إقامة ابن أرملة نايين – إنجيل لوقا 7 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إقامة ابن أرملة نايين – إنجيل لوقا 7 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إقامة ابن أرملة نايين – إنجيل لوقا 7 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو7: 11ـ17) “ وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي ذَهَبَ إِلَى مَدِينَةٍ تُدْعَى نَايِينَ، وَذَهَبَ مَعَهُ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، إِذَا مَيْتٌ مَحْمُولٌ، ابْنٌ وَحِيدٌ لأُمِّهِ، وَهِيَ أَرْمَلَةٌ وَمَعَهَا جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا:لاَ تَبْكِي. ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ النَّعْشَ، فَوَقَفَ الْحَامِلُونَ. فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أَقُولُ: قُمْ!. فَجَلَسَ الْمَيْتُ وَابْتَدَأَ يَتَكَلَّمُ، فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ. فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ:قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ. وَخَرَجَ هذَا الْخَبَرُ عَنْهُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَفِي جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ “.

لاحظوا كيف يضيف معجزة إلى معجزة، ففي المعجزة السابقة، وهي شفاء عبد قائد المئة حضر هناك بناء على دعوة، أما في هذه المعجزة فإنه يقترب بدون أن يُدعى، إذ لم يدعوه أحد أن يعيد الإنسان الميت إلى الحياة، بل هو يأتي ليفعل هذا من تلقاء نفسه. ويبدو لي أنه قصد أن يصنع هذه المعجزة بعد المعجزة السابقة، لأنه ليس أمرًا بعيد الاحتمال أن نفترض أنه في وقت أو آخر يمكن أن يقول أحد معارضًا مجد المخلص هكذا: “أية أعجوبة حدثت في حالة عبد قائد المئة؟ فرغم أنه كان مريضًا فهو لم يكن في خطر الموت رغم أن الإنجيلي كتب ذلك مُشكِّلاً على أساس ما يرضي وليس على أساس ما هو حقيقي”. لذلك فلكي يوقف اللسان الرديء لمثل هؤلاء المهاجمين يقول الإنجيل إن المسيح قابل الشاب الميت الابن الوحيد للأرملة. إنها كارثة مثيرة للشفقة، وتستطيع أن تثير الرثاء وتجعل دموع الإنسان تفيض. فكانت المرأة ومعها كثيرون، تتبع الميت مذهولة بمحنتها وخائرة.

 

كان الإنسان الميت في طريقه للدفن وكان أصدقاء كثيرون يُشيِّعونه إلى قبره، ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة وأعنى المسيح نفسه، لأنه هو محطِّم الموت والفساد، هو الذي ” به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع17: 28). هو الذي أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً. فهو الذي حرَّر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. لقد تحنن على المرأة، ولكي يوقف دموعها أمر قائلاً “لا تبكي”، وفي الحال أبطل سبب بكائها. كيف وبأية وسيلة؟ إنه لمس النعش وبواسطة نُطق كلمته الإلهية جعل الذي يرقد ميتًا في النعش يعود إلى الحياة، لأنه قال: ” أيها الشاب لك أقول قم“، وفي الحال حدث ما أمر به. فان تحقيق ما حدث كان ينتظر كلماته. ويقول الإنجيل “ فجلس الميت وبدأ يتكلم فدفعه إلى أمه“.

 

أرجو أن تلاحظوا هنا أيضًا دقة التعبير لأن الإنجيل الإلهي لا يقول فقط إن الإنسان الميت جلس لئلا يهاجم أحد المعجزة بمناقشات زائفة بقوله: ” أي أعجوبة هنا إن كان بواسطة حيلة بارعة أو أخرى يجعل الجسد يجلس لأنه لم يتبرهن بعد أنه حي أو تحرر من رباطات الموت “. لهذا السبب فالإنجيل يُسجِّل بمهارة برهانَين واحدًا بعد الآخر كافيَين للإقناع أن الشاب قام بالحقيقة وعاد للحياة فيقول: “فبدأ يتكلم”، والجسد الغير حي لا يستطيع الكلام، وأيضًا، “دفعه إلى أمه”. وبالتأكيد فإن المرأة لم تكن لتأخذ ابنها إلى بيتها لو كان ميتًا.

