تعالوا بنا مرة أخرى لكن ببوق المرنم نصرخ عاليًا: ” نبارك الرب في كل وقت. في كل حين تسبحته في فمي” (مز34: 1). لأنه دائمًا يصنع أمورًا عجيبة. فرصًا كثيرة متقاربة تلي الواحدة الأخرى لأجل تسبيحه, وكل كلام يقصر عن أن يبلغ إلى قُوَّته، وإلى جلاله المرتفع جدًّا فوق الكل. فبالحقيقة أنَّ “مجد الرب يُغطي على الكلام” (أم25: 2س).
ولكن لا ينبغي أن ننسى المجد الواجب له واللائق به. بل بالحري ينبغي أن نسرع بفرح ونقدِّم مثل تلك الثمار كما يتناسب مع قوَّتها، لأنه بالتأكيد ليس هناك شيء يستطيع إنسان أن يؤكد أنه أفضل من التسبيح، حتى لو كان الذي نستطيع أن نقدِّمه قليلاً, لذلك تعالوا فدعونا نسبِّح المسيح مخلِّص الكل، دعونا ننظر علو قدرته، وجلال سيادته الإلهية.
لأنه كان يبحر مع الرسل القديسين عبر البحر أو بالحري بحيرة طبرية، فصارت عاصفة قوية غير متوقعة على السفينة، وارتفعت الأمواج عاليًا بتأثير الرياح، وامتلأ التلاميذ من خوف الموت، لأنهم خافوا خوفًا ليس بقليل رغم معرفتهم بالسباحة وقيادة السفن، ولم تكن تنقصهم الدراية باضطرابات الأمواج ولكنه بسبب عظمة الخطر فإن خوفهم الآن صار غير محتمل، ولم يعد لهم رجاء آخر للأمان سوى ذاك الذي هو رب القوات، المسيح. فأيقظوه قائلين يا معلم يا معلم خلِّصنا فإننا نهلك، لأن الإنجيلي يقول إإنه كان نائمًا. وأظهر أنَّ هذا كما يبدو قد حدث بهدف حكيم, لأنه ربما كما أتصور، يقول واحد لماذا ينام؟
وهذا نجيب عليه أنَّ الحدث كان مرتَّبًا ليكون جيدًا ومفيدًا، فربما كانوا لا يطلبون منه المساعدة في الحال حينما بدأت العاصفة تهز السفينة، بل كما لو كان حينما وصل الخطر إلى قمته ومخاوف الموت صارت تزعج التلاميذ لكي تظهر قدرة سيادته الإلهية أكثر في تهدئة البحر الهائج وانتهار ثورات الريح وتغيير العاصفة إلى هدوء. ولكي تصير الحادثة هكذا وسيلة لتقدم التلاميذ الذين كانوا يبحرون معه، لذلك قصد أن ينام. ولكنهم كما قلتُ أيقظوه قائلين خلصنا فإننا نهلك، انظروا هنا أرجوكم إيمان قليل متَّحد بإيمان، لأنهم يؤمنون أنه يستطيع أن يخلِّص وينقذ من كل شر أولئك الذين يدعونه, لأنه لو لم يكن لهم إيمان راسخ به فإنهم بالتأكيد لما سألوا منه هذا. ومع ذلك إذ لهم إيمان قليل فإنهم يقولون خلِّصنا فإننا نهلك لأنه لم يكن أمرًا ممكنًا, أو أمر يمكن أن يحدث لهم أن يهلكوا حينما يكونون مع ذلك الذي هو قادر على كل شيء, ثم كانت السفينة تهتز بشدة من عنف العاصفة وتكسُّر الأمواج وكان إيمان التلاميذ أيضًا يهتز مع السفينة كما لو كان بارتجاجات مماثلة.
ولكن المسيح الذي يمتد سلطانه على كل شيء قام حالاً، ومرة واحدة هدأ العاصفة ولجم ثورات الريح، وهدأ خوف التلاميذ وبذلك بالحري برهن بأعماله أنه هو الله، الذي ترتعد وترتجف أمامه كل المخلوقات والذي تخضع طبيعة الععناصر نفسها لإيماءاته، لأنه انتهر الريح. ويقول معلمنا مرقسإ إنَّ الطريقة التي تم بها الانتهار كانت بسلطان إلهي. لأنه يخبرنا أنَّ ربنا قال للبحر ” اسكت اِبكم” (مر4: 39). فماذا يمكن أن يكون أعظم من ذلك في الجلال؟ أو ما الذي يمكن أن يساوي سموه؟ فالكلام جدير بالله وكذلك قوة الأمر الذي أصدره، حتى أننا يمكن أن ننطق التسبيح المكتوب في المزامير “ أنت متسلط على كبرياء البحر، عند ارتفاع لججه أنت تسكتها” (مز89: 9). وهو نفسه أيضًا يقول في موضع ما بواسطة أحد الأنبياء القديسين “ لماذا لا تخشون يقول الرب؟ أو لا ترتعدون من وجهي؟ أنا الذي وضعت الرمل تخومًا للبحر، فريضة أبدية لا يتعداها” (إر5: 22). لأن البحر خاضع لإرادة ذلك الذي خلق كل الخليقة، وهو كما لو كان موضوعًا تحت قدمي الخالق، ويغيِّر تحركاته في كل الأوقات حسب مسرته الصالحة، مقدمًا الخضوع لإرادته الربانية.
لذلك حينما هدَّأ المسيح العاصفة فهو أيضًا حوَّل إيمان التلاميذ القديسين إلى الثقة. ـ هذا الإيمان الذي كان قد اهتز مع السفينة، لم يعُد المسيح يسوع يسمح له أن يكون فيه شك. وأعطى في داخلهم كما لو كان هدوءًا مسكتًا أمواج إيمانهم الضعيف. لأنه قال “أين إيمانكم”. ويؤكد إنجيلي آخر عنه أنه قال ” ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان” (مت 8: 26). لأنه حينما يحل الخوف من الموت بدون توقُّع، فإنه يزعج أحيانًا حتى العقل المؤسس جيدًا ويعرّضه إلى لوم قلة الإيمان. ويحدث مثل هذا التأثير أيضًا من أي اضطراب آخر يفوق احتمال أولئك الذين يُجرََّبون به.لأجل هذا السبب اقترب البعض مرة من المسيح وقالوا “ زِد إيماننا” (لو17: 5). لأن الإنسان الذي لا يزال معرّضًا للوم لأجل قلة الإيمان هو ناقص جدًّا عن ذاك الذي هو كامل في الإيمان. لأنه كما أنَّ الذهب يُُمتَحن في النار هكذا أيضًا يُمتحن الإيمان بالتجارب، ولكن عقل الإنسان ضعيف وهو يحتاج إلى القوة والمعرفة من فوق لكي يكون في حالة حسنة، ولكي يستطيع أنَّ يتخذ موقفًا راسخًا، ويكون قويًا، ويحتمل برجولة كل ما يحل به.
وهذا ما علَّمنا إياه المخلص قائلاً ” بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو15: 5).
ويعترف بولس الحكيم بنفس الأمر حيث يكتب ” أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (في4: 14).
لذلك فالمخلِّص أجرى معجزات محولاً بسلطانه الكامل العاصفة إلى هدوء، ومهدئًا الريح الثائرة إلى سلام مستقر… ولكن التلاميذ إذ اندهشوا من الآية الإلهية تهامسوا الواحد مع الآخر قائلين: ” مَنْ هو هذا فإنه يأمر حتى الريح والماء فتطيعه؟” فهل التلاميذ المبارَكين إذًا يقولون الواحد للآخر، “مَنْ هو هذا”، بسبب أنهم لا يعرفونه، ولكن ألا يكون هذا أمرًا غير معقول بالمرة؟ لأنهم عرفوا أنَّ يسوع هو الله، وهو ابن الله لأن نثنائيل أيضًا اعترف بوضوح ” يا معلم أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل” (يو1: 49). وبطرس أيضًا، ذلك المزكَّى من بين كل الرسل حينما كانوا في قيصرية فيلبس وسألهم المسيح جميعًا قائلاً “مَنْ يقول الناس أني أنا ابن الإنسان؟” (مت16: 13). فالبعض أجابوا ” قوم يقولون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء“. حينئذ قدم بطرس اعترافًا بالإيمان صحيحًا وبلا لوم قائلاً ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16:16). والمسيح مدحه لأنه تكلم هكذا، وكرَّمه بأكاليل، وحُسِبَ التلميذ مستحقًا لكرامات فائقة، فقد قال له ” طوبى لك يا سمعان بن يونا، لأن لحمًا ودمًا لم يُعلِن لك لكن أبي الذي في السموات” (مت16: 17). فكيف يستطيع بطرس وهو قد تعلم من الله ألا يعرف ذلك الذي قال عنه بوضوح إنه ابن الله الحي؟ فلم يكن التلاميذ إذًا بسبب جهلهم بمجده قد قالوا “من هو هذا؟” بل بالحري من اندهاشهم من عظمة قوته، ومن سمو عظمة سيادته التي لا تقارَن. لأن اليهود التعساء إما بسبب جهلهم التام بسر المسيح، وإما بسبب عدم إعطائه أي اعتبار لشرهم العظيم، وبخوه وألقوا عليه حجارة حينما قال إن الله أباه. لأنهم تجاسروا حتى أن يقولوا ” لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا؟” (يو10: 33). لأنهم لم يدركوا في ذهنهم عمق السر أنَّ الله كان في شكل منظور مثلنا، ورب الكل أخذ شكل العبد، والذي هو مرتفع جدًّا كان في حالة التواضع, والذي يفوق كل إدراك عقلي ويعلو على كل المخلوقات كان مثلنا نحن البشر. وإذ عرف التلاميذ هذا، اندهشوا من مجد لاههوته, وإذ أدركوا اللاهوت حاضرًا في المسيح، ومع ذلك رأوا أنه كان مثلنا، ومنظورًا في الجسد، فإنهم يقولون “مَنْ هو هذا“؟ بدلاً من أن يقولوا ما أعظمه! وما هي طبيعته! وبأي قوة عظيمة وسلطان، وجلال، يأمر حتى المياه والريح فتطيعه؟ ويوجد أيضًا كثير يستدعي الإعجاب لأولئك الذين يسمعونه، لأن الخليقة تطيع كل ما يأمر به المسيح، وأي عذر يمكن أنَّ ينفعنا، إذا لم نخضع نحن أيضًا لنفعل نفس الأمر؟ أو من يستطيع أن ينقذ من النار أو الدينونة ذلك الذي يعصى ويتقسَّى واضعًا كما لو كان عنق عقله المتعالي ضد أوامر المسيح، والذي قلبه من غير الممكن أن يلين؟ لذلك فمن واجبنا ونحن نفهم أنَّ كل تلك الأشياء التي أوجدها الله تتوافق تمامًا مع مشيئته، أن نصير نحن مثل بقية الخليقة ونتحاشى العصيان كأمر يقود إلى الهلاك. إذًا فلنخضع بالحري لذلك الذي يدعونا للخلاص، وللرغبة في الحياة باستقامة ولياقة أي أن نحيا إنجيليًّا، فإإنه بهذا سوف يملؤنا المسيح بالمواهب التي تأتي من فوق ومن ذاته، والذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
انتهار الريح – إنجيل لوقا 8 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
” يا جميع الأمم صفقوا بأيديكم، اهتفوا لله بصوت الابتهاج والشكر” (مز47: 1س). وما هو سبب هذا الابتهاج؟ إنه بسبب أن المخلص هنا أنشأ لنا طريقًا للخلاص لم يسر فيه الذين في القديم. لأن الناموس الذي وضعه موسى الحكيم كان لتوبيخ الخطية لإدانة التعديات، ولكنه لم يبرر مطلقًا أي أحد. لأن بولس الحكيم يكتب ويقول ” مَن خالف ناموس موسى فعلى فم شاهدين أو ثلاث شهود يموت بدون رأفة” (عب10: 28). أما ربنا يسوع المسيح فإذ قد أبطل لعنة الناموس وجعل الوصية التي تدين بلا قوة وغير فعَّالة، “ صار رئيس كهنتنا الرحيم” بحسب كلمات بولس المبارك (عب 2: 17)، لأنه يبرِّر الخطاة بالإيمان، ويطلق المأسورين بالخطية أحرارًا. وهذا أعلنه لنا بواسطة أحد الأنبياء القديسين قائلاً ” في ذلك الوقت يقول الرب، سيبحثون عن خطية إسرائيل فلن تكون هناك، وعن خطية يهوذا فلا يجدونها، لأني سأكون رحيمًا بأولئك الذين بقوا في الأرض يقول الرب” (إر1: 20س)، ولكن ها إن تحقيق الوعد حدث لنا في وقت تجسده، كما يتأكد لنا من معاني الأناجيل المقدسة.
فقد دُعِيَ المسيح من أحد الفريسيين، ولأن المسيح شفوق ومحب للبشر “ ويريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون” (1تي2: 4)، وافق ومنحه ما طلب منه، وإذ دخل اتكأ على المائدة، وفي الحال دخلت امرأة مدنسة بالخطايا مثل واحد لا يفيق من الخمر والسكر، وإذ شعرت بذنوبها وتعدياتها قدَّمت توسُّلات للمسيح القادر أن يطهرها ويحررها من كل خطية وينقذها من خطاياها السابقة ” لأنه لا يذكر الخطايا والتعديات” (عب8: 12)، وقد فعلت هذا وهي تغسل قدميه بدموعها وتدهنهما بالطيب وتمسحهما بشعر رأسها. مثل هذه المرأة التي كانت فاسقة وزانية وهي خطية يصعب إزالتها، لم تفقد طريق الخلاص، لأنها هربت لاجئة إلى الذي يعرف كيف يُخلِّص ويستطيع أن يرفع من أعماق النجاسة.
فهي إذًا لم تفشل في غرضها، ولكن الإنجيلي المبارك يخبرنا أن الفريسي الأحمق قد استاء وقال في نفسه: ” لو كان هذا نبيًّا لَعلِم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي، إنها خاطئة“. لذلك فالفريسي كان منتفخًا وبلا فهم بالمرة، لأنه كان من واجبه بالأحرى أن يُنظم حياته الخاصة ويُزيِّنها بكل الأعمال الفاضلة، وليس أن يحكم على الضعفاء ويدين الآخرين. ولكننا نؤكد عنه أنه إذ قد تربى على عوائد الناموس، فقد أعطى لأوامره سلطانًا واسعًا وأراد أن يُخضع المشرع (المسيح) لوصايا موسى، لأن الناموس أوصى أن المقدَّس يكون بعيدًا عن النجس، والله وجَّه اللوم لأولئك الذين كانوا رؤساء مجامع اليهود لعدم رغبتهم في تتميم ذلك، لأنه تكلم هكذا بواسطة أحد الأنبياء القديسين قائلاً: ” لم يميِّزوا بين المقدَّس والنجس” (حز22: 26). ولكن المسيح جاء من أجلنا، ليس لكي يخضع حالتنا للَّعنات التي بواسطة الناموس، بل ليفدي أولئك الذين تحت الخطية برحمة أعلى من الناموس، لأن الناموس قد تأسَّس “ بسبب التعديات” كما يُعلن الكتاب (غل 3: 19)، ” لكي يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله، لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه” (رو3: 19، 20)، لأنه لا يوجد هناك متقدِّم في الفضيلة الروحانية، حتى يكون قادرًا أن يُتمِّم كل ما أوصى به، ويكون بلا لوم، ولكن النعمة التي بالمسيح تُبرِّر لأنها إذ تُبطل حكم الناموس فهي تُحرِّرنا بواسطة الإيمان.
