أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة (6)

أعدُّوا طريق الرب

 (لو2:3ـ6) ” كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ. فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً. كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً وَالشِّعَابُ طُرُقاً سَهْلَةً. وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ “.

إن إشعياء المبارك لم يكن يجهل هدف كرازة يوحنا، بل منذ القديم قَبْل مجيء الزمان بكثير شهد عن هذا الهدف إذ دعا المسيح رباً وإلهاً. أما يوحنا فقد وصفه إشعياء بأنه خادم المسيح، وقال عنه إنه سراج يتقدم أمام النور الحقيقى، أي نجم الصباح الذي يُبشِّر بإشراق الشمس، معلنًا مقدمًا مجيء اليوم الذي سيشرق بأشعته علينا. وقال عنه إنه صوت وليس كلمة، يأتى سابقًا ليسوع كما يسبق الصوت الكلمة.

 (لو4:3) ” أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً “.

يوحنا قد أُختيرَ ليكون رسولاً ولكنه أيضًا آخر الأنبياء. ولأن الرب لم يكن قد أتى بعد، لذلك فهو يقول: ” أعدُّوا طريق الرب“. وما معنى أعدُّوا طريق الرب؟ المقصود هو استعِدُّوا لقبول أي شيء يريد المسيح أن يفعله، حرِّروا قلوبكم من ظل الناموس، وكفُّوا عن الرموز، ولا تفكروا فيما بعد تفكيرًا منحرفًا. “ اصنعوا سبل الله مستقيمة” لأن كل طريق يقود إلى الصلاح هو مستقيم وممهد وسهل، ولكن الطريق الآخر المعوج فإنه يقود الذين يسيرون فيه إلى الشر والضلال.

الذين كُتب عنهم ” الذين طرقهم معوجة وهم ملتوون في سبلهم” (أم15:2). لذلك فاستقامة العقل هي مثل طريق مستقيم ليس فيه اعوجاج. وهكذا كانت صفة المرنم الذي كان يرتل قائلاً: ” لا يلصق بي قلب معوج ” (مز4:101). ويشوع بن نون عندما يحث الشعب يقول لهم: ” اجعلوا قلوبكم مستقيمة مع إله إسرائيل” (يش23:24 سبعينية). بينما يوحنا يصرخ ” اجعلوا سبلكم مستقيمة“.

وهذا معناه أن النفس ينبغي أن تكون مستقيمة فتُظهِر إدراكها الطبيعي كما خُلق، وهي قد خُلقت جميلة ومستقيمة، ولكن حينما تنحرف جانبًا وتنقلب حالتها الطبيعية فإن هذا يُسمَّى رذيلة وانحراف للنفس. لذلك فالأمر ليس صعبًا، لأنه إن كنا نستمر كما خُلقنا فإننا سنكون فاضلين، ولكن حينما يصيح بنا أحدهم معترضًا قائلاً: كيف نُعد طريق الرب؟ أو كيف نجعل سبله مستقيمة؟ فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة ـ فهناك الشيطان الذي يبغض كل ما هو جميل.

وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وأيضًا هناك ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان ـ إذن فماذا نفعل ـ وهناك مِثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟ إن كلمة النبوة ترُدُّ على هذه الاعتراضات قائلة: ” كل وادٍ يمتلئ، وكل جبل وأكمة ينخفض وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقًا سهلة، ويبصر كل بشر خلاص الله“.

 (لو6:4) ” وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ “.

وكل جسد يبصر خلاص الله أي الخلاص الذي من الآب، لأنه أرسل ابنه ليكون مخلِّصًا لنا. وعبارة “كل جسد” يقصد بها الإنسان عمومًا أي كل الجنس البشرى، لأنه هكذا سيُبصر كل جسد خلاص الله، ليس إسرائيل فقط بل كل بشر، لأن لطف المخلص رب الكل ليس له حدود. وهو لم يخلَّص أمَّة واحدة فقط، بل بالحري احتضن العالم كله في شبكته، وقد أنار على كل الذين في الظلمة. وهذا ما رتَّلت به قيثارة المرنِّم: ” كل الأمم الذين صنعتَهُم يأتون ويسجدون أمامك يا رب” (مز9:86). وفي نفس الوقت فإن بقية إسرائيل تخلص، وذلك كما سبق أن أعلن موسى العظيم منذ القِدَم قائلاً: ” تهللوا أيها الأمم مع شعبه ” (تث43:32).

عظة (7)

كرازة يوحنا المعمدان

(لو7:3) ” وَكَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِيَعْتَمِدُوا مِنْهُ: يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ “.

 

نحن نؤكد أن المعمدان المبارك ـ لأنه كان ممتلئًا من الروح القدس ـ لذلك لم يكن يجهل الأعمال الجسورة التى كان الشعب اليهودى سيجرؤ على القيام بها ضد المسيح. لأنه سبق فعرف أنهم سوف لا يؤمنون به وأنهم سيستخدمون ألسنتهم المملوءة سمًا، ليسكبوا شكاواهم واتهاماتهم ضده، متَّهمينه مرة بأنه مولود من زنى، ومرة أخرى أنه يجرى المعجزات بقوة بعلزبول رئيس الشياطين (لو15:11)، ومرة أخرى أيضًا أنَّ به شيطان وأنه ليس أفضل مِن سامرى. لذلك فإذ كان يعرف هذا فإنه يدعو حتى أولئك الذين يتوبون أشرارًا. وهو يوبِّخهم لأنهم رغم أن عندهم الناموس الذي يتكلم إليهم بسر المسيح، ورغم نبوات الأنبياء عنه، إلا أنهم رغم ذلك صاروا ثقيلي السمع، وغير مستعدين للإيمان بالمسيح مخلِّص الجميع. لأنه يقول ” من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟” أليس الكتاب الموُحىَ به هو الذي يخبر بسعادة أولئك الذين يؤمنون بالمسيح، ولكنه يحذر مسبقًا أولئك الذين لا يؤمنون والذين هم أصحاب الجهالة، أنهم سوف يدانون بعقاب شديد لا مفر منه؟

(لو8:3) ” فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ “.

وأيضًا فإن ثمر التوبة هو بالدرجة القصوى، الإيمان بالمسيح، ثم يأتى بعده منهج الحياة الإنجيلية. وعلى وجه العموم كل أعمال البِر المضادَّة للخطية، التي ينبغي على التائب أن يصنعها كثمار لائقة بالتوبة.

ثم أضاف قائلاً: ” لا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا لأنى أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم“.

ها أنتم ترون كيف يحطُّ من كبريائهم الرديء بمهارة عظيمة، ويُبيِّن أن ولادتهم من إبراهيم حسب الجسد هي بلا فائدة ولا منفعة. لأن أيَّة منفعة هناك مِن نُبل المولد إن كان الناس لا يمارسون نفس الأعمال الحسنة التي لوالديهم ولا يتمسكون بفضيلة أجدادهم؟ لأن المخلِّص يقول لهم ” لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم” (يو39:8). إن علاقة القرابة التي يطلبها الله هي في الصفات والأخلاق، ولذلك فإنه أمْر باطل أن يفتخر أحد بقداسة وصلاح والديه، بينما هو نفسه مختلف عنهم وقاصر عن فضيلتهما.