 

لذلك فأولئك الأشخاص الذين أعيدوا إلى الحياة بقوة المسيح نتخذهم كعربون للرجاء المعد لنا بقيامة الأموات، وهؤلاء كانوا هم: هذا الشاب ابن الأرملة، ولعازر الذي من بيت عنيا، وابنة رئيس المجمع. وهذه الحقيقة سبق أن بشَّر بها جماعة الأنبياء القديسين، لأن إشعياء المبارك يقول” الموتى سيقومون، وأولئك الذين في القبور سيعودون إلى الحياة، لأن الطل الذي منك يشفيهم” (إش26: 19س)، لأنه يقصد بالطل فاعليَّة المسيح المعطيَة للحياة، التي هي بواسطة الروح القدس. والمرنم يشهد متكلمًا بخصوصهم بكلمات موجَّهة إلى الله مخلِّصنا جميعًا قائلاً: ” تحجب وجهك فترتاع…. وإلى ترابها تعود، تُرسل روحك فتخلق، وتُجدد وجه الأرض” (مز104: 29، 30). لأنه بمعصية آدم صارت وجوهنا محجوبة عن الله وصرنا نعود إلى التراب. لأن قصاص الله على الطبيعة البشرية هو “ لأنك تراب وإلى التراب تعود” (تك3: 19)، ولكن في نهاية هذا العالم فإن وجه الأرض سيتجدد لأن الله الآب بالابن في الروح سوف يعطي حياة لكل أولئك الراقدين في داخلها.

 

إن الموت هو الذي أتى بالناس إلى الشيخوخة والاضمحلال، لذلك فالموت كما لو كان قد صيَّرنا شيوخًا وجعلنا نضمحل، لأن “ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال” كما يقول الكتاب (عب8: 13). ولكن المسيح يُجدد لأنه هو الحياة. فإن ذاك الذي خلق في البداية يستطيع أيضًا أن يُجدد إلى عدم الفساد والحياة، لأنه يمكن أن نؤكد أن هذا هو عمل نفس الطاقة والقوة أن يفعل الأمرين الواحد والآخر (أي الخلق والتجديد)، لذلك فكما يقول إشعياء النبي ” ابتلع الموت إذ هو مقتدر“، وأيضًا ” الرب يمسح كل الدموع عن كل الوجوه. هو ينزع عار الشعب عن كل الأرض” (إش25: 8س). ويقصد بعار الشعب الخطية التي تلحق الخزي بالناس وتفسدهم، والتي ستُباد هي والهلاك، وسيتلاشى الحزن والموت وتكف الدموع التي تُذرف بسببه.

 

لذلك لا تكونوا غير مصدقين لإقامة الموتى، لأنه منذ زمن بعيد تمَّم المسيح هذا في وسطنا بجلال إلهي، ولا تدعوا أحدًا يقول إن من أقام اثنين مثلاً أو ثلاثة لا يكون كافيًا أيضًا لحياتنا جميعًا. مثل هذه الكلمات التي تفوح منها رائحة الجهل المطلق هي كلمات سخيفة مضحكة، بل هو صواب بالحري أن نفهم أن المسيح هو الحياة ومعطي الحياة بالطبيعة، وكيف يمكن أن تكون الحياة بالطبيعة غير كافية لجعل الجميع أحياء. إنه يكون نفس الشيء أن يقال بغباوة شديدة، إن النور أيضًا يكفي فقط لإضاءة أشياء صغيرة وليس لإضاءة الكون كله.