لذلك فإن ذلك الفريسي المتكبر الأحمق لم يحسب يسوع قد وصل حتى إلى درجة نبي، ولكن المسيح جعل دموع المرأة فرصة لكي تعلِّمه بوضوح عن السر، لأنه علَّم الفريسي وكل الذين كانوا مجتمعين هناك أن الكلمة إذ هو الله، جاء إلى العالم في صورتنا “ ليس ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يو3: 17). لقد جاء لكي يغفر للمديونين كثيرًا وقليلاً، ولكي يُظهر رحمة على الصغير والكبير، لكي لا يكون هناك أي واحد مهما كان لا يشترك في صلاحه. وكعربون ومثال واضح لنعمته، خلَّص تلك المرأة غير العفيفة، غير الطاهرة من خطاياها الكثيرة: ” مغفورة لكِ خطاياك“. إن مثل هذا الإعلان لائق بالله حقًّا، وهي كلمة تُبيِّن السلطان المطلق، لأنه حيث إن الناموس أدان أولئك الذين كانوا في الخطية، فمن هو الذي يستطيع أن يعلن أشياء فوق الناموس إلاَّ ذلك الذي وَضَع الناموس. لذلك فإنه في الحال أطلق المرأة حُرَّة، ثم أنه لفت انتباه ذلك الفريسي، وأولئك الذين كانوا يأكلوا معه إلى أمور عالية جدًا، لأنهم تعلَّموا أن الكلمة هو الله، ولم يكن كواحد من الأنبياء، بل بالحري يفوق مستوى البشرية، وذلك رغم أنه صار إنسانًا. وربما يقول واحد لذلك الذي دعاه: أنت أيها الفريسي متدرِّب في الكتب المقدسة، وأنت تعرف طبعًا الأوامر التي أعطاها موسى الحكيم، وأنت قد فحصتَ كلمات الأنبياء القديسين، فمن هو إذًا ذاك الذي يسير في طريق عكس الوصايا المقدسة ويُحرِّر من الخطية؟ من هو هذا الذي أعلن أن الذين كسروا الوصايا قد صاروا أحرارًا؟ لذلك اِعلَم بواسطة الحقائق نفسها أنه أعلى من الأنبياء والناموس، تذكَّر أن واحدًا من الأنبياء القديسين بشَّر بهذه الأشياء منذ القديم عنه وقال: “ سوف يأتون بالرعب إلى الرب إلهنا ويخافون منك. من هو إله مثلك غافر الآثم وصافح عن الذنب لبقية ميراثه؟ لا يحفظ إلى الأبد غضبه، فإنه يُسر بالرأفة” (ميخا7: 17، 18).
لذلك فأولئك الذين كانوا يأكلون مع الفريسي اندهشوا وتعجبوا لرؤيتهم المسيح مخلِّص الكل يملك مثل هذا السمو الإلهي، ويستعمل تعبيرات تعلو على حق الإنسان، لأنهم قالوا: ” من هو الذي يغفر خطايا أيضًا؟”. هل تريدني أن أخبرك من هو هذا؟
إنه هو الذي في حضن الله الآب، والمولود منه بالطبيعة، والذي به كان كل شيء، هو الذي يملك سلطانًا مطلقًا وتسجد له كل خليقة في السماء وعلى الأرض، وهو قد أخضع نفسه لحالتنا، وصار رئيس كهنتنا، لكي ما يُقدمنا إلى الله طاهرين وأنقياء إذ قد أبطل رائحة الخطية النتنة، وجعل نفسه فينا رائحة طيبة. لأنه كما يكتب بولس الحكيم جدًّا “ نحن رائحة المسيح الزكية لله” (2كو2: 15). هذا هو الذي تكلم بصوت النبي حزقيال قائلاً ” وأنا أكون لكم إلهًا وأخلِّصكم من كل نجاساتكم” (حز36: 28، 29). لذلك انظروا أن ما تحقق يتفق مع ما سبق أن وعد به بواسطة الأنبياء القديسين. اعترفوا به أنه الله وهو اللطيف جدًّا والمُحب للبشر، أمسِكوا بطريق الخلاص، اهربوا من الناموس الذي يقتل، واقبلوا الإيمان الذي هو فوق الناموس، لأنه مكتوب “الحرف يقتل” أي الناموس، “ولكن الروح يحيي” أي التطهير الروحي الذي في المسيح. الشيطان قد ربط سكان الأرض بقيود الخطية، والمسيح قد فك هذه الحبال. إنه جعلنا أحرارًا، وأبطل طغيان الخطية، وطرد المشتكي الذي يشتكي على ضعفاتنا لكي يتم الكتاب “ أن كل أثم يسد فاه” (مز107: 42)، لأن الله هو الذي يبرِّر “ فمن هو الذي يدين؟” (رو8: 33).
وهذا صلَّي من أجله المرنم الإلهي لكي يتحقق، حينما خاطب المسيح مخلِّص الكل هكذا “ لتبد الخطاة من الأرض والأشرار لا يكونون فيما بعد” (مز104: 35). فإنه حقًّا لا ينبغي أن يقول عن واحد لابس الروح إنه يلعن من هم خطاة وضعفاء، فإنه غير لائق بالقديسين أن يلعنوا أي أحد بل بالأحرى هو يطلب هذا من الله. لأنه قبل مجيء المخلِّص كنا كلنا في الخطية، ولم يكن هناك من يعرف أنه هو الله بالحق وبالطبيعة، ” لم يكن أحد يعمل صلاحًا ليس ولا واحد، بل الجميع زاغوا وفسدوا معًا” (رو3: 12)، ولكن بسبب أن الابن الوحيد أخضع نفسه للإخلاء وتجسد وصار إنسانًا، فقد تلاشى الخطاة. لم يعد هناك خطاة لأن سكان الأرض قد تبرَّروا بالإيمان، وقد غسلوا أدناس خطيتهم بالمعمودية المقدسة، وقد صاروا شركاء الروح القدس، وخرجوا من تحت يد العدو، وبعد أن كانوا تحت سيطرة الشياطين صاروا يسكنون تحت سلطان المسيح.
لذلك فإن عطايا المسيح ترفع الناس إلى رجاء طال انتظاره وإلى فرح عظيم جدًّا، فالمرأة التي كانت مذنبة بنجاسات كثيرة وتستحق اللوم بسبب أعمال مشينة جدًّا قد تبررت، لكي يكون لنا نحن أيضًا ثقة أن المسيح سيرحمنا نحن أيضًا بالتأكيد، حينما يرانا مسرعين إليه وساعين أن نهرب من شراك الشر. دعونا نقف أمامه، دعونا نسكب دموع التوبة، هيا بنا ندهنه بالطيب، لأن دموع الذي يتوب هي رائحة طيِّبة لله. اذكروا الذي قال “ اصحوا أيها السكارى، وابكوا وولولوا يا جميع شاربي الخمر” (يؤ1: 5). لأن الشيطان يُسكر القلب، ويثير العقل باللذات الشريرة، ويُحدِر الناس إلى نجاسات الشهوة. ولكن ما دام هناك وقت فلنستيقظ، وكما يقول بولس الحكيم جدًّا: ” لنسلك لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر، بل بالأحرى لنعمل ما هو صالح، لأننا لسنا من ليل ولا من ظلمة، بل أبناء نور وأبناء نهار” (رو13: 13؛ 1تس5: 5). ” لذلك فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور” (رو13: 12). لا تنزعج حينما تُفكِّر في عظم خطاياك السابقة، بل بالأحرى إعلم أن نعمة الله التي تبرر الخاطئ وتفك الشرير، هي أعظم (من خطاياك).
إذًا فالإيمان بالمسيح هو عربون لنا لهذه البركات العظيمة، لأنه هو الطريق الذي يقود للحياة ليصل بنا إلى المنازل التي فوق، وهو الذي يرفعنا إلى ميراث القديسين، والذي يجعلنا أعضاء ملكوت المسيح، الذي به ومعه لله الآب كل تسبيح وسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور.
المرأة الخاطئة – إنجيل لوقا 7 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
الذين لهم عقل سليم يفحصون كل شيء، ويرفضون ما هو زائف، لكنهم يقبلون ويمدحون ما هو بلا لوم. وهذا أيضًا ما يطلبه منا بولس الحكيم، حيث كتب قائلاً: ” كونوا حكماء، امتحنوا كل شيء، تمسَّكوا بالحسن، امتنعوا عن كل شبه شر” (1تس5: 21). لذلك وكما قلت ينبغي لنا نحن أيضًا أن نفحص بتدقيق، وبعين العقل المميِّزة كل ما يُفعل، ونبحث في طبيعة الأفعال، لكي نوافق على ما هو بلا لوم بينما نرفض ما هو زائف. ولكن إذا لم نميز بين الأشياء فإننا نتعرض لخطورة إصدار حكم رديء على أشياء مستحقة للمدح جدًّا، وأن نحسب ما هو شرير أنه لائق للإطراء والتصفيق، وعندئذ تنطبق علينا كلمات النبي: “ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المُر حلو والحلو مرًّا” (إش5: 20). هكذا كانت صفة الإسرائيليين وخاصة أولئك الذين كانوا رؤساء لهم، أي الكتبة والفريسيين الذين عنهم قال المسيح “ بماذا أشبه أناس هذا الجيل؟“.
ربما كان هناك نوع من اللعب بين أولاد اليهود أو شيء من هذا النوع بمجموعة من الشباب كانت تقسم إلى قسمين، وكانوا يلعبون ويخلطون الأمور بعضها ببعض، وكانوا ينتقلون سريعًا من حالة إلى أخرى مما هو مفرح إلى ما هو محزن، وكان بعضهم يلعب على آلات الموسيقى بينما البعض الآخر كانوا ينوحون. فالنائحون لم يكونوا يشاركون فرح أولئك الذين يلعبون الموسيقى ويُهللون، ولا أيضًا أصحاب الآلات الموسيقية كانوا يشتركون في حزن أولئك الذين يبكون، وأخيرًا لاموا بعضهم بعضًا لعجزهم عن التعاطف مع بعضهم البعض أي على غياب الشعور المشترك لأن فريقًا منهم يقول ” زمَّرنا لكم فلم ترقصوا” فيرد عليهم الفريق الآخر ” نحنا لكم فلم تبكوا“.
لذلك فالمسيح يُعلِن أن الجمهور اليهودي وقادتهم كانوا في حالة من الشعور شبيهة بهذه، لأنه يقول ” جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزًا ولا يشرب خمرًا فيقولون، به شيطان، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر ومُحب للعشارين والخطاة“. أيها الفريسي الغبي بأي طريقة إذًا يمكن أن تُربح إلى الإيمان، وأنت هكذا تلوم كل الأشياء بلا تفريق، ولا تعتبر أي شيء مستحقًا للمديح؟ فالمعمدان المبارك كان سابقًا للمخلص، مناديًا قائلاً “ توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله” (مت3: 2)، لأنه كان رجلاً يستحق أن ينال الثقة، وهو قادر على الإقناع، حتى أنهم هم أنفسهم شهدوا له أن حياته كانت نبيلة وجديرة بالإعجاب. فهو قد سكن في البراري وكان يرتدي ثيابًا فقيرة وخشنة وبالكاد كان يُلبِّي ضرورات جسده بالجراد والعسل البري. وأنتم قد خرجتم لتروه كشخص قديس، وقد وصل إلى كمال كل فضيلة، فهل تجرؤ أيها الفريسي بعد ذلك أن تتكلم رديئًا عن فِعل هذا الشخص وهو شخص ينبغي بالحرى أن يحسب مُستحقًا لكل إعجاب؟ هل تقول إن به شيطان وهو الذي كان بالأصوام يميت قانون الخطية الذي في أعضائنا الجسدية المحارب ضد ناموس ذهننا؟ (انظر رو7: 23)، وهل هناك ما هو أعظم من حياة التعفف؟ لأنه كونه قادرًا أن ينتهر بحكمة تلك اللذات التي تقود إلى الشر وأن يعيش حياة زهد وتعفف، فكيف لا يكون هذا عظيمًا وباهرًا؟
إن المعمدان المبارك كان مكرسًا كلية في تقواه نحو المسيح، ولم يكن يوجد فيه أقل اعتبار للشهوات الجسدية، أو لأمور هذا العالم، لذلك فهو إذ تخلى تمامًا عن ارتباكات هذا العالم الباطلة وغير النافعة فإنه عمل في أمر واحد بكل اهتمام وهو أن يُتمِّم بلا لوم الخدمة التي أؤتمن عليها. لأنه قد أُمِرَ أن يكرز قائلاً ” أعدوا طريق الرب” (إش40: 3). أخبرني هل أنت تظن أن هذا الإنسان به شيطان، وهو إنسان ليس للشيطان سلطان عليه، وهو ليس أسيرًا لأي شهوة شريرة، وهو قد قفز فوق كل شراك حب الجسد الوضيع، وهو قد أمر جموع الشياطين أن تسكت، وقاوم هجماتهم برجولة؟ فإنه في الحقيقة لم يكن ليصل لهذا المجد وتلك الفضيلة إلا بواسطة المسيح، الذي هو مُمجَّد ومرتفع جدًّا فوق الشيطان، الذي يجرِّب القديسين ويصر بأسنانه على نجاحهم. ألا تخجل إذًا من أن تشتم واحدًا قد وصل إلى مثل هذا الصبر العظيم والاحتمال الكبير، وله حول رأسه أكاليل من الفضيلة الرجولية؟ هل تُحرِّك لسانك ضده وتتجاسر بوقاحة أن تفتري عليه، بأن تقول إنه إنسان مجنون، وتافه وليس مالكًا لقواه العقلية؟
ثم دعونا نرى، مَن هو على الناحية الأخرى، وما يبدو كأنه يتبع طريقًا مختلفًا عن سلوك المعمدان، فالمسيح لم يكن في البرية، بل بالحرى جعل مسكنه في المدينة بصحبة رسله القديسين، هو لم يأكل جرادًا وعسلاً بريًّا، وثيابه لم تكن من وبر الإبل، ولم يكن له منطقة من جلد على حقويه. وطريقة حياته بالحري كانت كالطريقة المعتادة في المدن، ولم يكن فيها خشونة مثل تلك التي كان يمارسها المعمدان القديس. فهل أنت إذًا تمدحه على الأقل، وهل توافق على سهولة طريقته، واختلاطه بحرية مع الآخرين، وعدم اهتمامه بالمرة من جهة طعامه؟ لا أظن، فإن ميلك إلى النقد القاسي يمتد حتى إلى المسيح. فأنت تقول أيها الفريسي “هوذا إنسان أكول، وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة”، فهل بسبب أنه تصادف أنك رأيت يسوع يأكل مثل الناس، فهو يبدو لك أنه شريب خمر وأكول؟ كيف يمكنك أن تُثبت ذلك لأنه حينما قامت مرَّة مريم ومرثا باستقباله في بيت عنيا، وكانت واحدة منهما منشغلة بخدمة كثيرة، فإننا نرى المسيح يمنع المبالغة والزيادة، ويدعو إلى ما هو ضروري فقط، لأنه قال “ مرثا مرثا أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة ولكن الحاجة إلى أشياء قليلة، أو إلى واحد” (انظر لو10: 41). وهكذا كان هو دائمًا وفي كل مكان.
ولكن هل أنت تتهم المسيح بسبب أنه كان يمشي مع العشارين والخطاة؟ وهل هذا هو سبب استيائك؟ ولكن أي ضرر يمكن أن نتخيله أصاب المسيح من ترحيبه أن يكون مع الخطاة؟ فهو لم يكن معرّضًا بأن يتأثر بخطاياهم لأنه كان فوق كل خطية تمامًا. حتى أنه قال مرة ” رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء” (يو14: 30)، وفي مرة أخرى قال “ من منكم يبكتني على خطية؟” (يو8: 46). لذلك فهو لا يمكن أن يتلوث من أي ناحية بوجوده مع الخطاة.