ويتساءل اليهود قائلين إن كان الأمر هكذا، فبأية طريقة يتكاثر نسل إبراهيم، وكيف يكون الوعد الذي أعطاه له الله صحيحًا عندما قال له إنه سوف يكثّر نسله كنجوم السماء؟ الجواب أيها اليهودى هو بدعوة الأمم، لأنه قيل لإبراهيم نفسه إنه ” بإسحق يُدعى لك نسل” (تك12:21)، وأيضًا ” قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة” (تك4:17)، ولكن عبارة “بإسحق” تعني، بحسب الوعد. لذلك فهو قد جُعل أبًا لأمم كثيرة بالإيمان، أي في المسيح. وعن هؤلاء أيضًا تكلم الله بصوت حزقيال قائلاً: ” وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم، لكي يعرفوا أنِّي أنا الرب” (حز19:11) والمعمدان المبارَك يدعو الأمم بوضوح “الحجارة”، لأنه لم يكونوا بعد يعرفون الذي هو بالطبيعة الله، بل كانوا في ضلال، وفي حماقتهم العظيمة قد عبدوا المخلوق بدل الخالق. ولكنهم مع ذلك قد دُعوا من الله وصاروا أبناء إبراهيم. وبإيمانهم بالمسيح اعترفوا بالذي هو إله بالطبيعة.

ولكن لكي يفيد سامعيه بدرجة أكبر فإن المعمدان المبارك يقول لهم شيئًا أكثر: “ والآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة” (لو9:3)، ولكنه في هذه العبارة يشير بكلمة “الفأس” إلى غضب الله الشديد الذي أنزله الله الآب على اليهود بسبب شرهم ضد المسيح وعنفهم وتهوُّرهم، لأن الغضب أتى عليهم مثل فأس. وهذا ما شرحه لنا زكريا النبي بقوله: “ويكون النوح في أورشليم كالنوح على بستان الرمان المقطوع في الوادي” (زك12: 11س). وإرميا يخاطبها هكذا “دعا الرب اسمكِ زيتونه خضراء جميلة الصورة. وعند امتلائها أوقد ناراً عليها فانكسرت أغصانها وكان النواح عليها عظيماً. ورب الجنود غارسك قد تكلم عليكِ شرًّا” (إر11: 16، 17).

ويمكن أن نضيف إلى هذا أيضًا المَثَل الوارد في الإنجيل عن شجرة التين غير المثمرة ولم تعد من نوع جيد، فإن الله قطعها. ومع ذلك فهو لا يقول إن الفأس قد وُضع في أصل الشجرة، بل على أصل الشجرة أي بالقرب من الأصل. لأن الأغصان قد قُطعت أما الشجرة فلم تُخلع من جذورها، ذلك لأن بقية إسرائيل قد خلصت ولم تهلك بالمرة.

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

نمو يسوع في القامة والنعمة – عظة 5 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

نمو يسوع في القامة والنعمة – عظة 5 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

نمو يسوع في القامة والنعمة – عظة 5 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو40:2ـ52) “ وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ مُمْتَلِئاً حِكْمَةً وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ. وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَة ًصَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ. وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. وَلَمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ. وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ جَالِساً فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هَكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!. فَقَالَ لَهُمَا: لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟. فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلاَمَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمَا. ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعاً لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ فِي قَلْبِهَا. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ “.

أن يُقال إنَّ “الطفل كان ينمو ويتقوى بالروح، ممتلئًا حكمة وكانت نعمة الله عليه”، هذا الكلام ينبغي أن يؤخذ على أنه يشير إلى طبيعته البشرية، وأرجو أن تفحصوا باهتمام في عمق التدبير: فالكلمة يحتمل ويقبل أن يولد في صورة بشرية، رغم أنه في طبيعته الإلهية ليس له بداية وليس خاضعًا للزمن. والذي هو إله كامل تمامًا من كل ناحية، يخضع للنمو الجسدي. وغير الجسدي صارت له أطراف تنمو مع نمو بشريته. والذي هو نفسه الحكمة كلها يمتلئ بالحكمة. وماذا نقول عن هذا؟ ـ فإن الذي كان في صورة الآب ـ قد صار مثلنا، والغنى أخذ صورة الفقر، والعالي أخذ صورة الاتضاع، والذي له الملء يُقال عنه إنه ينال ويأخذ. وهكذا فإن الله الكلمة أخلى نفسه! لأن الأشياء التي كُتبت عنه كإنسان تُظهِر طريقة إخلائه، لأنه كان أمرًا مستحيلاً بالنسبة للكلمة المولود من الله أن يسمح بمثل هذه الأشياء أن تكون في طبيعته الخاصة، ولكن حينما صار جسدًا أي صار إنسانًا مثلنا، فإنه حينئذ وُلد حسب الجسد من امرأة. وقيل عنه إنه كان خاضعًا للأمور التى تختص بحالة الإنسان، ورغم أن الكلمة لكونه إله كان يستطيع أن يجعل جسده يبرز من البطن في قامة رجل ناضج مرَّة واحدة، إلا أن هذا لو حدث لكان أمرًا غريبًا جدًا وإعجازيًا، ولذلك فإنه جعل جسده يخضع لعادات وقوانين الطبيعة البشرية.

لذلك لا تتعثروا في أنفسكم وتقولون كيف يُمكن أن الله ينمو؟ وكيف ينال حكمة جديدة ذلك الذي يعطي الحكمة للملائكة والبشر؟ فتأملوا السرَّ العظيم الذي يُعطَى لنا. لأن البشير الحكيم لم يُقدِّم لنا الكلمة في طبيعته المجرَّدة غير الجسدية ولم يقل عنه وهو في هذه الحالة إنه يزداد في القامة والحكمة والنعمة، ولكنه بعد أن أوضح أنه قد وُلِد في الجسد من امرأة وأخذ شكلنا، فحينئذ ينسب إليه هذه الخصائص البشرية، ويدعوه طفلاً ويقول إنه كان يتقدم في القامة، إذ أن جسده نما قليلاً قليلاً خاضعًا للقوانين الجسدية.

وهكذا أيضًا قيل عنه إنه كان يتقدم في الحكمة، لا كمن ينال مؤونات جديدة من الحكمة ـ لأن الله معروف بأنه كامل تمامًا في كل شيء ولا يمكن بالمرَّة أن يكون ناقصًا في أي صفة مناسبة للاهوت ـ بل ازدياده في الحكمة هو بسبب أن الله الكلمة أظهر حكمته بالتدريج بما يناسب مرحلة العمر الذي يبلغها الجسد.

إذن فالجسد يتقدم في القامة والنفس تتقدم في الحكمة، لأن الطبيعة الإلهية غير قابلة للازدياد لا في القامة ولا في الحكمة إذ أن كلمة الله كامل تمامًا. ولذلك فإنه لسبب مناسب ربط بين التقدُّم في الحكمة ونمو القامة الجسدية، بسبب أن الطبيعة الإلهية أَعلنت حكمتها الخاصة بما يتناسب مع قامة النمو الجسدي.

ينبغي أن أكون فيما لأبي:

(لو42:2) ” وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ “.