 

لذلك  فهو أقام ذاك الذي كان ذاهبًا إلى قبره، وطريقة إقامته كانت واضحة لأن الإنجيلي يقول ” لمس النعش وقال: أيها الشاب لك أقول قم“. ومع ذلك فكيف لم تكن كلمة منه كافية لإقامة الشاب الذي كان راقدًا في النعش، لأن أي شيء يكون صعبًا أو يعسر تحقيقه أمام كلمته؟ فهل يوجد أعظم من كلمة الله؟ فلماذا إذًا لم يُتمم المعجزة بكلمة فقط؟ يا أحبائي الله فعل هذا لكي تعرفوا أن جسد المسيح المقدس فيه فاعلية وقوة لخلاص الإنسان، لأنَّ جسد الكلمة القدير هو جسد الحياة، وقد اكتسى بقدرته. بل لاحظوا كيف أن الحديد حينما يدخل في النار ينتج تأثيرات النار ويحقق وظائفها. هكذا أيضًا لأن الجسد صار جسد الكلمة الذي يعطي الحياة للكل، لذلك صار له أيضًا قوة إعطاء الحياة، وهو يلاشى تأثير الموت والاضمحلال.

 

ليت ربنا يسوع المسيح يلمسنا أيضًا، وهو إذ يخلِّصنا من الأعمال الشريرة ومن الشهوات الجسدية فإنه يُوَحِّدنا مع جماعات القديسين، لأنه هو معطي كل صلاح، الذي به وله مع الله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

إقامة ابن أرملة نايين – إنجيل لوقا 7 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

مقدمة:

تقدم الكنيسة من خلال قراءاتها، المسيح الطبيب الشافى، فى عديد من المناسات، وتكرر هذا حتى يصبح (المسيح) لكل المؤمنين هو طبيبهم الحقيقى، شافى نفوسهم. فعلى سبيل المثال: فى الأحد الخامس من الصوم الكبير (أحد المخلع) تقدمه كشافى لمريض بركة بيت حسدا (يو1:5ـ18)؛ وفى الأحد الأول من شهر بابة (معجزة شفاء المفلوج ـ مر1:2ـ12) تعلمنا أن الإيمان هام وضرورى لمقابلة المسيح الشافى؛ وهكذا من خلال القراءات العديدية التالية نتحدث عن المسيح الطبيب الشافى

1 ـ معجزات الشفاء :

حسب الشواهد الإنجيلية فى قراءات الكنيسة، هناك 6 شواهد سنتحدث عنها توضح أن حضور المسيح وحده، يخلص الإنسان ويشفيه. ولقد أوضح ذلك القديس مقاريوس بقوله إنه : [ لا يستطيع العلم ولا يستطيع غنى هذا العالم أن يشفى نفس الإنسان بل حضور المسيح فقط ][1]. والقديس كيرلس عمود الدين فى عظاته على إنجيل لوقا يؤكد على دور المعجزة فى العمل الخلاصى الذى جاء المسيح ليتممه فالمعجزة أحيانًا تحوّل إلى الإيمان أولئك الذين لم يؤمنوا بالكلمة [2].

(يو1:5ـ18) شفاء مريض بركة بيت حسدا :

يقول القديس أمبروسيوس : [ بسبب أولئك الذين لا يؤمنون كان الماء يتحرك كعلامة تدل على أن الملاك قد نزل. كانت عندهم علامة أما أنتم عندكم إيمان، لأولئك نزل ملاك ولكم أُرسل الروح القدس، لأجل أولئك تحركت المخلوقات، ولأجلكم رب المخلوقات المسيح نفسه يعمل ][3].

(مر1:2ـ12) مفلوج يحمله أربعة :

المعجزة هنا توضح شدة إيمان الشعب بقوة قوة الشفاء الإعجازى التى للمسيح، فبقدر الإيمان يكون الشفاء. لقد أكد المسيح فى المعجزة أن المرض ليس أصلاً من طبيعة الإنسان المخلوق على صورة الله، ولكن لما أخطأ الإنسان نحو الله فقدت طبيعته العناية الحافظة من سلبيات الحياة وأصبح معرض للأمراض. وهنا نرى إيمان المشلول فى إلحاحه على الأربعة الذين حملوه وقدموه للمسيح ، وقوة المسيح فى الشفاء لدرجة اعتبارها أنها قوة خلق جديدة.