ولكنك تقول أيها الفريسي، إن ناموس موسى أمر أننا ” لا ينبغي أن نتكلم مع الأشرار”. دعونا إذًا ندرس موضوع الناموس، ودعونا نرى لأي سبب منع الإسرائيليين أن يتحدثوا مع الأشرار، ويختلطوا مع الخادعين. والآن فإن الحقيقة بالتأكيد هي، أن ناموس موسى أمر بهذه الأشياء، ليس لكي تتفاخر بنفسك على الآخرين، وتجعل الوصية سببًا للانتفاخ، بل بالحرى بسبب أن ذهنك ضعيف وأنت منجذب إلى الحماقة، وبسبب أن قلبك يجري بإرادته وراء اللذات الشريرة فإن الناموس يحفظك من الرغبة في أن تكون مع أولئك الذين حياتهم تستحق اللوم، لئلا تصير مثلهم في ذهنك وتُقتنَص بغباوة في فخهم ” لأن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 23). لذلك فأنت قد استلمت الوصية كحارس لضعفك، فلو أنك كنت قد تأسَّست في الفضيلة، ولو كان عقلك ثابتًا في مخافة الله لَمَا كان الناموس يمنعك من أن تتحدث حديثًا نافعًا مع أولئك الذين هم ضعفاء، وذلك لكي ما يصيروا متمثلين بتقواك ويتعلموا أن يتشبهوا بأعمالك، حتى أنهم إذ يسيرون في خطوات غيرتك، يمكن أن يتقدموا إلى ما هو أكثر فضلاً وسموًا. لذلك فلا تتخيل تخيلات متكبرة، إذ أنه حتى في وصية موسى أنت متهم بالضعف.
أنت تلوم المسيح لسيره مع الخطاة والعشارين: هل أنت تفعل ذلك لئلا يتأثر بنجاستهم؟ لذلك أخبرني هل أنت تتخيل أنه يشترك أيضًا في ضعفك؟ هل أنت جاهل تمامًا بالأسرار الخاصة به؟ وهي أن الكلمة إذ هو الله صار معنا، أي تجسد لأجلنا، وأن الآب أرسله “ لا ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يو3: 17). لأن مَن يدين، هو الذي يتحاشى صحبة مثل هؤلاء الذين لا زالوا في خطاياهم، أما الذي يريد أن يخلّص فإنه يكون معهم ويحثهم ويؤثر عليهم ليتغيروا من مسالكهم المشينة، وأن يختاروا الطريق المؤدي إلى الحياة الأبدية بدلاً من طريق الشر. إنه لم “ يأتِ ليدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة” (لو5: 32)، وكما قال هو نفسه ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى “. لذلك فلماذا تلومه على محبته للإنسان هكذا وتنتقده على لطفه الإلهي؟ لماذا توبخه على كونه شفوقًا بنا، وشافيًا لمرضنا؟
إن كل إنسان يمدح الأطباء، ليس حينما يتحاشون الاختلاط بالمرضى، بل حينما يكونون معهم دائمًا، وبوسائل فهمهم الخاص يعودون بهم بالتدريج إلى الصحة التامة. وإذا كان يسوع هو طبيب النفوس والأرواح، فلماذا تلومه لتخليصه الخطاة؟ إنه لا يمكن أن يتلوث، حتى لو أكل مع الخطاة، لأن الشمس الساطعة ترسل أشعتها وتدخل إلى كل شيء تحت السماء، ويحدث إذًا أن القاذورات تتعرض لتأثيرها، أما الشمس التي ترسل إشعاعها فهي لا تتلوث بالمرة رغم أنها تسطع على مواد كريهة جدًّا. إن ربنا يسوع المسيح هو شمس البر، ولا يستطيع إنسان شرير مهما كان أن يُلوِّثه حتى لو كان قريبًا بجواره ويأكل معه.
هذا ما نقوله فيما يخص المسيح مخلصنا جميعًا. ولكن مع ذلك ربما يعترض البعض ويقول أليست أيضًا كرازة الإنجيل الجديدة والمخلِّصة توصينا بوضوح أن نبتعد عن الاتصال بالناس غير الطاهرين؟ لأن بولس الحكيم جدًّا كتب أيضًا للبعض “ كتبتُ إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة، إن كان أحد مدعوًا أخًا زانيًا أو سكيرًا أو خاطفًا أو عابد وثن فلا تؤاكلوا مثل هذا” (1كو5: 9، 11). لذلك فقد كان مناسبًا للمسيح أن يكون مثالاً لنا في هذا السلوك. لقد فقدتَ مقياسك الذي تقيس به أيها الأخ المحبوب! وأنتَ ترغب أن تنافس كرامة سيدك العالية، وأنتَ تمسك بما يفوق طبيعتك جدًّا، فلاحظ ضعف ذهنك، فإن المسيح إله أما أنت فإنسان تتسلط عليك اللذات الجسدية وذهنك ينخدع بسهولة للضلال، ويصير فريسة سهلة للخطايا. ومع ذلك فإذا شعرتَ بثقة في قدرتك الشجاعة أن تسير في سلوك بلا لوم، وأيضًا أن تعظ الآخرين، فمع ذلك ليس هناك ما يستطيع أن يمنعك من أن تشتهي أن تكون مع الأشرار ومحبي الخطية، فإن نصائح الرجال الروحانيين كثيرًا ما أفادت أولئك الذين في الخطية. وبالعكس فإن كنتَ أنت نفسك لا تخلص بسهولة حتى حينما تحفظ نفسك بعيدًا من رفقة الشر، فإنك يجب أن تكون حريصًا في هذه الناحية. تذكر كاتب كتاب الأمثال الذي يقول ” المساير الحكماء يصير حكيمًا، ورفيق الجُهال يُضر” (أم13: 20). وأيضًا يقول داود المبارك ” مع الرجل الكامل تكون كاملاً، ومع الطاهر تكون طاهرًا ومع الأعوج تكون ملتويًا” (مز18: 25، 26).
” فلكي تنجو مثل الظبي من الشباك” (انظر أم6: 5س)، وتهرب من الناس الأشرار، فابتعد عن أولئك الذين لا يستطيعون أن يمتنعوا عن النجاسة، وتوسل إلى المسيح أن يطهر أي شيء فاسد فيك، ويعينك في كل ضعفاتك البشرية لأن الكلمة الذي جاء من الله هو إله، رغم أنه صار جسدًا، أي صار إنسانًا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
المعمدان والمسيح – إنجيل لوقا 7 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
أنتم الذين تعطَشون لمعرفة التعاليم الإلهية افتحوا مرة أخرى مخازن عقولكم واشبِعوا أنفسكم بالكلمات المقدسة أو بالحرى لا تستسلموا لأي إحساس بالشبع هنا، لأن النهم في الأمور التي تبني هو صفة جديرة بالاقتناء. دعونا إذًا نقترب من كلمات المخلِّص، ليس بإهمال ولا بدون استعداد لائق، بل بذلك الانتباه وتلك اليقظة التي تناسب أولئك الذين يريدون أن يتعلموا، لأنه بهذا يمكن أن تكون موضوعات التأمل هذه التي يصعب فهمها، تُفهم بطريقة صحيحة. لذلك دعونا نسأل من المسيح أن يعطينا ذلك النور الذي ينزل على العقل والقلب لكي إذ نستطيع بطريقة صائبة أن نفهم قوة ما يُقال فإننا نعجب مرة أخرى بالمهارة الجميلة لعمله، لأنه سُئل بواسطة تلاميذ يوحنا إن كان هو الآتي؟ وحينئذ حينما أجابهم بطريقة مناسبة وأمرهم أن يرجعوا إلى الذي أرسلهم، بدأ يكلم الجموع عن يوحنا قائلاً: “ ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أقصبة تحركها الريح؟” وما هو التعليم الذي نأخذه من هذا؟ أو ما هي الغاية التي تشير إليها كلمات المخلِّص؟ إنه أمر جدير بأن نسأل عنه؟ لذلك دعونا نفتِّش عن معنى ما قيل، دعونا نبحث عنه ككنز، دعونا نفتش عن أسراره، ونثبت ذهننا على عمق السر، دعونا نكون مثل الصيارفة الحريصين، المدققين نمتحن كل شيء”، كما يقول الكتاب (1تس5: 21).
كان هناك البعض يستكبرون بسبب ممارستهم لما يطلبه الناموس مثل الكتبة والفريسيين وآخرين من حزبهم الذين كانوا يُعتبرون بحسب مهنتهم حافظين مدققين للناموس، وكانوا على هذا القياس يطلبون أن تُزيَّن رؤوسهم بالكرامات. وهذا هو السبب في أنهم لم يقبلوا الإيمان بالمسيح ولا أعطوا تكريمًا لطريقة الحياة التي هي بالحق ممدوحة وبلا لوم، تلك الحياة التي تنظمها وصايا الإنجيل. لذلك فكان غرض المسيح مخلِّص الكل أن يُبيِّن لهم أن الكرامات الخاصة بالخدمة الدينية والأخلاقية التي حسب الناموس هي ذات قيمة صغيرة وليست جديرة بالسعي للوصول إليها، أو حتى ربما هي لا شيء بالمرَّة وغير نافعة للبنيان، بينما النعمة التي بواسطة الإيمان به هي عربون البركات الجديرة بالإعجاب، وهي قادرة أن تُزيِّن أولئك الذين يملكونها بمجد لا يقارن.
كثيرون كما قلت كانوا حافظين للناموس ومنتفخين جدًّا لهذا السبب، بل ويصرحون أنهم قد وصلوا إلى كمال ما هو جدير بالمدح بممارستهم بدقة للبر الذي يتكون من ظلال ورموز. لذلك فلكي يبرهن أن أولئك الذين يؤمنون به هم أفضل وأعلى منهم وأن أمجاد تابعي الناموس هي بالتأكيد قليلة جدًّا بالمقارنة بنموذج الحياة الإنجيلية، فإنه يتخذ ذاك الذي هو أفضلهم جميعًا ولكنه مع ذلك مولود من امرأة، وأنا أعني المعمدان المبارك. وإذ قد أكد أنه نبي، أو بالحرى أعلى من درجة الأنبياء وأنه بين أولئك المولودين من النساء ليس هناك من هو أعظم منه في البر، أي البر الذي بالناموس، وهو يُعلِن أن الذي هو أصغر من مقياسه، أي أقل منه في البر الذي بالناموس ـ هو أعظم منه ـ ليس أعظم من البر الذي بالناموس، بل أعظم في ملكوت الله، أي في الإيمان والأمجاد التي تنتج عن الإيمان، لأن الإيمان يُتوِّج أولئك الذين ينالونه بأمجاد تفوق الناموس.
وهذا أنتم تعلمونه وسوف تؤكدون أنتم بأنفسكم، حينما تقابلون كلمات المبارك بولس، لأنه إذ قد أعلن بنفسه أنه حُر من اللوم في البر الذي بالناموس، فإنه أضاف بعد ذلك “ ولكن ما كان لي ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح. وليس لي بري الذي من الناموس، بل الذي بإيمان يسوع المسيح” (في3: 7ـ9). وهو يعتبر الإسرائيليين مستحقين للوم عظيم، ولذلك يقول ” إذ كانوا يجهلون بر الله“، أي الذي بالمسيح “ويطلبون أن يُثبـِتوا بر أنفسهم“، أي الذي بالناموس ” فإنهم لم يُخضعوا لبر الله” (رو10: 3). ” لأن غاية الناموس هى المسيح للبر لكل من يؤمن” (انظر رو10: 4). وأيضًا حينما يتكلم عن هذه الأمور يقول” نحن بالطبيعة يهود ولسنا من الأمم خطاة، إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرَّر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح، آمنا نحن أيضًا بيسوع المسيح لنتبرَّر فيه” (غل2: 15، 16). لذلك فالتبرير بالمسيح أي بالإيمان به، يفوق أمجاد البر بالناموس، لهذا السبب فهو يُبرز المعمدان أمام الجميع كواحد قد وصل إلى أعلى مكانة في البر بالناموس، وهو مستحق لمديح لا يقارن. ومع ذلك فإنه يُحسب كأقل من الذي هو أصغر منه، لأنه يقول “إن الأصغر أعظم منه في ملكوت الله”. ولكن ملكوت الله كما أوضحنا يشير إلى النعمة التي بالإيمان، التي بواسطتها نُحسب مستحقين لكل بركة، ونُحسب أهلاً لامتلاك المواهب الغنية التي تأتي من فوق من الله، لأن النعمة تُحرِّرنا من كل لوم، وتجعلنا أن نكون أبناء الله، وشركاء الروح القدس وورثة الميراث السماوي.
وإذ قلنا هذا كمقدمة، كنوع من التمهيد لذلك لكي نشرح ارتباط الأفكار، تعالوا الآن ودعونا نفحص الكلمات نفسها. وكما سبق أن قلتُ هو يرفع المعمدان الإلهي إلى درجة أعظم ويتوِّج السابق بكرامات فائقة عن قصد. وذلك لكي ما يتعجبوا بالأكثر بالإيمان، الذي يجعل المؤمنين تكون لهم عظمة تفوق الناس البارزين كالمعمدان. وهو يسأل اليهود بعد ذلك قائلاً “ ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أقصبة تحركها الريح؟” والآن هو يقارن القصبة التي هي شيء يهتز ذهابًا وإيابًا بواسطة شدة الريح، يقارنها بالإنسان الذي يعيش في كرامات ولذَّات عالمية، وفي عظمة سيادة زمنية. لأنه بالنسبة لهؤلاء الأشخاص لا يوجد شيء راسخ أو ثابت أو لا يهتز، بل تتغير الأمور دائمًا بطريقة غير متوقعة وبصورة لم يكونوا يفكرون فيها مقدمًا، ” وكل مجد إنسان كزهر عشب، العشب يبس وزهره سقط” (1بط1: 24). ويقول هل تذهبون إذًا إلى البرية لتنظروا إنسانًا مثل القصبة؟ إن المعمدان ليس هكذا، بل هو من نوع مختلف، وهو ليس من أولئك الذين يحيون في ملذات، أو الذين يرتدون ملابس فاخرة، ويُسرون بالكرامة الصبيانية، ونحن لا نرى مثل هؤلاء الأشخاص يسكنون في البرية بل في قصور الملوك. أما لباس المعمدان المبارك فكان من وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه.
فماذا إذًا ذهبتم لتنظروا؟ ربما تقولون نبي، نعم أنا أوافق لأنه قديس ونبي. لا بل هو يفوق كرامة النبي، فهو ليس فقط قد أَعلن مسبقًا أني سآتي، بل أشار إليَّ عن قرب قائلاً “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29). وبالإضافة إلى ذلك فإن صوت النبي شهد عنه أنه “ مُرسل أمامي ليعد الطريق قدامي” (انظر ملا3: 1)، وأنا أشهد له أنه لم يقم بين المولودين من هو أعظم منه، ولكن الأصغر وأعني الأصغر في الحياة حسب الناموس، هو في ملكوت الله أعظم منه. كيف وبأي طريقة؟ بأن يوحنا المبارك هو وكثيرين من الذين سبقوهم مولودون من النساء ولكن الذين نالوا الإيمان لا يعودون يُدعون مواليد النساء، بل كما يقول الإنجيلي الحكيم هم مولودون من الله لأنه يقول: “ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله، أي المؤمنون باسمه، الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله” (يو1: 12، 13). لأننا قد وُلدنا ثانية بالتبني لنكون بنين “ ليس من زرع يفنى بل بكلمة الله الحي الباقي إلى الأبد” كما يقول الكتاب (1بط1: 23)، فأولئك الذين ليسوا من زرع يفنى، بل بالعكس قد وُلدوا من الله هم أعظم من أي واحد مولود من امرأة.