بعد أن قال البشير إن يسوع كان يتقدم في الحكمة والنعمة، فإنه يبيِّن أن ما يقوله صحيح. لأنه يُقدِّمه لنا في أورشليم برفقة العذراء القديسة في عيد الفصح، ثم يقول إنه تخلَّف هناك، وبعد ذلك وُجِد في الهيكل جالسًا وسط المعلِّمين يسأل ويجيب على الأسئلة التى تخص تلك الأشياء التي تكلم عنها الناموس منذ القديم، وأن الجميع تعجبوا من أسئلته وأجوبته، وهكذا ترونه يتقدم في الحكمة والنعمة ـ وعُرف عند كثيرين بسبب هذه الحكمة.

(لو48:2) ” أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ “.

أمه كانت تعرف بالتأكيد أنه ليس ابن يوسف، ولكنها تكلمت هكذا لتتجنب شكوك اليهود. وعندما قالت أبوك وأنا كنا نطلبك معذَّبَيْن أجابها المخلِّص:

(لو49:2) ” أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟ “.

هنا يذكر لأول مرة علانية مَن هو أباه الحقيقي ويُعلِن عن لاهوته هو نفسه، لأنه حينما قالت العذراء القديسة: ” يا بُنيَّ لماذا فعلتَ بنا هكذا” فحينئذ في الحال أظهر نفسه أنه يفوق قامة الأشياء البشرية، وعلَّمها أنها قد صارت أداة للتدبير بولادته بالجسد، ولكنه بالطبيعة والحقيقة هو إله وابن الآب الذي في السماء. ولذلك يقول ” ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي“. وهنا دع أتباع فالنتينوس[1]ـ حينما يسمعون أن الهيكل هو هيكل الله وأن المسيح الآن هو فيما له، وهو الذي تنبأ عنه الناموس منذ القديم ورَمَز له بظلال ومثالات ـ دعهم يخجلون عندما يقولون إن: لا صانع العالم ولا إله الناموس، ولا إله الهيكل كان هو أب المسيح.

[1] فالنتينوس كان ينكر العهد القديم وكان يقول إن إله العهد القديم غير إله العهد الجديد، ولذلك كان يُنكر أن الله الآب هو إله العهد القديم وإله الناموس والهيكل.

نمو يسوع في القامة والنعمة – عظة 5 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا25:2ـ35) وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ. وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ “.

يقول إشعياء النبي، ” ما أجمل أقدام المبشِّرين بالخيرات” (إش7:52). وهل هناك شيء أحلى من أن تتعلَّم أن الله خلَّص العالم بواسطة ابنه وذلك بأن صار إنسانًا مثلنا؟ كما هو مكتوب ” يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجلنا” (1تي2: 5و6).. لأنه من تلقاء نفسه نزل إلى فقرنا لكي يجعلنا أغنياء بحصولنا على ما هو له.

انظروه إذن، كإنسان مثلنا وهو يُقدَّم إلى الآب، انظروه وهو يطيع ظلال الناموس ويقدَّم ذبيحة بحسب ما كانت العادة حينئذ، رغم أن هذه الأمور قد تمَّت بواسطة والدته حسب الجسد. فهل لم يتعرف عليه أحد بالمرَّة في أورشليم في ذلك الوقت؟ وهل لم يعرفه أحد من سكانها؟ كيف يمكن أن يكون هذا؟ فإن الله الآب قد سبق وأعلن بواسطة الأنبياء القديسين أن الابن سيظهر في الوقت المعيَّن ليخلِّص الذين هلكوا ولينير على الذين كانوا في الظلمة. وقد قال بواسطة أحد الأنبياء القديسين ” برِّى يأتي سريعًا ورحمتي تُعلن وخلاصي يـتَّقد كمصباح” (إش62: 1). ولكن الرحمة والبر هما المسيح، لأننا به حصلنا على الرحمة والبر، إذ قد غُسِلنا من شرورنا الدنسة بالإيمان به. وكما يضئ المصباح أمام أولئك الذين يسيرون في الليل والظلمة هكذا صار المسيح لأولئك الذين في الكآبة والظلمة العقلية، غارسًا فيهم النور الإلهي. ولأجل هذا السبب أيضًا صلَّى الأنبياء لكي يصيروا شركاء نعمته العظيمة قائلين: “ أرنا يا رب رحمتك وأعطنا خلاصك” (مز7:85).

حُمِلَ المسيح إذن إلى الهيكل وهو بعد طفل رضيع على صدر أمه، وسمعان المبارك إذ كان قد مُنِح نعمة النبوة أخذه على ذراعيه، وبارك الله وهو ممتلئ بأعظم فرح قائلاً: ” الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام حسب قولك لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام وجه جميع الشعوب، نور إعلان للأمم، ومجدًا لشعبك إسرائيل“.

لأن سر المسيح قد أُعدَّ من قَبْل تأسيس العالم، ولكنه أُظهر في الأزمنة الأخيرة، وصار نورًا لأولئك الذين في الظلمة والضلال بسقوطهم تحت يد إبليس. هؤلاء هم الذين كانوا يعبدون ” المخلوق بدلاً من الخالق” (رو25:1)، عابدين التنِّين مصدر الشر والشياطين النجسة التي يُقدِّمون لها الكرامة اللائقة بالله، ومع ذلك فقد دُعوا الآن من الله الآب ليعرفوا الابن الذي هو النور الحقيقى. وبإشفاق قال عنهم بصوت النبي: ” سوف أصنع لهم آيات، وأقبلهم لأني سأفديهم، ويكثرون كما كثروا، وسأزرعهم بين الشعوب. والذين هم بعيدون سيذكرونني” (زك10: 9،8س).

فكثيرون هم الذين كانوا بعيدين، ولكنهم قد دُعوا بواسطة المسيح. وأيضًا هم كثيرون كما كانوا من قبل. لأنهم قد قُبِلوا وافتُدوا، إذ قد حصلوا من الله الآب على التبنِّي في عائلته وعلى النعمة التي بالإيمان بيسوع المسيح، وذلك كعلامة للسلام. والتلاميذ الإلهيون قد زُرعوا باتساع بين الشعوب. وماذا كانت النتيجة؟ إن أولئك الذين كانوا بعيدين من الله قد صاروا قريبين. والذين يُرسل إليهم بولس الإلهي رسالة قائلاً: ” أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” (أف13:2). وإذ قد جُعلوا قريبين فإنهم يجعلون المسيح هو فخرهم ومجدهم. ولأن الله الآب قد قال عنهم أيضًا ” سأُقوِّيهم بالرب إلههم فيفتخرون باسمه يقول الرب” (زك12:10 سبعينية). وهذا أيضًا ما يعلنه المرنم المبارك كما لو كان يتحدث إلى المسيح مخلِّص الجميع فيقول: ” يا رب في نور وجهك سيسلكون وباسمك سيبتهجون اليوم كله، وبيدك سيرتفعون لأنك فخر قوَّتهم” (مز89: 16،15). ونجد إرميا النبي يدعو الله قائلاً: ” يا رب قوَّتي وعوني وملجإي في يوم الضيق، إليك تأتي الأمم من أطراف الأرض ويقولون، آباؤنا اتخذوا لأنفسهم آلهة كاذبة لا يوجد فيها عون” (إر19:16).

لذلك فالمسيح صار نورَ إعلانٍ للأمم، ولكنه صار أيضًا مجدًا لإسرائيل. لأنه رغم أن البعض منهم تغطرسوا وعصوا وكانت لهم عقول لا تفهم، إلا أنه كانت هناك بقية قد خلُصْت وأُدخِلتْ إلى المجد بالمسيح، وباكورة هؤلاء البقية هم التلاميذ الإلهيون الذين أشرق نور شهرتهم لينير العالم كله.

