كثيرًا وأرهقتها.
وبواسطة التعبير الآبائي اليوناني “أوموسيوس” الذي يعني “الواحد في الجوهر” أو المساوي في الجوهر” خرجت الكنيسة من هذه المشكلة.
إن ما قدمه الآباء للمؤمنين وللبشرية شئ عظيم له لمعانه ونوره كنتيجة للشركة مع نور الروح القدس[9].
وحسب تعبير القديس أثناسيوس الكبير[10] أن الله أعلن عن نفسه لبعض المؤمنين اللاهوتيين الذين عندهم، أو أعطيت لهم موهبة فهم الاعلان، حيث إنهم أمناء من كل جهة.
العطاء الذي قدمه الأب والمعلّم هو تفسير وتوضيح وليس تعديل أو معرفة عقلية إجتهادية:
في كل مسيرة الكنيسة فإن الأب والمعلّم دائمًا ـ بواسطة استنارة الروح القدس ـ يقدم شئ أكثر مما هو موجود لتوضيح الحقيقة، حيث إن أساسهم في ذلك ومرجعهم هو الكتاب المقدس وبالتالي مع الوقت تكونت النواة اللاهوتية الآبائية والتي كان التاريخ والفلسفة أيضًا من مراجعها.
هذه النواة اللاهوتية التي كونها الآباء والمعلّمون والتي توضح الحقيقة في اتساعها. هل تعني يا ترى تعديلاً للإعلان الإلهي؟ أم هى شئ آخر؟
وبتوضيح أكثر: هل الآباء قاموا بتعديل ما أخذوه من المسيح رب المجد ومن الآباء الرسل؟ بالطبع لا!
كل ما هو موجود في الكنيسة كحقيقة هو أصيل وحقيقي ولا يقبل تعديلا أو تصحيحًا لآنه صحيح في أصالته. إن كل تعليم معلن هو عمل الله لأجل خلاص الإنسان، والذي هو أصيل في كل العصور من القرن الأول الميلادي حينما أعلن، وحتى يومنا هذا. لأنه إذا كانت التقدمة اللاهوتية التي قدمها الآباء هي تعديل لمسيرة الإعلان الإلهي، لكان هذا دليًلا واضحًا على أن عمل الآباء هو رفض وإنكار للكنيسة وليس مكمًلا لها. إن تعاليم الآباء في الكنيسة هي إضافة خبرتهم الإلهية للحقيقة التي هي حصيلة استنارتهم بالروح القدس[11]، إلى الحقيقة.
إن الروح القدس هو الذي يعطي الكلمة التي تكلم بها الآباء وهو الروح القدس نفسه الذي انسكب على تلاميذ يوم تكوين الكنيسة “يوم الخمسين” والذي كان وسيكون،وينسكب ويعلن لكل إنسان ينسكب بإيمان وإخلاص وبروح التواضع والانتباه لعمل الروح القدس الذي لا يحجز نفسه عن الأمناء.
إن الكنيسة بواسطة آبائها ومعلّميها الموهوبين من الروح القدس لمعرفة[12]وتمييز الحقيقة التي يعيشونها كخبرة حية، تنمو وتتقدم، وهذا في حد ذاته ربح عظيم للكنيسة. إن الحقيقة ليست هى في زيادة ولا نقصان ولكن هى متطابقة مع الحقيقة الإلهية[13] أى أن الإنسان تتسع خبرته في فهمها.
في كثير من الأحيان يحدث ليس في موضوع الحقيقة وكيف قدمها الآباء في كتاباتهم، وهل هى حقائق أخرى بخلاف الحقيقة الإلهية أم هى نفسها؟ وإن كانت هى نفسها فماذا قدم الآباء؟
كل هذه التساؤلات تعطى للقارئ فرصة للبحث ونحن قد أجبنا على بعضها. ويأتي القديس باسيليوس الكبير يقول[14].
” لا تضع في الكنيسة قوانين تؤهلنا إلى مزيد من الحقائق ولا عقائد جديدة، وإنما هو مزيد من التمثل بالآباء الرسل الذين شرحوا الحقيقة.
الآباء والكتاب المقدس:
إن التعاليم التي قدمها آباء الكنيسة ومعلّميها الذين كانت لهم خبرة ومعرفة بالحقيقة لم يكن لها طابع الإنفصالية أو الآراء البعيدة عن الواقع، بل كانت حياة معاشة وتعاليم وفقًا لتعاليم الكتاب المقدس ولهذا فإن كل ما قدمه هؤلاء للمؤمنين، والذي صار فيما بعد تقليدًا لها، له نفس الخط والتعاليم الواردة في الكتاب المقدس. إن فكر الآباء وتعاليمهم نابع ومؤسس على تعاليم الكتاب المقدس وذلك لأن عندهم الاقتناع التام بأن الكتاب هو موحى به من الله ويعبر عن الحقيقة ” الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهبًا لكل عمل صالح ” (2تيمو16:3).
لقد وجدوا في الكتاب المقدس أنه يعبر عن الحق وليس هو الحق لأن الحق الإلهي لا يستطيع كتاب أو كتب أن تحتويه لأن الحق هو الله.
إن الآباء أدركوا بوعي هذه الحقيقة وهى أن نصوص الكتاب هى نور من الرموز المستخدمة للتعبير عن الحقيقة الإلهية. أو بمعنى آخر: فقد رأى الآباء أن العناية الإلهية قد استخدمت كلمات وتعبيرات كرموز بواسطة الإنسان لتعبّر عن الخلاص الذي أعده الله للبشرية. إن آباء الكنيسة ومعلّميها أكدوا في كتاباتهم العديدة أن كلمات الكتاب المقدس سواء في ذاتها أو في معناها تخفي ورائها معاني كثيرة جدًا تحتاج إلى الكثير في فهمها.
الآباء في كتاباتهم عن الحقيقة قد قاموا بتوضيح الكثير من كلمات وتعبيرات الكتاب والتي كانت صعبة في فهمها، فالحقائق التي كتبوا عنها وتكلموا وعاشوها هى مرتبطة تمامًا بالكتاب، هذا إذًا لم تقل إنها هى نفسها وأن الجديد الذي جاءوا به هو تفسير ما هو مخفي وراء الكلمات والتعبيرات ورموز الكتاب المقدس.
والآباء في مجموعهم قد وضعوا معيارًا للكلمات التي تكلموا بها ومدى أصالة ما كتبوه وما سيكتب فيما بعد ومطابقته لما كتب في الكتاب المقدس وأن المعيار الذي وضعوه هو الفاصل بين الردئ والأصيل فيما كتب، وهل كل جديد يكتب هو أصيل مستضيئ بالنور الإلهي؟!
وعلى العكس من ذلك كان الهراطقة الذين لهم خطهم البعيد عن الحقيقة الأصلية. فقد استخدموا خيالهم في تفسير وتوضيح المكتوب بعيدًا كل البعد عن نور الروح القدس[15]. بنوا وصنعوا آراءهم بأفكار مظلمة بعيدة عن الحقيقة.
وعندما يتكلم الآباء ع عمل الروح القدس في توضيح ما هو صعب أو إضافة ما هو جديد بالطبع هذا لا يلغي إطلاقًا الفكر الإنساني أو بتعبير أدق لا يلغي العمل الإنساني في الشرح والتفسير فالروح[16] فقط يرشد ويقود. فمن أعمال الروح القدس أن يوضح ويساعد الإنسان أن يقبل الحقائق التي لم يكن يعرف عنها شئ أو يعرف عنها القليل جدًا.
إن كل تعاليم سواء عقائدية أو غيرها لا تقدم للإنسان شئ يجعله يتقدم في طريق المعرفة الأصيلة للحقيقة، تعد تعاليم فاسدة ضد الكنيسة ومن الضرورى أن نوضح أنه على الرغم من أن تعاليم الآباء والقديسين والمعلّمين في الكنيسة الأولى والتي لها مكانتها التي لا تقل إطلاقًا في قيمتها عن قيمة الكتاب المقدس، وفي نفس الوقت ليست هى تكملة له، وإنما هى مواضيع قد تكون مؤقتة أو مستمرة، لبعض احتياجات المؤمنين والتي لم تكن واضحة في الكتاب المقدس وأيضًا بعض المشكلات التي أُثيرت سواء من المؤمنين أو من الهراطقة الذين أرادوا أن يضروا الكنيسة بأفكارهم المضللة وإصرارهم عليها. ومن بين هذه المواضيع:
بتولية مريم والدة الإله.
طبيعة المسيح.
ألوهية الابن.
ألوهية الروح القدس.
انبثاق الروح القدس.
احترام وتكريم القديسين.
تكريم الأيقونات المقدسة.
ومن خلال هذه المواضيع والمشكلات وغيرها استطاع آباء الكنيسة ومعلّميها مع عمل الروح القدس فيهم أن يقوموا بالشرح والتوضيح لها حيث عاشوا هذه الحقائق في أصالة تامة فكان التعبير والشرح أصيل خالي من السلبيات.
الكنيسة الأرثوذكسية وأصالة أبنائها:
الكنيسة قبلت حضور الآباء في أحضانها وعاشت بهم حيث كان لهم الطريق الأرثوذكسي الأصيل. كان في وعى الكنيسة أن آبائها ومعلّميها كانوا استمرارًا وامتدادًا للرسل.
إن الروح القدس الذي أنار[17] الرسل وأرشدهم في طريق خلاص المؤمنين. أرشد[18] أيضًا الآباء في طريقهم.
طالما أن الآباء هم امتداد واستمرار الرسل فبالتالي فإن أعمالهم أصيلة لها كل الاحترام والتقدير من الكنيسة لأنهم في الحقيقة حجارة أساسية ملتصقين وملتحمين بحجر الزاوية المسيح.
إن الثقة الكاملة من الكنيسة في الآباء أدى إلى التقدير والاحترام للاهوتهم المعبر عن أصالة الكنيسة.
إن الدعامتين الأساسيتين اللتين اعتمد عليهما الآباءء في كل أعمالهم التي يعتمد عليها اليوم كل لاهوتي أصيل يطلب خلاص المؤمنين ويشرح لهم اللاهوت سواء النظري أو العملي هما الكتاب المقدس[19] والتقليد[20] لأن في الحقيقة بدون هذين لا تستطيع الكنيسة أن تحيا.
هل كل ما يكتبه الأب أو المعلّم سواء في شرحه لبعض المواضيع اللاهوتية أو الآراء التي يقمها للكنيسة تعد صحيحة خالية من الأخطاء والعيوب والانحرافات؟ هل يا ترى كل ما يكتبه الأب أيًا كان يدخل تحت التقليد الكنسي؟ هل يا ترى الآباء لم يخطئوا؟
والمشكلة تزداد تعقيدًا حينما يطرح سؤال آخر، نحن نعرف أن الآباء أكملوا ما بدأ به المسيح والرسل فهل أكملوا بأخطاء أم هم أيضًا كانت لهم العصمة من الخطأ؟
هل الآباء كانت لهم العصمة من الخطأ أم أخطأوا؟
نحن نذكر أو نصيغ هنا عنصرين من خلالهم تدور الإجابة أو بعض الإجابة:
1 ـ أن الآباء صاغوا لاهوتهم بواسطة استنارة الروح القدس.
2 ـ أن الآباء نعم أخطأوا وكانت لهم أخطاؤهم الخاصةوليست العقيدية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف نطابق العنصرين معًا؟
إن حقيقة استنارة الروح القدس للآباء هو شئ لا يقبل النقاش، فبالحقيقة تكلم الآباء بالروح القدس وكان من نتيجة ذلك أن الكنيسة أخذت تعاليمهم الصحيحة وأدخلتها على التقليد كمكمل له لأن هذه التعاليم كانت متفقة تمامًا مع الكتاب المقدس والتقليد حيث كانت المجامع المسكونية التي أفرزته ونقحته وتأكدت من أنه خال من كل انحراف أو خطأ.
وكان حرص الكنيسة على فحص أعمال الآباء لأنها كانت تعلم تمامًا أنه توجد بعض الأخطاء التي سقط فيها بعض منهم. والكنيسة تدرك أن هذه الأخطاء ترجع إلى ضعف الطبيعة الإنسانية في شرح وتفسير الحقائق الإلهية.