فتوجد ناحية أخرى أيضًا يتفوَّقون فيها على أولئك المولودين من النساء، لأن هؤلاء لهم آباء أرضيين، أما نحن فلنا ذاك الذي هو فوق في السماء. لأننا قد نلنا هذا أيضًا من المسيح، الذي يدعونا إلى تبني البنين والأخوَّة معه، لأنه قد قال “ لا تدْعوا لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السموات وأنتم جميعًا إخوة” (مت23: 8، 9)، وبولس الحكيم جدًّا يعطينا تأكيدًا لهذا إذ يكتب هكذا “ ثم بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبّا الآب” (غل4: 6). لأنه حينما قام المسيح وأباد الجحيم فحينئذ أعطي روح التبني لأولئك الذين آمنوا به، وأول الكل أعطى للتلاميذ القديسين. لأنه نفخ فيهم وقال “ اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكَت” (يو20: 22). ولأنهم صاروا شركاء الطبيعة الإلهية بسبب أنهم توشحوا بغنى بروح السيادة الضابط الكل، لذلك أعطاهم أيضًا قوة إلهية لغفران خطايا البعض وإمساك خطايا آخرين.
ويوضِّح الإنجيلي الحكيم جدًّا يوحنا أنه لم يكن هناك روح تبني قبل قيامة المسيح من الأموات وصعوده إلى السماء حيث يقول “ لأن الروح لم يكن قد أُعطيَ بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد” (يو7: 39). وكيف يمكن أن يكون الروح غير مساوٍ في الأزلية للآب والابن؟ فمتى لم يكن هو الذي قَبْل الكل؟ لأنه مساوٍ في الجوهر للآب والابن. ولكنه يقول ” لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد“، أي لم يكن قد قام من الأموات وصعد إلى السموات. لذلك فروح التبني لم يكن موجودًا في الناس بعد. ولكن حينما صعد كلمة الله الوحيد إلى السماء أرسل المعزي من فوق بدلاً عنه، والذي هو فينا بواسطته (بواسطة المسيح)، وهذا هو ما علَّمنا إياه قائلاً هكذا ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزي، ولكن أن ذهبتُ سوف أرسله إليكم” (يو16: 7). لذلك حتى لو كنا أقل من أولئك الذين قد تمَّموا البر الذي بالناموس، وأنا أعني أقل في بر الحياة، إلا أننا نحن الذين نلنا الإيمان بالمسيح قد تزوَّدنا بامتيازات أعظم، وينبغي أن نضع في أذهاننا أنه رغم أن المعمدان المبارك كان عظيمًا هكذا في الفضيلة، إلا أنه اعترف بوضوح أنه محتاج للمعمودية المقدسة، لأنه قال في موضع ما متحدثًا إلى المسيح مخلصنا جميعًا: “ أنا احتاج أن أعتمد منك” (مت3: 14)، ولكنه لو كان غير محتاج للمعمودية المقدسة ما كان قد طلب أن تُمنح له، لو لم يكن فيها أمر أعظم وأفضل من البر الذي بالناموس.
لذلك فالمسيح لا يجادل ضد كرامات القديسين وليس هدفه أن يقلل أو أن يصغِّر من قيمة أولئك الرجال القديسين الذين قد وصلوا سابقًا إلى النصرة، بل كما قلت إنه بالحري يُـبرهِن أن طريقة الحياة الإنجيلية هي أعلى من العبادة الناموسية، وأن يتوِّج الإيمان بكرامات فائقة، وذلك لكي ما نؤمن به جميعًا. لأننا هكذا ندخل بواسطته ومعه إلى ملكوت السموات، والذي به ومعه لله الآب كل تسبيح مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
الأصغر في ملكوت الله – إنجيل لوقا 7 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
في هذه الفرصة أيضًا، فإن الكلمة التي ستوجَّه إليكم والبحث في التعاليم المقدسة لا يمكن إلاَّ أن يكونا بكل تأكيد لمنفعتكم. تعالوا إذًا لكي نشترك مع الملائكة القديسين في تسبيح مخلِّص الكل، لأنه يُعبد كما في السماء، كذلك أيضًا على الأرض، وله “ ستجثو كل ركبة” (في2: 10) كما هو مكتوب. لذلك فليكن معروفًا للناس في كل مكان أن الرب هو الله، وحتى رغم أنه ظهر في هيئة مماثلة لنا، إلا أنه قد أعطانا الإشارات التي تدل على قوته الإلهية وجلاله في مناسبات كثيرة وبطرق متعددة، وذلك بشفائه للأمراض وطرده للأرواح النجسة، وبمنحه البصر للعميان، وأخيرًا حتى بطرده الموت نفسه من أجساد البشر، والموت الذي تسلط بقسوة وبدون رحمة من آدم إلى موسى حسب تعبير بولس الإلهي (رو5: 14).
قام ابن الأرملة في نايين بطريقة عجيبة وغير متوقعة، والمعجزة صارت معروفة لكل واحد في اليهودية كلها وانتشرت في كل مكان كآية إلهية، وكان الإعجاب به (أي يسوع) على كل لسان، وبعض من أصدقائه الحميمين، أي تلاميذه أخبروا بها أيضًا المعمدان المبارك، فاختار المعمدان اثنين من تلاميذه وأرسلهما إلى يسوع ليسألاه إن كان هو الآتي أم ينبغي أن ينتظروا غيره. ماذا فعلتَ أيها المعمدان الرائع! ألا تعرف ذلك الذي كرزتَ عنه إذ كنتَ أنت نفسك سابقًا لظهوره، كما تَسبق نجمة الصبح وتُعلن عن الشمس الآتية؟ لقد ذهبتَ أمامه مثل مصباح. وأنت أشرتَ للرسل القديسين عنه قائلاً بكل وضوح ” هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29)، وفي موضع آخر أيضًا نسمعك تقول لجموع اليهود: ” يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي، وأنا لم أكن أعرفه، ولكن الذي أرسلني لأعمد ذاك قال لي الذي ترى الروح القدس نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس. وأنا قد رأيتُ وشهدتُ أن هذا هو ابن الله” (يو1: 30؛ 33، 34)، فكيف إذًا تسأل إن كان هو الآتي؟ إذ أنك أنت قد قلت ” أنا رأيتُ وشهدتُ أنه ابن الله“، ولكن المعمدان المبارك لم يفشل في أن يعرف كلمة الله الذي صار إنسانًا. لا تتصوروا هذا، فقد كان مقتنعًا تمامًا وبكل وضوح أنه هو الآتي، ولكن ما فعله كان أمرًا حكيمًا ومخططًا تخطيطًا جيدًا ومناسبًا بدرجة كبيرة لمنفعة تلاميذه، فلأن تلاميذ يوحنا لم يكونوا قد عرفوا المسيح بعد، إذ أن مجده وجلاله الفائق كان مخفيًّا عنهم، قد صُدموا عندما رأوه يصنع المعجزات ويتفوَّق على المعمدان في عظمة الأعمال التي يقوم بها، فإنهم في إحدى المرات اقتربوا من يوحنا المعمدان وهم يحملون حسدًا وغيظًا في قلوبهم، وكان قلبهم لا يزال يحتاج أن يتحرر من الأمراض اليهودية، وقالوا للمعمدان المبارك عن المسيح مخلِّص الكل: ” يا معلم هوذا الذي كان معك في عبر الأردن الذي أنت قد شهدتَ له، هو يعمد والجميع يأتون إليه” (يو3: 26)، لأنهم لم يكونوا يريدون لأحد آخر أن يُعمِّد بالمرة ويعلو على كرامة يوحنا المعمدان. ومع ذلك فقد عرفوا من يوحنا عن علو مجد المسيح وعظمة بهائه التي لا تقارن لأنه سمعوه يجيبهم هكذا: “ أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لستُ أنا المسيح، بل إني مرسَل أمامه، مَن له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحًا مِن أجل صوت العريس. إذًا فرحي هذا قد كمل، ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص” (يو3: 28ـ30).
ومع ذلك فنحن لا نقول إن المعمدان المبارك نقص في الكرامة في الوقت الذي كان فيه مجد المسيح يزداد باستمرار من قِبل أولئك الذين آمنوا به… ولكن المعمدان المبارك استمر محصورًا في حدود الطبيعة البشرية، لأنه لم يكن ممكنًا له أن يتقدم أكثر من هذه الحدود. أما الكلمة المتجسد إذ هو بطبيعته الله ومولود من الله الآب بطريقة تفوق الفهم، فإنه كان يزداد[1] باستمرار إلى مستوى المجد اللائق به، وكان الناس يتعجبون منه. ولهذا السبب قيل “ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص”، لأن مَن يظل في نفس حالته يبدو كأنه ينقص بالمقارنة بذلك الذي يتقدم في المجد باستمرار. ولأنه كان من الصواب أن الذي كان بالطبيعة الله ينبغي أن يتفوَّق في القدرة والمجد على كل ما هو بشري، لذلك شرح لهم المعمدان قائلاً: ” الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، والذي من الأرض هو أرضي، ومن الأرض يتكلم” (يو3: 31). فمَن هو الذي يأتي من فوق وهو فوق الجميع لأنه هو الله؟ واضح أن المقصود هو كلمة الآب الوحيد الذي كان مماثلاً له ومساويًا له، ولكنه بسبب محبته للعالم وضع نفسه ونزل إلى حالتنا. لذلك إذ هو هكذا فينبغي أن يتفوَّق بالضرورة على ذلك الذي من الأرض والذي هو معدود كواحد من بين الأشياء التي من الأرض، وهو مثلنا في الطبيعة. هكذا كان المعمدان، فإنه كان مستحقًا للمديح في فضيلته، وعظيمًا جدًّا في تقواه، وقد وصل إلى كمال كل بر، وكان مكرمًا وجديرًا بالإعجاب، ولأن الرب شهد له قائلاً “ لم يقُم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11)، ولكنه لم يكن من فوق، وأنا أعني أنه ليس من الجوهر الذي يفوق الكل، بل بالحرى كان من أسفل. مولود من الأرض كواحد منَّا.
والآن لكي نعود من هذا الاستطراد نقول لأن قلبهم لم يكن حُرًّا من الأمراض اليهودية، فإنهم يخبرون المعمدان المبارك عن المعجزات الإلهية التي صنعها المخلص. وهو إذ كان يعرف مَن هو ذلك الذي فعل هذه المعجزات، وأنه ممجد بالحق في ذاته، وأن مجد المخلص ينتشر في كل مكان، ولأنه يريد أن ينشئ إيمانًا راسخًا به في قلوب أولئك الذين لا يزالون يعرجون ولم يكونوا مقتنعين بعد أنه المسيح، لذلك فإنه يتخذ مظهر الجهل ويرسل إليه تلاميذه ليسأله قائلاً “أنت هو الآتي أم ننتظر آخر”.
ولكن ربما يقول البعض إن هناك أناسًا يفكرون أننا ينبغي أن نفهم شيئًا من هذا النوع كما يأتي: إن المعمدان كان مزمعًا أن يموت بواسطة هيرودس قبل أن يتم صلب المسيح، وكان سيسبق المسيح في موته كسابق ويصل قبله إلى الهاوية، لذلك فهو يسأل إن كان سيأتي هناك أيضًا لكي يفدي الذين في الظلمة، في ظل الموت والمربوطين برباطاته، ولكن هذا الرأي ينبغي أن يُرفض تمامًا لأننا لا نجد في أي مكان في الكتاب الموحى به من الله أن المعمدان الإلهي بشَّر مقدمًا بمجيء المخلِّص للأرواح التي في الهاوية، كما أننا يمكن أن نقول بحق، إنه كما عرف المعمدان مرة واحدة تأثير تدبير تجسد الابن الوحيد، فإنه يكون قد عرف أيضًا بالإضافة لأشياء أخرى، أنه سوف يفدي أولئك الذين في الهاوية. وسوف يضئ عليهم إذ أنه “يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد” (عب2: 9) كما يقول بولس، حتى إنه ” يسود على الأحياء والأموات” (رو14: 9).
فماذا يريد أن يُفهم بسؤاله: ” أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟” لقد قلت، إنه يتخذ الجهل عن قصد، ليس لكي يتعلم هو، إذ أنه كسابق كان قد عرف السر، وإنما لكي يقتنع تلاميذه بمقدار عظمة المخلِّص ورفعته، وأنه كما أعلن الكتاب الموحى به قبل ذلك، هو الله وأنه هو الرب الذي كان مزمعًا أن يأتي. أما كل الباقين فكانوا عبيدًا أُرسَلوا قبل مجيء سيدهم كسابقين لذلك الذي هو فوق الكل، ومُعِدِّين طريق الرب كما هو مكتوب. لذلك فالأنبياء القديسون، يدعون المخلِّص ورب الكل بلقب “الآتي”. لأن داود النبي يقول في أحد المزامير “مبارك الآتي باسم الرب” (مز118: 26)، وماذا يعني تعبير “باسم الرب؟” إنه يعني بمجد إلهي، وبربوبية، وبكل جلال فائق، وهذا أيضًا أوضحه مرة أخرى في الآية التي تليها إذ يقول: “ الرب هو الله وقد أنار لنا” (مز118: 27). لأن موسى قد جاء، وظهر في وقته وبواسطته أُعطِىَ الناموس للإسرائيليين، وبعده جاء يشوع بن نون الذي قاد الشعب، وبعد ذلك جاء الأنبياء المباركون على التوالي. لقد كانوا بالحقيقة أناسًا قديسين ومكرمين جدًّا، وكانوا مشحونين ومُزوَّدين ببهاء روحي فائق، ولكن ولا واحد فيهم أنار على سكان الأرض باسم الرب، بالمجد الذي هو خاص باللاهوت والسيادة الإلهية، أما كلمة الله الوحيد فقد أنار علينا لكونه في طبيعته وبالحقيقة الله الرب. وهكذا أسماه الآب بواسطة حبقوق النبي قائلاً: “ بعد قليل سيأتي الآتي ولا يبطئ” (حب2: 3س)، وأيضًا بواسطة نبي آخر يتكلم كلمة الله الوحيد قائلاً: “ ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني هأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب. وتحتمي أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم،وأنا أكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا” (زك2: 10، 11س). ويمكن أن نرى من الحقائق الفعلية أن هذا قد تم فعلاً لأن جماهير من الأمم قد أُمسِكتْ في الشبكة، والمسيح صار إلههم وهم صاروا له شعبًا.
فالمعمدان الإلهي إذ قد عرف من الكتاب الموحي به اسم “الآتي” فإنه أرسل بعض أصدقائه ليسأل: إن كان هو الآتي؟ والمسيح إذ بالطبيعة وبالحق هو الله لم يخفَ عنه غرض يوحنا المعمدان، وإذ عرف سبب مجيء تلاميذ يوحنا فإنه بدأ في ذلك الوقت خاصة يعمل معجزات إلهية أكثر بكثير مما كان قد فعلها قبل ذلك. فهكذا أخبرنا الإنجيل الحكيم قائلاً ” وفي تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة ووهب البصر لعميان كثيرين“. وإذ قد صاروا مشاهدين وشهود لعظمته، فقد صار لهم إعجاب عظيم بقوته وإمكانياته. وعندئذ قدموا السؤال متوسلين باسم يوحنا بأن يرد عليهم إن كان هو الآتي. وهنا أرجو أن تلاحظوا الطريقة الجميلة في معاملة المخلص. لأنه لا يقول ببساطة أنا هو، رغم أنه لو قال هذا لكان صحيحًا، ولكنه بالحرى يقودهم إلى البرهان المعطى عن طريق الأعمال نفسها حتى إذا قبلوا الإيمان به على أساس جيد، ويكونون قد تزوَّدوا بالمعرفة مما قد حدث أمامهم، فإنهم يمكن أن يرجعوا إلى ذلك الذي أرسلهم، إذ قال لهم الرب اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما. لأنكم قد سمعتم حقًّا أني قد أقمتُ الموتى بكلمة مملوءة قوة وبلمسة اليد، كما أنكم رأيتم أيضًا وأنتم واقفون أن تلك الأشياء التي تكلم عنها الأنبياء القديسون منذ القديم تتحقق: “ فالعمى يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون، والموتى يقومون والمساكين يبشرون“.