وهناك معنى آخر لكون المسيح “مجدًا لإسرائيل”، وذلك أنه جاء منهم حسب الجسد رغم أنه هو ” الكائن فوق الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين” (رو5:9).

وسمعان الشيخ بارك العذراء كخادمة للمشورة الإلهية، وأداة للولادة التى لا تخضع لقوانين الطبيعة البشرية. فقد ولدت وهي عذراء وذلك بدون رجل، بل بحلول قوة الروح القدس عليها.

وماذا يقول سمعان النبي عن المسيح؟ ” ها إن هذا الطفل قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تُقاوَم“. لأن عمانوئيل قد وُضع من الله الآب لأجل أساسات صهيون. إذ هو ” حجر زاوية مختار كريم” (1بط6:2)، والذين وثقوا به لم يخزوا. ولكن أولئك الذين لم يؤمنوا ولم يستطيعوا أن يعرفوا السر الخاص به سقطوا وتهشَّموا. لأن الله الآب قال أيضًا في موضع آخر ” ها أنا ذا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة والذي يؤمن به لن يخزى” (إش16:28 سبعينية). ولكن ” كل مَن يسقط عليه هذا الحجر فإنه يسحقه” (لو18:20) ولكن النبى يدعو الإسرائيليين ليكونوا آمنين بقوله: ” قدِّسوا الرب نفسه وهو يكون خوفكم، وإن وثقتم به يكون هو تقديسكم، ولن تصطدموا به كما بحجر صدمة وصخرة عثرة” (إش8: 14،13س). ولكن لأن إسرائيل لم يقدسِّوا عمانوئيل الذي هو الرب وهو الله، ولم يريدوا أن يؤمنوا به فإنهم اصطدموا كما بحجر بسبب عدم الإيمان. وهكذا تهشَّم إسرائيل وسقط. ولكن كثيرين من بينهم قاموا ثانية، وأقصد بهم الذين آمنوا به. هؤلاء تحوَّلوا من عبادة ناموسية إلى عبادة روحية، تغيَّروا من روح العبودية الذي فيهم واغتنوا بذلك الروح الذي يجعل الإنسان حرًّا، أي الروح القدس. وقد صاروا شركاء الطبيعة الإلهية وحُسبوا أهلاً أن يكونوا أبناء بالتبنِّي، ويحيوا على رجاء الحصول على المدينة العليا. أي أن يكونوا مواطنين في ملكوت السموات.

أمَّا “العلامة التي تُقاوم” فيقصد بها الصليب الثمين الذي يقول عنه بولس الحكيم جدًا إنه ” عثرة لليهود وجهالة لليونانيين” (1كو23:1). وأيضًا يقول عن كلمة الصليب إنها “ للهالكين جهالة، أما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله” (1كو18:1). لذلك فالعلامة التي تُقاوم تبدو جهالة بالنسبة لأولئك الهالكين بينما هي خلاص وحياة للذين يعرفون قوة الصليب.

ويقول سمعان بعد ذلك للعذراء القديسة: ” وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيف“، ويقصد بالسيف الألم الذي ستعانيه لأجل المسيح حينما تراه مصلوبًا، وهي لا تعرف أنه سيكون أقوى جدًا من الموت، ويقوم من القبر. ولا تتعجبوا أن العذراء لا تعرف هذا، فإننا سنجد أن الرسل القديسين أنفسهم لم يكونوا مؤمنين بهذا في البداية، بل وتوما بعد القيامة لو لم يضع يديه في جنبه، ويتحسَّس آثار المسامير في يديه لم يكن ليصدق التلاميذ الآخرين حينما أخبروه أن المسيح قد قام وأنه قد أظهر نفسه لهم.

ولذلك فإن البشير الحكيم جدًّا ـ يُعلِّمنا ـ من أجل منفعتنا كل الأمور التى احتملها الابن من أجلنا ونيابة عنا، حينما صار إنسانًا وقَبِل أن يحمل فقرنا، وذلك كي نمجده كفادينا، وكسيدنا وكمخلصنا، وكإلهنا، الذي له مع الآب والروح القدس المجد والقوة إلى دهر الدهور آمين.

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو21:2ـ24) “وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ، كَمَا تَسَمَّى مِنَ الْمَلاَكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ. وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ. وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ “.

الجمع الذي اجتمع هنا كثير جدًّا، والسامعون شغوفون ـ فنحن نرى الكنيسة ممتلئة ـ ولكن المُعلِّم فقير، ومع ذلك فالذي يعطي الإنسان فمًا ولسانًا، سوف ينعم علينا بأفكار صالحة. إذ يقول الرب نفسه في مكان ما ” أفغر فاك وأنا أملأه” (مز10:81) حيث إنكم جميعًا قد اجتمعتم معًا باهتمام بمناسبة هذا العيد المفرِح الذي للرب، لذلك فلنحتفل بالعيد بمشاعر البهجة وبأنوار ساطعة، ولنشغل أنفسنا في التفكير فيما تحقق في هذا اليوم بطريقة إلهية، جامعين لأنفسنا من كل ناحية ما يثبِّتنا في الإيمان والتقوى.

ولكننا ـ منذ فترة وجيزة رأينا عمانوئيل مضطجعًا كطفل في المذود وملفوفًا بشكل بشري في الأقماط، ولكنه مُجِّد كإله بتسابيح جمهور الملائكة القديسين، لأنهم بشَّروا الرعاة بميلاده، إذ أن الله الآب قد منح لسكان السماء الامتياز الخاص بأن يكونوا أول مَن يبشِّر به. واليوم أيضًا نراه مطيعًا لقوانين موسى، أو بالأحرى قد رأينا ذاك الذي هو المُشرِّع يخضع لقوانينه التي شرَّعها. والسبب في هذا يُعلِّمنا إياه بولس الحكيم جدًّا بقوله: ” لمَّا كنا قاصرين كنا مستعبَدين تحت أركان العالم، ولكن حين جاء ملءُ الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس” (غل3:4ـ5).

لذلك فالمسيح افتدى من لعنة الناموس أولئك الذين بوجودهم تحت الناموس كانوا عاجزين عن تتميم قوانينه. وبأي طريقة افتداهم؟ بتتميم الناموس أو بعبارة أخرى: إنه لكي يُكفِّر عن ذنب معصية آدم، فقد أظهر نفسه مطيعًا وخاضعًا من كل الوجوه لله الآب عوضًا عنه، لأنه مكتوب: ” كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرين خطاة هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبرارًا” (رو19:5). لذلك فقد أحنى عنقه للناموس مشترِكًا معنا. لأن هذا ما استلزمته خطَّة الخلاص. لأنه هكذا يليق أن يكمِّل كل بـِر. لأنه إذ قد اتخذ صورة عبد، وقد حُسب بين أولئك الخاضعين للنير بسبب طبيعته البشرية، بل أنه مرة دفع نصف الشاقل للذين يجمعون الجزية، رغم أنه حر بالطبيعة، وكابن لم يكن مفروضًا عليه أن يدفع ضريبة. لذلك حينما تراه يحفظ الناموس، فلا تتعثَّر، ولا تضع الحُر بين العبيد، بل بالحري تأمل في عمق تدبير الخلاص. لذلك فعند وصول اليوم الثامن، الذي جرت العادة أن يتم فيه الختان في الجسد بحسب أمر الناموس، نجده يُسمَّى باسم يسوع الذي تفسيره يشير إلى خلاص الشعب. لأنه هكذا أراد الله الآب أن يُسمِّي ابنه، حينما يولَد بالجسد من امرأة. لأنه عندئذ صار خلاص الشعب بنوع خاص، وليس خلاص واحد فقط، بل كثيرين، وبالحري كل الشعب بل والعالم كله. إذن فقد أخذ اسمه في نفس الوقت الذي خُتِن فيه.