الآباء في أخطائهم التي وقعوا فيها لم تكن في مواضيع كانت الكنيسة في حاجة ملحة إليها ولا في موضوعات خاصة بخلاص الإنسان، لأن هذه المواضيع لم يعد للرأي الشخصي مجالاً للحوار فيها بل قاد[21]. فالكنيسة دائمًا يقظة في كل خطواتها ونظرتها الشاملة للأمور فلا تقلل من قيمة الأب الذي في طريقه (يخطئ) ولا تزيد قداسة الأب الذي (لا يخطئ) وإنما هى تعلم تمامًا ما هو الإنسان، والذي يهم الكنيسة في هذا المجال هو ألا يستمر الأب في خطاه أو بمعنى آخر ألا يستمر في توسيع الخطأ. نحن ننظر إلى نهاية سيرتهم ونتمثل بهم، ولاسيما في حالة القداسة التي وصلوا لها بفعل عمل النعمة الإلهية وجهادهم المستمر.
الدقة والتدقيق والتنوع والتميز التي كانت عند الآباء:
وهنا أيضًا نشير إلى آباء الكنيسة التالين لا يأخذون ما كتبه الآباء السابقين على ما هو عليه بدون نقاش وبحث بل فاحصين كل شئ بالتدقيق. إن كل أب من آباء الكنيسة يمثل ينبوع يعطي في كل اتجاه. فهم قد شربوا وتغذوا من أمهم الكنيسة وعاشوا الإنجيل وتعلموا وعرفوا التقليد فكانت خلاصتهم الروحية واحدة وجوهر الحياة الروحية واحد عندهم، ولكن سنجد أن كل أب منهم له مميزات محددة ورأي قد لا نراه عند غيره وهناك أمورًا كثيرة لعبت دورًا في ذلك.
وليس مجالنا هنا أن نحصرها، مركزين فقط على أن العصر الذي عاش فيه كل أب يختلف عن الآخر والمشاكل التي واجهت الكنيسة وقتها تختلف عن غيرها. فنرى أنه كل واحد منهم قد انفرد بشئ مختلف، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أثناسيوس وموضوع “مساواة الابن للآب في الجوهر” (أوموسيوس) وكيرلس وموضوع طبيعة المسيح، غريغوريوس وموضوع انبثاق الروح القدس من الآب.
حيث إن انفراد الأب وتخصصه وتركيزه على هذا الموضوع بالذات جاء نتيجة أزمة ومشكلة كبيرة كانت في عصره ولم يوجد وقتها حل، ولم يأت الحل سريعًا لهؤلاء بل كان صراعهم المستمر مع الحقيققة وانسكابهم بدموع حقيقية أمام الله أعطيت لهم الحقيقة التي استطاعوا بها أن يخلصوا الكنيسة من الأزمات التي مرت بها وتقديم الطريق السليم للخلاص للمؤمنين.
وقد كانت الكنيسة مضطربة وقت إثارة هذه المشاكل والتي لم يكن أمامها حلاً واضحًا. واهتمامها كان كامنًا في ألا يضيع خلاص بعض المؤمنين وبالطبع كان هذا يتوقف على مدى حدة المشكلة. فنجد أن موضوع الأزمة الذي ظهر في القرن الرابع بعد المسح تقريبًا والخاص بالثالوث كان موضوعًا خطيرًا فقد أراد المؤمنين أن يتأكدوا من ألوهية الروح القدس لأنه إن لم تكن هناك ألوهية للكلمة فلا خلاص للإنسان مع المسيح وبالتالي فلا خلاص للبشرية وهنا يصير واضحًا كم كانت الحاجة ضرورية في كل مرة تنشأ مشكلة في الكنيسة أن يجد آباءها ومعلميها لها حًلا[22].
الآباء والخبرة:
1ـ المرحلة الأولى:
مما لا شك فيه أن الآباء في بحثهم عن الحقيقة الإلهية بكل أبعادها وأعماقها كان الهدف هو أن يعيشوا هذه الحقيقة لأنفسهم أو بمعنى آخر أنهم أرادوا أن يكونوا على يقين تام أنهم يتبعون الحقيقة وليست خرافات[23]، فهم لم يأخذوا الأمور على ما هي علية بل فتشوا عن الحقيقة التي هي حقيقة أصلية ووجدوا في النهاية أنهم بالفعل لم يعبدوا خيالات أو خرافات وإنما يعبدون الإله الحقيقي.
2ـ المرحلة الثانية:
وهي أن هذه الخبرة الإلهية التي عاشوها مع الحقيقة تصير رصيدًا للكنيسة وللمؤمنين فبالرغم من أن الخبرة كانت شخصية إلا أن الآباء عرفوا حقيقة أهمية ما عرفوه حتى ولو كان على المستوى الشخصي فبعضهم (بعض الآباء والمعلمين) صاغوا خبرتهم الشخصية في كتابتهم وهم يعلمون أنها ستكون ينبوعًا ورصيدًا سوف تستخدمها الكنيسة على مر العصور.
3ـ المرحلة الثالثة:
وهي قيام الآباء والمعلمين بصياغة هذه الخبرة بطريقة يستطيع عن طريقها القارئ أن يستوعب هذه الخبرة. وهنا تظهر خطوط الآباء في التعليم ومكانة كل منهم في اللاهوت وعلى الرغم من أنهم يلتقون ويتفقون في المواضيع الكبيرة إلا أننا نجد أن لكل منهم خطه الواضح والمتميز عن الآخر وذلك نتيجة للاختلاف في خبراتهم وثقافتهم واستيعابهم لبعض هذه الحقائق.
الآباء والتعبيرات اللاهوتية الجديدة:
تظهر نقطة أخرى وهى أهمية إدخال الآباء الإصطلاحات الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل. فخبرتهم أعطتهم قوة التعبير التي ولدت لنا كلمات لاهوتية لم تكن موجودة من قبل في القاموس أو في عالم اللغة، وعلى الرغم من أنهم استخدموا كل اللغات سواء الفلسفية، السياسية، المدنية، الفنية، الاقتصادية إلاّ أنهم أنتجوا تعبيرات لاهوتية جديدة، هذا بالطبع لأنهم لم يتركوا مجالاً لم يعرفوه فقد عرفوا كل لغات عصرهم وكل التيارات المحيطة بهم وكان ذلك نتيجة وعيهم بأن المسيحي الحقيقي يجب أن يعلم بكل ما يحيط به في كل اتجاه وعرفوا أنه من الخطورة أن يعلم بدون أن يعرف ما يجري بجانبه لئلا تصير تعاليمه غير نافعة لأنها ستكون بعيدة عن عصره ومشاكله.
ونحن نعلم أن بعض الآباء وصلوا في ثقافاتهم إلى حد بعيد جدًا فقد درس بعضهم كل أنواع الفلسفة التي كانت موجودة في عصرهم وتأثروا بها تأثيرًا إيجابيًا ولم ينحرفوا إطلاقًا في فكرهم بل سعدهم ذلك بالإضافة إلى دراسة الأدب والقانون والشعر والتاريخ ساعدهم على الارتفاع بمستوى الإنسان الذي أرادوا أن يقدموا له يسوعًا مكتملاً وليس ناقصًا، المسيح الكلمة الإله المتجسد فقد اهتم الآباء بكل شئ ولم يحتقروا شئ على الإطلاق بل قدسوا كل شئ أو بالأحرى وجدوا أن كل شئ مقدسًا بعيدًا عن أى انحراف نحن نظنه.
بالتالي فقد وجدنا في الآباء من هو أديب ومن هو شاعر ومن هو فنان ومن هو كاتب ومن هو فيلسوف[24].
وهنا نطرح السؤال:
نحن نعلم تمامًا أن معظم[25] الآباء درسوا باستفاضة الأدباء والفلاسفة اليونانيين وتأثروا بهم إما بقليل أو بكثير، فما الفرق إذًا بين أعمال الأدباء وأعمال هؤلاء الفلاسفة ..؟ فإذا قلنا وهذا صحيح تمامًا أن هؤلاء الفلاسفة وفلسفتهم قد خدمت الإنسان قديمًا وتخدمه وستخدمه غدًا لأن الفلسفة كما تعلم هى أيضًا غذاء نافع للإنسان.
الفرق بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة:
ويمكن هنا في كلمات بسيطة على سبيل المثال وليس الحصر أن نذكر بعض الفروق بينهم تاركين للقارئ فرصة البحث والدراسة مع التفكير في بقية الاختلافات بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة.
+ إن الآباء يقومون بتفسير وتوضيح التقليد:
هذا بناء على أسس وقواعد محددة ومعينة بواسطة الاعلان المعلن عنه في الكتاب المقدس، حيث إن عندهم “الحقيقة” ـ كلمة الله ـ المعلن عنها والتي تشكل عندهم مادة موجودة. أما الفلاسفة فليس عندهم حقيقة معلن عنها بل هم بنفسهم يبحثون عن الحقيقة وقد يدونها وقد لا يجدونها.
ومما لا شك فيه أن الآباء حاملين ومعبرين عن الحقيقة الواردة في الكتاب المقدس كما في التقليد. ولم يكن هذا عمملاً سهلاً بل أن اكتشاف الاعلان الإلهي هذا كلف الآباء والمعلّمين دموع وجهاد كما صارع يعقوب مع الله حتى طلوع الفجر.
وهذا يظهر عمل الآباء في هذا المجال على النحو التالي:
التعبير عن الحقيقة الإلهية وكشفها للإنسان المعاصر:
الذي يعاني من بعض المشاكل التي في كثير من الأحيان تكون مدمرة وخطيرة مؤكدين لإنسان العصر أن يسوع المسيح هو المنتصر على كل روح مدمر وهو المحتضن لخائفيه ومنجيهم مسيجًا حولهم بسياج حبه وإذا قمنا بدراسة موضوع محدد عند بعض الآباء تجدهم قد أعطوا اعتبارًا لكل ظروف عصرهم مؤكدين على ما يجب أن يعمله ويتبعه الإنسان ليخوض بسلام معركته مع الزمن.
الدخول نحو عمق الحقيقة:
والدخول نحو العمق ليس من السهل بل يحتاج إلى إنسان عرف كيف يضع كل شئ جانبًا مُضحيًا (بكل شئ) لأجل معرفة الله والشركة العميقة معه، إذ نجد أن معظم آباء الكنيسة ومعلّميها عاشوا ودخلوا الأعماق فكانت حياتهم وكتاباتهم معبرة عن ذلك.
وإذ نجد أيضًا أن الفلاسفة يطلبون الحقيقة بكل أعماقها وأبعادها مفتشين عنها في كل مكان ولكن الطريقة في البحث وما يقدم للإنسان هو من نوع آخر يختلف كثيرًا مع ما يقدمه الآباء والمعلّمين حتى ولو التقوا في بعض الأحيان في بعض الموضوعات.
فالفلاسفة يقدمون الحقيقة ويوضحونها بناء على مقاييس عقلية بحتة فكل ما لا يخضع للعقل فليس من الحقيقة مؤكدين على أن العقل هو الأساس والحاكم في كل شئ وهنا تختلف الطريقة والمعيار وبالتالي تختلف النتيجة.
الفلسفة لا تحتاج أن يعيش صاحبها الحقيقة ليخرجها وإنما عليه فقط أن يدركها بعقله، مختلفين مع الآباء والمعلّمين الذين عاشوا الحقيقة في أعماقهم وفي قلوبهم وعقولهم وأرواحهم فخرجت الحقيقة لأناس مكتملين ناضجين من كل النواحي عقليًا، نفسيًا وروحيًا.
الفيلسوف ليس عنده تقليد ولا ماضي فهو لا يعتمد على أحد قبله في الاكتشاف والبحث وراء الحقيقة بل يقوم بنفسه بإظهارها وقد يكون مختلف تمامًا من سبقوه وبأدلة وبراهين أخرى.