كل هذه الأشياء قد سبق الأنبياء المباركين وأعلنوها لكي تتم في حينها على يدي. فإن كنتُ أُتمِّم تلك الأشياء التي سبق التنبؤ بها منذ زمن طويل، وأنتم أنفسكم شهود لهذه الأشياء التي تحدث، فارجعوا وأخبروا بتلك الأشياء التي رأيتموها بأعينكم تتحقق بقوتي وقدرتي والتي سبق الأنبياء المباركين وأخبروا بها في أوقات مختلفة. ثم بعد ذلك أضاف بالضرورة قائلاً ” وطوبى لمن لا يعثر في” لأن اليهود قد عثروا، إما بسبب أنهم لم يعرفوا عمق السر أو بسبب أنهم لم يسعوا أن يعرفوا. فرغم أن الكتاب الموحي به سبق أن أعلن في مواضع كثيرة أن كلمة الله سينزل نفسه إلى الإخلاء وسوف يُرَى على الأرض مشيرًا بوضوح إلى الوقت الذي صار فيه مثلنا وهو يبرر بالإيمان كل ما هو تحت السماء، ومع ذلك فإنهم عثروا فيه “ واصطدموا بصخرة العثرة، وسقطوا وسُحقوا تمامًا” (إش8: 14). فرغم أنهم يرونه بوضوح متوشحًا بكرامة لا يُعبَّر عنها ومجد يفوق الوصف بواسطة الأعمال العجيبة التي عملها، فإنهم ألقوا حجارة عليه وقالوا: “لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا”؟ وجوابًا على هذه الأمور وبَّخ المسيح ضعف ذهنهم الشديد وقال: “ إن كنتُ لستُ أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي، ولكن إن كنتُ أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال” (يو10: 37، 38). لذلك فطوبى لمن لا يعثر في المسيح، أي طوبى لمن يؤمن به.
وما هي الفائدة التي ننالها من هذا وبأية طريقة تنفع بالوصول إلى الإيمان به؟ كل واحد يعرف بلا شك ولكن هذا لا يمنع أن نُعدِّد بعض الأمور. فأولاً نحن بالحقيقة نحصل على نور معرفة الله الحقيقية. ثم بعد ذلك حينما نغتسل من أوساخ الخطية بواسطة المعمودية المقدسة، وإذ نتطهر لكي نخدمه بطهارة، فإننا نصير أيضًا شركاء طبيعته الإلهية، ونربحه ليسكن في داخلنا بالحصول على شركة الروح القدس. وأيضًا نصير أبناء الله، ونكتسب لأنفسنا الأخوَّة مع ذلك الذي هو الابن بالطبيعة وبالحق. وبالإضافة إلى هذه الأشياء فإننا نتمجد ونرتفع إلى ميراث القديسين، ونسكُن في غبطة بالتمتع بتلك البركات التي تُمنح لأولئك الذين يحبونه، والتي يعلن بولس الإلهي أنها تفوق الفهم والوصف بقوله: “ ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو2: 9)، ونحن نُحسب أيضًا مستحقين لتلك الأمور بنعمة ومحبة ذاك الذي يعطي لكل واحد كل الأشياء بسخاء. وأعني به المسيح الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور.
[1] أى يزداد في التفاف الناس حوله وإعجابهم به وهو في الجسد وهذا ليس ازديادًا للاهوت، فاللاهوت لا يزيد ولا ينقص (المعرب).
أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ – إنجيل لوقا 7 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
لاحظوا كيف يضيف معجزة إلى معجزة، ففي المعجزة السابقة، وهي شفاء عبد قائد المئة حضر هناك بناء على دعوة، أما في هذه المعجزة فإنه يقترب بدون أن يُدعى، إذ لم يدعوه أحد أن يعيد الإنسان الميت إلى الحياة، بل هو يأتي ليفعل هذا من تلقاء نفسه. ويبدو لي أنه قصد أن يصنع هذه المعجزة بعد المعجزة السابقة، لأنه ليس أمرًا بعيد الاحتمال أن نفترض أنه في وقت أو آخر يمكن أن يقول أحد معارضًا مجد المخلص هكذا: “أية أعجوبة حدثت في حالة عبد قائد المئة؟ فرغم أنه كان مريضًا فهو لم يكن في خطر الموت رغم أن الإنجيلي كتب ذلك مُشكِّلاً على أساس ما يرضي وليس على أساس ما هو حقيقي”. لذلك فلكي يوقف اللسان الرديء لمثل هؤلاء المهاجمين يقول الإنجيل إن المسيح قابل الشاب الميت الابن الوحيد للأرملة. إنها كارثة مثيرة للشفقة، وتستطيع أن تثير الرثاء وتجعل دموع الإنسان تفيض. فكانت المرأة ومعها كثيرون، تتبع الميت مذهولة بمحنتها وخائرة.
كان الإنسان الميت في طريقه للدفن وكان أصدقاء كثيرون يُشيِّعونه إلى قبره، ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة وأعنى المسيح نفسه، لأنه هو محطِّم الموت والفساد، هو الذي ” به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع17: 28). هو الذي أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً. فهو الذي حرَّر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. لقد تحنن على المرأة، ولكي يوقف دموعها أمر قائلاً “لا تبكي”، وفي الحال أبطل سبب بكائها. كيف وبأية وسيلة؟ إنه لمس النعش وبواسطة نُطق كلمته الإلهية جعل الذي يرقد ميتًا في النعش يعود إلى الحياة، لأنه قال: ” أيها الشاب لك أقول قم“، وفي الحال حدث ما أمر به. فان تحقيق ما حدث كان ينتظر كلماته. ويقول الإنجيل “ فجلس الميت وبدأ يتكلم فدفعه إلى أمه“.
أرجو أن تلاحظوا هنا أيضًا دقة التعبير لأن الإنجيل الإلهي لا يقول فقط إن الإنسان الميت جلس لئلا يهاجم أحد المعجزة بمناقشات زائفة بقوله: ” أي أعجوبة هنا إن كان بواسطة حيلة بارعة أو أخرى يجعل الجسد يجلس لأنه لم يتبرهن بعد أنه حي أو تحرر من رباطات الموت “. لهذا السبب فالإنجيل يُسجِّل بمهارة برهانَين واحدًا بعد الآخر كافيَين للإقناع أن الشاب قام بالحقيقة وعاد للحياة فيقول: “فبدأ يتكلم”، والجسد الغير حي لا يستطيع الكلام، وأيضًا، “دفعه إلى أمه”. وبالتأكيد فإن المرأة لم تكن لتأخذ ابنها إلى بيتها لو كان ميتًا.
لذلك فأولئك الأشخاص الذين أعيدوا إلى الحياة بقوة المسيح نتخذهم كعربون للرجاء المعد لنا بقيامة الأموات، وهؤلاء كانوا هم: هذا الشاب ابن الأرملة، ولعازر الذي من بيت عنيا، وابنة رئيس المجمع. وهذه الحقيقة سبق أن بشَّر بها جماعة الأنبياء القديسين، لأن إشعياء المبارك يقول” الموتى سيقومون، وأولئك الذين في القبور سيعودون إلى الحياة، لأن الطل الذي منك يشفيهم” (إش26: 19س)، لأنه يقصد بالطل فاعليَّة المسيح المعطيَة للحياة، التي هي بواسطة الروح القدس. والمرنم يشهد متكلمًا بخصوصهم بكلمات موجَّهة إلى الله مخلِّصنا جميعًا قائلاً: ” تحجب وجهك فترتاع…. وإلى ترابها تعود، تُرسل روحك فتخلق، وتُجدد وجه الأرض” (مز104: 29، 30). لأنه بمعصية آدم صارت وجوهنا محجوبة عن الله وصرنا نعود إلى التراب. لأن قصاص الله على الطبيعة البشرية هو “ لأنك تراب وإلى التراب تعود” (تك3: 19)، ولكن في نهاية هذا العالم فإن وجه الأرض سيتجدد لأن الله الآب بالابن في الروح سوف يعطي حياة لكل أولئك الراقدين في داخلها.
إن الموت هو الذي أتى بالناس إلى الشيخوخة والاضمحلال، لذلك فالموت كما لو كان قد صيَّرنا شيوخًا وجعلنا نضمحل، لأن “ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال” كما يقول الكتاب (عب8: 13). ولكن المسيح يُجدد لأنه هو الحياة. فإن ذاك الذي خلق في البداية يستطيع أيضًا أن يُجدد إلى عدم الفساد والحياة، لأنه يمكن أن نؤكد أن هذا هو عمل نفس الطاقة والقوة أن يفعل الأمرين الواحد والآخر (أي الخلق والتجديد)، لذلك فكما يقول إشعياء النبي ” ابتلع الموت إذ هو مقتدر“، وأيضًا ” الرب يمسح كل الدموع عن كل الوجوه. هو ينزع عار الشعب عن كل الأرض” (إش25: 8س). ويقصد بعار الشعب الخطية التي تلحق الخزي بالناس وتفسدهم، والتي ستُباد هي والهلاك، وسيتلاشى الحزن والموت وتكف الدموع التي تُذرف بسببه.
لذلك لا تكونوا غير مصدقين لإقامة الموتى، لأنه منذ زمن بعيد تمَّم المسيح هذا في وسطنا بجلال إلهي، ولا تدعوا أحدًا يقول إن من أقام اثنين مثلاً أو ثلاثة لا يكون كافيًا أيضًا لحياتنا جميعًا. مثل هذه الكلمات التي تفوح منها رائحة الجهل المطلق هي كلمات سخيفة مضحكة، بل هو صواب بالحري أن نفهم أن المسيح هو الحياة ومعطي الحياة بالطبيعة، وكيف يمكن أن تكون الحياة بالطبيعة غير كافية لجعل الجميع أحياء. إنه يكون نفس الشيء أن يقال بغباوة شديدة، إن النور أيضًا يكفي فقط لإضاءة أشياء صغيرة وليس لإضاءة الكون كله.
لذلك فهو أقام ذاك الذي كان ذاهبًا إلى قبره، وطريقة إقامته كانت واضحة لأن الإنجيلي يقول ” لمس النعش وقال: أيها الشاب لك أقول قم“. ومع ذلك فكيف لم تكن كلمة منه كافية لإقامة الشاب الذي كان راقدًا في النعش، لأن أي شيء يكون صعبًا أو يعسر تحقيقه أمام كلمته؟ فهل يوجد أعظم من كلمة الله؟ فلماذا إذًا لم يُتمم المعجزة بكلمة فقط؟ يا أحبائي الله فعل هذا لكي تعرفوا أن جسد المسيح المقدس فيه فاعلية وقوة لخلاص الإنسان، لأنَّ جسد الكلمة القدير هو جسد الحياة، وقد اكتسى بقدرته. بل لاحظوا كيف أن الحديد حينما يدخل في النار ينتج تأثيرات النار ويحقق وظائفها. هكذا أيضًا لأن الجسد صار جسد الكلمة الذي يعطي الحياة للكل، لذلك صار له أيضًا قوة إعطاء الحياة، وهو يلاشى تأثير الموت والاضمحلال.
ليت ربنا يسوع المسيح يلمسنا أيضًا، وهو إذ يخلِّصنا من الأعمال الشريرة ومن الشهوات الجسدية فإنه يُوَحِّدنا مع جماعات القديسين، لأنه هو معطي كل صلاح، الذي به وله مع الله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
إقامة ابن أرملة نايين – إنجيل لوقا 7 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
إن الإنجيلي الحكيم يملأ عقولنا بدروس مقدسة ويسعى أن يلقى ضوءًا كثيرًا على ما يثبِّت إيماننا، فإن هذا هو موضوع أخباره التي يبشرنا بها بخصوص المسيح، ولذلك فإنه بطريقة مناسبة جدًّا نراه في إحدى المرات يقدِّم المسيح وهو يعلِّم الرسل القديسين أمورًا أعلى من الخدمة التي يفرضها الناموس، ويوضح لهم طريقًا جديدًا عن التصرف الذي يليق بالقديسين والذي لم يسلكه القدماء. وفي مرة أخرى يعرض لنا بطريقة جميلة جدًّا إظهار قوته الإلهية لكي يعرف بكل طريقة أن كلمة الآب الوحيد هو الله نفسه رغم أنه صار جسدًا، أي صار إنسانًا ويحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (انظر عب1: 3)، ويتبرهن لنا ذلك من فحص ما هو مكتوب عنه.
وحينما أشبع الرسل القديسين بالتعاليم الكاملة جدًّا، ووضع أمامهم مائدة من الوصايا الإنجيلية ومزج لهم الخمر التي تفرح قلب الإنسان، وأخبرهم بوضوح تام عن الوسائل التي ينتصرون بها ويصيرون مستحقين للمديح، فإنه بعد ذلك ينحدر إلى كفر ناحوم وهناك أيضًا يعمل عملاً عظيمًا وعجيبًا، جديرًا بعظمة جلاله. هناك تحرك مسرح مجيد باندهاش عظيم، وكان المتفرجون فيه هم الملائكة والناس. لأن بينما إسرائيل ينال توبيخًا وهو لا يفهم كما أنه غير مستعد للإيمان نجد جمع الوثنيين مستعدًّا عمومًا للفهم والإيمان حتى أننا نرى المسيح يرفض بعدل عبده إسرائيل بينما هو يَقبل ويُكرم ويُكلل بنعمته أولئك الذين منذ القديم عبدوا المخلوق دون الخالق، والذين كانوا في الكآبة والظلمة وليست لهم معرفة الله، وأحنوا رقبة ذهنهم المستعبد إلى شر الشياطين.
إذًا فما هو الذي حدث، أو ماذا كانت المعجزة؟ كان هناك رجل تقي متميز بسمو سلوكه، وكان قائدًا لمائة من الجنود، وكان ساكنًا في وسط شعب كفر ناحوم وكان له عبد مخلص قد سقط مريضًا، وكما لو كان قد وصل إلى أبواب الموت وكل المظاهر تُبين أنه كان الآن قُرب النَفَس الأخير، وكان هذا العبد عزيزًا عنده، حتى أنه حزن حزنًا شديدًا. فأي علاج إذًا يمكن أن يجده لِما حدث، أو أية مساعدة يستطيع أن يحصل عليها لذاك الذي يرقد مريضًا؟ يقول الإنجيل: إنه سمع عن أمور يسوع، وهكذا يُرسل إليه ويطلب منه كمن يطلب من الله أمورًا تفوق طبيعة الإنسان وقدرته لأنه يطلب أن ذلك العبد الملقى مطروحًا في المرحلة الأخيرة من المرض، ينقذ من رباطات الموت. ومن أين إذًا عرف يسوع، وهو لم يكن بعد في عداد الذين آمنوا به؟ لأنه حتى ذلك الوقت كان واحدًا من الجماهير التي تسير في الضلال. ويقول الإنجيل إنه سمع الأمور الخاصة بيسوع، وحيث إنه بالتأكيد لم يسمع تعليمه الشخصي بالمرة ولا عرف كتابات موسى، ولا بحث في الكتب الإلهية، فإنه يمكن أن يكون قد وصل إلى الإيمان به فقط من مجرد سماعه ما يُشاع عنه، ولكنه إذ كان متيقنًا تمامًا أنه بمجرد فعل إرادته يستطيع أن يُتمِّم ما سأله منه فإنه يرسل مندوبين عنه من شيوخ اليهود.