ولكن تعالوا ودعونا نفتش ونرى، ما هو اللغز، وما هي الأسرار التي يقودنا إليها هذا الحادث. لقد قال بولس المبارك ” ليس الختان شيئًا، وليست الغرلة شيئًا” (1كو19:7). وربما يعترض البعض على هذا قائلين هل أَمَر إله الكل ـ بواسطة موسى الحكيم ـ بشيء لكي يُحفظ رغم أنه لا قيمة له، بل ويصحب الأمر بهذا الشيء عقاب على الذين يخالفون هذا الأمر؟ أقول نعم لأنه فيما يخص طبيعة ذلك الشيء الذي يتم في الجسد فهو ليس شيئًا، ومع ذلك فهو يحمل مثالاً جميلاً للسر، أو بالحري يحتوي على المعنى الخفي لإظهار الحق. لأن المسيح قام من بين الأموات في اليوم الثالث وأعطانا الختان الروحي. لأنه أوصى الرسل القديسين قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس“. ونحن نؤكد أن الختان الروحى يتم بصورة رئيسية في وقت المعمودية المقدسة حينما يجعلنا المسيح مشتركين في الروح القدس. وقد كان يشوع القديم الذي جاء بعد موسى مثالاً أيضًا لهذا، لأنه قاد بنى إسرائيل أولاً عبر الأردن، وبعد ذلك مباشرة ختنهم بسكاكين من صوان. هكذا نحن حينما نعبر الأردن فإن المسيح يختننا بقوة الروح القدس، ليس لتطهير الجسد بل بالحري لقطع النجاسة التي في نفوسنا.

لذلك خُتن المسيح في اليوم الثامن وأخذ اسمه كما قُلت، لأنه حينئذ خَلُصْنا بواسطته وفيه كما هو مكتوب ” وفيه خُتنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمتم أيضًا معه” (كو11:2). لذلك فإن موته كان من أجلنا. وهكذا أيضًا كانت قيامته وكان ختانه. لأنه قد مات حتى أننا نحن الذين مُتنا معه في موته لأجل الخطية، لا نعود نحيا للخطية. ولهذا السبب قيل: ” إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه” (2تى11:2). وقد قيل إنه قد مات لأجل الخطية ليس لأنه قد أخطأ، ” لأنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه غش” (1بط22:2). بل بسبب خطيتنا. لذلك فكما مُتنا معه حينما مات، هكذا أيضًا نقوم معه.

وأيضًا حينما كان الابن حاضرًا بيننا، فرغم أنه هو بالطبيعة الله ورب الكل، فإنه لا يحتقر حالتنا بسبب ذلك، بل يُخضِع نفسه معنا لنفس الناموس، رغم أنه كإله كان هو نفسه مشرِّع الناموس. وقد خُتِنَ ـ مثل اليهود ـ في سن ثمانية أيام لكي يبرهن على خروجه من نفس أصلهم. وذلك لكي لا ينكروه. لأن المسيح كان هو نسل داود المنتظََر، وقدم لهم البرهان على هذه العلاقة. ولكن إن كان رغم ختانه يقولون عنه “وأما هذا الإنسان فلا نعلم من أين هو” (يو29:9)، فربما كان يصير لهم بعض العذر في إنكارهم لو لم يكن قد خُتِنَ في الجسد وحَفظ الناموس.

ولكن بعد ختانه أبطل طقس الختان بمجيء ما كان يرمُز له وأعني به، المعمودية. ولهذا السبب فإننا لم نعد نختتن، لأنه يبدو لي أن الختان قد حقَّق ثلاثة أغراض: فأولاً ـ أنه أفرز نسل إبراهيم بنوع من العلامة والختم، وميَّزهم عن بقية الشعوب. وثانيًا أنه كان يشير مقدَّمًا إلى نعمة وفاعلية المعمودية الإلهية، لأنه كما كان في القديم، يُحسب المختون ضمن شعب الله بواسطة ذلك الختم، هكذا أيضًا فإن من يعتمِد يُدرَج ضمن عائلة الله بالتبنِّي، إذ قد تصوَّر في نفسه المسيح الختم. وثالثًا، أنه رمز للمؤمنين حينما يتأسَّسون في النعمة. حينما يقطعون ويميتون شغب اللذات الجسدية والشهوات بسكين الإيمان الحاد وبأعمال النسك، وهم لا يَقطعون الجسد، بل يُنقُّون القلب ويصيرون مختونين بالروح وليس بالحرف، الذي مَدْحه ليس من الناس بل من فوق كما يشهد بولس الإلهي (رو29:2).

وبعد ختانه تنتظر العذراء إلى وقت تطهيرها، وحينما تكتمل الأيام وتصل إلى ملء الأربعين يومًا، فإن الله الكلمة الجالس على عرش الآب، يُحمَل إلى أورشليم ويأتون به إلى حضرة الآب بطبيعة بشرية مثلنا وبواسطة ظل الناموس يُحسب في عداد الأبكار. لأنه منذ قبل التجسد كان الأبكار مقدَّسين، ومكرَّسين لله، ويقدَّمون لله بحسب الناموس. آه! كم هو عظيم وعجيب تدبير الخلاص! ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه” (رو33:11). فإن ذلك الذي هو في حضن الآب، الابن المشارِك له في عرشه والمساوي له في الأزلية، الذي به خُلقت كل الأشياء في الوجود نراه رغم ذلك يخضع لمقياس الطبيعة البشرية، بل ويُقدَّم كتقدمة لأبيه رغم أنَّه يُكرَّم ويُمجَّد معه من الجميع. وماذا قدَّم هو؟ إنه كبكر وذَكَر قدَّم زوج يمام أو فرخي حمام حسب أمر الناموس. ولكن إلى ماذا يشير اليمام؟ وأيضًا إلى ماذا يشير الحمام؟ تعالوا إذن ودعونا نبحث هذا الأمر، فالواحد منهم هو أكثر طيور الحقل في إصدارها للأصوات، أما الآخر فهو مخلوق هادئ ووديع. هكذا صار مخلِّص الكل بالنسبة لنا مُظهرًا أكمل وداعة ولطف من نحونا. وأيضًا مثل اليمام، فإنه يهدئ العالم، ويملأ حقله الخاص الذي هو نحن المؤمنين به بنغم صوته الحلو. لأنه مكتوب في نشيد الأنشاد ” صوت اليمامة سُمِع في أرضنا” (نش12:2)، لأن المسيح قد كلَّمنا برسالة الإنجيل الإلهية التي هي لخلاص العالم كله.

إذن فقد قدَّم اليمام أو الحمام حينما قُدِّم للرب. وفي هذا يمكن أن نرى التقاء الحقيقة والرمز معًا في نفس الوقت. والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيِّبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة عن عصيان آدم، ويبطل الخطية التى استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ” التفت إليَّ وارحمني” (مز16:25).