أما الأب والمعلّم فهو يعتمد اعتمادًا كليًا على الكتاب المقدس والتقليد، اللذان بدونهما لا يمكن أن يقدم لاهوت وقد يختلف أحد الآباء مع الآخر في بعض النقاط ولكن الانطلاقة واحدة والأساس وحجر الزاوية واحد.
+ الآباء والمجامع الكنسية:
هل يا ترى آباء الكنيسة ومعلميها لعبوا دورًا مهمًا في المجامع المقدسة وساهموا فيها بقوة؟ مما لا شك فيه أن عمل الآباء والمعلّمين وجد سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في المجامع سواء مسكونية أو محلية، ولكن غير واضح تمامًا فقد يكون أحد الآباء عضوا في المجمع أو قد لا يكون عضوًا. فنجد أنه في المجمع المسكوني الأول قد لعب القديس أثناسيوس الكبير دورًا أساسيًا ومهمًا بل كان له أهمية قصوى وذلك دون أن يكون عضوًا في المجلس المكون للمجمع. كما نجد في المجمع المسكوني الثاني أن أثناسيوس الكبير كان أن انتقل في حين قد تغيب القديس غريغوريوس اللاهوتي ورغم ذلك نجد أن قرارات المجمع[26] وتوصياته كانت معتمدة أساسًا بل كليًا على تعاليم هذين الرجلين.
كما أنه في المجمع المسكوني الثالث نجد القديس العظيم كيرلس الأسكندري كان عضوًا ورئيسًا له وهو معروف بدوره اللاهوتي البارز فيه.
إذًا فتعليم المجامع لا يمككن أن يعتبر بأى حال من الأحوال أنه تعليم منفصل عن تعاليم الآباء وسوف لا نبالغ إذا قلنا إنه هو نفسه تعاليم الآباء ومعلّمي الكنيسة.
+ كيفية فهم وتفسير كتابات الآباء:
عند الدخول إلى ينابيع كتابات آبائنا نجد أننا بصدد أمور صعبة في تذوقها من ناحية وصعبة في التعبير عنها والاقتراب منها من ناحية أخرى وهذا يرجع في البداية إلى أننا بصدد أمور إلهية وخبرات شخصية عاشت الحقيقة. ولكن بالنسبة للإنسان الذي له خبرة مع الروح القدس وحياة أمينة جادة في جهاده لمعرفة الحقيقة فإن تعاليم الآباء لا تكون صعبة عليه.
وعلى الرغم من أن الآباء عاشوا في العالم وتعاملوا بكل ما فيه واستخدموه على أكمل وجه إلاّ أن تعاليمهم وكتاباتهم كانت شئ مختلف عن مما في العالم أو له طابعه الخاص يصعب التعبير عنه لأنه يعبر عن الحقيقة الإلهية التي شاركوها وتعاملوا معها وعاشوها وعاشوا لها.
ومما لا شك فيه أن المؤمنين الذين لهم شركة وذاقوا الحقيقة يعرفون ويشعرون بمدى ما يتمتع به الآباء من جاذبية وملء وكيف أن بعضهم قد وصل إلى القداسة الكاملة والعشرة الحية مع الله حتى ولو أنهم في بعض اللحظات في حياتهم رأوا الله الكلمة في داخلهم وتكلموا معه.
ولكي يستطيع الإنسان أن يفهم ويفسر ما كتبه الآباء ليس من واجبه فقط أن يعرف كل ما دار وكان في عصرهم من فلسفة واجتماع وتاريخ وحضارة وغيرها لأننا إذا توقفنا عند هذا الحد لكانت شخصية الأب والمعلّم شخصية لا تختلف عن مجرد شاعر أو مؤرخ أو فيلسوف أو رجل اجتماع فقط وإنما لكي يستطيع الدارس أو المهتم بالأمر (الباحث) أن يعرف ما كتبه الآباء ويفهمه ويفسره فعليه بالإضافة لكل ما سبق والذي يمثل فقط جانب المعرفة النظرية لابد وأن تكون له شركة حقيقية مع الأب والمعلّم والتي هى بالضرورة شركة حقيقية مع الروح القدس.
وبالتالي فعلى الباحث أن يحيا شركة حقيقية مع الأب والمعلّم وبالتالي يستطيع أن يفهم ويفسر كل ما كتبه وبدون هذه الشركة فلا فهم حقيقي وتفسير للآباء.
+ الهدف من دراسة الآباء:
وهنا يطرح السؤال نفسه:
ما هى القيمة الحقيقية لدراسة الآباء (آبائنا ومعلّمينا)؟
ـ وتأتي في المقدمة أهمية معرفة كيف كان فكر وروح الآباء الذي هو فكرنا وروحنا أو ماذا يجب أن نكون عليه.
ـ معرفة كيف استطاعوا أن يحموا الكنيسة من كل تعليم خارج التعاليم الصحيحة.
ـ معرفة كيف عاش الآباء الحقيقة بكل أبعادها، عاشوها في عصرهم ولم ينسوا أو يتناسوا شيئًا فيها.
ـ وبالرغم من أهمية كل ذلك لكن يأتي الأهم والهدف الأساسي من دراسة الآباء وهو ليس فقط أن نتعلم ونعرف ما عمله الآباء والمعلّمون وعرفوه ولكن لندخل بهم ومعهم إلى الأعماق بالروح القدس الذي دخلوه من الباب الضيق بالصلاة، الذي أدخلهم إلى حظيرة أولاد الله القديسين بالحقيقة، لنعرف بهم ومعهم كيف كانت الحقيقة صعبة ليعرفوها بكل أبعادها. فقد عرفوها وعاشوها بآلام كثيرة وجهاد مرير وكيف كانت قلوبهم تدق بقوة كأجراس الكنائس في البرية عندما كانوا يتقدمون ويتكلمون عن الرب يسوع في كنيسته المقدسة.
ـ ونتعرف عليهم لنعيش معهم في جهادهم وآلامهم وأحزانهم وأفراحهم وكيف كان إيمانهم المطلق في الروح القدس الذي عرفوه عاملاً بقوة فيهم.
ـ لنعرف معنى اللاهوت الحقيقي ونستمد منهم قوة العمل والسر والبحث المستمر في كل ما يقدم إلينا من تعاليم حتى ولو كانت من كبار اللاهوتيين بكل أشكالهم لئلا تكون تعاليم ليس لها أساس من الحقيقة بل غريبة[27].
فنطلب من كل آبائنا القديسين والآباء الذين غادروا الجسد، نطلب منهم أن يساعدونا بصلواتهم وتشفعاتهم أن نكمل خلاصنا نحن أيضًا ونلتقي معهم عند الآب.
الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي
[1] الكنيسة أخذت هذه التسميات أو الألقاب لبعض الأشخاص من المعلّم بولس الرسول حيث اقتدت به لأنه كان أبًا روحيًا أنجب لها أولادًا في المسيح وكمعلّم هذبهم فيه (1كو14:4ـ16).
[2] القديس يوحنا ذهبي الفم في مجموعة مني Migne للآباء باليونانية مجلد 50 صفحة 154.
[3] القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات مجموعة ميني مجلد 36.
[4] القديس كيرلس الأسكندري مجموعة ميني مجلد 74 صفحة 176.
[5] “كل الحقيقة” هنا معناها أنه في كل عصر نحتاج إلى طريقة تفكير مقتادة بالروح القدس لنجد حلول لمشاكل الإنسان المتطورة وكيفية قيادته إلى الخلاص المعلن عنه في الإنجيل. وأيضًا “كل الحقيقة” المقصود بها التفتيش والتنقيب مع عمل الروح القدس عن بعض الصعوبات والتي لم يكن لها حل لولا تدخل الروح المعزي الذي قال عنه المسيح لتلاميذه أنه سيخبركم بكل شئ.
[6] توجد عقائد هامة في الكنيسة بالرغم من أنه لم يشار إليها بنص صريح واضح في نصوص كتب العهد الجديد مثل “طبيعة المسيح” أو “أوموسيوس” = المساواة في الجوهر أو “الوحدة في الجوهر” وغيرها إلاّ أنها تفهم من المحتووى اللاهوتي من معنى نصوص الكتاب المقدس ومن تفسير الآباء الذين قادهم الروح لحل مثل هذه الصعوبات.
[7] انظر ذهبي الفم في تفسيره عن أعمال الرسل الاصحاح الأول: 2.
[8] انظر القديس غريغوريوس، المقال 31 الباترولوجيا 36ـ161.
[9] انظر القديس غريغوريوس اللاهوتي، باترولوجيا 36؟
[10] انظر “القديس أثناسيوس الكبير والمجامع” تحت بند 40.
[11] يذكر غريغوريوس النزينزي في كتابه ، عن الروح الذي ينير الآباء والمعلمين في خبرتهم الإلهية في البحث عن الحقيقة فيقول في إحدى مقالاته “فليأت الروح القدس إليّ لأستطيع أن أعطي كلمة”. أو ترجمة أخرى “إن لم يعمل الروح القدس فيّ لا أستطيع أن أعطي كلمة”.
[12] يقول أستاذ العقيدة والدفاع بابا بترو Papa Petro بجامعة أثينا: إن ” فهم آباء الكنيسة للإله كان نتاج شركة حية مع عمل الله في تاريخ الاعلان الإلهي، وأن تفسيرهم لبعض المواضيع هو بالضبط شرح لهذه الشركة ” اعلان الله ومعرفته، ص41.
[13] هذا ليس معناه أن الحقيقة الإلهية معلنة وسهلة الفهم بدون مشاكل لاهوتية ولكن على مر العصور في القرون الأولى وجدت مشاكل كانت صعبة الحل وضاع للأسف ضحيتها الكثيرون، واحتاجت إلى الفهم الجيد للاعلان لاكتشاف معنى الحقيقة لبعض الأمور التي لم تكن واضحة. ولكن لأن آباء الكنيسة كانت لهم خبرة معها أى حياة القداسة التي عاشوها مع الحق، سمحت لهم في توسيع خبرتهم لفهم الحقيقة فاستطاعوا أن يجدوا حلولاً لهذه الصعوببات.
[14] انظر القديس باسيليوس الكبير في رسالته 223ـ225 إلى أستايوس.
[15] في هذا الصدد يقول ق. غريغوريوس الثيؤلوغوس” إن كل ما يكتب بواسطة الروح القدس محتوى وشامل الحقيقة وأن ما يكتب بدون الروح القدس فلا حقيقة فيه لأنه خالي من الأداة السليمة في التعبير، أى الروح القدس. (الباترولوجيا الجزء رقم 21 )
[16] يؤكد مكسيموس المعترف في بعض مقالاته أن مركز الإنسان هو قلبه الذي يعلن له فيه الروح القدس عن الحقيقة.
[17] انظر القديس أثناسيوس الكبير باترولوجيا الفصل الرابع تحت رقم 18.
[18] انظر الأستاذ: كرميريس أستاذ العقيدة في كتابه اعترافات رقم 12 صفحة 75. فيقول ” .. في سنوات الرسل كان المعلّم والقائد هو الروح القدس فجاء بعدهم الآباء الذي تعامل معهم الروح القدس بنفس القوة .. الخ “.
[19] الكتاب المقدس: هو كلمات الوحي الإلأهي والتي تكون العمود الفقري وحجر الزاوية والذي بدونه لا يمكن أن نتكلم عن أرثوذكسية ولا عن مسيحية.
[20] التقليد: نعني به كتابات الآباء، والذي لم يبدأ بها الآباء وإنما بدأه السيد المسيح والرسل ومن الجدير بالذكر هنا أن الكنيسة لم تخلق من عدم وإنما وجدت في مناخ يؤكد وجود التقليد الذي عاشه بالأخص الرسل مستوحينه من المسيح ثم حدث أن الآباء فسروه ووضحوه.
[21] إن اللاهوتي الأصيل لا يتكلم عن اللاهوتيات من نفسه ولأجل نفسه وإنما يتكلم من النعمة التي أعطيت له من الكنيسة ولأجل الكنيسة، يتكلم ويكتب اللاهوتيات طالما أن الكنيسة تعيش في شركة مع الإله المعلن عن نفسه. وبالتالي فإن التقدمة التي يقدمها الأب أو المعلم أو اللاهوتي الأصيل سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هى تفسير وتوضيح للكتاب المقدس الموحى به من الله. (انظر الأستاذ/ بابا بترو في كتاب الاعلان الإلهي ـ طبعة أثينا 1969 ص10).