(مت5:8ـ13) شفاء عبد قائد المئة :

المسيح يعبّر هنا عن أعمال رحمته الإلهية وعن مشاعر تحننه، فكان انطلاقه نحو بيت قائد المئة ليس عن عجز فى شفاء العبد من بعيد وإنما ليعطينا مثالاً فى الاتضاع[4] فنتمثل به.

(مت21:15ـ28) المرأة الكنعانية :

إن ما صنعته الكنعانية أثبت أن فى قول الرب ” لا تعطوا القدس للكلاب” يعنى أنه ليس عن كل الكلاب يُمنع القدس، فهنا كلاب ناطقة اغتصبت القدس من يد القدوس. إن إيمان المرأة القوى اخترق حدود إسرائيل وملك إسرائيل “ابن داود” وأثبتت أنها على مستوى البنين، حيث كانت حجتها أقوى من طلبها “إن فاض القدس عن المقدسين صار من حق الجائعين”، فهى بذلك ترمز إلى حق الأمم أن يصلوا إلى مستوى حق البنين. إن صمت المسيح هو الذى جعلها تتجرأ وتصرخ وتناديه بلقبه “ابن داود”.

(مت18:9ـ21) شفاء نازفة الدم:

المسيح فى هذا الحادث المفاجئ الذى قطع عليه المسير ـ حيث كان فى طريقه لإقامة ابنة يايرس ـ لا يراجع ولا يعاتب بل يلاطف ويقف، وكأنه كان سائراً فى الطريق لأجل تلك المرأة وليس لإقامة ابنة يايرس. يقول القديس كيرلس: [ حينما فقدت المرأة اليائسة كل رجاء فى البشر … لجأت إلى الطبيب الذى من فوق، من السماء باعتباره هو الذى يستطيع بسهولة وبدون جهد ان يحقق تلك الأشياء التى تفوق قوتنا، وأى شئ يقدره مهما كان فهو يتممه، ولا يوجد ما يستطيع مقاومته… لأنها ربما فكرت داخل نفسها أنه إن كان هو أقوى من الموت، وهو محطم الفساد، فكم بالأكثر يستطيع أيضاً أن يشفيها من المرض الذى أصابها ويغلق بقوته الفائقة ينابيع نزف دمها !.

لذلك اقتربت منه ولمست هدب ثوبه ] [5]. [ولكن هذه المعجزة ] يواصل القديس كيرلس حديثه [ هى موضوع مناسب لإعجابنا، لأن تلك المرأة أُنقذت ، إذ تحررت من حالة من المعاناة مُرة جدًا وغير قابلة للشفاء، وبذلك فنحن نحصل على يقين أكيد أن عمانوئيل هو الله نفسه … لأن كل كائن مخلوق مهما كان، يمنح قوة سواء للشفاء أو ما يماثل ذلك، لا يملك هذه القوة فى ذاته، بل كشيء مُعطى له من الله. لأن المخلوق كل الأشياء هى مُعطاة له، وتتم فيه، ولكن من ذاته لا يستطيع أن يفعل شيئًا. لذلك، كإله قال ” علمت أن قوة قد خرجت منى ” ][6].

2 ـ إقامة الموتى :

(مت18:9ـ26) إقامة ابنة يايرس:

يوجّه القديس كيرلس أنظارنا إلى المسيح وذلك بأن يسأل يايرس عن ماذا يظن فى ذاك الذى يقدم إليه التوسل بإقامة ابنته. فيؤكد القديس كيرلس: [ أن المسيح يملك سلطاناً كاملاً، فهو رب الحياة، وبقرار إرادته الكلية يتمم كل ما يريد. إذ بقوله إنها نائمة يؤكد أنه ليس هناك موت ، وهذا هو السبب الذى يجعلنا نحن الذين لنا رجاء ثابت فى قيامة الموتى، أن نسميهم “الراقدين” لأنهم سيقومون فى المسيح. لأنهم سيقومون فى المسيح، وكما يقول بولس المبارك ” وهم يحيون معه” (رو8:6)] [7].