وعند وصولهم إلى يسوع قدموا له طلبهم قائلين ” إنه مستحق أن يُفعل له هذا” يا لهذا الأمر العجيب! فإن أولئك الذين يشتمون مجد المسيح يسألونه أن يصنع آية! أولئك الذين رفضوا أن يؤمنوا به يسألونه أن يعرض أمام الناس الذين لم يؤمنوا بعد، يعرض أمامهم أعمالاً تقود إلى الإيمان. أخبرني بأي صفة تقترب بطلبك، هل أنت تعرف وتؤمن أنه يستطيع أن يعمل أشياء هي خاصة بالله؟ هل أنت مقتنع تمامًا أنه أمر يخص الجوهر الفائق، الذي هو فوق الكل (الله) أنه يستطيع أن يُحيي، وأن يخلِّص الناس من فخاخ الموت؟ إن كان كذلك فكيف تقول حينما ترى يسوع يصنع المعجزات “هذا الإنسان يخرج الشياطين ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24)، وحينما شفى ذلك الرجل الأعمى من بطن أمه بأعجوبة وحصل على النور قلتم له: ” أعط مجدًّا لله، نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ” (يو9: 24) فهل أنت إذًا تسأل هذا الخاطئ كما تُسميه أن يعمل عملاً إلهيًّا؟ أليس هذا جنونًا وغباوة تامة؟ ألا يكون أولئك الذين لم يكونوا قد آمنوا حتى الآن أفضل من أولئك الذين قد تعلموا من الناموس والأنبياء؟
أتريد أن ترى الحقيقة وأن هذا هو واقع الحال فعلاً، لاحظ ما يأتي: بَدَأ المخلِّص الآن يسير في طريقه إلى العبد المريض لكي يشفيه، ولكن قائد المئة أرسل إليه يقول: ” لا تتعب نفسك، بل قد كلمة فيبرأ غلامي“. لاحظوا إذًا أن شيوخ اليهود هؤلاء توسلوا إلى يسوع أن يذهب إلى بيت الذي طلب مساعدته، على اعتبار أنه لا يوجد طريقة أخرى لإقامة الذي كان مريضًا إلا بالذهاب إلى جواره، بينما الآخر، أي قائد المئة آمن أنه يستطيع أن يفعل ذلك حتى من مسافة بعيدة، وأن يُتمم الشفاء لمجرد ميل إرادته، إنه طلب الكلمة المخلِّصة والموافقة الحبيَّة والنطق الكلي القدرة، ولذلك فبعدل نال عبارة فائقة الجدارة، لأن يسوع قال: ” الحق أقول لكم إني لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا عظيمًا كهذا“. إذًا فالبرهان والتوضيح يأتي في الحال مما قد قلناه الآن، وشفى في نفس تلك الساعة ذلك الذي كان قبل قليل فريسة للموت، لأن الذي أراد إبطال ما كان حادثًا هو الله.
وكما قلت في بداية هذا الحديث فإن إسرائيل سقط من علاقته مع الله، وبدلاً منه دعا الله الأمم وأُدخِلوا، لأن لهم قلب أكثر استعدادًا للإيمان به، وهو الأمر المطلوب عن حق. وعن هذا يشهد المرنِّم الإلهي أيضًا حيث يقول عنه مرة: “ تميل أُذنك بسبب استعداد قلبهم” (مز9: 17س). وفي موضع آخر يقول ” كثُرت أمراضهم وبعد ذلك مضوا بسرعة” (مز15: 4س)، لأن كثيرة هي الخطايا المنسوبة لهم، والتي يعطيها بلطف اسم أمراض، لأنهم كانوا تائهين في الضلال ومذنبين بجرائم رديئة ليس بطريقة واحدة بل بطرق كثيرة، ولكنهم مضوا بسرعة إلى الإيمان، أي لم يكونوا مبطئين في قبول أوامر المسيح، بل بكل استعداد قبلوا الإيمان، ولذلك أُمسِكوا في شبكة المسيح. هو يعلمهم حيث يقول بواسطة أحد الأنبياء القديسين ” لأجل هذا انتظروني يقول الرب إلى يوم أقوم لأشهد، لأن حُكمي هو لجماعات الأمم” (صف3: 8س)، لأنه حينما قام المسيح من الموت، منح لأولئك الذين كانوا في الضلال ذلك الأمر الذي هو لأجل سعادتهم وخلاصهم، فقد أمر الرسل القديسين قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” (مت28: 19).
لذلك فبالقرار المقدس والحكيم العادل لمخلصنا جميعًا المسيح، أكرم الأمم، ولكننا نرى إسرائيل مرفوضًا من محبته وعطفه، لأن ما هو الذي يقوله رئيس رعاة الجميع لهم بواسطة أحد الأنبياء القديسين؟ ” قد أعلنتُ يقول الرب أني لا أرعاكم، من يمُت فليمُت، ومن يضعف فليضعف والبقية فليأكل بعضها لحم بعض” (زك11: 9)، وأيضًا ” الله قد رفضهم لأنهم لم يسمعوا له فيكونون تائهين بين الأمم” (هو9: 17)، وأيضًا بصوت حزقيال النبي “هكذا يقول الرب: إني سأُبددهم بين الأمم وأُذريهم في الأراضي كلها” (حز12: 15)، وخذوا النتيجة الواقعية للأمور لإقناعكم وللإيمان بما هو مكتوب هنا، لأنهم متشردون وغرباء في كل أرض ومدينة، وهم لا يحفظون العبادة المرسومة من الناموس في نقاوتها ولا يخضعون ليقبلوا مجد وسمو الحياة الإنجيلية، بينما نحن الذين قد قبلنا الإيمان فإننا مواطنون مع القديسين ونُدعى أبناء أورشليم العليا في السماء، بنعمة الله التي تُكللنا، ونحن نؤكد أنه هو (المسيح) تكميل الناموس والأنبياء، ونعترف بمجده ونعجب به في صنعه للمعجزات، الذي به وله مع الله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
شفاء عبد قائد المئة – إنجيل لوقا 7 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
يوجد ” رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة” فهكذا يكتب بولس الحكيم (أف4: 5)، لأن اسم الربوبية وحقيقتها كلاهما خاصين فقط بتلك الطبيعة التي تفوق الكل، وهي العالية جدًّا، وتحكم كل الأشياء. فهكذا يقول عنه بولس أيضًا في موضع آخر: ” لأنه وإن وُجد آلهة كثيرون في السماء أو على الأرض، لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو8: 5، 6). ولذلك حيث إننا نعترف بالله والكلمة وحده الذي يملك مع الله الآب، أى نعترف به بالطبيعة وبالحقيقة أنه الرب. فتبعًا لذلك نحن نُعطي هذا الاسم له. ولكنه هو يسأل ” لماذا تدعونني يا رب ولكنكم لا تفعلون ما أقوله؟” لأنه إن كان لا يملك سلطانًا حقيقيًّا، ولا مجد الربوبية، بل على العكس إن كانت الربوبية ممنوحة له من الخارج ومعطاة له كنعمة، فعندئذ لا تقدم له خضوعك. وعندئذ ترفض خدمته، ولا تقبل أن تكون تحت سلطانه كرب لك. ولكن إن كان حقًّا بالمعنى الدقيق هو الرب، وكل طبيعة المخلوقات تنحني تحت صولجانه وهي مثل شيء موضوع تحت قدمي سيده، فحينئذ قدِّم له ما هو حق له. اِقبل النير وقدِّم له طاعتك كحق له، لكي لا تسمعه يوجِّه لومًا لك بالكلمات التي نطقها أحد الأنبياء القديسين للقدماء “ الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فإن كنت أبًا فأين كرامتي، وإن كنت سيدًا فأين هيبتي قال رب الجنود؟” (ملا1: 6).
بل تعالوا ودعونا نرى، بواسطة ما يحدث بيننا، اللوم الذي نصير معرَّضين له بسبب عدم الطاعة. فنحن أنفسنا متعودون أن نطلب من خدمنا طاعة ممزوجة بالخوف، وحينما يتمردون ويطرحون عنهم نير العبودية فنحن نخضعهم بالقيود والتعذيبات والجلد. لذلك، فإن كنا نحن الذين على الأرض ونحن بالطبيعة إخوة لأولئك الذين ينحنون تحت النير، لا نستطيع أن نحتملهم حينما يتمردون، فكيف سيحتمل الله تمردنا، وهو الذي تعبده الرئاسات، والعروش والربوبيات، والذي في حضرته يقف السرافيم الممجدون جدًّا يقدمون له خدمتهم باستعداد؟ لأن داود الإلهي يقول عنهم في المزامير ” باركوا الرب يا جميع ملائكته، السامعين صوت كلامه. باركوا الرب، يا جميع جنوده، خدامه العاملين مرضاته” (مز103: 20، 21).
لذلك فإنه خطر وأمر يستحق دينونة نهائية أن يكون الإنسان غير راغب في الخضوع للمسيح القدير. أما أولئك الذين يُجِلُّون خدمته فسينالون بركات ممتازة جدًّا. لأنه قد قال بواسطة أحد الأنبياء القديسين لأولئك الذين يهربون من نيره ولا يخضعون ليكونوا تحت سلطانه ” هوذا عبيدي يأكلون وأنتم تجوعون، هوذا الذين يطيعونني يترنمون من طيبة القلب وأنتم تصرخون من كآبة القلب ومن انكسار الروح تولولون” (إش65: 13، 14). فها أنت ترى أن تاج أولئك الذين يحملون النير، نير الخدمة هو جميل جدًّا، ويستحق أن يُقتنَى، وهو ثمين جدًّا بينما الباقون يُحكَم عليهم بدينونة شديدة ومتنوعة.
وفي مكان آخر أيضًا يمكنك أن ترى الخادم الحقيقي يُزيَّن بكرامة فائقة، بينما غير المطيع والمهمل فإنه يُرفض بخزي، أو بالحرى يُطرَح إلى الظلمة الخارجية. لأن الذين أخذوا الوزنات وضاعفوا ما أُعطى لهم فإن صاحب الوزنات كرَّمهم ومدحهم، لأنه قال لكل واحد منهم “ أيها العبد الصالح والأمين كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير، أدخل إلى فرح سيدك” (مت 25: 23). أما الذي أخفى الوزنة في الأرض كغير محب للخدمة وكسلان فإنه حكم عليه بعقوبة شديدة لا مفر منها.
وفي موضع آخر قال أيضًا ” فمن هو العبد الأمين الحكيم الذي أقامه سيده على خدمه ليعطيهم الطعام في حينه. طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا. الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله” (مت24: 45، 46).
لذلك فأولئك الذين يحفظون إرادة مخلصنا، يصيرون ممجدين، ويستحقون أن يحاكيهم الآخرون، وأن يُزيَّنوا بالمديح بسبب أمانتهم، بل وأكثر من ذلك فإنهم يحصلون على اسم يُعطَى لهم لأنه قد قال عنهم في موضع مُعيَّن: “والذين يخدمونني سيُدعى عليهم اسم جديد، الذي هو مبارك على الأرض” (إش65: 15س).
وتوجد أيضًا نقطة أخرى أظن أنها ينبغي أن تضاف لما سبق أن قلناه، وهي أنه بالرغبة في الخضوع لكلمات مخلصنا وخدمته، فإننا سنربح في المقابل كرامة الحرية بقرار منه. لأنه قال لأولئك الذين يؤمنون به ” إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق والحق يحرركم” (يو8: 31، 32). لذلك فنحن نربح مجد الحرية بواسطة الخضوع، أي بعبوديتنا له. فهذا يجعلنا أبناء وورثة الله، وشركاء مع المسيح في الميراث الذي يشهد عنه المسيح نفسه قائلاً ” كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية، والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد، فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو8: 34).
لذلك فالرغبة في الخضوع للرب هي التي تأتي بنا إلى الحرية، وإلى الكرامة التي هي امتياز الأبناء الخاص. أما عدم الطاعة فيضعنا وينزل بنا إلى عبودية وضيعة ومخزية حسب القول الحق الأكيد ” إن كل من يفعل الخطية هو عبد للخطية” (يو34:8).
ولكن قد يقول واحد، نعم إن الطاعة للمسيح هي أمر ممتاز جدًّا وتستحق أعلى تقدير لكنها ليست على أي حال أمر سهل، لأن هناك الكثير الذي يقف في طريقنا ويمكن أن يطفئ غيرتنا. وأنا أقول أيضًا نعم لأنه أول كل شيء فإن الشيطان يقاوم كل ما هو جليل، والجسد في ميله إلى اللذة يحارب ضد الروح ” وهذان يقاوم أحدهما الآخر” حسب تعبير بولس الحكيم (غلا5: 17). وناموس الخطية الذي في الأعضاء يقاوِم بضراوة ومرارة. لأني أعرف أن بولس الذي كان متعلمًا في الناموس يناقش هذه الأمور بروعة، لأنه قال ” فإني أُسر بناموس الله حسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي” (رو7: 22، 23). ويقول أيضًا ” إذًا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية” (رو7: 25). وإلى جانب ذلك يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضل وراء اللذات ويولد سرورًا بالشهوات العالمية، ويبعد الإرادة عن حُب التعب في سبيل الفضيلة، فهل بسبب هذا نرفض خدمتنا للمسيح؟ هل هو يأمر بأي شيء مستحيل ولا يمكن عمله؟ وهل يطلب منا شيئًا يفوق حدود طبيعتنا؟ ومَن الذي يتجاسر أن يقول هذا.
لأنه بالتأكيد يجعل كل ما يوصينا به، يتكيَّف مع عقولنا، لذلك حينما تخبرني عن صعوبة الطاعة، فإني أقول لك أيضًا هل الأمور العظيمة والممتازة تأتي بسهولة؟ وهل أولئك الذين يسعون أن يقتنوها ينجحون بدون جهد؟ أم بالعكس فإن هذه الأمور يتم الوصول إليها بالجد والأتعاب؟ فمن هم الرجال الذين يربحون الإكليل عادة في جهاد المباريات؟ هل هم الذين كرسوا أنفسهم كلية للمهارة في فن الكفاح وقد اجتازوا في أتعاب مريرة، لأنهم يحتملون كل شيء حسب تعبير القديس بولس (1كو9: 25)، أم على العكس هم الكسالى والمُتنعِّمون الذين لا يعرفون بالمرَّة ما هو مناسب للرياضيين؟
ومَنْ من أولئك الذين يفلحون الأرض تكون آلة الدراسة عندهم مملوءة بالحِزَم؟ هل هم أولئك الذين يهملون الحرث ولا يقومون بالتعب الشديد الذي للمعول، أم على العكس هم المجتهدون والكادحون الذين يلازمون الأتعاب الضرورية للحصول على محصول وفير؟ الجواب معروف، حتى لو لم ينطق به أحد، إنهم أولئك الذين لهم إرادة العمل وليس أولئك الذين يحبون الراحة، هم الذين تكون لهم حياة سعيدة ولا ينقصهم شيء لازم للحياة الهادئة. والمُرنِّم أيضًا يشهد لهذا في أحد الفقرات التي يذكر فيها الذين يفلحون الأرض كمثال لشيء آخر فيقول: “ كانوا يسيرون بالدموع حاملين بذارهم ويعودون بالفرح حاملين حزمهم” (مز125: 6س). لذلك فالفرح هو ثمرة التعب.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الرب نفسه يحثنا على محبة الجهد في كل سعي يستحق المدح، إذ يقول ” ادخلوا من الباب الضيق لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة ” (مت7: 13، 14). لذلك لاحظوا أن الطريق الضيق يؤدي إلى الحياة، بينما النزول السهل في الطريق الواسع يؤدي بالناس إلى اللهيب والعذابات التي لا تنتهي.