[22] والمقصود بالحل هنا الحقيقة الأصلية في كل أبعادها ، والتي تحتاج إلى خبرة حية مع الروح القدس.
[23] لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفنا كم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته” (2بط16:1).
[24] يجب على كل معلّم في الكنيسة اليوم أن يحرص على معرفة كل ما يدور في العلوم الأخرى مثل الأدب والفن والقانون والتاريخ والسياسة وإلاّ أعددنا إنسانًا ناقصًا.
[25] هناك بعض الآباء رفضوا تمامًا كل نوع من أنواع العلوم الأخرى والتي لها علاقة بالفكر مثل علوم الفلسفة وذلك خوفًا من الفلسفة وغيرها التي تضر المؤمن والتي تخفي ورائها الكثير من الأمور التي لها علاقة بالروح والنفس الإنسانية ولذلك اعتبروا أن أى إشارة إلى مثل هذه العلوم مما لا شك فيه سيؤثر على خلاص المؤمن، وفي الحقيقة أن هؤلاء الآباء والمعلّمون الذين رفضوا العلوم الأخرى هم قليلون، وهذا ليس معناه أن هؤلاء الآباء لم يقوموا بدراسة هذه الأنواع من العلوم بل درسوها وعرفوها ولكنهم رفضوها تمامًا وكان خوفهم الأكبر أن تشد هذه الفلسفات المؤمنين واضعين أمامهم أمثال من قرءوا بعض الفلسفات بطريقة خاطئة حيث قادتهم إلى القيام بالهرطقات التي حرمتهم من الخلاص.
[26] وهذا معناه أن الحلول والإجابات على المشاكل التي طرحت في بعض المجامع لم تكن مقتادة بالروح القدس في نفس لحظة انعقاد المجمع وفي نفس المكان كما يقول بعض الباحثين بل هى إجابات وحلول كان بعضها موجود من قبل في كتابات وتعاليم الآباء وكان عمل الروح القدس وقتها (في المجمع) هو اختيار التعاليم الصحيحة والتي تخص المشكلة المحددة ليعتمدها المجمع ويصدق عليها لتصير عقيدة الكنيسة كلها.
[27] من الصعب جدًا ومن المحزن على الإنسان أن يقبل ما يقدم إليه بدون أن يعرف جذوره، فبدراسة آبائنا ومعلمينا وبجانبهم ستعرف كنيستنا الواحدة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية.
الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي
إذا لحقت العواصف والأمواج العاتية بأية سفينة مسافرة في البحار، فإنها تتحطم وتغرق، إلا إذا كان قبطانها الذي يقبض على دفة السفينة خبيرا بالبحار، كذلك كل من يصادفه الضيق والتجارب والأحزان، يمكن أن تتحطم روحه، وأمله في الخلاص أيضا يتحطم، إلا إذا كان يسترشد بتعاليم إلهنا له المجد.
مهما كانت مشاكلك، يحبنال عليك الفقر، أو فقدت وضعك العالمي، وأجبرت أن تنزل إلى حياة مشينة، أو أصابك مرض أو ضعف، أو فقدت أحد أولادك أو أحبائك، أو ثقل عقلك أو قلبك بالهموم، أو تغطى جسدك بقروح الجذام، أو ابتعد عنك الناس وتجنبوك، لا تسمح لنفسك أن تنكسر بأي من هذه الأحزان الفظيعة، بل إسعى إلى السلام الداخلي في تعاليم الله، وحينئذ ستجد العزاء الكامل، إذا قرأت في تعاليم ووصايا سيدنا له المجد، فستصبح قبطانا جيدا تدير سفينتك إلى ميناء هادئة، وتجد نفسك منقادا إلى الهدوء والسلام الداخلي.
الله يؤدبنا لأنه يحبنا:
لا تفكر يا صديقي عندما تحل عليك واحدة من هذه المحن أن هذا نتيجة كره الله لك، فأرسل عليك هذه التجارب كعقاب، أو حبه قد تغير نتيجة لأفعالنا، بل إصغي إلى كلام الله من خلال حكمة سليمان قائلا: ” يا أولادي لا تبتعدوا عن التصاقكم بالله عند تأديبه إياكم لأن تأديب الرب هو علامة حبه لكم ” ( أم 3: 11 )، ( عب 12: 5 – 11 )، الوالدان لا يتوانيان في عقاب الابن المذنب الذي يحبونه جدا وكذلك المدرس غالباً يضرب التلميذ حتى يصلح سلوكه.
كذلك الله يؤدب الصدّيق حتى يجعله يعيش حياة أفضل في المستقبل، وأيضا ليؤنبه على أعماله السابقة. أنا سأثبت هذا الكلام من وحى الروح القدس، لكن قبل أن أفعل هذا سأريكم أن الله يسمح للصدّيق بالتجارب، حتى تظهر استحقاقاته بأكثر وضوح، كما قال معلمنا يعقوب في رسالته:
” احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً وأما الصبر فليكن له عمل تام لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء ” (يع 1: 2-4)، ثم قال ” طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه ” ( يع 1: 12 ).
ولهذا يا أصدقائي لابد أن نفرح عندما نعانى آلاما متعددة، أو نجّرب بحروب عنيفة من قبل الرب إلهنا العادل. فأننا لا نفرح فقط إذا كان كل شيء يسير على ما يرام، بل نفرح عندما يكون كل شيء ضدنا، ونتذكر كلام بولس الرسول ” نفتخر على رجاء مجد الله وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً في الضيقات عالمين أن الضيق ينشئ صبراً والصبر تذكية والتذكية رجاء والرجاء لا يخزى لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ” ( رو 5: 2 – 6 ).
كثيراً من الفوائد تعطى للصديق من خلال خبراته في التجارب، وبنفس الطريقة الأرض لا تثمر وتصبح غنية ما لم يتعب فيها الفلاحون، ويعملون بجهد كبير في زراعتها، وبدون بذل هذا المجهود ليس فقط أن الأرض تقف عن إعطاء ثمرها لجنس البشر، بل ستتحول إلى النقيض وتنبت الشوك والحسك.
لهذا إذا لم يتحمل الناس المتضعين الآلام القاسية التي تجلبها عليهم المحن التي يتعرضون لها فأنهم سيقعون باستمرار في الخطية وينحرفون عن الطريق الصحيح.
لقد تعلمنا هذا من معلمنا بولس الرسول الذي كان رجلاً فاضلا بحق، وأُخذ إلى السماء الثالثة ودخل الفردوس، سمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها، وأكتشف أن التدبير الإلهي قد أرسل ملاك الشيطان ليعذبه حفظاً له من التكبر، فأعلن ذلك إلى أهل كورنثوس قائلاً: ” لئلا أرتفع بفرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أرتفع، من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني، فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوتي في العف تكمل، فبكل سرور أفتخر بالحرى في ضعفاتى لكى تحل علىّ قوة المسيح، لذلك أسُر بالضعفات والشتائم والضرورات والإضطهادات والضيقات لأجل المسيح لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى ” ( 2كو 12: 7-10)
ليتنا نفرح ونتحمل بصبر كل شيء يجربنا به العالم، ونحن واثقين أننا دائما في الله. لا نكون ساذجين بهذه الدرجة، حتى نتوقع أن بعدما نتمتع في هذه الحياة طوال الوقت برفاهية وفيرة، نأخذ أيضاُ في السماء عطايا في الحياة الأخرى. منْ مِن القديسين استطاع أن يتحاشى أو يتحرر من أخطار هذا العالم ؟! فلو فحصت حياتهم بعناية ستجد أنه لا يوجد قديس واحد هرب من ضيقات هذا العالم، أو لم يعانى من تجارب هذا العالم بصبر، لكى يصل إلى حقيقة المجد الغير قابل للفساد.
كان لأب الآباء إبراهيم إيمانا عميقاً وأحب الله واستعد لأن يغمد السكين في جسد ابنه الحبيب إسحق، واختار أن يصير قائلا أفضل من أن يصير غير أمين لوصايا الله، وكأنه سمع مسبقا كلام مخلصنا حينما قال ” من أحب ابنا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقني ” ( مت 10: 37 ) فلكي يكون مستحقا لله اتبع الوصايا الإلهية وقدم ابنه الوحيد كضحية، دون أي إحساس بالأسى. لأنه سوف يقتل وريثه الوحيد.
لماذا لم يشعر بالحزن؟ ذلك لأن قلبه كان مفعما بمحبة الله ونار إيمانه حطّم كل الأحزان. هذا هو نوع من الرجال الذين أحبوا الله بالحقيقة، والذي تكلم الله عنه وشهد له قائلا: ” الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عنى ” ( تك 22: 12 ) كان لا يمكن بدون هذه التجربة والضيقات، وتحمله لكل شيء أن يستحق أن يدعى أبا لكل القديسين.
الله الطبيب السمائي:
يا أصدقائي لا تيأسوا عندما تصيبكم الأحزان، ولكن كونوا أقوياء شاكرين الله على كل شيء يرسله. عندما يعانى جسدكم جميع أنواع الآلام لا تيأسوا، ولا تسمحوا لأرواحكم بأن تتحطم، أو تصرخوا ضد الله، بل بدلا من ذلك تذكروا مثال أيوب الذي أدهش الجميع بصبره، تذكروا عندما قال ” كما أراد الله سيكون وليكن اسم الرب مباركا ” ( أيوب 1: 21 ).
أنا أعرف أناساً تغطى جسدهم بآثار الجذام، ووصلوا إلى مرحلة من اليأس حتى اعتقدوا أن الله قد تخلى عنهم نهائياً، ولكن يلزم لكل واحد فينا أن يركّز نهارا وليلا ليدرك الأحكام الإلهية، إن الله عادل، وعدله أغلى من الذهب والحجر الكريم وأحلى من العسل، وهو الذي يقوم بالعلاج الحقيقي للأمراض لأن آلام المرض تستمر مدة قصيرة فقط أما الروح المتألمة فتستمر إلى الأبد.
صدقني يا صديقي أن الجسد لا يمكن أن يعود نظيفا بعد اتساخه بنفس الدرجة التي تصير إليها الروح بعد أن تنتقى. ألا يحتاج الطبيب الذي يعالج المريض أن يفتح الجلد بالمشرط، أو في بعض الأحيان يحتاج على الكي ليستأصل الألم الذي يسببه المرض؟ إنك لا تعارض الطبيب الذي يفعل هذا، بل تكافئه بمنحة هدية. الله الطبيب السمائى بمشاعره الأبوية لديه الرغبة الأكيدة لمساعدة الذين خلصهم من الموت.
لهذا السبب يرسل لنا ضيقات وقتية حتى يحرّر أرواحنا من الضيقات التي تؤدى على موتها الأبدي. لهذا يا أصدقائي مهما أرسل الله من محن، لابد أن نتقبلها بالرضي، وبدون تذمر، حتى نستحق أن نكون في مدينة الله، بل إنك ستشعر بالألم والأسى بالحقيقة، إذا حرمت من هذه المدينة، ولذلك تحمّل كل شيء بحكمة وإتضاع نحو الله، حتى تكون نفسك مستعدة وأهلاً لمواطنة هذه المدينة وهذا الفردوس وتكون إلى الأبد في العرس السمائى.
أسألك يا صديقي أن تضع اضطرابك ويأسك جانباً ولا تسمح للألم أن يوصلك إلى اليأس من المستقبل. لا تصدق هؤلاء الناس الأغبياء الذين يعتقدون إنهم سيبعثون مرة أخرى يوم القيامة وأجسادهم ستكون في صورتها الحالية، إن هذه تفاهة وخرافة وليس لها أي أساس. في الحقيقة أنا اسأل من يعتقدون هكذا أن يدلوني في أي صفحة في الإنجيل يوجد هذا، أنا متأكد إنهم لو فحصوا الإنجيل بدقة سوف لن يجدوا هذه الأكذوبة وهذا الخطأ الفاحش. إن الجهل يخلق نفسا متعبة وعقلا فارغا، إن هذا هو دمار رهيب !.