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

لو (8:2 ـ18) ” وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ. وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ. وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الرجال الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ. فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ “.

أبدأ حديثي إليكم بما هو مكتوب في سفر المزامير: ” هلم نسبح الرب، ونرنم لله مخلصنا” (مز1:95) لأنه هو رأس عيدنا، ولذلك فلنخبِر بأعماله العظيمة، ونروي طريقة ذلك التدبير الذي خطَّطه تخطيطًا جميلاً، والذي بواسطته خلص العالم، ووضع نير ملكوته على كل واحد منا. هذا التدبير يستحق أن يكون موضوع إعجابنا. ” يا جميع الأمم صفقوا بأيديكم“، ويضيف أيضًا: ” رتلوا بفهم لأن الله ملك على جميع الأمم” (47: 7،1) لأن هذا السر المقدس قد تم بحكمة فائقة جدًّا بالمسيح، إن كان حقًّا، وحق هو بالتأكيد، أن الرب رغم أنه هو الله، ظهر لنا. ورغم أنه في صورة الآب وهو ذو تفوُّق فائق وشامل، فقد أخذ شكل عبد. ولكن رغم هذا فإنه هو إله ورب. فإنه لم يزل كما كان (قبل أن يتجسد).

 

إن جماعة الأنبياء القديسين قد سبقوا فأخبروا بميلاده بالجسد، وباتخاذه شكلنا في الوقت المعيَّن، الآن قد تحقق هذا الرجاء، فإن قوات السماء تأتي بالأخبار المفرحة عن ظهوره في هذا العالم للرعاة قبل الجميع في بيت لحم، وبذلك كانوا أول من حصل على معرفة السر. والرمز هنا يشير إلى الحقيقة، لأن المسيح يعلن نفسه للرعاة الروحيين لكي يبشِّروا به الآخرين، كما حدث من الرعاة أيضًا عندما تعلَّموا سره من الملائكة القديسين، وأسرعوا ليحملوا الأخبار المفرحة للآخرين، لذلك فالملائكة هم أول من بشَّر به وأعلنوا مجده كإله مولود في الجسد من امرأة بطريقة عجيبة.

 

ولكن ربما يعترض أحد على هذا، فيقول ” إن الذي وُلد الآن كان طفلاً وكان ملفوفًا بالأقماط ومضجعًا في مذود، فكيف نقول إنَّه تُسبِّحه القوَّات العلوية كإله؟ وردًّا على هذا الاعتراض نقول بحسم: أيها الإنسان عمِّق السر فإن الله صار في شكل منظور مثل شكلنا. رب الكل في شكل عبد، ومع ذلك فإن مجد الربوبية غير منفصل عنه. افهم أن الابن الوحيد صار جسدًا، وأنه احتمل أن يولد من امرأة من أجلنا، لكي يُبطل اللعنة التي حُكم بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها، “ بالوجع تلدين أولادًا” (تك16:3) فإنها كأنها تلد للموت. ولذلك ذاقوا أي أولاد المرأة لدغة الموت. ولكن لأن امرأة قد وَلَدَت في الجسد، عمانوئيل، الذي هو الحياة فإن قوة اللعنة قد أُبطلت. ومع إبطال الموت أُبطلت أيضًا الأوجاع[1]التي تحتملها الأمهات الأرضيات في الولادة.

 

أتريد أن تتعلَّم سببًا آخر لهذا الأمر؟ تذكَّر ما كتبه بولس الحكيم جدًّا عنه: ” لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه، لأنه كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في جسده، لكي يَتم حُكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد، بل حسب الروح” (رو8: 4،3). فما معنى قوله إن الابن أُرسل في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مصاحباً تحرك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإنَّ جسده كان مقدسًا ونقيًّا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًّا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًّا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس.

 

لذلك فحينما ترى الطفل ملفوفًا بالأقماط لا تُركز فكرك على ميلاده في الجسد فقط، بل ارتفع إلى تأمل مجده الإلهي، ارفع عقلك عاليًا، اِصعد إلى السماء، وهكذا سوف تنظره في أعلى تمجيد، وهو صاحب المجد الفائق، سوف تراه: “جالسًا على عرش عالٍ ومرتفع” (إش1:6)، سوف تسمع السيرافيم يمجدونه بتسابيح، ويقولون إن السماء والأرض مملوءتان من مجده، نعم بل حتى على الأرض قد حدث هذا، لأن مجد الله أضاء على الرعاة، وكان هناك جمهور من الجنود السماويين يخبرون بمجد المسيح. فهذا ما سبق أن أخبر به موسى منذ القديم ” افرحي معه أيتها السموات، وليسجد له كل أبناء الله” (تث43:32 سبعينية) لأن أنبياء قديسين كثيرين قد وُلدوا على مرِّ الأزمنة، ولكن لم يُمجَّد أي واحد منهم بأصوات الملائكة، لأنهم كانوا بشرًا، وكانوا على نفس القياس مثلنا. كانوا خدام الله الحقيقيين وحاملي كلماته، أما المسيح فلم يكن هكذا: لأنه إله ورب، وهو مرسِل الأنبياء القديسين. وكما يقول المرنِّم: ” مَن في السماء يعادل الرب، مَن يشبه الرب بين أبناء الله” (مز1:89) لأن لقب البنوة قد مُنح لنا كنعمة حلَّت علينا نحن الذين تحت النير، ونحن بطبيعتنا عبيد، أما المسيح فهو الابن الحقيقي، أي أنه ابن الله الآب بالطبيعة، حتى حينما صار جسدًا: لأنه استمر على ما كان عليه منذ الأزل، رغم أنه اتخذ ما لم يكن له[2].

والنبي أيضًا يؤكد لنا أن ما أقوله صحيح، بقوله: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل، زبدًا وعسلاً يأكل قبل أن يعرف أن يختار الشر. هو يُفضِّل الخير: لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يعرف الخير والشر فهو لا يطيع الشر بل يختار الخير” (إش14:7ـ16 سبعينية) أليس واضحًا للجميع أن الطفل حديث الولادة لا يستطيع بسبب صغره وضعفه، أن يفهم أي شيء، وهو غير كفء بعد لمُهمَّة التمييز بين الخير والشر، لأنه لا يعرف شيئًا على الإطلاق. أما في حالة المسيح مخلصنا فقد أكل الزبد والعسل رغم أنه كان لا يزال طفلاً، ولأنه كان إلهًا وصار جسدًا بطريقة تفُوق الفهم فإنه عرف الخير فقط، وكان منزهًا عن الفساد الذي في البشر، وهذه أيضًا صفة للجوهر الفائق، لأن ما هو صالح بالطبيعة، هو خاص به بثبات وبغير تغيير، وهو خاص به وحده: ” ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله” (لو19:18) وكما قال مخلِّصنا نفسه.

 

أتريد أن تعرف فضيلة أخرى لهذا الطفل؟ أتريد أن ترى أنه بالطبيعة إله، ذاك الذي وُلد في الجسد من امرأة؟ انظر ما يقوله إشعياء النبي عنه: ” فاقتربتُ إلى النبية، فحبلت وولدت ابنًا. فقال لي الرب ادع اسمه: ” أسرع وأسر، وأتلَف بسرعة” (إش8: 4،3). لأنه في نفس توقيت ميلاد المسيح أُتلِفَت قوة الشيطان، لأنه في دمشق كان الشيطان هو موضوع الخدمة الدينية، وكان له هناك عابدون، ولكن حينما وَلدت العذراء القديسة انكسرت قوة الطغيان، إذ أن الوثنيين انجذبوا إلى معرفة الحق وكان باكورتهم وقادتهم المجوس الذين جاءوا من المشرق إلى أورشليم، الذين كان معلِّمتهم هي السماء وأستاذهم هو النجم.