لذلك فإن كنا ندعو المسيح مخلصنا جميعًا، يا رب، فلنعمل الأشياء التي يقولها لنا. لأنه هو نفسه يُعلِّمنا ما هي المنفعة من رغبتنا في أن نعمل ما أُوصينا به، وما هي الخسارة الناتجة من رفضنا أن نطيع، لأنه يقول ” كل من يسمع كلامي ويعمل به يشبه إنسانًا يبني بيتًا ويحفر ويعمِّق ويضع الأساس على الصخر“، أما الذي لا يطيع فهو مثل إنسان يبني بيتًا ولكنه لم يعتنِ بثباته. لأن الذي يطيع ويخضع يكون له وضع ثابت في كل شيء كريم وصالح، لأنه لا يكون سامعًا للناموس فقط، بل عاملاً به، لذلك فهو يشبه بيت مبني بثبات وله أساس لا يمكن أن يتزعزع حتى إن ضغطت عليه التجارب وحتى إن هاجمته الشهوات الساكنة فينا مثل سيل شتوي، أو مِثل طوفان فإنه سوف لا يخسر. أما الذي يميل بسمعه فقط إلى ما يقوله المسيح ولكن لا يحتفظ بشيء في عقله ولا يعمل شيئًا مما أوصى به، فإنه يكون مثل بيت مستعد للسقوط، لأنه سينحرف في الحال إلى أمور غير لائقة حينما تغريه اللذة وتقوده إلى مهاوي الخطية.
لذلك فإن طاعة المسيح كما نؤكد، تأتي بنا إلى كل بركة. وإن كنا نتممها بلا لوم فإن المسيح سوف يتوِّجنا بنعمته، الذي به وله مع الله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
طاعة الوصية – إنجيل لوقا 6 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
لقد أوضح لنا الرب سابقًا أن إدانة الآخرين هي شر فظيع وهي خطر، وتُسبب دينونة نهائية، لأنه قال: ” لا تدينوا لكي لا تدانوا، لا تقضوا على أحد فلا يُقضى عليكم“. وهو الآن يحثنا بكلمات حاسمة أن نتجنب مجرد الرغبة في إدانة الآخرين، ويدعونا بالحرى أن نفحص قلوبنا الخاصة ونحاول أن نحررها من الشهوات التي تسكن فيها ومن ضعفاتها، وذلك بطلب هذا من الله، لأنه هو الذي يشفى المنكسري القلب ويحررنا من أمراض النفس، فهو يقول إن كنتَ أنت نفسك مريض بأمراض أكثر خطرًا وأكثر شدة من أمراض الآخرين فلماذا تهمل أمراضك وتبحث عن أخطاء الآخرين، وبينما أنت عندك خشبة في عينك، فإنك تبدأ اتهامًا ضد أولئك الذين عندهم قذى في عيونهم؟ أخبرني بأي جسارة تفعل أنت هذا؟ أنقِذ نفسك أولاً من جرائمك العظيمة، ومن شهواتك الجامحة، وعندئذ يمكنك أن تصلح من هو مذنب في مجرد أخطاء بسيطة.
هل تريد أن تنظر الأمر بصفاء ووضوح، إذ أنه أمر كريه جدًّا للناس أن تنغلب من هذا الشعور؟ كان ربنا يسوع يسير مرَّة في يوم سبت وسط الحقول وقطف التلاميذ المباركون بعض السنابل، وكانوا يفركونها بأيديهم ويأكلون الحبوب. ولكن بعض الفريسيين اقتربوا وقالوا، هوذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبوت! ومع ذلك فهم أنفسهم كانوا مذنبين بطرق متنوعة في التعدي على الناموس كلية، لأن إشعياء النبي صرخ ضدهم قائلاً ” كيف صارت القرية الأمينة زانية. كانت ملآنة حقًّا، وكان العدل يبيت فيها وأما الآن فالقاتلون. صارت فضتك زغلاً، وتجارك يغشون الخمر بالماء، رؤساؤك متمردون وشركاء اللصوص، يحبون الرشوة، ويتبعون العطايا، لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم” (إش1: 21ـ23س). ومع ذلك فهؤلاء الرجال أنفسهم الذين وجهت إليهم هذه التوبيخات الشديدة جدًّا، اتهموا التلاميذ بكسر السبت!
ولكن المسيح يوجه إليهم توبيخًا عادلاً ويقول لهم “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشِّرون النعنع والشبت والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان. وأيضًا ” أنتم الذين تُصفون عن البعوضة وتبلعون الجمل” (انظر مت32: 23، 24)، لأنه بينما كان تعليمهم عن أمور تافهة، وكانوا يدينون الناس على أمور حقيرة، فقد كان لهم من الوقاحة أن ينظروا إلى تلك الجرائم الثقيلة بلا اهتمام، ولهذا فإن المخلِّص دعاهم ” قبورًا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة” (مت23: 27). وهكذا هو كل مرائي. وحينما يلصقون أي اتهام بالآخرين الذين استسلموا لأي ضعف في أمور صغيرة، فإنهم يستحقون أن يقال لهم: ” أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدًا أن تخرج القذى من عين أخيك“.
لذلك فالوصية، لا غِنى عنها لكل من يريد أن يعيش بالتقوى، ولكن فوق الكل، لأولئك الذين قد اؤتمنوا على تعليم الآخرين. لأنهم كانوا صالحين وعاقلين ويحبون الحياة السامية، وليس مجرد أنهم يعلِّمون عنها، ولكنهم أيضًا يمارسون الفنون الفاضلة ويضعون بسلوكهم نموذج الحياة المقدسة. إن كانوا كذلك فإنهم يستطيعون بوجه مكشوف أن يوبخوا أولئك الذين لا يفعلون نفس الشيء لأنهم لم يتمثلوا بهم، ولا طبعوا أخلاقهم الفاضلة على نفوسهم. ولكن إن كانوا (أي المعلمين) مهملين وينخدعون بسرعة باللذات لفعل الشر، فكيف يمكنهم أن يلوموا الآخرين حينما يكونون هكذا؟ لذلك كتب التلميذ المبارك بحكمة قائلاً: “ لا تكونوا معلِّمين كثيرين يا إخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم” (يع4: 1). لأن المسيح، الذي هو موزع الأكاليل ويعاقب الذين يفعلون الشر، هو نفسه يقول “ من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات، أما من لم يعمل ولكنه علَّم يدعى أصغر في ملكوت السموات” (انظر مت5: 19).
ولكنني أستطيع أن أتخيل واحدًا يقول، كيف نستطيع أن نميِّز الإنسان الذي عنده خشبة في عينه وهو يلوم أولئك الذين عندهم قذى وهم ضعفاء جزئيًّا فقط؟ ولكن ليس هناك صعوبة في هذا لأنه يقول لكل من يريد، إنه يمكن أن يرى الأمر بسهولة إذ يقول ” لأنه ما من شجرة جيدة تصنع ثمرًا رديًّا ولا شجرة ردية تصنع ثمرًا جيدًا، لأن كل شجرة تُعرف من ثمرها“. لذلك فالحياة الفعلية لكل إنسان، هي التي تحدد ما هي أخلاقه، فإنَّ جمال الحياة المكرمة الحقيقية لا يوصف بمجرد الزينات الخارجية أو الفضائل الزائفة، بل بالأعمال التي يفعلها الإنسان، لأن هذه هي ثمار العقل الذي يختار حياة بلا لوم لأجل محبة التقوى، لذلك ينبغي أن نرى من هو الإنسان المقبول حقًّا ومن هو الذي ليس كذلك ليس بواسطة المظهر الخارجي بل بالأفعال. وأيضًا يقول المسيح ” احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة” (مت7: 15)، فانظروا أيضًا إن المسيح يوصينا أن نميز أولئك الذين يأتون إلينا ليس بثيابهم، بل بما هم عليه حقيقة. إنه يقول” بأن كل شجرة تُعرف من ثمارها“. لأنه كما أنه هو جهل وغباء أن نتوقع أن نجد الأنواع الجيدة من الثمار بين الأشواك مثل العنب أو التين، هكذا هو أمر سخيف بالنسبة لنا أن نتخيل أننا يمكن أن نجد في المرائين والنجسين أي شيء يستحق الإعجاب أو أي شيء نبيل. وأنا أعني أي شيء من الفضيلة.
هل تريد أن ترى حقيقة هذا الأمر ثانية؟ هل تريد أن ترى من هم الذئاب الذين يأتون بثياب حملان؟ إذًا فافحص كتابات الرسل القديسين واسمع ما يقولونه عن بعض الناس: ” لأنهم رسل كذبة، فعلة ماكرون يُغيِّرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح، ولا عجب لأن الشيطان نفسه يُغيِّر نفسه إلى شبه ملاك نور. فليس عظيمًا إن كان خدامه أيضًا يغيرون شكلهم كخدام للبر” (2كو11: 13ـ15). هؤلاء يمكن أن نسميهم هم أشواك وعليق، ومثل هؤلاء لا يوجد فيهم أي جزء من الحلاوة، بل كل ما هو مر ومِن طبيعة شريرة، لأن التين لا ينمو من الأشواك ولن نجد بين الأشواك أى شئ مُفرِح، لأن العنب لا ينتج من العليق. إذًا ينبغي أن نعرف حقيقة المعلِّم ليس من المظاهر، بل من أعماله وحياته.
وهذا يتضح أيضًا بإعلان آخر يعلنه ربنا قائلاً: ” الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح“، أما من هو مختلف عن ذلك وقد صار عقله فريسة للاحتيال والخبث فإنه بالضرورة يُخرِج ما هو مخفي في أعماقه. لأن الأمور التي في العقل والقلب تغلب ويتقيأها الإنسان مع تيار الحديث المتدفق. لذلك فالإنسان الفاضل يتكلم بما يليق بأخلاقه، أما من هو غير مستحق وشرير فهو يتقيأ نجاسته الخفية. لذلك، فإن المسيح يعلّمنا كل ما هو لمنفعتنا، ويطلب من تلاميذه أن يكونوا حذرين من الخداع وساهرين وحريصين. لأجل هذا السبب هو يريهم الطريق المستقيم، ويكشف لهم الخداعات التي تقود إلى الشر، لكي عن طريق الهروب من العثرات وبالثبات والرسوخ في العقل وتجاوزهم خطر الخطية، فإنهم يصِلون بسرعة إلى المنازل العلوية ببركة المسيح، الذي به وله مع الله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
شر إدانة الآخرين – إنجيل لوقا 6 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
اقبلوا تلك الأشياء التي تقودكم إلى الحياة الأبدية، لأنه مكتوب أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (مت4:4). كل الكتاب هو بالحقيقة موحى به من الله، ولكن هذا صحيح بنوع خاص من كلام الإنجيل، لأن الله الذي أعطى في القديم الناموس الذي يتكوَّن من رموز وظلال بواسطة خدمة موسى، هو نفسه إذ قد صار إنسانًا تكلم إلينا، كما يشهد بولس الحكيم قائلاً: ” الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عب1:1). فنحن متعلِّمون من الله، لأن المسيح هو بالحق الله وابن الله. لذلك فلنُثبِّت انتباهنا بحرص على ما يقول، ونفحص بتدقيق عُمق ما يعنيه، لأنه يقول: ” ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم“. ومناسب جدًّا أن يُضاف هذا القول على الحديث الذي سبق، لأنه بعد أن بيَّن أن الفقر لأجل الله هو أصل كل بركة، وقال إن جوع القديسين وبكاءهم لن يكون بدون مكافأة، فإنه يتقدم ليتكلم عن الأمور المضادة ويقول عنها إنها تجلب الحزن والدينونة. لأنه يلوم الأغنياء، وأولئك الذين ينغمسون بدون إتِّزان في الملذات وهم دائمًا في الملاهي والأفراح أي في الملذات العالمية، وبذلك فإن المسيح لا يترك وسيلة دون أن يستخدمها لمنفعة الذين يقتربون منه وخاصة الرسل القديسين. لأنه إن كان احتمال الفقر لأجل الله، مع الجوع والدموع ـ التي تعني التعرض للألم والضيقات في سبيل التقوى ـ إن كانت هذه نافعة أمام الله، وهو ينطق بثلاثة تطويبات[1] لأولئك الذين يحتملونها، فإنه ينتج بالضرورة أن أولئك الذين يعتنقون الرذائل المضادة لتلك الفضائل، أن يكونوا معرضين إلى أعظم لوم.
لذلك فإن الناس يمكن أن يُربحوا إلى الرغبة في العمل والفقر الاختياري لأجل الله بواسطة شهوة الأكاليل والمكافأة، وأيضًا من الجهة الأخرى فإنهم يمكن أن يهربوا من الغنى ومن الحياة في التنعُّم واللهو عن طريق الخوف من العقاب الذي يُهدِّدون به. لذلك فهو يقول إن الأولين هم ورثة لملكوت السموات، أما الآخرين فإنهم سيتورطون في بؤس فائق، لأنه يقول ” لأنكم قد نلتم عزاءكم“.
وتُتاح لنا الفرصة أن نرى هذا الحق موضَّحًا بطريقة جميلة في أمثال الإنجيل كما لو كان في رسم، لأننا قد سمعنا الإنجيل يقول إنه كان هناك إنسان غني يلبس الأرجوان والبز، وكان لعازر المسكين مطروحًا عند بابه مضروبًا بالفقر والقروح، والغني لم يشعر بأي إشفاق من نحوه. ولكن الإنجيل يقول إن لعازر حملته الملائكة إلى حضن إبراهيم بينما الغني كان في العذاب واللهيب. وحينما رأى الغني لعازر في راحة وسعادة في حضن إبراهيم، وتوسَّل قائلاً: ” يا أبي إبراهيم ارحمني، وأرسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرد طرف لساني، لأني معذب في هذا اللهيب” (لو16: 24). ولكن ماذا كان جواب إبراهيم المبارك؟ قال: ” يا ابني اذكُر أنك قد استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا، والآن هو يتنعم وأنت تتعذب” (لو16: 25). لذلك فحق هو ما يقوله المسيح هنا عن أولئك الذين يعيشون في غنى وتنعم ولهو: ” لأنكم قد نلتم عزاءكم“، ويقول عن أولئك الشباعى الآن إنهم سيجوعون، وعن الضاحكون الآن إنهم سيحزنون ويبكون.
ولكن هيا بنا ودعونا نفحص الأمر بين أنفسنا. إن مخلِّصنا في أمثاله قد تكلم هكذا ” إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصلِّيا، واحد فريسي والآخر عشار، أما الفريسي فوقف يصلي في نفسه هكذا، اللهم أنا أشكرك أني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار، أصوم مرتين في الأسبوع وأعشر كل ما أقتني. وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع على صدره قائلاً: اللهم ارحمني أنا الخاطئ. الحق أقول لكم إن هذا نزل إلى بيته مبررًا دون ذاك” (لو 18: 10ـ14). لأن الفريسي المتكبِّر كان يفتخر على العشار، وإذ ادَّعى لنفسه رتبة واضع الناموس، أدان رفيقه الذي كان من واجبه أن يظهر شفقة من نحوه. أما العشار فلأنه قد أدان ضعفه الخاص فإن ذلك أدى إلى تبريره، لأنه مكتوب ” أعلن خطاياك أولاً لكي ما تتبرر” (إش43: 26س)، لذلك فلنفك أولئك الذين يعانون من الأمراض ونطلقهم أحرارًا ولا ندينهم، وذلك لكي ما يحِلنا الله من خطايانا، لأنه هو لا يدين بل بالحرى يُظهر رحمة.