دعونا يا أصدقائي نترك هذه الجهالة، ونعود لنجد الحكمة في كلمات الوحي الإلهي، ولننظر إلى القائل: ” علمني يا رب طريق فرائضك فأحفظها إلى النهاية، فهمني فأفحص ناموسك وأحفظه بكل قلبي، دربني في سبيل وصاياك لأني بها سررت ” ( مز 119: 33 – 35 )، فإنه إن علمك الله الطريق، فلن تتذبذب مع العواصف التي حولك.
احتمال الألم عربون القيامة:
تذكر الرجاء الذي كان في أيوب في وسط معاناته الصعبة, والقوة التي أظهرها عندما كان جسده ينهار بالألم. لأنه آمن أن الألم يحضر جسده ليوم البعث فقال: ” أما أنا فقد علمت أن وليي حي، والأخر على الأرض يقوم، وبعد أن يفنى جسدي هذا، وبدون جسدي أرى الله، الذي أراه أنا لنفسي وعيناى تنظران وليس آخر ” ( أيوب 19: 25 – 27 ).
أنتم أيضا يا أصدقائي لابد أن يكون فيكم هذا الرجاء، والثقة في أنكم ستصلون إلى بهاء الخلود في العالم القادم، لأنه بهذا الرجاء تصير كل الآلام الحاضرة سهلة وخفيفة لنتحملها. حقاً إن الألم لن يعتبر عقابا ونبعا للحزن، ولكن سيملأ روحنا بالفرح.
دعنا نتكلم باختصار على انتقال الجسد، منصتين إلى كلمات معلمنا بولس الرسول التي قالها باستفاضة ووضوح تام، للذين كانوا غير متأكدين بل ومتشككين في هذا الموضوع، سألوه كيف يقوم الموتى، وفى أي شكل؟ فأجاب قائلاً: ” يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت، والذي تزرعه لست تزرع الجسد الذي سوف يصير، بل حبة مجردة ربما من الحنطة أو أحد البواقي، ولكن الله يعطيها جسما كما أراد ولكل واحد من البذور جسمه ” ( 1كو 15: 36 – 38).
حبة الحنطة التي تدفن في الأرض تبدو كأن ليس لها معالم الحياة، ولكن مجرد أن تثبت جذورها في الأرض تدفع بساقها، وتنتج سنابل متعددة، تلبس كل منها ثوبا نباتيا جميلا، هذا يفسر قوله أن الله يعطيها جسما كما أراد، ولكل واحد من البذور جسمه.
بنفس الطريقة الجسم الفاسد الذي يدفن في أعماق الأرض، لا توجد له حياة في ذاته، فهو كحبة الحنطة التي تظهر بذور الحياة، وذلك عندما يأمر الله في يوم القيامة أن يأتي، سوف لا يقوم فاسداً وفانياً، بل سيقوم عادم الفساد خالداً، لأنه مكتوب أيضاً ” هكذا أيضا قيامة الأموات يزرع في فساد ويقام في عد فساد، يزرع في هوان ويقام في مجد، يزرع في ضعف ويقام في قوة، يزرع جسماً حيوانياً ويقام جسماً روحانياً. يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني ” ( 1كو 15: 42 -44 )
هذا يعنى إن الجسد الذي لنا الآن سينتهي مباشرة بعد الموت. ويتعفن ويكون غذاء للدود، بل وحتى قبل الموت يأخذ جسدنا في الانحلال بصفة مستمرة حتى قبل خروج النفس، فجميع أطراف الجسد تبدأ تضعف. وتبدأ في عملية الانحلال.
أننا نعانى من الأذى ومن أسقام غير محصاة، جوع، عطش، تعب، شدّ عصبي، درجات مرارة متفاوتة، لأن في هذه الحياة نحن نتكون من جسد طبيعي وروح. في الوقت الحاضر لنا جسم آدمي، ولكن في المستقبل سيكون جسم روحاني، لأنه يوجد جسم حيواني، وجسم روحاني، ويوجد بهاء آدمي وبهاء سمائي. البهاء الآدمي الذي نعيش به على الأرض مؤقت ومحدود، بينما السمائى لا نهائي وغير محدود، سيظهر عندما يتحول الفساد إلى عدم فساد، والفناء يتحول إلى خلود.
يا صديقي لا يوجد شك أنك ستحصل على الجسم السمائى، ولا تظن أنه لأن جسدك الحالي مغطى بالقرح الجذامية أو أي تشوه آخر انك تحرم من البهاء السمائى لهذا السبب. على النقيض كأمثلة لعازر وأيوب، إننا سنكون أكثر استحقاقا للدخول إلى الملكوت السمائي.
فقط سنمنع من الدخول إلى الملكوت إذا كانت خطايانا تبقى داخلنا، ونحرم من الملكوت إذا فكّرنا أن الله إلهنا القادر على كل شيء لا قوة له. الإنسان الذي يفكر في أن الله لا قوة له هو الإنسان الذي يعتقد أن الله لا يستطيع أن يصلحه ويغيّره. وبالتأكيد أنت لا تعتقد هكذا في الله الذي يمكن له أن يعيد الحياة من جديد وينعش الحياة الجافة ويحيى العظام واللحم. ألا يستطيع أن يحولهم إلى بهاء سمائي؟ أنك لا تستطيع أن توافق أن الله القادر على كل شيء يعجز عن هذا، وتنكر أنه لا قوة له في صنعها.
التجارب تؤدى إلى النمو الروحي:
ربما وصلت مرة من المرات إلى مرحلة اليأس من الحياة، وفكرت في أن كل الناس قد تخلوا عنك، وأنك محاط بالأحزان لأجل الخطايا التي ارتكبتها. ولكن يجب أن تعتبر هذا إعلان عن حب الله لك أكثر من كرهه لك، لأن الرب في هذه الحياة يحب أن يضبطنا لأننا أولاده، لكى تكون أرواحنا في الحياة الأخرى في حالة طهارة ونقاوة.
مكتوب في الكتاب المقدس ” لأن الذي يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل ابن يقبله ” (عب 12: 6 ). فلذلك إذا وجدت إنساناً ارتكب أخطاء عظيمة، ولم يعاقبه الله ولم يتألم جسده بأي نوع من الأمراض أو المحن، فتأكد انه متروك من الله لضخامة هذه الخطايا، وهذا الإنسان لا يعاقب من الله لأنه غير مستحق الخلاص. ولكن أنت توبخ حتى لا تُسلم إلى الموت الأبدي، يقول داود النبي ” تأديبا أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني ” ( مز 117 ).
حتى أورشليم عندما ارتكبت جريمة أمام الله بقتلها الأنب1: الذين أرسلوا إليها لخلاصها، عانت من الدمار والسبي إلى بابل حتى يرجع أولادها إلى المسار الصحيح، فهذا تأديب يؤدى إلى الإصلاح، فبعد انقضاء سبعين سنة رجعت المدينة مرة أخرى إلى مجدها السابق، وأظهر الله تحننه وأرسل لها كلمات التعزية على يد رجال الله الأنبياء القديسين قائلاً: ” قد رجعت على أورشليم بالمراحم…..، والرب يعزى صهيون بعد، ويختار بعد أورشليم ” ( زكريا 1: 16 – 17 ).
لو كنت مسيحيا بالحق فلابد أن تفرح لو قابلتك المصاعب لأنك ستكون أكثر استحقاقا. ولو كنت خاطئا فلابد أن تفرح لو تألمت لأنه بهذه الطريقة ستنظّف من خطاياك، وتجد عزاء في وقت رجوعك. الآلام ذات فائدة في كل حالة، لأن الروح المنسحقة تعتبر ذبيحة لله، والله لا يحتقر القلب النادم والذليل.
إذا أدب الله خاطئا ما، ولكنه رفض أن يغير طريقه القديم، وأنتابه اليأس من الحياة وقال ” لا توجد لدىّ فرصة للغفران، الله تخلى عنى، كل حياتي إلى الهلاك ولا أتوقع سلام بعد الموت “. مثل هذا الشخص يظهر علامات موته، ووقوعه تحت سيف اليأس، وينضم على تلك المجموعة التي يقول عنها النبي ” لم يرضوا مشورتي، رذلوا كل توبيخي ” ( أم 1: 30 ). يا أصدقائي تحاشوا أن تصيروا هكذا بل لابد أن تستعدوا وترحبوا من كل القلب بحكم الله، كما قال داود النبي: ” إن كلماتك حلوة في حلقي أفضل من العسل والشهد في فمي ” ( مز 119: 103 ).
قساوة التأديب:
في بعض الأحيان يظهر التأديب أنه قاسى، ولكنه بعد ذلك يخف وينتهي في المستقبل، هذا التأديب يحولك عن الخطية ويوصلك إلى طريق الفضيلة. بسببه ستقهر الموت وتجد الحياة، ستتحاشى العقاب الفظيع في المستقبل، وتكسب الفرح الأبدي، ستتحول بعيداً عن الكبرياء وتتجه إلى السلام والخضوع لله، تذكر دائما القائل ” خير لي أنك أذللتني حتى أتعلم حقوقك ” ( مز 119: 71 ).
لو حفظت كل ما قلته لك ووضعته في قلبك، ودمت صادقا في النعمة والبركة، وكنت دوما تشكر الله، فإنك دائما ستشعر بروح الله في داخلك، لأن كل أحد يضع فكره في الله، فإن الله لن يتركه أبدا، سوف يخفف آلام الجسد، ويقوى قدراتك إلى المنتهى، وحتى لو كان جسدك مُغطى كله بجروح متقيحة، تستطيع أن تبقى في هدوء ذهني ونفسي منضبط ومتزن، بمساعدة إلهنا يسوع المسيح الحي الذي له المجد إلى الأبد أمين.
الإيمان بالأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد – القديس باسيليوس الكبير
الإيمان بالأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد – القديس باسيليوس الكبير
الإيمان بالأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد – القديس باسيليوس الكبير
الإيمان بالأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد – القديس باسيليوس الكبير [1]
عندما سلمنا ربنا صيغة الإيمان بالآب والابن والروح القدس، لم يقرن هذه النعمة بعدد فهو لم يقل باسم الأول والثاني والثالث ولا أشار إلى واحد واثنين وثلاثة. بل منحنا نعمة معرفة الإيمان الذي يقودنا إلى الخلاص، حتى أننا نخلص بالإيمان وبمعرفتنا بأسماء الأقانيم المقدسة، أما العدد فقد اخترعه العقل كوسيلة لحصر الكميات. أما الذين يجلبون الدمار على أنفسهم، فيريدون استخدام طريقة “العد” ضد الإيمان. ومع أن الأشياء لا تتغير إذا حسبت عددياً كلٌ بعد الأخر في تسلسل عددي، إلا أن أولئك الذين يرون استخدام العدد في الكلام عن الطبيعة الإلهية يتجاوزون الإكرام اللائق بالباراقليط.
ونحن نعلم عن كل أقنوم على حدى، وإن كان يجب علينا استخدام الأعداد، فإننا لا نسمح لأنفسنا، فإننا لا نسمح لأنفسنا بأن تحملنا قواعد الحساب إلى تعدد الآلهة في الوثنية. نحن لا نجمع بالإضافة واحد زائد واحد وبذلك نتدرج من الوحدة إلى الكثرة. كما أننا لا نقول واحد، اثنان، ثلاثة ولا نقول أولاً وثانياً وثالثاً بل مكتوب “أنا الله الأول وأنا الآخر” (إش44: 6). ولم نسمع قط حتى هذا اليوم عن إله ثان بل أننا نبعد الإله من الإله، ونعترف بتمايز الأقانيم وفى نفس الوقت نتمسك بالوحدانية.