 

[ والطريقة التى أجرى بها المسيح المعجزة وبحسب رأى القديس كيرلس هى طريقة جديرة بالله. فكما يقول الإنجيل، أمسك بيد الفتاة وقال، يا صبية قومى، فقامت فى الحال. يالقوة هذه الكلمة، وقدرة الأوامر التى لا يستطيع شئ أن يقاومها! ويا لهذه اللمسة المعطية للحياة، من يده، تلك اللمسة التى تبيد الموت، والفساد ][8].

(لو11:7ـ17) إقامة ابن أرملة نايين:

 المسيح هنا يتقدم بدون أن يسأله أحد ويلمس النعش فيتوقف سير الحاملين ويقول للشاب قم فقام. وهكذا أُستعلن المسيح كحامل لسلطان الله على الإقامة من الموت. يقول القديس كيرلس: [ كان الإنسان المسيت فى طريقه للدفن وكان أصدقاء كثيرون يشيعونه إلى قبره. ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة وأعنى المسيح نفسه، لأنه هو محطة الموت والفساد. هو الذى ” به نحيا ونتحرك ونُوجد ” (أع28:17). هو الذى أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً.

فهو الذى حرر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. لقد تحنن على المرأة ، ولكى يوقف دموعها أمر قائلاً ” لا تبكى ” وفى الحال أبطل سبب بكائها، كيف وبأية وسيلة؟ إنه لمس النعش وبواسطة نطق كلمته الإلهية جعل الذى يرقد ميتًا فى النعش يعود إلى الحياة، لأنه قال: ” أيها الشاب لك أقول قم ” وفى الحال حدث ما أمر به … ويقول الإنجيل ” فجلس الميت وبدا يتكلم فدفعه إلى أمه] [9].

 

3 ـ إخراج الشياطين :

(مت22:12ـ28) مجنون أعمى وأخرس :

[ يقول الكتاب ” أحضروا إليه إنسانًا به شيطان أخرس “. والشياطين الخرساء يصعب على القديسين أن ينتهروها، كما أنها أكثر عنادًا من الأنواع الأخرى، وهى وقحة جدًا، ولكن لا يصعب شئ على إرادة المسيح الكلية القدرة، والذى هو مخلصنا كلنا. فللحال أطلق الرجل، الذى أحضروه إليه، حرًا من الروح النجس الشرير، ومن كان لسانه من قبل مغلقًا بواسطة باب ومزلاج، اندفع مرة أخرى إلى الكلام المعتاد. لأن الإنجيل قال عنه إنه أخرس، كما لو كان بدون لسان، أى بلا نطق، ولم يكن سبب الخرس نقص طبيعى ولكن بسبب عمل الشيطان ] [10].

 فالمسيح هنا يقف كخالق، تجاه الشيطان العدو والمقتحم، وهو بإخراجه الشياطين يُعلن عن مجئ ملكوت الله على الأرض وبين الناس. فهو الأقوى الذى ربط الشيطان ونزع سلاحه “الخطية”، هذا السلاح بصليبه. يقول القديس كيرلس [ إن إصبع الله (مت18:12) يقصد بها الروح القدس، لأن الابن يُسمّى يد الله الآب وذراعه، فالآب يعمل كل الأشياء بالابن، وبالمثل فإن الابن يعمل كل شئ بالروح.

فكما أن الأصبع يمتد إلى اليد، كشيء ليس غريبًا عنها ولكن يختص بها بالطبيعة، هكذا أيضًا الروح القدس، لكونه مساوى فى الجوهر فهو مرتبط فى وحدانية مع الابن رغم أنه ينبثق من الله الآب لأن الابن يعمل كل شئ بالروح المساوى. وهنا المسيح يقول عن قصد إنه يخرج الشياطين بأصبع الله متكلمًا، كإنسان، لأن اليهود بسبب ضعف وغباء ذهنهم لن يحتملوه إذا قال ” إنى بروحى الخاص أخرج الشياطين ” ][11].