والرحمة لها اتصال وثيق بالفضائل التي تكلمنا عنها الآن، وهي الصفة التي يذكرها بعد ذلك، لأنها أمر ممتاز جدًّا وهي تُسر الله جدًّا، وهي مناسبة جدًّا لأقصى درجة ومناسبة جدًّا بصورة فائقة للنفوس التقية، والتي فيما يخصها يكفينا أن نطبع في أذهاننا أنها صفة من صفات الطبيعة الإلهية. لأنه يقول “كونوا رحماء كما أن أباكم السماوي أيضًا رحيم”. لقد أعطانا تأكيدًا كاملاً أننا سنكافأ بيد سخية من الله الذي يعطي كل الأشياء بسخاء لأولئك الذين يحبونه، وذلك لأنه يقول “ كيلاً جيدًا ملبدًا فائضًا يعطون في أحضانكم” (لو6: 38)، ويضيف أيضًا ” لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون يُكال لكم“. ولكن هناك تناقض ظاهر بين الإعلانين، لأنه إن كنا سننال كيلاً جيدًا وملبدًا وفائضًا، فكيف سيُكال لنا بنفس الكيل الذي نكيل به؟ لأن هذا يتضمن مكافأة مساوية لنا وليست مكافأة فائضة جدًّا فوق كل المقاييس. فماذا نقول إذًا؟ إن بولس الكلِّي الحكمة قد حررنا من هذه الصعوبات بأن قدم لنا حلاً لهذه الأمور، لأنه يقول إن ” مَنْ يزرع بالشح” وهو يعني بذلك من يوزع حاجات الحياة الضرورية على أولئك الذين هم في ضيق وعوز بقِلة وكما لو كان بيد مغلقة وليس بسخاء واتساع، ” فبالشح أيضًا يحصد، والذي يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد” (2كو9: 6). وهو يعني بذلك أنه يُعطَى بسخاء، حتى أنه إذا كان أحد ليس له ما يعطيه فإنه لم يخطئ بعدم عطائه، لأن الإنسان يكون مقبولاً بحسب ما له وليس بحسب ما ليس له. وهذا ما علَّمنا إياه ناموس موسى الحكيم جدًّا بالرمز، لأن أولئك الذين كانوا تحت الناموس كانوا يقدمون الذبائح لله بحسب ما يملكون وبحسب ما يستطيعون أن يحتملوا، فالبعض مثلاً يقدمون العجول والبعض يقدمون الكباش، أو الخراف، أو اليمام أو الحمام، أو الدقيق المخلوط بالزيت، ولكن حتى ذلك الذي يقدم هذا (الدقيق) … لأنه ليس له عجل ليقدمه، ورغم أن هذا قليل جدًّا ويمكن الحصول عليه بثمن رخيص جدًّا، فإنه يكون مساويًا للآخر (أي الذي قدم العجل) فيما يخص نيَّته.
هذا أيضًا يجب أن نبحثه فيما بين أنفسنا، لأنه هل كل مَن هو غني، ويملك ثروة وفيرة هو بالتأكيد مقطوع الرجاء من جهة توقُّع نعمة الله؟ هل هو مُغلق عليه تمامًا من جهة رجاء القديسين؟ وهل ليس له ميراث ولا نصيب مع الذين يُكلَّلون؟ نقول ليس الأمر هكذا، بل بالحرى على العكس، إن الرجل الغني لو أظهر رحمة على لعازر لصار مشتركًا في عزائه، لأن المخلِّص أوضح طريقًا للخلاص لأولئك الذين يملكون الغنى الأرضي، بقوله: ” اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم فيالمظال الأبدية “ (لو9:16).
إن بولس المبارك ينطق بالحق حينما يقول: “ إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة” (2كو5: 17)، لأن كل الأشياء قد صارت جديدة فيه وبواسطته، كل الأشياء أي العهد، والناموس وطريقة الحياة. ولكن انظروا بدقة ولاحظوا كيف أن طريقة الحياة الموصوفة هنا تليق بصورة شاملة بأولئك المعلمين القديسين، الذين كانوا عتيدين أن يكرزوا برسالة الخلاص في كل أركان العالم، ومع ذلك فبسبب هذا الأمر نفسه (أى الكرازة)، ينبغي أن يتوقعوا أن مضطهديهم سيكونون كثيرين وأنهم سيتآمرون ضدهم بطرق مختلفة كثيرة. فلو كانت النتيجة إذًا أن التلاميذ قد صاروا ناقمين على هذه المضايقات وكانوا يرغبون في الانتقام من أولئك الذين أزعجوهم، لكانوا قد ظلُّوا صامتين وعبروا بهم دون أن يقدموا لهم الرسالة الإلهية، ولا أن يدعوهم إلى معرفة الحق. لذلك فقد كان ضروريًّا أن يشد ذهن المعلمين القديسين بإحساس عالٍ من واجب الصبر، لكي يجعلهم يحتملوا كل ما يمكن أن يحل بهم، حتى لو شتمهم الناس، وتآمروا ضدهم بلا مخافة. وهكذا كان سلوك المسيح نفسه قبل كل الآخرين، وذلك كمثال لنا، لأنه بينما كان لا يزال معلقًا على الصليب الثمين، وبينما كان الشعب اليهودي يهزأون به، فإنه قدم لله الآب صلوات من أجلهم قائلاً: ” اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ” (لو23: 34). وأيضًا إستفانوس المبارك بينما كان يُرجم بالحجارة، جثا على ركبتيه قائلاً: ” يا رب لا تُقم لهم هذه الخطية” (أع7: 60). وبولس المبارك أيضًا يقول “ نُشتم فنبارِك، يُفترى علينا فنعظ” (1كو4: 12).
لذلك فإن تعليم الرب كان ضروريًّا للرسل القديسين، ونافعًا جدًّا لنا نحن أيضًا لكي يلزمنا أن نعيش بطريقة صائبة ومثيرة للإعجاب، لأنها مملوءة من كل حكمة. ولكن أفكارنا المسبقة الخاطئة وتمرد شهواتنا الشديدة، يجعلها أمرًا صعبًا على أذهاننا أن نتممها. لذلك فهو إذ يعرف أن الإنسان النفساني لا يقبل هذه الأمور ويعتبر أن كلام الروح جهالة وغير ممكن تحقيقه، فهو يفصل هؤلاء (النفسانيين) عن أولئك الذين يستطيعون أن يسمعوا ويقول: أقول لكم أيها السامعون والمستعدون أن تتمموا كلماتي. لأن مجد الثبات الروحاني يظهر في التجارب والأتعاب، لذلك تمثلوا بالمسيح في هذه الأشياء، ” الذي حينما شُتم لم يكن يَشتم عوضًا. وإذ تألم لم يكن يهدد، بل كان يُسلِّم لمن يقضي بعدل ” (1بط2: 23). ولكن ربما ستعترضون قائلين في داخلكم، “المسيح هو الله أما أنا فإنسان ضعيف وليس لي إلاَّ عقل ضعيف وغير قادر أن يقاوم هجمات الشهوة والألم”. إنك تتكلم بصواب لأن عقل الإنسان ينزلق بسهولة إلى الخطأ، ومع ذلك أقول إن الرب لم يتركك محرومًا من رحمته ومحبته. فأنت حاصل عليه في داخلك بواسطة الروح القدس، لأننا نحن مسكنه، وهو يسكن في نفوس أولئك الذين يحبونه. إنه يعطيك قوة لكي تحتمل بنبل كل ما يحل بك، وأن تقاوم برجولة هجمات التجارب. لذلك “ لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير” (رو12: 21).
إن المسيح هو غاية الناموس والأنبياء هذا أمر أعلنه بولس الحكيم جدًّا في (رو10: 4)، لأن الناموس خدم كمؤدِّب لكي يقود الناس إلى سر المسيح. وكما يقول بولس المبارك أيضًا “ ولكن الآن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدِّب” (غل3: 25)، لأننا لم نعد أطفالاً في أذهاننا، بل بالعكس قد نمونا “ إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف4: 12). لذلك فنحن لا نحتاج إلى لبن، بل بالحرى إلى طعام قوي حسب ما ينعم المسيح، بأن يضع أمامنا ذلك الطريق الذي يفوق قوة الناموس، لأنه هو نفسه قال للرسل القديسين ” الحق أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السموات” (مت5: 20). فهذا إذًا ما هو ضروري أن نناقشه، ماذا يعني ” يزيد بركم على” فيما يخص البر بحسب رسالة الإنجيل المخلِّصة.
الناموس المعطى لأولئك الذين في القديم بواسطة موسى حدَّد العين بالعين والسن بالسن، وبينما منع فعل الشر، فإنه لم يوصِ الذين يؤذون أن يحتملوا الأذى بصبر كما أوصى الإنجيل. لأنه يقول “ لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور ” (خر20: 15)، ويضيف أيضًا إلى هذا “عين بعين، ويد بيد، ورجل برجل، وجرح بجرح، ورض برض” (خر21: 24، 25). مثل هذه الوصية تستلزم من الإنسان ألا يجرح الآخرين، وإذ تفترض أنه قد جُرح فإن غضبه من الذي جَرَحَه لا ينبغي أن يمتد أكثر من رد مماثل، ولكن المعنى العام لطريقة الحياة الناموسية لم تكن مرضية لله، لقد أُعطِيَت هذه الطريقة للقدماء كمؤدب لكي تُعوِّدهم قليلاً قليلاً على بر مناسب، وتقودهم بلطف إلى امتلاك الصلاح الكامل، لأنه مكتوب ” أن تفعل البر هو بداية الطريق الصالح” (أم16: 5)، ولكن في النهاية فإن كل كمال هو في المسيح وفي تعاليمه. لأن عنده ” من ضربك على خدك فاعرض له الآخر“. وفي هذا يشير لنا عن الطريق المؤدي إلى أعلى درجة من الصبر. وإلى جانب ذلك فهو يريد ألا نعطي اهتمامًا للغنى حتى أنه إن كان لابسًا ثوب واحد فإنه لا ينبغي أن يحسبه شيئًا غير محتمل أن يعطى معه رداءه أيضًا لو احتاج الأمر إلى ذلك. ولكن هذه فضيلة ممكنة فقط لعقل تحوَّل تمامًا عن الاشتهاء والطمع، لأنه يقول ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه، بل أعط كل من سألك. وهذا برهان بالحق على المحبة والاستعداد لأن تكون فقيرًا. والإنسان الرحيم ينبغي بالضرورة أن يكون مستعدًّا أن يغفر، لكي يُظهِر أعمال محبة حتى لأعدائه.
قد كان محتملاً أن يفكِّر الرسل القديسون أن هذه الأشياء يصعب وضعها موضع التنفيذ، لذلك فإن ذاك الذي يعرف كل الأشياء يتخذ القانون الطبيعي لحب النفس كحكم لما يريد أي واحد أن يحصل عليه مِن الآخر. فهو يقول اعمل مع الآخرين ما ترغب أن يعمله الآخرون معك. فإن رغبتَ أن يكونوا خشنين، وبلا شعور وغضوبين ومنتقمين، ومتخذين موقفًا معاديًا فأظهر نفسك هكذا أيضًا. ولكن على العكس إن رغبت أن يكونوا شفوقين وصفوحين فلا تظن أنه شيء لا يطاق أن تكون أنت كذلك. وفي حالة أولئك الذين يكون موقفهم هكذا فلا حاجة هناك إلى الناموس، لأن الله يكتب في قلوبهم معرفة مشيئته. إذ يقول الرب “ لأني في تلك الأيام سأجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم” (إر31: 32).
عظيم هو مجد الرحمة، ولذلك فحق هو ما كُتِب أن ” الإنسان له قيمة عظيمة، والإنسان الرحيم هو مُكرَّم جدًا” (أم20: 6س)، لأن الفضيلة تردّنا إلى صورة الله، وتطبع على نفوسنا صفات معيَّنة كما لو كانت من الطبيعة السامية جدًّا.
الرب ينزع من أذهاننا شهوة قوية جدًّا وهي أصل ووالدة الكبرياء. فبينما هو واجب على الناس أن يفحصوا أنفسهم ويرتبوا سلوكهم حسب مشيئة الله، إلاّ أنهم يتركون هذا الأمر جانبًا ويشغلون أنفسهم بأمور الآخرين. وهم إذ ينسون ضعفاتهم الشخصية، فإنهم إذا رأوا ضعفًا في الآخرين يجعلونه مبررًا لتصيُّد الأخطاء ووسيلة لتشويه السمعة. فهم يدينون الآخرين، غير عالمين أنهم لكونهم مصابين بنفس الضعفات بالتساوي مثل أولئك الذين ينتقدونهم، فإنهم يدينون أنفسهم، لأنه هكذا أيضًا يكتب بولس الحكيم جدًّا: “لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها” (رو2: 1). بل إنه من واجبنا بالحرى أن يكون لنا رحمة على الضعفاء، مثل أولئك الذين انغلبوا من هجمات الشهوات واصطيدوا داخل شباك الخطية، وأن نصلي لأجلهم ونعظهم، ونقيمهم إلى التعقل ونسعى نحن أنفسنا ألا نسقط في أخطاء مماثلة، لأن ” من يدين أخاه، يذم الناموس ويدين الناموس” (يع4: 11)، كما يقول تلميذ المسيح، لأن واضع الناموس والديان هو واحد. لأن من يدين النفس الخاطئة ينبغي أن يكون أعلى من تلك النفس. ولكن حيث إنك لست كذلك، فإن الخاطئ سيعترض عليك في إدانتك قائلاً: ” لماذا تدين أخاك“. ولكن إن كنت تتجاسر وتدينه دون أن يكون لك سلطان على ذلك، فإنك أنت بالحري الذي سوف تدان، لأن الناموس لا يسمح لك أن تدين الآخرين.
لذلك فإن من ينقاد بإحساس صالح، لا ينظر إلى خطايا الآخرين، ولا يشغل نفسه بأخطاء قريبه، بل بالحري يفحص بدقة عن أخطائه الشخصية. هكذا كان المرنم المبارك ساقطًا بوجهه أمام الله ويقول بخصوص خطاياه “ إن كنت تراقب الآثام يا سيد فمن يحتمل؟” (مز129: 3س)، ومرة أخرى إذ يقدِّم ضعف الطبيعة البشرية كعذر فإنه يتوسل من أجل غفران معقول قائلاً: ” اذكر أننا تراب نحن” (مز102: 14س).
هذا مَثَل أضافه كملحق ضروري جدًّا لِمَا سبق أن قيل. إن التلاميذ المباركين كانوا على وشك أن يصيروا مُتلمِذي ومُعلِّمي العالم، لذلك كان ضروريًّا لهم أن يبرهنوا أنهم يملكون كل شيء ضروري للتقوى، فينبغي أن يعرفوا طريق ومثال الحياة الإنجيلية وأن يكونوا عُمَّالاً مستعدين لكل عمل صالح، وقادرين أن يمنحوا السامعين المتعلمين تعليمًا صحيحًا ومخلصًا يُمثِّل الحق بدقة. هذا ينبغي أن يفعلوه باعتبارهم قد حصلوا أولاً على بصيرة، وعلى عقل مستنير بالنور الإلهي لئلا يصيروا قادة عميان للعميان، لأن الرجال الغارقين في ظلمة الجهل لا يستطيعون أن يقودوا أولئك الذين هم مصابون بنفس الطريقة إلى معرفة الحق، لأنهم إن حاولوا ذلك فإنهم سيسقطون كلهم إلى حفرة الفسق.
وبعد ذلك إذ يلقى جانبًا شهوة الافتخار المتبجحة التي ينغلب منها معظم الناس، فلكي لا يسعوا بتنافس أن يتفوَّقوا على معلميهم في الكرامة أضاف: ” ليس التلميذ أفضل من معلمه“، حتى وإن كان البعض يتقدمون كثيرًا حتى أنهم يصلون إلى فضيلة تعادل فضيلة معلميهم، فإنهم لن يحسبوا أنفسهم أعلى من مستوى معلميهم، بل يكونون متمثلين بهم. وبولس سيكون أيضًا ضامنًا لنا بقوله “ كونوا متمثلين بي كما أيضًا أنا بالمسيح” (1كو11: 1)، ولذلك حيث إن المعلم لا يدين، فلماذا تدين أنت؟ لأنه جاء لا ليدين العالم، بل ليقدِّم رحمة، وبحسب الشرح السابق فإنه يقول إن كنتُ أنا لا أدين، فلا ينبغي لكَ أنتَ التلميذ أن تدين، ولكن إن كنتَ مذنبًا بجرائم أردأ من التي تدين بها الآخر، فكيف تستطيع أن تحفظ نفسك من العار حينما توبِّخ عليها؟ وهذا ما يوضِّحه الرب بمَثَل آخر.