ولا نبدد اللاهوت بتجزئته إلى أقسام متعددة، بل جوهر واحد غير مجزأ نراه في الله الآب والله الابن الوحيد. ووحدة بلا انقسام لأن الابن في الآب والآب في الابن وهو ما ينفى وجود اختلاف بينهما، بل يجعلهما جوهرًا واحدًا. وبالتمايز هما الاثنان أقنوم وأقنوم وبالاشتراك في الطبيعة الإلهية الواحدة هما واحد. كيف إذاً وهما واحد وواحد ليس اثنين؟
السبب هو أننا نتحدث عن ملك واحد وعن صورته، وهذا لا يعنى وجود ملكين. فلا السلطة ولا القدرة ولا المجد ينقسم، بل السيادة والسلطة والحكمة هي واحدة. وفى اللاهوت نفس الوضع لأن المجد الذي نقدمه لله يقدم إلى الواحد وليس إلى تعدد الآلهة، لأن إكرام صورة الملك هو إكرام الملك. وفى حالة الملك والصور فإن الفرق بين الملك والصورة هو في الطبيعة، إذ هي تمثل الملك، أما في حالة الآب والابن فالطبيعة واحدة.
وفى الفنون يحاول الفنان أن يرسم شبيهاً متقناً، أما في اللاهوت فالطبيعة الإلهية بسيطة غير مركبة فإن الوحدة بين الآب والابن هي وحدة قائمة على الشركة في الجوهر الإلهي بينما الوحدة بين الملك والصورة هي وحدة في الملامح فقط. واحد هو الروح القدس الذي هو واحد مع الآب الواحد والكل هو الثالوث المبارك المسجود له.
وواضح بشكل كافٍ أن الروح القدس قائم في شركة الجوهر مع الآب والابن، لأنه لا يحسب ضمن الخليقة المتعددة بل نتكلم عنه كواحد لا مثيل له في الخليقة. وكما أن الآب واحد والابن واحد، كذلك الروح القدس واحد وهذا يجعله بعيداً تماماً عن الطبيعة المخلوقة لأن الفكر السليم لا يسمح لنا بأن نضع الواحد الذي لا مثيل له والبسيط غير المركب مع الخليقة المركبة القائمة في كثرة من الأجساد. أما الروح القدس فهو متحد مع الآب والابن في وحدة لا مثيل لها.
وما ذكرناه سابقاً ليس هو المصدر الوحيد للبراهين على الشركة في الجوهر، بل لأن الروح القدس “هو من الله” (1كو1: 12)، ومعنى “من الله” ليس مثل الكلام عن الخليقة التي هي أيضاً من الله، بل المعنى الدقيق المتعارف عليه وهو انه صار من الله، ليس بالولادة مثل الابن وإنما مثل النفخة الصادرة من الفم. ولكن الفم هنا لا يعنى مطلقاً ذلك العضو الجسد، ولا نفخة الفم التي تتبدد بمجرد خروجها من الفم، بل هو الفم على المستوى الإلهي الذي منه يصدر الروح القدس أقنوماً حياً متميزاً بطبيعة التقديس الفائقة.
وهكذا يمكننا أن ندرك وحدته مع الآب والابن، بينما يظل كيانه الإلهي غير المدرك فوق القدرة على التعبير. ويقال عن الروح القدس أنه روح المسيح لتأكيد علاقته الروحية بالابن كما قيل “من لم يكن فيه روح المسيح فهو ليس منه” (المسيح) (رو8: 9). فبالروح هو وحده الذي يمجد الرب حسبما قيل “هذا يمجدني”(يو16: 14).
ولكن ذلك التمجيد ليس مثل تمجيد الخليقة، بل يمجده لأنه “روح الحق” (يو14: 17). الذي يعلن الحق في ذاته بكل وضوح وكروح الخدمة يعلن لي عظمة المسيح الذي هو ” قوة الله وحكمة الله” (1كو1: 24). ولأنه الباراقليط (المعزى) يعلن في ذاته صلاح الباراقليط (الابن) الذي أرسله ويظهر في كرامته وعظمة الذي منه انبثق (الآب).
ولكي ندرك أن الروح القدس ليس مثل الخليقة ولا منها، علينا أن نميز بين المجد الذاتي الذي يشع من ذات الله مثل إشعاع نور الشمس، والمجد الذي يعطى بحرية لمن يستحقه وهو مجد يضاف من الخارج. والمثل الواضح هو ما قيل إن ” الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده” (ملاخى6:1). وإكرام العبد هو ما تقدمه الخليقة، أما الإكرام الآخر الذي يمكن أن يقال إنه إكرام المتساويين في الكرامة فهو ما يحققه الروح القدس.
وكما قال ربنا “أنا مجدتك على الأرض العمل الذي أعطيتني قد أكملته (يو17: 4) يقال نفس الكلام عن الباراقليط ” ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويعلنه لكم” (يو16: 14) وكما أن الابن يُمَجدْ من قِبل الآب كما قال ” مجدتك وسوف أُمجدك أيضاً” (يو12: 28). وأيضاً يمجد الروح فالشركة في الجوهر التي له مع الآب والابن، وبشهادة الابن الوحيد عنه التى يقول فيها ” كل خطية وتجديف يغفر للناس، أما التجديف على الروح فلن يغفر”(مت12: 31).
وعندما نستنير بالقوة التي فينا، ونحدق النظر في جمال صورة الله غير المنظور، ومن الصورة نبلغ إلى الجمال الفائق الذي للأصل وعندما يكون روح المعرفة حاضراً بلا انفصال فإنما في ذاته، لمن يحب رؤية الحقيقة وقوة معاينة الصورة، لا من الخارج بل يقودهم إلى معاينتها في ذاته (الروح القدس).
وكما أنه لا أحد يعرف الآب إلا الابن (مت11: 27)، وأيضاً لا يقول أحد أن يسوع هو الرب إلا “بالروح القدس” (1كو12: 3) ولم يقل بواسطة الروح القدس، بل يقول بالروح القدس، لأن الله روح والذين يسجدون له، فبالروح والحق يجب أن يسجدوا (يو4: 24)، كما هو مكتوب، في نورك نعاين النور أي باستنارة الروح ” النور الحقيقي الذي ينير لكل إنسان آتٍ إلى العالم” (مز36: 9) (يو1: 9) وهذا يوصلنا إلى أن الروح القدس هو الذي يعلن في ذاته مجد الابن الوحيد وأنه هو الذي يمنح للساجدين الحقيقيين المعرفة الحقيقية لله.
إذن طريق معرفتنا بالله يبدأ بالروح الواحد من خلال الابن الواحد إلى الآب الواحد ولكن بعكس ذلك يصلنا الصلاح الإلهي وقداسة الله ومجد الملكوت من الآب بالابن الوحيد في الروح القدس. وفى كلا الاتجاهين يظهر الاعتراف بالأقانيم ولا ينتهك الإيمان الحق بالوحدانية، أما أولئك الذين يعتمدون على فلسفة الأعداد ويقولون أول وثان وثالث بقصد إظهار اختلاف الأقانيم، فعليهم أن يعرفوا أنهم يجلبون مبدأ تعدد الآلهة من ضلال الوثنية ويحاولون إدخاله في لاهوت المسيحيين النقي.
وضلال الاعتماد على الأعداد ظاهر، لأنه يؤدى إلى الاعتراف بأكثر من إله ويصبح ثمة إله أول وثان وثالث. أما نحن فيكفينا التسليم الذي سلمه إلينا الرب، وكل من يمزج بين هذا التسليم والمعرفة الغريبة فإنه ليس أقل جرماً في تعدى الشريعة من الوثنيين الضالين.
1. عن كتاب الروح القدس للقديس باسيليوس الكبير، الفصل الثامن عشر، الفقرات: 4446، إصدار مطرانية الغربية للأقباط الأرثوذكس، الكلية الإكليريكية اللاهوتية، سلسلة آباء الكنيسة-11، تعريب جورج بباوى، القاهرة 1981، 123128.
الإيمان بالأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد – القديس باسيليوس الكبير
القديس باسيليوس الكبير: حياته – مؤلَّفاته – لاهوته
إعداد الأب باسيليوس الدبس
حياته
ولد القديس باسيليوس في قيصرية كبادوكية[1] سنة 330م. من عائلة وجيهة أرستقراطية .جدّه لأبيه كان يدعى باسيليوس ، ترك كلّ أملاكه الواسعة وأمواله للحفاظ على إيمانه في عهد الإمبراطور ديوكليتيانوس. أبوه كان أستاذ الخطابة في قيصرية وجدّته لأبيه هي مكرينا التي كانت تلميذة غريغوريوس صانع العجائب.
أمّه أماليا كانت أيضاً من عائلة أرستقراطية . إحتمل أبوها العذاب والإضطهاد وأخوها كان أسقفاً قي قيصرية كبادوكية(حالياً قيصرية تركيا) . كان لأب باسيليوس تسعُ أولادٍ[2]، خمسُ بناتٍ وأربعةُ ذكور. كرّس معظمهم حياته لخدمة الكنيسة . نعرف من بين الذكور : باسيليوس ، غريغوريوس ، بطرس ، نافكراتيوس[3]، ومن البنات نعرف القديسة مكرينا أخته.
قضى جزءاً من طفولته في ممتلكات أبيه في البنط قرب نهر إيريس [4]، كان أبوه الأستاذ الأوّل ولكن بعد وفاته سنة 345م نزل باسيليوس إلى قيصرية كبادوكية لمتابعة دراسته هناك ، حيث تعرّف إلى صديقه القديس غريغوريوس اللاهوتي، ثم أنتقل إلى القسطنطينية ثم إلى أثينا[5] التي كانت مركزاً في العلم والثقافة حيث كان صديقه غريغوريوس قد سبقه إليها.
أمضى باسيليوس ما يقرب الخمس سنوات في أثينا وهناك توطدت بينه وبين غريغوريوس أواصر الحب والأهداف الروحية حتى أن غريغوريوس نفسه يقول أنهما كانا روحاً واحداً في جسدَين وفي مكان آخر يقول غريغوريوس :”عرفنا شارعَين في المدينة ، الأوَّل يؤدّي إلى الكنائس والمذبح والثاني إلى الجامعة ومعلمي العلوم. أما الشوارع التي تؤدي إلى المسارح والملاعب والأماكن غير المقدسة فتركناها لغيرنا”.وفي أثينا تحلّق حولهما عدد من الطلاب فألّفوا أوّل رابطة طلابية مسيحية في العالم.
في عام 355 وصل إلى أثينا تلميذاً آخر وهو يوليان (صار فيما بعد إمبراطوراً ) لمتابعة دروسه ، كان الأمير الشاب على علاقة وثيقة بباسيليوس واعتاد أن يدرس معه ولكنه تأثر بالوثنية حتى صار يعرف بإسم “الجاحد” .
ظهرت عبقرية باسيليوس في دراسته حتى أن غريغوريوس يقول أنه كان بارعاً في كل فرع من فروع العلم كما لو كان متخصصاً فيه وحده. بعد إنتهاء دراسته عاد سنة 356 إلى وطنه أما غريغوريوس فبقي في أثينا لوقت قصير يعلِّم الخطابة والبلاغة. وفي كبادوكية حرَّك مسلك أخته وأمّه دعوته الروحية فهما قد حوّلتا منزل الأسرة ليكون منسكاً وسط الطبيعة الهادئة فجذب هذا المنسك عدداً من النساء .
أخذ باسيليوس يدرس الكتاب المقدس فوجد فيه نوراً يختلف عن نور المؤلفات الوثنية فإعتمد، وقرر أن يبحث عن النساك المشهورين ليقتدِ بهم، فزار مصر وسوريا وأنطاكية وبلاد ما بين النهرين وعندما عاد إلى قيصرية كبادوكية رُسم شماساً وشارك في مجمع القسطنطينية سنة360م.