 

4 ـ غفران الخطايا :

(لو28:7ـ35) محب للعشارين والخطاة :

[ دُعى المسيح من احد الفريسيين ولأن المسيح شغوف ومحب للبشر “يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ” (1تى4:2)، وافق ومنحه ما طلب منه. وإذ دخل اتكأ على المائدة، وفى الحال دخلت امرأة مدنسة بالخطايا مثل واحد لا يفيق من الخمر والسكر، وإذ شعرت بذنوبها وتعدياتها قدمت توسلات للمسيح القادر أن يطهرها ويحررها من كل خطية وينقذها من خطاياها السابقة ” لأنه لا يذكر الخطايا والتعديات ” (عب12:8).

وقد فعلت هذا وهى تغسل قدميه بدموعها وتدهنهما بالطيب وتمسحهما بشعر رأسها. مثل هذه المرأة التى كانت فاسقة وزانية ـ وهى خطية يصعب إزالتها ـ لم تفقد طريق الخلاص، لأنها هربت لاجئة إلى الذى يعرف كيف يخلص ويستطيع أن يرفع من أعماق النجاسة ] [12].

 ويسأل القديس كيرلس مَن يلوم المسيح لسيره مع الخطاة والعشارين قائلاً: [ هل أنت تفعل ذلك لئلا يتأثر ـ المسيح ـ بنجاستهم ؟ هل أنت جاهل تماماً بالأسرار الخاصة به ؟ وهى أن الكلمة إذ هو الله صار منا، أى تجسد لأجلنا، وأن الآب أرسله ليخلص به العالم، لأن الذى يريد أن يخلص الناس فإنه يكون معهم ويحثهم ويؤثر عليهم ليتغيروا ويختاروا الطريق المؤدى إلى الحياة الأبدية] [13].

ويواصل القديس كيرلس حديثه ويقول: [ لا تنزعج إذًا حينما تفكر فى عظم خطاياك السابقة، بل بالحرى اعلم أن نعمة الله التى تبرر الخاطى وتفك الشرير هى أعظم. فالإيمان بالمسيح هو عربون لنا لهذه البركات العظيمة، إنه هو الطريق الذى يقود للحياة، وهو الذى يرفعنا إلى ميراث القديسين، والذى يجعلنا أعضاء ملكوت المسيح][14] .

(لو36:7ـ50) المرأة الخاطئة : (الحب يوازن الإيمان)

إن دعوة المسيح إلى التوبة تعنى فى الأساس تغيير الداخل، فالمريض الذى يحتاج إلى شفاء، والميت الذى يحتاج إلى قيامة، والخاطئ الذى يحتاج إلى توبة، يجد لدى المسيح احتياجه كطبيب حقيقى. وكثيراً ما كشف المسيح إن علة مرض النفس والخطية هو محبة الذات، لذلك أصبح إنكار الذات هو أول محاولة لتغيير الإنسان، فالمسيح الذى جاء ليحمل عن الخطاة خطاياهم ويشفى كل مرض وضعف فى الشعب مازال يشفى فى يومنا هذا .

 

[1] عظات القديس مقاريوس الكبير ـ عظة 45 ص334.

[2] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس : ترجمة ونشر مركز دراسات الآباء 1990 ج1 عظة 23 ص140.

3 Nicene and Post – Nicene Fathers vol.10- On the mysteries.

[4] القديس أمبروسيوس In Heb. Hom32:7.

[5] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة 45 ج1 ص263.

6 المرجع السابق : ص 264ـ265.

[7] المرجع السابق عظة 46 ج1 ص269.

8 المرجع السابق ص 269.

[9] المرجع السابق عظة36 ج1 ص191.

10 تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة 80 ج3 ص 65ـ66.

[11] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة81 ج3 ص70.

12 أنظر تفسير إنجيل للقديس كيرلس ج1 ص 219ـ220.

[13] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة39 ج1 ص215.

[14] المرجع السابق ص224.

المسيح الطبيب الحقيقي

Exit mobile version