 

لذلك لا تنظر إلى المُضطجِع في المذود على أنه مجرد طفل، بل في فقرنا انظر ذاك الذي هو غني كإله. وفي مستوى بَشَريتنا انظر ذاك الذي يفوق سكان السماء، ولذلك فإنه يمجَّد من الملائكة القديسين. وما أرفع تلك التسبحة: ” المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة!” لأن الملائكة ورؤساء الملائكة والعروش والسيادات، وأعلى منهم السيرافيم، هم يحفظون رتبهم المعيَّنة، وهم في سلام مع الله. لأنهم لا يتعدّون إرادته الصالحة أبدًا بأي طريقة. بل هم ثابتون وراسخون في البر والقداسة. أما نحن المخلوقات البائسة، فقد وضعنا أنفسنا في موضع الأعداء بالنسبة للرب، لأننا وضعنا شهواتنا الخاصة ضد مشيئته. ولكن المسيح قد أبطل كل هذا! ” لأنه هو سلامنا” (أف14:2) لأنه قد وحَّدنا مع الله الآب بواسطة نفسه إذ قد رفع سبب العداوة من الوسط وأعني به الخطية، وهكذا هو يبرِّرنا بالإيمان، ويجعلنا قديسين وبلا لوم، والذين كانوا بعيدين يدعوهم قريبين إليه. وإلى جانب ذلك، فقد خلق الشعبين في إنسان واحد جديد، صانعًا سلامًا ومصالحًا الاثنين في جسد واحد مع الآب. لأنه قد سر الله الآب أن يجمع فيه كل الأشياء (أف10:1) في واحد جديد متكامل، وأن يربط الأشياء السفلى مع الأشياء التي فوق، ويجعل الذين في السماء والذين على الأرض رعية واحدة. لذلك فالمسيح قد صار لنا سلامًا ومسرَّة، الذي به ومعه لله الآب المجد والكرامة والقدرة مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

[1] ربما يقصد القديس كيرلس أن العذراء القديسة في ولادتها للمسيح ولدت بدون وجع.

[2] واضح أن القديس كيرلس يقصد أن المسيح استمر إلهًا كما كان منذ الأزل رغم أنَّه أخذ الجسد الذى لم يكن له أصلاً بل أخذه من العذراء مريم.

 

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 

وُلد المسيح في بيت لحم في الوقت الذي أمر فيه أوغسطس قيصر أن يتم الاكتتاب (الإحصاء) الأول. ولكن ربما يسأل واحد، ما هي الضرورة التي جعلت البشير الحكيم جدًّا أن يذكر هذا الأمر بنوع خاص؟ أجيب: نعم، إنه كان أمرًا نافعًا كما أنه أمر ضروري أن يُحدِّد الفترة التي وُلد فيها المخلِّص. لأنه قد قيل بصوت رئيس الآباء: ” لا يزول رأس من يهوذا، ولا مشترع من بين رجليه حتى يأتي الذي جعل له. وهو انتظار الشعوب” (تك10:49 سبعينية).

 

وذُكِرَ هذا الأمر أيضًا لكي نعرف أن الإسرائيليين لم يكن لهم في ذلك الوقت مَلِك من عشيرة داود، وأن حكامهم الذين من أمَّتهم قد سقطوا. فهو لسبب مناسب يذكر أوامر قيصر. فإن اليهود وبقية الأمم كانوا تحت سلطان حكمه. فهو إذ كان حاكمًا لهم أَمَر أن يُجرى هذا الإحصاء.

 

(لو4:2) ” لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ “.

إن الأناجيل المقدسة بإرجاعها نسب المسيح إلى يوسف، الذي من بيت داود، قد أثبتت من خلال يوسف أن العذراء أيضًا كانت من نفس عشيرة داود. ذلك أن الناموس الإلهي قد أمر أن التزاوج ينبغي أن يكون محصورًا بين أشخاص من نفس العشيرة. ومُفسِّر التعاليم السماوية، الرسول العظيم بولس يُعلن الحق بوضوح، فهو يشهد أن الرب خرج من سبط يهوذا (عب14:7).

 

إن الطبائع التى اجتمعت إلى هذا الاتحاد الحقيقى هي مع ذلك مختلفة عن بعضها، ولكن من الاثنين معًا (أي من الطبيعتين) هو واحد، أي الله الابن دون أن يُضيع تمايز الطبيعتين بسبب الاتحاد. لأنه قد صار اتحاد من الطبيعتين، ولذلك فنحن نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، ونحن بالإشارة إلى فكرة الاتحاد هذه بدون اختلاط، فإننا نعترف بالقديسة العذراء أنها والدة الإله. لأن الله الكلمة أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبالحبل به في بطنها وجد الهيكل الذي اتخذه منها بنفسه.

 

فإننا نرى أن طبيعتين ـ بواسطة اتحاد لا انفصال فيه ـ قد اجتمعتا معًا فيه بدون اختلاط وبدون انقسام، لأن الجسد هو جسد وليس لاهوتًا رغم أنه قد صار جسد الله، وبنفس الطريقة أيضًا فإن الكلمة هو إله وليس جسدًا رغم أنه بسبب التدبير قد جعل الجسد جسده. ولكن رغم أن الطبائع التى اجتمعت في تكوين الاتحاد هي مختلفة إحداها عن الأخرى كما أنها غير متساوية بعضها مع بعض، إلا أن ذلك الذي تكوَّن من الطبيعتين معًا هو واحد فقط. ونحن لا نفصل الرب الواحد يسوع المسيح إلى إنسان وحده وإله وحده، بل نحن نؤكد أن المسيح يسوع هو واحد، وهو نفسه، معترفين بالتمايز بين الطبيعتين بدون أن نخلطهما الواحدة مع الأخرى.

 

(لو5:2) ” مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى “.

يقول القديس البشير إنَّ مريم كانت مخطوبة ليوسف، لكي يُبيِّن أن الحمل حدث وهي مخطوبة فقط، وأن ولادة عمانوئيل كانت معجزية، ولم تكن بحسب قوانين الطبيعة. لأن العذراء القديسة لم تحمل من زرع إنسان. والسؤال هو لماذا حدث هذا؟

 

المسيح، الذي هو باكورة الجميع، وهو آدم الثاني حسب الكُتب، قد وُلد من الروح لكي ينقل هذه النعمة (نعمة الولادة الروحية) إلينا نحن أيضًا. فنحن أيضًا قد أُعد لنا أن لا نحمل فيما بعد اسم أبناء البشر بل بالأحرى نولَد من الله وذلك بحصولنا على الميلاد الجديد من الروح الذي تم في المسيح نفسه أولاً، لكي يكون هو “متقدمًا بين الجميع” (كو15:1) كما يُعلن بولس الحكيم جدًّا. إن فرصة الإحصاء كانت سببًا مناسبًا جدًّا لكي تذهب العذراء إلى بيت لحم لكي نرى نبوة أخرى تتحقق.