لكنه لم يبقَ في قيصرية بسبب إنزعاجه من اسقفها الآريوسي ، ثم باع كل ما يملكه ووزعه على الفقراء والمحتاجين ونسك أولاً في ممتلك لغريغوريوس صديقه ولكنه عاد واختار منطقة في بلاد البنط لما تمتاز به من جمال طبيعي خلاّب وربما فعل هذا لإستمالة صديقه غريغوريوس فكتب اليه واصفاً المكان قائلاً:
“أرشدني الله إلى منطقة تتفق تماما واسلوبي في الحياة أنها حقاً ما كنّا نتوق إليه في أحلام يقظتنا ، فما كان يظهره الخيال لي بعيداً أصبحت أراه أمامي ، جبلٌ عالٍ تكسوه غابة كثيفة ترويها في الشمال جداول دائمة الجريان وعند سفح الجبل يمتد سهل فسيح كثير الفاكهة بسبب الرطوبة ، أما الغابة المحيطة التي تتنوّع فيها الشجار وتزدحم فهي تعزلني في قلعةٍ حصينة”.
حتى أنه يرى حكمة الله وراء هذا الجمال فيقول :” إذا كنت في حدود الليل تتأمل النجوم وجمالها الأخّاذ فأنك ترى الفنان الذي صمَّمَها وترى الذي زيّن السماء بهذه الورود ، وإذا كنت في الصباح المبكر فأنك تتعلم الكثير عن عجائب النهار . فمما هو منظور تصل إلى اللامنظور”.
أما عن طعامه فأنه ما كان يتناول إلاّ ما هو ضروري لسدّ رمقه.ولم يكن ذلك الطعام سوى الخبز والماء يقول غريغوريوس أخوه أنه كان يقمع جسده فيعامله كما يعامل سيدٌ غضوبٌ عبداً هارباً.
أليس هو الذي قال ؟:” هذا ما يليق بالراهب : التمسكن،عقل منخفض، نظر مطرق إلى الأرض، وجه مقطّب ، لباس مهمل، ثوب وسخ حتى يكون حالنا كحال النائحين الباكين، ثوب بقدر الجسد لأن الغرض منه شيء واحد هو ستر الجسد من الحر والبرد… كذلك الطعام خبزة واحدة تسدّ الجوع ، والماء ليروي ظمأ العطشان” [6]. مع أنه كان يشدد كثيراً في قوله :” إن الصوم الحقيقي هو سجن الرذائل ، أعني ضبط اللسان، وإمساك الغضب وقهر الشهوات الدّنسة”[7].
زاره صديقه غريغوريوس فبقي بقربه سنة ونصف وهناك أنصرفا إلى دراسة الكتب اللاهوتية دراسة عميقة ونسّقا كتاب الفيلوكاليا وعملا معاً على تنظيم الحياة الرهبانية وتحلّق حول باسيليوس عدد كبير من مريدي الرهبنة فوضع لهم القانون الكبير والصغير ولذلك اشتهر باسيليوس بأنه منظِّم الحياة الرهبانية في الشرق وفي ذلك الوقت سمع أن اسقف قيصرية قَبِل قانون الإيمان الآريوسي فترك وحدته لإقناعه بالإيمان النيقاوي فعاد الأسقف عن الدستور الآريوسي وهو على فراش الموت .
ثم أقنعه صديقه غريغوريوس بالذهاب إلى قيصرية للعمل مع الأسقف افسافيوس ففعل ولكن سرعان ما نشب الخلاف بينهما لأن باسيليوس اكتسب شهرة واسعة فثار حسد الأسقف وأنتهى الأمر إلى القطيعة فعاد باسيليوس إلى منسكه لوقت قصير.
وفي هذا الوقت كتب ضد الإمبراطور يوليان الذي تمسك بالوثنية ولما التقى في الشرق الإمبراطور فالنس كثر الخطر على الأرثوذكسية فطالب الشعب بعودة باسيليوس وبعد عدة محاولات تم التوفيق بينه وبين الأسقف فاستخدم باسيليوس كل علمه وفصاحته لإحباط الآريوسيين ولكن الاحتياجات اللاهوتية لم تمنعه من تكريس عمل اجتماعي مهم فمن المحتمل أن المؤسسة العظيمة”الباسيلية” التي أقامها في ضواحي قيصرية لعلاج المرضى وإراحة المسافرين وإعالة الفقراء وضع تصميمها في أواخر سنوات كهنوته .
ومن ابرز حوادث تلك الفترة هي المجاعة التي اجتاحت كل الإقليم سنة 368 فلم يكتفي بحثِّ الأغنياء والتجار على الرحمة بل باعَ ممتلكاته التي آلت إليه بعد وفاة أمّه ووزعها على المحتاجين . وفي منتصف سنة 370 توفى افسافيوس فطالب به معظم المؤمنين اسقفاً لكن معارضيه كانوا من الأساقفة الآريوسيين وبعض المؤمنين الآريوسيين وكان لأسقف نزينـز دور مهم في انتخاب باسيليوس اسقفاً لأنه حضر وهو على فراش المرض إلى الدورة الإنتخابية.
وهكذا رسم اسقفاً عام 370 م [8]فبدأ عمله الصعب في مجالات متعددة فكان هناك فريق من الأساقفة الذين رفضوا الاشتراك في تنصيبه يعاملونه بكل استخفاف وصمّمت حكومة الإمبراطور على تقسيم منطقة قيصرية إلى قسمين والهدف إضعاف باسيليوس فاختيرت مدينة تيانا لتكون العاصمة الجديدة .
وهكذا طالب اسقف تيانا بتقسيم كنسي يتبع التقسيم الإداري وأن تتمتع متروبوليته بامتيازات مساوية لامتيازات قيصرية فقرر باسيليوس مقاومة هذا التقسيم وحتى يعزز موقفه رسَم صديقه غريغوريوس على سازيا وسام أخاه غريغوريوس اسقفاً على نيصّا لكن صديقه غريغوريوس هرب من المدينة بعد أن لاقى صعوبات كبيرة فذهب باسيليوس في صراع مع الإمبراطور الذي كان يعبر آسيا الصغرى مصمما على ملاشاة الإيمان الأرثوذكسي فكان مصير كبادوكية متوقفا على باسيليوس .
هدده الإمبراطور أما بالعزل أو الاشتراك مع الآريوسيين واستدعاه مودستوس الحاكم وطالبه بالخضوع وهدده بمصادرة أملاكه وبتجويعه وتعذيبه ونفيه فردَّ باسيليوس أن لا شيء من هذه التهديدات ترهبه فليس له شيء يصادر سوى قليل من الخرق وبعض الكتب أما النفي فلا يضعه وراء أراضي الله لأن الأرض كلها دار غربة أما التعذيب فلا يخيف جسماً قد مات فعلاً . فأعلن مودستوس الحاكم قائلاً له أنه لم يكلمني أحد بهذه الجرأة حتى الآن فأجابه القديس ذلك لأنك ربما لم يؤتى لك أن تواجه اسقفاً حقيقياً .
بعد التهديد لجأ الحاكم إلى الوعد لكن الوعد فشل أيضاً . وفي عيد الظهور الإلهي دخل الإمبراطور إلى الكنيسة محاطاً بالحاشية الكبيرة فرأى باسيليوس واقفاً على المذبح فلم يتحرك باسيليوس وظل جامداً كالتمثال وكان شيئاً لم يحدث .كان الوفاق ظاهرياً بين الإمبراطور وبين باسيليوس لكن القديس لم يسمح للآريوسيين بأن يشتركوا معه في الخدمة، ولذلك أقنع الآريوسيون الإمبراطور بنفي باسيليوس فأمر بنفيه .
اعدّ القديس عدَّته للرحيل لكن إبن الإمبراطور مرض مرضاً مفاجئاً وعزت أمه الأمر إلى نفي باسيليوس فأرسل الإمبراطور إثنين يتوسلان إلى القديس أن يصلي من أجل الطفل غير المعمَّد فطلب باسيليوس قبل ذهابه أن يُعمَّد الطفل على يد كاهن أرثوذكسي لكن الإمبراطور حنث بوعده وعمَّد الطفل على يد كاهن آريوسي فساءت حالة الطفل ومات في تلك الليلة .أما الإمبراطور فلم يوقع قرار النفي .
لكن الآريوسيين ظلوا يستهدفون باسيليوس فعقدوا مجمعاً في أنقره أدانوا فيه مبدأ ألـ ” OMOOUSIOS ” ” Omoousios “،” التماهي”. ولكن بسبب نشاط باسيليوس المتواصل لم يعد جسمه قادراً على تحمل الأعباء ففي سن الأربعين دعا نفسه عجوزاً وفي شتاء سنة 378 اقترب من الموت أما في سنة 379 فرقد رقدة الموت بعمر 49 سنة ودفن في قيصرية .
تعيّد له كنيستنا في 1 كانون الثاني و30 كانون الثاني من كل سنة، والكنيسة الغربية في 14 حزيران[9].
جمجمته إلى اليوم ، موجودة في دير اللافرا الكبير في جبل آثوس.[10]
مؤلفاته
جمع باسيليوس الفكر العملي إلى الدقة اللاهوتية والعقل المحلل وفي مؤلفاته يتبع طريقاً منهجياً ويستعمل لغةً نقيةً ورفيعةً جداً.يمكننا تقسيم مؤلفاته إلى :
1. دفاعية.
2. تفسيرية .
3. عقدية.
4. خطابية.
5. نسكية وليتورجية ورسائل .
الدفاعية: كتاب إلى الشباب وهو عبارة عن محاضرتين وجّههما إلى شباب كبادوكية لما منع الإمبراطور يوليان من إعطاء دروس في المدارس العامة في الفيلولوجيا( أي علم اللغة أو الكلام) والخطابة والفلسفة . رأى باسيليوس أن يتبع الطلاب المسيحيون الدروس عند الوثنيين لكن يجب عليهم أن يكونوا متيقظين. وفي كتابه هذا يجد باسيليوس أن دراسة الفيلولوجيا الكلاسيكية نافعة ولكن إلى حدّ.
فللحياة بعُدان بُعدٌ للحياة الحاضرة وبُعدٌ للحياة المستقبلة، فاللاهوت المسيحي يعلّم أيضاً عن الحياة المستقبلة لكن الشباب قد لا يفهمون هذا التعليم لذلك يجب أن ينصرفوا إلى دراسة الفيلولوجيا الكلاسيكية ويأخذوا منها ما هو حسن كما يفعل النحل بالزهر فيختارون نصوصاً تهدف إلى تدريبهم الخلقي.
تفسير ستة أيام الخلق :كتاب من 9 خطب يشرح فيها سفر التكوين من1_26 فيه يدحض النظرية الفلسفية الكونية عن أزلية الكون ووجوده الذاتي الأمر الذي يؤدي إلى الفرضية الثنائية.فيدرس الخلائق تفصيلياً ويتكلم على حدوثها (خلقها). وفي الخطبة الأخيرة يعد أنه سيتحدث عن خلق الإنسان لكنه لم يفعل ذلك .يبدأ عظته بقوله:” الله هو الذي خلق السماء والأرض.فكّر البعض أن السماء وُجدت بفعل الصدفة، وبقوة ذاتية متحركة. لكن نحن أبناء الإيمان ، فلا مجال للشك عندنا بأن سبب وجود هذا العالم هو الله وحده.
وفي الحقيقة كثرت آراء العلماء ، وتضاربت تعاليم الفلاسفة ، ولم يجمعوا في وقت من الأوقات على رأي واحد، إذ كان كل رأي ينقضه رأي آخر ويخالفه تماماً. وهكذا سقطت كل الآراء بتفاعل ذاتي وتضارب غريب”[11].
المؤلفات التفسيرية:لا شك أن كتابة (ستة أيام الخلق )يمكن أن يدرج هنا لكنه من الكتب الدفاعية .هناك خِطب أخرى تفسيرية تشرح المزامير وضعها عندما كان كاهناً .يتحدث باسيليوس في خطبته الأولى عن أهمية شعر المزامير أما في تفسيره للمزامير فيهتم في المسائل الفيلولوجية ويتوسع في المواضيع الخلقية .
هناك تفسير لسفر إشعياء 1_6 لكن يصعب علينا أن نُبدي الرأي في أصالته لأن منهجه يقترب من منهج اوريجنس الإستعاري .
المؤلفات العقائدية :
بعد أن أُبسل افنوميوس في مجمع القسطنطينية سنة 360 الذي حضره باسيليوس عندما كان شماساً وضع افنوميوس دفاعاً ينطلق من المفاهيم الأرسطية الخاصة بجوهر الكائنات ووصل إلى النتيجة التي تقول أن الجوهر الإلهي يتمثل (يصبح مماثلاً)لعدم الولادة وأن جوهر الابن المولود مخالف لجوهر الآب.
كتب باسيليوس عام 364 داحضا استنتاجات افنوميوس وفرضياته الخاصة بقدرة الإنسان في الولوج إلى جوهر الله غير المدرك.بعد أربع سنوات كتب افنوميوس دفاعاً ضد دفاع باسيليوس لكن باسيليوس كان في آخر أيامه فتولى أخوه غريغوريوس الردّ عليها .
كتاب في الروح القدس [12]أنه أهمّ أعمال باسيليوس الآبائية استخدم باسيليوس المجدلة التي تقول :
“zoxa to theo meta tou iyou sin to agio pnevmati”
“Doxa tw Qew meta tou yiou sin tw Agiw Pnevmati”
“المجد لله مع الابن والروح القدس “
بخلاف المجدلة الشائعة في عصره التي تقول:”المجد لله في الإبن بالروح القدس:
“zoxa… zia… en…” “ Doxa … dia … en …”
فأثار هذا الاستعمال ردّات فعل عند أخصامه فطلب منه صديقه امفيلوكيوس أن يكتب عن الموضوع فدوَّن باسيليوس هذا الكتاب سنة 375 برهن فيه أن الروح واحد في الكرامة مع الآب “omotimia” “ Omotimia” والتي هي مترادفة مع ” Omoousia ” ” Omoousia ” وأكّد أن الصيغة التي يستخدمها تستند إلى الكتاب والتقليد وعقيدة مجمع نيقية وأكّد على عمل الروح في النفس البشرية أي أن أُقنوم الروح حاضر في النفس يكمِّل عمل الإبن المتجسد(الروح القدس يبقى مع الإنسان إلى يوم الدين حيث يفارقه )
المؤلفات الخطابية :
هناك نحو 25 خطبة أصلية معظمها ذات محتوى خلقي أهمها خطبة(احترس لنفسك)ملخصها أنه عندما ننتبه لأنفسنا ننتبه لله :” …إهتمّ لذاتك، لا أعني أن تهتم بما لك أو لما هو حواليك بل أن تهتم لنفسك لا غير ، فنحن شيء، وما هو لنا شيء آخر، وما حوالينا شيء آخر .إنما نحن بالنفس والروح لأننا كوِّنا على صورة الخالق. وأما ما هو لنا فهو الجسد وحواسه .
وما حوالينا فهو المال والأشغال وسائر مقتضيات العيش… إهتم لذاتك ، ولا تتعلّق بالزائلات كأنها خالدة ولا تستخف بالخالدات كأنها زائلة”[13].” الحكيم لا يتقي غير المخوف، ولا يرجو غير المدرك، ولذلك لا يخاف الآلام ولا يرجو دوام اللذات العالمية ، لأنها سريعة الزوال، فإذ لا يخاف هذه الآلام يحتملها ، وإذ لا يرجو هذه اللذات فلا يطلبها”[14].
وخطبة أخرى بعنوان “الله ليس سبباً للشرّ” يؤكد فيها أن الشرّ ليس موجوداً من الناحية الكيانية . وهناك خطب مهمة بالنسبة لعصره ضد صابيليوس وآريوس والرافضين للتشابه.
المؤلفات الليتورجية:
يؤكّد غريغوريوس اللاهوتي أن باسيليوس وضع نظماً للصلاة ولذلك فسٌر بعضهم هذا المقطع بأنه تنظيم على القداس الإلهي ينسب المجمع الخامس_السادس البنديكتي تروللو إليه ليتورجيا سرية .
المؤلفات النسكية :
أهم المؤلفات هي القوانين النسكية الموضوعة تحت شكل سؤال وجواب . القوانين المطوٌلة في 55 فصل تبحث في مسلٌمات الحياة النسكية وفي ممارساتها من محبة وطاعة وإمساك . أما القوانين الموجزة فهي مؤلفه من 313 فصل تسعى إلى تطبيق الخطوط الرئيسة المعطاة في القوانين المطولة وإلى الإجابة عن كل مسألة صغيرة وخاصة .
الرسائل:
مجموعة رسائله لها أهمية موازية لأهمية أهمّ أعماله وابتدأ الجمع لهذه الرسائل منذ أيام غريغوريوس اللاهوتي الذي جمع قسماً منها لذلك نرى مجموعة مهمة من المختارات من القرن الخامس.المجموعة الحالية تضم 366رسالة وهي من الوثائق المهمة الفريدة من نوعها في الكنيسة الشرقية لأن باسيليوس وجهها إلى شخصيات مختلفة وكتب لهم مواضيع شتى وهي تتنوع من رسائل توصية إلى مقالات لاهوتية وتنظيمية .
لاهوته
إن عطاء باسيليوس اللاهوتي الفياض دليل عشق الحكمة الإلهية ، ودرس شريعة الرب وتأمل أحكامه، وعيش مع الخالق وعدم إرتواء من محبته، إنه كإبن حقيقي لله ، اكتسب موهبة ترجمة الحقائق الإلهية ، واقتنى موهبة إيضاح عمل الكلمة وفعل الروح القدس، فغدا مستودع الروح وآنية النعمة وأباً من الآباء لا يغفل عن ذكر الله، فاض لسانه وقلبه وقلمه بالحب الإلهي وبالكلام الإلهي مشتركاً في القوى الإلهية غير المخلوقة ومعايناً الله.[15]
دعته الكنيسة بـ ” كاشف السماء” و”ركن العقيدة ” و” نور التقى” و”منارة الكنيسة”[16] أنه اخضع العلم الذي تلقاه في أثينا إلى الخبرة المسيحية بعيداً عن كل جدلية فارغة .كافح في سبيل الإيمان الصحيح لأنه آمن أنه مثلما ادخل الشيطان تجربة المعرفة من الخارج قبل السقوط هكذا يحاول أن يُدخل من جديد الرفض اليهودي وتعدد الآلهة الهليني.
وفي مكان آخر يقول :”عندما تؤذي الأبالسة العقل يلجأ إلى عبادة الوثن أو أي نوع من أنواع المروق والكفر” وكان يحسب اعتداد الهراطقة بعقلهم جهلاً حتى قال :”أنني أنفر كرهاً من جهل الهراطقة “وعندما خاطب اتباع صابيليوس وآريوس والقائلين بعدم مساواة الابن للآب قال :”ابحث في كل شيء جعلت كل شيء خاضع لمنطق التقسيم،هلا فحصت كل شيء ،أحويت الكل في عقلك هلا عرفت كل ما تحت الثرى وهلا عرفت ما في الأعماق؟” ويقول:”دع عقلك يركض إلى ما شاء ودعه يرتفع إلى ما فوق فستجده قد ضلَّ كثيراً وعاد إلى ذاته لأنه في كل مرة يدوس في أماكن فارغة “.
لذلك اعتاد الرجوع إلى الإيمان الذي سُلم في المعمودية واعتاد استخدام البراهين الليتورجية .لم يقبل أخصامه إلا بسلطان الكتاب المقدس ولذلك سعى إلى برهان شرعية الاحتكام إلى التقليد يقول:”أن العقائد والتعاليم التي حُفظت في الكنيسة حصلنا على بعض منها من التعليم المكتوب وعلى البعض الآخر في سر سُلم إلينا من تقليد الرسل ولهما نفس الفعالية بالنسبة إلى التقوى”.العقائد (مجموعة الأعراف غير المدونة ) التعليم(التعليم الرسمي للكنيسة).
وهكذا أن العقائد تسلمناها في سرّ أي عن طريق الأسرار .لفظة الأسرار تشير عنده إلى سرَّي المعمودية والشكر .اللذين يرجعان في رأيه إلى اصل رسولي ويستشهد ببولس الرسول عندما يذكر التقاليد التي تسلمها المؤمنون مشافهة أو كتابة اليهم .يقول باسيليوس:”شرع الرسل منذ البدء في الإهتمام بكل ما يختص بالكنائس فحفظوا في السرّ هيبة الأسرار”.ويستشهد بمقاطع لها طبيعة ليتورجية وطقسية مثل رسم إشارة الصليب عند قبول الموعوظين،الإتجاه إلى الشرق الوقوف المستمر نهار الأحد أثناء سر الشكر ،استدعاء الروح القدس،تبريك الماء والزيت،رفض الشيطان، التغطيس في الماء ثلاثاً.
وهذه الأمور وسائل للشهادة الإيمانية وهي تأتي من التقليد السرّي: “من التقليد السرّي والصوفي ومن التعليم الذي لا يُعلن ولا يُقال”. لكن لم يكن هذا التقليد السرّي عقيدة باطنية مخصصة للنخبة لأن النخبة هي الكنيسة.
يلجأ باسيليوس إلى ما يُسمى نظام الكتمان (علـى غير المؤمنين ) وهذا النظام له صلة برتبة الموعوظين وهدفه تعليمي وتثقيفي.أن دستور الإيمان والصلاة الربانية كانا جزئَين من نظام الكتمان،فلم يكن جائزاً أن يُعرضا لمن هم خارج الإيمان. فدستور الإيمان كان مدّخراً لآخر مرحلة من مراحل تعليم الموعوظين. فالأسقف كان ينقل دستور الإيمان لهم مشافهة.
وكانوا هم يتلونه غيباً في خدمة “نقل أو ترداد دستور الإيمان”. ولذلك أكد باسيليوس أهمية الاعتراف بالإيمان في المعمودية وهذا الإعتراف كان تقليداً يُسلّم في سرّ إلى الذين تنصروا حديثاً. الفرق بين العقيدة والتعليم كان في طريقة النقل .العقيدة تُحفظ بصمت أما التعاليم فتُنشر وتُعلن. وأكد أيضاً أهمية قانون الإيمان.فردَّ على الآريوسيين:”بأننا لا نقدر أن نفهـم قصد الكتاب بعيداً عن قانون الإيمان غير المدون “.
الكتاب المقدس هو من الروح القدس لكن يجب أن يكون تفسيره روحياً ونبوياً. فموهبة التمييز مهمة لفهمه:”لأن ناقد الكلمات يجب أن ينطلق من الإستعداد الذي ينطلق من المؤلف .أرى أنه من المستحيل على كل إنسان أن يأخذ على نفسه التدقيق في كلام الرب ما لم يملك الروح الذي يهب قوة التمييز.”لذلك كان تقليد الإيمان المرشد الضروري والدليل إلى دراسة الكتاب المقدس.
[1] أحد الآباء الكبادوكيين الثلاثة المشهورين :1_ باسيليوس الكبير 2_ غريغوريوس النيصصي 3_ غريغوريوس اللاهوتي، ثلاثتهم عاشوا في عصر واحد وكانوا من إقليم واحد هو كبادوكية في آسيا الصغرى كانت عاصمته قيصرية، وكان لهم أكبر الأثر في تاريخ المسيحية وبتثبيت الإيمان الأرثوذكسي انتشرت المسيحية في كبادوكية بتأثير من غريغوريوس أسقف قيصرية الجديدة. وفي هذه المنطقة إحتلّ عدد من الرجال شأناً عظيماً في الأدب والحياة الكنسية والإجتماعية.أما الآباء الثلاثة فتربطهم علاقات حميمة.
باسيليوس هو الأخ الأكبر لغريغوريوس النيصصي، وهو صديق حميم جدّاً لغريغوريوس اللاهوتي.مساهمة الكبادوكيين مهمة جدّاً لأن بها انتصرت الكنيسة على البدع وطوّرت صياغتها اللاهوتية ولا ننسى مساهمتهم في إنشاء حياة رهبانية مهمة في كبادوكية. فكانوا نماذج في كل شيء وعلى الأخصّ في القيادة الكنسية وفي الخط اللاهوتي الصحيح .راجع : حياة الصلاة الأرثوذكسية ص658
[2] السنكسار الأرثوذكسي :عشرة أولاد :5ذكور 5 إناث: راجع سير القديسين ،الجزء الثاني ،دير القديس سلوان الآثوسي،1997