لأنه مكتوب: “وأنتِ يا بيت لحم أفراتة وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل” (ميخا2:5)، ولكن أولئك الذين يجادلون ويقولون، إن كان هو قد جاء في الجسد فتكون العذراء قد فسدت، وإن لم تكن قد فسدت فإنه يكون قد جاء بطريقة خيالية فقط. هؤلاء نقول لهم إن النبي يُعلِن ” أن الرب إله إسرائيل قد دخل وخرج، والباب يظل مغلقًا” (حز2:44)، وأيضًا إن كان الكلمة قد صار جسدًا بدون تزاوج جسدي، إذ أنه حُمل به بدون زرع بشر، فإنه إذن وُلد دون أن تُمس عذراويتها.

 

(لو2: 7،6) ” وبينما هما هناك تمَّت أيامها لتلد، فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود

ما هو معنى بكرها؟ إنَّ معنى البكر هنا ليس أنه الأول بين إخوة عديدين، بل هو ابنها الأول والوحيد، فإن هذا هو المعنى من بين المعاني التي تُفسَّر بها كلمة “البكر”. لأن الكتاب المقدس أحيانًا يسمِّي الوحيد بالأوَّل كما هو مكتوب: ” أنا الله، أنا الأوَّل وليس هناك آخر معي” (إش6:44 سبعينية).

فلكي يتَّضح أن العذراء لم تلد مجرد إنسان، لذلك أُضيفت كلمة “البكر”، وحيث أنها ظلت عذراء فلم يكن لها ابن آخر إلاَّ ذلك هو من الله الآب، والذي بخصوصه أعلن أيضًا الله الآب بصوت داود ” أنا أيضًا أجعله بكرًا، أعلى من ملوك الأرض” (مز27:89).

 

ويقول عنه بولس الكلِّي الحكمة أيضًا: ” متى أَدخل البكر إلى العالم يقول، ولتسجد له كل ملائكة الله” (عب6:1) فكيف إذن دخل إلى العالم؟ لأنه منفصل عن العالم، ليس من جهة المكان بقدر ما هو من جهة الطبيعة. فإنه يختلف عن سكان العالم في الطبيعة، ولكن دخل إلى العالم بأن صار إنسانًا، وبذلك صار جزءًا من العالم بالتجسد. ورغم أنه هو الابن الوحيد من جهة ألوهيته، إلاَّ أنه لكونه صار أخًا لنا، فقد أصبح له اسم ” البكر”، ولكي يصير هو الباكورة لتبنِّي البشرية، فإنه يمكنه أن يجعلنا أيضًا أبناء الله.

 

لذلك لاحظوا، أنه يُدعى البكر من جهة التدبير[1]، لأنه من جهة ألوهيته هو الابن الوحيد. وأيضًا فإنه الابن الوحيد من جهة كونه كلمة الآب الذي ليس له إخوة بالطبيعة ولا يوجد أي كائن مشترك معه. لأن ابن الله المساوي للآب، هو واحد ووحيد، ولكنه يصير بكرًا بتنازله إلى مستوى المخلوقات.

 

لذلك حينما يُدعى الابن الوحيد، فإنه يُدعى هكذا دون أن يكون هناك سبب آخر لكونه الابن الوحيد إذ هو الإله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب (يو18:1) ولكن حينما تدعوه الكتب الإلهية ” بالبكر” فإنها تضيف حالاً علَّة السبب الذي من أجله حمل هذا اللقب فتقول الكتب ” البكر بين إخوة كثيرين” (رو29:8)، وأيضًا ” البكر من الأموات” (كو18:1)، ففي المرَّة الأولى دُعي ” بكرًا بين إخوة كثيرين” بسبب أنه صار مثلنا في كل شيء ما عدا الخطية، وفي المرة الثانية دُعي ” البكر من الأموات” لأنه هو الأول الذي أقام جسده إلى حالة عدم الفساد.

 

وأيضًا هو كان دائمًا منذ الأزل الابن الوحيد بالطبيعة، لكونه الوحيد المولود من الآب، إله من إله، وحيد من وحيد، إله أشرق من إله، نور من نور، ولكنه هو “البكر” لأجلنا نحن حتى عندما يُدعى بكرًا للمخلوقات فإن كل مَنْ يشابهه يخلص بواسطته.

فإن كان هو بالضرورة يصير “البكر” فبالتأكيد لابد أن يكون هناك أولئك الذين يكون هو بكرًا لهم. ولكن إن كان ـ كما يقول يونوميوس ـ إنه يُدعى بكر الله المولود الأول بالنِّسبة لكثيرين، وإنَّه هو أيضًا بكر العذراء، ففي هذه الحالة إذن يلزم أن يصير هو الأول قبل طفل بعده بالنسبة لها. ولكن إن كان يُدعى بكر مريم باعتباره الابن الوحيد وليس هناك من يأتون بعده، إذن فهو أيضًا بكر الله لا كالأول بين كثيرين، بل هو المولود الواحد الوحيد.

 

وبالإضافة إلى ذلك إن كان الأول يُعترف به أنه عِلَّة الثاني، فإن الله هو الأول، وحينئذ فالابن هو علَّة أولئك الذين نالوا لقب الأبناء، لأنهم بواسطته قد حصلوا على هذه التسمية، لذلك وهو علَّة وجود الأبناء الذين أتوا بعده فإنه يُدعى البكر بحق، لا لأنه هو أولهم، بل لكونه العلَّة الأولى لحصوله على لقب التبنِّي.

وكما أن الآب يُدعى الأول لأنه يقول: ” أنا الأول وأنا بعد هذه الأشياء” (إش4:41)، وهو بالتأكيد لا يريدنا أن نعتبره أنه مشابه في الطبيعة لأولئك الذين يأتون بعده، هكذا أيضًا فرغم أن الابن يُدعى بكر الخليقة، أو البكر قبل كل خليقة، فهذا ليس معناه أنه واحد من الأشياء المخلوقة، بل كما أن الآب قال ” أنا الأول” لكي يُوضح أنه أصل كل الأشياء، فبنفس المعنى يُدعى الابن أيضًا بكر الخليقة “ فإن كل الأشياء خُلقت به” (يو3:1). فكخالق وصانع للعالم، هو بداية كل الأشياء المخلوقة وأصلها.

 

(لو7:2) ” وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ “.

لقد وجد أن الإنسان قد تدنَّى إلى مستوى الحيوانات، لذلك فإنه وُضع مثل علف في المزود، لكي حينما نخلع حياتنا الحيوانية، نرتفع إلى درجة العقل والبصيرة التي تليق بطبيعة الإنسان. وبينما كنا متوحشين في نفوسنا، فإننا الآن باقترابنا من المزود، أي “مائدته الخاصة”[2]، فإنا لا نجد علفًا بعد، بل الخبز الذي من السماء الذي هو جسد الحياة.

 

[1] اصطلاح “التدبير” يستعمله القديس كيرلس وكل الآباء ليعبِّروا عن خطة الله وقصده لتتميم خلاص الإنسان عن طريق مجيء ابن الله في الجسد واتحاده بطبيعتنا وتتميمه الفداء بالموت والقيامة.

[2] واضح أن القديس كيرلس يتحدث عن تناول الإفخارستيا التي يشترك فيها المؤمنون نتيجة التجسد.

 

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version